الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




غنائم الأيام - الميرزا القمي ج 2

غنائم الأيام

الميرزا القمي ج 2


[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 3 ]

غنائم الايام في مسائل الحلال والحرام للفقيه المحقق الميرزا أبو القاسم القمي (1152 - 1221 ه‍) الجزء الثاني كتاب الصلاة تحقيق مكتب الاعلام الاسلامي - فرع خراسان

[ 4 ]

الطبعة الاولى / 1418 ق، 1376 ش

[ 19 ]

كتاب الصلاة وهو مشتمل على مقدمة وفصول:

[ 21 ]

أما المقدمة فالصلاة في اللغة: الدعاء (1). وفي اصطلاح المتشرعة: هي مجموع الأفعال والصور المعهودة في ألسنة المتشرعة المشروطة صحتها بالقبلة والقيام. أو أنها مجموع المذكورات، جامعة للشرائط التي لا تصح إلا بها. أو أنها مجموع المذكورات، مع كونها ذات ركوع وسجود. والأظهر ذلك مع الاعتبار (2) الأول من الاعتبارين، فيكون إدراج صلاة الأموات بعنوان المجاز. ويؤيده قولهم عليهم السلام: " لا صلاة إلا بطهور " (3) و " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (4). وهذا هو صريح العلامة في التذكرة، وظاهر المحقق في المعتبر (5).


(1) انظر النهاية لابن الاثير 3: 50. (2) في (ح): اعتبار. (3) الفقيه 1: 22 ح 67 التهذيب 1: 49 ح 144 الاستبصار 1: 55 ح 160 الوسائل 1: 256 أبواب الوضوء ب 1 ح 1. (4) عوالي اللآلي 1: 196 ح 2 مستدرك الوسائل 1: 274 أبواب القراءة ب 1 ح 6. (5) التذكرة 2: 259 المعتبر 2: 9.

[ 22 ]

وظاهر بعضهم - كالشهيد في جملة من كتبه - كونها حقيقة فيها (1). والنزاع في ذلك قليل الجدوى. الحق أن ذلك كذلك عند الشارع أيضا، سيما الصادقين ومن بعدهما عليهم السلام. وهي تنقسم إلى: واجبة ومندوبة، لاستحالة انفكاكها عن الرجحان. وأما المكروهات فترجع إلى أحدهما عند المشهور، ويلاحظ الرجحان فيها من حيث نفس طبيعة العبادة عند غيرهم كما هو الأقوى (2). ولا ينافي ذلك زوال الرجحان لعارض وإبقاء الكراهة على معناها الحقيقي في بعض الصور. أما المنهي عنها تحريما فبعضها فاسد أو ليس بصلاة على الأصح، كالذي كان بينه وبين المأمور به عموم وخصوص مطلق، وكذلك ما كان بينهما تعارض من وجه لو قلنا بصدق المنهي عنه عليه على المشهور، لكن الأقوى خلافه، وقد حققنا هذه المطالب في الاصول (3). ثم إن الواجبة على سبيل مطلق الاستعمال منحصرة في سبعة بحكم الاستقراء: اليومية، والجمعة، وصلاة العيدين، والآيات، والطواف، والأموات، وما تلتزم بنذر وشبهه. وتلحق باليومية متعلقاتها من الاحتياط والقضاء ونحوهما. وصلاة الاستئجار يمكن أن تدرج في هذه وفي القسم الأخير. والمندوبة أيضا تنقسم إلى موقتة وغيرها.


(1) الذكرى: 58 غاية المراد 1: 94. (2) انظر القوانين: 142. (3) القوانين: 159.

[ 23 ]

لفصل الأول في جملة أحكام الفرائض وأقسامها الثانوية كالظهر والعصر، الثالثية كالقصر والإتمام، وأحكام النوافل وأقسامها. وأما تفصيل كيفياتها وأجزائها ولواحقها فوظيفة سائر الفصول. وفي هذا الفصل مقاصد:

[ 25 ]

المقصد الأول في اليومية والجمعة وفيه مباحث: الأول: الصلاة اليومية خمس: الظهر والعصر كل واحدة منهما أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء أيضا أربع ركعات، والفجر ركعتان. تجب تلك في كل يوم وليلة على كل مكلف جامع لشرائط التكليف بالضرورة من الدين، والآيات (1)، والأخبار بإيجابها والتأكيد عليها والتهديد على تركها مشحونة (2). ومستحلها كافر يجب قتله من دون الاستتابة، إلا أن يمكن في حقه دعوى شبهة، وذلك في الرجل المسلم فطرة دون غيره. وتفصيل ذلك وظيفة كتاب الحدود. وما ذكرنا من بداهة وجوب تلك الصلاة مطلق إلا الظهر في يوم الجمعة، فإنها تتبدل بركعتين مع الشرائط الآتية والتفاصيل التي ستسمعها.


(1) البقرة: 43، 238 النساء: 103 مريم: 31. (2) انظر الوسائل 3: 28 أبواب أعداد الفرائض ب 11.

[ 26 ]

وجوب صلاة الجمعة في الجملة مما لا ريب فيه بالإجماع والكتاب (1) والسنة المتواترة (2)، بل قد يدعى كونه بديهيا من الدين. الأمر والوجوب اللذان تضمنتهما تلك الأدلة وإن كان يتبادر منهما الواجب العيني المطلق، ولكن جماعة من فقهائنا - وهم عشرة على ما يحضرني الآن - ادعوا الإجماع في مواضع عديدة من كلماتهم على كون وجوبها مشروطا بحضور المعصوم أو نائبه الخاص (3). ويشير إليه قوله عليه السلام في الصحيفة في دعاء يوم الأضحى ويوم الجمعة: " اللهم إن هذا المقام لخلفائك... (4). ومقتضى ذلك: عدم الجواز إذا لم يحصل الشرط، لأن التحقيق أن انتفاء الفصل علة لانتفاء الجنس، ورفع الوجوب مستلزم لرفع الجواز، إلا أن يدعى الإجماع على اشتراط العينية بذلك بحيث تدل تلك الدعوى على بقاء الجواز، فيكون دليلا جديدا، وذلك غير معلوم من مدعيه. القول بأن الإجماع على نفي العينية في صورة عدم الشرط قرينة على أحد معنيي المشترك - وهو التخييري - مدفوع بمنع الاشتراك أولا كما مر، وبعدم جواز استعمال المشترك في معنييه بالنسبة إلى الواجد والفاقد كما هو التحقيق ثانيا (5).


(1) الجمعة: 9. (2) انظر الوسائل 5: 12 أبواب صلاة الجمعة ب 2، 5. (3) منهم الشيخ في الخلاف 1: 626 مسألة 397 وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 560 وابن إدريس في السرائر 1: 303 والمحقق في المعتبر 2: 279 والعلامة في المنتهى 1: 317 والتحرير 1: 43 والشهيد في الذكرى: 230 والمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 371 والشهيد الثاني في روض الجنان: 285، والروضة البهية 1: 663 والمحقق السبزواري في الذخيرة: 298، والفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 242. (4) الصحيفة السجادية: 351. (5) انظر القوانين: 67.

[ 27 ]

ولذلك ذهب جماعة من أصحابنا إلى التحريم، مدعيا بعضهم الإجماع على اشتراط انعقادها أيضا بما ذكر (1)، فيكون شرط الوجوب شرطا للصحة أيضا. رفع النزاع بين الفريقين إما بإثبات الجواز من دليل آخر، ومنع الإجماع على اشتراط الصحة بذلك في غير حال التمكن من الشرط إذ هو القدر المتيقن عند هؤلاء. أو تسليم التحريم، لأن عدم الدليل دليل العدم، وأن انتفاء الشرط مستلزم لانتفاء المشروط لو سلم الإجماع، لا لما ادعى بعضهم أن براءة الذمة لا تحصل إلا بالظهر (2) لظهور بطلانه. والجواز هو المشهور بين أصحابنا (3)، ولا يخلو من رجحان. والدليل هو الروايات، مثل ما رواه في " الأمالي " صحيحا عن الصادق عليه السلام، قال: " احب للمؤمن أن لا يخرج من الدنيا حتى يتمتع ولو مرة، ويصلي الجمعة ولو مرة " (4) ونحو ذلك مما ورد بسياق المستحبات فينزل على ما نحن فيه. وصحيحة زرارة، قال: حثنا أبو عبد الله عليه السلام على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك ؟ فقال: " لا، إنما عنيت عندكم (5). وموثقة عبد الملك، عن الباقر عليه السلام، قال: قال " مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله تعالى ! " قال، قلت: كيف أصنع ؟ قال: " صلوا جماعة " يعني


(1) أنظر الخلاف 1: 626 مسألة 397 والسرائر 1: 303 والمنتهى 1: 336. (2) السرائر 1: 303. (3) منهم الشيخ في النهاية: 107 وأبو الصلاح في الكافي في الفقه: 151 والعلامة في المختلف 2: 238 وولده في الايضاح 1: 119 والشهيد في اللمعة: 32. (4) ورد مضمونه في مصباح المتهجد: 324 والوسائل 14: 443 أبواب المتعة ب 2 ح 7. (5) التهذيب 3: 239 ح 635 والاستبصار 1: 420 ح 1615 المقنعة: 164 الوسائل 5: 12 أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 1.

[ 28 ]

صلاة الجمعة (1). فإن الظاهر أن مثل زرارة وعبد الملك لا يخفى عليهما أصل وجوب الجمعة، وتركهما إنما كان من جهة عدم بسط يد الإمام، وكانا يعرفان الاشتراط، ولذلك قال زرارة: " حتى ظننت " إلى آخره، وقال عبد الملك: " كيف أصنع ؟ " والسياق أيضا لا يفيد إلا الاستحباب. والحمل على أن المراد: صلوا عندكم سرا متقين من المخالفين، بعيد. وعلى فرض التسليم فيثبت الوجوب عينا، وقد أبطلته الإجماعات (2) وأقوى منها وأوضح وأكثر بمراتب شتى أيضا. القول بأن ذلك إذن (3) ينافيه أن المعتبر هو الإذن الخاص، وهو المتنازع. ولا تفيده الروايتان، لعدم تعيين الإمام عليه السلام (4). وأصل صدور الرواية لو كان إذنا لزم أن تكون هذه المعركة في جميع الفرائض والأحكام، ولا اختصاص له فيما نحن فيه بهذه الرواية، بل لا معنى للنزاع حينئذ أصلا. والظاهر أنه لا قائل بالفصل بين زمان الحضور والغيبة، فيطرد الحكم. وأما ما يتمسك به (5) في حال الغيبة بأن الفقيه يقوم مقام الإمام عليه السلام لعموم الدليل (6)، فهو إن سلم فلا يعطي إلا الوجوب العيني، كما هو شأن المنوب عنه.


(1) التهذيب 3: 239 ح 638 الاستبصار 1: 420 ح 1616 الوسائل 5: 12 أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 2. (2) انظر جامع المقاصد 2: 375 ورسائل المحقق الكركي 1: 147، 154 والروضة البهية 1: 665. (3) كما في نهاية الاحكام 2: 14. (4) يعني: عدم تعيين من يصلي بهم وعدم نصب النائب فإن الاذن تستلزم نصب النائب. (5) كما في الذكرى: 231 وجامع المقاصد 2: 375. (6) الكافي 7: 412 ح 5 الفقيه 3: 5 ح 18 التهذيب 6: 301 ح 845 ففيها: فإني قد جعلته عليكم حاكما وأنظر الوسائل 18: 98 أبواب صفات القاضي ب 11.

[ 29 ]

الجواب بأن العينية مرفوعة في حال الغيبة بالإجماع، كما صرح به بعض نقلته (1) يدير الكلام السابق، لأن رفع الفصل يستلزم رفع الجنس. اللهم إلا أن يجعل ذلك تتميم الاستدلال بالروايتين السابقتين، فترتفع مؤنة دعوى عدم القول بالفصل. ولولا دعوى الإجماع على رفع العينية في حال الغيبة لقوي القول بها على ذلك، لعدم منافاته للإجماع على أصل الاشتراط. ولعل التتميم المذكور هو السر في دعوى بعض المحققين الإجماع على اشتراط الجواز بالفقيه العادل (2)، ونسب دعوى الإجماع إلى جماعة من علمائنا (3). ولم نقف على تصريحهم بذلك، وإن كان ليس أصل الدعوى بذلك البعيد كما يظهر من تتبع كلماتهم. والإشكال والخلاف في موافقة الغائبين للحاضرين في الخطابات الشفاهية إنما هو في اشتراط الإمام أو نائبه وعدمه لا غير، فمع ثبوت النيابة في الفقيه لا تبقى هذه المخالفة، مع أنها ليست بمنحصرة في خطاب المشافهة. ولابد أن يحمل كلامه على الأعم من مباشرة الفقيه بنفسه كما يقتضيه عموم النيابة، ويظهر من رخصة الإمام عليه السلام لزرارة بدون تعيين شخص معين أيضا، فتكفي رخصته لمن له أهلية الإمامة. فحينئذ عدم اشتراط الفقيه مطلقا خلاف الاحتياط. كيف كان فالاحتياط في الجمع بينهما، لاشتغال الذمة أول الظهر بأحدهما يقينا، خروجا عن احتمال الوجوب عينا، كما ادعاه جماعة من متأخري


(1) جامع المقاصد 2: 375. (2) رسالة صلاة الجمعة (رسائل المحقق الكركي) 1: 163 جامع المقاصد 2: 379. (3) جامع المقاصد 2: 379.

[ 30 ]

المتأخرين (1)، ونسبه بعضهم (2) إلى إطلاق كلام جماعة من القدماء متشبثا بإطلاق الآية (3) والأخبار (4)، ولكن الأظهر جعل الجمعة أصلا، وتكفي نية التقرب فيهما. وذلك الجمع ليس تشريعا في الدين، لأنه إدخال ما ليس من الدين فيه بقصد أنه من الدين، لا الإتيان بما يحتمل كونه من الدين. بل لا يبعد وجوبه فيما لم يحصل ترجيح أصلا من باب مقدمة إبراء الذمة عما اشتغلت به يقينا، كما ذهب إليه بعض المتأخرين (5). اعلم أنه يظهر من كلمات بعض الأصحاب أن النزاع في الاجتماع، وأما بعد الاجتماع فتجب (6). وهذا التفصيل لا يظهر دليله، ولعل هذا القائل نظر إلى ما سيجئ من صيرورة الجائز واجبا في الذين وضع الله عنهم الجمعة بعد الحضور، وهو قياس. الثاني: تشترط في الجمعة الجماعة بالإجماع والأخبار (7). ويشترط في الإمام: البلوغ، بلا خلاف إلا من الشيخ في الصبي المراهق على ما يفيد إطلاق كلامه (8)، وقد حمل على غير الجمعة (9)، وفي رواية إسحاق بن


(1) كصاحب المدارك 4: 8 والمحقق السبزواري في كفاية الاحكام: 20 والحر العاملي في الوسائل 5: 2. (2) رسالة صلاة الجمعة للشهيد الثاني: 34. (3) الجمعة: 9. (4) أنظر الوسائل 5: 2 أبواب صلاة الجمعة ب 1. (5) وهو المحقق البهائي في الجامع (منه رحمه الله). وانظر الجامع العباسي: 56 وفيه تأمل وقد يستفاد من كلام والد البهائي المنقول في الحدائق 9: 388. (6) قد يظهر من كلام الكراجكي المنقول في الذخيرة: 308. (7) الوسائل 5: 2 أبواب صلاة الجمعة ب 2 1. (8) المبسوط 1: 154 الخلاف 1: 553. (9) كما في المدارك 4: 64.

[ 31 ]

عمار: " ولا يؤم حتى يحتلم (1). العقل، لعدم صحة عبادة المجنون، وعدم الاعتداد بفعله. وفي الأدواري حال الإفاقة قولان، أجودهما الكراهة. والذكورة، بالإجماع في إمامة الرجال، وأما غيرها فالظاهر أيضا ذلك، سيما على القول بعدم انعقاد الجمعة بالمرأة كما سيجئ. الإيمان، والعدالة، وطهارة المولد، بالإجماع والأخبار (2). يكفي في الأخيرة عدم ثبوت كونه ولد زنا، لأنه يحكم بكونه طاهر المولد حينئذ شرعا. وقيل: تكره إمامة ولد الشبهة، ومن لم يعرف أبوه، ومن تناله الألسن. لنفرة النفوس (3). وأما الإيمان، فالمراد منه كونه اثنى عشريا، لما ذكرنا، ولخصوص ما دل على بطلان عبادة المخالف (4) وعدم جواز الاقتداء بالواقفية (5). وفي اشتراط كونه آخذا عقائده على اليقين لا مجرد الإظهار في اللسان كما هو معناه الآخر إشكال، وهل يكفي عدم ظهور الخلاف فيه وفي العدالة أو يجب العلم بهما ؟ ولما كان المراد من العدالة هنا معناها الأخص، فنقتصر على الكلام في العدالة فنقول: الأقوى أنه يجب في جواز إمامته وقبول شهادته ظهور ما يحصل به الظن


(1) الفقيه 1: 258 ح 1169 مرسلا التهذيب 3: 29 ح 103 الاستبصار 1: 423 ح 1632 الوسائل 5: 398 أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 7. (2) الوسائل 5: 44 أبواب صلاة الجمعة ب 29. (3) الذكرى: 230 جامع المقاصد 2: 373 المدارك 4: 70. (4) انطر الوسائل 1: 90 أبواب مقدمة العبادات ب 29. (5) انظر الفقيه 1: 248 ح 1113 والتهذيب 3: 28 ح 98 والوسائل 5: 389 أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 5.

[ 32 ]

بالعدالة من المحاسن. وتحقيق المقام: أن اشتراط العدالة في الإمام إجماعي، فذهب جماعة إلى أنها ملكة نفسانية تبعث على التقوى والمروءة (1). وجماعة من القدماء إلى أنها اجتناب المحارم جميعا (2). وجماعة منهم إلى أنها اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر (3). والمشهور اشتراط عدم الإتيان بما ينافي المروءة أيضا (4). وهذا الخلاف مسبوق بالخلاف في أن المعاصي صغيرة وكبيرة أو كبيرة كلها، والأول هو المشهور سيما بين المتأخرين (5). وذهب جماعة من القدماء إلى الثاني (6)، ويظهر من الطبرسي (7) وابن إدريس (8) انحصار مذهب الأصحاب في ذلك، وجعلا الصغير والكبير إضافيين بالنسبة إلى مراتب المعاصي. والأقوى الأول، لقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (9) و (الذين يجتنبون كبائر الإثم) (10). وفي الصحيفة السجادية: " وقد هربت إليك من صغائر ذنوب موبقة، وكبائر


(1) منهم الشهيد الاول في الذكرى: 230 والمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 372 والشهيد الثاني في روض الجنان: 289. (2) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 725 وابن إدريس في السرائر 1: 280 وج 2: 117. (3) كصاحب المدارك 4: 68. (4) منهم ابن حمزة في الوسيلة: 230. (5) منهم الكركي في رسائله 2: 43 والمقدس الاردبيلي في مجمع الفائدة 2: 351 وصاحب المدارك 4: 67. (6) كالشيخ الطوسي في عدة الاصول 1: 359 والاقتصاد: 144 والحلي في السرائر 1: 280. (7) مجمع البيان 3: 38. (8) السرائر 2: 118. (9) النساء: 31. (10) الشورى: 37.

[ 33 ]

أعمال مردية (1). وعن الصادق عليه السلام: " من اجتنب الكبائر كفر الله عنه ذنوبه (2) إلى غير ذلك من الأخبار القريبة من التواتر، سيما ما ورد في تعداد الكبائر وتحديدها (3)، وهي كثيرة جدا. ظاهر إطلاقاتها تغايرهما بالذات لا بالإضافة. وتمسك الآخرون بأخبار قاصرة: إما سندا أو دلالة، أوضحها قول الصادق عليه السلام: " شفاعتنا لأهل الكبائر من شيعتنا، وأما التائبون فإن الله عزوجل يقول: (ما على المحسنين من سبيل) (4) " (5) حيث قوبل أهل الكبائر بالتائب، فلا ثالث. وفيه ما فيه من عدم الدلالة، سيما مع ملاحظة ما دل على أنه لا تبقى صغيرة مع اجتناب الكبيرة (6)، فلا اعتناء بها. والأقوى: أن الكبائر ما أوعد الله عليها النار أو العذاب في كتابه، كما نطقت به الأخبار المعتبرة (7)، وهو المشهور (8). وقيل: ما يوجب الحد (9).


(1) الصحيفة السجادية: 169. (2) الفقيه 3: 376 ح 1781 الوسائل 11: 250 أبواب جهاد النفس ب 45 ح 4. (3) الوسائل 11: 249 أبواب جهاد النفس ب 45. () التوبة: 91. (5) الفقيه 3: 376 ح 1778 الوسائل 11: 264 أبواب جهاد النفس ب 47 ح 5. (6) انظر الفقيه 3: 376 ح 1781 وثواب الاعمال: 158 ح 2 والوسائل 11: 250 أبواب جهاد النفس ب 45 ح 5 4. (7) الوسائل 11: 252 أبواب جهاد النفس ب 46. (8) انظر الفقيه 3: 369 وإرشاد الاذهان 2: 156 وكفاية الاحكام: 279 والحدائق الناضرة 10: 46. (9) ذهب إليه البغوي من الشافعية كما في الزواجر 1: 4 وتفسير البيضاوي 1: 340 وفيه: كل ذنب رتب الشارع عليه حدا أو صرح فيه بالوعيد ونقل في مجمع البيان 2: 38 عن سعيد بن جبير انه كل ما اوعد الله تعالى عليه في الاخرة عقابا ولوجوب عليه في الدنيا حدا فهو كبيرة.

[ 34 ]

قيل: ما يوجبه في جنسه (1). قيل: ما حرم بدليل قاطع (2). وقيل: كل ما توعد عليه الشارع توعدا شديدا في الكتاب أو السنة (3). وقيل ذلك (4). والأقوى الأول. والسبع الواردة في جملة من الأخبار أكبر الكبائر (5)، فلا يحكم بالانحصار فيها كما يظهر من تقييده في الصحيح بالسبع الموجبات (6). من يقول بأنه ترك جميع المعاصي لعله أخذ ذلك من قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق) (7). ومثل ما ورد في الأخبار من تعليق قبول الشهادة على عدم ظهور الفسق، ففي رواية العلاء بن سيابة عن الصادق عليه السلام: عن شهادة من يلعب بالحمام، قال: " لا بأس إذا لم يعرف بفسق " (8) فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة، وارتكاب كل


(1) ذكره ابن حجر في الزواجر 1: 5 والشهيد في القواعد 1: 226 ونقله عن القاضي أبي سعيد الهروي في تفسير ابن كثير 1: 499. (2) حكاه في تفسير البيضاوي 1: 340. (3) الروضة البهية 3: 129 شرح رمضان أفندي على شرح العقائد: 238 وانظر القواعد والفوائد للشهيد 1: 225. (4) منها ما قالته المعتزلة من أنه ما زاد عقابه على ثواب صاحبه والصغير ما نقص نقله في مجمع البيان 2: 380 ومنها ما في الكشاف 4: 425 من أن الكبائر هي الذنوب التي لا يسقط عقابها إلا بالتوبة أو هي ما نهى الله تعالى عنه من أول سورة النساء إلى قوله تعالى: (إن تجتنبوا..) ونقل هذا عن ابن مسعود في تفسير التبيان للشيخ الطوسي 3: 182 والتفسير الكبير للفخر الرازي 10: 74 أو كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث فاعلها بالدين ذهب إليه الجويني في الارشاد 2: 392 ونقله عنه في القواعد والفوائد 1: 226. (5) الوسائل 11: 251 أبواب جهاد النفس ب 46. (6) الخصال 2: 14 الوسائل 11: 291 أبواب جهاد النفس ب 46 ح 34. (7) الحجرات: 6. (8) الفقيه 3: 30 ح 88 التهذيب 6: 284 ح 784 الوسائل 18: 291 أبواب الشهادات ب 41 ح 6 وص 305 ب 54 ح 1.

[ 35 ]

واحد من المعاصي خروج عن الطاعة. من فصل أخذه من مثل صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، حيث قال فيها: " إنها تعرف باجتناب الكبائر " (1)، ويخصص بها تلك الإطلاقات. ومن فحوى الآيات (2) والأخبار (3) الدالة على كون الصغائر مكفرة بترك الكبائر، فكأن تارك الكبائر لا ذنب له، سيما مع ملاحظة أن الإصرار على الصغيرة كبيرة. خصوص مثل صحيحة أبي بصير - على الظاهر - عن الصادق عليه السلام، قال: سمعته يقول: (ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) قال: معرفة الإمام، واجتنا الكبائر التي أوجب الله عليها النار.. " (4). ومن لزوم الحرج والعسر الشديدين المنفيين لولا ذلك، بل عدم تحقق ذلك عادة إلا للمعصومين. وما اعتذر به ابن إدريس بأنه قادر على التوبة، وإذا تاب تقبل شهادته (5)، ففيه: أن التوبة تتوقف على العزم على عدم العود، والعزم في جميع المعاصي متعذر أو متعسر، إلا أن لا يعتبر العزم في التوبة على قول جماعة (6). وقد يعمم هذا الإشكال بالنسبة إلى المفصل بالنظر إلى نفس التوبة، فإنها واجبة اتفاقا، فتاركها بالنسبة إلى الصغيرة - لو سلم كونها صغيرة - لا يخلو عن إصرار، إلا أن يقال بعدم الوجوب، لكون ترك الكبائر مكفر لها. ولكن الإنصاف أن ظواهر ما دل على كفاية الاستغفار (7) تدل على كفاية إظهار


(1) الفقيه 3: 24 ح 65 الوسائل 18: 288 أبواب الشهادات ب 41 ح 1. (2) النساء: 31. (3) انظر الفقيه 3: 376 ح 1781 الوسائل 11: 250 أبواب جهاد النفس ب 45 ح 4. (4) الكافي 2: 216 ح 20 الوسائل 11: 249 أبواب جهاد النفس ب 45 ح 1. (5) السرائر 2: 118. (6) كما في الذخيرة: 303. (7) انظر الوسائل 11: 268 أبواب جهاد النفس ب 48.

[ 36 ]

التوبة، ولا يجب العلم بالعزم على الترك أو بالندامة على الفعل، مع أن فعل المسلم محمول على الصحة. وأما الإصرار على الصغيرة فهو أيضا من الكبائر، لما ورد في الأخبار: " إنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار " (1). وهو المداومة على الفعل وإكثاره أو العزم عليه ثانيا، سواء اتحد الفعل أو اختلف. وأما لو فعل وذهل عن قصد العود أو التوبة ثم عن له ثانيا فليس بإصرار حتى تحصل الغلبة كذلك. وأما من عرف العدالة بالملكة المذكورة فلعله أخذه من ملاحظة أن المناط في العدالة هو حصول الاعتماد، ولا يحصل إلا بكون الشخص صاحب ملكة التقوى، وإليه يشير ما في المعتبر: " ولا تصل إلا خلف من تثق بدينه وأمانته " (2). وظاهر بعض الآيات والأخبار أيضا أنها أمر وجودي، وليست حقيقتها محض عدم العصيان. ليس هذا ببعيد وإن كنا نكتفي بحسن الظاهر في الكاشف عنه، لعدم المنافاة، لاختلاف المقامين، فإنهم اختلفوا بعد هذا الخلاف فيما تثبت به العدالة. ذهب جماعة من القدماء إلى كفاية ظاهر الإسلام مع عدم ظهور الفسق (3)، وادعى الشيخ في الخلاف على ذلك الإجماع وقال: إن البحث في شهادة العدول كان من محدثات شريك بن عبد الله القاضي (4).


(1) الوسائل 11: 267 أبواب جهاد النفس ب 48. (2) التهذيب 3: 266 ح 755 وفي الكافي 3: 374 ح 5 والوسائل 5: 393 أبواب صلاة الجماعة ب 11 ح 8 بدون وأمانته. (3) نقله عن ابن الجنيد في المختلف 3: 88 والدروس 1: 218. (4) الخلاف (الطبعة الحجرية) 1: 229 كتاب الشهادات.

[ 37 ]

ونقل عن بعض الأصحاب القول باعتبار أزيد من ذلك من حسن الظاهر و كونه ظاهر الصلاح (1). والمشهور بينهم - سيما المتأخرين - وجوب التفحص والتفتيش المحصل للظن الغالب بحصول العدالة، أو شهادة عدلين (2). وأوسط الأقوال أوسطها. جة الأولين: عموم قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) (3) وصحيحة حريز عن الصادق عليه السلام، وفيها: " على الوالي أن يجيز شهادتهم إلا أن يكونوا معروفين بالفسق " (4)، وقد مرت رواية العلاء بن سيابة (5)، والروايات في هذا المعنى كثيرة. وحجة الآخرين: قوله تعالى: < وأشهدوا ذوي عدل منكم > (6) مع ملاحظة الآية السابقة، فإن الإسلام قد استفيد من رجالكم، فهذا التقييد شئ زائد. ورد بأن الزائد هو عدم ظهور الفسق، أو ظهور حسن ما. وقوله تعالى: < إن جاءكم فاسق بنبأ > (7) سيما مع ملاحظة العلة المنصوصة. ويمكن الجواب عنه أيضا بعدم وجوب العلم بذلك بالتفحص، بل يكفي كونه ظاهر الصلاح لما سنذكر. وبذلك يدفع استدلالهم أيضا بأن شغل الذمة بوجوب تحصيل العادل لا تحصل البراءة منه إلا بالتفتيش والتفحص.


(1) كالعلامة في التحرير 1: 52 السبزواري في الكفاية: 279 والمجلس في البحار 85: 34. (2) الدروس 1: 218 روض الجنان: 364 كشف اللثام 2: 370. (3) البقرة: 282. (4) التهذيب 6: 277 ح 759 الاستبصار 3: 14 ح 36 الوسائل 18: 293 كتاب الشهادات ب 41 ح 18. (5) ص 34. (6) الطلاق: 2. (7) الحجرات: 6.

[ 38 ]

وأما الحجة على ما اخترناه فصحيحة عبد الله بن أبي يعفور رواها في الفقيه (1). وهناك أخبار اخر معتبرة اكتفي فيها بكون ظاهره مأمونا، أو بكونه صالحا في نفسه، أو بأن يكون فيه خير ونحو ذلك (2). وتلك المطلقات محمولة على التفصيل المستفاد من صحيحة ابن أبي يعفور. ولا يبعد أن يقال: العمل على مقتضاها هو الظاهر من عبارات كثير منهم، مثل المفيد (3) والشيخ في النهاية (4) والمبسوط (5) وابن البراج (6)، حيث نقل عن كل منهم أنها أن يعرف بالستر والصلاح واجتناب الكبائر، وأن يكون معروفا بالورع عن محارم الله. ويمكن أن يكون مراد الشيخ في الخلاف أيضا أن التفتيش عن الباطن والخلوات لم يكن معهودا، وهو من المحدثات، لا مطلق الاستطلاع عن حاله. ثم إن اعتبار عدم ظهور ما ينافي المروءة - وهي ملكة تبعث على مجانبة ما يؤذن بخسة النفس ودناءة الهمة من المباحات والمكروهات وصغائر المحرمات إذا لم يحصل الإصرار، كالأكل في الأسواق، والبول في الشوارع وقت سلوك الناس، وأشباه ذلك مما يستهجن أمثاله، وسرقة لقمة، والتطفيف بحبة - هو المشهور بين


(1) الفقيه 3: 24 ح 65 الوسائل 18: 288 أبواب الشهادات ب 41 ح 1 وفيها: قلت لابي عبد الله (ع) بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم ؟ فقال: ان تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن وو... (2) الوسائل 18: 288 أبواب الشهادات ب 41. (3) المقنعة: 725 فإنه قال: والعدل من كان معروفا بالدين والورع عن محارم الله عزوجل. (4) النهاية: 325 وفيها: فالعدل أن يكون ظاهره ظاهر الايمان ثم يعرف بالستر والصلاح والعفاف والكف عن البطن والفرج واليد واللسان... (5) المبسوط 8: 217 وفيه: فالعدل في الدين ان يكون مسلما ولا يعرف منه شئ من أسباب الفسق وفي المروءة ان يكون مجتنبا للامور التي تسقط المروءة.. (6) المهذب 2: 556 فإنه قال: وتثبت في الانسان بشروط وهي البلوغ وكمال العقل والحصول على ظاهر الايمان والستر والعفاف واجتناب القبائح ونفي الظنة والحسد والتهمة والعداوة.

[ 39 ]

الأصحاب، وذلك يتفاوت في الأزمان والأوقات والأشخاص. ووجه ذلك: بأنه إما أن يكون من جهة خبل أو قلة حياء، وكلاهما يوجبان رفع الثقة. ويمكن الاستدلال على ذلك أيضا بصحيحة ابن أبي يعفور، حيث قال عليه السلام: " أن يكون ساترا لعيوبه " (1). ولا يعتبر الإتيان بالمندوبات، إلا أن يؤذن تركها بالتهاون بالشرع. وأما الحرف الدنيئة والصنائع المكروهة فغير مضرة جزما. وكذلك مثل الاكتحال بالإثمد، والتحنك بالعمامة في البلاد التي كان فيها مهجورا، لورود الشرع بها (2). ثم إن الظاهر أن العدالة ترجع بالتوبة لو ظهر ما ينافيها على المشهور (3)، بل نفى بعضهم فيه الخلاف (4). بل نقل عن بعضهم الإجماع على رجوعها بالتوبة عما يوجب الحد وإن حد فيه (5). والظاهر عدم التفرقة في ذلك بين القول بالملكة وغيرها كما يظهر من الأصحاب. والأظهر كفاية ظهور التوبة كما مر. الثالث: اختلفوا في اشتراط الحرية والسلامة من الجذام والبرص والحد الشرعي والأعرابية والعمى في الإمام.


(1) الفقيه 3: 24 ح 65 الوسائل 18: 288 أبواب الشهادات ب 14 ح 1. (2) انظر الوسائل 9: 111 أبواب تروك الاحرام ب 33 وج 3: 377 أبواب أحكام الملابس ب 30 ومكارم الاخلاق: 119 45. والاثمد هو الكحل الاصفهاني الاسود. المصباح المنير: 84. (3) انظر اللسرائر 2: 118 والجامع للشرائع: 541 وكشف اللثام 2: 372. (4) كالمجلسي في البحار 85: 30 والسبزواري في الكفاية: 280. (5) تحرير الاحكام 2: 208 كفاية الاحكام: 30.

[ 40 ]

وجواز إمامة العبد مبني على القول بانعقاد الجمعة به، وسيجئ الكلام فيه. وأما سائر المذكورات فالكلام فيها هو الكلام في مطلق الإمامة، إلا في المجذوم والمبروص فقد فصل فيه ابن إدريس فأجازه في غير الجمعة والعيد (1)، وهو ضعيف. ولا يبعد القول باشتراط السلامة عن غير العمى، وسيجئ تمام الكلام في الجماعة إن شاء الله تعالى. الرابع: وجوب الجمعة مختص بالمكلف، الذكر، الحر، الحاضر، السالم عن العمى، والمرض، والهم، والبعد عن أزيد من فرسخين، والمطر. واشتراط التكليف إجماعي. والمفيق خطابه مراعى بإفاقته إلى آخر الصلاة. وكذلك الذكورة والحرية. وفي المبعض - ولو في يومه إذا (2) هاياه المولى واتفق جمعة - والخنثى إشكال، وترجيح السقوط غير بعيد، للأصل، ومنع العموم. وأما الحضر فهو أيضا مقطوع به في كلامهم، مدعى عليه الإجماع (3). وفسر هنا به وبمن في حكمه كالكثير السفر وناوي الإقامة، والضابط عدم التقصير. وفي المخير إشكال وأقوال، ثالثها التخيير، وترجيح السقوط فيه أيضا غير بعيد، لصدق المسافر. والتفسير السابق لو سلم فإنما يسلم فيمن فرضه التمام لا لمن يجوز له.


(1) السرائر 1: 280. (2) في (ح) ولو في يوم ولو. (3) كما في المقنعة: 593 والتذكرة 4: 90 والمدارك 4: 49.

[ 41 ]

وأما العمى فهو أيضا كذلك، ونقل عن بعضهم تخصيصه بصورة المشقة (1)، وهو تقييد النص (2) والفتوى من غير دليل. وأما المرض فإطلاق النص والفتوى يقتضي العموم، وخصه في روض الجنان بما يشق معه الحضور، أو يوجب زيادة المرض (3)، والمعيار صدق المريض عرفا، وهو لا ينفك عن المشقة. وأما الهم - وهو كونه شيخا فانيا - فهو أيضا مقطوع به في كلامهم، مدعى عليه الإجماع (4). وقيده بعضهم بالمزمن أو البالغ حد العجز (5). وبعضهم بذلك أو بما يوجب المشقة الشديدة (6). وإطلاق النص (7) يدفع كل ذلك، إلا أن يدعى القطع بالعلة، ولا نعلمه، وجميع ما ذكر منصوص به في صحيحة زرارة وغيرها (8). وأما البعد عن أزيد من فرسخين فأما اشتراطه بعدم البعد في الجملة فهو أيضا مما لا خلاف فيه، وتدل عليه أيضا صحيحة زرارة وغيرها من الأخبار الكثيرة. لكنهم اختلفوا في تحديد البعد، فذهب جماعة إلى وجوبها على من كان بعيدا


(1) المسالك 1: 241. (2) الوسائل 5: 2 أبواب صلاة الجمعة ب 1. (3) روض الجنان: 287. (4) كما في المنتهى 1: 324. (5) كالعلامة في القواعد 1: 287 والارشاد 1: 257. (6) كالكركي في جامع المقاصد 2: 387. (7) الوسائل 5: 2 أبواب صلاة الجمعة ب 1. (8) الوسائل 5: 2 أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 1 وانطر الكافي 3: 419 ح 6 والفقيه 1: 266 ح 1217 والتهذيب 3: 21 ح 77 وفيها: ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين.

[ 42 ]

بفرسخين وإذا زاد فلا تجب (1)، لحسنة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام، قال: " تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين، فإذا زاد ذلك فليس عليه شئ " (2). وآخرون إلى عدم وجوبها إلا على من كان دونهما (3)، لصحيحة زرارة الناطقة بالسقوط عمن كان على رأس فرسخين. الثمرة في هذا الخلاف نادرة جدا. ولا يبعد القول بأن المفهوم من الاولى الكون في جملة الفرسخين، ومن الثانية خروجه منهما بسبب إقحام الرأس، فهما متفقتان في اشتراط عدم البعد بفرسخين. وكيف كان فالأظهر عدم الوجوب على من بعد بنفس الفرسخين، لو تحقق الفرض. وهناك قولان آخران لابن الجنيد وابن أبي عقيل بالوجوب على من إذا خرج بعد صلاة الغداة أدركها، وبالوجوب على من إذا فرغ من الجمعة وصل إلى منزله قبل دخول الليل (4). ومستندهما صحيحة زرارة (5)، والأولى حملها على الاستحباب. واعلم أن المراد بمن كان على رأس فرسخين هو مادام كذلك، فإن حضر


(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 41 المبسوط 1: 143 الخلاف 1: 594 مسألة 357 السرائر 1: 292. (2) الكافي 3: 419 ح 3 التهذيب 3: 240 ح 641 الاستبصار 1: 421 ح 1619 الوسائل 5: 12 أبواب صلاة الجمعة ب 4 ح 6. (3) الهداية (الجوامع الفقهية): 52 الوسيلة: 103. (4) نقل ذلك في المختلف 2: 227 والمعتبر 2: 290. (5) التهذيب 3: 238 ح 631 الاستبصار 1: 421 ح 1621 الوسائل 5: 11 أبواب صلاة الجمعة ب 4 ح 1. وفيها: الجمعة واجبة على من إن صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة وكان رسول الله صى الله عليه وآله إنما يصلي العصر في وقت الظهر في سائر الايام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وآله رجعوا إلى رحالهم قبل الليل وذلك سنة إلى يوم القيامة.

[ 43 ]

فلا يصدق عليه هذا العنوان، لا أنه هو ولكنه وجب عليه بالدليل الآخر، ولذلك أجمعوا على الوجوب عليه واستشكلوا في غيره كما سيجئ. وأما المطر فادعى على اشتراط ارتفاعه الإجماع في التذكرة (1)، وتدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2). وألحق به بعضهم الوحل والحر والبرد الشديدين مع خوف الضرر وغير ذلك (3). والتحقيق أن كل ما يوجب العسر والحرج فيشترط ارتفاعه، ومن ذلك العرج البالغ حد العجز، أوما يوجب العسر والحرج. ثم إن هؤلاء إذا تكلفوا الحضور هل تجوز لهم الجمعة أم لا ؟ المشهور نعم، ونسب في المدارك نفي الجواز للمرأة إلى المحقق (4)، ولم نجد في كلامه ما يدل على ذلك، فالظاهر أن أصل الجواز وفاقي، وفي كلامهم دعوى الإجماع في كثير منها موجودة (5). ويدل عليه في خصوص المرأة صحيحة أبي همام (6)، وفي خصوص المسافر ما رواه الصدوق في الأمالي صحيحا (7)، وفيهما وفي العبد رواية حفص بن غياث (8).


(1) التذكرة 4: 90. (2) الفقيه 1: 267 ح 1221 التهذيب 3: 241 ح 645 الوسائل 5: 37 أبواب صلاة الجمعة ب 23 ح 1 وفيها: لا بأس ان تدع الجمعة في المطر. (3) التذكرة 4: 90 مجمع الفائدة 2: 344 المدارك 4: 51. (4) المدارك 4: 55. (5) انظر التذكرة 4: 37 والمنتهى 1: 322 223. (6) التهذيب 3: 241 ح 644 الوسائل 5: 37 أبواب صلاة الجمعة ب 22 ح 1 قال: إذا صلت المرأة في المسجد مع الامام يوم الجمعة الجمعة ركعتين فقد نقصت صلاتها. (7) أمالي الصدوق: 19 ح 5 الوسائل 5: 36 أبواب صلاة الجمعة ب 19 ح 2 قال: إيما مسافر صلى الجمعة رغبة فيها وحبا لها اعطاه الله اجر مائة جمعة للمقيم. (8) التهذيب 3: 21 ح 78 الوسائل 5: 34 أبواب صلاة الجمعة ب 18 ح 1 عن الجمعة هل تجب على العبد والمرأة والمسافر ؟ قال: لا قال: فإن حضر واحد منهم الجمعة... هل تجزئه.. ؟ قال: نعم.

[ 44 ]

ولولا هذه الروايات ودعوى الإجماع لتعين الحكم بعدم الجواز، لما تقدم من أن انتفاء الفصل يقتضي انتفاء الجنس، فما يتمسك به من أن الساقط هو وجوب السعي لا وجوب الجمعة لا يتم إلا بضميمة دليل خارجي. وإذا ثبت الجواز ثبت إجزاؤها عن الظهر، لأنه لا معنى لندبية الجمعة بالذات، فيكون أحد فردي التخييري إن لم يثبت التعيين. لكنهم قالوا: إنه يتعين عليهم بعد الحضور في غير المسافر والعبد والمرأة، فقد اختلف كلامهم فيهم، فالشيخ في التهذيب والنهاية (1) والأكثرون (2) أطلقوا الوجوب، وتدل عليه رواية حفص بن غياث المتقدمة. يظهر من الشيخ في المبسوط عدم الوجوب في العبد والمسافر والمرأة وغير المكلف (3)، وتبعه المحقق في المرأة وتردد في العبد (4). اما الإيجاب على غيرهم فلسقوط المشقة التي هي المناط في السقوط، فيندرج هؤلاء في العمومات. وأما في المذكورات فلعدم كون هؤلاء أهل هذه الفريضة مع ضعف الرواية (5)، ويمكن دفعه بأن ضعف الرواية منجبر بالشهرة. ثم إنهم اتفقوا بعد تعين الوجوب على هؤلاء على انعقاد الجمعة بهم واحتسابهم من العدد، إلا في المسافر والعبد فإنهم اختلفوا فيهما. وأما المرأة فظاهرهم عدم الانعقاد بها بلا خلاف، وهو المتبادر من أخبار


(1) التهذيب 3: 21 النهاية: 103. (2) كالسيد ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 560 وعلاء الدين الحلبي في إشارة السبق (الجوامع الفقهية): 81 والعلامة في نهاية الاحكام 2: 45. (3) المبسوط 1: 143. (4) المعتبر 2: 293 الشرائع 1: 86. (5) لجهالة المروي عنه فإن حفص قال: سمعت بعض مواليهم سال ابن أبي ليلى عن الجمعة هل تجب..

[ 45 ]

العدد أيضا (1). اما الانعقاد بغيرهما فيدل عليه مضافا إلى ظاهر الإجماع كونهم أهلا للخطاب، وثبوت الوجوب عليهم بعد السقوط عنهم بالحضور كما تقدم، ويدخلون في الأخبار الدالة على اشتراط العدد أيضا. وأما القائلون بالانعقاد بالعبد والمسافر فمستندهم تلك الأخبار بعد إثبات الوجوب والجواز بما تقدم. أما النافون فتمسكهم أنهما ليسا من أهل هذه الفريضة فكانا كالصبي، وبالإلزام بصحة انعقاد الجمعة بالمسافرين أو العبيد المنفردين. واجيب بمنع ذلك بعد الحضور، وبعدم الوجوب على الصبي على التقديرين، وبالتزام صحة الجماعة المذكورة، وادعى في الذكرى الاتفاق ظاهرا على صحتها (2). واستشكله في المدارك بأن المستفاد من الأخبار أن فرض المسافر هو الظهر لا الجمعة (3). اقول: والأولى أن يقال: إن ذلك خارج عن المسألة، فإن ذلك لا يسمى حضور المسافر، ولا يصدق ذلك إلا مع كون الإمام حاضرا، أو هو مع بعض المأمومين، فإذا استتم العدد بالمسافرين أو العبيد فلا بأس. الخامس: يشترط في وجوبها تحقق العدد في الجملة بإجماع العلماء. وذهب الأكثرون إلى أنه خمسة أحدهم الإمام (4)، وآخرون إلى كون ذلك


(1) الوسائل 5: 7 أبواب صلاة الجمعة ب 2. (2) الذكرى: 233. (3) المدارك 4: 56 وانظر الوسائل 4: 820 أبواب القراءة ب 73. (4) كابن الجنيد كما في المختلف 2: 207 وابن أبي عقيل كما في المعتبر 2: 281 والمفيد في المقنعة: 164، والسيد في جوابات المسائل الموصليات الثالثة (رسائل السيد المرتضى) 1: 222 وجمل العلم والعمل (رسائل السيد المرتضى) 3: 41 وسلار في المراسم: 77.

[ 46 ]

شرطا للجواز فيثبت التخيير، ويتعين الوجوب إذا كانوا سبعة (1)، وهو أقوى، لصحيحة زرارة قال، قلت له: على من تجب الجمعة ؟ قال عليه السلام: " تجب على سبعة نفر من المسلمين، ولا جمعة لأقل من خمسة " (2). وصحيحة عمر بن يزيد الدالة بمفهوم الشرط على نفي الوجوب عن أقل من سبعة (3). ورواية محمد بن مسلم المصرحة بذلك (4)، وصحيحة منصور بن حازم المشعرة بذلك (5). وأما سائر الأخبار الدالة على اعتبار الخمسة مطلقا (6) فمع عدم وضوح دلالتها على الوجوب عينا لا تقاوم ما ذكرنا، فتحمل على كون الخمسة شرط الجواز. وأما إطلاق الآية (7) وسائر الأخبار فبعد ثبوت التقييد في الجملة إجماعا لا يصح الاعتماد عليه. السادس: يشترط في صحتها أن لا تكون هناك جمعة اخرى وبينهما أقل من


(1) كالشيخ الطوسي في النهاية: 103 والخلاف 1: 598 مسألة 359 والجمل والعقود (الرسائل العشر): 190 والقاضي في المهذب 1: 100. (2) الفقيه 1: 267 ح 1218 الوسائل 5: 8 أبواب صلاة الجمعة ب 2 ح 4. (3) التهذيب 3: 245 ح 664 الاستبصار 1: 418 ح 1607 الوسائل 5: 9 أبواب صلاة الجمعة ب 2 ح 10 وفيها إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة. (4) الفقيه 1: 267 ح 1222 التهذيب 3: 20 ح 75 الاستبصار 1: 418 ح 1608 الوسائل 5: 9 أبواب صلاة الجمعة ب 2 ح 9 قال: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ولا تجب على أقل منهم. (5) التهذيب 3: 239 ح 636 الاستبصار 1: 419 ح 1610 الوسائل 5: 8 أبواب صلاة الجمعة ب 2 ح 7 قال: يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زادوا فإن كانوا اقل من خمسة فلا جمعة لهم. (6) انظر الوسائل 5: 7 أبواب صلاة الجمعة ب 2. (7) الجمعة: 9.

[ 47 ]

فرسخ لإجماع أصحابنا، وموثقتي محمد بن مسلم (1). وظاهر الروايتين أن المعتبر مراعاة المسافة الحاصلة بين الجماعتين، وتلك إنما تكون بملاحظة منتهى إحداهما ومبدأ الاخرى، فلا يكفي حصول الفرسخ بين إحداهما وبين من تنعقد الجمعة به من الجماعة الاخرى مثل الصف الأول. قيل: تعتبر من المسجد إن صليت فيه، وإلا فمن نهاية المصلين (2). لعل نظر هذا القائل إلى كون المسجد مظنة الامتلاء، فإنما يصح عقد الجمعة الاخرى إذا علم عدم الامتلاء إلى حد تحصل به المسافة، وهو غير معلوم. فإن اتفقتا بطلتا، لعدم المرجح، وعدم إمكان صحتهما، ويعيدان جمعة. ويحصل الاتفاق بالاستواء في التكبير على ما نسب إلى مذهب علمائنا (3)، وعن بعض العامة في الشروع في الخطبة (4)، وعن الآخر في الفراغ (5). وإن سبقت إحداهما بطلت الاخرى، وادعى في التذكرة عليه الإجماع (6)، ووجهه ظاهر. قد تقيد صحة السابقة بعدم علم كل منهما بصلاة الآخر، للنهي عن الانفراد عن الاخرى الموجب للفساد (7).


(1) الاولى في الكافي 3: 419 ح 7 والتهذيب 3: 23 ح 79 في طريقها عبد الله بن المغيرة وهو واقفي: يكون بين الجماعتين ثلاثة أميال يعني لا تكون جمعة إلا فيما بينه وبين ثلاثة أميال. والثانية في الفقيه 1: 274 ح 1257 والتهذيب 3: 23 ح 80 وفي طريقها إبراهيم بن عبد الحميد وهو واقفي: إذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء ويجمع هؤلاء ولا يكون بين الجماعتين أقل من ثلاثة أميال. (2) جامع المقاصد 2: 411. (3) كما في المدارك 1: 282. (4) السراج الوهاج للغمراوي: 86 مغني المحتاج للشربيني 1: 282. (5) المجموع للنووي 4: 497 مغني المحتاج للشربيني 1: 281. (6) التذكرة 4: 57. (7) كما في روض الجنان: 294.

[ 48 ]

وقد يستشكل فيما لو علمت السابقة بالسبق ولو لم تتحقق السابقة، فيعيدان أيضا ظهرا عند الأكثر (1)، للعلم بحصول جمعة صحيحة فلا تتكرر، ولا تحصل البراءة اليقينية إلا بإعادتهما ظهرا. وقيل: يعيدان جمعة على نحو يجوز، لعدم الاعتداد بما حصل، وإلا فلم تجب الإعادة (2). والمسألة محل إشكال، وهناك فروع واحتمالات مذكورة في كتب الأصحاب لا يهمنا الآن ذكرها. فائدة: الفرسخ: هو ثلاثة أميال بالإجماع والأخبار (3). والميل: أربعة آلاف ذراع، كما نص عليه الأصحاب (4) ودل عليه كلام أهل اللغة (5) و (6). والذراع: أربعة وعشرون إصبعا غالبا. والإصبع: سبع شعيرات، وقيل: ست شعيرات (7). والشعيرة: سبع شعرات من شعر البرذون.. فما ورد في مرسلة محمد بن يحيى الخزاز أن الميل ثلاثة آلاف ذراع


(1) الشرائع 1: 86 التذكرة 4: 59 المختلف 2: 235. (2) المبسوط 1: 149 المدارك 4: 46 ومراده بقوله (على نحو يجوز) هو اتساع الوقت. (3) انطر الوسائل 5: 493 أبواب صلاة المسافر ب 2 1. (4) كالمحقق في المعتبر 2: 467 والشهيد الثاني في الروضة البهية 1: 778. (5) انظر القاموس المحيط 4: 54 والمصباح المنير: 588. (6) قال في القاموس المحيط: إنه مقدار مد البصر من الارض أو مسافة متراخية من الارض أو مائة ألف إصبع إلا أربعة آلاف إصبع والاولان يحملان على الاخير (منه رحمه االله). (7) المصباح المنير 2: 291.

[ 49 ]

وخمسمائة (1)، وفي اخرى واردة فيما وردت فيه السابقة أنه ألف وخمسمائة ذراع (2)، متروك عندهم، والمحكم في أمثال ذلك اللغة والعرف، ولم تثبت حقيقة شرعية فيه، والرواية ضعيفة مهجورة. ثم إن الظاهر من اعتبار الفرسخ هنا والفرسخين في السابق وثمانية فراسخ في القصر ملاحظة البلد، لا خصوص الدار، ولا موضع القيام والجلوس، أو محل إقامة الجماعة، لكن الموثقتان (3) لما كانتا ناطقتين باعتبار ملاحظة الجماعتين، فلا يبعد فيه اعتبارهما. والظاهر في غيره اعتبار البلد مع احتمال أن يعتبر هنا أيضا في موضع الجمعة محل الاجتماع وفي الطرف الآخر البلد، ويعتبر البلد على مقدار الضيق والسعة، فقد يعتبر أصل البلد، وقد تعتبر المحلة ونحو ذلك. السابع: تشترط في صحتها الخطبتان بالإجماع والأخبار، منها قولهم عليهم السلام: " وإنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين (4) وقولهم عليهم السلام: " يصلون أربعا إن لم يكن من يخطب (5). والمشهور أنه يجب فيهما الحمد، والصلاة على النبي وآله عليهم السلام، والوعظ، والقراءة، بل يظهر من المنتهى أنه إجماعي، حيث نسب الخلاف إلى العامة، ونقل عن أبي حنيفة الاكتفاء ب‍ " الحمد لله " (6). ولعل الدليل على الوجوب هو الإجماع، لأن الأخبار المتضمنة لذلك لا تدل


(1) الكافي 3: 432 الوسائل 5: 497 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 13. (2) الفقيه 1: 286 ح 1303 الوسائل 5: 498 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 16 وهي مرسلة. (3) المتقدمتان في ص 47. (4) التهذيب 3: 238 ح 634 الاستبصار 1: 420 ح 1614 الوسائل 5: 8 أبواب صلاد الجمعة ب 2 ح 6. (5) التهذيب 3: 238 ح 633 الاستبصار 1: 419 ح 1613 الوسائل 5: 10 أبواب صلاة الجمعة ب 3 ح 1. (6) المنتهى 1: 326.

[ 50 ]

على أزيد من مطلق الرجحان. وعن المرتضى إلحاق الشهادة لمحمد صلى الله عليه وآله بالرسالة موضع الصلاة في الأولى، وافتتاح الثانية بالحمد والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، والدعاء لأئمة المسلمين (1). واختلف كلامهم في القراءة، فيظهر من بعضهم لزوم سورة خفيفة في كليهما (2)، ومن آخر في الأولى خاصة (3)، ومن آخر كفاية قراءة آية تامة الفائدة فيهما (4) أو في الاولى خاصة (5). والمشهور قراءة سورة في الاولى خاصة في آخرها كما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم، ولكن في آخر الخطبة الاخرى فيها قال: " ويكون آخر كلامه < إن الله يأمر بالعدل والإحسان > (6) الآية " (7). فالأولى أن لا تترك القراءة في الخطبتين، ولا يكتفى بآية في الأولى، للأمر بقراءة سورة فيها. يكفي في المذكورات المسمى، ولا يتعين فيها لفظ، وإن كان الأفضل العمل بالمأثور لفظا وترتيبا. والمشهور وجوب العربية، للتأسي. وقال في الذكرى: لو لم يفهم العدد العربية احتمل جوازه بالعجمية


(1) نقله عنه في المعتبر 2: 284 والتذكرة 4: 67 والذكراى: 236. (2) المبسوط 1: 147 الوسيلة: 103 قواعد الاحكام 1: 285. (3) المختصر النافع 1: 35 المعتبر 2: 284. (4) حاشية الارشاد للشهيد الثاني 1: 156. (5) نقله عن المصباح في المعتبر 2: 284 والتذكرة 4: 67. (6) النحل: 90. (7) الكافي 3: 422 ح 6 الوسائل 5: 38 أبواب صلاة الجمعة ب 25 ح 1.

[ 51 ]

تحصيلا للغرض (1). اقول: ومقتضى الدليل وجوبه حينئذ. وربما احتمل سقوط الصلاة لانتفاء الشرط وعدم ثبوت التوظيف بالعجمية. والأظهر الوجوب بالعجمية حينئذ، لأن الظاهر أن الخطبة مثل العقود الشرعية، وورودها بالعربية لموافقة السنة المخاطبين، والاحتياط في الجمع. ولا يبعد وجوب تعلمهم معناها على القول بعدم جواز العجمية أولا، والاكتفاء بها مع العجز. ويجب تقديمهما على الصلاة بلا خلاف معروف، والأخبار به مستفيضة (2). وما خالفها منها شاذ مهجور. ويجب القيام إلا مع العجز، للإجماع، والأخبار، منها صحيحة معاوية بن وهب (3)، والظاهر أنه شرط الصحة، وجواز الجلوس مع العجز إذا لم تمكن الاستنابة (4). وفي وجوب اتحاد الخطيب والإمام قولان (5)، أظهرهما نعم، لتوقف البراءة اليقينية عليه، وهو المعهود من صاحب الشرع. وينبه كونهما بمنزلة الركعتين على ذلك.


(1) الذكرى: 236. (2) الوسائل 5: 30 أبواب صلاة الجمعة ب 15. (3) التهذيب 3: 20 ح 74 الوسائل 5: 31 أبواب صلاة الجمعة ب 16 ح 1 قال: إن أول من خطب وهو جالس معاوية إلى أن قال: الخطبة وهو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها قدر ما يكون فصل ما بين الخطبتين. (4) نعني في الخطبة والصلاة معا أو في الخطبة على القول بجواز تغاير الخطيب والامام (منه رحمه الله). (5) القول بوجوب الاتحاد للراوندي في فقه القرآن 1: 135 والعلامة في المنتهى 1: 324 والشهيد في الذكرى: 234 والقول بعدم الوجوب للعلامة في نهاية الاحكام 2: 18.

[ 52 ]

ومن ذلك ينقدح اعتبار الطمأنينة حالها أيضا. ويجب الفصل بينهما بجلسة خفيفة، لخصوص صحيحة معاوية بن وهب، بل ولا يتكلم فيها كما في الصحيحة، واعتبروا فيها الطمأنينة أيضا للتأسي (1). وفي اشتراط الطهارة خلاف وإشكال، والأظهر الاشتراط، لتحصيل البراءة اليقينية، ولظاهر صحيحة عبد الله بن سنان: " فهي صلاة حتى تنزل " (2) وما رواه في الفقيه مرسلا عن أمير المؤمنين عليه السلام (3)، وانفهام بدليتهما من الركعتين من غيرهما أيضا (4). ويؤيده ظاهر استمرار العمل والتزامه في الأعصار والأمصار، وما يستفاد من الأخبار أنه إذا تمت الخطبة يقوم فيصلي (5). وليس للمنكر إلا الأصل. والأظهر وجوب رفع الصوت بها بحيث يسمع العدد، لحصول الغرض. ولو منع عن السمع مانع سقط الوجوب. وربما احتمل سقوط الصلاة أيضا إذا لم يتمكن العدد المحصل للجمعة منه، لعدم ثبوت التعبد. والمسألة مشكلة. ومما تقدم يظهر أن الأقوى وجوب الاستماع. أما الإنصات فالأكثر أيضا على الوجوب، وعن الشيخ أنه إجماعي (6)، ويؤيده قوله عليه السلام: " فهي صلاة حتى تنزل (7) وما في معناه.


(1) كما في المدارك 4: 39. (2) التهذيب 3: 12 ح 42 الوسائل 5: 15 أبواب صلاة الجمعة ب 6 ح 4. (3) الفقيه 1: 269 ح 1228 الوسائل 5: 29 أبواب صلاة الجمعة ب 14 ح 2 إنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين جعلتا مكان الركعتين الاخيرتين فهما صلاة حتى ينزل الامام. (4) انظر الوسائل 5: 14 أبواب صلاة الجمعة ب 6. (5) انظر الوسائل 5: 14 أبواب صلاة الجمعة ب 6. (6) الخلاف 1: 615 مسألة 383. (7) التهذيب 3: 12 ح 42 الوسائل 5: 15 أبواب صلاة الجمعة ب 6 ح 4.

[ 53 ]

وقيل بالاستحباب للأصل (1)، وظاهر صحيحة محمد بن مسلم: " فلا ينبغي لأحد أن يتكلم حتى يفرغ " (2). والأول أقوى، سيما إذا توقف الاستماع عليه. ومن جميع ذلك يظهر أن الأقوى تحريم الكلام على الخطيب أيضا في الأثناء، بل الحرمة فيه أولى وأظهر. وبالجملة الظاهر من بدليتهما عن الركعتين وكونهما مثل الصلاة ترتب أحكام كثيرة عليها، حتى ذهب السيد إلى تحريم جميع ما يحرم في الصلاة فيها (3). وفي الفقيه مرسلا عن أمير المؤمنين عليه السلام: " لا كلام والإمام يخطب، ولا التفات إلا كما يحل في الصلاة، وإنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين جعلتا مكان الركعتين الأخيرتين، فهي صلاة حتى ينزل الإمام " (4). وهل تبطل الخطبة ؟ قيل: لا، لتعلق النهي بالخارج (5) و (6)، ولا يخلو من الإشكال. وأما وجوب السكوت بين الخطبتين فلا دليل عليه وإن كان راجحا، لصحيحة محمد بن مسلم (7). وأما بعد الفراغ قبل أن تقام فلا بأس به، لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة،


(1) المبسوط 1: 148. (2) الكافي 3: 421 ح 2 التهذيب 3: 20 ح 71، 73 الوسائل 5: 29 أبواب صلاة الجمعة ب 14 ح 1. (3) نقله عن مصباح السيد في المعتبر 2: 295. (4) الفقيه 1: 269 ح 1228 الوسائل 5: 29 أبواب صلاة الجمعة ب 14 ح 2. (5) في (ح) (م): الخارج. (6) المدارك 4: 64. (7) الكافي 3: 421 ح 2 التهذيب 3: 20 ح 71، 73 الوسائل 5: 29 أبواب صلاة الجمعة ب 14 ح 1.

[ 54 ]

وصحيحته الاخرى (1). ويستحب للخطيب التردي ببرد يمنية، وأن يتعمم ويتوكأ على عصا أو قوس أو سيف، وأن يستقبل الناس ويسلم عليهم أول ما يصعد، ويجلس حتى يفرغ المؤذن، وكل ذلك مستفاد من الأخبار (2)، ولا بأس بضعف سند بعضها. وأن يكون بليغا متعظا بجميع ما يعظ به، ليكون كلامه أوقع في النفوس. تذنيبان الأول: يستحب يوم الجمعة الغسل، وقد تقدم الكلام في كيفيته وأحكامه، والبكور إلى المسجد الأعظم، ففي الخبر: " إنكم تتسابقون إلى الجنة على قدر سبقكم إلى الجمعة " (3). وأن يكون ذلك بعد حلق الرأس، وقص الأظفار، وأخذ الشارب، بل تستحب هذه في ذلك اليوم مطلقا. وكذلك التطيب، وتسريح اللحية، ولبس أفضل ثيابه وأنظفها، بل ومطلق التزين. وكونه على سكينة ووقار، وفعل الخير ما استطاع. وأن يدعو أمام توجهه إلى الجمعة بالمأثور (4). كل ذلك مأثور إلا حلق الرأس (5)، فيمكن استفادته من التزين، ويمكن الاستدلال برواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " إني لأحلق كل جمعة


(1) الفقيه 1: 269 ح 1229 الوسائل 5: 29 أبواب صلاة الجمعة ب 14 ح 3 قال: لا بأس أن يتكلم الرجل إذا فرغ الامام من الخطبة يوم الجمعة ما بينه وبين أن تقام الصلاة. (2) انظر الوسائل 5: 15 أبواب صلاة الجمعة ب 6. (3) الكافي 3: 415 ح 9 التهذيب 3: 4 ح 6. (4) انظر التهذيب 3: 142 ح 316 والاقبال: 280 والبحار 86: 329 ح 1. (5) انظر الوسائل 5: 47 أبواب صلاة الجمعة ب 32، 33.

[ 55 ]

فيما بين الطلية إلى الطلية " (1). الثاني: يحرم السفر والبيع بعد زوال الجمعة. أما السفر، فلاجماع أصحابنا وأكثر العامة (2). ولتنبيه قوله تعالى: < وذروا البيع > (3) على ذلك، سيما مع التعليل بقوله تعالى: < ذلكم خير لكم >. ولقوله عليه السلام: " من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة، لا يصحب في سفره، ولا يعان على حاجته " (4). وقد يستدل بأنه مستلزم لترك الجمعة، والصغرى وكلية الكبرى بل أصلها ممنوعات. أو بأنه ضد المأمور به، فيكون منهيا عنه، وهو أيضا ممنوع كما حققناه في الاصول (5). ولو كان بين يديه جمعة اخرى يدركها في محل الترخص ففي جواز السفر قولان (6)، أظهرهما العدم، لأن المكلف بها الجمعة المتأصلة في التكليف، لا الجائزة بعد الحضور، فتشمله الأدلة. وقيل: يجوز بناءا على أن السفر الطارئ (7) على الوجوب لا يسقطه، كوجوب التمام على المسافر لو دخل الوقت وهو في البلد (8).


(1) الكافي 6: 485 ح 7 الفقيه 1: 71 ح 286 الوسائل 1: 416 أبواب آداب الحمام ب 60 ح 7. (2) الام 1: 189 المغني والشرح الكبير 2: 161، 217، السراج الوهاج: 84. (3) الجمعة: 9. (4) التذكرة 4: 17 كنز العمال 6: 715 ح 17540. (5) القوانين: 116. (6) اختار القول بالجواز الكركي في جامع المقاصد 2: 421، واختار المنع صاحب المدارك 4: 61. (7) في (م) زيادة: بناءا. (8) جامع المقاصد 2: 421.

[ 56 ]

وهذا وهن على وهن، لبطلان الأصل كما سنحققه. وأما البعيد بفرسخين فلما كان تكليفه الخروج قبل الزوال إلى الجمعة من باب المقدمة كالحج، فلا يبعد القول بتحريم سفره بعد ضيق الوقت إلا عن المقدمة إن كان على غير صوب الجمعة. وأما لو سافر في صوب الجمعة فقيل: يجب عليه الحضور عينا (1). واحتمل في الذكرى عدم كون هذا المقدار محسوبا من المسافة، لوجوب قطعه على كل تقدير (2). وربما يضعف بأن ذلك لا يخرجه عن كونه جزء المسافة (3). والذي يمكن أن يستدل به للوجوب أن كل ما يستلزم وجوده عدمه فهو باطل بديهة، ويلزم من تحريم هذا السفر عدم تحريمه لأن الحرمة إنما هي لأجل تفويت الجمعة، وحينئذ فإن كان حراما كانت الجمعة واجبة فيه كما تقدم، وإذا بقي وجوب الجمعة فتنتفي الحرمة. فإن قلت: إن هذه الحرمة توصلية، وسنقول في مباحث القصر إنه لا يجب التمام على المسافر التارك لتحصيل الواجب، ولا يعتبر اقتضاء الأمر بالشئ النهي عن ضده. قلت: قد بينا في الاصول الفرق بين ما كان من المقدمات منصوصا عليها وغيرها، فلا نمنع من صدق المعصية الواردة في أخبار القصر على ما نص الشارع بالنهي عنه، مضافا إلى ما أشار إليه بالأمر بأصل الواجب، بخلاف ما انحصر أمره في الثاني، وما نحن فيه من قبيل الأول. ثم إنهم ذكروا أن حرمة السفر إنما هي إذا لم يكن واجبا كالحج، أو مضطرا إليه


1 و 2 الذكرى: 233. (3) كما في المدارك 4: 62.

[ 57 ]

لدفع الضرورة (1). وأما البيع فلاجماع العلماء وصريح الآية (2)، والظاهر أن النداء كناية عن حضور الوقت. وفي إلحاق سائر المعاملات إشكال، والأظهر الإلحاق، لتنبيه الآية على ذلك، سيما مع ملاحظة ما بعدها إلى آخر السورة. وفي صحته قولان، أظهرهما ذلك، لعدم دلالة النهي في المعاملات على الفساد مطلقا. مع أن الظاهر أنه عن أمر خارج، وهو الحرمان عن الصلاة، وتحقيقه في الاصول (3).


(1) جامع المقاصد 2: 421 المدارك 4: 61. (2) الجمعة: 9. (3) القوانين: 161. 1 - جامع المقاصد 2: 421، المدارك 4: 61. 2 - الجمعة: 9. 3 - القوانين: 161.

[ 58 ]

المقصد الثاني في باقي الصلوات المفروضة وفيه مطالب: المطلب الأول في صلاة العيدين الفطر والأضحى وفيها مباحث: الأول: في وجوبها وجوبها عينا إجماعي كما نقله جماعة من الأصحاب (1)، والأخبار المستفيضة جدا ناطقة بأن صلاة العيدين فريضة (2). وذكر جماعة من المفسرين أن المراد من الصلاة في آيتي الأعلى والكوثر هما الصلاتان (3)، ووردت به الرواية أيضا (4).


1. المعتبر 2: 308، التذكرة 4: 119، نهاية الاحكام 2: 55، المنتهى 1: 339، جامع المقاصد 2: 440. 2. الوسائل 5: 94 أبواب صلاة العيد ب 1. 3. تفسير القمي 2: 417، التبيان 10: 418، مجمع البيان 5: 476، تفسير أبي الفتوح 5: 594. 4. انظر الفقيه 1: 320 ح 1457، والتهذيب 3: 127 ح 269، 270، والاستبصار 1: 443 ح 1710، 1711.

[ 59 ]

ويعتبر فيها أكثر شروط الجمعة. أما السلطان العادل أو من نصبه، فظاهر الفاضلين (1) وصريح الشهيد الثاني (2) الإجماع عليه، ولم ينقل في ذلك مخالف من الأصحاب. واستدل عليه بروايات كثيرة معتبرة متطابقة الدلالة على أنه " لاصلاة إلا مع إمام في جماعة، أو إلا مع الإمام في جماعة " ونحو ذلك (3). وقد يناقش في دلالتها، لاحتمال إرادة إمام الجماعة. ويمكن دفعه بعد تسليم عدم الظهور في المعصوم سيما العبارة الأخيرة: أن التشابه في الدلالة أيضا يكفي، لأن العام المخصص بالمجمل إنما يجوز التمسك به في غير ما يحتمله المخصص. مع أن ظاهر موثقة سماعة عن الصادق عليه السلام أيضا إرادة المعصوم قال، قلت له: متى ذبح ؟ قال: " إذا انصرف الإمام " قلت: فإذا كنت في أرض ليس فيها إمام فاصلي بهم جماعة ؟ فقال: " إذا استقبلت الشمس " وقال: " لا بأس أن تصلي وحدك، ولا صلاة إلا مع إمام " (4) بأن يجعل " فاصلي بهم جماعة " استفهاما، وجوابه عليه السلام تقريرا له وتعيينا للوقت، وقوله " لا صلاة إلا مع إمام " نافيا للفريضة، بل يتم إن جعل " فاصلي " عطفا على كنت أيضا. وتدل عليه أيضا عبارة الصحيفة السجادية المتقدمة في الجمعة (5) وما ورد في الأخبار من تجديد الحزن لآل محمد صلى الله عليه وآله في كل من العيدين، لأنهم


1. المحقق في المعتبر 2: 309، والعلامة في المنتهى 1: 342. 2. روض الجنان: 299. 3. الوسائل 5: 96 أبواب صلاة العيد ب 2. 4. التهذيب 3: 287 ح 861، الوسائل 5: 96 أبواب صلاة العيد ب 2 ح 6، وص 135 ب 29 ح 3، وفي الجميع: إذا استقلت. 5. الصحيفة السجادية: 351.

[ 60 ]

يرون حقهم في يد غيرهم (1). وأما العدد، فهو أيضا إجماعي كما ادعاه في المنتهى، ويظهر من المعتبر (2). والأقوى اعتبار الخمسة، لصحيحة الحلبي (3). واشترط ابن أبي عقيل السبعة (4)، ولم نقف على دليله. وكذلك اشتراط الجماعة منصوص عليه بالأخبار المعتبرة (5). وأما الاتحاد فظاهرهم حيث أطلقوا مساواتها للجمعة في الشرائط (6)، وصريح بعضهم اعتبار الاتحاد (7)، بمعنى اعتبار الفرسخ بين الصلاتين. ويمكن استفادة ذلك من عموم الأخبار الدالة على نفي الصلاة إلا مع إمام (8) إذا جعلناها ظاهرة في المعصوم. وربما يستدل عليه بقول أمير المؤمنين عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم: " لا اخالف السنة " في جواب من قال له: " ألا تخلف رجلا يصلي في العيدين ؟ " (9). والظاهر أن المراد التخليف في البلد للضعفة الذين لا يقدرون على الخروج كما يظهر من الذكرى (10)، وصرح به في المعتبر والخلاف (11).


1. الوسائل 5: 136 أبواب صلاة العيد ب 31. 2. المنتهى 1: 342، المعتبر 2: 309. 3. الفقيه 1: 331 ح 1489، الوسائل 5: 142 أبواب صلاة العيد ب 39 ح 1. 4. نقله عنه في المختلف 2: 251. 5. الوسائل 5: 95 أبواب صلاة العيد ب 2. 6. المبسوط 1: 169، المعتبر 2: 309، الشرائع 1: 90. 7. الكافي في الفقه: 154، الغنية (الجوامع الفقهية): 562. 8. انظر الوسائل 5: 95 أبواب صلاة العيد ب 2. 9. التهذيب 3: 137 ح 302، الوسائل 5: 119 أبواب صلاة العيد ب 17 ح 9. 10. الذكرى: 240. 11. المعتبر 2: 327، الخلاف 1: 666 مسألة 440.

[ 61 ]

وحينئذ فالدلالة لا تخلو من ظهور، لأن الظاهر استحباب العيد للمعذورين كما سيجئ، فمخالفة السنة إنما تكون لانعقاد الجماعتين. وتوقف بعضهم في ذلك (1)، ولا ريب أن الأحوط عدم التعدد، بل الأقوى، لعدم العموم في دلائل وجوب صلاة العيدين، والأصل عدم الصحة. ثم إن الشهيد (2) ومن تأخر عنه (3) اعتبروا ذلك مع وجوبهما، وأما مع ندبهما أو ندب إحداهما فلا، وليس ببعيد، لأن ما ذكرنا من التنبيهات واتحادها مع الجمعة إنما يفيد ذلك، وإن كان للتأمل في أصله مجال. وأما الخطبتان، فالمشهور استحبابهما، وادعى عليه الإجماع في المعتبر (4)، والظاهر أنه أراد مطلق الرجحان. وذهب العلامة (5) وابن إدريس (6) إلى وجوبهما. عن الشيخ في المبسوط اشتراطها بهما أيضا كالجمعة (7). والأخبار خالية عن الدلالة إلا على مطلق الرجحان. ويؤيده الإجماع على عدم وجوب الاستماع، والخبر النبوي المنقول في المنتهى والمعتبر (8)، وإن كان الأحوط الوجوب، بل الاشتراط أيضا. وكيفيتهما مثل خطبة الجمعة، إلا أنه يذكر في خطبة كل من العيدين ما يناسبه من أحكام الفطرة والأضحية ونحوهما.


1. التذكرة 4: 142، نهاية الاحكام 2: 56. 2. الذكرى: 240، البيان: 206، الدروس 1: 192. 3. كالشهيد الثاني في روض الجنان: 299. 4. المعتبر 2: 324. 5. المنتهى 1: 345، التذكرة 4: 136. 6. السرائر 1: 317. 7. المبسوط 1: 169. 8. المنتهى 1: 345، المعتبر 2: 324.

[ 62 ]

وموضعهما بعد الصلاة بالإجماع والأخبار (1)، وسائر أحكامها من التكبير والقنوت وغيرهما يجئ في مواضعه إن شاء الله تعالى. الثاني: إذا اختلت الشرائط فتستحب جماعة وفرادى. أما الثاني - وهو المشهور - فلصحيحة عبد الله بن سنان وغيرها (2). وقيل بعدم مشروعيتها فرادى (3)، نظرا إلى قولهم عليهم السلام: " لا صلاة إلا مع إمام " (4)، وهو ضعيف، سيما مع ملاحظة موثقة سماعة المتقدمة (5)، وقد عرفت المراد منها. وأما الأول - وهو المشهور أيضا - فلرواية عبد الله بن المغيرة، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام: عن صلاة الفطر والأضحى، فقال: " صلهما ركعتين في جماعة وغير جماعة " (6) بل يكفي في ذلك فتوى المشهور وعملهم مسامحة في السنن. قال القطب الراوندي: جمهور الإمامية يصلونها جماعة، وعملهم حجة (7). عن السيد (8) وأبي الصلاح (9) أنها تصلى فرادى مع اختلال الشرائط، وهو ضعيف، وموثقة عمار في نهي الرجل عن إمامة أهله في السطح


1. الوسائل 5: 110 أبواب صلاة العيد ب 11. 2. الفقيه 1: 320 ح 1463، التهذيب 3: 136 ح 297، الاستبصار 1: 444 ح 1716، الوسائل 5: 98 أبواب صلاة العيد ب 3 ح 1 قال: من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل في بيته وحده كما يصلي في جماعة. 3. المقنع (الجوامع الفقهية): 13. 4. التهذيب 3: 128 ح 275، الاستبصار 1: 444 ح 1715، الوسائل 5: 96 أبواب صلاة العيد ب 2 ح 4. 5. ص 59. 6. التهذيب 3: 135 ح 294، الاستبصار 1: 446 ح 1724، الوسائل 5: 99 أبواب صلاة العيد ب 5 ح 1. 7. نقله عنه في المختلف 2: 263. 8. المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 203، رسائل الشريف المرتضى 3: 44. 9. الكافي في الفقه: 154.

[ 63 ]

أو بيت (1) لا تدل عليه، ولو سلم فيحمل على نفي التأكيد. الثالث: تسقط صلاة العيد عمن تسقط عنه الجمعة بلا خلاف ظاهر، وادعى في التذكرة عليه الإجماع (2). وتدل عليه أخبار معتبرة (3). ولكنها تستحب لهم وإن اقيم في البلد فرضها، وهو المشهور بينهم أيضا، ويكفي في ذلك فتواهم، مع استفادة حكم النساء والمسافر من الأخبار أيضا، بل لا تبعد استفادة ذلك من صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة أيضا (4). وقال الشيخ: لا بأس بخروج العجائز ومن لا هيئة لهن من النساء في صلاة الأعياد، ولا يجوز ذلك لذوات الهيئات والجمال (5)، وكذلك العلامة (6). وقال في المعتبر: لا شبهة عندي أنه لا يستحب في حق ذوات الهيئة، ويستحب لمن عداهن (7). ويظهر من الشهيد في الذكرى الميل إلى استحبابها لهن مطلقا، بل وجوبها في الجملة (8)، لما رواه عن كتاب أبي إسحاق الثقفي الدال على وجوبها عليهن مطلقا (9)، ولعموم الأدلة.


1. التهذيب 3: 289 ح 872، الوسائل 5: 134 أبواب صلاة العيد ب 28 ح 2 وفيها: هل يؤم الرجل بأهله في صلاة العيدين في السطح أو في بيت ؟ قال: لا يؤم بهن. 2. التذكرة 4: 121. 3. انظر الوسائل 5: 103 أبواب صلاة العيد ب 8، 28. 4. التهذيب 3: 137 ح 302، الوسائل 5: 119 أبواب صلاة العيد ب 17 ح 9. 5. المبسوط 1: 171. 6. المختلف 2: 273. 7. المعتبر 2: 318. 8. الذكرى: 239. 9. الذكرى: 239، الوسائل 5: 134 أبواب صلاة العيد ب 28 ح 5 قال: لا تحبسوا النساء من الخروج الى العيدين فهو عليهن واجب.

[ 64 ]

وعن ابن الجنيد: جواز الخروج للعجائز والعواتق (1). والأقوى الأول، لروايتي محمد بن شريح (2) ويونس بن يعقوب (3) الدالتان على المنع إلا للمسنة، وموثقة عمار المانعة مطلقا (4). وصحيحة عبد الله بن سنان، قال: " إنما رخص رسول الله صلى الله عليه وآله للنساء العواتق في الخروج في العيدين للتعرض للرزق " (5) وقيل: هو كناية عن تحصيل الأزواج (6)، فيختص المنع بالمحصنات. الرابع: يحرم السفر بعد طلوع الشمس، لاستلزامه ترك الواجب. وتفصيل القول فيه يعلم مما سبق في الجمعة. ويكره بعد طلوع الفجر، لصحيحة أبي بصير (7)، وظاهرها الحرمة، إلا أن الأصحاب حملوها على الكراهة (8)، فكأن عدم الحرمة إجماعي عندهم. وأما قبل الفجر فيجوز السفر إجماعا كما ادعاه العلامة (9).


1. نقله عنه في المختلف 2: 273. 2. الكافي 5: 538 ح 1، معاني الاخبار: 155 ح 1 الوسائل 5: 134 أبواب صلاة العيد ب 28 ح 3 عن خروج النساء في العيدين فقال: لا، إلا العجوز عليها منقلاها، يعني الخفين. 3. الكافي 5: 538 ح 2، الوسائل 14: 177 أبواب مقدمات النكاح ب 136 ح 2 عن خروج النساء في العيدين، قال: لا، إلا امرأة مسنة. 4. التهذيب 3: 289 ح 872، الوسائل 5: 133 أبواب صلاة العيد ب 28 ح 2 وفيها: ولا يخرجن وليس عليهن خروج. 5. التهذيب 3: 287 ح 858، الوسائل 5: 133 أبواب صلاة العيد ب 28 ح 1. 6. الوافي 9: 1295 ذ. ح 8269. 7. الفقيه 1: 323 ح 1480، التهذيب 3: 286 ح 853، الوسائل 5: 133 أبواب صلاة العيد ب 27 ح 1 قال: إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح وأنت بالبلد فلا تخرج حتى تشهد ذلك العيد. 8. الذكرى: 239، جامع المقاصد 2: 457، مجمع الفائدة والبرهان 2: 406، رياض المسائل 4: 120. 9. التذكرة 4: 162.

[ 65 ]

الخامس: يستحب الإصحار بهذه الصلاة بالإجماع والأخبار المعتبرة (1)، وفي صحيحة أبي بصير: " إنما تصلى في الصحراء أو في مكان بارز " (2). ويظهر من ملاحظة الأخبار استحباب اختيار موضع ينظر فيه إلى آفاق السماء (3)، فعلى هذا يدخل في المستحب السطح العالي وداخل الحائط. ويمكن القول بالترتيب، فالصحراء أفضل لجمع الصفات، ثم السطح لجمعه صفتين، ثم داخل الدار والحائط والفضاء الواقع في البلد، ولم أقف على غير الإصحار في كلامهم. استثنوا من ذلك مكة شرفها الله (4)، فتستحب في المسجد الحرام للخبر (5). وعند المطر والوحل والعذر يصلى في المسجد أو البيت، ويطلب الأجر بالنية. وينبغي أن يكون ذلك معنى قولهم يسقط الإصحار حذرا من المشقة المنافية لليسر في التكليف، وإلا فلا تكليف في المندوب عند التحقيق. ويستحب أيضا السجود على الأرض ومباشرتها بجميع الجسد، للأخبار المعتبرة (4). ويستحب للإمام أن يخرج حافيا ماشيا على سكينة ووقار، ذاكرا لله، كما فعل


1. الوسائل 5: 117 أبواب صلاة العيد ب 17. 2. الفقيه 1: 322 ح 1471، الوسائل 5: 117 أبواب صلاة العيد ب 17 ح 2. 3. الوسائل 5: 117 أبواب صلاة العيد ب 17. 4. كما في المدارك 4: 111. 5. الكافي 3: 461 ح 10، الفقيه 1: 321 ح 1470، الوسائل 5: 118 أبواب صلاة العيد ب 17 ح 8 عن محمد بن يحيى رفعه، عن أبى عبد الله عليه السلام، قال: السنة على أهل الامصار أن يبرزوا من أمصارهم في العيدين، الا أهل مكة فإنهم يصلون في المسجد الحرام. 6. الوسائل 5: 117 أبواب صلاة العيد ب 17.

[ 66 ]

الرضا عليه السلام (1). بل يستحب للكل، لقوله عليه السلام: " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار " (2). ويستحب الغسل قبل الخروج بعد التطيب لغير النسوان، والتزين، ولبس أفضل الثياب، والتعمم، والتردي، وهما هنا آكد منهما في الجمعة، والدعاء بالمأثور، والذهاب من طريق، والعود من آخر، للخبر (3)، وربما يقال باستحباب اختيار الأبعد في الذهاب لزيادة الثواب. وأن يطعم قبل خروجه في الفطر وبعد عوده في الأضحى مما يضحي به، للإجماع والأخبار (4). وظاهر رواية جراح المدائني أن التأخير عن الصلاة مستحب برأسه وإن لم يفطر من الاضحية (5). وظاهر الروايات الإفطار من أضحية نفسه، فمع عدمها يسقط الاستحباب، مع احتمال التعميم فيما يضحى به، ولا تفصيل في كلام الأصحاب. ويستحب الإفطار في الفطر على الحلو. وقيل باستحباب الإفطار بالتربة الحسينية عليه السلام (6) للرواية (7)، وهو


1. الكافي 1: 408 ح 7، عيون أخبار الرضا (ع) 2: 147 ح 21، إرشاد المفيد: 312، الوسائل 5: 120 أبواب صلاة العيد ب 19 ح 1. 2. صحيح البخاري 2: 9، سنن الترمذي 3: 93 ح 1682، سنن النسائي 6: 14، سنن الدارمي 2: 202، مسند أحمد 3: 367 بتفاوت يسير. 3. انظر الوسائل 5: 139 أبواب صلاة العيد ب 36 ح 1، 2. 4. الوسائل 5: 113 أبواب صلاة العيد ب 12. 5. الكافي 4: 168 ح 2، الفقيه 2: 113 ح 483، التهذيب 3: 138 ح 310، الوسائل 5: 113 أبواب صلاة العيد ب 12 ح 5 قال: ليطعم يوم الفطر قبل أن يصلي، ولا يطعم يوم الاضحى حتى ينصرف الامام. 6. مصباح الكفعمي: 652، الوسائل 5: 114، الحدائق 1: 276. 7. الكافي 4: 170 ح 4، الفقيه 2: 113 ح 485، الوسائل 5: 114 أبواب صلاة العيد ب 13 ح 1 قلت: إني =

[ 67 ]

ضعيف، إلا إذا كان به علة فأفطر بها بقصد الاستشفاء، لعدم جواز تخصيص ما دل على حرمة الطين بخبر واحد. ويستحب أن لا ينقل المنبر من الجامع، بل يعمل شبه المنبر من الطين، ونقل الإجماع على استحبابهما (1)، ودلت عليه الأخبار (2). والظاهر أن ذلك فيما جاز نقله، وإلا فيحرم. والظاهر أن النهي في الروايات عن نقل المنبر، والأمر بالعمل من الطين ليس إرشاديا، فلو فرض وجود منبر هناك فالأولى تركه ومباشرة الطين، مع كونه أدخل في الموافقة للخضوع المطلوب في هذا اليوم، سيما مع قوله عليه السلام في صحيحة إسماعيل بن جابر: " وليس فيها منبر، ولكن يصنع للإمام شبه المنبر من الطين (3). ويستحب أن يقول المؤذن بأرفع صوته " الصلاة " ثلاثا موضع الأذان بلا خلاف، فإن الأذان مخصوص بالفرائض الخمسة، وتدل عليه صحيحة إسماعيل بن جابر (4). وعن ظاهر الأكثر أن ذلك للإعلام (5). وعن أبي الصلاح أنه بعد القيام إلى الصلاة (6). قال في المدارك: والظاهر تأدي السنة بكلا الأمرين (7)، وهو كذلك، بل =


أفطرت يوم الفطر على طين وتمر، فقال لي: جمعت بركة وسنة. 1. المدارك 4: 122. 2. الوسائل 5: 137 أبواب صلاة العيد ب 33. 3. الفقيه 1: 322 ح 1473، التهذيب 3: 290 ح 873، الوسائل 5: 137 أبواب صلاة العيد ب 33 ح 1. 4. الفقيه 1: 322 ح 1473، التهذيب 3: 290 ح 873، الوسائل 5: 101 أبواب صلاة العيد ب 7 ح 1 قلت: أرأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان وإقامة ؟ قال: ليس فيهما أذان وإقامة، ولكن ينادى الصلاة ثلاث مرات. 5. كما في الذكرى: 240. 6. الكافي في الفقه: 153. 7. المدارك 4: 113.

[ 68 ]

لا بأس بتكرارها. ويستحب أن يكبر في الفطر عقيب أربع صلوات، أولها المغرب، وأخيرتها صلاة العيد، وأوجبه السيد (1). وزاد الصدوق الظهرين (2)، وابن الجنيد النوافل (3). والأقوى الأشهر هو الأول، للأصل، ولتصريح رواية سعيد النقاش التي وردت فيها بكون ذلك مسنونا (4). وكيفيته على هذه الرواية " الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لاإله إلا الله، والله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا ". قال عليه السلام: " وهو قول الله تعالى: (ولتكملوا العدة) يعني الصيام (ولتكبروا الله على ما هداكم) (5) ". واستدل في الانتصار (6) بالإجماع وبظاهر الآية. والرواية المعمول بها عند الأصحاب المفسرة للآية مصرحة باستحبابه (7)، ولو كانت الآية بظاهرها دالة على الوجوب لخصصناها بتلك الرواية، وكيف والظهور غير مسلم.


1. الانتصار: 57. 2. الفقيه 2: 108 ح 464، ونقله عنه في المختلف 2: 275. وفي المقنع (الجوامع الفقهية): 13 ومن السنة التكبير ليلة الفطر ويوم الفطر في عشر صلوات. 3. نقله عنه في المختلف 2: 275. 4. الكافي 4: 166 ح 1، الفقيه 2: 108 ح 464، التهذيب 3: 138 ح 311، الوسائل 5: 122 أبواب صلاة العيد ب 20 ح 2 قال: أما إن في الفطر تكبيرا ولكنه مسنون، قال، قلت: وأين هو ؟ قال: في ليلة الفطر و... 5. البقرة: 185. 6. الانتصار: 57. 7. الكافي 4: 166 ح 1، الفقيه 2: 108 ح 464، التهذيب 3: 138 ح 311، الوسائل 5: 122 أبواب صلاة العيد ب 20 ح 2.

[ 69 ]

ورواية معاوية بن عمار تدل بظاهرها على أنه مثل تكبير أيام التشريق (1)، والعمل على الاولى. وأما الأضحى فعقيب خمس عشرة صلاة إن كان بمنى، أولها ظهر يوم النحر، وفي الأمصار عقيب عشر. والمشهور أيضا استحبابه، والسيد على الوجوب مدعيا عليه الإجماع (2)، وكذا الشيخ (3) وابن الجنيد (4)، لحسنة (5) محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام: في تفسير قوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات) (6) قال: " التكبير في أيام التشريق " (7) الحديث. واختلفوا في كيفيته، والأولى العمل على صحيحة معاوية بن عمار: " الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، والحمد لله على ما أبلانا " (8). السادس: يكره الخروج بالسلاح، إلا أن يكون عدو ظاهر، لرواية السكوني (9)، ولمنافاته الخضوع. وأن يتنفل قبل الزوال إلا ركعتين في مسجد النبي صلى الله عليه وآله قبل الخروج إلى المصلى.


1. الكافي 4: 167 ح 2، الوسائل 5: 121 أبواب صلاة العيد ب 20 ح 1. 2. الانتصار: 57. 3. الاستبصار 2: 299. 4. نقله عنه في المختلف 2: 275. 5. في " ح ": لصحيحة. أقول: وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم. 6. البقرة: 203. 7. الكافي 4: 516 ح 1، التهذيب 5: 269 ح 920، الاستبصار 2: 299 ح 1068، الوسائل 5: 123 أبواب صلاة العيد ب 21 ح 1 بتفاوت. 8. الكافي 4: 517 ح 4، التهذيب 5: 269 ح 922، الوسائل 5: 124 أبواب صلاة العيد ب 21 ح 4. 9. الكافي 3: 460 ح 6، التهذيب 3: 137 ح 305، الوسائل 5: 116 أبواب صلاة العيد ب 16 ح 1.

[ 70 ]

قال في المنتهى: ذهب إليه علماؤنا أجمع (1). ولعله أراد من الكراهة مطلق المرجوحية، وإلا فأبو الصلاح وابن حمزة وابن زهرة قالوا: لا يجوز التنفل قبلها وبعدها (2). وزاد أبو الصلاح القضاء، والظاهر أنه أراد قضاء النافلة كما فهمه الشهيد أيضا (3). والحكم بالكراهة مع ظهور الأخبار في الحرمة مشكل، ففي صحيحة زرارة: " ليس قبلهما ولا بعدهما صلاة " (4) وأقرب مجازاته نفي الصحة، وكذلك روايته الاخرى (5). وفي صحيحة حريز عن الباقر عليه السلام: " لا تقض وتر ليلتك إن كان فاتك حتى تصلي الزوال في يوم العيدين " (6). ورواية محمد بن الفضل الهاشمي ناطقة بالفرق بين مسجد النبي صلى الله عليه وآله وغيره (7). السابع: إذا اتفق عيد وجمعة فالمشهور التخيير لمن صلى العيدين حضور الجمعة وعدمه، لصحيحة الحلبي (8).


1. المنتهى 1: 346. 2. الكافي في الفقه: 155، الوسيلة: 111، الغنية (الجوامع الفقهية): 562. 3. الذكرى: 239. 4. الفقيه 1: 320 ح 1458، الوسائل 5: 95 أبواب صلاة العيد ب 1 ح 2. 5. التهذيب 3: 134 ح 292، الاستبصار 1: 443 ح 1712، الوسائل 5: 95 أبواب صلاة العيد ب 1 ذ. ح 2. 6. التهذيب 2: 274 ح 1088، الوسائل 5: 102 أبواب صلاة العيد ب 7 ح 9. 7. الكافي 3: 461 ح 11، الفقيه 1: 322 ح 1475، التهذيب 3: 138 ح 308 وفيه: الفضيل، الوسائل 5: 102 أبواب صلاة العيد ب 7 ح 10. 8. الفقيه 1: 323 ح 1477، الوسائل 5: 115 أبواب صلاة العيد ب 15 ح 1.

[ 71 ]

قيل بالتخيير لمن كان قاصي البلد (1)، لرواية إسحاق بن عمار (2)، ورواية سلمة (3). وقيل بالوجوب (4)، لأن دليل الحضور قطعي، ولا يقاومه خبر الواحد. والأظهر الأول، لصحة الرواية، وعمل الأكثر عليها، وقطعية دليل الحضور من الآية والأخبار إنما تسلم منه قطعية الوجوب في الجملة، غاية الأمر كونه عاما، فهو في مرتبة الدلالة ظني، والظن الحاصل من الخاص أقوى كما حقق في الاصول. وفي وجوب الحضور على الإمام قولان، الأكثر على الوجوب (5)، وهو أحوط، بل أقوى، وتنبه عليه صحيحة الحلبي (6)، ورواية إسحاق (7). المطلب الثاني في صلاة الآيات وفيه مباحث: الأول: في وجوبها أما الكسوفان، فالظاهر أن وجوب صلاتهما إجماعي كما يظهر من جماعة من


1. نقله عن ابن الجنيد في المختلف 2: 260. 2. التهذيب 3: 137 ح 304، الوسائل 5: 116 أبواب صلاة العيد ب 15 ح 3. 3. الكافي 3: 461 ح 8، التهذيب 3: 137 ح 306، الوسائل 5: 116 أبواب صلاة العيد ب 15 ح 2. 4. الكافي في الفقه: 155، المهذب 1: 123. 5. التذكرة 4: 114، القواعد 1: 291، ونقله عن السيد المرتضى في المدارك 4: 120. 6. الفقيه 1: 323 ح 1477، الوسائل 5: 115 أبواب صلاة العيد ب 15 ح 1. 7. التهذيب 3: 137 ح 304، الوسائل 5: 116 أبواب صلاة العيد ب 15 ح 3.

[ 72 ]

الأصحاب (1)، وتدل عليه الأخبار المعتبرة (2). وأما الزلزلة فادعى الإجماع على وجوبها لها في التذكرة (3)، ونسبه في المنتهى والمعتبر إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع (4). وبالجملة لا نعرف فيه خلافا ظاهرا، إلا أن أبا الصلاح لم يتعرض لغير الكسوفين كما ذكره في الذكرى (5). وكيف كان فالمذهب الوجوب، للإجماع المنقول (6)، وصحيحة الفضلاء الدالة على أن الصلاة في هذه الآيات كلها سواء (7)، ورواية سليمان الديلمي (8). وأما سائر الآيات السماوية المخوفة لعامة الناس من الظلمة العارضة، والحمرة الشديدة، والرياح العاصفة والصاعقة الخارجتين من المتعارف، فالأكثر على الوجوب (9). وعن الجمل انحصار الوجوب في الأربعة: الكسوفين، والزلزلة، والرياح السود المظلمة (10) وقد عرفت قول أبي الصلاح.


1. كالشيخ في الخلاف 1: 677، والمحقق في المعتبر 2: 328، والشهيد في الذكرى: 243، وصاحب المدارك 4: 125. 2. الوسائل 5: 146 أبواب صلاة الكسوف ب 4. 3. التذكرة 4: 178 مسألة 481. 4. المنتهى 1: 349، المعتبر 2: 329. 5. الذكرى: 244، وانظر الكافي في الفقه: 155. 6. كما في المعتبر 2: 328، والمنتهى 1: 349، والذكرى: 243، والمدارك 4: 125. 7. التهذيب 3: 155 ح 333، الوسائل 5: 149 أبواب صلاة الكسوف ب 7 ح 1. 8. الفقيه 1: 343 ح 1517، علل الشرائع: 556 ح 7، الوسائل 5: 159 أبواب صلاة الكسوف ب 13 ح 3 بتفاوت يسير. 9. نقله عن ابن الجنيد وابن أبي عقيل في المختلف 2: 278، واختاره المفيد في المقنعة: 210، والسيد في الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 46، والشيخ في الخلاف 1: 682 مسألة 458، والقاضي في المهذب 1: 124، والحلي في السرائر 1: 320. 10. الجمل والعقود (الرسائل العشر): 193.

[ 73 ]

والأقوى الأول، لصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم الآمرة بالصلاة لكل أخاويف السماء (1)، وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله وغيرها (2). وفي وجوب صلاة الكسوفين إذا لم يتسع الوقت إشكال، من جهة لزوم التكليف بالمحال، فلو شرع في أول الانكساف وانجلى قبل الإتمام وجب القطع، وربما اكتفى بعضهم بإدراك ركعة نظرا إلى ما ورد في اليومية (3). ومن أن ذلك من قبيل الأسباب لا التوقيت كالزلزلة، فيصلي ولو لم يكن بقدر الركعة أيضا. ويمكن القول بواسطة: وهو أن الثابت من الأخبار المسلم منها هو تحديد أول الوقت بمعنى وجوب الشروع، وأما ما ذكر فيها من تحديد الآخر على الاختلاف بين كونه الانجلاء أو الأخذ فيه فهو لبيان جواز الشروع وإدراك الصلاة وعدمه، لا لوجوب التلبس إلى ذلك الحين. ولا يستفاد منها أكثر من ذلك، فالفرق بينها حينئذ وبين صلاة الزلزلة هو تضيق وقتها دون الزلزلة، فالأحوط بل الأقوى الوجوب. وأما كونه سببا محضا كالزلزلة فقال في الذكرى: إنه مرفوض بين الأصحاب (4). وبالجملة فما ذكرنا أيضا نوع من التوقيت، وإلى هذا ينظر من يقول بكون الصلاة المدركة ركعة منها في الوقت من الفرائض أداءا.


1. الكافي 3: 464 ح 3، الفقيه 1: 346 ح 1529، التهذيب 3: 155 ح 330، الوسائل 5: 144 أبواب صلاة الكسوف ب 2 ح 1. 2. الفقيه 1: 341 ح 1512، الوسائل 5: 144 أبواب صلاة الكسوف ب 2 ح 2. 3. المنتهى 1: 354. 4. الذكرى: 244.

[ 74 ]

الثاني: في كيفيتها وهي ركعتان بعشر ركوعات وأربع سجدات، بلا خلاف، للأخبار المعتبرة (1)، وسيجئ أحكام أوقاتها والقراءة فيها وسائر أحكامها في أبوابها. الثالث: يستحب أن تكون تحت السماء، وإن صليت في المسجد ففي رحبته المكشوفة، وهو أفضل من الصحراء، للتأسي، وللأخبار، ففيها: " بادروا إلى مساجدكم " (2) و " فافزعوا إلى مساجدكم " (3). وأن يطيلها بمقدار الآية بإجماع العلماء، صرح به في المعتبر (4)، وتدل عليه صحيحة الفضلاء (5). وينبغي التقييد بما إذا علم بوفاء الوقت أو ظن به ظنا قويا، وإلا فيتم ويعيد، فإن الإعادة أيضا مستحبة مطلقا على الأشهر الأظهر، لصحيحة معاوية بن عمار (6). وقيل بوجوبها (7)، وهو موافق لظاهر الأمر في الصحيحة، وحملوه على الاستحباب، لصحيحة محمد بن مسلم: " فإن فرغت قبل أن ينجلي فاقعد وادع الله " (8).


1. الوسائل 5: 146 أبواب صلاة الكسوف ب 7. 2. المقنعة: 209، الوسائل 5: 148 أبواب صلاة الكسوف ب 6 ح 3. 3. التهذيب 3: 293 ح 887، الوسائل 5: 148 أبواب صلاة الكسوف ب 6 ح 1. 4. المعتبر 2: 336. 5. التهذيب 3: 155 ح 333، الوسائل 5: 149 أبواب صلاة الكسوف ب 7 ح 1. 6. التهذيب 3: 156 ح 334، الوسائل 5: 153 أبواب صلاة الكسوف ب 8 ح 1. 7. جعل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 46، الكافي في الفقه: 156. 8. الكافي 3: 463 ح 2، التهذيب 3: 156 ح 335، الوسائل 5: 150 أبواب صلاة الكسوف ب 7 ح 6.

[ 75 ]

قال في المدارك: ومقتضى الجمع الوجوب تخييرا، إلا أني لا أعلم به قائلا. (1) وقيل بالمنع مطلقا (2)، وهو أضعف. ويستحب أن يقرأ عند الزلزلة آية: (إن الله يمسك السموات) (3) والدعاء كما في رواية سليمان الديلمي (4) ورواية علي بن يقطين (5). وأن يكبر عند الرياح رافعا صوته، ويدعو بالمأثور (6). المطلب الثالث تجب الصلاة للطواف الواجب، وتستحب للمستحب. وقيل باستحبابه للواجب أيضا (7)، وهو ضعيف، وسيجئ الكلام في تمام ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. المطلب الرابع الصلاة الملتزمة أما الملتزمة بالاستئجار فتجب به، للإجماع، نقله جماعة من أصحابنا. وقد يستدل على جوازها بالأخبار، ولا دلالة فيها، إذ الظاهر منها التبرع. قد يستدل بعمومات الإجارة (8) فتجب بعد الإجارة، فيصح التقرب بها،


1. المدارك 4: 143. أقول: يعني التخيير بين الاعادة والدعاء. 2. السرائر 1: 324. 3. فاطر: 41. 4. الفقيه 1: 343 ح 1517، الوسائل 5: 159 أبواب صلاة الكسوف ب 13 ح 3. 5. التهذيب 3: 294 ح 892، الوسائل 5: 159 أبواب صلاة الكسوف ب 13 ح 5. 6. الوسائل 5: 160 أبواب صلاة الكسوف ب 15. 7. نقله عن قوم من أصحابنا في الخلاف 2: 327. 8. الوسائل 13: 241 كتاب الاجارة ب 1، 7.

[ 76 ]

لكونها واجبة. وهو مستلزم للدور، لأن المنفعة لابد أن تكون مباحة، والإباحة في الصلاة لا تتصور إلا مع الرجحان، ولا دليل عليه قبل الإجارة، وإلا لما احتاج إلى التمسك بعمومات الإجارة، فصحة الإجارة موقوفة على جواز الصلاة، وإثبات جوازها بالإجارة دور ظاهر. وقد استقصينا الكلام في ذلك في كتاب مناهج الأحكام، وسيجئ تمام الكلام في المكاسب. ولا مخالفة فيها مع صلاة نفسه إلا بالنية، مع إشكال في الجهر والإخفات إذا اختلف النائب والمنوب عنه ذكورة وانوثة، والأحوط في المرأة أن تفعل كالمنوب عنه، وفي الرجل أن يفعل صلاته الصحيحة، ووجهه ظاهر. وأما الملتزمة بالنذر وشبهه، فيجب الإيفاء به حسب ما شرط، فإن كان الشرط راجحا فلا إشكال فيه، وإلا فإن كان وقتا فظاهرهم الانعقاد أيضا، بخلاف المكان. وفرقهم بأن الزمان قد يصير سببا كالدلوك دون المكان فإنه من لوازم الفعل (1) تحكم، مع أنه منقوض بصلاة التحية مثلا. وجعله تابعا للزمان تحكم آخر. وكيف كان ففي انعقاده في المكان قولان، فللمثبت: أن الصلاة في البيت من أفراد مطلق الصلاة الراجحة، فتكون راجحة، وللنافي: إباحة القيد، ولا يجوز نذر المباح. والأقوى الأول، لأنا لو سلمنا عدم تعلق النذر بالمباح فالقيد لا ينفصل عن المقيد. ولعل نظر النافي إلى أن الحكم المتعلق بالمقيد إنما يرجع إلى القيد نفيا وإثباتا. وفيه: أن ذلك إنما يتم لو نذر إيقاع صلاة الظهر مثلا في البيت، أما لو نذر إيقاع


1. كما في إيضاح الفوائد 1: 132.

[ 77 ]

نافلة مبتدأة فيه فلا ريب أن المقيد أيضا منذور، والكلام إنما هو في الثاني، وإن لم يحضرني الآن كلام من الفقهاء في هذا الفرق. وعلى الصحة فهل يجوز العدول إلى الأفضل أو غيره أم لا ؟ الأقرب العدم، لأن الماهية تنتفي بانتفاء فصلها، فلا تبقى حقيقة المنذور، ويجب الإيفاء على ما نذر. ووجه العدول: أن النذر إنما انعقد على المقيد، فلا يضره إلغاء القيد. وفيه: أن الجنس لا يبقى بدون الفصل كما هو المحقق. ومما ذكرنا يظهر عدم جواز العدول عن ذي المزية إلى الأعلى بطريق الأولى.

[ 78 ]

المقصد الثالث في النوافل وفيه مطالب: المطلب الأول في الرواتب وفيه مباحث: الأول: في أعدادها وهي أربعة وثلاثون ركعة: ثمان للظهر قبلها، ومثلها للعصر قبلها، وأربع للمغرب بعدها، وركعتين من جلوس بعد العشاء تعدان بركعة تسميان وتيرة، وثمان صلاة الليل، ثم ركعتان للشفع، وركعة للوتر، ثم ركعتان للفجر، بلا خلاف ظاهر في هذا العدد، بل ادعي عليه الإجماع (1)، والأخبار المعتبرة بها مستفيضة (2).


1. الخلاف 1: 526. 2. الوسائل 3: 31 أبواب أعداد الفرائض ب 13.

[ 79 ]

نعم ورد في بعض الصحاح ذكرها بدون الوتيرة، فتكون ثلاثا وثلاثين (1). وفي بعضها بدون أربع بعد الظهر والوتيرة، فتكون تسعا وعشرين (2). وفي بعضها بدون ذلك وركعتين قبل العشاء أيضا، فتكون سبعا وعشرين (3). وهذه محمولة على تأكد الاستحباب في غير ما لم يذكر فيها، لعدم دلالتها على عدم استحباب الزائد. ويؤكد ذلك صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام: " لا تصل أقل من أربع وأربعين " (4) وفيها إشعار باستحباب الزائد أيضا. وكيف كان فتلك النوافل بأجمعها استحبابها آكد من غيرها، بل قد عد في بعض الأخبار الصحيحة تركها معصية (5). وفي الأخبار المعتبرة المستفيضة أنها متممة لنقص الفرائض من جهة عدم الإقبال، ففي صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: " إن العبد ليرفع له من صلاته ثلثها ونصفها وربعها وخمسها، فما يرفع له إلا ما أقبل منها بقلبه، وإنما امروا بالنوافل ليتم لهم ما نقصوا من الفريضة " ("). ثم إن المشهور استناد الثمان قبل العصر إلى العصر، وعن ابن الجنيد أن نافلة العصر ركعتان قبلها فتكون الست الباقية للظهر (7)، لظاهر بعض الروايات (8).


1. الكافي 3: 443 ح 4، الوسائل 3: 32 أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 5. 2. التهذيب 2: 6 ح 11، الاستبصار 1: 219 ح 777، الوسائل 3: 42 أبواب أعداد الفرائض ب 14 ح 2. 3. التهذيب 2: 7 ح 13، الوسائل 3: 42 أبواب أعداد الفرائض ب 14 ح 1. 4. التهذيب 2: 6 ح 9، الاستبصار 1: 219 ح 775، الوسائل 3: 43 أبواب أعداد الفرائض ب 14 ح 4. 5. انظر الوسائل 3: 42 أبواب أعداد الفرائض ب 14، 18. 6. الكافي 3: 363 ح 2، التهذيب 2: 341 ح 1413، علل الشرائع: 328 ح 2، المحاسن: 29 ح 14، الوسائل 3: 52 أبواب أعداد الفرائض ب 17 ح 3. 7. نقله عنه في المختلف 2: 325. 8. انظر الوسائل 3: 35 أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 16، وب 14.

[ 80 ]

والأول أقوى، لظواهر الأخبار المعتبرة (1)، وفتوى الأصحاب، وثمرة النزاع قليلة جدا. الثاني: يستفاد من بعض الروايات أفضلية القيام في ركعتي الوتيرة (2). وعن جمع من الأصحاب (3) مطابقا للروايات المعتبرة - سيما ما دل على حصر عدد الصلاة في الإحدى والخمسين، وما صرح فيها بأنها ثنتان تعدان بواحدة (4) - أفضلية القعود. وجمعوا بينهما بالتخيير (5). ومع تسليم المقاومة فالتسوية بينهما مع كون القيام أحمز أو القول بأفضلية القعود مع ذلك أو أفضلية القيام مع أوضحية طريق القعود مشكل. والأحمزية وإن كانت حكمة في الفضيلة لكنه قد يكون التسهيل أيضا حكمة، فالأولى الرجوع إلى قوة أخبار الطرفين، والقوة لما دل على القعود، للصحة والكثرة وغير ذلك، فالأقوى أفضلية القعود. الثالث: يكره الكلام بين أربع ركعات المغرب، وبينها وبين المغرب، لرواية أبى الفوارس في الأول (6)، ورواية أبي العلاء في الثاني (7). والظاهر أنه لا يضر التعقيب، سيما تسبيح الزهراء عليها السلام، خلافا للمفيد


1. انظر الوسائل 3: 35 أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 15، 21، 23، 25. 2. الوسائل 3: 33 أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 9، 16. 3. كالشهيد الثاني في روض الجنان: 175، والمسالك 1: 137. 4. الوسائل 3: 31 أبواب أعداد الفرائض ب 13. 5. كما في البيان: 108، واللمعة: 24، والمسالك 1: 137، وروض الجنان: 175، ومجمع الفائدة 2: 6. 6. الكافي 3: 443 ح 7، التهذيب 2: 114 ح 425، الوسائل 4: 1057 أبواب التعقيب ب 30 ح 1. 7. الفقيه 1: 143 ح 664، التهذيب 2: 113 ح 422، والوسائل 4: 1057 أبواب التعقيب ب 30 ح 2.

[ 81 ]

حيث ندب إلى البدار إليه بعد الفراغ (1)، والشهيد في الذكرى بعد التسبيح (2). الرابع: تستحب الضجعة بعد نافلة الفجر على اليمين، وقراءة الآيات الخمس في أواخر آل عمران، والدعاء بالمأثور، للأخبار المستفيضة (3)، وهو المشهور بين الأصحاب (4). وذكروا بدل الضجعة السجدة والمشي والكلام (5)، إلا أن الضجعة أفضل. تدل على السجدة رواية إبراهيم بن أبي البلاد (6)، وعلى المشي والكلام والقيام والقعود مرسلة الحسين بن عثمان (7) ورواية زرارة (8). في رواية سليمان بن حفص: " إياك والنوم بين صلاة الليل والفجر، ولكن ضجعة بلا نوم، فإن صاحبه لا يحمد على ما قدم من صلاته " (9). الخامس: من فاتته صلاة الليل فقام قبل الفجر فصلى الوتر وسنة الفجر كتبت له صلاة الليل، لصحيحة معاوية بن وهب (10). والرواية وإن كانت مطلقة لكنها محمولة على حالة الضرورة، مثل النوم والنسيان أو الاشتغال بحاجة


1. المقنعة: 118. 2. الذكرى: 124. 3. الوسائل 4: 1060 أبواب التعقيب ب 32، 33. 4. المقنعة: 134، المبسوط 1: 132، الدروس 1: 137. 5. التهذيب 2: 137. 6. الكافي 3: 448 ح 26، التهذيب 2: 137 ح 531، الوسائل 4: 1060 أبواب التعقيب ب 33 ح 1. 7. التهذيب 2: 137 ح 532، الوسائل 4: 1061 أبواب التعقيب ب 33 ح 2. 8. التهذيب 2: 137 ح 533، الاستبصار 1: 349 ح 1320، الوسائل 4: 1063 أبواب التعقيب ب 35 ح 2. 9. التهذيب 2: 137 ح 534، الاستبصار 1: 439 ح 1319، الوسائل 4: 1062 أبواب التعقيب ب 35 ح 1. 10. التهذيب 2: 337 ح 1391، وص 341 ح 1411، الوسائل 3: 187 أبواب المواقيت ب 46 ح 3.

[ 82 ]

والمراد بالوتر: الشفع والوتر، كما يستفاد من الروايات المعتبرة المستفيضة (1). ومذهب الأصحاب انفصال الأخيرة عن الأوليين بالتسليم، وما دل على خلاف ذلك من الأخبار مؤول، وسيجئ الكلام فيه. السادس: يستحب يوم الجمعة التنفل بعشرين ركعة زيادة عن كل يوم بأربع، بلا خلاف ظاهر منهم، للأخبار المعتبرة (1)، وفي بعضها زيادة ركعتين بعد العصر أيضا (3)، وفي بعضها الاكتفاء بالست عشرة رخصة (4). والروايات في كيفية ترتيبها مختلفة ككلام الأصحاب، ففي بعضها: ست ركعات عند ارتفاع النهار، وست ركعات قبل نصف النهار، وركعتان إذا زالت الشمس قبل الجمعة، وست ركعات بعد الجمعة (5). وفي بعضها: ست ركعات بكرة، وست بعد ذلك اثنتا عشرة ركعة، وست بعد ذلك ثماني عشرة ركعة، وركعتان بعد الزوال، وركعتان بعد العصر (6). وفي بعضها غير ذلك (7). وتقديمها على الفريضة أفضل، لصحيحة علي بن يقطين (8). وما في بعضها أن تأخير النافلة عن الفريضة أولى (9) فأولها الشيخ بمن أدرك الوقت


1. انظر الوسائل 3: 42 أبواب أعداد الفرائض ب 14 ح 2، 6، وب 15 ح 9، 10. 2. الوسائل 5: 22 أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 1، 6، 10، 12، 19. 3. الوسائل 5: 23 أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 5. 4. الوسائل 5: 23 أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 7. 5. الوسائل 5: 23 أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 6، 10، 12، 19. 6. الوسائل 5: 22 أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 5. 7. انظر الوسائل 5: 24 أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 9. 8. التهذيب 3: 12 ح 38، وص 246 ح 672، الاستبصار 1: 411 ح 1570، الوسائل 5: 23 أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 3. 9. الوسائل 5: 27 أبواب صلاة الجمعة ب 13 ح 3.

[ 83 ]

ولم يصلها (1)، والعمل على الكل حسن للمسامحة في المستحبات. السابع: تسقط في السفر نافلة الظهرين بلا خلاف، للأخبار المعتبرة المستفيضة (2). والوتيرة على المشهور بينهم، المدعى عليه الإجماع من ابن إدريس (3)، للأخبار المعتبرة المستفيضة القائل كثير منها إن الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولابعدهما شئ إلا المغرب (4). وقيل بعدم سقوطها (5)، لقوية الفضل بن شاذان المعلل عدم تركها فيها بأنها زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع (6)، فتحمل سائر الأخبار على إرادة الرواتب. ولكن استثناء المغرب في تلك الأخبار يجعلها في حكم النص على سقوط نافلة العشاء، إلا أن يقال بأن هذه القوية تقيد ما بقي بعد إخراج المغرب، ولا بأس به، سيما مع المسامحة في أدلة السنن، وخصوصا مع ملاحظة صحيحة محمد بن مسلم: " لا تصل قبل الركعتين ولا بعدهما شيئا نهارا " (7) مع أن المتبادر من سائر الأخبار أيضا صلاة النهار، وعموم موثقة سماعة: " وليتطوع بالليل ما شاء " (8).


1. التهذيب 3: 14 ذ. ح 48. 2. الوسائل 3: 59 أبواب أعداد الفرائض ب 21. 3. السرائر 1: 194. 4. الوسائل 3: 60 أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 3، 7. 5. النهاية: 57. 6. الفقيه 1: 290 ح 1320، علل الشرائع: 267، الوسائل 3: 70 أبواب أعداد الفرائض ب 29 ح 3. 7. التهذيب 2: 14 ح 32، الوسائل 3: 59 أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 1. 8. الكافي 3: 439 ح 1، الوسائل 3: 64 أبواب أعداد الفرائض ب 24 ح 4.

[ 84 ]

المطلب الثاني في صلاة الاستسقاء واستحبابها عند غور الأنهار وفتور الأمطار إجماعي، وتدل عليه الأخبار المستفيضة (1). وكيفيتها مثل صلاة العيدين بلا خلاف، والأخبار ناطقة بتسويتها معها (2). ومن جملة كيفياتها: تأخر الخطبتين كما نص عليه في الأخبار (3)، وما في بعض الأخبار من تقديمهما (4) فهو مهجور. نعم يذكر في القنوت ما يناسب المقام من طلب الرحمة والاستعطاف، وكذلك يذكر في الخطبة ما يناسب المقام، والأولى اختيار المأثور (5). ويستحب أن يصوم الناس ثلاثة أيام قبلها، ويكون الخروج اليوم الثالث للرواية (8). وأن يكون اثنين كما فيها (7)، أو الجمعة، لكونها محل الإجابة وأفضل الأيام. وأن يغتسلوا للصلاة، بل يمكن الاستحباب قبل الصيام أيضا، لعموم موثقة سماعة حيث ذكر غسل الاستسقاء (8)، وفي فلاح السائل عن مدينة العلم غسل صلاة الاستسقاء (9).


1 - 3. انظر الوسائل 5: 162 أبواب صلاة الاستسقاء ب 1، 2، 5. 4. التهذيب 3: 150 ح 327، الاستبصار 1: 451 ح 1749، الوسائل 5: 167 أبواب صلاة الاستسقاء ب 5 ح 2. 5. انظر مستدرك الوسائل 6: 179 أبواب صلاة الاستسقاء ب 1، وص 197 ب 11. 6. الوسائل 5: 164 أبواب صلاة الاستسقاء ب 2، وب 1 ح 2. 7. الوسائل 5: 164 أبواب صلاة الاستسقاء ب 2، وب 1 ح 2. 8. الكافي 3: 40 ح 2، الفقيه 1: 45 ح 176، التهذيب 1: 104 ح 270، الاستبصار 1: 97 ح 315، الوسائل 2: 937 أبواب الاغسال المسنونة ب 1 ح 3. 9. نقله عنه في البحار 81: 23، والمستدرك 2: 498.

[ 85 ]

أن يخرجوا إلى الصحراء للرواية (1)، وحفاة على سكينة ووقار، للتذلل والخشوع المطلوب في المقام. وأن يخرجوا معهم الشيوخ والأطفال والعجائز، لقوله عليه السلام: " لولا أطفال رضع وشيوخ ركع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا " (2) وقال: " إذا بلغ الرجل ثمانين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " (") فهؤلاء أقرب إلى الرحمة. وأن يفرقوا بين الأطفال والامهات، ليكثر البكاء والعجيج. وأن يحول الإمام رداءه حين يفرغ، بأن يجعل ما على يمينه على يساره وبالعكس، للروايات (4). ويستقبل القبلة ويكبر مائة رافعا صوته. ويسبح إلى يمينه كذلك، ويهلل عن يساره كذلك، ويستقبل الناس بوجهه ويحمد الله كذلك، فيدعو ثم يدعون ثم يخطب. وذكر المحقق أنهم يتابعونه في الأذكار (5). وأن يكرر الخروج إن تأخرت الإجابة، للإجماع، ولأن الله يحب إلحاح الملحين في الدعاء فيستمرون بالصوم حتى تنزل بهم الرحمة، وفتواهم بإطلاقها تقتضي الخروج مطلقا، فلا حاجة إلى تحديد الصيام ثلاثة أيام إلا أن لا يستمروا عليه. المطلب الثالث في نوافل شهر رمضان فالمشهور استحباب ألف ركعة في شهر رمضان زيادة على غيره، وربما نقل عن


1. التهذيب 3: 150 ح 325، الوسائل 5: 166 أبواب صلاة الاستسقاء ب 4 ح 1. 2. الكافي 2: 276 ح 31، الوسائل 11: 243 أبواب جهاد النفس ب 41 ح 6. 3. الخصال: 544 ح 21، البحار 70: 388 ح 4. 4. الوسائل 5: 162 أبواب صلاة الاستسقاء ب 1، 2. 5. المعتبر 2: 365.

[ 86 ]

الصدوق نفيه (1)، وكلامه في الفقيه لا يقتضيه (2). والمذهب هو الأول، للأخبار المستفيضة (3)، والعمومات، خصوصا قوله عليه السلام: " الصلاة خير موضوع " (4). والأخبار الظاهرة في نفيها، الناطقة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان لا يصلي، وأنه لو كان فضلا كان هو صلى الله عليه وآله أعمل به وأحق ونحو ذلك (5) مؤولة مهجورة. ويحتمل أن يكون الغرض فيها نفي صلاة التراويح. ولعله إلى ذلك يشير تأويل الشيخ، حيث أولها بأنه صلى الله عليه وآله لم يكن يصلي النافلة جماعة في شهر رمضان (6) كما يشهد به بعض الأخبار أيضا (7). واستحباب هذا العدد إنما يحصل من مجموع الروايات الواردة فيها مع اختلاف في توظيفها وتوزيعها على الليالي. فالمشهور أنه يصلى في كل ليلة عشرين ركعة: ثمان بعد المغرب، واثنتي عشرة ركعة بعد العشاء، وفي كل ليلة من العشر الأواخر ثلاثين على الترتيب المذكور (8). ويظهر من بعض الروايات العكس (9)، ولذا قيل بالتخيير (10).


1. كما في السرائر 1: 310، والذكرى: 253. 2. الفقيه 2: 89. 3. الفقيه 2: 88 ح 397، التهذيب 3: 63 ح 214، الاستبصار 1: 462 ح 1797، الوسائل 5: 180 أبواب نافلة شهر رمضان ب 7 ح 3. 4. الخصال 2: 523 ح 13، معاني الاخبار: 332 ح 1، الوسائل 3: 518 أبواب أحكام المساجد ب 42 ح 1. 5. الوسائل 5: 190 أبواب نافلة شهر رمضان ب 9. 6. التهذيب 3: 69. 7. الوسائل 5: 191 أبواب نافلة شهر رمضان ب 10. 8. الوسائل 5: 179 أبواب نافلة شهر رمضان ب 7 ح 2، 10، 13. 9. الوسائل 5: 181 أبواب نافلة شهر رمضان ب 7 ح 3. 10. المدارك 4: 202.

[ 87 ]

وكيف كان فيبقى بعد ذلك ثلاثمائة تصلى في ليالي الإحياء الثلاثة مضافا إلى ما تقدم، في كل ليلة مائة على قول (1). عن الأكثر (2) موافقا لرواية المفضل (3) الاقتصار في تلك الليالي على المائة، فتبقى ثمانون توزع على الجمعات، يصلى في كل جمعة عشر ركعات بصلاة علي وفاطمة وجعفر عليهم السلام، وفي آخر جمعة عشرين بصلاة علي عليه السلام، وفي عشية تلك الجمعة عشرين بصلاة فاطمة عليها السلام، والعمل على الكل حسن. وقال في الذكرى: لو فات شئ من تلك النوافل يقضيها نهارا (4)، وقد تأمل فيه بعض المتأخرين (5)، ولا بأس بمتابعة الشهيد رحمه الله. المطلب الرابع في سائر النوافل وهي كثيرة جدا، مذكورة في كتب الأدعية، إلا أنا نذكر كثيرا منها إجمالا. فمن آكدها وأفضلها: صلاة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وتسمى صلاة التسبيح، وصلاة الحبوة، وهو إجماع علمائنا وأكثر المسلمين. والأخبار الصحيحة في فضلها مستفيضة (6).


1. الخلاف 1: 53 مسألة 296، الاقتصاد: 273، السرائر 1: 310. 2. كالمفيد في المقنعة: 167، والسيد في الانتصار: 55، والقاضي في المهذب 1: 146، وسلار في المراسم: 82، وابن حمزة في الوسيلة: 116، والشيخ في المبسوط 1: 133 والنهاية: 140. 3. التهذيب 3: 66 ح 218، الاستبصار 1: 466 ح 1802، الوسائل 5: 178 أبواب نافلة شهر رمضان ب 7 ح 1. 4. الذكرى: 254. 5. المدارك 4: 204. 6. الوسائل 5: 194 أبواب صلاة جعفر ب 1.

[ 88 ]

وهي أربع ركعات بتسليمتين، متى صليتهن غفر لك ما بينهن، إن استطعت كل يوم، وإلا فكل يومين، أو كل جمعة، أو كل شهر، أو كل سنة، فإنه يغفر لك ما بينهما كما في بعضها. ويجوز جعلها من النوافل الرواتب وقضائها، لصحيحة ذريح، وغيرها من الأخبار (1). وفي الذكرى يظهر من بعض الأصحاب جعلها من قضاء الفرائض أيضا (2)، ويطابقه إطلاق الصحيحة: " وإن شئت جعلتها من قضاء صلاة ". وكيفيتها: أن يقرأ في كل ركعة الحمد وسورة. ويستحب أن تكون إذا زلزلت الأرض في الاولى، والعاديات في الثانية، وإذا جاء في الثالثة، والتوحيد في الرابعة. ويقول بعد السورة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، خمس عشرة مرة على المشهور، وقيل: قبل القراءة (3)، ثم يركع ويقولها عشرا، ثم يرفع ويقولها عشرا، ثم يسجد ويقولها عشرا، وكذلك في الرفع وفي السجود الثاني، وفي الرفع عنه، وهكذا يفعل في باقي الركعات. ويجوز تجريدها عن التسبيح ثم قضاؤه بعدها وهو ذاهب في حوائجه لمن كان مستعجلا، كما في رواية أبي بصير (4) وأبان (5). ويدعو بالمأثور، وفي رواية الحسن بن محبوب في آخر سجدة منها (6). ومنها: صلاة أمير المؤمنين عليه السلام أربع ركعات، في كل ركعة الحمد مرة


1. التهذيب 3: 187 ح 422، الوسائل 5: 200 أبواب صلاة جعفر ب 5 ح 1. 2. الذكرى: 249. 3. الفقيه 1: 347. 4. الفقيه 1: 349 ح 1543، الوسائل 5: 203 أبواب صلاة جعفر ب 8 ح 2. 5. الكافي 3: 466 ح 3، التهذيب 3: 187 ح 424، الوسائل 5: 202 أبواب صلاة جعفر ب 8 ح 1. 6. الكافي 3: 466 ح 5، الفقيه 1: 349 ح 1544، الوسائل 5: 199 أبواب صلاة جعفر ب 3 ح 2.

[ 89 ]

وقل هو الله أحد خمسين مرة. ومنها: صلاة فاطمة، وهي ركعتان، في الاولى الحمد مرة والقدر مائة مرة، وفي الثانية الحمد مرة والتوحيد مائة مرة. ومنها: صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله والحسن والحسين عليهما السلام. ومنها: صلاة يوم الغدير وأول ذي الحجة، وليلة المبعث، ويومه، وليلة النصف من شعبان. وصلاة الغفيلة تصلى في ساعة الغفلة، وهي ما بين مغيب الشمس إلى مغيب الحمرة بين العشاءين. وصلاة هدية المعصومين، والأعرابي، والاستخارة، والحوائج، والشكر، وتحية المسجد، والزيارة، وليلة الدفن، والاستطعام، والحبل، والدخول بالزوجة، وإرادة التزويج، والسفر، وغير ذلك مما هو مذكور في كتب الأدعية مع آدابها وشرائطها وكيفيتها لا يسعها هذا الكتاب، وقد ذكر أكثر ما ذكرنا الشهيد في الذكرى (1)، هذا كله في ذات السبب. وتستحب الصلاة بدون ذلك أيضا مبتدأة، فإنها خير موضوع، فمن شاء استكثر، ومن شاء استقل، كما في الحديث (2). كل النوافل ركعتان، إلا صلاة الأعرابي، فهي عشر ركعات بثلاث تسليمات، ثنتان منها بتسليم، وثمان منها بتسليمتين، وسيجئ بعض أحكام النوافل في تضاعيف الأبواب.


1. الذكرى: 255. 2. الخصال 2: 523 ح 13، معاني الاخبار: 332 ح 1، الوسائل 3: 518 أبواب أحكام المساجد ب 42 ح 1.

[ 90 ]

المقصد الرابع في القصر والإتمام وفيه مباحث: الأول: وجوب القصر في الرباعيات للمسافر إجماعي عند علمائنا، مدلول عليه بالأخبار (1)، وتركه مبطل للصلاة إذا كان عالما عامدا. وأما إذا كان جاهلا فأتم فيما يجب فيه القصر فالمشهور صحة صلاته، لصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (2)، فلا تجب الإعادة مطلقا. وهذا مستثنى من بطلان عبادة الجاهل بالتفاصيل كما هو مذهب جمهور أصحابنا. والظاهر أن ذلك لا ينافي كونه عاصيا بترك تحصيله إذا علم إجمالا بأن للشرع أحكاما وللصلاة شرائط. وقال ابن الجنيد (3) وأبو الصلاح (4): إنه يعيد في الوقت لصحيحة العيص،


1. الوسائل 5: 490 أبواب المسافر ب 1. 2. الفقيه 1: 278 ح 1266، التهذيب 3: 266 ح 571، الوسائل 5: 531 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 4. 3. نقله عنه في المختلف 3: 115. 4. الكافي في الفقه: 116.

[ 91 ]

الشاملة بإطلاقها للجاهل والناسي (1). ومذهب ابن أبي عقيل الإعادة مطلقا (2)، لصحيحة الحلبي (3)، وظاهرها حكم الناسي، فتحمل على الإعادة في الوقت. وعلى المختار فيقتصر في أصل المسألة ولا يتعدى إلى سائر أحكام القصر والإتمام، لعدم دلالة الرواية إلا على ذلك، ولا إلى القصر في موضع الإتمام وإن وردت به رواية صحيحة (4) وعمل بها صاحب الجامع (5)، لعدم مقاومتها مع متروكيتها لما دل على بطلان عبادة الجاهل (6). وأما الناسي، فالمشهور فيه الإعادة في الوقت، لصحيحة العيص المتقدمة (7)، وصحيحة أبي بصير (8). وقيل: يعيد مطلقا (9)، لصحيحة الحلبي المتقدمة (10). ونحملها على الإعادة في الوقت أو الاستحباب. الثاني: في شرائط القصر واستمراره، وهي امور:


1. الكافي 3: 435 ح 6، التهذيب 3: 225 ح 569، الاستبصار 1: 241 ح 860، الوسائل 5: 530 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 1. 2. نقله في الذكرى: 259. 3. التهذيب 2: 14 ح 33، الوسائل 5: 531 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 6. 4. التهذيب 3: 221 ح 552، الوسائل 5: 530 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 3. 5. الجامع للشرائع: 93. 6. بحار الانوار 1: 208. 7. الكافي 3: 435 ح 6، التهذيب 3: 225 ح 569، الاستبصار 1: 241 ح 860، الوسائل 5: 530 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 1. 8. الفقيه 1: 281 ح 1275، التهذيب 3: 169 ح 373 و 225 ح 570، الاستبصار 1: 241 ح 861، الوسائل 5: 530 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 2. 9. نقله عن ابن أبي عقيل في الذكرى: 259. 10. التهذيب 2: 14 ح 33، الوسائل 5: 531 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 6.

[ 92 ]

الأول: المسافة، ولا خلاف بين العلماء في اشتراطها، وأجمع أصحابنا على أنه لا يجوز التقصير في أقل من ثمانية فراسخ أو مسيرة يوم على ما نقله جماعة منهم (1). والمشهور عندهم اشتراط الثمانية ممتدة، أو أربعة يعود فيها ليومه (2). وقيل: يتخير في الثاني بين القصر والتمام، وهو قول الشيخ على ما فهمه من كتابي الأخبار جماعة (3)، ونقله في الذكرى عن المبسوط وقواه (4). وأما إذا لم يرد الرجوع ليومه، فذهب جماعة منهم إلى التخيير (5). وفصل الشيخ في النهاية فجوز قصر الصلاة دون الصوم (6). وقيل باللزوم فيما أراد الرجوع ليومه، والتخيير فيما أراد الرجوع غدا (7). وذهب ابن أبي عقيل إلى لزوم القصر في الثمانية الممتدة والأربعة التي عاد فيها ليومه أو ما دون عشرة أيام، وقال: إنه كذلك عند آل الرسول صلى الله عليه وآله (8)، وهو الأقرب عندي، وفاقا لجماعة من علمائنا المعاصرين والسابقين المقاربين لعصرنا (9). وإنما نشأ الخلاف من اختلاف الأخبار، وهي على ثلاثة أصناف: لأول: ما دل على اعتبار ثمانية فراسخ، أو بريدين، أو مسيرة يوم، أو بياض يوم، وفي صحيحة علي بن يقطين: " يجب عليه القصر إذا كان مسيرة يوم، وإن كان


1. المعتبر 2: 465، المنتهى 1: 389، التحرير 1: 55، المدارك 4: 428، الذخيرة: 405، كفاية الاحكام: 55. 2. الفقيه 1: 280، المقنعة: 349، السرائر 1: 329، الشرائع 1: 122، البيان: 259. 3. انظر التهذيب 3: 208، والاستبصار 1: 224. 4. الذكرى: 256. 5. كالشيخ الصدوق في الفقيه 1: 280، والشيخ المفيد في المقنعة: 349. 6. النهاية: 161. 7. المراسم: 75. 8. حكاه عنه في المختلف 3: 102. 9. الحدائق الناضرة 11: 315.

[ 93 ]

يدور في عمله " (1) وأكثر تلك الأخبار صحيحة أو موثقة. والثاني: ما دل على وجوب القصر في بريد أو أربعة فراسخ، وهي أيضا في غاية الكثرة، وأكثرها صحيحة أو موثقة أو حسنة، ومنها روايات عرفات (2). والثالث: ما دل على أنه إذا كانت المسافة بريدا ذاهبا وبريدا جائيا فيكفي في القصر، وهي أيضا كثيرة، وأكثرها صحيحة أو موثقة (3). وبملاحظة الصنف الأول والثالث تعرف أن المراد بالصنف الأوسط هو ما إذا اريد العود، فالمراد بالأربعة المطلقة هي نفس المسافة وإن صارت ثمانية بسبب العود. والحاصل أن مقتضى ما دل على اعتبار الثمانية مطلقا وصدقها على الأربعة المعادة أيضا واضح، وتقييدها بالعود ليومها لم يدل عليه دليل، سيما مع ملاحظة روايات عرفات، فإنها نص في الباب. ولا وجه للجمود عليها، لعدم القول بالفصل، سيما مع ما يستفاد منها من العلة مثل قولهم عليهم السلام " وأي سفر أشد منه " (4). وأما موثقة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن التقصير، قال: " في بريد " قال، قلت: بريدا ؟ ! قال: " إذا ذهب بريدا ورجع بريدا شغل يومه " (5) فلا تدل على اعتبار العود في يومه، ولا على تحتمه في ذلك والتخيير في العود غدا كما هو واضح. بل لما سمع الراوي الأخبار الدالة على ثمانية فراسخ ومسيرة يوم تعجب من كون البريد فقط مسافة فسأل متعجبا، فرفع الإمام عليه السلام تعجبه بأنه إذا اعتبر


1. التهذيب 3: 209 ح 503، الاستبصار 1: 225 ح 799، الوسائل 5: 493 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 16. 2. الوسائل 5: 499 أبواب صلاة المسافر ب 3. 3. الوسائل 5: 494 أبواب صلاة المسافر ب 2. 4. الفقيه 1: 286 ح 1302، التهذيب 3: 210 ح 507، الوسائل 5: 499 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 1. 5. التهذيب 4: 224 ح 658، الوسائل 5: 496 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 9.

[ 94 ]

العود فيشغل يومه، يعني يصير سفره بحيث يكون مسيرة يوم، وإلا فلا تجب إحاطة اليوم في السفر مطلقا كما لا يخفى. بالجملة يظهر من اعتبار بياض يوم أو مسيرة يوم، ومن إطلاق الثمانية في الأخبار (1)، ومن العلة الواردة في اعتبار هذا المقدار من أنه لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة، لأن كل يوم بعد هذا اليوم فإنما هو نظير هذا اليوم وغير ذلك، يظهر أن المناط في القصر هو ما إذا كانت المسافة بهذا المقدار على أي نحو كان، خرجنا عما (2) لو حصل له قاطع من الخارج من إقامة العشرة أو الوصول إلى الوطن ونحوها بدليل، وبقي الباقي. والظاهر كفاية عدم نية قصد الإقامة بينها، ولا تلزم نية عدم قصد الإقامة بينها. وعلى ما بينا فتختلف فروع المسافة، ويختلف (3) الحكم عما حكم به جمهور علمائنا مما يتفرع على تحقيق (") حد المسافة، فمنها أنهم لا يضمون الإياب إلى الذهاب، بل ادعى الشهيد الثاني عليه الإجماع (5). ومما صرحوا به في مسألة طالب الآبق إذا بلغ حد المسافة أو ما دونها وعرف أنه لابد أن يذهب فرسخا أو فرسخين أو نحوهما فإنهم لا يحكمون بالقصر إلا إذا شرع في الإياب، ونحن نحكم بالقصر في الذهاب والإياب، لأنه قاصد للمسافة، ويصدق أنه يقطع ثمانية فراسخ أو مسيرة يوم، ونحو ذلك. وكذلك في البلد ذي الطريقين إحداهما مسافة والاخرى دونها، فيحكمون بالقصر مطلقا إذا ذهب من الأبعد، وإذا ذهب من الأقرب وعاد من الأبعد فيقصر في


1. الفقيه 1: 290 ح 1320، الوسائل 5: 490 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 1. 2. كذا والانسب: خرج ما. 3. في " ح "، " ص ": يتخلف. 4. في " ص " تحقق. 5. المسالك 1: 339

[ 95 ]

العود لا غير، ويظهر من ذلك أنهم لا يضمون الذهاب إلى الإياب مطلقا. ونحن نقول: إن لم يكن البلد وطنه ولا دار إقامته ولا يريد حصول قاطع فيها ويريد الرجوع قبل حصول القاطع فيقصر مطلقا، سواء ذهب من الأقرب وعاد من الأبعد أو بالعكس، وذهب وعاد من الأقرب إذا كانت المسافة أربعة مطلقا. وكذلك فيما سيجئ فيمن يخرج من دار إقامته ولم يقصد مسافة جديدة، لكنه أراد الرجوع إلى منزله، فيقصر ذهابا وإيابا، وغير ذلك من الفروع. ويظهر مما ذكرنا أن مبنى فتواهم هذه على تحقيقهم في أصل المسافة أن مدعي الإجماع في هذه المسائل وهو الشهيد الثاني صرح بعلة ذلك في نتائج الأفكار، وقال: إن الإياب لا يضم إلى الذهاب. قال: المعروف بينهم أن للذهاب حكما منفردا عن العود، فلا يكمل أحدهما بالآخر إلا فيمن قصد أربعة فراسخ عازما على العود في يومه أو ليلته، وإنما اخرجت هذه بحكم النص. إلى أن قال: إذ لو اعتبر تكميل الذهاب بالعود صدق عزم المسافة فيمن قصد الرجوع من غده، وهو معلوم البطلان (1). فلاحظ. وإذا لم يثبت الإجماع في أصل المسألة ولم نسلم ذلك، فلئن لم نسلم ما يتفرع عليه لكان أولى. ومما يدل على فساد دعوى الإجماع أنه - رحمه الله - أيضا نقل في نتائج الأفكار (2) عبارة الشيخ في المبسوط (3) ومتابعة المتأخرين له (4)، وسننقلها في مسألة الخارج عن بلد الإقامة (5).


1. نتائج الافكار (رسائل الشهيد الثاني): 173. 2. نتائج الافكار (رسائل الشهيد الثاني): 173 و 186. 3. المبسوط 1: 138. 4. كالعلامة في التذكرة 4: 413. 5. ستأتي في ص 104.

[ 96 ]

أيضا تحقق الإجماع في أمثال هذه الفروع بعيد. مع أن غاية ما يستفاد من كلمات الجمهور هو عدم ضم الإياب إلى الذهاب في تحقق المسافة، أما لو تحققت المسافة بدون ذلك ويكون هذا الذهاب ملحقا بأصل المسافة فلا. ما بينته لك مما لم يسبقني إليه أحد فيما أعلم، لكن دأب الغير المتأمل لا سيما المقلد للجمهور الرد من غير روية، عصمنا الله عما يكرهه. على ما ذكرنا، فما نقل عن الأكثر من وجوب التمام على المتردد في ثلاثة فراسخ خارج حد الترخص ليس على ما ينبغي. واستدل عليه في التذكرة بأنه لو لزم عليه القصر للزم على من تردد في واحد ثماني مرات (1). وهو كما ترى، إذ الملازمة وبطلان التالي كلاهما ممنوعان. ولو سلمنا بطلان التالي فإنما يكون من جهة كونه من الأفراد النادرة أو عدم إطلاق المسافر عليه عرفا، لا لعدم ضم العود إلى الذهاب. ثم إن المسافة المقصودة إن علمت بتفصيلها فلا إشكال، وإلا فإن جهلت رأسا ولم يمكن تحصيل العلم بها فيتم أيضا بلا خلاف ظاهر. وأما لو لم يتعذر العلم بها ففي وجوب تحصيل العلم بها وجهان، من جهة أصالة التمام، واستصحاب كونه أهلا للحكم به، وأصالة براءة الذمة عن التكليف بالاعتبار. ومن جهة توقف اليقين بالبراءة على تحصيل العلم به. والثاني أحوط، بل أظهر، لأن وجوب القصر موقوف على قصد ما هو مسافة في نفس الأمر، فإن الثمانية مثلا اسم لما هو ثمانية، لا ما علم أنه ثمانية، كما أن التثبت في خبر الفاسق إنما يجب فيما هو في نفس الأمر فاسق، لا من علم فسقه فقط، فلذا يثبت خبر مجهول الحال إذ لا واسطة.


1 - التذكرة 4: 373.

[ 97 ]

فيجب حينئذ التفحص والتثبت في تحصيل العلم بالشرط، لأن المكلف حينئذ كما يحتمل عنده وجوب التمام لعدم العلم بحصول شرط القصر، فيحتمل عنده وجوب القصر، لاحتمال عدم تحقق شرط التمام، فكما أن الأصل عدم تحقق شرط القصر فالأصل عدم تحقق شرط التمام. وجعل قصد المسافة مانعا عن التمام لا عدمه شرطا كأنه محض تغيير في العبارة. وبالجملة فمع الإمكان لا تجوز المسامحة في التفحص، نظير المريض الذي يحتمل التضرر من استعمال الماء، فلا يجوز له استعمال الماء حتى يحصل الظن بعدم الضرر، ويتفحص عن ذلك. وعلى الأول، فلو صلى تماما فلا يعيد إذا ظهر خلافه، لأن الأمر يقتضي الإجزاء، ولو دخل الوقت ولم يصل ومضى بمقدار الصلاة فالعبرة بحال الأداء، ولا يجري فيه الخلاف الآتي. وبعد حصول العلم فهل تعتبر المسافة التامة بعد حصول العلم، أم يكفي كون المجموع مسافة ؟ الأظهر ذلك، وفاقا لجماعة من الأصحاب (1)، لأنه قاصد نهاية معينة بقدر المسافة، غاية الأمر الجهل بمقدارها تفصيلا، بخلاف طالب الآبق فإن مقصده غير معلوم، فلا يقاس به. ربما الحق به الصبي القاصد للمسافة إذا بلغ في الأثناء، وفيه إشكال. وتثبت المسافة بشهادة عدلين، مع احتمال قبول الواحد لجعله من باب الخبر. ويمكن الاكتفاء بالشياع المتاخم للعلم وإن كان باب الإشكال في الجميع مفتوحا لفقد النص، ولكن لزوم العسر والحرج ينفيه. ثم قد ذكرنا أن كل واحد من التقدير بالفراسخ ومسيرة يوم يكفي في القصر،


1. كالشهيد في الذكرى: 257، وصاحب المدارك 4: 433.

[ 98 ]

وربما يرجح الأول لكونه تحقيقا. وربما يرجح الثاني لأظهريته من الأخبار (1)، يعني أن بيان الفرسخ مجمل فيها. وفيه: أنه يرجع فيه إلى اللغة والعرف، فلا إجمال كما بينا سابقا. والمعتبر في السير هو سير الإبل القطار والقوافل، لحسنة الكاهلي (2)، وموثقة عبد الرحمن بن الحجاج (3). والمعتبر الأرض المتوسطة والسير المتوسط واليوم المتوسط. وعلى البناء على التقدير فلا فرق بين سرعة السير وبطئه، فلو قطع راكب السفينة المسافة في ساعة يقصر، كما لو قطعها راكب الفرس في البر أربعة أيام. وأما لو قطع المسافة في سنة مثلا فلا، لخروجه عن اسم المسافر عرفا كما ذكره في الذكرى، وجعل من ذلك ما لو قارب بلده وتعمد ترك الدخول وبقي في قرى تقاربه زمانا يخرج به عن اسم المسافر (4). الثاني: القصد إلى المسافة المعهودة، سواء كان عالما بمقدارها تفصيلا أو علم مجرد الغاية. وتظهر الثمرة فيما لو علم في أواخر المسافة بكونها ثمانية فيقصر، وإن بقي منها أقل من المسافة المشروطة، لما ذكرنا من أن حكم القصر معلق في الأخبار على مسافة ثمانية فراسخ ومسيرة يوم ونحوهما، والألفاظ أسام للامور النفس الأمرية، غاية الأمر عدم وجوب القصر إلا بعد العلم، وذلك لا ينافي عدم اشتراط العلم التفصيلي في القصد. والمراد بالقصد: هو القصد الجازم بإيقاع السفر، لا بوقوعه، كما في قصد


1. الوسائل 5: 490 أبواب صلاة المسافر ب 1. 2. الفقيه 1: 279 ح 1269، التهذيب 4: 223 ح 652، الوسائل 5: 491 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 3. 3. التهذيب 4: 222 ح 649، الوسائل 5: 493 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 15. 4. الذكرى: 257

[ 99 ]

الإقامة كما سيجئ. ويدل على اشتراطه مضافا إلى الإجماع رواية صفوان (1) وموثقة عمار (2). فطالب الآبق والغريم وهو لا يدري أين هو لا يقصران وإن بلغ سفرهم ما بلغ، إلا أن يقصد العود ووصل إلى حد يكون مسافة، أو هو مع ضميمة بقية الذهاب الذي يجزم بقطعها. والغالب في القاطنين في مكان سيما إذا كانوا ذوي عيال إرادة العود وإن لم يخطر ببالهم ذلك، وذلك يكفي في القصد، فإطلاق الأصحاب الحكم بالتمام وإن بلغ ما بلغ مشكل. ولابد أن يقيد بما ذكرنا. تخصيص الحكم بالقصر بالإياب فقط إذا قصد العود وبلغ مسافة غير ظاهر الوجه، فإن قصد المسافة المعتبرة موجود فيمن يعلم قطع المسافة بما في الذهاب ويضم إليه العود. ويظهر لمن تتبع الأخبار أن ذلك معتبر عندهم عليهم السلام، بل أقل من ذلك وأبعد، فلاحظ صحيحة أبي ولاد (3)، حيث اكتفي فيها بانضمام الأربعة الإيابية لمن بدا له العود من سفر كانت مسافته عشرين فرسخا إلى الأربعة الذهابية وحكم فيها بالقصر، وكذلك صحيحة زرارة (4) ورواية المروزي (5) وغيرها (6). ثم إن قصد المسافة لا يجب فيه الرضا به، فالأسير والعبد وغيرهما يتبعون قصد من يذهب بهم، فإن علموا قصده المسافة فيجب عليهم القصر بلا خلاف ظاهر،


1. التهذيب 4: 225 ح 662، الاستبصار 1: 227 ح 806، الوسائل 5: 503 أبواب صلاة المسافر ب 4 ح 1. 2. التهذيب 4: 225 ح 661، الاستبصار 1: 226 ح 805، الوسائل 5: 504 أبواب صلاة المسافر ب 4 ح 3. 3. التهذيب 3: 298 ح 909، الوسائل 5: 504 أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1. 4. التهذيب 4: 223 ح 656، الوسائل 5: 494 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 1. 5. التهذيب 4: 226 ح 664، الاستبصار 1: 227 ح 808، الوسائل 5: 495 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 4. 6. التهذيب 3: 208 ح 496، وج 4: 224 ح 657، 658، الاستبصار 1: 223 ح 792، الوسائل 5: 494 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 2.

[ 100 ]

إلا عن الشيخ في الأسير فإنه لو خلي رجع. ونقض بالعبد والزوجة (1). والتحقيق: أنه لو علم عدم التخلص أو ظن ذلك فيبقى على القصر بناءا على ظاهر الحال، وإن احتمل الأمرين أو جهل بقصدهم لم يقصر. ذلك العبد والزوجة إذا ظهر لهما أمارة الطلاق والتحرير وعزما على الرجوع متى حصلا يتمان، وبدونهما يقصران. الثالث: استمرار القصد، فلو رجع أو حصل له التردد قبل بلوغ المسافة أتم، لصحيحة زرارة (2)، وصحيحة أبي ولاد (3)، ورواية المروزي (4) وغيرها (5)، ويكفي في بلوغ المسافة طي أربعة فراسخ بانضمام الإياب كما صرح به في صحيحة أبي ولاد (6) ورواية إسحاق بن عمار (7). نعم اختلفوا في من خرج قاصدا للمسافة وسنح له انتظار رفقة معلقا ذهابه على مجيئهم، فالشيخ (8) وابن البراج (9) على أنه إذا سار أربعة فراسخ فيقصر، إلا أن يتبين له العزم على المقام أو يمضي ثلاثون يوما مع التردد، وإن كان مسيره أقل من أربعة وجب عليه التمام، إلا أن يسير. ويظهر من ذلك اكتفاؤه بالأربعة الإيابية، فهو قاصد للمسافة ومستمر القصد إلى


1. هذا الاستدلال والنقض مذكور في المنتهى 1: 391 إلا أنه نسب الخلاف للشافعي، ولم نجد من نسبه إلى الشيخ، انظر مجمع الفائدة 3: 370، والحدائق 11: 339. 2. التهذيب 4: 223 ح 656، الوسائل 5: 494، أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 1. 3. التهذيب 3: 298 ح 909، الوسائل 5: 504 أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1. 4. التهذيب 4: 226 ح 664، الاستبصار 1: 227 ح 808، الوسائل 5: 495 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 4. 5. التهذيب 3: 208 ح 496، وج 4: 224 ح 657، 658، الاستبصار 1: 223 ح 792، الوسائل 5: 494 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 2، 9. 6. المقدمة آنفا. 7. التهذيب 3: 209 ح 502، الاستبصار 1: 225 ح 798، الوسائل 5: 500 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 6. 8. النهاية: 125. 9. المهذب 1: 109.

[ 101 ]

إتمامها وإن تبدل أربعة منها بأربعة اخرى، وهو منطبق على صحيحة أبي ولاد، وتدل عليه أيضا رواية إسحاق بن عمار (1). وذهب الفاضلان (2) وبعض المتأخرين (3) إلى اشتراط كون ذلك في رأس ثمانية فراسخ، وإلا فيرجع إلى التمام. ونظرهم إلى اعتبار امتداد الثمانية، أو أن المتبادر من المسافة هي ما كانت منظورة بشخصها، وحصول الاستمرار فيها بعينها، لا في مطلق المسافة. والأظهر عندي قول الشيخ، لخصوص صحيحة أبي ولاد، ورواية إسحاق بن عمار (4)، وعمومات أدلة المسافة، وللعلة المستفادة للتقصير من اعتبار المسافة كيف ما كان. وهل يعيد ما صلى قصرا لو حصل الانتظار قبل قطع المسافة المعتبرة ؟ قيل: لا، لأن الأمر يقتضي الإجزاء (5)، ولخصوص صحيحة زرارة (6). وقيل: نعم في الوقت (7)، لصحيحة أبي ولاد (8)، ورواية المروزي (9). والأول أقوى، لأنه أوفق بالأصل والاعتبار، وزرارة أصدع بالحق، مع أن التفصيل بالوقت أيضا غير مستفاد. لرابع: أن لا يجمع قصد المسافة مع نية إقامة عشرة أيام في أثناء المسافة، وأن


1. المتقدمان في ص 100. 2. المحقق في المعتبر 2: 468، والعلامة في المنتهى 1: 291. 3. المدارك 4: 440. 4. المتقدمتان في ص 100. 5. المدارك 4: 440. 6. الفقيه 1: 281 ح 1272، الوسائل 5: 541 أبواب صلاة المسافر ب 23 ح 1. 7. الاستبصار 1: 228. 8. التهذيب 3: 298 ح 909، الوسائل 5: 504 أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1. 9. التهذيب 4: 224 ح 664، الاستبصار 1: 227 ح 808، الوسائل 5: 495 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 4.

[ 102 ]

لا تعرض له نية الإقامة في أثنائها أيضا. أما الثاني فوفاقي، مدلول عليه بالأخبار الصحيحة، فهى قاطعة للسفر (1). واكتفى ابن الجنيد بالخمسة (2) لبعض الأخبار (3)، وهو شاذ. وأما الأول، فالظاهر عدم الخلاف فيه أيضا، بل اشترط الشهيد نية عدم الإقامة في الابتداء (4)، ولا يدل على أصل الحكم نص بالخصوص، فضلا عما ذكره الشهيد. نعم: يستفاد من تتبع الأخبار، سيما من ملاحظة الجمع بين أخبار المسافة وما دل على اتحاد حكم الإقامة مع الوطن وغيرها. وظاهر اتفاقهم على أن الرجوع إلى التقصير بعد الإقامة يحتاج إلى إنشاء سفر جديد أن من يريد مسافة يريد في أثنائها الإقامة بعينها مثل من يريد وطنه الذي يكون دون المسافة. والمعتبر العشرة العرفية، فيكفي طلوع الشمس وغروبها في اليوم، ولا يحتاج إلى الليل في الأول، ولا يعتبر التلفيق كالاعتكاف والعدة. وهل يشترط التوالي بحيث لا يخرج مادام مقيما إلى حد الترخص ؟ اشترطه الشهيدان (5)، وبالغ الثاني في نتائج الأفكار حتى نفى القول برخصة الخروج المذكور من جميع من تعتبر فتواهم (6). والأظهر اعتبار العرف في ذلك، فلو نوى ما يقال له في العرف: إنه إقامة في تلك البلد فهو يكفي وإن انضم إليه الخروج إلى بعض الحدود، وكذلك لا يضر


1. الوسائل 5: 524 أبواب صلاة المسافر ب 15. 2. نقله عنه في المختلف 3: 113. 3. التهذيب 3: 219 ح 548، الاستبصار 1: 238 ح 849، الوسائل 5: 527 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 12. 4. الذكرى: 256. 5 - البيان: 266، روض الجنان: 399. 6. نتائج الافكار (رسائل الشهيد الثاني): 176.

[ 103 ]

إذا طرأ الخروج في الأثناء. ونقل فيه عن فخر المحققين أيضا القول بعدم ضرر الخروج إلى القرى المتقاربة والمزارع الخارجة عن الحدود سواء (قارنت) (1) النية الاولى أم لا، لكن ذكر أن النسبة غير موثوق بها (2). ثم إن المستفاد من الأخبار (3) والأدلة أن ناوي الإقامة حكمه التمام مادام مقيما، وحكمه حكم من وصل إلى الوطن. وظاهر أكثرهم بل المجمع عليه على ما صرح به الشهيد الثاني (4) - وإن كان فيه تأمل - توقف الرجوع إلى القصر على قصد مسافة جديدة إن لم يكن في نيته ذلك. وتدل عليه صحيحة أبي ولاد (5)، فإنه كوفي وخروجه إلى المدينة كان إلى صوب المقصد، وهو مسافة. فمن طرأ له الخروج، فإن لم يصدق عليه عرفا أنه خارج عن الإقامة، وقيل له: إنه مقيم، فلا يقصر لوجهين، الأول: كونه مقيما في البلد وفرضه التمام حتى يرتفع عنه هذا الوصف كما يظهر من صحيحة أبي ولاد، فإن الظاهر من قوله عليه السلام: " حتى يخرج " حتى يسافر. والثاني: أن الرجوع إلى القصر يحتاج إلى إنشاء مسافة جديدة لو لم ينوها أولا. ويقع الإشكال فيما لو خرج إلى دون المسافة، وخرج عن كونه مقيما في هذا البلد عرفا، فإن أراد إقامة جديدة بعد العود فيتم مطلقا بلا خلاف ظاهر، وادعى عليه


1. في " م "، " ح ": فاتت. 2. إيضاح القواعد 1: 166. 3. الوسائل 5: 524 أبواب صلاة المسافر ب 15. 4. نتائج الافكار (رسائل الشهيد الثاني): 174. 5. التهذيب 3: 298 ح 909، الوسائل 5: 504 أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1.

[ 104 ]

الشهيد الثاني الإجماع (1)، وإلا فالذي تقتضيه الاصول المتقدمة المستفادة من تتبع الأقوال والأخبار، وأن الأصل في الصلاة التمام كما يستفاد من الغلبة واستصحاب حال المكلف وأهليته لذلك، أنه يتم حتى يريد مسافة تامة، وهو الظاهر من الأكثر. والذي يقتضيه عموم ما دل على أن المسافر يقصر من الآية (2) والأخبار الكثيرة (3) سيما مع حصول القصد إلى المسافة التعتبرة ابتداءا، أنه يقتصر في التمام فيما دل عليه الدليل في حال الإقامة، فيبقى الباقي تحته، فيلزمه القصر وإن لم يكن الباقي مقدار المسافة، وهو ظاهر بعضهم (4). ويظهر من آخر التفصيل، فيتم ذاهبا لعدم قصد المسافة الجديدة، ويقصر آئبا، لكون مقصده الرجوع إلى بلده في الجملة مع عدم قصد الإقامة. واختلف كلامه في ذلك المكان الذي يذهب إليه، ونظره إلى عدم انضمام الذهاب إلى الإياب كما هو ظاهر الأكثر (5). وقد أشرنا سابقا إلى الكلام في نظيره وأنه غير ظاهر الوجه، إلا أن يكون إجماعا كما ادعاه الشهيد الثاني (")، وهو غير معلوم كما بيناه. ومما ينادي بفساد دعوى هذا الإجماع ما نقله هو - رحمه الله - عن الشيخ في المبسوط، وعن المتأخرين التابعين له في هذه المسألة. وهذا لفظ الشيخ: إذا خرج حاجا إلى مكة وبينه وبينها مسافة تقصر فيها الصلاة ونوى أن يقيم عشرا قصر في الطريق، فإذا وصل إليها، أتم، وإن خرج إلى عرفة يريد قضاء نسكه لا يريد مقام عشرة أيام إذا رجع إلى مكة كان له القصر، لأنه نقض مقامه بسفر بينه وبين بلده يقصر في مثله، وإن كان يريد إذا قضى نسكه مقام عشرة


1. روض الجنان: 399. 2. النساء: 101. 3. الوسائل 5: 490 أبواب صلاة المسافر ب 1. 4. مجمع الفائدة 3: 442. 5. الدروس 1: 214. 6. نتائج الافكار (رسائل الشهيد الثاني): 174.

[ 105 ]

أيام بمكة أتم بمنى وعرفة ومكة حتى يخرج من مكة مسافرا فيقصر (1)، انتهى. وأنت خبير بأن دعوى الإجماع على العموم مع عدم الثبوت في خصوص الموارد لا معنى لها، إذ هو من الأدلة القطعية ولا يقبل التخصيص. وقد ظهر من عبارة الشيخ هذه والمتأخرين بعده (2) أنهم يضمون الذهاب إلى الإياب، فكيف يدعى الإجماع على ذلك ؟ وقد ذكرنا لك أن منشأ توهمه ما ذا. وكأني بمن لا يتأمل في الكلام فيبادر ويقول بأن مخالفة معلوم النسب غير مضرة في الإجماع، وليس غرضي القدح في ذلك بسبب نفس وجود المخالف، بل أقول: إن ما ذكرته قرائن لكون تلك الدعوى توهما، فافهم. وبالجملة فالأرجح في المسألة التمام إلا إذا قصد مسافة ولو بانضمام ما بقي من الذهاب إلى العود، والاحتياط مما لا ينبغي تركه في أمثال هذه المواضع. ثم إن رجع ناوي الإقامة عن قصده رجع إلى التقصير ما لم يصل فريضة تامة بلا خلاف في ذلك، وادعوا عليه الإجماع (3)، ونطقت به صحيحة أبي ولاد (4). وأما لو عن له الرجوع في الأثناء، فقيل: يرجع إلى التقصير، لعدم إتمامه الفريضة (5). وقيل: لا يرجع، لأن الصلاة على ما افتتحت عليه (6). وقيل: يرجع إن لم يتجاوز محل القصر، لأنه لم يصل صلاة تامة، ومع التجاوز يلزم إبطال العمل المنهي عنه لو رجع فيتم، فيصدق أنه صلى صلاة تامة (7).


1. المبسوط 1: 138. 2. كالعلامة في التذكرة 4: 413، وراجع ص 95. 3. المدارك 4: 463، الذخيرة: 412، الحدائق 10: 415، الرياض 4: 466. 4. التهذيب 3: 298 ح 909، الوسائل 5: 504 أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1. 5. المنتهى 1: 398. 6. كالشيخ في المبسوط 1: 139، وابن البراج في المهذب 1: 108، ونقله عن ابن الجنيد في المختلف 3: 139. 7. المختلف 3: 139، التذكرة 4: 50.

[ 106 ]

وتردد المحقق (1)، وهو في محله. ولا يبعد ترجيح الأول، لظاهر الصحيحة، ومنع حرمة الإبطال ههنا. ولا يكفي مضي وقت الصلاة إن لم يفعل عمدا أو سهوا أو لإغماء وجنون، ولا النافلة التي تسقط في السفر. كذلك لا يكفي الصوم الواجب وإن أتمه قبل الرجوع، لصحيحة أبي ولاد (2). وقيل: يكفي مطلقا (3). وقيل: يكفي إن رجع بعد الزوال، لما دل من العمومات على وجوب المضي في الصوم إذا سافر بعد الزوال، فإذا صح فلابد أن لا تبطل إقامته، وإلا فيلزم وقوع الصوم في السفر (4). وشمول العمومات لما نحن فيه ممنوع، لأنها الظاهر في من سافر من المكان الذي يتحتم فيه الصوم. مع أن بطلان وقوع الصوم في السفر مطلقا أيضا ممنوع، وإنما هو إذا كان مجموعه في السفر. وربما يستدل للكفاية مطلقا بصحته قبل الزوال، فتكون إقامته صحيحة، وإلا لزم جواز الصوم في السفر. وفيه: أنه مراعى بعدم الرجوع، أو بإتمام فريضة تامة، وهو واسطة بين الصحة الحتمية والبطلان الحتمي، فالصوم صحيح ما لم يرجع أو يصلي فريضة تامة. وأما الصلاة فلابد من تقصيرها ما لم يصل فريضة تامة وإن صام صوما تاما ثم رجع أو رجع بعد الزوال وقلنا بوجوب تمامه أيضا.


1. الشرائع 1: 126. 2. التهذيب 3: 221 ح 553، الاستبصار 1: 238 ح 851، الوسائل 5: 532 أبواب صلاة المسافر ب 18 ح 1. 3. السرائر 1: 327، القواعد 1: 324، إيضا الفواعد 1: 164. 4. جامع المقاصد 2: 515.

[ 107 ]

لا يقال: عكس نقيض قوله عليه السلام " إذا قصرت أفطرت " (1) يقتضي الإتمام حينئذ. أنا نمنع عموم " إذا " أولا، ومقاومته لصحيحة أبي ولاد ثانيا، لأن بينهما عموما من وجه، وعمل الأكثر عليها، مع كونها أظهر دلالة، مضافا إلى أن في ثبوت عكس النقيض للشرطيات كلاما. ومع ثبوت القصر في الصلاة فيجب الإفطار، لقوله عليه السلام: " إذا قصرت أفطرت ". ثم لو نوى الإقامة في أثناء المقصورة يتم الصلاة بلا خلاف ظاهر، ويظهر من بعضهم الإجماع (2). وتدل عليه صحيحة علي بن يقطين (3) وحسنة سهل بن اليسع (4). وفي الاكتفاء بذلك في المسألة السابقة وجهان، أقربهما ذلك. الخامس: أن لا يقطع سفره بوصوله إلى الوطن، وأن لا ينوي ذلك في أول المسافة. والوطن في اللغة: هو محل الإنسان، كما صرح به الجوهري، والمحل: هو المكان الذي يحله كما صرح به أيضا (5). ولا يفهم من ذلك إلا مجرد الحلول والقرار. وأوطنت الأرض ووطنتها واستوطنتها اتخذتها وطنا، وكذلك الاتطان. وأما في العرف، فيفهم منه أزيد من ذلك.


1. الفقيه 1: 1270 280، التهذيب 3: 220 ح 551، الوسائل 5: 528 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 17. 2. التذكرة 4: 411، روض الجنان: 396، المدارك 4: 411. 3. الكافي 3: 435 ح 8، الفقيه 1: 285 ح 1299، التهذيب 3: 224 ح 564، الوسائل 5: 534 أبواب صلاة المسافر ب 20 ح 1. 4. التهذيب 3: 224 ح 565، الوسائل 5: 534 أبواب صلاة المسافر ب 20 ح 2. 5. الصاح 6: 2214.

[ 108 ]

وأما كونه مولدا له أو لآبائه مع استمرارهم فيه، كما هو متداول في كثير من إطلاقات أهل العرف، فلم يثبت انحصار العرف فيه. بل الظاهر من العرف العام ما يشمل ذلك، وما يجعله محل سكناه مستمرا ولا يتزلزل في ذلك ولا يريد الخروج منه، وإن كان لا ينوي عدم الخروج عنه مادام العمر أبدا. فيكفي فيه ما يظهر منه إرادة ذلك، مثل بناء الدار وغرس البساتين والأشجار ونحو ذلك، منضما إلى قطع العلاقة عن غير ذلك المكان، وإرادة السكون في ذلك. وكما لا تجب نية عدم الخروج عنه مادام العمر، فقد لا تجب نية البقاء مستمرا وقصده مخطرا بالبال. فيكفي الاستمرار الفعلي لمن سكن في محل آبائه، ويستمر على ذلك، وإن لم يتفطن لقصد البقاء ولا الخروج. والظاهر أن الاستيطان والاتطان ونحوهما يدل على أن الوطن قد يحصل قهرا كما في الصورة المفروضة، فاختياره غير هذا الموضع القهري استيطان. وأما مجرد السكون في محل بلا قصد الاستمرار فلا يسمى وطنا عرفا، وإن طال مقامه فيه، وإن كان معه أهله. ثم إن ما يفهمه أهل العرف هو أن يكون له فيه مقر، ولا يفهمون اعتبار ملكية المقر، ولا ثبوت مطلق الملك له، فتكفي إجارة البيت ولو إلى آخر عمره، سيما في البلاد التي يتعارف ذلك فيها. ثم إن الأقوى عندي في تحقق صدق المشتق حقيقة هو اعتبار وجود المبدأ، وكذلك ما في معنى المشتق كالوطن، بل وكذلك الجامدات كالماء، فلا يطلق الماء على الهواء المنقلب عنه حقيقة. إذا عرفت هذا فالوطن لا يطلق حقيقة إلا على ما كان وطنا بالفعل.

[ 109 ]

وأما إطلاق كثير من أهل العرف الوطن على المولد أو مقر الآباء مع حصول الاستمرار فيه مدة معتدا بها وإن انقطعت علاقته عنه فهو مجاز أو اصطلاح خاص. فإن سلمنا كونه حقيقة فيه، فيكون اللفظ مشتركا، لأن كون الإطلاق على غيره مما أخذه وطنا واستمر فيه مدة ثم انقطعت علاقته عنه حقيقة غير مسلم، بل هو مجاز، لما بينا، بل الظاهر كون الأول أيضا مجازا، لأن المتبادر هو محل السكون بالفعل، والمجاز خير من الاشتراك. إذا عرفت هذا فنقول: إن الأصحاب اتفقوا على أن الوصول إلى الوطن قاطع للسفر في الجملة، واشتهر بينهم أن الوصول إلى ضيعة له أو قرية له أقام بها ستة أشهر يكفي في ذلك، وإن كان قبل عشر سنين، بل ادعى الشهيد الثاني (1) والعلامة (2) الإجماع على ذلك. وبعضهم كالفاضلين صرح بأن ذلك يوجب إطلاق الوطن عليه عرفا (3). وبعضهم كالشهيد في الذكرى صرح بأن هذا وطن شرعي (4). وفيما ذكروه امور: الأول: منع الإطلاق العرفي بمجرد المقام ستة أشهر، بل لابد من قصد المقام مستمرا. والثاني: إنه لا يكفي في تحققه حصوله في الماضي مع انقطاعه. والثالث: إنه لم تثبت حقيقة شرعية في ذلك. والرابع: إن ما استدلوا به عليه من الأخبار لا دلالة فيها على ما ذكروه. وغاية توجيه كلامهم أنهم فهموا من ذلك حقيقة شرعية، أو كان مرادهم أنه قصد


1. روض الجنان: 386. 2. التذكرة 4: 390. 3. المعتبر 2: 469، المنتهى 1: 393. 4. الذكرى: 257.

[ 110 ]

التوطن العرفي، لكن اتفق أنه قطع علاقته بعد إتمام ستة أشهر، ويكفي عندهم حصول المبدأ في الماضي كما هو مختارهم في المشتق. وثبوت الحقيقة الشرعية ممنوع، سيما مما استدلوا به عليه. والتوجيه بما ذكرنا من قصد التوطن العرفي، وكون الستة أشهر اتفاقية، غير مطابق لإطلاقات كلماتهم، بل صريح بعضهم. وكون المشتق حقيقة فيما انقضى عنه المبدأ خلاف التحقيق كما بيناه في الاصول (1). فالمعتبر إذن الوطن، بالفعل، ولا يكفي حصوله في الماضي مع انقطاعه. والمعتبر هو ما يصدق عليه عرفا، فلا تعتبر إقامة الستة أشهر. وتدل عليه الأخبار الصحيحة (2)، ففي كثير منها: " كل منزل لا تستوطنه فعليك فيه التقصير " (3). وفي بعضها: " إنما هو المنزل الذي توطنه " (4) في ردع السائل عن الإتمام. والظاهر أنه بلفظ المضارع المخاطب أو الغائب، والمضارع حقيقة في الحال أو الاستقبال، والإجماع قرينة على عدم إرادة الاستقبال فتعين الحال. وأيضا معنى الاستيطان هو اتخاذه وطنا، وهو يحصل بقطع العلاقة عن غير ذلك المكان، وإرادة الاستقرار مستمرا في ذلك المكان، والشروع في الاستقرار والتمكن. ولا يشترط أهل العرف في ذلك فعلية الإقامة ستة أشهر جزما، ولا يضر كون الإقامة أقل منها بكثير، فضلا عن يوم أو يومين، كما يضر ذلك عند المشهور، وسيجئ الكلام في مستند المشهور.


1. القوانين: 75. 2. الوسائل 5: 519 أبواب صلاة المسافر ب 13. 3. الفقيه 1: 288 ح 1311، التهذيب 3: 213 ح 519، الوسائل 5: 520 أبواب صلاة السافر ب 14 ح 1، 10. 4. التهذيب 3: 212 ح 517، الاستبصار 1: 230 ح 818، الوسائل 5: 522 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 8.

[ 111 ]

والحاصل أن طريقة فهم أهل العرف لا تقتضي إلا ما ذكرنا، وبذلك يخرج عن صدق المسافر أيضا، فيجب عليه التمام بذلك. استدل الأصحاب بصحيحة محمد بن إسماعيل عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يقصر في ضيعته، فقال: " لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام، إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه " فقلت: ما الاستيطان ؟ فقال: " أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم فيها متى يدخلها " (1). وأنت خبير بأنه لا دلالة فيها على ما ذكروه، فإن المضارع لا دلالة له على الماضي بوجه. وحينئذ فتطبيق الرواية على المختار هو أن يقال: الظاهر من لفظ الاستيطان في الأخبار الصحاح أخذ الضيعة وطنا، ومعناه عرفا هو ما تقدم، فانطباق تفسير الإمام عليه السلام مع ظاهر لفظ الاستيطان إنما هو بجعل " يقيم " مفيدا للتجدد، كما هو الظاهر من المضارع، والموافق للاستمرار المعتبر في معنى الوطن عرفا، والاستمرار العرفي يحصل بجعلها أحد الموطنين، بل أحد المواطن، فيصدق على الأعراب والأكراد الذين لهم رحلتان في الصيف والشتاء ولهم منزلان فيهما أنهما وطن لهما، بل على من له أربع زوجات في أربعة مواضع، وله فيها أربع منازل يقوم في كل منها فصلا في طول السنة أن له مواطن أربع، وهذا مما يشهد به الوجدان، ولا يثبت بمجرد هذه الرواية حقيقة شرعية فيما ذكروه. ولا يوجب سؤال الراوي عن حقيقة الاستيطان مع كونه من أهل العرف واللسان علمه بأن الشارع وضع الوطن لمعنى جديد في الجملة لكن لا يعرفه بالخصوص، فإن الظاهر أن سبب السؤال هو حصول الاشتباه في أفراد المعنى العرفي، فإن من الظاهر أن المسئول عنه في هذه الأخبار هو الورود في الضيعة والقرية والمنزل مع كون


1. الفقيه 1: 288 ح 1310، التهذيب 3: 213 ح 520، الاستبصار 1: 321 ح 821، الوسائل 5: 522 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 11.

[ 112 ]

مسكنه في موضع آخر، فلما كان تعدد الموطن والمسكن نادرا لأهل الأمصار، واعتباره موهما لاعتبار أمر آخر من الشارع سأل الراوي عن الاستيطان، فأجاب عليه السلام أيضا بما يوافق العرف في صورة التعدد أيضا. ونظائر هذا السؤال كثيرة، مثل السؤال عن الكر ونحوه. فالمراد - والله وقائله أعلم - هو التمثيل، لا اعتبار نفس الستة بالخصوص، يعني إذا كان يقيم في كل سنة ستة أشهر فهو وطنه، كما يظهر من تفسير الصدوق في الفقيه (1)، وتبعه جماعة منهم الفاضلان المحققان صاحب المنتقى وصاحب المدارك، بل ادعى في المدارك تصريح الخبر بذلك (2). فعلى هذا فيكفي في ذلك العزم على الإقامة ستة أشهر أو أقل أو أكثر في كل سنة في مكان مع تأسيس منزل ومسكن فيه مثلا مع الشروع فيه وحصول الاستقرار في الجملة، ولا يجب إتمام الستة أشهر كالبلد الواحد. ولا يضر في ذلك عدم حصول الإقامة في أحد السنوات بسبب سفر أو عارض آخر إذا لم يتغير أصل العزم، فاعتبار ذلك ليس باعتبار مضي ستة أشهر فيه، بل باعتبار فعلية العزم وحصول شئ من الفعل. وبالجملة حكمه مستمر ما لم تنقطع عنه العلاقة ويتغير العزم. فليس في أخبار اعتبار الاستيطان ما يدل على المشهور. نعم في صحيحة سعد بن أبي خلف قال: سأل علي بن يقطين أبا الحسن الأول عليه السلام عن الدار تكون للرجل بمصر أو الضيعة فيمر بها، قال: " إن كان مما قد سكنه أتم فيه الصلاة، وإن كان مما لم يسكنه فليقصر " (3) وهو لا يتم مذهبهم، لعدم الدلالة على الستة أشهر، والجمع بينها وبين صحيحة


1. الفقيه 1: 288. 2. منتقى الجمان 2: 174، المدارك 4: 444. 3. التهذيب 3: 212 ح 518، الاستبصار 1: 230 ح 819، الوسائل 5: 522 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 9.

[ 113 ]

محمد بن إسماعيل غير ممكن، فإنها تدل على الستة الواقعة في الحال، فينفي اعتبار الماضي. وأما على ما بينا فعدم إمكان الجمع أوضح، فنحملها على السكون في الماضي المتصل بالحال الغير المنقطع. لا يقال: عدم اعتبار جزء من الخبر لا يستلزم بطلان الاستدلال بباقيه، فإن المستفاد من الرواية اعتبار الحال والستة أشهر، فإذا سقط اعتبار خصوصية الحال فتنضم المدة إلى صحيحة سعد فيتم المطلوب. لانا نقول: إن الأجزاء العقلية مما لا يجري فيها ما ذكرت، والثابت من الرواية هي الستة الواقعة في الحال، فالحال بمنزلة الفصل، ولا بقاء للجنس بدونه كما حقق في محله. لا يبقى للمشهور إلا الإجماعان المنقولان، وهما لا يعارضان الأخبار الصحاح المستفيضة (1)، مع أن في أصل دعواه إشكالا، سيما مع ملاحظة فتوى الصدوق (2)، وإطلاق جماعة من الأصحاب مثل الشيخ في النهاية (3) وابن البراج (4) وأبي الصلاح (5) اعتبار الاستيطان من دون تصريح باعتبار الستة، وإنما أطنبنا الكلام في هذا المرام لكونه من مزال الأقدام. بقي هنا امور: الأول: إن الذين اعتبروا إقامة ستة أشهر في حصول الاستيطان صرح طائفة


1. انظر الوسائل 5: 520 أبواب صلاة المسافر ب 14. 2. الفقيه 1: 288. 3. النهاية: 124. 4. نقله عن الكامل في المدارك 4: 445. 5. الكافي في الفقه: 117.

[ 114 ]

منهم باشتراط الملك ولو نخلة (1)، واكتفى طائفة بالمنزل (2)، وصرح جماعة بأن المنزل لا يشترط فيه الملك، بل يكفي ولو بالإعارة ونحوها (3)، ويمكن إدخال الغصب أيضا. حجة المعتبرين للملك: الجمع بين ما دل على أن من نزل قريته أو ضيعته يتم من الأخبار المعتبرة الكثيرة، وما دل على أنه يقصر، مع ملاحظة ما ورد بالتفصيل من أنه يتم إذا أقام عشرة أو إذا استوطنه ستة أشهر، مثل صحيحة محمد بن إسماعيل. وجه الاستدلال: أن الحكم بالتمام في الضياع والقرى إنما يتم مع الاستيطان ستة أشهر، والحكم بكفاية استيطان ستة أشهر إنما ورد فيمن ورد ضيعته، والسؤال وإن لم يكن مخصصا على ما هو المحقق في الاصول، لكنه لا عموم في الجواب. مع أنا إذا اعتبرنا هذا الاستيطان واعترفنا بأنه استيطان شرعي لا عرفي، فيكون توقيفيا، ولا يحصل الجزم بحصوله إلا فيما حصل الملك كما هو مورد السؤال. مع أن في صحيحة إسماعيل بن الفضل: " إذا نزلت قراك وضيعتك فأتم الصلاة، وإذا كنت في غير أرضك فقصر " (4) إشعارا بذلك، فإنها بعد تخصيصها بصحيحة محمد بن إسماعيل (5) تقتضي عدم تأثير الاستيطان المعهود في غير أرضه. وفي موثقة عمار: الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها، قال:


1. كالعلامة في المنتهى 1: 393، والتحرير 1: 56، وتبصرة المتعلمين: 41، والشهيد الاول في الدروس 1: 211، والبيان: 156، والشهيد الثاني في روض الجنان: 387. 2. كالصدوق في الفقيه 1: 288، والشيخ في النهاية: 124، وأبي الصلاح في الكافي في الفقه: 117، وابن البراج في المهذب 1: 106، والمحقق في المختصر النافع: 51. 3. كالسبزواري في الذخيرة: 408، والوحيد البهبهاني في حاشية المدارك: 279، وصاحب الرياض 4: 418. 4. الفقيه 1: 287 ح 1309، التهذيب 3: 210 ح 508، الاستبصار 1: 228 ح 810، الوسائل 5: 520 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 2. 5. الفقيه 1: 288 ح 1310، التهذيب 3: 213 ح 520، الاستبصار 1: 321 ح 821، الوسائل 5: 522 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 11.

[ 115 ]

" يتم الصلاة ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة " (") وهو ظاهر في ذلك. وزاد المحقق دعوى مدخلية الملك في تحقق ماهية الاستيطان (2)، وبذلك أدخله في الاستيطان العرفي. وأما المكتفون بالمنزل، فتمسكوا بالصحاح الواردة في اعتبار الاستيطان بالمنزل، مثل صحيحة محمد بن إسماعيل المتقدمة وغيرها. وفيه: أنه يوجب طرح تلك الأخبار رأسا، سيما صحيحة الهاشمي (3) وموثقة عمار. وأما نحن، فلما نحمل (4) الاستيطان على العرفي الذي لا يشترط فيه الملك، ولا نقول بمخالفة صحيحة محمد بن إسماعيل لسائر ما دل على اعتبار مطلق الاستيطان، فالجواب في صحيحة محمد بن إسماعيل عام في المعنى عندنا كسائر المطلقات، مثل قولهم عليهم السلام: " كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل "، و " إنما هو المنزل الذي توطنه " (5) ونحو ذلك، فيخصص كل ما دل على التمام في الضيعة والقرية بتلك الإطلاقات، لأنها مقيدات لها، ومن جملتها صحيحة محمد بن إسماعيل، لكن على الوجه الذي بيناها. فتبقى في مقابل هذه الأدلة موثقة عمار فقط (6)، وهي لا تقاوم ما ذكرنا.


1. التهذيب 3: 211 ح 512، الاستبصار 1: 22 ح 814، الوسائل 5: 521 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 5. 2. المعتبر 2: 496. 3. الفقيه 1: 287 ح 1309، التهذيب 3: 210 ح 508، الاستبصار 1: 228 ح 810، الوسائل 5: 520 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 2. 4. في " ص ": فلا نحمل. 5. الوسائل 5: 520 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 1، 8، 10. 6. التهذيب 3: 211 ح 512، الاستبصار 1: 229 ح 814، الوسائل 5: 521 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 5 وفيها: في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها، قال: يتم الصلاة ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة ولا يقصر، ولييصم إذا حضره الصوم وهو فيها.

[ 116 ]

وأما صحيحة الهاشمي (1) فمبنية على عدم الالتفات إلى غير أرضه، لمعلومية عدم الاستيطان فيه. ولكن الإنصاف أن تلك الأخبار باب على حدة يظهر منها اعتبار الملك من حيث هو، وليس فيها إشارة إلى التفصيل، وكذا ما خالفها من الحكم بالقصر. وحينئذ فالمكتفي بالمنزل ستظهر [ صحة ما ذهب إليه ]، وصحة ما ذهبنا إليه أظهر. ولو لم يكن الحكم بعدم اعتبار الملك فقط إجماعيا لكان للحكم بالتخيير فيها فيما لم يكن وطنا ولم تحصل الإقامة عشرا بين القصر والإتمام وجه كما ذكره في الوافي (2)، ولكن العمل على ما ذكرنا أولا (3). الثاني: كلام الأصحاب ممن صرح بإلحاق دار الإقامة التي اتخذها مسكنا مستمرا بما كان له ملك فيه صريح في اشتراط التوطن ستة أشهر فيه أيضا، نظرا إلى ظاهر الصحيحة، بل وصرح بعضهم بالأولوية (4)، ويلزمهم الاكتفاء بذلك بحصوله في الماضي، فتكون نية كونه بلد الإقامة قائمة مقام الملك. وهذا أضعف من المسألة السابقة، لعدم دعوى الإجماع فيه بالخصوص، ولعدم ظهور الصحيحة فيه على ما فهموه. والاستدلال بالصحيحة هنا يضعف ما بينا لهم من كيفية الاستدلال بها في المسألة السابقة، فإن البناء هنا على عموم الجواب بخلافه ثمة. نعم صرح العلامة في التذكرة هنا باعتبار استمرار النية في وجوب التمام (5).


1. الفقيه 1: 287 ح 1309، التهذيب 3: 210 ح 508، الاستبصار 1: 228 ح 810، الوسائل 5: 520 أبواب صلاة المسافر 14 ح 2. 2. الوافي 7: 163. 3. في " ع ": أولى. 4. كالشهيد في الذكرى: 257، وصاحب المدارك 4: 445. 5. التذكرة 4: 392.

[ 117 ]

وعلى ما بينا فيكفي جعله دار إقامته مستمرا وإن لم يقم فيه ستة أشهر، لخروجه بذلك عن اسم المسافر وصدق الاستيطان عرفا. الثالث: اعتبر جماعة من مشترطي الملك سبق الملك على الاستيطان ودوامه، وكونه ملك الرقبة لا المنفعة، ولا بأس به على أصلهم. الرابع: اختلف كلامهم في اعتبار التوالي في الستة أشهر، والأظهر ذلك. وأيضا الظاهر عدم اعتبار الاتفاق، فإن اتفق مكثه في ضيعة له سنة أو سنتين مترددا فالظاهر عدم الاكتفاء به كما يظهر من بعض الأصحاب نظرا إلى صدق الإقامة عرفا. وفيه: أن الظاهر من اللفظ أن الستة أشهر قيد للحدث، لا للنسبة، فبعد تقييد الإقامة بالستة ترد عليه النسبة الحكمية، وهو يستلزم نيته أولا نظير (1) إقامة العشرة. الخامس: الكلام في اعتبار المسافة إلى الوطن وما بين الوطنين والخروج من الوطن إلى منتهى المقصد أو أقل المسافة وغير ذلك من الفروع يعلم مما سبق في قصد الإقامة وغيره، إلا أن الظاهر عدم اعتبار الصلاة التامة في عدم الرجوع إلى القصر هنا، لأن ذلك الحكم مخصوص بإقامة العشرة، وفيما نحن فيه ليس بمسافر، فيترتب عليه حكم الحاضر إلى أن يخرج. السادس: أن لا يبقى مترددا في بلد في الأثناء ثلاثين يوما، وإلا فيجب عليه التمام ولو صلاة واحدة بالإجماع، والأخبار المعتبرة (2). والمحكم العرف، فلا يكفي التلفيق، ويضره الخروج المخرج عن مصداقه عرفا، ولا يضر التردد في أثناء الطريق حال قطع المسافة.


1. في " ص " زيادة: نية. 2. الوسائل 5: 524 أبواب صلاة المسافر ب 15.

[ 118 ]

ولا يكفي الشهر الهلالي وإن ورد بلفظ الشهر في بعض الأخبار (1)، حملا للمطلق على المقيد. السابع: أن لا يكون السفر عمله، ولا يكون بيته معه، سواء كان أحد العناوين الواردة في الأخبار أعني المكاري، والكري (2)، والراعي، والاشتقان (3)، والملاح، والجابي، والتاجر، الذي يدور في تجارته، والطالب مواضع القطر والكلاء وغيرها مما تشمله العلتان المتقدمتان المنصوصتان في صحيحة زرارة (4) ورواية سليمان بن جعفر الجعفري (5). وتعبير الفقهاء عن ذلك بأن لا يكون كثير السفر، لعله مبني على تحقيق أن المناط هو كثرة السفر. ولذلك اشترط بعضهم في تحققه السفر ثلاث مرات بشرط عدم إقامة العشرة (6). وبعضهم اشترط ذلك مع استثناء من كان السفر عمله لقيام صنعته مقام التكرر (7). واعتبر بعضهم ثلاثة أسفار مع اشتراط عدم الإقامة عشرة عقيب الأول (8)،


1. انظر الكافي 4: 133 ح 1، والتهذيب 3: 221 ح 553، والاستبصار 1: 238 ح 851، والوسائل 5: 525 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 3، 5. 2. الكري: مكري الدواب. المصباح المنير: 532. 3. الاشتقان: البريد. مجمع البحرين 6: 272. 4. الكافي 3: 436 ح 1، الفقيه 1: 281 ح 1276، التهذيب 3: 215 ح 526، الخصال: 252 ح 122. الوسائل 5: 515 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 2. 5. الكافي 3: 437 ح 5، الوسائل 5: 516 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 6. 6. جامع المقاصد 2: 513. 7. السرائر 1: 339. 8. كالشهيد في الذكرى: 258.

[ 119 ]

وقيل غير ذلك ("). ولعلهم أخذوا المبادئ في تلك العناوين الملكات، ولا تتحقق إلا بالتكرار، أو نظروا إلى رواية يونس الآتية الدالة على رجوعهم بعد الإقامة عشرة أيام إلى القصر حتى يتكرر السفر (2). والجمع بينهما مشكل، لأن الملكة لا تزول بمجرد الإقامة عشرة، فتكون الرواية واردة على التعبد، فيبقى محض استنباط العلة أو ظهور المبادئ في الملكات، والأول ليس بحجة، والثاني غير مسلم، لإمكان إرادة الحال، فقد يشترك اللفظ بين الحال والملكة كالقارئ. ع أنه يمكن أن يكون المراد من المبادئ هو الاتخاذ حرفة، وهو معنى غير بعيد، وهذا لا يحتاج إلى التكرر في صدقه عرفا كما لا يخفى. فالأولى الرجوع إلى صدق العناوين عرفا أو صدق العلتين المنصوصتين. نعم يشكل الأمر على تساوي احتمال المبدأ للملكة والحرفة والحال، وعدم تمييز العرف في ذلك، فعمومات قصر المسافر للمشهور، وأصالة التمام حتى يثبت شرط القصر مع كون عمومات القصر مخصصة بمجمل بالفرض لنا، والعام المخصص بالمجمل لاحجية فيه في قدر الإجمال، وهذا أظهر. وكيف كان فأصل الحكم مما لا إشكال فيه، ولا خلاف فيه إلا عن ظاهر ابن أبي عقيل (3)، والأخبار المعتبرة به مستفيضة (4). نعم في صحيحة البقباق (5) وصحيحة محمد بن مسلم (6) ومرسلة عمران بن


1. المختلف 3: 109. 2. التهذيب 4: 219 ح 639، الاستبصار 1: 234 ح 837، الوسائل 5: 517 أبواب صلاة المسافر ب 12 ح 1. 3. نقله عنه في المختلف 3: 106. 4. انظر الوسائل 5: 515 أبواب صلاة المسافر ب 11. 5. التهذيب 3: 215 ح 529، الاستبصار 1: 233 ح 831، الوسائل 5: 519 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 2. 6. التهذيب 3: 215 ح 528، الاستبصار 1: 233 ح 830، الوسائل 5: 519 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 1.

[ 120 ]

محمد (1): " إن المكاري والجمال إذا جد بهما السير يقصران ". وعمل عليها الكليني (2) وجماعة من المتأخرين (3) خلافا للمشهور، ولا بأس به، لاعتبار سند الروايات، واعتضادها بالاعتبار، فإن أظهر معاني الحديث إرادة المشقة الشديدة الخارجة عن معتادهم، وإلى ذلك ينظر تفسير الكليني - رحمه الله - بأن معناه أن يجعل منزلين منزلا، ولكن في مرسلة عمران تخصيص القصر، بما بين المنزلين. والأوجه العمل على الإطلاق، لعدم مقاومته للمطلقين الصحيحين. وفي التعدي عن موردي النص إلى غيرهما من للعناوين إشكال، فنقف عليهما. ثم إن الظاهر أن المراد بالسفر الذي يتم هؤلاء فيه هو السفر الذي كان عملهم، فلو ذهب المكاري إلى الحج أو الزيارة ونحوهما فيقصر، لأنه المتبادر من الأخبار، ولخصوص روايتي إسحاق بن عمار، وإحداهما صحيحة إليه (4). ثم يشترط عند الأصحاب في وجوب التمام عليهم أن لا يقيموا عشرة أيام في بلدهم مطلقا، ولا عشرة منوية في غير بلدهم عند المحقق (5) ومن تأخر عنه (6)، ونسب في المهذب كليهما إلى المشهور (7)، وكذا إلحاق الثلاثين مترددا في غير بلده.


1. التهذيب 3: 215 ح 530، الاستبصار 1: 233 ح 832، الوسائل 5: 519 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 3. 2. انظر الكافي 3: 437. 3. كالاردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 3: 393. 4. الكافي 3: 438 ح 9، التهذيب 3: 215 ح 527، الاستبصار 1: 233 ح 829، الوسائل 5: 516 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 5. 5. المختصر النافع 1: 51. 6. التذكرة 1: 191، جامع المقاصد 2: 513، مجمع الفادة 3: 391. 7. المهذب البارع 1: 486.

[ 121 ]

وأما العشرة المترددة في غير البلد فلم يعتبرها أحد، وادعى في روض الجنان على عدم اعتبارها الإجماع (1). وألحق الشهيد بذلك العشرة المترددة بعد الثلاثين مترددا (2). وتحقيق هذا الاشتراط من أصله لا يخلو عن إشكال، إذ الأخبار التي ترتبط بذلك ما بين ضعيف في السند وقاصر في الدلالة مشتمل على ما لا يقول به الأصحاب. وأسلمها من حيث الدلالة مرسلة يونس، عن بعض رجاله، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن حد المكاري الذي يصوم ويتم، قال: " أيما مكار أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقل من عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام أبدا، وإن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام فعليه التقصير والإفطار " (3). ومع ضعفها لا تدل على حكم نفس العشرة إلا بضميمة عدم القول بالفصل، فإنه أعم من الأحد عشر ونحوه، ومما يوجب سلب الاسم. ولكنه يظهر منها وجوب القصر وإن بقي صدق العناوين، وهو مشكل، والعمل بها مع الاكتفاء بصدق الاسم في ابتداء العمل أشكل، سيما مع بقاء الاسم. نعم له وجه على قول من يعتبر فعلية كثرة السفر، وهو أيضا يتم لو سلب عن ذلك اسم كثير السفر. وبالجملة اعتضاد الرواية بالروايتين الأخيرتين مع صحة إحداهما وعمل جمهور الأصحاب، بل إجماعهم، كما يظهر من بعض المتأخرين (4) - وإن غلطه المحقق


1. روض الجنان: 391. 2. الدروس 1: 212. 3. التهذيب 4: 219 ح 639، الاستبصار 1: 234 ح 837، الوسائل 5: 517 أبواب صلاة المسافر ب 12 ح 1. 4. السرائر 1: 341.

[ 122 ]

في الدعوى (1) - يشجع على تخصيص العمومات بها، ولكن الظاهر أنها محض تعبد، أما كون العلة هو زوال كثرة السفر فيحتاج إلى تجدد الكثرة، فلا نجد عليه دليلا. فعلى ما بينا وحققنا فعملنا على هذه الرواية محض تعبد، فنقتصر على ما به يحصل الامتثال، وهو التقصير في سفر واحد، وفاقا لابن إدريس (2) وغيره (3)، وتبقى العمومات في الباقي سليمة عن المعارض. واعتبر الشهيد في الذكرى في العود إلى الإتمام هنا المرة الثالثة، لأن الاسم قد زال بالإقامة (4)، وهو ممنوع. ثم إني لم أقف في هذه الأخبار على ما يدل على الفرق بين بلدهم وغير بلدهم في كون العشرة منوية وغير منوية، فإن حملنا مقام عشرة أيام وإقامة عشرة الواردتين في الروايات على المنوية فالكلام فيهما سواء، وإن أبقيناهما على الإطلاق فتحتاج النية في غير البلد إلى دليل، إلا أن يقال: الإجماع الذي ادعاه في روض الجنان (5) على عدم اعتبار المترددة يخصصه، وإن قلنا بظهورهما في المنوية، فعدم اعتبار المشهور إياها في بلدهم يحتاج إلى دليل. وأما إلحاق الثلاثين والعشرة بعدها فإنما هو من باب التخريج. ويمكن تعميم العشرة في الأخبار بحيث تشمل العشرة الحاصلة في الثلاثين، لكن يقدحه دعوى الإجماع المتقدم. إلا أن يقال: إن ما علم من دعواه، هو ما إذا لم يضم إليها شئ آخر، وحينئذ فاعتبار العشرة اللاحقة أولى بالاعتبار.


1. المعتبر 2: 473. 2. السرائر 1: 338. 3. المدارك 4: 453. 4. الذكرى: 258. 5. روض الجنان: 391.

[ 123 ]

ثم إن المشهور إتمام هؤلاء لو لم يقيموا عشرة أيام، واكتفى ابن الجنيد بالخمسة (1) كما فعله في الإقامة للإتمام. وخالف الشيخ وابن حمزة وابن البراج في إقامة الخمسة إلى ما دون العشرة، فقالوا بوجوب تقصير صلاة النهار وأما الصوم وصلاة الليل فلا (2)، لرواية عبد الله بن سنان المروية في التهذيب (3)، وصحيحته المروية في الفقيه (4). وهما تدلان على أن الأقل من الخمسة أيضا كذلك (5)، فالاستدلال بهما للشيخ وأتباعه أضعف من استدلال المشهور بهما في حكم العشرة، واستدلال ابن الجنيد بهما أضعف منهما. أما الأول، فلا قتران الخمسة فيهما بالأقل وانفراد العشرة. وأما الثاني، فلبعده عن الصواب بمرحلتين. ويدل على المشهور مضافا إلى العمومات قوله عليه السلام: " إذا قصرت أفطرت " (6). ثم إن الروايات مخصوصة بحكم المكاري، ويظهر منهم اتحاد حكم الباقين، ولم ينقل أحد منهم خلافا في إلحاق الباقين إلا المحقق في النافع (7). وقال ابن فهد: لعله سمع من بعض معاصريه، وإلا فليس تخصيص ذلك بالمكارين في كتاب ولا مصنف (8)، وفيه إشكال.


1. نقله في المهذب البارع 1: 486. 2. المبسوط 1: 141، النهاية: 122، الوسيلة: 108، المهذب 1: 106. 3. التهذيب 3: 216 ح 531، الاستبصار 1: 234 ح 836، الوسائل 5: 519 أبواب صلاة المسافر ب 12 ح 6. 4. الفقيه 1: 281 ح 278 ح 1278، الوسائل 5: 519 أبواب صلاة المسافر ب 12 ح 5. 5. في " م "، " ح " زيادة: كما ذهب إليه ابن الجنيد. 6. الفقيه 1: 280 ح 1270، التهذيب 3: 220 ح 551، الوسائل 5: 528 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 17. 7. المختصر النافع: 51. 8. المهذب البارع 1: 488.

[ 124 ]

الثامن: أن لا يكون سفره معصية كالفرار من الزحف، ولا عاصيا بسفره في نفسه كالراكب للدابة المغصوبة في طريق الحج، أوفي غايته كالذي يذهب ليسعى في فساد وإضرار. والحاصل أن لا يكون مقصوده من السفر حصول ما هو معصية، فلا يضر حصولها فيه اتفاقا، ولا ما هو من لوازم شقاوة النفس وإن استمر مع السفر، كمن يشتغل بالغيبة غالبا، أو بسائر المناهي مع قطع النظر عن السفر. وأما ما يتوهم من عدم جواز القصر لمن كانت ذمته مشغولة بواجب لا يتمكن منه في السفر، كتحصيل العلم الواجب ونحوه (1)، فهو بعيد، لأنه إنما يتمشى على القول باقتضاء الأمر بالشئ النهي عن ضده الخاص، وهو خلاف التحقيق. وجعل الإباق والنشوز وقطع الطريق المخوف من هذا القبيل أبعد، لأن هذه أفعال يقصد بها ما هو معصية، ولكن التارك للتحصيل لا يقصد بسفره ترك التحصيل وإن حصل له ذلك اتفاقا. وترك الضد وإن سلم كونه من مقدمات المأمور به، ولكن فعله ليس علة لترك الواجب مع وجود الصارف، وإذا انضم إليه عدم القصد أيضا فلا يبقى مجال للإشكال، سيما والقول بكون علة الحرام حراما أيضا ممنوع كوجوب المقدمة. واعلم أنا نقول باقتضاء الأمر وجوب مقدمته والنهي عن ضده اقتضاءا تبعيا من باب دلالة الإشارة، لكنه ليس من الأحكام الأصلية، بل هو من الخطابات التوصلية... فالوجوب والتحريم فيهما لأجل الغير، والمعصية التي اعتبر كونها موجبة للتمام في السفر هي ما كان العقاب على تركه بالذات، إذ هو المتبادر من المعصية.


1. الروضة البهية 1: 786.

[ 125 ]

وأصل هذا الشرط إجماعي مدلول عليه بالأخبار المعتبرة، ففي صحيحة عمار بن مروان: " من سافر قصر وأفطر، إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد، أوفي معصية الله، أو رسولا لمن يعص الله، أو في طلب شحناء أو سعاية أو ضرر على قوم مسلمين " (1). ومن جملة ذلك السفر لصيد اللهو بلا خلاف، ففي الموثق: " يتم لأنه ليس بمسير حق " (2)، وفي اخرى: " إنه مسير باطل " (3)، والأخبار ناطقة بوجوب التمام، وذلك إما لكون اللهو حراما مطلقا كما يظهر من المحقق في المعتبر (4)، أو في خصوص الصيد لتلك الأخبار. وأما لو كان لقوت عياله فلا إشكال ولا خلاف في جوازه، وتدل عليه الأخبار أيضا، خصوصا مرسلة عمران بن محمد المفصلة (5). وأما للتجارة فالأقوى أيضا جواز القصر، للعمومات والإطلاقات، وخصوص صحيحة صفوان (6)، وصحيحة العيص (7) وغيرهما (8)، ومطلق ما نهى عن التقصير في الصيد محمول على اللهو.


1. الفقيه 1: 92 ح 409، الوسائل 5: 509 أبواب صلاة المسافر ب 8 ج 3. 2. الكافي 3: 438 ح 8، التهذيب 3: 217 ح 537، الاستبصار 1: 236 ح 841، الوسائل 5: 511 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 4. 3. الكافي 3: 347 ح 4، التهذيب 3: 217 ح 536، الاستبصار 1: 235 ح 840، المحاسن: 371 ح 129، الوسائل 5: 512 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 7. 4. المعتبر 2: 471. 5. الكافي 3: 438 ح 10، الفقيه 1: 288 ح 1312، التهذيب 3: 217 ح 538، الاستبصار 1: 236 ح 845، الوسائل 5: 512 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 5. 6. التهذيب 3: 218 ح 541، الاستبصار 1: 236 ح 843، الوسائل 5: 511 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 2. 7. الفقيه 1: 288 ح 1314، الوسائل 5: 512 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 8. 8. كتاب زيد النرسي: 50، مستدر الوسائل 6: 532 أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 1.

[ 126 ]

وذهب جماعة (1) منهم ابن إدريس إلى وجوب التقصير في الصوم دون الصلاة، وقال ابن إدريس: روى أصحابنا بأجمعهم أنه يتم الصلاة ويفطر الصوم (2)، وفهم العلامة من ذلك دعوى الإجماع (3). ولم أقف على هذه الروايات، ويدفعه مضافا إلى ما مر الصحيحة الدالة على ملازمة القصر والإفطار (4) المدعى على مضمونها الإجماع في الانتصار (5). التاسع: الخروج إلى حد الترخص، فعن أكثر المتقدمين اعتبار أحد الأمرين من خفاء الجدران والأذان (6)، للجمع بين صحيحة محمد بن مسلم الدالة على اعتبار التواري (7)، وصحيحة عبد الله بن سنان الدالة على اعتبار خفاء الأذان (8). وعن أكثر المتأخرين اعتبارهما معا (9) للجمع بتخصيص كل منهما بالآخر. وقيل باختفاء الأذان للصحيحة الثانية (10). وعن الصدوق في المقنع: اختفاء حيطان المدينة عنه (11) للصحيحة الاولى. وعن أبيه: إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه (12)، لما رواه مرسلا


1. منهم الشيخ في المبسوط 1: 136، والقاضي في المهذب 1: 106. 2. السرائر 1: 327. 3. انظر المختلف 3: 96. 4. الفقيه 1: 280 ح 1270، التهذيب 3: 220 ح 551، الوسائل 5: 528 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 17. 5. الانتصار: 51. 6. الخلاف 1: 572 مسأة 324، المراسم: 75، المهذب 1: 106. 7. الكافي 3: 434 ح 1، الفقيه 1: 279 ح 1267، الوسائل 5: 505 أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 1. 8. التهذيب 4: 230 ح 675، الاستبصار 1: 242 ح 862، الوسائل 5: 506 أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 3. 9. كالعلامة في المختلف 3: 110، والشهيد الاول في البيان: 264، والشهيد الثاني في الروضة البهية 1: 787. 10. السرائر 1: 331. 11. نقله في المختلف 3: 110، والموجود في المقنع: 10 يجب التقصير على الرجل إذا توارى من البيوت. 12. نقله عنه في المختلف 3: 110، والذكرى: 260.

[ 127 ]

عن الصادق عليه السلام (1). والتحقيق: أن الصحيحتين متوافقتان غالبا، والمرسلة لا تقاومهما. والمعتبر الأذان المتوسط والأرض المتوسطة كما هو الغالب المتعارف. وأما حكاية التواري فلفظ الحديث: متى يقصر ؟ قال: " إذا توارى من البيوت " والمقصود التواري من جهة البعد، فلا يضر الحائل. والذي أفهمه أن المراد أن تتوارى عنه البيوت من حيث إنها بيوت، فلا عبرة بسواد المدينة وشبحها، ولا بالمنائر والقلاع ونحوها، فيتقارب مع خفاء الأذان. وأما التعبير بالجدران والحيطان فلا أعرف وجهه، إلا أن يكون مبنيا على أن البيوت لما كان الغالب - سيما في البلاد الكبيرة والأمصار - مختفية بالسور أو بنفس الجدران فاعتبر تميز السور والجدران عن الأشجار والبساتين والنسمات وغيرها، أو تمييز الجدران من حيث إنها من اللبن أو الحجر أو الطين ونحو ذلك. وأما ما قيل: من أن المراد اختفاؤه من البيوت أي عن أهلها (2)، للجمع بين الروايتين، لكمال التفاوت بينهما لو اريد اختفاء السواد والشبح. ففيه: مع أنه مستلزم للحذف لا يحصل به الجمع أيضا، إذ البعد على هذا أيضا أكثر من اختفاء الأذان. وإن اعتبر اختفاؤه على أهل البيوت من حيث الشكل والهيئة متميزا عن غيره، ففيه: مع أنه لا يفهم من الرواية لا يحصل به الجمع أيضا، لأنه يصير أقل من اختفاء الأذان بكثير. فما اعتبرنا وإن كان يستلزم القلب أيضا، ولكنه أوجه وأوفق بفهم جمهور الأصحاب.


1. الفقيه 1: 279 ح 1268، الوسائل 5: 508 أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 5. 2. الحدائق 11: 406.

[ 128 ]

وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه إذا سار فرسخا قصر (1)، فهو مع أنه فعل، فإن وافق ما ذكرنا وإلا فنحمله على الاستحباب. ويكفي سماع الأذان من آخر البلد، وكذا آخر البيوت في الرؤية، إلا إذا اتسعت خطة البلد بحيث خرج عن العادة، فتعتبر محلته وأذانها، كذا في الذكرى وغيرها (2)، ولا بأس بذلك، لأن ذلك موافق لإطلاق الأدلة وفهم العرف. وهل يعتبر ذلك في الرجوع ؟ المشهور نعم، لصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة المعتضدة بالاعتبار. وذهب جماعة إلى استمرار القصر إلى الدخول (3)، لصحيحة إسحاق بن عمار (4)، وصحيحة العيص (5)، وما رواه الصدوق مرسلا. والمسألة محل إشكال، وإن كان المشهور لا يخلو عن رجحان، لعدم إمكان التأويل في صحيحة ابن سنان، وقربه في صحيحة العيص، بأن المراد أنه لا يقصر بعد الدخول، فيكون ردا على من يعتبر حال الوجوب في المسألة الآتية، فإنه روى هذه في رواية اخرى بعد ذكر حكاية دخول الوقت في الطريق والحكم بالتمام بعد الوصول كما سيأتي. وفي موثقة إسحاق بن عمار أيضا بأن المراد منها أن المعتبر في حد الترخص في مثل الكوفة من البلاد العظيمة هو اعتبار محلته التي بيته فيها، فلا يقصر بمجرد ورود الكوفة، لا أنه يقصر حتى يدخل البيت. وهل يعتبر ذلك في بلد يريد فيه إقامة عشرة أيام قبل الوصول إليه، أو إذا


1. التهذيب 4: 224 ح 659، الاستبصار 1: 226 ح 803، الوسائل 5: 506 ابواب صلاة المسافر ب 6 ح 4. 2. الذكرى: 259، المدارك 4: 458. 3. نقله عن على بن بابويه وابن الجنيد في المختلف 3: 111، وعن السيد المرتضى في المعتبر 2: 474. 4. الفقيه 1: 284 ح 1291، التهذيب 3: 222 ح 555، الاستبصار 1: 242 ح 863، الوسائل 5: 508 أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 3. 5. التهذيب 3: 222 ح 556، الاستبصار 1: 242 ح 864، السائل 5: 508 أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 4.

[ 129 ]

خرج منه ؟ وجهان، من جهة كونه بمنزلة الوطن في الأحكام كما مرت الإشارة إليه، ومن جهة عدم الدليل بالخصوص. وربما يقال: إن التواري من البيوت في صحيحة ابن مسلم يشمله (1)، وفيه إشكال. وأما فيمن كان سفره معصية أو بلا قصد فتبدل ففيه الوجهان، والأقرب عدم الاعتبار، للعمومات وعدم المخصص. المبحث الثالث: إذا اجتمعت الشرائط المذكورة يجب القصر، ولا يجزئ التمام إلا في أربعة مواطن: مكة، والمدينة، ومسجد الجامع بالكوفة، والحائر، فيجوز التمام، بل يستحب على المعروف من جمهور أصحابنا، للأخبار الكثيرة التي كادت تبلغ حد التواتر (2)، المشتملة على الصحاح والحسان والموثقات وغيرها. وقال السيد: لا يقصر (3). وقال الصدوق: يقصر (4)، لأخبار منها الصحاح الأربعة التي هي عمدتها صحيحة أبي ولاد المتقدمة (5)، وصحيحة محمد بن إسماعيل (6) وصحيحة معاوية بن عمار (7)، وصحيحة معاوية بن وهب التي رواها في العلل (8)، الدالة على أن


1. المدارك 4: 461. 2. الوسائل 5: 543 أبواب صلاة المسافر ب 25. 3. جمل العلم والعمل (رسائل السيد المرتضى) 3: 77. 4. الفقيه 1: 283، الخصال: 252. 5. الفيه 1: 280 ح 1271، التهذيب 3: 221 ح 533، الاستبصار 1: 238 ح 851، الوسائل 5: 532 أبواب صلاة المسافر ب 18 ح 1. 6. الفقيه 1: 283 ح 1285، التهذيب 5: 426 ح 1482، الاستبصار 2: 331 ح 1178، عيون أخبار الرضا (ع) 2: 18 ح 44، الوسائل 5: 550 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 32. 7. التهذيب 5: 474 ح 1668، الوسائل 5: 543 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 3. 8. علل الشرائع: 454 ب 210 ح 10، الوسائل 5: 549 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 27.

[ 130 ]

الأمر بالتمام لأجل التقية، رواها الشيخ أيضا بسند ضعيف (1). وحمل أخبار التمام على التقية تأبى عنه ملاحظة نفس تلك الأخبار، والتصريح بالتخيير في كثير منها ودلالة أكثرها على أن ذلك أمر مخصوص بتلك الأماكن، ولا وجه لتخصيص التقية بها، لأن العامة يخيرون بين القصر والإتمام مطلقا من غير تفصيل، مع تصريح رواية عبد الرحمن بن الحجاج بأن ذلك ليس من أجل التقية، بل لتحصيل الفضل (2). مع أنه يمكن أن يقال: التقية في التقصير، لأن ذلك الفرق من مذهب الشيعة أغرب من حتم القصر، فهذه أيضا مخالفة جديدة لهم، والقصر كان معروفا من مذهبهم، فالتمام أولى بالتقية فيه. مع أنه يمكن أن يكون المراد في صحيحة معاوية بن وهب ردع الأصحاب عن تخلفهم عن الناس في الصلاة، لا عن مخالفتهم في القصر والإتمام. وحمل الأخبار الكثيرة على صورة الإقامة أيضا مما لا تقبله ملاحظة تلك الأخبار، مع سهولة حمل أخبار الصدوق على الجواز، أو على أن قصد الإقامة والإتمام مستحب آخر. وبالجملة الأقوى أفضلية التمام، لأكثرية رواياته وأصحيتها وأوضحيتها وموافقتها للأصحاب، وإن كان الاحتياط في القصر، سيما ويظهر مما رواه في كامل الزيارات أن أجلاء فقهاء الأصحاب كانوا يقصرون (3). والأظهر اعتبار نية القصر والإتمام، لتغاير ماهيتهما، وحكم جماعة من الأصحاب بعدمه (4)، وهو مشكل.


1. التهذيب 5: 428 ح 1485، والرواية ضعيفة بعيد الرحمن فانه مشترك بين الضعيف والثقة. 2. التهذيب 5: 428 ح 1486، الاستبصار 2: 332 ح 1182، الوسائل 5: 544 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 6. 3. كامل الزيارات: 248، مستدرك الوسائل 6: 545 أبواب صلاة المسافر ب 18 ح 3. 4. منهم المحقق في المعتبر 2: 150، وصاحب المدارك 4: 470.

[ 131 ]

ثم إن الظاهر استحباب النافلة المقصورة أيضا، لأنه من باب الإتمام، وتدل عليه رواية علي بن حديد (1)، والترغيبات في أخبار التمام على إكثار الصلاة (2). وأما الصوم فلا يجوز كما حكم به جماعة من الأصحاب (3)، لعدم الدليل، وبطلان القياس، وإشعار موثقة عثمان ("). وقد يستشكل بعكس نقيض قوله عليه السلام: " إذا أفطرت قصرت " (5). ويمكن دفعه باحتمال إرادة إذا جاز لك الفطر جاز لك القصر، مع ثبوت الإشكال في أصل الاستدلال. بقي الكلام في تحديد الأماكن، فالأشهر الأظهر ما ذكرنا، وفي كلام السيد وابن الجنيد: مكة ومسجد النبي صلى الله عليه وآله ومشاهد الأئمة عليهم السلام (6). وعن الشيخ: مكة والمدينة والكوفة (7). وعن يحيى بن سعيد في البلدان الأربعة، لورود الحديث بحرم الحسين عليه السلام، وقدر بخمسة فراسخ، وبأربعة، وبفرسخ، قال: والكل حرم وإن تفاوت في الفضيلة (8). وعن ابن إدريس والشهيد الثاني نفس المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد


1. التهذيب 5: 426 ح 1483، الاستبصار 2: 331 ح 1179، الوسائل 5: 551 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 33. 2. انظر الوسائل 5: 544 أبواب صلاة المسافر ب 2 5 ح 4، 18. 3. منهم المقدس الاردبيلي في مجمع القائدة 3: 427. 4. الكافي 4: 524 ح 2، التهذيب 5: 425 ح 1477، الاستبصار 2: 330 ح 1173، الوسائل 5: 547 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 17. 5. انظر مجمع الفائدة والبرهان 3: 427، والوسائل 5: 528 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 17. 6. جعل العلم (رسائل الشريف المرتضى) 3: 47، ونقله عن ابن الجنيد في المختلف 3: 136. 7. التهذيب 5: 257. 8. نقله في الذكرى: 257.

[ 132 ]

الكوفة والحائر (1)، وهو أحوط. وأما الحائر ففي تحديده إشكال، فعن المفيد في الإرشاد أن الحائر محيط بالشهداء إلا العباس، فإنه قتل في المسناة (2)، وقال ابن إدريس: ما دار عليه سور المشهد لاسور البلد (3)، والأحوط الأول، سيما وفي بعض الأخبار: " وعند قبر الحسين عليه السلام " (4). الرابع: لو دخل الوقت وكان المصلي قادرا على الصلاة تماما ولم يفعل وسافر فالأقرب وجوب القصر، وفاقا لمعظم الأصحاب. وذهب ابن أبي عقيل والصدوق في المقنع والعلامة إلى وجوب التمام (5)، ونسبه في روض الجنان إلى المشهور بين المتأخرين (6). وقيل: باستحباب التمام (7). وقيل: إن وسع الوقت يتم، وإلا فيقصر (8). لنا: ظاهر الآية، والعمومات والإطلاقات الموجبة للتقصير على المسافر، وخصوص صحيحة إسماعيل بن جابر الصريحة المؤكدة بتأكيدات عديدة (9)،


1. السرائر 1: 342، الروضة البهية 1: 787. 2. الارشاد 2: 114. 3. السرائر 1: 342. 4. الوسائل 5: 545 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 12، 22. 5. نقله عن ابن أبي عقيل واختاره الغلامة في المختلف 3: 117، المقنع (الجوامع الفقهية): 10. 6. روض الجنان: 389. 7. الخلاف: 577 مسألة 332. 8. التهذيب 3: 223، الاستبصار 1: 240. 9. الفقيه 1: 283 ح 1288، التهذيب 3: 222 ح 558، الاستبصار 1: 240 ح 856، الوسائل 5: 535 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 2.

[ 133 ]

وصحيحة محمد بن مسلم الواردة في حد الترخص (1). احتج المتممون بالاستصحاب، وبأن اليقين يحصل بالتمام، وبصحيحة محمد بن مسلم الدالة على اعتبار حال الوجوب في الموضعين (2)، ورواية بشير النبال (3)، وموثقة عمار (4)، ورواية الوشاء (5). أما الاستصحاب، فمع أنه لا يقاوم الدليل لا يجري فيما نحن فيه، لأن استصحاب نفس الحضر قد انقطع، وأما حكمه فتعلق الإتمام به عينا أول الكلام، لأنه مكلف في أول الوقت بإيقاع صلاة الظهر في أجزاء وقته مخيرا بينها، والتخيير بين إيقاعها في الأوان يستلزم تخييره بين ما يستتبعه كل آن، فقد يصير تكليفه الصلاة بالتيمم، وقد يصير تكليفه صلاة الخوف والمطاردة إلى غير ذلك، فهذا وإن كان ليس تخييرا بالذات وبدلا بالأصالة لكنه يصير تخييرا وبدلا بالعرض، فافهم ذلك. وأما حصول اليقين بالتمام فغريب، لأن القصر والتمام ماهيتان مختلفتان، ولا يستلزم مجرد الزيادة حصول اليقين، بل اليقين إنما يحصل بإتيانهما معا. وأما رواية بشير والوشاء فضعيفتان (6)، مع أن الثانية ممنوعة الدلالة، فتبقى الصحيحة والموثقة.


1. الكافي 3: 434 ح 1، الفقيه 1: 279 ح 1267، التهذيب 3: 224 ح 566، الوسائل 5: 534 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 1. 2. الفقيه 1: 284 ح 1289، التهذيب 3: 222 ح 557، الاستبصار 1: 239 ح 853، الوسائل 5: 535 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 5. 3. الكافي 3: 434 ح 3: التهذيب 3: 224 ح 563، الاستبصار 1: 240 ح 855، الوسائل 5: 536 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 10. 4. التهذيب 2: 18 ح 49، الوسائل 3: 62 أبواب أعداد الفرائض ب 23 ح 1. 5. الكافي 3: 343 ح 2، التهذيب 3: 224 ح 562، الاستبصار 1: 240 ح 854، الوسائل 5: 537 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 12. 6. أما الاولى فلان راويها لم يثبت توثيقه، والثانية في طريقها معلى بن محمد وهو مضطرب الحديث والمذهب كما قال النجاشي في رجاله: 418 رقم 1117، وطريق الشيخ إليه ضعيف.

[ 134 ]

وأما الموثقة، فمع اشتمالها على عدم اعتبار أول الوقت، بل تدل على اعتبار الوقت إذا مضى وقت النافلة والفريضة معا، فلا تقاوم ما ذكرنا من الأدلة. وكذلك الصحيحة، فإنها أوفق بالكتاب، والسنة، وعمل الأصحاب، ومذهب الإمامية ونفي الحرج والعسر، مع إمكان التأويل في الصحيحة بالحمل على ما لم يبلغ حد الترخص، بخلاف صحيحة إسماعيل. وأما التخيير، فوجهه الجمع بين الأخبار (1)، وهو إنما يتم لو تكافأت وقد عرفت خلافه. وأما التفصيل بالمواسعة والمضايقة فتمسكوا فيه برواية إسحاق بن عمار الآتية في المسألة الثانية (2)، وهي غير دالة على المطلوب بالأصل، فكيف بالفرع وستعرف. وأما لو دخل الوقت في السفر وكان قادرا ولم يصل ودخل فالأقوى أيضا التمام، وفاقا للمعظم. وقيل: يقصر (3). وقيل بالتخيير (4). وقيل باعتبار المواسعة والمضايقة (5). لنا: الإطلاقات والعمومات الدالة بمفهوم الغاية على وجوب القصر حتى يدخل. وخصوص صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة. وصحيحة العيص بن القاسم: عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر،


1. في " ح " زيادة " الصحيحة. 2. التهذيب 3: 223 ح 559، الاستبصار 1: 240 ح 857، الوسائل 5: 536 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 6. 3. نقله عن ابن بابويه في المختلف 3: 126، والذكرى: 257. 4. حكاه عن ابن الجنيد في الذكرى: 257. 5. التهذيب 3: 222، الاستبصار 1: 240.

[ 135 ]

ثم يدخل بيته قبل أن يصليها، قال: " يصليها أربعا " وقال: " لا يزال يقصر حتى يدخل بيته " (1). وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة، فقال: " إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل فليتم، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصل وليقصر " (2). واستدل الشيخ بذلك على اعتبار المواسعة والمضايقة، وأنت خبير بأنه لا دلالة فيها عليه أصلا. وعلى ذلك تحمل موثقة إسحاق بن عمار، ورواية حكم بن مسكين (3)، وكذلك رواية منصور بن حازم (4) التي استدل بها في المختلف (5) للتخيير محمولة على أنه إن شاء صلى في السفر وقصر، وإن شاء جاء إلى المنزل وأتم. وأما حجة التقصير فصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (6)، ورواية زرارة (7) الواردة في قضاء هذه الصلاة لو لم يفعلها في المنزل أيضا، وهما لا تقاومان ما ذكرنا.


1. التهذيب 3: 162 ح 352، الوسائل 5: 535 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 4. 2. التهذيب 3: 164 ح 354، الوسائل 5: 536 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 8. 3. الفقيه 1: 284 ح 1290، التهذيب 3: 223 ح 560، الاستبصار 1: 241 ح 858، الوسائل 5: 536 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 7. 4. التهذيب 3: 223 ح 561، الاستبصار 1: 241 ح 859، الوسائل 5: 536 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 9. 5. المختلف 3: 128. 6. ه‍ 2. 7. التهذيب 3: 162 ح 351، الوسائل 5: 359 أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 3.

[ 137 ]

الفصل الثاني في مقدمات الصلاة وقد مر الكلام في الطهارة بقسميها ونذكر الباقي في طي مقاصد:

[ 139 ]

المقصد الأول في المواقيت وفيه مباحث: الأول: توقيت الصلوات الخمس بوقت محدود إجماعي. والمشهور أن لكل منها وقتين، للصحاح المستفيضة وغيرها (1). وقيل: للمغرب وقت واحد عند غروب الشمس (2)، لأخبار كثيرة منها صحيحة الشحام: " فإن وقتها واحد، ووقتها وجوبها " (3). وفي صحيحة زرارة والفضيل: " إن لكل صلاة وقتين، غير المغرب، فإن وقتها وجوبها، ووقت فوتها غيبوبة الشفق " (4). وربما يرفع التنافي بينهما بجعل الاولى محمولة على بيان وقت المغرب


1. الوسائل 3: 87 أبواب المواقيت ب 3. 2. حكاه ابن البراج عن بعض أصحابنا في المهذب 1: 69. 3. الكافي 3: 280 ح 8، التهذيب 2: 260 ح 1036، الاستبصار 1: 245 ح 873، الوسائل 3: 136 أبواب المواقيت ب 18 ح 1. 4. الكافي 3: 280 ح 9، الوسائل 3: 137 أبواب المواقيت ب 18 ح 2.

[ 140 ]

بشرائطها وآدابها ونوافلها مع السكوت، فالمراد أنه يجب الابتداء بها عند وجوب الشمس، وهو حينئذ يتم مع سقوط الشفق. والأولى حمل هذه الأخبار على تأكد الاستحباب. فأما الوقت الأول للظهر: فهو زوال الشمس إلى أن يصير الفئ مثل الشاخص عند الأكثر، للأخبار المعتبرة، خلافا للشيخ في التهذيب (1)، فاعتبر المماثلة بين الفئ والظل الباقي لرواية ضعيفة (2)، وهو وقت فضيلتها على الأقوى، خلافا للشيخ في الخلاف، حيث جعله وقتا للمختار (3). والثاني إلى أن يبقى للغروب مقدار أربع ركعات على الأشهر الأقوى، وهو وقت للمضطر عند الشيخ (4). لنا على امتداده إلى بقاء مقدار الأربع ركعات: ظاهر الآية (5)، وصحيحة زرارة الدالة على امتدادهما إلى الغروب أو العصر فقط (6) مضافا إلى عدم القول بالفصل بين الظهر والعصر كما نقله في المنتهى (7). وصحيحة عبيد بن زرارة على الظاهر المصرحة بامتدادهما إلى الغروب، إلا أن هذه قبل هذه (8).


1. التهذيب 2: 23. 2. الكافي 3: 277 ح 2، التهذيب 2: 24 ح 67. 3. الخلاف 1: 257 مسألة 4. 4. المبسوط 1: 72. 5. أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غس الليل، الاسراء: 78. 6. الكافي 3: 271 ح 1، الفقيه 1: 124 ح 600، التهذيب 2: 241 ح 954، تفسير العياشي 1: 127 ح 416، علل الشرائع: 254 ح 1، معاني الاخبار: 332، الوسائل 3: 5 أبواب أعداد الفرائض وتوافلها ب 2 ح 1 وفيها: ففيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سماهن الله وبينهن ووقتهن، قال في المدارك 3: 39 ومقتضى ذلك امتداد وقت الظهرين أو العصر خاصة إلى الغروب. 7. المنتهى 1: 199. 8. التهذيب 2: 25 ح 72، الاستبصار 1: 261 ح 938، الوسائل 3: 115 أبواب المواقيت ب 10 ح 4 ففيها: منها =

[ 141 ]

ورواية داود بن فرقد (1)، ورواية الحلبي (2)، وغيرهما (3). ولنا على تحديد وقت الفضيلة: صحيحة أحمد بن عمر (4)، وصحيحة أحمد بن محمد (5)، منضما إلى صحيحة عبد الله بن سنان: " لكل صلاة وقتان، وأول الوقتين أفضلهما " (6). واحتج الشيخ بالصحيحتين حملا لهما على المختار (7). والأوجه ما ذكرنا، لصحيحة ابن سنان، وصريح الأخبار المعتبرة الموافقة لعموم الآية. وهناك قولان آخران، أحدهما للشيخ في النهاية والتهذيب (8)، وهو اعتبار ذهاب الفئ أربعة أقدام مقام مثل الشاخص للمختار، لرواية إبراهيم الكرخي، =


صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس إلا أن هذه قبل هذه. 1. التهذيب 2: 25 ح 70، الاستبصار 1: 261 ح 936، الوسائل 3: 92 أبواب المواقيت ب 4 ح 7 وفيها: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلي أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر وبقي وقت العصر حتى تغيب الشمس. 2. التهذيب 2: 269 ح 1074، الاستبصار 1: 287 ح 952، الوسائل 3: 94 أبواب المواقيت ب 4 ح 18 فيمن نسي الظهر والعصر ثم ذكر عند غروب الشمس قال: إن كان في وقت لا يخاف فوت إحداهما فليصل الظهر ثم ليصل العصر، وإن خاف أن تفوته فليبدا بالعصر... 3. التهذيب 1: 390 ح 1204، الاستبصار 1: 143 ح 490، الوسائل 2: 600 أبواب الحيض ب 49 ح 10. 4. التهذيب 2: 19 ح 52، الاستبصار 1: 247 ح 883، الوسائل 3: 104 أبواب المواقيت ب 8 ح 9 وفيها: وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة، ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين. 5. التهذيب 2: 21 ح 61، الاستبصار 1: 248 ح 890، الوسائل 3: 10 أبواب المواقيت ب 8 ح 12 وفيها: عن وقت صلاة الظهر والعصر، فكتب: قامة للظهر وقامة للعصر. 6. التهذيب 2: 39 ح 123، الاستبصار 1: 276 ح 1003، والوسائل 3: 78 أبواب المواقيت ب 3 ح 4. 7. الخلاف 1: 257 مسألة 4، والصحيحتان هما صحية أحمد بن عمر وصحيحة حمد بن محمد. 8. النهاية: 58، التهذيب 2: 26.

[ 142 ]

وهي ضعيفة (1). وموثقة الفضل بن يونس (2)، وهي لا تقاوم ما ذكرنا. وثانيهما للمفيد، وهو اعتبار ذهابه قدمين للمختار (3)، وقد يستدل له بما لا دلالة فيه، وظاهره أن المراد بيان ابتداء وقت الظهر للمتنفل، لا انتفاء وقت الظهر للمختار (4). ولعل في عبارة المفيد مسامحة ومراده أيضا ذلك. وأما الوقت الأول للعصر: فهو حين الفراغ من الظهر إلى أن يذهب الفئ مثل الشاخص، والثاني إلى المغرب. والمشهور أن الأول للفضيلة والثاني للإجزاء. وجعل الأول الشيخ وجماعة وقتا للمختار والثاني للمضطر (5). وجعل المفيد وقت الإجزاء إلى اصفرار الشمس بالغروب، وللمضطر والناسي إلى مغيبها (6)، والسيد إلى ذهاب الفئ ستة أقدام للمختار (7). والأقوى الأول، لما مر من الأدلة، ولعموم صحيحة معمر بن يحيى (8) وغيرها (9).


1. التهذيب 2: 26 ح 74، الاستبصار 1: 258 ح 926، الوسائل 3: 109 أبواب المواقيت ب 8 ح 32 وفيها: متى يخرج وقتها (الظهر قال: من بعد ما يمضي من زوالها أربعة أقدام... وهي ضعيفة بجهالة إبراهيم الكرخي. 2. الكافي 3: 102 ح 1، التهذيب 1: 389 ح 1199، الاستبصار 1: 142 ح 485، الوسائل 2: 598 أبواب الحيض ب 49 ح 2 وهي موثقة بالفضل بن يونس بفإنه واقفي، وفيها: المرأة ترى الطهر قبل غروب الشمس كيف تصنع بالصلاة ؟ قال: إذا رأت الطهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلا تصلي إلا العصر، لان وقت الظهر دخل عليها وهي في الدم وخرج عنها الوقت وهي في الدم. 3. المقنعة: 92. 4. كما في المختلف 2: 16، وانظر المدارك 3: 43. 5. المبسوط 1: 72، الكافي في الفقه: 137، الوسيلة: 82. 6. المقنعة: 93. 7. نقله عنه في المعتبر 2: 38. 8. التهذيب 2: 25 ح 71، الاستبصار 1: 261 ح 937، الوسائل 3: 113 أبواب المواقيت ب 9 ح 13 وفيها: وقت العصر إلى غروب الشمس. 9. التهذيب 2: 25 ح 70، الاستبصار 1: 261 ح 936، الوسائل 3: 92 أبواب المواقيت ب 4 ح 7.

[ 143 ]

ويظهر دليل الشيخ وجوابه أيضا مما تقدم. وتدل على مذهب المفيد رواية أبي بصير: " إن تضييع العصر هو أن يدعها حتى تصفر الشمس وتغيب " (1). وعلى مذهب السيد رواية سليمان بن خالد: " العصر على ذراعين، فمن تركها حتى يصير على ستة أقدام فذلك المضيع " ("). ولا يعارض بهما ما تقدم من الأدلة، فلا بد من الحمل على مراتب الاستحباب. وأما الوقت الأول للمغرب: فهو من الغروب إلى سقوط الشفق، وهو أفضلهما. والثاني إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار أربع ركعات على المشهور الأقوى. وجعل الشيخ في أكثر كتبه الأول للمختار، وجعل وقت المضطر إلى ربع الليل ("). وربما قيل بامتدادهما إلى الصبح (4). لنا على الوقت الثاني: إطلاق الآية، والأخبار المعتبرة المستفيضة جدا، مثل صحيحة زرارة (5)، وصحيحة عبيد بن زرارة (6)، وروايته الاخرى (7)، ورواية


1. التهذيب 2: 256 ح 1018، الاستبصار 1: 259 ح 930، الوسائل 3: 111 أبواب الماقيت ب 9 ح 1. 2. التهذيب 2: 256 ح 1016، الاستبصار 1: 259 ح 928، الوسائل 3: 111 أبوب المواقيت ب 9 ح 2. 3. النهاية: 58، المبسوط 1: 74. 4. المعتبر 2: 40. 5. الفقيه 1: 140 ح 648، التهذيب 2: 19 ح 54، الوسائل 3: 134 أبواب المواقيت ب 17 ح 1 وفيها: إذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة. 6. التهذيب 2: 25 ح 72، الاستبصار 1: 261 ح 938، الوسائل 3: 115 إبواب المواقيت ب 10 ح 4 وفيها: ومنها صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قيل هذه. 7. التهذيب 2: 27 ح 78، الاستبصار 1: 262 ح 941، الوسائل 3: 132 أبواب المواقيت ب 16 ح 24.

[ 144 ]

داود بن فرقد (1)، وصحيحة عمر بن يزيد (2) وغيرها (3). وعلى الوقت الأول صحيحة علي بن يقطين (4)، وصحيحة إسماعيل بن جابر (5)، ورواية إسماعيل بن مهران (6)، بل وصحيحة زرارة والفضيل المتقدمة (7). وبالجملة كل ما دل على تحديد وقت المغرب بسقوط الشفق، مضافا إلى صحيحة ابن سنان الدالة على أن أول الوقتين أفضلهما (8). وهذه الأخبار هي حجة الشيخ على الوقت الأول، حملا لها على المختار، ولا وجه له، لما ذكرنا ولما سنذكر. مع أن زرارة روى في الموثق عن الصادق عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بهم المغرب والعشاء قبل سقوط الشفق من غير علة جماعة، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ليتسع الوقت على امته (9). وتؤدي مؤداها رواية إسحاق بن عمار (10)، وغيرها أيضا (11). وحجة الثاني: صحيحة عمر بن يزيد على الظاهر، عن الصادق عليه السلام،


1. التهذيب 2: 28 ح 82، الاستبصار 1: 263 ح 945، الوسائل 3: 134 أبواب المواقيت ب 17 ح 4. 2. التهذيب 2: 31 ح 92، الوسائل 3: 144 أبواب المواقيت ب 19 ح 14. 3. التهذيب 2: 30 ح 90، الاستبصار 1: 264 ح 955، الوسائل 3: 143 أبواب المواقيت ب 19 ح 10. 4. التهذيب 2: 32 ح 97، الاستبصار 1: 267 ح 967، الوسائل 3: 144 أبواب المواقيت ب 19 ح 15. 5. التهذيب 2: 258 ح 1029، الاستبصار 1: 264 ح 950، الوسائل 3: 133 أبواب المواقيت ب 16 ح 29. وفيها: سألته عن وقت المغرب، قال: ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق. 6. الكافي 3: 281 ح 16، التهذيب 2: 260 ح 1037، الاستبصار 1: 270 ح 976، الوسائل 3: 137 أبواب المواقيت ب 18 ح 4. 7. الكافي 3: 280 ح 9، الوسائل 3: 137 أبواب المواقيت ب 18 ح 2. 8. التهذيب 2: 39 ح 123، الاستبصار 1: 276 ح 1003، الوسائل 3: 87 أبواب المواقيت ب 3 ح 4. 9. التهذيب 2: 263 ح 1046، الاستبصار 1: 271 ح 981، الوسائل 3: 148 أبواب المواقيت ب 22 ح 2. 10. التهذيب 2: 263 ح 1047، الاستبصار 1: 272 ح 982، الوسائل 3: 149 أبواب المواقيت ب 22 ح 8. 11. التهذيب 2: 34 ح 104، الوسائل 3: 148 أبواب المواقيت ب 22 ح 5.

[ 145 ]

قال: " وقت المغرب في السفر إلى ربع الليل " (1). وفي روايته الاخرى: " إذا كان أرفق بك وأمكن لك في صلاتك وكنت في حوائجك فلك أن تؤخرها إلى ربع الليل " (2) الحديث. وهما محمولتان على الأفضلية، لعدم المقاومة. وفي رواية اخرى له صحيحة ظاهرا: " إن وقت المغرب في السفر إلى ثلث الليل " (3) وهي أيضا محمولة على مراتب الفضيلة. حجة القول بامتداده إلى أن يبقى للصبح مقدار أربع: صحيحة عبد الله بن سنان (4)، ورواية عبيد بن زرارة (5). وحملهما المحقق في المعتبر على الضرورة (6)، ولا بأس به. وأولى منه الاقتصار على النوم والنسيان كما هو مورد الصحيحة، وإن كانت رواية عبيد مطلقة، والأولى عدم قصد القضاء والأداء. وأما أول وقت العشاء: فالمشهور الأقوى أنه إذا مضى من المغرب مقدار صلاتها، وتدل عليه الصحاح المستفيضة وغيرها (7). وقال الشيخان: إن أول وقتها سقوط الشفق (8)، لصحيحة الحلبي (9)، وصحيحة


1. التهذيب 3: 233 ح 610، الوسائل 3: 142 أبواب المواقيت ب 19 ح 5. 2. التهذيب 2: 259 ح 1034، الاستبصار 1: 267 ح 964، الوسائل 3: 142 أبواب المواقيت ب 19 ح 8. 3. الكافي 3: 431 ح 5، الوسائل 3: 141 أبواب المواقيت ب 19 ح 1. 4. التهذيب 2: 270 ح 1076، الاستبصار 1: 288 ح 1053، الوسائل 3: 209 أبواب المواقيت ب 62 ح 4. 5. الفقيه 1: 232 ح 1030، التهذيب 2: 256 ح 1015، الاستبصار 1: 260 ح 933، الوسائل 3: 116 أبواب المواقيت ب 10 ح 9. 6. المعتبر 2: 44. 7. الوسائل 3: 134 أباب المواقيت ب 17، 22. 8. المقنعة: 93، النهاية: 59، المبسوط 1: 75. 9. الكافي 3: 280 ح 11، التهذيب 2: 34 ح 103، الاستبصار 1: 270 ح 977، الوسائل 3: 149 أبواب المواقيت ب 23 ح 1.

[ 146 ]

بكر بن محمد (1) وغيرهما (2)، وهي محمولة على الأفضلية، لعدم المقاومة. وآخر وقت إجزائها نصف الليل على الأشهر الأقوى لما مر من الأدلة. وللمضطر إلى الصبح على احتمال قوي لما مر، ولكن الأفضل أن لا يتجاوز عن ثلث الليل، لرواية زرارة (3)، ورواية يزيد بن خليفة (4). وجعله الشيخ وقتا للمختار، ونصف الليل للمضطر (5)، والمفيد والشيخ في قوله الآخر جعلاه آخر وقتها مطلقا (6)، ولعل مستندهما الروايتان المتقدمتان، وهما محمولتان على الأفضلية لعدم المقاومة. وأما الوقت الأول للصبح: فهو طلوع الفجر الثاني المستطير المنبسط في عرض الافق المتصل إلى إسفار الصبح عند الشيخ (7)، وإلى طلوع الحمرة المشرقية عند ابن أبي عقيل (8). وأما الوقت الآخر، فهو إلى طلوع الشمس، والمشهور أنه وقت الإجزاء مطلقا. وعند الشيخ وابن أبي عقيل أنه للمضطر، كما أن ما ذكراه أولا وقت للمختار عندهما. والمختار ثبوت الفضيلة إلى الإسفار، لصحيحة عبد الله بن سنان (9) وحسنة


1. قرب الاسناد: 18، الوسائل 3: 149 أبواب المواقيت ب 23 ح 3. 2. الوسائل 3: 149 أبواب المواقيت ب 23. 3. التهذيب 2: 262 ح 1045، الاستبصار 1: 269 ح 973، الوسائل 3: 114 أبواب المواقيت ب 10 ح 3. 4. الكافي 3: 279 ح 1، التهذيب 2: 31 ح 95، الاستبصار 1: 267 ح 965، الوسائل 3: 114 أبواب المواقيت ب 10 ح 2. 5. المبسوط 1: 75. 6. المقنعة: 3 9، الخلاف 1: 264 مسألة 8. 7. الخلاف 1: 267 مسألة 10. 8. نقله عنه في المعتبر 2: 45، والمختلف 2: 31. 9. التهذيب 2: 39 ح 123، الاستبصار 1: 276 ح 1003، الوسائل 3: 151 أبواب المواقيت ب 26 ح 5.

[ 147 ]

الحلبي (1). واحتج بهما الشيخ لمذهبه (2)، ودلالتهما عليه ممنوعة. وأما الأخبار الدالة على امتداد الإجزاء إلى طلوع الشمس مطلقا فهي كثيرة معتبرة (3)، ولم يحضرني الآن ما يدل على مذهب ابن أبي عقيل. تنبيهات: الأول: المشهور المعروف من المذهب اختصاص الظهر بمقدار أربع ركعات من أوله، كالعصر عند الغروب، لرواية داود بن فرقد (4)، ورواية الحلبي (5)، وغيرهما (6). وعن ظاهر الصدوق اشتراك الظهرين فيما بين الدلوك والغروب كالمغرب والعشاء في حديهما الآتيين (7)، للأخبار الكثيرة المعتبرة، مثل صحيحة زرارة: " إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة " (8). وفي صحيحة عبيد بن زرارة وغيرها بعد ذلك: " إلا أن هذه قبل هذه " (9)، ويمكن استشعار الاختصاص من هذه العبارة، فالمراد الاشتراك فيما بعد الوقت المخصوص، أو أن مجموع هذا الوقت لمجموع الصلاتين، لكن بهذا التفصيل.


1. الكافي 3: 283 ح 5، التهذيب 2: 38 ح 121، الاستبصار 1: 276 ح 1001، الوسائل 3: 151 أبواب المواقيت ب 26 ح 1. 2. التهذيب 2: 38، الاستبصار 1: 276. 3. الوسائل 3: 116 أبواب المواقيت ب 10 ح 9، وب 26 ح 6، وب 30 ح 2. 4. التهذيب 2: 25 ح 70، الاستبصار 1: 261 ح 936، الوسائل 3: 92 أبواب المواقيت ب 4 ح 7. 5. التهذيب 2: 269 ح 1074، الاستبصار 1: 287 ح 1052، الوسائل 3: 94 أبواب المواقيت ب 4 ح 18. 6. التهذيب 2: 270 ح 1076، الاستبصار 1: 288 ح 1053، الوسائل 3: 209 أبواب المواقيت ب 62 ح 4. 7. الفقيه 1: 139 ح 647. 8. الفقيه 1: 140 ح 648، التهذيب 2: 19 ح 54، الوسائل 3: 91 أبواب المواقيت ب 4 ح 1. 9. الفقيه 1: 139 ح 647، التهذيب 2: 24 ح 28، الوسائل 3: 92 أبواب المواقت ب 4 ح 5.

[ 148 ]

وعلى هذا فالأخبار كلها منطبقة على مذهب المشهور، فإن مطلقات ما دل على دخول الوقتين بمجرد الزوال أو بالغروب مقيدة بما فيه هذه العبارة، وهو يفيد اشتراط تقديم الظهر، وهو لا ينافي كون مجموع الوقت وقت المجموع. فبعد التأمل يظهر أن المراد من ذلك أن كل زمان يسع مقدار أحدهما من ذلك المجموع فهو مما يصلح أن يفعل فيه كل واحد منهما، لكن بشرط أن يكون الظهر قبل العصر، والعصر بعد الظهر، وذلك لا يتحقق إلا بإخراج مقدار الظهر عن الأول ومقدار العصر عن الآخر. ثم إن الظاهر أن هذه العبارة في حكم توقيت الوقت وتقييده، فإن وقت الشئ قد تعلق وقتيته على شئ آخر، مثل أن أول الزوال وقت لصلاة الظهر إذا كان متطهرا قبله، وهو لا ينافي عدم وقتيته لو لم يكن متطهرا. فعلى هذا فيكون ذلك التعليق أيضا من باب حكم الوضع كأصل الوقت، فلا وجه للفرق بين العامد والناسي. وعلى هذا فيشكل ما ذكروه في ثمرة الخلاف، وفرعوا عليه من إعادة من قدم الصلاة المتأخرة في الوقت المخصوص بالأولى نسيانا وعدمها كما سيجئ، و سيجئ تمام الكلام. وربما يعتذر من عدم التحديد فيها بمقدار الأربع من الطرفين في الظهرين مثلا، لعدم انضباط الوقت أحيانا، فإنه قد يقصر (1)، للصلاة بتسبيحتين، أو قد يدخل الوقت في آخر الصلاة لو فعلها بظن الوقت وتقع الاخرى بعدها بلا فصل (2)، وفيه نظر. الثاني: المشهور أن (الوقت الأول) (3) فيما ذكرنا من الوقتين في الفرائض


1. في " ع "، " ص ": يقتصر. 2. انظر المعتبر 2: 35. 3. في " م "، " ح ": أول الوقت.

[ 149 ]

للفضيلة، وعند الشيخين للمختار (1)، والأول أقرب. لنا: الأصل، وعموم الآية، والأخبار، وخصوص الصحاح وغيرها، ففي صحيحة معاوية بن عمار أو ابن وهب عن الصادق عليه السلام: " لكل صلاة وقتان، وأول الوقت أفضلهما " (2). وصحيحة عبد الله بن سنان عنه عليه السلام مثلها، ثم قال: " وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتا، إلا في عذر من غير علة " (3). وصحيحته الاخرى المتضمنة لهذا المضمون (4)، ولا تحصل الأفضلية إلا مع المساواة في أصل الفضل. وبقرينة صدر الرواية يظهر أن آخر صحيحة عبد الله بن سنان ليس على ظاهره، وهو محمول على نفي الجواز الذي لا كراهة فيه. واستدل الشيخ بهما على مذهبه (5)، وهما على خلاف مذهبه أدل كما ذكرنا. وكذلك لا دلالة في رواية ربعي عنه عليه السلام، قال: " إنا لنقدم ونؤخر، وليس كما يقال: من أخطأ أول وقت الصلاة فقد هلك، وإنما الرخصة للناسي والمريض والمدنف والمسافر والنائم في تأخيرها " (6) إذ الظاهر أن كلمة " إنما " إلى آخره تتمة ما يقال. فكل ما ورد في الأخبار من جعل آخر الوقت للمعذور لبيان أنه لا ينبغي


1. المقنعة: 94، المبسوط 1: 72، النهاية: 58. 2. الكافي 3: 274 ح 4، التهذيب 2: 40 ح 125، الاستبصار 1: 244 ح 871، الوسائل 3: 89 أبواب الموقايت ب 3 ح 11. 3. التهذيب 2: 39 ح 124، الاستبصار 1: 244 ح 870، الوسائل 3: 89 أبواب المواقيت ب 3 ح 13. 4. التهذيب 2: 39 ح 124، الاستصار 1: 276 ح 103: الوسائل 3: 87 أبواب المواقيت ب 3 ح 4. 5. التهذيب 2: 39. 6. التهذيب 2: 41 ح 132، الاستبصار 1: 262 ح 939، الوسائل 3: 102 أبواب المواقيت ب 7 ح 7، والمدنف من براه المرض حتى أشرف على الموت، لسان العرب 9: 107.

[ 150 ]

للمختار أن يؤخر عن الأول، فإن أخر فلا يدرك الفضل، بخلاف المضطر فإنه لا تفوت عنه الفضيلة بذلك. وأما ما رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق عليه السلام: " أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله، والعفو لا يكون إلا عن ذنب " (1) فمحمول على ترك الأولى مثل قوله تعالى: (عفا الله عنك) (2). وقد رفع بعض المتأخرين التنافي بين قول الشيخ وكون الأول أفضل وكون الثاني وقتا، بأن ما يفعله المختار أفضل مما يفعله المضطر أبدا، والوقت الثاني أداء في حق المضطر، مستندا بأن العبد كما أنه يستحق المقت بقدر التقصير، فيستوجب البعد بقدر حرمانه عن الفضائل، غاية الأمر عدم معاتبته إذا كان العذر من جهته تعالى (3). وهو كما ترى، سيما بعد ملاحظة ما ورد أن الندامة على فوت العمل ربما تكون أحسن من العمل، وأن نية المؤمن خير من عمله، بل ويلزم الظلم في بعض الأحيان. فعلى ما ذكره يلزم أن تكون صلاة من صار زمنا عاجزا بسبب جرح أو ضرب في الجهاد في حال القعود أو الاضطجاع مع كمال الحضور وعدم القصور أخفض درجة من صلاة القائم كذلك في حال الدعة والسرور. ثم إن الشيخ جعل العذر أربعة: السفر، والمطر، والمرض، وشغل يضر تركه بدينه أو دنياه، والضرورة خمسة: الكافر يسلم، والصبي يبلغ، والحائض تطهر، والمجنون، والمغمى عليه يفيقان (4)، والأخبار تدل على ما هو أعم من ذلك (5).


1. الفقيه 1: 140 ح 651، الوسائل 3: 90 أبواب المواقيت ب 3 ح 16. 2. التوبة: 43. 3. الوافي 7: 210. 4. المبسوط 1: 72. 5. الوسائل 3: 141 أبواب المواقيت ب 19.

[ 151 ]

الثالث: لا خلاف عندنا في جواز الجمع بين الصلاتين، وأخبارنا به ناطقة (1). وأما استحباب التفريق، فالذي يظهر من الذكرى أنه معلوم من المذهب كجواز الجمع، ولكن الذي يظهر من دعواه هو القدر المشترك بين تأخير الأخيرة عن وقت فضيلة الاولى أو الفصل بمقدار النافلة، وهو ظاهر من استمرار عملهم عصرا بعد عصر. وأما استحباب تفريق الاجتماع بحيث يحتاج إلى أذان الإعلام ثانيا - كما هو المستمر عند المخالفين بالخصوص - فالحق أنه لم يقم عليه دليل، بل إنما هو لأنه أحد أفراد مطلق التفريق. قال في الذكرى: والأصحاب في المعنى قائلون باستحباب التأخير، وإنما لم يصرح به بعضهم اعتمادا على صلاة النافلة بين الفريضتين، وقد رووا ذلك في أحاديثهم كثيرا، إلى آخر ما ذكره (2). ومما يدل على خصوص التفريق بالنافلة رواية محمد بن حكيم، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: " الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع، وإذا كان بينهما تطوع فلا جمع " (3) وفي معناها روايته الاخرى (4). إنما الإشكال في استحباب اختيار التعجيل في الإتيان بالثانية بعد النافلة كما يظهر من المحقق (5)، واختاره في المدارك، أو تأخيره إلى خروج فضيلة الأولى كما نسبه إلى جمع من الأصحاب في المدارك (6). ولا يبعد ترجيح الأول، لأنه مسارعة إلى المغفرة، واستباق بالخيرات، وتعجيل


1. انظر الوسائل 3: 160 أبواب المواقيت ب 32. 2. الذكرى: 119. 3. الكافي 3: 287 ح 4، الوسائل 3: 163 أبواب المواقيت ب 33 ح 3. 4 - الكافي 3: 287 ح 3، التهذيب 2: 263 ح 1052، الوسائل 3: 163 أبواب المواقيت ب 33 ح 2. 5. نقله في الذكرى: 119. 6. المدارك 3: 45.

[ 152 ]

في إبراء الذمة. وللصحاح المستفيضة وغيرها الدالة على أفضلية أول الوقت، منها صحيحة زرارة: " اعلم أن أول الوقت أبدا أفضل، فعجل الخير ما استطعت " (1) وفي معناها صحيحته الاخرى (2) وغيرها (3). وللروايات الواردة في تحديد الوقت بالنافلة، الدالة على رجحان فعل نافلة الظهر في أول الزوال - طولت أو قصرت - ثم الظهر، ثم نافلة العصر كما مر، ثم العصر، المؤداة بكلمة الفاء (4) وغيرها (5). ولصحيحة زرارة قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: بين الظهر والعصر حد معروف ؟ فقال: " لا " (6) وهي مخصصة بأداء النافلة. ولصحيحة سعد بن سعد عن الرضا عليه السلام: " إذا دخل الوقت عليك فصلهما، فإنك لا تدري ما يكون " (7). ولرواية العباس الناقد عن الصادق عليه السلام: " اجمع بين الصلاتين الظهر والعصر ترى ما تحب " (8) وهي محمولة على فعل النافلة أيضا. وللأخبار الكثيرة الواردة في أنه صلى الله عليه وآله جمع بين الصلاتين، وفي كثير منها من غير علة (9).


1. الكافي 3: 274 ح 8، الوسائل 3: 88 أبواب المواقيت ب 3 ح 10. 2. الكافي 3: 274 ح 5، التهذيب 2: 40 ح 127، الوسائل 3: 89 أبواب المواقيت ب 3 ح 12. 3. الوسائل 3: 86 أبواب المواقيت ب 3. 4. في " ص ": بكلمة إنهاء، وفي " ع ": بكلمة الهاء. 5 - الوسائل 3: 96 أبواب المواقيت ب 5. 6 - التهذيب 2: 255 ح 1013، الوسائل 2: 92 أبواب المواقيت ب 4 ح 4. 7. التهذيب 2: 272 ح 1082، الوسائل 3: 87 أبواب المواقيت ب 3 ح 3. 8. الكافي 3: 287 ح 6، التهذيب 2: 263 ح 1049، الوسائل 3: 162 أبواب المواقيت ب 32 ح 9. 9 - الوسائل 3: 160 أبواب المواقيت ب 32.

[ 153 ]

وأما ما يمكن أن يستدل به للقول الآخر: فروى في الذكرى، عن كتاب عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام: أنه صلى الله عليه وآله كان يجمع بين الصلاتين إذا كان مستعجلا، وتفريقهما أفضل ("). وجوابه: أن النافلة أيضا يحصل بها التفريق كما مر. ورواية يزيد بن خليفة: " فإذا صار الظل قامة دخل وقت العصر " (2) وهي محمولة على بيان وقت الفضيلة المختصة بالعصر، لمعارضتها بما هو أقوى منها بوجوه ومراتب. وحسنة زرارة أو موثقته قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أصوم فلا اقيل حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس صليت نوافلي، ثم صليت الظهر، ثم صليت نوافلي، ثم صليت العصر، ثم نمت، وذلك قبل أن يصلي الناس، فقال: " يا زرارة إذا زالت الشمس فقد دخل الوقت، ولكن أكره لك أن تتخذه وقتا دائما " (3) ولعل المراد من الناس العامة، فهي محمولة على الاتقاء. وقد يقال: إن كل ما ورد في جمعه صلى الله عليه وآله بين الصلاتين يشعر بذلك، لإشعاره بأغلبية تفريقه عليه السلام، وكذلك ما ورد في جمع الأئمة عليهم السلام. وكما أن الأقوى في فعله صلى الله عليه وآله الرجحان فكذلك في أغلبه، والنادر محمول على بيان الرخصة. وفيه: أن مرجع هذا الاستدلال إلى فعل المعصوم عليه السلام، وجوابه - بعد تسليم حمل الغالب على الرجحان - أن المسلم من الرجحان إنما هو الرجحان له صلى الله عليه وآله، ومن كان في زمانه صلى الله عليه وآله مثلا.


1. الذكر: 119، الوسائل 3: 160 أبواب المواقيت ب 31 ح 7. 2. الكافي 3: 275 ح 1، التهذيب 2: 20 ح 56، الوسائل 3: 97 أبواب المواقيت ب 5 ح 6. 3. التهذيب 2: 247 ح 981، الاستبصار 1: 252 ح 905، الوسائل 3: 98 أبواب مواقيت ب 5 ح 10.

[ 154 ]

وتحقيقه: أنه كما أن الخطاب الشفاهي مخصوص بحاضري مجلس الخطاب أو الموجودين في زمانه كما حققناه في الاصول ويتم الاستدلال في المعدومين أو الغائبين بانضمام دليل آخر من إجماع أو غيره، فكذلك الرجحان المستفاد من فعله إنما يتم على تقدير التسليم لزمانه عليه السلام. ودعوى استصحاب الرجحان إنما تتم لو ثبت كون الرجحان ذاتيا للفعل، لم لا يكون بالوجوه والاعتبارات كما هو المحقق. فلعل تفريقه عليه السلام غالبا لم يكن لحسنه بالذات، بل لاقتضاء الوقت ذلك، ولوجود شرطه للحاضرين دون الغائبين، كمقاربتهم لزمان الجاهلية، وعدم اعتيادهم العبادات (1)، سيما والمستحب تأخير العشاء عن ذهاب الحمرة كما مر (2)، فحبسهم إلى ذهاب الحمرة كان يقتضي عسرا لهم وحرجا. وكذلك حبسهم في الهاجرة - سيما في الصيف في تلك البلاد - حتى تؤدى النوافل والصلاتين بأجمعها، سيما والتأخير في الحر راجح وإن كان في الظهر، إلى غير ذلك من الوجوه. ويؤيد ما ذكرنا التزام أصحابنا الجمع في كل عصر ومصر، وعدم ردع أئمتهم عن ذلك، والتزام العامة التفريق حتى قال أكثرهم بالوجوب (3)، والرشد في خلافهم. وكيف كان، فالأظهر الاكتفاء في التفريق بالنوافل، وأفضلية التعجيل مع النافلة من التأخير إلى آخر وقت فضيلة الاولى. وهل يستحب الفصل لغير المتنفل أيضا، بل لغير المعقب أيضا، أو الفصل إنما هو بالنافلة أو التعقيب ولا يستحب التفريق في غير المتنفل والمعقب ؟ الأظهر نعم،


1. في " ص ": عدم اعتبارهم بالعبادات. 2. في ص 132. 3. انظر بداية المجتهد 1: 173، والمجموع 4: 384، والمبسوط للسرخس 1: 149، والمغني 2: 122.

[ 155 ]

فإن ملاحظة الأخبار الواردة في النوافل يقتضي اختصاص مقدار النوافل من الوقت بالنوافل، فكان ذلك الوقت ليس بوقت الفريضة، لكن رخص إتيانها فيه، فكان للفريضة خصوصية بذلك الوقت تفوت بتقديمها عليه. مع أنه لو لم يكن كذلك فيرجع المبحث إلى استحباب النافلة والتعقيب، لا الجمع والتفريق. ولكن يمكن الإشكال: بأن التفريق إلى خروج فضيلة الأولى أيضا لعله للإتيان بالنوافل والتعقيبات على وجه أكمل وطريقة أوفى، ولاريب أن ذلك الكمال أيضا مطلوب، فيتم فيه الكلام السابق، ولكن ذلك لا يقاوم ما ذكرنا من الأدلة. وبالجملة المسألة قوية الإشكال، ولكن الأظهر ما ذكرنا. الرابع: لا ريب في أفضلية الوقت الأول وتأكد الاهتمام بمحافظته كما ورد في الأخبار (1)، وكذلك مطلق المبادرة كما نطقت بها في مطلق الوقت، فإن الله يحب التعجيل في الخير. وقد استثنوا من ذلك مواضع، منها: المتنفل يؤخر حتى يتنفل لما مر (2) ويأتي. ومنها: المستحاضة تؤخر الظهر والمغرب إلى آخر وقت فضيلتهما لتجمع بينهما وبين العصر والعشاء بغسل واحد، وقد مر ما يدل عليه من الأخبار الصحيحة (3). ومنها: تأخير العشاء حتى يذهب الشفق لما مر (4). ومنها: تأخير المغرب للصائم إلى ما بعد الإفطار في الصورتين المشهورتين، ويأتي في محله. ومنها: مدافع الأخبثين حتى يخرجهما، لأنه لا صلاة لحاقن ولا حاقب كما في


1 - الوسائل 3: 86 أبواب المواقيت ب 3. 2. ص 151. 3. الوسائل 2: 604 أبواب الاستحاضة ب 1. 4. ص 146.

[ 156 ]

الصحيح (1)، حملا على نفي (الأفضلية) (2). ومنها: القاضي للفرائض، فيؤخر الحاضرة حتى يضيق وقتها، وقيل بالوجوب (3)، وسيأتي الكلام فيه. ومنها: الظان دخول الوقت ولا طريق له إلى العلم حتى يحصل اليقين، وسيأتي. ومنها: التأخير لصاحب العذر الراجي للزوال، لتقع صلاته على الوجه الأكمل، كالعاجز عن القيام في الصلاة لضعف يرجو زواله. وأوجبه السيد وابن الجنيد وسلار (4). والأول أقوى، لعموم مادل على فضيلة المبادرة والمسابقة إلى إبراء الذمة (5). ومنها: ما كان التأخير مشتملا على صفة كمال، كانتظار الجماعة، أو طول الصلاة وحضور البال والتمكن من استيفائها. وتدل عليه روايات عمر بن يزيد (6). ومن جملة ذلك تأخير الظهر في الحر لأجل الإبراد، لصحيحة معاوية بن وهب عن الصادق عليه السلام، قال: " كان المؤذن يأتي النبي شلى الله عليه وآله في صلاة الظهر، فيقول له رسول الله: أبرد أبرد " (7).


1. التهذيب 2: 333 ح 1372، الوسائل 4: 1254 أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 2، والحاقن: من حبس بوله، والحاقب: من أعجله خروج البول، وقيل: الذي احتاج إلى الخلاء للبول. المصباح المنير: 144، 143. 2. في " ع ": الفضيلة. 3. جوابات المسائل الرسية (رسائل الشريف المرتضى) 2: 364، السرائر 1: 272. 4. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 49، ونقله عن ابن الجنيد في الذكرى: 130، المراسم: 76. 5. البقرة: 148، المائدة: 48، الوسائل 3: 86 أبواب المواقيت ب 3. 6. التهذيب 2: 30 ح 91، 92، 94، الاستبصار 1: 267 ح 964، الوسائل 3: 142 أبواب المواقيت ب 19 ح 8، 11، 14. 7. الفقيه 1: 144 ح 671، الوسائل 3: 179 أبواب المواقيت ب 42 ح 1.

[ 157 ]

وفسره الصدوق بالتعجيل (1)، وهو بعيد. وقد روى في الذكرى عن عن النبي صلى الله عليه وآله ما هو كالصريح فيما فهمه جمهور الأصحاب (2). قيل: ولو تحمل المشقة وأتى بها في أول الوقت لكان أفضل، لعدم مقاومة الرواية الصحاح المستفيضة وغيرها في رجحان المبادرة، لإجمال دلالتها، وهذه الأخبار تنبه على رجحان التأخير في سابقته أيضا (3). الخامس: يعرف الزوال بحصول الظل الجديد كما يستفاد من الأخبار (4)، سواء كان بزيادته بعد نقصه كما في بعض البلاد، أو بحدوثه بعد انعدامه كما في بعض آخر. وبميلها إلى الحاجب الأيمن لمن استقبل القبلة في بعضها، وهو ما كانت قبلته على نقطة الجنوب. والمحكم هو ميل الشمس عن دائرة نصف النهار. وقد يستفاد ذلك من ميل الظل عن خط نصف النهار. ولاستخراج خط نصف النهار طرق، أشهرها الدائرة الهندية، وأسهلها كما قيل: أن يخط على ظل خيط الشاقول عند طلوع الشمس خطا، وعند غروبها آخر، فإن اتصلا خطا واحدا نصف ذلك الخط بخط آخر على القوائم، وإن تقاطعا نصفت الزاوية التي حصلت من تقاطعهما بخط، فالخط المنصف في الصورتين هو خط نصف النهار (5). السادس: في معرفة الغروب أقوال، أشهرها أنه يعرف بزوال الحمرة المشرقية.


1. الفقيه 1: 144. 2. الذكرى: 129. 3. المدارك 3: 115. 4. انظر الوسائل 3: 119 أبواب المواقيت ب 11. 5. الوافي 7: 250.

[ 158 ]

وعن الشيخ في المبسوط والسيد في بعض مسائله وابن بابويه في علل الشرائع وابن الجنيد (1) وجماعة من المتأخرين (2) باستتار القرص عن النظر من دون حائل من جبل أو جدار أو نحو ذلك. وعن ابن أبي عقيل باسوداد الأفق من المشرق (3). وعن علي بن بابويه ببدو ثلاثة أنجم (4). وأظهرها بالنظر إلى الصحاح المستفيضة وغيرها من الأخبار المعتبرة المصرحة والظاهرة التي كادت أن تبلغ التواتر (5) القول الثاني. وأحوطها بالنظر إلى الاستصحاب والشهرة بين المتأخرين: الأول، لمرسلة ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله، قال: " وقت سقوط القرص ووجوب الإفطار أن تقوم بحذاء القبلة وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق إذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار وسقط القرص " (6). ورواية علي بن أحمد بن أشيم، عن بعض أصحابنا، عنه عليه السلام، قال: سمعته يقول: " وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، وتدري كيف ذلك ؟ " قلت: لا، قال: " لأن المشرق مطل على المغرب هكذا، ورفع يمينه فوق يساره، فإذا غابت ههنا ذهبت الحمرة من ههنا " (7).


1. المبسوط 1: 74، المسائل الميافارقيات (رسائل الشريف المرتضى) 1: 274، علل الشرائع: 350، ونقله عن ابن الجنيد في المختلف 2: 20. 2. كالحسن في متقى الجمان 1: 414، والفيض الكاشاني في الوافي 7: 267، والمحقق السبزواري في الكفاية: 15. 3. نقله عنه في المختلف 2: 21. 4. نقله عنه في الفقيه 2: 81 ذ. ح 358. 5. الوسائل 3: 126 أبواب المواقيت ب 16. 6. الكافي 3: 279 ح 4، التهذيب 4: 185 ح 516، الوسائل 3: 127 أبواب المواقيت ب 16 ح 4. 7. الكافي 3: 1 278، التهذيب 2: 29 ح 83، الاستبصار 1: 265 ح 959، علل الشرائع: 349 ح 1، الوسائل 3: 126 أبواب المواقيت ب 16 ح 3.

[ 159 ]

وعلي بن أحمد بن أشيم مجهول بل ضعيف كما صرح في المعتبر (1)، ومع ذلك فمرسل، وفي سند مرسلة ابن أبي عمير سهل. وكذلك سائر ما يمكن استفادة ذلك منها مثل رواية عمار الساباطي (2) ورواية بكر بن محمد الأزدي (3) فإنها لا تخلو عن قصور في دلالة أو ضعف في سند، وأظهرها ما ذكرنا. وكيف كان فاعتضاد هذه بالشهرة لا يقاوم كثرة تلك الأخبار ووضوح دلالتها وموافقتها للاعتبار ولنفي الحرج. مع أن الظاهر أن المشهور بين القدماء كان خلافه، فإن الشيخ في المبسوط (4) أفتى بذلك، ونسب القول الأول إلى بعض أصحابنا، مع أن العامل بالقول الثاني من الأصحاب أيضا كثير. ويظهر من طائفة من الأخبار أن ذلك للاحتياط، حتى لا يتسامح في ملاحظة استتار القرص فيما يكون مظنة حائل عن النظر، مثل موثقة يعقوب بن شعيب عن الصادق عليه السلام قال: قال لي: " مسوا بالمغرب قليلا، فإن الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا " (5) وغيرها من الروايات (6). وقد يستشم من بعض الروايات أن الروايات المعتبرة الكثيرة واردة مورد التقية، وهي رواية جارود قال، قال لي أبو عبد الله عليه السلام: " يا جارود، ينصحون فلا يقبلون، وإذا سمعوا بشئ نادوا به، أو حدثوا بشئ أذاعوه، قلت لهم: مسوا بالمغرب قليلا، فتركوها حتى اشتبكت النجوم، فأنا الآن اصليها إذا سقط


1. المعتبر 2: 52. 2. التهذيب 2: 259 ح 1033، الاستبصار 1: 265 ح 960، الوسائل 3: 128 أبواب المواقيت ب 16 ح 10. 3. الفقيه 1: 141 ح 657، التهذيب 2: 30 ح 88، الاستبصار 1: 264 ح 953، الوسائل 3: 127 أبواب المواقيت ب 16 ح 6. 4. المبسوط 1: 74. 5. التهذيب 2: 258 ح 1030، الاستبصار 1: 264 ح 951، الوسائل 3: 129 أبواب المواقيت ب 16 ح 13. 6. أنظر الوسائل 3: 129 أبواب المواقيت ب 16.

[ 160 ]

القرص " (1) وهو مشكل لضعف الرواية (2) وعدم وضوح الدلالة. وأما سائر الأقوال، فيدل على قول ابن أبي عقيل رواية محمد بن علي المشترك بين الضعيف وغيره، قال: صحبت الرضا عليه السلام في السفر فرأيته يصلي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد (3). ودلالتها أيضا ممنوعة. وقد يستدل لوالد الصدوق بصحيحة أبي همام (4) وهي أيضا غير واضحة الدلالة. وأما صحيحة بكر بن محمد الأزدي (5) ورواية شهاب بن عبد ربه (6) الدالتان على اعتبار رؤية النجم، فمحمولتان على حال الاشتباه أو ما لا ينافي المختار، فإن رؤية الزهرة أو المشتري أو نحوهما لا تنافي اعتبار استتار القرص. الثاني: المشهور أن أول وقت صلاة الجمعة الزوال، وعن السيد في بعض أقواله جوازها عند قيام الشمس (7)، وفي سائر مصنفاته موافق للمشهور (8)، وهو


1. التهذيب 2: 259 ح 1032، الوسائل 3: 129 أبواب المواقيت 16 ح 15. 2. وذلك لوقوع ابن رباط في أحد طريقيها وهو مهل، وإسماعيل بن أبي سمال في الاخر وهو مجهول. انظر معجم رجال الحديث رقم 15072، 1286. 3. التهذيب 2: 29 ح 86، الاستبصار 1: 265 ح 958، الوسائل 3: 128 أبواب المواقيت ب 16 ح 8. 4. التهذيب 2: 30 ح 89، الاستبصار 1: 264 ح 954، الوسائل 3: 143 أبواب المواقيت ب 19 ح 9. وفيها: رأيت ارضا عليه السلام لم يصل المغرب حتى ظهرت النجوم. 5. الفقيه 1: 141 ح 657، التهذيب 2: 30 ح 88، الاستبصار 1: 64 ح 953، الوسائل 3: 127 أبواب المواقيت ب 16 ح 6. 6. التهذيب 2: 261 ح 1040، الاستبصار 1: 268 ح 971، علل الشرائع: 2 350، الوسائل 3: 128 أبواب المواقيت ب 16 ح 9. 7. نقله عنه في الخلاف 1: 62 مسألة 390، قال في السرائر 1: 296 ولم أجد للسيد تصنيفا ولا مسطورا بما حكاه شيخنا عنه...، ولعل شيخنا أبا جعفر سمعه من المرتضى في الدرس وعرفه منه مشافهة دون المسطور. 8. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 42، ونقله عن المصباح في السرائر 1: 296.

[ 161 ]

ضعيف، لمخالفته للمنقول عن فعله صلى الله عليه وآله (1)، وظاهر الآية (2) والصحاح المستفيضة مثل صحيحة زرارة: " إنما لها وقت واحد حين تزول " (3). ورواية وكيع الأسلمي في فعل أبي بكر (4) لا حجة فيها، وعلى ما سنحققه من تأخير الخطبتين عن الزوال أيضا فالأمر أوضح. وأما آخره، فالمشهور أنه صيرورة ظل كل شئ مثله، نسبه في المعتبر إلى أكثر أهل العلم (5)، وعن المنتهى أنه مذهب علمائنا أجمع (6). وعن أبي الصلاح خروجه إذا مضى مقدار الأذان والخطبتين والركعتين فتقام ظهرا (7). وعن الجعفي وقتها ساعة من النهار (8). وقال ابن إدريس: يمتد وقتها بامتداد الظهر (9). وظاهر الأخبار الدالة على أن وقتها أول الزوال مع أبي الصلاح، وهو مقارب لمذهب الجعفي، ويدل على مذهب الجعفي صريحا مرسلة الصدوق الآتية (10)، وملاحظة عموم البدلية المستفادة من الأخبار مع ابن إدريس. والتحقيق مع المشهور، فإن الأخبار الدالة على أن وقتها واحد وأنها مضيقة وأن وقتها حين تزول مع كثرتها وصحتها إذا لوحظت عن آخرها - سيما مع ملاحظة ما


1. الوسائل 5: 30 أبواب صلاة الجمعة ب 15. 2. الجمعة: 9. 3. التهذيب 3: 13 ح 46، الوسائل 5: 17 أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 3. 4. سنن الدار قطني 2: 17 ح 1. 5. المعتبر 2: 275. 6. المنتهى 1: 318. 7. الكافي في الفقه: 153. 8. نقله عنه في الذكرى: 235. 9. السرائر 1: 301. 10. الفقيه 1: 267 ح 1223، الوسائل 5: 19 أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 13.

[ 162 ]

دل على أن وقتها واحد في السفر والحضر، وسيما ما صرح فيها بأنه إذا زالت الشمس لا يمنع من الظهر إلا السبحة، يعني النافلة، وما سوي فيها بينهما وبين صلاة المسافر مثل موثقة سعيد الأعرج عن الصادق عليه السلام: عن وقت ا لظهر، فقال: " بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك، إلا في السفر أو يوم الجمعة، فإن وقتها إذا زالت " (1) وفي معناها موثقة إسماعيل بن عبد الخالق (2) - يستفاد منها أن المراد سقوط النافلة، فلا وجه لتأخيرها، لاعدم الجواز بعده. ويحمل التضييق والتأكيد في بعضها على الأفضلية. وبذلك يندفع قول أبي الصلاح والجعفي. مع أن قول أبي الصلاح غير مضبوط المعنى، والأخبار لا تدل عليه، بل إنما تدل على أن أول الزوال وقت الشروع فيها، لا أن وقتها إلى أن يمضي مقدار المذكورات. ويؤكده أيضا وجوب السعي بعد النداء في الآية (3) وعمل المسلمين في الأعصار والأمصار بمبادرتهم إليها بعده. وتدل عليه أيضا مرسلة الصدوق في الفقيه، قال أبو جعفر عليه السلام: " أول وقت الجمعة ساعة زوال الشمس إلى أن تمضي ساعة " (4). فإن الظاهر أن المراد وقت الشروع، لا تحديد أول وآخر الصلاة كما لا يخفى. وكذلك موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " وقت صلاة الجمعة إذا زالت الشمس شراك أو نصف " (5). وكذلك ما دل على استحباب ركعتي النافلة عند الزوال وبعده.


1. التهذيب 2: 244 ح 970، الاستبصار 1: 970، الاستبصار 1: 247 ح 884، الوسائل 3: 106 أبواب المواقيت ب 8 ح 17. 2. التهذيب 3: 13 ح 45، الاستبصار 1: 412 ح 1577، الوسائل 5: 18 أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 7. 3. الجمعة: 9. 4. الفقيه 1: 267 ح 1223، الوسائل 5: 19 أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 13. 5. التهذيب 2: 273 ح 1086، الوسائل 3: 178 أبواب المواقيت ب 40 ح 1.

[ 163 ]

وأما قول ابن إدريس فهو وإن كان قويا لوضوح دلالة البدلية على ذلك المستفادة من الأخبار المستفيضة، إلا أن المنقول عن فعله صلى الله عليه وآله أنه كان يفعلها إلى صيرورة الظل مثل الشئ دائما (1)، والإجماع المنقول عن العلامة (2) يحجبنا عن التعدي. والظاهر أن مراد ناقل الفعل أنه علم من حاله صلى الله عليه وآله أن ذلك كان غاية ما يجوز أن تؤخر فيه، لا أنه علم فعلها إلى ذلك الوقت مع عدم العلم بحال ما بعده، حتى يرد عليه أنه عليه السلام كان يقدمها في أول الوقت وكانت تنقضي الصلاة قبل ذلك في الأكثر، وهو لا يدل على وجوبها في ذلك الحين عند المشهور، فكذلك ما نحن فيه. وتفوت الجمعة بفوات وقتها، ثم تجب الظهر بقي وقتها أو خرج بالإجماع والأخبار (3). وتدرك بإدراك ركعة، ويضيف إليها اخرى، للصحاح المستفيضة (4)، بل وبإدراك الإمام راكعا لما سيجئ في محله. ولو أدرك منها ركعة وخرج الوقت فتصح، لعموم قوله عليه السلام: " من أدرك ركعة كمن أدرك الوقت كله " (5). وعن الشيخ (6) وجماعة (7) كفاية مجرد التلبس بها في الوقت، وهو مشكل، هذا


1. كما في الذكرى: 235، وانظر الوسائل 5: 17 أبواب صلاة الجمعة ب 8. 2. المنتهى 1: 318. 3. الوسائل 5: 40 أبواب صلاة الجمعة ب 26. 4. الوسائل 5: 40 أبواب صلاة الجمعة ب 26. 5. المعتبر 3: 47، الذكرى: 122، الوسائل 3: 158 أبواب المواقيت ب 30 ح 4، 5. 6. المبسوط 1: 145. 7. كيحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 95، والمحقق في المعتبر 2: 276، والعلامة في الارشاد 1: 257، ونهاية الاحكام 2: 11.

[ 164 ]

حال وقت الصلاة. وأما الخطبة فمعظم الأصحاب على أن وقتها بعد الزوال، لظاهر الآية، وحسنة محمد بن مسلم (1)، ولكل ما دل على أن الخطبتين بدل الركعتين (2)، وكل ما دل على أن الخطبة صلاة (3)، وكل ما دل على استحباب الركعتين عند الزوال وبعده (4) لوجوب وقوع الصلاة بعد الخطبة. وجوزها الشيخ قبل الزوال، وادعى عليه في الخلاف إجماع الفرقة (5)، وهو مختار المحقق (6)، لصحيحة عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك، ويخطب في الظل الأول، فيقول جبرئيل: يا محمد قد زالت الشمس فانزل فصل، وإنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، فهي صلاة حتى ينزل الإمام " (7). وهي لا تقاوم ما ذكرنا من الأدلة، مع أن دلالتها غير واضحة، إذ الظل الأول وإن كان ظاهرا فيما قبل الزوال، لكن القرائن المحفوفة به تضعف دلالتها، فإن الصلاة عند صيرورة الفئ قدر الشراك إذا تمت الخطبة قبل الزوال تستلزم فصلا كثيرا بين الخطبة والصلاة، بل هو قرينة على أن التأخير إلى مقدار الشراك لأجل الخطبة، فلابد أن يحمل على إرادة الشروع في الخطبة في الظل الأول، وهو لا يستلزم جواز إتمامها بحيث إذا تمت زالت الشمس، فنحملها على إرادة الشروع في منتهى الظل


1. الكافي 3: 424 ح 7، التهذيب 3: 241 ح 648، الوسائل 5: 15 أبواب صلاة الجمعة ب 6 ح 7. 2. الوسائل 5: 14 أبواب صلاة الجمعة ب 6. 3. التهذيب 3: 12 ح 42، الوسائل 5: 15 أبواب صلاة الجمعة ب 6 ح 4. 4. الوسائل 5: 22 أبواب صلاة الجمعة ب 11. 5. الخلاف 1: 62 مسألة 390، المبسوط 1: 151، النهاية: 105. 6. المعتبر 3: 287. 7. التهذيب 3: 12 ح 42، الوسائل 5: 18 أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 4.

[ 165 ]

الأول بإرادة أول الفئ مبالغة. أو يقال: إن المراد بالظل الأول الظل الحادث بعد الزوال، والمراد بقول جبرئيل: " قد زالت الشمس " الزوال المعهود المذكور في الكلام، وهو الزوال بقدر الشراك، وما ذكرناه ليس ببعيد عند التأمل والإنصاف. ويؤيده تمام الخبر لما أشرنا إليه سابقا. وأولها العلامة ببعيد (1)، فالرواية لنا لا علينا. وعلى هذا فموثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " وقت صلاة الجمعة إذا زالت الشمس شراك أو نصف " (2) أيضا تشهد بما ذكرنا، فإن الظاهر أن ذلك لأجل الخطبة كالقدمين للظهر. الثالث: لا خلاف في أن وقت صلاة العيدين ما بين طلوع الشمس إلى الزوال. والمشهور أن أوله من أول الطلوع. وعن الشيخ إذا طلعت وارتفعت وانبسطت (3)، وربما يؤيد بحسنة زرارة عن الباقر عليه السلام: " ليس في الفطر والأضحى أذان ولا إقامة، أذانهما طلوع الشمس، إذا طلعت خرجوا " (4). وموثقة سماعة، قال: سألته عن الغدو إلى المصلى في الفطر والأضحى، فقال: " بعد طلوع الشمس " (5) فإن كون طلوع الشمس وقت الخروج يقتضي تأخرها عن أول الطلوع.


1. المختلف 2: 214. 2. التهذيب 2: 273 ح 1086، الوسائل 3: 178 أبواب المواقيت ب 40 ح 1. 3. المبسوط 1: 169. 4. الكافي 3: 459 ح 1، التهذيب 3: 129 ح 276، الوسائل 5: 135 أبواب صلاة العيد ب 29 ح 1. 5. التهذيب 3: 287 ح 859، الوسائل 5: 135 أبواب صلاة العيد ب 29 ح 2.

[ 166 ]

وهو كما ترى، فإن مساواة الطلوع للأذان يقتضي كونه أول الوقت كما لا يخفى. وتستحب زيادة التأخير في الفطر عن الأضحى بإجماع العلماء، نقله في المدارك، وعلل باستحباب الإفطار قبل الخروج، ولتوسعة الوقت لإخراج الفطرة (1). الرابع: وقت صلاة الكسوفين من ابتدائهما إلى انجلائهما، وفاقا للشيخ (2) والمحقق (3) وجماعة (4)، لما روي عنه صلى الله عليه وآله: " فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى والصلاة حتى ينجلي " نقله في الذكرى (5). ومن طريق الخاصة عموم قوله عليه السلام: " إذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا " (6) وما في معناها من العمومات والإطلاقات. وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام قال، قال: " إن صليت الكسوف إلى أن يذهب الكسوف عن الشمس والقمر وتطول في صلاتك فإن ذلك أفضل، وإن أحببت أن تصلي فتفرغ من صلاتك قبل أن يذهب الكسوف فهو جائز " (7) وللاستصحاب. وتؤيده الأخبار الصحيحة الدالة على رجحان الإعادة ما لم ينجلي بالتمام (8)،


1. المدارك 4: 100. 2. المبسوط: 172، النهاية: 137، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 194. 3. الشرائع 1: 93. 4. كالشهيد في الدروس 1: 195، والمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 471، وصاحب المدارك 4: 129. 5. الذكرى: 244، وانظر سنن البيهقي 3: 341. 6. الكافي 3: 463 ح 1، التهذيب 3: 154 ح 329، المحاسن: 313 ح 31، الوسائل 5: 143 أبواب صلاة الكسوف ب 1 ح 10. 7. التهذيب 3: 291 ح 876، الوسائل 5: 146 أبواب صلاة الكسوف ب 4 ح 5. 8. الوسائل 5: 153 أبواب صلاة الكسوف ب 8.

[ 167 ]

فإن الظاهر من الإعادة هو الإتيان في الوقت، وإن لم نقل بثبوت الحقيقة الشرعية فيها أيضا. ونقل في الذكرى عن الأكثر القول بأن وقته إلى حين الأخذ في الإنجلاء (1)، لصحيحة حماد بن عثمان عن الصادق عليه السلام، قال: ذكرنا انكساف القمر وما يلقى الناس من شدته قال، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا انجلى منه شئ فقد انجلى " (2). ودلالتها ممنوعة، لأن ظاهرها إرادة بيان مساواة الحال في الشدة والخوف ورفعهما، لا بيان الوقت. ويمكن أن يستدل لهم بصحيحة جميل عنه عليه السلام، قال: " وقت صلاة الكسوف في الساعة التي تنكسف عند طلوع الشمس وعند غروبها " (3). وفيه: أن المضارع مشترك بين الحال والاستقبال، ولو سلم كونه مجازا في الحال فالقرينة هنا قائمة على إرادتها ليشمل حالة احتراق القرص بأجمعه، وإذا غاب القرص بعد الانكساف أو ستره غيم فهو أداء حتى يتيقن الانجلاء، للاستصحاب. وأما الزلزلة، فوقت صلاتها تمام العمر على المشهور، لإطلاق الأدلة، وقيل بقضائها بعد السكون (4)، وهو ضعيف. والأظهر كونه موسعا، وقال في الذكرى بوجوبها فورا وإن لم يصر قضاءا بالتأخير كالحج (5)، وهو ممنوع.


1. الذكرى: 244. 2. الفقيه 1: 347 ح 1535، التهذيب 3: 291 ح 877، الوسائل 5: 146 أبواب صلاة الكسو ب 4 ح 3. 3. الكافي 3: 46 ح 4، التهذيب 3: 155 ح 331، وص 293 ح 886، الوسائل: 146 أبواب صلاة الكسوف ب 4 ح 2. 4. البيان: 207. 5. الذكرى: 244.

[ 168 ]

وألحق العلامة الصيحة بها (1)، وهو حسن. وأما سائر الآيات كالرياح المخوفة، والظلم، وغيرها، فأسند في الذكرى إلى الأصحاب اشتراط سعة وقتها لأداء الصلاة (2). وجعلها في الدروس كالزلزلة (3)، واختاره العلامة في بعض أقواله (4). واستدل على الأول بصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قال، قلنا لأبي جعفر عليه السلام: هذه الرياح والظلم التي تكون هل يصلى لها ؟ فقال: " كل أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن " (5). وتؤيده صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله، حيث سوى فيها بين صلاتها وصلاة الكسوف (6). وعلى الثاني بالإطلاقات. ويمكن ترجيح الأول بحمل المطلق على المقيد، فإن كلمة " حتى " تحتمل الغاية وتحتمل التعليل، وكلاهما يفيدان التوقيت. ولكنه يشكل بما لا يسع الصلاة، فلا يمكن تقييد الإطلاق بذلك مطلقا، ولا قائل بالفرق. فالأولى جعلها من باب الأسباب كالزلزلة. مع أنه تحتمل إرادة سكون الخوف والفزع لا نفس الآية، وربما احتملت إرادة التكرار كالكسوفين، وهو لا ينافي المشهور.


1. التذكرة 4: 180. 2. الذكرى: 244. 3. الدروس 1: 195. 4. المنتهى 1: 452، التحرير 1: 47. 5. الكافي 3: 363 ح 3، الفقيه 1: 346 ح 1529، التهذيب 3: 155 ح 330، الوسائل 5: 144 أبواب صلاة الكسوف ب 2 ح 1. 6. الفقيه 1: 431 ح 1512، الوسائل 5: 144 أبواب صلاة الكسوف ب 2 ح 2.

[ 169 ]

وعن التذكرة: كل آية يقصر وقتها عن العبادة يكون وقتها دائما، أما ما ينقص من فعلها وقتا دون وقت فإن وقتها مدة الفعل، فإن قصر لم يصل (1). وفيه: منع اقتضاء وسعة الآية للوقت التوقيت، وكذلك قصورها عن الفعل لنفي الوجوب كما مرت الإشارة، مع أن مراده من ذلك جعل توقيت الصلاة بالعمر مختصا بالزلزلة والصيحة، وهو إنما يتم إذا لم تتحقق زلزلة تسع للصلاة، وهو ممنوع، إلا أن يراد الغالب. ثم إن الظاهر عدم تداخل الأسباب، فيجب تكرار الصلاة لزلازل متعددة وغيرها، مع إشكال فيما لا يسع بينهما للصلاة، سيما على القول بوجوب الفور، والأحوط التكرار مطلقا. الخامس: في وقت نافلة الظهر أقوال، أظهرها أنه من أول الزوال إلى أن يبلغ الفئ ذراعا، مقدمة على الفريضة، والعصر إلى أن يبلغ ذراعين كذلك، للأخبار المعتبرة المستفيضة جدا. منها صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن وقت الظهر فقال: " ذراع من زوال الشمس، ووقت العصر ذراع من وقت الظهر، فذلك أربع أقدام من زوال الشمس ". وقال زرارة: قال لي أبو جعفر عليه السلام حين سألته عن ذلك: " إن حائط مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله كان قامة، فكان إذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر، وإذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر " ثم قال: " أتدري لم جعل الذراع والذراعان ؟ " قلت: لم جعل ذلك ؟ قال: " لمكان الفريضة، فإن لك أن تتنفل من زوال الشمس إلى أن يمضي الفئ ذراعا، فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال


1. التذكرة 4: 180.

[ 170 ]

بدأت بالفريضة وتركت النافلة، وإذا بلغ فيئك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة " (1) وهو قول الشيخ في النهاية (2). وقال في الخلاف والمبسوط على ما نقله في المختلف والمدارك: إنه من أول الزوال إلى أن يبقى لصيرورة الفئ مثل الشاخص مقدار ما يصلي الفريضة للظهر، ومثليه كذلك للعصر (3). وأما في المعتبر فأطلق نقل المثل والمثلين كالذراع والذراعين (4). واستدل في المعتبر على هذا القول بصحيحة زرارة المتقدمة، لما دل على أن المراد بالقامة الذارع من الأخبار، مثل رواية علي بن حنظلة وغيرها (5)، وقال: فيعود اختلاف كلام الشيخ لفظيا (6). وأنت خبير بأن ذلك خلاف مقتضى تلك الأخبار المعتبرة، بل خلاف صريح الصحيحة المذكورة أيضا، لإضافة الفئ إلى المخاطب في آخرها، مع أن القامة ظاهرة في قامة الإنسان. وأما رواية علي بن حنظلة وغيرها، فهي مع عدم مقاومتها لتلك الأخبار محمولة على ما لو كان الشاخص مقدار الذراع. وتوضحه رواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام أنه قال له: كم القامة ؟ فقال:


1. الفقيه 1: 140 ح 653، التهذيب 2: 19 ح 55، الاستبصار 1: 250 ح 899، الوسائل 3: 103 أبواب المواقيت ب 8 ح 3. 2. النهايد: 60. 3. الخلاف 1: 535، المبسوط 1: 76، المختلف 2: 33، المدارك 3: 68. والموجود في المبسوط: يصلى نوافل الزوال من بعد الزوال إلى أن يبقى إلى آخر الوقت مقدار ما يصلى فيه فريضة الظهر، وقال بعد نقل ذلك في المختلف: مع أنه جعل أول وقت الظهر فيه للمختار إذا صار كل شئ مثله: انظر المبسوط: 72. 4. المعتبر 2: 48. 5. التهذيب 2: 23 ح 65، الاستبصار 1: 251 ح 901، الوسائل 3: 105 أبواب المواقيت ب 8 ح 15. 6. المعتبر 2: 48.

[ 171 ]

" ذراع، إن قامة رحل رسول الله صلى الله عليه وآله كانت ذراعا " (1) فلذلك عبر عن أحدهما بالآخر. والأولى الاستدلال على هذا القول بعموم ما ورد من الأخبار في تحديد وقت الفريضتين بالمثل والمثلين (2)، مضافا إلى ما ورد من الأخبار الكثيرة الدالة على استحباب النافلة مقدمة على الفريضة، وما ورد أنه لا يمنعك من الفريضة إلا سبحتك (3). ونقل في الشرائع قولا بامتداد وقتها بامتداد الفريضة (4)، وهو أيضا مقتضى الإطلاقات. وههنا أخبار اخر معتبرة تدل على جواز تقديمها على أوقاتها وتأخيرها، مثل حسنة محمد بن عذافر، عن الصادق عليه السلام: " صلاة التطوع بمنزلة الهدية، متى ما اتي بها قبلت، فقدم منها ما شئت وأخر ما شئت " (5). وحملها الشيخ على الرخصة لمن علم من حاله أنه إن لم يقدمها اشتغل عنها (6)، لرواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام: عن الرجل يشتغل عن الزوال، أيعجل من أول النهار ؟ فقال: " نعم، إذا علم أنه يشتغل فيعجلها في صدر النهار كلها " (7).


1. التهذيب 2: 23 ح 66، الاستبصار 1: 251 ح 902، الوسائل 3: 106 أبواب المواقيت ب 8 ح 16، والرحل ما يوضع على ظهر الحيوان ويركب عليه. لسان العرب 11: 274. 2. التهذيب 2: 22 ح 62، الاستبصار 1: 248 ح 891، الوسائل 3: 105 أبواب المواقيت ب 8 ح 13. 3. الوسائل 3: 96 أبواب المواقيت ب 5. 4. الشرائع 1: 48. 5. التهذيب 2: 267 ح 1066، الاستبصار 1: 278 ح 1010، الوسائل 3: 170 أبواب المواقيت ب 37 ح 8. 6. التهذيب 2: 267. 7. الكافي 3: 450 ح 1، التهذيب 2: 268 ح 1067، الاستبصار 1: 278 ح 1011، الوسائل 3: 168 أبواب المواقيت ب 37 ح 1.

[ 172 ]

ولكن عموم أكثرها بل صريح بعضها الجواز مطلقا، إلا أن الأفضل الإتيان في أوقاتها المحدودة. وأما ما ورد في التحديد بمقدار النافلة طولت أو قصرت (1)، وبأربعة أقدام في الظهر، وكذلك ثلث القامة، فهي محمولة على مراتب تطويل النافلة وتقصيرها، وتفويض الأمر إلى المكلف في ذلك. ولعل الأفضل التقصير كما هو صريح بعضها (2)، فالجميع جائز إن شاء الله تعالى. ولكن الأفضل التعجيل بها إلى أن يبقى للمثل والمثلين مقدار الفريضة، فذلك آخر مراتب الفضل، ثم يجوز فعلها بعد ذلك مقدما وإن كان تأخيرها أفضل، وترك قصد القضاء والأداء حينئذ أولى، سيما على المختار في النية. وكيف كان: فلو خرج الوقت وقد تلبس من النافلة بركعة زاحم بها الفريضة مخففة، كما نقل عن الشيخ وأتباعه (3)، لموثقة عمار (4)، وليس فيها الدلالة على التخفيف، لكن لا بأس به. وينبه عليه ما دل على تخفيف نافلة الزوال في أول الوقت، مثل رواية أبي بصير قال: ذكر أبو عبد الله عليه السلام أول الوقت وفضله، فقلت: كيف أصنع بالثمان ركعات ؟ قال: " خفف ما استطعت " (5). ويستفاد ذلك من صحيحة زرارة المتقدمة أيضا. وذكروا في التخفيف الاكتفاء بالحمد والذكر الواحد في الركوع والسجود ونحو ذلك (6). ولا بأس به.


1. الوسائل 3: 96 أبواب المواقيت ب 5. 2. التهذيب 2: 257 ح 1019، الوسائل 3: 126 أبواب المواقيت ب 15 ح 1. 3. النهاية: 60، المهذب 1: 71، السرائر 1: 202. 4. التهذيب 2: 273 ح 1086، الوسائل 3: 178 أبواب المواقيت ب 40 ح 1. 5. التهذيب 2: 257 ح 1019، السائل 3: 126 أبواب المواقيت ب 15 ح 1. 6. السرائر 1: 202، المسالك 1: 143.

[ 173 ]

وأول وقت نافلة المغرب بعدها إلى ذهاب الحمرة المغربية، قال في المعتبر: وهو مذهب علمائنا (1)، وظاهر هذه العبارة دعوى الإجماع على عدم الجواز بعده، وهو بعيد. ونسب القول في الذكرى إلى الشيخ في النهاية (2)، ومال هو إلى امتدادها بامتداد المغرب (3). واستوجهه في المدارك (4) واستشهد عليه بصحيحة أبان بن تغلب قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام المغرب بالمزدلفة، فقام فصلى المغرب ثم صلى العشاء الآخرة، ولم يركع بينهما، ثم صليت خلفه بعد ذلك بسنة فلما صلى المغرب قام فتنفل بأربع ركعات، ثم أقام فصلى العشاء الآخرة (5). وهو حسن، وهو مقتضى الإطلاقات والعمومات. وأما ما استدل به في المعتبر من أن عند ذهاب الحمرة يقع الاشتغال بالفرض فلا يصلح للنافلة، مستندا بما ورد من أنه لا تطوع في وقت فريضة (6)، فهو ضعيف، لأنه منقوض بجوازها قبل ذلك أيضا عندنا. نعم يمكن القول بأفضلية التأخير حينئذ لو قلنا باستحباب تقديم العشاء والتعجيل بها عند سقوط الشفق، ولاآدليل عليه إلا ما آدل على أفضلية أوائل الأوقات (7)، مع خروج ما قبل سقوط الشفق هنا بالدليل. وأما ما ورد في بعض الأخبار من تحديد وقت العتمة بغيبوبة الشفق، مثل


1. المعتبر 2: 53. 2. النهايد: 60. 3. الذكرى: 124. 4. المدارك 3: 74. 5. الكافي 3: 267 ح 2، الوسائل 3: 163 أبواب المواقيت ب 33 ح 1 بتفاوت. 6. انظر الوسائل 3: 165 أبواب المواقيت ب 35. 7. الوسائل 3: 86 أبواب المواقيت ب 3.

[ 174 ]

حسنة الحلبي (1)، ورواية بكر بن محمد الأزدي (2) وغيرهما (3)، فهي محمولة على الفضيلة، أو لرفع الحظر التنزيهي عما قبله، أو لرفع توهم وجوب التأخير، أو رجحان التأخير كما يستفاد الطرفان من الأخبار، وقد تقدم الكلام فيهما. وبالجملة الأقرب الجواز، إلا أن الأفضل التقديم عليه لما مر، وللتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله كما رواه عمرو بن حريث (4). وبما ذكرنا ظهر أنه لو شرع في ركعتين منها ثم زالت الحمرة أتمهما، سواء كانت الأوليين أو الاخريين بطريق الأولى. وجزم به الشهيد في الذكرى على القول بفوات الوقت بذهاب الحمرة أيضا (5)، لأن الصلاة على ما افتتحت عليه (6)، وللمنع عن إبطال العمل (7)، بل يتم الأربع لو شرع فيها أيضا كما نقله عن ابن إدريس (8). وهل الأفضل تقديم النافلة على كل شئ كما اختاره ابن الجنيد (9)، أو تأخيرها عن التسبيح فقط كما اختاره المفيد (10) ؟ قولان، والثاني أوجه.


1. الكافي 3: 280 ح 11، التهذيب 2: 34 ح 103، الاستبصار 1: 270 ح 977، الوسائل 3: 149 أبواب المواقيت ب 23 ح 1. 2. الفقيه 1: 141 ح 657، التهذيب 2: 30 ح 88، الاستبصار 1: 264 ح 953، الوسائل 3: 127 أبواب المواقيت ب 16 ح 6. 3. الوسائل 3: 114 أبواب المواقيت ب 10 ح 2. 4. الكافي 3: 443 ح 5، التهذيب 2: 4 ح 4، الاستبصار 1: 218 ح 774، الوسائل 3: 33 أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 6. 5. الذكرى: 124. 6. التهذيب 2: 197 ح 776، وص 343 ح 1419، الوسائل 4: 712 أبواب النية ب 2 ح 2. 7. ولا تبطلوا أعمالكم، محمد: 33. 8. السرائر 1: 202. 9. نقله عنه في مفتاح الكرامة 2: 33. 10. المقنعة: 116.

[ 175 ]

وأما الوتيرة فيمتد وقتها بامتداد العشاء بلا خلاف، وهو مقتضى الإطلاقات. وعن الشيخ (1) وأتباعه (2) استحباب جعلها خاتمة كل نافلة يصليها في تلك الليلة، ولا يحضرني الآن مستنده، ويكفي في ذلك فتواهم. ووقت صلاة الليل بعد انتصافه بلا خلاف، للصحاح وغيرها (3) ويعرف بانحدار النجوم كما في رواية عمر بن حنظلة أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام، فقال له: زوال الشمس نعرفه بالنهار، فكيف لنا بالليل ؟ فقال: " لليل زوال كزوال الشمس " قال: فبأي شئ نعرفه ؟ قال: " بالنجوم إذا انحدرت " (4). قيل: والمراد بها النجوم الطالعة عند غروب القرص (5)، وهو غير مطرد في الكواكب والأحوال، وسيأتي الكلام فيه. واعتبر الجعفي منازل القمر وقاعدة طلوعه وغروبه، قال: ويغرب في ليلة الهلالي في نصف السبع، وهكذا إلى الليلة الأربع عشرة، ثم يتأخر هكذا إلى الثمان والعشرين، وبذلك تتم منازل القمر (6). والمشهور أنه كلما قرب من الفجر كان أفضل، واستدلوا عليه بقوله تعالى: (وبالأسحار هم يستغفرون) (7) منضما إلى ما ورد في الصحيح أن المراد به الاستغفار في الوتر (8)، وهو لا يدل إلا على استحباب قرب الوتر إلى الفجر، وكذلك صحيحة إسماعيل بن سعد (9).


1. التهذيب 2: 335 ح 1382، الوسائل 3: 186 أبواب المواقيت ب 45 ح 6. 2. الوسائل 3: 195 أبواب المواقيت ب 53. 3. نقله عنه في المختلف 2: 330. 4. التهذيب 2: 118 ح 444، أمالي الطوسي 1: 148، الوسائل 4: 1118 أبواب الدعاء ب 26 ح 3. 5. الوسائل 3: 181 أبواب المواقيت ب 44. 6. التهذيب 2: 119 ح 448، الاستبصار 1: 280 ح 1016، الوسائل 3: 186 أبواب المواقيت ب 45 ح 7. 7. السرائر 1: 307، المختلف 2: 52. 8. التهذيب 2: 1393 337، الوسائل 3: 183 أبواب المواقيت ب 44 ح 14. 9. التهذيب 2: 337 ج 1394، وج 3: 233 ح 607، الوسائل 3: 183 أبواب المواقيت ب 44 ح 9.

[ 176 ]

وأما رواية مرازم عن الصادق عليه السلام قال، قلت له: متى اصلي صلاة الليل ؟ فقال: " صلها آخر الليل " قال، فقلت: إني لا أستنبه، فقال: " تستنبه مرة فتصليها، وتنام فتقضيها، فإذا اهتممت بقضائها بالنهار استنبهت " (1) فمع سلامتها غير واضحة الدلالة، فإن مقام السؤال والجواب طلب الرخصة للتقديم، فإن من لا يستنبه آخر الليل كيف يستنبه نصفه أو آناءه ! ؟ ويمكن أن تكون فتواهم بذلك في مقابل فعلها أجمع في منتصف الليل، وذلك لا ينافي أفضلية توزيعها على آناء الليل، وتوسيط نومتين، والإيتار بين الفجرين، كما ورد في الأخبار المعتبرة من فعل النبي صلى الله عليه وآله (2)، وأفتى على طبقها ابن الجنيد (3). فلا يبعد القول بأفضلية ذلك لهذه الروايات، ولما ورد في الصحيح وغيره: " إن الساعة التي لا يدعو فيها العبد ربه إلا استجيب له في الليل وهو ما بين نصف الليل إلى الثلث الباقي " (4). والمشهور جواز تقديمها على النصف للمعذور، كالمسافر والخائف من غلبة النوم وغيرهما، للصحاح المستفيضة (5)، خلافا لما نقل عن زرارة (6) وابن إدريس والعلامة في المختلف (7)، بل ويستفاد من الصحيح (8) وغيره (9) الجواز مطلقا، وأن


1. التهذيب 2: 335 ح 1382، الوسائل 3: 186 أبواب المواقيت ب 45 ح 6. 2. الوسائل 3: 195 أبواب المواقيت ب 53. 3. نقله عنه في المختلف 2: 330. 4. التهذيب 2: 118 ح 444، أمالي الطوسي 1: 148، الوسائل 4: 1118 أبواب الدعاء ب 26 ح 3. 5. الوسائل 3: 181 أبواب المواقيت ب 44. 6. التهذيب 2: 119 ح 448، الاستبصار 1: 280 ح 1016، الوسائل 3: 186 أبواب المواقيت ب 45 ح 7. 7. السرائر 1: 307، المختلف 2: 52. 8. التهذيب 2: 1393 337، الوسائل 3: 183 أبواب المواقيت ب 44 ح 14. 9. التهذيب 2: 337 ج 1394، وج 3: 233 ح 607، الوسائل 3: 183 أبواب المواقيت ب 44 ح 9.

[ 177 ]

التأخير إلى النصف أفضل. ويؤيده ما مر من الأخبار العامة في النوافل. والمعروف من مذهبهم أن القضاء أفضل من التقديم، لصحيحة معاوية بن وهب (1)، وصحيحة محمد بن مسلم، (2) وغيرهما (3). وآخر وقتها الفجر الثاني عند الأكثر، وعن السيد الفجر الأول (4)، وهو الضوء المستدق المستطيل الذي يتوسط بينه وبين الافق ظلمة، محتجا بأن ذلك وقت ركعتي الفجر، وسيجئ بطلان اختصاصه بهما. والمعروف من مذهب الأصحاب أنه إذا تلبس بأربع فيتمها مخففة وإن طلع الفجر، لرواية مؤمن الطاق (5). ورواية يعقوب البزاز مشتملة على أنه إذا تخوف طلوع الفجر بعدما صلى أربعا فيوتر ويوخر الركعات حتى يقضيها في صدر النهار (6)، ولا بأس به. والمشهور أنه إذا لم يتلبس بأربع أخرها، وبدأ بركعتي الفجر مع بقاء وقتها ثم يصلي الفريضة، لرواية مفضل بن عمر (7)، وصحيحة إسماعيل بن جابر قال، قلت لابي عبد الله عليه السلام: أوتر بعد ما يطلع الفجر ؟ قال: " لا " (8) تتميما بالأولوية في غير الوتر. وفي الأخبار الصحيحة جواز فعلها جميعا بعد طلوع الفجر مقدما على الفريضة،


1. الكافي 3: 20 447، الفقيه 1: 302 ح 138 1، التهذيب 2: 119 ح 447، الاستبصار 1: 279 ح 1015، الوسائل 3: 185 أبواب المواقيت ب 45 ح 1. 2. التهذيب 2: 338 ح 1295، الوسائل 3: 185 أبواب المواقيت ب 45 ح 5. 3. الفقيه 1: 302 ح 1380، الوسائل 3: 185 أبواب المواقيت ب 45 ح 3. 4. المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 194 مسألة 76. 5. التهذى 2: 125 ح 475، الاستبصار 1: 282 ح 1025، الوسائل 3: 189 أبواب المواقيت ب 47 ح 1. 6. التهذيب 2: 125 ح 476، الاستبصار 1: 282 ح 1026، الوسائل 3: 189 أبواب الواقيت ب 47 ح 2. 7. التهذيب 2: 339 ح 1402، الوسائل 3: 190 أبواب المواقيت ب 48 ح 4.

[ 178 ]

مقيدا بعدم الاعتياد (1)، ولا بأس بالعمل عليها، إلا أن تقديم الفريضة أفضل. وإذا ضاق الوقت عن صلاة الليل فيقتصر على الوتر، لصحيحة محمد بن مسلم (2)، وصحيحة معاوية بن وهب (3). والظاهر أن قضاء الباقي لا يسقط عنه بذلك، للعمومات. وفي رواية معتبرة عن الصادق عليه السلام قال، قال: " إذا قام الرجل من الليل فظن أن الصبح قد أضاء فأوتر، ثم نظر فرأى أن عليه ليلا، قال: " يضيف إلى الوتر ركعة، ثم يستقبل صلاة الليل ثم يوتر بعده " (4)، وعلى هذا فيمكن القول بإعادتها في القضاء أيضا إذا ضاق الوقت إلا عنها. وأما وقت ركعتي الفجر فأوله بعد الفراغ من صلاة الليل على المشهور الأقوى، للصحاح وغيرها من الأخبار الكثيرة (5). وعن السيد والشيخ في المبسوط طلوع الفجر الأول (6)، ولم نقف على ما يصلح مستندا لذلك، مع تصريح الأخبار الصحيحة بجوازها بعد الصبح (7). وآخره طلوع الحمرة، لصحيحة علي بن يقطين (8). وعن ابن الجنيد أنه طلوع الفجر الثاني (9)، لصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن ركعتي الفجر، قبل الفجر أو بعد الفجر ؟ فقال: " قبل الفجر، إنهما


1. الوسائل 3: 189 أبواب المواقيت ب 48. 2. الكافي 3: 449 ح 28، التهذيب 2: 125 ح 274، الاستبصار 1: 281 ح 1020، الوسائل 3: 187 أبواب المواقيت ب 46 ح 2. 3. التهذيب 2: 337 ح 1391، الوسائل 3: 187 أبواب المواقيت ب 46 ح 3. 4. التهذيب 2: 338 ح 1396، الوسائل 3: 187 أبواب المواقيت ب 46 ح 4. 5. الوسائل 3: 191 أبواب المواقيت ب 50. 6. نقله عن السيد في المختلف 2: 36، المبسوط 1: 76. 7. الوسائل 3: 194 أبواب المواقيت ب 52. أقول: عبارة المتن تحتمل كونها تصحيف: بعد صلاة الليل. 8. التهذيب 2: 340 ح 1409، الوسائل 3: 193 أبواب المواقيت ب 51 ح 1. 9. نقله عنه في المختلف 2: 36.

[ 179 ]

من صلاة الليل، أتريد أن تقايس، لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوع، إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة " (1). وتؤيده صحيحة البزنطي القائلة: " احش بهما صلاة الليل وصلهما قبل الفجر " (2) وما في معناها (3). والأولى حملها على الأفضلية جمعا بين الأخبار. والظاهر أن الإمام عليه السلام أراد في صحيحة زرارة تعليمه المجادلة بالتي هي أحسن. وأما صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " صلهما بعدما يطلع الفجر " (4) فهي مع جهالة مرجع الضمير محمولة على الرخصة. وربما تحمل على الفجر الأول (5)، فتكون دليلا للسيد والشيخ. ويمكن الحمل على التقية كما يظهر من الشيخ في التهذيب (6)، وتدل عليه رواية أبي بصير قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: متى اصلي ركعتي الفجر ؟ قال، فقال لي: " بعد طلوع الفجر " قلت له: إن أبا جعفر عليه السلام أمرني أن اصليهما قبل طلوع الفجر، فقال: " يا أبا محمد إن الشيعة أتوا أبي مسترشدين فأفتاهم بمر الحق، وأتوني شكاكا فأفتيتهم بالتقية " (7). والحاصل أن المستفاد من مجموع الأخبار والجمع بينها جوازها قبل الفجر وبعده


1. التهذيب 2: 133 ح 513، الاستبصار 1: 283 ح 103 1، الوسائل 3: 192 أبواب المواقيت ب 50 ح 3. 2. التهذيب 2: 133 ح 516، الاستبصار: 283 ح 1034، الوسائل 3: 192 أبواب المواقيت ب 50 ح 6. 3. الوسائل 3: 187 أبواب المواقيت ب 46. 4. التهذيب 2: 134 ح 523، الاستبصار 1: 284 ح 1040، الوسائل 3: 193 أبواب المواقيت ب 51 ح 5. 5. كما في الحدائق 6: 242. 6. التهذيب 2: 144. 7. التهذيب 2: 135 ح 526، الاستبصار 1: 285 ح 1043، الوسائل 3: 91 أبواب المواقيت ب 50 ح 2.

[ 180 ]

كما هو مقتضى صريح طائفة من الأخبار (1)، وأن تعيين ما قبله كما هو مقتضى طائفة منها (2) محمول على الأفضلية، وأن تعيين ما بعده محمول على التقية، كما هو مقتضى الروايتين (3). ثم إن جماعة من الأصحاب حكموا باستحباب إعادتهما بعد الفجر لو صلاهما قبله (4)، ولا بأس به، لكن الأولى تقييده بما إذا نام بعدها كما هو مقتضى صحيحة حماد بن عثمان (5)، وموثقة زرارة (6)، ويؤيده ما ورد من كراهة النوم بعدهما (7). تنبيه: المشهور بين الأصحاب أن اليوم حقيقة فيما بين الفجر والغروب، كالليل فيما بينهما. وعن الأعمش (8) أنه ما بين طلوع الشمس إلى الغروب حتى في الصوم (9). ونقل الشيخ في الخلاف عن طائفة أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ليس من الليل ولا من النهار (10).


1. الوسائل 3: 194 أبواب المواقيت ب 52. 2. الوسائل 3: 191 أبواب المواقيت ب 50. 3. يعني: صحيحة زرارة ورواية أبي بصير المتقدمتين. 4. منهم الشيخ في المبسوط 1: 132، والمحقق في الشرائع 1: 49، والشهيد في الدروس 1: 141. 5. التهذيب 2: 135 ح 527، الاستبصار 1: 285 ح 1044، الوسائل 3: 194 أبواب المواقيت ب 51 ح 8. 7. التهذيب 2: 137 ح 534، الوسائل 4: 1062، ب 31 ح 1. 8. هو أبو محمد سليمان بن مهران الاسدي مولاهم الكوفي معروف بالفضل والثقة والجلالة ولا تشيع والاستقامة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الصادق عليه السلام، وذكره السمعاني في أنسابه بعنوان الكاهلي، وأثنى عليه علماء العامة وأقروا بفله مع اعترافهم بتشيعه، توفي سنة 148 ه‍، انظر رجال الطوسي: 206، والانساب للسمعاني: 473، وتهذيب التهذيب 4: 222. 9. نقله عنه في الخلاف 1: 266. 10. الخلاف 1: 266.

[ 181 ]

وفي الأدلة من الآيات والأخبار لكل منها دليل. وتفصيل القول فيه يقتضي بسطا لا يسعه هذا الكتاب. وجملته: أن الأقوى الأول، ويظهر من ابن البراج وغيره دعوى الإجماع عليه (1)، ويدل عليه التبادر، وعدم صحة السلب، وصحة سلب اسم الليل، فلا يصح أن يقال لما قبل طلوع الشمس إنه ليس بنهار وإنه ليل، كما لا يخفى على من راجع وجدانه في محاورات أهل العرف، وهو الموافق لكلام عامة أهل اللغة، وتدل عليه الآيات الكثيرة، والأخبار المستفيضة القريبة من التواتر، والأدعية الواردة عن الأئمة عليهم السلام. وكفاك قوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار) (2). فنقل العلامة (3) اتفاق المفسرين على أن المراد بهما صلاة الفجر والعصر، وما يمكن الاستدلال به من الآيات يبلغ عشرين أو يزيد عليه. وأما الأخبار فلا تحصى كثرة، وكفاك ما سيجئ في مباحث الأذان والإقامة من صحيحة الحلبي (4) وصحيحة عبد الله بن سنان (5) وغيرهما (6) المتضمنة لأن ابن ام مكتوم كان يؤذن بليل، وبلال كان يؤذن بعد الفجر، فقوبل الليل بالفجر، وسيجئ ضعف الواسطة. وفي صحيحة الحلبي حين سأل الصادق عليه السلام: عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فقال: " بياض النهار من سواد الليل " (7).


1. الصحيفة السجادية: 71 دعاء 6. 2. الفقيه 1: 187 ح 890، الوسائل 4: 669 أبواب الاذان والاقامة ب 43 ح 1 بتفاوت. 3. أمالي الصدوق: 24 مجلس 5. 4. في " م "، " ح ": ولقصر. 5. الكافي 4: 131 ح 1، الفقيه 2: 92 ح 412، التهذيب 4: 228 ح 671، الاستبصار 2: 99 ح 321، الوسائل 6. نهج اللاغة: 527 قصار الحكم رقم 924.

[ 182 ]

وفي الصحيفة السجادية في دعاء الصباح: " وهذا يوم حادث جديد - إلى أن قال - اللهم وفقنا في يومنا هذا " إلى قوله: " واجعله أيمن يوم عهدناه " (1). وفي دعاء سماع الأذان: " اللهم إني أسألك بإدبار ليلك وإقبال نهارك " (2). وفي دعاء الصباح عن الصادق عليه السلام: " الحمد لله الذي أذهب الليل بقدرته، وجاء بالنهار برحمته " (3) إلى غير ذلك من الدعوات الكثيرة جدا. وأما ما يمكن أن يستدل به للقول الثاني، فهي أيضا أخبار كثيرة، مثل صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم، فقال: " إن خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض (4) ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتم صومه " (5) حيث جعل الزوال ونصف النهار واحدا. وجوابه الحمل على المجاز، وأنه مبني على التقريب والتخمين، والاعتماد في فهم الزوال عن نصف النهار إنما هو بالقرائن وملاحظة سائر الأخبار الواردة في هذا الباب، ومطلق الاستعمال لا يدل على الحقيقة، والمجاز خير من الاشتراك، مع أنا قد بينا ما ينفي كونها حقيقة في غير ما ذكرنا. وأما ما في نهج البلاغة أنه سئل عليه السلام عن مسافة ما بين المشرق والمغرب، قال: " مسيرة يوم للشمس " (6) فهو أيضا مبني على التقريب. مع أنه روى في الاحتجاج، عن الحسن بن محبوب، عن سماعة قال، قال



[ 183 ]

أبو حنيفة لأبي عبد الله عليه السلام: كم بين المشرق والمغرب ؟ قال: " مسيرة يوم، بل أقل من ذلك " قال: فاستعظمه، فقال: " يا عاجز، لم تنكر هذا ؟ إن الشمس تطلع من المشرق وتغرب في المغرب في أقل من يوم " (1). وقد يستدل على ذلك برواية عمر بن حنظلة المتقدمة (2)، وهي أيضا لا تدل على مطلوبهم، إذ هي لا تتم إلا في كوكب كان قوس نهاره موافقا لقوس ليل درجة الشمس من منطقة البروج أو قريبا منه. وجعل مثل ذلك قاعدة للعوام أو مناطا لأحكامهم من باب الإلغاز والتعمية، مع أنه يختلف الحال بحسب الليالي والأزمان، وتعيين كوكب في كل ليلة من الامور العسرة بل المتعذرة. مع أن الانحدار أيضا لا يظهر للعوام إلا بعد تجاوز كثير عن دائرة نصف النهار، فالظاهر أن ذلك الاحتياط (3) في صلاة الليل بملاحظة الكواكب التي تظهر فوق الأبنية عند ابتداء الظلمة. وأيضا معرفة كون الكواكب على الافق حين الغروب مما لا يظهر للحس فكيف يعرفه العوام ؟ ! وما كان على الافق عند ظهورها للحس فهو إذا بلغ نصف النهار فقد تجاوز الليل حينئذ عن النصف بكثير، فلا يتم الاستدلال لهم بوجه. وظني أن الذي أوجب توهم كون اليوم والليل حقيقة فيما بين طلوع الشمس وغروبها هو اصطلاح أهل النجوم ومسامحة أهل العرف في الأشغال والأعمال والصناعات، فيقولون لمن عمل من أول طلوع الشمس إلى غروبها: إنه عمل يوما، وذلك مسامحة في الإضافة، لا أنه اصطلاح في اليوم، فالمراد أنه شغل يوم، وعمل


1. الاحتجاج: 362. 2. الفقيه 1: 146 ح 677، الوسائل 3: 198 أبواب المواقيت ب 55 ح 1. 3. في " ص ": للاحتياط.

[ 184 ]

يوم، لا أن اليوم هو هذا لا غير. ألا ترى أنهم يقولون: نمت هنا الليلة، وههنا ليلتين، ولا يريدون إلا ما يتعارف من مقدار النوم، ولا ريب أنه لا ينام عادة وغالبا إلا بعد التعشي وإتمام الصلاة وجلوس ما بعدهما. وهذا ظاهر لا يخفى على من راجع وجدانه، ولذلك اكتفينا في مبحث التراوح بنزح البئر من طلوع الشمس إلى غروبها، فإنه يصدق عليه عرفا أنه نزح يوم. وأما التفصيل فتدل عليه بعض الأخبار، مثل ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره، عن عمر بن أبان الثقفي، قال: سأل نصراني الشام الباقر عليه السلام عن ساعة ماهي من الليل ولا هي من النهار، أي ساعة هي ؟ قال أبو جعفر عليه السلام: " ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ". قال النصراني: إذا لم تكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أي الساعات هي ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: " من ساعات الجنة، وفيها تفيق مرضانا " فقال النصراني: أصبت (1). وقيل: وهذا مبني على اصطلاح كان مشهورا بين أهل الكتاب أجاب الإمام عليه السلام على طبق طريقتهم (2)، ويمكن أن تنزل عليه أكثر الأخبار الدالة على أن الزوال نصف النهار، وغيرها. وكيف كان فلا يقاوم ما دل على المذهب المنصور كما لا يخفى. ونقل عن أبي ريحان البيروني أن مذهب براهمة الهند أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وكذلك ما بين غروب الشمس وغروب الشفق خارجان عن الليل والنهار، بل هما بمنزلة الفصل المشترك، ويضعفه ما تقدم من الأدلة.


1. تفسير القمي 1: 98. 2. مفتاح الفلاح: 11.

[ 185 ]

السادس: يجب الإتيان بالصلاة في أوقاتها عالما بها، فلو صادفت صلاة الجاهل والناسي الوقت فالأشهر الأظهر بطلانها، لعدم صدق الامتثال والإطاعة، وتحقيق ذلك في الاصول، وقد أطنبنا الكلام في شرح الألفية الشهيدية. ولا يجوز الاعتماد على الظن مع التمكن من تحصيل العلم بالوقت، وهو المعروف من المذهب، المدعى عليه الإجماع (1). ويدل عليه الأمر بإيقاع الصلاة في الأوقات المعلومة (2)، والألفاظ أسام للامور النفس الأمرية، فلا يحصل الامتثال إلا مع العلم. وخصوص رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام: في الرجل يسمع الأذان فيصلي الفجر ولا يدري أطلع الفجر أم لا، غير أنه يظن لمكان الأذان أنه طلع، قال: " لا يجزئه حتى يعلم أنه طلع " (3). وجوز في المعتبر الاعتماد على أذان الثقة المستظهر، لقوله عليه السلام: " المؤذن مؤتمن " (4) ولأن وضعه للإعلام، فلو لم يجز تقليده لما حصل الغرض (5). واجيب بتقييد الأول وجعله مؤتمنا لذوي الأعذار، وعن الثاني بذلك، أو أنه لتنبيه المتمكن على الاعتبار (6). وأما إذا حصل العلم به فلا إشكال. وربما يحمل على ذلك مثل صحيحة ذريح المحاربي عن الصادق عليه السلام:


1. كما في مجمع الفائدة والبرهان 2: 52. 2. الوسائل 3: 78 أبواب المواقيت ب 1. 3. مسائل علي بن جعفر: 161 ح 249، الذكرى: 129، الوسائل 3: 203 أبواب المواقيت ب 58 ح 4. 4. التهذيب 2: 282 ح 1121، الوسائل 4: 618 أبواب الاذان والاقامة ب 3 ح 2. 5. المعتبر 2: 63. 6. الذكرى: 129.

[ 186 ]

" صل الجمعة بأذان هؤلاء، فإنهم أشد شئ مواظبة على الوقت " (1) وفيه نظر. ومما ذكرنا يظهر عدم الاعتداد بإخبار الثقة عن علم أيضا إلا إذا أفاد العلم، ويمكن الاعتماد على الثقتين. هذا إذا تمكن من تحصيل العلم. وأما إذا لم يتمكن، فالمشهور المدعى عليه الإجماع (2) جواز العمل على الأمارات الظنية، لظواهر الروايات، مثل رواية أبي الصباح الواردة في الإفطار (3)، لعدم القائل بالفصل، وصحيحة زرارة، وموثقة أبي بصير، ورواية إسماعيل بن رباح الآتيات (4) وغيرها (5). وعن ابن الجنيد عدمه (6)، للأصل السابق، ولرواية علي بن جعفر السابقة. وأنت خبير بأن العام لا يقاوم الخاص، فالأقوى المشهور، والأحوط تحصيل اليقين. وأما إذا انكشف فساد ظنه، فإن تبين وقوعها قبل الوقت بأجمعها فيعيد إجماعا، ولصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: في رجل صلى الغداة بليل، غره من ذلك القمر، ونام حتى طلعت الشمس، فاخبر أنه صلى بليل، قال: " يعيد صلاته " (7). وموثقة أبي بصير عن الصادق عليه السلام: " من صلى في غير وقت


1. التهذيب 2: 284 ح 1136، الوسائل 4: أبواب الاذان والاقامة ب 3 ح 1. 2. كما في التفيح الرائع 1: 171. 3. الفقيه 2: 75 ح 326، التهذيب 4: 170 ح 816، الاستبصار 2: 115 ح 374، الوسائل 7: 88 أبواب ما يمسك عن الصائم ب 51 ح 3. 4. تأتي الاشارة إلى مصادرها لاحقا. 5. الفقيه 2: 75 ح 327، التهذيب 2: 261 ح 1039، الاستبصار 2: 115 ح 376، الوسائل 3: 122 أبواب المواقيت ب 13 ح 4. 6. نقه عنه في المختلف 2: 47. 7. الكافي 3: 285 ح 4، التهذيب 2: 140 ح 548 ح 1008، الوسائل 3: 122 أبواب المواقيت ب 13 ح 5.

[ 187 ]

فلا صلاة له " (1). وإن ظهر دخول الوقت في البين ولو قبل التسليم فالأكثر على الصحة، وهو الأقوى، لأن الأمر يقتضي الإجزاء، ولصحيحة ابن أبي عمير، عن إسماعيل بن رباح، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا صليت وأنت ترى أنك في وقت ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وأنت في الصلاة فقد أجزأت عنك " (2). وعن السيد (3) وجماعة (4) وجوب الإعادة، تمسكا بموثقة أبي بصير، وضعف الرواية لجهالة إسماعيل، ولعموم ما دل على وجوب أداء الصلاة في الوقت (5) ولم يحصل الامتثال. وفيه: أن الموثقة لا تدل على أن ما لم يصل في الوقت فهو باطل، بل إنما تدل على أن من صلى في غير الوقت فصلاته باطلة. ومع التسليم فنخصصها برواية إسماعيل. ولا وجه لتضعيفها، بل هي قوية، لمكان ابن أبي عمير، واعتضادها بالعمل ونفي الحرج، مع أن الأمر يقتضي الإجزاء. والعمومات مع أنها قد انقطعت بما دل على جواز العمل بالظن فهي مخصصة بالرواية، وبقاء الأمر الأول بعد الثاني ممنوع. ودعوى الاستصحاب مع ظهور وحدة التكليف ممنوعة. ودعوى العرفية العامة في الأمرين بأن يقال: تجب الصلاة في الوقت مادام يمكن تحصيل العلم وإن كان بعد الفصل بالصلاة المذكورة، ممنوعة، بل غاية القضية


1. التهذيب 2: 254 ح 1005، الوسائل 3: 123 أبواب المواقيت ب 13 ح 7. 2. الكافي 3: 286 ح 11، الفقيه 1: 143 ح 666، التهذيب 2: 35 ح 110، وص 141 ح 550، الوسائل 3: 150 أبواب المواقيت ب 25 ح 1. 3. المسائل الرسية (رسائل لشريف المرتضى) 2: 250. 4. كابن أبي عقيل وابن الجنيد على ما نقل عنهما العلامة في المختلف 2: 49 واختاره هو أيضا. 5. الوسائل 3: 78 أبواب المواقيت ب 1.

[ 188 ]

هي المطلقة، وهي مقطوعة بالمطلقة الاخرى، وهو جواز فعلها بظن الوقت. وقد حققنا هذه القاعدة في القوانين المحكمة. وإذا ظن ضيق الوقت إلا عن العصر أو العشاء فصلاها ثم ظهر بقاء الوقت، فهل يعيد الثانية بعد الاولى في الوقت لو وسعهما، أو يكتفي بالاولى بعدها ؟ وهل يكتفي بالاولى إذا لم يسع الوقت إلا لها، أو يعيد الثانية ثم يقضي الاولى، أم يعدل بنيته إلى الاولى ثم يفعل الثانية ؟ فيها وجوه واحتمالات يظهر وجهها مما تقدم ومما يأتي. ولعل الأظهر الاكتفاء بها عن الثانية، لأن الأمر يقتضي الإجزاء، ويفعل الاولى أداءا إن كان في الوقت المشترك على المشهور، وقضاءا إن كان في المختص، والأحوط عدم نية القضاء والأداء، بل لو فعل أربعا من دون تعيين الظهر والعصر لكفى. السابع: من تمكن من تحصيل الشرائط المفقودة وركعة من الصلاة في آخر الوقت لزمه أداؤها، بمعنى أنه وقت له لا بمعنى أنه أداء في الوقت المعهود لمطلق تلك الصلاة، بل هو حكم منفرد مستفاد من النصوص الواردة في ذلك. فظهر بطلان الأقوال الثلاثة: بكونها أداءا، أو قضاءا، أو بعضها أداء وبعضها قضاء، كما لا يخفى. والأصل في المسألة الأخبار الكثيرة من الطرفين، مثل قوله صلى الله عليه وآله: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (1). وفي آخر: " من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت " (2). وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " فإن صلى ركعة من الغداة ثم


1. الذكرى: 122، الوسائل 3: 158 أبواب المواقيت ب 30 ح 4. 2. المدارك 3: 93، وورد مضمونه في الوسائل 3: 157 أبواب المواقيت ب 30.

[ 189 ]

طلعت الشمس فليتم الصلاة وقد جازت صلاته " (1) وتؤدي مؤداها رواية الأصبغ بن نباتة (2). والأظهر تحقق الركعة بالرفع عن السجدة الثانية، واحتمل في الذكرى الاجتزاء بالركوع (3)، وهو بعيد. وكيف كان فأصل المسألة إجماعي. ويترتب عليها أنه لو أدرك الشرائط المفقودة وخمس ركعات قبل الغروب لزمه الفرضان، وأفتى به الأصحاب (4). وكذلك لو أدرك ذلك قبل انتصاف الليل. وأما لو أدرك مقدار أربع قبل الانتصاف فقالوا: إنه يختص بالعشاء (5) وإن أمكن حينئذ إدراك ركعة من العشاء في الوقت، لعدم وقوع المغرب حينئذ في وقتها إلا على مذهب الصدوق (6). والتحقيق عندي: لزوم الفرضين حينئذ على المشهور أيضا، لأن غاية ما يستفاد من الأخبار ويدل على مذهب المشهور اختصاص الأول بالظهر بمقدار صلاة الظهر، وكذلك الآخر بالنسبة إلى العصر، وأما تعيين مقدار الأربع ركعات فكلا. وصلاة الظهر والعصر تختلفان باختلاف المكلفين السالمين والمعذورين، والحاضرين والمسافرين، والواجدين للماء وغيره من الشرائط والفاقدين، أتراك أن تقول إذا بقي للغروب مقدار أربع ركعات للمسافر فلا يصلي إلا العصر حينئذ ؟ ! فحينئذ نقول: إن صلاة المضطر هي ما يكون ركعة منها في الوقت المعهود


1. التهذيب 2: 38 ح 120، الوسائل 3: 157 أبواب المواقيت ب 30 ح 1. 2. التهذيب 2: 38 ح 119، الاستبصار 1: 275 ح 999، الوسائل 3: 158 أبواب المواقيت ب 30 ح 2. 3. الذكرى: 122. 4. جامع المقاصد 2: 31، المدارك 3: 94، الحقائق 6: 274. 5. المدارك 3: 94.. الفقيه 1: 139 ح 647.

[ 190 ]

ويستتبع الباقي في خارجه بدلالة تلك النصوص المتقدمة، ولا مخصص لعمومها. وأما رواية داود بن فرقد الناصة على اختصاص مقدار الأربع من الطرفين بالظهر والعصر (1)، فمع تسليمها وقطع النظر عن ورودها مورد الغالب، فلا تضرنا، إذ نحن نقول فيه بالاختصاص بالعصر. ومما يدل على ورودها مورد الغالب حكاية المسافر وعدم جواز اقتصاره على العصر حينئذ. مع أن صحيحة ابن سنان عن الصادق عليه السلام فيمن نام أو نسي أن يصلي المغرب والعشاء الآخرة واستيقظ قبل الفجر، قال: " فإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء " (2)، وكذلك رواية الحلبي (3) مع انضمامها إلى النصوص السابقة تفيد ذلك، فإن خوف الفوت فيما نحن فيه مع التنصيص بعدمه لمن أدرك ركعة منها كما ترى. وبعد ملاحظة ما سبق منا في معنى الأداء في صدر البحث مع التأمل فيما ذكرناه في ذيل التحقيق يعرف أنه لا محصل للنزاع في أن مقدار الثلاث ركعات للظهر في الاولى والاثنان للمغرب في الثانية هل هو مختص بالاوليين، أو الثانيتين وتزاحمهما الاوليان، ولا للثمرة التي ذكرها بعضهم من لزوم وجوب العشاءين لو بقي مقدار الأربع على الأول، والاكتفاء بالعشاء على الثاني (4). مع أن هذه الثمرة إنما يصح ترتبها إذا قيل بجواز الشروع في المغرب حينئذ، ومفروضهم عدم الجواز، فاضبط ما ذكرناه واغتنم. وأما لو أدرك شيئا من الصلاة في أول الوقت فلا يكفي، وانما يجب عليه


1. التهذيب 2: 25 ح 70، الاستبصار 1: 261 ح 936، الوسائل 3: 92 أبواب المواقيت ب 4 ح 7. 2. التهذيب 2: 270 ح 1076، الوسائل 3: 209 أبواب المواقيت ب 62 ذ. ح 4. 3. التهذيب 2: 269 ح 1074، الاستبصار 1: 287 ح 1052، الوسائل 3: 94 أبواب المواقيت ب 4 ح 18. 4. جامع المقاصد 2: 32.

[ 191 ]

القضاء لو أدرك مقدار ما يتم فيه الصلاة مع شرائطها المفقودة، للأصل، والأخبار المستفيضة المعتبرة فيهما (1). ولا تجري النصوص السابقة فيما نحن فيه، لإمكان استتباع تتمة الصلاة في آخر الوقت، بخلاف الأول، فإن عدم الحيض مثلا شرط للصلاة، سيما مع ورود النص بذلك أيضا فيما طرأ في الأثناء في الأخبار (2). وعن ظاهر المرتضى والصدوق وابن الجنيد كفاية إدراك أكثر الصلاة (3)، ولا يحضرني الآن ما يدل عليه. الثامن: من نسي الظهر أو المغرب واشتغل بالعصر أو العشاء، فإن ذكر وهو في الصلاة فيعدل بنيته، بمعنى أنه ينوي أن هذه الصلاة بأجمعها ما مضى منها وما بقي هي الصلاة السابقة. وهو المعروف من مذهب الأصحاب المدعى عليه الإجماع (4)، المنصوص عليه في الصحاح وغيرها (5). والمشهور أن ذلك يجوز ما لم تحصل زيادة ركن، فيجوز العدول من العشاء إلى المغرب ما لم يركع للرابعة. وعن المنتهى ما لم يزد واجبا (6)، والأول هو الموافق للأصل والإطلاقات. والظاهر أنه لا فرق في ذلك بين الحاضرة والفائتة، بل يجوز العدول من الحاضرة


1. الوسائل 2: 597 أبواب الحيض ب 48. 2. الكافي 3: 103 ح 5، التهذيب 1: 392 ح 1210، الاستبصار 1: 144 ح 495، الوسائل 2: 597 أبواب الحيض ب 48 ح 3. 3. جعل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 38، الفقيه 1: 52، ونقله عن ابن الجنيد في المختلف 3: 23. 4. المدارك 3: 115. 5. الوسائل 3: 211 أبواب المواقيت ب 63. 6. المنتهى 1: 422.

[ 192 ]

إلى الفائتة أيضا، ففي صحيحة زرارة ما يدل على العدول من المغرب إلى العصر لو ذكرها وهو فيها، وكذلك من الفجر إلى العشاء (1)، ويجئ تمام الكلام في موارد العدول. وأما لو ذكر بعد الفراغ فيكفي عن الأخيرة ويأتي بالاولى بعدها، كما في الأخبار، منها صحيحة زرارة: " وإن كنت صليت العشاء الآخرة ونسيت المغرب فقم فصل المغرب " (2). وصحيحة صفوان: وقد سأله عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس وقد كان صلى العصر، قال: " إن أمكنه أن يصليها قبل أن تفوت المغرب بدأ بها، وإلا صلى المغرب ثم صلاها " (3). ولكنهم ذكروا أن ذلك إذا وقعت الأخيرة في الوقت المشترك بناءا على ما اختاروا من اختصاص أول الوقت بالاولى، وأما على مذهب الصدوق فيكفي مطلقا. قلت: هذه الأخبار مطلقة، فتشمل الوقت المختص أيضا، إلا أن يقال: إن الظاهر منها الوقت المشترك، لكمال بعد فعل الثانية في أول الوقت نسيانا. والحق أن ذلك تعبد، لأجل هذه الأخبار، وإلا فلا دلالة لاشتراك الوقت بينهما - على ما هو مفاد أدلتهم - على كفايته في صورة النسيان، فإن تقديم إحداهما على الاخرى معتبر وملحوظ في تلك الأخبار، وهو من أحكام الوضع. وحينئذ نقول: موثقة أبي بصير (4) وما في معناها (5) الدالة على أنه لا صلاة لمن


1. الكافي 3: 291 ح 1، التهذيب 3: 158 ح 340، الوسائل 3: 211 أبواب المواقيت ب 63 ح 1. 2. تقدمت الاشارة إليها. 3. الكافي 3: 293 ح 6، التهذيب 2: 269 ح 1073، الوسائل 3: 210 أبواب المواقيت ب 62 ح 7. 4. التهذيب 2: 254 ح 1005، الوسائل 3: 123 أبواب المواقيت ب 13 ح 7. 5. الوسائل 3: 122 أبواب المواقيت ب 13.

[ 193 ]

لم يصل في الوقت، منضما إلى الأخبار الدالة على اعتبار تقديم الاولى على الثانية في جميع الوقت (1)، المقتضية للاختصاص في الطرفين، يقتضي وجوب الإعادة إذا تقدمت الأخيرة، خرجنا عن مقتضاها بتلك الأخبار فيما هو ظاهر فيها، وهو غير أول الوقت، وبقي الأول تحت المنع. ثم إن في صحيحة زرارة قال: " إن نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر، فإنما هي أربع مكان أربع " (2) وتؤدي مؤداها صحيحة الحلبي (3). ولا يبعد العمل عليها في خصوص الظهرين. وقد أولها الشيخ بما تذكرها قريبا من الفراغ (4). وعلى تقدير العمل فالظاهر عدم الفرق بين ما لو كان في الوقت المختص أو غيره. التاسع: إذا حصلت الآية في وقت فريضة حاضرة قدمت المضيقة إجماعا، وإن تضيقتا قدمت الحاضرة بلا خلاف، كما صرح به في الذكرى (5)، وتدل عليه الصحيحتان الآتيتان وغيرهما، وعموم ما دل على كونها أهم. ولو توسعتا فالمشهور التخيير، للأصل. وعن الصدوق تقديم الحاضرة وجوبا (6)، لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما


1. الوسائل 3: 92 أبواب المواقيت ب 4 ح 5، 20، 21. 2. تقدمت الاشارة إليها. 3. التهذيب 2: 269 ح 1074، الاستبصار 1: 287 ح 1052، الوسائل 3: 213 أبواب المواقيت ب 63 ح 4. 4. الخلاف 1: 386. 5. الذكرى: 246. 6. الفقيه 1: 347.

[ 194 ]

عليهما السلام: عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة، فقال: " ابدأ بالفريضة " (1). وحملت على الاستحباب جمعا بينها وبين صحيحة محمد بن مسلم ويزيد بن معاوية عنهما عليهما السلام، قالا: " إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلها ما لم تتخوف أن يذهب وقت الفريضة، فإن تخوفت فابدأ بالفريضة واقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف، فإذا فرغت من الفريضة فارجع إلى حيث كنت قطعت واحتسب بما مضى " (2). ثم إن وجوب القطع لا ريب فيه، للإجماع نقله في المدارك (3)، ولخصوص هذه الصحيحة وغيرها من الأخبار الصحيحة (4). وأما البناء على ما مضى فهو مذهب الأكثر، للأخبار الصحيحة (5). وعن المبسوط وجوب الاستئناف (6) واختاره في الذكرى تحصيلا لليقين (7)، والأقوى الأول. تنبيه: ولم يعلم ضيق الآية كأول الانكساف إذا لم يعلم من الخارج بالحال فعلى اعتبار سعة الانكساف للصلاة الأصل عدم الوجوب حتى يعلم ذلك، فيجوز تقديم الحاضرة الموسعة أيضا. وعلى عدمه - كما رجحنا سابقا - فيشكل الأمر، من جهة أصالة عدم وجوب


1. الكافي 3: 464 ح 5، الوسائل 5: 147 أبواب صلاة الكسوف ب 5 ح 1. 2. الفقيه 1: 364 ح 1530 الوسائل 5: 148 أبواب صلاة الكسوف ب 5 ح 4. 3. المدارك 4: 145. 4 و 5. الوسائل 5: أبواب الكسوف ب 5. 6. المبسوط 1: 172. 7. الذكرى: 247.

[ 195 ]

الفور، ومن جهة توقف براءة الذمة على البدار، والأحوط تقديمه على الحاضرة حينئذ مع توسعة وقتها. العاشر: المشهور تحريم النافلة في وقت الفريضة غير الرواتب، لعموم الروايات المستفيضة، مثل صحيحة زرارة المروية في الذكرى في مباحث الفوائت عن الباقر عليه السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة " (1) الحديث. وصحيحته الاخرى المروية في التهذيب، وفي آخرها: " ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة " (2). ورواية محمد بن مسلم (3)، ورواية أديم بن الحر عن الصادق عليه السلام: " لا يتنفل الرجل إذا دخل وقت الفريضة " قال، وقال: " إذا دخل وقت الفريضة فابدأ بها " (4) إلى غير ذلك من الروايات، خرج من عمومها النوافل الرواتب وبقي الباقي. والأولى حمل تلك الأخبار على الكراهة وتعميمها للرواتب كما يظهر من جماعة من المتأخرين (5) مع تخصيص الوقت بوقت الفضيلة. ويستفاد ذلك من ملاحظة مجموع الروايات مثل حسنة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إذا دخل وقت الفريضة أتنفل أو أبدأ بالفريضة ؟ فقال: " إن الفضل أن تبدأ بالفريضة، وإنما اخرت الظهر ذراعا من عند الزوال من


1. الذكرى: 134، الوسائل 3: 207 أبواب المواقيت ب 61 ح 6. 2. التهذيب 2: 172 ح 685، وص 266: 1059، وان ر الكافي 3: 292 ح 3، والاستبصار 1: 286 ح 3، والاستبصار 1: 286 ح 1046، الوسائل 3: 206 أبواب المواقيت ب 61 ح 3. 3. الكافي 3: 289 ح 5، الوسائل 3: 167 أبواب المواقيت ب 36 ح 2. 4. التهذيب 2: 167 ح 663، الوسائل 3: 165 گ بواب المواقيت ب 35 ح 6. 5. كالشهيد في الدروس 1: 142.

[ 196 ]

أجل صلاة الأوابين " (1). وصحيحة زرارة المتقدمة في وقت نافلة الفجر المشتملة على المقايسة (2) وما في معناها (3). وقد مرت الأخبار الدالة على وسعة وقت النافلة وأنها بمنزلة الهدية قبلت متى أتيت بها (4). وظهر من ملاحظة الأخبار المتقدمة في مباحث الأوقات أن تلك التحديدات للمتنفلين، مثل صحيحة زرارة قال، قال لي: " أتدري لم جعل الذراع والذراعان ؟ " قال، قلت: لم ؟ قال: " لمكان الفريضة، لك أن تتنفل من زوال الشمس إلى أن يبلغ الفئ ذراعا، فإذا بلغ الفئ ذراعا بدأت بالفريضة وتركت النافلة " (5). فبملاحظة تلك الروايات منضما إلى الأخبار المانعة تظهر كراهة الرواتب بعد خروج أوقاتها المحدودة أيضا. وتؤيده رواية منهال قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوقت الذي لا ينبغي لي إذا جاء الزوال، قال: " الذراع إلى مثله " (6). والظاهر أن المراد بالزوال نافلته. وموثقة سماعة عنه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يأتي المسجد وقد صلى أهله، أيبتدئ بالمكتوبة أو يتطوع ؟ فقال: " إن كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوع قبل الفريضة، وإن كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة،


1. الكافي 3: 5 289، الوسائل 3: 167 أبواب المواقيت ب 36 ح 2، 3. 2. التهذيب 2: 133 ح 513، الاستبصار 1: 283 ح 1031، الوسائل 3: 91 أبواب المواقيت ب 50 ح 3. 3. روض الجنان: 184، مستدرك الوسائل 3: 160 أبواب المواقيت ب 46 ح 3. 4. الوسائل 3: 168 أبواب المواقيت ب 37. 5. التهذيب 2: 245 ح 974، الاستبصار 1: 249 ح 893، علل الشرائع: 249 ح 2، الوسائل 3: 106 أبواب المواقيت ب 8 ح 20. 6. الكافي 3: 288 ح 2، الوسائل 3: 167 أبواب المواقيت ب 36 ح 4.

[ 197 ]

وهو حق الله، ثم ليتطوع بما شاء " (1). وفي تتمة هذه الرواية في الكافي وفي غيرها من الروايات الفرق بين الجماعة والمنفرد، وأن الأفضل للمنفرد تقديم الفريضة. ويظهر منها عدم كراهة المبادرة بالنافلة في وقت فضيلة الفريضة أيضا إذا كان منتظرا للجماعة (2). ويؤيد ما ذكرنا أيضا صحيحة زرارة المروية في الذكرى، فإن في آخرها في حكاية فعل رسول الله صلى الله عليه وآله من قضاء النافلة قبل قضاء فريضة الفجر حين نام عنها، فقد قال الباقر عليه السلام تعليما لزرارة في رد حكم ابن عتيبة وأصحابه حيث ردوا عليه ذلك وأخذوا عليه بالتناقض حيث روى ذلك بعد ما روى ما ذكرنا في أول الحديث، فقال: " يا زرارة، ألا أخبرتهم أنه قد فات الوقتان " (3). وبالجملة الحكم بالحرمة في غاية الإشكال إلا ما كان مفوتا للفريضة رأسا، فإن أردت حمل أخبار المنع على التحريم فلابد من إرادة ذلك. وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " لا قربة بالنوافل إذا أضرت بالفرائض " (4). وقال عليه السلام: " إذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها " (5). والكلام في جواز النافلة لمن كان عليه قضاء فريضة أيضا مثل ذلك وسيأتي.


1. الكافي 3: 288 ح 3، الفقيه 1: 257 ح 1165، التهذيب 2: 264 ح 1051، الوسائل 3: 164 أبواب المواقيت ب 35 ح 1. 2. الكافي 3: 289 ح 4، التهذيب 2: 264 ح 1052، الوسائل 3: 165 أبواب المواقيت ب 35 ح 2. 3. الذكرى: 134، الوسائل 3: 207 أبواب المواقيت ب 61 ح 6. 4. نهج البلاغة: 475 قصار الحكم رقم 39. 5. نهج البلاغة: 525 قصار الحكم رقم 279.

[ 198 ]

الحادي عشر: المشهور كراهة النافلة المبتدأة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند قيامها، وهو وصولها إلى دائرة نصف النهار أو ما قاربها، وبعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر. وعمم الشيخ الكراهة في النهار عند الطلوع والغروب، ولم يفرق بين ذات السبب وغيرها (1). وعن الخلاف: عدم الفرق بين الصلوات والبلاد فيما نهي لأجل الوقت، إلا يوم الجمعة، فيصلي النوافل عند قيامها فيها، وفرق فيما بعد صلاة الصبح والعصر بين ذات السبب وغيرها، فخص الكراهة بالثانية (2). وذهب السيد في المسائل الناصرية إلى عدم الجواز (3). ونسب إلى الصدوق التوقف في هذا الحكم (4). والظاهر أنه ليس كذلك، بل رجح عدم الكراهة، بل صرح في الخصال بذلك (5) كما يظهر من الوسائل (6)، وهو مختار جماعة (7)، وهو الأقوى عندي. والأخبار الواردة من الطرفين في المنع عن ذلك محمولة على التقية، كما حملها الشيخ أيضا (8)، فإن ذلك مذهب العامة. ويدل على ذلك ما رواه الصدوق في الفقية عن محمد بن عثمان العمري


1. النهاية: 62. 2. الخلاف 1: 520 مسألة 263. 3. المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 194 مسألة 77. 4. نسبه في المدارك 3: 108، وانظر الفقيه 1: 315. 5. الخصال: 71. 6. الوسائل 3: 172. 7. المدارك 3: 108 ه‍ 5، الذخيرة: 205، الحدائق الناضرة 6: 394. 8 الاستبصار 1: 291.

[ 199 ]

رضى الله عنه، وفى كتاب إكمال الدين في الصحيح عنه عن صاحب الدار عليه السلام: " وأما ما سألت عنه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فلئن كان كما يقول الناس: إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان وتغرب بين قرني الشيطان، فما أرغم أنف الشيطان بشئ أفضل من الصلاة، فصلها وأرغم أنف الشيطان " (1). وهناك أخبار كثيرة معتبرة مصرحة بجواز ما فات من الصلاة في كل ساعة، وفي الساعات كلها، منها صحيحة زرارة (2)، وفي بعضها خصوص النافلة (3)، وفي كثير منها التصريح بجواز قضاء النوافل بعد الظهر والعصر، وعند طلوع الشمس، وعند غروبها (4). وروى في الخصال عدة أخبار عن عائشة في أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك صلاة ركعتين بعد العصر حتى لقى الله عزوجل، وفي بعضها بعد الغداة وبعد العصر، وقال: مرادي من إيراد هذه الأخبار الرد على العامة، لأنهم لا يرون بعد العصر وبعد الغداة صلاة (5). ومستند المشهور في التفصيل حمل المطلقات على المقيدات، للجمع بينها وبين تلك الأخبار. وأما غيرها من ذوات الأسباب، فلعموم ما دل على رجحانها، فإن النسبة بينها وبين تلك الأخبار وإن كانت عموما من وجه، لكن الترجيح لإبقاء عموم ذوات


1. الفقيه 1: 315 ح 1431، إكمال الدين 2: 520 ح 49، وانظر التهذيب 2: 175 ح 697، والاستبصار 1: 291 ح 1067، والاحتجاج: 479، والوسائل 3: 172 أبواب المواقيت ب 38 ح 8. 2. الكافي 3: 288 ح 3، الفقيه 1: 278 ح 1265، الخصال: 247 ح 107، الوسائل 3: 174 أبواب المواقيت ب 39 ح 1. 3. الكافي 3: 454 ح 17، التهذيب 2: 272 ح 1083، الوسائل 3: 175 أبواب المواقيت ب 39 ح 3. 4. الوسائل 3: 174 أبواب المواقيت ب 39. 5. الخصال: 70.

[ 200 ]

الأسباب، لتطرق التخصيص إلى هذه الأخبار في الجملة، ولاعتضاد تلك العمومات بعموم رجحان مطلق الصلاة وغير ذلك. ويظهر جوابه مما مر، سيما وما رواه في الخصال يثبت المبتدأة أيضا. وكيف كان فالأظهر عدم الكراهة مطلقا، ويظهر دليل سائر الأقوال وجوابه من التأمل فيما ذكرنا.

[ 201 ]

المقصد الثاني في مكان المصلي وفيه مباحث: الأول: تجوز الصلاة في كل مكان مباح من مسجد، أو مملوكة عينه أو منفعته كالمستأجر والمحتبس والموصى بمنفعته ونحوها. ومأذون فيه صريحا، مثل " صل فيه ". أو فحوى، كإدخال الضيف في المنزل، أو بشاهد الحال بأن يحصل له العلم برضا المالك بسبب القرائن المفيدة له، كالصحراء الخالية من الزرع التي لا يتضرر صاحبها بذلك أصلا على ما يظهر من كثير من عباراتهم. فلا يكفي الظن " لا يحل مال امرئ مسلم إلا من طيب نفسه " كما روي عنه صلى الله عليه وآله في عدة أخبار، منها ما رواه في الكافي في الحسن لابراهيم بن هاشم (1). أقول: ولا يبعد الاكتفاء بالظن كما أشرنا إليه في ماء الوضوء.


(1) الكافي 7: 273 ح 12، وانظر عوالي اللائي 1: 22 ح 98، وج 2: 240 ح 6، والبحار 80: 279، 283، والوسائل 19: 3 أبواب القصاص في النفس ب 1 ح 3.

[ 202 ]

ولا تجب معرفة المالك وتعيينه، بل قيل: إنه لا يضر في ذلك كونه لمولى عليه أيضا (1)، تمسكا بأن التصرف الذي لا يحصل له ضرر أصلا يجوز للمولى، ومنه إذنه في الصلاة فيما نحن فيه، فشهادة الحال برضا الولي تكفي في ذلك، وإن كان هو الإمام. مع أنه لاتبعد دعوى أن في جميع الأراضي حق صلاة للمكلفين بمقتضى استصحاب الإباحة الأصلية التي لم يعلم زوالها في خصوص ذلك، وبمقتضى بعض الروايات التي يستفاد ذلك منها، ومن جملتها الأخبار المستفيضة الدالة على أن الأرض كلها جعلت مسجدا وطهورا لنبينا صلى الله عليه وآله وامته (2)، وسيجئ بعضها، خرج عنه ما خرج من المغصوب صريحا، وبقي الباقي. ولذلك ذهب بعض المتأخرين مع قوله بعدم اجتماع الأمر والنهي إلى صحة الصلاة في المكان المغصوب (3). ويمكن الإشكال في دلالة تلك الأخبار بأن الظاهر منها أنه لا يجب عليهم الصلاة في المساجد والمواضع الخاصة كما كان لسائر الامم. والمشهور بين الأصحاب بطلان الصلاة في المكان المغصوب، أعني الغير المأذون فيه بأحد الوجوه المتقدمة، وادعى عليه الإجماع السيد المرتضى في المسائل الناصرية وصاحب المدارك (4)، وهو الظاهر من العلامة حيث أسنده إلى علمائنا (5)، والشهيد حيث أسنده إلى الأصحاب (6). ويشكل ذلك مع فتوى الفضل بن شاذان من القدماء بالصحة (7)، ويظهر من


(1) الذكرى: 150. (2) انظر الوسائل 2: 969 أبواب التيمم ب 7، وج 3: 422 أبواب مكان المصلي ب 1. (3) انظر الحدائق الناضرة 7: 164. (4) المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 195 مسألة 81، المدارك 3: 317. (5) نهاية الاحكام 1: 340، المنتهى 1: 241. (6) الذكرى: 149. (7) نقله عنه في البحار 80: 279، ومفتاح الكرامة 1: 197.

[ 203 ]

كلامه أن ذلك كان مشهورا بين القدماء كما فهمه العلامة المجلسي أيضا (1). الظاهر أن مستندهم في الحكم هو استحالة اجتماع الأمر والنهي، وأن اتفاقهم على ذلك أيضا مستند إليها، ويشهد به اتفاقهم على الصحة إذا كان جاهلا بالغصب كما صرح في المدارك، معللا بأن البطلان تابع للنهي، وهو إنما يتوجه إلى العالم (2). وقد حققنا في الاصول عدم استحالته. وليس في الأخبار ما يدل عليه. وقول أمير المؤمنين عليه السلام لكميل: " يا كميل انظر فيما تصلي، وعلى ما تصلي، إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول " كما روي في تحف العقول وبشارة المصطفى صلى الله عليه وآله (3)، وكذلك قول الصادق عليه السلام: " لو أن الناس أخذوا ما أمرهم الله به فأنفقوه فيما نهاهم عنه ما قبله منهم، ولو أخذوا ما نهاهم عنه فأنفقوه فيما أمرهم الله ما قبله منهم حتى يأخذوه من حق وينفقوه في حق " (4) فتتوقف دلالته على اتحاد القبول والإجزاء، وهو ممنوع. وأما قوله عليه السلام في نهج البلاغة: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (5) فهو أيضا لا يدل على ذلك كما فهمه ابن ميثم وقال: وذلك كالتقرب في الوضوء بالماء المغصوب والصلاة في الدار المغصوبة، والنفي هنا لذات الطاعة الشرعية كما هو مذهب أهل البيت عليهم السلام، وعند الشافعي يحمل على نفي الفضيلة (6)، انتهى.


(1) البحار 80: 280. (2) المدارك 3: 219. (3) تحف العقول: 174، بشارة المصطفى: 28، الوسائل 3: 423 أبواب مكان المصلي ب 2 ح 2. (4) الكافي 4: 32 ح 4، الفقيه 2: 301 ح 121، الوسائل 3: 423 أبواب مكان المصلي ب 2 ح 1. (5) نهج البلاغة: 500 قصار الحكم رقم 165. (6) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 5: 335.

[ 204 ]

وذلك لان الظاهر منه أنه لا تجوز إطاعة المخلوق كالوالد في معصية الخالق كما في قوله تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) (1). وبالجملة أدلة المشهور لا تخلو من ضعف، بل ليس لهم دليل إلا شبهة الإجماع، فإن ثبت فهو، وإلا فالاقوى قول الفضل بن شاذان، للاصل، والإطلاقات، وقوله صلى الله عليه وآله في الأخبار الكثيرة: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " (2). وفي المحاسن عنه صلى الله عليه وآله: " الأرض كلها مسجد إلا الحمام " (3) وبعض تلك الأخبار صحيحة. وروى الشيخ في القوي، عن عبيد بن زرارة، عن الصادق عليه السلام: " الأرض كلها مسجد إلا بئر غائط أو مقبرة أو حمام " (4). وفي المعتبر عنه صلى الله عليه وآله: " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا، أينما أدركتني الصلاة صليت " (5). ولاوجه لتوهم اختصاصه به صلى الله عليه وآله، لما يظهر من رواية أبان بن عثمان المروية في الكافي (6). ومع ملاحظة ذلك مضافا إلى أن القضاء بفرض جديد يشكل الحكم بوجوب الإعادة والقضاء فيما لو صلى في المغصوب، سيما في كثير من الفروع التي تشكل دعوى الإجماع فيها، وسيجئ بعضها، ولكن الاحتياط مما لا ينبغي تركه. وإذا عرفت أن المعيار في الحكم هو اجتماع الأمر والنهي فيتفرع عليه أن المعتبر


(1) لقمان: 15. (2) انظر الوسائل 2: 969 أبواب التيمم ب 7، وج 3: 422 أبواب مكان المصلي ب 1، ومستدرك الوسائل 2: 528 أبواب التيمم ب 5، وج 3: 329 أبواب مكان المصلي ب 1. (المحاسن: 365 ح 110، الوسائل 3: 422 أبواب مكان المصلي ب 1 ح 3. (4) التهذيب 3: 259 ح 728، الاستبصار 1: 441 ح 1699، الوسائل 3: 423 أبواب مكان المصلي ب 1 ح 4. (5) المعتبر 2: 116، الوسائل 3: 423 أبواب مكان المصلي ب 1 ح 5 (6) الكافي 2: 14 ح 1، المحاسن: 287 ح 431، الوسائل 3: 422 أبواب مكان المصلي ب 1 ح 1.

[ 205 ]

هو المغصوبية بالنسبة إلى تصرف المصلي، أي المعيار حرمة تصرف المصلي، فتجوز الصلاة في الدار المغصوبة إذا شهد الحال برضا المالك بها، وإذا جهل المصلي بالغصب، وإذا نسيها. ولقد أفرط في القول من قال بعدم صحة صلاة المالك فيها أيضا لصدق عنوان الغصب (1)، وهو بظاهره لا يليق بأنظار العلماء. وأما مع جهل الحكم فالمشهور أنه غير معذور، وهو كذلك إذا علم إجمالا بالشريعة وأحكامها، وقصر في تحصيل تفاصيلها كما حققناه في محله. والظاهر أن صورة النسيان للغاصب أيضا كذلك إذا كان مستمرا على الغصب غير تائب عنه، لعدم استحالة مثل هذا التكليف بالمحال، لكونه هو الباعث عليه. ويظهر من جميع ما ذكرنا حكم المضطر، كالمحبوس في المغصوب، أو المجبور على الصلاة فيه، والظاهر عدم الإشكال في الثاني. وأما الأول فيمكن الإشكال في أن الكون المضطر إليه غير الأكوان الخاصة للصلاة، فيقتصر عليه ويومئ للركوع والسجود ونحوهما. ويمكن القول بشهادة الحال عن الله تعالى، إذ هو المجيز حينئذ في التصرف. والتحقيق أنه إن لم يتصور في تفاوت الأكوان الصلاتية - ومنها التيمم إذا احتاج إليه - ضرر على المالك فلا مانع منه. وتوضيحه: أن يفرض المالك مجيزا للكون في البيت اختيارا، فإن استلزمت إجازته تلك رضاه بالصلاة فتجوز، وإلا فلا. قالوا: وإذا ضاق الوقت وهو آخذ في الخروج صحت صلاته، لانهما حقان مضيقان، فيجب الجمع بينهما بحسب الإمكان، بأن يخرج بما يكون أقل ضررا فلا معصية عليه، للزوم التكليف بالمحال، فتصح صلاته (2).


(1) حكاه في البحار 80: 283. (2) المعتبر 2: 110، البيان: 129، جامع المقاصد 2: 117، المدارك 3: 219.

[ 206 ]

أقول: وهذا إنما يسلم إذا علم بالغصب حين التضيق، وأما قبله فلا، لعدم استحالة التكليف بالمحال حينئذ كما بينا. ولو دخل بإذن المالك، ثم أمره بالخروج، فيجب، ولا تجوز بعده الصلاة. فعلى المشهور تبطل لو صلى والحال هذه، وإن ضاق الوقت فيصلي وهو خارج سالكا ما يقل الإضرار. وإن تلبس بالصلاة ثم أمره بالخروج ففي قطعها مع السعة وخروجه متشاغلا مع الضيق عملا بمقتضى الحقين، والإتمام مع الاستقرار للاستصحاب وأن الصلاة على ما افتتحت عليه، والتفصيل بأن الإذن إن كان صريحا فيستمر، والعمل على الوجه الأول إن كان مطلقا أقوال، أظهرها أوسطها، وإن كان الأول أيضا لا يخلو من قوة. تنبيهان: الأول: لا يزول شاهد الحال بطرآن الغصب على الأرض كما مر في الماء كما صرح به السيد في الصحراء، للاستصحاب (1). والأولى تخصيص ذلك بغير الغاصب كما قيل (2)، عملا بالظاهر من ملاحظة غالب الأحوال. الثاني: إن حكم المشهور إذا كان مبتنيا على المسألة الاصولية، فالحكم يدور مع ما استلزمته الصلاة من التصرف، فالمراد بالمكان المغصوب ما يستقر عليه المصلي ولو بالوسائط، والفراغ الذي يشغله شئ من بدن المصلي. فلا مانع من وضع ثوب مغصوب بين مسجد الجبهة والركبتين حال السجود إذا لم يلاصقه بدن المصلي. فحرمة السقف والجدران فقط لا تضر. وفي السطح المباح القائم على الجدارين المغصوبين إشكال.


(1) نقله عنه في الذكرى: 150. (2) جامع المقاصد 2: 131.

[ 207 ]

الثاني: لا خلاف في وجوب طهارة محل الجبهة، وادعى عليه الإجماع جماعة من الأصحاب (1)، ومخالفة الراوندي وابن حمزة لو ثبتت في خصوص ما جففته الشمس (2) لا تضر، وتنبه عليه صحيحة الحسن بن محبوب المتقدمة في مطهرية النار (3). والأشهر الأقوى عدم اشتراط طهارة سائر المساجد والمواضع ما لم تكن متعدية، للاصل، والإطلاقات، والأخبار الصحيحة المستفيضة (4). وموثقة ابن بكير عن الصادق عليه السلام: عن الشاذكونه يصيبها الاحتلام، أيصلى عليها ؟ فقال: " لا " (5) مع معارضتها بصحيحة زرارة (6) وقوية ابن أبي عمير (7) في الشاذكونه بعينها لا تعارض ما تقدم، فتحمل على الاستحباب، أو على المتعدية، أو على موضع الجبهة. ويقربه كون الشاذكونه مثل الخمرة سجادة صغيرة من سعف النخل كما في المغرب، ولكن فيه أيضا: وفراش ينام عليه (8). وذهب السيد إلى اشتراط طهارة المكان كله (9)، وأبو الصلاح إلى اشتراط طهارة


(1) كالعلامة في المنتهى 1: 253، والمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 126، والمقدس الاردبيلي في مجمع الفائدة 2: 115. (2) نقله عنهما في المعتبر 1: 445، 446. (3) الفقيه 1: 175 ح 829، الوسائل 2: 1099 أبواب النجاسات ب 81 ح 1. (4) الوسائل 2: 1043 أبواب النجاسات ب 30. (5) التهذيب 2: 369 ح 1536، الاستبصار 1: 393 ح 1501، الوسائل 2: 1044 أبواب النجاسات 30 ح 6. (6) الفقيه 1: 158 ح 739، التهذيب 2: 369 ح 1537، الاستبصار 1: 393 ح 1499، الوسائل 2: 1044 أبواب النجاسات ب 30 ح 3. (7) التهذيب 2: 370 ح 1538، الاستبصار 1: 393 ح 1500، الوسائل 2: 1044 أبواب النجاسات ب 30 ح 4. (8) المغرب 2: 168 الخمرة: المسجدة، وهي حصير صغير قدر ما يسجد عليه، سميت بذلك لانها تستر الارض عن وجه المصلي. (9) نقله عنه في إيضاح الفوائد 1: 90.

[ 208 ]

المساجد السبعة (1)، ولم نقف لابي الصلاح على مستند. وربما يستدل (2) لقول السيد بما ورد من النهي في مظان النجاسة، كالمجزرة والحمام والمزبلة (3)، وربما يوجه ذلك بأنه إذا كان مع المظنة مكروها فمع اليقين يحرم، وهو كما ترى. والأظهر أن النجاسة المتعدية إذا كانت معفوة عنها في الثوب والبدن فلا تضر، لعدم زيادة حكمها على ما لو كانت على الثوب والبدن. ونقل فخر المحققين عن والده الإجماع على اشتراط خلو المكان عنها أيضا (4)، وهو بعيد. الثالث: تستحب للرجل الصلاة في المسجد مؤكدا، إلا ما استثني، كالعيدين في غير مكة كما مر، وهو إجماعي منصوص عليه بالاخبار المستفيضة المعتبرة (5). وتتأكد في المسجد الحرام، وهو أفضل من غيره، ثم مسجد النبي صلى الله عليه وآله، ثم مسجد الكوفة، ثم الأقصى، ثم الجامع من كل مصر، ثم مسجد القبيلة، ثم مسجد السوق. وقد تتفاوت المساجد غير الأربعة بفضائل اخرى، كمسجد السهلة. وغيرها. وهذا في الفريضة. وأما النافلة فالاكثرون على أن إيقاعها في البيت أفضل، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: " أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة " (6). وغيرها


(1) الكافي في الفقه: 140. (2) كما في الايضاح 1: 90. (3) سنن ابن ماجة 1: 246 ح 746. (4) إيضاح الفوائد 1: 90. (5) الوسائل 3: 477 أبواب أحكام المساجد ب 1، 2، وص 511 ب 33. (6) صحيح البخاري 1: 186، سنن أبي داود 2: 69 ح 1447، سنن النسائي 3: 198، مسند أحمد 5: 182، سنن البيهقي 2: 494.

[ 209 ]

من الأخبار المستفيضة المعتبرة (1). ويظهر من الفاضلين الإجماع على ذلك (2). وذهب الشهيد الثاني إلى الاستحباب (3) للاطلاقات والخصوصات الصحيحة وغيرها الواردة في ذلك أيضا، وهي أيضا كثيرة. منها ما ورد في فعل النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يفعل صلاة الليل في المسجد كما رواه معاوية بن وهب في الموثق (4)، وصحيحة ابن أبي عمير المجوزة لصلاة الفريضة والنافلة في مساجد المخالفين (5). ومنها ما روي في فضل مسجد الكوفة: " إن المكتوبة فيه تعدل ألف صلاة، والنافلة تعدل خمسمائة " (6) وفي اخرى: " الفريضة فيها تعدل حجة، والنافلة تعدل عمرة " (7) إلى غير ذلك (8). وربما يجمع بينها بحمل ما دل على رجحان فعلها في البيت على ما لو لم يأمن من نفسه عن الرياء والوسواس، وإلا فالمسجد أفضل، سيما إذا رجا اقتداء الناس به. وهو بعيد، بل يظهر من الأخبار المزية للفعل في البيت مع قطع النظر عن ذلك أيضا، ففي رواية حريز المروية في الكافي عن الصادق عليه السلام، قال: " اتخذ مسجدا في بيتك " (9) الحديث.


(1) الوسائل 3: 554 أبواب أحكام المساجد ب 69. (2) المعتبر 2: 112، المنتهى 1: 244. (3) نقله عنه في المدارك 4: 407. (4) التهذيب 2: 334 ح 1377، الوسائل 3: 195 أبواب المواقيت ب 53 ح 1. (5) الكافي 3: 370 ح 14، التهذيب 3: 258 ح 723، الوسائل 3: 501 أبواب أحكام المساجد ب 21 ح 1. (6) الكافي 3: 370 ح 14، التهذيب 3: 250 ح 688، الوسائل 3: 521 أبواب أحكام المساجد ب 44 ح 3. (7) الفقيه 1: 148 ح 683، الوسائل 3: 550 أبواب أحكام المساجد ب 64 ح 1. (8) الكافي 3: 491 ح 2، التهذيب 3: 251 ح 689، الوسائل 3: 528 أبواب أحكام المساجد ب 45 ح 1. (9) الكافي 3: 480 ح 2، التهذيب 3: 314 ح 973، الوسائل 3: 555 أبواب أحكام المساجد ب 69 ح 2.

[ 210 ]

وفي أخبار عديدة في المحاسن وقرب الإسناد منها الصحيح ومنها الموثق " إن عليا عليه السلام كان يتخذ بيتا لصلاته في الليل (1). وفي مجالس ابن الشيخ بإسناده، عن أبي ذر، عنه صلى الله عليه وآله: في وصيته له، قال بعد ما ذكر فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله: " وأفضل من هذا كله صلاة يصليها الرجل في بيته حيث لا يراه إلا الله عز وجل " إلى أن قال: " يا أبا ذر، إن الصلاة النافلة تفضل في السر على الصلاة في العلانية كفضل الفريضة على النافلة " (2) الحديث، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدالة على فضيلة الإسرار بالنافلة (3). وبالجملة فدلالة هذه الأخبار على المطلوب أظهر، والرواية المروية عنه صلى الله عليه وآله غير واضحة السند، وموثقة معاوية بن وهب أيضا ممنوعة الدلالة، فإن الظاهر أن المراد من المسجد فيها هو مصلاه صلى الله عليه وآله في البيت بقرينة آخر الرواية: " ثم يستن ويتطهر ويقوم إلى المسجد فيوتر ويصلي الركعتين، ثم يخرج إلى الصلاة ". وأما صحيحة ابن أبي عمير فهي لرفع توهم الحظر، فلا تفيد إلا الجواز. وأما ما ورد في مسجد الكوفة فهو مخصوص بمورده، أو يكون المراد منها النوافل الموظفة لها، فإنها ليست من محل النزاع في شئ، وكذا ما وظف لسائر المساجد من النوافل، وكذلك صلاة التحية لجميعها. وأما المرأة، فصلاتها في البيت أفضل على ما هو المعروف من الأصحاب، المصرح به في الأخبار، منها حسنة هشام بن سالم: " صلاة المرأة في مخدعها أفضل


(1) المحاسن: 612 ح 29، 30، قرب الاسناد: 75، وانظر الوسائل 3: 555 أبواب أحكام المساجد ب 69 ح 3، 4، 5. (2) أمالي الطوسي 2: 141، الوسائل 3: 555 أبواب أحكام المساجد ب 69 ح 7. (3) الوسائل 3: 554 أبواب أحكام المساجد ب 69.

[ 211 ]

من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في الدار " (1). وفي أخبار عديدة: " خير مساجد نسائكم البيوت " (2). وفي مكارم الأخلاق عنه صلى الله عليه وآله: " صلاة المرأة وحدها في بيتها كصلاتها في الجمع خمسا وعشرين درجة " (3). الرابع: أجمع العلماء على استحباب السترة، والظاهر أن السر في استحبابها هو دفع مضرة المارة، فإنه أيضا مستحب للاخبار الكثيرة، مثل حسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل أيقطع صلاته مما يمر بين يديه ؟ فقال: " لا يقطع صلاة المسلم شئ، ولكن ادرأ ما استطعت " (4) وفي معناها موثقة ابن أبي يعفور (5). وموثقة أبي بصير عنه عليه السلام: " لا يقطع الصلاة شئ كلب ولا حمار ولا امرأة، ولكن استتروا بشئ، فإن كان بين يديك قدر ذراع رافع من الأرض فقد استترت " (6). وصحيحة أبي بصير عنه عليه السلام، قال: " كان طول رحل رسول الله صلى الله عليه وآله ذراعا، وكان إذا صلى وضعه بين يديه يستتر به ممن يمر بين يديه " (7) إلى


(1) الفقيه 1: 259 ح 1178، الوسائل 3: 510 أبواب أحكام المساجد ب 30 ح 1. (2) الفقيه 1: 154 ح 719، التهذيب 1: 252 ح 694، الوسائل 3: 510 أبواب أحكام المساجد ب 30 ح 2، 4. (3) مكارم الاخلاق: 233، الوسائل 3: 510 أبواب أحكام المساجد ب 30 ح 5. (4) الكافي 3: 365 ح 10، التهذيب 2: 323 ح 1322، الاستبصار 1: 406 ح 1553، الوسائل 3: 435 أبواب مكان المصلي ب 11 ح 8. (5) الكافي 3: 297 ح 3، التهذيب 2: 322 ح 1318، الوسائل 3: 435 أبواب مكان المصلي ب 11 ح 9. (6) الكافي 3: 297 ح 3، التهذيب 2: 323 ح 1319، الاستبصار 1: 406 ح 1551، الوسائل 3: 435 أبواب مكان المصلى ب 11 ح 10. (7) الكافي 3: 296 ح 2، التهذيب 2: 322 ح 1317، الاستبصار 1: 406 ح 1549، الوسائل 3: 437 أبواب مكان المصلي ب 12 ح 2.

[ 212 ]

غير ذلك من الأخبار (1). والظاهر أن المراد من دفع مضرة المارة والاستتار من المارة هو ما يعم دفع ضررها بتوجه الخاطر إليها، وتشويش الحواس بسببها، ومانعيتها عن أفعال الصلاة، وغير ذلك. فالمطلوب أولا وبالذات هو منعها من المرور مع الإمكان، ثم تقليل أذيتها ولو بجعل شئ بينه وبينها، وسواء منعها عن الأذية ولو بسبب الالتفات بأن يكون حاجزا رأسا، أو لا، فيكون مثل العصا والعنزة والقلنسوة والخط تصويرا للحاجز حسب ما أمكن تأديبا للنفس، وتذكيرا وتوجيها لها إلى مكان معين، حتى لا تتفرق. وكأن ذلك تحديدا للنفس حتى لا يمر عليها شئ من الخواطر، فكما يستحب هذا التحديد لئلا تمر المارة الظاهرية تجاه وجهه الظاهري، فكذا يكون تنبيها على أنه لابد أن لا يمر على خاطره شئ من الخواطر، فالمطلوب التحرز عن آفة المارة الظاهرية والباطنية ولو بمثل الخط ونحوه. وعلى هذا فالحكمة في السترة باقية ولو أمن هناك من ورود مارة، ولذلك عم استحبابها. ولذلك يكره المرور بين يدي المصلي أيضا، سواء كان له سترة أم لا، وحرمه بعض العامة (2) لرواية أبي جهم الأنصاري: " لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه " (3). ثم إن الظاهر من هذه الأخبار استحباب التحرز عن آفة المارة، وقد يفهم منها التسلط على الدفع بمعنى أنه لو قام المصلي في أرض مباحة الأصل يحصل له


(1) الوسائل 3: 436 أبواب مكان المصلي ب 12. (2) المغني لابن قدامة 2: 75، نيل الاوطار 3: 9. (3) صحيح البخاري 1: 99، سنن البهقي 2: 268.

[ 213 ]

الأولوية في ذلك المكان حتى يحصل له هذا التسلط، حتى أن بعض العامة جوز المدافعة والمقاتلة في المنع (1). وفرع على ذلك الإشكال في أن جواز الدفع وكراهة المرور بين يديه هل هو مختص بمن استتر لانه لم يقصر في حق نفسه ولم يضيعه حيث جعل لنفسه ما يحصل له الحق، بخلاف من لم يجعل لنفسه ذلك، فإنه قد ضيع حق نفسه، فإن في بعض الأخبار أنه لا تضر المارة بعد وضع السترة، مثل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام: عن الرجل يصلي وأمامه حمار واقف، قال: " يضع بين يديه وبينه قصبة أو عودا أو شيئا يقيمه بينهما ثم يصلي فلا بأس " (2)، أو مطلق، نظرا إلى إطلاق حسنة الحلبي (3) وغيرها من الأخبار (4) ؟ قال في الذكرى: ويمكن أن يقال بحمل المطلق على المقيد، يعني أن تجويز الدفع إنما هو للمستتر (5). أقول: وهو بعيد، إذ ظاهر الأوامر في هذه الأخبار رجحان المنع والتحرز عن مضرتها، وهو تابع لما ثبت جوازه، لا أن تلك الأخبار مثبتة للتسلط ومجوزة للتصرف الموصوف، فيكون معناه: اختر مكانا للصلاة لا تتضرر فيه من المارة. ويؤيده ذكر الكلب والحمار وغيرهما، فإنه لا معنى لدفعهما بسبب الأولوية والأحقية، بل المراد فعل ما يدفع به الضرر، فإبقاؤها على إطلاقها أحسن، فإنك قد عرفت من ملاحظة الأخبار أن السترة أخفى أفراد الدرء والمنع، لا أنه شئ مغاير لها ومباين لها.


(1) كما في نيل الاوطار 3: 7. (2) الفقيه 1: 164 ح 775، قرب الاسناد: 87، الوسائل 3: 433 أبواب مكان المصلي ب 11 ح 1، 2. (3) المتقدمة آنفا. (4) انظر الوسائل 3: 435 أبواب مكان المصلي ب 11 ح 8، 9. (5) الذكرى: 154.

[ 214 ]

ويستحب الدنو من السترة للخبر النبوي صلى الله عليه وآله (1)، وقدره ابن الجنيد بمربض شاة (2)، لخبر سهل الساعدي (3)، وفي صحيحة عبد الله بن سنان في الفقيه حدد أقله بمربض شاة، وأكثره بمربط فرس (4). وتتحقق السترة بالقرب من الحائط والسارية، وبالعنزة، والرحل، والقلنسوة، والكومة من التراب، وبخط يخطه بين يديه، كما ورد في الأخبار (5). والظاهر أن الخط يخط عرضا، وقال بعض العامة: طولا أو مدورا أو كالهلال (6). ولا بأس بترك السترة في مكة كما يستفاد من حسنة معاوية بن عمار (7) وغيرها (8)، لازدحام الناس فيها، وإن كان ذلك لا ينافي استحبابها. الخامس: المشهور بين المتأخرين أنه يكره لكل من الرجل والمرأة أن يصلي بحذاء الآخر، سواء صلت بصلاته أم لا، أو تصلي المرأة قدام الرجل. وذهب الشيخان (9) وجماعة إلى التحريم والبطلان (10)، وادعى في الخلاف عليه


(1) كنز العمال 7: 346 ح 19202، 19210، 19211. (2) نقله عنه في الذكرى: 153. (3) الذكرى: 153، البحار 83: 301، مستدرك الوسائل 3: 336 أبواب مكان المصلي ب 8 ح 7، صحيح مسلم 4: 225. (4) الفقيه 1: 253 ح 1145، الوسائل 3: 437 أبواب مكان المصلي ب 12 ح 6. (5) الوسائل 3: 436 أبواب مكان المصلي ب 12. (6) انظر المغني لابن قدامة 2: 7. (7) الكافي 4: 526 ح 7، التهذيب 5: 451 ح 1574، المحاسن: 337 ح 117، الوسائل 3: 435 أبواب مكان المصلي ب 11 ح 7. (8) سنن أبى داود 2: 211 ح 2016، مسند أحمد 6: 399. (9) المقنعة 152، النهاية: 100. (10) كأبي الصلاح في الكافي: 120، وابن حمزة في الوسيلة: 89، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 496.

[ 215 ]

الإجماع (1)، واعتبر الجعفي في صحة صلاة من بحياله امرأة تصلي قدر عظم الذراع (2). والأول أقرب، حملا للنهي الوارد في بعض الأخبار (3) على الكراهة، جمعا بينها وبين الأخبار الصحيحة وغيرها المنافية لها، المصرحة بعضها بنفي البأس مطلقا كصحيحة جميل (4)، وبعضها مقيدا بفصل لا يرضى به المحرمون (5)، لكونها أصح وأكثر، ومعتضدة بالاصل والإطلاقات والعمومات ونفي العسر والحرج، وإشارة بعض الأخبار إليه مثل أدائها بلفظ " لا ينبغي " (6). ومثل ما رواه في العلل في الصحيح، عن الفضيل عن الباقر عليه السلام، قال: " إنما سميت مكة بكة لانها تبك " (7) فيها الرجال والنساء، والمرأة تصلي بين يديك وعن يمينك وعن يسارك ومعك، ولا بأس بذلك، وإنما يكره في سائر البلدان " (8) وغير ذلك مع اختلافها غاية الاختلاف في تحديد الحاجز بينهما الرافع للمرجوحية المشعر بالكراهة، المحمول على مراتبها. واحتج المحرمون بموثقة عمار عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلي وبين يديه امرأة تصلي ؟ قال: " لا يصلي حتى يجعل بينها وبينها أكثر من عشرة أذرع، وإن كانت عن يمينه وعن يساره جعل بينه وبينها مثل ذلك، فإن كانت تصلي خلفه فلا بأس وإن كانت تصيب


(1) الخلاف 1: 424. (2) نقله عنه في الذكرى: 153. (3) الوسائل 3: 427 أبواب مكان المصلي ب 5. (4) الفقيه 1: 159 ح 749، الوسائل 3: 426 أبواب مكان المصلي ب 4 ح 4. (5) الوسائل 3: 427 أبواب مكان المصلي ب 5. (6) الكافي 3: 298 ح 4، التهذيب 2: 230 ح 905، الوسائل 3: 427 أبواب مكان المصلي ب 5 ح 1. (7) في " ص " والوسائل: يبتك. وفي النهاية لابن الاثير 1: 150 بك: ازدحم، ويبك: يزحم ويدفع. (8) علل الشرائع: 397 ح 4، الوسائل 3: 429 أبواب مكان المصلي ب 5 ح 10.

[ 216 ]

ثوبه " (1) وصحيحة محمد بن مسلم الآتية، وصحيحة علي بن جعفر (2). والجواب فيها: عدم وضوح دلالة الأخيرة، وحمل الأوليين على الكراهة، سيما وصحيحة محمد بن مسلم تعطي عدم جواز صلاة المزاملين في المحمل وإن كان بينهما ساتر، فلابد من تقييدها بغيره، وذلك أيضا مما يوهنها. مع أن موثقة عمار لم يعمل بها المحرمون في تحديد الفصل، فإنهم اكتفوا بالعشرة. وقد يتوهم أنه لا معارض للموثقة وما في معناها في صورة التقدم، فليعمل على المنع فيها. وفيه: أنه لا قائل بالفصل، وقد مرت صحيحة الفضيل. وتدل عليه أيضا صحيحة ابن أبي يعفور: اصلي والمرأة إلى جنبي وهي تصلي ؟ فقال: " لا، إلا أن تتقدم هي أو أنت " (3) فإن الظاهر أن المراد التقدم بالنفس لا بالصلاة، وفيه تأمل. ومما يؤيد ما ذكرنا اختلاف الأخبار الواردة في حد التقدم والتأخر، ففي بعضها بشبر، وفي بعضها بصدر المصلي، وفي بعضها بجعل سجودها مع ركوعه، إلى غير ذلك (4). ثم إن المرجوحية تزول بالحائل والفصل بمقدار عشرة أذرع، وادعى عليه الإجماع في المعتبر (5)، ويدل عليه الأصل في الحائل أيضا، ولكن يشكل أمر المحرمين نظرا إلى الموثقة (6).


(1) التهذيب 2: 231 ح 911، الاستبصار 1: 399 ح 1526، الوسائل 3: 430 أبواب مكان المصلي ب 7 ح 1. (2) التهذيب 2: 232 ح 913، وص 379 ح 1583، الوسائل 3: 432 أبواب مكان المصلي ب 9 ح 1. (3) التهذيب 2: 231 ح 909، الوسائل 3: 428 أبواب مكان المصلي ب 5 ح 5. (4) انظر الوسائل 3: 427 أبواب مكان المصلي ب 5، 6. (5) المعتبر 2: 111. (6) وهي موثقة عمار المتقدمة.

[ 217 ]

نعم روى الحميري في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي الضحى وأمامه امرأة تصلي بينهما عشرة أذرع، قال: " لا بأس، ليمض في صلاته " (1). والأحوط في التقدير إذا تقدمت ابتداؤه من موضع السجود، وإن احتمل اعتباره من الموقف. وأما إذا كانت إلى جانبه فلا يتفاوت الأمر. قال في المدارك: ولو كان أحدهما على مرتفع بحيث لا يبلغ من موقف الآخر إلى أساس ذلك المرتفع عشرة أذرع، ولو قدر إلى موقفه إما مع الحائط مثلا أو ضلع المثلث الخارج من موقفه إلى موقف الآخر بلغه ففي اعتبار أيها نظر، ويحتمل قويا سقوط المنع مع عدم التساوي في الموقف (2)، انتهى. والأظهر ما قواه، لعدم تبادره من الأخبار، والأصل يعضده. والظاهر الاكتفاء بتقدم الرجل بمقدار شبر في رفع المرجوحية، وادعى العلامة الإجماع عليه (3)، وهو مقتضى بعض الأخبار (4)، ومطابق للاصل والإطلاقات المقتضية للتقدم. والأفضل تقدمه بجميع بدنه، ثم بأقل منه متنزلا إلى أن يبلغ الشبر. وظاهر الحائل أن يكون جسما، فلا تعتبر الظلمة والعمى وتغميض العين. وفي اعتبار المنع عن الرؤية وعدمه وجهان، لظهور الاعتبار بما ورد بلفظ الستر مثل ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر (5)، وعدمه من صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل في مسجد حيطانه كوى كله قبلته


(1) قرب الاسناد: 94، الوسائل 3: 431 أبواب مكان المصلي ب 7 ح 2. (2) المدارك 3: 224. (3) المنتهى 1: 243. (4) الكافي 3: 298 ح 4، التهذيب 2: ح 905، الوسائل 3: 427 أبواب مكان المصلي ب 5 ح 1. (5) مستطرفات السرائر 3: 555، الوسائل 3: 431 أبواب مكان المصلي ب 8 ح 3.

[ 218 ]

وجانباه وامرأته تصلي حياله يراها ولا تراه، قال: " لا بأس " (1) وهو أيضا قرينة على الكراهة. ثم إن الحكم بفساد الصلاة بل وحرمتها إنما يتم إذا لم يعلم فساد أحدهما، فإذا علم به فتصح صلاة الآخر إذا علم به قبل الشروع، إذ الفاسدة كالعدم، وإلا فهو عاص بظنه غير ممتثل لربه - كمن جامع امرأة بمظنة الأجنبية - فيبطل. ولو لم يعلم أحدهما بالاخر صحت صلاتهما إن علما بعد الفراغ، ويستمران على الأقوى لو علما في الأثناء. وكذلك الحكم بالنسبة إلى أحدهما لو جهل أولا. ثم إن شرع أحدهما قبل الآخر فاللاحقة باطلة خاصة، وإن اقترنتا بطلتا لعدم المرجح، هذا كله مع الاختيار. أما مع الاضطرار فلا تحريم ولا كراهة كذا ذكروه (2). ويشكل ذلك بأنه يتم إن لم يكن ذلك من الأحكام الوضعية، ولكن الظاهر أن الحكم طلبي. مع أن الأصل عدم الاشتراط حيث حصل الشك في الشرطية. ولو حصلا في موضع لا يتمكنان من التباعد، فإن ضاق الوقت يصليان معا، لبقاء التكليف جزما، واستحالة التكليف بما لا يطاق، وإلا فيصلي الرجل أولا، لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن المرأة تزامل الرجل في المحمل يصليان جميعا ؟ فقال: " لا، ولكن يصلي الرجل، فإذا فرغ صلت المرأة " (3). والظاهر استحباب ترخيص المرأة له وإن كان ملكا لها، ولا يجب عليها التأخر.


(1) التهذيب 2: 373 ح 1553، مسائل علي بن جعفر: 140 ح 159، الوسائل 3: 431 أبواب مكان المصلي ب 8 ح 1، وكوى: جمع كوة بالضم، وهي الثقبة في الحائط. انظر المصباح المنير: 545. (2) إيضاح الفوائد 1: 89، الحدائق 7: 191. (3) الكافي 3: 298 ح 4، التهذيب 2: 231 ح 907، الاستبصار 1: 399 ح 1522، الوسائل 3: 427 أبواب مكان المصلي ب 5 ح 2.

[ 219 ]

ويشكل في المباح المشترك إذا لم ترض المرأة بالتقدم، فهل ذلك حق للرجل أو المراد استحباب العمل عليه ؟ الأظهر الثاني، للاصل. ويمكن العمل بالقرعة لو تشاحا. السادس: تكره الصلاة بين القبور كما هو مقتضى الجمع بين الأخبار المجوزة مثل صحيحة علي بن يقطين (1)، وصحيحة علي بن جعفر (2)، والأخبار المانعة مثل رواية عبد الله بن الفضل (3)، ورواية النوفلي (4)، ورواية يونس بن ظبيان (5). وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام في حديث، قال: سألته عن الرجل يصلي بين القبور، قال: " لا يجوز ذلك، إلا أن يجعل بينه وبين القبور إذا صلى عشرة أذرع من بين يديه، وعشرة أذرع من خلفه، وعشرة أذرع عن يمينه، وعشرة أذرع عن يساره " (6). ويتأكد إذا جعل القبر قدامه، وحرمه المفيد (7)، وقد يستدل له برواية معمر بن خلاد عن الرضا عليه السلام، قال: " لا بأس بالصلاة بين المقابر ما لم يتخذ القبر قبلة " (8). وهي مع سلامة سندها دلالتها ممنوعة.


(1) التهذيب 2: 374 ح 1555، الاستبصار 1: 397 ح 1515، الوسائل 3: 453 أبواب مكان المصلي ب 25 ح 4. (2) الفقيه 1: 158 ح 737، قرب الاسناد: 91، الوسائل 3: 453 أبواب مكان المصلي ب 25 ح 1. (3) الكافي 3: 390 ح 12، الفقيه 1: 156 ح 725، التهذيب 2: 219 ح 863، المحاسن: 366 ح 116، الوسائل 3: 454 أبواب مكان المصلي ب 25 ح 6. (4) المحاسن: 365 ح 110، الوسائل 3: 454 أبواب مكان المصلي ب 25 ح 7. (5) التهذيب 1: 461 ح 1504، وج 3: 301 ح 469، الاستبصار 1: 482 ح 1513، الوسائل 3: 454 أبواب مكان المصلي ب 25 ح 8. (6) الكافي 3: 390 ح 13، التهذيب 2: 227 ح 496، الاستبصار 1: 397 ح 1513، الوسائل 3: 453 أبواب مكان المصلي ب 25 ح 5. (8) التهذيب 2: 228 ح 897، الاستبصار 1: 397 ح 1514، الوسائل 3: 453 أبواب مكان المصلي ب 25 ح 3.

[ 220 ]

وفي إلحاق القبر والقبرين بالمقابر تردد، والأظهر العدم إلا في جانب القبلة، لما تشعر به رواية معمر، ويستشم من صحيحة الحميري الآتية. ثم إن الكراهة تزول بالفصل المذكور في الموثقة، وضم الأصحاب إليه الحائل، واكتفوا فيه ولو بمثل عنزة، ولا بأس بمتابعتهم، سيما والمتبادر من الأخبار المانعة هو ذلك. ويؤيده اعتبار ذلك في الفصل بين الرجل والمرأة. ولكن في التحديد بمثل العنزة تأمل، وفي رفع الكراهة بسترها بالفرش تأمل. ثم إن المفيد (1) عمم المنع عن الصلاة إلى القبور لقبور الأئمة عليهم السلام أيضا، وتدفعه الأخبار الكثيرة الواردة في زيارة الحسين عليه السلام وغيرها. ومنها صحيحة الحميري، قال: كتبت إلى الفقيه عليه السلام أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمة عليهم السلام، هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا ؟ وهل يجوز لمن صلى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ويقوم عند رأسه ورجليه ؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي ويجعله خلفه أم لا ؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت: " أما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة، بل يضع خده الأيمن على القبر، وأما الصلاة فإنها خلفه يجعله الإمام، ولا يجوز أن يصلي بين يديه، لان الإمام لا يتقدم، ويصلي عن يمينه وشماله " (3). وروى الطبرسي في الاحتجاج، عن الحميري، عن صاحب الزمان عليه السلام مثله، إلا أنه قال: " ولا يجوز أن يصلي بين يديه، ولا عن يمينه، ولا عن شماله لان الإمام لا يتقدم ولا يساوى " (3). قال في الوسائل: الظاهر تعدد الرواية والمروي عنه، والاولى محمولة على


(1) الممقنعة: 152. (2) التهذيب 2: 228 ح 898، الوسائل 3: 454 أبواب مكان المصلي ب 26 ح 1، 2. (3) الاحتجاج 2: 490.

[ 221 ]

الجواز، والثانية على الكراهة (1). أقول: والظاهر الاتحاد، لان محمد بن عبد الله الحميري كان كاتب صاحب الأمر عليه السلام، فالمراد بالفقيه هو عليه السلام، فالاحوط ترك التساوي. ويؤيده أنه أطبق بالسؤال عما في الحديث الأول، ويمكن أن يقال بسقوط كلمة " لا " عما قبل يصلي عن يمينه فيتطابقان. والأحوط عدم التقدم في غير الصلاة أيضا. وأما ما رواه الصدوق في العلل في الحسن لابراهيم بن هاشم، عن زرارة، عن الباقر عليه السلام قال، قلت له: الصلاة بين القبور، قال: " بين خللها، ولا تتخذوا شيئا منها قبلة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك وقال: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجدا، فإن الله لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (2). وروى في الفقيه كلامه صلى الله عليه وآله مرسلا، إلا أنه قال: " لعن اليهود لانهم اتخذوا " (3) الحديث، فنحملها على المنع من جعلها كالكعبة يصلى إليها من كل جانب. السابع: تكره الصلاة في مواضع، وورد في الأخبار المنع عن الصلاة في أكثرها حمله الأصحاب على الكراهة، ومنها ما قيل فيه بالتحريم أيضا. فمنها: جوف الكعبة، وحرمها بعضهم (4)، وكذلك سطحها، وسيأتي الكلام فيه (5). ومنها: جواد الطرق، بخلاف الظواهر التي بين الجواد، وقال المفيد


(1) الوسائل 3: 455 ذ. ح 1، 2. (2) علل الشرائع: 358 ح 1، الوسائل 3: 455 أبواب مكان المصلي ب 26 ح 5 بتفاوت يسير. (3) الفقيه 1: 114 ح 433، الوسائل 3: 455 أبواب مكان المصلي ب 26 ح 3. (4) كالشيخ في الخلاف 1: 439 مسألة 186، والقاضي في المهذب 1: 86. (5) ص 371.

[ 222 ]

بالتحريم (1)، كما تفيده ظواهر الأخبار الصحيحة وغيرها (2). وليس ما ينافيها من الأخبار ظاهرا إلا صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " لا بأس أن يصلى بين الظواهر، وهي الجواد جواد الطريق، ويكره أن يصلى في الجواد " (3) إلا أن عمل الأكثر يرجحها (4). وبعض الأخبار يدل على كراهة مطلق الطريق، وبعضها على كراهة ظهر الطريق أيضا (5). ومنها: مرابط الخيل والبغال، ومعاطن الإبل، بل مطلق مباركها، بل مرابض الغنم والبقر أيضا. وترتفع كراهتها أو تقل بالكنس والرش بالماء كمعاطن الإبل كما في الأخبار (6). ويظهر من صحيحة الحلبي جواز الصلاة في مرابض الغنم من دون كراهة (7)، وفي موثقة سماعة: " إن نضحته بالماء وقد كان يابسا فلا بأس " (8). وفي الذكرى عن أبي الصلاح أنها لا تحل في كل ذلك (9). ومنها: بيت فيه خمر أو مسكر، لموثقة عمار (10)، حملا لها على الكراهة، لعدم


(1) المقنعة: 151. (2) الوسائل 3: 444 أبواب مكان المصلي ب 19. (3) الكافي 3: 389 ح 10، التهذيب 2: 375 ح 1560، الوسائل 3: 444 أبواب مكان المصلي ب 19 ح 1. (4) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 85، والعلامة في التذكرة 2: 408، والمنتهى 1: 247، والارشاد 1: 248، والكركي في جامع المقاصد 2: 136، وصاحب المدارك 3: 233. (5) الوسائل 3: 444 أبواب مكان المصلي ب 19. (6) الوسائل 3: 442 أبواب مكان المصلي ب 17. (7) الكافي 3: 388 ح 5، الفقيه 1: 157 ح 729، التهذيب 2: ح 865، الوسائل 3: 443 أبواب مكان المصلي ب 17 ح 2. (8) التهذيب 2: 220 ح 867، الاستبصار 1: 395 ح 1506، الوسائل 3: 443 أبواب مكان المصلي ب 17 ح 4. (9) الكافي في الفقيه: 141، الذكري: 152. (10) الكافي 3: 392 ح 24، التهذيب 2: 377 ح 1568، الاستبصار 1: 189 ح 660، الوسائل 3: 449 أبواب مكان المصلي ب 21 ح 1.

[ 223 ]

مقاومتها للعمومات والأصل. وعن المقنع: لا يجوز أن يصلى في بيت فيه خمر محصور في آنية، قال: وروي أنه يجوز (1) ورواية الجواز وإن كانت مجهولة إلا أن العمل وما تقدم يرجحها. ومنها: ما في تجاهه نار، مضرمة كانت أو غير مضرمة، والمضرمة منها كالسراج أشد، والمرتفع منها آكد شدة، لموثقة عمار (2) المحمولة على الكراهة، جمعا بينها وبين صحيحة علي بن جعفر (3)، ورواية عمرو بن إبراهيم الهمداني (4). وحرمها أبو الصلاح لظاهر النهي (5). وروى في إكمال الدين في سند قوي، عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي فيما ورد عليه من محمد بن عثمان العمري، عن صاحب الزمان عليه السلام في جواب مسائله: " وأما ما سألت عنه من أمر المصلي والنار والصورة والسراج بين يديه، وأن الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك فإنه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الأصنام والنيران " (6). رواه الطبرسي في الاحتجاج عن أبي الحسين محمد بن جعفر، وزاد: " ولا يجوز ذلك لمن كان من أولاد عبدة الأوثان والنيران " (7). ومقتضى الرواية عدم الكراهة لبني هاشم. منها: ما يواجه تماثيل وصور، للاخبار المستفيضة (8)، وتخف أو تزول


(1) المقنع (الجوامع الفقهية): 7. (2) الكافي 3: 390 ح 15، الفقيه 1: 165 ح 776، التهذيب 2: 225 ح 888، الوسائل 3: 459 أبواب مكان المصلي ب 30 ح 2. (3) الكافي 3: 391 ح 16، الفقيه 1: 162 ح 763، الوسائل 3: 459 أبواب مكان المصلي ب 30 ح 1. (4) التهذيب 2: 226 ح 890، الوسائل 3: 459 أبواب مكان المصلي ب 30 ح 4. (5) الكافي في الفقه: 141. (6) إكمال الدين: 521 ح 49، الوسائل 3: 460 أبواب مكان المصلي ب 30 ح 5. (7) الاحتجاج 2: 480. (8) الوسائل 3: 461 أبواب مكان المصلي ب 32.

[ 224 ]

بالتغطية والتغيير. وفي أخبار كثيرة النهي عن الصلاة في بيت فيه تمثال. ويمكن تخصيصها بما يواجه القبلة كما يظهر من صحيحة محمد بن مسلم (1) وغيرها. وعن أبي الصلاح أنها لا تحل (2). وفي مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن الصادق عليه السلام: في التمثال يكون في البساط فتقع عينك عليه وأنت تصلي، قال: " إن كان بعين واحدة فلا بأس، وإن كان له عينان فلا " (3) وفي معناها غيرها من الأخبار (4). والأولى تغطيتها أيضا. ومنها: بيت فيه كلب أو إناء يبال فيه. ومنها: بيوت النار، وحرمها أبو الصلاح (5)، وخصصها في المدارك بما كان معدا لعبادتها (6)، وعممها العلامة لكلبيت معد للنار، لان في الصلاة فيها تشبيها بعبادتها (7)، ولا تحضرني الآن رواية تدل عليه. ومنها: ما واجهه مصحف مفتوح، لموثقة عمار (8)، وحرمها أبو الصلاح (9). ورواية علي بن جعفر في قرب الإسناد تعطي كراهة ما يشغله من خاتم منقوش


(1) الكافي 3: 391 ح 1، التهذيب 2: 226 ح 891، الاستبصار 1: 394 ح 1502، المحاسن: 617 ح 50، الوسائل 3: 461 أبواب مكان المصلي ب 32 ح 1. (2) الكافي في الفقه: 141. (3) الكافي 3: 392 ح 22، الوسائل 3: 462 أبواب مكان المصلي ب 32 ح 6. (4) الوسائل 3: 461 أبواب مكان المصلي ب 32. (5) الكافي في الفقه: 141. (6) المدارك 3: 232. (7) التذكرة 2: 407، المنتهى 1: 247. (8) الكافي 3: 390 ح 15، الفقيه 1: 165 ح 776، التهذيب 2: 225 ح 888، الوسائل 3: 456 أبواب مكان المصلي ب 27 ح 1. (9) الكافي في الفقه: 141.

[ 225 ]

أو كتاب أو نحو ذلك (1). ومنع أبو الصلاح عن الإنسان المواجه والباب المفتوح (2). ويمكن استفادة الحكم الأول مما ورد في اتخاذ السترة، وكذلك الثاني أيضا، فإنه شاغل له، وتكفي فتوى أبي الصلاح في الكراهة. ومنها: بيت فيه مجوسي، ولا بأس باليهودي، والنصراني، لرواية أبي أسامة (3). وكذلك بيوت المجوس، للاخبار الكثيرة المرخصة للصلاة فيها بعد الرش بالماء، المؤذنة بالكراهة من دون ذلك (4). وكذلك البيع والكنائس، ولعل العلة في الكراهة هي مظنة النجاسة، فإن الاستقراء يقتضي أن الرش بالماء مطهر للقذارة المكروهة والنجاسة الموهومة كما مر في محله، ومع ذلك فلا يبعد إلحاق بيت اليهودي والنصراني. وفي صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الصلاة على بواري اليهود والنصارى الذين يقعدون عليها في بيوتهم، أتصلح ؟ قال: " لا يصلى عليها " (5). ومنها: البيت المعد للبول والغائط، أو ما نز حائط قبلته من البالوعة، لرواية عبيد بن زرارة (6) في الأول، ورواية محمد بن أبي حمزة (7) ورواية ابن أبي نصر (8)


(1) قرب الاسناد: 89، الوسائل 3: 457 أبواب مكان المصلي ب 27 ح 2. (2) الكافي في الفقه: 141. (3) الكافي 3: 389 ح 6، الوسائل 3: 442 أبواب مكان المصلي ب 16 ح 1. (4) الوسائل 3: 439 أبواب مكان المصلي ب 14. (5) التهذيب 2: 373 ح 1551، الاستبصار 1: 193 ح 676، مسائل علي بن جعفر: 227 ح 520. (6) التهذيب 3: 259 ح 728، الاستبصار 1: 441 ح 1699، الوسائل 3: 461 أبواب مكان المصلي ب 31 ح 2. (7) الفقيه 1: 179 ح 847، الوسائل 3: 444 أبواب مكان المصلي ب 18 ح 1. (8) الكافي 3: 388 ح 4، التهذيب 2: 221 ح 871، الوسائل 3: 444 أبواب مكان المصلي ب 18 ح 2.

[ 226 ]

في الثاني. وفي رواية الفضيل: التنحي عن العذرة إذا كانت في جانب القبلة ما استطعت (1)، وحرمها أبو الصلاح (2). وكذا استقبال السلاح المشهور، لما رواه في الخصال عن علي عليه السلام: " ولا يصلين أحدكم وبين يديه سيف، فإن القبلة أمن " (3) وحرمه أبو الصلاح أيضا (4). وكذا يكره استقبال مطلق الحديد لما ورد في بعض الأخبار (5). ومنها: الحمامات، وحرمها أبو الصلاح أيضا (6)، والأصل فيه الأخبار، مثل رواية عبد الله بن الفضل: " عشرة مواضع لا يصلى فيها: الطين والماء والحمام " (7) الحديث. وحديث النوفلي عنه صلى الله عليه وآله: " الأرض كلها مسجد إلا الحمام والقبر " (8). وأما صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام: عن الصلاة في بيت الحمام، فقال: " إذا كان الموضع نظيفا فلا بأس " (9) وموثقة عمار (10)، بمعناها،


(1) الكافي 3: 391 ح 17، الوسائل 3: 460 أبواب مكان المصلي ب 31 ح 6. (2) الكافي في الفقه: 141. (3) الخصال: 616، الوسائل 3: 460 أبواب مكان المصلي ب 30 ح 6. (4) الكافي في الفقه: 141. (5) الوسائل 3: 458 أبواب مكان المصلي ب 30. (6) الكافي في الفقه: 141. (7) الكافي 3: 390 ح 110، الوسائل 3: 422 أبواب مكان المصلي ب 1 ح 3. (8) المحاسن: 365 ح 110، الوسائل 3: 422 أبواب مكان المصلي ب 1 ح 3. (9) الفقيه 1: 156 ح 727، الوسائل 3: 466 أبواب مكان المصلي ب 39 ح 1. (10) التهذيب 2: 374 ح 1554، الاستبصار 1: 395 ح 1505، الوسائل 3: 466 أبواب مكان المصلي ب 34 ح 4.

[ 227 ]

فحملها الشيخ على بيت المسلخ (1)، وكذلك الصدوق (2)، وقال في الاستبصار: أو على ضرب من الرخصة (3). والتحقيق: أن حمل النظيف على الطهارة الشرعية بمعنى اشتراط طهارة المكان غير واضح، لانه لا اختصاص بالحمام في المنع عن الصلاة في الموضع النجس، سيما إذا كان مسريا. مع أنه لا معنى للكراهة حينئذ، فلابد أن تحمل على الخلو من الشبهة وخوف الرشاش (4)، فلو فرض حصول اليقين بطهارة الموضع، ومنه ما لو قام على ساجة مطهرة ولو كان صحن الحمام نجسا أيضا فلا كراهة. وتختص الكراهة بما لو كان معرضا للرشاش أو مظنون النجاسة، ويكون الحكم الوارد في الحمام بالمنع مطلقا واردا مورد الغالب، هذا إذا كانت العلة في المنع عن الحمام هي احتمال النجاسة. وإن كانت هي كونه مأوى الشياطين كما ذكره الصدوق (5) أو غير ذلك، فلابد أن تحمل الروايتان على تقليل الكراهة، وهو أظهر بالنسبة إلى الإطلاقات والشهرة والعمل. ولذلك حملها الشيخ (6) والصدوق (7) على المسلخ مع بعد الحمل، لان المتبادر من الحمام هو البيت الحار.


(1) التهذيب 2: 374 ذ. ح 1554، الاستبصار 1: 395. (2) الفقيه 1: 156 ذ. ح 727. (3) الاستبصار 1: 395. (4) الرشاش ما يتناثر من الماء (المصباح المنير: 227). (5) الفقيه 1: 156 ذ. ح 1554، الاستبصار 1: 395. (7) الفقيه 1: 156 ذ. ح 727.

[ 228 ]

ومنها: بطون الأودية، لرواية أبي هاشم الجعفري (1)، وقد يعلل بكونها مظنة السيل، وكذلك كل ما ذكر في مرسلة عبد الله بن الفضل (2). ومنها: الطين، والماء، وقرى النمل، ومجرى الماء، والسبخ، والثلج. وعلل السبخ والثلج بعدم استقرار الجبهة. وفي رواية داود الصرمي: " إن أمكنك أن لا تسجد على الثلج فلا تسجد، وإن لم يمكنك فسوه " (3) والظاهر أن المراد الدق والتسوية للاستقرار والتمكن، لا للرخصة في السجود. وفي صحيحة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الصلاة في السبخة لم تكرهه ؟ قال: " لان الجبهة لا تقع مستوية " فقلت: إن كان فيها أرض مستوية ؟ فقال: " لا بأس " (4). ومنها: ما اشتملت عليه صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " الصلاة تكره في ثلاثة مواطن من الطريق: البيداء وهي ذات الجيش، وذات الصلاصل، وضجنان " (5) الحديث. والمراد بالطريق طريق مكة، وضجنان بالمعجمة والألف بين النونين جبل بناحية مكة.


(1) الكافي 3: 442 ح 5، الوسائل 3: 458 أبواب مكان المصلي ب 29 ح 1. (2) الكافي 3: 390 ح 12، الفقيه 1: 156 ح 725، الخصال: 434 ح 21، عبد الله بن الفضل، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (ع)، قال عشرة مواضع لا يصلي فيها: الطين، والماء والحمام، والقبور، ومسان الطريق، و قرى النمل، ومعاطن الابل، ومجرى الماء، والسبخ، والثلج. (3) الكافي 3: 390 ح 14، الوسائل 457 أبواب مكان المصلي ب 28 ح 3. (4) التهذيب 2: 221 ح 873، الوسائل 3: 448 أبواب مكان المصلي ب 20 ح 7. (5) الكافي 3: 389 ح 10، الوسائل 3: 451 أبواب مكان المصلي ب 23 ح 2، والبيداء اسم الارض ملساء بين مكة والمدينة، وهي إلى مكة أقرب. وذات الصلاصل: اسم لموضع مخصوص في طريق مكة. وضجنان: هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة (انظر معجم البلدان 1: 523، وج 3: 453، ومجمع البحرين 5: 407).

[ 229 ]

ومنها: وادي الشقرة لمرسلة ابن فضال (1)، وهي بضم الشين وسكون القاف بادية في المدينة خسف بأهلها. قال في الذكرى: وقيل: إنها والبيداء وضجنان وذات الصلاصل مواضع خسف (2)، قال في التذكرة: وكذا كل موضع خسف به (3)، انتهى. ويؤيده أن عليا عليه السلام ترك الصلاة في أرض بابل لذلك حتى عبر وصلى في الموضع المشهور بعد ما ردت له الشمس إلى وقت الفضيلة (4). الثامن: لا تجوز صلاة الفريضة راكبا وماشيا، سفرا وحضرا مع الاختيار، قال في المعتبر: إنه مذهب العلماء كافة (5)، وتدل عليه الأخبار المعتبرة (6). ويجوز مع الاضطرار من مرض أو خوف أو وحل أو مطر أو غيره، والظاهر أنه أيضا إجماعي، وتدل عليه الأخبار الصحيحة المستفيضة وغيرها (7). وقوله تعالى: (وإن خفتم فرجالا أو ركبانا) (8). وفي صحيحة الحميري: " يجوز ذلك مع الضرورة الشديدة " (9). والظاهر أن المعيار هو ما يلزم منه العسر الذي يصعب تحمله غالبا كما هو مقتضى إطلاق سائر الأخبار. ومقتضى إطلاق الأخبار وكلام الأصحاب تعميم الفريضة لغير اليومية، ففي


(1) الكافي 3: 390 ح 11، الوسائل 3: 452 أبواب مكان المصلي ب 24 ح 1. (2) الذكرى: 152. (3 و 4) التذكرة 2: 410. (5) المعتبر 2: 75. (6) الوسائل 3: 236 أبواب القبلة ب 14. (7) الوسائل 3: 244 أبواب القبلة ب 16. (8) البقرة: 239. (9) التهذيب 3: 231 ح 600، الوسائل 3: 237 أبواب القبلة 14 ح 5.

[ 230 ]

موثقة عبد الله بن سنان: " لا تصل شيئا من المفروض راكبا " (1) وتقرب منه روايته الاخرى، وفيها: " إلا من ضرورة " (2). وظاهرهم عدم الفرق بين المنذورة وغيرها. وقال في الذكرى: لا تصح الفريضة على الراحلة اختيارا إجماعا، لاختلال الاستقبال وإن كانت منذورة، سواء نذرها راكبا أو مستقرا على الأرض، لانها بالنذر اعطيت حكم الواجب (3). وربما يفرق بين الواجب بالاصل وبالنذر، عملا بالاصل، وتؤيده رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن رجل جعل لله عليه أن يصلي وكذا وكذا، هل يجزئه أن يصلي ذلك على دابته وهو مسافر ؟ قال: " نعم " (4) وهو قريب لو لم يثبت الإجماع على خلافه. والإشكال في خصوص ما نذره راكبا أظهر، بل الأظهر جوازه حينئذ، بل تعينه عملا بالنذر إذا كان المنذور الفعل المقيد لا نفس القيد كما أشرنا إليه سابقا. ويجب الاستقبال فيه مهما أمكن كما صرح به المحقق (5) ومن تأخر عنه (6)، للاية (7) والعمومات (7)، وخصوص صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق عليه السلام، قال: " لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل القبلة، وتجزئه فاتحة الكتاب، ويضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شئ،


(1) التهذيب 3: 231 ح 598، الوسائل 3: 238 أبواب القبلة 14 ح 7. (2) التهذيب 3: 308 ح 594، الوسائل 3: 237 أبواب القبلة ب 14 ح 6. (3) الذكرى: 157. (4) التهذيب 3: 231 ح 596، الوسائل 3: 238 أبواب القبلة ب 14 ح 6. (5) المعتبر 2: 75. (6) كالعلامة في المنتهى 1: 221، والشهيد في الذكرى: 168، وصاحب الرياض 3: 147. (7) البقرة: 150. (8) الوسائل 3: 236 أبواب القبلة ب 14.

[ 231 ]

ويومئ في النافلة إيماء " (1). وأما صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " الذي يخاف اللصوص والسبع يصلي صلاة المواقفة إيماءا على دابته " ثم قال: " ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يدور إلى القبلة، ولكن أينما دارت دابته، غير أنه يستقبل القبلة بأول تكبيرة " (2) فهي ظاهرة في حال التعذر أو التعسر. وكذلك الكلام في أفعال الصلاة يؤتى بها على حسب المقدور، فإنه لا يترك الميسور بالمعسور (3)، وما لا يدرك كله لا يترك كله (4)، وهو المستفاد من تتبع الأخبار، مثل صحيحة عبد الرحمن المتقدمة. ورواية محمد بن عذافر: في الصلاة في المحمل للغير المتمكن من الأرض: " هو بمنزلة السقيفة إن أمكنه قائما، وإلا قاعدا، وكل ما كان من ذلك فالله أولى بالعذر، يقول الله عزوجل: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) (5) " (6). ويؤيده ما سيجئ في صلاة العاجز عن القيام والركوع والسجود. فما ورد في الأخبار الكثيرة من الاكتفاء بالايماء (7) فهو محمول على حال العجز إلا عنه، بل هو ظاهر تلك الأخبار، بل صريح بعضها. ولو تمكن من الركوب والمشي في الفريضة ففي تقديم أيهما إشكال، والأقرب تقديم أكثرهما استيفاءا للافعال، وإن تساويا فالتخيير.


(1) التهذيب 3: 308 ح 952، الوسائل 3: 236 أبواب القبلة ب 14 ح 1. (2) الكافي 3: 459 ح 1 فيه ذيل الحديث، الفقيه 1: 295 ح 1348، التهذيب 3: 173 ح 383، الوسائل 5: 484 أبواب صلاة الخوف ب 3 ح 8. (3) عوالي اللالي 4: 58 ح 205. (4) عوالي اللالي 4: 58 ح 207. (5) القيامة: 14. (6) التهذيب 3: 232 ح 603، الوسائل 3: 237 أبواب القبلة ب 14 ح 2 بتفاوت. (7) انظر الوسائل 3: 236 أبواب القبلة ب 14.

[ 232 ]

ثم هل يعم النهي عن الصلاة راكبا ما لو فرض التمكن من جميع الأفعال حينئذ ؟ المشهور نعم، لاطلاقات الأخبار (1)، ولانصراف الأوامر الواردة بالصلاة إلى الأفراد الغالبة الشائعة من القرار على الأرض وما في معناه. وربما يستدل بقوله تعالى: (حافظوا على الصلوات) (2) فإن الدابة معرض التزلزل ونقصان الأفعال. وقيل بالصحة، لعدم انصراف أخبار المنع إلى ذلك، وصدق الامتثال (3). وتؤيده صحيحة علي بن جعفر: في الرف المعلق بين النخلتين: " إن كان مستويا يقدر على الصلاة عليه فلا بأس " (4) ولا يخلو من قوة. ومن أفراد ذلك السرير المعلق بين دابتين، وهما تمشيان. وأما الصلاة على الدابة المعقولة بحيث لا تتحرك فمنعه في الذكرى أيضا (5)، لانه ليس من القرار المعهود. والأظهر الصحة، سيما مع ظن استقراره إلى الإتمام، للاطلاقات، والتعليل المستفاد من صحيحة علي بن جعفر (6). وأما الصلاة في السفينة فتجوز مع عدم الاستطاعة للخروج بالاجماع والصحاح المستفيضة وغيرها (7). ويجب الاستقبال مطلقا إن أمكن، وإلا فبالتكبيرة وبما أمكن، ثم حيث توجهت، ويتحرى القبلة. وكذلك القيام والركوع والسجود، ومع العجز يومئ كما يستفاد من الأخبار (8).


(1) الوسائل 3: 236 أبواب القبلة ب 14. (2) البقرة: 238. (3) نهاية الاحكام 1: 404، المدارك 3: 143. (4) التهذيب 2: 373 ح 1553، قرب الاسناد: 86، الوسائل 3: 467 أبواب مكان المصلي ب 35 ح 1. (5) الذكرى: 167. (6) المتقدمة في ه‍ 4. (7) الوسائل 3: 233 أبواب القبلة ب 13. (8) الوسائل 3: 244 أبواب القبلة ب 16.

[ 233 ]

وأما مع الاستطاعة ففيه قولان، فعن الأكثر الجواز، لروايات، منها صحيحة جميل، إنه قال لابي عبد الله عليه السلام: تكون السفينة قريبة من الجد (1) فأخرج واصلي ؟ قال: " صل فيها، أما ترضى بصلاة نوح عليه السلام " (2). وعن أبي الصلاح (3) وابن إدريس (4) المنع، لحسنة حماد بن عيسى (5)، ورواية علي بن إبراهيم (6). والأقرب حملهما على صورة عدم التمكن من الاستقبال والقيام في السفينة كما هو ظاهر الروايتين، أو على الاستحباب. وأما النوافل فيجوز فعلها في السفينة، للاخبار (7)، وكذلك على الدابة وماشيا، في الضرورة والاختيار، بلا خلاف في السفر والحضر، إلا عن ابن أبي عقيل في الحضر (8). والأخبار الصحيحة وغيرها المستفيضة جدا ناطقة بذلك وبعضها مصرحة بحكم الحضر (9)، وإن كان الأفضل الاستقرار، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: " فإن صلاتك على الأرض أحب إلي " (10). ويستحب الاستقبال بتكبيرة الإحرام، لصحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة بالليل في السفر في المحمل، قال: " إذا


(1) الجد: شاطئ النهر (النهاية لابن الاثير 1: 245). (2) الفقيه 1: 291 ح 1323، الوسائل 3: 233 أبواب القبلة ب 13 ح 3. (3) الكافي في الفقه: 147. (4) السرائر 1: 336. (5) الكافي 3: 441 ح 1، التهذيب 3: 170 ح 374، الاستبصار 1: 454 ح 1761، الوسائل 3: 235 أبواب القبلة ب 13 ح 14. (6) التهذيب 3: 170 ح 375، الاستبصار 1: 455 ح 1762، الوسائل 3: 234 أبواب القبلة 13 ح 8. (7) الوسائل 3: 233 أبواب القبلة ب 13. (8) نقله عنه في الذكرى: 168. (9) الوسائل 3: 239 أبواب القبلة ب 15، 16. (10) التهذيب 3: 232 ح 605، الوسائل 3: 241 أبواب القبلة ب 15 ح 12.

[ 234 ]

كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثم كبر وصل حيث ذهب بك بعيرك " (1) الحديث. وأوجبه ابن إدريس، ونقله عن جماعة (2)، وتدفعه الإطلاقات الكثيرة، وخصوص موثقة الحلبي: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة النافلة على البعير والدابة فقال: " نعم، حيث ما كان متوجها " قلت: أستقبل القبلة إذا أردت التكبير ؟ قال: " لا، ولكن تكبر حيثما كنت متوجها، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وآله " (3). وفي الصحيح عن أبان بن عثمان، عن إبراهيم الكرخي، عنه عليه السلام قال، قلت له: إني أقدر على أن أتوجه إلى القبلة في المحمل، فقال: " ما هذا الضيق، أما لك برسول الله اسوة ؟ ! " (4). والأخبار الواردة في تفسير قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) (5) أنها في النافلة في السفر المذكورة في مجمع البيان (6) وتفسير العياشي (7) وغيرهما (8). ويجزئ الإيماء عن الركوع والسجود وإن أمكن له. ولكن سجوده أخفض من ركوعه كما نطقت به صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (9) المتقدمة وغيرها من الأخبار الكثيرة.


(1) التهذيب 3: 233 ح 606، الوسائل 3: 241 أبواب القبلة ب 15 ح 13. (2) السرائر 1: 208. (3) الكافي 3: 440 ح 5، التهذيب 3: 228 ح 181، الوسائل 3: 240 أبواب القبلة ب 15 ح 6. (4) الفقيه 1: 285 ح 1295، التهذيب 3: 229 ح 586، الوسائل 3: 239 أبواب القبلة 15 ح 2. (5) البقرة: 115. (6) مجمع البيان 1: 228، الوسائل 3: 242 أبواب القبلة 15 ح 18. (7) تفسير العياشي 1: 56 ح 80، الوسائل 3: 243 أبواب القبلة 15 ح 23. (8) النهاية: 64، الوسائل 3: 242 أبواب القبلة 15 ح 19. (9) التهذيب 3: 308 ح 952، الوسائل 3: أبواب القبلة ب 14 ح 1.

[ 235 ]

ولو ركع الماشي وسجد مستقبلا للقبلة كان أفضل، لصحيحة معاوية بن عمار (1)، هذا. ويظهر من المحقق جواز النافلة مستقرا على الأرض إلى غير القبلة (2)، وهو مشكل، لما عرفت أن الأخبار المفسرة للاية مقيدة بحال السفر (3)، وإن وجد فيها مطلق فيحمل عليها. مع أن الصدوق قال: إنها وردت في قبلة المتحير (4). والظاهر أن هذا الكلام من تتمة صحيحة معاوية بن عمار التي ذكرها، ولا دليل آخر يوجب التعدي عن الأصل الموظف في الشرع. خاتمة: يستحب اتخاذ المساجد، لقوله تعالى: (إنملاا يعمر مسلااجد الله) (5) الآية، وللاخبار المستفيضة، منها حسنة أبي عبيدة الحذاء، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " من بنى مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة " قال أبو عبيدة: فمر بي أبو عبد الله عليه السلام في طريق مكة وقد سويت بأحجار مسجدا، فقلت له: جعلت فداك، نرجوا أن يكون هذا من ذلك، قال: " نعم " (6). ورواه عنه في الفقيه وزاد: " من بنى مسجدا كمفحص قطاة " (7). وهو إجماعي، بل هو بديهي الدين.


(1) التهذيب 3: 229 ح 585، الوسائل 3: 244 أبواب القبلة 16 ح 1. (2) المعتبر 2: 75. (3) المتقدمة في ص 234. (4) الفقيه 1: 179. (5) التوبة: 18. (6) الكافي 3: 368 ح 1، التهذيب 3: 264 ح 748، الوسائل 3: 485 أبواب أحكام المساجد ب 8 ب 1. (7) الفقيه 1: 152 ح 704.

[ 236 ]

وأن تكون مكشوفة، ويكره أن تكون مسقفة لحسنة عبد الله بن سنان (1) وغيرها من الأخبار. وأما مطلق التظليل فلا بأس به كالعريش، كما تضمنته الحسنة المذكورة وغيرها. وأما صحيحة الحلبي قال: سألته عن المساجد المظللة يكره القيام فيها ؟ قال: " نعم، ولكن لا تضركم الصلاة فيها اليوم، ولو كان العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك " (2) فهي محمولة على المسقفة، لما يظهر من الأخبار أن القائم عليه السلام إذا ظهر يكسر السقوف ويجعلها عريشا كعريش موسى (3). ويشكل ذلك في أكثر البلاد التي لا يمكن الانتفاع بالمسجد غالبا إلا مع السقف، فلعل المراد من المنع هو تسقيف جميع المسجد أو خصوص بعض الأمكنة. مع أنه يمكن أن يقال: بأن الاهتمام في التردد إلى المساجد يرتفع بالثلج والمطر ونحوه، لقوله عليه السلام: " إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال " (4) ولكن يبقى مع ذلك الاحتياج من جهة الحر والبرد إذا لم يتيسر اندفاعهما بالعريش. وأن تجعل الميضأة للحدث والخبث في أبوابها، لا في وسطها، لرواية إبراهيم بن عبد الحميد عن الكاظم عليه السلام، قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبيعكم وشراءكم، واجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم " (5).


(1) الكافي 3: 295 ح 1، التهذيب 3: 261 ح 738، الوسائل 3: 487 أبواب أحكام المساجد ب 9 ح 1. (2) التهذيب 3: 253 ح 695، الوسائل 3: 488 أبواب أحكام المساجد ب 9 ح 2، وفي الكافي 3: 368 ح 4 بتفاوت. (3) انظر الفقيه 1: 153 ح 707، والارشاد للشيخ المفيد: 365، والوسائل 3: 488 أبواب أحكام المساجد ب 9 ح 4، وص 494 ب 15 ح 4. (4) الفقيه 1: 246 ح 1099، الوسائل 3: 478 أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 4. (5) التهذيب 3: 254 ح 702، الوسائل 3: 505 أبواب أحكام المساجد ب 25 ح 3 ولكن الرواية فيها عن عبد الله الدهقان عن عبد الحميد عن أبي إبراهيم.

[ 237 ]

وجه الاستدلال: اشتراك الطهارة فيصير مجملا، والامتثال به لا يحصل إلا بمراعاة معنييه، سيما بانضمام ما دل على عدم إدخال الخبث في المساجد واستحباب عدم دخول المساجد إلا طاهرا ومتطهرا (1). هذا كله إذا كان ذلك قبل البناء، وإلا فلا يجوز التوسيط جزما. وأن تكون المنارة مع الحائط فيكره تطويلها زيادة عن سطح المسجد، لرواية السكوني أن عليا عليه السلام مر على منارة طويلة فأمر بهدمها، ثم قال: " لا ترفع المنارة إلا مع سطح المسجد " (2) وهذه الرواية تشير إلى المنع عن التوسيط أيضا. وأما التوسيط بعد البناء فهو حرام. ومنعه الشيخ مطلقا (3)، ولا آيظهر وجهه إلا من جهة كونه مانعا عن رؤية الإمام والصف المتقدم ونحو ذلك. ولا دليل على استحباب وضع المنارة، بل صريح رواية علي بن جعفر عدمه (4). وتكره تعليتها تأسيا بالنبي صلى الله عليه وآله، حيث كان جدار مسجده قامة (5). وأن يجعل لها شرفا، لرواية طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليه السلام، وفيها أنه عليه السلام، قال: " إن المساجد تبنى جما لا تشرف " (6) ورواية أبي بصير المروية في إرشاد المفيد أيضا (7). وأن يجعل لها محاريب، لرواية طلحة بن زيد أيضا عنه عليه السلام: إنه كان


(1) الوسائل 3: 504 أبواب أحكم المساجد ب 24. (2) الفقيه 1: 155 ح 723، التهذيب 3: 256 ح 710، الوسائل 3: 505 أبواب أحكام المساجد ب 25 ح 2. (3) النهاية: 109. (4) التهذيب 2: 284 ح 1134، الوسائل 3: 505 أبواب أحكام المساجد ب 25 ح 1. (5) الكافي 3: 295 ح 1، التهذيب 3: 261 ح 738، الوسائل 3: 487 أبواب أحكام المساجد ب 9 ح 1. (6) التهذيب 3: 253 ح 697، الوسائل 3: 494 أبواب أحكام المساجد ب 15 ح 2. (7) الارشاد للشيخ المفيد: 365.

[ 238 ]

يكسر المحاريب إذا رآها في المساجد، ويقول: " كأنها مذابح اليهود " (1). وربما قيدت المحاريب في كلام الفقهاء بالداخلة في المسجد، وربما قيدت بالداخلة في الحائط. ولعله مرادهم بحيث يكون الإمام بأجمعه داخلا في الحائط، والظاهر أنهم فهموه من الكسر المذكور في الرواية، والأول أنسب بها. وتكره زخرفتها وتصويرها، لرواية عمرو بن جميع (2). والمتبادر من المصورة فيها هي ذوات الأرواح. وعن المعتبر تحريم النقش مطلقا، مستدلا بهذه، وبأنه لم يفعل في زمن النبي صلى الله عليه وآله ولا الصحابة فهو بدعة (3)، وهو ضعيف. وتستحب عمارتها بالمرمة والعبادة، للاية (4)، وصحيحة علي بن جعفر المروية في العلل (5)، ورواية السكوني المروية في ثواب الأعمال (6). وفي الحديث القدسي: " إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره " (7). وكثرة الاختلاف إليها وملازمتها، ولا يتأكد إذا كانت الأرض مبتلة. والجلوس فيها سيما لانتظار الصلاة.


(1) الفقيه 1: 153 ح 708، التهذيب 3: 253 ح 696، علل الشرائع: 320 ح 1، الوسائل 3: 510 أبواب أحكام المساجد ب 31 ح 1. (2) الكافي 3: 369 ح 6، التهذيب 3: 259 ح 726، الوسائل 3: 493 أبواب أحكام المساجد ب 15 ح 1. (3) المعتبر 2: 451. (4) التوبة: 18. (5) علل الشرائع: 521 ح 1، الوسائل 3: 486 أبواب أحكام المساجد ب 8 ح 3. (6) ثواب الاعمال: 211 ح 1، الوسائل 3: 486 أبواب أحكام المساجد ب 8 ح 3. (7) المقنع: 27، الوسائل 3: 482 أبواب أحكام المساجد ب 3 ح 5.

[ 239 ]

ودخولها متطهرا، والتطهر في البيت قاصدا لها، كل ذلك للاخبار (1). وتعاهد النعل عند أبوابها، وحفظها من النجاسة، لقوله صلى الله عليه وآله في رواية عبد الله بن ميمون القداح: " تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم " (2). وقد مر الكلام في تحريم إدخال النجاسة في المسجد وإزالتها فيه في كتاب الطهارة. وتقديم الرجل اليمنى عند الدخول، واليسرى عند الخروج، والدعاء بالمأثور (3). وكنسها، سيما في يوم الخميس وليلة الجمعة. والإسراج فيها، كل ذلك للاخبار (4). والتحية فيها بركعتين، لرواية أبي ذر المروية في معاني الأخبار والخصال وفي مجالس الشيخ (5). وروى في الذكرى، عن أبي قتادة، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع، وليدع الله عقبهما، وليصل على النبي صلى الله عليه وآله " (6) الحديث. ويكره الدخول فيها مع الرائحة المؤذية كالثوم والبصل وغيرهما، للاخبار (7)، ويتأكد في الثوم. والبصاق، وفي رواية غياث بن إبراهيم: " إنه خطيئة، وكفارته دفنه " (8) وفي


(1) الوسائل 3: 515 أبواب أحكام المساجد ب 39. (2) التهذيب 3: 255 ح 709، الوسائل 3: 504 أبواب أحكام المساجد ب 24 ح 1. (3) الوسائل 3: 515 أبواب أحكام المساجد ب 39. (4) الوسائل 3: 511 أبواب أحكام المساجد ب 32، 34. (5) معاني الاخبار: 332 ح 1، الخصال: 523 ح 13، أمالي الطوسي 2: 152، وانظر الوسائل 3: 518 أبواب أحكام المساحد ب 42 ح 1. (6) الذكرى: 156. (7) الوسائل 3: 501 أبواب أحكام المساجد ب 22 ح 1. (8) التهذيب 3: 256 ح 712، الوسائل 3: 499 أبواب أحكام المساجد ب 19 ح 4.

[ 240 ]

الروايات: إن الباقر عليه السلام فعل ذلك ولم يدفن حتى في المسجد الحرام (1). والتنخم، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عنه كما في حديث المناهي في الفقيه (2). وفي المجازات النبوية عنه عليه السلام، قال: " إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار إذا انقبضت واجتمعت " (3). ويستحب أن يردها في جوفه، لروايات، منها رواية عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام: " من تنخع في المسجد ثم ردها في جوفه لم تمر بداء إلا أبرأته " (4). وقتل القمل فتدفنه، ونسبه في الذكرى إلى الجماعة (5)، ويمكن أن يستدل عليه بصحيحة أبان، عن محمد بن مسلم، قال: كان أبو جعفر عليه السلام إذا وجد قملة في المسجد دفنها في الحصى (6). ويكره إنشاد الشعر، لقوله صلى الله عليه وآله في رواية جعفر بن إبراهيم: " من سمعتموه ينشد الشعر في المساجد فقولوا: فض الله فاك، إنما نصبت المساجد للقرآن " (7). وفي رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام: " لا بأس به " (8).


(1) الوسائل 3: 498 أبواب أحكام المساجد ب 19 ح 1، 3. (2) الفقيه 4: 2 ح 1، الوسائل 3: 500 أبواب أحكام المساجد ب 20 ح 3. (3) المجازات النبوية: 211 ح 173، الوسائل 3: 500 أبواب أحكام المساجد ب 20 ح 5. (4) الفقيه 1: 152 ح 700، التهذيب 3: 256 ح 714، ثواب الاعمال: 35 ح 2، الوسائل 3: 500 أبواب أحكام المساجد ب 20 ح 1. (5) الذكرى: 157. (6) الكافي 3: 367 ح 4، الوسائل 4: 1271 أبواب قواطع الصلاة ب 20 ح 4. (7) الكافي 3: 369 ح 5، الوسائل 3: 492 أبواب أحكام المساجد ب 20 ح 1. (8) التهذيب 3: 249 ح 683، الوسائل 3: 492 أبواب أحكام المساجد ب 14 ح 2.

[ 241 ]

والصواب تقييدها بصحيحة علي بن يقطين: إنه سأل أبا الحسن عليه السلام عن إنشاد الشعر في الطواف، فقال: " ما كان من الشعر لا بأس به فلا بأس به " (1). ولعله من ذلك ما يستشهد به من أشعار العرب في تفسير كتاب أو سنة كما يظهر من الذكرى (2)، فلا يضر عدم حقانية مضمونه حينئذ. والبيع والشري، وتمكين المجانين والصبيان، لرواية إبراهيم المتقدمة (3)، وقد تخصص الصبيان بغير المميز، ولا بأس به. وإنشاد الضالة، ونشدها، أعني تعريفها وطلبها، لرواية علي بن جعفر عليه السلام (4)، ورواية علي بن أسباط (5). ورفع الصوت الخارج عن المعتاد. وكذلك الأحكام، للرواية الأخيرة. وفي إطلاق الكراهة وعدمه بتخصيصها بمحض الإنفاذ كالحبس والتعزير وإجراء الحدود، أو بصورة الإدمان، أو بما فيه جدل وخصومة وجوه وأقوال. والأظهر في الجمع بين الروايات القول بالكراهة في صورة الإدمان لا مطلقا. ولا تنافيه حكاية دكة القضاء (6)، لامكان وضعها لذلك إذا احتيج إليه في المسجد، أو اختصاصه به عليه السلام. وعمل الصنائع، وحديث الدنيا، وسائر الملاهي، ومنه الرمي بالحصى خذفا. ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " نهى رسول الله


(1) التهذيب 5: 127 ح 418، الاستبصار 2: 227 ح 784، الوسائل 9: 464 أبواب الطواف ب 54 ح 1. (2) الذكرى: 156. (3) الموجود رواية عبد الحميد عن أبي إبراهيم، التهذيب 3: 254 ح 702، الوسائل: 507 أبواب أحكام المساجد ب 27 ح 2. (4) التهذيب 3: 249 ح 682، الوسائل 3: 508 أبواب أحكام المساجد ب 28 ح 1. (5) التهذيب 3: 249 ح 682، الوسائل 3: 507 أبواب أحكام المساجد ب 27 ح 1. (6) الفضائل لشاذان: 155، السرائر 1: 279، البحار 40: 277 ح 42.

[ 242 ]

صلى الله عليه وآله عن سل السيف في المسجد، وعن بري النبل في المسجد، قال: إنما بني لغير ذلك " (1) وقد مرت رواية جعفر بن إبراهيم (2) ويستفاد منهما (3) كراهة سائر الملاهي. وروى ورام بن أبي فراس في كتابه قال، قال عليه السلام: " يأتي في آخر الزمان قوم يأتون المساجد فيقعدون حلقا، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا تجالسوهم، فليس لله فيهم حاجة " (4). وفي رواية السكوني: إن النبي صلى الله عليه وآله أبصر رجلا يخذف الحصاة في المسجد، فقال: " ما زالت تلعنه حتى وقعت " ثم قال: " الخذف في النادي من أخلاق قوم لوط " (5) الحديث. وفسر الخذف بالرمي بالاصابع مرة، وبوضع طرف الإبهام على السبابة اخرى، وبغيرها أيضا. وإخراج الحصى من المسجد، والمراد به غير القمامة، فيرد إلى مكانه أو إلى مسجد آخر فإنها تسبح كما في أخبار متعددة (6). ولا يبعد القول بوجوبه إذا كان جزءا من المسجد أو آلاته، والظاهر أنه مراد المحقق حيث حرمه في الشرائع (7). ولا يكره النوم إلا في مسجد النبي والمسجد الحرام، ويتأكد فيما كان منه مسجدا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. ويستفاد المجموع من أخبار عديدة، منها


(1) الكافي 3: 369 ح 8، الوسائل 3: 495 أبواب أحكام المساجد ب 17 ح 1. (2) في ص 240. (3) في " ص ": منها. (4) تنبيه الخواطر 1: 69، الوسائل 3: 493 أبواب أحكام المساجد ب 14 ح 4. (5) التهذيب 3: 262 ح 741، الوسائل 3: 514 أبواب أحكام المساجد ب 36 ح 1. (6) الوسائل 3: 505 أبواب أحكام المساجد ب 26. (7) الشرائع 1: 118.

[ 243 ]

صحيحة زرارة (1) في حكاية نوم الباقر عليه السلام في الموضع الذي لم يكن مسجدا على عهد رسول الله من المسجد الحرام. وكشف العورة مع الأمن عن المطلع، للوقار والستر، وعدم الاستخفاف، وفي رواية السكوني أنه قال: " كشف السرة والفخذ والركبة في المسجد من العورة " (2). ورطانة الأعاجم، ففي رواية السكوني (3) ورواية مسمع (4): إن النبي صلى الله عليه وآله نهى عنها، وهي كلام لا يفهمه الجمهور، بل هي مواضعة بين اثنين أو جماعة، والعرب تخص بها غالبا كلام العجم كذا قيل (5). وحكم الشهيد في الذكرى (6) وكذا غيره (7) بكراهة التكلم بالعجمية، وهو مشكل، وظني أن تخصيص العرب كلام العجم بالرطانة إنما هو من باب التشبيه، لا أنه هو. ويكره التوضؤ عن البول والغائط في المسجد، لصحيحة رفاعة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء في المسجد فكرهه من البول والغائط (8)، وربما حمل على الاستنجاء، ولا وجه له، لثبوت الحقيقة الشرعية. ويؤيده ما ورد في الموثق: " إذا كان الحدث في المسجد فلا بأس بالوضوء في


(1) الكافي 3: 370 ح 11، التهذيب 3: 258 ح 721، الوسائل 3: 496 أبواب أحكام المساجد ب 18 ح 2. (2) التهذيب 3: 263 ح 742، الوسائل 3: 515 أبواب أحكام المساجد ب 37 ح 2. (3) التهذيب 3: 262 ح 739، الوسائل 3: 495 أبواب أحكام المساجد ب 16 ح 1. (4) الكافي 3: 369 ح 7، الوسائل 3: 495 أبواب أحكام المساجد ب 16 ح 1. (5) النهاية لابن الاثير 2: 233. (6) الذكرى: 157، الدروس 1: 156. (7) نهاية الاحكام 1: 359. (8) الكافي 3: 369 ح 9، التهذيب 3: 257 ح 719، وج 1: 356 ح 1067، الوسائل 1: 345 أبواب الوضوء ب 57 ح 1.

[ 244 ]

المسجد " (1) إذ الظاهر عدم كونهما مما يقع في المسجد. وكذا ما ورد من فضل التوضؤ في البيت لمن أراد المسجد (2) وإن كنا لا نمنع كراهة الاستنجاء أيضا بل تحريمه.


(1) التهذيب 1: 356 ح 1066، الوسائل 1: 345 أبواب الوضوء ب 57 ح 2. (2) الوسائل 1: 266 أبواب الوضوء ب 10.

[ 245 ]

المقصد الثالث في لباس المصلي وفيه مباحث: الأول: ستر العورة في الصلاة واجب بإجماع العلماء، وشرط في الصحة أيضا عند أصحابنا (1)، وهو في الجملة إجماعي مستفاد من الأخبار (2). وهل هو شرط مع التمكن منه مطلقا، أو إلا في حال النسيان وعدم العلم مطلقا، (أو إذا لم يكن صلى) (3) غير مستور من أولها إلى آخرها دون ما صار غير مستور في الأثناء ؟ فيه أقوال. فعن ابن الجنيد لو صلى وعورتاه مكشوفتان غير عامد أعاد في الوقت فقط (4)، ولعله لدعوى الشرطية مطلقا، فلا يتفاوت بسبب النسيان. وعدم القضاء، لأنه بفرض جديد.


1 - المعتبر 2: 99، المدرك 3: 19. 2 - الوسائل 3: 326 أبواب لباس المصلي ب 50. 3 - في (ص): أو لم يكن، وفي (م): أو إذا صلى. 4 - نقله عنه في المختلف 2: 99، والذكرى: 140.

[ 246 ]

وفيه: منع الشرطية مطلقا، وأنه لو سلم ذلك فيثبت القضاء لعموم ما ورد في قضاء الفائتة (1)، لصدق الفوت حينئذ. وعن المبسوط: إن انكشفت عورتاه في الصلاة وجب عليه سترهما ولا تبطل صلاته، قل المنكشف منهما أو كثر، بعضها كان أو كلها (2)، واختاره في المختلف (3). وفي المعتبر: لو انكشفت العورة ولم يعلم سترها ولم تبطل صلاته، تطاولت المدة قبل علمه أو لم تطل، كثيرا كان الكشف أو قليلا (4). ووجه هذا القول أن غير العالم غير مأمور به لقبحه، ومنع الشرطية مطلقا، وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل صلى وفرجه خارج لا يعلم به، هل عليه إعادة أو ما حاله ؟ قال: (لا إعادة عليه، وقد تمت صلاته (5). وقال الشهيد في الذكرى بعد ذكر الأقوال والأدلة كما ذكرنا: ولو قيل بأن المصلي عاريا مع التمكن من الساتر يعيد مطلقا، والمصلي مستورا ويعرض له التكشف بغير قصد لا يعيد مطلقا كان قويا، نعم يبطل لو أخل بالستر عند الذكر (6)، انتهى. والتحقيق: أن الصحيحة مع ملاحظة ترك الاستفصال تفيد العموم في الفرج بجميع أفراده وأجزائه، وجميع أحوال التكشف، فيشمل ما لو كان مكشوفا من أول الصلاة ولم يعلم بها.


1. الوسائل 5: 347 أبواب قضاء الصلوات ب 1. 2. المبسوط 1: 87. 3. المختلف 2: 99. 4. المعتبر 2: 106. 5. التهذيب 2: 216 ح 851، الوسائل 3: 293 أبواب لباس المصلي ب 27 ح 1. 6. الذكرى: 141.

[ 247 ]

فهذه الصحيحة مع عدم ثبوت الشرطية إلا في حال العلم والتذكر وأن الأصل عدمه تكفي في عموم الحكم بالصحة إلا مع الإخلال بالستر بعد الذكر. والتشكيك في أن أصل العدم لا يجري في مهية العبادات ليس بشئ كما حقق في محله. ثم إن الأظهر عندي أنه إذا ساوى الورق والحشيش الثوب في الستر فلا ترتيب، وما ورد في الأخبار (1) من أن أدنى ما يجزئ درع وملحفة ونحو ذلك، فهو وارد مورد الغالب. ما يتوهم من أن الساتر في الأخبار لا ينصرف إليه فهو ضعيف، إذ الستر المذكور في الأخبار المراد به مجرد حصول الستر، ففي صحيحة علي بن جعفر: (إن أصاب حشيشا يستر به عورته أتم صلاته بالركوع والسجود، وإن لم يصب شيئا يستر به عورته أومأ وهو قائم) (2) وكذلك لا يستفاد من سائرها إلا ذلك. ولو لم يوجد الورق والحشيش، فإن أمكن الستر بالطين اللازب بحيث يستر الحجم أيضا وأمن من التناثر في البين فالظاهر أنه يكفي لحصول الستر، وعدم جواز الانتقال إلى الإيماء مع الإمكان، وعدم انصراف أخبار الإيماء (3) إلى ذلك، والتكليف باق يقينا. ومفهوم آخر الصحيحة المتقدمة أيضا يؤيده. والظاهر مساواته حينئذ لغيره من الورق والحشيش، بل الثوب أيضا، وإن كان الترتيب أحوط. وإن لم يمكن إلا ستر اللون كالنورة ففي الاكتفاء به إشكال - وإن ورد في الأخبار ما يدل على كفايته في جواز النظر في أخبار آداب الحمام (4) - بل الأظهر أنه


1. الوسائل 3: 293 أبواب لباس المصلي ب 28. 2. التهذيب 2: 365 ح 1515، الوسائل 3: 326 أبواب لباس المصلي ب 50 ح 1. 3. الوسائل 3: 326 أبواب لباس المصلي ب. 4. الوسائل 1: 378 أبواب آداب الحمام ب 18.

[ 248 ]

يومئ حينئذ، والأحوط التستر به حينئذ ثم الإيماء. ويظهر من بعضهم إطلاق مساواة الطين حتى مع الثوب (1)، فإن أراد هذه الصورة فهو مشكل، وإن أراد ما ذكرنا فنعم الوفاق. فالقول بالترتيب بالثوب، ثم الورق والحشيش، ثم الطين، وكذلك بالتخيير مطلقا، وكذلك تقديم الثوب ثم التخيير مما لم يقم عليه دليل. وفي وجوب الولوج في الوحل ونحوه للستر إشكال، وكذلك لو أمكنه ولوج حفيرة والصلاة فيها قائما، وأوجبه الشيخ (2). وهل يجب الركوع والسجود حينئذ ؟ فعن المحقق: نعم (3)، لحصول الستر، ولمرسلة أيوب بن نوح (4). ويشكل تخصيص الأخبار الصحيحة بها لإرسالها، وأن المعتبر الساتر الملاصق، وهو المتبادر من الأخبار. ويقوى الإشكال فيما لو كانت الحفرة مماسة للبدن، بأن يسد الخلل بالتراب ونحوه، وأمكن الركوع والسجود، ولا يبعد حينئذ القول بالوجوب إذا لم يتعسر عليه. فإذا فقد الساتر مطلقا حتى بالشراء ما لم يحصل الضرر والحرج أو الاستئجار كذلك أو الاستعارة فيصلي عريانا مومئا للركوع والسجود، فلو ركع وسجد حينئذ تبطل صلاته، عمدا كان أو سهوا، لعدم الإتيان بفرضه حينئذ، وليكن السجود أخفض. وفي وجوب القيام في الصلاة أو الجلوس أقوال، ثالثها: القيام إن أمن


1 - المختصر النافع: 25، مجمع الفائدة 2: 106. 2 - المسبوط 1: 88. 3 - المعتبر 2: 105. 4 - التهذيب 2: 365 ح 1517، الوسائل 3: 326 أبواب لباس المصلي ب 50 ح 2.

[ 249 ]

المطلع (1)، وهو الأشهر الأظهر جمعا بين الأخبار الصحيحة، مثل صحيحة علي بن جعفر المتقدمة، وصحيحة عبد الله بن سنان (2)، وحسنة زرارة لإبراهيم بن هاشم (3) الدالة على القيام. وصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن قوم صلوا جماعة وهم عراة، قال: (يتقدمهم الإمام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا وهو جالس) (4). ولصحيحة عبد الله بن مسكان، عن بعض أصحابه، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلاة، قال: (يصلي عريانا قائما إن لم يره أحد، فإن رآه أحد صلى جالسا) (5). واحتمل في المعتبر التخيير مطلقا استضعافا للرواية (6)، وحسنه في المدارك (7). ولا وجه له، لأن العمل يجبر ضعفه بالإرسال. مع أن إرسال ابن مسكان غير مضر، لأنه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه (8)، مع أن الراوي عنه ابن أبي عمير. وروى في المحاسن في الصحيح، عن محمد بن أبي حمزة، عنه (9)، عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل عريان ليس معه ثوب، قال: (إذا كان حيث


1. الخلاف 1: 399 مسألة 151. 2. الفقيه 1: 166 ح 782، التهذيب 2: 366 ح 1519، الوسائل 3: 326 أبواب لباس المصلي ب 50 ح 4. 3. الكافي 3: 396 ح 16، التهذيب 2: 364 ح 1512 الوسائل 3: 327 أبواب لباس المصلي ب 50 ح 6. 4. التهذيب: 2: 365 ح 1513، الوسائل 3: 328 أبواب لباس المصلي ب 51 ح 1. 5. الفقيه 1: 168 ح 793، التهذيب 2: 365 ح 1516، الوسائل 3: 326 أبواب لباس المصلي ب 50 ح 3. 6. المعتبر 2: 105. 7. المدارك 3: 195. 8. انظر رجال الكشي 2: 673، ومعجم رجال الحديث 10: 324 رقم 7161. 9. يعني عن عبد الله بن مسكان.

[ 250 ]

لا يراه أحد فليصل قائما) (1). ويجب الإيماء بالرأس إن أمكن، لحسنة زرارة المتقدمة (2)، وإلا فبالعينين، وأوجب في الذكرى ملاحظة الأصل، فينحني بحسب المكنة بحيث لا تبدو معه العورة (3)، وفي وجوبه إشكال بالنظر إلى إطلاقات الإيماء. وكذا الاشكال (4) في مراعاة الأصل في أوضاع السجود، وكذا في وضع شئ يسجد عليه على جبهته وتقريب مرتفع يسجد عليه إن أمكن. ونفى البعد في المدارك عن وجوب الأخير، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الواردة في صلاة المريض (5) و (6)، ويظهر من الذكرى التعدي بطريق الأولى (7). والأظهر عندي عدم الوجوب في الجميع. والأولوية ممنوعة، وفي الاستدلال بها إشكال. وإطلاق كلام الأصحاب كظاهر الروايات أن المصلي قائما يومئ للسجود قائما أيضا، ونقل في الذكرى عن شيخه عميد الدين تقوية الجلوس، لأنه أقرب إلى الأصل، وإتيان بالمأمور به بحسب الاستطاعة. وضعفه الشهيد بأنه تقييد للنصوص، وألزم عليه وجوب القيام لإيماء الركوع لو جلس (8). فيه: أن النصوص لا تنافي ما ذكره، لأن المراد بالقيام فيها الصلاة بالقيام، مقابل


1. المحاسن: 372 ح 135 ولكن فيه عن أبي جعفر عليه السلام. 2. المتقدمة في ص 249. 3. الذكرى: 142. 4. في (م)، (ح): وكذا لا إشكال. 5. المدارك 3: 195. 6. التهذيب 3: 308 ح 952، الوسائل 3: 236 أبواب القبلة ب 14 ح 1. والرواية فيهما عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله 7 و 8. الذكرى: 142.

[ 251 ]

مقابل الصلاة جالسا، لا أنه يجب الإيماء قائما مطلقا كما لا يخفى على المتأمل. والنقض غير وارد، لأن الجالس في الصلاة يركع جالسا، كما أن القائم في الصلاة يسجد (قائما) (1) فما نقله أقرب إن لم يلزم منه انكشاف العورة. ثم إن صلاة العاري هل تصح مع سعة الوقت ورجاء حصول الساتر كما ذكره الشيخ (2)، أو لا تصح إلا مع ضيق الوقت كما هو مذهب المرتضى (3) وسلار (4)، أو يجب التأخير مع ظن حصوله كما هو مذهب المعتبر (5) ؟ الأقوى وجوب التأخير مع ظن الحصول، بل مع رجائه أيضا، للاستصحاب، وعدم صدق عدم الوجدان عرفا إلا بعد الانتظار والطلب. ويؤيده ما رواه في قرب الإسناد، عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، أنه قال: (من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلي حتى يخاف ذهاب الوقت يبتغي ثيابا، فإن لم يجد صلى عريانا جالسا يومئ إيماءا، يجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن كانوا جماعة تباعدوا في المجالس ثم صلوا كذلك فرادى (6). ولو وجد الساتر في الأثناء، فإن أمكنه الستر من غير فعل المنافي فعل، وإلا ففي صحته مطلقا لأن الصلاة على ما افتتحت عليه، وللاستصحاب، وقوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) (7). وبطلانه إذا اتسع الوقت ولو لركعة وجهان، بل قولان، أظهرهما الأول.


1. في (ص): قاعدا. 2. النهاية: 55. 3. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 49. 4. المراسم: 76. 5. المعتبر 2: 108. 6. قرب الإسناد: 66. 7. محمد: 33.

[ 252 ]

بقي امور: الأول: قال في الذكرى: الستر يراعى من الجوانب ومن فوق، ولا يراعى من تحت، فلو كان على طرف سطح ترى عورته من تحته أمكن الاكتفاء، لأن الستر إنما يلزم من الجهة التي جرت العادة بالنظر منها، وعدمه، وهو الذي اختاره الفاضل، لأن الستر من تحت إنما لا يراعى إذا كان على وجه الأرض لعسر التطلع حينئذ، أما صورة الفرض فالأعين تبتدر لإدراك العورة، ولو قام على محرم لا يتوقع ناظر تحته فالأقرب أنه كالأرض، لعدم ابتدار الأعين (1)، ولا بأس بما ذكره وذكره الفاضل رحمه الله (2). والأظهر عدم وجوب الستر عن نفسه، للأصل، وتنبيه بعض الأخبار عليه (3)، فلو بدت له العورة حال الركوع بحيث لا تبدو لغيره ممن حاذاه فلا تبطل. فما ورد في بعض الروايات من منع الصلاة في الثوب المحلول الأزرار إذا لم يكن عليه إزار (4) محمول على الاستحباب، كما هو ظاهر بعضها (5)، أو على ما يظهر للغير حينا ما. وفي بطلان الصلاة في مثله من أولها أو من حين الظهور وجهان، أظهر هما الثاني، ونقل الأول في الذكرى عن بعض العامة (6)، ويتفرع على ذلك ما لو استدرك الستر في الأثناء وغير ذلك. الثاني: لو كان في الثوب خرق يحاذي العورة وجمعها بيده فلا يضر، وأما لو


1. الذكرى: 141. 2. التذكرة 2: 462. 3 و 4. الوسائل 3: 285 أبواب لباس المصلي ب 23. 5. الوسائل 3: 286 أبواب لباس المصلي ب 23 ح 5. 6. الذكرى: 141.

[ 253 ]

سترها بوضع يده عليها أو يد الغير حيث يجوز فالأظهر البطلان، لعدم انفهام ذلك من الستر في الأخبار، وليس ذلك من باب الحشيش والورق والطين حتى يناقض ما قدمناه فلا تغفل. الثالث: لا يجوز لبس الحرير إذا فقد غيره، لحرمته مطلقا، ولو وجد الحرير والنجس واضطر إلى أحدهما فيقدم النجس، لورود الرخصة به دونه، ولأنه ممنوع بالذات دون النجس. الرابع: تستحب الجماعة للعراة رجالا ونساءا، خلافا لبعض العامة (1)، ورواية أبي البختري المتقدمة مع ضعفها محمولة على الجواز، أو على التقية. ويصلون صفا واحدا يتقدمهم الإمام بركبتيه كما في صحيحة عبد الله ابن سنان (2). ويومئون على المشهور المدعى عليه الإجماع من ابن إدريس (3)، وقال الشيخ في النهاية: إن الإمام يومئ ويركع ويسجد من خلفه (4)، لموثقة (ابن بكير) (5) وحسنته في المعتبر (6)، والأول أقوى. ولو لم يمكن إلا بتعدد الصفوف فالظاهر الجواز، ويتفاوت حكم الأول والثاني بالنظر إلى قول الشيخ، فيصير الصف الأول كالإمام بالنسبة إلى الثاني.


1. الأم 1: 91، المجموع 3: 185، فتح العزيز 4: 98، المهذب للشيرازي 1: 73، المغني 1: 668، الشرح الكبير 1: 503. 2. التهذيب 2: 365 ح 1513، الوسائل 3: 328 أبواب لباس المصلي ب 51 ح 1. 3. السرائر 1: 260. 4. النهاية: 130. 5. في (ص): أبي بكر، والرواية بهذا المعنى واردة عن إسحاق بن عمار كما في المعتبر أيضا، انطر التهذيب 2: 365 ح 1514، والوسائل 3: 328 أبواب لباس المصلي ب 51 ح 2. 6. المعتبر 2: 107.

[ 254 ]

الثاني: قد تقدم الكلام في تحقيق العورة في كتاب الطهارة، والذي يجب هنا ستره من الرجل فهو ما حققنا (1) أنه العورة منه: من القبل والقضيب والانثيان والدبر أعني نفس المخرج. وأما المرأة فيجب عليها ستر تمام بدنها إلا الوجه والكفين والقدمين على المشهور بين الأصحاب، ووجوب ستر ما عدا الامور المذكورة اتفاق من أصحابنا، عدا ابن الجنيد، فإنه جوز للمرأة الحرة وغيرها أن تصلي مكشوفة الرأس حيث لا يراها غير ذي محرم (2). وربما يشتبه كلام بعض الأصحاب (3) في نقل قول ابن الجنيد بأنه لا يقول بوجوب ستر غير القبل والدبر على المرأة في الصلاة، وليس كذلك، بل مراد ابن الجنيد بيان العورة بمعنى ما يجب ستره حتى عن المحارم، لا في خصوص حال الصلاة. واشتراط تجويزه كشف الرأس بعدم وجود غير ذي محرم شاهد صدق على ذلك. قال في الذكرى (4): وأجمع العلماء على عدم وجوب ستر وجهها الا أبا بكر بن هشام، وعلى عدم وجوب ستر الكفين إلا أحمد وداود. قال: وأما القدمان فالمشهور عندنا أنهما ليستا من العورة لبدوهما غالبا، ولقضية الأصل. ويظهر من كلام الشيخ في الاقتصاد (5) وكلام أبي الصلاح (6) منع


1. في الجزء الاول. 2. نقله عنه في المختلف 2: 96. 3. كالسبزواري في الذخيرة: 237، والمجلسي في البحار 80: 180. 4. الذكرى: 139. 5. الاقتصاد: 258. 6. الكافي في الفقه: 139.

[ 255 ]

كشف اليدين والقدمين، لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله: (المرأة عورة) (1) انتهى. وليس في الأخبار تصريح في تحديد ما يجب ستره من المرأة، لكن ظاهر بعضها يفيد ما قدمنا، مثل صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، وفيها: (والمرأة تصلي في الدرع والمقنعة إذا كان الدرع كثيفا، يعني إذا كان ستيرا) قلت: رحمك الله الأمة تغطي رأسها إذا صلت ؟ فقال: (ليس على الأمة قناع) (2). وصحيحة زرارة، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أدنى ما تصلي فيه المرأة، قال: (درع وملحفة تنشرها على رأسها و تجلل بها (3). وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام: عن المرأة ليس عليها إلا ملحفة واحدة كيف تصلي ؟ قال: (تلتف بها وتغطي رأسها وتصلي، فإن خرجت رجلها وليس تقدر على غير ذلك فلا بأس (4). وجه الاستدلال: أن الدرع لا يستر اليدين والقدمين بل العقب غالبا، أو نقول: إنه عليه السلام أطلق جواز الصلاة فيه، وقد تظهر معه اليدان والقدمان، وكذلك المقنعة لا تستر الوجه غالبا. ولكن الإشكال في استفادة وجوب ستر غير المذكورات، وهو متوقف على كون المقنعة ساترة للعنق وساتر الجيب الدرع حتى لا يظهر شئ من الصدر، أو يكون الدرع ساترا له، وكل ذلك مشكل. وكذلك ما يقرب الكف والقدم من الساقين، فالعمدة هو الإجماع، ولذلك


1. سنن الترمذي 3: 476 ح 1173. 2. الكافي 3: 394 ح 2، التهذيب 2: 217 ح 855، الوسائل 3: 297 أبواب لباس المصلي ب 29 ح 1. 3. التهذيب 2: 217 ح 853، الاستبصار 1: 388 ح 1478، الوسائل 3: 295 أبواب لباس المصلي ب 28 ح 9. 4. الفقيه 1: 244 ح 1083، مسائل علي بن جعفر: 172 ح 299، الوسائل 3: 294 أبواب لباس المصلي ب 28 ح 2.

[ 256 ]

قالوا بلزوم ستر شئ من الكفين والقدمين من باب مقدمة ستر الساق (1)، فإن ثبت الإجماع فهو، وإلا لكان في ذلك للتوقف مجال. وأيضا يشكل الأمر في تحديد الدرع والمقنعة وتعيينهما، والظاهر أن المعتبر منه ما هو المتعارف في زمان الراوي والمروي عنه وبلادهم، ولا يمكن معرفته إلا بالنقل، أو بأصالة عدم النقل، وذلك يتم إذا كان الدرع والمقنعة المتداولة في بلاد الحجاز والعراق الآن كذلك. مع أن في بعض روايات أصحابنا الواردة في شأن نزول آية الحجاب (2) أنهن كن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يتقنعن خلف آذانهن (3)، وبالجملة لا ملجأ في الحكم إلا الإجماع. نعم لو قلنا بأن حصول الشك في ذلك يكفي لعدم الصحة إلا مع ستر ما عدا المذكورات، لاستصحاب شغل الذمة ووجوب الامتثال بالمجمل، وهو لا يحصل إلا بستر ما يحصل اليقين معه لكان وجها آخر لإثبات المطلوب، لكن يحتاج في إخراج مجموع الكفين والقدمين حينئذ إلى الإجماع أيضا. مع أن المستفاد من تلك الأخبار تجويز خروج شئ ما من الكفين والقدمين حينئذ على (إجمال) (4) في انضمام شئ آخر إليهما من الساق، فهو في معنى المخصص بالمجمل، ولم تثبت حجيته في قدر الإجمال. وكون الأصل وجوب الستر إلا ما خرج بالدليل أيضا محل تأمل. وأما الشعر والأذنان فيظهر من الذكرى أن في وجوب سترهما خلافا، فإنه قال: الأقرب وجوب ستر الاذنين والشعر من المرأة، لرواية فضيل عن الباقر عليه السلام،


1. جامع المقاصد 2: 97. 2. النور: 31. 3. الكافي 5: 521 ح 5، الوسائل 14: 138 أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 104 ح 4. 4. في (م)، (ح): إجماع.

[ 257 ]

قال: (صلت فاطمة عليها السلام وخمارها على رأسها، ليس عليها أكثر مما وارت به شعرها واذنيها) (1). قال: وفي الصدغين وما لم يجب غسله من الوجه نظر من تعارض العرف اللغوي والشرعي، وأما العنق في شك في وجوب ستره من الحرة، وأما الأمة فالأقرب تبعيته للرأس لتعسر ستره من دون الرأس (2). أقول: ورواية فضيل قد يقدح في سندها باشتمالها على مهمل، وتمنع دلالتها، والحق أنه لا وجه للقدح في الدلالة، فإن ظاهرها أنه عليه السلام في مقام بيان أقل ما يجزئ. ومع اعتضادها بما ذكرنا من الشك في حصول البراءة بدون ذلك، وورود الرواية في الفقيه، وتأيدها بظاهر صحيحة زرارة وصحيحة علي بن جعفر المتقدمتين (3) يندفع القدح في السند أيضا. وأما قوله في حكاية الصدغين فلم نقف على رواية مصرحة باستثناء الوجه حتى يتفرع عليه ما ذكره. نعم روى الشيخ في الموثق عن سماعة قال: سألته عن الرجل يصلي فيتلو القرآن وهو متلثم، فقال: (لا بأس به، وإن كشف عن فيه فهو أفضل) قال: وسألته عن المرأة تصلي متنقبة، قال: (إذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس، وإن أسفرت فهو أفضل) (4). وكيف كان، فالأظهر أن المعتبر هو ما يتعارف خروجه من المقنعة، وبالنظر إلى هذه الموثقة أيضا الأظهر الرجوع إلى العرف.


1. الفقيه 1: 167 ح 875، الوسائل 3: 293 أبواب لباس المصلي ب 28 ح 1. 2. الذكرى: 140. 3. في ص 255. 4. التهذيب 2: 230 ح 904، الوسائل 3: 307 أبواب لباس المصلي ب 35 ح 6.

[ 258 ]

وأما حجة ابن الجنيد: فهي موثقة ابن بكير عن الصادق عليه السلام، قال: (لا بأس بالمرأة المسلمة الحرة أن تصلي وهي مكشوفة الرأس) (1) ولا تقارم ما ذكرنا وما سنذكر، وقد حملت على الصغيرة أو الضرورة. وأما حجة الاقتصاد: فهو ما روي عنه صلى الله عليه وآله: (إن المرأة عورة) (2) وهو مع أن دلالته ممنوعة مخصصة بالأخبار الخاصة. ثم إن هذا حكم الحرة البالغة. وأما الأمة والصبية فتصليان بغير خمار بإجماع العلماء إلا الحسن البصري (3) إذا تزوجت الأمة أو اتخذها الرجل لنفسه. قال في الذكرى: وهو محجوج بسبق الإجماع وتأخره (4)، وتدل عليه الصحاح وغيرها من الأخبار المستفيضة (5). وفي استحباب الستر لهما إشكال، وقال به المحقق معترفا بعدم النص، لما فيه من الستر والحياء (6). ويظهر من بعض الأخبار العدم، بل استحباب الترك، مثل ما رواه الصدوق في العلل، عن حماد اللحام، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الخادم تقنع رأسها في الصلاة، قال: (اضربوها حتى تعرف الحرة من المملوكة) (7) وتقرب منها روايته الاخرى فيه أيضا (8).


1. التهذيب 2: 218 ح 857، الاستبصار 1: 389 ح 1418، الوسائل 3: 297 أبواب المصلي ب 29 ح 5. 2. سنن الترمذي 3: 476 ح 1173. 3. نقله عنه في المعتبر 2: 103، والمجموع 3: 169، والمغني 1: 674، والشرح الكبير 1: 492، وبداية المجتهد 1: 116. 4. الذكرى: 140. 5. الوسائل 3: 297 أبواب لباس المصلي ب 29. 6. المعتبر 2: 103. 7. علل الشرائع: 345 ح 1، الوسائل 3: 298 أبواب لباس المصلي ب 29 ح 8، ولكن في العلل وفي نسخة من الوسائل: حماد الخادم. 8. علل الشرائع: 346 ح 2، الوسائل 3: 299 أبواب لباس المصلي ب 29 ح 9.

[ 259 ]

وروى مثله البرقي في المحاسن (1)، ويؤدي مؤداه ما رواه في الذكرى عن كتاب علي بن إسماعيل الميثمي (2). وإطلاق الأخبار وكلام الأصحاب يعطي عدم التفرقة بين القن والمدبرة والمكاتبة المشروطة أو المطلقة التي لم تؤد شيئا وام الولد. وصحيحة محمد بن مسلم ناطقة بأكثرها (3). وأما مفهوم صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام قال، قلت له: الأمة تغطي رأسها ؟ فقال: (لا، ولا على ام الولد أن تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد) (4) فلا يقاوم ما ذكرنا من الأدلة. واحتمل في المدارك إلحاقها مع حياة ولدها بالحرة لذلك (5)، والأحوط العمل بمضمونها. وأما المبعضة فكالحرة، للعمومات (6) وعدم صدق الأمة، ولخصوص قوية حمزة بن حمران (7). ولو اعتقت في الأثناء وجب عليها الستر، فإن افتقرت إلى فعل كثير فقال في الذكرى: استأنفت مع سعة الوقت، وأتمت لا معه، لتعذر الشرط حينئذ، فتصلي بحسب المكنة (8).


1. المحاسن: 318 ح 45، الوسائل 3: 299 أبواب لباس المصلي ب 29 ذ. ح 9. 2. الذكرى: 140، الوسائل 3: 299 أبواب لباس المصلي ب 29 ح 11. 3. المتقدمة في ص 255، وهي في الكافي 3: 394 ح 2، والتهذيب 2: 217 ح 855، الوسائل 3: 297 أبواب لباس المصلي ب 29 ح 1. 4. التهذيب 2: 218 ح 859، الاستبصار 1: 390 ح 1483، الوسائل 3: 297 أبواب لباس المصلي ب 29 ح 4. 5. المدارك 3: 199. 6. الوسائل 3: 293 أبواب لباس المصلي ب 28. 7. التهذيب 8: 228 ح 826، الاستبصار 4: 6 ح 20، الوسائل 3: 295 أبواب لباس المصلي ب 28 ح 12. 8. الذكرى: 140.

[ 260 ]

وفي الخلاف (1): تستمر المعتقة وأطلق، لأن دخولها كان مشروعا والصلاة على ما افتتحت عليه (2). لنا: أن الستر شرط وقد أمكن فتجب مراعاته. قال: أما الصبية فتستأنف لو بلغت في الأثناء، لأن النفل لا يجزئ عن الفرض، ولو ضاق الوقت عن الركعة والطهارة أتمت مستترة إن أمكن. الثالث: تجب طهارة الثوب والبدن في الصلاة، وتشترط صحتها بها، فتبطل إذا علم بالنجاسة و صلى معها عمدا، سواء بقي الوقت أو خرج، ونقل الإجماع على ذلك غير واحد من أصحابنا (3). ويدل عليه قوله تعالى: (وثيابك فطهر) (4) أما على ثبوت الحقيقة الشرعية فظاهر، وأما على عدمه فلقرينة الأمر الدال على الوجوب لعدم القول بوجوب غيرها. ويعاضده ما ورد في بطن الآية من أن المراد هو تقصير الثياب أو تشميرها، فإن الظاهر أنه للاحتراز عن النجاسات، والإجماع على عدم الوجوب لنفسه يعين وجوبه للصلاة، والأخبار المتظافرة ناطقة به أيضا (5)، وستجئ جملة منها. والأظهر أن الجاهل بالحكم أيضا كالعالم إذا كان مقصرا في التحصيل. وأما الجاهل بالنجاسة، فإن علم بها بعد الفراغ وخروج الوقت فلا يقضي قولا واحدا، وادعى عليه الإجماع العلامة في المنتهى (6) وابن إدريس (7)


1. الخلاف 1: 396 مسألة 146. 2. عوالي اللآلي 1: 250 ح 34. 3. كالعلامة في التذكرة 2: 477، وصاحب الرياض 2: 372. 4. المدثر: 4. 5. الوسائل 2: 1025 أبواب النجاسات ب 19. 6. المنتهى 1: 183. 7. السرائر 1: 183.

[ 261 ]

وابن فهد (1)، ويدل عليه أن الأمر يقتضي الإجزاء، والقضاء فرض جديد، وكذلك الأخبار الآتية. وأما لو علم بها في الوقت فالمشهور الأقوى عدم وجوب الإعادة أيضا، للصحاح وغيرها من الأخبار المستفيضة جدا، مثل صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام، قال: (إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك، وكذلك البول) (2). وصحيحة أبي بصير عنه عليه السلام: في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به، قال: (عليه أن يبتدئ الصلاة). قال: وسألته عن رجل صلى وفي ثوبه جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم، قال: (قد مضت صلاته ولا شئ عليه (3). وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله أو موثقته لأبان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي في ثوبه وفيه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب، أيعيد صلاته ؟ فقال: (إن كان لم يعلم فلا يعيد) (4) إلى غير ذلك من الأخبار، وسيجئ بعضها أيضا، مثل صحيحة الجعفي الآتية في الدم المعفو (5) وغيرها مما نذكره هنا. وعن الشيخ في النهاية والمبسوط الإعادة في الوقت دون خارجه، قياسا على


1. المهذب البارع 1: 246. 2. الفقيه 1: 161 ح 758، التهذيب 1: 252 ح 730، الوسائل 2: 1022 أبواب النجاسات ب 16 ح 2. 3. الكافي 3: 405 ح 6، التهذيب 2: 360 ح 1489، الاستبصار 1: 181 ح 634، الوسائل 2: 1059 أبواب النجاسات ب 40 ح 2. 4. الكافي 3: 404 ح 2، وص 406 ح 11، التهذيب 2: 359 ح 1487، الاستبصار 1: 180 ح 630، الوسائل 2: 1060 أبواب النجاسات ب 40 ح 5 بتفاوت. 5. التهذيب 1: 255 ح 739، الاستبصار 1: 175 ح 610، الوسائل 2: 1026 أبواب النجاسات ب 20 ح 2.

[ 262 ]

ما لو علم بالنجاسة في أثناء الصلاة كما سيجئ (1) وهو باطل. وقد يستدل له بصحيحة وهب بن عبد ربه، عن الصادق عليه السلام: في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم بها صاحبه، فيصلي فيه ثم يعلم، قال: (يعيد إذا لم يكن علم (2). قال في التهذيب: يعني إذا لم يكن علم حال الصلاة وقد سبقه العلم به (3). أقول: ويمكن التوجيه بأن الإعادة لعلها لمكان الجنابة لا النجاسة، ولزوم إلغاء المفهوم مشترك الإلزام، وربما احتمل سقوط كلمة (لا) من يعيد، وقد يحمل على الاستحباب. وموثقة أبي بصير عنه عليه السلام، قال: سألته عن رجل صلى وفي ثوبه بول أو جنابة، فقال: (علم به أو لم يعلم فعليه إعادة الصلاة إذا علم به) (4) ووجهه أيضا في التهذيب بما تقدم (5)، ويجري فيها بعض ما تقدم، مع احتمال الاستفهام أيضا. وكيف كان فلا يقاومان ما ذكرنا. وقال في الذكرى بعد ذكر صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة: ولو قيل (لا إعادة على من اجتهد قبل الصلاة ويعيد غيره) أمكن لهذا الخبر، ولقول الصادق عليه السلام في المني تغسله الجارية ثم يوجد: (أعد صلاتك، أما أنك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شئ) (6) إن لم يكن إحداث قول ثالث (7)، انتهى، وهذه


1. النهاية: 8، المبسوط 1: 38. 2. التهذيب 2: 360 ح 1491، الاستبصار 1: 181 ح 635، الوسائل 2: 1060 أبواب النجاسات ب 40 ح 8. 3. التهذيب 2: 360. 4. التهذيب 2: 202 ح 792، الاستبصار 1: 182 ح 639، وفي الوسائل 2: 1060 أبواب النجاسات ب 40 ح 9، وفي التهذيب بدون كلمة (به). 5. التهذيب 2: 202. 6. الكافي 3: 53 ح 2، التهذيب 1: 252 ح 726، الوسائل 2: 1024 أبواب النجاسات ب 18 ح 1. 7. الذكرى: 17.

[ 263 ]

الأخيرة هي حسنة ميسر. وقد يستدل عليه أيضا برواية ميمون الصيقلي عنه عليه السلام، قال، قلت له: رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل وصلى فلما أصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة، فقال: (الحمد لله الذي لم يدع شيئا إلا وقد جعل له حدا، إن كان حين قام نظر ولم ير شيئا فلا إعادة عليه، وإن كان حين قام لم ينظر فعليه الإعادة) (1). والجواب عن الأول: أن الشرط وارد مورد الغالب. وعن الثاني بمنع الدلالة، فإن العلة هنا عدم تحقق الغسل الصحيح، يعني: لو غسلته أنت لغسلته صحيحا ولم تحتج إلى الإعادة. وعن الثالث بضعف السند. وعن الجميع بعدم المقاومة على فرض التسليم، لعدم ظهور القول بها حتى من الشهيد (2). وإن علم بها في الأثناء وحصل له العلم بالسبق أيضا، فعن جماعة من الأصحاب (3) وجوب إزالة النجاسة وستر العورة مع الإمكان، وعدم تحقق المبطل والبطلان، ووجوب الإعادة لو لم يمكن. وبنى جماعة الإعادة هنا على القول بإعادة الجاهل في الوقت وعدمه بعد الفراغ (4). والأول لا دليل عليه من الأخبار، والثاني أيضا غير ظاهر الوجه، لمنع الملازمة، مع أن الشيخ في المبسوط قال بوجوب المضي في الصلاة مع التمكن من إلقاء الثوب


1. الكافي 3: 406 ح 7 وفيه: عن منصور الصيقل، التهذيب 2: 202 ح 791، وج 1: 424 ح 1346، الاستبصار 1: 182 ح 640، الوسائل 2: 1062 أبواب النجاسات ب 41 ح 3، وفيها: ميمون الصيقل. وفي النسخة الحجرية للغنائم: ميمون القداح الصيقلي. 2. انظر الذكرى: 17. 3. كالشيخ في النهاية: 96، والمبسوط 1: 38، 90، والمحقق في الشرائع 1: 46. 4. كالمحقق في المعتبر 1: 443.

[ 264 ]

وستر العورة بغيره مع حكمه فيه قبل ذلك بلا فصل بإعادة الجاهل في الوقت (1). والذي يظهر من الأخبار الكثيرة البطلان مطلقا والإعادة (2) مثل صحيحة زرارة الطويلة قال، قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت أثره إلى أن اصيب له الماء، فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك، قال: (تعيد الصلاة وتغسله) إلى أن قال، قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة، قال: (تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة، لأنك لا تدري لعله شئ اوقع عليك) (3). ولا وجه للطعن بالإضمار من مثل زرارة كما لا يخفى، مع أن الصدوق رواها في العلل مسندا إلى الباقر عليه السلام في الحسن لإبراهيم بن هاشم (4). وصحيحة محمد بن مسلم وصحيحة أبي بصير المتقدمتين (5). ويؤيده عموم قوله عليه السلام: (إذا علم) في موثقة أبي بصير المتقدمة (6)، فالعمل على هذه الأخبار أولى. وجوز في المدارك (7) العمل على حسنة محمد بن مسلم قال، قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة، قال: (إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل، وإن لم يكن عليك غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك، وما لم يزد


1. المبسوط 1: 38. 2. الوسائل 2: 1006 أبواب النجاسات ب 7. 3. التهذيب 1: 421 ح 1335، الاستبصار 1: 183 ح 641، الوسائل 2: 1006 أبواب النجاسات ب 7 ح 2. وص 1063 ب 42 ح 2. 4. علل الشرائع: 361 ب 80 ح 1. 5. في ص 247. 6. في ص 248. 7. المدارك 2: 352.

[ 265 ]

على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشئ، رأيته أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه) (1). واستدل على ذلك أيضا بصحيحة علي بن جعفر الآتية (2) وجعل العمل بالاستئناف أولى. وفيه: أن الحسنة مع أنها لا تقاوم ما ذكرنا من الأدلة مختلفة المتن في الاصول، ففي التهذيب كما نقلنا، وفي الكافي بحذف كلمة الواو من قوله (وما لم يزد) وزيادة (وما كان أقل) قبل قوله (من ذلك فليس بشئ) وفي الاستبصار مثل التهذيب بحذف الواو، والاستدلال إنما يتم على ما في التهذيب، وبذلك يحصل ضعف آخر فيها. بل ويمكن الاستدلال بها على ما في الاستبصار والكافي بحسب المفهوم على ما اخترناه، وإرجاع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط - مع أنه خلاف الظاهر - يوجب قولا لم يقل به أحد. وأما صحيحة علي بن جعفر فستعرف حالها (3). وأما موثقة داود بن سرحان عن الصادق عليه السلام: في الرجل يصلي وأبصر في ثوبه دما، قال: (يتم) (4) فمحمولة على الأقل من الدرهم. وكذلك ما رواه في السرائر، عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن رأيت في ثوبك دما وأنت تصلي ولم تكن رأيته قبل ذلك فأتم صلاتك، فإذا انصرفت فاغسله)، قال:


1. الكافي 3: 59 ح 3، الفقيه 1: 161 ح 758 بتفاوت يسير، التهذيب 1: 254 ح 736 الاستبصار 1: 175 ح 609، الوسائل 2: 1027 أبواب النجاسات ب 20 ح 6. 2. الكافي 3: 61 ح 6، التهذيب 1: 261 ح 760، الوسائل 2: 1017 أبواب النجاسات ب 13 ح 1. 3. ص 272. 4. التهذيب 1: 423 ح 1344، الوسائل 2: 1026 أبواب النجاسات ب 20 ح 3، وب 44 ح 2.

[ 266 ]

(وإن كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ثم رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف فاغسله وأعد صلاتك) (1). وإن لم يحصل له العلم بالسبق، فإن حصل العلم بعدمه فإطلاق كلام المعتبر يقتضي البناء على القول بإعادة الجاهل في الوقت (2)، وهو أشكل من سابقه. والأقوى العمل على التفصيل المتقدم، للأصل، والإطلاقات فيما لو لم يوجب الإزالة والبناء مبطلا، والروايات المتقدمة ظاهرة في تقدم النجاسة على الصلاة. وأما الاستئناف فيما أوجبه فلكل ما دل على بطلان الصلاة بفعل المبطل (3)، والصحاح المستفيضة وغيرها، مثل صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق، قال: سألته عن الرجل يكون في جماعة من القوم يصلي بهم المكتوبة فيعرض له رعاف كيف يصنع ؟ قال: (يخرج، فإن وجد ماءا قبل أن يتكلم فيغسل الرعاف ثم ليعد وليبن على صلاته) (4). وصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يأخذه الرعاف أو القئ في الصلاة كيف يصنع ؟ قال: (ينفتل فيغسل أنفه ويعود في صلاته، فإن تكلم فليعد صلاته وليس عليه وضوء) (5). ولعل المراد بالتكلم في الروايتين المثال، فلا يرد أنهما يقتضيان البناء مع عدم الكلام مطلقا، ولم يقل به أحد.


1. السائر 3: 592، الوسائل 2: 1066 أبواب النجاسات ب 44 ح 3. 2. المعتبر 1: 443. 3. الوسائل 4: 1240 أبواب قواطع الصلاة ب 1. 4. التهذيب 2: 328 ح 1345، الاستبصار 1: 403 ح 1537، قرب الإسناد: 60، الوسائل 4: 1246 أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 12. 5. الكافي 3: 365 ح 9، التهذيب 2: 318 ح 1302، وص 323 ح 1323، الاستبصار 1: 403 ح 1536، الوسائل 4: 1244 أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 4.

[ 267 ]

وصحيحة ابن اذنيه عن الصادق عليه السلام: أنه سأله عن الرجل يرعف وهو في الصلاة وقد صلى بعض صلاته، فقال: (إن كان الماء عن يمينه وعن شماله وعن خلفه فليغسله من غير أن يلتفت، وليبن على صلاته، فإن لم يجد الماء حتى يلتفت فليعد الصلاة) قال: (والقئ مثل ذلك) (1). قال الصدوق: وفي رواية أبي بصير عنه عليه السلام: (إن تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة) (2). وحسنة الحلبي - لإبراهيم بن هاشم - عنه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصيبه الرعاف وهو في الصلاة، فقال: (إن قدر على ماء عنده يمينا أو شمالا أو بين يديه وهو مستقبل القبلة فليغسله عنه ثم ليصل ما بقي من صلاته، وإن لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته) (3) ويؤدي مؤدى ذلك صحيحة معاوية بن وهب (4) وغيرها، وبضميمة عدم القول بالفصل يتم الكلام في غير الرعاف. وإن لم يحصل له العلم بعدم السبق أيضا بأن يكون شاكا فلا يحضرني الآن في كلام الأصحاب تفرقة بينه وبين السابق، فإن ثبت إجماع على عدم الفرق فيلحق حكمه به، وإلا فالأظهر إلحاقه بهذه الصورة لصحيحة زرارة المتقدمة (5). هذه صور الجهل. وأما صورة النسيان، فإن علم بها ونسي حتى فرغ من الصلاة فالأكثر على


1. الفقيه 1: 239 ح 1056، الوسائل 4: 1243 أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 1. 2. الفقيه 1: 239 ح 1057. 3. الكافي 3: 364 ح 2، التهذيب 2: 200 ح 783، الاستبصار 1: 404 ح 1541. 4. التهذيب 2: 327 ح 1344، الوسائل 4: 1246 أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 11. 5. مرت في ص 264، وهي في التهذيب 1: 421 ح 1335، والاستبصار 1: 183 ح 641، والوسائل 2: 1006 أبواب النجاسات ب 7 ح 2، وص 1063 ب 42 ح 2.

[ 268 ]

وجوب الإعادة مطلقا (1)، ونفى ابن إدريس (2) الخلاف فيه بين أصحابنا، إلا عن الشيخ في الاستبصار (3). وعن الشيخ في بعض أقواله عدمه مطلقا (4)، ومال إليه في المعتبر (5). وقال في الاستبصار: يعيد في الوقت دون خارجه (6)، واختاره العلامة في الإرشاد (7). والأول أقوى، للصحاح المستفيضة وغيرها، مثل صحيحة زرارة المتقدمة (8)، وصحيحته الاخرى، قال: توضأت يوما ولم أغسل ذكري ثم صليت، فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك، فقال: (اغسل ذكرك وأعد صلاتك) (9). وصحيحة عمرو بن أبي نصر قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أبول وأتوضأ وأنسى استنجائي ثم أذكر بعد ما صليت، قال: (اغسل ذكرك وأعد صلاتك ولا تعد وضوءك) (10) وفي معناها موثقة ابن بكير (12) وموثقة سماعة (13) وصحيحة


1. كالشيخ المفيد في المقنعة: 149، والشيخ الطوسي في النهاية: 52، والمبسوط 1: 38، ونقله عن مصباح السيد في المعتبر 1: 441. 2. السرائر 1: 183. 3. فإنه فصل بين الذكر في الوقت وخارجه (الاستبصار 1: 184). 4. نقله في التذكرة 2: 490. 5. المعتبر 1: 441. 6. الاستبصار 1: 184. 7. الإرشاد 1: 240. 8. التهذيب 1: 421 ح 1335، الاستبصار 1: 183 ح 641، الوسائل 2: 1006 أبواب النجاسات ب 7 ح 2، وص 1063 ب 42 ح 2. 9. التهذيب 1: 51 ح 149، الاستبصار 1: 52 ح 152، وص 56 ح 164، الوسائل 1: 209 أبواب نواقض الوضوء ب 18 ح 7، وفيها: ثم صليت فذكرت. 10. التهذيب 1: 46 ح 133، الاستبصار 1: 52 ح 150، الوسائل 1: 208 أبواب نواقض الوضوء ب 18 ح 3. 11. الكافي 3: 18 ح 16، الوسائل 1: 208 أبواب نواقض الوضوء ب 18 ح 2. 12. التهذيب 1: 47 ح 136، الاستبصار 1: 53 ح 153، الوسائل 1: 209 أبواب نواقض الوضوء ب 18 ح 8.

[ 269 ]

عبد الله بن أبي يعفور الآتية في الدم المعفو (1). وموثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلي، قال: (يعيد صلاته كي يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه) (2) الحديث، والعلة عامة. وصحيحة أبي بصير على الظاهر من كون ابن سنان في سندها هو عبد الله (3)، ورواية الحسن بن زياد (4)، ورواية ابن مسكان (5) في مسألة الذي سأل من الصادق بواسطة إبراهيم بن ميمون إلى غير ذلك من الأخبار. وحجة القول الثاني: الأصل، وأن الأمر يقتضي الإجزاء، وما ورد من اغتفار الخطأ والنسيان (6). وصحيحة العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصيب ثوبه الشئ فينجسه فينسى أن يغسله فيصلي فيه ثم يذكر أنه لم يكن غسله، أيعيد الصلاة ؟ فقال: (لا يعيد، قد مضت صلاته وكتبت له)) (7). وموثقة عمار بن موسى قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (لو أن رجلا نسي أن يستنجي من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة) (8). ورواية عمرو بن أبي نصر - وفي طريقها المثنى الحناط - قال، قلت لأبي عبد الله


1. التهذيب 1: 255 ح 740، الاستبصار 1: 176 ح 611، الوسائل 2: 1026 أبواب النجاسات ب 20 ح 1. 2. التهذيب 1: 254 ح 738، الاستبصار 1: 182 ح 638، الوسائل 2: 1064 أبواب النجاسات ب 42 ح 5. 3. التهذيب 1: 254 ح 737، الاستبصار 1: 182 ح 637، الوسائل 2: 1060 أبواب النجسات ب 40 ح 7. 4. الكافي 3: 18 ح 10، الوسائل 2: 1064 أبواب النجاسات ب 42 ح 6. 5. التهذيب 2: 359 ح 1486 أبواب النجسات ب 42 ح 6. 5. التهذيب 2: 359 ح 1486، الاستبصار 1: 181 ح 633، الوسائل 2: 1064 أبواب النجاسات ب 42 ح 4. 6. عوالي اللآلي 1: 232 ح 131. 7. التهذيب 1: 423 ح 1345، الاستبصار 1: 183 ح 642، الوسائل 2: 1063 أبواب النجاسات ب 42 ح 3. 8. التهذيب 2: 201 ح 789، وج 1: 49 ح 143، الاستبصار 1: 55 ح 159، الوسائل 1: 224 أبواب احكام الخلوة ب 10 ح 3.

[ 270 ]

عليه السلام: إني صليت فذكرت أني لم أغسل ذكري بعد ما صليت، أفاعيد ؟ قال: (لا) (1). ورواية هشام بن سالم عنه عليه السلام: في الرجل يتوضأ وينسى أن يغسل ذكره وقد بال، فقال: (يغسل ذكره ولا يعيد الصلاة) (2). وستجئ صحيحة علي بن جعفر أيضا (3). والأصل لا يقاوم الدليل، واقتضاء الأمر الإجزاء لا ينافي ثبوت الإعادة والقضاء بدليل آخر، فيبقى بيان ترجيح الأخبار. ولا ريب أنه مع الأكثر، لأكثريتها، وأصحيتها، وأو فقيتها بالعمل، والعمومات الدالة على وجوب إزالة النجاسة للصلاة (4)، وكون موثقة سماعة (5) معللة. وحكم الشيخ بشذوذ صحيحة العلاء (6)، وهو أعرف. ولا وجه للقدح في دلالة أخبارنا بأن الإعادة ظاهرة في الوقت، لمنع الحقيقة الشرعية، ويستعمل في الخارج في غاية الكثرة في الأخبار، منها الخبر المفصل الآتي. وأما دليل التفصيل: فهو الجمع بين الأخبار بحمل أخبار الإعادة (7) على


1. التهذيب 1: 51 ح 148، الاستبصار 1: 56 ح 163، الوسائل 1: 209 أبواب نواقض الوضوء ب 18 ح 6. 2. التهذيب 1: 48 ح 140، الاستبصار 1: 54 ح 157، الوسائل 1: 224 أحكام الخلوة ب 10 ح 2. 3. ستجئ في ص 272، وهي في التهذيب 1: 50 ح 145، والاستبصار 1: 55 ح 161، والوسائل 1: 224 أبواب أحكام الخلوة ب 10 ح 4. 4. الوسائل 1: 222 أبواب أحكام الخلوة ب 9. 5. مرت في ص 269، وهي في التهذيب 1: 254 ح 738، والاستبصار 1: 182 ح 638، والوسائل 2: 1064 أبواب النجاسات ب 42 ح 5. 6. مرت في ص 269، وهي في التهذيب 1: 423 ح 1345، والاستبصار 1: 183 ح 642، والوسائل 2: 1064 أبواب النجاسات ب 42 ح 3. 7. الوسائل 2: 1063 أبواب النجاسات ب 42.

[ 271 ]

الوقت، وأخبار العدم (1) على خارج الوقت بشهادة ما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن مهزيار، قال: كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره أنه بال في ظلمة الليل، وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك أنه أصابه ولم يره، وأنه مسحه بخرقة ثم نسي أن يغسله، وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى، فأجابه بجواب قرأته بخطه: (أما ما توهمت مما أصاب يدك فليس بشئ إلا ما تحقق، فإن حققت ذلك كنت حقيقا أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها، من قبل أن الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت، وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته، لأن الثوب خلاف الجسد، فاعمل على ذلك إن شاء الله تعالى) (2). وأنت خبير بأن مطلق الجمع لا دليل له، سيما والجمع لا يصح مع عدم المقاومة. وأما الرواية فمع كونها مكاتبة مضمرة فيها تشويشات واختلاطات وحكم جمع من المتأخرين بتهافتها (3) لا تقاوم ما ذكرنا من الأدلة. وقد يتمحل في توجيهها بتكلفات بعيدة، أوجهها أن يقال: لفظة (من قبل) ظرف محذوف الإضافة، أي من قبل أن يتحقق ويجزم به، فيكون مرتبطا بما تقدم، و (أن الرجل) ابتداء كلام وتحقيق في الفرق بين الثوب والجسد، وتعليل للحكم السابق وتأكيده. فمآل الكلام التفرقة بين النجاسة الخبثية والحدثية المعبر عنها بالثوب والجسد، وعلى هذا فيصح الاستدلال مع عدم حزازة في مقاصد الحديث، ولكنه غير ظاهر من اللفظ بحيث يمكن الاستدلال به، هذا.


1. الوسائل 2: 1061 أبواب النجاسات ب 40، 41. 2. التهذيب 1: 426 ح 1355، الاستبصار 1: 184 ح 643، الوسائل 2: 1063 أبواب النجاسات ب 42 ح 1. 3. كشف الرموز 1: 114، المهذب البارع 1: 246، المدارك 2: 348.

[ 272 ]

ولكن الإنصاف أنه لو لم تكن الشهرة والتعليل في موثقة سماعة لكان هذا القول في غاية القوة، لخصوص هذه الرواية، ولو كان من جهة بعض كلماتها، إذ لا يضر في حجية بعض ألفاظها تساقط الباقي، ولعدم تبادر غير الوقت من الأخبار، ولكن ذلك ليس بحيث يترجح على مرجحات المشهور. وأما لو تذكر في الأثناء فلم أجد في كلامهم تصريحا بحكمه، والأظهر إلحاقه بالجاهل الذي علم في الأثناء مع العلم بالسبق بطريق الأولى. ويدل عليه التعليل في موثقة سماعة المتقدمة. وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته أنه لم يستنج من الخلاء، قال: (ينصرف ويستنجي من الخلاء ويعيد الصلاة، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأ ذلك ولا إعادة عليه) (1). ويخدشها أن آخرها مناف لما حققناه سابقا، ولكنه لا يضر بالاستدلال بالجزء الأول. وأما صحيحته الاخرى عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله، فذكر وهو في صلاته، كيف يصنع به ؟ قال: (إن كان دخل في صلاته فليمض، وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه، إلا أن يكون فيه أثر فيغسله) (2) فلا ينافي ما ذكرناه إن لم يؤيده. وهذه الصحيحة هي التي وعدناك ذكرها، وأنت خبير بأنه لادلالة فيها على ما استدل به في المدارك (3)، لأن الظاهر رجوع الاستثناء إلى الحكمين كما يشهد به اعتبار النضح قبل الدخول في الصلاة، وأما الحكم بعد الغسل فغير معلوم من الخبر. وأما لو تذكر في الأثناء وضاق الوقت عن التدارك والاستئناف ففيه إشكال،


1. التهذيب 1: 50 ح 145، الاستبصار 1: 55 ح 161، الوسائل 1: 224 أبواب أحكام الخلوة ب 10 ح 4. 2. الكافي 3: 61 ح 6، التهذيب 1: 261 ح 760، الوسائل 2: 1017 أبواب النجاسات ب 13 ح 1. 3. راجع ص 265.

[ 273 ]

والأحوط الإتمام والقضاء. بقي هنا امور: الأول: إذا علم بالنجاسة بعد التمام وشك أنها كانت معه في الصلاة أو حصلت بعدها فالأصل يقتضي عدم الالتفات، وظاهر المنتهى أنه عليه الإجماع بين أهل العلم (1). الثاني: إذا وقعت عليه النجاسة في الصلاة وزالت ثم اطلع عليها فالأصل عدم الالتفات، ولا تشمله أدلة البطلان والإعادة. وبناه في المعتبر على القول بإعادة الجاهل في الوقت (2)، وفيه ما فيه. الثالث: لو علم بالنجاسة السابقة في الأثناء وتضيق الوقت عن الإزالة والإعادة، فعن الشهيد في البيان القطع بوجوب الاستمرار (3). واحتمله في الذكرى، مستندا باستلزامه القضاء المنفي قطعا (4)، وهو الظاهر من المحقق في المعتبر (5). واستشكله في المدارك (6)، ومنع بطلان استلزام القضاء من جهة إطلاق الأمر بالاستئناف المتناول لهذه الصورة. وأنت خبير بأن المتبادر من تلك الأخبار الاستئناف في الوقت، والأظهر القول بالاستمرار والدوام، لأن وجوب إزالة النجاسة إنما هو للصلاة، لا لنفسه، والوجوب الغيري لا معنى له مع عدم التمكن من الغير، ووجوب القضاء بفرض


1. المنتهى 1: 184. 2. المعتبر 1: 443. 3. البيان: 96. 4. الذكرى: 17. 5. المعتبر 1: 443. 6. المدارك 2: 354.

[ 274 ]

جديد، وهو غير مستفاد من الأخبار المتقدمة كما ذكرنا، فيكون وجوب إزالة النجاسة هنا للصلاة في معنى سقوط فرض الصلاة عنه في الوقت، ولا ريب أنه لا يجوز القول بسقوط ما وجب عليه يقينا بسبب احتمال اشتراطه بشئ، وهذا هو الكلام فيما لو علم بالنجاسة قبل الصلاة وضاق الوقت عنه، ونظيره ما لو ضاق الوقت عن المائية مع وجود الماء فيتيمم ويصلي كما مر. ويؤيد ما ذكرنا سقوط القبلة والقراءة والركوع والسجود في أوقات الضرورة لمراعاة الوقت، ومن قضاها بعد الوقت فقد احتاط. وفذلكة المختار في هذا المبحث: أن المصلي إذا دخل في الصلاة مع النجاسة، فإما أن يكون عالما بالنجاسة قبل الصلاة، أو يكون جاهلا. وعلى الأول، فإما أن يدخلها مع ذلك عامدا عالما، أو يدخلها ناسيا. وعلى الأول فتبطل صلاته، سواء كان عالما بالمسألة أو جاهلا بها، وبطلان صورة العلم بالمسألة مخصوصة بما إذا اتسع الوقت، وإلا فيجوز الدخول فيها مع النجاسة. وعلى الثاني فإما أن يتذكرها بعد الفراغ أو في الأثناء، وعلى الأول فيعيد مطلقا، سواء بقي الوقت أو خرج، وكذلك على الثاني، ولو ضاق الوقت فالأحوط الإتمام والإعادة. وأما مع الجهل بالنجاسة، فإما أن يعلم بها بعد الفراغ أو في الأثناء، وعلى الأول، فلا يعيد سواء بقي الوقت أو خرج، اجتهد في صورة حصول الشك قبلها أم لم يجتهد. وعلى الثاني، فإن حصل له العلم بسبق النجاسة على الصلاة فيعيد مطلقا إلا مع ضيق الوقت فيتم، ولا يجب القضاء وإن كان أحوط. وإن حصل له العلم بحصولها في الأثناء فيزيلها ويبني على صلاته لو لم يوجب مبطلا، ويستأنف بعد الإزالة مع إيجابه، والكلام مع ضيق الوقت كما تقدم.

[ 275 ]

والأظهر فيما لو شك في سبقها وعدمه أيضا التفصيل. وإذا رأى نجاسة بعد الصلاة وشك في استصحابها حال الصلاة فلا يلتفت، وكذا لو وقعت النجاسة عليه في الصلاة وارتفعت ثم علم بها. الرابع: قد عفي عن الصلاة مع النجاسة في مواضع: الأول: دم القروح والجروح، والظاهر عدم الخلاف فيه في الجملة، ولكنهم اختلفوا في الحد الموجب للترخيص، فاعتبر بعضهم سيلان الدم دائما من غير انقطاع، مثل المفيد في المقنعة (1)، والعلامة والشهيد في بعض كتبهما (2). وزاد في المعتبر: أو تعاقب الجريان على وجه لا تتسع فتراته لأداء الفريضة (3). واعتبر في القواعد حصول المشقة (4). وزاد في المنتهى والتحرير على ذلك عدم وقوف الجريان (5). وأوجب في المنتهى إبدال الثوب مع الإمكان، معللا بانتفاء المشقة، فينتفي الترخيص. ويشكل اعتبار المشقة: بأن المراد منها إن كان هي المشقة والعسر والحرج المنفيات في الشرع، فلا اختصاص لها بهذه النجاسة، وإن كان غيرها فلا دليل عليه، مع أن الظاهر أنهم متفقون على ثبوت خصوصية لهذا الدم. والأظهر أنه معفو مطلقا ما لم يبرأ، كما اختاره المحقق الشيخ علي (6)،


1. المقنعة: 70. 2. التذكرة 1: 73، الذكرى: 16. 3. المعتبر 1: 429. 4. القوائد 1: 193. 5. المنتهى 1: 172، التحرير 1: 24. 6. جامع المقاصد 1: 171.

[ 276 ]

والشهيد الثاني (1)، وجماعة من المتأخرين (2)، وهو الظاهر من الصدوق في الفقيه (3). لنا: الإطلاقات الكثيرة، بل العمومات المستفادة من ترك الاستفصال وغيره، مثل صحيحة ليث المرادي قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوءة دما وقيحا، فقال: (يصلي في ثيابه ولا يغسلها ولا شئ على) (4) وتقرب منه صحيحته الاخرى (5). بل صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام كالصريحة في عدم اشتراط دوام السيلان، قال: سألته عن الرجل يخرج به القروح فلا يزال يدمي، كيف يصلي ؟ فقال: (يصلي وإن كانت الدماء تسيل (6) فجعل فيها جواز الصلاة بدون السيلان الفرد الأظهر. وقيد عدم زوال الإدماء في كلام الراوي لا يدل على اشتراطه، مع أنه لا يفيد الاستمرار عرفا أيضا، كما يقال فلان يتكلم دائما بالبذاء، ويراد بذلك حصوله منه مكررا لا دائما. وكذلك رواية سماعة عن الصادق عليه السلام، قال: (إذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسل حتى يبرأ وينقطع الدم (7) مع أن ثبوت السيلان للجرح لا يستلزم ثبوته دائما.


1. روض الجنان: 165، الروضة البهية 1: 298. 2. المدارك 2: 309، الرياض 2: 381. 3. الفقيه 1: 43. 4. التهذيب 1: 258 ح 750، الوسائل 2: 1029 أبواب النجاسات ب 22 ح 5. 5 التهذيب 1: 285 ح 748، الوسائل 2: 1028 أبواب النجاسات ب 22 ح 1. 6. التهذيب 1: 25 8 ح 749، وص 348 ح 1025، الاستبصار 1: 177 ح 615، الوسائل 2: 1029 أبواب النجاسات ب 22 ح 4. 7. التهذيب 1: 259 ح 752، الوسائل 2: 1030 أبواب النجاسات ب 22 ح 7.

[ 277 ]

ومع ذلك كله فهذه الرواية لا تقاوم الصحاح وغيرها. والظاهر أن المراد بالبرء هو صيرورته بحيث ينقطع دمه لا الاندمال. ويحتمل الاندمال، كما هو مقتضى ظاهر موثقة أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام وهو يصلي، فقال لي قائدي: إن في ثوبه دما، فلما انصرف قلت له: إن قائدي أخبرني أن بثوبك دما، فقال: (إن بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ (1). ولا فرق بين القليل والكثير، والثوب والبدن، كما يستفاد من الأخبار (2). ولا يجب إبدال الثوب، ولا تخفيف النجاسة، ولا تعصيب موضع الدم، وعن ظاهر الشيخ في الخلاف أنه إجماعي بين الطائفة (3)، وكل ما ذكرنا مستفاد من الأخبار. وأما صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله، أو موثقته لأبان، عن الصادق عليه السلام قال، قلت له: الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي، فقال: (دعه فلا يضرك أن لا تغسله (4) فهو لا يفيد وجوب الربط لو قدر عليه كما لا يخفى، غاية الأمر قصر الجواب على السؤال، فلا ينفي حكم ما عداه. والأحوط الاقتصار على ما تصله الدماء عادة من الثوب والبدن، فلو تعدى الدم عن محل الضرورة فالأظهر عدم العفو، وإن كان محتملا بالنظر إلى الإطلاقات. وأما لو لاقاه جسم رطب فلاقى بدن المصلي أو ثوبه ففيه وجهان، ويجئ نظيره


1. الكافي 3: 58 ح 1، التهذيب 1: 258 ح 747، الاستبصار 1: 177 ح 616، الوسائل 2: 1028 أبواب النجاسات ب 22 ح 1. 2. الوسائل 2: 1028 أبواب النجاسات ب 22. 3. الخلاف 1: 252 مسألة 225. 4. التهذيب 1: ح 750، الوسائل 2: 1029 أبواب النجاسات ب 22 ح 5.

[ 278 ]

في الاقل من الدرهم. وأما مثل العرق الذي قل ما ينفك عنه البدن فالظاهر العفو. ويستحب لصاحب القروح والجروح غسل ثوبه كل يوم مرة، لرواية سماعة قال: سألته عن الرجل به القرح أو الجرح ولا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه، قال: (يصلي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلا مرة، فإنه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة (1). وحملناها على الاستحباب، لعدم مقاومتها للأخبار الكثيرة المعتبرة (2) وإن كان سندها لا يخلو من قوة أيضا. الثاني: الدم المسفوح الأقل من الدرهم بإجماع أصحابنا، نقله الفلاضلان (3) وغيرهما. ولا خلاف في عدم العفو عن الأزيد منه أيضا، وادعى عليه الإجماع العلامة في جملة من كتبه. ويستفاد الحكمان من الأخبار أيضا (4) كما سنذكر جملة منها. واختلفوا فيما ساواه، فعن السيد (5) وسلار (6) العفو، والأكثرون على العدم (7)، وهو المختار، لاستصحاب شغل الذمة، والعمومات، وخصوص صحيحة عبد الله بن أبي يعفور قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في دم البراغيث ؟ قال: (ليس به بأس قال، قلت: إنه يكثر ويتفاحش، قال: (وإن كثر) قال، قلت:


1. الكافي 3: 58 ح 2، التهذيب 1: 258 ح 748، الاستبصار 1: 177 ح 617، الوسائل 2: 1029 أبواب النجاسات ب 22 ح 2. 2. الوسائل 2: 1029 أبواب النجاسات ب 22. 3. المعتبر 1: 429، المختلف 1: 477، التذكرة 1: 73، نهاية الإحكام 1: 285. 4. الوسائل 2: 1026 أبواب النجاسات ب 20. 5. الانتصار: 13. 6. المراسم: 55. 7. كالصدوق في الفقيه 1: 42، والمفيد في المقنعة: 69، والشيخ في النهاية: 52، وابن البراج في المهذب 1: 51، والمحقق في الشرائع 1: 45.

[ 279 ]

فالرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم، ثم يعلم به فينسى أن يغسله فيصلي، ثم يذكر بعد ما صلى أيعيد صلاته ؟ قال: (يغسله ولا يعيد صلاته، إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة (1). ورواية جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام أنهما قالا: (لا بأس بأن يصلي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرقا شبه النضح، وإن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم) (2). وأما صحيحة إسماعيل الجعفي عن الباقر عليه السلام، قال: (في الدم يكون في الثوب إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة، وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه ولم يغسله حتى صلى فليعد صلاته، وإن لم يكن رآه ولم يغسله حتى صلى فلا يعيد الصلاة) (3) فلا يمكن الاستدلال بها، لتعارض المفهومين وتساقطهما، ولعل عدم الالتفات إلى صورة المساواة لندرتها. حجة القول بالعفو: حسنة محمد بن مسلم المتقدمة في المبحث السابق (4). والجواب عنها عدم مقاومتها لما ذكرنا وإن قلنا بحجية الحسن وعدم ضرر الإضمار من مثل محمد كما هو الحق. وفي دلالتها أيضا تأمل، ويظهر وجهه بالتأمل فيما ذكرنا في صحيحة الجعفي. ومن ذلك يظهر بطلان الاستدلال بصحيحة الجعفي على ذلك أيضا. ومرادهم من الدرهم سعته لا مقداره بالاتفاق، وتدل عليه الأخبار أيضا، فلا حظ صحيحة ابن أبي يعفور وغيرها تجد ما ذكرنا، هذا.


1. التهذيب 1: 225 ح 740، الاستبصار 1: 176 ح 611، الوسائل 2: 1026 أبواب النجاسات ب 20 ح 1. 2. التهذيب 1: 256 ح 742، الاستبصار 1: 176 ح 612، الوسائل 2: 1026 أبواب النجاسات ب 20 ح 4. 3. التهذيب 1: 225 ح 739، الاستبصار 1: 175 ح 610، الوسائل 2: 1026 أبواب النجاسات ب 20 ح 2. 4. ص 264.

[ 280 ]

ولكن الإشكال في تحديد مقدار سعة الدرهم والمراد منه، وظاهرهم الاتفاق على أن المراد من هذا الدرهم ليس هو الدرهم المتداول في نصاب الزكاة والديات وغيرها، وهو ما كان وزنه ستة دوانيق، كل دانق ثمان حبات من أوسط حب الشعير، والمشهور أنه الدرهم الوافي المضروب من درهم وثلث (1). وقال المحقق: إن ذلك المذكور يسمى بالبغلي نسبة إلى قرية بالجامعين (2). وعن جماعة أنه على هذا التفسير بفتح الغين وتشديد اللام (3). وقيل: البغلي بسكون الغين منسوبا إلى رأس البغل (4). وعن ظاهر العلامة الاتفاق على أن الدرهم المعفو يسمى بالبغلي (5). ويظهر من ابن إدريس الخلاف، فقال: إن الشارع عفا عما دون الدرهم الوافي المضروب من درهم وثلث، وبعضهم يقول دون قدر الدرهم البغلي منسوب إلى مدينة يقال لها (بغل) قريبة من بابل بينها وبينها قريب من فرسخ متصلة ببلد الجامعين، يجد فيها الحفرة والغسالون دراهم واسعة شاهدت درهما من تلك الدراهم، وهذا الدرهم أوسع من الدرهم المضروب بمدينة السلام المعتاد تقرب سعته من سعة أخمص الراحة (6)، انتهى. وقيل: إن الدراهم البغلية هي الدراهم الكسروية التي وزنها ثمانية دوانيق، وحدثت له التسمية لنسبته إلى رأس البغل، ضربه الثاني في ولايته بسكة كسروية والمقدار بحاله، وجرت في المعاملة مع الطبرية التي هي أربعة دوانيق، فلما كان زمن عبد الملك جمع بينهما، واتخذ الدراهم منهما، واستقر أمر


1. منهم الشيح الصدوق في الفقيه 1: 42، والشيخ المفيد في المقنعة: 69. 2. المعتبر 1: 430. 3. المدارك 2: 314. 4. نقله عن ابن دريد في الذكرى: 16. 5. المنتهى 1: 172. 6. السرائر 1: 177.

[ 281 ]

الإسلام على ستة دوانيق (1). قال في الذكرى: ونقل هذه التسمية ابن دريد (2). وصاحب الذخيرة بعد ما نقل أكثر ما ذكر، قال: ويعلم من ذلك أن الدرهم كان يطلق على البغلي وغيره، وأن البغلي ترك في زمان عبد الملك، وزمان الباقر والصادق عليهما السلام متأخر عن ذلك، فيشكل حمل الدرهم على ذلك في الأخبار (3). أقول: واتفاقهم على عدم إرادة الدرهم المعهود في سائر الأحكام ظاهرا يسهل الأمر في ذلك، فإن تفاسيرهم للدرهم في هذا المقام لا تخرج عن ذلك، فهو قرينة على إرادة غير المعهود. مع أن العلامة في التحرير قال: الدراهم في صدر الإسلام كانت صنفين: بغلية وهي السود، كل درهم ثمانية دوانيق، وطبرية، كل درهم أربعة دوانيق، فجمعا في الإسلام وجعلا درهمين متساويين وزن كل درهم ستة دوانيق، فصار وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكل درهم نصف مثقال وخمسه، وهو الدرهم الذي قدر به النبي صلى الله عليه وآله المقادير الشرعية، إلى أن قال: والدانق ثماني حبات من أوسط حب الشعير (4)، انتهى. ولكن الإشكال في تحديد سعة الدرهم الوافي المضروب من درهم وثلث، وسعة الدرهم البغلي، وهو مجهول لنا الآن. (وقيل) (5): إن كلام ابن إدريس بظاهره يفيد مخالفة التفسيرين، وأنهما متغايران، وإن كان يمكن إرجاعه إلى النزاع في التسمية.


1 و 2. الذكرى: 16. 3. الذخيرة: 159. 4. التحرير 1: 64. 5. في جميع النسخ: وفي، وصححناه.

[ 282 ]

والذي بلغنا في مقدار السعة هو تحديد ابن إدريس ومن وافقه (1) بأخمص الراحة، وابن الجنيد بعقد الإبهام الأعلى (2)، وابن أبي عقيل بسعة الدينار (3)، والكل متقارب، لكن الكل تقريبي. والأحوط أن لا يتجاوز عن مقدار محمدية حويزاوية، أو ظفر الإبهام، فإن الاصول متعارضة، واستصحاب شغل الذمة بالعبادة يقتضي الاقتصار على الأقل، كما أن الاحتياط فيما يسجد عليه أن لا يقصر عن أخمص الراحة إن اعتبرنا فيه مقدار الدرهم. ثم إن الأخبار وردت في الثوب، والظاهر أن حكم البدن أيضا كذلك، وأسنده في المنتهى إلى الأصحاب (4). وتؤيده رواية مثنى الحناط، عن الصادق عليه السلام قال، قلت له: إني حككت جلدي فخرج منه دم، فقال: (إن اجتمع منه قدر حمصة فاغسله، وإلا فلا (5). ولعل المراد بمقدار الحمصة سعة دم يكون وزنه بمقدار الحمصة، ويؤيد ذلك اتفاقهم على اعتبار السعة دون الوزن، والتشبيه بالحمصة لا يناسب إرادة سعة الحمصة. مع أن الدم إذا خرج من البدن يكون مجتمعا في البادئ ثم ينبسط. واستثنى الأصحاب من هذا الحكم دم الحيض، لرواية أبي بصير، عن الصادق


1. كالمحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 170، والشهيد الثاني في روض الجنان: 166، وصاحب الرياض 2: 374. 2. ونقله عنه في المختلف 1: 475، والتذكرة 1: 74. 3. نقله عنه في المختلف 1: 477، والتذكرة 1: 74. 4. المنتهى 1: 172. 5. التهذيب 1: 255 ح 741، الاستبصار 1: 176 ح 613، وفي الوسائل 2: 1027 أبواب النجاسات ب 20 ح 5 بتفاوت يسير.

[ 283 ]

عليه السلام، أو أبي جعفر عليه السلام، قال: (لا تعاد الصلاة من دم لم تبصره إلا دم الحيض، فإن قليله وكثيره في الثوب إن رآه وإن لم يره سواء (1) ولا يضر ضعفها لا نجبارها بالعمل، بل الإجماع كما يظهر من ابن إدريس (2). وكلام فقه الرضا عليه السلام أيضا صريح بعدم العفو عن قليله وكثيره، ثم قال: (وأعد منه صلاتك علمت به أو لم تعلم (3). وأما الاستحاضة والنفاس فنقل إلحاقهما بالحيض في المنتهى عن الشيخ ومن تبعه، واختار هو أيضا ذلك (4)، للآية (5)، والأصل، ولأن دم النفاس دم الحيض في الحقيقة، وأراد بالأصل العموم، أو هو مع استصحاب شغل الذمة. والصواب الاستدلال على ذلك بظاهر الإجماع المنقول، فإن ابن إدريس نفى الخلاف عندنا في عدم العفو عن قليل الدماء الثلاثة وكثيرها في الثوب والبدن للصلاة (6)، ومع اعتضاده بما استدل به العلامة ينهض حجة. وأما الاستدلال بالإجماع المنقول في المنتهى (7) على وجوب تبديل القطنة لكل صلاة فإنما يتم لو كان ذلك من جهة عدم العفو مطلقا، وهو غير معلوم، ولذلك لم يستدل هو - رحمه الله - بذلك ههنا. وكذا الأخبار، مثل صحيحة صفوان، عن أبي الحسن عليه السلام قال، قلت له: جعلت فداك، إذا مكثت المرأة عشرة أيام ترى الدم ثم طهرت، فمكثت


1. الكافي 3: 405 ح 3، التهذيب 1: 257 ح 745، الوسائل 2: 1028 أبواب النجاسات ب 21 ح 1. 2. السرائر 1: 176. 3. فقه الرضا (ع): 95. 4. المنتهى 1: 172، وصرح بذلك الشيخ في المبسوط 1: 35، والنهاية: 51، وممن تبعه ابن حمزة في الوسيلة: 77، والقاضي في المهذب 1: 51. 5. المدثر: 4. 6. السرائر 1: 176. 7. المنتهى 1: 120.

[ 284 ]

ثلاثة أيام طاهراثم رأت الدم بعد ذلك، أتمسك عن الصلاة ؟ قال: (لا، هذه مستحاضة، تغتسل وتستدخل قطنة بعد قطنة، وتجمع بين صلاتين بغسل، ويأتيها زوجها إن أراد (1). وموثقة أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال في آخرها: (فإذا تمت ثلاثون يوما فرأت دما صبيبا اغتسلت واستثفرت واحتشت بالكرسف في وقت كل صلاة، فإذا رأت صفرة توضأت (2). ورواية إسماعيل الجعفي، عن الباقر عليه السلام، قال: (المستحاضة تقعد أيام قرئها، ثم تحتاط بيوم أو يومين، فإن هي رأت طهرا اغتسلت، وإن هي لم تر طهرا اغتسلت واحتشت، فلا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف، فإن ظهر أعادت الغسل وأعادت الكرسف (3) لا دلالة فيها على أن تغيير القطنة لعدم العفو عن تلك النجاسة، خصوصا بعنوان العموم، بل لا دلالة فيها على التبديل أصلا، ولعل المراد من استدخال القطنة بعد القطنة اعتبار حال الاستحاضة ومعرفة أقسامها وأحكامها. وعلى فرض التسليم فلعله من جهة حفظه عن السيلان بين الصلاة، فالمعيار تقليل حالته الحدثية أو غير ذلك. مع أنه سيجئ أن نجاسة ما لا تتم فيه الصلاة معفوة أية نجاسة كانت، فاستثناء قطنة المستحاضة إما مستثناة من ذلك بخصوصها لو سلم شمول الدليل لها، أو حكم بخصوصه ثبت من دليل خاص (أو عدم) (4) العفو ليس من جهة خصوصية نجاسة دم الاستحاضة، بل لبعض ما ذكرنا.


1. الكافي 3: 90 ح 6، التهذيب 1: 170 ح 486، الوسائل 2: 604 أبواب الاستحاضة ب 1 ح 3. 2. التهذيب 1: 380 ح 1180، الاستبصار 1: 132 ح 454، الوسائل 2: 545 أبواب الحيض ب 6 ح 3. 3. التهذيب 1: 171 ح 488، الاستبصار 1: 149 ح 512، الوسائل 2: 607 أبواب الاستحاضة ب 1 ح 10. 4. في (ص) لعدم.

[ 285 ]

وألحق القطب الراوندي بالدماء الثلاثة دم نجس العين (1)، ولم نقف له على ما يعتمد (2) عليه. وقد يخرج له بأنه بسبب ملاقاته لجسد نجس العين، فلعله مبني على أن عنوان ما دل على العفو عن الدم إنما يفهم منه العفو عن نجاسة الدم من حيث إنه دم، نظير ما مر في وقوع الإنسان الكافر في البئر. ولا ريب أن ما ذكره أحوط، ولكن ابن إدريس نسبه إلى مخالفة الإجماع، وقال: إنه هدم وجرح لإجماع أصحابنا (3). ثم إنهم اختلفوا في الدم المتفرق على أقوال، فالأكثر على وجوب إزالته إذا بلغ المجموع مقدار الدرهم على تقدير الاجتماع (4). واختار ابن إدريس (5) والمحقق في الشرائع (6) عدم الوجوب. وعن الشيخ في النهاية لا تجب إزالته ما لم يتفاحش (7)، وهو خيرة المعتبر (8). والأول أظهر، لصحيحة عبد الله بن أبي يعفور (9)، فإن المتبادر منها هو أن الدم المسئول عنه إذا كان مقدار الدرهم حال كونه مقدرا فيه الاجتماع تجب الإعادة. وهذا ليس من باب الحال المقدرة مثل قولهم: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، حتى يرد أنه لا بد من مخالفة زمان الحال مع العامل فيها، وما نحن فيه ليس


1. نقله عنه في السرائر 1: 177، والمختلف 1: 476، والتحرير 1: 24. 2. في (م)، (ح): نعتمد. 3. السرائر 1: 177. 4. كابن حمزة في الوسيلة: 77، والعلامة في المنتهى 1: 173، والقواعد 1: 193، والتحرير 1: 24. 5. السرائر 1: 178. 6. الشرائع 1: 45. 7. النهاية: 52. 8. المعتبر 1: 431. 9. التهذيب 1: 255 ح 740، الاستبصار 1: 176 ح 611، الوسائل 2: 1026 أبواب النجاسات ب 20 ح 1.

[ 286 ]

كذلك، بل بمعنى تقدير الاجتماع مع كون الحال محققة، مثل قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا. وفي الرواية احتمالات ثلاثة اخر تمسك بها المانعون من اعتبار التقدير، أحدها: أن تكون (مجتمعا) خبرا ليكون، ومقدار الدرهم اسمها. وثانيها: أن يجعل (مجتمعا) حالا محققة، يعني: إلا أن يكون الدم مقدار الدرهم حال كونه مجتمعا. وثالثها: أن يجعل (مجتمعا) خبرا بعد خبر. وكلها بعيدة، فإن السؤال عن الدم المتفرق، ولا تلائمه تلك الأجوبة إلا بتكلف. ومرسلة جميل (1) أيضا ظاهرة فيما ذكرناه أو محتملة للأمرين. والعمومات (2) وإطلاق حسنة محمد بن مسلم (3) وغيرها واستصحاب شغل الذمة كلها مع المختار، وهو معتضد بالاعتبار من عدم التفرقة بين المجتمع والمتفرق. ثم في جريان الحكم فيما لو كان التفرق في أكثر من ثوب، أو في البدن، أو الثوب والبدن، وعدمه، أو انفراد كلها منهما في حكمه وجوه. ثم إن المحكم في وحدة الدم وتعدده هو العرف، فإذا أصاب الدم وجهي الثوب بالتفشي فهو دم واحد، ولا فرق بين الرقيق والصفيق كما فعله الشهيد (4). وفيما لاقى الدم المعفو رطب طاهر قولان (5)، أظهرهما العفو، سيما في مثل العرق، فالأحوط الاجتناب في غيره.


1. التهذيب 1: 256 ح 742، الاستبصار 1: 176 ح 612، الوسائل 2: 1026 أبواب النجاسات ب 20 ح 4. 2. الوسائل 2: 1026 أبواب النجاسات ب 20. 3. الكافي 3: 59 ح 3، الوسائل 2: 1027 أبواب النجاسات ب 20 ح 6. 4. الذكرى: 16. 5. ذهب إلى العفو صاحب المدارك 2: 317، وإلى وجوب الإزالة العلامة في المنتهى 1: 174.

[ 287 ]

ولو ازيلت العين بما لا يطهرها - مثل أن يحكها - فالأقرب بقاء العفو. وأما التفاحش المذكور فلم نعرف له وجها، ومستندا، ومقدرا. قال في المعتبر (1): وقد اختلف قول الفقهاء فيه، فبعض قدره بالشبر (2)، وبعض بما يفحش في القلب (3)، وقدره أبو حنيفة بربع الثوب (4)، والمرجع فيه إلى العادة لأنها كالأمارة الدالة على المراد باللفظ إذا لم يكن له قدر شرعا ولا وضعا. فائدة: قال في الدروس: لو اشتبه الدم المعفو بغيره فالأقرب العفو، ولو اشتبه الطاهر بغيره فالأصل الطهارة (5). أما الحكم الثاني فكما ذكره، لكن بمعنى أصالة بقاء محله على الطهارة وعدم تنجس ملاقيه. وأما الأول فلا يخلو عن إشكال، وإن كان الأظهر ذلك، لأصالة عدم وجوب الإزالة. ولا يعارضه عموم وجوب إزالة مطلق الدم عن الثوب، سيما مع اعتضاد ما ذكرنا بأن الظن يلحق بالأعم الأغلب، وبعموم ما دل على العفو عن الدم (6). الثالث: نجاسة ما لا تتم فيه الصلاة منفردا، أية نجاسة كانت، وهو في الجملة مما لم يظهر فيه خلاف. والأقوى العفو مطلقا، سواء كان من الملابس أو غيرها، في محالها كانت أو في


1. المعتبر 1: 431. 2. كأبي بكر الرازي انظر حلية العلماء 2: 44، وشرح فتح القدير 1: 178، والتذكرة 1: 72. 3 حكاه في المعتبر 1: 431. 4. حلية العلماء 2: 44، ونقله عنه في المعتبر 1: 431. 5. الدروس 1: 124. 6. انظر الوسائل 2: 1026 أبواب النجاسات ب 20.

[ 288 ]

غيرها، للأصل وعدم الدليل على كون حمل النجاسة مبطلا. والذي ثبت من الأدلة هو وجوب طهارة الثوب أو عدم نجاسته، ولا يصدق على غير الملابس جزما كالسكين والسيف والمحبرة والمنديل ونحو ذلك، بل ولا على الملابس كالتكة والقلنسوة والجورب والخف والكمرة ونحوها أيضا. مع أن الأخبار المستفيضة ناطقة بذلك، مثل صحيحة صفوان، عن حماد بن عثمان، عمن أخبره، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يصلي في الخف الذي قد أصابه قذر، فقال: (إذا كان مما لا تتم فيه الصلاة فلاآبأس (1) والظاهر أن المراد التعليل لا الشرط، لظهور أن الخف ليس مما تتم فيه الصلاة. وموثقة زرارة، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشئ، مثل القلنسوة والتكة والجورب (1). ورواية عبد الله بن سنان، عمن أخبره، عن الصادق عليه السلام، قال: (كل ما كان على الإنسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلى فيه وإن كان فيه قذر، مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما أشبه ذلك (3) إلى غير ذلك من الأخبار. وابن إدريس خص الحكم بالملابس (4)، ولا وجه له، لعدم الدليل على إبطال حمل النجاسة للصلاة مطلقا. ومن ذلك يظهر ضعف ما اختاره العلامة (5) والشهيد (6) في بعض أقواله من


1. التهذيب 1: 274 ح 708، الوسائل 2: 1045 أبواب النجاسات ب 31 ح 2. 2. التهذيب 2: 358 ح 1482، الوسائل 2: 1045 أبواب النجاسات ب 31 ح 1. 3. التهذيب 1: 275 ح 810، الوسائل 2: 1046 أبواب النجاسات ب 31 ح 5. 4. السرائر 1: 184. 5. المنتهى 1: 174، القواعد 1: 193، التحرير 1: 24، التذكرة 2: 482. 6. البيان: 96.

[ 289 ]

اشتراط كونها في محالها أيضا مع ذلك. وحصره الراوندي في القلنسوة والتكة والجورب والخف والنعل (1)، وتدفعه الأخبار (2). وفي العمامة إشكال، وألحقها الصدوق بالمذكورات (3)، وهو المنقول عن والده (4). ووجهه الراوندي بإرادة العمامة الصغيرة كالعصابة (5). ويدل على استثناء العمامة صريح فقه الرضا عليه السلام (6)، وليس بذلك البعيد، لعدم شمول اسم الثوب لها وإن سترت العورة إذا نشرت وفك أكوارها، لأنها لا تسمى حينئذ عمامة. لا يقال: إن القميص القصير الذي لا يستر لا تتم معه الصلاة على هذا الوصف أيضا، فلا تضر نجاسته، لأنه داخل في الثوب جزما، ويشمله ما دل على وجوب طهارة الثوب، وعلى هذا فيصير حال المنطقة الكبيرة مثل ما تداول الآن للرجال نظير حال العمامة. نعم لو جعلت العمامة والمنطقة بعد النشر إزارا مثلا أو رداءا فيشملهما الحكم. ويشكل المقام بمثل من كان حاملا لكرباس مطوي نجس يمكن ستر العورة به، لأن المتبادر من الأثواب الواردة في الأخبار الدالة على وجوب طهارتها أثواب المصلي التي يلبسها. ولا يمكن التمسك بمفهومات هذه الأخبار أيضا، فإن الظاهر منها الملابس بالفعل أو ما يتعارف كونها معه كالكمرة في الكيس، بل يمكن القول بذلك فيما إذا كان


1. نقله عنه في المختلف 1: 484. 2. الوسائل 2: 1045 أبواب النجاسات ب 31. 3. الفقيه 1: 42. 4. نقله عنه في الذكرى: 17. 5. نقله عنه في المعتبر 1: 435. 6. فقه الرضا (ع): 95.

[ 290 ]

حاملا لثوب مخيط، كقميص أو سراويل غير قميص وسراويل نفسه اللذين يلبسهما بالفعل. وأما قميصه الملبوس بالفعل أو قباؤه إذا أخرجه وألقاه على عاتقه ونحو ذلك ففيه إشكال، بالنظر إلى عدم التبادر من الثوب المشترط طهارته في الأخبار، ومن شمول مفهوم مثل رواية ابن سنان بمقايسة المنطوق. والأحوط الاجتناب عن الجميع، سيما في المنطقة الكبيرة في محلها. وأما ما ورد في صلاة المختضب من التجويز إذا كانت خرقته طاهرة (1) فلا يدل على مذهب ابن إدريس، فإن الغالب أن نجاسة الخرقة توجب نجاسة البدن في المختضب. ثم إذ قد عرفت أنه لا دليل واضح على بطلان الصلاة بحمل النجاسة مطلقا كما هو مختار ابن إدريس (2) والعلامة (3) بعد الشيخ في المبسوط (4)، فيتجه القول بعدم مضرة حمل المصلي قارورة مشدودة الرأس فيها نجاسة، بل مفتوحته أيضا إذا لم يسر إلى الثوب والبدن، كما هو مختار الشيخ في الخلاف (5) والمحقق (6) وغيرهما. ولو أدخل دما نجسا تحت جلده، فإن صار من جملة البواطن فلا دليل أيضا على وجوب إخراجه وبطلان الصلاة معه، ولو احتقن الدم تحت الجلد فهو أولى بعدم الضرر أصلا. ولا بأس بحمل الإنسان صبيا أو حيوانا طاهرا مأكولا، للأصل، وفعل النبي


1. الوسائل 3: 311 أبواب لباس المصلي ب 39. 2. السرائر 1: 189. 3. المختلف 1: 491. 4. المسبوط 1: 94. 5. الخلاف 1: 503 مسألة 244. 6. المعتبر 1: 443.

[ 291 ]

صلى الله عليه وآله (1). وعلى ما ذكرنا فلو نسي واستصحب منديلا نجسا ونحوه فأولى بعدم المضرة، لعدم ثبوت الاشتراط في حال النسيان ولو سلمناه. الرابع: ثوب المربية للصبي، فالمشهور أنه يكتفى بغسله كل يوم مرة (2)، لرواية أبي حفص، عن الصادق عليه السلام، قال: سئل عن امرأة ليس لها إلا قميص، ولها مولود فيبول عليها، كيف تصنع ؟ قال: (تغسل القميص في اليوم مرة) (3). وربما يستدل بالحرج، وهو لا يتم في خصوص المطلوب، إذ قد يستلزم أقل من ذلك، وقد لا يلزم في الأزيد. وتأمل بعض المتأخرين في أصل الحكم (4) لضعف المستند (5)، وفيه: أن العمل يجبره. والمولود يشمل الصبية، فلا وجه للاقتصار على الصبي، ولذلك ذهب أكثر المتأخرين إلى التعميم (6)، خلافا لبعضهم حيث ادعى تبادر الصبي (7). ويمكن التعدي إلى المربي مع وجود العلة، وكذا إلى أزيد من ثوب لو اضطر إلى ذلك، وإلى أزيد من ولد، وهكذا إلى الغائط، سيما مع شيوع إطلاق البول عليهما للاستهجان. والظاهر من اليوم هو مع ليلته.


1. سنن البيهقي 2: 263، مستدرك الصحيحين 3: 165، أسد الغابة 2: 389، مجمع الزوائد 9: 175، 181. 2. النهاية: 55، المبسوط 1: 39، المنتهى 1: 176، البيان: 41. 3. الفقيه 1: 41 ح 161 مرسلا، التهذيب 1: 250 ح 719، الوسائل 2: 1004 أبواب النجاسات ب 4 ح 1. 4. المدارك 2: 355. 5. انظر خلاصة العلامة: 254 رقم 32. 6. جامع المقاصد 1: 175، الروضة البهية 1: 525. 7. الرياض 2: 406.

[ 292 ]

ويمكن التعدي إلى البدن على إشكال. وفي وجوب الغسل والاكتفاء بالصب فيما لو كان صبيا رضيعا وجهان، والأقوى الأول، لظاهر النص (1). وجعل جماعة من الأصحاب إيقاعه في آخر النهار - لتقع الصلوات الأربع على الطهارة بحسب المقدور - أولى (2)، ولا بأس به. قال في الذخيرة: ولو اخلت بالغسل فالظاهر وجوب قضاء آخر الصلوات، لجواز تأخير الغسل إلى وقته (3). وألحق بثوب المربية جماعة من الأصحاب (4) نجاسة ثوب الخصي الذي يتواتر بوله إذا غسله مرة في النهار، للحرج، ورواية عبد الرحيم القصير، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن خصي يبول فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل بعد البلل، فقال: (يتوضأ وينضح ثوبه في النهار مرة واحدة) (5). وأنت خبير بأن الرواية مخالفة للفتوى مع ضعفها، وظاهره في المنتهى العمل بمضمون الرواية، والأولى الاعتماد على العسر والحرج والدوران مدارهما، فإن آل أمرهما إلى العمل بالرواية فلا بأس به كما يظهر من التذكرة. الخامس: لو لم يقدر على تطهير الثوب ولم يكن له غيره فلا خلاف بين الأصحاب ظاهرا في جواز الصلاة عريانا. قال في المنتهى: فلو صلى عاريا لم يعد


1. الكافي 3: 56 ح 6، التهذيب 1: 249 ح 715، الاستبصار 1: 173 ح 602، الوسائل 2: 1003 أبواب النجاسات ب 3 ح 2. 2. الشرائع 1: 46، المنتهى 1: 176، البيان 95. 3. الذخيرة: 165. 4. كالعلامة في التذكرة 2: 494، والمنتهي 1: 176، والشهيد في الذكرى: 17، والدروس 1: 127. 5. الكافي 3: 20 ح 6، الفقيه 1: 43 ح 168، التهذيب 1: 424 ح 1349، وص 353 ح 1051 بتفاوت، وراويها لم يثبت توثيقه. معجم رجال حديث رقم 6489.

[ 293 ]

الصلاة قولا واحدا (1). وهل تجوز له الصلاة في الثوب النجس أم لا ؟ فذهب الفاضلان في بعض أقوالهما (2)، والشهيدان (3) وجماعة من المتأخرين (4) وابن الجنيد من المتقدمين (5) إلى الجواز، ولكن ابن الجنيد قال بأنه أفضل، وتبعه الشهيدان، فمقتضى قولهم التخيير. وعن الشيخ (6) وابن البراج (7) وابن إدريس (8) والمحقق في الشرائع (9) والعلامة في أكثر كتبه (10) وجماعة اخرى (11) وجوب طرحه والصلاة عريانا، وهذا أقوى. لنا: الإجماع المنقول، نقله الشيخ في الخلاف (12)، وعمومات ما دل على اشتراط طهارة الثوب (13)، فإن الظاهر من الأدلة اشتراط طهارة الساتر، فلا عبرة بالساتر النجس، فلا يرد أن يقال إن ستر العورة شرط وطهارة الثوب أيضا شرط ولا وجه لترجيح أحدهما على الآخر (14). وخصوص موثقة سماعة، قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض وليس عليه إلا ثوب واحد، وأجنب فيه، وليس عنده ماء، كيف يصنع ؟ قال:


1. المنتهى 1: 182. 2. المحقق في المعتبر 1: 444، والعلامة في المختلف 1: 489، والمنتهى 1: 182. 3. الشهيد الأول في اللمعة: 29، والدروس 1: 127، والذكرى: 17، والشهيد الثاني في روض الجنان: 169. 4. كالمحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 178. 5. نقله عنه في المختلف 1: 489. 6. النهاية: 55، المبسوط 1: 90، الخلاف 1: 398 مسألة 150. 7. نقله عن كتاب الكامل في المنتهى 1: 182. 8. السرائر 1: 186. 9. الشرائع 1: 46. 10. التذكرة 2: 458، الإرشاد 1: 240، المختلف 1: 487. 11. كالمقداد في التنقيح الرائع 1: 154، وصاحب الرياض 3: 407. 12. الخلاف 1: 398 مسألة 150. 13. الوسائل 2: 1025 أبواب النجاسات ب 19. 14. كما في المعتبر 1: 445.

[ 294 ]

(يتيمم ويصلي عريانا قاعدا ويومئ إيماءا) (1). وموثقته الاخرى قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض فأجنب، وليس عليه إلا ثوب فأجنب فيه، وليس يجد الماء، قال: (يتيمم ويصلي عريانا قائما يومئ إيماءا) (2). ورواية محمد بن علي الحلبي عن الصادق عليه السلام: في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلا ثوب واحد وأصاب ثوبه مني، قال: (يتيمم، ويطرح ثوبه، ويجلس مجتمعا، ويصلي فيومئ إيماءا) (3). وليس في سندها من يتأمل فيه إلا محمد بن عبد الحميد وسيف بن عميرة، أما محمد بن عبد الحميد فالظاهر أنه ابن سالم العطار الثقة بقرينة رواية محمد بن أحمد بن يحيى عنه (4). وأما سيف بن عميرة فقد وثقه الشيخ (5) والعلامة (6) والشهيد في شرح الإرشاد، وضعف فيه القول بتضعيفه. وقال ابن شهر آشوب: إنه واقفي (7)، فلو ثبت ما ذكره فتكون الرواية موثقة، وظاهر الشهيد عدم الوقف، ووصف الرواية بالصحة الفاضل المجلسي في شرح الفقيه (8).


1. الكافي 3: 396 ح 15، التهذيب 2: 223 ح 881، الوسائل 2: 1068 أبواب النجاسات ب 46 ح 1. 2. التهذيب 1: 405 ح 1271، الاستبصار 1: 168 ح 582، الوسائل 2: 1068 أبواب النجاسات ب 46 ح 3. 3. التهذيب 1: 406 ح 1278، وج 2: 223 ح 882، الاستبصار 1: 168 ح 583، الوسائل 2: 1068 أبواب النجاسات ب 46 ح 4. 4. هداية المحدثين إلى طريقة المحمدين: 241. 5. الفهرست: 104. 6. رجال العلامة الحلي: 82. 7. معالم العلماء: 49 رقم 368. 8. روضة المتقين 2: 127.

[ 295 ]

وكيف كان فالرواية في غاية الاعتبار، فإذا تعاضدت بمثل هذا العمل فلا يبقى للتأمل في سندها مجال. وأنت خبير بأن ظاهرها الحكم بالصلاة عريانا، وحملها على الجواز خروج عن الظاهر. وهناك أخبار صحيحة اخر ظاهرها الحكم بالصلاة فيه بعنوان الحتم أولها الآخرون وجمعوا بينهما بالتخيير، منها صحيحة الحلبي قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره، قال: (يصلي فيه، وإذا وجد الماء غسله (1) وصحيحته الاخرى (2). وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عنه عليه السلام: عن الرجل يجنب في ثوب وليس معه غيره ولا يقدر على غسله، قال: (يصلي فيه (3). قال الصدوق: وفي خبر آخر قال: (يصلي فيه، فإذا وجد الماء غسله وأعاد الصلاة (4). صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن رجل عريان حضرت الصلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله، يصلي فيه أو يصلي عريانا ؟ فقال: (إن وجد ماءا غسله، وإن لم يجد ماءا صلى فيه، ولم يصل عريانا (5). وأجاب الشيخ عنها بحمل الصلاة على صلاة الجنازة، أو بأن المراد الصلاة فيه إذا لم يتمكن من نزعه، وحمل الدم في صحيحة علي بن جعفر على دم تجوز فيه الصلاة كدم السمك (6).


1. الفقيه 1: 40 ح 155، الوسائل 1: 1066 أبواب النجاسات ب 45 ح 1. 2. الفقيه 1: 160 ح 753، الوسائل 2: 1067 أبواب النجاسات ب 45 ح 3. 3. الفقيه 1: 160 ح 754، الوسائل 2: 1067 أبواب النجاسات ب 45 ح 4. 4. الفقيه 1: 40 ح 156. 5. التهذيب 2: 224 ح 884، الاستبصار 1: 169 ح 585، الوسائل 2: 1067 أبواب النجاسات ب 45 ح 5. 6. التهذيب 2: 224.

[ 296 ]

وأنت خبير بأن ذلك كله بعيد، وارتكابه شاهد صدق على عدم الاعتماد على ظاهر هذه الأخبار. ولذلك حمل الشيخ رواية عمار الآتية (1) على حال الضرورة، مع أنه لا دلالة فيها على ذلك. ولا يخفى أن حمل الأخبار على التخيير خروج عن ظاهر الطرفين، وهو إنما يتم مع التكافؤ. ولا ريب أن العمل على الروايات الأولة موجب ليقين البراءة بالإجماع، بخلاف هذه، مع أن العمل بهذه الصحاح أيضا ليس بذلك البعيد. وأما القول بالأفضلية بسبب أنه يوجب الستر وحصول كمال الصلاة بأركانها فيشكل، مع أن المرجحات في الطرف الآخر. ومما يضعف التخيير كثرة هذه الأخبار وصحتها، فإنها مع ذلك مهجورة عند قدماء الأصحاب إلى زمان المحقق والعلامة، وهما أيضا تختلف فتاواهما فيه في كتبهما. والكلام في القيام والقعود قد مر، واختلاف الروايتين منزل على ما اخترناه من التفصيل بحالتي الأمن من المطلع وعدمه، هذا كله في غير صورة الاضطرار. وأما لو اضطر إلى لبس الثوب لأجل البرد ونحوه فتجوز الصلاة فيه اتفاقا، بل قد تجب. وعن الشيخ (2) وجماعة (3) أنه يعيد مع ذلك، لموثقة عمار عن الصادق عليه السلام: إنه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب ولا تحل له الصلاة فيه، وليس يجد ماءا يغسله، كيف يصنع ؟ قال: (يتيمم ويصلي، فإذا أصاب ماءا غسله وأعاد الصلاة) (4) ويمكن أن يكون


1. التهذيب 2: 224 ح 886، الاستبصار 1: 169 ح 587، الوسائل 2: 1067 أبواب النجاسات ب 45 ح 8. 2. التهذيب 2: 224، الاستبصار 1: 169، النهاية: 55، المبسوط 1: 91. 3. حكاه في المدارك 2: 362، والرياض 2: 408. 4. التهذيب 2: 224 ح 886، الاستبصار 1: 169 ح 587، الوسائل 2: 1067 أبواب النجاسات ب 45 ح 8.

[ 297 ]

ما نقلنا عن الصدوق إشارة إلى هذه. وحملها في الاستبصار على حال الضرورة (1)، وفي التهذيب على إيجاب إعادة الصلاة مع الثوب، فلو صلى عاريا لم تجب عليه الإعادة (2)، فإن كان مراده الإعادة مطلقا فيكون هذا قولا آخر في المسألة، أو مراده أنه يعيد لأنه فعل ما لا يجوز، ويمكن إرادة حمله على الاضطرار كما في الاستبصار. وأسند في الذخيرة عدم الإعادة إلى المشهور (3). ولعله نظر إلى إطلاقات فتاوى المتأخرين بالتخيير، استنادا إلى الجمع بين الأخبار، فإنه يقتضي سقوط القضاء رأسا، وفي صورة الاضطرار بطريق أولى، فلا تقاوم هذه الموثقة الأصل والإطلاقات، مع أن الإعادة تحتاج الى دليل جديد. وأما لو كان مراده الشهرة بين القائلين بلزوم الصلاة عريانا أيضا وحملناها على صورة الضرورة، فليس لزوم القضاء بذلك البعيد بالنسبة إلى فتاويهم، ولا أخبارهم، وإن كان مخصصا بحال الضرورة اتفاقا، وليس معهم ما ينافي لزوم القضاء على مذاقهم من جهة الأخبار، فلا يبقى من جهة نفي الإعادة على مذاقهم إلا القدح في سند الرواية أو دلالتها، والظاهر حجية الموثق ولكن حمل الرواية على الاضطرار تأويل لها، لأنهم لا يجوزون الصلاة في حال الاختيار. والتأويل لا ينهض حجة في إثبات الدعوى المخالفة للأصل. مع أنه إنما يدل على ذلك إذا كان متيمما، فالأقوى عدم الوجوب، وإن كان الأحوط الإعادة. السادس: لو كان مع المصلي ثوبان وأحدهما نجس ولا يعلمه بعينه


1. الاستبصار 1: 169 ذ. ح 587. 2. التهذيب 2: 224 ذ. ح 886. 3. الذخيرة: 169.

[ 298 ]

فالشيخ (1) وأكثر الأصحاب (2) على وجوب الصلاة في كل منهما منفردا. ونقل الشيخ عن بعض علمائنا أنه يطرحهما ويصلي عريانا (3)، واختاره ابن إدريس بعد نقله عن بعض الأصحاب (4). والأول أقوى، للتمكن من الصلاة مع الشرائط فلا يتجاوز إلى غيره. ولحسنة صفوان - لإبراهيم بن هاشم - عن أبي الحسن عليه السلام: أنه كتب إليه يسأله عن رجل كان معه ثوبان فأصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو، وحضرت الصلاة، وخاف فوتها، وليس عنده ماء، كيف يصنع ؟ قال: (يصلي فيهما جميعا) (5) قال ابن بابويه: يعني على الانفراد (6)، ولا قائل بالفصل بين البول وغيره فيتم الاستدلال. وقد يستدل أيضا بأن الصلاة في المتيقن النجاسة جائزة كما مر، فتجوز في المشكوك بطريق أولى. وفيه: منع الأصل أولا كما مر، ووجود الفارق ثانيا، لأن غاية ما ثبت ثمة التخيير، والمطلوب ههنا الحتم، مع أن ذلك يقتضي الجواز في أحدهما أيضا إلا أن يقال: إن الصورة الاولى في ما لو فقد الطاهر مطلقا، لا في علم المكلف. ولا يذهب عليك أنه لا يمكن أن يقال هنا نظير ما مر في الوضوء بالماء المشتبه بالنجس أن الدليل لم يقتض إلا الاجتناب عن الماء النجس في الوضوء، لا ثبوت الطهارة ففي صورة الاشتباه لم ينتقض يقين الطهارة السابقة بالشك في كل واحد


1. النهاية: 55، المبسوط 1: 90. 2. منهم المحقق في الشرائع 1: 46، والمعتبر 1: 439، والعلامة في المختلف 1: 486، والتذكرة 2: 483 وصاحب المدارك 2: 356. 3. المبسوط 1: 91. 4. السائر 1: 184. 5. الفقيه 1: 161 ح 757، التهذيب 2: 225 ح 887، الوسائل 2: 1082 أبواب النجاسات ب 64 ح 1. 6. الفقيه 1: 161 ذ. ح 757.

[ 299 ]

منهما، فتصح الطهارة بأحدهما، لأنه ماء ولم تثبت نجاسته، لأن الظاهر أن اشتراط الطهارة في الثوب ثابت فيما نحن فيه باستقراء الأخبار، فلا تتم الصلاة في الثوب الطاهر إلا بإتيانها فيهما معا. واحتج ابن إدريس (1) بما حاصله أنه يجب اقتران الصلاة بقصد الوجوب، ولا يمكنه الحكم بوجوب أحدهما إلا بعد تمامها وبأنه يجب أن يقطع بطهارة الثوب عند افتتاح الصلاة، وهو منتف عند كل واحد منهما. ويرد على الأول: المنع أولا، وفي خصوص حال الضرورة ثانيا، وبأن الواجب هو المجموع من باب المقدمة فيقترن به الوجوب ثالثا. وعن الثاني: أيضا بمنع الاشتراط، سيما في حال الاضطرار. ثم إن الظاهر عدم الفرق بين ثوبين وأكثر، فيصلي على قدر الثياب النجسة مع زيادة واحدة في تلك الثياب، إلا أن يستلزم الحرج بسبب كثرتها فيحتمل حينئذ التخيير والقرعة، ويحتمل الوجوب بقدر المكنة. ولو ضاق الوقت عن الصلاة صلى فيما يحتمله الوقت مخيرا بينها، إلا أن يظن طهارة أحدها فلا يبعد القول بالتعين فيه حينئذ كما اختاره في المدارك (2). وذهب في الشرائع إلى الصلاة عاريا إذا تكثرت الثياب وضاق الوقت (3)، وليس ببعيد، نظرا إلى المسألة المتقدمة إن قلنا بأن العلة فيها فقد الثوب المتيقن الطهارة، وإن قلنا بأن العلة هي كون الثوب معلوم النجاسة فلا تجوز الصلاة فيشكل الاطراد. والأظهر جواز الصلاة فيه، بل تعينها للاستصحاب. وقد يستدل عليه بأن فقد الوصف أولى من فوات الموصوف، وفيه تأمل.


1. السرائر 1: 185. 2. المدارك 2: 358. 3. الشرائع 1: 46.

[ 300 ]

ولو كان معه ثوب طاهر متعين، فهل يجوز حينئذ الاكتفاء بالصلاة في المشتبهين ؟ الأقوى العدم كما اختاره في المنتهى (1) لأن الأصل انفراد الصلاة، والخروج عن الأصل إنما يصح بالدلالة ولم يثبت هنا، ومنع وجوبه في المدارك (2)، ولعله نظر إلى صدق الامتثال، وهو في معرض المنع. ولو فقد أحد المشتبهين قيل: صلى في الآخر وعاريا (3)، واكتفى في المدارك بالصلاة في الثاني، نظرا إلى الأولوية بالنسبة إلى المتيقن النجاسة (4)، والأول أحوط. والأحوط فيما لو كان عليه صلوات مرتبة أن يفعل كلا منها في كل من الأثواب، ثم يفعل اخرى هكذا وهكذا، وإن كان الظاهر أنه يجوز فعل كل واحدة منها في ثوب ثم هكذا في ثوب آخر وهكذا، لحصول الترتيب بذلك أيضا. وأما لو فعل الظهر مثلا في ثوب والعصر في آخر، ثم الظهر في ذلك الآخر، ثم العصر في الأول، فلم تصح إلا الظهر، لإمكان كون الطاهر هو الآخر ولم يحصل فيه الترتيب بين الصلاتين. السابع: لا تجوز الصلاة في جلد الميتة ولو كان مما يؤكل لحمه بإجماع علمائنا، سواء دبغ أو لم يدبغ، من غير فرق بين كونه ساترا للعورة أم لا. وقول ابن الجنيد بطهارته بالدباغ (5) مع أنه باطل لمخالفته للإجماعات المنقولة (6)


1. المنتهى 1: 181. 2. المدارك 2: 358. 3. الذكرى: 17. 4. المدارك 2: 358. 5. نقله عنه في المنتهي 1: 191، وعنه وعن الشلمغاني في الذكرى: 16. 6. المختلف 1: 501، والمنتهى 1: 191، الذكرى: 16.

[ 301 ]

والنصوص المستفيضة (1) لا يفيد جواز الصلاة فيها. والظاهر أن بطلان الصلاة فيه أيضا إجماعي. وتدل عليه النصوص المتظافرة، مثل صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن الجلد الميت أيلبس في الصلاة إذا دبغ ؟ قال: (لا، ولو دبغ سبعين مرة) (2). وصحيحة ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن الصادق عليه السلام: في الميتة، قال: (لا تصل في شئ منه ولا شسع) (3). والظاهر أن الميتة والمذكى من باب العدم والملكة، وهما شيئان لا يعرفهما أهل العرف، وإنما هما من جعل الشارع، والذي يفهمه أهل العرف هو الموت والحياة، وثبوت الملكات يحتاج إلى الدليل، فالأصل عدم التذكية، ولا يجوز الخروج عنه إلا بدليل. وما ذكره بعضهم (4) من أن هذا الأصل لا أصل له، وأن الأصل براءة الذمة حتى يحصل العلم بكونها ميتة، وأن المتبادر من الميتة في العرف هو ما مات حتف أنفه فلا يشمل ما ذبح وإن كان مشكوك التذكية شرعا إما بسبب الشك في أصل الحكم كما في السباع والمسوخ ونحوهما أو بسبب الشك في الموضوع كالشك في قطع الأوداج ونحو ذلك، وأن الآيات (5) والأخبار (6) وردت في حرمة الميتة، فما لم يحصل العلم بكونها ميتة فالأصل براءة الذمة فهو في غاية الوهن، لثبوت


1. الوسائل 3: 249 أبواب لباس المصلي ب 1. 2. الفقيه 1: 160 ح 750، التهذيب 2: 203 ح 794، الوسائل 3: 249 أبواب لباس المصلي ب 1 ح 1. 3. التهذيب 2: 203 ح 793، الوسائل 3: 249 أبواب لباس المصلي ب 1 ح 2. 4. المدارك 2: 387. 5. قوله تعالى: إنما حرم عليكم الميته (البقرة: 173، النحل: 115)، وقوله تعالى: حرمت عليكم الميتة (المائدة: 3). 6. الوسائل 2: 1080 أبواب النجاسات ب 61، وج 3: 249 أبواب لباس المصلي ب 1.

[ 302 ]

اشتراط التذكية من الآية (1) والأخبار (2) جزما، فلا يكفي عدم صدق الميتة عرفا لو سلم كون ذلك من المفاهيم العرفية، فضلا عما لو لم يسلم. وكيف كان فالمعتبر ثبوت التذكية شرعا، وطريق ثبوتها إما بحصول العلم بها، أو الظن الشرعي، كشهادة العدلين، أو أخذه إما من يد مسلم أو سوق المسلمين، فإنه يجوز شراء ما يباع في أسواقهم من الذبائح واللحوم والجلود ولا يجب الفحص، بل قيل: لا يستحب (3)، بل قيل: يكره (4). ولا فرق بين فرقهم مؤالفهم ومخالفهم، ولا بين أخذه من يد رجل معلوم الإسلام أو غيره، حملا على الغالب، كما يستفاد من موثقة إسحاق بن عمار الآتية (5)، ولا بين من يستحل ذبائح أهل الكتاب وغيره على الأشهر الأصح. وخالف فيه العلامة، فاعتبر كونه ممن لا يستحل ذلك (6). قال في المسالك: وهو ضعيف جدا، لأن جميع المخالفين يستحلون ذبائحهم، فيلزم أن لا يجوز الأخذ من يد أحدهم، والأخبار ناطقة بخلافه (7) و (8). ونعم ما قال. والظاهر أن الحكم كذلك إذا أخذ من يد مسلم ولو كان في غير بلاد الإسلام. ويدل على جميع ما ذكرنا، مضافا إلى ما دل على حمل أفعال المسلمين على


1. قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم: (المائدة: 3) 2. الوسائل 3: 250 أبواب لباس المصلي ب 2. 3. المسالك (الطبعة الحجرية) 2: 214 كتاب الصيد والذباحة، فيما يباع في أسواق المسلمين. 4. المسالك (الطبعة الحجرية) 2: 214 كتاب الصيد والذباحة. 5. التهذيب 2: 368 ح 1532، الوسائل 3: 332 أبواب لباس المصلي ب 55 ح 3. 6. المنتهى 1: 226، التذكرة 464 2، التحرير 1: 30. 7. الوسائل 3: 332 أبواب لباس المصلي ب 55. 8. المسالك (الطبعة الحجرية) 2: 214 كتاب الصيد والذباحة.

[ 303 ]

الصحة من الأخبار في المعاملات والمناكحات والمواريث وغيرها، الأخبار المعتبرة المستفيضة جدا، مثل صحيحة الفضيل وزرارة ومحمد بن مسلم: أنهم سألوا أبا جعفر عليه السلام عن شراء اللحم من الأسواق ما ندري ما يصنع القصابون، قال عليه السلام: (كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه) (1). وصحيحة الحلبي قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الخفاف عندنا في السوق نشتريها، فما ترى في الصلاة فيها ؟ فقال: (صل فيها حتى يقال لك: إنها ميتة بعينها) (2). وصحيحة البزنطي قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية، أيصلي فيها ؟ فقال: (نعم، ليس عليكم المسألة، إن أبا جعفر عليه السلام كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، وإن الدين أوسع من ذلك) (3). وصحيحته الاخرى (4)، وصحيحة سليمان بن جعفر الجعفري (5). ورواية إسماعيل بن عيسى، عن أبيه، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجيل، أنسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف ؟ قال: (عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه) (6). وموثقة إسحاق بن عمار عن العبد الصالح عليه السلام أنه قال: (لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الإسلام) قلت: فإن كان فيها غير


1. الكافي 6: 237 ح 2، الوسائل 16: 294 أبواب الذبائح ب 29 ح 1. 2. الكافي 3: 403 ح 28. 3. التهذيب 2: 368 ح 1529، الوسائل 3: 332 أبواب لباس المصلي ب 55 ح 1. 4. التهذيب 2: 371 ح 1545، قرب الإسناد: 170، الوسائل 2: 1072 أبواب النجاسات ب 50 ح 6. 5. الفقيه 1: 167 ح 787، الوسائل 3: 332 أبواب لباس المصلي ب 55 ذ. ح 1. 6. الفقيه 1: 167 ح 788، التهذيب 2: 371 ح 1544، الوسائل 2: 1072 أبواب النجاسات ب 50 ح 7.

[ 304 ]

أهل الإسلام ؟ قال: (إذا كان الغالب عليها المسلمون فلا بأس (1). وأما رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الفراء، فقال: (كان علي بن الحسين عليه السلام رجلا صردا لا تدفئه فراء الحجاز لأن دباغتها بالقرظ، وكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلهم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي تحته الذي يليه، وكان يسأل عن ذلك فقال: إن أهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة، ويزعمون أن دباغه ذكاته (2). فيها مع ضعف سندها بجماعة من الضعفاء و المجاهيل (3): أنها لا تدل إلا على رجحان الفعل، بل تدل على الطهارة حيث كان يلبسه في غير الصلاة، فتحمل على الكراهة كما صرح به في حسنة اخرى عنه عليه السلام، قال: (تكره الصلاة في الفراء إلا ما صنع في أرض الحجاز، أو ما علمت منه ذكاة (4). ولكن لا بد من حصر الكراهة على سوق من يستحل الميتة بالدباغة، أو يد من كان كذا، بل ولا بد من التخصيص بما لم يستلزم الاجتناب فسادا آخر وحزازة اخرى. وكذلك رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله (5)، مع عدم معارضتها لما ذكرنا لا تدل على خلاف ما ذكرنا، فلاحظها.


1. التهذيب 2: 368 ح 1532، الوسائل 2: 1072 أبواب النجاسات ب 50 ح 5. 2. الكافي 3: 397 ح 2، التهذيب 2: 203 ح 796، الوسائل 3: 338 أبواب لباس المصلي ب 61 ح 2. 3. من الضعفاء في طريقها محمد بن سليمان الديلمي، انظر معجم رجال الحديث 16: 126، ومن المجاهيل عبد الله بن إسحاق العلوي، وعيثم بن أسلم النجاشي. 4. الكافي 3: 398 ح 4، الوسائل 3: 337 أبواب لباس المصلي ب 61 ح 1. 5. الموجود رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (ع) قال قلت له: إني أدخل سوق المسلمين - أعني هذا الخلق الذين يدعون الإسلام - فأششتري منهم الفراء للتجارة فأقول لصاحبها: أليس هي ذكية ؟ إلى أن قال، قلت: وما أفسد ذلك ؟ قال: استحلال أهل العراق للميتة، وزعموا أن دباغ جلد الميتة ذكاته، ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله (ص) وانظر الوسائل 2: 108 أبواب النجاسات ب 61.

[ 305 ]

وأما الجلد المطروح فلا تحل مباشرته وإن كان يمكن الحكم بطهارته، بمعنى عدم نجاسة ملاقيه. وقد يستشكل في مثل جلد المصحف، بل الجلود المتداولة الاستعمال في بلاد المسلمين، مثل ما كانت مدبوغة ومصنوعة ومصبوغة. والأمر فيه مشكل إلا مع حصول العلم بالقرائن أو الظن المتاخم للعلم أنه لمسلم. ومثل ذلك المشربة التي سقطت من قافلة المسلمين. وأما الذبيحة المطروحة فدعوى حصول العلم بحلها دونه خرط القتاد، فلا أقل من الشك في حصول جميع شرائطها غير إسلام الذابح. ومن جميع ما ذكرنا ظهر ضعف قول العلامة وتمسكه بأصالة عدم التذكية (1)، فإن منشأ استدلاله هو أن قيام فعل المسلم مقام العلم بالتذكية إنما هو من أجل حمل فعل المسلم على الصحة، وهو لا ينافي كونها ميتة مدبوغة، إذ استعمالها حينئذ صحيح عند من يستحلها. والمراد بحمل الفعل على الصحة هو ما يكون صحيحا عند ذلك المسلم لا مطلقا، فإن الاختلاف في المسائل الفقهية في غاية الكثرة. وهو خيال متين، لكنه مدفوع، نظرا إلى عمومات تلك الأخبار، وإطلاقات النصوص و الفتاوى، والتفاتا إلى الحمل على الغالب، فإن استحلال ذبيحة أهل الكتاب أو طهارة الميتة بالدباغة لا ينافي كون الغالب هو كون الذبائح مذبوحة للمسلم. مع أن هذه الأخبار تؤسس أصلا بنفسه مع قطع النظر عن تلك القواعد، فلا مناص عن العمل بها. نعم إذا أخبر ذو اليد بعدم التذكية فالأظهر عدم الجواز كما اختاره الشهيد (2)،


1. المنتهى 1: 226، التذكرة 1: 464. 2. الذكرى: 143، البيان: 120.

[ 306 ]

لأن المتبادر من الأخبار هو غير هذه الصورة، فتبقى تحت أصالة عدم التذكية، وتدل عليه صحيحة الحلبي المتقدمة أيضا (1). ثم إن المتبادر من الإطلاقات هي ميتة ذي النفس السائلة، والأصل يقتضي عدم وجوب الاجتناب عن غيرها. وقال المحقق البهائي: إن المنع من الصلاة في جلد الميتة يشمل بإطلاقه ميتة ذي النفس وغيره، سواء كان مأكول اللحم أولا، وفي كلام بعض علمائنا جواز الصلاة في ميتة غير ذي النفس من مأكول اللحم كالسمك الطافي مثلا، والمنع من الصلاة في ذلك متجه، لصدق الميتة عليه، وكونه طاهرا لا يستلزم جواز الصلاة فيه، وكان والدي - قدس سره - يميل إلى هذا القول، ولا بأس به (2)، انتهى. وهل يضر استصحاب شئ من الميتة من غير الملابس المتعارفة ؟ فيه إشكال. قال في المدارك: والظاهر تحريم استصحاب غير الملبوس، لقوله عليه السلام: (لا تصل في شئ منه ولا شسع (3) و (4) وفيه ما فيه، إذ الشسع من جملة الملابس وأجزائها. ويمكن الاستدلال عليه بموثقة سماعة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن تقليد السيف في الصلاة فيه الفراء والكيمخت، فقال: (لا بأس ما لم يعلم أنه ميتة (5). وموثقة ابن مسكان، عن الحلبي، عنه عليه السلام، قال: (لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، إن الصوف ليس فيه روح) قال عبد الله: وحدثني علي بن


1. ص 303، وهي في الكافي 3: 403 ح 28. 2. الحبل المتين: 180، وممن يذهب إلى الجواز العلامة في التذكرة 2: 269. 3. التهذيب 1: 203 ح 793، الوسائل 3: 249 أبواب لباس المصلي ب 1 ح 2. 4. المدارك 3: 61. 5. الفقيه 1: 172 ح 811، التهذيب 2: 205 ح 800، الوسائل 2: 1073 أبواب النجاسات ب 50 ح 12.

[ 307 ]

أبي حمزة أن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن الرجل يتقلد السيف ويصلي فيه، قال: (نعم) فقال الرجل: إن فيه الكيمخت ! فقال: (وما الكيمخت ؟) فقال: جلود دواب منه ما يكون ذكيا ومنه ما يكون ميتة، فقال: (ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه (1). وقد تقدم في مباحث النجاسات من كتاب الطهارة قوله عليه السلام في فأرة المسك إذا كانت مع المصلي: (لا بأس إذا كان ذكيا (2). وهذه الموثقة تدل على جواز الصلاة فيما لا تحله الحياة من الميتة، وهو إجماعي مستفاد من الأخبار المستفيضة (3)، وقد تقدم كثير منها في كتاب الطهارة. الثامن: لا خلاف في أن كل ما تقع عليه الذكاة مما لا يؤكل لحمه طاهر بعد الذكاة جائز الاستعمال في الجملة، وادعى عليه الإجماع جماعة (4). ولكن الشيخ (5) اشترط في ذلك دباغته تمسكا بالشك قبل الدباغة، فإن المجمع عليه هو ما بعدها، وهو ضعيف. وأما استعماله في الصلاة فلا يجوز، قال في المدارك: وهو إجماعي كما نقله جماعة، وكذا لا يجوز استعمال ما لا تحله الحياة منه بلا خلاف بين أصحابنا إلا فيما نستثنيه (6). والنصوص بجميع ما ذكره متظافرة، منها صحيحة إسماعيل بن سعد


1. التهذيب 2: 368 ح 1530، الوسائل 3: 333 أبواب لباس المصلي ب 56 ح 1، وب 55 ح 2. 2. التهذيب 2: 362 ح 1500، الوسائل 3: 315 أبواب لباس المصلي ب 41 ح 2. 3. الوسائل 3: 333 أبواب لباس المصلي ب 56. 4. كالشيخ في الخلاف 1: 63 مسألة 11، وصاحبي المدارك 3: 161، والذخيرة: 175. 5. المبسوط 1: 15، 82. 6. المدارك 3: 161، وممن نقل الإجماع العلامة في نهاية الأحكام 1: 373، والشهيد الثاني في روض الجنان: 213، والمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 81.

[ 308 ]

الأحوص، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في جلود السباع، فقال: (لا تصل فيها (1). وموثقة سماعة (2) وغيرها (3) مما ورد في السباع وقد مرت في باب النجاسات. وموثقة عبد الله بن بكير قال: سأل زرارة أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر، فأخرج لنا ما زعم أنه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن الصلاة في وبر كلشئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وألبانه وكل شئ منه فاسدة (4) الحديث. ولا وجه للقدح في مثل ابن بكير مع أنه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه (5)، سيما مع اعتضادها بالعمل المعلوم، بل بالإجماع، وسيجئ كثير منها فيما بعد. وأما ما ورد في جواز الصلاة في الثعالب ونحوها مثل صحيحة جميل (6) وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (7) وغيرهما (8)، فهي مع أنها معارضة بالأخبار المتضافرة الصحيحة وغيرها خصوصا وعموما (9) محمولة على التقية، ومتروكة عند الأصحاب. والمتبادر مما لا يؤكل لحمه هو غير الإنسان.


1. الكافي 3: 400 ح 1، التهذيب 2: 205 ح 801، الوسائل 3: 257 أبواب لباس المصلي ب 6 ح 1. 2. التهذيب 6: 166 ح 311، الوسائل 3: 256 أبواب لباس المصلي ب 5 ح 6. 3. الوسائل 3: 257 أبواب لباس المصلي ب 6. 4. الكافي 3: 397 ح 1، التهذيب 2: 209 ح 818، الوسائل 3: 250 أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1. 5. رجال الكشي: 155، 239، 344. 6. التهذيب 2: 206 ح 809، الاستبصار 1: 382 ح 1447، الوسائل 3: 260 أبواب لباس المصلي ب 7 ح 11. 8. انظر الوسائل 3: 260 أبواب لباس المصلي ب 7 ح 10. 9. الوسائل 3: 260 أبواب لباس المصلي ب 7.

[ 309 ]

وكذلك لا يتبادر منه مثل النحل والذباب وغيرهما كما أشرنا إليه في باب النجاسات. ويعضده لزوم العسر والحرج، سيما في الإنسان، بل يظهر من الأخبار - من الأمر بالتصافح والتعانق سيما في الصيف في البلاد الحارة ورخصة الصلاة في ثوب الآخر مع عدم الانفكاك عن الوسخ والعرق، وجواز مضاجعة النسوان وتقبيلهن - الجواز. وصحيحة علي بن الريان ناطقة بجواز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعر الإنسان وأظفاره (1)، وهو أعم من شعر نفسه وشعر غيره. وكذلك الكلام في استصحاب الشمع والعسل وفضلات الذباب وغيرها. ثم إن الحكم هل يشمل ما لا تتم الصلاة فيه أو لا ؟ المشهور نعم، وهو الأقوى. وذهب الشيخ في النهاية والمحقق في المعتبر إلى كراهة التكة والقلنسوة المأخوذتين من وبر غير مأكول اللحم (2). لنا: عموم الأخبار المتقدمة، وخصوص صحيحة علي بن مهزيار قال: كتب إليه إبراهيم بن عقبة: عندنا جوارب وتكك تعمل من وبر الأرانب، فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة ولا تقية ؟ فكتب: (لا تجوز الصلاة فيها (3) وبمضمونها رواية أحمد بن إسحاق الأبهري (4). وروى الشيخ عن الريان بن الصلت: أنه سأل الرضا عليه السلام عن أشياء منها الخفاف من أصناف الجلود، فقال: (لا بأس بهذا كله إلا الثعالب (5).


1. التهذيب 2: 367 ح 1526، الوسائل 3: 277 أبواب لباس المصلي ب 18 ح 2. 2. النهاية: 98، المعتبر 2: 83. 3. الكافي 3: 399 ح 9، التهذيب 2: 206 ح 806، الاستبصار 1: 383 ح 1451، الوسائل 3: 258 أبواب لباس المصلي ب 7 ح 3. 4. التهذيب 2: 206 ح 805، الاستبصار 1: 383 ح 1452، الوسائل 3: 259 أبواب لباس المصلي ب 7 ح 5. 5. التهذيب 2: 369 ح 1533، الوسائل 3: 273 أبواب لباس المصلي ب 14 ح 5.

[ 310 ]

واحتجوا بالأصل وصحيحة محمد بن عبد الجبار، قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله هل يصلى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه وتكة حرير أو تكة من وبر الأرانب ؟ فكتب: (لا تحل الصلاة في حرير محض، وإن كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه إن شاء الله (1). وفيه: أن الأصل لا يقاوم الدليل، والصحيحة محجوجة بأقوى منها اعتضادا من الشهرة والعمومات والمخالفة للعامة وغيرها، فهي محمولة على التقية. مع أن في دلالتها أيضا تأملا، فإن اشتراط الذكاة في الوبر خلاف المحقق من حلية ما لا تحله الحياة من الميت إن اريد من الذكاة هو المتبادر منها، وإن اريد بها الطهارة فلا اختصاص للوبر بهذا الجواب، وما هو الفارق بين السؤالين. والعدول عن الجواب على اسلوب السؤال إيماء إلى التقية، فيكون المراد من الذكاة هو كون الوبر مما تجوز الصلاة فيه. وهل يختص الحكم بالملابس، أو يشمل مطلق المصحوب فتبطل الصلاة بسبب الشعرات الملقاة على الثوب من سنور أو فأرة أو نحو ذلك، وكذلك استصحاب عظام الفيل ونحو ذلك ؟ الأشهر الأظهر نعم، للعمومات (2). ولقوية إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إليه: يسقط على ثوبي الوبر والشعر مما لا يؤكل لحمه من غير تقية ولا ضرورة، فكتب: (لا تجوز الصلاة فيه (3) و لا قائل بالفصل بين الوبر وغيره. ويعضد التعميم أيضا ما سيجئ في الخز من قوله عليه السلام: (إذا حل وبره حل جلده (4) فيستفاد منه أن الجلد المصحوب أيضا حكمه كذا.


1. التهذيب 2: 207 ح 810، الاستبصار 1: 383 ح 1453، الوسائل 3: 273 أبواب لباس المصلي ب 14 ح 4. 2. الوسائل 2: 277 أبواب لباس المصلي ب 17. 3. التهذيب 2: 209 ح 819، الاستبصار 1: 384 ح 1455، الوسائل 3: 377 أبواب لباس المصلي ب 17 ح، 1 4. الكافي 6: 452 ح 7، التهذيب 2: 372 ح 1547، الوسائل 3: 265 أبواب لباس المصلي ب 10 ح 14.

[ 311 ]

والرواية معتضدة بالشهرة وبالعمومات (1)، سيما موثقة ابن بكير (2). وتؤيده الأخبار (3) التي وردت في النهي عن الصلاة في الثوب الذي يلي الثوب الذي هو من جلود الثعالب، فإن الظاهر أن المنع من جهة توهم لصوق الشعر به ونحو ذلك. وحمل على الكراهة لعدم اليقين بذلك، ومن الأصحاب من حرمه لظاهرها (4)، وهو ضعيف. وذهب الشهيدان (5) وجماعة (6) إلى الاختصاص بالملابس، نظرا إلى صحيحة محمد بن عبد الجبار المتقدمة (7)، وقد مر الجواب عنها. واستدلالهم بهذه الصحيحة يقوي استدلالنا بموثقة ابن بكير (8)، لاستعمال كلمة (في) في المصحوب فيها أيضا. مع أن فيها قرينة اخرى من جهة تشريك البول والروث ثم التأكيد بكل شئ منه. ولا وجه لتضعيف دلالتها بأن المراد منها الملابس مما لا يؤكل لحمه، أو الثوب المتلطخ بشئ منه، مع أن التلطخ بالبول والروث ليس مضرا بخصوص أنه من أجزاء غير المأكول اللحم أو فضلاته، بل لأن الثوب نجس حينئذ، هذا. ولا يحضرني في كلامهم فيما لو نسي وصلى مع مصاحبة شئ، وفيه إشكال من جهة عموم موثقة ابن بكير، ومن أن غاية الأمر ثبوت الاشتراط حال التذكر،


1. الوسائل 3: 258 أبواب لباس المصلي ب 7. 2. الكافي 3: 397 ح 1، التهذيب 2: 209 ح 818، الوسائل 3: 250 أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1. 3. الوسائل 3: 258 أبواب لباس المصلي ب 7. 4. النهاية: 98. 5. الذكرى: 146، روض الجنان: 214. 6. كالمجلسي في البحار 83: 221، وصاحبي الدارك 3: 165، والذخيرة: 234. 7. في ص 310. 8. المتقدمة في ص 308.

[ 312 ]

والحرمة لا تستلزم الاشتراط مطلقا، ولا يتبادر من الموثقة إلا ذلك. ولعل عدم وجوب الإعادة أظهر حتى في الملابس، لأن الإعادة فرض جديد، والأمر يقتضي الإجزاء، والاحتياط في الإعادة، سيما في الملابس. وخصوصا فيما تتم فيه الصلاة، وإن لم يحضرني الآن دليل لوجوبه إلا إطلاق تلك الموثقة. ثم إن العلامة استشكل في المنسوج من وبر الغير المأكول وغيره ممتزجا، نظرا إلى جواز الممتزج بالحرير (1)، ولا وجه له، للعمومات، ولا يقاس على الحرير، لوجود الدليل هنا. وأولى من ذلك بالحكم بالبطلان فيما لو دخلت قطعة منه أو أكثر في ثوب تجوز الصلاة فيه. وأما لو شك في كون الصوف والوبر من مأكول اللحم، فمنعه في المنتهى (2)، لأن الصلاة مشروطة بالساتر الذي لا يكون من غير المأكول، والشك في الشرط يستلزم الشك في المشروط. واستحسن الجواز في المدارك (3)، للأصل، وصحيحة عبد الله بن سنان: (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه (4). أقول: إن قلنا بأن المراد مما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه في الأخبار هو ما كان كذلك في نفس الأمر - كما هو الأظهر لأنه هو مقتضى وضع الألفاظ - فلا مناص عما ذكره في المنتهى، وإن قيل بأن المراد أن ما علم كونه كذلك لا تجوز الصلاة فيه


1. التذكرة 2: 466، نهاية الإحكام 1: 374. 2. المنتهى 1: 231. 3. المدارك 3: 167. 4. الكافي 5: 313 ح 39، الفقيه 3: 216 ح 1002، التهذيب 9: 79 ح 337، الوسائل 12: 59 أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 1.

[ 313 ]

فالوجه ما ذكره في المدارك. هذا إذا حصل الاشتباه في الأصل. وأما لو اشتبه أحد المتيقنين بالآخر فالأقوى الاجتناب عنهما معا كما في نظائره. ثم إن الأصحاب استثنوا من ذلك شيئين: الأول: الخز، واختلف الأصحاب والأخبار في حقيقته، فقيل: إنه دابة بحرية ذات أربع قوائم تصاد من الماء وتموت بفقده، وتدل عليه رواية ابن أبي يعفور، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من الخزازين فقال له: جعلت فداك ما تقول في الصلاة في الخز ؟ فقال: (لا بأس بالصلاة فيه). فقال له الرجل: جعلت فداك إنه ميت، وهو علاجي وأنا أعرفه، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (أنا أعرف به منك). فقال له الرجل: إنه علاجي، وليس أحد أعرف به مني، فتبسم أبو عبد الله عليه السلام ثم قال: (أتقول: إنه دابة تخرج من الماء أو تصاد من الماء فتخرج فإذا فقد الماء مات ؟)، فقال الرجل: صدقت جعلت فداك هكذا هو. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (فإنك تقول: إنه دابة تمشي على أربع وليس هو على حد الحيتان فتكون ذكاته خروجه من الماء ؟) فقال الرجل: إي والله هكذا أقول. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (فإن الله تبارك وتعالى أحله وجعل ذكاته موته، كما أحل الحيتان وجعل ذكاتها موتها (1). والمحقق توقف في الرواية لضعفها (2) واشتمالها على خلاف إجماعهم من حرمة غير ذات الفلس من السمك من حيوان البحر، قال: وحدثني جماعة من التجار أنه


1. الكافي 3: 399 ح 11، التهذيب 2: 211 ح 828، الوسائل 3: 261 أبواب لباس المصلي ب 8 ح 4. 2. لاشتمالها على بعض المجاهيل كعبد الله بن إسحاق العلوي، وقريب، والضعفاء كمحمد بن سليمان الديلمي ضعفه الشيخ والنجاشي وابن الغضائري.

[ 314 ]

القندس، ولم أتحققه (1). ورده الشهيد بأن مضمونها مشهور بين الأصحاب، فلا يضر ضعفه، ويجوز أن يكون المراد تشبيه الحل بالحل لا في جنس الحلال، فالمراد حلية الصلاة فيه. وقال: لعله ما يسمى في زماننا بمضر وبر السمك، وهو مشهور هناك، ومن الناس من يزعم أنه كلب الماء، وعلى هذا تشكل ذكاته بدون الذبح، لأن الظاهر أنه ذو نفس سائلة (2). وقال الشهيد الثاني في شرح اللمعة: وكأنها اليوم مجهولة أو مغيرة الاسم أو موهومة، وقد كانت في مبدأ الإسلام إلى وسطه كثيرة جدا (3)، انتهى. وروى الكليني في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سأل أبا عبد الله عليه السلام رجل وأنا عنده عن جلود الخز، فقال: (ليس بها بأس) فقال الرجل: جعلت فداك إنها في بلادي، وإنما هي كلاب تخرج من الماء، فقال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا اخرجت من الماء تعيش خارجه ؟) فقال الرجل: لا، فقال: (لا بأس (4). وفي رواية حمران بن أعين عن الباقر عليه السلام: (إنه سبع يرعى في البر و يأوي الماء (5). وفي الصحيح على الأظهر عن زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن عليه السلام فقلت: إن أصحابنا يصطادون الخز فآكل من لحمه ؟ قال، فقال: (إن كان له ناب فلا تأكله) قال: ثم مكث ساعة فلما هممت بالقيام قال: (أما أنت فإني


1. المعتبر 2: 84. 2. الذكرى: 144. 3. الروضة البهية 7: 272. 4. الكافي 6: 451 ح 3. علل الشرائع: 357 ح 1. الوسائل 3: 263 أبواب لباس المصلي ب 10 ح 1. 5. التهذيب 9: 49 ذ. ح 205، الوسائل 16: 372 أبواب الأطعمة والأشربة ب 39.

[ 315 ]

أكره لك أكله (1). وفي رواية ابن أبي يعفور - وفي سندها محمد بن سنان - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أكل لحم الخز، قال: (كلب الماء إن كان له ناب فلا تقربه، وإلا فاقربه (2). ويمكن الجمع بين تلك الأخبار بحيث ترتفع المنافاة، ولا تنافي القاعدة المجمع عليها من حرمة غير السمك ذي الفلس من حيوان البحر، بأن يقال: إنه يموت بخروجه عن الماء إذا طالت مدته لئلا ينافي رواية حمران، أو يقال: إنه صنفان بري وبحري، وكلاهما تجوز الصلاة فيه، لكنه خلاف ظاهر مجموع الأخبار. وإن أبيت عن ذلك فهذه الرواية أولى بالطرح. وبأن المراد من الشرطية في الأخبار الاخر التنبيه على الواقع وعلة الحرمة بأن يكون الخز منحصرا في ذي الناب، فليس فيها ما يدل على حلية أكله صريحا. وقال في التذكرة: لا فرق بين كونه مذكى أو ميتا عند علمائنا، لأنه طاهر في حال الحياة، فلا ينجس بالموت (3). ولما عنون المسألة فيها بحكم الوبر، ثم ذكر حكم الجلد في جملة الفروع، فلا يفهم من كلامه إلا دعوى الإجماع على طهارة الوبر من دون التذكية، لا أن الجلد أيضا لا يحتاج إلى التذكية فيكون كالغنم. وكون ذكاته بالموت خارج الماء كالحيتان لا يستلزم كونها غير ذي نفس سائلة كما فهمه الراوي، واستغرب (4) ذلك مع كونها دابة ذات أربع، حتى يوجب ذلك حمل كلام العلامة على ما يشمل الجلد أيضا، لجواز كونه مستثنى من ذي النفس بهذه


1. التهذيب 9: 49 ح 207، الوسائل 16: 372 أبواب الأطعمة والأشربة ب 39 ح 1. 2. التهذيب 9: 49 ح 205، الوسائل 16: 372 أبواب الأطعمة والأشربة ب 39 ح 2. 3. التذكرة 2: 469. 4. قد تقرأ في انسخ: واستقرب.

[ 316 ]

الأخبار، مع أنها لا تجدي في الصلاة في الجلد وإن قلنا بالطهارة، والمطلوب إنما هو حكم الصلاة في الجلد لا طهارته. ويمكن أن يعمم كلامه ويقال: إنه مبني على كونها غير ذي النفس السائلة، وإنه لا تضر الصلاة في ميتة غير ذي النفس كما مرت الإشارة، وهو مشكل. وكيف كان فحقيقته اليوم غير معلومة لنا، والرجوع إلى العرف مع اختلافه واختلاف العلماء في كل عصر - بل واختلاف العرف في أعصار السالفين كما يظهر من المحقق (1) والشهيد الثاني (2) وغيرهما (3) - يوجب إشكالا عظيما، فيكون من باب المشتبه، وقد مر الكلام في حكم المشتبه. ثم إن استثناء الوبر مما لا خلاف فيه بين أصحابنا، ونقل عليه الإجماع جماعة منهم إذا كان خالصا عن وبر الأرانب والثعالب وغيرهما (4). والأخبار الصحيحة وغيرها بذلك متظافرة، سيما ما اشتمل على أنهم عليهم السلام كانوا يلبسونها، فإنها بخصوصها أيضا في غاية الكثرة، ولا حاجة إلى ذكرها (5). وأما الممتزج بما ذكر فالمشهور أيضا عدم الجواز، ونقل غير واحد من الأصحاب كالمحقق (6) والعلامة (7) وغيرهما (8) عن كثير منهم أنه إجماعي.


1. المعتبر 2: 84. 2. الروضة البهية 1: 527، وج 7: 272. 3. كالشهيد في الذكرى: 144. 4. كالمحقق في المعتبر 2: 84، والعلامة في التذكرة 2: 468 مسألة 122، ونهاية الإحكام 1: 374، والفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 178، والمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 78. 5. الوسائل 3: 260 أبواب لباس المصلي ب 8. 6. المعتبر 2: 85. 7. المنتهى 1: 231، التذكرة 2: 468 مسألة 122. 8. كالشيخ في الخلاف 1: 512 مسألة 257، وصاحب الرياض 3: 166.

[ 317 ]

ويدل عليه عموم ما دل على المنع عن وبر الأرانب والثعالب ونحوهما عموما وخصوصا (1)، وخصوص مرفوعة أحمد بن محمد (2)، ومرفوعة أيوب بن نوح (3). وأما رواية داود الصرمي قال: سألته عن الصلاة في الخز يغش بوبر الأرانب فكتب: (يجوز ذلك) (4) ومثلها روايته الاخرى (5)، فحملها الشيخ على التقية، ونسبها إلى الشذوذ (6). ولكن الصدوق قال بعد نقلها: وهذه رخصة، الآخذ بها مأجور، ورادها مأثوم، والاصل ما ذكره أبي في رسالته إلي: (وصل في الخز ما لم يكن مغشوشا بوبر الأرانب (7)، ولعل مراده الرخصة في حال التقية. وأما جلده فالمشهور فيه الجواز أيضا، ومنعه ابن إدريس، وادعى عدم الخلاف فيه (8)، واختاره العلامة في المنتهى (9)، والأقرب الأول. لنا: الإطلاقات، والعمومات، منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة (10)، وموثقة معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الصلاة في الخز، فقال: (صل فيه (11).


1. الوسائل 3: 262 أبواب لباس المصلي ب 9. 2. الكافي 3: 403 ح 26، الوسائل 3: 262 أبواب لباس المصلي ب 9 ذ. ح 1. 3. التهذيب 2: 212 ح 831، الوسائل 3: 262 أبواب لباس المصلي ب 9 ح 1. 4. الاستبصار 1: 387 ح 1471، الوسائل 262 3 أبواب لباس المصلي ب 9 ح 2. 5. الفقيه 1: 170 ح 805، التهذيب 2: 212 ح 834، الوسائل 3: 262 أبواب لباس المصلي ب 9 ذ. ح 2. 6. التهذيب 2: 212 ذ. ح 834. 7. الفقيه 1: 170 ح 809. 8. السرائر 1: 261. 9. المنتهى 1: 231. 10. في ص 314، وهي في الكافي 6: 451 ح 3، وعلل الشرائع: 357 ح 1، والوسائل 3: 263 أبواب لباس المصلي ب 10 ح 1. 11. التهذيب 2: 212 ح 829، الوسائل 3: 261 أبواب لباس المصلي ب 8 ح 5.

[ 318 ]

وخصوص رواية ابن أبي يعفور المتقدمة (1). وصحيحة سعد بن سعد عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن جلود الخز، فقال: (هو ذا نحن نلبس) فقلت: ذاك الوبر جعلت فداك، قال: (إذا حل وبره حل جلده (2) فإن تعليق حكم الجلد على حكم الوبر الذي جواز الصلاة فيه إجماعي يقتضي جواز الصلاة في الجلد. وللمانع: الأخبار الدالة على المنع في كل ما لا يؤكل لحمه (3)، والجواب التخصيص بتلك الأخبار. لا يقال: إن النسبة بين تلك العمومات المجوزة عموم من وجه، فلا وجه للترجيح. لأنا نقول: مع أن لنا خاصا مطلقا أيضا، فعمو ماتنا معتضدة بالأصل والشهرة، ولا تعارضها هذه العمومات. والثاني: السنجاب، وفيه للأصحاب قولان، نسب الجواز إلى الأكثر العلامة (4)، وعدمه الشهيد الثاني (5)، وادعى في المبسوط عدم الخلاف في الجواز فيه وفي الحواصل (6)، وظاهر ابن زهرة نقل الإجماع على العدم (7) على ما نقل عنهما، والأخبار فيه مختلفة.


1. في ص 313، وهي في الكافي 3: 399 ح 11، والتهذيب 2: 211 ح 828، والوسائل 3: 216 أبواب لباس المصلي ب 8 ح 4. 2. الكافي 6: 452 ح 7، التهذيب 2: 372 ح 1547، الوسائل 3: 265 أبواب لباس المصلي ب 10 ح 14 بتفاوت. 3. الوسائل 3: 257 أبواب لباس المصلي ب 6، 7. 4. المنتهى 1: 228، وممن ذهب إلى الجواز الشيخ في النهاية: 97، والمبسوط 1: 82، وابن حمزة في الوسيلة: 87، والمحقق في الشرائع 1: 59، والمعتبر 2: 85. 5. روض الجنان: 213. 6. المبسوط 1: 82. 7. الغنية (الجوامع الفقهية): 555.

[ 319 ]

ولا يبعد ترجيح الجواز للنصوص المستفيضة، منها الصحاح، مثل صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: إنه سأله عن أشياء منها الفراء والسنجاب، فقال: (لا بأس بالصلاة فيه) (1). ورواية مقاتل بن مقاتل قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في السمور والسنجاب والثعالب، فقال: (لا خير في ذلك كله، ما خلا السنجاب، فإنه دابة لا تأكل اللحم) (2). وفي رواية علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله وأبا الحسن عليهما السلام عن لباس الفراء إلى أن قال، فقال: (لا بأس بالسنجاب، فإنه دابة لا تأكل اللحم) (3). و صحيحة أبي علي بن راشد قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما تقول في الفراء أي شئ يصلى فيه ؟ قال: (أي الفراء ؟) قلت: الفنك والسنجاب والسمور، قال: (فصل في الفنك والسنجاب، وأما السمور فلا تصل فيه) (4). ورواية بشير بن بشار، قال: سألته عن الصلاة في الفنك والفراء والسنجاب والسمور والحواصل التي تصاد ببلاد الشرك أو بلاد الإسلام، أيصلى فيه من غير تقية ؟ قال، فقال: (صل في السنجاب والحواصل الخوارزمية، ولا تصل في الثعالب ولا السمور) (5) إلى غير ذلك من الأخبار (6). ولا يضر بالاستدلال وجود غير السنجاب مما لا يرضى به الفقهاء في بعضها


1. التهذيب 2: 210 ح 825، الاستبصار 1: 384 ح 1459، الوسائل 3: 254 أبواب لباس المصلي ب 4 ح 2. 2. الكافي 3: 401 ح 16، الاستبصار 1: 384 ح 1456، الوسائل 3: 252 أبواب لباس المصلي ب 3 ح 2. 3. الكافي 3: 397 ح 3، التهذيب 2: 203 ح 797، الوسائل 3: 252 أبواب لباس المصلي ب 3 ح 3. 4. الكافي 3: 400 ح 14، التهذيب 2: 210 ح 822، الاستبصار 1: 384 ح 1457، الوسائل 3: 253 أبواب لباس المصلي ب 3 ح 5. 5. التهذيب 2: 210 ح 823، الاستبصار 1: 384 ح 1458، الوسائل 3: 253 أبواب لباس المصلي ب 3 ح 4. 6. الوسائل 3: 252 أبواب لباس المصلي ب 3.

[ 320 ]

كما مر غير مرة. احتج المانع بالعمومات. وفيه: أنها لا تقاوم الخاص. فإن قيل: إن موثقة ابن بكير المتقدمة (1) مبتنية على السؤال عن الخاص، فهي في حكم المنصوص بالخصوص. قلت: نعم، ولكنها لا تقاوم الخاصة الصريحة، سيما مع كثرتها واعتضادها بغيرها. والظاهر أن العاملين على الجواز أكثر. وأما ما قيل في توجيه أخبار الجواز بالحمل على التقية (2)، ففيه: أنها مشتملة على المنع عما يقول به العامة أيضا، فإنهم يجوزون الصلاة في غير مأكول اللحم مطلقا. ومع هذا كله فالأحوط الاجتناب. ثم إن الجواز مشروط بالتذكية، وهو ذو نفس سائلة فميتته نجسة أيضا. قال في الذكرى: وقد اشتهر بين التجار المسافرين أنه غير مذكى، ولا عبرة بذلك، حملا لتصرف المسلمين على ما هو الأغلب (3). وأما السمور والفنك، فالمشهور فيهما المنع، وعن الصدوق في المقنع القول بالجواز (4)، والأخبار الواردة بجوازهما (5) محمولة على التقية. قال في المصباح المنير: إن الفنك نوع من جراء الثعلب الرومي، ولهذا قال الأزهري وغيره: هو معرب، وحكى له بعض المسافرين أنه يطلق على فرخ ابن آوى


1. في ص 308، وهي في الكافي 3: 397 ح 1، التهذيب 2: 209 ح 818، الوسائل 3: 250 أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1. 2. التهذيب 2: 211، الحدائق 7: 71. 3. الذكرى: 144. 4. المقنع (الجوامع الفقهية): 7. 5. الوسائل 3: 254 أبواب لباس المصلي ب 4.

[ 321 ]

في بلاد الترك (1)، انتهى. التاسع: أجمع علماء الإسلام على حرمة الحرير على الرجال، نقله غير واحد من أصحابنا (2)، والأخبار به متضافرة (3). وكذلك بطلان الصلاة فيه للرجال إجماعي كما نقله غير واحد (4)، ووافقنا بعض العامة فيما لو حصل الستر بالحرير (5)، وأطبق الباقون على صحتها (6). وتدل عليه الصحاح وغيرها من الأخبار الكثيرة، منها صحيحة محمد بن عبد الجبار المتقدمة في المبحث السابق (7). ومنها صحيحته الاخرى قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله هل يصلى في قلنسوة حرير محض، أو قلنسوة ديباج ؟ فكتب عليه السلام: (لا تحل الصلاة في حرير محض) (8). وصحيحة إسماعيل بن سعد الأحوص قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام، هل يصلي الرجل في ثوب إبريسم ؟ فقال: (لا) (9).


1. المصباح المنبر 2: 481. 2. كالسيد المرتضى في الانتصار: 37، والشيخ في الخلاف 1: 504 مسألة 245، والمحقق في المعتبر 2: 87، والعلامة في التذكرة 2: 470، والمنتهى 1: 228، والشهيدين في الذكرى: 145، وروض الجنان: 207، والكركي في جامع المقاصد 2: 83، وصاحب الرياض 3: 174. 3. الوسائل 3: 266 أبواب لباس المصلى 11، 12. 4. كالشيخ في الخلاف 1: 504 مسألة 245، والعلامة في التذكرة 2: 470، والمنتهى 1: 228، والشهيد في الذكرى: 145، وصاحبي المدارك 3: 173، والرياض 3: 174. 5. منهم ابن قدامة في المغني 1: 505. 6. انظر كتاب الام 1: 91، وبداية المجتهد 1: 119، والمجموع 3: 180، والمهذب للشيرازي 1: 73. 7. ص 310، وهي في التهذيب 2: 207 ح 810، الاستبصار 1: 383 ح 1453، الوسائل 3: 273 أبواب لباس المصلي ب 14 ح 4. 8. الكافي 3: 399 ح 10، الوسائل 3: 267 أبواب لباس المصلي ب 11 ح 2. 9. الكافي 3: 400 ح 12، التهذيب 2: 205 ح 801، الوسائل 3: 266 أبواب لباس المصلي ب 11 ح 1.

[ 322 ]

وصحيحته الاخرى قال: سألته عن الثوب الإبريسم هل يصلي فيه الرجال ؟ قال: (لا) (1) إلى غير ذلك (2). وأما صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في ثوب ديباج، فقال: (ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس) (3) فقد حملها الشيخ على حال الحرب (4)، ولا بأس به. ولا خلاف بين الأصحاب في جواز اللبس حال الحرب، وادعى عليه المحقق اتفاق علمائنا في المعتبر (5)، والشهيد في الذكرى (6). وتدل عليه أخبار كثيرة، مثل موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لباس الحرير والديباج، فقال: (أما في الحرب فلا بأس به، وإن كان فيه تماثيل) (7). وموثقة ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عنه عليه السلام، قال: (لا يلبس الرجل الحرير والديباج إلا في الحرب) (8). ورواية إسماعيل بن الفضل (9).


1. التهذيب 2: 207 ح 813، الاستبصار 1: 385 ح 1463، 2. الوسائل 3: 266 أبواب لباس المصلي ب 11. 3. التهذيب 2: 208 ح 815، الاستبصار 1: 386 ح 1465، الوسائل 3: 268 أبواب لباس المصلي ب 11 ح 10. 4. التهذيب 2: 208 ذ. ح 815. 5. المعتبر 2: 88. 6. الذكرى: 145. 7. الكافي 6: 453 ح 3، الفقيه 1: 171 ح 807، التهذيب 2: 208 ح 216، الاستبصار 1: 386 ح 1466، الوسائل 3: 270 أبواب لباس المصلي ب 12 ح 3. 8. الكافي 6: 453 ح 1، الوسائل 3: 269 أبواب لباس المصلي ب 12 ح 2. 9. الكافي 6: 453 ح 4، الوسائل 3: 269 أبواب لباس المصلي ب 12 ح 1.

[ 323 ]

ورواية الحسين بن علوان (1) إلا أنه قيد فيها بما لم يكن فيه التماثيل، ويحمل على الأولوية. وقد يعلل بأنه موجب لتقوية القلب، ولمحافظة الجسد عن ضرر الزرد (2)، والعمدة هو الإجماع والأخبار. وكذلك لا خلاف بينهم في جواز اللبس مع الاضطرار إليه من جهة البرد والحر وغيرهما، ونقل عليه الإجماع جماعة (3). ويدل عليه العقل والنقل من الكتاب (4) والسنة (5)، مثل ما دل على نفي العسر والحرج، وقولهم عليهم السلام: (ليس شئ مما حرم الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه (6) و (رفع عن امتي ما لا يطيقون)) (7) وغير ذلك. وقد روى العامة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في القميص الحرير في السفر من حكة كانت بهما أو وجع كان بهما (8)، وفي رواية اخرى عنه صلى الله عليه وآله، ولم يذكر السفر (9)، وفي رواية اخرى: أنهما شكوا القمل فرخص لهما في قميص الحرير في غزاة لهما (10).


1. قرب الإسناد: 50، الوسائل 3: 270 أبواب لباس المصلي ب 12 ح 5. 2. الزرد: تداخل حلق الدرع بعضها في بعض (الصاح 2: 480). 3. كالمحقق في المعتبر 2: 88، والعلامة في التذكرة 2: 471، والمنتهى 1: 228، والشهيدين في الذكرى: 145، وروض الجنان: 207. 4. الحج: 78. 5 - 7. الوسائل 3: 270 أبواب لباس المصلي ب 12 ح 8. 8. صحيح مسلم 4: 308 ح 2076، سنن أبي داود 2: 448 ح 4056. 9. صحيح البخاري 7: 195، صحيح مسلم 4: 309، سنن النسائي 8: 202، سنن ابن ماجة 2: 1188 ح 3592. 10. صحيح مسم 4: 309، سنن الترمذي 4: 218 ح 1722، مسند أحمد 3: 122.

[ 324 ]

والشهيد في الذكرى (1) والعلامة في التذكرة (2) جعلا القمل من العذر المجوز لذلك تعديا عن النص، اعتمادا على العلة، وهي الضرورة. واستدل على ذلك في التذكرة بقوله عليه السلام: (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة) (3). وقال في المعتبر: ويقوى عندي عدم التعدية (4). أقول: إن ثبت الأصل فالظاهر التعدي لأنه من باب دلالة التنبيه، ولم نقف على الرواية من طريق الأصحاب، إلا ما ذكره الصدوق في الفقيه، قال: (لم يطلق النبي صلى الله عليه وآله لبس الحرير لأحد من الرجال إلا عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه كان رجلا قملا) (5) وهو غير معلوم السند، نعم إن بلغ ذلك حد الضرورة بحيث يستلزم الحرج فهو داخل تحتها. واعلم أن عدم وجود الساتر غير الحرير ليس من باب الضرورة، فلا يصلي فيه حينئذ، بل يصلي عريانا، لعدم الساتر المشروع. وتتميم المبحث يستدعي رسم مسائل: الأولى: اختلفوا في جواز الصلاة فيما لا تتم فيه الصلاة منه، مثل التكة والقلنسوة والجورب ونحو ذلك. والأقوى العدم، وفاقا للمفيد (6) وابن الجنيد (7) والعلامة في المختلف (8)


1. الذكرى: 145. 2. التذكرة 2: 472. 3. الأربعون للشهيد الأول: 23، عوالي 1: 456 ح 197، وج 2: 98 ح 270، كشف الخفاء 1: 436. 4. المعتبر 2: 89. 5. الفقيه 1: 164 ح 774، الوسائل 3: 270 أبواب لباس المصلي ب 12 ح 4. 6. المقنعة: 150. 7. نقله عنه في المختلف 2: 80. 8. المختلف 2: 81.

[ 325 ]

وفخر المحققين (1) والشهيد في البيان (2) والمحقق الأردبيلي (3) وصاحب المدارك (4) والمحقق البهائي (5)، وجل من تأخر عنه، مثل العلامة المجلسي (6)، ووالده (7)، وصاحب الكفاية (8) وغيرهم (9). وقال الصدوق: لا تجوز الصلاة في تكة رأسها من إبريسم (10). وذهب الشيخ إلى الكراهة (11)، وكذا أبو الصلاح (12) وابن إدريس (13)، واختاره كثير من المتأخرين (14). لنا: استصحاب شغل الذمة بالصلاة، والعمومات الكثيرة المانعة عن الحرير (15)، وخصوص صحيحتي محمد بن عبد الجبار المتقدمتين (16)، وهو مقتضى


1. نقله عنه في المعذب البارع 1: 325. 2. البيان: 120. 3. مجمع الفائدة 2: 83. 4. المدارك 3: 179. 5. الحبل المتين: 183. 6. البحار 80: 241. 7. روض المتقين 2: 164. 8. كفاية الأحكام: 16. 9. كسلار في المراسم: 64، وابن حمزة في الوسيلة: 88، والعلامة في القواعد 1: 256، والمنتهى 1: 229، وصاحب الرياض 3: 185. 10. الفقيه 1: 172، ذ. ح 61. 11. النهاية: 98، المبسوط 1: 84. 12. الكافي في الفقه: 140. 13. السرائر 1: 269. 14. المعتبر 2: 89، إرشاد الأذهان 1: 246، الذكرى: 145، الدروس 1: 150، روض الجنان: 207، الروضة البهية 1: 528. 15. الوسائل 3: 266 أبواب لباس المصلي ب 11، 14. 16. في ص 321.

[ 326 ]

صريح فقه الرضا (1). واحتجوا بالأصل، وبجواز الصلاة فيها إذا كانت نجسة، وبما رواه الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: (كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه، مثل التكة والقلنسوة والخف والزنار تكون في السراويل، ويصلى فيه) (2). والأصل لا يقاوم الدليل، سيما مثل هذه الأدلة. والثاني قياس محض، مع أنه مع الفارق، للفرق بين المانع الذاتي والعرضي، ولذلك لا نقول بجوازها من الميتة أيضا وكذلك مما لا يؤكل لحمه كما مر. والرواية ضعيفة بأحمد بن هلال (3). وما ذكره ابن الغضائري من قبول روايته إذا روى عن ابن أبي عمير عن نوادره والحسن بن محبوب عن كتاب المشيخة (4) معارض بعدم قبول العلامة له مطلقا (5)، مع أنه لم يعلم أن ما رواه عن ابن عمير هنا رواه عن نوادره. والقول بانجبار ضعفها بالشهرة مدفوع بأن الشهرة التي يحصل بها جبر الضعف غير معلومة فيما نحن فيه، فلاحظ نقلة الأقوال مثل العلامة في المختلف والمحقق في المعتبر وابن فهد في المهذب وغيرهم (6)، فإنهم إنما نسبوا القول إلى الشيخ وابن إدريس وأبي الصلاح، والمحقق نسبه إلى الشيخ فقط، وتردد هو، ثم رجح الكراهة في كتبه الثلاثة (7). مع أن الشيخ في الاستبصار عقد الباب هكذا (باب كراهة الصلاة في الإبريسم


1. فقه الرضا (ع): 157، 302. 2. التهذيب 2: 357 ح 1478، الوسائل 3: 273 أبواب لباس المصلي ب 14 ح 2. 3. ضعفه الشيخ في الفهرست: 36، 97. 4. نقله العلامة في الخلاصة: 202. 5. رجال العلامة: 202. 6. المختلف 1: 79، المعتبر 2: 89، المهذب البارع 1: 324، وكصاحب الرياض 3: 182. 7. الشرائع 1: 59، المختصر النافع: 24، المعتبر 2: 89.

[ 327 ]

المحض) ثم ذكر الأخبار الواردة في المنع عن الصلاة في الثوب الحرير المحض من جملتها صحيحة محمد بن عبد الجبار (1)، فظهر أن مراده بالكراهة الحرمة أو القدر المشترك، فليست الكراهة صريحة في المصطلح. لا يقال: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع المتقدمة (2) عامة في الجواز، خرج الساتر وملابس النساء بالدليل وبقي الباقي. فإنه تخصيص لا يرضى به أهل التحقيق كما لا يخفى على المطلع بالاصول. لا يقال: إن صحيحة محمد بن عبد الجبار (3) أيضا عامة ولا بد من تخصيصها بغير النساء، لأن السؤال عن القلنسوة وهي من ملابس الرجال، مع أن الغالب من الرواة أنهم يسألون عن حال الرجال، لظهور حال النساء عندهم كما سنشير إلى ذلك. مع أنا لو عملنا على رواية الحلبي فلابد أن نطرح تلك الصحاح أو نحملها على الكراهة، وهو مطلقا غير صحيح، وإرادة الكراهة والحرمة معا استعمال للفظ في المعنى الحقيقي والمجازي، وهو غير صحيح كما حققناه في الاصول (4)، وإرادة عموم المجاز يحتاج إلى قرينة. مع أن التأويل إنما يصح مع التكافؤ والغلبة، وقد عرفت الحال. مع أن صحيحة محمد بن إسماعيل لا تخلو من شئ، فإنه قد يتأمل في كون الديباج حريرا محضا، وإن كان الأظهر ذلك بالنسبة إلى ملاحظة بعض الأخبار.


1. الاستبصار 1: 385. 2. في ص 322، وهي في التهذيب 2: 208 ح 815، والاستبصار 1: 386 ح 1465، والوسائل 3: 268 أبواب لباس المصلي ب 11 ح 10. 3. المتقدمة في ص 321، وهي في الكافي 3: 399 ح 10، الوسائل 3: 267 أبواب لباس المصلي ب 11 ح 2. 4. القوانين: 70.

[ 328 ]

وقال في المغرب: الديباج الثوب الذي سداه ولحمته إبريسم وعنده اسم للنقش (1). قال في الوافي: الديباج نوع من الثياب يتخذ من الحرير، وكأنه حرير منقوش، فارسي معرب، ويقال لثوب الكعبة ديباج الكعبة لنقشه كما ورد في حديث مسمع (2)، فلعل الحرير يطلق على ما لا نقش له ويقابل الديباج (3). وأما ما اعترض بعضهم على صحيحة محمد بن عبد الجبار: بأن نفي الحلية لا يفيد الحرمة، فإن انتفاء الإباحة بالمعنى المصطلح يحصل بثبوت الكراهة أيضا (4)، فهو في غاية الوهن، لأن المتبادر من الحلال هو الإباحة بالمعنى الأعم، بنفيها تثبت الحرمة. وأما ما يؤيد ذلك بما دل على جواز الكف، فتحقيق الجواب عنه: أن كلام الفقهاء معنون بمقامين، وذكروا كلا من المسألتين على حدة، أحدهما: ما ذكرنا من اختلافهم في الصلاة فيما لا تتم فيه الصلاة. والثاني: الصلاة في الثوب المكفوف بالحرير، فالمعروف بين المتأخرين الجواز فيه (5). وقال في الذكرى بعد نقل الرواية الدالة على الكراهة الآتية: وبه أفتى الأصحاب (6). وقال في المدارك: وربما ظهر من عبارة ابن البراج المنع عنه (7) وبه قطع المرتضى


1. المغرب 1: 173. 2. الفقيه 1: 172 ح 809، الوسائل 3: 274 أبواب لباس المصلي ب 15 ح 2. 3. الوافي 7: 423. 4. التذكرة 2: 474. 5. التذكرة 2: 474، إيضاح الفوائد 1: 83. 6. الذكرى: 145. 7. المدارك 3: 181، المهذب 1: 75.

[ 329 ]

في بعض مسائله (1)، ومال إلى المنع المحقق البهائي (2)، والمحقق الأردبيلي (3)، وتردد فيه صاحب الكفاية (4). والأظهر الأول. واحتجوا على ذلك بما رواه العامة عن عمر: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الحرير إلا في موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع (5). وروت أسماء في الصحاح أنه كان للنبي صلى الله عليه وآله جبة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج، وكان النبي صلى الله عليه وآله يلبسها (6). وبما رواه أصحابنا عن جراح المدائني عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه كان يكره أن يلبس القميص المكفوف بالديباج (7). وفي دلالة الأخيرة تأمل، لمنع ثبوت الحقيقة الشرعية في الكراهة، وضعف الأخبار لا يضر مع انجبارها بعمل الأصحاب. وحجة المنع: العمومات. والجواب: منع تبادر ذلك منها، إذ لا يصدق عليه الثوب، ولا يصدق على من صلى في الثوب الموصوف أنه صلى في الحرير، بخلاف الصلاة في القلنسوة والجورب والخف، بل والتكة أيضا، سيما في اصطلاح الأخبار، وخصوصا فيما ورد في الصلاة في الثياب فلاحظها. وتؤيده الرواية الآتية في الأزرار أيضا. والمراد بالكف ما يجعل على رؤس الأكمام وحول الذيل، سواء جعل على بطانته أو ظهارته، وحول الزنق، وهو موضع الزناق، أعني الجلدة التي هي تحت


1. حكاه عنه في مدارك الأحكام 3: 181 على ما في نسخة غير معتبرة أوردتها في ال هامش. 2. الحبل المتين: 183. 3. مجمع الفائدة 2: 85. 4. كفاية الأحكام: 16. 5. صحيح مسلم 3: 643 ح 15، سنن أبي داود 4: 47 ح 4042. 6. صحيح مسلم 4: 303 ح 2069، مسند أحمد 6: 348. 7. الكافي 3: 403 ح 27، وج 6: 454 ح 6، الوسائل 3: 268 أبواب لباس المصلي ب 11 ح 9.

[ 330 ]

الحنك، وبعبارة اخرى: ما يحيط بالعنق من الثوب. وكذلك اللبنة، وهو الجيب، ويقال له: جريبان الثوب، والظاهر أنه معرب كريبان، فيشمل ما يفتل من الإبريسم أو ينسج مسطحا أو مدورا وغير ذلك، وعدم شمول أخبار المنع لكل ذلك ظاهر. وأما الزرور التي تسوى مثل الحبوب والحبال التي يعقد بها مفاصل الثياب، فالظاهر أنها غير داخلة في شئ من العناوين، والأظهر اتحاد حكمها مع الكف، لعدم انصراف الإطلاقات والعمومات إليها، ولخصوص صحيحة صفوان بن يحيى، عن يوسف بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا بأس بالثوب أن يكون سداه وزره وعلمه حريرا، وإنما كره الحرير المبهم للرجال) (1). وروى ابن بابويه بإسناده عن يوسف بن محمد بن إبراهيم مثله (2)، ولعله عمل به أيضا، ولا ينافي ذلك قوله بالمنع عن الصلاة في تكة رأسها من إبريسم، إذ لعله كان من جهة نص خاص. وأما موثقة عمار عن الصادق عليه السلام في حديث قال: وعن الثوب يكون علمه ديباجا، قال: (لا يصلى فيه) (3) فلا تعارض ما ذكرنا، لاعتضاده بعمل الأصحاب. وكذلك ما رواه في قرب الإسناد بسنده، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل، هل يصلح له لبس الطيلسان فيه الديباج البرنكان (4) عليه حرير ؟ قال: (لا) (5) وسألته عن الديباج، هل يصلح لبسه للنساء ؟ قال (لا بأس) (6) سيما وهي غير واضحة الدلالة كما لا يخفى.


1. التهذيب 2: 208 ح 817، الاستبصار 1: 386 ح 1467، الوسائل 3: 272 أبواب لباس المصلي ب 13 ح 6. 2. الفقيه 1: 171 ح 808، الوسائل 3: 272 أبواب لباس المصلي ب 13 ذ. ح 6. 3. التهذيب 2: 372 ح 1548، الوسائل 3: 268 أبواب لباس المصلي ب 11 ح 8. 4. البرنكان: نوع من الثياب، وهو كساء من صوف له علمان، انطر تاج العروس 7: 110 برنك. 5. قرب الإسناد: 118، الوسائل 3: 269 أبواب لباس المصلي ب 11 ح 12. 6. قرب الإسناد: 101، الوسائل 3: 176 أبواب لباس المصلي ب 16 ح 9.

[ 331 ]

الثانية: الحرير المنهي عنه هو الحرير المحض، فلا يضر المخلوط بالقطن أو الكتان أو الخز أو غيره مما تجوز الصلاة فيه، وهو إجماعي كما نص عليه غير واحد. ويدل عليه لفظ (المحض) في الأخبار المتقدمة، وخصوص الأخبار الكثيرة الناصة على جواز المخلوط، مثل صحيحة البزنطي (1)، ورواية عبيد بن زرارة (2)، ورواية إسماعيل بن الفضل (3) وغيرها. ولا فرق بين كون الخليط أقل أو أكثر، ويصدق ولو كان عشرا، ما لم يكن مستهلكا بحيث يصدق على الثوب أنه إبريسم، كما نص عليه في المعتبر (4). ولا ترفع المحضية خياطته بغير الإبريسم، ولا كون بطانته فقط غير الحرير أو ظهارته فقط، ولا النقش عليه بغير الإبريسم. ولا يخفى أن المتبادر من المحض والخليط هو ما كان بحسب النسج، وأما لو وصلت قطعات من حرير بقطعات من كرباس ونحوه وخيط منها ثوب ففيه إشكال، ويمكن جعله من باب العلم، ويظهر حكمه مما سبق. ويمكن أن يقال بالمنع، نظرا إلى العمومات والاستثناء المذكور في الأخبار الكثيرة، مثل رواية زرارة (5) وغيرها الناهية عن الحرير إلا إذا كان من حرير مخلوط بخز لحمته أو سداه خز أو قطن أو كتان، والمشترطة نفي البأس عن القز بما إذا كان سداه أو لحمته من قطن أو كتان ونحو ذلك (6)، فيبقى الباقي تحت المستثنى منه، ورواية إسماعيل بن الفضل عن الصادق عليه السلام: في الثوب يكون فيه الحرير،


1. الكافي 6: 455 ح 11، الوسائل 3: 271 أبواب لباس المصلي ب 13 ح 1. 2. الكافي 6: 454 ح 10، الوسائل 3: 271 أبواب لباس المصلي ب 13 ح 2. 3. الكافي 6: 455 ح 14، الوسائل 3: 271 أبواب لباس المصلي ب 13 ح 4. 4. المعتبر 2: 90. 5. التهذيب 2: 367 ح 1524، الاستبصار 1: 386 ح 1468، الوسائل 3: 371 أبواب لباس المصلي ب 13 ح 5. 6. الوسائل 3: 271 أبواب لباس المصلي ب 13.

[ 332 ]

فقال: (إن كان فيه خلط فلا بأس) (1). وأما قولهم عليهم السلام: (إنما يكره الحرير المبهم للرجال) فلا يفيد الجواز، إذ المبهم في مقابل المخلوط، لا الموصول بالغير كما لا يخفى. فلو فرض نسج ثوب له خطوط متساوية كل خط منها موضع أربع أصابع أو أكثر، ويكون خط منها حريرا محضا والآخر مخلوطا وهكذا فتصح الصلاة فيها. ولو وصلت القطعات على هذا الاسلوب فالأظهر عدم الجواز. ومما ذكرنا يظهر الإشكال في حكم ما لو خيط من الإبريسم على الكرباس متصلا بحيث يحيط الثوب كما هو المتداول الآن في سراويل النساء. وأما المحشو بالقز، ففيه قولان، ظاهر المشهور المنع على ما يظهر من المعتبر (2) والتذكرة (3)، حيث نسبا الجواز إلى الشافعي، وظاهر الذكرى جوازه (4)، واستحسنه بعض المتأخرين (5). واحتجوا بالعمومات، وبأنه إسراف. وفي تبادره من العمومات منع، وكذلك في كونه إسرافا مطلقا. ويدل على الجواز ما رواه الحسين بن سعيد قال: قرأت في كتاب محمد بن إبراهيم إلى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن الصلاة في ثوب حشوه قز، فكتب إليه قرأته: (لا بأس بالصلاة فيه) (6) وطريق الشيخ إلى الحسين صحيح كما في الخلاصة (7).


1. الكافي 6: 455 ح 14، الوسائل 3: 271 أبواب لباس المصلي ب 13 ح 4. 2. المعتبر 2: 91. 3. التذكرة 2: 475. 4. الذكرى: 145. 5. البحار 80: 239. 6. التهذيب 2: 364 ح 1509، الوسائل 3: 323 أبواب لباس المصلي ب 47 ح 1. 7. رجال العلامة الحلبي: 276 الفائدة الثامنة.

[ 333 ]

وظاهره جزم الحسين بكون ذلك عن الإمام، فلا يرد تضعيف المحقق بأنه لم يسمعه من محدث، وإنما رآه في كتاب (1). وفي معنى هذه الرواية رواية سفيان بن السمط، وفي الفقيه كتب - يعني إبراهيم بن مهزيار - إلى أبي محمد الحسن عليه السلام: في الرجل يجعل فجبته بدل القطن قزا، هل يصلي فيه ؟ فكتب: (نعم، لا بأس به) وأوله بقز الماعز، وهو أيضا بعيد (2). ولكن الاحتياط في الترك، ويمكن حمل الروايات على التقية. الثالثة: لا خلاف في جواز لبس الحرير للنساء عند أهل العلم، بل هو بديهي من الدين. وأما جوازه في الصلاة فالمشهور فيه أيضا ذلك، خلافا للصدوق، فقال: لم ترد الرخصة بجواز صلاتهن فيه، فالنهي عن الصلاة في الإبريسم المحض على العموم للرجال والنساء (3). ولعله أراد بذلك العموم رواية زرارة، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام نهى عن لباس الحرير للرجال والنساء إلا ما كان من حرير مخلوط بخز لحمته أو سداه خز أو قطن أو كتان، وإنما يكره الحرير المحض للرجال والنساء (4). وهي مع ضعفها وعدم وضوح دلالتها لا تقاوم أدلة المشهور، مثل موثقة ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام، قال: (النساء يلبسن الحرير والديباج إلا في الإحرام) (5).


1. المعتبر 2: 91. 2. الفقيه 1: 171 ح 807. 3. الفقيه 1: 171. 4. التهذيب 2: 367 ح 1524، الاستبصار 1: 386 ح 1468، الوسائل 3: 271 أبواب لباس المصلي ب 13 ح 5. 5. الكافي 6: 454 ح 8، الوسائل 3: 275 أبواب لباس المصلي ب 16 ح 3.

[ 334 ]

ورواية يوسف بن إبراهيم المتقدمة (1)، وروايته الاخرى، وفي آخرها: (إنما يكره المصمت من الإبريسم للرجال، ولا يكره للنساء) (2) وجهالة يوسف لا تضر مع كون صفوان بن يحيى من جملة الرواة عنه. وأما وجه عدم شمول مثل صحيحة محمد بن عبد الجبار لها فظهر مما مر. ويؤيد ذلك أيضا: أن الرواة مكررا كانوا يسألون عن حال الرجال، فكأن حكم الجواز للنساء كان مفروغا عنه عندهم، ولزوم الحرج والعسر الشديد في نزعهن إياه في حال الصلاة وتبديله. ويشهد بحقية ذلك فعل المسلمين في الأعصار والأمصار من دون نكير، مع كونه مما تعم به البلوى. وبالجملة فالظاهر عدم الإشكال في المسألة والحمد لله. الرابعة: الأظهر جواز الافتراش بالحرير والركوب عليه، قال في المدارك: وهو المعروف من مذهب الأصحاب (3)، وممن صرح بجواز الصلاة عليه أيضا الشهيد في الذكرى (4) وابن الجنيد (5). وحكى في المختلف عن بعض المتأخرين القول بالمنع (6)، وتردد في المعتبر لعموم تحريمه على الرجال (7). لنا: الأصل، وصحيحة علي بن جعفر قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن


1. الفقيه 1: 171 ح 808، التهذيب 2: 208 ح 817، الاستبصار 1: 386 ح 1467، الوسائل 3: 272 أبواب لباس المصلي ب 13 ح 6. 2. الكافي 6: 451 ح 5، الوسائل 3: 263 أبواب لباس المصلي ب 10 ح 2، وب 16 ح 1. 3. المدارك 3: 179. 4. الذكرى: 145. 5. نقله عنه في المختلف 2: 81. 6. المختلف 2: 81. 7. المعتبر 2: 90.

[ 335 ]

الفراش الحرير ومثله من الديباج، والمصلى الحرير هل يصلح للرجل النوم عليه والتكأة والصلاة ؟ قال: (يفترشه ويقوم عليه، ولا يسجد عليه) (1). ورواية مسمع بن عبد الملك عن الصادق عليه السلام أنه قال: (لا بأس أن يأخذ من ديباج الكعبة فيجعله غلاف مصحف، أو يجعله مصلى يصلي عليه) (2) والعمومات يخرج عنها بعد تسليم تبادر ما نحن فيه منها بما ذكرنا من الخبر المشهور الصحيح المتكرر في الكتب وغيره. الخامسة: في وجوب اجتناب الخنثى عن الحرير قولان، والأحوط الاجتناب. وأما الصبي فالأظهر عدم وجوب المنع على الأولياء كما اختاره المحقق (3) ومن تأخر عنه (4)، للأصل. وقيل: يجب (5)، لقوله عليه السلام: (حرام على ذكور امتى) (6). وفي شموله للصبي منع واضح. وأما قول جابر: (كنا ننزعه عن الصبيان ونتركه على الجوارى) (7) فقال في المعتبر: يمكن أن يكون للتنزه والمبالغة في التورع، قال: والأشبه عندي الكراهة، ولا بأس به خروجا عن الخلاف، واحتياطا للشبهة (8).


1. الكافي 6: 477 ح 8، التهذيب 2: 373 ح 1553، مسائل علي بن جعفر: 180 ح 342، قرب الإسناد: 86، الوسائل 3: 274 أبواب لباس المصلي ب 15 ح 1. 2. الفقيه 1: 172 ح 809، الوسائل 3: 274 أبواب لباس المصلي ب 15 ح 2. 3. المعتبر 2: 91. 4. كالعلامة في المنتهى 1: 229، والشهيد في الذكرى: 145. 5. كما في المغني والشرح الكبير 1: 664. 6. سنن ابن ماجة 2: 1189 ح 3595. 7. سنن أبي داود 4: 50 ح 4059. 8. المعتبر 2: 91.

[ 336 ]

العاشر: لا خلاف بين الأصحاب في تحريم لبس الذهب للرجال كما صرح به الفاضل المجلسي رحمه الله. والظاهر أن اتفاقهم على حرمة اللبس للرجال مستلزم لا تفاقهم على بطلانها به أيضا. قال في البحار: وأما تحريم لبس الذهب للرجال فلا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بطلان الصلاة فيما لا تتم فيه، ذهب العلامة والأكثر إلى البطلان (1)، انتهى، وهو الظاهر من كلام الفاضلين (2) وغيرهما (3)، حيث خصوا ذكر الخلاف في البطلان بما لا تتم فيه الصلاة. وأما المموه والمخلوط بالذهب بأن تكون لحمته أوسداه ذهبا، وكذلك الخاتم المموه ففيه أيضا خلاف بينهم، وصرح في التحرير بالبطلان (4)، ولعله قول الأكثر. وقال في الذكرى: ورابعها الذهب، والصلاة فيه حرام على الرجال، فلو موه به ثوبا وصلى فيه بطلت، بل لو لبس خاتما منه وصلى فيه بطلت صلاته، قاله الفاضل (5)، لقول الصادق عليه السلام: (جعل الله الذهب حلية لأهل الجنة، فحرم على الرجال لبسه والصلاة فيه) رواه موسى بن أكيل النميري (6)، وفعل المنهي عنه مفسد للعبادة. وقوى في المعتبر عدم الإبطال بلبس الخاتم من الذهب لإجرائه مجرى لبس خاتم مغصوب (7)، والنهي ليس عن فعل من أفعال الصلاة، ولا عن شرط من شروطها.


1. البحار 80: 251، وانظر المنتهي 1: 230، والفقيه 1: 253 ح 775، ونقله عن الإسكافي في المختلف 2: 82. 2. المعتبر 2: 92، المنتهي 1: 230. 3. الدروس 1: 150، الرياض 3: 195. 4. التحرير 1: 30. 5. المنتهي 1: 230. 6. التهذيب 2: 227 ح 894، الوسائل 3: 300 أبواب لباس المصلي ب 30 ح 5 بتفاوت. 7. المعتبر 2: 92.

[ 337 ]

ثم قال: ولو موه الخاتم بالذهب فالظاهر تحريمه، لصدق اسم الذهب عليه، نعم لو تقادم عهده حتى اندرس وزال مسماه جاز، ومثله الأعلام على الثياب من الذهب، أو المموه به في المنع من لبسه والصلاة فيه، ونقل فيه عن أبي الصلاح كراهة المذهب والملحم بالذهب والحرير (1)، وهو الظاهر من ابن حمزة (2)، وكذلك الخاتم المموه بالذهب (3). فلنذكر الأخبار الواردة في هذا الباب: وهي موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، رواها الشيخ والصدوق في العلل في جملة حديث، وقال: (لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلي فيه، لأنه من لباس أهل الجنة) (4). ورواية موسى بن أكيل النميري عنه عليه السلام: في الحديد: (أنه حلية أهل النار، والذهب حلية أهل الجنة، وجعل الله الذهب في الدنيا زينة النساء، فحرم على الرجال لبسه والصلاة فيه، وجعل الله الحديد في الدنيا زينة الجن والشياطين، فحرم على الرجل المسلم أن يلبسه في الصلاة، إلا أن يكون قبال عدو فلا بأس به) قال، قلت: فالرجل في السفر يكون معه السكين في خفه لا يستغني عنها، أو في سراويله مشدودا، والمفتاح يخشى إن وضعه ضاع أو يكون في وسطه المنطقة من حديد، قال: (لا بأس بالسكين والمنطقة للمسافر في وقت ضرورة، وكذلك المفتاح إذا خاف الضيعة والنسيان) (5) الحديث. وروى في الخصال، عن جابر الجعفي، عن الباقر عليه السلام، قال: (يجوز


1. الكافي في الفقيه: 140. 2. الوسيلة: 88. 3. هذه نهاية ما نقله من كتاب الذكرى: 146. 4. التهذيب 2: 372 ح 1548، علل الشرائع: 348، الوسائل 3: 300 أبواب لباس المصلي ب 30 ح 4. 5. التهذيب 2: 227 ح 894، الوسائل 3: 300 أبواب لباس المصلي ب 30 ح 5، وب 32 ح 6 بتفاوت.

[ 338 ]

للمرأة لبس الديباج أو الحرير في غير صلاة، وإحرام، وحرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد، ويجوز أن تتختم بالذهب وتصلي فيه، وحرم ذلك على الرجال، قال النبي صلى الله عليه وآله: (يا علي لا تتختم بالذهب فإنه زينتك في الجنة، ولا تلبس الحرير فإنه لباسك في الجنة) (1). وفي عوالي اللآلي: قال النبي صلى الله عليه وآله مشيرا إلى الذهب والحرير: (هذان محرمان على ذكور امتي دون إناثهم) (2). وفي الفقه الرضوي: (ولا تصل في جلد الميتة على كل حال، ولا في خاتم ذهب، ولا تشرب في آنية الذهب والفضة، ولا تصل على شئ من هذه الأشياء إلا ما يصلح لبسه) (3). وفي أخبار كثيرة اخر المنع عن التختم بالذهب (4). وهذه الأخبار وإن كان في دلالة أكثرها على المطلوب تأمل بإعتبار سياق الروايات، وأكثر أسنادها ضعيفة، إلا أن عمل الأصحاب في غير ما لا تتم فيه الصلاة وعمل الأكثر فيما لا تتم فيه الصلاة يعين ما ذكرنا. وفي استفادة حرمة الأزرار والكف من تلك الأخبار تأمل وإشكال ينشأ من العمومات، سيما مثل قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله) (5) ومن التعليل الوارد في تلك الأخبار بأنه الزينة في الجنة، وعموم قوله عليه السلام: (هذان محرمان على ذكور أمتي) (6) وغير ذلك. وعلى تقدير التحريم كما هو الأظهر ففي بطلان الصلاة فيها واستفادة ذلك من


1. الخصال: 588. 2. عوالي اللآلي 1: 296 ح 204، وج 2: 30 ح 74. 3. فقه الرضا (ع): 157، وفيه: إلا ما لا يصلح لبسه. 4. الوسائل 3: 299 أبواب لباس المصلي ب 30 5. الأعراف: 32. 6. عوالي اللآلي 1: 296 ح 204، سنن ابن ماجة 2: 1189 ح 3595، وص 1190 ح 3597.

[ 339 ]

هذه الأخبار أيضا إشكال، والأحوط الاجتناب، بل الأظهر. وكذلك العلم وغيره كما صرح به في الذكرى (1). ولا يبعد استفادة الحكمين من رواية النميري، فإن تفريع تحريم اللبس على تحريم التزين به - ومن أفراد التزين به أن يلبس ثوبا علمه من الذهب أو زره أو كفه - يفيد ذلك. ولعل العلامة والشهيد وغيرهما أيضا فهموا ذلك من هذه الرواية فأفتوا ببطلان الصلاة في المموه به والملحم وغير ذلك، سيما وصدق لبس الذهب في العرف إنما يتحقق غالبا في أمثال ذلك لغاية ندرة لباس يكون من الذهب الخالص، هذا الكلام في الرجال. وأما النساء فلا خلاف في عدم المنع مطلقا، وتدل عليه الروايات أيضا. وأما حمله واستصحابه مسكوكا كان أو غير مسكوك فلم نقف على شئ يدل على بطلان الصلاة به، فلا وجه للتأمل فيه. نعم إن اجتنب عنه سيما لو لم يخف نسيانه وتلفه وخصوصا في غير المسكوك كما قد يستفاد من رواية النميري لكان أولى وأحوط، بل الظاهر أن إخراجه فيما لو خيف ضياعه مرجوح بل قد يحرم. الحادي عشر: المشهور بين أصحابنا بطلان الصلاة في الثوب المغصوب، وأنه يجب أن يكون مباح الاستعمال بالملك أو بالإذن الصريح أو الفحوى أو بشاهد الحال، حتى قال الشهيد في البيان: لا يجوز في الثوب المغصوب ولو خيطا (2). وادعى في الذكرى الإجماع على أصل الحكم (3).


1. الذكرى: 146. 2. البيان: 58. 3. الذكرى: 146.

[ 340 ]

لكن المنقول عن الفضل بن شاذان من قدمائنا عدمه كالمكان، ويظهر من كلامه أنه كان ذلك مشهورا بين الشيعة (1). قال في المعتبر: لم أقف على نص عن أهل البيت عليهم السلام بإبطال الصلاة، وإنما هو شئ ذهب إليه المشايخ الثلاثة منا وأتباعهم، والأقرب أنه إن كان ستر به العورة أو سجد عليه أو قام فوقه كانت الصلاة باطلة، لأن جزء الصلاة يكون منهيا عنه وتبطل الصلاة بفواته. وأما إذا لم يكن كذلك لم تبطل وكان كلبس خاتم مغصوب (2). وقال في المدارك: المعتمد ما اختاره، لتوجه النهي إلى شرط العبادة فيفسد، فيفسد المشروط (3). وقد ظهر لك مما حققناه في المكان أنه لا وجه لجميع ما ذكر، لمنع امتناع اجتماع الأمر والنهي، سيما فيما كان بينهما عموم من وجه كما فيما نحن فيه. وكذلك لا يدل النهي على فساد الشرط، والحرمة لا تستلزم الفساد، سيما فيما كان الشرط من الامور التوصلية ولم يكن نفس عبادة، وجميع ذلك قد حققناه في الاصول. وكذلك لا وجه لما قد يستدل بأن رد المال إلى المالك واجب، وقد يوجب ذلك منافاة الصلاة كما إذا استوجب الفعل الكثير، والأمر بالشئ يستلزم النهي عن ضده الخاص لمنع الاستلزام أولا، ومنع دلالة النهي على الفساد ثانيا، ومنع دلالة خصوص مثل هذا النهي ثالثا. ولو أذن المالك للغاصب وغيره جازت الصلاة فيه، وأما مع الإذن المطلق فقد لا ينصرف إلى الغاصب لحكم عادة الغالب بذلك، إلا أن يظهر رضاه مطلقا. وكيف كان فلا دليل على بطلان الصلاة يمكن أن يعتمد عليه، والإجماع الذي


1. نقله في مفتاح الكرامة 2: 157. 2. المعتبر 2: 92. 3. المدارك 3: 182.

[ 341 ]

ادعاه بعضهم إن كان مستندا إلى هذه القاعدة كما هو الظاهر فحاله ظاهر، سيما مع مخالفة الفضل بن شاذان، وإلا فيمكن الاعتماد عليه، فلم يبق إلا الشهرة والروايتان المتقدمتان في المكان، وقد عرفت حالهما، والاحتياط مما لا ينبغي أن يترك على كل حال. الثاني عشر: تكره الصلاة في امور: منها ثوب فيه تمثال، وكذلك الخاتم، وهو المشهور بين الأصحاب. وقال في المبسوط: إذا كان فيه تماثيل وصور لا تجوز الصلاة فيه. وقال فيه: لا يصلى في ثوب فيه تماثيل ولا في خاتم كذلك (1). وعن ابن البراج تحريم الصلاة في الخاتم الذي فيه صورة (2). والأقوى الكراهة، جمعا بين الأخبار المانعة والمجوزة مثل صحيحة ابن بزيع: إنه سأل الرضا عليه السلام عن الثوب المعلم فكره ما فيه التماثيل (3). وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام: عن الثوب يكون في علمه مثال طير أو غير ذلك، أيصلى فيه ؟ قال: (لا) وعن الرجل يلبس الخاتم فيه نقش مثال الطير أو غير ذلك، قال: (لا تجوز الصلاة فيه (4). وما رواه في المحاسن في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: وسألته عن الثوب يكون فيه التماثيل أو في علمه، أيصلى فيه ؟ قال: (لا يصلى فيه) (5).


1. المبسوط 1: 83. 2. المهذب 1: 75. 3. الفقيه 1: 172 ح 810، الوسائل: 318 أبواب لباس المصلي ب 45 ح 4. 4. الفقيه 1: 165 ح 776، التهذيب 2: 372 ح 1548، الوسائل 3: 320 أبواب لباس المصلي ب 45 ح 15. 5. المحاسن: 617 ح 49، الوسائل 3: 320 أبواب لباس المصلي ب 45 ح 16.

[ 342 ]

وفي قرب الإسناد بسنده، عن علي بن جعفر، عنه عليه السلام، قال: وسألته عن الخاتم يكون فيه نقش تماثيل، سبع أو طير، أيصلى فيه ؟ قال: (لا بأس (1). وصحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام: في حديث أنه أراه خاتم أبي الحسن عليه السلام وفيه وردة وهلال في أعلاه (2)، إلى غير ذلك مما ورد في النهي والرخصة. ثم إن ظاهر الأكثر عدم الفرق بين صورة الحيوان وغيره، وخصه ابن إدريس بصورة الحيوان (3). ولا يبعد ترجيح مذهب ابن إدريس، نظرا إلى تتبع الأخبار واستفادة إرادة ذي الروح منها، وكذلك بالنظر إلى كلام بعض اللغويين (4)، وإن كان ظاهر أكثرهم العموم. وقال في المصباح المنير: وفي ثوبه تماثيل، أي صور حيوانات مصورة (5). ويؤيده كل ما دل على جواز تصوير غير ذوات الأرواح من الآية والأخبار المتظافرة المعتبرة، وكل ما دل من الأخبار على أن إحداث نقص في صورة الحيوان يكفي في رفع الكراهة، مثل صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: (لا بأس أن تكون التماثيل في الثوب إذا غيرت الصورة منه (6). ويستفاد من بعض الأخبار الواردة في الصلاة على البساط أن الصورة إذا كانت لها عين واحدة لا تضر (7)، وفي بعضها الاكتفاء بكسر رؤس التماثيل، فإن الحيوان


1. قرب الإسناد: 94، الوسائل 3: 463 أبواب مكان المصلي ب 32 ح 10. 2. الكافي 6: 473 ح 4، الوسائل 3: 322 أبواب لباس المصلي ب 46 ح 1. 3. السرائر 1: 270. 4. الصحاح 5: 1816. 5. المصباح المنير 2: 564. 6. التهذيب 2: 363 ح 1503، الوسائل 3: 320 أبواب لباس المصلي ب 45 ح 13. 7. الكافي 3: 392، ح 22، التهذيب 2: 363 ح 1506، الوسائل 3: 318 أبواب لباس المصلي ب 45 ح. 7

[ 343 ]

الناقص ليس بأقل من صورة شجرة وغيرها (1). وأما الدراهم التي فيها التماثيل فالمشهور فيها أيضا كراهة استصحابها في الصلاة، وتزول أو تخف بشدها في هميان أو خرقة وشدها في وسطه بحيث تكون الدراهم خلفه، كما يستفاد من الأخبار (2)، لا بمعنى أن يضعها خلفه. ولعل النكتة أن ذلك أبعد من توهم عبادة غيره تعالى، فلا يجعل بينه وبين القبلة شيئا. والأخبار الواردة في المنع، أكثرها ظاهرة في الكراهة، واردة بمثل لفظ (لا أحب) و (لا أشتهي) ونحو ذلك. فمن جملة ما ورد صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق عليه السلام: أنه سأل عن الدراهم السود تكون مع الرجل وهو يصلي مربوطة أو غير مربوطة، فقال: (ما أشتهي أن يصلي ومعه هذه الدراهم التي فيها التماثيل) ثم قال: (ما للناس بد من حفظ بضائعهم، فإن صلى وهي معه فلتكن من خلفه، ولا يجعل شيئا منها بينه وبين القبلة) (3). وصحيحة حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الدراهم السود التي فيها التماثيل، أيصلي الرجل وهي معه ؟ فقال: (لا بأس بذلك إذا كانت مواراة) (4). ويدل على الجواز صريحا صحيحة ابن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يصلي وفي ثوبه دراهم فيها تماثيل، فقال: (لا بأس بذلك) (5). وفي الخصال في حديث الأربعمائة عن علي عليه السلام: (ولا يعقد الرجل


1. قرب الإسناد: 87، الوسائل 3: 321 أبواب لباس المصلي ب 45 ح 20، 21. 2. التهذيب 2: 226 ح 891، وص 370 ح 1541، الاستبصار 1: 394 ح 1502، الوسائل 3: 318 أبواب لباس المصلي ب 45 ح 6. 3. الكافي 1: 402 ح 21، الفقيه 1: 166 ح 779، الوسائل 3: 317 أبواب لباس المصلي ب 45 ح 3. 4. الكافي 3: 402 ح 20، التهذيب 2: 364 ح 1508، الوسائل 3: 319 أبواب لباس المصلي ب 45 ح 8. 5. التهذيب 2: 363 ح 1507، الوسائل 3: 319 أبواب لباس المصلي ب 45 ح 9.

[ 344 ]

الدراهم التي فيها صورة في ثوبه وهو يصلي، ويجوز أن تكون الدراهم في هميان أو في ثوب إذا خاف ويجعلها في ظهره) (1). ومنها: استصحاب الحديد، خاتما كان أو غيره، للنصوص المستفيضة إلا إذا كان مستورا. وقال الشيخ في النهاية: لا تجوز الصلاة إذا كان مع الإنسان شئ من حديد مشتهر، مثل السكين والسيف، وإن كان في غمد أو قراب فلا بأس بذلك (2)، ويؤدي مؤداه كلام ابن البراج (3). والأول أقرب، حملا للأخبار المانعة على الكراهة، لأنها بين ضعيفة في السند وقاصرة في الدلالة، مع أن جمهور الأصحاب حملوها على ذلك، وفهمهم قرينة واضحة، منها موثقة عمار عن الصادق عليه السلام: في الرجل يصلي وعليه خاتم حديد، قال: (لا، ولا يتختم به الرجل، فإنه من لباس أهل النار) (4). ورواية السكوني وقد مرت (5). ورواية النميري (6). وفي مرسلة أحمد بن محمد بن أبي الفضل المدائني عن الصادق عليه السلام، قال: (لا يصلي الرجل وفي تكته مفتاح حديد) (7) قال الكليني: وروي إذا كان


1. الخصال: 627، الوسائل 3: 318 أبواب لباس المصلي ب 45 ح 5. 2. النهاية: 98. 3. المهذب 1: 75. 4. الفقيه 1: 164 ح 773، التهذيب 2: 372 ح 1548، علل الشرائع: 348 ح 1، الوسائل 3: 303 أبواب لباس المصلي ب 32 ح 5. 5. الكافي 3: 404 ح 35، التهذيب 2: 227 ح 895، علل الشرائع: 348 ح 2، الوسائل 3: 303 أبواب لباس المصلي ب 32 ح 1. 6. الكافي 3: 400 ح 13، التهذيب 2: 227 ح 894، الوسائل 3: 304 أبواب لباس المصلي ب 32 ح 6. 7. الكافي 3: 404 ح 34، الوسائل 3: 303 أبواب لباس المصلي ب 32 ح 2.

[ 345 ]

المفتاح في غلاف فلا بأس (1). ويظهر من هذه الرواية عدم الاكتفاء بالستر بالثياب، فلا يكفي كون المفتاح في الكيس مثلا حتى يلف في خرقة أو يدرج في غلاف، لأن الغالب أن التكة مستورة بالقميص. وقال المحقق: وتسقط الكراهة مع ستره، وقوفا بالكراهة على موضع الوفاق ممن كرهه (2). ولا يبعد الاكتفاء بمطلق الستر كما هو ظاهر الأصحاب، لما رواه الطبرسي في الاحتجاج، عن الحميري: أنه كتب إلى صاحب الزمان عليه السلام يسأله عن الفص الخماهن، هل تجوز فيه الصلاة إذا كان في إصبعه ؟ فكتب الجواب: (فيه كراهية أن يصلى فيه). وسأله عن الرجل يصلي وفي كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد، هل يجوز ذلك ؟ فكتب في الجواب: (جائز) (3). والخماهن: هو الحجر الأسود الذي يجعل منه الفص كما ذكره بعض أهل اللغة (4)، وقيل: هو الحديد الصيني (5)، ولعلهما واحد. والأحوط الاجتناب عن الحديد في غير الغلاف والخرقة، سيما الخاتم، للتأكيد الوارد في الأخبار. ومنها: الصلاة في ثوب من لا يتحرز عن النجاسة، للأخبار الكثيرة، منها صحيحة عبد الله بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد الله عليه السلام عن الذي يعير ثوبه


1. الكافي 3: 404 ح 35، الوسائل 3: 303 أبواب لباس المصلي ب 32 ح 3. 2. المعتبر 2: 98. 3. الاحتياج: 483، الوسائل 3: 305 أبواب لباس المصلي ب 32 ح 11. 4. انظر فرهنگ معين 1: 1440. 5. دهخدا 6: 8736.

[ 346 ]

لمن يعلم أنه يأكل الجري ويشرب الخمر فيرده، أيصلي فيه قبل أن يغسله ؟ قال: (لا يصلي فيه حتى يغسله) (1). وصحيحة العيص بن القاسم عنه عليه السلام: في الرجل يصلي في إزار المرأة وفي ثوبها ويعتم بخمارها، قال: (نعم إذا كانت مأمونة) (2) إلى غير ذلك. وإنما حملناها على الكراهة، للأصل والاستصحاب، والأخبار الكثيرة الدالة على عدم جواز نقض اليقين إلا بيقين، فقد روى عبد الله بن سنان في الصحيح، عنه عليه السلام، قال: سأل أبي أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر: إني اعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي، فأغسله قبل أن اصلي فيه ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: (صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فإنك أعرته إياه وهو طاهر، ولم تستيقن أنه نجسه) (3). وفي صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: عن الصلاة في ثوب المجوس، قال: (يرش بالماء) (4). ويمكن تخصيص الكراهة بغير الأثواب التي ينسجها الكفار، كالثياب السابرية وغيرها، لشيوع البلوى، وعظم الابتلاء، فقد روى معاوية بن عمار في الصحيح، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثياب السابرية تعملها المجوس وهم أخباث يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال، ألبسها ولا أغسلها واصلي فيها ؟ قال: (نعم). قال معاوية: فقطعت له قميصا وخطته وفتلت له أزرارا ورداءا من السابري، ثم


1. الكافي 3: 405 ح 5، التهذيب 2: 361 ح 1494، الاستبصار 1: 393 ح 1498، الوسائل 2: 1095 أبواب النجاسات ب 74 ح 2. 2. الكافي 3: 402 ح 19، الفقيه 1: 166 ح 781، التهذيب 2: 364 ح 1511، الوسائل 3: 325 أبواب لباس المصلي ب 49 ح 1. 3. التهذيب 2: 361 ح 1495، الاستبصار 1: 382 ح 1497، الوسائل 2: 1095 أبواب النجاسات ب 74 ح 1. 4. التهذيب 2: 362 ح 1498، الوسائل 2: 1093 أبواب النجاسات ب 73 ح 3.

[ 347 ]

بعثت بها إليه في يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فكأنه عرف ما اريد، فخرج فيها إلى الجمعة (1). ومنها: ما مر من كراهة الصلاة فيما يشترى من مستحل الميتة بالدباغ من المسلمين، وفي الثوب الذي يلي الفراء المعمول من جلود الثعالب وأشباهها، وقيل فيه بالتحريم (2)، وهو ضعيف. ومنها: الإمامة بغير رداء عند أكثر الأصحاب (3)، ومطلق الصلاة عند الشهيدين (4)، وهو أظهر، ولكنه لقليل الثوب أو رقيقه، أو لمن كان عليه سراويل فقط، أو إزار فقط آكد، حتى أنه يضع تكة على عاتقه أو حبلا إن لم يجد غيرهما. وقال بعض المتأخرين: إن الذي يظهر من الأخبار أن الرداء إنما يستحب للإمام وغيره إذا كان في ثوب واحد لا يستر منكبيه، أو يكون صفيقا وإن ستر منكبيه، لكنه في الإمام آكد. وإذا لم يجد ثوبا يرتدي به مع كونه في إزار أو سراويل فقط يجوز أن يكتفي بالتكة والسيف والقوس ونحوها. ويمكن القول باستحباب الرداء مع الأثواب المتعددة أيضا (5). لكن الذي ورد التأكيد الشديد فيه يكون مختصا بما ذكرنا. وأما ما هو الشائع من جعل منديل أو خيط على الرقبة في حال الاختيار مع لبس الأثواب المتعددة ففيه شائبة بدعة. واستدل على ذلك بصحيحة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أم قوما في قميص ليس عليه رداء، فقال: (لا ينبغي إلا


1. التهذيب 2: 362 ح 1497، الوسائل 2: 1093 أبواب النجاسات ب 73 ح 1. 2. شرائع الإسلام 1: 59. 3. كالمحقق في الشرائع 1: 60، والمختصر النافع 1: 25، والعلامة في التذكرة 2: 504، وصاحب المدارك 3: 210. 4. الشهيد الأول في الذكرى: 147، والشهيد الثاني في روض الجنان: 211، والروضة البهية 1: 531. 5. البحار 80: 190.

[ 348 ]

أن يكون عليه رداء أو عمامة يرتدي بها) (1). ورواية أبي مريم الأنصاري قال: صلى بنا أبو جعفر عليه السلام في قميص بلا إزار ولا رداء ولا أذان ولا إقامة، فلما انصرف قلت له: عافاك الله صليت بنا في قميص بلا إزار ولا رداء ولا أذان ولا إقامة ؟ ! فقال: (إن قميصي كثيف، فهو يجزي أن لا يكون علي إزار ولارداء، وإني مررت بجعفر وهو يؤذن ويقيم فلم أتكلم فأجزأني ذلك) (2). وصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، أنه قال: (أدنى ما يجزئك أن تصلي فيه بقدر ما يكون على منكبيك مثل جناحي الخطاف) (3). وصحيحة عبد الله بن سنان قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل ليس معه إلا سراويل، قال: (يحل التكة منه فيطرحها على عاتقه، ويصلى) قال: (وإن كان معه سيف وليس معه ثوب فليتقلد السيف ويصلي قائما) (4). وصحيحة محمد بن مسلم (5) ورواية جميل (6) أيضا تدلان على استحباب أن يجعل على عاتقه حبلا أو منديلا أو نحو ذلك لمن صلى في سراويل أو إزار. وأنت خبير بأن هذه الأخبار لا تنفي استحباب الرداء في غير الصور المذكورة كما لا يخفى على المتأمل، لأن غاية السبب الخاص إفادة حكم الخاص فقط لو لم يكن الجواب عاما، وأما نفيه عن الغير فلا. فإن قلت: نعم، ولكن ثبوته في الغير يحتاج إلى دليل. قلت: يمكن الاستدلال بصحيحة زرارة المتقدمة، فإنها مطلقة لا اختصاص لها


1. الكافي 3: 394 ح 3، التهذيب 2: 366 ح 1521، الوسائل 3: 329 أبواب لباس المصلي ب 53 ح 1. 2. التهذيب 2: 280 ح 1113، الوسائل 3: 284 أبواب لباس المصلي ب 22 ح 7. 3. الفقيه 1: 166 ح 783، الوسائل 3: 330 أبواب لباس المصلي ب 53 ح 6. 4. الفقيه 1: 166 ح 782، التهذيب 2: 366 ح 1519، الوسائل 3: 329 أبواب لباس المصلي ب 53 ح 3. 5. الكافي 3: 393 ح 1، التهذيب 2: 216 ح 852، الوسائل 3: 283 أبواب لباس المصلي ب 22 ح 2. 6. الكافي 3: 395 ح 6، التهذيب 2: 366 ح 1518، الوسائل 3: 329 أبواب لباس المصلي ب 53 ح 4.

[ 349 ]

بالعاري أو رقيق الثوب، وقوله عليه السلام: (أدنى ما يجزئ) يشعر بإرادة الرداء الاضطراري. مع أنه يمكن ادعاء الظهور للإمام مطلقا من صحيحة علي بن جعفر قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يجمع طرفي ردائه على يساره ؟ قال: (لا يصلح جمعهما على اليسار، ولكن اجمعهما على يمينك أو دعهما) وسألته عن السيف هل يجري مجرى الرداء يؤم القوم في السيف ؟ قال: (لا يصلح أن يؤم في السيف إلا في حرب (1). وفي رواية اخرى: (إن عليا عليه السلام، قال: السيف بمنزلة الرداء تصلي فيه ما لم تر فيه دما، والقوس بمنزلة الرداء (2). بل يمكن ادعاء أنه يظهر من الأخبار كون ذلك شعارا للمسلمين مطلقا، وأن هذا كان من جهة استفادتهم ذلك من الشرع، مع أن الشيخ أبا الفتح الكراجكي روى في كنز الفوائد عن علي عليه السلام أنه قال لنوف البكالي: (هل تدري من شيعتي ؟) قال: لا والله، قال: (شيعتي الذبل الشفاه، الخمص البطون، الذين تعرف الرهبانية والربانية في وجوههم، رهبان بالليل، اسد بالنهار، الذين إذا جنهم الليل اتزروا على أوساطهم، وارتدوا على أطرافهم، وصفوا على أقدامهم، وافترشوا جباههم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم (3) الحديث. وربما يستشكل بأن الظاهر من صحيحة محمد بن مسلم وما في معناها: أن المصلي لا يحسن أن يكون منكبه مكشوفا، لا استحباب الرداء، وتؤيده رواية أبي بصير أنه قال لأبي عبد الله عليه السلام: ما يجزئ الرجل من الثياب أن يصلي فيه ؟ فقال: (صلى الحسين بن علي عليهما السلام في ثوب قد قلص عن نصف ساقه


1. التهذيب 2: 373 ح 1551، الوسائل 3: 334 أبواب لباس المصلي ب 57 ح 2. 3. نقله عنه في البحار 65: 191 باب صفات الشيعة ح 47.

[ 350 ]

وقارب ركبتيه، ليس على منكبيه منه إلا قدر جناحي الخطاف، وكان إذا ركع سقط عن منكبيه، وكلما سجد يناله عنقه فرده على منكبيه بيده، ولم يزل ذلك دأبه ودأبه مشتغلا به حتى انصرف) (1). وفيه: مع ما فيه من خلاف الظاهر وعدم ظهور التأييد أن رواية جميل تدفعه، قال: سأل مرازم أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر معه، عن الرجل الحاضر يصلي في إزار مؤتزرا به، قال: (يجعل على رقبته منديلا أو عمامة يرتدي بها) (2). وأما كيفية الارتداء فهو أن يلقي الثوب على المنكبين، ثم يفعل بطرفيه ما تضمنته صحيحة علي بن جعفر المتقدمة. ويظهر من الصحيحة وغيرها مثل رواية ابن بكير التي رواها الصدوق جواز الإسدال (3). فأما الإسدال المنهي عنه في الأخبار المحكوم عليه بالكراهة في كلام الأكثر، فربما فسر بأن يضع وسط الرداء على رأسه، ويرسل طرفيه، والذي لا ضرر فيه هو فيما لو وضع وسطه على المنكبين. وربما فسر بأن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك. وروى الصدوق بسنده، عن زرارة، عن الباقر عليه السلام، قال: (خرج أمير المؤمنين عليه السلام على قوم فرآهم يصلون في المسجد قد أسدلوا أرديتهم، فقال لهم: ما لكم قد سدلتم ثيابكم كأنكم يهود وقد اخرجوا من فهرهم، يعني بيعهم، إياكم وسدل ثيابكم) (4) وجعل ابن الأثير مبنى هذا الحديث هو التفسير الأول (5).


1. الفقيه 1: 167 ح 784، الوسائل 3: 284 أبواب لباس المصلي ب 22 ح 10. 2. الكافي 3: 395 ح 6، التهذيب 2: 366 ح 1518، الوسائل 3: 283 أبواب لباس المصلي ب 22 ح 4. 3. الفقيه 1: 169 ح 796، الوسائل 3: 290 أبواب لباس المصلي ب 25 ح 4. 4. الفقيه 1: 168 ح 791، الوسائل 3: 290 أبواب لباس المصلي ب 25 ح 3. 5. النهاية لابن الأثير 2: 355.

[ 351 ]

وأما سدل الثوب مطلقا كما في العباءة فوق الأثواب والممطرة والفراء وغير ذلك فالظاهر عدم الكراهة، وتدل عليه موثقة ابن بكير أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي ويرسل جانبي ثوبه، قال: (لا بأس) (1). في قرب الإسناد، عن الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليه السلام، قال: (إنما يكره السدل على الازر بغير قميص، وأما على القميص والجباب فلا بأس (2). ومنها: الصلاة في العمامة من دون حنك إجماعا كما في المعتبر والمنتهى (3)، وبعبارة اخرى تكره الصلاة مقتعطا وفي الطابقية، لا أن الصلاة تكره في القلنسوة الخالية أيضا، فمن حاول التعمم ينبغي أن لا يترك التحنك، إلا على القول بكون ترك المستحب مكروها. وعن الصدوق القول بالتحريم، قال: وسمعت مشايخنا - رضي الله عنهم - يقولون: لا تجوز الصلاة في الطابقية، ولا يجوز للمعتم أن يصلي إلا وهو متحنك (4). وقد ذكر جماعة من أصحابنا أنه لا نص في خصوص استحباب العمامة للصلاة (5)، وليس كذلك، بل الروايات موجودة، منها مذكره في مكارم الأخلاق عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (ركعتان بعمامة أفضل من أربع بغير عمامة) (6) وفي كتاب عوالي اللآلي (7) وكتاب جامع الأخبار (8) أيضا ما يدل على ذلك.


1. الفقيه 1: 169 ح 796، الوسائل 3: 290 أبواب لباس المصلي ب 25 ح 4. 2. قرب الإسناد: 54، الوسائل 3: 291 أبواب لباس المصلي ب 25 ح 8 بتفاوت. 3. المعتبر: 97، المنتهى 1: 233. 4. الفقيه 1: 172. 5. البحار 80: 199. 6. مكارم الأخلاق: 119، الوسائل 3: 378 أبواب أحكام الملابس ب 30 ح 8. 7. عوالي اللآلي 2: 214 ح 6، وج 37 ح 128. 8. جامع الأخبار: 91، مستدرك الوسائل 3: 231 أبواب لباس المصلي ب 44 ح 1.

[ 352 ]

وكذلك ذكروا أنه لا خبر يدل على كراهة العمامة بدون التحنك في الصلاة، بل ما يدل على ذلك عام لجميع الأوقات (1)، وعن عوالي اللآلي أيضا أنه صلى الله عليه وآله، قال: (من صلى بغير حنك فأصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه (2). ثم إن الظاهر من التحنك الوارد في الأخبار هو أن يدير جزء من العمامة تحت الحنك ويغرزه في الطرف الآخر، وهو صريح كلام اللغويين (3). وقال في البحار: الذي نفهمه من الأخبار هو إرسال طرف العمامة من تحت الحنك وإسداله، وأورد شطرا من الأخبار الدالة على كيفية عمامة رسول الله صلى الله وآله والملائكة المسومين، وكيفية عمامة أمير المؤمنين عليه السلام يوم الغدير، وعمامة علي بن الحسين عليه السلام، والأخبار الواردة في تعميم الميت، فإنها كلها مشتملة على إسدال طرف العمامة (4). ويظهر من بعضها استحباب إسدال الطرفين أحدهما الذي بين الكتفين أقصر من الذي على الصدر. فلنذكر منها ما رواه الكليني في الصحيح عن الرضا عليه السلام: في قول الله عز وجل < مسومين > (5) قال: (العمائم، اعتم رسول الله صلى الله عليه وآله فسدلها من بين يديه ومن خلفه، واعتم جبرئيل عليه السلام فسدلها من بين يديه ومن خلفه (6). وما رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال: (عمم رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام بيده فسدلها من بين يديه، وقصرها من خلفه قدر أربع


1. الوسائل 3: 291 أبواب لباس المصلي ب 26. 2. عوالي اللآلي 4: 37 ح 128، الذكرى: 149. 3. الصحاح 4: 1581. 4. البحار 80: 189. 5. آل عمران: 125. 6. الكافي 6: 460 ح 2، الوسائل 3: 377 أبواب أحكام الملابس ب 30 ح 1.

[ 353 ]

أصابع، ثم قال: أدبر، فأدبر، ثم قال: أقبل، فأقبل، ثم قال هكذا تيجان الملائكة) (1). وما رواه ابن طاوس عن كتاب الولاية لابن عقدة بإسناده إلى عبد الله بن بشير صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم إلى علي عليه السلام فعممه وأسدل العمامة بين كتفيه، وقال: (هكذا أيدني ربي يوم حنين بالملائكة معممين قد أسدلوا العمائم، وذلك حجز بين المسلمين والمشركين)) إلى آخر الخبر (2). وفي مقابل هذه الأخبار أخبار كثيرة تدل بظاهرها على إدارة العمامة تحت الحنك، مثل ما رواه الكليني في الحسن عن ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن الصادق عليه السلام: (من تعمم ولم يتحنك فأصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه) (3). وعن عيسى بن حمزة قال: (من اعتم فلم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه) (4). وروى الصدوق بسنده، عن عمار الساباطي، عن الصادق عليه السلام، قال: (من خرج في سفر فلم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه) (5). قال الصدوق: وقال النبي صلى الله عليه وآله: (الفرق بين المسلمين والمشركين التحلي بالعمائم) قال الصدوق: وذلك في أول الإسلام وابتدائه (6). وفي معنى


1. الأمان: 91، الوسائل 3: 379 إبواب إحكام الملابس ب 30 ح 12. 2. الامان: 103، الوسائل 3: 379 أبواب احكام الملابس ب 30 ح 11، وب 43 ح 6. 3. الكافي 6: 460 ح 1، التهذيب 2: 215 ح 846، الوسائل 3: 291 أبواب لباس المصلي ب 26 ح 1. 4. الكافي 6: 461 ح 7، التهذيب 2: 215 ح 847، المحاسن: 378 ح 157، الوسائل 3: 291 أبواب لباس المصلي ب 26 ح 2. 5. الفقيه 1: 173 ح 814، الوسائل 3: 292 أبواب لباس المصلي ب 26 ح 5. 6. الفقيه 1: 173 ح 817، الوسائل 3: 292 أبواب لباس المصلي ب 26 ح 8.

[ 354 ]

ما ذكر أخبار اخر لا حاجة إلى ذكرها (1). وأنت خبير بأن ظاهر هذه الأخبار الإدارة تحت اللحيين، وما أوله صاحب البحار بأن في صورة الإسدال أيضا إدارة من الخلف إلى جانب الصدر (2)، فهو خروج عن ظاهر هذه الأخبار، وعن كلام اللغويين، فلاحظ كلماتهم (3). وجمع في الوسائل بين الأخبار بجعل هذه محمولة على وقت إرادة السفر والحاجة (4). والسيد ابن طاوس جعل الروايات الاول في بيان العمامة التي يعتم بها المسافر ليأمن عن خطر السفر (5). وظني أن كليهما حسن، والجمع بينهما أحسن. ثم إن التحنك لما صار في أمثال هذه البلاد مهجورا، فربما يقال: إن فعله صار من لباس الشهرة المنهي عنه في الأخبار، مثل حسنة أبي أيوب الخزاز، عن الصادق عليه السلام، قال: (إن الله يبغض شهرة اللباس) (6). ورواية ابن مسكان، عن رجل، عنه عليه السلام، قال: (كفى بالمرء خزيا أن يلبس ثوبا لشهرة، أو يركب دابة لشهرة) (7). وفي رواية اخرى: (من لبس ثوبا يشهره كساه الله يوم القيمة ثوبا من النار) (8).


1. الوسائل 3: 291 أبواب لباس المصلي ب 26. 2. بحار الأنوار 80: 199. 3. الصحاح 4: 1581. 4. الوسائل 3: 291. 5. الأمان: 91. 6. الكافي 444 6 ح 1، الوسائل 3: 354 أبواب أحكام الملابس ب 12 ح 1. 7. الكافي 6: 445 ح 2، الوسائل 3: 354 أبواب أحكام الملابس ب 12 ح 2. 8. الكافي 6: 445 ح 4، الوسائل 3: 354 أبواب أحكام الملابس ب 12 ح 4.

[ 355 ]

وفي اخرى عن الصادق عليه السلام: (الشهرة خيرها وشرها في النار) (1). وربما يؤيد ذلك: بأن مضامين أكثر الأخبار المرغبة في التحنك مشتملة على أن تاركه يصيبه داء لا دواء له، وما نراه بالعيان خلاف ذلك، بل ربما نرى غير المتحنكين أسلم من المتحنكين، فلعله لأجل أنه صار من لباس الشهرة. ومنها: اشتمال الصماء، ففي الحسن عن زرارة، عن الباقر عليه السلام أنه قال: (إياك والتحاف الصماء) قلت: وما التحاف الصماء ؟ قال: (أن تدخل الثوب من تحت جناحك فتجعله على منكب واحد) (2) ورواه في معاني الأخبار بسند صحيح (3). وكلام أهل اللغة مختلف فيه، فقيل: أن تجلل جسدك بثوبك نحو شملة الأعراب بأكسيتهم، ويرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن، فيغطيهما جميعا (4). وقيل: أن يشتمل الرجل بثوب يجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا يخرج منه يده (5) وقال في التذكرة: وتعبير الفقهاء أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه، فربما يبدو منه فرجه، والفقهاء أعرف بالتأويل لما ورد عن الأئمة (6)، وهكذا نقله أبو عبيدة أيضا عن الفقهاء (7).


1. الكافي 6: 445 ح 3، الوسائل 3: 354 أبواب أحكام الملابس ب 12 ح 3. 2. الكافي 3: 394 ح 4، الفقيه 1: 168 ح 792، التهذيب 2: 214 ح 841، الاستبصار 1: 388 ح 1474، الوسائل 3: 289 أبواب لباس المصلي ب 25 ح 1. 3. معاني الأخبار: 390 ح 32. 4. القاموس المحيط 4: 142. 5. نقله عن الهروي في الذكرى: 147. 6. التذكرة 2: 503. 7. الصحاح 5: 1968، لسان العرب 12: 346.

[ 356 ]

وكيف كان، فكراهة ذلك إجماعية بين العلماء، والأحوط الاجتناب عن الجميع، سيما ما لا تنافيه الحسنة المتقدمة. ومنها: الاتزار فوق القميص، كما نقل عن أكثر الأصحاب (1)، وقيل: لا تستفاد كراهته من الأخبار (2)، بل الظاهر منها عدمها، وإنما ورد فيها النهي عن التوشح فوق القميص، وهو غير الاتزار، قال الجوهري: توشح الرجل بثوبه وسيفه إذا تقلد بهما (3). ونقل عن بعضهم أن التوشح إدخال الثوب تحت اليد اليمنى وإلقاؤه على المنكب الأيسر كما يفعله المحرم (4)، وقيل غير ذلك (5). أقول: والأخبار واردة في كليهما، ففي صحيحة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: (لا ينبغي أن تتوشح بإزار فوق القميص وأنت تصلي، ولا تتزر بإزار فوق القميص إذا أنت صليت، فإنه من زي الجاهلية) (6) فهذه الرواية تدل على كراهة الاتزار أيضا، والأخبار الدالة على المنع من التوشح كثيرة (7). وأما صحيحة موسى بن القاسم قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام يصلي في قميص قد اتزر فوقه بمنديل وهو يصلي (8). وصحيحة موسى بن عمر بن بزيع قال، قلت للرضا عليه السلام: أشد الإزار


1. الذكرى: 148، المدارك 3: 203. 2. المعتبر 2: 96. 3. الصحاح 1: 415. 4. لسان العرب 2: 633. 5. قال ابن الأثير في النهاية 5: 187 إنه كان يتوشح بثوبه أي يتغشى به. 6. الكافي 3: 395 ح 7، التهذيب 2: 214 ح 840، الوسائل 3: 287 أبواب لباس المصلي ب 24 ح 1. 7. الوسائل 3: 278 أبواب لباس المصلي ب 24. 8. التهذيب 2: 215 ح 843، الاستبصار 1: 388 ح 1476، الوسائل 3: 288، أبواب لباس المصلي ب 24 ح 6.

[ 357 ]

والمنديل فوق قميصي في الصلاة، فقال: (لا بأس) (1) فمحمولتان على الرخصة والجواز، فلا ينافي الكراهة، مع احتمال إرادة التحزم كما يشهد به الاتزار بالمنديل وعليه يحمل ما نقلناه عن كتاب الكراجكي، وعلى الاتزار تحت القميص، فإنه لا كراهة فيه إجماعا كما نقله العلامة (2). وأما صحيحة حماد بن عيسى قال: كتب الحسن بن علي بن يقطين إلى العبد الصالح عليه السلام، هل يصلي الرجل الصلاة وعليه إزار متوشح به فوق القميص ؟ فكتب: (نعم) (3) فهي محمولة على الرخصة جمعا بين الأخبار. ومنها: القباء المشدود في غير الحرب، ذكره أكثر الأصحاب، وحرمه ابن حمزة (4). وقال المفيد: لا يجوز لأحد أن يصلي وعليه قباء مشدود إلا أن يكون في الحرب فلا يتمكن أن يحله، فيجوز ذلك للاضطرار (5). وقال الشيخ في التهذيب بعد نقل العبارة: ذكر ذلك علي بن الحسين بن بابويه، وسمعناه من الشيوخ مذاكرة، ولم أعرف به خبرا مسندا (6). وربما فهم منه المحزم (7)، واستدل عليه بما رواه العامة أنه صلى الله عليه وآله قال: (لا يصلي أحدكم وهو محزم) (8).


1. الفقيه 1: 166 ح 780، التهذيب 2: 214 ح 842، الاستبصار 1: 388 ح 1475، الوسائل 3: 288 أبواب لباس المصلي ب 24 ح 5. 2. المنتهى 1: 232. 3. التهذيب 2: 215 ح 844، الاستبصار 1: 388 ح 1477، الوسائل 3: 288 أبواب لباس المصلي ب 24 ح 7. 4 الوسيلة: 88. 5. المقنعة: 152. 6. التهذيب 2: 232. 7. كالشهيد في الذكرى: 148. 8. مسند أحمد 2: 232.

[ 358 ]

ورد بأنه لا دلالة فيه على ذلك (1). ومنهم من فهم منه مشدود الأزرار. ورد بأن ظاهر الأخبار كراهة حل الأزرار في الصلاة، وأنه من عمل قوم لوط (2). وفيه: أن الظاهر من الأخبار المانعة عن الصلاة في الثوب المحلول الأزرار هو ما يكون مظنة لتكشف العورة، وما دل على أنه من عمل قوم لوط الظاهر منه إرادة الحل بين الصلاة، فإنه من العبث كسائر أعمالهم، أو تكون العلة فيها أيضا ما ذكرنا معللا بأنه من عمل قوم لوط. أقول: ويحتمل إرادة الضيق الذي يوجب عدم حضور القلب ويمنع من بعض الآداب، سواء حصل الضيق بسبب شد الأزرار أو غيره أيضا. ومنها: الصلاة في الثوب الرقيق الغير الحاكي للون، لأخبار كثيرة، مثل صحيحة محمد بن مسلم قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام صلى في إزار واحد ليس بواسع قد عقده على عاتقه، فقلت له: ما ترى للرجل يصلي في قميص واحد ؟ فقال: (إذا كان كثيفا فلا بأس (3) وغيرها (4). فإن حكى لون العورة فلا تجوز الصلاة فيه. وفيما حكى الحجم قولان، أظهرهما الكراهة، للأصل، وحصول الستر عرفا، ولما يظهر من الأخبار المعتبرة جواز الاكتفاء بقميص واحد إذا كان كثيفا، والغالب أن القميص الكثيف قد يحكي الحجم، سيما إذا كان رطبا، وخصوصا في النسوان، فإن أبدانهن عورة.


1. كما في المدارك 3: 208. 2. الوسائل 3: 285 أبواب لباس المصلي ب 23. 3. الكافي 3: 394 ح 2، الفقيه 1: 243 ح 1081، التهذيب 2: 217 ح 855، الوسائل 3: 282 أبواب لباس المصلي ب 22 ح 1. 4. الوسائل: 281 أبواب لباس المصلي ب 21، 22.

[ 359 ]

وقيل بالبطلان (1)، محتجا بمرفوعة أحمد بن حماد عن الصادق عليه السلام، قال: (لا تصل فيما شف أو وصف) (2) يعني الثوب الصيقل. قال في المدارك: كذا فيما وجدناه من نسخ التهذيب (3)، وذكر الشهيد في الذكرى أنه وجده بلا (واو) بخط الشيخ أبي جعفر رحمه الله، وأن المعروف أو وصف بواوين، قال: ومعنى شف لاحت منه البشرة، أو وصف حكى الحجم (4). وقريبة منها مرفوعة محمد بن يحيى (5). ولا يعارض بذلك ما قدمناه من الأدلة، وقد مر الإشكال في حديث التستر بالنورة، والظاهر عدم الاكتفاء به في الصلاة. ومنها: اللثام للرجل والنقاب للمرأة، لصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام قال، قلت له: أيصلي الرجل وهو متلثم ؟ فقال: (أما على الأرض فلا، وأما على الدابة فلا بأس) (6) ويظهر منه خفة الكراهة في حال الركوب، وقد مرت موثقة سماعة في مباحث ستر العورة، وههنا أخبار كثيرة تدل على الجواز (7)، ووجه الجمع بينها وبين ما ذكرنا الكراهة. وأما صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، هل يقرأ الرجل في صلاته وثوبه على فيه ؟ فقال: (لا بأس بذلك إذا سمع الهمهمة) (8) وفي معناها


1. الذكرى: 146، جامع المقاصد 2: 95. 2. التهذيب 2: 214 ح 837، الذكرى: 146، الوسائل 3: 282 أبواب لباس المصلي ب 21 ح 4. 3. المدارك 3: 187. 4. الذكرى: 146. 5. الكافي 3: 402 ح 24، التهذيب 2: 214 ح 838، الوسائل 3: 282 أبواب لباس المصلي ب 21 ح 3. 6. الكافي 3: 408 ح 1: 166 ح 778، التهذيب 2: 229 ح 900، الاستبصار 1: 397 ح 1516، الوسائل 3: 306 أبواب لباس المصلي ب ح 35 1. 7. الوسائل 3: 306 أبواب لباس المصلي ب 35. 8. الكافي 3: 315 ح 15، الفقيه 1: 166 ح 778، التهذيب 2: 229 ح 903، الاستبصار 1: 397 ح 1519، الوسائل 3: 307 أبواب لباس المصلي ب 35 ح 3.

[ 360 ]

روايات اخر (1)، فالظاهر أن المراد من مفهومها التحريم بناءا على وجوب إسماع المصلي نفسه. وأما إذا منعا عن القراءة أو الأذكار الواجبة فلاريب في حرمتهما. ومنها: صلاة المرأة في خلخال له صوت، لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن رجل صلى وفي كمه طير، قال: (إن خاف الذهاب عليه فلا بأس) وقال: سألته عن الخلاخل هل يصلح للنساء والصبيان لبسها ؟ فقال: (إن كانت صماء فلا بأس، وإن كان لها صوت فلا يصلح (2). وعن ابن البراج: أنه لا تصح الصلاة فيه (3)، والرواية لا تدل عليه. قيل: والرواية تفيد الكراهة مطلقا، فلا وجه للتخصيص بحال الصلاة (4)، ويمكن استشعار ذلك بمناسبة صدر الرواية. ومنها: صلاة المرأة عطلا - بضم العين والطاء المهملتين وتنوين اللام - أي خال جيدها من القلائد، ففي رواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن علي عليه السلام، قال: (لا تصلي المرأة عطلا) (5). وفي الفقيه قال الصادق عليه السلام: (لا ينبغي للمرأة أن تعطل نفسها، ولو أن تعلق في عنقها قلادة، ولا ينبغي لها أن تدع يدها من الخضاب، ولو أن تمسحها بالحناء مسحا وإن كانت مسنة) (6) وفي بعض الأخبار: (ولو تعلقن في أعناقهن سبرا) (7)


1. الوسائل 3: 306 أبواب لباس المصلي ب 35. 2. 404 ح 33، الفقيه 1: 164 ح 775، الوسائل 3: 336 أبواب لباس المصلي ب 160، وب 62 ح 1. 3. المهذب 1: 75. 4. روض الجنان: 212، مجمع الفائدة 2: 91. 5. التهذيب 2: 371 ح 1543، الوسائل 3: 335 أبواب لباس المصلي ب 58 ح 1. 6. الفقيه 1: 70 ح 283، الوسائل 3: 335 أبواب لباس المصلي ب 58 ح 2. 7. دعائم الإسلام 2: 162 ح 580، مستدرك الوسائل 3: 229 أبواب لباس المصلي ب 40 ح 1.

[ 361 ]

ومنها: الصلاة مختضبا، وإن كانت خرقته نظيفة، وهو مقتضى الجمع بين الأخبار المانعة والمجوزة والمفصلة. ومنها: الصلاة في الثياب السود إلا في الخف والعمامة والكساء، وهو مضمون روايات كثيرة. وفي الفقيه قال أمير المؤمنين عليه السلام فيما علم أصحابه: (لا تلبسوا السواد، فإنه لباس فرعون) (1). وفي رواية عن الصادق عليه السلام: أنه لبسه من جهة التقية عن بني العباس، ثم قال: (أما إني ألبسه وأنا أعلم أنه لباس أهل النار) (2) وهذه الأخبار كلها مطلقة. وقال الكليني: وروي (لا تصل في ثوب أسود، وأما الخف والعمامة والكساء فلا بأس) (3). وفي القلنسوة السوداء روايتان مصرحتان بالنهي عنها في الصلاة معللتان بأنها لباس أهل النار، إحداهما في الكافي، والاخرى في العلل (4). ومنها: الصلاة في الثوب المشبع اللون بالحمرة، أو الأعم، ففي قوية مالك بن أعين قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام وعليه ملحفة حمراء شديدة الحمرة، فتبسمت حين دخلت، فقال: (كأني أعلم لم ضحكت، ضحكت من هذا الثوب الذي هو علي، إن الثقفية أكرهتني عليه، وأنا احبها فأكرهتني على لبسها، ثم قال:


1. الفقيه 1: 163 ح 766، علل الشرائع: 346 ح 2، الخصال: 615، الوسائل 3: 278 أبواب لباس المصلي ب 19 ح 5. 2. الكافي 6: 449 ح 2، الفقيه 1: 163 ح 770، علل الشرائع: 347 ح 4، الوسائل 3: 278 أبواب لباس المصلي ب 19 ح 7. 3. الكافي 3: 402 ح 24، الوسائل 3: 278 أبواب لباس المصلي ب 19 ح 4 بتفاوت. 4. الكافي 3: 403 ح 30، علل الشرائع: 346 ب 56 ح 1، وانظر الفقيه 1: 162 ح 765، والتهذيب 2: 213 ح 836، والوسائل 3: 280 أبواب لباس المصلي ب 20 ح 1، 3.

[ 362 ]

(إنا لا نصلي في هذا، ولا تصلوا في المشبع المضرج) (1) الحديث. وفي موثقة حماد بن عثمان عن الصادق عليه السلام، قال: (تكره الصلاة في الثوب المصبوغ المفدم) (2) وفسر المفدم بالحمرة المشبعة وبكل مشبع أيضا (3). وفي رواية يزيد بن خليفة عنه عليه السلام: أنه كره الصلاة في المشبع بالعصفر، والمضرج بالزعفران (4). ومنها: الصلاة فيما يستر ظهر القدم ولا يغطي المفصل الذي بين القدم والساق وشيئا من الساق، فعن أكثر القدماء التحريم (5)، وهو فتوى الفاضلين (6)، والباقون على الكراهة (7)، وصرح كثير من الأصحاب بعدم النص (8). واستدل المانعون بعدم صلاة النبي صلى الله عليه وآله والصحابة والتابعين في هذا النوع. ولعلهم أرداوا بذلك عدم الصلاة بعنوان الالتزام الدال على الحرمة، وإلا فلا يتم الاستدلال بعد تسليم النقل. أقول: قال ابن حمزة في الوسيلة: وروي أن الصلاة محظورة في النعل السندية والشمشك (9)، فهذه الرواية مع عمل القدماء واستصحاب شغل الذمة


1. الكافي 6: 447 ح 7، الوسائل 3: 335 أبواب لباس المصلي ب 59 ح 1. 2. الكافي 3: 402 ح 22، التهذيب 2: 373 ح 1549، الوسائل 3: 336 أبواب لباس المصلي ب 59 ح 2. 3. الصحاح 5: 2001، النهاية لابن الأثير 3: 421. 4. التهذيب 2: 373 ح 1550، الوسائل 3: 336 أبواب لباس المصلي ب 59 ح 3. 5. كالمفيد في المقنعة: 153، والشيخ في النهاية: 98، وابن البراج في المهذب 1: 75، وسلار في المراسم: 65 ولكن بعضهم اقتصر على ذكر الشمشك والجرموق والنعل السندية وهي من مصاديق ما يستر ظهر القدم، وانظر المدارك 3: 183. 6. المحقق في الشرائع 1: 59، والمختصر النافع: 25، والعلامة في التذكرة 2: 498. 7. كالعلامة في المنتهي 1: 230، والشهيد الثاني في المسالك 1: 166. 8. منهم المقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة 2: 101، والمحقق السبزواري في الكفاية: 16. 9. الوسيلة: 88.

[ 363 ]

يقوي الحرمة. ولكن الشيخ روى في كتاب الغيبة والطبرسي في كتاب الاحتجاج عن الحميري أنه كتب إلى صاحب الزمان عليه السلام يسأله، هل يجوز للرجل أن يصلي وفي رجليه بطيط لا يغطي الكعبين أم لا يجوز ؟ فكتب في الجواب: (جائز) (1). قال في القاموس: البطيط رأس الخف بلا ساق (2). أقول: وعلى ما حققنا في مباحث الوضوء من معنى الكعب لا يدل على مطلبهم. سلمنا عدم تعين معنى الكعب على ما ذكرنا، فلا أقل من تشابه دلالة تلك الرواية، ومقتضى الجمع بين الروايتين حمله على ما لا يستر ظهر القدم. والظاهر أن الحرمة أو الكراهة ثابتتان فيما يستر أكثر ظهر القدم أيضا. وأما ما لا يستر أكثر ظهر القدم كالنعال العربية، أو ما له ساق كالجرموق والخف فلا خلاف في جواز الصلاة فيه، وعدم الكراهة، بل ويظهر من الأخبار استحبابها في النعال (3)، والظاهر أنها العربية، بل ذكر بعض الأصحاب أنه تستحب الصلاة فيها عند علمائنا (4). فائدة: يستحب التطيب في الصلاة بالمسك وغيره، فعن الصادق عليه السلام، قال: (صلاة متطيب أفضل من سبعين صلاة بغير طيب) (5).


1. الغيبة: 234، الاحتجاج: 484، وانظر الوسائل 3: 310 أبواب لباس المصلي ب 38 ح 4. 2. القاموس المحيط 2: 351. 3. الوسائل 3: 308 أبواب لباس المصلي ب 37. 4. الرياض 3: 200، وانظر المعتبر 2: 93، والتذكرة 2: 498. 5. الكافي 6: 510 ح 7، الوسائل 3: 315 أبواب لباس المصلي ب 43 ح 2.

[ 364 ]

المقصد الرابع في القبلة وفيه مطلبان: المطلب الأول: في حقيقتها وفيه مباحث: الأول: اختلف الأصحاب في حقيقة القبلة، فعن أكثر القدماء منهم الشيخان (1) وسلار (2) وابن حمزة (3) وابن البراج (4) أن البيت قبلة المسجد، والمسجد قبلة الحرم، والحرم قبلة الدنيا، وهو مذهب المحقق في الشرائع (5)، وعن الشيخ (6) والمحقق الطبرسي ادعاء الإجماع عليه.


1. المقنعة: 95، المبسوط 1: 77، الخلاف 1: 295، النهاية: 62. 2. المراسم: 60. 3. الوسيلة: 85. 4. المهذب 1: 84. 5. الشرائع 1: 55. 6. الخلاف 1: 295.

[ 365 ]

عن السيد (1) وابن الجنيد (2) وأبي الصلاح (3) وابن إدريس (4) والمحقق في المعتبر والنافع (5) والعلامة (6) وأكثر المتأخرين (7): أنه عين الكعبة لمن يتمكن (8) من غير مشقة كثيرة، كمن كان في بيوت مكة، بمعنى وجوب محاذاتها لا مشاهدتها، وجهتها لغيره، وهو أقرب. أما وجوب المحاذاة للمشاهد ومن بحكمه فالظاهر أنه إجماع من الفريقين كما نقله المحقق (9)، وإن كان المنقول عن بعض أصحاب القول الأول خلاف ذلك (10). وتدل عليه موثقة عبد الله بن سنان الآتية وغيرها من الأخبار الآتية (11). وأما أن جهتها قبلة لغيرهما فللأخبار المتظافرة، مثل حسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: سألته هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي إلى بيت المقدس ؟ قال: (نعم) فقلت: كان يجعل الكعبة خلف ظهره ؟ فقال: (أما إذا كان بمكة فلا، وأما إذا هاجر إلى المدينة فنعم، حتى حول إلى الكعبة) (12). وفي رواية معاوية بن عمار - الموثقة ظاهرا - عنه عليه السلام قال، قلت له: متي صرف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الكعبة ؟ قال: (بعد رجوعه


1. جعل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 29. 2. نقله عنه في المختلف 2: 61. 3. الكافي في الفقه: 138. 4. السرائر 1: 204. 5. المعتبر 2: 65، المختصر النافع 1: 23. 6. المختلف 2: 61. 7. كالشهيدين في البيان: 114، وروض الجنان: 189، وابن فهد في المهذب البارع 1: 306. 8. في ((ص) زيادة: من العلم بها. 9. المعتبر 2: 65. 10. انظر الرياض 3: 113. 11. في ص 367، وهي في التهذيب 2: 383 ح 1598، والوسائل 3: 247 أبواب القبلة ب 18 ح 1، وغيره. 12. الكافي 3: 286 ح 12، الوسائل 3: 216 أبواب القبلة ب 2 ح 4.

[ 366 ]

من بدر) (1)، والأخبار المروية بهذا المعنى من الكثرة بمكان لا حاجة إلى ذكرها (2). وروى الطبرسي في الاحتجاج عن العسكري عليه السلام: في احتجاج النبي صلى الله عليه وآله على المشركين قال: (إنا عباد الله مخلوقون مربوبون، نأتمر له فيما أمرنا، و ننزجر مما زجرنا) إلى أن قال: (فلما أمرنا أن نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعنا، ثم أمرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان التي نكون بها فأطعنا، فلم نخرج في شئ من ذلك من اتباع أمره) (3). واحتج الآخرون برواية عبد الله بن محمد الحجال، عن بعض رجاله، عن الصادق عليه السلام، قال: (إن الله تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد، وجعل المسجد قبلة لأهل الحرم، وجعل الحرم قبلة لأهل الدنيا) (4) وبمضونها روايات اخر (5)، وكلها ضعيفة. لكن الصدوق روى في العلل في الصحيح عن أبي غرة قال، قال أبو عبد الله عليه السلام (البيت قبلة المسجد، والمسجد قبلة مكة، ومكة قبلة الحرم، والحرم قبلة الدنيا) (6) وصححه (7) الفاضل المجلسي في شرح الفقيه (8)، ولم أقف لأبي غرة على شئ في الرجال، ولعله أراد الصحة إليه. وكيف كان فهذه الأخبار لا تعارض ما قدمناه، والآية الشريفة (9) أيضا أوفق


1. التهذيب 2: 43 ح 135، الوسائل 3: 215 أبواب القبلة ب 2 ح 1. 2. الوسائل 3: 215 أبواب القبلة ب 2. 3. الاحتياج: 27، الوسائل 3: 219 أبواب القبلة ب 2 ح 14. 4. التهذيب 2: 44 ح 139 وفيه، عبيد الله، الوسائل 3: 220 أبواب القبلة ب 3 ح 1. 5. الوسائل 3: 220 أبواب القبلة ب 3. 6. علل الشرائع 2: 318 ب 3 ح 2. 7. في النسخ: وصحيحة. 8. روضة المتقين 2: 191. 9. قوله تعالى: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره). (البقرة: 150.

[ 367 ]

بإرادة الجهة والجانب، وإلا لكان ذكر الحرم متعينا. وأما ذكر المسجد الحرام فلعله كان لمقابلة المسجد الأقصى مقابلة لشماتة الخصوم أبلغ قبال، فالمراد من الشطر الجانب والجهة، مع أنه يلزم على أرباب هذا القول لو ابقي على ظاهره ما اورد عليهم من خروج بعض الصف المستطيل عن سمت القبلة. ومما يرد عليهم أنه لا مناص لهم عن العمل بالأمارات في النائين، ومعلوم أنها لا تفيد العلم بالمقابلة الحقيقية، وظاهرهم أنهم متفقون على ذلك، والتفرقة بين جهة الحرم وجهة الكعبة غير معلومة الجهة. وبالجملة إبقاء هذه الأخبار على ظاهرها والعمل عليها في غاية الإشكال. وقال الشهيد - رحمه الله ونعم ما قال - إن ذكر المسجد والحرم في هذه الأخبار لعله إشارة إلى الجهة، فيرتفع الخلاف، وأن ذلك على سبيل التقريب إلى أفهام المكلفين، وإظهارا لسعة الجهة، فإن البعد كلما كان أكثر كانت الجهة أوسع (1). ويؤيد ذلك صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، أنه قال: (لا صلاة إلا إلى القبلة) قلت له: أين حد القبلة ؟ قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة كله) (2) وفي معناها غيرها من الأخبار (3). والمراد من جهة الكعبة: هو جهة الفضاء المشتغل بها من تخوم الأرض إلى أعنان السماء بلا خلاف بين العلماء، فتصح الصلاة على جبل أبي قبيس، وفي السرداب تحت الكعبة. ويدل عليهما مضافا إلى الإجماع ظاهرا: أما الأول فروايات، منها موثقة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: سأله رجل قال: صليت فوق


1. الذكرى: 162. 2. الفقيه 1: 180 ح 855، الوسائل 3: 217 أبواب القبلة ب 2 ح 9. 3. الوسائل 3: 221 أبواب القبلة ب 3 ح 4.

[ 368 ]

أبي قبيس العصر، فهل يجزئ ذلك والكعبة تحتي ؟ قال: (نعم، إنها قبلة من موضعها إلى السماء) (1). وأما في الثاني فهذه الروايات منضما إلى ما رواه الصدوق مرسلا قال، قال الصادق عليه السلام: (أساس البيت من الأرض السابعة السفلى إلى الأرض السابعة العليا) (2). الثاني: تجوز النافلة في جوف الكعبة مطلقا، والفريضة في حال الاضطرار بإجماع العلماء كافة، نقله في المدارك (3). وتدل عليهما الأخبار أيضا (4). واختلفوا في الفريضة حال الاختيار، فنسب جوازها في التذكرة إلى أكثر علمائنا (5)، وذهب الشيخ في أحد قوليه إلى التحريم (6)، وتبعه ابن البراج (7)، وعن الشيخ دعوى إجماع الفرقة عليه، وهو أقوى. لنا: استصحاب شغل الذمة، وظاهر الآية (8) والأخبار المتظافرة (9)، فإن التوجه إلى الشئ والاستقبال إليه لا يفهم منه عرفا إلا بأن يكون قدامه بأجمعه، ولا يفهم منه استقبال الجزء حال كون المصلي داخلا فيه أو قائما عليه. وخصوص الصحاح المستفيضة، وغيرها، مثل صحيحة محمد بن مسلم عن


1. التهذيب 2: 383 ح 1598، الوسائل 3: 247 أبواب القبلة ب 18 ح 1. 2. الفقيه 2: 160 ح 690، الوسائل 3: 248 أبواب القبلة ب 18 ح 3. 3. المدارك 3: 123. 4. الوسائل 3: 245 أبواب القبلة ب 17. 5. التذكرة 3: 10. 6. الخلاف 1: 439 مسألة 186. 7. المهذب 1: 76. 8. البقرة: 150. 9. الوسائل 3: 245 أبواب القبلة ب 17.

[ 369 ]

أحدهما عليهما السلام، قال: (لا تصل المكتوبة في الكعبة) (1). وصحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال: (لا تصلى المكتوبة في جوف الكعبة، فإن النبي صلى الله عليه وآله لم يدخل الكعبة في حج ولا عمرة، ولكنه دخلها في الفتح فتح مكة، وصلى ركعتين بين العمودين ومعه أسامة بن زيد) (2) ومثلها موثقته (3). وفي صحيحه محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، قال: (لا تصلح صلاة المكتوبة في جوف الكعبة) (4). احتجوا (5) بأن القبلة نفس العرصة، لا مجموع البنية، ويكفي منها كل جزء من أجزائها. ويظهر ضعفه مما تقدم. وموثقة يونس بن يعقوب قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: حضرت الصلاة المكتوبة وأنا في الكعبة، أفاصلي فيها ؟ قال: (صل) (6). وهي لا تقاوم ما ذكرنا، لكونها موافقة للكتاب والسنة والاستصحاب. والرواية وإن كانت قوية إلا أن رواياتنا أكثر وأصح (7). ولفظة (لا تصلح) في الرواية الأخيرة وإن سلمنا عدم دلالتها على الحرمة فلا تدل على الكراهة أيضا. وأما الاعتضاد بالشهرة فهو أيضا غير واضح، لأن الإجماع المنقول لا يقصر عن الشهرة، مع أن في أخبارنا المعلل أيضا، وهو مقدم على غيره، فنحملها


1. الكافي 3: 391 ح 18، الوسائل 3: 245 أبواب القبلة ب 17 ح 1. 2. التهذيب 5: 279 ح 953، الاستبصار 1: 298 ح 1101، الوسائل 3: 246 أبواب القبلة ب 17 ح 3. 3. التهذيب 2: 383 ح 1596، الوسائل 3: 246 أبواب القبلة ب 17 ذ. ح 3. 4. التهذيب 5: 279 ح 954، الوسائل 3: 246 أبواب القبلة ب 17 ح 4. 5. المنتهى 1: 218، الذكرى: 161، روض الجنان: 202. 6. التهذيب 5: 279 ح 955، الوسائل 3: 246 أبواب القبلة ب 17 ح 6. 7. كذا.

[ 370 ]

على الضرورة. ويدل على صحتها حال الضرورة مضافا إلى الإجماع موثقة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، قال: (لا تصلح صلاة المكتوبة في جوف الكعبة) (1) وأما إذا خاف فوت الصلاة فلا بأس أن يصليها في جوف الكعبة. ورواية محمد بن عبد الله بن مروان، قال: رأيت يونس بمنى يسأل أبا الحسن عليه السلام عن الرجل إذا حضرته صلاة الفريضة وهو في الكعبة فلم يمكنه الخروج من الكعبة، قال: (يستلقي على قفاه، ويصلي إيماءا، وذكر قول الله عزوجل: (فأينما تولوا فثم وجه الله) (2) (3). والأمر بالاستلقاء فيه أيضا شاهد لما ذكرنا من عدم تحقق الاستقبال باستقبال جدار البيت، سيما مع استدلاله عليه السلام بالآية التي وردت عنهم عليهم السلام أنها نزلت في قبلة المضطر. وقال الكليني بعد نقل صحيحة محمد بن مسلم الاولى: وروي في حديث آخر: (يصلي في أربع جوانبها إذا اضطر إليها) (4) ويظهر منه أيضا أنه لا يجوز في حال الاختيار. ولعل المراد من الصلاة ألى أربع جوانب الرخصة في الصلاة إلى أيها شاء، لا وجوب الصلاة إلى الجميع، لعدم وجود القائل به ظاهرا.


1. التهذيبب 2: 383 ح 1597، الوسائل 3: 246 أبواب القبلة ب 17 ح 5 وفيه: تصلح الصلاة... وهو أوفق بالاستدلال، ولعل إضافة كلمة (لا) تصحيف وعلى أي حال قال في الوسائل: لفظة (لا) هنا غير موجودة في النسخة التي قوبلت بخط الشيخ، وهي موجودة في بعض النسخ، انتهى. أقول: ويوهم كلام المصنف أن ما بعد هذه الرواية داخل فيها فتكون دالة على المطلب مع وجود كلمة (لا) ولكن لم أجده في شئ من المصادر والكتب المتوفرة، ولذا أخرجته من الأقواس. 2. البقرة: 115. 3. التهذيب 5: 453 ح 1583، الوسائل 3: 246 أبواب القبلة ب 17 ح 7. 4. الكافي 3: 391 ح 18.

[ 371 ]

وظاهرهم جواز الصلاة إلى أي جدرانها شاء، وكذلك القائل بالاستلقاء في الكعبة غير معلوم. وأما الصلاة على سطح الكعبة مطلقا فلم نقف على مخالف في جوازه بين الأصحاب، وإنما اختلفوا في كيفية الصلاة، فذهب الأكثر إلى الجواز قائما مع إبرازه شيئا من السطح بين يديه ليصلي إليه، فيقوم ويركع ويسجد (1)، لما دل على وجوب القيام والقعود والركوع والسجود. وذهب الشيخ في أحد قوليه (2) والصدوق (3) إلى أنه يصلي مستلقيا إلى البيت المعمور، مومئا بركوعه وسجوده، لرواية عبد السلام بن صالح، عن الرضا عليه السلام: في الذي تدركه الصلاة وهو فوق الكعبة، قال: (إن قام لم يكن له قبلة، ولكن يستلقي على قفاه، ويفتح عينيه إلى السماء، ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور، ويقرأ، فإذا أراد أن يركع غمض عينيه، فإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فتح عينيه، والسجود على نحو ذلك) (4) وادعى الشيخ الإجماع على ذلك (5). قال بعض المتأخرين: ولو قيل إن تمكن من النزول وجب تحصيلا للبراءة اليقينية وإلا صلى قائما لم يكن بعيدا، إلا أن يثبت الإجماع على نفي هذا التفصيل (6)، انتهى. ويؤيده حكم الفريضة في جوفها على ما اخترناه. وربما تحمل الرواية على النافلة، وليس ببعيد إن لم يكن جواز الفريضة إجماعيا.


1. المبسوط 1: 85، الشرائع 1: 23، المختصر النافع 1: 23. 2. الخلاف 1: 441 مسألة 188، النهاية: 101. 3. الفقيه 1: 178 ذ. ح 842. 4. الكافي 3: 392 ح 21، التهذيب 2: 376 ح 1566، الوسائل 3: 248 أبواب القبلبة ب 19 ح 2. 5. الخلاف 1: 441 مسألة 188. 6. الجامع للشرائع: 64. (9 8

[ 372 ]

فائدة: قال في الذكرى: ظاهر كلام الأصحاب أن الحجر من الكعبة بأسره، وقد دل عليه النقل أنه كان منها في زمن إبراهيم وإسماعيل إلى أن بنت قريش الكعبة وأعوزتهم الآلات فاختصروها بحذفه، وكان كذلك في عهد النبي صلى الله عليه وآله، ونقل عنه صلى الله عليه وآله الاهتمام بإدخاله في بناء الكعبة، وبذلك احتج ابن الزبير حيث أدخله فيها، ثم أخرجه الحجاج بعده ورده إلى ما كان. ولأن الطواف يجب خارجه. وللعامة خلاف في كونه من الكعبة بأجمعه أو بعضه أو ليس منها، وفي الطواف خارجه، وبعض الأصحاب له فيه كلام أيضا، مع إجماعنا على وجوب إدخاله في الطواف، وإنما الفائدة في جواز استقباله في الصلاة بمجرده، فعلى القطع بأنه من الكعبة يصح، وإلا امتنع، لأنه عدول عن اليقين إلى الظن (1)، انتهى. قال في المدارك: ولم نقف على هذا النقل من طريق الأصحاب (2)، والمستفاد من النصوص الصحيحة أن الحجر ليس من الكعبة، منها صحيحة معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحجر، أمن البيت ؟ قال: (لا، ولا قلامة ظفر، ولكن إسماعيل دفن امه فيه فكره أن توطأ فحجر عليه حجرا، وفيه قبور أنبياء) (3) ولا تلازم بين وجوب إدخاله في الطواف وجواز الصلاة إليه وحده. الثالث: يجب أن يتوجه أهل كل إقليم إلى جهة ركنهم، وذكر العلماء لكل منهم علامات مشهورة مذكورة في كتب أصحابنا، مثل كتاب إزاحة العلة في معرفة


1. الذكرى: 164. 2. المدارك 3: 123. 3. الكافي 4: 210 ح 15، الوسائل 9: 429 أبواب الطواف ب 30 ح 1.

[ 373 ]

القبلة لشاذان بن جبرئيل القمي (1)، وكتاب الذكرى (2)، وغيرهما. والمروي من جملة تلك العلامات: هو علامة أهل المشرق، أعني عراق العرب وما والاه، فقد روى محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن القبلة، قال: (ضع الجدي في قفاك وصل) (3). وقال الصدوق: قال رجل للصادق عليه السلام: إني أكون في السفر، ولا أهتدي إلى القبلة بالليل، فقال: (أتعرف الكوكب الذي يقال له جدي ؟ قال: نعم، قال: اجعله على يمينك، وإذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك) (4). ووجه أن ذلك علامة لأهل المشرق أن أغلب الرواة من أهل المشرق، ومحمد بن مسلم كوفي. ولكن الذي ينطبق على الضوابط الهيئوية أو يقاربها: هو أن يكون ذلك علامة لأواسط العراق كالكوفة وبغداد، وأما أطرافه الشرقية كالبصرة وما ساوها فتحتاج إلى زيادة انحراف نحو المغرب، فيجعلون الجدي على الخد الأيمن كما ذكره جماعة من الأصحاب (5). وأما أطرافه الغربية كالموصل وما ساواها فعلامتهم جعل المشرق والمغرب الاعتداليين على اليسار واليمين. وجعل الشمس على طرف الحاجب الأيمن مما يلي الأنف عند الزوال. وذكروا أيضا من جملة علاماتهم: جعل القمر ليلة السابع من كل شهر عند غروب الشمس بين العينين، وكذلك ليلة إحدى وعشرين عند طلوع الفجر.


1. انظر البحار 81: 74. 2. الذكرى: 164. 3. التهذيب 2: 45 ح 143، الوسائل 3: 222 أبواب القبلة ب 5 ح 1. 4. الفقيه 1: 181 ح 860، الوسائل 3: 222 أبواب القبلة ب 5 ح 2. 5. المدارك 3: 129.

[ 374 ]

قالوا: إن هذه المذكورات غير الجدي مأخوذة من القواعد الهيئوية (1)، وكذلك كل ما ذكروه في غيرها مثل الاعتماد على الأرياح الأربع: الصبا والدبور والشمال والجنوب، والكواكب وغيرها. وأوثقها العلامات الكوكبية، مثل أنهم ذكروا لأهل الشام جعل الجدي خلف الكتف اليسرى، وسهيل عند طلوعه بين العينين، وعند غروبه على العين اليمنى، وبنات النعش عند غيبوبتها خلف الأذن اليمنى. ولأهل المغرب جعل الجدي على الخد الأيسر، والثريا والعيوق على اليمين واليسار. ولأهل البصرة وفارس جعل الجدي على الخد الأيمن، والشولة إذا نزلت للمغيب بين العينين، والنسر الطائر عند طلوعه بين الكتفين. ولأهل السند والهند جعل الجدي على الاذن اليمنى، وسهيل عند طلوعه خلف الأذن اليسرى وبنات النعش عند طلوعها على الخد الأيمن، والثريا عند غيبوبته على (2) العين اليسرى. ولأهل اليمن جعل الجدي بين العينين، وسهيل عند غيبوبته بين الكتفين. وقال في الذكرى: أكثر الأصحاب ذكر خراسان في قبلة أهل العراق، وحكم باتحاد العلامات، وبلغني أن بها محرابا للإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام، فإن صح النقل فلا عدول عنه، وإلا فالأولى جواز الاجتهاد في التيامن والتياسر، وإن كان الاستقبال إلى الركن العراقي، وكلام الأصحاب لا ينافيه (3)، انتهى، هذا. وبعد ما تأملت في هذه العلامات، والمسامحة الفاحشة في كثير منها لعدم


1. المدارك 3: 127. 2. في (م): عن. 3. الذكرى: 163.

[ 375 ]

انضباطها، سيما الأرياح وحركة القمر، وخصوصا في العلامات المروية، فإن جعل الإمام عليه السلام الجدي علامة من دون تحديد حال ارتفاعه وانخفاضه مع تفاوت أوساط العراق أيضا وتفاوت طريق مكة أيضا يظهر لك أنه لا مناص عن اعتبار الجهة، ويظهر لك وسعة دائرة أمر القبلة، وتسهيل الأمر فيها. وقال في الذكرى: إن تلك الأمارات أكثرها مأخودة من علم الهيئة، وهي مفيدة للظن الغالب بالعين، وللقطع بالجهة (1). ولا أدري ما أراد بالعين والجهة، فإن أراد بالظن الغالب بالعين الظن باتصال خط مستقيم خارج عن موقف المصلي لو فرض إخراجه إلى أصل البيت، وبالجهة ما ذكره قبل ذلك حيث قال: (إن المراد بالجهة السمت الذي يظن كون الكعبة فيه لا مطلق الجهة كما قال بعض العامة إن الجنوب قبلة لأهل الشمال وبالعكس، والمشرق قبلة لأهل المغرب، وبالعكس، لأنا نتيقن بالخروج هنا عن القبلة، وهو ممتنع، انتهى) (2)، فنقول: لا ريب أن الظن الغالب بذلك غير ممكن، إذ الصف المستطيل المستقيم الذي بمقدار ألف نفر، بل وكل من يحاذي المصلي في جانب طول البلد إلى فراسخ كذلك يستحيل حصول الظن بذلك (لكل واحد منهم، فضلا عن الظن الغالب، بل يستحيل حصول ذلك الظن) (3). وإن أراد من العين محاذات جهة العين كما يحاذي الهلال ألف ألف نفر، وكلهم يصدق عليهم أنهم محاذون له عرفا، فإن الشئ الصغير كلما ازداد القوم عنه بعدا ازدادوا محاذاة، فحصول الظن الغالب بذلك مسلم، ولكن لا يبقى لمعنى الجهة شئ يقابل ذلك بعد ما ذكرنا سابقا، إلا أن يريد بها ما أراده بعض العامة كما نقله العلامة (4)، وهو موجب للتهافت والإلغاز، اللهم إلا أن يريد الظن في بادئ النظر


1 و 2. الذكرى: 162. 3. مابين القوسين ليس في (ص). 4. التذكرة 3: 7، قال: الجهة يريد بهاهنا ما يظن أنه الكعبة، حتى لو ظن خروجه عنها لم تصح.

[ 376 ]

ومع قطع النظر عن ملاحظة الآخر. تذنيب: المشهور بين الأصحاب استحباب تياسر أهل المشرق عن مقتضى علائمهم، وذهب الشيخ إلى وجوبه (1)، لرواية مفضل بن عمر: إنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة وعن السبب فيه، فقال: (إن الحجر الأسود لما انزل به من الجنة ووضع في موضعه، جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه النور نور الحجر، فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال، وعن يسارها ثمانية أميال، كلها اثنى عشر ميلا، فإذا انحرف الإنسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة لقلة انصاب الحرم، وإذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا من حد القبلة) (2) وتقرب من ذلك مرفوعة علي بن محمد (3). واورد على ذلك: بأن الانحراف إن كان إلى القبلة فواجب، وإن كان من القبلة فحرام. واجيب بأنه انحراف منها إليها، بمعنى اختيار التوسيط، وهذا إنما يتم على القول بجعل قبلة خارج الحرم هو الحرم لتفاوت طرفيه. وقد جرى في ذلك سؤال وجواب بين المحقق الطوسي - قدس سره القدسي - والمحقق الحلي - طاب ثراه - وحاصلهما ما ذكرنا، وكتب المحقق الحلي في ذلك رسالة، وهي بتمامها مذكورة في مهذب ابن فهد (4).


1. الخلاف 1: 297، النهاية: 63، المبسوط 1: 78، الاقتصاد: 257. 2. الفقيه 1: 178 ح 842، التهذيب 2: 44 ح 142، علل الشرائع: 318 ح 1، الوسائل 3: 221 أبواب القبلة ب 4 ح 2 بتفاوت يسير. 3. الكافي 3: 487 ح 6، التهذيب 2: 44 ح 141، الوسائل 3: 221 أبواب القبلة ب 4 ح 1.

[ 377 ]

وأنت خبير بأن ملاحظة الجهة وامتناع اعتبار هذا التفاوت في النائي عادة ينفي هذه الملاحظة، إلا أن يكون ذلك حكما تعبديا ذكر في الرواية علة لأصل تشريعه، ولا يلزم الاطراد، ويشكل مع القول باعتبار جهة الكعبة مطلقا كما هو المختار. ويظهر من بعض الأصحاب الجواب كذلك مع قطع النظر عن القول بكون الحرم قبلة أهل الدنيا أيضا، بدعوى مزية بعض أجزاء البيت على بعض آخر. وهو أبعد من الأول بالنظر إلى الواقع، وبالنظر إلى الرواية أيضا. وربما يقال: وجه هذا الحكم التنبيه على لزوم التياسر عن قبلة مساجد العراق، فإن أكثرها بنيت خلافة الثاني وغيره، وكانت محاريبها منحرفة إلى اليمين، وعلل في الرواية بما علل إسكاتا لهم على وجه خطابي لأجل التقية، وهو بعيد. المطلب الثاني في الأحكام وفيه مباحث: الأول: يجب استقبال القبلة في الفرائض كلها مع الاختيار، بالكتاب (1) والسنة (2) والإجماع، بل البديهة من الدين. وأما حال الاضطرار كالخوف والمطاردة وغيرهما فلا يجب، لعدم التمكن، و لقوله تعالى: < فأينما تولوا فثم وجه الله > (3) فإنها ردت في قبلة المتحير،


1. البقرة: 150. 2. الوسائل 3: 214 أبواب القبلة ب 1. 3. البقرة 115.

[ 378 ]

ولصحيحة زرارة المتقدمة في الصلاة راكبا (1)، وما ورد في صلاة الخوف (2). وكذلك في النافلة إلا حال الاستقرار وعدم العذر، وخلاف المحقق فيه (3) ضعيف، وقد مر. الثاني: يجب تحصيل العلم بالقبلة مع الإمكان، وقد مر الكلام في المتمكن من المشاهدة، وأن وجوبها إجماعي. وكذلك العلم بالجهة لمن تمكن منه، لظاهر الآية والأخبار. وطرق العلم كثيرة، مثل التواتر، والخبر المحفوف بالقرائن، ومحراب المعصوم، وقد يحصل العلم بإعمال القواعد الهيئوية. وأما فاقد العلم فيعتمد على الأمارات المفيدة للظن، وهو إجماعي، بل ادعى في المعتبر عليه اتفاق أهل العلم (4)، وأكثر العلامات المتقدمة لا تفيد إلا الظن، بل كلها. نعم بعضها في بعض المواضع من البلاد التي جعل علامة لها يفيد القطع فيما انطبق على مقتضي القواعد الهيئوية، ومن باب العمل بالظن الظن بتلك العلامات، مثل ما لو حصل الظن بالشمس في يوم الغيم أو ببعض الكواكب في ليلة بسبب النور في الشمس أو العين أيضا في الكواكب، وبمثل الاعتماد ببعض الكواكب، كما لو كان إذا كان في بلدة كانت الجوزاء مثلا في أول المغرب قبال القبلة، ثم تحير في بادية فيحصل بذلك ظن قوي ونحو ذلك.


1. الكافي 3: 459 ح 6، الفقيه 1: 295 ح 1348، التهذيب 3: 173 ح 383، الوسائل 5: 484 أبواب صلاة الخوف ب 3 ح 8. 2. الوسائل 5: 482 أبواب صلاة الخوف ب 3. 3. المعتبر 2: 77، جعله مستحبا في جميع الأحوال. 4. المعتبر 2: 70.

[ 379 ]

وتدل عليه الأخبار، مثل صحيحة زرارة قال، قال أبو جعفر عليه السلام: (يجزئ التحري أبدا إذا لم يعلم أين وجه القبلة) (1). وموثقة سماعة قال: سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم ير الشمس ولا القمر ولا النجوم، قال: (اجتهد رأيك، وتعمد القبلة جهدك) (2). وأوضح الأخبار في ذلك ما رواه السيد في رسالة المحكم والمتشابه نقلا عن تفسير النعماني، عن الصادق عليه السلام (3). وبالجملة المعيار ما يفيد الظن للمكلف (من أي) (4) شئ يكون من القواعد المذكورة والعلامات والأمارات المشهورة وغيرها مما يحصله المكلف. ولا يجوز العمل بالظن الأضعف مع وجود الأقوى، لكون الأضعف حينئذ وهما، فتسميته ظنا إنما هو مع قطع النظر عن الأمارة الاخرى كما لا يخفى، وتشعر بذلك الروايات المتقدمة. وأما المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين، ومقابرهم، وطرقهم، فهي مما تفيد الظن القوي، ويجوز الاكتفاء بها بلا خلاف بينهم، وقال في التذكرة إنه إجماعي (5). ومقتضى إطلاقهم جواز العمل عليها مع إمكان تحصيل العلم أيضا، واختار في المدارك العدم، لإمكان تحصيل اليقين (6)، وهو غير بعيد، حملا لإطلاقهم


1. الكافي 3: 285 ح 7، التهذيب 2: 45 ح 146، الاستبصار 1: 295 ح 87 10، الوسائل 3: 223 أبواب القبلة ب 6 ح 1. 2. الكافي 3: 284 ح 1، التهذيب 1: 46 ح 147، الاستبصار 1: 295 ح 1089، الوسائل 3: 223 أبواب القبلة ب 6 ح 2. 3. رسالة المحكم والمتشاته للسيد: 127، الوسائل 3: 224 أبواب القبلة ب 6 ح 4. 4. في (ح)، (م): براى. 5. التذكرة 3: 25. 6. المدارك 3: 134.

[ 380 ]

على الغالب. وأما مع عدم الإمكان فقالوا: لا يجوز الاجتهاد في الجهة حينئذ، لأن الخطأ في الجهة مع استمرار الخلق واتفاقهم ممتنع أو بعيد، فلو خالف اجتهاده إياهم فالخطأ منه، ولا يجوز العمل عليه. وأما في التيامن والتياسر ففيه قولان (1): من جهة أن إصابة الخلق الكثير أقرب، ومن جهة عموم الأخبار (2)، وأنه لما لم يجب عليهم الاجتهاد فيهما فلعل اكتفاءهم بالجهة لاعتمادهم على قبلة من قبلهم، لا لحصول الاجتهاد من جميعهم وتوافقهم في ذلك. قال في الذكرى: وقد وقع في زماننا اجتهاد بعض علماء الهيئة في قبلة مسجد دمشق وأن فيه تياسرا عن القبلة مع انطواء الأعصار الماضية على عدم ذلك (3). أقول: ولا يبعد ترجيح الجواز، سيما مع ما عرفت من المسامحة في أمر القبلة والعلائم التي بنوا أمرها عليها. ثم إن إخبار الغير بالقبلة أيضا مما يفيد الظن، فإن حصل له بسببه ظن أقوى من اجتهاده فيعمل عليه، لظاهر الأخبار (4)، فإنه أيضا نوع من التحري والاجتهاد، فإن المأمور به الذي هو تحصيل الظن له مقدمات، والمقدمات قد تكون من فعل المكلف، وقد يقوم فعل غيره مقامه أيضا، فقد يكون وجوب المقدمة تخييرا بين المقدورات، وقد ينوب غير المقدور عن المقدور كما حققناه في الاصول (5)، فلو استخبر المكلف من غيره لتحصيل الظن فهو من فعله، وإن أخبره الغير من دون الاستخبار فهو


1. قال بالمنع العلامة في نهاية الإحكام 1: 393، وبالجواز الشهيد في الذكرى: 163، وصاحب المدارك 3: 143. 2. الوسائل 3: 223 أبواب القبلة ب 6. 3. الذكرى: 163. 4. الوسائل 3: 223 أبواب القبلة ب 6. 5. القوانين: 103.

[ 381 ]

نائب عن فعله. وقول الشيخ بعدم جواز العمل على خبر الغير إذا خالف اجتهاده لأن المجتهد لا يجوز له تقليد غيره (1)، ففيه من الضعف ما لا يخفى. ومن لا يمكنه الاجتهاد من جهة عدم الاستعداد أو المانع كالأعمى ومن أطبقه الغيم ونحوهما فيعول على خبر العدل، بل وغيره أيضا إذا أفاد الظن، ولو كان كافرا، ويقدم قول من يحصل منه الظن الأقوى. والدليل على ذلك كله الأخبار المتقدمة. وذهب الشيخ في الخلاف إلى عدم جواز الاعتماد على خبر الغير للأعمى وغيره، ووجوب الصلاة إلى أربع جهات للإجماع على براءة الذمة بذلك والشك فيها بدونه (2)، وهو ضعيف. أما من فقد العلم والظن بأقسامه فالمشهور أنه يصلي إلى أربع جهات (3)، لرواية خراش، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت: جعلت فداك إن هؤلاء المخالفين علينا يقولون إذا أطبقت السماء علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنا وأنتم سواء في الاجتهاد، فقال: (ليس كما يقولون، إذا كان ذلك فليصل لأربع وجوه) (4) ولأن الاستقبال واجب، ولا يحصل حينئذ إلا بذلك. والظاهر أن مرادهم وقوعها على خطين مستويين وقع أحدهما على الآخر بحيث يحدث عنهما زوايا قوائم، لأنه المتبادر من النص. وذهب ابن أبي عقيل إلى أنه يصلي حيث شاء صلاة واحدة (5)، وهو الظاهر من


1. المبسوط 1: 80. 2. الخلاف 1: 302. 3. انظر المهذب 1: 85، والغنية (الجوامع الفقهية): 556 والشرائع 1: 56، والمعتبر 2: 70، والتذكرة 3: 28. 4. التهذيب 2: 45 ح 144، الاستبصار 1: 295 ح 1085، الوسائل 3: 226 أبواب القبلة ب 8 ح 5. 5. نقله عنه في المختف 2: 67.

[ 382 ]

الصدوق (1) والكليني (2) والعلامة في المختلف والشهيد في الذكرى (3) والمحقق الأردبيلي (4) وصاحب المدارك (5)، وهو الأظهر عندي، لقوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله > (6) فقد ورد أنها نزلت في قبلة المتحير (7). وصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، أنه قال: " يجزئ المتحير أبدا أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة) (8). وصحيحة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قبلة المتحير، فقال: (يصلي حيث يشاء) (9). وربما يحمل على ما لو لم يتمكن إلا من صلاة واحدة، فإنه يكفي حينئذ قولا واحدا. قالوا: ويجب الإتيان في الجوانب بحسب المكنة ثلاثا أو اثنتين أو واحدة. أقول: وحمل مستند المشهور على الاستحباب أيضا لضعف الرواية (10)، ومهجورية ظاهرها من سقوط الاجتهاد، ولموافقة الصحيحين للكتاب والأصل والملة السمحة السهلة النافية للعسر والحرج. وأما حديث توقف الاستقبال على ذلك فهو مع معارضته بالأصل ففيه أنه قد يحصل الاستقبال بالثلاث أيضا إذا صلى على مثلث لم يخرج كلها عما بين المشرق


1. الفقيه 1: 179. 2. الكاغي 3: 285. 3. المختلف 2: 67، الذكرى: 166. 4. مجمع الفائدة والبرهان 2: 67. 5. المدارك 3: 136. 6. البقرة: 115. 7. التهذيب 2: 49 ح 160، الاستبصار 1: 297 ح 1097، الوسائل 3: 230 أبواب القبلة ب 11 ح 4. 8. الفقيه 1: 179 ح 845، الوسائل 3: 226 أبواب القبلة ب 8 ح 2. 9. الكافي 3: 286 ح 10، الوسائل 3: 226 أبواب القبلة ب 8 ح 3. 10. بالارسال، وجهالة الراوي، وكذا الراوي عنه وهو إسماعيل بن عباد.

[ 383 ]

والمغرب، فلا أقل من وقوع أحدها ما بين المشرق والمغرب، وهو قبلة للمضطر كما يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار (1). وأما قول ابن طاوس باستعمال القرعة (2) فهو أيضا ضعيف، لعدم الإشكال مع هذه الأخبار. الثالث: إذا صلى إلى جهة القبلة ظانا لها، ثم تبين الخطأ وهو بين المشرق والمغرب، فإن كان في الصلاة استدار، لأنه متمكن من الإتيان بشرط الصلاة فيجب، ولو تبين بعد فراغه لم يعد، وهو مذهب العلماء، لقوله عليه السلام: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) (3) قاله في المعتبر (4). وتدل عليه قوية القاسم بن وليد قال: سألته عن رجل تبين له وهو في الصلاة أنه على غير القبلة، قال: (يستقبلها إذا ثبت ذلك، وإن كان فرغ منها فلا يعيدها) (5). وأما في غيره (فيستأنف الصلاة، لفوات شرط الصلاة وعدم ثبوت توظيف الصلاة الملفقة) (6) من الجهتين هنا، فلا يمكن القول بالانحراف. وتدل عليه صريحا في صورة الاستدبار موثقة عمار الآتية (7). ويؤيده في غير الاستدبار ما سيجئ من وجوب الاستئناف في الوقت إذا ظهر له


1. الفقيه 1: 179 ح 846، التهذيب 2: 48 ح 157، الاستبصار: 297 ح 1095، الوسائل 3: 228 أبواب القبلة ب 10 ح 1. 2. الأمان من أخطار الأسفار والأزمان: 94. 3. الوسائل 3: 228 أبواب القبلة ب 10. 4. المعتبر 2: 70. 5. التهذيب 2: 48 ح 158، الاستبصار 1: 297 ح 1096، الوسائل 3: 228 أبواب القبلة ب 10 ح 3. 6. بدل ما بين القوسين في (ح): فيستأنف الصلاة الموافقة، وفي (م) كما في المتن إلا أن فيها الموافقة بدل الملفقة. 7. في ص 385، وهي في الكافي 3: 285 ح 8، التهذيب 2: 48 ح 159، وص 142 ح 555، الوسائل 3: 229 أبواب القبلة ب 10 ح 4.

[ 384 ]

ذلك بعد الفراغ في الوقت. وأما مع ضيق الوقت عن الإعادة فينحرف ولو استدبر، ويظهر وجهه مما مر في مبحث اللباس، وحاصله أنه يستلزم سقوط التكليف لولاه، لأن القضاء فرض جديد يحتاج إلى الثبوت، وليس فليس، فلو أبطل هذه لبقى بلا صلاة. ويؤيده أن الصلاة على ما افتتحت عليه (1). وأما لو ظهر الخلل بعد الفراغ، فإن كان الانحراف فيما بين المشرق والمغرب فيصح بلا خلاف، وادعى عليه الإجماع جماعة منهم المحقق في المعتبر (2). وتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار: أنه سأل الصادق عليه السلام عن الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا، فقال له: (قد مضت صلاته، وما بين المشرق والمغرب قبلة) (3). ورواية الحسين بن علوان المروية في قرب الإسناد (4). وتؤيده صحيحة زرارة المتقدمة في أوائل الفصل (5). وكذلك الحكم إذا ظهر أنه صلى إلى المشرق أو المغرب إن خرج الوقت بلا خلاف، للصحاح المستفيضة وغيرها، منها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق عليه السلام، قال: (إذا صليت وأنت على غير القبلة واستبان لك أنك صليت وأنت على غير القبلة وأنت في وقت فأعد، وإن فاتك الوقت فلا تعد) (6).


1. عوالي اللآلي 1: 205 ح 34. 2. المعتبر 2: 72. 3. الفقيه 1: 179 ح 846، التهذيب 2: 48 ح 157، الاستبصار 1: 297 ح 1095، الوسائل 3: 228 أبواب القبلة ب 10 ح 1. 4. قرب الإسناد: 54، الوسائل 3: 229 أبواب القبلة ب 10 ح 5. 5. الفقيه 1: 180 ح 855، الوسائل 3: 217 أبواب القبلة ب 2 ح 9. 6. الكافي 3: 284 ح 3، التهذيب 2: 47 ح 151، الاستبصار 1: 296 ح 1090، الوسائل 3: 229 أبواب

[ 385 ]

وبمضمونها صحيحة يعقوب بن يقطين (1) وصحيحة زرارة (2) وصحيحة سليمان بن خالد (3) وغيرها. ولا عبرة برواية معمر بن يحيى المنافية لذلك (4)، لهجرها، وعدم مقاومتها لما ذكرنا. وإن كان بالاستدبار ففيه قولان، أصحهما أنه كذلك أيضا، لأن القضاء يحتاج إلى فرض جديد، ولإطلاق الأخبار المتقدمة، وهو مذهب المرتضى (5). وذهب الشيخان إلى وجوب القضاء خارج الوقت أيضا (6)، لموثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال في رجل صلى إلى غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته، قال: (إن كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، وإن كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة) (7). وهي مع عدم مقاومتها لما ذكرنا سندا (8) لا تنهض على المطلوب دلالة كما لا يخفى. ثم إن الظاهر أن حكم الظان بالجهة يطرد إلى المتحير الذي صلى إلى جهة واحدة، سواء ضاق وقته عن الأربع أو صلى إلى جهة واحدة اختارها على القولين


القبلة ب 11 ح 1. 1. التهذيب 2: 141 ح 552، الاستبصار 1: 296 ح 1093، الوسائل 3: 230 أبواب القبلة ب 11 ح 2. 2. التهذيب 2: 48 ح 156، الاستبصار 1: 297 ح 1094، الوسائل 3: 230 أبواب القبلة ب 11 ح 3. 3. الكافي 3: 285 ح 9، التهذيب 2: 47 ح 152، الاستبصار 1: 296 ح 1091، الوسائل 3: 230 أبواب القبلة ب 11 ح 6. 4. التهذيب 2: 46 ح 150، الاستبصار 1: 297 ح 1099 بتفاوت يسير، الوسائل 3: 228 أبواب القبلة ب 9 ح 5. 5. الجعل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 29. 6. المقنعة: 97، المبسوط 1: 80، النهاية: 64، الخلاف 1: 303. 7. الكافي 3: 285 ح 8، التهذيب 2: 48 ح 159، وص 142 ح 555، الوسائل 3: 229 أبواب القبلة ب 10 ح 4. 8. لا شتمالها على بعض الفطحية.

[ 386 ]

في المسألة، وحكمه حكم الظان كما صرح به في المدارك (1)، ويشمله إطلاق الروايات المتقدمة. وفي إلحاق الناسي وجهان، من جهة إطلاق الروايات، ومن جهة تقصيره. واستشكله في المعتبر (2)، والأظهر الإلحاق. وأما جاهل المسألة المقصر في التحصيل فالأظهر عدم الإلحاق، لأنه في حكم العامد على الأقوى. وأما العامد في الخلل فتبطل صلاته مطلقا قولا واحدا عن العلماء.


1. المدارك 3: 151. 2. المعتبر 2: 74.

[ 387 ]

الفصل الثالث في الاذكار والافعال المقدمة على الصلاة والمتأخرة عنها والمقارنة لها. وفيه مقاصد:

[ 389 ]

المقصد الأول في الأذان والإقامة وفيه مقدمة ومباحث: أما المقدمة: مشروعيتهما إجماع المسلمين، بل من ضروريات الدين، وأصلهما من الوحي المنزل بوسائط الروح الأمين على سيد المرسلين صلى الله عليه وآله أجمعين، بإجماع علمائنا وأخبارهم مستفيضة (1). نقل في الذكرى عن ابن أبي عقيل أن الشيعة اجمعت عن الصادق عليه السلام أنه لعن قوما زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله أخذ الأذان من عبد الله بن زيد فقال: " نزل الوحي على نبيكم فتزعمون أنه أخذ الأذان من عبد الله بن زيد (2). قد أجمع العامة على نسبته إلى رؤيا عبد الله بن زيد، فروى ابن طاوس في الطرائف عن أبي داود وابن ماجة أنهما ذكرا في كتاب السنن أن النبي صلى الله عليه وآله هم بالبوق وأمر بالناقوس فرأى عبد الله بن زيد في المنام رجل عليه ثوبان


(1) الوسائل 4: 612 أبواب الأذان والإقامة ب 1. (2) الذكرى: 168، الوسائل 4: 612 أبواب الأذان والإقامة ب 1 ح 3.

[ 390 ]

أخضران فعلمه الأذان (1). لنذكر من أخبارنا رواية هي صحيحة منصور بن حازم عن الصادق عليه السلام، قال " (لما هبط جبرئيل عليه السلام بالأذان على رسول الله صلى الله عليه وآله كان رأسه في حجر علي عليه السلام، فأذن جبرئيل عليه السلام، وأقام، فلما انتبه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا علي سمعت ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: حفظت ؟ قال: نعم، قال: ادع بلالا، فدعا علي عليه السلام بلالا فعلمه (2). المبحث الأول: لا يجوز الأذان والإقامة في غير الفرائض اليومية والجمعة بإجماع علماء الإسلام. أما في المذكورات، فالمشهور الأقوى استحبابهما، للأصل، وصحيحة حماد عن الصادق عليه السلام في تعليم الصلاة إياه، فلم يتوجه عليه السلام فيها إلى بيان الأذان والإقامة (3). الأخبار المستفيضة الواردة في أن من صلى بأذان وإقامة صلى خلفه صفان من الملائكة، ومن صلى بإقامة بغير أذان صلى خلفه صف من الملائكة، وهي كثيرة منها صحيحة الحلبي (4). أما الأخبار الدالة على استحباب الأذان فكثيرة معتبرة، مثل صحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه عليه السلام: (أنه كان إذا صلى وحده في البيت


(2). سنن أبي داود 1: 189 ح 499، سنن ابن ماجة 1: 232 ح 706، الطرائف 2: 536. (2) الكافي 3: 302 ح 2، الفقيه 1: 183 ح 865، التهذيب 2: 277 ح 1099، الوسائل 4: 612 أبواب الأذان والإقامة ب 1 ح 2 بتفاوت بين المصادر. (3) الكافي 3: 311 ح 8، الفقيه 1: 196 ح 916، التهذيب 2: 81 ح 301، أمالي الصدوق: 337 ح 13، الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1. (4) الكافي 3: 303 ح 8، الوسائل 4: 620 أبواب الأذن ب 4 ح 3.

[ 391 ]

أقام إقامة واحدة ولم يؤذن (1). صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: (يجزئك إذا خلوت في بيتك إقامة واحدة بغير أذان (2). صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: أنه سأله رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة، قال: (فليمض على صلاته، الأذان سنة) (3) إلى غير ذلك، وسيجئ بعضها. إذا ثبت بهذه الأخبار استحبا ب الأذان مطلقا، ثبت استحباب الإقامة، لئلا يلزم خرق الإجماع المركب كما ادعاه في المختلف (4). في الفقه الرضوي: " إنهما من السنن اللازمة وليستا بفريضة " (5). قال الشيخان (6) وابن البراج (7) وابن حمزة (8) بوجوبهما في صلاة الجماعة. الشيخ قال في المبسوط: إن فضيلة الجماعة تفوت بتركهما (9). قال أبو الصلاح: إنهما شرط في الجماعة فتبطل الصلاة بتركهما (10). احتجوا برواية أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته أيجزئ أذان واحد ؟ قال: " إن صليت جماعة لم يجز إلا أذان وإقامة، وإن كنت وحدك تبادر أمرا


(1) التهذيب 2: 50 ح 165، الوسائل 4: 622 أبواب الأذان ب 5 ح 6. (2) التهذيب 2: 50 ح 166، الوسائل 4: 622 أبواب الأذان ب 5 ح 4. (3) التهذيب 2: 285 ح 1139، الاستبصار 1: 304 ح 1130، الوسائل 4: 656 أبواب الأذان ب 29 ح 1، بتفاوت يسير. (4) المختلف 2: 122. (5) فقه الرضا (ع): 98. (6) المقنعة: 97، المهاية: 64، المبسوط 1: 95. (7) المهذب 1: 88. (8) الوسيلة: 91. (9) المبسوط 1: 95. (10) الكافي في الفقه: 143.

[ 392 ]

تخاف أن يفوتك تجزئك إقامة، إلا الفجر والمغرب فإنه ينبغي أن يؤذن فيهما ويقيم، من أجل أنه لا يقصر فيهما كما يقصر في سائر الصلوات " (1). في سندها ضعف (2)، وكذلك دلالتها: إذ الإجزاء وعدمه لا ينحصران في الواجبات كما لا يخفى. عدم دلالتها على قول أبي الصلاح أظهر، لاحتمال عدم إرادة الإجزاء عن الأذان، لا عن الصلاة، بل هو أظهر، فالرواية محمولة على التأكيد. لاريب في تأكدهما في الجماعة، وفي رواية الحسن بن زياد الصيقل قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا كان القوم لا ينتظرون أحدا اكتفوا بإقامة واحدة " (3). الأمر في الإقامة آكد، والأحوط أن لا تترك أبدا، سيما مع ملاحظة القول باشتراط صحة الجماعة بها، وحصول الإشكال في ترك القراءة خلف مثل هذا الإمام. قال في الشرائع: ويتأكدان فيما يجهر به، وأشدهما في الغداة والمغرب " (4). أما مطلق الجهرية فلا يحضرني مستنده الآن، بل ربما تشعررواية صباح بن سيابة بعدمه، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا تدع الأذان في الصلوات كلها، فإن تركته فلا تتركه في المغرب والفجر، فإنه ليس فيهما تقصير " (5). كذلك موثقة سماعة عن الصادق عليه السلام، قال: " لا تصل الغداة والمغرب إلا بأذان وإقامة، ورخص في سائر الصلوات بالإقامة، والأذان أفضل " (6).


(1) 3: 303 ح 9، التهذيب 2: 50 ح 163، الاستبصار 1: 299 ح 1105، الوسائل 4: 624 أبواب الأذان والإقامة ب 7 ح 1. (2) لوقوع علي بن حمزة في طريقها، وهو أحد عمد الوافقة وكذاب متهم وإن وثقه البعض. (3) التهذيب 2: 50 ح 164، الوسائل 4: 622 أبواب الأذان ب 5 ح 8. (4) الشرائع 1: 64. (5) التهذيب 2: 49 ح 161، الاستبصار 1: 299 ح 1104، الوسائل 4: 623 أبواب الأذان ب 6 ح 3. (6) التهذيب 2: 51 ح 167، الاستبصار 1: 299 ح 1106، الوسائل 4: أبواب الأذان ب 6 ح 5، وب 5 ح 5.

[ 393 ]

أما المغرب والغداة فيدل على التأكيد فيهما مضافا إلى ما مر أخبار كثيرة، مثل صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: " يجزئك في الصلاة إقامة واحدة، إلا الغداة والمغربئ (1). صحيحة عمر بن يزيد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الإقامة بغير أذان في المغرب، فقال: " ليس به بأس، وما أحب أن تعتاد " (2) إلى غير ذلك. أما النساء، فلا يتأكدان فيهن، ولكنهما راجحان لهن بإجماع الأصحاب. وروى عبد الله بن سنان في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تؤذن للصلاة ؟ فقال: " حسن إن فعلت، وإن تفعل أجزأها أن تكبر وأن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله " (3). في صحيحة جميل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة عليها أذان وإقامة ؟ قال: " لا " (4). في صحيحة أبان، عن أبي مريم الأنصاري، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: " إقامة المرأة أن تكبر، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله " (5) إلى غير ذلك من الأخبار. يجوز أن تؤذن المرأة للنساء ويعتدون به، وعليه علماؤنا، قاله في المعتبر (6). لا يبعد اعتداد المحارم به أيضا. وأما الأجانب، فعن الأكثر عدم الاعتداد، (7)


(1) التهذيب 2: 51 ح 168، الاستبصار 1: 300، الوسائل 4: 624 أبوب الأذان 6 ح 4. (2) التهذيب 2: 51 ح 169، الاستبصار: 300، الوسائل 4: 624 أبواب الأذان ب 6 ح 6. (3) التهذيب 2: 58 ح 202، الوسائل 4: 637 أبواب الأذان ب 14 ح 1. (4) الكافي 3: ح 18، التهذيب 2: 57 ح 200، الوسائل 4: 637 أبواب الأذان ب 14 ح 3. (5) الكافي 3: 305 ح 19، الوسائل 4: 637 أبواب الأذان ب 14 ح 4. (6) المعتبر 1: 126. (7) المختلف 2: 124، الذكرى: 172، جامع المقاصد 2: 168، المدرك 3: 260.

[ 394 ]

وعن ظاهر المبسوط الاعتداد به (1). قيل: وإنه مبني على أن صوتها ليس بعورة (2). عندي في اعتداد المحارم أيضا توقف، لعدم الانصراف من الإطلاقات، ولم نقف على توظيف به. وأما الخنثى، فقال في الذكرى: إنها في حكم المرأة (3)، ويظهر حالها مما ذكرنا. ثم في حكم الأذان والإقامة أقوال اخر ضعيفة، منها: وجوب الإقامة على الرجال في كل فريضة، والأذان على الرجال والنساء في الصبح والمغرب والجمعة، وعلى الرجال خاصة في الجماعة، وهو قول المرتضى في الجمل (4). عن ابن أبى عقيل: يجب الأذان في الصبح والمغرب، والإقامة في جميع الخمس (5). عن ابن الجنيد: يجبان على الرجال، جماعة وفرادى، سفرا وحضرا، في الصبح والمغرب، وتجب الإقامة في باقي المكتوبات، قال: وعلى النساء التكبير و الشهادتان فقط (6). أنت بعد التأمل فيما مر تقدر على استنباط أدلة تلك الأقوال والجواب عنها. الثاني: يسقط الأذان في مواضع: منها: العصر والعشاء لمن أراد الجمع، ويرجع في معناه إلى العرف، وسيجئ بعض الأخبار المفسرة له ولو لوحظا معا كان أولى.


(1) المبسوط 1: 97. (2) المدرك 3: 260. (3) الذكرى: 172. (4) الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 29. (5) نقله عنه في المعتبر 1: 130، والمحتلف 2: 120. (6) نقله عنه في المختلف 2: 120.

[ 395 ]

والدليل على السقوط الصحاح المستفيضة وغيرها، منها صحيحة ابن اذينة، عن رهط منهم الفضيل وزرارة، عن الباقر عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين " (1). لا يقال: إن الجمع بين الصلاتين بأذان لا يعطي إلا تداخل الأذانين، وهو يحصل مع الفصبينهما أيضا. أنا نقول: المتبادر من لفظ ذلك، نعم لو قيل " شرك بينهما بأذان أو اكتفى لهما بأذان " لتم ما قلت، مع أن الظاهر أن الظرف مستقر، والباء للملابسة، فلا يثبت كون مدخولها آلة للجمع، مضافا إلى أن سياق هذه الصحيحة وغيرها من الأخبار الكثيرة " (2)، هو ترخيص الجمع ورفع لزوم التفريق، مع ملاحظة تلك الأخبار والتأمل في مواردها لا يبقى شك فيما ذكرنا. لنذكر منها رواية اخرى، وهي رواية صفوان الجمال قال: صلى بنا أبو عبد الله عليه السلام الظهرو العصر عندما زالت الشمس بأذان وإقامتين، ثم قال: " إني على حاجة فتنفلوا " (3). ظهر من تلك الأخبار أن المراد من الجمع: هو الجمع المعهود المقابل للتفريق، لا مجرد تشريك الصلاتين في أذان. على أنا نقول: يستفاد من أخبار اخر أن الجمع معنى محصل مستقل معهود، مثل رواية محمد بن حكيم قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: " الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع، وإذا كان بينهما تطوع فلا جمع " (4).


(1) التهذيب 3: 18 ح 66، الوسائل 4: أبواب الأذان ب 36 ح 2. (2) الوسائل 4: 665 أبواب الأذان ب 36. (3) الكافي 3: 287 ح 5، التهذيب 2: 263 ح 1048، الوسائل 3: 159 أبواب المواقيت ب 31 ح 2. (4) الكافي 3: 287 ح 4، الوسائل 3: 163 أ بواب المواقيت ب 33 ح 3.

[ 396 ]

روايته الاخرى عنه عليه السلام، قال: سمعته يقول: " إذا جمعت بين الصلاتين فلا تطوع بينهما " (1). الظاهر من التطوع الصلاة، فلا يضر التعقيب والتسبيح في الجمع كما صرح به بعض الأصحاب (2). صحيحة منصور عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن صلاة المغرب والعشاء بجمع، فقال: " بأذان وإقامتين، لا تصلي بينهما شيئا، هكذا صلى رسوله الله صلى الله عليه وآله " (3). لا تبعد دعوى ظهور هذا الحديث في مدخلية سقوط الأذان في تحقق حقيقة الجمع أيضا، ويظهر احتمال ذلك من الشهيد في الذكرى (4). تظهر الثمرة فيما ورد استحباب الجمع فيه كعصر عرفة وعشاء مزدلفة، وعلى هذا فيكون مدخول الباء في الصحيحة المتقدمة آلة للجمع لكن مع معطوفه لا هو فقط، فيكون المراد أنه صلى الله عليه وآله حصل الجمع بمجموع الأذان والإقامتين، فحينئذ لابد من دعوى تبادر الاجتماع العرفي المقابل للتفريق هنا أيضا من مجموع الكلام، لا من لفظ جمع فقط. وهذا الحديث يحتمل إرادة حكم عشاء المزدلفة باعتبار لفظ جمع كما سيجئ. كيف كان فالظاهر من الروايات الرخصة لا العزيمة، ويمكن القول بأفضلية الترك لفعلهم عليهم السلام، فمعنى الرخصة حينئذ يتحصل في أصل الجمع، لا في ترك الأذان. أما ما اشتهر أن الأذان للاولى إن جمع بينهما في وقت الأولى، وإن جمع


(1) الكافي 3: 287 ح 3، التهذيب 2: 263 ح 1050، الوسائل 3: 163 أبواب المواقيت ب 33 ح 2. (2) السرائر 1: 304. (3) التهذيب 3: 615، الوسائل 3: 163 أبواب المواقيت ب 34 ح 1.

[ 397 ]

بينهما في وقت الثانية أذن للثانية ثم أقام فصلى الاولى لمكان الترتيب ثم أقام للثانية فالإطلاقات لا تعطيه، ولم نقف على مقيد لها. مما يسقط فيه الأذان: عصر عرفة وعشاء مزدلفة، لأخبار كثيرة، منها صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: " السنة في الأذان يوم عرفة أن يؤذن ويقيم للظهر، ثم يصلي ثم يقوم ويقيم للعصر بغير أذان. وكذلك في المغرب والعشاء بمزدلفة " (1). في كون السقوط هنا للرخصة أو الكراهة أو الحرمة أقوال (2)، أصحها الحرمة، لأن خلاف السنة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار كما ورد في الخبر الصحيح (3). وجعل في الذكرى سقوط الأذان هنا لمقتضى مطلق الجمع المستحب هنا، لا لخصوصية البدعة (4). هو كما ترى خلاف كلام أكثرهم، حيث أفردوا العنوان (5)، مع أنه صرح في الأخبار بأنه السنة في الأذان يوم عرفة (6)، فهو حكم للأذان فهذا الجمع الخاص، لا أنه حكم بالسقوط لمكان الجمع، فانفهام سقوط الأذان من رجحان الجمع ليس بأولى من انفهام (7) رجحان الجمع باعتبار سقوط الأذان. ثم إن الشهيد في الذكرى قال: إن الساقط من الأذان في الجمع الغير المستحب


(1) التهذيب 2: 282 ح 1122، الوسائل 4: 665 أبواب الأذان ب 36 ح 1. (2) ذهب إلى الحرمة اعلامة في المنتهى 1: 261، والشهيد في البيان: 143، وصاحب المدارك 3: 226، وذهب إلى الكراهة المحقق في جامع المقاصد 2: 170، وجزم الشهيد في الذكرى: 174 بانتفإ التحريم. (3) الكافي 1: 56 ح 8، الوسائل 11: 512 أبواب الأمر والنهي ب 40 ح 10. (4) الذكرى: 174. (5) انظر النهاية: 107، والمنتهى 1: 261، والبيان: 143، والمدارك 3: 226. (6) الوسائل 4: 665 أبواب الأذان ب 36. (7) في " ح " زيادة: سقوط الأذان من.

[ 398 ]

هو أذان الإعلام، لا أذان الذكر والإعظام (1). وهو غير ظاهر المأخذ، وخلاف المتبادر من الأخبار الكثيرة التي قد مر بعضها (2) كما لا يخفى، بل قد ينعكس الأمر لو كان الأذان الإعلامي أذان المصر، وكان المحتاج إلى الجمع بعض أهله. منها: عصر يوم الجمعة، لرواية حفص بن غياث، عن جعفر، عن أبيه، قال: " الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة " (3) وفهم جمهور أصحابنا مع كون الراوي من العامة (4) يعين إرادة أذان العصر، وضعف الرواية منجبر بعمل الأصحاب. احتمال إرادة الأذان الذي أبدعه عثمان (5) أو معاوية (6) قبل ظهر الجمعة " إما بتغليب اسم الأذان على الإقامة بتقريب أن النبي صلى الله عليه وآله شرع للصلاة أذانا وإقامة فالزائد ثالث، وهو بدعة، كما قيل (7)، أو إرادة ذلك بأن يكون ثالث الأذانات، يعني أذان الصبح وأذان الظهر والأذان البدعي كما قيل بعيد. مع أن الأمر إذا دار بين السنة والبدعة فالأولى تركه، مع أن ابن إدريس ادعى الإجماع على سقوط استحبابه عن العصر إذا صلى جمعة (8). ظهر من جميع ذلك أن رجحان الترك هنا لخصوصية الزمان، كما أن في عرفة والمزدلفة لخصوصية المكان، لا لمطلق الجمع، وإلا فلا ريب في استحباب الجمع في الجمعة، ومع الجمع يجوز الترك رخصة كما مر.


(1) الذكرى: 174. (2) الوسائل 4: 665 أبواب الأذان ب 3. (3) الكافز 3: 421 ح 5، التهذيب 3: 19 ح 67، الوسائل 5: 81 أبواب صلاة الجمعة 49 ح 1. (4) انظر رجال الشيخ الطوسي: 118، والفهرست: 61. (5) انظر صحيح البخاري 2: 10، وسنن أبي داود 1: 285 ح 1087، وسنن الترمذي 2: 392 ح 516، وسنن النسائي 3: 100، ومسند أحمد 3: 450، وسنن البيهقي 3: 205. (6) الام 1: 195. (7) المعتبر 2: 296. (8) السرائر 1: 305.

[ 399 ]

على الاحتمال الذي ذكرنا من كون ترك الأذان محصلا لحقيقة الجمع فيثبت الرجحان أيضا، فلا وجه لجعله من باب الرخصة مطلقا من دون الرجحان مع الإعراض عن رواية حفص أيضا. كيف كان فالأقوال في المسألة ثلاثة: مذهب الشيخ في النهاية التحريم (1)، وفي المبسوط أطلق السقوط (2)، وعن المفيد في الأركان (3) وابن البراج (4) والمحقق الأردبيلي (5) استحبابه للعمومات (6) وضعف الخبر، واختاره في المدارك (7)، والأحوط بل الأقوى الترك لما ذكرنا. منها: القاضي للصلوات الكثيرة من غير أول وروده، وتكفي في البواقي الإقامة، لصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: " إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولاهن وأذن لها وأقم ثم صلها، ثم صل ما بعدها بإقامة، إقامة لكل صلاة " (8). لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله شغل يوم الخندق عن أربع صلوات فأمر بلالا فأذن للاولى وأقام، ثم أقام للبواقي من غير أذان (9)، وهو لا ينافي العصمة، لما روي (10) أن الصلاة كانت تسقط أداءا مع الخوف، ثم تقضى، ثم نسخ بقوله (1) النهاية: 107. (2) المبسوط 1: 151، 149. (3) نقله عنه في السرائر 1: 305. (4) نقله عن كتاب الكامل لابن البراج في السرائر 1: 305. (5) مجمع الفائدة 2: 165. (6) الوسائل 4: 619 أبواب الأذان ب 4. (7) المدارك 3: 264. (8) الكافي 3: 291 ح 1، التهذيب 3: 158 ح 340، الوسائل 3: 211 أبواب المواقيت ب 63 ح 1. (9) سنن النسائي 2: 17، مسند أحمد 1: 375. (10) الذكرى: 174، البحار 81: 164.

[ 400 ]

تعالى < وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة > (1) الآية. هذا القول نقله في الذكرى (2)، واختاره في المدارك (3)، بل قوى كون تكرار الأذان حينئذ بدعة، لظاهر الروايتين. المشهور أن تركه حينئذ رخصة، وفعله أفضل، لقوله صلى الله عليه وآله: " من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته (4). موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: سئل عن الرجل إذا أعاد الصلاة هل يعيد الأذان والإقامة ؟ قال: " نعم (5). أنت خبير بأنه لا دلالة فيهما على المطلوب كما لا يخفى، فالعمل على الأول. وإطلاق الصحيحة يشمل ما لو فاتت الصلوات المتفرقات أيضا، بل ولو كانت على غير ترتيب أصل الصلوات أيضا، كما لو أراد قضاء صبح ثم عشاء ثم مغرب ثم عصر. منها: السفر، لصحيحة محمد بن مسلم والفضيل بن يسار عن أحدهما عليهما السلام، قال: " تجزئك إقامة في السفر (6). رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق عليه السلام، قال: سمعته يقول: " يقصر الأذان في السفر كما تقصر الصلاة، تجزئ إقامة واحدة " (7). منها: الإمام إذا سمع أذانا، لمنفرد كان أو جماعة، وسواء كان لمسجد أو


(1) النساء: 102. (2) الذكرى: 174. (3) المدارك 3: 263. (4) عوالي اللآلي 2: 54 ح 143، وج 3: 107 ح 150. (5) التهذيب 3: 167 ح 367، الوسائل 5: 361 أبواب قضاء الصلاة ب 8 ح 2. (6) التهذيب 2: 52 ح 172، الوسائل 4: 622 أبواب الأذان ب 5 ح 7. (7) التهذيب 2: 51 ح 170، الوسائل 4: 623 أبواب الأذان ب 5 ح 9.

[ 401 ]

مصر، بل الإقامة أيضا، لرواية أبي مريم المتقدمة في كراهة الإمامة بلا رداء (1). رواية عمرو بن خالد عن أبي جعفر عليه السلام، قال: كنا معه نسمع إقامة جار له بالصلاة، فقال: " قوموا " فقمنا فصلينا معه بغير أذان ولا إقامة، قال: " يجزئكم أذان جاركم " (2). استدلوا عليه بفعل النبي صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم أيضا (3)، قال في الذكرى: والروايتان معتضدتان بعمل الأصحاب (4). تؤيده بل تدل عليه أيضا موثقة عبد الله بن سنان - لعبد الله المغيرة - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا أذن مؤذن فنقص الأذان وأنت تريد أن تصلي بأذانه فأتم ما نقص هو من أذانه " (5). في اجتزاء المنفرد بهذ الأذان نظر، أقربه ذلك، لأنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. قول: ويدل عليه قوله عليه السلام " يجزئكم أذان جاركمئ أيضا، وكذلك ظاهر الموثقة. قد ظهر من الرواية أن التكلم يقدح في الاجتزاء بالإقامة، ويؤيده ما سيجئ من استحباب إعادة الإقامة بعد التكلم، للخبر الصحيح وغيره (6). الظاهر أن سقوط الأذان حينئذ رخصة، فالاستحباب باق بحاله في غير ما كان الأذان للجماعة الخاصة، فلا يستحب للإمام ولا المأمومين الإعادة جزما، وكأنه إجماعي بملاحظة عمل المسلمين في جميع الأعصار والأمصار.


(1) التهذيب 2: 280 ح 1113، الوسائل 659 4 أبواب الأذان ب 30 ح 2. (2) التهذيب 2: 285 ح 1141، الوسائل 4: 659 أبواب الأذان ب 30 ح 3. (3) دررا للآلي 1: 193، مستدرك الوسائل 4: 46 أبواب الأذان ب 22 ح 2. (4) الذكرى: 173. (5) التهذيب 2: 28 ح 1112، الوسائل 4: 659 أبواب الأذان ب 30 ح 1. (6) التهذيب 2: 55 ح 191، الاستبصار 1: 301 ح 1112، الوسائل 629 4 أبواب الأذان 10 ح 3.

[ 402 ]

والمشهور استحباب إعادة الأذان والإقامة للمنفرد إذا أراد الجماعة، لموثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: وسئل عن الرجل يؤذن ويقيم ليصلي وحده، فيجئ رجل آخر فيقول له: نصلي جماعة، هل يجوز أن يصليا بذلك الأذان والإقامة ؟ قال: " لا، ولكن يؤذن ويقيم " (1). استشكله في المعتبر (2) لرواية أبي مريم المتقدمة (3)، ودعوى الأولوية في الاجتزاء بأذان نفسه. فيه: أن الاستماع بقصد الجماعة لعله كان علة للاجتزاء، وليس في المنفرد قصد الجماعة، فثبت الفارق، فكيف بالأولوية. منها: الجماعة الثانية إذا لم تتفرق الاولى، وإن فرغوا من الصلاة، وربما قيد بكون ذلك في المسجد. تدل على ذلك روايات، مثل صحيحة أبي بصير، قال: سألته عن الرجل ينتهي إلى الإمام حين يسلم، فقال: " ليس عليه أن يعيد الأذان، فليدخل معهم في أذانهم، فإن وجدهم قد تفرقوا أعاد الأذان " (4). صحيحته الاخرى أو موثقته - لأبان - عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت: الرجل يدخل المسجد وقد صلى القوم، أيؤذن ويقيم ؟ قال: " إن كان دخل ولم يتفرق الصف صلى بأذانهم وإقامتهم، وإن كان تفرق الصف أذن وأقام " (5). ورواية عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام، قال: " دخل رجلان المسجد وقد صلى علي عليه السلام بالناس، فقال لهما: إن شئتما فليؤم


(1) الكافي 3: 304 ح 13، الفقيه 1: 258 ح 1168، التهذيب 2: 277 ح 1101، الوسائل 4: 655 أبواب الأذان ب 27 ح 1. (2) المعتبر 2: 137. (3) التهذيب 2: 280 ح 1113، الوسائل 4: 659 أبواب الأذان ب 30 ح 2. (4) الكافي 3: 304 ح 12، التهذيب 277 2 ح 1100، الوسائل 4: 653 أبواب الأذان 25 ح 1. (5) التهذيب 2: 281 ح 1120، الوسائل 4: 653 أبواب الأذان ب 25 ح 2.

[ 403 ]

احدكما صاحبه ولا يؤذن ولا يقيم " (1). رواية السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام، أنه كان يقول: " إذا دخل رجل المسجد وقد صلى أهله فلا يؤذنن ولا يقيمن ولا يتطوع حتى يبدأ بصلاة الفريضة " (2) الحديث. رواية أبي علي الحراني قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فأتاه رجل، فقال: جعلت فداك صلينا في المسجد الفجر وانصرف بعضنا وجلس بعض في التسبيح، فدخل علينا رجل المسجد فأذن فمنعناه ودفعناه عن ذلك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " أحسنت، ادفعه عن ذلك، وامنعه أشد المنع " فقلت: فإن دخلوا وأرادوا أن يصلوا فيه جماعة ؟ قال: " يقومون في ناحية المسجد ولايبدربهم إمام " (3). أنت خبير بأن هذه الروايات لا تدل على انحصار الحكم في مريد الجماعة، بل هي أظهر في حكم المنفرد. عم ربما يظهر من رواية أبي علي المنع عن الجماعة الثانية أو إظهارها، إما لأجل احترام الإمام الراتب، أو لأجل الاختفاء عن العامة لئلا يعرفون فيؤذون، وهو غير المدعى، فلا وجه لاقتصار الشيخين (4) وجماعة (5) على حكم الجماعة، وعن ابن حمزة (6) التصريح بمنع الحكم في المنفرد، وهو بعيد. الظاهر أن ذكر المسجد في الروايات مبني على الغالب، فلا فرق في الحكم. في مقابل هذه الأخبار موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن


(1) التهذيب 3: ح 191، الوسائل 4: 653 أبواب الأذان ب 25 ح 3. (2) التهذيب 3: 56 ح 195، الوسائل 4: 654 أبواب الأذان ب 25 ح 4. (3) الفقيه 1: 266 ح 1215، التهذيب 3: 55 ح 190، الوسائل 5: 466 أبواب صلاة الجماعة ب 65 ح 2 بتفاوت. (4) المقنعة: 97، النهاية: 118، المبسوط 1: 98، 152، الخلاف 1: 190. (5) كالسبزواري في الذخيرة: 253، والفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 206، وصاحب الحدائق 7: 389. (6) الوسيلة: 91.

[ 404 ]

الرجل أدرك الإمام حين سلم، قال: " عليه أن يؤذن ويقيم ويفتتح الصلاة " (1) وهي محمولة على صورة التفرق، لعدم المقاومة. ربما يقال: إن المراد من الأخبار كلها هي الجماعة في المسجد بمعونة فهم الأصحاب، وأنها محمولة على (الأمر بالتقية) (2) سيما بملاحظة رواية أبي علي مستدلا برواية عمار. فيه: أن كلام العامة في ذلك مختلف، ولم يظهر منهم عدم الجواز. نعم أبو حنيفة وبعضهم الآخر يقول بكراهة الجماعة الثانية في المسجد، وهو غير القول بسقوط الأذان والإقامة. أما رواية أبي علي فغاية ما يسلم منها أيضا هو الإشعار بالإرشاد على الاختفاء والانزواء خوفا من الضرر، وهو لا يوجب اطراد الحكم، وأين هذا من كون الحكم كذلك تقية بمعنى كونها موافقة للعامة، ولو سلم فلا يعارض بها ظواهر الأخبار الكثيرة المعمول بها والشهرة بين الأصحاب، هذا. لكن لا يحصل من مجموع ما ذكر إلا الرخصة لا العزيمة، والأظهر كما يظهر من أكثر الأخبار وكلام بعض الأصحاب أن ذلك لمريد الجماعة (بذلك) (3) الأذان، وينقدح منه اعتبار وحدة الصلاة أيضا. الثالث: المشهور أن فصول الأذان ثمانية عشر: التكبير أربعا، ثم الشهادة بالتوحيد، ثم بالرسالة، ثم الدعاء إلى الصلاة، ثم إلى الفلاح، ثم إلى خير العمل، ثم التكبير، ثم التهليل، كل واحد مرتان. والإقامة سبعة عشر: بنقص تكبيرتين من الأول، وتهليل من الآخر، وزيادة


(1) الفقيه 1: 258 ح 117، التهذيب 3: 282 ح 836، الوسائل 4: 654 أبواب الأذان ب 25 ح 5. (2) بدل ما بين القوسين في " ص ": التقية. (3) في " م ": بدون.

[ 405 ]

قد قامت الصلاة مرتين بعد الدعاء إلى خير العمل، لصحيحة أبان عن إسماعيل الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " الأذان والإقامة خمسة وثلاثون حرفا. فعد ذلك بيده واحدا واحدا، الأذان ثمانية عشر حرفا، والإقامة سبعة عشر حرفا " (1). يظهر بيانه من الأخبار الاخر (2)، وعدم القول بالفصل، وفهم الفقهاء، والعمل عليه في الأعصار والأمصار، وعن العلامة (3) وابن زهرة (4) دعوى الإجماع عليه. يدل على حكم الأذان أيضا رواية أبي بكر الحضرمي وكليب الأسدي، وفي آخرها " والإقامة كذلك " (5) وكذلك رواية المعلى بن خنيس (6). وفي صحيحة عبد الله بن سنان في وصف الأذان " الله أكبر " في الأول مرتين (7). كذلك رواية زرارة والفضيل بن يسار، وفي آخرها: " والإقامة مثلها، إلا أن فيها قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة بين حي على خير العمل حي على خير العمل، وبين الله أكبر " (8)، والعمل على الأول. قد تؤول تثنية التكبير في أول الأذان بإرادة إفهام السائل كيفية التلفظ،


(1) الكافي 3: 302 ح 3، التهذيب 2: 59 ح 208، الاستبصار 1: 305 ح 1132، الوسائل 4: 642 أبواب الأذان ب 19 ح 1 (2) الوسائل 4: 642 أبواب الأذان ب 19. (3) التذكرة 3: 41. (4) الغنية (الجوامع الفقهية): 557. (5) الفقيه 1: 188 ح 897، التهذيب 2: 60 ح 211، الاستبصار 1: 306 ح 1135، الوسائل 4: 644 أبواب الأذان 19 ح 9. (6) الاستبصار 1: 306 ح 1136، الوسائل 4: 643 أبواب الأذان ب 19 ح 6. (7) التهذيب 2: 59 ح 209، الاستبصار 1: 305 ح 1134، الوسائل 4: 643 أبواب الأذان ب 19 ح 5. (8) التهذيب 2: ح 210، الاستبصار 1: 305 ح 1134، الوسائل 4: 644 أبواب الأذان ب 19 ح 8.

[ 406 ]

وهو بعيد. نقل الشيخ عن بعض الأصحاب تربيع التكبير في آخر الأذان (1)، وهو ضعيف. ونقل أيضا عن بعض الأصحاب أن فصول الإقامة مثل الأذان بزيادة قد قامت الصلاة (2). ما قيل: لو زيد في آخر الإقامة تهليلة لا بقصد الجزئية لعدم القائل به فلا بأس (3)، ففيه ما فيه، لوجود القائل، ووجود ما يدل على زيادة التكبيرين في الأول أيضا. المشهور جواز النقص عن المشهور في الأذان والإقامة عند السفر والعذر، للأخبار المعتبرة منها صحيحة أبي عبيدة الحذاء، قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام يكبر واحدة واحدة في الأذان، فقلت له: لم تكبر واحدة واحدة ؟ فقال: " لا بأس به إذا كنت مستعجلا " (4). في رواية يزيد بن معاوية عنه عليه السلام، قال: " الأذان يقصر في السفر كما تقصر الصلاة، الأذان واحدا واحدا والإقامة واحدة " (5). روى ابن مسكان في الصحيح عن يزيد مولى الحكم، عمن حدثه، عن أبى عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: " لأن اقيم مثنى مثنى أحب إلي من أن اؤذن واقيم واحدا واحدا " (6). يجب الإتيان بهما على الترتيب المقرر في الأخبار للتوقيف، فلو تخلف بطل.


(1) الخلاف 1: 278 مسألة 19. (2) الخلاف 1: 279 مسألة 20، المبسوط 1: 99، وانظر الهداية (الجوامع الفقهية): 51. (3) حاسية المدارك للوحيد البهبهاني: 178. (4) التهذيب 2: 62 ح 216، الاستبصار 1: 307 ح 1140، الوسائل 4: 650 أبواب الأذان ب 21 ح 4. (5) التهذيب 2: 62 ح 219، الاستبصار 1: 308 ح 1143، الوسائل 4: 650 أبواب الأذان ب 21 ح 2. (6) التهذيب 2: 62 ح 218، الاستبصار 1: 308 ح 1142، الوسائل 4: 649 أبواب الأذان ب 20 ح 2.

[ 407 ]

لو سها في التقديم والتأخير فيرجع إلى المقدم بالوضع ثم يأتي بما بعده، لصحيحة زرارة عن الصادق عليه السلام، قال: " من سها في الأذان فقدم أو أخر أعاد على الأول الذي أخره حتى يمضي على آخره " (1). في الفقيه مرسلا عن الباقر عليه السلام: في الأذان والإقامة، قال: " ابدأ بالأول فالأول، فإن قلت: حي على الصلاة قبل الشهادتين تشهدت ثم قلت: حي على الصلاة " (2). هنا روايتان اخريان، إحداهما: موثقة عمار: أنه قال سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل نسي من الأذان حرفا فذكره حين فرغ من الأذان والإقامة، قال: " يرجع إلى الحرف الذي نسيه فليقله، وليقل من ذلك الحرف إلى آخره، ولا يعيد الأذان كله، ولا الإقامة " (3). الثانية: موثقته الاخرى عنه عليه السلام: " إن نسي الرجل حرفا من الأذان حتى يأخذ في الإقامة فليمض في الإقامة فليس عليه شئ، فإن نسي حرفا من الإقامة عاد إلى الحرف الذي نسيه ثم يقول من ذلك الموضع إلى آخر الإقامة " (4). أما في صورة الشك فلا يبعد القول بأنه يأتي بكل فصل يشك فيه متى لم يدخل في الآخر، للحديث العام في أصل الشك كما سيأتي (5). أما لو شك في الأذان قبل الدخول في الإقامة وفي الإقامة قبل الشروع في التكبير، فلاريب أنه يأتي به، لصحيحة زرارة الواردة في مطلق حكم الشك في الأجزاء (6).


(1) الكافي 3: 305 ح 15، التهذيب 2: 280 ح 1115، الوسائل 4: 662 أبواب الأذان ب 33 ح 1. (2) الفقيه 1: 28 ح 89، الوسائل 4: 662 أبواب الأذان ب 33 ح 3. (3) التهذيب 2: 280 ح 1114، الوسائل 4: 662 أبواب الأذان ب 33 ح 4 بتفاوت. (4) التهذيب 280 2 ح 1114، الوسائل 4: 662 أبواب الأذان ب 33 ح 2. (5) ص 595. (6) التهذيب 352 6 2 ح 1459، الوسائل 5: 336 أبواب الخلل ب 23 ح 1.

[ 408 ]

الرابع: يستحب استقبال القبلة فيهما بالإجماع، واستدل عليه بقوله عليه السلام: " خير المجالس ما استقبل القبلة " (1) وفيه إشكال، وستجئ رواية اخرى (2). يتأكد في الشهادتين وفي الإقامة، أما الشهادتان فلصحيحة محمد بن مسلم عن أحد عليهما السلام، قال: سألته عن الرجل يؤذن وهو يمشي أو على ظهر دابته وعلى غير طهور، فقال: " نعم، إذا كان التشهد مستقبل القبلة فلا بأس " (3) وتؤدي مؤداها حسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام (4). أما الإقامة، فلرواية سليمان بن صالح عن الصادق عليه السلام، قال: " لا يقيم أحدكم الصلاة وهو ماش ولا راكب ولا مضطجع، إلا أن يكون مريضا، وليتمكن في الإقامة كما يتمكن في الصلاة، فإنه إذا أخذ في الإقامة فهو في صلاة " (5). عن السيد القول بالوجوب فيهما (6)، وهو ضعيف. يكره الالتفات به يمينا وشمالا، وعن بعض العامة استحباب الإدارة بالأذان في المأذنة (7)، وهو مخالف للسنة، والاكتفاء بالالتواء بالعنق أيضا لا يكفي في دفع ذلك كما لا يخفى. عن دعائم الاسلام رواية عن علي عليه السلام، قال: " يستقبل المؤذن


(1) الشرائع 4: 73، الوسائل 8: 475 أبواب أحكام العسرة ب 76 ح 3. (2) ص 409. (3) الفقيه 1: 185 ح 878، التهذيب 2: 56 ح 196، ابلوسائل 4: 635 أبواب الأذان ب 13 ح 7. (4) الكافي 3: 304 ح 11، الوسائل 4: 627 أبواب الأذان ب 9 ح 2. (5) الكافي 3: 306 ح 21، التهذيب 2: 56 ح 197، الوسائل 4: 636 أبواب الأذان ب 13 ح 12. (6) الجمل (رسائل السريف المرتضى) 3: 30. (7) المغني 1: 472، الانصاف 1: 416، المحرفي الفقه 1: 38.

[ 409 ]

القبلة في الأذان والإقامة، فإذا قال: حي على الصلاة حي على الفلاح، حول وجهه يمينا وشمالا " (1). يستحب القيام فيهما، أما في الأذان فلرواية حمران، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الأذان جالسا، قال: " لا يؤذن جالسا، إراكب أو مريض " (2). أما في الإقامة، فلأخبار كثيرة، منها ما مر، ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يؤذن الرجل وهو قاعد ؟ قال: " نعم، ولا يقيم إلا وهو قائم " (3) وفي معناها أخبار كثيرة (4). في تلك الأخبار أيضا إشعار باستحباب القيام في الأذان أيضا كما لا يخفى على المتأمل فيها. يظهر من بعضهم (5) اشتراط القيام في الإقامة، وهو في غاية القوة بملاحظة الأخبار، فلا يترك إلا مع الاضطرار. وتستحب الطهارة، للإجماع، والحديث النبوي صلى الله عليه وآله: " حق وسنة أن لا يؤذن أحد إلا وهو طاهر " (6) وعن المعتبر أنه فتوى العلماء (7). أما ما يدل على ذلك في الإقامة من الأخبار فبمكان من الكثرة، منها صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " لا بأس أن تؤذن وأنت على غير طهور، ولا تقم إلا وأنت على وضوء " (8) وتلك الأخبار أيضا تشعر بحكم


(1) دعائم الإسلام 1: 144. (2) التهذيب 2: 57 ح 199، الاستبصار 1: 302 ح 1120، الوسائل 4: 636 أبواب الأذان ب 13 ح 11. (3) التهذيب 2: 56 ح 194، الاستبصار 1: 302 ح 1118، الوسائل 4: 635 أبواب الأذان ب 13 ح 5. (4) الوسائل 4: 634 أبواب الأذان ب 13. (5) المقنعة: 99، النهاية: 66. (6) كنز العمال 8: 343 ح 23180. (7) المعتبر 2: 127. (8) التهذيب 2: 53 ح 179، الوسائل 4: 627 أبواب الأذان ب 9 ح 3.

[ 410 ]

الطهارة في الأذان أيضا. عن السيد (1) والعلامة في المنتهى (2) اشتراط الإقامة بها، وهو قوي. التأني في الأذان، والحدر في الإقامة، لحسنة زرارة عن الباقر عليه السلام: " الأذان جزم بإفصاح الألف والهاء، والإقامة حدر " (3). رواية الحسن بن السري عن الصادق عليه السلام، قال: " الأذان ترتيل، والإقامة حدر " (4). صحيحة معاوية بن وهب: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الأذان، فقال: " اجهر وارفع به صوتك، فإذا أقمت فدون ذلك، ولا تنتظر بأذانك وإقامتك إلا دخول وقت الصلاة، واحدر إقامتك حدرا " (5) إلى غير ذلك. أما في حديث يونس الشيباني من قول الصادق عليه السلام: " أقمت فأقم مترسلا، فإنك في الصلاة " (6) فلا يقاوم ما ذكرنا، مع احتمال إرادة التؤدة والتثبت في البدن كما قيل (7). أن يقف عند الفصول، للإجماع، ولحسنة زرارة المتقدمة، ورواية خالد بن نجيح عن الصادق عليه السلام أنه قال: " التكبير جزم في الأذان مع الإفصاح بالهاء والألف " (8). روايته الاخرى عنه عليه السلام، قال: " الأذان والإقامة مجزومان " ورواه


(1) نقله عنه في المتبر 2: 128. (2) المنتهى 1: 258. (3) التهذيب 2: 58 ح 203، الوسائل 4: 652 أبواب الأذان ب 24 ح 2. (4) الكافي 3: 306 ح 26، التهذيب 2: 65 ح 232، الوسائل 4: 653 أبواب الأذان ب 24 ح 3. (5) الفقيه 1: 185 ح 876، الوسائل 4: أبواب الأذان ب 8 ح 1. (6) التهذيب 2: 282 ح 1125، ال. سائل 4: 635 أبواب الأذان ب 13 ح 9. (7) التذكرة 3: 53. (8) الفقيه 1: 184 ح 871، التهذيب 2: 58 ح 204، الوسائل 4: 639 أبواب الأذان ب 15 ح 3.

[ 411 ]

الصدوق وقال: في خبر آخر: " موقوفان " (1). والظاهر أن المراد من الوقف أيضا الجزم، والمراد من الجزم الإسكان وترك الإعراب، بل الروم والإشمام والتضعيف (2). تحقيق الحال أن السكتة معتبرة في الوقف كما يفهم منه عرفا، وصرح به أئمة التصريف (3)، فلا يتم الوقف بدون السكتة، كما لا يتم بالسكتة فقط مع التحريك. وأما الروم والإشمام فليسا بتحريك حقيقي. الحاصل أن الوقف على ما حققوه بحكم الاستقراء يرتقي إلى أحد عشر قسما، أحدها الجزم، وهو الإسكان المجرد، والمطلوب في الأذان هو هذا بحكم الإجماع والأخبار (4)، فالقول باستحباب الوقف مع تفسيره بالجزم إنما هو في مقابل التحريك مع عدم السكتة على وجه يصح، أو الوقف بالروم والإشمام، والتضعيف مع السكتة. أما الجزم مع عدم القطع والسكتة أو التحريك مع السكتة فهو لحن في كلام العرب، ويشكل الاكتفاء به وإن قيل: إن التسكين بدون الوقف أيضا لغة عربية، وأنه أولى من التحريك مطلقا (5). المراد بالترتيل في مقابل الحدر في رواية الحسن بن السري هو إطالة الوقوف، وإلا فالإقامة أيضا موقوفة. مما ذكرنا يظهر حال سائر الأذكار كتسبيح الزهراء عليها السلام وغيرها. أما اللثغ في الكلام، وهو تبديل حرف بحرف بسبب عجز في اللسان،


(1) الفقيه 1: 184 ح 874، الوسائل 4: 639 أبواب الأذان ب 15 ح 4، 5. (2) الروم: حركة مختلسة مختفاة، وهي أكثر من الإشمام لأنها تسمع (الصاح 5: 1938). (3) شرح ابن عقيل 2: 508، شرح النظام: 171. (4) الوسائل 4: 638 أبواب الأذان ب 15. (5) الروضة 1: 582.

[ 412 ]

كما نقل عن بلال أنه كان يبدل الشين بالسين (1)، فهو غير مضر. أما اللحن في الإعراب وتبديل الحركات وغيره من دون جهة العجز فربما يتردد فيه. ربما يفرق بين ما كان مغيرا للمعنى كأن يفتح اللام من رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه يوهم التوصيف فتبقى " أن " بلا خبر، وكإشباع فتحة الباء من أكبر فيصير أكبار جمع كبروهو الطبل، بخلاف تبديل فتحة همزة أن بالضمة، فيحكم بالبطلان في الأول دون الثاني. والأحوط بل الأقوى الاجتناب عن الجميع، فإن الامتثال لا يحصل إلا بإتيان الألفاظ على وضعها، ويشكل دعوى صدق قراءة المأمور به حقيقة مع ذلك. أما المراد بالألف والهاء في الأخبار المتقدمة، فقال المحقق الشيخ علي (2) وغيره (3): إن المراد به الألف الغير المكتوبة في كلمة الجلالة والهاء في آخرها. والأظهر إرادة الهمزات في الأوائل والهاءات فيها وفي كلمة الصلاة (4)، لأنها مظنة المسامحة والالتباس غالبا، فلابد من إفصاحها، وكذلك الحاء من الفلاح. وجعل ابن إدريس المراد هي هاء إله، لأنها هي التي يدغمها بعض الناس، وأما هاء أشهد والله فمبينتان مفصحتان (5)، وهو كما ترى. أن يرفع صوته بالأذان، وأن يجعل إصبعيه في اذنيه حين الأذان، لصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " لا يجزيك من الأذان إلا ما أسمعت نفسك أو (1) التذكرة 3: 75. (2) جامع المقاصد 2: 184. (3) الذكرى: 170. (4) كذا. (5) السرائر 214 1.

[ 413 ]

فهمته، وأفصح بالألف والهاء، وصل على النبي صلى الله عليه وآله كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو غيره، وكلما اشتد صوتك من غير أن تجهد نفسك كان من يسمع أكثر، وكان أجرك في ذلك أعظم " (1). رواية محمد بن مروان عن الصادق عليه السلام، يقول: " المؤذن يغفر الله له مد صوته، ويشهد له كل شئ سمعه " (2) وسيجئ ما يدل عليه أيضا. في صحيحة الحسن بن السري عن الصادق عليه السلام، قال: " من السنة أن تضع إصبعيك في اذنيك في الأذان " (3). يستحب أن يفصل بينهما بركعتين، أو سجدة، أو جلسة، أو خطوة، إلا المغرب فإنه يفصل بينهما بخطوة أو سكتة أو تسبيحة، ذهب إليه علماؤنا، قاله في المنتهى (4)، ومثله قال في المعتبر (5). الأخبار بعضها يعين القعود بينهما مطلقا، كقوية الحسن بن شهاب (6). بعضها يخير بينه وبين الصلاة ركعتين مطلقا أيضا، كصحيحة سليمان بن جعفر الجعفري، قال: سمعته يقول: " افرق بين الأذان والإقامة بجلوس أو بركعتين " (7). بعضها يدل على الفصل بالركعتين في الظهر والعصر، مثل قوية أبي علي صاحب الأنماط (8).


(1) الفقيه 1: 184 ح 875، الوسائل 4: 639 أبواب الأذان ب 15 ح 6، وب 16 ح 2، وص 669 ب 42 ح 1. (2) الكافي 3: 307 ح 28، التهذيب 2: 52 ح 175، الوسائل 4: 615 أبواب الأذان ب 2 ح 11. (3) التهذيب 2: 284 ح 1135، الوسائل 4: 641 أبواب الأذان 17 ح 2. (4) المنتهى 1: 256. (5) المعتبر 2: 142. (6) التهذيب 2: 64 ح 226، الوسائل 4: 631 أبواب الأذان ب 11 ح 1. (7) التهذيب 2: 64 ح 227، الويائل 4: 631 أبواب الأذان ب 11 ح 2. (8) التهذيب 2: 286 ح 1144، الوسائل 4: 667 أبواب الأذان ب 39 ح 5.

[ 414 ]

تدل على الفصل بنافلة الصبح بينهما صحيحة عبد الله بن سنان الآتية (1). في صحيحة البزنطي المروية في قرب الإسناد عن الرضا عليه السلام: عن القعدة بين الأذان والإقامة فقال: " القعدة بينهما إذا لم يكن بينهما نافلة " وقال: " تؤذن وأنت راكب وجالس، ولا تقيم إلا على الأرض وأنت قائم " (2). روايته الاخرى عن أبي الحسن عليه السلام المروية في الكافي والتهذيب (3). بعضها يدل على أن بينهما قعدة إلا المغرب، فإن بينهما نفسا، كمرسلة سيف ابن عميرة (4). يمكن أن يكون المراد بالنفس هو امتداد الاصطبار على عدم النفس ثم التنفس في الغالب والعادة. ربما يشعر ذلك بجواز الجزم على أواخر الفصول والوقوف عليها بدون التنفس. في بعضها: " من جلس فيما بين أذان المغرب والإقامة كان كالمتشحط بدمه في سبيل الله " كرواية إسحاق الجريري (5). في بعضها التخيير بين القعود والتسبيح والكلام وأن أقل ما يجزئ قول " الحمد لله " كموثقة عمار (6). الأفضل الفصل بالركعتين إن كان هناك نافلة، كالظهرين والصبح على وجه. لابد من الاجتهاد في الحالات والأوقات والصلوات، فمع قطع النظر عن


(1) التهذيب 2: 53 ح 177، الوسائل 4: 667 أبواب الأذان ب 39 ح 4. (2) قرب الأسناد: 158، الوسائل 4: 633 أبواب الأذان ب 11 ح 12، وب 13 ح 14. (3) الكافي 3: ح 306 ح 24، التهذيب 2: 228، الوسائل 4: 667 أبواب الأذان ب 39 ح 3. (4) التهذيب 2: 64 ح 229، الاستبصار 1: 309 ح 1150، الوسائل 4: 632 أبواب الأذان ب 11 ح 7. (5) التهذيب 2: 64 ح 231، الاستبصار 1: 309 ح 1151، المحاسن: 50 ح 70، الوسائل 4: 632 أبواب الأذان ب 11 ح 10. (6) الفقيه 1: 185 ح 877، الوسائل 4: 632 أبواب الأذان ب 11 ح 11.

[ 415 ]

الموانع والدواعي الخارجية فالأفضل التوسيط بالنافلة إذا كان هناك نافلة، ثم السجدة في غير المغرب لضيق وقته، ويستحب الدعاء بالمأثور (1). اعترف غير واحد من الأصحاب بعدم النص في السجدة، حتى في غير المغرب، وكذلك الخطوة فيه (2). مع إن ابن طاوس روى في فلاح السائل عن بكر بن محمد الأزدي عن الصادق عليه السلام، قال: " كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول لأصحابه: من سجد بين الأذان والإقامة فقال في سجوده: رب لك سجدت خاضعا خاشعا ذليلا، يقول الله تعالى: ملائكتي وعزتي وجلالي لأجعلن محبته في قلوب عبادي المؤمنين، وهيبته في قلوب المنافقين " (3). عن ابن أبي عمير، عن أبيه، عنه عليه السلام، قال: رأيته أذن ثم أهوى للسجود، ثم سجد سجد بين الأذان والإقامة، فلما رفع رأسه قال: " يا أبا عمير من فعل مثل فعلي غفر الله تعالى له ذنوبه كلها ". وقال: " من أذن ثم سجد فقال: لا إله إلا أنت سجدت لك خاضعا خاشعا، غفر الله له ذنوبه " (4). روى فيه أيضا، عن معاوية بن وهب عن الصادق عليه السلام رواية: أنه جلس بعد أذان المغرب ثم دعا بدعاء ذكره في الرواية، وقال عليه السلام: " إنه دعاء أمير المؤمنين ليلة بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ". ثم قال ابن طاوس: وقد رويت روايات أن الأفضل أن لا يجلس بين أذان المغرب وإقامتها، وهو الظاهر من عمل جماعة من أهل التوفيق (5).


(1) انظر الوسائل 4: 634 أبواب الأذان ب 12. (2) كالشهيد في ذكرى: 171 كما استظهر ذلك في الروضة البهية 1: 584، وصاحب المدارك 3: 287. (3) فلاح السائل: 152، الوسائل 4: 633 أبواب الأذان ب 11 ح 14. (4) فلاح السائل: 152، الوسائل 4: 633 أبواب الأذان ب 11 ح 15. (5) فلاح السائل: 152، مستدرك الوسائل 4: 31 أبواب الأذان ب 11 ح 1.

[ 416 ]

أقول: ولعل الإمام عليه السلام كان ينتظر أمرا تمكن معه من ذلك، كما أشرنا إلى تفاوت مراتب الأشخاص والأوقات. أما الخطوة فهي مذكورة في في الرضا عليه السلام (1). تستحب حكاية الأذان للسامع، وهو مذهب العلماء كافة كما في المنتهى (2)، وتدل عليه الأخبار المستفيضة، منها رواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام: أنه قال له: " يا محمد بن مسلم لا تدع ذكر الله على كل حال، ولو سمعت المنادي ينادي للأذان وأنت على الخلاء فاذكر الله عزوجل " (3). صحيحته عنه عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سمع المؤذن يؤذن قال مثل ما يقول في كل شئ " (4). عن الشيخ في المبسوط أنه روى عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " يقول إذا قال حي على الصلاة: لاحول ولاقوة إلا بالله " (5). عنه في المبسوط (6) أيضا جواز قطع الصلاة للحكاية، للعموم، وهو مشكل، وكذلك قراءة القرآن، ولا بأس به. أما الحكاية في الصلاة فلا تنصرف من الإطلاقات وإن كانت في غير الحيعلات، وأما الحيعلات فالأظهر عدم الجواز بل المتعين، فتبطل معها. يستحب الدعاء عند سماع الأذان في الصبح والمغرب بالمأثور، والظاهر أنه لا ينافي الحكاية، فيقرأ بعد الفراغ. الخامس: يكره الكلام في أثناء الأذان والإقامة، لمنافاته للإقبال المطلوب،


(1) فقه الرضا (ع): 98. (2) المنتهى 1: 263. (3) الفقيه 1: 187 ح 792، علل الشرائع: 284 ح 2، ذ الوسائل 4: 671 أبواب الأذان ب 45 ح 2. (4) الكافي 3: 307 ح 29، الوسائل 4: 671 أبواب الأذان ب 45 ح 1. (5 و 6) المبسوط 1: 97.

[ 417 ]

ولتنبيه كل الأخبار الرافعة للمنع عنه عليه (1). للأخبار المستفيضة جدا في الإقامة، منها صحيحة عمرو بن أبي نصر قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيتكلم الرجل في الأذان ؟ قال: " لا بأس " قلت: في الإقامة ؟ قال: " لا " (2). يدل على رفع المنع فيها أيضا أخبار كثيرة، منها صحيحة حماد بن عثمان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل أيتكلم بعدما يقيم الصلاة ؟ قال: " نعم " ("). صحيحة محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم في أذانة أو في إقامته، فقال: " لا بأس " (4). رواية الحسن بن شهاب عنه عليه السلام، يقول: " لا بأس بأن يتكلم الرجل وهو يقيم الصلاة، وبعد ما يقيم إن شاء " (5). هذا الكلام فيما قبل قد قامت الصلاة واضح، وأما بعده فالمشهور فيه أيضا الكراهة، لكن مع التغليظ، وهو حسن مع الانفراد، لما تقدم، ولعدم دلالة الأخبار الآتية على التحريم فيه. أما مع الجماعة، أي لجمع يريدون الجماعة ويجتزؤن بإقامة المقيم، فلا يبعد القول بالتحريم، وفاقا للشيخين (6) والسيد (7)، وخلافا للمشهور، حيث قالوا فيه بالكراهة المغلظة أيضا، بل الذي وجدت في كلامهم هو تغليظ الكراهة في


(1) الوسائل 4: 628 أبواب الأذان ب 10. (2) الكافي 3: 304 ح 1، التهذيب 2: 54 ح 182، الاستبصار 1: 300 ح 1110، الوسائل 4: 629 أبواب الأذان ب 10 ح 4. (3) التهذيب 2: 54 ح 187، الاستبصار 1: 301 ح 7 1114 الوسائل 629 6 4 أبواب الأذان ب ح 9. (4) التهذيب 2: 54 ح 186، الاستبصار 1: 301 ح 1113، الوسائل 4: 629 أبواب الأذان ب 10 ح 8. (5) التهذيب 2: 55 ح 7 188 الوسائل 4: 630 أبواب الأذان ب 10 ح 10. (6) المقنعة: 98، النهاية: 66. (7) نقله عن مصباحه في المعتبر 2: 143.

[ 418 ]

الجماعة، ولم أقف على تصريح في كلامهم بتسويته مع المنفرد في الكراهة. لنا: الأخبار المستفيضة، مثل صحيحة ابن أبي عمير: قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم في الإقامة، قال: " نعم، فإذا قال المؤذن قد قامت الصلاة فقد حرم الكلام على أهل المسجد، إلا أن يكونوا قد اجتمعوا من شتى وليس لهم إمام، فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض: تقدم يا فلان " (1). صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " إذا اقيمت الصلاة حرم الكلام على الإمام وأهل المسجد، إلا في تقديم إمام " (2). موثقة سماعة (عنه) (3) عليه السلام: " إذا أقام المؤذن الصلاة فقد حرم الكلام، إلا أن يكون القوم ليس يعرف لهم إمام ". صحيحة حماد (4) وما يليها لا تنافي ما ذكرنا حتى يحمل على الكراهة بسبب معارضتها لظهورها في المنفرد، غاية الأمر الإطلاق وهذه مقيدات. عم روى في السرائر، عن كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن جعفر بن بشير، عن عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت: أيتكلم الرجل بعد ما تقام الصلاة ؟ قال: " لا بأس " (5) فهذه مع الشهرة والتأمل في ثبوت الحقيقة الشرعية في لفظ الحرمة ترجح المشهور. أما القول بتحريم التكلم في الإقامة مطلقا كما هو ظاهر الشيخين (6) فضعيف لما مر.


(1) التهذيب 2: 55 ح 189، الاستبصار 1: 301 ح 1116، الوسائل 4: 629 أبواب الأذان ب 10 ح 7. (2) الفقيه 1: 185 ح 879، الوسائل 4: 628 أبواب الأذان ب 10 ح 1. (3) ليست في " ح "، والرواية عن أبي عبد الله (ع)، التهذيب 2: 55 ح 190، الاستبصار 1: 302 ح 1117، الوسائل 4: 626 أبواب الأذان ب 10 ح 5. (4) التهذيب 2: 54 ح 187، الاستبصار 301 6 1 ح 1114، الوسائل 4: 629 أبواب الأذان ب 10 ح 9. (5) السرائر 3: 601، الوسائل 4: أبواب الأذان ب 10 ح 13. (6) المقنعة: 97، النهاية: 66.

[ 419 ]

كيف كان، فيستحب لمن تكلم أن يعيدها، لصحيحة محمد بن مسلم قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا تتكلم إذا أقمت الصلاة، فإنك إذا تكلمت أعدت الإقامة " (1). ثم إنهم استثنوا من التكلم ما كان لمصلحة الصلاة، كتقديم إمام أو تسوية صف أو غير ذلك، والمنصوص إنما هو تقديم الإمام، وتقدم يا فلان، ولعل الإلحاق من باب اتحاد الطريق. يحرم التثويب بمعنى قول " الصلاة خيرمن النوم " في الأذان مع اعتقاد الجزئية، لكونه من بدع عمر. والظاهر أنه لا نزاع فيه، واتفاق بين الفرقة، كما أنه لا خلاف في جوازه مع التقية. أما بدونها (2) فالأظهر الحرمة أيضا، مع اعتقاد الرجحان، وأما بدونه فالأظهر القول بالكراهة، لكونه من الكلام المكروه. ذهب جماعة إلى التحريم (3). ابن الجنيد على أنه لا بأس به في أذان الفجر خاصة (4). الجعفي على الجواز بعد قول " حي على خير العمل " مرتين في أذان الصبح. والمنقول عنه أنه ليس من الأذان (5)، وهو الظاهر من ابن الجنيد. أما موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " كان أبي ينادي في بيته بالصلاة خير من النوم، ولو رددت ذلك لم يكن به بأس " (6) فهي محمولة


(1) التهذيب 2: 55 ح 191، الاستبصار 1: 301 ح 1112 بتفاوت يسير، الوسائل 4: 629 أبواب الأذان 10 ح 3. (2) في " ح ": بدونهما. والمراد بدون اعتقاد الجزئية. (3) كالشيخ في النهاية: 67، وابن حمزة في الوسيلة: 7 92 والحلي في السرائر 212 6 1. (4) نقله عنه في الذكرى: 169. (5) نقله عنه في الذكرى: 169. (6) التهذيب 2: 63 ح 222، الاستبصار 1: 308 ح 1146، الوسائل 4: 651 أبواب الأذان ب 22 ح 4.

[ 420 ]

على التقية، سيما بملاحظة ما ورد أنه من بدع بني امية، خصوصا في زمان أبيه عليه السلام. يمكن أن يكون قوله " ولو رددت " إيهاما وتورية بإرادة الرد لا الترديد بمعنى التكرير. كذلك موثقة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " النداء والتثويب في الإقامة من السنة " (1). كذلك ما رواه في المعتبر عن كتاب البزنطي، قال: حدثني عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله " وقال في آخره: " لا إله إلا الله مرة، ثم قال: إذا كنت في أذان الفجر فقل: الصلاة خير من النوم بعد حي على خير العمل، وقل بعده: الله أكبر الله أكبر " (2). لا ينافي ذكر حي على خير العمل، إذ لعله أراد الإجهار بذلك بعد الإخفات بحي على خير العمل. مع أنه مشتمل على خلاف ما يقوله الأصحاب من تربيع التكبير في الأول وتثنية التهليل في الآخر، وقد أجمع مخالفونا على وحدة التهليل (3). بعد حمل تلك على التقية، يبقى عموم ما دل على حسن الترغيب إلى الخير (4) معارضا لما دل على عدم جواز الخروج عن الموظف (5)، ولم يثبت


(1) التهذيب 2: 62 ح 221، الاستبصار 1: 308 ح 1145 وفيه: الأذان بدل الإقامة، الوسائل 4: 651 أبواب الأذان ب 22 ح 3. (2) المعتبر 2: 145، الوسائل 4: 648 أبواب الأذان ب 19 ح 9 وب 22 ح 5. (3) مختصر الزني: 120، المغني 1: 450، المهذب للشيرازي 1: 63، مغني الحتاج 1: 135، الشرح الصغير 1: 92، المدونة الكبرى 1: 7 57 العدة شرح العمدة: 61، القوانين الفقية 54 6، المحلى 3: 150. (4) فاستبقوا الخيرات (البقرة: 148)، ويسارعون في الخيرات (آل عمران: 114). (5) الوسائل 4: 642 أبواب الأذان ب 19.

[ 421 ]

توظيف أذان غير متوالي الأجزاء، خصوصا مع ذكر مثل هذا اللفظ فيه فيتعارضان. إن رجح الثاني فهو دليل الحرمة، وإن رجح الأول فهو دليل الرجحان إن ثبت به قول، وإن تساقطا بسبب عدم الترجيح فيبقى مندرجا تحت مطلق الكلام المنهي عنه فيكون مكروها. أحب أن أذكر هنا رواية تدل على عدم جواز الخروج عن الموظف ولو بالذكر، فروى الصدوق في كمال الدين، عن عبد الله بن سنان قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " سيصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى، وينجو منها إلامن دعا بدعاء الغريق " قلت: وكيف دعاء الغريق ؟ قال، تقول: " الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " فقلت: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك، فقال: " إن الله عز وجل يقلب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " (1). هذا هو المشهور في تفسير التثويب، من ثاب بمعنى رجع، فإنه رجوع إلى الدعاء إلى الصلاة بعد الدعاء إليها أولا. قيل: إنه تكرير الشهادتين والتكبير (2). قيل تكرير الشهادتين دفعتين (3). قيل: بأنه ما يقال بين الأذان والإقامة من الحيعلتين مثنى في أذان الصبح (4). الكلام في حكمها يظهر مما مر، فلا يبعد القول بالكراهة، والأحوط الترك، والظاهر أن كل ذلك من تصرفات العامة.


(1) كمال الدين 2: 51 ح 49. (2) المبسوط 1: 95. (3) السرائر 1: 212. (4) نقله عن أبي حنيفة في المغني والشرح الكبير 1: 433.

[ 422 ]

أما الترجيع - سواء قلنا بأنه تكرار الشهادتين جهرا بعد إخفاتهما، أو تكرار التكبير والشهادتين في أول الأذان، أو تكرار الفصل زيادة على الموظف - فيظهر الكلام فيه أيضا مما مر، فيحرم مع اعتقاد الجزئية، ويجوز مع التقية، ويكره بدون ذلك، بل الأحوط تركه. ما لو دعت إلى ذلك حاجة كإشعار المصلين وجمعهم ونحو ذلك فلا بأس به، لرواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " لو أن مؤذنا أعاد في الشهادة أو في حي على الصلاة أو في حي على الفلاح المرتين والثلاث أو أكثر من ذلك إذا كان إماما يريد القوم ليجمعهم لم يكن به بأس " (1)، وعن ظاهر المختلف الاتفاق على العمل بمضمونها (2). وأما قول " أشهد أن عليا ولي الله " " وأن محمدا وآله خير البرية " فالظاهر الجواز. قال الصدوق: والمفوضة - لعنهم الله - قد وضعوا أخبارا وزادوا في الأذان أن محمدا وآل محمد خير البرية مرتين، وفي بعض رواياتهم بعد أشهد أن محمدا رسول الله: أشهد أن عليا ولي الله مرتين، ومنهم من روى بدل ذلك أشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا مرتين، ولاشك في أن عليا ولي الله، وأنه أمير المؤمنين حقا، وأن محمدا وآله صلوات الله عليهم خير البرية، ولكن ليس ذلك في أصل الأذان (3). قال الشيخ في النهاية: وأما ما روي في شواذ الأخبار من قول أن عليا ولي الله، وأن محمدا وآله خير البشر، فمما لا يعمل عليه في الأذان والإقامة، فمن


(1) الكافي 3: 308 ح 34، التهذيب 2: 63 ح 7 225 الاستبصار 309 6 1 ح 1149، الوسائل 4: 652 أبواب الأذان ب 23 ح 1. (2) المختلف 2: 131. (3) الفقيه 1: 188، ح 897 بتفاوت يسير، الوسائل 4: 648 أبواب الأذان ب 19 ح 25.

[ 423 ]

عمل به كان مخطأ (1)، وتقرب من ذلك عبارة المنتهى (2). كذلك قال في المبسوط ما يقرب من ذلك، ولكنه قال: ولو فعله الإنسان لم يأثم به، غير أنه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله (3). يظهرمن هؤلاء الأعلام ورود الرواية، فلا يبعد القول بالرجحان، سيما مع المسامحة في أدلة السنن، ولكن بدون اعتقاد الجزئية. مما يؤيد ذلك ما ورد في الأخبار المطلقة: " متى ذكرتم محمدا صلى الله عليه وآله فاذكروا آله، ومتى قلتم: محمد رسول الله، فقولوا: علي ولي الله " (4) والأذان من جملة ذلك. من جملة تلك الأخبار ما رواه أحمد بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج عن الصادق عليه السلام، وفي آخره: " فإذا قال أحدكم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فليقل: علي أمير المؤمنين " (5). السادس: لو ترك الأذان والإقامة حتى تمت صلاته فلا يعيد بلا إشكال، والنصوص به مستفيضة (6). لو تركهما حتى دخل في الصلاة فالأكثر على أنه يهدم الصلاة ويجئ بهما، ثم يستفتح الصلاة ما لم يركع إذا كان سهوا، ويمضي على صلاته إذا تعمد (7).


(1) النهاية: 69. (2) المنتهى 1: 255. (3) المبسوط 1: 99. (4) انظر البحار 81: 112. (5) الاحتجاج 1: 158. (6) الوسائل 655 6 4 إبواب الإذان ب 28. (7) منهم السيد في المصباح كما في المعتبر 2: 129، والعلامة في المنتهى 1: 261، والشهيد في الذكرى: 174، والمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 198.

[ 424 ]

أما الثاني، فلأنه مستحب وقته قبل الصلاة بالأصل، وتركه يقتضي الإعراض عنه فيسقط الأمر، فلا دليل على جوازه، ويؤيده عموم ما دل على حرمة إبطال الصلاة (1)، بل وهذا الكلام يجري على القول بوجوبهما أيضا كمالايخفى. أما الأول، فلصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا افتتحت الصلاة فنسيت أن تؤذن وتقيم، ثم ذكرت قبل أن تركع فانصرف فأذن وأقم واستفتح الصلاة، وإن كنت قد ركعت فأتم على صلاتك " (2). الأمر بالانصراف للاستحباب، وتدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة في استحباب الأذان (3)، فإنها محمولة على الرخصة، فإنها مورد توهم الوجوب. ويؤيده التعليل بأنه سنة. قال الشيخ في النهاية بالعكس (4)، وتبعه ابن إدريس (5)، ولعل حجتهما في العود في صورة العمد الإطلاقات (5)، وفي صورة النسيان صحيحة زرارة المتقدمة، ورواية زرارة عن الصادق عليه السلام قال، قلت له: رجل نسي الأذان والإقامة حتى يكبر، قال: " يمضي على صلاته، ولا يعيد " (6). الجواب عن الأول: منع الشمول لما مر. عن الثاني يظهر مما مر. أما الرواية فضعيفة محمولة على الرخصة.


(1) كقوله تعالى لا تبطلوا أعمالكم (محمد: 33). (2) التهذيب 2: 278 ح 1103، الاستبصار 1: 304 ح 1127، الوسائل 4: 657 أبواب الإذان ب 29 ح 3. (3) التهذيب 2: 285 ح 1139، الاستبصار 304 6 1 ح 1130، الوسائل 4: 656 أبواب الأذان ب 29 ح 1. (4) النهاية: 65. (9 5 السرائر 1: 209. (6) الوسائل 4: 656 أبواب الأذان ب 29. (7) التهذيب 2: 279 ح 1106، الاستبصار 1: 302 ح 1121، الوسائل 4: 658 أبواب الأذان ب 29 ح 7.

[ 425 ]

يظهر من الشيخ في التهذيب استحباب الإعادة ما لم يفرغ (1)، لصحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل ينسى أن يقيم الصلاة وقد افتتح الصلاة، قال: " إن كان قد فرغ من صلاته فقد تمت صلاته، وإن لم يكن فرغ من صلاته فليعد " (2). قال في المعتبر: إنه محتمل، ولكنه تهجم على إبطال الفريضة بالخبر النادر (3). حمله في المختلف على ما قبل الركوع (4)، وهو بعيد. الأحوط عدم الرجوع بعد الدخول في الركوع للصحيحة الاولى، معتضدة بعمومات المنع عن إبطال العمل (5). هناك روايات اخر دالة على الرجوع قبل القراءة دون ما بعدها معتبرة، منها صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام، إنه قال في الرجل ينسى الأذان والإقامة حتى يدخل في الصلاة، قال: " إن كان ذكر قبل أن يقرأ فليصل على النبي صلى الله عليه وآله وليقم، وإن كان قرأ فليتم صلاته " (6). ومثلها صحيحة زيد الشحام (7). إذا لوحظ تعارض تلك الأخبار مع صحيحة الحلبي فيدور الأمر بين تخصيص الصحيحة بإرادة ما قبل القراءة، أو حمل الأوامر بالإتمام في تلك الصحاح على المجاز بإرادة الرخصة، واعتضاد الصحيحة بالشهرة مع ظهور ما قبل الركوع


(1) التهذيب 2: 279. (2) التهذيب 2: 279 ح 1110، الاستبصار 1: 303 ح 1125، الوسائل 4: 656 أبواب الأذان ب 28 ح 3. (3) المعتبر 2: 130. (4) المحتلف 2: 128. (5) محمد: 33 - 35، ثواب الأعمال: 26. (6) الكافي 3: 305 ح 14، التهذيب 2: 278 ح 1102، الاستبصار 1: 303 ح 1126، الوسائل 4: 657 أبواب (7) الفقيه 1: 187 ح 893، الوسائل 4: 658 أبواب الأذان ب 29 ح 9.

[ 426 ]

فيما بعد القراءة يرجحها، فنحمل تلك الأخبار على تأكد الاستحباب فيما قبل القراءة على الطرف المقابل لما قبل الفراغ من الصلاة في صحيحة علي بن يقطين لو عملنا بها. بعد ملاحظة حال القراءة فالظاهر أن المعيار الشروع فيها، لحسنة الحسين بن أبي العلاء عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يستفتح صلاته المكتوبة ثم يذكر أنه لم يقم، قال: " فإن ذكر أنه لم يقم قبل أن يقرأ فليسلم على النبي صلى الله عليه وآله ثم يقيم ويصلي، وإن ذكر بعدما قرأ بعض السورة فليتم على صلاته " (1). لعله بهذا استدل ابن الجنيد (2) على أنه إن كان ناسيا للإقامة وحدها رجع ما لم يقرأ عامة السورة. ثم إنه لم يظهر من الأخبار حال الأذان وحده، وادعى فخر المحققين الإجماع على عدم الرجوع إلى الأذان مع الإتيان بالإقامة (3)، وهو المنقول عن الأكثر (4). لكن ظاهر المحقق في الشرائع الإعادة للأذان فقط أيضا (5)، وهو المنقول عن ابن أبي عقيل (6). أغرب الشهيد الثاني - رحمه الله - حيث حكم بالإعادة للأذان وحده دون الإقامة (7).


(1) التهذيب 2: 278 ح 1105، الاستبصار 1: 304 ح 1129، الوسائل 4: 657 أبواب الأذان ب 29 ح 5. (2) كما في المختلف 2: 127. (3) إيضاح الفوائد 1: 97. (4) البحار 81: 164. (5) الشرائع 1: 65. (6) نقله عنه في المختلف 2: 127. (7) المسالك 1: 185.

[ 427 ]

ثم إن المحقق خص الكلام في المنفرد (1)، قال في المدارك: إطلاق النص وكلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في المصلي بين الإمام والمنفرد، فتقييده بالمنفرد يحتاج إلى دليل (2). قول: والتأمل في روايات الباب يشهد بأن كلها ظاهرة في المنفرد، ولا يفهم منها إطلاق يشمل غيره، ولا يفهم من إطلاق كلماتهم أيضا تعميم. السابع: لا يجوز الأذان للصلاة قبل دخول وقتها في غير الفجر بإجماع علمائنا، بل علماء الإسلام كما قيل (3). أما الفجر فالمشهور جوازه، قال في المنتهى: وعليه فتوى علمائنا (4). عن ابن أبي عقيل أنه قال (5): الأذان عندآل الرسول عليهم السلام للصلوات الخمس بعد دخول وقتها إلا الصبح، فإنه جائز أيؤذن لها قبل دخول وقتها، بذلك تواترت الأخبار عنهم، وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله مؤذنان، أحدهما بلال، والآخر ابن ام مكتوم، وكان أعمى، وكان يؤذن قبل الفجر، ويؤذن بلال إذا طلع الفجر. وكان صلى الله عليه وآله يقول: " إذا سمعتم أذان بلال فكفوا عن الطعام والشراب " (6). الصدوق نقل قوله " وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله " إلى آخره، ثم قال: فغيرت العامة هذا الحديث عن جهته، وقالوا: إنه صلى الله عليه وآله قال: " إن بلالا يؤذن بليل فإذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان


(1) الشرائع 1: 65. (2) المدارك 3: 267. (3) كما في المدارك 3: 277. (4) المنتهى 1: 262. (5) المختلف 2: 132. (6) الفقيه 1: 194 ح 905، الوسائل 4: 625 أبواب الأذان ب 8 ح 2.

[ 428 ]

ابن ام مكتوم " (1). خالف في هذا الحكم ابن إدريس، فمنع من تقديمه (2)، وكذلك السيد في الناصرية (3) وابن الجنيد والجعفي (4)، وحجتهم أنه للإعلام والدعاء إلى الصلاة، فتقديمه وضع له في غير موضعه، وما روي أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وآله أن يعيد الأذان (5). ويظهر ضعفهما مما يأتي. ثم إن ظاهر فتوى أكثر الأصحاب - مثبتيهم ومانعيهم - أن ذلك الأذان أذان الفجر، منها العبارات المتقدمة، وقال في الشرائع: ولا يؤذن إلا بعد دخول الوقت، وقد رخص تقديمه على الصبح، لكن تستحب إعادته بعد طلوعه (6). لكن المستفاد من الأخبار المعتبرة أن المقدم إنما هو للتنبيه، وليس هو بأذان الفجر، ولا تتأدى معه السنة (7). الحاصل أني لم أقف على رواية تدل على جواز الاكتفاء بالأذان المتقدم على الفجر، وعلى هذا فيمكن حمل كلام المثبتين على جواز ذلك من باب التنبيه والإعلام للتهيؤ، لا للسند الفجرية، كما صرح به جماعة منهم المفيد (8) - رحمه الله - والعلامة في المختلف (9) وغيرهما، وكلام النافين على عدم جواز تقديم السنة الفجرية، فيكون النزاع لفظيا.


(1) الفقيه 1: 194 ح 905. (2) السرائر 1: 210. (3) المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 192. (4) نقله عنهما في الذكرى: 175. (5) سنن أبي داود 1: 146 ح 532. (6) السرائع 1: 65. (9 7 الوسائل 4: 625 أبواب الأذان ب 8. (8) المقنعة: 98. (9) المختلف 2: 132.

[ 429 ]

يشير إلى ما ذكرنا ما نقلناه من حجة المانعين، وحجتهم لا تنافي ثبوت الأذان بالمعنى الآخر. لنذكر من تلك الأخبار صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: إن لنا مؤذنا يؤذن بليل، فقال: " إن ذلك ينفع الجيران لقيامهم إلى الصلاة، وأما السنة فإنه ينادي مع طلوع الفجر، ولايكون بين الأذان والإقامة إلا الركعتان " (1). ويقرب منها صحيحته الاخرى (2). أمصحيحة الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأذان قبل الفجر،: " إذا كان في جماعة فلا، وإذا كان وحده فلا بأس " (3) فلم أقف على عامل بها. قال العلامة في المنتهى: الشرط في الرواية حسن، لأن القصد به الإعلام للإجماع، والجماعة لا تحتاج إلى الإعلام للتأهب، بخلاف المنفرد (4). الظاهر أن مراده أن الجماعة الذين يريدون الصلاة به إذا كانوا مجتمعين فلا حاجة إلى الإعلام، وأما إذا كانوا متفرقين أو كان الإمام وحده منتظرا لهم فليؤذن. ثم إنه يجوز تعددهما واتحادهما، بل التعدد أولى كما فعله صلى الله عليه وآله (5). ليتميز الصوتان، لتكثر الفائدة. كذلك المناسب أن يحدد لذلك وقت ليكون مفيدا. وتحديده بسدس الليل


(1) التهذيب 2: 53 ح 177، الوسائل 4: 626 أبواب الأذان ب 8 ح 7. (2) التهذيب 2: 53 ح 178، الوسائل 4: 626 أبواب الأذان ب 8 ح 8. (3) الكافي 3: 306 ح 23، التهذيب 2: 53 ح 176، الوسائل 6 4 أبواب الأذان ب 8 ح 6 بتفاوت في اسم الراوي. (4) المنتهى 1: 252. (5) انظر الوسائل 4: 625 أبواب الأذان ب 8.

[ 430 ]

لادليل عليه، وكذلك تخصيص أصل الحكم بشهر رمضان، ولعل أمثال ذلك من العامة. الثامن: لا يعتد بأذان غير المميز للوقت، ولا للصلاة، لعدم صحته بالذات، لأن الفهم شرط الخطاب، ولأنه غير مكلف، فلا يتعلق به التكليف فيخلو أذانه عن الخطاب، وإذ لا خطاب فلا طاعة ولا امتثال. أما سقوط العباد عن الاعتبار مع عدم الخطاب فواضح، وأما أنه غير مكلف ولا يتعلق به التكليف، فعلى القول بأن الندب تكليف ولا يتعلق بالطفل، وأن عباداته تمرينية لا شرعية، فواضح. وأما على القول بأنه تكليف، ولكنه لامانع من تعلقه بالطفل، إذ القدر المسلم هو انتفاء الوجوب والتحريم عنه ولا مانع من اختصاصه ببعض التكاليف فلأن القدر المسلم من تعلق المندوبات بالطفل إنما هو بعد التمييز بالإجماع، والأخبار، فإن الأخبار الآمرة بأمرهم بالصلاة إنما هو إذا بلغواست سنين فما فوقها (1)، وهو مطابق للتمييز غالبا. أما المميز فيصح أذانه ويعتد به ويجتزأ به، لما مر، وللإجماع والأخبار الكثيرة، منها موثقة عبد الله بن سنان لابن المغيرة - عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث، قال: " لا بأس أن يؤذن الغلام الذي لم يحتلم " (2). لا يقال: إن هذا يعم غير المميز أيضا، لأنه مع أنه لا يعارض الإجماع وغيره ظاهر في المراهق كما لا يخفى، ولا يضر الاستدلال بمثله على من لم يراهق مع كونه مميزا، لعدم القول بالفصل.


(1) الوسائل 3: 11 أبواب أعداد الفرائض ب 3. (2) التهذيب 280 6 2 ح 1112، الوسائل 4: 661 أبواب الأذان ب 32 ح 1.

[ 431 ]

يظهر مما ذكرنا حال المجنون، فلا يعتد به أيضا إجماعا. يشترط الإسلام أيضا، فلا يعتد بأذان الكافر أيضا، للإجماع، ولما سيجئ في اشتراط الإيمان. لا ينافي الكفر التلفظ بالشهادتين، لأن ما دل على ثبوت الإسلام بذلك إنما هو إذا كان على وجه الإقرار وفهم ذلك منه، لا مطلق التكلم، لاحتمال الحكاية والاستهزاء وعدم فهم المعنى وغير ذلك، مع أنه قبل التكلم بالشهادتين كان كافرا جزما، فينقص الأذان عن وظيفته. مما ذكرنا يظهر ضعف ما قيل: إنه يحكم بالإسلام بمجرد ذلك، لقوله عليه السلام: " امرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا: لاإله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم " (1). لا فرق فيما ذكرنا في عدم الاعتداد بين الاعتداد في دخول الوقت لذوي الأعذار - أو مطلقا على القول به - وبين الاعتداد في أذان الصلاة، خصوصا مع الأخبار الكثيرة الواردة " أن المؤذنين امناء، وأن المؤذن مؤتمن " (2) والمراد أنه لابد أن يكون أمينا حتى يجعل مؤذنا، لا أن كونه مؤذنا يوجب الأمانة. الأصح اشتراط الإيمان أيضا، لأن الأقوى بطلان عبادة المخالف، للأخبار المستفيضة (3)، وإن قلنا بسقوط القضاء عنه ولحوق الثواب إياهم لو فعلوها صحيحة عندهم بعد استبصارهم. لموثقة عمار عن الصادق عليه السلام: " لا يجوز أن يؤذن إلا رجل مسلم عارف، فإن علم الأذان وأذن به ولم يكن عارفا لم يجز أذانه ولا إقامته


(1) عوالي اللآلي 1: 238 ح 154، وج 2: 7 37 صحيح مسلم 1: 80 ح 32 - 36، سنن ابن ماحة 2: 1295 ح 3927، 3928. (2) الوسائل 4: 618 أبواب الأذان ب 3. (3) الوسائل 1: 90 أبواب مقدمة العبادات ب 29.

[ 432 ]

ولا يقتدى به " (1). الأظهر عندي اشتراط الذكورة أيضا إذا أذن للرجال، فلا يعتد بأذان النساء إلا للنساء. قد مر الكلام في المحارم، وأن الأظهر عندي عدم الاكتفاء لعدم انصرافه من الأدلة. يستحب أن يكون عدلا، لما رواه الصدوق مرسلا، عن علي عليه السلام، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يؤمكم أقرؤكم، ويؤذن لكم خياركم " (2). لقولهم عليهم السلام: " المؤذن مؤتمن والمؤذنون امناء " (3). لأن يعتمد عليه ذووا الأعذار. قول ابن الجنيد بمنع الاعتداد بأذان الفاسق لفقد الأمانة (4) ضعيف تدفعه الإطلاقات، وهذه الألفاظ محمولة على الاستحباب. أن يكون صيتا، لعموم النفع، فيكون أدل على الخير. أما الاستدلال على ذلك بقوله عليه السلام لبلال: " اعل فوق الجدار وارفع صوتك بالأذان " (5) فهو غير واضح كما لا يخفى، بل رفع الصوت هو مستحب آخر. كذلك القيام على المرتفع لهذا الخبر. أما كونه منارة فلم يظهر من النصوص استحبابه، وفي رواية علي بن جعفر،


(1) الكافي 3: 304 ح 13، التهذيب 2: 277 ح 1101، الوسائل 4: 654 أبواب الأذان ب 26 ح 1. (2) الفقيه 1: 158 ح 880، الوسائل 4: 640 أبواب الأذان ب 16 ح 3. (3) الوسائل 4: 618 أبواب الأذان ب 3. (4) نقله في المختلف 2: 126. (5) الكافي 3: 307 ح 31، التهذيب 2: 58 ح 206، المحاسن: 48 ح 67، الوسائل 4: الوسائل 4: 640 أبواب الإذان ب 16 ح 7.

[ 433 ]

قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الأذان في المنارة، أسنة هو ؟ فقال: " إنما كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وآله في الأرض، ولم يكن يومئذ منارة " (1). قد يستدل على الاستحباب بقول علي عليه السلام حيث مر على منارة طويلة فأمر بهدمها: " لا ترفع المنارة إلا مع سطح المسجد " (2)، وأنه لولا استحباب الأذان فيها لكان الأمر بوضعها عبثا، وفيه تأمل. أن يكون المؤذن حسن الصوت لإقبال القلوب إليه. أن يكون مبصرا - وإن جاز من الأعمى إذا كان له مسدد - وبصيرا بالأوقات ليأمن الغلط. قال في المدارك: ولو أذن الجاهل في الوقت جاز واعتد به إجماعا (3)، فإن أراد مع تسديد الغير إياه فهو حسن، وأما لو وقع موافقا للوقت رجما بالغيب ففيه إشكال واضح، إلا أن يثبت الإجماع، ولا أفهم دعواه في هذا لصورة من كلامه صريحا. هل يجوز الاعتداد بأذان من يأخذ على الأذان أجرا ؟ الأظهر لا، لمنافاته للإخلاص، فيبطل من جهة النية، ولأنه منهي عنه في رواية السكون وغيرها (4) المعتضدة بعمل الأصحاب حيث حرموه، خلافا للسيد فكرهه (5)، وتبعه بعض المتأخرين (6) استضعافا للرواية. أما قول بعضهم: إنه ينعقد لو أخذ وإن قيل بالتحريم، لأنه عبادة وشعار، فإن


(1) التهذيب 2: 284 ح 1134، الوسائل 4: 640 أبواب الأذان ب 16 ح 6. (2) التهذيب 3: 256 ح 710، الوسائل 3: 505 أبواب أحكام المساجد 25 ح 2. (3) المدارك 3: 271. (4) الفقيه 1: 184 ح 870، التهذيب 2: 283 ح 1129، الوسائل 4: 666 أبواب الأذان ب 38 ح 1. (5) نقله في المعتبر 2: 134، والذكرى: 173. (6) كالشهيد في الذكرى: 173، والمجلسي في البحار 81: 161، وصاحب المدارك 3: 276.

[ 434 ]

فات أحدهما لم يفت الآخر (1)، فلا يخفى ضعفه لأن إسقاط الأذان إنما هو من جهة العبادة. أما الارتزاق من بيت المال فلا بأس به، لأنه من المصالح العامة للمسلمين.


(1) المسلك 3: 131.

[ 435 ]

المقصد الثاني في القيام وفيه مباحث: الأول: يجب القيام في الفرائض مع الاختيار بالإجماع، والكتاب (1)، والأخبار الصحيحة وغيرها (2)، وهو ركن في الصلاة، تبطل بالإخلال به عمدا أو سهوا، ادعى عليه الإجماع في المعتبر والمنتهى (3). ينبغي أن يكون مرادهما الركنية في الجملة، لعدم ثبوتها إلا في حال التكبير، والقدر المتصل منه بالركوع، بل في حال النية أيضا، وإن كانت لا تنفك عن التكبير، لأجل اشتراط المقارنة، وكون الجزء المتصل بالركوع في القنوت غير مضر، لأن القنوت غير القيام، وإن أبيت فاعتبر الجهتين. الدليل بعد الإجماع هو أنه جزء للصلاة، والكل ينتفي بانتفاء جزئه، فالأصل في الأجزاء الركنية، وعدم بطلانها بنسيان سائر الأجزاء أو زيادتها إنما


(1) آل عمران: 191. (2) الوسائل 4: 689 أبواب القيام ب 1. (3) المعتبر 2: 158، المنتهى 1: 264.

[ 436 ]

ثبت بالدليل. قد يستدل على ذلك بموثقة عمار عن الصادق عليه السلام: في رجل نسي حين افتتح الصلاة وهو قاعد، قال: " يقوم فيفتتح وهو قائم، ولا يعتد بافتتاحه وهو قاعد " (1). في دلالتها نظر لا يخفى على من تأمل صدر الخبر. حده الانتصاب، ويظهر من بعض الأخبار أنه نصب فقار الظهر، ففي صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له " (2). روى الصدوق عن الصادق عليه السلام، قال: " وقم منتصبا، فإن رسول الله صلى الله عيه وآله قال: من لم يقم صلبه فلا صلاة له " (3) وفي معناهما موثقة أبي بصير في القيام بعد الركوع (4). لكن في صحيحة حماد التي علمه الصادق عليه السلام فيها آداب الصلاة إشعار باستحباب الانتصاب، فإن الظاهر أن ما استدركه حماد مما فعله الصادق عليه السلام ولم يفعله هو كان من المستحبات (5). لا يخل به الإطراق وإن كان تركه أولى، لمرسلة حريز، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال، قلت له: فصل لربك وانحر، قال: " النحر: الاعتدال في القيام، أن يقيم صلبه ونحره " (6) الحديث وفي معناها رواية في الخصال (7).


(1) التهذيب 2: 353 ح 1466، الوسائل 4: 704 أبواب القيام ب 13 ح 1. (2) الكافي 3: 320 ح 4، الوسائل 4: 694 أ بواب اقيام ب 2 ح 2. (3) الفقيه 1: 180 ح 856، الوسائل 4: 694 أبواب القيام ب 2 ح 1. (4) الكافي 320 6 3 ح 6، التهذيب 2: 78 ح 290، الوسائل 4: 939 أبواب الركوع ب 16 ح 2. (5) الفقيه 1: 196 ح 7 916 الوسائل 4: أبواب أفعال الصلاد ب 1 ح 1. (6) الكافي 3: 336 ح 9، الوسائل 694 6 4 إبواب القيام ب 2 ح 3. (7) الخصال: 628، الوسائل 4: 683 أبواب الصلاة ب 1 ح 16.

[ 437 ]

قال في الذكرى: حد القيام الانتصاب مع الإقلال، ولا يخل بالانتصاب إطراق الرأس، إذ المعتبر نصب الفقار، ويخل به الميل إلى إليه واليسار اختيارا بحيث يزول عن سنن القيام، وكذا إذا انحنى ولو لم يبلغ حد الراكع لم يجزئه (1)، انتهى. في عبارته إشكال، ويمكن توجيهه بإرجاع الضمير المجرور في قوله " يخل بهئ إلى القيام. وقال أيضا: الأقرب وجوب الاعتماد على الرجلين معا في القيام، ولا تجزئ الواحدة مع القدرة، لعدم الاستقرار، وللتأسي بصاحب الشرع، ولايجوز تباعدهما بما يخرجه عن حد القيام (2). الظاهر أن هذا هو المشهور بين الأصحاب، كما نسبه في البحار إليهم (3)، ولعله في مقابل رفع أحد الرجلين والقيام على الاخرى، وإلا فقد عد من المكروهات أن يتكئ مرة على هذه ومرة على هذه، بل نسب القول بالكراهة أيضا إلى الجعفي (4). تدل عليه عبارة فقه الرضا عليه السلام (5)، وما رواه الثمالي عن فعل السجاد عليه السلام: فأطال القيام حتى جعل مرة يتوكأ على رجله اليمنى، ومرة على رجله اليسرى (6)، فمحمول على العذر كما هو ظاهر الخبر. كذلك نسب إلى الجعفي القول بكراهة التقدم مرة والتأخر اخرى، لمنافاته للخشوع (7).


(1) في " م ": لم ينحره وفي " ص ": يخره، والمثبت من " ح " كما في الذكرى: 180. (2) الذكرى 180. (3) البحار 81: 342. (4) نقله عنه في الذكرى: 182. (5) فقه الرضا (ع): 101. (6) الكافي 2: 422 ح 10، الوسائل 4: 695 أبواب القيام ب 3 ح 1. (7) انظر الذكرى 182 6.

[ 438 ]

يدل على الجواز ما رواه في قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن رجل يقوم إلى الصلاة هل يصلح له أن يقدم رجلا ويؤخر اخرى من غير مرض ولا علة ؟ قال: " لا بأس " (1). لابد أن يقيد بما لم يخرج عن حد الاستقرار، فإن الاستقرار أيضا واجب في القيام كالاستقلال. يدل على الأول عدم تحقق القيام بدونه، وفي رواية السكوني إشارة إليه (2). أما الاستقلال بمعنى أن لا يكون مستندا إلى شئ بحيث لو رفع لسقط، فتدل عليه صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " لا تستند بخمرك وأنت تصلي، ولا تستند إلى جدار إلا أن تكون مريضا " (3). لصحيحة حماد الطويلة (4)، وفيه تأمل. لاستصحاب شغل الذمة، وأن المتبادر من القيام هو ما كان بالاستقلال. أبو الصلاح على الجواز على كراهة (5)، للنصوص، ففي الصحيح: عن الرجل هل يصلح له أن يستند إلى حائط المسجد وهو يصلي، أو يضع يده على الحائط وهو قائم من غير مرض ولا علة ؟ فقال: " لا بأس " وعن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الاوليين، هل يصلح له أن يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف ولاعلة ؟


(1) قرب الإسناد: 94، الوسائل: 476 أبواب مكان المصلي ب 44 ح 8. (2) عن جعفر عن أبيه عليهما السلام: في رجل يصلي في موضع يريد أن يتقدم، قال يكف عن القراءة حال مشيه حتى يقدم الموضع الذي ثم يقرأ فيه (منه رحمه الله) وانظر الكافي 3: 316 ح 24، والتهذيب 2: 290 ح 1165، والوسائل 4: 775 أبواب القراءة ب 34 ح 1 بتفاوت. (9 3 التهذيب 3: 176 ح 7 394 الوسائل 702 6 4 أبواب القيام ب 10 ح 2 ولكن فيهما: ولا تمسك بخمرك. والخمر: هو كل ماسترك من سجر أو بناء أو غيره، النهاية 2: 77. (4) الفقيه 1: 196 ح 916، الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

[ 439 ]

قال: " لا بأس " (1). في الموثق: عن الرجل يصلي متوكئا على عصا أو على حائط، فقال: " لا بأس بالتوكؤ على عصا والاتكاء على الحائط " (2). يمكن تقوية مذهب أبي الصلاح لكثرة الأخبار وصراحتها، وعدم صراحة مستند المشهور، لعدم تعلق النهي (بالصلاة) (3) صريحا وحملها على الكراهة. لكن الشهرة، وفهم الأصحاب، وعدم تحقق القيام يقينا إلا بذلك يؤيد الأول، وعليه العمل، ولا ينبغي تركه. ينبغي أن يقتصر في ذلك على الاستناد في حال الصلاة بشخصه والاتكاء بنفسه، لا مطلق الاستعانة والاستمداد، لعدم منافاة ذلك لمستند المشهور، ووجود الرخصة فيه في تلك الأخبار، وظهور الاستناد المذكور في مستندهم في استناد الشخص في حال القيام، لا استعانته للقيام. نقل عن بعض المتأخرين التصريح بأن حكم الاستعانة حكم الاستناد (4)، وهو ضعيف. الثاني: كل ما تقدم مع القدرة على القيام، وأما مع العجز فيعتمد، والظاهر عدم الخلاف في ذلك، للعمومات (5)، والاستصحاب، وأنه قيام حقيقة، والأخبار المتقدمة. لو عجز عن البعض فيأتي به على قدر المقدور، لأن الميسور لا يسقط


(1) الفقيه 1: 237 ح 1045 الوسائل 4: 701 أبواب القيام ب 10 ح 1. (2) التهذيب 2: 327 ح 7 1341 الوسائل 4: 702 أبواب القيام ب 10 ح 4. (3) في " ح ": بعد الصلاة. (4) نقله في الذخيرة: 261. (5) الوسائل 4: 701 إبواب القيام ب 10.

[ 440 ]

بالمعسور، ولقوله: " إذا أمرتكم بشئ‌فاتوا منه ما استطعتم " (1) وللاستصحاب والعمومات والصحيحة الآتية. قد نقل عن الشيخ أنه قال: قد روى أصحابنا أنه إذا لم يقدر على القيام في جميع الصلاة قرأ جالسا، فإذا أراد الركوع نهض وركع عن قيام (2). لكن هذه الأدلة لا تثبت أزيمما يدخل في عنوان القيام منتصبا أو منحنيا أو متكئا. أما ما لا يدخل فيه ففيها إشكال، لعدم شمول العمومات والخصوص أيضا، وجريان الدليلين الأولين في الأجزاء العقلية محل كلام، ولا يظهر عندي له وجه، ولانقض علينا باعتباره مع عدم التمكن من الانتصاب، لأن الانتصاب واجب والقيام واجب آخر، فإذا صح سلب اسم القيام عنه فلابد من الانتقال إلى القعود، لعدم الدليل على صحة مثل هذه الصلاة. لافرق في التزام القيام مع القدرة بين كونه قادرا على الركوع والسجود معه أما لا، فإذا قدر عليهما بدونه لم يجز العدول عنه، بل يومئ للركوع والسجود بالإجماع، نقله في التذكرة والمنتهى (3)، ولأن القيام ركن لا يجوز العدول عنه إلى الجلوس، ومع الإيماء يحصل الركن أعني الركوع والسجود، ومع الجلوس فيهما لا يحصل القيام والركوع قائما وعن قيام. إن قلت: عمومات الركوع تعارضه، فلا وجه للترجيح. قلت: إن أردت منها الركوع المعروف المتداول الذي هو الركوع عن قيام وفي حال القيام نمنع الصغرى، وإن أردت الأعم منه فنمنع كلية الكبرى. فإن قلت: لم يثبت عموم اعتبار القيام في الركوع.


(1) انظر عوالي اللآلي 4: 58 ح 205، 7 206 وصحيح البخاري 9: 117، وسنن البيهقي 4: 326. (2) المبسوط 1: 100. (3) التذكرة 3: 89، المنتهى 1: 265.

[ 441 ]

قلت: لم يثبت عموم اعتبار الانخفاض بقدر الركوع، وأيضا هذا أشبه بما جوزها الشارع في المواضع الكثيرة مثل صلاة العاري وغيرها، وإطلاق الركوع على الإيماء في الشرع واقع (1)، ولا ترجيح لإطلاقه على ما ذكرتم على إطلاقه على ما ذكرنا. قولهم عليهم السلام: " الميسور لا يسقط بالمعسور " وغيره لا ينفعهم بل يضرهم. بالجملة الأقرب ما ذهب إليه الأصحاب. ثم إن عجز عن القيام بهذا النحو أيضا فيقعد، للإجماع، نقله غير واحد من أصحابنا (2)، وللنصوص المستفيضة (3). في خبر: " يصلي المريض قائما، فإن لم يقدر على ذلك صلى قاعدا " (4). في آخر: " فإن لم يقدر على ذلك صلى جالسا " (5). في حسنة أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام: " في قول الله عزوجل < الذين يذكر الله قياما وقعودا > (6) المريض يصلي جالسا < وعلى جنوبهم > الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلي جالسا " (7). يرجع في العجز إلى نفسه، فإنه أعلم بنفسه من غيره على المشهور بين الأصحاب، ففي صحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام: أنه سئل ما حد المرض الذي يفطر صاحبه، والمرض الذي يدع صاحبه فيه الصلاة قائما ؟ قال: " بل


(1) الوسائل 4: 689 أبواب القيام ب 1. (2) كالمحقق في المعتبر 2: 159، والعلامة في التذكرة 3: وصاحب الرياض 3: 372. (3) الوسائل 4: 689 أبواب القيام ب 1. (4) دعوت الراوندي: 97، مستدرك الوسائل 4: 117 إبواب القيام ب 1 ح 6 بتفاوت. (5) الفقيه 1: 235 ح 1033، الوسائل 4: 691 إبواب القيام ب 1 ح 13. (6) آل عمران: 191. (7) الكافي 3: 411 ح 11، الوسائل 4: 689 أبواب القيام ب 1 ح 1 بتفاوت.

[ 442 ]

الإنسان على نفسه بصيرة، قال: ذاك إليه هو أعلم بنفسه " (1). في صحيحة جميل أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام ما حد المريض الذي يصلي قاعدا ؟ فقال: " إن الرجل ليوعك ويحرج (2) لكنه أعلم بنفسه، ولكنه إذا قوي فليقم " (3). تؤيده الأدلة الدالة على وجوب القيام (4). قيل: حده أن لا يتمكن من المشي بمقدار زمان الصلاة (5)، لخبر سليمان: " المريض إنما يصلي قاعدا إذا صار بالحال التي لا يقدر فيها أن يمشي مقدار صلاته إلى أن يفرغ قائما " (6). وفيه: مع ضعف السند، ومتروكية ظاهره عند أكثر الأصحاب (7) أنه مخالف للاعتبار، وغير منضبط في المعيار، والعمل به يوجب ترك القيام في بعض الأحيان كما لا يخفى، وقد عرفت عدم الجواز بقدر المقدور. ويجوز الاعتماد على قول الطبيب في قوله بأن القيام يضر مع عدم علمه بعدم الضرر لدفع الضرر، والضرر أعم من العنت وشدة المرض وبطء برئه وازدياده.


(1) الموجود رواية عمر بن اذينة عن أبي عبد الله (ع)، الكافي 4: 118 ح 2، التهذيب 4: 256 ح 758، الاستبصار 2: 114 ح 371، وعن زرارة في الفقيه 2: 83 ح 369، وانظر الوسائل 7: 157 أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 5. (2) في " ص " والكافي: ويخرج، وفي موضع من التهذيب: ويجرح. (3) الكافي 3: 410 ح 3، التهذيب 2: 169 ح 673، وج 3: 177 ح 400، الوسائل 4: 698 أبواب القيام ب 6 ح 3. ويوعك: من الوعك وهي الحمى، وقيل: المها، مجمع البحرين 5: 298. (4) الوسائل 4: 689 إبواب القيام ب 1. (5) المقنعة: 215. (6) التهذيب 3: 178 ح 402، الوسائل 4: 699 أبواب القيام ب 6 ح 4، والرواية ضعيبة لإن راويها سليمان بن حفص المروزي لم يوثق. (7) كالعلامة في الذكرة 3: 92، وصاحبي المدارك 3: 329، والرياض 3: 373.

[ 443 ]

وكذا بما يوجب ترك القيام، كأمره باستلقاء من كان في عينيه الماء ثلاثين يوما وأربعين يوما، ونحو ذلك، أو بجلوسه كذلك لمرض وإن لم يكن في نفسه عاجزا عن القيام، للنصوص، منها صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل والمرأة يذهب بصره فيأتيه الأطباء فيقولون نداويك شهرا أو أربعين ليلة مستلقيا كذلك يصلي، فرخص في ذلك، وقال: " فمن اضطر غير باغ ولاعاد فلا إثم عليه (1) " (2). في حكم ما ذكر الخوف من اللص والسبع والجرح والحبس تحت السقف المنحط وغير ذلك. ثم إنه لو دار الأمر بين الصلاة متكئا وماشيا مستقلا فلاريب في رجحان الأول، ويظهر وجهه مما تقدم. والقول بالثاني ضعيف (3). ما لو دار الأمر بين القعود والصلاة ماشيا ففيه قولان، أقربهما تقديم الأول، لما مر من النصوص المستفيضة (4)، إذ القيام لا يصدق على المشي. ويصح سلب اسم الماشي عن القائم وبالعكس. أيضا لم يعهد من الشرع للمريض الصلاة ماشيا، والعبادة موقوفة عن التوظيف. وأما الاستدلال على القول الثاني بأن ترك وصف القيام - وهو الاستقرار - أولى من ترك نفسه، فهو ضعيف جدا، لأنا لو سلمنا كون المشي من أفراد القيام لا نسلم كون الاستقرار وصفا له، بل هو وصف للمصلي مثل القيام، ولاوجه لترجيح أحد الوصفين على الآخر.


(1) البقرة: 173. (2) الكافي 3: 410 ح 4، الوسائل 4: 699 أبواب القيام ب 7 ح 1. (3) نقله عن العلامة في البحار 81: 335. (4) الوسائل 4: 689 أبواب القيام ب 1.

[ 444 ]

وهكذا الاستدلال عليه بخبر سليمان (1)، لما تقدم من ضعف السند والدلالة، ولما يلزم عليه من الفساد فتنبه. وكذا الاستدلال عليه بالعلة المذكورة في الرواية المذكورة في صدر المبحث السابق، فإن الظاهر من التعليل أنه للانتصاب لا للقيام كما لا يخفى على الطبع السليم، وهو يتحقق مع القعود أيضا فتأمل. ومن العجب استدلال بعضهم (2) بمثل قوله عليه السلام: " يصلي قائما، فإن لم يقدر على ذلك صلى قاعدا " (3) وأنت خبير بأنه لو فرض أن المشي من أفراد القيام أيضا لا ينساق هذا النوع منه إلى الذهن أصلا من هذه العبارة، مع أن في الحسن: " المريض يصلي جالسا " (4) وقد تقدم، وفي آخر: " ما حد المريض الذي يصلي قاعدا " (5) وقد تقدم أيضا. وبالجملة الذي يقوى في نفسي هو الأول. ولو عجز عن القعود بجميع الأنحاء كالقيام، فيضطجع متوجها إلى القبلة على اليمين، ويومئ في الركوع والسجود. فإن عجز فعلى اليسار كذلك، وإلا فيستلقي كالمحتضر ويومئ. أما الانتقال من القعود إلى الاضطجاع فالظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأصحاب، وتدل عليه النصوص، منها الحسن المتقدم. وفي رواية: " يصلي قائما، فإن لم يستطع صلى جالسا، فإن لم يستطع صلى على جنبه الأيمن، فإن لم يستطع صلى على جنبه الأيسر، فإن لم يستطع


(1) التهذيب 3: 178 ح 402، الوسائل 4: 699 أبواب القيام ب 6 ح 4. (2) التذكرة 3: 92. (3) الوسائل 4: 689 أبواب القيام ب 1. (4) الكافي 3: 411 ح 11، الوسائل 4: 689 أبواب القيام ب 1 ح 1. (5) الكافي 3: 410 ح 3، التهذيب 3: 177 ح 400، الوسائل 4: 698 أبواب القيام ب 6 ح 3.

[ 445 ]

استلقى ويومئ إيماءا، وجعل وجهه نحو القبلة، وجعل سجوده أخفض من ركوعه " (1). وفي رواية اخرى: عن المريض لا يستطيع الجلوس، قال: " فليصل وهو مضطجع، وليضع على جبهته شيئا إذا سجد فإنه يجزئ عنه " (2) الحديث. وأما تقديم الأيمن على الأيسر فهو ظاهر الأكثر (3)، وادعى في المنتهى الإجماع على الانتقال من القعود إلى الجانب الأيمن، وكذلك ظاهر المعتبر، وظاهر جماعة منهم التخيير (4)، وصرح بجواز تقديم الأيسر في التذكرة (5). والأخبار أيضا مختلفة، فبعضها مطلق، وبعضها مقيد بالترتيب المذكور ككلام الأصحاب، فالأولى حمل المطلق على المقيد ليكون مبرئا للذمة يقينا، فيكون المختار التفصيل والترتيب. وأما الانتقال من الاضطجاع إلى الاستلقاء فالظاهر عدم وجود المخالف فيه أيضا. وفي بعض الأخبار الانتقال من القعود إلى الاستلقاء (6)، ولابد من حمله على العجز من الاضطجاع أيضا، لاعتضاد الأخبار المفصلة (7) بعمل الأصحاب ومتروكية ظاهر ذلك عندهم.


(1) الفقيه 1: 236 ح 1037، الوسائل 4: 692 أبواب القيام ب 1 ح 15. (2) التهذيب 3: 306 ح 944، الوسائل 4: أبواب القيام ب 1 ح 5. (3) الخلاف 1: 420 مسألة 167، السرائر 1: 349، الجامع للشرائع 79 6، المعتبر 2: 160، المنتهى 1: 265، الذكرى: 181، جامع المقاصد 2: 207. (4) كالمحقق في المختصر النافع: 30، والشهيد في اللمعة (الروضة البهية) 1: 586، وصاحب المدارك 3: 331. (5) التذكرة 3: 94. (6) الكافي 3: 411 ح 12، الفقيه 235 1 ح 1033، التهذيب 2: 169 ح 671، وج 3: 176 ح 393، الوسائل 4: 691 أبواب القيام ب 1 ح 13. (7) الوسائل 4: 689 أبواب القيام ب 1.

[ 446 ]

ثم إنه لو تجدد العجز للقائم جلس، وهكذا إلى أدنى الحالات، وبالعكس، لقوله عليه السلام: " ولكن إذا قوي فليقم " (1). فإذا عرض الضعف قبل القراءة فليقرأ جالسا، وفي الأثناء فيه قولان، فالمشهور أنه يقرأ في حال الهوي لكونه أقرب إلى القيام (2)، وقيل: إنه يقرأ بعد الجلوس، لأن الاستقرار شرط مع القدرة (3)، وفي كليهما نظر والتحقيق: أنه مادام يصدق عليه عنوان القائم لو كان بهذه الحالة فلابد أن يكون حاله حال القائم لما تقدم، وأما أدون منه فحكمه أيضا كذلك، لعدم القائل بالفصل والاستصحاب، فتكون القوة مع المشهور. ولابد في الانتقالات من ملاحظة عدم ازدياد الركن ونقصه. أما لو تجددت القوة فيترك القراءة أو الذكر في الركوع ليؤديها في الحالة العليا، ويبني على ما مضى، وقيل: باستحباب الاستئناف (4)، وهو مشكل. يعتبر في حال تجدد القوة بعد القراءة الانتصاب عرفا ليركع عن قيام، ولا دليل على الطمأنينة. الذي يقدر على ذلك القدر من القيام يجب عليه، ولو تركه بطلت الصلاة ولو كان سهوا. وههنا تنشعب مسائل وفروع من جهة مواضع تجدد القوة والعجز ما قبل القراءة وبعدها وفي أثناء الركوع وقبل الذكر وبعده، وكذا حال السجود، فعليك بالتأمل في المذكورات، واستخراجها مما ذكرنا.


(1) الكافي 3: 410 ح 3، التهذيب 2: 169 ح 673، وج 3: 177 ح 400، الوسائل 4: 698 أبواب القيام ب 6 ح 3. (2) منهم العلامة في نهاية الإحكام 1: 442، والشهيد الثاني في روض الجنان 252. (3) الذكرى: 182. (4) نهايت الإحكام 442 6 1.

[ 447 ]

الثالث: ما تقدم حكم الفرائض، وأما النوافل فيجوز الجلوس فيها اختيارا، للإجماع، نقله الفاضلان (1). وخالف في ذلك ابن إدريس في غير الوتيرة (2). وتدفعه الصحاح المستفيضة وغيرها. ولو ركع عن قيام بعد القراءة جالسا متمما قراءته قائما ولو بآيتين تكون صلاته صلاة القائم للصحاح، منها صحيحة حماد عن أبي الحسن عليه السلام، قال: " إذا أردت أن تصلي وأنت جالس ويكتب لك بصلاة القائم، فاقرأ وأنت جالس، وإذا كنت في آخر السورة فقم وأتمها واركع، فتلك تحسب لك بصلاة القائم " (3). قال في البحار: وأوجبوا ذلك في الفريضة مع القدرة عليه والعجز عن القيام في الجميع، وهو حسن (4)، انتهى. أقول: ومقتضى ذلك مع ما مر من وجوب القيام إذا قوي عليه أنه إذا قوي على القيام بقدر معين إما في أول القراءة أو في آخره، فيجب عليه أن يختار الآخر. في النصوص أن المستطيع على القيام والكسل يضعف ركعتين بركعة (5) و (6). وحملها في التهذيب على الأفضلية (7)، والإطلاق يعطي عدم التفرقة بين الرواتب وغيرها. يبقى الكلام في ما روي عن الباقر عليه السلام قال، قلت له: إنا نتحدث نقول: من صلى وهو جالس من غير علة كانت صلاته ركعتين بركعة، وسجدتين


(1) المعتبر 2: 23، التذكرة 3: 99، المنتهى 1: 197. (2) السرائر 1: 309. (3) التهذيب 2: 170 ح 676، الوسائل 4: 701 إبواب القيام ب 9 ح 3. (4) البحار 81: 340. (5) كذا. (6) الوسائل 4: 697 إبواب القيام ب 5. (7) التهذيب 2: 170 ذ. ح 676.

[ 448 ]

بسجدة، فقال: " ليس هو هكذا، هي تامة لكم " (1). والظاهر أن المراد منه بيان أن الصلاة جالسا مسقطة للنافلة ومجزئة، لا أنه لافضل للتضعيف. وينقدح من هذا الخبر أن الضعف مستحب خارج وليس بنفس النافلة، فتدبر. وذكر جمع من الأصحاب (2) أن الأفضل في الوتيرة الجلوس، لما في الأخبار الكثيرة من توصيفها بركعتين من جلوس تعدان بركعة قائما (3). قيل بأفضلية القيام للخبرين (4)، قال في أحدهما: " والقيام أفضل " (5) وفي الآخر قال الصادق عليه السلام: " كان أبي يصليهما وهو قاعد، وأنا اصليهما وأنا قائم " (6). الأقوى بالنظر إلى الخبرين والعمومات وأحمزية القيام هو الثاني، لكن الأحوط هو الأول، سيما مع تداول ذلك واستمرار العمل عليه في الأعصار والأمصار، ولكنه يظهر من جعلهم النزاع في الأفضلية عدم الخلاف في الجواز. في جواز الاضطجاع والاستلقاء فيها اختيارا قول للعلامة (7)، وفيه بعد، لعدم ثبوت التوظيف كذلك. والاستدلال بأن الأصل مستحب فكذا الفرع ضعيف، لأنها مشروطة بذلك،


(1) الكافي 3: 410 ح 2، الفقيه 1: 238 ح 1048، التهذيب 2: 170 ح 677، الاستبصار 1: 294 ح 1084، الوسائل 4: 697 أبواب القيام ب 5 ح 1. (2) كما في روض الجنان: 175، والمدارك 3: 16. (3) الوسائل 3: 32 أبواب أعداد الفرائض ب 13. (4) الروضة البهية 1: 470، حاشية المدارك: 135. (5) التهذيب 2: 5 ح 8، الوسائل 3: 35 أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 16. (6) الكافي 3: 446 ح 15، التهذيب 2: 4 ح 5، الوسائل 3: 33 أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 9. (7) نهاية الإحكام 1: 444.

[ 449 ]

وتنتفي بانتفاء الشرط. وكذلك الاستدلال بالخبر النبوي (1)، لضعف السند، وركاكة المتن. ويستحب التربع في حال القعود، ويثني رجليه في ركوعه، للصحيح: " كان أبي عليه السلام إذا صلى جالسا تربع وإذا ركع ثنرجليه " (2) وفي المنتهى: وليس هذا على الوجوب بالإجماع (3). والتربع: هو أن ينصب فخذيه وساقيه على ما ذكره المحقق الشيخ علي (4)، وفي القاموس: تربع في جلوسه خلاف جثى وأقعى، وتثنية الرجلين: هو أن يفترشهما تحته ويجلس على صدورهما بغير إقعاء (5). وذكروا في كيفية ركوع القاعدين وجهين، أحدهما: أن ينحني بحيث يصير بالنسبة إلى القاعد المنتصب كالراكع القائم بالنسبة إلى القائم المنتصب. وثانيهما: أن ينحني بحيث تحاذي جبهته موضع سجوده، وأدناه أن تحاذي جبهته ما قدام ركبتيه. قال في البحار: ولا يبعد تحقق الركوع بكل منهما (6). والظاهر عدم وجوب رفع الفخذين عن الأرض، وأوجبه الشهيد في بعض كتبه مستندا إلى وجه ضعيف (7)، انتهى. يجوز الجلوس بأي نحو اتفق، للخبر: أيصلي الرجل وهو جالس متربع


(1) صحيح البخاري 2: 59، سنن الترمذي 1: 171، سنن النسائي 3: 224، سنن ابن ماجة 1: 388 ح 231، مسند أحمد 4: 442. (2) الفقيه 1: 238 ح 1049، التهذيب 2: 171 ح 679، الوسائل 4: 703 أبواب القيام ب 11 ح 4. (3) المنتهى 1: 266. (4) جامع المقاصد 2: 206. (5) القاموس المحيط 3: 28. (6) البحار 81: 336. (7) الدورس 1: 168.

[ 450 ]

ومبسوط الرجلين ؟ فقال: " لا بأس " (1). وفي آخر: في الصلاة في المحمل: " صل متربعا، وممدود الرجلين، وكيف ما أمكنك " (2). ويكره الإقعاء للنص (3)، هكذا عمم الحكم بعض الأصحاب (4)، لكن الأخبار واردة في التشهد، وما بين السجدتين. ويمكن تأييد التعميم بصحيحة زرارة: " فإذا قمت إلى الصلاة فعليك بالإقبال " إلى أن قال: " ولا تقع على قدميك " (5). ويمكن التأييد بصحيحته الاخرى أيضا، قال في جملتها: " وإياك والقعود على قدميك فتتأذى بذلك " (6)، فإنها وإن كان الظاهر منها التشهد، ولكن العلة عامة، فتدبر. الرابع: يستحب الدعاء بالمأثور في رواية أبان ومعاوية بن وهب (7) وغيرها (8) عند القيام إلى الصلاة، وأن لا يلصق قدمه بالاخرى فيدع بينهما إصبعا أقل ذلك إلى شبر أكثره، ويسدل منكبيه، ويرسل يديه، ولا يشبك أصابعه، وليكونا على فخذيه قبالة ركبتيه، وليكن نظره إلى موضع سجوده كما في صحيحة زرارة.


(1) الفقيه 1: 238 ح 1050، التهذيب 2: 170 ح 678، الوسائل 4: 703 أبواب القيام ب 11 ح 3. (2) الفقيه 1: 238 ح 1051، الوسائل 4: 703 أبواب القيام ب 11 ح 5. (3) الوسائل 4: 957 إبواب السجود ب 6. (4) كالشيخ في الخلاف 1: 360 مسألة 118، والعلامة في القواعد 1: 278، ونهاية الإحكام 1: 438، والمختلف 2: 189، والمنتهى 1: 290، والإرشاد 1: 255، والكركي في جامع المقاصد 2: 207. (5) الكافي 3: 299 ح 1، الوسائل 4: 677 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 5. (6) الكافي 3: 334 ح 1، التهذيب 2: 83 ح 308، الوسائل 4: 675 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3. (7) التذيب 2: 287 ح 1149، الوسائل 4: 708 أبواب القيام ب 15 ح 3. (8) الوسائل 4: 708 أبواب القيام ب 15.

[ 451 ]

وفي رواية اخرى " اجعل بينهما قدر ثلاث أصابع إلى شبر " (1). وهو محمول على مراتب الاستحباب. وفي جملتها: " لا تأتها متكاسلا، ولامتناعسا، ولا مستعجلا، فإذا دخلت فيها فعليك بالتخشع، واخشع ببصرك لله عزوجل، ولا ترفعه إلى السماء، واشغل قلبك بصلاتك، فإنه لا يقبل من صلاتك إلا ما أقبلت منها بقلبك، وليكن قيامك في الصلاة قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل، وصل صلاة مودع، ولا تعبث بلحيتك ولا برأسك ولا بيديك، ولا تفرقع أصابعك، ولاتقدم رجلا على رجل، ولا تتمطى، ولا تتثائب، ولا تلتفت عن يمينك ولا يسارك " (2). أن يستقبل بأصابع رجليه جميعا القبلة، كما في صحيحة حماد (3). وقيل: يكره الوطء مرة على هذه القدم ومرة على هذه، والتقدم مرة والتأخر اخرى (4). والمرأة تجمع بين قدميها، ولا تفرج بينهما، وتضم يديها إلى صدرها، لمكان ثدييها، وهكذا في الحسن (5). والمراد بضم اليدين: إلصاقهما مرسلا لهما معا، لاوضعهما عليهما كما فهمه بعض الأصحاب (6). يحرم التكفير حال الصلاة للصحيحين وغيرهما (7)، بل الظاهر البطلان، لأن


(1) ورد في عنوان باب الوسائل 4: 710 أبواب القيام ب 17. (2) فقه الرضا (ع): 7، مستدرك الوسائل 4: 87 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 7. (3) الكافي 3: 311 ح 8، الفقيه 1: 196 ح 916، التهذيب 2: 81 ح 301، الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1. (4) نسبه إلى الجعفي في الذكرى: 182. (5) الكافي 3: 335 ح 2. (6) النفلية: 114. (7) الوسائل 4: 1264 أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 1، 2 وغيرهما.

[ 452 ]

الظاهر من النهي عن التكفير حال الصلاة النهي عن الصلاة مكفرا فتكون باطلة، لأن النهي يدل على الفساد، فلا مجال للقول بأن النهي تعلق بالخارج. وللإجماع، نقله الشيخ (1) والمرتضى (2) رحمهما الله. ولعدم ثبوت التوظيف بمثل هذه الصلاة. وهذا هو المشهور بين الأصحاب، وقيل: فعله مكروه (3)، وقيل: تركه مستحب، لضعف دلالة الأخبار، سيما مع ملاحظة التعليل بأنه فعل المجوس وانسباكه مع المكروهات في الذكر (4). وهذا لا يتمشى في صحيحة محمد بن مسلم قال، قلت: الرجل يضع يده في الصلاة وحكى اليمنى على اليسرى، فقال: " ذلك التكفير، لا تفعل " (5). وحكم الشيخ بمساواة وضع اليسرى على اليمنى للعكس (6) فحينئذ ينبغي ترك جميع ما فسربه التكفير ليحصل اليقين بالبراءة، لكون بعض الأخبار مطلقة، وعدم ثبوت انحصار التفسير من هذه الصحيحة. وهكذا حكم بعدم التفرقة في وضعهما فوق السرة وتحتها. وصرح بهذين التعميمين الشيخ علي في حاشية الإرشاد. حكم في التذكرة بعدم الفرق مع الحائل وبدونه. واستشكل في وضعه على الساعد (7). والأولى الاجتناب عن الكل.


(1) الخلاف 1: 322 مسألة 74، المبسوط 1: 117. (2) الانتصار: 41. (3) الكافي في الفقه: 125. (4) نقله عن ابن الجنيد في المختلف 2: 191. (5) التهذيب 2: 84 ح 310، الوسائل 4: 1264 إبواب قواطع الصلاد ب 15 ح 1. (6) الخلاف 1: 321 مسألة 74. (7) التذكرة 3: 297.

[ 453 ]

هذا كله في غير حال التقية، وأما معها فيجوز، بل قد يجب. وأما لو تركها مع الوجوب ففي البطلان إشكال. يظهر من ملاحظة ما تقدم، وعلى ما اخترنا يقوى القول بالبطلان، والأولى عدم الترك. وحكم الشيخ بعدم جواز التطبيق في الصلاة، بأن يطبق إحدى يديه على الاخرى، ويضعهما بين ركبتيه، وادعى عليه الإجماع (1).


(1) الخلاف 1: 347 مسإلة 97.

[ 454 ]

المقصد الثالث في النية والتكبير وفيه مباحث: الأول: النية واجبة بالإجماع، وقد مر تحقيقه. ونقول ههنا: يجب القصد إلى الفعل المخصوص بحيث يمتاز عن جميع ما عداه متقربا إلى الله تعالى، فإن كان لاعتبار القضاء والأداء والوجوب والندب وغير ذلك من المشخصات دخل في التعيين فيجب ليحصل الامتثال والإتيان بالمأمور به، وإلا فلا. وأما مع الامتياز بدون ذلك فالأولى أيضا عدم ترك أمثال تلك القصود، والاحتياط في ذلك للشهرة، ولادعاء بعضهم على بعضها الإجماع (1)، لكن الذي يقوى في نفسي هو الاكتفاء بتميز الفعل وقصد التقرب ليس إلا. وتجب المقارنة للصلاة، للإجماع، ويتحقق بأن يكبر عن نية للإجماع، نقله في التذكرة (2). وجوز فيها استحضارها من أول التكبير إلى آخره


(1) التذكرة 3: 101. (2) التذكرة 3: 107.

[ 455 ]

وقيل (1): بجعلها بين الألف والراء، وليسا بشئ، سيما مع استلزام الأخير خلو جزء من الصلاة عن النية، ومنافاتهما لحضور القلب، ولزوم الغفلة عن المهم، وهو استصغار ما سوى الله، والانقطاع الكلي إليه كما ورد (2)، مضافا إلى لزوم العسر والحرج، وإفضائه إلى الوسواس. ويجب استمرارها حكما إلى الفراغ، لافعلا، بأن لا ينوي نية تنافي نيته الاولى، للإجماع، نقله في التذكرة (3). وإن جعلناها هي الداعي إلى الفعل كما هو التحقيق، فيكون الاستمرار فعليا أيضا. ولو نوى الخروج عن الصلاة ولم يخرج قيل (4): تبطل، لأنه صار سببا لرفع نية الصلاة، فتكون باطلة، لأنه كان مشغول الذمة بالصلاة يقينا، ومع عدم الاستمرار على حكم النية يكون الامتثال مشكوكا فيه، لعموم أدلة وجوب النية (5). وقد عرفت نقل الإجماع على وجوب الاستمرار الحكمي. وقد يقال: إنه يستلزم وقوع ما بعده من الأفعال بلانية، وهو خروج عن المتنازع. وقيل: لا تبطل (6)، لأن الصلاة على ما افتتحت عليه (7)، والصحة مستصحبة. وعموم الأول ممنوع، واستصحاب الصحة لو سلم فمعارض باستصحاب عدم تحقق العبادة في الخارج، سيما إذا قلنا بأن النية جزء أولم يعلم أنها شرط خارج،


(1) نقله في الذكرى عن بعض الأصحاب: 177. (2) مصباح الشريعة: 11، البحار 81: 230. (3) التذكرة 3: 108. (4) جامع المقاصد 2: 223. (5) الوسائل 4: 711 أبواب النية ب 1. (6) الخلاف 1: 307 مسألة 55. (7) عوالي اللآلي 1: 205 ح 34.

[ 456 ]

أو قلنا بأن العبادات أسامي للصحيحة. مع أن استصحاب شغل الذمة وعدم تحقق العبادة مقدمان على استصحاب الصحة، ولا ينقضان بالشك أبدا، واستصحاب البراءة الأصلية قد زال باشتغال الذمة بالعبادة المحتملة كون ما نحن فيه من أجزائها أو شرائطها. ومن جميع ما ذكرنا ينقدح ضعف التمسك بإطلاق الأوامر، فتدبر. وبالجملة الذي يقوى في نفسي هو البطلان، سيما ونحن نجد من ملاحظة ما ورد في الصلاة أن للصلاة (1) حالة ممتدة كأنها روحها، أو أنها سمط انتظم به جواهر أذكارها وأفعالها، فالأكوان الخالية من الأفعال والأذكار أيضا يمكن القول بكونها من الصلاة، وذلك التخلل ينافي هذا الامتداد ويقطعها. وهذا الإشكال يجري أيضا فيما لو أراد الخروج في الآن الثاني أو في الركعة الثانية، ولكنه أضعف هنا. واختار الفرق في ذلك العلامة في المختلف (2)، هذا كله إذا بت في القصد ونجزه. أما لو علقه على أمر متحقق الوقوع ففيه احتمالان، ذكرهما في التذكرة (3)، والأقوى البطلان أيضا، لما ذكرنا سابقا. ولأن هذه الصلاة التي يقصد قطعها، بأن تصير الرباعية ثنائية مثلا ليست ما أراده الشارع، وليس إتيانا بالمأمور به في هذه الحالة، وإذا خرجت عن كونها مأمورا بها فتبطل، ولا يفيد في ذلك الرجوع عن نيته ثانيا. وأما لو علقه على أمر ممكن الوقوع ففيه احتمالان أيضا، ذكرهما فيها (4)، والأقوى هنا أيضا البطلان لما ذكرنا.


(1) في " ص ": الصلاة. (2) المختلف 2: 139. (3) التذكرة 3: 108. (4) التذكرة 3: 109.

[ 457 ]

ولا يذهب عليك أن ما جوزه الشارع من القطع بسبب عروض عارض، ومن ضرورة أو دفع ضرر، قليلا كان أكثيرا، أو مثل ذلك فقصده لا يضر - مثل أن يقصد حال الصلاة أنه لو أشرف الصبي على البئر فأقطع صلاتي فأنقذه - بالاتفاق، لأنه مما جوزه الشارع، وليس القطع هناك على وفق هواه. وعندي أنه لافرق بين قصد الخروج وبين قصد فعل المنافي، والمنقول عن المشهور أنه لا يبطل إذا لم يفعل. ربما بني هذا على تنافي إرادة الضدين وعدمه، وليس بشئ، لأنه لاشك في التنافي مع الاستشعار بالضدية، فقصد فعل المنافي يستلزم قصد الخروج، فتنتفي الاستدامة الحكمية، فتبطل الصلاة. وأما مع الغفلة فالظاهر عدم البطلان ما لم يفعل، ولعله خارج عن موضوع المسألة. هذا كله فيما لو قصد الخروج أو فعل المنافي. وأما لو قصد بجزء من أجزاء الصلاة غيره، مثل أن يقصد بالتكبير التنبيه، وبالركوع أخذ شئ، أو أراد به الرياء، فأطلق الحكم بالبطلان حينئذ جماعة من الأصحاب (1). والحق أنه إن قصد الصلاة به أيضا فإن كان ركنا تبطل الصلاة مطلقا - لنقصان الركن لو لم يعد، لأن المطلوب هو ما كان خالصا لله، وزيادته لو أعاد - سواء كان ناسيا أو عامدا. وإن لم يكن ركنا فيحتمل البطلان أيضا مطلقا، لخروجه عن الموظف، وعدم المعهودية من الشرع، وذلك كما إذا أراد من القراءة التنبيه أو الرياء أو غير ذلك. وتحتمل الصحة لو أعاد إن لم يصر فعلا كثيرا، ولم نقل ببطلان الصلاة بتكرار الواجب، أو بالزيادة على السورة، ومثل ذلك، وقلنا بأنه يصدق عليه أنه قرأ


(1) منهم العلامة في القواعد 1: 270، والكركي في جامع المقاصد 2: 226.

[ 458 ]

القرآن، وهو جائز في الصلاة مطلقا، والكلام في ذلك إنما هو في صورة العمد، فتدبر. وإن لم يقصد به الصلاة أصلا، فإن كان ركنا فيحتمل الوجهين: لاحتمال الاكتفاء في حكم الركن زيادة ونقصانا بمجرد الصورة، فتكون الصلاة باطلة على تقدير الإعادة وعدمها. واحتمال كون الحكم مقصورا فيما يصدق عليه اسم الركن حقيقة فيرجع إلى نظير الشق الثاني الذي ذكرنا فيمكن القول بالصحة على وجه. وعلى الاحتمال الأول لا فرق بين العمد والنسيان، بخلاف الثاني، كالشق الثاني المتقدم. وإن لم يكن ركنا فاختار الفاضل صاحب المدارك عدم البطلان فيما كان من قبيل القراءة (1)، فإن قراءة القرآن في الصلاة جائزة مطلقا، وكذا الذكر، وجعلهما لغير الصلاة لا يخرجهما عن كونهما قرآنا وذكرا، وإن لم يعتد به ووجبت الإعادة، لعدم التقرب به. واستدل على جواز ذلك في الذكر أيضا بصحيحة الحلبي: عن الرجل يريد الحاجة وهو يصلي، فقال: " يومئ بيده، ويشير برأسه، ويسبح " (2). وهذا الخبر مع أنه غير ظاهر في أن المراد الإشعار بالتسبيح أيضا، وأن التسبيح من جزء الصلاة، إذ لعله كان ذكرا خارجيا قرره للتنبيه، بل الظاهر منه أن الإشعار بالإيماء باليد والرأس وإبقاء التسبيح بحاله السابق، ومعارضته بالإجماع الذي نقله بعض الأصحاب على البطلان، فهو لا يدل على صورة استقلال قصد غير الصلاة بجزئها.


(1) المدارك 3: 316. (2) الكافي 3: 365 ح 7 الفقيه 1: 242 ح 1075، التهذيب 2: 324 ح 1328، الوسائل 4: 1256 أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 2.

[ 459 ]

والقدر الذي يمكن أن يؤيد في هذا المقام هو عدم البطلان بتشريك القصد في مثل القراءة والذكر، سيما إذا أعاد ولم نقل بأنه مضر لظهور ذلك من تتبع موارد الأخبار، كالصحيح المتقدم، والأخبار الدالة على الجهر في صلاة الليل، وعلل ثبوت الجهر فيها (1)، وإسماع الإمام من خلفه في التشهد والتكبير وغير ذلك. وهذا إنما يجري في غير قصد الرياء، وأما تشريكه فلم يثبت من الأخبار صحة تلك الصلاة، سيما مع عدم الإعادة. أما إحداث ذكر للتنبيه أو قراءة آية بأن لم يكن من أجزاء الصلاة المقررة، لا واجبة ولا مندوبة، فلعله أيضا لم يكن به بأس، لعمومات جواز الذكر لو لم تخدش في شمولها لمثل هذا. وفي الصحيحة المتقدمة إشعار به كما ذكرنا. وأما أذكار الصلاة وأفعالها وأكوانها المندوبات فيظهر حكمها مما ذكرنا، ولعل الأمر فيها أسهل. فإذن القول بعدم بطلان صلاة من أراد برفع اليدين في التكبيرات إن قلنا بالاستحباب الرياء قوي، لكونه خارجا عن ماهية الصلاة. والضابط عدم تشريك شئ في القصد وإخلاص النية إلا ما ثبت من الشرع جوازه، أو ثبت عدم إبطاله. وعدم المنع لا يكفي، ليقين اشتغال الذمة المستدعي ليقين البراءة، والله يعلم. الثاني: لا يجوز العدول عن النية إلى نية اخرى إلا في مواضع استثناها الأصحاب ونطقت بها الأخبار: منها: العدول عن الصلاة اللاحقة إلى السابقة مؤداتين كانتا أو مقضيتين،


(1) الوسائل 4: 759 أبواب القراءة ب 22.

[ 460 ]

أو الاولى مقضية والثانية مؤداة، مثل أن تفوت منه صلاة العصر ولم يتذكرها إلا في صلاة المغرب، أو صلاة العشاء ولم يتذكرها إلا في صلاة الغداة، والأخبار فيما ذكر كثيرة غاية الكثرة (1). وأما العدول عن المقضية إلى المؤداة فلم نجد فيها بالخصوص نصا، نعم في الأخبار الكثيرة دلالة على أنه يجب الإتيان بالفائتة ما لم تتضيق الحاضرة، ومع التضيق يجب الابتداء بالحاضرة (2). وللشهيد قول بالعدول فيها أيضا مع ضيق الوقت (3)، ويمكن الاستدلال عليه بالعمومات الدالة على وجوب مراعاة الوقت (4)، والأدلة القاطعة على وجوب أداء الصلوات الخمس في الأوقات المخصوصة ولم يثبت التخصيص. ويظهر من الشارع تقديم الوقت على كثير من لوازم الصلوات، حتى الأركان والركعات، كما يظهر من ملاحظة أبواب التيمم وصلاة الخوف ونجاسة اللباس والمرض وأمثال ذلك. وعلى هذا فالأقوى نقض الصلاة والإتيان بالحاضرة في الوقت بالتمام لو وسعه الوقت، أو كان قادرا على تحصيل مثل ركعة لو نقض الصلاة، وإلا فيبني على العدول على تردد في ذلك، لعدم النص بالخصوص، وأنه مكلف بالإتيان في الوقت بقدر الطاقة، والأشبه العدم. ومنها: العدول عن نية الائتمام إلى الإمامة، والظاهر أن هذا أيضا إجماعي، ولا مخالف فيه. والأخبار في ذلك كثيرة أيضا غاية الكثرة فيما لو مات الإمام أو عرض له عارض


(1) انظر الوسائل 3: 211 أبواب المواقيت ب 63. (2) انظر الوسائل 3: 208 أبواب المواقيت ب 62. (3) البيان: 153. (4) الوسائل 3: 78 أبواب المواقيت ب 1.

[ 461 ]

يقدم واحد من المأمومين (1). ومن الائتمام إلى الانفراد مطلقا عند المشهور، وادعى العلامة عليه الإجماع (2)، ومع العذر عند الشيخ في المبسوط (3)، ودليل المثبت غير ناهض على تمام المطلوب. نعم لو ثبت الإجماع فالأمر كذلك، والإجماع المنقول لا يعارض أدلة المانع، منها عدم ثبوت التعبد بهذا النحو بلا عذر، والعبادة توقيفية، ومنها أصالة عدم جواز سقوط القراءة إلا مع الاستمرار بموجبه، ومع المفارقة لا دليل عليه. وربما يؤيد بالصحيح: عن إمام أحدث فانصرف ولم يقدم أحدا، ما حال القوم ؟ قال: " لا صلاة لهم إلا بإمام " (4) وفيه تأمل، وسيجئ تمام الكلام، وبالجملة الأحوط عدم العدول إلا لعذر. وأما في صورة العذر فلا خلاف في الجواز، والأخبار المعتبرة ناطقة بذلك (5)، وذلك إنما هو في الجماعة المستحبة لا الواجبة. وأما العدول من الانفراد إلى الائتمام فلم يظهر من الأخبار ما يدل على ذلك، وادعى الشيخ في الخلاف الإجماع على الجواز (6)، ومال إليه في التذكرة (7). والأقوى العدم، لعدم ثبوت التعبد، ومخالفته للاصول والقواعد، ولا يقاومها ذلك الإجماع. وفي بعض الأخبار إشعار بخلافه، مثل الأخبار التي وردت فيمن يصلي ودخل عليه جماعة فليس في واحد منها تجويز العدول، بل العدول إلى النافلة أو القطع


(1) الوسائل 5: 474 أبواب صلاة الجماعة ب 72. (2) التذكرة 4: 269. (3) المبسوط 1: 157. (4) الفقيه 1: 262 ح 1196، التهذيب 3: 283 ح 843، الوسائل 5: 474 أبواب صلاة الجماعة ب 72 ح 1. (5) اللوسائل 5: 474 أبواب صلاة الجماعة ب 293. (6) الخلاف 1: 592 مسألة 293. (7) التذكرة 4: 268.

[ 462 ]

إن كان إمام عادل (1). وأما العدول من الائتمام بإمام إلى آخر فقد ظهرت صحته في الجملة، وأما صحته مطلقا حتى لو دخلت جماعة اخرى وكان لهم إمام ووصل إليهم بدون عذر وجهان، والأقوى العدم، لما ذكرنا. وكذا لو أراد الائتمام بآخر بعد خلاص الإمام في بقية ما سبق عليه الإمام، سواء كان هو أيضا مثله في المسبوقية بهذه الجماعة، أو كان شخصا آخر، والأقوى أيضا فيها العدم. ومنها: جواز النقل من الفرض إلى النفل لمن يخاف فوت الجماعة فيتمها ركعتين، وذلك إذا لم يوجب زيادة النافلة على الركعتين. والظاهر أنه أيضا إجماعي، ولم يعرف فيه مخالف من أصحابنا، وتدل عليه صحيحة سليمان بن خالد (2) وموثقة سماعة (3). ولمن ينسى قراءة الجمعة يوم الجمعة وبادر إلى سورة اخرى، فيتمها ركعتين نفلا ويستأنف الصلاة بها، لصحيحة صباح بن صبيح (4) وغيرها (5). ومن القصر إلى الإتمام، لصحيحة علي بن يقطين (6). ومن الإتمام إلى القصر على المشهور، وقد يستشعر ذلك من صحيحة أبي ولاد الحناط (7)، وفيه تأمل.


(1) الوسائل 5: 458 أبواب صلاة الجماعة ب 56. (2) الكافي 3: 379 ح 3، التهذيب 3: 274 ح 792، الوسائل 5: 458 أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 1. (3) الكافي 3: 380 ح 7، التهذيب 3: 51 ح 177، الوسائل 5: 458 أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 2. (4) التهذيب 3: 8 ح 22، الوسائل 4: 818 أبواب القراءة ب 72 ح 2. (5) الوسائل 4: 818 أبواب القراءة ب 72. (6) الكافي 3: 435 ح 8، الفقيه 1: 285 ح 1299، التهذيب 3: 224 ح 564، الوسائل 5: 534 أبواب صلاة المسافر ب 20 ح 1. (7) التهذيب 3: 221 ح 553، الاستبصار 1: 238 ح 851، الوسائل 5: 532 أبواب صلاة المسافر ب 18 ح 1.

[ 463 ]

واستثني أيضا ناسي الأذان والإقامة استدلالا بأنه إذا جاز القطع لدركهما فالعدول إلى النفل أولى، وفيه تأمل. وأما العدول من النفل إلى الفرض فلا دليل عليه، ولم يعرف به قائل إلا ما نقل عن الشيخ في عدول الصبي في أثناء الصلاة لو بلغ (1)، وهو ليس مما نحن فيه. وقد حكم الأصحاب بجواز العدول من النفل إلى النفل إذا تذكر السابقة في الأثناء، ولا دلالة في الأخبار على ذلك. وعلى ما ذكرنا من تقوية كلام الشهيد (2) ينقدح تجويز العدول من النفل إلى الفرض لو ضاق الوقت. ثم إن المشهور أن موضع العدول هو أثناء الصلاة، وأما بعد الفراغ فمال إلى الجواز فيه بعض المتأخرين (3) للأخبار (4)، ومنها صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: في العدول عن العصر إلى الظهر، قال: " فإنما هي أربع مكان أربع " (5) ولا يبعد العمل عليها في خصوص الظهرين. تنبيه: روى الطبرسي في الاحتجاج، عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن صاحب الزمان عليه السلام: أنه كتب إليه يسأله عن رجل صلى الظهر ودخل في صلاة العصر، فلما صلى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنه صلى الظهر ركعتين كيف يصنع ؟ فأجاب عليه السلام: " إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها


(1) نقله عنه في الذكرى: 178. (2) البيان: 153. (3) المعتبر 2: 409، المدارك 4: 303. (4) الوسائل 3: 211 أبواب المواقيت ب 63. (5) الكافي 3: 291 ح 1، التهذيب 3: 158 ح 340، الوسائل 3: 211 أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

[ 464 ]

الصلاة أعاد الصلاتين، وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمة لصلاة الظهر، وصلى العصر بعد ذلك " (1). ونبه على ذلك الشهيد الثاني - رحمه الله - في روض الجنان (2)، ونقله عن صاحب الزمان عليه السلام، وعده من المواضع التي لا تضر فيها زيادة الركن في الصلاة، وبأس بالعمل بها. الثالث: تكبيرة الافتتاح واجبة وركن في الصلاة، وتبطل الصلاة بالإخلال بها عمدا أو سهوا إجماعا، والمخالف فيه شاذ من العامة (3). ويدل عليه مضافا إلى الإجماع أنه جزء الصلاة، والأصل في الأجزاء الركنية بالمعنى المذكور، إذ مع انتفاء الجزء ينتفي الكل حتى يثبت الخلاف، والصحاح المستفيضة (4). وما يدل على خلاف ذلك بظاهره من الأخبار (5) فمؤول بإرادة الشك أو مطروح، لمخالفتهما لما هو أقوى منها. وحملها على التقية أيضا احتمال، لكفاية النية عند بعضهم عنها. وأما زيادتها فالحق أنها أيضا توجب البطلان، لأنه يصير بذلك خارجا عن الكيفية الموظفة، فلا يكون ممتثلا، فلو كبر ثانيا بطلت صلاته، ولو كبر ثالثا صحت. القول بأن التكبير الثاني مبطل لكنه ليس بباطل سيما إذا كان نسيانا فلا مانع


(1) الاحتجاج 2: 488. (2) روض الجنان: 334. (3) نقله عن الزهري في المجموع 3: 290، وعمدة القاري 5: 268، وهداية الامة 1: 40. (4) الوسائل 4: 715 أبواب تكبيرة الإحرام ب 2. (5) انظر الوسائل 4: 717 أبواب تكبيرة الإحرام ب 2 ح 9، 10، وب 3 ح 2 وفي بعضها: عن رجل نسي أن يكبر حتى دخل في الصلاة، فقال: أليس كان من نيته أن يكبر ؟ قلت: نعم، قال: فليمض على صلاته.

[ 465 ]

من كونه مبطلا للقصد الأول ومفتتحا للصلاة الثانية (1)، فليس بذاك. أما مع العمد فظاهر، لكونه منهيا عنه. وأما مع النسيان فلأنه بالنسبة إلى القصد الثاني غير مأمور به، فإذ لا أمر فلا امتثال، وبالنسبة إلى القصد الأول موجب لخروجها عن الموظف، فيبطل كما هو الأصل، وقد أشرنا إليه. وأما الشك فيه فكالشك في سائر الأفعال وسيأتي. والقول بأنه مبطل مطلقا، لأنه ركن، وحكمه حكم الركعة لبطلانها من جهته، وحكم الشك في الركعتين الاوليين البطلان (2) فمبني على الأصل الباطل وسيجئ. ويجب الاقتصار فيه على ما هو المعهود من الشارع، وهو قول " الله أكبر " بقطع الهمزتين، أما في الثاني فظاهر. وأما في الأول فلعدم مسبوقيته بكلام، ولم يعهد من الشارع وصله بشئ، والقطع بالبراءة لا يحصل إلا بالقطع. وقيل: ومن هنا ينقدح تحريم الكلام المتصل به قبله، لأنه يلزم منه إما الوصل المخالف للشرع، وإما القطع المخالف لأهل اللغة (3). ولا تمد همزة الله لتشتبه بالاستفهام، ومعه فلو قصد الاستفهام بطل جزما، وإلا فاحتمالان، أقواهما البطلان لما تقدم. وكذلك إشباع فتحة الباء في أكبر وغير ذلك. وجوز بعض العامة الله الجليل ونحوه، وأن يأتي بالترجمة وغير ذلك (4)،


(1) كشف اللثام 1: 215. (2) الجامع للشرائع: 80، الشرائع 1: 69، المدارك 3: 322. (3) المدارك 1: 319. (4) المبسوط للسرخسي 1: 35، اللباب 1: 67، عمدة القاري 5: 268، الهداية للمرغيناني 1: 47، شرح العناية 1: 246، الجامع الصغير للشيباني: 95.

[ 466 ]

وبعض أصحابنا (1) وفاقا لبعض العامة (2) الله الأكبر، وليسا على شئ. والإطلاقات في التكبير تنصرف إلى المعهود، وهو هذا اللفظ، وفي الخبر: " ويقول: الله أكبر " وهو المذكور في صحيحة حماد (3). والعاجز يتعلم، فإن عجز يأتي بترجمتها بأي لسان كان، كذا ذكر الأصحاب، فإن ثبت الإجماع فهو، وإلا فإيجاب الترجمة عليه مشكل مع العجز. ويشكل القول بأن الميسور لا يسقط بالمعسور هنا، إلا أنه أولى وأحوط. والأخرس يأتي بالميسور، وبما استطاع، ولا يترك كل ما لا يدرك كله. وفي الخبر: " إن تلبية الأخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه، وإشارته بإصبعه " (4) وفيه تأييد. ولم يظهرمن الأصحاب مخالف لهذا الحكم - وبعض العامة على السقوط للعجز (5) - فلعل ثبوت هذا في الأخرس يؤيد ثبوت ذلك في العاجز. ويستحب رفع اليدين بها، ولاريب أن رجحانه إجماعي، ولكن كونه بعنوان الاستحباب هو المشهور بين أصحابنا (6)، وأكثر العامة (7). والقول بالوجوب منسوب إلى السيد - رحمه الله - بل في جميع التكبيرات،


(1) نقله عن ابن الجنيد في المعتبر 2: 152، والتذكرة 3: 113. (2) الام 1: 100، المجموع 3: 292 و 302، الوجيز 1: 40، فتح العزيز 3: 267، كفاية الأخيار 1: 64، السراج الوهاج: 41، المهذب للشيرازي 1: 77، فتح الوهاب 1: 39، المغني 1: 540، بداية المجتهد 1: 123، الشرح الكبير 1: 540، المبسوط للسرخسي 1: 36، الهداية للمرغيناني 1: 47، شرح العناية 1: 247. (3) الفقيه 1: 196 ح 916، الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1. (4) الكافي 3: 315 ح 17، الوسائل 4: 801 أبواب القراءة ب 59 ح 1. (5) الام 1: 101، المجموع 3: 293، فتح العزيز 3: 268، المغني والشرح الكبير 1: 543 مغني المحتاج 1: 152، فتح الوهاب 1: 39. (6) الخلاف 1: 319 و 320 مسألة 71، 72، القواعد 1: 272، جامع المقاصد 2: 240. (7) المجموع 3: 309، مغني المحتاج 1: 152.

[ 467 ]

وادعى على ذلك الإجماع في الانتصار (1). وقال المحقق رحمه الله: ولا أعرف ما حكاه رحمه الله (2). وربما يقال: لعل مراد السيد - رحمه الله - أيضا الاستحباب، كما أنه قد يؤديه بلفظ الوجوب. ويظهر من العلامة (3) والمحقق (4) الإجماع على الاستحباب. ويدل على مطلق الرجحان مضافا إلى الإجماع الأخبار الكثيرة المعتبرة، منها الصحاح. وفي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام، قال: " على الإمام أن يرفع يده في الصلاة، ليس على غيره أن يرفع يده في الصلاة " (5). وفي قرب الإسناد، قال: " على الإمام أن يرفع يديه في الصلاة، وليس على غيره أن يرفع يديه في التكبير " (6). وربما يقال: إنه إذا لم يجب على غير الإمام فيثبت عدم الوجوب له أيضا بعدم القول بالفصل، كما ادعاه الشيخ في التهذيب (7)، فهذا دليل الاستحباب، مضافا إلى الأصل. ويؤيده خلو خبر حماد عن ذلك، ولكنه ذكره في تكبير السجود (8)، ولعله سها ذكر ذلك في تكبير الافتتاح. ويمكن الاستدلال بذلك أيضا على الاستحباب، لعدم القول بالفصل، فإن الظاهر من ذكر حماد هذا الحديث هو الاستحباب


(1) الانتصار: 44 (2) المعتبر 2: 156. (3) المنتهى 1: 269. (4) المعتبر 2: 156. (5) التهذيب 2: 287 ح 1153، الوسائل 4: 726 أبواب تكبيرة الإحرام ب 9 ح 7. (6) قرب الإسناد: 95، الوسائل 4: 726 أبواب تكبيرة الإحرام ب 9 ح 7. (7) التهذيب 2: 287 ذ. ح 1153. (8) الفقيه 1: 196 ح 916، الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

[ 468 ]

كما لا يخفى. وكذا ما ورد من أنه زينة الصلاة والعبودية (1). واحتج الموجب: بقوله تعالى: < فصل لربك وانحر > (2) ففي صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: " هو رفع يديك حذاء وجهك " (3) وفي معناه أخبار اخر في تفسيره. ويدل عليه الأمر به في حسنة زرارة أيضا، قال: " إذا قمت للصلاة فكبرت فارفع يديك، ولا تجاوز بكفيك اذنيك، أي حيال خديك " (4). والجواب عن الآية: أن الخطاب مختص بالنبي صلى الله عليه وآله، ولم يثبت الإجماع على التعدي. وعن الأخبار بالحمل على الاستحباب، وآكديته في الإمام كما في الصحيح المتقدم جمعا، والاحتياط عدم الترك. ولا يسقط استحباب التكبير في التكبيرات المستحبة بترك الرفع، فإنه مستحب آخر. ولا يبعد القول بعدم سقوط استحباب الرفع بترك التكبير أيضا كما يظهر من الأخبار، مثل موثقة عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " في الرجل يرفع يده كلما أهوى للركوع والسجود، وكلما رفع رأسه من ركوع أو سجود، قال: " هي العبودية " (5). ورواية زرارة عن الصادق عليه السلام، قال: " رفعك يديك في الصلاة زينة " (6).


(1) مجمع البيان 5: 550 الوسائل 4: 727 أبواب تكبيرة الإحرام ب 9 ح 14. (2) الكوثر: 2. (3) التهذيب 2: 66 ح 237، الوسائل 4: 725 أبواب تكبيرة الإحرام ب 9 ح 4. (4) الكافي 3: 309 ح 2، الوسائل 4: 728 أبواب تكبيرة الإحرام ب 10 ح 2 بتفاوت يسير. (5) التهذيب 2: 57 ح 280، الوسائل 4: 921 أبواب الركوع ب 2 ح 3. (6) التهذيب 2: 76 ح 281، الوسائل 4: 921 أبواب الركوع ب 2 ح 4 بتفاوت.

[ 469 ]

وفي مجمع البيان: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لكل شئ زينة، وإن زينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة " (1). وروى محمد بن مسلم وزرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، في قوله تعالى: < وتبتل إليه تبتيلا > " إن التبتل هنا رفع اليدين في الصلاة " (2). وفي المحاسن مرفوعا عن الصادق عليه السلام، قال: " قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: عليك برفع يديك إلى ربك، وكثرة تقلبهما " (3). والمستحب من الرفع يحصل برفع اليدين أسفل من وجهه قليلا كما في صحيحة معاوية بن عمار (4)، وحتى يكاد يبلغ اذنيه كما في صحيحة صفوان الجمال (5). وفي صحيحة عبد الله بن سنان قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يصلي يرفع يديه حيال وجهه حين استفتح (6). ويستحب أن لا يجاوز بهما اذنيه كما في الحسنة المتقدمة (7) وموثقة أبي بصير (8)، ويمكن القول بحصول الاستحباب بمطلق الرفع أيضا، نظرا إلى المطلقات. قيل: والظاهر من الأخبار ومقتضى الجمع بينهما محاذاة أسفل اليد النحر، وأعلاها الاذن، أو التخيير بين تلك المراتب بحيث لا يجاوز الوجه (9).


(1) مجمع البيان 5: 550، الوسائل 4: 727 أبواب تكبيرة الإحرام ب 9 ح 14. (2) مجمع البيان 5: 379، الوسائل 4: 912 أبواب القنوت ب 12 ح 5. (3) المحاسن: 17 ح 48. (4) التهذيب 2: 65 ح 234، او سائل 4: 725 أبواب تكبيرة الإحرام ب 9 ح 2. (5) التهذيب 2:

[ 470 ]

والمشهور الابتداء بالرفع مع ابتداء التكبير، والانتهاء مع الانتهاء، لأن الرفع بالتكبير لاآيتحقق إلا بذلك. قال في المعتبر: وهذا قول علمائنا، ولم أعرف فيه خلافا (1). وقريب منه كلام المنتهى (2). ويظهر من الأخبار كالحسن المتقدم وغيره من الصحاح جوازه بعد التكبير. وأن يستقبل ببطن الكفين القبلة، لموثقة منصور بن حازم (3). ويبسطهما لحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا " (4). وعن جماعة من الأصحاب استحباب ضم الأصابع حين الرفع (5). ونقل الفاضلان عن المرتضى وابن الجنيد تفريق الإبهام وضم البواقي (6)، ونقله في الذكرى عن المفيد وابن البراج وابن إدريس وجعله أولى (7). ويستحب الجهر به للإمام، للإجماع، والأخبار المعتبرة (8)، ففي صحيحة الحلبي قال: " وإذا كنت إماما يجزئك أن تكبر واحدة تجهر فيها وتسر ستا " (9). وللمأموم الإسرار، لقوله عليه السلام: " ولا ينبغي لمن خلف الإمام أن يسمعه شيئا مما يقول " (10).

[ 471 ]

والمنفرد مختار، للإطلاق (1). وقيل باستحبابه مطلقا (2). ويجوز للمصلي اختيار أي التكبيرات السبع التي تفتتح بها الصلاة شاء بلا خلاف ظاهر بينهم، وقال الشيخ في المبسوط (3) ومن تبعه (4) بأفضلية الأخيرة. والأخبار الواردة في حكاية الحسين عليه السلام وتنطقه بالتكبيرة يشعر بأن الاولى أنسب بذلك (5). بل قال بعض المتأخرين (6): إنه يستفاد من هذه الأخبار ومن حسنة الحلبي، قال: " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا، ثم كبر ثلاث تكبيرات، ثم قل: اللهم أنت الملك الحق إلى آخره، ثم تكبر تكبيرتين، ثم قل: لبيك وسعديك إلى آخره، ثم تكبر تكبيرتين ثم تقول: وجهت وجهي للذي إلى آخره، ثم تعوذ من الشيطان الرجيم، ثم أقرأ فاتحة الكتاب " (7) أن الاولى من هذه التكبيرات هي تكبيرة الإحرام، وما ذكره جماعة من الأصحاب من التخير في جعلها أي السبع شاء (8) لا مستند له، ويستفاد من هذا الحديث أيضا أن وقت دعاء التوجه بعد إكمال السبع وإن افتتح بالاولى. وأقول: الأخبار المطلقة كثيرة لم يظهر منها اعتبار تخصيص أصلا، ففي حسنة

[ 472 ]

زرارة: " أدنى ما يجزئ من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة، وثلاث تكبيرات أحسن، وسبع أفضل " (1). وفي صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام: " الإمام تجزئه تكبيرة واحدة، وتجزئك ثلاث مترسلا إذا كنت وحدك " (2). وفي موثقة زرارة قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام أو سمعته استفتح الصلاة بسبع تكبيرات ولاءا (3). وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: " التكبيرة الواحدة في افتتاح الصلاة تجزئ، والثلاث أفضل، والسبع أفضل كله " (4) بل ويظهر منها عدم القصد إلى التعيين أصلا، والاكتفاء بذلك العدد. ومما ذكرنا ظهر عدم دلالة حسنة الحلبي على تعين الاولى أيضا. وأما الصحيحان اللذان وردا في حكاية الحسين عليه السلام وإن كانا مشعرين بذلك من جهة أنهما كانا مبدأ جري السنة فلابد من الجري على وفقه، لكن الإطلاقات المذكورة وبعض الأخبار الاخر التي وردت في علة سبع تكبيرات من أن النبي صلى الله عليه وآله لما اسري به إلى السماء قطع سبع حجب فكبر عند كل حجاب تكبيرة، فأوصله الله عز وجل بذلك إلى منتهى الكرامة (5)، يضعف هذا الظهور. ويضعفه أيضا ما رواه التهذيب في أبواب الزيادات في الجزء الثاني من كتاب الصلاة في باب صلاة العيدين ما يدل على أن هذه الحكاية كانت في صلاة العيد في

[ 473 ]

التكبيرات القنوتية، لا في التكبيرات الافتتاحية (1). وكذلك ما نقل عن مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب من أن ذلك كان في صلاة العيد للحسن عليه السلام (2). والصحيحان المذكوران رواهما في العلل، وليس فيهما تصريح بوقوع ذلك في الصلاة اليومية، ويمكن حملهما على رواية التهذيب. مع أنه ورد في الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام: " واعلم أن السابعة هي الفريضة، وهي تكبيرة الافتتاح، وبها تحريم الصلاة " (3) ولعله هو مستند الشيخ وتابعيه بحمله على الأفضلية. ونقل عن الشيخ في المصباح تعين الأخيرة (4)، فهو نص عليه. ومما يؤيد تعين السابعة الأخبار الواردة في أن تكبيرات الصلوات الخمس خمس وتسعون (5)، فإنه لا يتم إلا بجعل التكبيرات الست خارجة عن الصلاة. وورد في رواية اخرى: " يقول قبل أن يحرم ويكبر: يا محسن قد أتاك المسئ " إلى آخره رواها ابن طاوس في فلاح السائل (6). فلو جعلنا الاولى هي تكبيرة الافتتاح فلابد من التقديم على السبع، وإن جعلناها الأخيرة فلابد من جعلها بعد السادسة، ولاتنافي حسنة الحلبي. وقال الشهيد في الذكرى: وقد ورد الدعاء بذلك بعد السادسة (7)، ولم أقف على غير هذه الرواية، فإن كان غرضه أنه هو ما قبل تكبيرة الإحرام وأنها

[ 474 ]

هي السابعة فله وجه لو سلمنا كونها هي، ولابد من ملاحظة المأخذ. وقال أيضا: ورد أيضا أنه يقول - يعني بعد السادسة - رب اجعلني مقيم الصلاة إلى آخره (1). وما يظهر من كلام الفقهاء " أن دعاء التوجه إنما هو قبل القراءة وبعد تكبيرة الإحرام " فهو لا يساوق الحسن المتقدم مع القول بأنه يدل على كونها هي الاولى، وبدونه فلا منافاة، لكن التزام ذلك لا يتم إلا بجعل السابعة هي الفريضة. وأما ما يستفاد من الأخبار أنه لابد أن يكون دعاء التوجه بعد الدخول في الصلاة (2) فهو تمام إن قلنا بكون الاولى تكبيرة الافتتاح، وعملنا بالحسن المتقدم أيضا، لكن تقديم التوجه على سائر الأدعية والتكبيرات محل إشكال وإن قلنا بأن الاولى تكبيرة الافتتاح أيضا، لمخالفته ما أفاده الحسن في موضع الدعاء. والذي تترجح أفضليته في النظر فهو جعل السابعة هي تكبيرة الإحرام، والعمل في الأدعية بمقتضى حسنة الحلبي، مع جواز زيادة الدعاءين بعد السادسة ووصل دعاء فلاح السائل بالسابعة. ثم إن العلامة المجلسي وفاقا لوالده (3) - رحمهما الله - مال إلى أن المصلي مخير بين الافتتاح بواحدة وثلاث وخمس وسبع، ومع اختيار كل منها يكون الجميع فردا للواجب المخير كما قيل في تسبيحات الركوع والسجود، لظهوره من أكثر الأخبار، بل بعضها كالصريح في ذلك (4). ولعله أراد بذلك البعض مثل رواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت واحدة، وإن شئت ثلاثا، وإن شئت خمسا، وإن

[ 475 ]

شئت سبعا، فكل ذلك مجزئ عنك " (1). وفيه نظر من وجوه، فإن ظاهر هذه الأخبار وإن كان ما ذكره، لكن تتبع سائر الأخبار يعطي أن التخيير بين الأعداد المذكورة إنما هو في التكبيرات المستحبة، لا تكبيرة الإحرام، وأن الاكتفاء بلفظ التكبير سيما بعد قوله عليه السلام: " إذا افتتحت الصلاة " من باب التغليب. فمن تلك الأخبار: ما ذكر فيها تكبيرة الإحرام مع تاء الوحدة، فإنها صريحة في كونها واحدة، وهي مستفيضة جدا، منها صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح، قال: " يعيد " (2). ومن تلك الأخبار: كلما ورد في جهر الإمام بواحدة منها والإسرار بالبواقي، مثل صحيحة الحلبي المتقدمة (3). ومنها: ما دل على كون التكبير موجبا للتحريم، مثل ما ورد أن افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم (4). ومنها: ما رواه في العلل والعيون، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام: " فإن قال: فلم جعل التكبير في الاستفتاح سبع مرات ؟ قيل: إنما جعل ذلك لأن التكبير في الصلاة الاولى التي هي الأصل سبع تكبيرات: تكبيرة الاستفتاح، وتكبيرة الركوع، وتكبيرتين للسجود، فإذا كبر الإنسان أول الصلاة سبع تكبيرات فقد أحرز التكبير كله، فإن سها في شئ منها وتركها لم يدخل عليها نقص في صلاته " (5) والمراد من الصلاة الاولى هي الركعتان بمقتضى وضعها الأول، ومن

[ 476 ]

تكبيرة الركوع والسجود استفتاحاتها. وفي معناها أخبار اخر، منها صحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام (1): في بيان استحباب التكبيرات الإحدى والعشرين عقيب الاستفتاح لتجزئه عن تكبيرات الصلاة لو نسيها كلها وأراد بها الرباعية، وهكذا في الثلاثية والثنائية بالنسبة. وأيضا الإجماع بل الضرورة حاصل بأن التحريم إنما يحصل بالتكبير، وبأنه جزء الصلاة، وكما يحرم فعل المنافي بعده فكذا في أثنائه، ومع جعل المجموع فردا للواجب المخير يلزم حرمة الكلام ونحوه في أثناء المجموع. فإن قال: يجوز إلى التكبيرة السابعة وبعده لا يجوز لأن التكبير لم يتم إلا بالسابعة، ففيه: أنه يستلزم جواز التكلم في أثناء السابعة أيضا، مع أن مقتضى الواجب التخييري في الزائد والناقص هو استحباب الزائد إذا كان تدريجي الحصول كالتسبيحات، بخلاف ما حصل بكل منهما هيئة على حدة، كالقصر والإتمام، وجعل ما نحن فيه من قبيل الثانية تعسف. وعلى الأول فيلزم تحقق التكبير بمجرد التكبيرة الاولى، فيلزم القول بحرمة الكلام بعده مطلقا، ويلزم ذلك على الثاني أيضا بطريق الأولى، وعلى المشهور من لزوم قصد التحريم بإحدى التكبيرات، وجعله تكبيرة الافتتاح، فيصير كلما وقع بعد تكبيرة الافتتاح من الأجزاء المستحبة للصلاة كالقنوت وسائر الأذكار المستحبة، فلا يجوز التكلم في أثنائها، لكونها جزءا حينئذ، بخلاف ما وقع قبلها، فإنها ليست حينئذ من الأجزاء المستحبة، بل هي من المقارنات، كالأذان والإقامة. وقياس ما نحن فيه بجواز النية قبل غسل اليدين في الوضوء قياس باطل، لوجود الفارق، لأنه ليس في الوضوء من المحرمات ما هو موجود في الصلاة ليعتبر الدخول

[ 477 ]

فيه بالدخول في أول جزء منه. وما يفرض منافيا في الوضوء مثل تغير النية وذهوله عنها فهو مبطل لو تحقق هناك أيضا، ويحتاج إلى تجديد النية، والقول بأن غسل اليدين من الأجزاء المستحبة للوضوء أول الكلام، بل هو كالسواك والتسمية. مع أن جوازه في الوضوء أيضا محل الخلاف. والإشكال عند من يعتبر إخطار النية، وإخطارها في أول جزء من العبادات. بقي الكلام في مواضع استحباب التكبيرات الستة، فقيل باستحبابها مطلقا (1). وقيل: مختص بالفرائض (2). وقيل: في سبع صلوات: أول كل فريضة، وأول ركعة من صلاة الليل، وفي المفردة من الوتر، وفي أول ركعة من ركعتي الزوال، وفي أول ركعة من نوافل المغرب، وفي أول ركعة من ركعتي الإحرام، فهذه ستة ذكرها علي بن الحسين بن بابويه رحمه الله (3)، وزاد المفيد الوتيرة (4)، ويدل على الأول الإطلاقات، وهو المعتمد. ويمكن أن يكون دليل الثاني عدم تبادر غير الفرائض منها. ولم يظهر للتفصيل مستند إلا ما رواه ابن طاوس في فلاح السائل عن الباقر عليه السلام، قال: " افتتح في ثلاثة مواطن بالتوجه والتكبير: في أول الزوال، وصلاة الليل، والمفردة من الوتر، وقد يجزئك فيما سوى ذلك من التطوع أن تكبر تكبيرة لركعتين " (5) وقد حمله ابن طاوس على التأكيد في هذه الثلاثة بعد تخصيصها

[ 478 ]

بسبع مواضع كما ذكرنا. وبالجملة لا مانع من القول بالاستحباب في الجميع، وتأكدها في السبع، وكون الثلاثة المذكورة من النوافل آكد من غيرها للمسامحة في هذه المواضع.

[ 479 ]

المقصد الرابع في القراءة وفيه مباحث: الأول: أجمع علماؤنا وأكثر أهل العلم على وجوب الفاتحة في الصلاة للمنفرد والإمام في ركعتي الثنائية وأوليي الثلاثية والرباعية. والنصوص بها مستفيضة منها الصحاح (1). تبطل الصلاة بتركها عمدا لا أسهوا، فلا تكون ركنا، للإجماع، نقله الشيخ (2)، وللصحاح الكثيرة وغيرها (3). ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: " إن الله فرض الركوع والسجود والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة، ومن نسي القراءة فقد تمت صلاته) (4) وبمضمونها صحيح آخر (5).


1. الوسائل 4: 732 أبواب القراءة ب 1. 2. الخلاف 1: 334 مسالة 85. 3. الوسائل 4: 768 أبواب القراءة ب 28. 4. الفقيه 1: 227 ح 1005، الوسائل 4: 766 أبواب القراءة ب 27 ح 1. 5. الكافي 3: 347 ح 1، الوسائل 4: 767 أبواب القراءة ب 27 ح 2.

[ 480 ]

لكن الحكم بالمضي وتمام الصلاة مقيد بما إذا ركع، وأما لو لم يركع فيقرأ الفاتحة، للأخبار المعتبرة (1). ففي موثقة سماعة قال: سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب، قال: " فليقل: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم، ثم ليقرأها مادام لم يركع، فإنه لا قراءة حتى يبدأ بها في جهر أو إخفات، فإنه إذا ركع أجزأه إن شاء الله " (2). وفي قوية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي ام القرآن، قال: " إن كان لم يركع فليعد أم القرآن ئ " (3). وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: عن الذي لا يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته، قال: " لا صلاة له إلا أن يقرأ بها في جهر أو إخفاتئ " (4) خرج منه الناسي المتذكر بعد الركوع مما مر، وبقي الباقي. ونقل في المبسوط عن بعض أصحابنا قولا بكون القراءة ركنا، مستدلا بهذا الخبر (5)، وهو مؤول بالعامد، بل ظاهر فيه، ولا خلاف في البطلان حينئذ. نعم ظاهر بعضهم أنه لو تركها عمدا وشرع في السورة ثم أعادها وأعاد السورة فيصح (6)، وهو ضعيف. ثم إن الأدلة تقتضي وجوب الإتيان بالفاتحة قبل الركوع وإن أخذ في السورة، بل وأتمها، فيجب الإتيان بالفاتحة وبسورة كاملة، ولا تجب إعادة ما أخذ فيها،


1. الوسائل 4: 768 أبواب القراءة ب 28. 2. التهذيب 2: 147 ح 574، الوسائل 4: 768 أبواب القراءة ب 28 ح 2 بتفاوت. 3. الكافي 3: 347 ح 2، الوسائل 4: 768 أبواب القراءة ب 28 ح 1. 4. الكافي 3: 317 ح 28، التهذيب 2: 146 ح 573، الا ستبصار 1: 310 ح 1152، الوسائل 4: 767 أبواب القراءة ب 27 ح 4. 5. المبسوط 1: 105. 6. المبسوط 1: 106.

[ 481 ]

ولا مخالف في هذا الحكم بين الأصحاب كما قاله بعضهم (1). ويدل على ذلك أيضا الإطلاقات والاصول، وربما يشعر به الموثق المتقدم: " فإنه لا قراءة حتى يبدأ بها " (2) فتدبر. ظاهر فقه الرضا عليه السلام إعادة ما أخذ فيها (3)، وهو ظاهر الإرشاد (4)، والأظهر هو ما عليه الأكثر. أما لو شك بعد الأخذ في السورة فجماعة من الأصحاب على الإعادة (5)، وبناؤهم في ذلك كأنه على أن محل القراءتين واحد كما ذكره المحقق (6). وقد يتمسك في ذلك بصحيحة زرارة: رجل شك في الأذان وقد دخل في الإقامة ؟ قال: " يمضيئ " قلت: رجل شك في الأذان والإقامة وقد كبر ؟ قال: " يمضيئ " قلت: رجل شك في التكبير وقد قرأ ؟ قال: " يمضيئ " قلت: شك في القراءة وقد ركع ؟ قال: " يمضيئ " قلت: شك في الركوع وقد سجد ؟ قال: " يمضي على صلاته " ثم قال: " يا زرارة، إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " (7) فإن قول زرارة قلت: شك في القراءة وقد ركع، يقتضي عدم المضي لو لم يركع. هو كما ترى، إذ هو مورد سؤال الراوي، وليس في الجواب، مع أنه مفهوم ضعيف لا يعارض المنطوق.


1. الشرائع 1: 71، الدروس 1: 171، الذكرى: 245. 2. التهذيب 2: 147 ح 574، الوسائل 4: 768 أبواب القراءة ب 28 ح 2. 3. فقه الرضا (ع): 116. 4. إرشاد الأذهان 1: 253. 5. منهم ابن إدريس في السرائر 1: 250، والعلامة في التذكرة 3: 318. 6. المختصر النافع 1: 44. 7. التهذيب 2: 352 ح 1459، الوسائل 5: 334 أبواب الخلل ب 23 ح 1.

[ 482 ]

واحتار المفيد (1) وابن إدريس (2) والمحقق (3) وغيرهم (4) عدمه نظرا إلى كونهما شيئين، والصحاح تدل على أنه إذا خرج من شئ ثم دخل في غيره فشكه ليس بشئ، منها الصحيح المتقدم، وتدل عليه أيضا الأصول والعمومات، ولاشك أنه أحوط بل وأقوى. فائدة: قال العلامة في التذكرة: لا تجب القراءة في النافلة للأصل (5)، وليس بشئ، إذ العبادة توقيفية، ولم يثبت توظيفها بهذا النحو، وعدم وجوب الأصل لا ينافي وجوبه، إذ المراد من الوجوب هنا الشرطي. الثاني: المشهور بين الأصحاب وجوب قراءة الفاتحة في عشر ركعات صلوات الآيات كلها إن كان يقرأ في كل ركوع سورة كاملة، وإن كان يبعض فكلما كملت السورة يجب قراءة الفاتحة فيما يليها، للصحاح (6). ففي الصحيح على الظاهر بسند، والحسن بإبراهيم بن هاشم بسند آخر، عن زرارة ومحمد بن مسلم، قالا: سألنا أبا جعفر عليه السلام عن صلاة الكسوف، إلى أن قال، قلت: كيف القراءة فيها ؟ فقال: " إن قرأت سورة في كل ركعة فاقرأ فاتحة الكتاب، وإن نقصت من السورة شيئا فاقرأ من حيث نقصت،


1. نقله عنه في السرائر 2: 248. 2. السرائر 1: 248. 3. المعتبر 2: 390. 4. كالمقدس الأردبيلي في مجمع الفائذة 3: 169، والمحقق السبزواري في الذخيرة: 375، والكفاية: 26. 5. التذكرة 3: 130. 6. الوسائل 5: 149 أبواب صلاة الكسوف ب 7.

[ 483 ]

ولا تقرأ فاتحة الكتاب " (1). وفي صحيحة الفضلاء عن كليهما، ومنهم من رواه عن أحدهما عليهما السلام: بعد وصفه عليه السلام للصلاة أيضا، وذكره أنه يقرأ في كل ركوع فاتحة الكتاب وسورة، قلت: وإن هو قرأ سورة واحدة في الخمس ركعات ففرقها بينها ؟ قال: " أجزأه ام القرآن في أول مرة، وإن قرأ خمس سور فمع كل سورة ام الكتاب " (2). وفي صحيحة الحلبي: " وإن شئت قرأت سورة في كل ركعة، وإن شئت قرأت نصف سورة في كل ركعة، فإذا قرأت سورة في كل ركعة فاقرأ فاتحة الكتاب، وإن قرأت نصف السورة أجزأك أن لا تقرأ فاتحة الكتاب إلا في أول ركعة حتى تستأنف اخريئ " (3) الحديث. خالف في ذلك ابن إدريس، فقال باستحبابه محتجا بأن الركعات كالركعة الواحدة (4)، وما يظهر من بعض الأخبار (5) موافقته له فهو مع سلامته مؤول أو مطروح. الذي يظهر من تلك الأخبار جواز التفريق في كل الصلاة وإتمام السورة في كل الركعات، والتفريق بين الركعتين بالاتمام والتبعيض والتلفيق بين الركعات، وفي كل منهما بالتبعيض والإتمام (6)، ولا بأس به. وقد احتمل بعضهم انحصار المجزئ في الواحدة المبعضة في الخمسة أو الخمس


1. الكافي 3: 463 ح 2، التهذيب 3: 156 ح 325، الوسائل 5: 150 أبواب صلاة الكسوف ب 7 ح 6. 2. التهذيب 3: 155 ح 333، الوسائل 5: 149 أبواب صلاة الكسوف 7 ح 1. 3. الفقيه 346 1 ح 1533، الوسائل 5: 151 أبواب صلاة الكسوف ب 7 ح 7. 4. السرائر 1: 324. 5. الذكرى: 245. 6. الكافي 3: 463 ح 2، الفقيه 1: 346 ح 1533، التهذيب 3: 156 ح 335، الوسائل 5: 150 أبواب صلاة الكسوف 7 ح 6، 7.

[ 484 ]

سور كاملة، لدورانها بين كونها ركعتين أو عشر ركعات، فعلى الأول الأول، وعلى الثاني الثاني (1)، ولازمه الاكتفاء بأحدهما في كل من الركعتين، ويبقى الكلام في التعين. والحق أن هذا الاحتمال مبني على عدم جواز القران، وبعد تسليم عدم جوازه لاعموم لدليله بحيث يشمل ما نحن فيه. الإطلاقات ههنا تنادي بأعلى صوتها بالجواز. نعم لو قلنا بعدم جواز الاقتصار على أقل من سورة في كل ركعة لكان وجيها كما قربه العلامة في النهاية (2)، لكونها ركعة، ولايجوز الاقتصار في ركعة على أقل من سورة، وإن كانت الإطلاقات تقتضي ذلك. وهل يجب مع التبعيض في إحدى الركعتين بعد إتمام سورة إتمام المبعضة قبل السجود أم لا ؟ فيه وجهان، ظاهر الإطلاقات العدم، وهو أقرب. وبعد ما بنينا على ذلك فهل يجب الإتمام بعد القيام عن السجود أم لا ؟ وجهان، أظهرهما من الحديث الأول " فاقرأ من حيث نقصتئ والصحيح الآخر " حتى تسأنف اخرى " الوجوب. وبعد البناء على ذلك فهل تجب قراءة الحمد قبله أم لا ؟ قرب الأول العلامة - رحمه الله - في التذكرة، لأنه قيام عن سجود، فوجبت فيه الفاتحة، لكنه قال: يبتدئ بسورة اخرى بعدها، وجعل الاكتفاء بمجرد تتمة السورة بدون الحمد احتمالا، وأوجب لو فعل ذلك قراءة الحمد في الثانية، حيث لا يجوز له الاكتفا بالحمد مرة في الركعتين (3). وربما يظهر من الصحيح الآخر: " فإن قرأت نصف السورة أجزأك أن لا تقرأ


1. الذكرى: 245. 2. نهاية الإحكام 2: 73. 3. التذكرة 4: 171.

[ 485 ]

فاتحة الكتاب إلا في أول ركعة حتى تستأنف اخرى " التأييد لذلك، فيكون مخصصا للخبر الأول. وكذا يظهر ذلك من الصحيح الأوسط، قال: " أجزأه أم القرآن في أول مرة ". وهل تحرم قراءة فاتحة الكتاب ما لم يتم السورة في الركعات أم تركها رخصة ؟ احتمالان النهي في الخبر الأول يعين الأول، وظاهر الخبرين الأخيرين ينبئ عن الثاني، ولعل الترك أولى وأحوط. وهل يجوز اختيار بعض سورة اخرى قبل إتمام المبعضة في أثناء الركعات أو إعادة ما مضى منها ؟ ومع ذلك فهل تجب إعادة الحمد أم لا ؟ أوجه. الأحوط إتمام السورة في الركعة الاولى قبل السجود، سواء اكتفى بسورة أو أكثر، وعدم العدول عن سورة إلى اخرى حتى يتمها، بل وعدم إعادة ما مضى من المبعضة. وكل ذلك يستفاد من تلك النصوص. وغاية الاحتياط الاكتفاء بخمس سور في كل ركعة، أو سورة مبعضة يتمها في كل واحدة منهما، والله أعلم بحقائق أحكامه. الثالث: أجمع علماؤنا على أنه لا تتعين قراءة الفاتحة في الثالثة والرابعة من الثلاثية والرباعية، بل يختار المصلي بينها وبين التسبيح، نقله غير واحد من أصحابنا. وإنما الخلاف في مقامين، الأول: كيفية التسبيح وكميته، والثاني: بيان الأفضلية بين البدلين. ففي المقام الأول ترتقي الأقوال إلى ستة وأزيد: لأول: وجوب العبارة الآتية ثلاث مرات، وهو قول الشيخ في النهاية والاقتصاد والشهيد في الدروس (1)، وقال الصدوق في الفقيه: وقل في الركعتين الأخيرتين


1. النهاية: 76، الاقتصاد: 261، الدروس 1: 173.

[ 486 ]

إماما كنت أو غير إمام: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثلاث مرات، وإن شئت قرأت في كل ركعة منها الحمد لله، إلا أن التسبيح أفضل (1). يدل عليه صريح الفقه الرضوي (2)، وما روى في العيون عن رجاء بن أبي ضحاك: أنه صحب الرضا عليه السلام من المدينة إلى مرو، فقال: كان يسبح في الاخراوين يقول: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " ثلاث مرات ثم يركع (3). لكن الفاضل المجلسي في البحار قال: إن في النسخ القديمة المصححة بدون التكبير (4)، ويظهر من بعض الأصحاب أيضا أن بها رواية (5)، ولعل إيراده في النهاية والفقيه أيضا لا يقصر عن الرواية كما هو ظاهر عند المطلع، ولها أيضا من الأخبار شواهد (6). والثاني: وجوب العبارة الآتية ثلاث مرات، وقد نسب إلى الصدوق (7) - رحمه الله - وذلك لأنه نقل الصحيحة الآتية في أبواب الجماعة، ولا يخفى أنه لا يدل على تعينه عنده، لأنه قال: ما قلناه في أوائل كتاب الصلاة، وذكر بعد هذه الصحيحة بعينها أيضا روايات اخر تدل على سائر المذاهب، وقد نسب ذلك إلى حريز بن عبد الله (8) وأبي الصلاح أيضا (9).


1. الفقيه 1: 209. 2. فقه الرضا (ع): 105. 3. عيون اخبار الرضا (ع) 2: 180 ح 5. 4. البحار 82: 88. 5. المعتبر 2: 189. 6. انظر الو سائل 4: 791 أب. اب القراءة ب 51. 7. كما في المعتبر 2: 189، والمدارك 3: 379. 8. كما في المعتبر 2: 189. 9. الكافي في الفقه: 117، والناسب هو العلامة في المختلف 2: 146.

[ 487 ]

وتدل عليه صحيحة زرارة أنه قال: " لا تقرأ في الركعتين الأخيرتين من الأربع الركعات المفروضات شيئا، إماما كنت أو غير إمام " قلت: فما أقول فيهما ؟ قال: " إن كنت إماما أو وحدك فقل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ثلاث مرات، تكمل تسع تسبيحات، ثم تكبر وتركعئ " (1). الثالث: وجوب ما ذكر مع زيادة تكبير في آخره، فيكون عشرا، وهو مختار جماعة (2)، ومنهم ابن إدريس وقال: ويجزئ المستعجل أربع وغيره عشر (3)، ولم نقف له على مستند واضح، ولعله استدل عليه بالصحيحة المتقدمة، والظاهر أن التكبير المذكور فيها تكبيرة الركوع. الرابع: وجوب العبارة الآتية مرة، وهو اختيار المفيد (4) وجماعة من المتأخرين على ما قيل، وتدل عليه صحيحة زرارة قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما يجزئ من القول في الركعتين الأخيرتين ؟ قال: " أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (6). الخامس: القول بما في صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا قمت في الركعتين الأخيرتين لا تقرأ فيهما، فقل: الحمد لله وسبحان الله والله أكبر (7). والسادس: الذي يقال مكان القراءة تحميد وتسبيح وتكبير يقدم ما شاء،


1. الفقيه 1: 256 ح 1158. 2. كالشيخ في المبسوط 1: 106، والجمل والعقود (الرسائل العشر): 181، ونقله عن ابن أبي عقيل والسيد في المعتبر 2: 189. 3. السرائر 1: 222 4. المقنعة: 113. 5 كالعلامة في المختلف 2: 147، وإرياد الأذهان 1: 253، والمحقق في المعتبر 2: 190 جعله اولى. 6. التهذيب 2: 98 ح 367، الوسائل 4: 782 أبواب القراءة ب 42 ح 5. 7. التهذيب 2: 99 ح 372، الا ستبصار 1: 322 ح 1203، الوسائل 4: 793 أبواب القراءة ب 51 ح 7.

[ 488 ]

وظاهره الا جتزاء بمطلق الذكر، فلا مانع على هذا من العمل بكل ما ذكر، بل وبغيره أيضا. تدل عليه صحيحة عبيد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الركعتين الأخيرتين من الظهر، قال: " تسبح وتحمد الله وتستغفر لذنبك، وإن شئت فاتحة الكتاب، فإنها تحميد ودعاء (1). وفي رواية علي بن حنظلة عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما ؟ فقال: " إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، وإن شئت فاذكر الله فهما سواء " قال، قلت: فأي ذلك أفضل ؟ فقال: " هما والله سواء، إن شئت سبحت، وإن شئت قرأت " (2)، والأخبار من هذا القبيل بحد الاستفاضة. ويظهر من العلامة في المنتهى " حيث قال: الأقرب عدم وجوب الاستغفار " وجود القول به لصحيحة عبيد (3). وربما اجيب عنه بجعل الواو بمعنى حتى، مثل قولهم: تحتمي عن النهم وتصح، ويعبد الله ويكون حرا، أي حتى يصح وحتى يكون حرا، بمعنى أن التسبيحات موجبة لمغفرة الذنوب، وكلاهما بعيدان، سيما الأخير. لسابع: التخيير بين العمل بصحيحة زرارة وصحيحة الحلبي وصحيحة عبيد ورواية علي بن حنظلة، لكنه يرجع إلى التخيير بين المطلق والمقيد، وهو مختار المعتبر، ولكنه جعل العمل على المتضمنة للأربعة وتكريرها ثلاث مرات أحوط (4). وربما يسند القول بالاكتفاء بثلاث تسبيحات إلى أبي الصلاح (5). وتدل عليه


1. التهذيب 2: 98 ح 368، الاستبصار 1: 321 ح 1199، الوسائل 4: 781 أبواب القراءة ب 42 ح 1. 2. التهذيب 2: 98 ح 369، الا ستبصار 1: 321 ح 1200، الوسائل 4: 781 أبواب القراءة ب 42 ح 3. 3. المنتهى 1: 275. 4. المعتبر 2: 190 5. الكافي في الفقه: 117.

[ 489 ]

رواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " أدنى ما يجزئ من القول في الركعتين الأخيرتين ثلاث تسبيحات تقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله " (1) والذي يقوى في نفسي هو ترجيح الكفاية بمطلق الذكر، لا ختلاف الأخبار غاية الا ختلاف، ونصوصية بعضها في الإطلاق، وظهور كثير من الصحاح في ذلك، فقيل فيها: " لا تقرأ فيهما، إنما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء " ويظهر ذلك بملاحظة بعض ما ذكرنا منها أيضا. في حسنة زرارة لإبراهيم بن هاشم: " وفوض إلى محمد صلى الله عليه وآله فزاد النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة سبع ركعات، هي سنة ليس فيهن قراءة، إنما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء " (2) إلى غير ذلك من الأخبار. وهل يجب الذكر بمقدار القراءة: احتمالان بالنظر إلى البدلية وكون البدل بمقدار المبدل منه، ولليقين بالبراءة. ومن أن الظاهر من الأخبار كما ذكرنا هو أصالة الذكر المطلق، ونفي أصالة القراءة، أو كونهما في ذلك على السواء، وأصالة عدم تقييد تلك النصوص المستفيضة، والأحوط أن لا يكتفى بأقل من الأربعة، وأحوط منه بناء العمل على القول الأول كما ذكره المحقق (3). أما المقام الثاني، فالمنقول عن طائفة من الأصحاب أفضلية التسبيح مطلقا، منهم ابن إدريس (4). قيل بالتساوي (5).


1. الفقيه 1: 256 ح 1159، الوسائل 4: 782 أبواب القراءة ب 42 ح 7. 2. الكافي 3: 273 ح 7، الوسائل 4: 782 أبواب القراءة ب 42 ح 6. 3. الشرائع 1: 73. 4. السرائر 1: 230. 5. النهاية: 76، المبسوط 1: 106.

[ 490 ]

قيل بالتخيير للمنفرد، وأفضلية القراءة للإمام (1). وقيل باستحباب التسبيح للإمام إذا تيقن عدم المسبوق معه، ومع العلم بالدخول يقرأ، والمنفرد يجزئه مهما فعل (2). وقيل: الأفضل للإمام القراءة وللمأموم التسبيح (3). ويظهر من صاحب المدارك أفضلية القراءة مطلقا (4). والأقرب هو القول الأول، ويدل عليه - مضافا إلى الإطلاقات الكثيرة غاية الكثرة - تعميم صحيحة زرارة المتقدمة. بل ويظهر من بعض الأخبار أن الأفضلية كانت معلومة عند الرواة، وكانوا يسألون عن علتها، ففي رواية محمد بن حمران (5) حيث سأل أبا عبد الله عليه السلام عن علة أفضلية التسبيح وقال: لأي علة صار التسبيح في الركعتين الأخيرتين أفضل من القراءة ؟ قال: " لأن النبي صلى الله عليه وآله لما كان في الأخيرتين ذكر ما آرأى من عظمة الله عز وجل فدهش، فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فلذلك صار التسبيح أفضل من القراءة " (6). بل ويظهر من ملاحظة صدر الخبر أنه كان في الجماعة لأنه صلى الله عليه وآله كان يصلي إماما بالملائكة، فيصير أوضح في التعميم المطلوب. ويدل عليه أيضا ما رواه في الفقيه مرسلا عن الرضا عليه السلام (7)، وتشير إليه


1. الا ستبصار 1: 322. 2. تقله عن ابن الجنيد في المختلف 2: 148. 3. التذكرة 3: 145. 4. المدارك 3: 345. 5. في المصادر: محمد بن عمران. 6. الفقيه 1: 202 ح 925، الوسائل 4: 792 أبواب القراءة ب 51 ح 3. 7. الفقيه 1: 202 ح 924، وانظر الوسائل 4: 792 أبواب القراءة ب 51 ح 4.

[ 491 ]

صحيحة عبيد بن زرارة المتقدمة (1). وتدل على القول الثاني رواية على بن حنظلة المتقدمة (2). وتدل على القول الثالث صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا كنت إماما فاقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب، وإن كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعلئ " (3) والجمع بين ما دل على أفضلية القراءة ورواية علي بن حنظلة. ولم أقف للقول الرابع على حجة يعتد بها. ويدل على القول الخامس مضافا إلى صحيحة منصور المتقدمة منضمة إلى ما دل على أفضلية التسبيح: صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القراءة خلف الإمام في الركعتين الأخيرتين، فقال: " الإمام يقرأ فاتحة الكتاب، ومن خلفه يسبح، فإذا كنت وحدك فاقرأ فيهما، وإن شئت فسبحئ " (4). وعلى القول السادس ظاهر صحيحة منصور المتقدمة، ورواية محمد بن حكيم (5) وما في معناهما (6)، وما رواه في الاحتجاج عن الحميري، عن صاحب الزمان عليه السلام: إنه كتب إليه يسأله عن الركعتين الأخيرتين قد كثرت فيهما الروايات، فبعض يروي (7) أن قراءة الحمد وحدها أفضل، وبعض يروي (8) أن التسبيح فيهما أفضل، والفضل أيهما لنستعمله ؟ فأجاب عليه السلام: " قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، والذي نسخ التسبيح قول


1. التهذيب 2: 98 ح 368، الا ستبصار 1: 321 ح 1199، الوسائل 4: 781 أبواب القراءة ب 42 ح 1. 2. التهذيب 2: 98 ح 369، الا ستبصار 1: 321 ح 1200، الوسائل 4: 781 أبواب القراءة ب 42 ح 3. 3. التهذيب 2: 99 ح 371، الا ستبصار 1: 322 ح 1202، الوسائل 4: 794 أبواب القراءة ب 51 ح 11. 4. الكافي 3: 319 ح 1، التهذيب 2: 294 ح 1185، الوسائل 4: 781 أبواب القراءة ب 42 ح 2. 5. التهذيب 2: 98 ح 370، الا ستبصار 1: 322 ح 1201، الوسائل 4: 794 أبواب القراءة ب 51 ح 10. 6. الوسائل 4: 791 أبواب القراءة ب 51. 7 و 8. في " ح " والوسائل: يرى، بدل يروي.

[ 492 ]

العالم عليه السلام: كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج إلا للعليل، أو من يكثر عليه السهو فيتخوف بطلان الصلاة عليه " (1). والجواب منع دلالة الصحيحة، وباقي الأخبار مؤولة أو محمولة على التقية، فالوجه إذن أفضلية التسبيح مطلقا، والبناء على القول الأول في المقام الأول، سيما إذا كان إماما، لملاحظة حال مسبوق لو وجد. وهل يستحب أزيد من ذلك ؟ المنقول عن ابن أبي عقيل: أنه يقول سبعا أو خمسا وأدناه ثلاث (2)، وقال في الذكرى: ولا بأس باتباع هذا الشيخ العظيم الشأن في استحباب ذكر الله تعالى (3)، هذا إذا قطع النظر عن كونه من أفراد مطلق الذكر بناءا على ترجحه، وإلا فلا ريب في استحبابه من حيث كونه مندرجا تحت المطلق، بل يكون أفضل أفراده. ثم إن ههنا فوائد: لأولى: هل يجوز العدول عن التسبيح إلى القراءة وبالعكس ؟ وهل يجوز التفكيك بهما بين الركعتين ؟ وجهان، أقربهما بالنسبة إلى الإطلاقات الجواز، وبالنسبة إلى عدم معلومية التوظيف بهذا النحو والشك في حصول البراءة مع ذلك العدم. أما مع السهو عما أراده أولا ثم التذكر والرجوع فلعل الأمر فيه كان أسهل، بل لا يبعد القول بتعيين الرجوع إليه أو إعادة ذلك لو لم يرد الرجوع، فتأمل. لثانية: هل يجب الإخفات بها ؟ وجهان، اختار الشهيد - رحمه الله - الوجوب، لعموم البدلية (4) وقيل: لا، للأصل، والإطلاقات، وعدم ثبوت


1. الا حتجاج: 491، وانظر الوسائل 4: 794 ابواب القراءة ب 51 ح 14. 2. نقله عنه في المختلف 2: 146. 3 و 4. الذكرى: 189.

[ 493 ]

المخصص (1)، ولعل الأول أقوى، لظهور التساوي من الأخبار، وهو أحوط. الثالثة: لو نسي القراءة في الأوليين لا تتعين عليه القراءة في الأخيرتين، لعمومات التخيير، ولصحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال، قلت: الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأوليين فيذكر في الركعتين الأخيرتين أنه لم يقرأ، قال: " أتم السجود والركوع ؟ " قلت: نعم، قال: " إني أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها " (2). ويحتمل أن يكون المراد كراهة قراءة السورة مع الحمد، لا مطلق القراءة، فهي باقية على التخيير بينها وبين التسبيح، ولمنع شمول أدلة وجوب القراءة لما نحن فيه. الشيخ في الخلاف على وجوب القراءة في الأخيرتين (3)، لظاهر رواية الحسين بن حماد عن الصادق عليه السلام قال: قلت له: أسهو عن القراءة في الركعة الأولى، قال: " اقرأ في الثانية " قلت: أسهو في الثانية، قال: " اقرأ في الثالثة " قلت: أسهو في صلاتي، قال: " إذا حفظت الركوع والسجود فقد تمت صلاتك " (4). والمرسلة الآتية في مسألة وجوب السورة (5). وعموم " لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب " (6). والأولتان، مع ضعفهما غير واضحتي الدلالة كما لا يخفى، والثاني مخصص بما هو أقوى منه. لرابعة: لو شك في عددها بنى على الأقل، لأنه المتيقن، وهو المحصل للبراءة.


1. السرائر 1: 222. 2. الخلاف 1: 341 مسالة 93. 4. الفقيه 1: 227 ح 1004، التهذيب 2: 148 ح 579، الوسائل 4: 771 أبواب القراءة ب 30 ح 3. 5. الكافي 3: 383 ح 10، الفقيه 1: 263، ح 1203، التهذيب 463 ح 160، الا ستبار 1: 437 ح 1686، الوسائل 5: 446 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 7. 6. الوسائل 732 أبواب القراءة ب 1.

[ 494 ]

الرابع: تجب قراءة سورة كاملة عقيب الفاتحة فيما تجب فيها عينا من الفرائض في حال الاختيار، وهو المشهور بين الأصحاب. ونسب إلى الشيخ في النهاية (1) وابن الجنيد (2) وسلار (3) القول بالاستحباب، وقواه جماعة من المتأخرين (4). لنا: مضافا إلى استمرار العمل بذلك في الأزمان السابقة، وفي عهد الرسول و الأئمة صلوات الله عليهم، والتزامهم ذلك، وعدم معهودية خلافه من أفعالهم، الصحاح المستفيضة. ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال، قال: " إذا أدرك الرجل بعض الصلاة، وفاته بعض خلف إمام يحتسب بالصلاة خلفه، جعل ما أدرك أول صلاته، إن أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان قرأ في كل ركعة مما أدرك خلف الإمام في نفسه بام الكتاب وسورة، فإن لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب، فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين لا يقرأ فيهما، لأن الصلاة إنما يقرأ فيها في الأوليين في كل ركعة بأم الكتاب وسورة، وفي الأخيرتين لا يقرأ فيهما، إنما هو تسبيح وتكبير وتهليل ودعاء " (5). وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " لا بأس أن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين إذا أعجلت به حاجته أو تخوف شيئا " (6).


1. النهاية: 75. 2. نقله عنه في المختلف 2: 142. 3. المراسم: 70. 4. كالمحقق في المعتبر 2: 173، والعلامة في المنتهى 1: 273، وصاحبي المدارك 3: 347، والذخيرة: 268. 5. التهذيب 3: 45 ح 158، الا ستبصار 1: 436 ح 1683، الوسائل 5: 445 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 4. 6. التهذيب 2: 71 ج 261، الا ستبصار 1: 315 ح 1172، الوسائل 4: 734 أبواب القراءة ب 2 ح 2.

[ 495 ]

ويقرب من هذا المضمون ما رواه في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون مستعجلا يجزئه أن يقرأ في الفريضة بفاتحة الكتاب وحدها ؟ قال: " لا بأس " (1). وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من غلط في سورة فليقرأ قل هو الله أحد ثم ليركع (2). وتدل عليه أيضا الأخبار الكثيرة المعتبرة التي تدل على عدم العدول من قل هو الله أحد إلى غيرها، وكذلك قل يا أيها الكافرون (3). ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: " ومن افتتح بسورة ثم بدا له أن يرجع في سورة غيرها فلا بأس، إلا قل هو الله أحد، فلا يرجع منها إلى غيرها، وكذلك قل يا أيها الكافرون " (4). ويدل عليه أيضا خبر في سنده مروك بن عبيد وقد وثقه ابن فضال، عن رجل، عن الباقر عليه السلام قال، قال لي: " أي شئ يقول هؤلاء في الرجل الذي تفوته مع الإمام ركعتان ؟ " قلت: يقولون يقرأ فيهما بالحمد وسورة، فقال: " هذا يقلب صلاته، يجعل أولها آخرها " قلت: فكيف يصنع ؟ قال: " يقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة " (5) وفي معناه الأخبار الكثيرة، منها الصحيح. ويظهر من المجموع أن أول الصلاة هو ما كان يجب فيه الفاتحة وسورة، بل هو صريح بعضها كما ذكرنا. صحيحة محمد بن إسماعيل قال: سألته قلت: أكون في طريق مكة فننزل


1. قرب الإسناد: 96، الوسائل 4: 735 أبواب القراءة ب 2 ح 6. 2. التهذيب 2: 290 ح 1187، الوسائل 4: 783 أبواب القراءة ب 43 ح 1. 3. الوسائل 4: 775 أبوا القراءة ب 35. 4. التهذيب 2: 190 ح 753 الوسائل 4: 775 أبواب القراءة ب 35 ح 2. 5. الكافي 3: 10 383، الفقيه 1: 263 ح 1203، التهذيب 3: 46 ح 160، الا ستبصار 1: 437 ح 1686، الوسائل 5: 446 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 7.

[ 496 ]

للصلاة في مواضع فيها الأعراب، أنصلي المكتوبة على الأرض فنقرأ أم الكتاب وحدها، أم نصلي على الراحلة فنقرأ فاتحة الكتاب والسورة ؟ قال: " إذا خفت فصل على الراحلة المكتوبة وغيرها، وإذا قرأت الحمد وسورة أحب إلي، ولا أرى بالذي فعلت بأسا " (1) وجه الدلالة ترخيصه عليه السلام لترك القيام الواجب من أجل السورة. ويدل عليه أيضا ما رواه يحيى بن أبي عمران الهمداني في الصحيح قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك، ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته وحده في ام الكتاب، فلما صار إلى غير ام الكتاب من السورة تركها فقال العباسي: ليس بذلك بأس ؟ فكتب بخطه: " يعيدها مرتين على رغم أنفه " يعني العباسي (2). وتدل عليه الأخبار الدالة على عدم جواز إفراد والضحى وألم نشرح وألم تر كيف ولإيلاف (3) والإجماع المنقول على ذلك من الجماعة الآتية كما لا يخفى. وتؤيده صحيحة محمد بن مسلم على الأظهر - لمكان محمد بن عيسى عن يونس - عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن الذي لا يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته، قال: " لا صلاة له، إلا أن يبدأ بها في جهر أو إخفات " قلت: أيهما أحب إليك إذا كان خائفا أو مستعجلا، يقرأ بسورة أو فاتحة الكتاب ؟ قال: " فاتحة الكتاب " (4). ويظهر منه أنه كان وجوب السورة عنده واضحا معلوما، حتى أنه يسأل عن


1. الكافي 3: 457 ح 5، الوسائل 4: 736 أبواب القراءة ب 4 ح 1. 2. الكافي 3: 313 ح 2، التهذيب 2: 69 ح 252، الا ستبصار 1: 311 ح 1156، الوسائل 4: 746 أبواب القراءة ب 11 ح 6. 3. الوسائل 4: 743 أبواب القراءة ب 10. 4. الكافي 3: 317 ح 28، التهذيب 2: 147 ح 576، الا ستبصار 1: 310 ح 1152، الوسائل 4: 732 أبواب القراءة ب 1 ح 1.

[ 497 ]

التخيير بينها وبين الحمد في مقام الا ضطرار، والراوي من أجلاء الأصحاب. وتدل عليه أيضا رواية منصور بن حازم قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا يقرأ في المكتوبة بأقل من سورة ولا بأكثر " (1). والقوي إلا أنه قال: " امر الناس بالقراءة في الصلاة لئلا يكون القرآن مهجورا مضيعا، وليكون محفوظا مدروسا فلا يضمحل ولا يهجر ولا يجهل، وإنما بدأ بالحمد دون سائر السور لأنه ليس شئ من القرآن والكلام جمع فيه من جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد " (2) الحديث. ويظهر من الأمر بالقراءة والتفضيل بتقديم الحمد فيها على السورة وجوب المجموع كما لا يخفى على المنصف المتدبر. وصحيحة عبد الله بن سنان على الأظهر، لمكان العبيدي، قال: " يجوز للمريض أن يقرأ فاتحة الكتاب وحدها، ويجوز للصحيح في قضاء صلاة التطوع بالليل والنهار " (3) ويظهر من هذا الخبر أنه بيان المواضع التي يجوز فيها تركها، حتى أنه لم يذكر عليه السلام نفس النوافل، مع أنها لا يجب فيها إجماعا، فحينئذ وإن لم نقل بحجية مفهوم الوصف لكن مع انضمامه بقرينة المقام يظهر في المطلوب. ثم إن في الأخبار ما يدل على ذلك وما يؤيده ويشعر به من الصحاح وغيرها من الكثرة بمكان، فتتبع الأخبار وتأمل، هذا. ويدل على ما اخترناه مضافا إلى ما ذكرنا استصحاب شغل الذمة، والإجماع


1. الكافي 3: 314 ح 12، التهذيب 2: 69 ح 253، الا ستبصار 1: 314 ح 1167، الوسائل 4: 736 أبواب القراءة ب 4 ح 2. 2. الفقيه 1: 203 ح 927، علل الشرائع: 260 ب 182 ح 9، عيون أخبار الرضا (ع) 2: 107، الوسائل 4: 733 أبواب القراءة ب 1 ح 3. 3. الكافي 3: 314 ح 9، التهذيب 2: 70 ح 256، الاستبصار 1: 315 ح 1171، الوسائل 4: 734 أبواب القراءة ب 2 ح 5.

[ 498 ]

المنقول، ونقله الصدوق في الأمالي والسيد في الانتصار (1)، وهو ظاهر الشيخ في التهذيب والخلاف والمبسوط (2). واحتج الخصم بالأصل، وبصحيحة علي بن رئاب عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضة " (3). ورواها اخرى عن الحلبي عنه عليه السلام، قال: " إن فاتحة الكتاب وحدها تجزئ في الفريضة " (4). وبالصحاح وغيرها من الأخبار الدالة على جواز التبعيض، لأنه إذا ثبت جواز التبعيض ثبت الاستحباب إذ لا قائل بالفصل. (وفيه: أن الظاهر من كلام المبسوط (5) وابن الجنيد على ما نقل عنهما القول بوجوب شئ إما السورة أو بعضها، فلا يتم عدم القول بالفصل) (6) فنقول: إن هذه الأخبار مع معارضتها بما ذكرنا موافقة للعامة ومخالفة لمذهب الإمامية، قال في التذكرة: وهو - يعني استحباب السورة - مذهب الجمهور كافة إلا عثمان بن أبي العاص، فإنه أوجب بعد الفاتحة قدر ثلاث آيات (7)، فلابد من حملها على حال الاضطرار أو التقية، وكثير من تلك الأخبار مما ينادي بأعلى صوته أنه للتقية. والأصل لا يقاوم الدليل، سيما مع معارضته باستصحاب شغل الذمة يقينا بالعبادة التوقيفية. وبالجملة لا يبقى بعد ملاحظة ما ذكر مجال للتأمل في الوجوب، وإنما أطنبنا


1. أمالي الصدوق: 512، الانتصار: 44. 2. التهذيب 2: 71، الخلاف 1: 335 مسالة 86، المبسوط 1: 107. 3. التهذيب 2: 71 ح 259، الوسائل 4: 734 أبواب القراءة ب 2 ح 1. 4. التهذيب 2: 71 ح 260، الوسائل 4: 734 أبواب القراءة ب 2 ح 3. 5. المبسوط 1: 107. 6. مابين القوسين ليس في " م "، " ح ". 7. التذكرة 3: 131.

[ 499 ]

الكلام في هذا المقام لما زل فيه أقدام كثير من الأعلام، وحكموا صريحا بالا ستحباب (1)، والله أعلم بحقائق الأحكام. ومما يتفرع على القول بوجوب السورة الكاملة وحرمة الزيادة: حرمة قراءة وما يفوت به الوقت، فلو علم بالتفويت فقال في المسالك: إنه تبطل صلاته بمجرد الشروع وإن لم يخرج الوقت، نعم لو ظن السعة فتبين الضيق بعد الشروع عدل وإن تجاوز النصف (2)، انتهى. ولعلك تطلع على وجهه فيما سيأتي إن شاء الله تعالى. وفي الصحيح عن سيف بن عميرة، عن عامر بن عبد الله، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: " من قرأ شيئا من ال حم في صلاة الفجر فاته الوقت " (3). الخامس: تجب البسملة في ابتداء الحمد والسورة عدا براءة بإجماع علمائنا، نقله جماعة عن أصحابنا (4)، نعم نسب القول بعدم الجزئية في السورة إلى ابن الجنيد، قال: إنها في الفاتحة جزء، وفي غيرها افتتاح (5). ويدل على جزئيتها للفاتحة مضافا إلى ضبطها كذلك في المصاحف، واستمرار العمل بذلك، وعدم تركها الظاهر منه الجزئية: الأخبار المعتبرة، منها صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السبع المثاني والقرآن العظيم هي الفاتحة ؟ فقال: " نعم " قلت: بسم الله الرحمن الرحيم من السبع، قال: " نعم، أفضلهن " (6).


1. التهاية: 75، ونقله عن ابن الجنيد في المختلف 2: 142. 2. المسالك 1: 206. 3. التهذيب 2: 295 ح 1189، الوسائل 4: 783 أبواب القراءة ب 44 ح 1. 4. الخلاف 1: 112، المبسوط 1: 105، نهاية الإحكام 1: 462، الذكرى: 186، جامع المقاصد 2: 244. 5. نسبه في الذكرى: 186. 6. التهذيب 2: 289 ح 1157، الوسائل 4: 745 أبواب القراءة ب 11 ح 2.

[ 500 ]

ويدل على الجزئية في السورة أيضا ما رواه العياشي عن صفوان الجمال قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " ما أنزل الله من السماء كتابا إلا وفاتحته بسم الله الرحمن الرحيم، وإنما كان يعرف انقضاء السورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداءا للاخرى " (1). وعن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: " بلغه أن اناسا ينزعون بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: هي آية من كتاب الله، أنساهم إياها الشيطان " (2). ويؤدي مؤداه ما رواه عن أبي خالد بن المختار عن الصادق عليه السلام أيضا (3)، وفي دلالتهما تأمل. رواية الهمداني المتقدمة (4). ولو نوقش في إثباتها الجزئية فلا ريب في أنها تثبت الوجوب، ويكفي الإجماع وسائر الأخبار في إثبات الجزئية، وأما ما يدل على مطلق ثبوت البسملة لها فكثيرة. فالأقوى التزام البسملة في غير الفاتحة أيضا. وتظهر الثمرة في غير الصلاة، لثبوت الوجوب فيها من مثل رواية الهمداني، وكلما دل من الأخبار على جواز ترك البسملة في الحمد وغيرها (5) فمحمولة على التقية. وتجب قراءتها عربية بالنحو المنقول بالتواتر، وأن لا يخل بشئ منها ولو بحرف، حتى التشديد، لأنه بدون ذلك لا يكون آتيا بالمأمور به، والظاهر عدم الخلاف في ذلك بيننا.


1. المحاسن: 40 ح 49، الوسائل 4: 747 أبواب القراءة ب 11 ح 12. 2. تفسير العياشي 1: 21 ح 12، مستدرك الوسائل 4: 165 أبواب القراءة ب 8 ح 6. 3. تفسير العياشي 1: 21 ح 16، مستدرك الوسائل 4: 166 أبواب القراءة ب 8 ح 7. 4. الكافي 3: 313 ح 2، التهذيب 2: 69 ح 252، الا ستبصار 1: 311 ح 1156، الوسائل 4: 746 أبواب القراءة ب 11 ح 6. 5. الوسائل 4: 747 أبواب القراءة ب 12.

[ 501 ]

وأما الإعراب - والمراد به الأعم من حركات البناء والجزم - فالمشهور أيضا بطلان الصلاة بالإخلال به، ونقل الإجماع عليه بعض الأصحاب (1). والسيد فصل فقال: لو كان مغيرا للمعنى يبطل (2)، ولعل نظره - رحمه الله - إلى الإطلاق العرفي، ويشكل الاتكال على ذلك. والأقرب الأول، لأن القرآن هيئة مجموعة مخصوصة، والامتثال بإتيانها لا يحصل إلا بإتيانها كما هي. وقد يلحق بذلك المد المتصل، وكأن نظرهم في ذلك إلى التزام القراء بذلك، وإيجابهم، ونحن مأمورون بما كانوا يقرؤن. وقد نقل عن جماعة من الأصحاب الإجماع على تواتر القراءات السبع (3)، وادعى في الذكرى التواتر على العشر أيضا (4). فما ثبت لنا تواتره منها لابد أن يكون هو المعتمد. فربما قيل: إن المراد بتواتر السبع انحصار وجود التواتر فيها، لا تواتر جميع ما نسب إليهم، فما علم كونه من السبعة فالمشهور جواز العمل به، إلا أن العلامة - رحمه الله - قال: أحب القراءات إلي ما قرأه عاصم من طريق أبي بكر بن عياش، وطريق أبي عمرو بن العلاء، فإنها أولى من قراءة حمزة والكسائي، لما فيهما من الإدغام والإمالة وزيادة المد، وذلك كله تكلف، ولو قرأ به صحت صلاته بلا خلاف (5). وقال الشيخ الطبرسي بعد نقل الإجماع ظاهرا على العمل بما تداولت القراء


1. المعتبر 2: 162. 2. جوابات المسائل الرسية الثانية (رسائل الشريف المرتضى) 2: 387. 3. جامع المقاصد 2: 245. 4. الذكرى: 187. 5. المنتهى 1: 273.

[ 502 ]

بينهم من القراءات: إلا أنهم اختاروا القراءة بما جاز بين القراء، وكرهوا تجديد قراءة منفردة (1). اعلم أن المراد بالإعراب الذي ذكرنا أيضا هو الإعراب المتداول بينهم، لا ما يقتضيه قانون العربية لما ذكرنا. ويمكن بعد إثبات رخصة العمل على قراءة القراء من الشارع الاكتفاء بنقل التواتر أيضا، لأنه لا يقصر عن الإجماع المنقول بخبر الواحد كما ذكره المحقق الشيخ علي رحمه الله (2). وما قيل: إن هذا غير جيد لأنه رجوع عن اعتبار التواتر (3)، ليس على ما ينبغي كما لا يخفى على المتدبر. والحاصل أنه لا إشكال في جواز موافقة قراءة السبع المشهورة كما دلت عليه الأخبار المستفيضة إلى زمان ظهور القائم عليه السلام (4). ولعل البناء على قراءة عاصم كما اختاره العلامة رحمه الله (5) وتداولها في هذه الأعصار يكون أولى وأحوط. وبعد البناء على ذلك فلابد من التزام ما التزمه القراء، كالمد المتصل، والوقف اللازم وغيرهما إن ثبت التزامهم بعنوان الوجوب الشرعي، وهو غير معلوم، لإمكان أن يريدوا تأكيد الفعل كما اعترفوا في اصطلاحهم على الوقف الواجب على ما نسب إليهم الشهيد الثاني (6) - رحمه الله - واستحباب ما استحسنوه من المحسنات.


1. مجمع البيان 1: 12. 2. جهمع المقاصد 2: 246. 3. المدارك 3: 338، الحدائق 8: 95. 4. الوسائل 4: 821 أبواب القراءة ب 74. 5. المنتهى 1: 273. 6. روض الجنان: 268.

[ 503 ]

وأما أداء الحروف عن المخارج بحيث تكون متميزة فلا شبهة في وجوبه، لأن الآتي بخلافه غير آت بالمأمور به. وأما ملاحظة صفاتها من الهمس والجهر والإطباق وأمثال ذلك بحيث لم يكن التميز منحصرا فيها بل يكون محض التزيين والتحسين فهو محل كلام، وسيجئ. وتجب الموالاة في القراءة، ومراعاة الترتيب بحيث لا يخرج عن كونه قارئا، فلو أخل في ذلك بأن يقرأ شيئا خلالها بحيث أخرجها عن المعهود المتعارف، أو قدم بعضها على بعض بخلاف وضعه بطلت الصلاة لما ذكرنا، هذا إذا كان عمدا. وأما مع النسيان فيتدارك مع تحصيل الموالاة، مع احتمال العدم في الأول أيضا إذا تداركها قبل الركوع، نظرا إلى ما ذكرنا سابقا من احتمال عدم البطلان بزيادة القراءة والذكر بغير القربة أو مع التشريك. ولو عد بذلك خارجا عن الصلاة كما في السكوت الطويل فلا شك في بطلانها مطلقا. ويحتمل استئناف القراءة في صورة العمد والبناء على ما مضى في صورة النسيان، ذهب إلى كل من الاحتمالات قائل (1)، والأقوى والأحوط ما اخترناه. ومن لا يحسنها تعلم، لتوقف الواجب عليه، وللإجماع، نقله غير واحد من أصحابنا على ما قيل (2). وإن عجز تخير بين الائتمام إن أمكنه والقراءة من المصحف إن أحسنها، ولو لم يكن نقل الإجماع لأمكن القول بالتخيير أولا. وهل تجوز القراءة من المصحف بلا عذر ومع التمكن من الحفظ ؟ قولان، بالنظر إلى الإطلاقات، وخصوص رواية الحسن بن زياد الصيقل قال، قلت لأبي عبد الله


1. الذكرى: 188، المدارك 3: 342. 2. الذكرى: 187.

[ 504 ]

عليه السلام: ما تقول في الرجل يصلي وهو ينظر في المصحف يقرأ ويضع السراج قريبا منه ؟ قال: " لا بأس بذلك " (1) الجواز. وإلى عدم المعهودية، وعدم ثبوت التوظيف، واستصحاب شغل الذمة، وخصوص ما رواه في قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل والمرأة يضع المصحف أمامه ينظر فيه ويقرأ ويصلي، قال: " لا يعتد بتلك الصلاة " (2) العدم، والثاني أقوى وأحوط. وإن لم يقدر على ذلك أيضا أو ضاق الوقت، فإن علم الفاتحة بتمامها دون السورة فيجب الإتيان بالفاتحة إجماعا، ولا عوض عن المتروك من السورة أو بعضها بلا خلاف في ذلك على ما قيل (3). وإن كان إنما يحسن بعض الفاتحة، فإن كان آية منها تجب قراءتها إجماعا أيضا، ويظهر من المدارك والذخيرة (4). وأما في الأقل منها ففيها أقوال، ثالثها الوجوب إذا كان قرآنا، أي لو سمي قرآنا في العرف، ونسب ذلك إلى المشهور بين المتأخرين (5)، ولعله يكون أقوى. فإن من عرف " إياك مثلا، أو لفظة " غير أو لفظة " المغضوب " يشكل القول بجواز التكلم بذلك، لعدم صدق القرآن على ذلك، فيكون كلاما أجنبيا، فيضعف الإيجاب مطلقا. وأيضا استصحاب شغل الذمة وعدم سقوط الميسور بالمعسور وغير ذلك مع صدق القرآن مما يضعف القول بالعدم على الإطلاق.


1. التهذيب 2: 294 ح 1184، الوسائل 4: 780 أبواب القراءة ب 41 ح 1 وفيهما: يقرأ فيه يضع السراج قريبا منه. 2. قرب الإسناد: 90، الوسائل 4: 780 أبواب القراءة ب 41 ح 2. 3. المنتهى 1: 282، بحار الأنوار 82: 64. 4. المدارك 3: 343، الذخيرة: 272. 5. المنتهى 1: 274، المسالك 2: 91.

[ 505 ]

وهل يجوز الاكتفاء بذلك، أو يعوض عن الفائت بتكرار ذلك، أو بقراءة غيره من القرآن إن علمه أو الذكر مطلقا ؟ أقوال، أوهنها الأول. ولعل الأوسط أوسط، لصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: " إن الله فرض من الصلاة الركوع والسجود، ألا ترى لو أن رجلا دخل في الإسلام لا يحسن أن يقرأ القرآن أجزأه أن يكبر ويسبح ويصلي " (1). ولو لم يحسن شيئا من الفاتحة فالمشهور وجوب القراءة من غيرها لو علم، والأولى قراءة سورة كاملة إن علم، وإلا فالذكر للصحيح المتقدم. وقيل بالتخيير بينه وبين الذكر (2)، ولا وجه له. والمشهور بين الأصحاب في الذكر: أنه يسبح الله ويهلله ويكبره. وقيل: بالذكر والتكبير. وقيل: بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير (3). وقيل: ما يقوله في الأخيرتين (4). وقد عرفت الرواية (5)، وفي أكثر الأقوال روايات عامية رواها في الذكرى. وفي وجوب مساواة البدل للمبدل منه وجهان، أشهرهما الوجوب. ولو عجز عن الذكر أيضا فالمشهور أنه يكتفي بالترجمة، وفي قرب الإسناد رواية تشير إليه (6). لكن اختلفوا في أنه هل يأتي بترجمة القرآن، أو بتر جمة الذكر مع عدم القدرة عليهما والقدرة على ترجمتهما معا ؟ ولعل ترجمة القرآن أولى.


1. التهذيب 2: 147 ح 575، الا ستبصار 1: 310 ح 1153، الوسائل 4: 735 أبواب القراءة ب 3 ح 1. 2. الشرائع 1: 71. 3. نهاية الإحكام 1: 474. 4. الذكرى: 187. 5. الوسائل 4: 735 أبواب القراءة ب 3. 6. قرب الإسناد: 24، الوسائل 4: 812 أبواب القراءة ب 67 ح 1.

[ 506 ]

واحتمل في الذكرى تقديم ترجمة القراءة على الذكر لأنه أقرب (1). وتدفعه الصحيحة المتقدمة. والأخرس يأتي بالممكن، ولا يجب عليه الائتمام، ووجهه ظاهر. والمشهور أنه يحرك لسانه بها (ويعقد بها) (2) قلبه. وعن بعض المتأخرين زيادة الإشارة باليد (3)، فروى الكليني عن السكوني عن الصادق عليه السلام، قال: " تلبية الأخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه، وإشارته بإصبعه (4). السادس: لا يجوز قول " آمين " بعد الحمد في الصلاة مطلقا، بل ويبطلها، وفاقا للمشهور. ويدل على ذلك - مضافا إلى الإجماع الذي نقله غير واحد من أصحابنا على التحريم والبطلان، منهم الشيخان (5) والمرتضى (6) كما صرح بذلك في الذكرى أيضا، حيث قال: والمعتمد تحريمها وإبطال الصلاة بفعلها بقول الأكثر ودعوى الإجماع من أكابر الأصحاب (7) - حسنة جميل لإبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد ففرغ من قراءتها فقل أنت: الحمد لله رب العالمين، ولا تقل: آمين " (8).


1. الذكرى: 187. 2. في (ص): ويعقدها. 3. روض الجنان: 263، مسالك الأفهام 1: 205. 4. الكافي 3: 315 ح 17، التهذيب 5: 93 ح 305، الوسائل 4: 801 أبواب القراءة ب 59 ح 1. 5. الشيخ المفيد في المقنعة: 105، والشيخ الطوسي في الخلاف 1: 113. 6. الانتصار: 42. 7. الذكرى: 194. 8. الكافي 3: 313 ح 5، التهذيب 2: 74 ح 275، الا ستبصار 1: 319 ح 1188، الوسائل 4: 752 أبواب القراءة ب 17 ح 1.

[ 507 ]

ورواية الحلبي - وفي طريقها محمد بن سنان - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: أقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب آمين ؟ قال: " لا " (1) وذلك لأن النهي حقيقة في الحرمة. وهذا اللفظ وإن كان خارجا من الصلاة، ولكن لا يبعد دعوى أنه يفهم من سياق النهي في الخبر كون الصلاة التي هو فيها (غير مطلوبة للشارع) (2) سيما بضميمة فتوى الأصحاب وفهمهم، فتكون فاسدة. ونقل عن ابن الجنيد: الجواز عقيب الحمد وغيرها (3)، وقواه بعض المتأخرين (4)، لصحيحة جميل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب آمين، قال: " ما أحسنها وأخفض الصوت " (5). ولا يخفى أن متن الخبر مجمل، بل ربما يدل على خلاف المطلوب وإن بني على ما أرادوه، فلا يتم الاستدلال به على الكراهة كما قالوه، لمنافاتها مع التحسين، بل الأولى حمله على التقية، وتشهد له صحيحة معاوية بن وهب قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أقول " آمين " إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين ؟ فقال: " هم اليهود والنصاريى " ولم يجب في هذا (6)، ووجهه ظاهر بناءا على أن يكون المرجع هو المغضوب عليهم ولا الضالين. وأما إن قلنا بأن المراد أن القائلين بذلك هم اليهود والنصارى فتحتمل إرادة العامة بذلك. وتحتمل إرادة المعنى الحقيقي، كما رواه في دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد


1. التهذيب 2: 74 ح 276، الا ستبصار 1: 318 ح 1186، الوسائل 4: 752 أبواب القراءة ب 17 ح 3. 2. في (ص): غير مطلوب الشارع. 3. نقله في جامع المقاصد 2: 249. 4. المعتبر 2: 186. 5. التهذيب 2: 75 ح 277، الا ستبصار 1: 318 ح 1187، الوسائل 4: 753 أبواب القراءة ب 17 ح 5. 6. التهذيب 2: 75 ح 278، الا ستبصار 1: 319 ح 1188، الوسائل 4: 752 أبواب القراءة ب 17 ح 2.

[ 508 ]

عليه السلام، قال: " إنما كانت النصارى تقولها " (1) وفسرها بذلك الصدوق أيضا (2). وأما الجمع بحمل صحيحة جميل على الجماعة وغيرها على المنفرد ينفيه عدم القول بالفصل. فالترجيح مع المشهور، لصراحة الخبرين، وتعاضدهما بالشهرة والإجماع المستفيض واستصحاب شغل الذمة ومخالفة العامة. وهل الحكم في كل الصلاة مثل القول بعد الحمد ؟ الأقرب الابتناء في ذلك على كونه من كلام الآدميين أو اسم فعل كما قاله بعضهم (3)، أو دعاء وليس باسم فعل كما يظهر من المحقق الرضي في صه وغيره (4)، فعلى الأول يتجه البطلان، والأولى تركه مطلقا. السابع: الأقرب عدم جواز القران بين السورتين في الصلاة بعد الحمد، للإجماع، نقله السيد في الإنتصار (5) والصدوق في الأمالي (6)، والروايات المستفيضة، مثل صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة، فقال: " لا، لكل سورة ركعة " (7). وفي رواية منصور المتقدمة في وجوب السورة (8)، وموثقة زرارة - لابن بكير -


1. دعائم الإسلام 1: 160، مستدرك الوسائل 4: 175 أبواب القراءة ب 13 ح 3. 2. الفقيه 1: 255. 3. نهاية الإحكام 1: 466، جامع المقاصد 2: 248. 4. شرح الكافية: 178. 5. الانتصار: 44. 6. أمالي الصدوق: 512. 7. التهذيب 2: 70 ح 254، الاستبصار 1: 314 ح 1168، الوسائل 4: 740 أبواب القراءة ب 8 ح 1. 8. الكافي 3: 314 ح 12، التهذيب 2: 69 ح 253، الا ستبصار 1: 314 ح 1167، الوسائل 4: 736 أبواب القراءة ب 4 ح 2.

[ 509 ]

قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقرن بين السورتين في الركعة، قال: " إن لكل سورة حقا، فأعطها حقها من الركوع والسجود " (1) الحديث. رواية عمر بن يزيد، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أقرأ سورتين في ركعة ؟ قال: " نعم " قلت: أليس يقال أعط كل سورة حقها من الركوع والسجود ؟ فقال: " في الفريضة، فأما النافلة فليس به بأس " (2). وروي في مجمع البيان عن العياشي بإسناده عن الصادق عليه السلام، قال: " لا تجمع سورتين في ركعة واحدة، إلا الضحى وألم نشرح، وألم تر كيف ولإيلاف قريش " (3). وفي الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام أيضا: " إن القران غير جائز في الفريضة " (4). وفي المعتبر والمنتهى نقلا عن جامع البزنطي، عن الفضيل بن صالح، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة، إلا الضحى وألم نشرح، والفيل ولإيلاف " (5). وفي بعض الأخبار أيضا تأييد (6). وذهب ابن إدريس (7) ومعظم المتأخرين إلى الكراهة (8)، للعمومات، وصحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن القران بين السورتين في


1. التهذيب 2: 73 ح 268، الوسائل 4: 741 أبواب القراءة ب 8 ح 3. 2. التهذيب 2: 70 ح 257، الا ستبصار 1: 316 ح 1179، الوسائل 4: 741 أبواب القراءة ب 8 ح 5. 3. مجمع البيان 5: 544، الوسائل 4: 744 أبواب القراءة ب 10 ح 5. 4. فقه الرضا (ع): 12. 5. المعتبر 2: 188، المنتهى 1: 276، الوسائل 4: 744 أبواب القراءة ب 10 ح 5. 6. الوسائل 4: 744 أبواب القراءة ب 10. 7. السرائر 1: 220. 8. الجامع للشرائع: 81.

[ 510 ]

المكتوبة والنافلة، قال: " لا بأس " وعن تبعيض السورة، قال: " أكره، ولا بأس به في النافلة " (1). موثقة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " إنما يكره أن يجمع بين السورتين في الفريضة، وأما النافلة فلا بأس " (2). والعمومات مع تسليم شمولها لما نحن فيه مخصصة بما تقدم. والخبران بعد تسليم ثبوت الحقيقة الشرعية في الكراهة ودلالتهما على المطلوب من هذه الجهة لا يقاومان أدلة المشهور، سيما مع اشتمال الأول على جواز التبعيض، وقد أثبتنا بطلانه. وكون الثاني موافقا للتفصيل المذكور في رواية عمر بن يزيد (3)، فإن ظاهرها التحريم، ولكثرتها واعتبار سندها وتعاضدها بالعمل والإجماع المنقول والطريقة المعهودة المستمرة من أهل بيت العصمة إلى الآن إلى غير ذلك. بل لابد من حملهما على التقية، وفيهما من المقربات لهذا الحمل أيضا ما لاتخفى. مع ملاحظة أن عدمه كان من دين الإمامية ومنفرداتهم كما قاله الصدوق (4) والسيد (5). وبالجملة براءة الذمة لا تحصل إلا بتركه. وقال الشهيد الثاني - رحمه الله - في المسالك: إن الكراهة إذا لم يعتقد المشروعية، وإلا حرم قطعا (6). وكأنه أراد من المشروعية الاستحباب الخاص، وأما القائل بالحرمة والبطلان فمراده الأعم من ذلك كما لا يخفى، وإلا فلا نزاع معنوي.


1. التهذيب 2: 296 ح 1192، الا ستبصار 1: 317 ح 1181، الوسائل 4: 742 أبواب القراءة ب 8 ح 9. 2. التهذيب 2: 72 ح 267، الوسائل 4: 741 أبواب القراءة ب 8 ح 2. 3. التهذيب 2: 70 ح 257، الا ستبصار 1: 316 ح 1179، الوسائل 4: 741 أبواب القراءة ب 8 ح 5. 4. أمالي الصدوق: 512. 5. الانتصار: 44. 6. المسالك 1: 206.

[ 511 ]

ثم قال رحمه الله: ويتحقق القران بقراءة أزيد من سورة وإن لم يكمل الثانية، بل بتكرار السورة الواحدة أو بعضها، مثل تكرار الحمد (1). والأقوى والأحوط مراعاة ذلك، سيما بالنظر إلى رواية منصور المتقدمة (2). وكيف كان فالعدول عن سورة إلى اخرى مخرج بدليل، فلا نقض. ثم إن محل الخلاف ينبغي أن يكون فيما إذا قارن السورة التي يقرأها بسورة اخرى، وأما مثل قراءة سورة أو آية في القنوت وغيره فيشكل تعميم الحكم بالنسبة إليه. بل قال السيد الفاضل في المدارك: وكيف كان فموضع الخلاف قراءة الزائد على أنه جزء من القراءة المعتبرة في الصلاة، إذ الظاهر أنه لا خلاف في جواز القنوت ببعض الآيات، وإجابة المسلم بلفظ القرآن، والإذن للمستأذن بقوله ادخلوها بسلام، ونحو ذلك (3)، انتهى. وفي الموثق عن عبيد بن زرارة: أنه سأل الصادق عليه السلام عن ذكر السورة من الكتاب يدعو بها في الصلاة مثل قل هو الله، فقال: " إذا كنت تدعو بها فلا بأس " (4). والاحتياط ترك السورة الكاملة في غير محل النزاع أيضا، وإن كان الظاهر من ذلك الموثق الجواز. وأما الآية والآيات فيه فلا أجد بها بأسا، بل ولا عقيب السورة أيضا لو لم نجعلها من تتمة القراءة ولو استحبابا أو بلا قصد، هكله للاستدلال على الجواز والحرمة.


1. المسالك 1: 206. 2. ص 483 وهي في الكافي 3: 314 ح 12، والتهذيب 2: 69 ح 253، والاستبصار 1: 314 ح 1167، والوسائل 4: 736 أبواب القراءة ب 4 ح 2. 3. المدارك 3: 356. 4. الكافي 3: 302 ح 4، التهذيب 2: 314 ح 1278، الوسائل 4: 743 أبواب القراءة ب 9 ح 1.

[ 512 ]

وأما البطلان، فيمكن الاستدلال عليه بأنه غير آت بالمأمور به، فيبقى في عهدة التكليف كما ذكره في المختلف (1)، وذلك لأن الذي ظهر من الأدلة أن المطلوب هي الصلاة التي كان جزؤها سورة واحدة، وهذا غيره، بل النهي يتعلق بهما، فإن الظاهر أن النهي يتعلق بقراءة السورتين لا بمحض وصف اثنينيتهما، والسورة جزء الصلاة على ما حققناه، والنهي المتعلق بجزء العبادة مستلزم لفسادها، وهذا فيما لو أراد أولا قراءة السورتين واضح. وأما لو طرأ قصد الاخرى بعد قراءة الاولى، فيمكن دعوى أنه يفهم منها أن المطلوب هو صلاة لا يقرأ فيها سورة بعد سورة. واعلم أن الخلاف في هذه المسألة في الصلاة الواجبة، وأما المندوبة فلا خلاف في الجواز، والأخبار بها متضافرة، لكن ورد في بعضها: " ما كان من صلاة الليل فاقرأ بالسورتين والثلاث، وما كان من صلاة النهار فلا تقرأ إلا بسورة سورة " (2). ولم أجد من الأصحاب مفصلا، ولعله يراد منه الاستحباب. تتميم: اعلم أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة، وكذلك لإيلاف وألم تر كيف، بالإجماع، نقله السيد في الانتصار (3)، ويظهر من الصدوق في الأمالي (4). وقال في الاستبصار: إن الضحى وألم نشرح سورة واحدة عند آل محمد صلى الله عليه وآله (5)، ونسبه المحقق إلى روايات أصحابنا (6).


1. المختلف 2: 153. 2. التهذيب 2: 73 ح 269، الوسائل 4: 741 أبواب القراءة ب 8 ح 4. 3. الانتصار: 44. 4. أمالي الصدوق: 512. 5. الاستبصار 1: 317 ذ. ح 1182. 6. المعتبر 2: 187.

[ 513 ]

ويظهر ذلك من أخبار كثيرة، منها ثلاثة أخبار نقلت عن كتاب القراءات لأحمد بن محمد بن سيار في أنهما سورة واحدة (1)، وهو صريح الفقه الرضوي أيضا (2)، وهو صريح الصدوق في الفقيه أيضا (3). روى العياشي، عن أبي العباس، عن أحدهما عليهما السلام، قال: " ألم تر كيف فعل ربك ولإيلاف قريش سورة واحدة " (4). وروي أن أبي بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه، فتجوز قرأتهما معا في الركعة الواحدة (5). ويدل على ذلك أيضا صحيحة زيد الشحام (6)، ورواية المفضل (7). والأقوى عدم سقوط البسملة بينهما، لثبوت ذلك في المصاحف، وعدم معهودية خلاف ذلك، ولا مانع من كونهما آيتين من سورة واحدة كسورة النمل، وللشيخ قول بالسقوط قضية للاتحاد (8)، وهو مشكل. الثامن: لا تجوز قراءة إحدى العزائم الأربع في الفرائض عند أكثر أصحابنا، بل ادعى عليه جماعة من أصحابنا الإجماع، منهم السيد (9)، والشيخ (10)، والعلامة، قال في التذكرة: لا يجوز أن يقرأ في الفرائض شيئا من العزائم الأربع عند علمائنا،


1. التنزيل والتحريف: 68. 2. فقه الرضا (ع): 112. 3. الفقيه 1: 200 ذ. ح 922. 4. مجمع البيان 5: 544، الوسائل 4: 744 أبواب القراءة ب 10 ح 6. 5. مجمع البيان 5: 544، الوسائل 4: 744 أبواب القراءة ب 10 ح 7. 6. التهذيب 2: 72 ح 266، الا ستبصار 1: 317 ح 1182، الوسائل 4: 743 أبواب القراءة ب 10 ح 1. 7. مجمع البيان 5: 544، الوسائل 4: 744 أبواب القراءة ب 10 ح 5. 8. الا ستبصار 1: 317 ذ. ح 1182. 9. النتصار: 43. 10. المبسوط 1: 107.

[ 514 ]

خلافا للجمهور كافة (1). ويدل عليه مضافا إلى الإجماع قوية زرارة عن أحدهما عليهما السلام، قال: " لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة " (2). وموثقة سماعة - وفي طريقها عثمان بن عيسى - قال: " من قرأ * (إقرأ باسم ربك) * فإذا ختمها فليسجد، فإذا قام فليقرأ فاتحة الكتاب وليركع " قال: " وإن ابتليت بها مع إمام لا يسجد فيجزئك الإيماء والركوع، ولا تقرأ في الفريضة، اقرأ في التطوع " (3). ولأن فعل السجدة إن أوجبناه يورث الاختلال في كيفية العبادة التوقيفية، ولا يحصل اليقين بالبراءة، وإن لم نوجبه يلزم خروج الواجب الفوري عن كونه واجبا، ووجوبه فورا إجماعي كما قالوه (4). وقد يمنع شمول أدلة الفور لما نحن فيه. ويدفعه ظاهر الخبرين المتقدمين وغيرهما. وقال ابن الجنيد: لو قرأ سورة من العزائم في النافلة سجد، وإن كان في فريضة أومأ، فإذا فرغ قرأها وسجد (5). وأما الأخبار الدالة على الجواز مثل صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتى يركع ويسجد، قال: " يسجد إذا ذكر، إذا كانت من العزائم " (6) وحسنة الحلبي


1. تذكرة الفقهاء 3: 146. 2. الكافي 3: 318 ح 6، التهذيب 2: 96 ح 361، الوسائل 4: 779 أبواب القراءة ب 40 ح 1. 3. التهذيب 2: 292 ح 1174، الاستبصار 1: 320 ح 1191، الوسائل 4: 779 أبواب القراءة ب 40 ح 2. 4. التنقيح الرائع 1: 199، مجمع الفائدة 2: 232. 5. نقله عنه في المعتبر 2: 175. 6. التهذيب 2: 292 ح 1176، الوسائل 4: 778 أبواب القراءة ب 39 ح 1.

[ 515 ]

الآتية (1)، وصحيحة علي بن جعفر (2) وغيرها (3) فبعضها محمولة على النافلة، وبعضها على التقية، ولهما فيها شواهد وقرائن واضحة. ولكن يستفاد مما رواه في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة النجم، أيركع بها أو يسجد ثم يقوم فيقرأ بغيرها ؟ قال: " يسجد ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب ويركع، ولا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة " (4) الكراهة، فحينئذ إما لابد من طرحها، أو وجود القول بالكراهة في العامة. وبالجملة لا يقاوم أدلة المشهور، فموافقتها مذهب العامة ومخالفتها للأصحاب وتركهم العمل عليها مع كثرتها وصحتها أعظم شاهد على عدم جواز العمل على ظاهرها. وبعد البناء على ما حققناه من وجوب السورة الكاملة، وبطلان القران يتجه القول ببطلان الصلاة، سواء تركنا موضع السجدة وقرأنا سورة اخرى أو لم نقرأ أو لم نتركه وتركنا السجدة وقلنا بأن المنهي عنه هو الخارج، إذ لا تنفك الصلاة عن تعلق النهي بها على حال. وهل تبطل الصلاة بمجرد الشروع، أو بقراءة السجدة ؟ رجح أولهما الشهيد الثاني (5) - رحمه الله - وهو كذلك، سيما على ما بنى عليه أمره في القران، للزوم التعدد أو التبعيض أو الإكمال المنهي عنه، وكلها باطلة، مع أن الظاهر من الأدلة هو عدم جواز قراءة أصل السورة، فيكون تكلما منهيا عنه، لعدم شمول أدلة جواز قراءة


1. الكافي 3: 318 ح 5، التهذيب 2: 291 ح 1167، الاستبصار 1: 319 ح 1189، الوسائل 4: 777 أبواب القراءة ب 37 ح 1. 2. التهذيب 2: 293 ح 1178، الوسائل 4: 780 أبواب القراءة ب 40 ح 5. 3. انظر الوسائل 4: 779 أبواب القراءة ب 40 4. قرب الإسناد: 93، الوسائل 4: 780 أبواب القراءة ب 40 ح 4. 5. الروضة البهية 1: 607.

[ 516 ]

القرآن لذلك، فتأمل. أو نقول: إن الظاهر من أمثال المقام أن الصلاة الكذائية ليست مطلوبة للشارع، مضافا إلى استصحاب شغل الذمة. وأما موثقة عمار الدالة على الصحة (1)، وأنه يترك موضع السجدة أو يعود إلى سورة اخرى إن أحب، فهي متضمنة لما أثبتنا عدمه من التبعيض والقران. ولو قرأها سهوا فالأقرب العدول وإن جاوز النصف لعدم إتيانه بالمأمور به بدونه. وأما ما يدل على عدم جواز العدول إن جاوز النصف فمع تسليمه غير ثابت فيما نحن فيه، وستعرف، وربما كان في الموثق المتقدم تأييد لذلك. أما لو أتمها سهوا، ففيها أقوال، قيل: يومئ ويقضي بعد الصلاة (2). وقيل: يتخير بينهما (3). وقيل: يمضي ويقضي (4). ولا يظهر لواحد منها وجه وجيه. ومقتضى الأدلة فورية السجود. ولعله يكون الاحتياط في السجود وإتمام الصلاة والإعادة، بل وقضاء السجود أيضا على احتمال، وذلك لأن الأخبار وإن كان يظهر من بعضها السجود في الأثناء، ومن بعضها الإيماء، لكنها متشابهة جدا، لعدم ظهور الحكم فيها إلا من جهة التقية، وإن لم نبن الأمر فيها على التقية أو النافلة لكنا قلنا بجوازه في الفريضة عمدا أيضا، فإذا سقطت الأخبار من الدلالة على ما نحن فيه تبقى الاصول والأدلة.


1. التهذيب 2: 293 ح 1177، الوسائل 4: 779 أبواب القراءة ب 40 ح 3. 2. المسالك 1: 206. 3. التذكرة 3: 147. 4. القواعد 1: 274.

[ 517 ]

ولعل ما ذكرنا هو طريقة الجمع والاحتياط والله يعلم. ولعلك بعد خبرتك بما ذكرنا فيمن أتم السورة سهوا تحيط خبرا بحال من قرأ السجدة فيها سهوا وإن لم يتم بعد. أما لو لم يتفطن للسجدة وأتم السورة سهوا ثم تذكر وقد انقضت آنات فالحق أن المسألة تبتني على أن الوجوب ينتفي بانتفاء الفور أم لا، هذا حال الفرائض. وأما النوافل فلم أقف في جواز قرائتها فيها على مخالف، ويعمل بما في موثقة سماعة المتقدمة (1)، وحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن الرجل يقرأ بالسجدة في آخر السورة، قال: " يسجد ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب، ثم يركع ويسجد " (2) وربما قيل بزيادة سورة أو آية بعدها أيضا (3). هذا إذا كانت السجدة في آخر السورة، وإلا فيسجد ويقوم ويتم ما بقي ويركع. ولو نسي السجدة فيسجد حيث يتذكر، لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (4). تتميم فيه فوائد: لاولى: لا خلاف بين الأصحاب في أن سجدات القرآن خمس عشرة: في الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، وسورة مريم، والحج في موضعين، والفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وص، وحم فصلت، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ، وادعى الإجماع عليه في الذكرى (5). وأربعة منها واجبة، وهي: ألم تنزيل، وحم فصلت، ووالنجم، واقرأ


1. التهذيب 2: 292 ح 1174، الاستبصار 1: 320 ح 1191، الوسائل 4: 779 أبواب القراءة ب 40 ح 2. 2. الكافي 3: 318 ح 5، التهذيب 2: 291 ح 1167، الاستبصار 1: 319 ح 1189، الوسائل 4: 777 أبواب القراءة ب 37 ح 1. 3. المبسوط 1: 108. 4. التهذيب 2: 292 ح 1176، الوسائل 4: 778 أبواب القراءة ب 39 ح 1. 5. الذكرى: 213.

[ 518 ]

بالإجماع والأخبار (1). وموضع السجود عند الفراغ من الآية، لا عند التلفظ بلفظ السجدة. وما قيل: إن الشيخ قال في الخلاف: تكون السجدة في سورة فصلت عند قوله: * (واسجدوا لله) * (2) (3) فهو توهم ظاهر كما بينه الشهيد في الذكرى (4)، بل هي عند قوله: * (إياه تعبدون) * وادعى الشيخ عليه الإجماع (5) كما نقله الشهيد (6)، بل قال في الذكرى: إنه لا لخلاف فيه بين المسلمين، إنما الخلاف في تأخيرها إلى قوله: * (يسأمون) * فإن ابن عباس والثوري وأهل الكوفة والشافعي يذهبون إليه (7). وعن الصدوق أنه قال: يستحب أن يسجد في كل سورة فيها سجدة (8)، فيدخل فيه آل عمران عند قوله تعالى: * (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي) * (9) وغيرها. وقد يقال: إنه يشعر به ما رواه الصدوق في العلل، عن جابر، عن الباقر عليه السلام، قال: " إن أبي عليه السلام ما ذكر لله نعمة إلا سجد، ولا قرأ آية من كتاب الله عزوجل فيها سجدة إلا سجد " إلى أن قال: " فسمي السجاد لذلك " (10) وهو كذلك. ولكن الإجماع الذي نقله الشهيد على الحصر يشكل معه الاعتماد على هذا


1. الوسائل 4: 880 أبواب قراءة القرآن ب 42. 2. فصلت: 37. 3. انظر الخلاف 1: 429 مسألة 177. 4. الذكرى: 214. 5. الخلاف 1: 430. 6 و 7. الذكرى: 214. 8. الفقيه 1: 201. 9. آل عمران: 43. 10. علل الشرائع: 232 ب 166 ح 1.

[ 519 ]

الإشعار مع ضعف الخبر. واختلفوا في وجوب السجدة على السامع من غير إصغاء، بعد اتفاقهم على الوجوب على القارئ والمستمع، وادعى الشيخ الإجماع على عدم الوجوب (1)، وابن إدريس على الوجوب (2). والأخبار مختلفة، فمما دل على الوجوب رواية أبي بصير القوية - لقاسم بن محمد - عن علي بن أبي حمزة قال، قال: " إذا قرئ شئ من العزائم الأربع فسمعتها فاسجد، وإن كنت على غير وضوء، وإن كنت جنبا، وإن كانت المرأة لاتصليئ " (3). وموثقة أبي عبيدة الحذاء قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الطامث تسمع السجدة، قال: " إن كانت من العزائم تسجد إذا سمعتها " (4). وتؤيده صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يعلم السورة من العزائم فتعاد عليه مرارا في المقعد الواحد، قال: " عليه أن يسجد كلما سمعها، وعلى الذي يعلم أن يسجد " (5). وما رواه في السرائر عن نوادر البزنطي في الموثق لعبد الله بن المغيرة، عن الوليد بن صبيح، عن الصادق عليه السلام، قال فيمن قرأ السجدة وعنده رجل على غير وضوء، قال: " سجد إن كان من العزائم " (6). وعن علي بن رئاب، عن الحلبي، قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يقرأ


1. الخلاف 1: 431 مسألة 179. 2. السرائر 1: 226. 3. الكافي 3: 318 ح 2، التهذيب 2: 291 ح 1171، الوسائل 4: 880 أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 2. 4. الكافي 3: 106 ح 3، التهذيب 1: 129 ح 353، الاستبصار 1: 115 ح 385، الوسائل 2: 584 أبواب الحيض ب 36 ح 1. 5 التهذيب 2: 293 ح 1179، الوسائل 4: 884 أبواب قراءة القرآن ب 45 ح 1. 6. مستطرفات السرائر 3: 557، الوسائل 4: 881 أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 5.

[ 520 ]

الرجل السجدة وهو على غير وضوء ؟ قال: " يسجد إذا كانت من العزائم " (1). وفي كتاب المسائل لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون في صلاة في جماعة فيقرأ إنسان السجدة، كيف يصنع ؟ قال: " يومئ برأسه " (2) الحديث. وممادل على العدم صحيحة عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل سمع السجدة تقرأ، قال: " لا يسجد إلا أن يكون منصتا لقراءته مستمعا لها، أو يصلي بصلاته، وأما أن يكون يصلي في ناحية وأنت تصلي في ناحية اخرى فلا تسجد لما سمعت " (3) وتؤيده روايته في كتاب دعائم الإسلام أيضا (4). ويمكن حمل المطلق على المقيد، وربما يحمل ما دل على عدم الوجوب على التقية، لموافقته لمذهب العامة. والأقوى الوجوب، لأن صحيحة عبد الله بن سنان لا تخلو عن شئ في متنها بالنظر إلى فتوى جمهور أصحابنا، وفي سندها محمد بن عيسى عن يونس، وفيه كلام مشهور، فلا تصلح لتقييد سائر الأخبار، مع موافقتها للعامة. قال في الذكرى: ولا شك عندنا في استحبابه على تقدير عدم الوجوب، ثم قال: أما غير العزائم فيستحب مطلقا، ويتأكد في حق التالي والمستمع (5). وهل تشترط الطهارة فيها أم لا ؟ الأقرب العدم، للأصل، والأخبار المتقدمة. والروايات فيآخصوص الحائض متعارضة، منها رواية أبي بصير وموثقة


1. مستطرفات السرائر 3: 555، الوسائل 4: 881 أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 6. 2 مسائل علي بن جعفر: 172 ح 300، الوسائل 4: 882 أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 3. 3. الكافي 3: 318 ح 3، التهذيب 2: 291 ح 1169، الوسائل 4: 882 أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 1. 5. الذكرى: 214.

[ 521 ]

أبي عبيدة المتقدمتين في الجواز، ومنها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) في العدم، والأظهر الوجوب، والأحوط عدم استماعها، والسجود مع السماع، بل والقضاء بعد الطهر. وأما ستر العورة والطهارة من الخبث واستقبال القبلة، فقال في البحار: إن ظاهر الأكثر أنه لا خلاف في عدم اشتراطها، ويظهر الخلاف فيها أيضا من بعضهم، والأقوى عدمه (2)، وهو كذلك، للأصل، والإطلاق. وأما وضع غير الجبهة من أعضاء السجود، وكذلك وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه فاختلفوا فيه، وليس للطرفين ما يعتمد عليه، والأصل مع العدم، والاحتياط مع الاشتراط. وفي كتاب دعائم الإسلام، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام، أنه قال: " إذا قرأت السجدة وأنت جالس فاسجد متوجها إلى القبلة، وإذا قرأتها وأنت راكب فاسجد حيث توجهت، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي على راحلته وهو متوجه إلى المدينة بعد انصرافه من مكة " يعني النافلة قال: " وفي ذلك قول الله تعالى: * (فأينما تولوا فثم وجه الله) * (3) (4). وفي تفسير العياشي، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل يقرأ السجدة وهو على ظهر دابته قال: " يسجد حيث توجهت، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي على ناقته النافلة وهو مستقبل المدينة، يقول: * (فأينما تولوا فثم وجه الله) * (5).


1. التهذيب 2: 292 ح 1172، الاستبصار 1: 320 ح 1193، الوسائل 2: 584 أبواب الحيض ب 36 ح 4. 2. بحار الأنوار 82: 177. 3. البقرة: 115. 4. دعائم الإسلام 1: 216. 5. علل الشرائع: 358 ب 76 ح 1، الوسائل 4: 887 أبواب قراءة القرآن ب 49 ح 1 بتفاوت.

[ 522 ]

وكيف كان فيجب وضع الجبهة على الأرض، فلو تمكن الراكب والماشي من ذلك وجب عليه، وإلا فيومئ كما صرح به في المنتهى (1). والمعروف من الأصحاب بل نقل إجماعهم في المدارك على أنه ليس لها تكبير في الافتتاح ولا تشهد ولا تسليم (2). نعم يستحب التكبير عند الرفع، لصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام (3)، ويظهر من بعض الأصحاب وجوبه (4)، وهو أحوط. ولا يجب الذكر فيها، بل يستحب، وقال الصدوق في الأمالي فيما وصفه من دين الإمامية: وأما سجدة العزائم فيقال فيها: " لا إله إلا الله حقا حقا، لا إله إلا الله إيمانا وتصديقا، لا إله إلا الله عبودية ورقا، سجدت لك يا رب تعبدا ورقا، لا مستنكفا ولا مستكبرا، بل أنا عبد ذليل خائف مستجير " قال: ويكبر إذا رفع رأسه (5). وفي صحيحة أبي عبيدة الحذاء عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا قرأ أحدكم السجدة من العزائم فليقل في سجوده: سجدت لك تعبدا ورقا، لا مستكبرا عن عبادتك، ولا مستنكفا، ولا مستعظما، بل أنا عبد ذليل خائف مستجير " (6). وفي بعض الروايات عن الصادق عليه السلام: " لا تكبر إذا سجدت، ولا إذا قمت، وإذا سجدت قل ما تقول في السجود " (7) وهو المنقول عن


1. المنتهى 1: 287. 2. المدارك 3: 420. 3. الكافي 3: 317 ح 1، التهذيب 2: 291 ح 1170، الوسائل 4: 880 أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 1. 4. كالشيخ في الخلاف 1: 432 مسالة 181، وابن سعيد في الجامع للشرائع: 84، والشهيد في الذكرى: 214، والسبزواري في الكفاية: 20. 5. أمالي الصدوق: 513. 6. الكافي 3: 328 ح 23، الوسائل 4: 884 أبواب قراءة القرآن ب 46 ح 1. 7. مستطرفات السرائر 3: 605، الوسائل 4: 884 أبواب قراءة القرآن ب 46 ح 3.

[ 523 ]

ابن الجنيد (1)، ووردت في الروايات أذكار اخر (2)، والكل حسن. والأحوط أن ينوي السجود حين الهوي إليه، وقيل: وقته عند وضع الجبهة (3). ثم إن وجوب السجدة فوري، وادعوا عليه الإجماع (4)، ويرجع في الفور إلى العرف، فإذا تخلف عنه بعد الفراغ من الآية بما ينافيه كان آثما ويأتي به بعد ذلك كالحج، كما يستفاد من صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في قراءة العزيمة في الفرائض. والأولى ترك نية القضاء والأداء، وكذلك المستحب. وتتعدد السجدة بتعدد السبب، سواء تخللت السجدة فيها أم لا، لأصالة عدم التداخل كما حققناه في مباحث الأغسال، ولخصوص صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة. التاسع: يجوز العدول من سورة إلى اخرى، سوى التوحيد والجحد، فإنه يحرم العدول عنهما، وادعى عليه السيد الإجماع في الانتصار (5)، وقيل: يكره فيهما (6)، وليس بشئ. ولا فرق في الجواز فيما أراد أولا العدول إليها ونسيه، أو بدا له قراءتها في الأثناء. وربما خص بالناسي، ولا وجه له. ويدل على مجموع ما قلنا روايات (7)، ففي صحيحة عمرو بن أبي نصر قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يقوم في الصلاة فيريد أن يقرأ سورة فيقرأ


1. نقله عنه في المختلف 2: 165. 2. الوسائل 4: 951 أبواب السجودب 2. 3. جامع المقاصد 2: 315. 4. جامع المقاصد 2: 313. 5. الانتصار: 44. 6. المعتبر 2: 191، التذكرة 3: 150. 7. الوسائل 4: 776 أبواب القراءة ب 36.

[ 524 ]

* (قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون) * فقال: " يرجع من كل سورة إلا من * (قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون) * (1). وفي صحيحة الحلبي - على تردد بسبب احتمال سقط في السند - قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل قرأ في الغداة سورة قل هو الله أحد، قال: " لا بأس، ومن افتتح بسورة ثم بدا له أن يرجع في سورة غيرها فلا بأس إلا قل هو الله أحد، فلا يرجع منها إلى غيرها، وكذلك قل يا أيها الكافرون (2). وموثقة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أراد أن يقرأ في سورة فأخذ في اخرى، قال: " فليرجع إلى السورة الاولى إلا أن يقرأ بقل هو الله أحد " (3). وفي موثقته الاخرى عنه عليه السلام: في الرجل يريد أن يقرأ السورة فيقرأ غيرها، فقال: " له أن يرجع ما بينه وبين أن يقرأ ثلثيها " (4). ثم إن الأصحاب اختلفوا في موضع جواز العدول، فقيل: ما لم يتجاوز النصف (5)، وقيل: ما لم يبلغه (6)، وليس في هذه الأخبار ما يدل صريحا على هذا التفصيل، بل هي كما ترى مطلقة، والموثق المتقدم لا يدل على واحد منهما. نعم روى الشهيد في الذكرى، عن كتاب البزنطي، عن أبي العباس: في الرجل يريد أن يقرأ السورة فيقرأ اخرى، قال: " يرجع إلى التي يريد وإن بلغ النصف " (7).


1. الكافي 3: 317 ح 25، التهذيب 2: 290 ح 1166، وص 190 ح 752، الوسائل 4: 775 أبواب القراءة ب 35 ح 1. 2. التهذيب 2: 190 ح 753، الوسائل 4: 775 أبواب القراءة ب 35 ح 2. 3. التهذيب 3: 242 ح 651، الوسائل 4: 814 أبواب القراءة ب 69 ح 3. 4. التهذيب 2: 293 ح 1180، الوسائل 4: 776 أبواب القراءة ب 36 ح 2. 5. المبسوط 1: 107، المعتبر 2: 191، المنتهى 1: 280، الذكرى: 195. 6. السرائر: 222، الدروس 1: 173، ونقله عن ابن الجنيد في الذكرى: 195. 7. الذكرى: 195، الوسائل 4: 776 أبواب القراءة ب 36 ح 3.

[ 525 ]

وفي قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل أراد سورة فقرأ غيرها، هل يصلح له أن يقرأ نصفها ثم يرجع إلى السورة التي أراد ؟ قال: " نعم ما لو لم يكن قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون " (1). وتشعر عبارة الفقه الرضوي عليه السلام الآتية بمانعية قراءة النصف أيضا عن العدول في الجملة (2). وقد يوجه ذلك بأنه أشبه بالقرآن، وأنه يتحقق بسورة وبمعظم اخرى. وفيه تأمل، ولعله يمكن أن يقال: إن المعهود من السورة في الصلاة والقدر اليقيني المعتبر في كونها قراءة عقيب الحمد هو سورة كاملة لا غير، فالزيادة خروج عن الأصل، وتقتصر فيه على موضع اليقين، والذي يظهر من أكثر الأخبار هو الرجوع حين الافتتاح وحين الأخذ، وأمثال ذلك، وكذلك يظهر ذلك من لفظ الرجوع، فإن الرجوع عن القراءة حقيقة في الرجوع عن مجموعها، ولما تعذرت الحقيقة بعد الافتتاح فيحمل على أقرب المجازات، وهو ما كان الرجوع دون النصف، ليبقى أزيد منه، فالذي يثبت من تلك الإطلاقات وينساق منها إلى الذهن هو ذلك، والزائد خلاف الأصل فتأمل. وقد يوجه بتوجيهات لا طائل تحتها، ولعله كان إجما عيا بينهم، ولم يظهر لنا بعد. وبالجملة الاحتياط يقتضي عدم التجاوز عن النصف بل ولا آيبلغه. ثم إن حرمة العدول عن الجحد والتوحيد أيضا مخصص بالعدول إلى الجمعة والمنافقين في ظهر الجمعة وصلاتها ما لم يتجاوز النصف أو لم يبلغه على المشهور بين الأصحاب.


1. قرب الإسناد: 95، مسائل علي بن جعفر: 164 ح 260، الوسائل 4: 776 أبواب القراءة ب 35 ح 3. 2. فقه الرضا (ع): 130.

[ 526 ]

وخالف في ذلك المحقق، حيث لم يجوز العدول فيهما (1)، وهو ظاهر المرتضى حيث ادعى الإجماع ولم يستثن (2). والأقرب قول المشهور، للروايات المعتبرة، مثل صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا افتتحت صلاتك بقل هو الله أحد وأنت تريد أن تقرأ غيرها فامض فيها ولا ترجع، إلا أن تكون في يوم الجمعة فإنك ترجع إلى الجمعة والمنافقين منها " (3). وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: في الرجل يريد أن يقرأ سورة الجمعة في الجمعة فيقرأ قل هو الله أحد، قال: " يرجع إلى سورة الجمعة " (4). وموثقة عبيد بن زرارة قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل صلى الجمعة فأراد أن يقرأ سورة الجمعة فقرأ قل هو الله أحد، قال: " يعود إلى سورة الجمعة " (5). وقال بعض المتأخرين: هذه الأخبار إنما تدل على جواز العدول لمن أراد سورة الجمعة، وأما من آثر التوحيد والجحد على الجمعة فلا يثبت حكمه من هذه الأخبار (6)، وهو كذلك، إلا أن يقال بعدم القول بالفصل. ويمكن الاستدلال بعموم رواية قرب الإسناد (7).


1. الشرائع 1: 89. 2 الانتصار: 44. 3. التهذيب 3: 243 ح 650، الوسائل 4، 814 أبواب القراءة ب 69 ح 2. 4. الكافي 3: 426 ح 6، التهذيب 3: 241 ح 649، وص 242 ح 652، الوسائل 4: 814 أبواب القراءة ب 69 ح 1. 5. التهذيب 3: 242 ح 651، الوسائل 4: 814 أبواب القراءة ب 69 ح 3. 6. الشرائع 1: 89، المسالك 1: 249. 7. تقدمت، وهي في قرب الإسناد: 95، ومسائل علي بن جعفر: 164 ح 260، والوسائل 4: 776 أبواب القراءة ب 35 ح 3.

[ 527 ]

وبعضهم خصص الحكم بالناسي (1) وصحيحة الحلبي تدفعه، لأن الظاهر أن المراد ب‍ " أنت تريد " أي حال الافتتاح أو بعد الافتتاح، لأنه أقرب المجازات، وكذلك رواية قرب الإسناد الآتية (2). والكلام في اعتبار النصف والتجاوز منه نظير ما تقدم. وفي الفقه الرضوي: " وتقرأ في صلاتك كلها يوم الجمعة وليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين وسبح اسم ربك الأعلى، وإن نسيتها أو في واحدة منها فلا إعادة عليك، فإن ذكرتها من قبل أن تقرأ نصف سورة فارجع إلى سورة الجمعة، وإن لم تذكرها إلا بعدما قرأت نصف سورة فامض في صلاتك " (3). ثم إن ما ذكرنا من التعميم بالنسبة إلى ظهر الجمعة وصلاتها لعله يستفاد من الأخبار، وقد يقال بكون الجمعة مشتركا معنويا بينهما (4)، وهو غير ظاهر، لأن إطلاق لفظ الجمعة على ظهرها وإن ورد في الأخبار، لكن الا ستعمال أعم من الحقيقية، بل هو مجاز. نعم المذكور في كثير منها يوم الجمعة، وهو أعم من صلاتها. وإخراج سائر أوقاتها من جهة عدم الفهم من ذلك، سيما بملاحظة تخصيص الحكم في كثير منها بلفظ الجمعة، وهو ظاهر بل صريح في خروج سائر الأوقات. ولعل عدم الفرق بينهما يكون مما لا خلاف فيه كما يظهر من بعضهم (5). وبعضهم عمم بالنسبة إلى العصر (6)، وبعضهم إلى الأوقات الخمسة (7)،


1. كالكركي في جامع المقاصد 2: 280، والشهيد في روض الجنان: 270. 2. في ص 528، وهي في قرب الإسناد: 97، والوسائل 4: 814 أبواب القراءة ب 69 ح 4. 3. فقه الرضا (ع): 130. 4. بحار الأنوار 82: 18. 5. كالمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 280، والشهيد الثاني في روض الجنان: 270. 6. التذكرة 3: 150. 7. تقله عن الجعفي في الذكرى: 195.

[ 528 ]

وهو مشكل، لضعف دلالة يوم الجمعة مع ما ذكرنا على ذلك، سيما مع قوة عمومات التحريم، وكون العدول خلاف الأصل. ثم اعلم أن المذكور في الأخبار المذكورة هو التوحيد، ولعل الجحد يثبت حكمه بعدم القول بالفصل، بل وربما تدعى الأولوية (1)، وفيه تأمل. نعم روى في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن القراءة في الجمعة بما يقرأ ؟ قال: " بسورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون، وإن أخذت في غيرهما وإن كان قل هو الله أحد فاقطعها من أولها وارجع إليها " (2) ودلالتها على المطلوب واضحة، مع اعتضادها بالشهرة بين القدماء والمتأخرين. ثم اعلم أن الأصحاب صرحوا بجواز العدول إذا تعسر إتمام السورة أو نسي، وهو كذلك، فروى معاوية بن عمار في الصحيح عن الصادق عليه السلام، قال: " من غلط في سورة فليقرأ قل هو الله أحد ثم ليركع " (3) وتعيين قل هو الله أحد محمول على الاستحباب، لعدم قائل به. تتميم: الذي يقوى في نفسي أنه لا ضرورة إلى قصد تعيين السورة المخصوصة قبلها، فلو قام إلى الصلاة وقرأ الحمد وسورة صح سواء جرى بلسانه بعد الحمد ذاهلا أو قصدها حين الشروع فيها، وسواء كان قصد قبل الشروع فيها قراءة سورة مطلقة أو شرع بلا قصد ذلك أيضا، للإطلاقات، وصدق الامتثال. وأما لو قصد سورة مخصوصة فسها فقرأ اخرى قاصدا لها أو ذاهلا ولا عن قصد، فظاهر الحكم بجو از العدول دون الوجوب كما يستفاد من أكثر أخبار العدول


1. المدارك 4: 88. 2. قرب الإسناد: 97 الوسائل 4: 814 أبواب القراءة ب 69 ح 4. 3. التهذيب 2: 295 ح 1187، الوسائل 4: 783 أبواب القراءة ب 43 ح 1.

[ 529 ]

المطلق بالنسبة إلى القصد والذهول في قراءة المعدول عنها ومن كلام الأصحاب الصحة. وكذلك تقتضيه الإطلاقات وصحيحة الحلبي: في الرجل يقرأ في المكتوبة نصف السورة، ثم ينسى فيأخذ في اخرى حتى يفرغ منها، ثم يذكر قبل أن يركع، قال: " يركع ولا يضره " (1). وأما لو قصد ترك سورة فقرأها سهوا أو ذاهلا فقد يتوهم أنه لا يصح لعدم إتيان هذه السورة بنية التقرب. وفيه ما لا يخفى، إذ عدم قصد التقرب بالسورة في الآن السابق لا ينافي التقرب بها في الآن اللاحق، فإن الداعي على فعلها حينئذ هو التقرب إلى الله، فليس السورة حينئذ خالية عن قصد التقرب. وإطلاق الصحيحة المتقدمة أيضا يحقق الصحة. واعلم أن الاعتياد على السورة بحيث تجري على لسانه بلا قصد، أو تعينها عليه بنذر وشبهه، أو كونها معينة في موضع كالحمد يقوم مقام القصد إليه، فيكون الأمر فيها على ما اخترناه أظهر. وهل يشترط القصد في تعيين البسملة في أول السورة أم لا ؟ وحينئذ فإذا عدل عن السورة إلى الاخرى فهل تجب إعادة البسملة أم لا ؟. ذهب جماعة من الأصحاب إلى وجوب الإعادة، لصيرورتها بقصد تلك السورة جزأها، فحينئذ لا يصير جزءا لسورة اخرى، فبدون الإعادة لا تتم السورة (2). ومنعه بعض المحققين، حيث قال: إنا لا نسلم أن للنية مدخلا في صيرورة


1. التهذيب 2: 190 ح 754، الوسائل 4: 776 أبواب القراءة ب 36 ح 4. 2. التحرير 1: 38، إرشاد الأذهان 1: 254، التذكرة 3: 150، الذكرى: 195.

[ 530 ]

البسملة جزءا (1). ولو قرأ البسملة بعد الحمد غير قاصد لسورة، أو قصد سورة ولم يشرع فيها، فهل يصح الاكتفاء به بعد قصد سورة معينة أم لا ؟ ظاهر بعض الأصحاب أنه يكتفى (2). والحق عدم الاكتفاء في المقامين، وأنه يجب القصد إلى تعيين البسلمة سواء قلنا بأنها جزء من السورة كما هو المختار أو واجب على حدة. أما الأول فلأن الامتثال لايتم إلا بالنية والقصد، وحيث كان القصد مميزا للفعل فيجب، لحصول الامتثال، فإذا اشترك جزء السورة بين سور مختلفة فلايتم الامتثال إلا بقصد التعيين. فلنمثل لك بمثال ليتضح الأمر: وهو أنا إذا قرأنا في الصلاة سورة الفرقان مثلا، فإذا بلغنا إلى قوله تعالى: * (الذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم) * (3) الى آخره فقلنا بقصد الدعاء بعد قوله تعالى: * (يقولون) * ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما، لأجل استحباب التعوذ من النار حيث ما تذكر في القرآن، ونسينا التكلم به أولا من جهة قراءة القرآن، فهل يحسب هذا الكلام بعد التذكر من القراءة ويجوز الاكتفاء به، أو تجب الإعادة ؟ فلا ريب أن هذا الكلام مشترك بين الدعاء والقرآن، ولا تميز إلا بالقصد، وبدونه لا يحصل الامتثال عرفا، وكذلك إذا اشترك اللفظ بين سورتين. وأما الثاني: فلأنه حينئذ يصير من باب الاستعاذة، ولا ريب أنا مأمورون بذكر بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة، ولا يحصل الامتثال إلا بقصد الامتثال، والامتثال هو موافقة الأمر، وكل أمر يقتضي امتثالا، إذ الأصل عدم التداخل كما حققناه في كتاب الطهارة.


1 و 2. الذخيرة: 281. 3. الفرقان: 65.

[ 531 ]

وقياس ما نحن فيه بما لو كتب كاتب " بسم الله الرحمن الرحيم " بقصد سورة، ثم كتب بعده سورة أخرى والقول بأنه يقال له في العرف " أنه كتب سورة تامة " باطل للفرق الواضح بين المقامين، لان المقصود هنا النقش، وثمة التكلم، وهو مأمور به. نعم إذا أمرنا الشارع بكتابة سورة، وعلمنا أن مراده ليس مجرد النقش، بل ما نقرأه في الصلاة، فلا يبعد القول بعدم الامتثال حينئذ أيضا. وكذلك لو كان لمصاحبة بعض السور خاصية، فلا يكتفى فيه بالبسملة المقصودة بها غيرها. ومما ذكرنا لعله يظهر حال أوائل السور المشتركة بين سور، كحم وألم والحمد لله وغيرها. العاشر: المشهور بين الاصحاب وجوب الجهر بالحمد والسورة في الصبح، وفي الاوليين من المغرب والعشاء، والاخفات في الظهرين وتتمة المغرب والعشاء، وادعى عليه الشيخ الاجماع 1 وكذا ابن زهرة 2، والسيد - رحمه الله - على أنه من السنن الاكيدة 3. ونقل الاستحباب عن ابن الجنيد أيضا 4. والاول أقرب، للاجماع المتقدم، ولصحيحة زراة عن الباقر عليه السلام قال، قلت له: رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغي أن يجهر فيه، أو أخفى فيما لا ينبغي الاخفات فيه، فقال: " أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته، وعليه الاعادة، وإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه، فقد تمت صلاته " 5.


1. الخلاف 1: 371 مسألة 130. 2. الغنية (الجوامع الفقهية): 558. 3. نقله عنه في المعتبر 2: 176، والمختلف 2: 153. 4. نقله في المعتبر 2: 176. 5. الفقيه 1: 227 ح 1003، التهذيب 2: 162 ح 635، الاستبصار 1: 313 ح 1163، الوسائل 4: 766 أبواب القراءة ب 26 ح 1.

[ 532 ]

وصحيحته الاخرى عنه عليه السلام، قلت: رجل جهر فيما لا ينبغي الجهر فيه، وأخفى فيما لا ينبغي الاخفات فيه، وترك القراءة فيما ينبغي القراءة فيه، فقال: " أي ذلك فعل ناسيا فلا شئ عليه " 1. وما رواه الصدوق، عن الفضل بن شاذان في علة الجهر والاخفات، عن الرضا عليه السلام: " علة الجهر في صلاة الجمعة والمغرب العلة التي جعل من أجلها الجهر في بعض الصلوات دون بعض، أن الصلاة التي يجهر فيها إنما هي في أوقات مظلمة، فوجب أن يجهر فيها ليعلم المار أن هناك جماعة " 2 وفي معناها رواية اخرى في هذا المقام 3. وفي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: " وأما الصلاة التي تجهر فيها فإنما أمر بالجهر لينصت من خلفه، فإن سمعت فانصت، وإن لم تسمع فاقرأ " (4). والمؤيدات والمقربات لهذا المطلب في الاخبار من الكثرة بمكان فلاحظ وتأمل. يدل عليه أيضا: استمرار تلك الطريقة في زمن النبي صلى الله عليه وآله والائمة، والتزامهم إياها بحيث لا يجوزون تركها. واستدل الخصم بصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي من الفرائض ما يجهر فيه بالقراءة، هل عليه أن لا يجهر ؟ قال: " إن شاء جهر، وإن شاء لم يجهر " (5).


1. التهذيب 2: 147 ح 577، الوسائل 4: 766 ابواب القراءة ب 26 ح 2. 2. علل الشرائع: 263 ب 182 ح 9، عيون أخبار الرضا (ع) 2: 109، الوسائل 4: 764 أبواب القراءة ب 25 ح 1. 3. الفقيه 1: 202 ح 925، علل الشرائع: 322 ب 12 ح 1، الوسائل 4: 764 أبواب القراءة ب 25 ح 2. 4. الكافي 3: 377 ح 1، التهذيب 3: 32 ح 114، الاستبصار 1: 427 ح 1649، علل الشرائع: 325 ح 1، الوسائل 5: 422 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 5. 5. التهذيب 2: 162 ح 636، الاستبصار 1: 313 ح 1146، قرب الاسناد: 94، مسائل علي بن جعفر: 237.

[ 533 ]

بقوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) (1) إذ المراد ليس نفي الحقيقة، للزوم المحال، فالمراد الجهر العالي والاخفات الذي يكون بحيث لا تسمع الاذن كما يظهر من الاخبار (2)، وهذا القدر مشترك بين الجهر والاخفات، ويثبت حكمهما في الصلوات كلها للاطلاق. وقد يؤيد أيضا بصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام: عن الذي لا يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته، قال: " لا صلاة له، إلا أن يقرأ بها في جهر أو إخفات " (3). والجواب عن الاولى: أنها محمولة على التقية، لموافقتها لمذهب العامة، كما ذكره الشيخ رحمه الله (4). وأما ما يقال من أنه تحكم منه، لوجود القائل به من أصحابنا، فليس بشئ، لانه لا يلزم في الحمل على التقية أن يكون الحكم إجماعيا عند الاصحاب حتى يحمل خلافه على التقية. وما حمله - رحمه الله - حمل واضح، سيما مع ملاحظة أن خبر القول الثاني عن الكاظم عليه السلام، والاولة (5) عن الباقر عليه السلام، وهو أبعد من التقية كما هو معلوم من حالهما. أما الاية فغاية الامر أنه يثبت وجوب ابتغاء الاواسط، فيكون اختيار أفراد الاواسط وجوبا تخييريا، ودلالتها على ذلك بالنسبة إلى الصلوات (6) كلها


1. الاسراء: 110. 2. الوسائل 4: 773 أبواب القراءة ب 33. 3. التهذيب 2: 146 ح 573، الاستبصار 1: 1152 310، الوسائل 4: 767 أبواب القراءة ب 27 ح 4. 4. التهذيب 2: 162 ذ. ح 636. 5. في " ص ": وأوله، وفي " ح ": وأما قوله. وعلى أي حال المراد: روايات القول الاول. 6. في " م ": الصلاة.

[ 534 ]

متساوية، فحاصلها أنه يعمل بالاواسط في كل الصلوات (1) وجوبا بعنوان التخيير، وذلك ينفي القول باستحباب الجهر فيما يجهر فيه، والاخفات فيما يخافت فيه، بل الكل في ذلك سواء، وإنما المدار في التفرقة حينئذ على الخارج، والذي وجد في الخارج هو اتفاق الاصحاب على التفصيل المذكور في مطلق الرجحان، فيؤول الكلام إلى دعوى أن الرجحان هل هو بعنوان الوجوب أو الاستحباب، فالخصم ينفي الزيادة بالاصل، لانكار الاجماع على أزيد من مطلق الرجحان، ونحن نثبته بالادلة التي ذكرناها، والمعارض لا يقاومها، لاكثريتها، وأشهريتها، واعتضادها بالعمل والاجماع ومخالفة العامة إلى غير ذلك من المرجحات. وحاصل التحقيق: أن مبنى الخصم إما على أن الاية مسبوقة بتعين الجهر والاخفات في مواضعهما ورجحانهما بالادلة الخارجية أولا. أما على الاول فلا يخفى أنه لا يصح حينئذ بناء الاية على التحديد الجديد، بل يكون معاضدا للبناء السابق، وحينئذ فيجب حملها على ما يناسب المقامين. فالمراد حينئذ والله أعلم: لابد أن يكون غاية، لا يجهر غاية الجهر، أي فيما يجهر به، فإنه لا مجال للاخفات فيه، لكونه خلاف المبني عليه، ولا تخافت غاية الاخفات بحيث لا تسمع نفسك فيما تخافت فيه، لانه لا مجال للجهر فيما يخافت فيه لما ذكرنا، فحينئذ تكون الاية لتحديد حال كل من المقامين، لا لتحديد أصل الحكم، فافهم. وكأن ما ذكرنا هو الظاهر من الاية، وحينئذ لا دلالة في الاية على المطلوب. ويرجع الكلام في النزاع في أصل التحديد والترجيح معنا كما ذكرنا. وأما على الثاني، فمع تسليم ذلك وأن الظاهر ليس كما ذكرنا فيخصص عموم الاية ويقيد مطلقها بما ذكرنا من الادلة، فإن الصلاة في الاية مطلقة،


1. في " م ": الصلاة.

[ 535 ]

وكذلك السبيل. فهذه الادلة قرينة على أنه ليس المراد أنك ابتغ في أي صلاة أردت أي سبيل شئت من سبل الاواسط، بل ابتغ في كل صلاة مخصوصة منها سبيلا مخصوصا من الاواسط. وتظهر تلك الخصوصيات من إجماع الاصحاب والاخبار والادلة التي ذكرنا وبعنوان الوجوب أيضا موافقة للاية، إذ تخصيص القرآن وتقييده بمثل هذا الخبر الواحد المعتضد بما ذكرنا لا مجال للتأمل في جوازه. والموافقة للكتاب وإن كانت من المرجحات، لكن هذه الموافقة المجملة - سيما مع وجود أقوى منها من المرجحات ما هو من الكثرة بمكان للمذهب المنصور - لا يعتمد عليها. بل لعله يمكن أن نقول: إن تلك الادلة مبينة لمجمل (1) الاية، وبيان الاية بالنص والاجماع أيضا كأنه مما لا خلاف فيه. بالجملة فالترجيح مع وجوب التفصيل. وفي هذا المقام أبحاث اخر طويناها على غرها تركا للاكثار. ويظهر من جماعة من الاصحاب أن الجهر أن يسمع غيره القريب تحقيقا أو تقديرا. والاخفات أن يسمع نفسه كذلك، وادعى الفاضلان على ذلك الاجماع (2). ويظهر من جماعة منهم مع ذلك اعتبار صدق العرف وظهور جوهر الصوت في الاخفات، فرب إخفات يسمع القريب، ورب جهر لا يسمعه (3)، وهو المعتمد.


1. في " ح " لمحمل. 2. المحقق في المعتبر 2: 177. والعلامة في التذكرة 3: 104، وانظر التحرير 1: 39، والقواعد 1: 273، والذكرى: 190. 3. جامع المقاصد 2: 260، الروضة البهية 1: 600، المسالك 1: 206.

[ 536 ]

ويدل على اعتبار إسماع نفسه في الاخفات مضافا إلى عدم صدق الاخفات عرفا باعتبار عدم صدق الكلام ظاهرا، ظاهر الاية، بناءا على التفسير المستفاد من الاخبار، ويظهر من بعض الاخبار أيضا (1). والذي يقوى في نفسي هو اعتبار الامرين معا، أما اعتبار العرف فظاهر، وأما اعتبار الاسماع فللاجماع الذي نقله الفاضلان، ولاستصحاب شغل الذمة. وما ورد في بعض الاخبار الصحيحة وغيرها " من جواز الاكتفاء بمثل حديث النفس وبأن يتحرك لسانه في لهواته من غير أن يسمع نفسه " (2) فقد حملها الشيخ على من يصلي خلف من لا يقتدى به (3)، وهو صريح صحيحة علي بن يقطين (4). وأما ما ورد في الصحيح من الاكتفاء بسماع الهمهمة إذا كان على فيه ثوب (5)، فهو إما محمول على الاضطرار، أو أن المراد بالهمهمة الصوت الضعيف كما في القاموس (6). ثم ههنا فوائد: الاولى: لا يجب الجهر على النساء في مواضع الجهر، لاجماع العلماء، نقله الفاضلان (7) والشهيدان (8)، هكذا خصص الكلام كثير من الاصحاب (9).


1. الوسائل 4: 773 أبواب القراءة ب 33. 2. التهذيب 2: 97 ح 365، الاستبصار 1: 321 ح 1196، الوسائل 4: 795 أبواب القراءة ب 52 ح 2. 3. التهذيب 2: 97 ذ. ح 365، الاستبصار 1: 321 ذ ح 1196. 4. التهذيب 3: 36 ح 129، الوسائل 4: 795 أبواب القراءة ب 52 ح 1. 5. الكافي 3: 3: 315 ح 15، التهذيب 2: 97 ح 364، وص 229 ح 903، الاستبصار 1: 320 ح 1195، الوسائل 4: 774 أبواب القراءة ب 33 ح 4. 6. القاموس المحيط 4: 194. 7. المحقق في المعتبر 2: 178، والعلامة في نهاية الاحكام 1: 472. 8. الشهيد الاول في الذكرى: 190، والشهيد الثاني في روض الجنان: 265. 9. انظر المبسوط 1: 109، وجامع المقاصد 1: 261، والمدارك 3: 358.

[ 537 ]

والحق عدم وجوب الاخفات عليهن أيضا في مواضعه، للاصل، وعدم ظهور حكمهن من الادلة، للاطلاقات، ولاختصاص حكم الاخفات في الاخبار بالرجل، أو عدم فهم حكم المرأة منها. وتشير إلى ذلك العلة المذكورة في نفي وجوب الجهر عليهن من كون صوتهن عورة، وهو منتف مع عدم سماع الاجنبي كما ذكر في الذكرى (1)، والاصل عدم الاشتراك، فتكون مختارة. والاحوط الاخفات ههنا، للاشكال في كون الاصل عدم الاشتراك، بل الظاهر الاشتراك إلا ما خرج بالدليل، لا لشمول الخطاب والحكم الوارد في الخصوصيات، بل للاجماع المنقول على اشتراك المكلفين حاضرهم وغائبهم، ذكرهم وانثاهم في التكاليف، إلا ما علم اختصاصه بفرقة دون فرقة، كأحكام الحيض والنفاس، وأحكام اللواط والخصيان ونحو ذلك. إذ القول بلزوم تحمل إثبات الاجماع في خصوصيات كل ما ورد فيه خبر أو غيره في خصوص الرجل أو المرأة على إثبات الحكم لغيره كلفة لا يمكن التصدي لها. ودعوى ذلك تعسف. ويشهد لما ذكرنا تعرضهم هنا لنقل الاجماع على المخالفة وبيان الدليل، وإلا فليس في الاخبار ما يوهم الاشتراك ظاهرا. وقيد الاصحاب جواز الجهر بعدم إسماع الاجنبي، وفيه كلام، للتأمل في كون الصوت عورة، وبعض الاخبار المروية في الفقيه في باب المناهي المانع عن التكلم مع الاجنبي بأزيد من خمس كلمات (2) مع ضعفها غير دالة على حرمة مطلق إسماع صوتها. وكذلك ما دل على النهي عن السلام عليهن سيما مع ملاحظة حسنة ربعي الواردة في كراهة أمير المؤمنين عليه السلام السلام على الشابة منهن، معللا بخوف


1. الذكرى: 190. 2. الفقيه 4: 2 ح 1.

[ 538 ]

الوقوع في الاثم بسبب التلذذ (1). وبعد تسليم الحرمة فلا دليل على البطلان من جهة مثل هذه الحرمة. ويظهر من ذلك عدم ثبوت حرمة سماع الاجنبي أيضا إلا مع خوف الريبة والتلذذ. الثانية: لو خافت في موضع الجهر أو عكس جاهلا أو ناسيا فلا إعادة، وهذا مذهب الاصحاب، قاله في المدارك (2). وتدل عليه صحيحتا زرارة المتقدمتان (3). ويظهر منهما أيضا أنه لا يجب التدارك وإن كان قبل الركوع، وهو كذلك. الثالثة: المشهور استحباب الجهر في باقي الاذكار للامام وكراهته للمأموم، والتخيير للمنفرد. ويستفاد ما ذكر من الاخبار مثل صحيحة علي بن جعفر: عن الرجل له أن يجهر بالتشهد والقول في الركوع والسجود والقنوت ؟ قال: " إن شاء جهر، وإن شاء لم يجهر " (4) وفي معناها صحيحة علي بن يقطين (5). وصحيحة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " ينبغي للامام أن يسمع من خلفه كلما يقول، ولا ينبغي لمن خلف الامام أن يسمعه شيئا مما يقول (6). وصحيحة حفص بن البختري عنه عليه السلام، قال: " ينبغي للامام أن يسمع من خلفه التشهد، ولا يسمعونه شيئا " (7).


1. الكافي 2: 473 ح 1، الفقيه 3: 300 ح 1436، الوسائل 8: 451 أبواب أحكام العشرة ب 48 ح 1. 2. المدارك 3: 378. 3. في ص 531، وإحداهما في الفقيه 1: 227 ح 1003، والتهذيب 2: 162 ح 635، والاستبصار 1: 313 ح 1163، والثانية في التهذيب 2: 147 ح 577، وانظر الوسائل 4: 766 أبواب القراءة ب 26 ح 1، 2. 4. التهذيب 2: 213 ح 1272، قرب الاسناد: 91، الوسائل 4: 918 أبواب القنوت ب 20 ح 2. 5. التهذيب 2: 1272 102، قرب الاسناد: 91، الوسائل 4: 918 أبواب القنوت ب 20 ح 2. 6. التهذيب 2: 49 ح 170، الوسائل 5: 451 أبواب صلاة الجماعة ب 52 ح 3. 7. الفقيه 1: 260 ح 1189، الوسائل 5: 451 أبواب صلاة الجماعة ب 52 ح 1.

[ 539 ]

ولابد من حمل الصحيحين الاولين إما على نفي الوجوب، أو على المنفرد. وقيل باستحباب الجهر في القنوت مطلقا (1)، لصحيحة زرارة: " القنوت كله جهار " (2) وقد يحمل على غير المأموم. وقد يقال بالتخيير له، لان بين العمومين تعارضا من وجه، وسيأتي الخلاف في بعضها. الرابعة: قيل: حكم القضاء حكم الاداء في وجوب اعتبار الجهر والاخفات (3)، والظاهر أنه لا خلاف فيه بين الاصحاب. الحادي عشر: المشهور استحباب الجهر ب‍ (بسم الله الرحمن الرحيم) فيما يخافت به مطلقا، وابن الجنيد على اختصاصه بالامام (4)، وابن إدريس بالركعتين الاوليين، وادعى الاجماع على وجوب الاخفات في غيرهما (5)، وأبو الصلاح على الوجوب فيهما (6)، وابن البراج على الوجوب مطلقا (7)، والاول أقرب. لنا: الاصل، وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: عمن يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب، قال: " نعم، إن شاء سرا، وإن شاء جهرا " (8). وما رواه الشيخ في المصباح عن أبي الحسن الثالث عليه السلام: " من أن علامات المؤمن خمس: صلاة الاحدى والخمسين، وزيارة الاربعين، والتختم


1. المنتهى 1: 300. 2. الفقيه 1: 209 ح 944، الوسائل 4: 918 أبواب القنوت ب 21 ح 1. 3. المنتهى 1: 277. 4. نقله عنه في الذكرى: 191. 5. السرائر 1: 218. 6. الكافي في الفقه: 117. 7. المهذب 1: 92، 97. 8. التهذيب 2: 68 ح 249، الاستبصار 1: 312 ح 1161، الوسائل 4: 748 أبواب القراءة ب 21 ح 2.

[ 540 ]

باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (1). وما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته التي يشكو فيها من الناس: " لو أمرتهم بالجهر ببسم الله الرحمن الرحيم لتفرقوا عني " نقله الكليني في الروضة (2). وقال ابن أبي عقيل: تواترت الاخبار عنهم عليهم السلام " أن لا تقية في الجهر بالبسملة " (3). بل قال الصدوق في الامالي: من دين الامامية الاقرار بأنه يجب الجهر بالبسملة عند افتتاح الفاتحة، وعند افتتاح السورة وبعدها (4). وفي العيون: أنه كتب إلى المأمون: " من محض الاسلام الاجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات " (5). وروي عن كشف الغمة عن جابر، قال: " أجمع آل الرسول عليهم السلام على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأن لا يمسحوا على الخفين " (6). ونقل عن ا بن خالويه، أن هذا مذهب الشيعة ومذهب أهل البيت (7)، وهو المنقول من فعل الرضا عليه السلام في جميع صلواته بالليل والنهار نقله في العيون (8). والاخبار الدالة على جهر الامام في الاوليين وعلى رجحانه في الجملة كثيرة،


1. مصباح المتهجد: 730، الوسائل 10: 373 أبواب المزار ب 56 ح 1. 2. الكافي 8: 58 ح 21، الوسائل 1: 322 ابواب الوضوء ب 38 ح 3. 3. نقله عنه في الذكرى: 191. 4. أمالي الصدوق: 511. 5. عيون أخبار الرضا (ع) 2: 123، الوسائل 758 4 أبواب القراءة ب 21 ح 6. 6. كشف الغمة في معرفة الائمة 1: 43. 7. كما في كشف الغمة في معرفة الائم 1: 43. 8. عيون أخبار الرضا (ع) 2: 182، الوسائل 758 أبواب القراءة ب 21 ح 7.

[ 541 ]

ولكنها لا تنافي مطلق الرجحان أصلا، فلاحظ. ولابن الجنيد: أن الاصل وجوب الاخفات لكونها جزء الحمد، خرج الامام بالنص والاجماع، فبقي الباقي. وفيه أولا: أن الاصل عدمه، لعدم شمول الادلة لها كما هو ظاهر، وعلى فرض التسليم فهو مخصص بما ذكرنا. ولابن إدريس: أن الاصل في ذلك التأسي، ولم يثبت في غير الاوليين، لعدم معلومية أنهم يقرؤن الحمد أو يسبحون. ويدفعه ما ذكرنا من الادلة. وللموجبين للجهر: التزامهم عليهم السلام ذلك وعدم الاخلال. والجواب منع الدلالة، والمعارضة بما هو أقوى منه. والتفصيل بين قوليهما يظهر من ملاحظة دليل ابن إدريس فتدبر، هكذا نقل عنهم الاستدلال (1). ويمكن الاستدلال عليه، بما ذكره الصدوق وظواهر بعض ما أسلفناه، والاحوط الالتزام بالجهر بها مطلقا. الثاني عشر: المشهور استحباب الجهر بالقراءة في ظهر الجمعة. ويدل على استحبابه في صلاة الجمعة، مضافا إلى الاجماع المنقول، ما يجئ من الخبرين (2). وعلى استحبابه في الظهر صحيحة الحلبي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وسئل عن الرجل يصلي الجمعة أربعة ركعات، أيجهر فيها بالقراءة ؟


1. كما في المختلف 2: 155. 2. في ص 528، 529.

[ 542 ]

قال: " نعم، والقنوت في الثانية " (1). وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال لنا: " صلوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة، واجهروا بالقراءة " فقلت: إنه ينكر علينا الجهر بها في السفر، فقال: " اجهروا بها " (2). وحسنة الحلبي عنه عليه السلام: عن القراءة في الجمعة إذا صليت وحدي أربعا أجهر القراءة ؟ فقال: " نعم " وقال: " اقرأ بسورة الجمعة والمنافقين يوم الجمعة وغيرها " (3). ورواية محمد بن مروان عنه عليه السلام: عن صلاة الظهر يوم الجمعة كيف يصليها في السفر ؟ فقال: " يصليها في السفر ركعتين، والقراءة فيها جهرا " (4). وقال ابن إدريس: يستحب الجهر بالظهر إن صليت جماعة (5)، وتدفعه الادلة المتقدمة. وقيل: بعدم جواز الجهر بالظهر مطلقا (6)، ومال إليه المحقق في المعتبر (7)، مستدلا عليه بصحيحة ابن مسلم قال: سألته عن صلاة الجمعة في السفر، فقال: " يصنعون كما يصنعون في الظهر، ولا يجهر الامام فيها بالقراءة، وإنما يجهر


1. الفقيه 1: 269 ح 1231، التهذيب 3: 14 ح 50، الاستبصار 1: 416 ح 1594، الوسائل 5: 819 أبواب القراءة ب 73 ح 1. 2. التهذيب 3: 15 ح 51، الاستبصار 1: 416 ح 1595، الوسائل 4: 820 أبواب القراءة ب 73 ح 6. 3. الكافي 3: 425 ح 5، التهذيب 3: 14 ح 49، الاستبصار 1: 416 ح 1593، الوسائل 4: 819 أبواب القراءة ب 73 ح 3. 4. التهذيب 3: 52 15، الاستبصار 1: 416 ح 1596، الوسائل 4: 820 أبواب القراءة ب 73 ح 7. 5. السرائر 1: 298. 6. حكاه المحقق في المعتبر 1: 304، وقال في مفتاح الكرامة 2: 309 فقد تحصل أنه لم يقطع أحد بعدم جواز الجهر في الظهر للامام إلا ما في المعتبر عن بعض الاصححاب الذي لم نجده. 7. المعتبر 2: 305.

[ 543 ]

إذا كانت خطبة " (1). وصحيحة جميل عن الجماعة يوم الجمعة في السفر قال: " يصنعون كما يصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر، ولا يجهر الامام، إنما يجهر إذا كانت خطبة " ("). وحملهما الشيخ على حال التقية والخوف (3). وقال الفاضل المجلسي - رحمه الله - في شرح الفقيه: والاحتياط في الاخفات في الظهر، وإن كان الاظهر جواز الجهر فيها (4)، وهو كذلك. الثالث عشر: ويستحب أن يستعيذ قبل القراءة في الركعة الاولى من كل صلاة للاية (5)، وحسنة الحلبي (6)، منضما إلى الاجماع. قال في الذكرى: لا تتكرر الاستعاذة عندنا وعند الاكثر، ولو نسيها في الاولى لم يأت بها في الثانية (7). وذهب أبو علي ابن الشيخ إلى وجوبها (8)، ويدفعه الاجماع الذي نقله الشيخ في الخلاف (9)، وهو ظاهر الطبرسي في مجمع البيان (10). وفي رواية فرات بن أحنف عن أبي جعفر عليه السلام: " فإذا قرأت بسم الله


1. التهذيب 3: 15 ح 54، الاستبصار 1: 416 ح 1598، الوسائل 4: 820 أبواب القراءة ب 73 ح 9. 2. التهذيب 3: 15 ح 53، الاستبصار 1: 416 ح 1597، الوسائل 4: 820 أبواب القراءة ب 73 ح 8. 3. التهذيب 3: 15، الاستبصار 1: 417. 4. روضة المتقين 2: 307. 5. النل: 98. 6. الكافي 3: 310 ح 7، التهذيب 2: 67 ح 244، الوسائل 4: 800 أبواب القراءة ب 57 ح 1. 7. الذكرى: 191. 8. نقله عنه في الدروس 1: 174. 9. الخلاف 1: 325 مسألة 76. 10. مجمع البيان 6: 593.

[ 544 ]

الرحمن الرحيم، فلا تبالي أن لا تستعيذ " (1). ولها صور كثيرة منقولة عن القراء ومن أهل البيت عليهم السلام، والمشهور منها صورتان: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " رواه في الذكرى عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقوله قبل القراءة (2). و " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " رواه الشهيد عن جامع البزنطي في رواية معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام (3). ويستحب الاسرار بها، للاجماع المنقول في الخلاف (4) وإشعار صحيحة صفوان به (5). وأما رواية حنان بن سدير الدالة على جهر الصادق عليه السلام بها (6) فمحمولة على بيان الجواز. الرابع عشر: يستحب ترتيل القراءة للاجماع، ولقوله تعالى: (ورتل القرآن ترتيلا) (7)، وقد فسره أهل اللغة بالترسل والتأني والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالثغر المرتل، وهو المشبه بنور الاقحوان (8). وفسر في الاخبار بما رواه ابن سنان عن الصادق عليه السلام في تفسيره قال،


1. الكافي 3: 313 ح 3، الوسائل 4: 801 أبواب القراءة ب 58 ح 1. 2. الذكرى: 191، الوسائل 4: 801 أبواب القراءة ب 57 ح 6. 3. الذكرى: 191، الوسائل 4: 801 أبواب القراءة ب 57 ح 7. 4. الخلاف 1: 326 مسألة 79. 5. التهذيب 2: 68 ح 246، الاستبصار 1: 310 ح 1154، الوسائل 4: 800 أبواب القراءة ب 57 ح 2. 6. التهذيب 2: 289 ح 1158، الوسائل 4: 800 أبواب القراءة ب 57 ح 4. 7. المزمل: 4. 8. انظر النهاية لابن الاثير 2: 194، والصحاح 4: 1704، والمصبا المنير: 218، ولسان العرب 5: 132، وتاج العروس 7: 335.

[ 545 ]

قال أمير المؤمنين عليه السلام: " بينه تبيينا، ولا تهذه هذ الشعر، ولا تنثره نثر الرمل، ولكن اقرعوا قلوبكم القاسية، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة " (1). وقال عليه السلام أيضا على ما روي عنه في تفسيره: " إنه حفظ الوقوف وبيان الحروف " (2). وقد مر ما ينفعك ذكراه فيما يجب من القراءة من مراعاة الصفات، وأن المستحب من تبيين الحروف هو ماذا. فإن أردنا من التأني والترسل وتبيين الحروف وحفظ الوقوف هو أداء الحروف عن المخارج بحيث لا يدمج أحدها في الاخر ولا يتميز (3)، وأن لا يقف على الحركة، ولا يصل بالسكون، فهو واجب، لاتفاق القراء وأهل العربية على ذلك، كما صرح به بعض المحققين (4)، فالخروج عن مقتضاه خروج عن اللغة العربية، فحينئذ تتطابق الاية والاخبار، ويبقى الامر في الاية منزل على حقيقته وهو الوجوب. وإن اريد به ما اعتبره القراء من ملاحظة صفات الحروف من الجهر والاطباق والاستعلاء وغيرها، والوقف على مواضعها على ما قرروه، فيحمل الامر على الاستحباب أو على القدر المشترك. وقد يستشكل في استحباب مراعاة ما اصطلحوا عليه، لكونها متجددة بعد زمان أمير المؤمنين عليه السلام، وإنما نشأ ذلك من أفهامهم في التفاسير، ولذلك منعوا عليهم السلام عن الوقف في بعض المواضع الذي ألزموا فيه الوقف (5)، مثل قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) (6).


1. الوافي 9: 1739 ح 9023. 2. الوافي 9: 1739 ذ. ح 9023. 3. في " ص ": ويتميز. والمراد بعدم التميز يعني انفصاله عن باقي حروف الكلمة، والله العالم 4. المعتبر 2: 181. 5. المعتبر 2: 181. 5. انظر البحار 82: 9. 6. آل عمران: 7.

[ 546 ]

ويمكن دفعه بما ورد عنهم عليهم السلام: " اقرؤا كما يقرؤن إلى زمان القائم " (1) في غير ما ورد مخالفته بالخصوص عنهم عليهم السلام، وللخبر، قال: " ينبغي للعبد إذا صلى أن يرتل في قراءته، فإذا مر بآية فيها ذكر الجنة وذكر النار، سأل الله الجنة، وتعوذ بالله من النار " (2). ويستحب أن يقف على مواضعه المقررة عند القراء، فيقف على التام، ثم الحسن، ثم الجائز، وعلل بحصول فائدة الاستماع (3)، إذ به يسهل الفهم ويحصل النظم. وقيل: ليس ترك الوقف في موضع قبيحا، ولا فعله واجبا عند القراء أيضا، بل ذلك إنما هو اصطلاح لهم، ولا يعنون المعنى الشرعي كما صرح به محققوهم (4). وقد ورد في الصحيح: جواز قراءة الفاتحة والسورة في النفس الواحد (5). وفي بعض الاخبار: كراهة قراءة قل هو الله أحد بنفس واحد (6). ويستحب أن يسكت هنيئة عقيب السورة كما في صحيحة حماد (7). ويستفاد من بعض الاخبار نقلا عن ابي بن كعب: أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وآله سكتتان: إذا فرغ من ام القرآن، وإذا فرغ من السورة (8). ويستحب أن يقرأ عقيب الايات بما اقتضاه المأثور.


1. الكافي 2: 23 633، الوافي 9: 1777 ب 269 ح 5. 2. التهذيب 2: 124 ح 471، الوسائل 4: 753 أبواب القراءة ب 18 ح 1. 3. في " ص ": الاستمتاع. 4. المدارك 3: 361. 5. التهذيب 2: 296 ح 1193، قرب الاسناد: 93، مسائل علي بن جعفر: 236 ح 548، الوسائل 4: 785 أبواب القراءة ب 46 ح 1. 6. الكافي 3: 314 ح 11، الوسائل 4: 785 أبواب القراءة ب 46 ح 3، وص 754 أبواب القراءة ب 19. 7. الفقيه 1: 196 ح 916، أمالي الصدوق: 337 ح 13، الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1. 8. التهذيب 2: 297 ح 1196، الوسائل 4: 785 أبواب القراءة ب 46 ح 2.

[ 547 ]

الخامس عشر: تستحب قراءة سورة بعد الحمد في النوافل بإجماع العلماء قاله في المعتبر (1)، وقد مر جواز القران فيها، وتفصيل اليومية والليلية، ولا حد لتعدادها، بل قال عليه السلام في رواية: " لا بأس أن تجمع في النافلة من السور ما شئت " (2). ويستحب الاجهار بها في الليل والاسرار بها في النهار، وهو قول علمائنا أجمع، قاله في المعتبر (3)، وتدل عليه أيضا مرسلة ابن فضال: " السنة في صلاة النهار الاخفات، والسنة في صلاة الليل الاجهار " (4). والمشهور استحباب القراءة في الصلاة بسور المفصل، وهو من سورة محمد إلى آخر القرآن، ومطولاته في الصبح، وهي من الاول إلى سورة عم، ومتوسطاته في العشاء، وهي منها إلى الضحى، وقصاره في الظهرين والمغرب، وهي منها إلى آخر القرآن، وليس في النصوص تصريح بذلك، نعم رواه الجمهور عن عمر (5). وعن كتاب الدعائم منسوبا إلى جعفر بن محمد عليه السلام، قال: " ولا بأس أن يقرأ في الفجر بطوال المفصل، وفي الظهر والعشاء الاخرة بأوساطه، وفي العصر والمغرب بقصاره (6). وفي صحيحة محمد بن مسلم قال، قلت لابي عبد الله عليه السلام: القراءة في الصلاة فيها شئ موقت ؟ قال: " لا، إلا الجمعة يقرأ بالجمعة والمنافقين " فقلت له: فأي السور تقرأ في الصلاة ؟ قال: " أما الظهر والعشاء الاخرة يقرأ فيهما سواء،


1. المعتبر 2: 181. 2. التهذيب 2: 73 ح 270، الوسائل 4: 741 أبواب القراءة ب 8 ح 7. 3. المعتبر 2: 184. 4. التهذيب 2: 289 ح 1161، الاستبصار 1: 313 ح 1165، الوسائل 4: 759 أبواب القراءة ب 22 ح 2. 5. بدائع الصنائع 1: 250. 6. دعائم الاسلام 1: 160، مستدرك الوسائل 4: 207 أبواب القراءة ب 36 ح 2.

[ 548 ]

والعصر والمغرب سواء، وأما الغداة فأطول، وأما الظهر والعشاء الاخرة فسبح اسم رب الاعلى، ووالشمس وضحاها ونحوهما، وأما العصر والمغرب فإذا جاء نصر الله وألهاكم التكاثر ونحوهما، وأما الغداة فعم يتساءلون، وهل أتاك حديث الغاشية، ولا اقسم بيوم القيامة، وهل أتى على الانسان حين من الدهر " (1). وفي رواية اخرى: " في الغداة تقرأ بعم، وهل أتاك، ولا اقسم بيوم القيامة وشبهها، والظهر بسبح اسم، والشمس، وهل أتاك وشبهها، والمغرب بقل هو الله أحد، وإذا جاء نصر الله، والعشاء بنحو الظهر، والعصر بنحو المغرب، وأنه كان رسول الله صلى الله عليه وآله يفعل كذا " (2). وهذان التفصيلان وإن كانا يتفاوتان بالنسبة إلى المشهور، لكنه ليس بذلك التفاوت، ولا بأس بذلك كله. وضعف المستند لا يضر مع الانجبار بالشهرة. وقد روى ابن اذينة في الحسن كالصحيح عن الصادق عليه السلام في حديث المعراج ما يدل على قراءة التوحيد في الاولى والقدر في الثانية من جميع الفرائض (3). وأفتى الصدوق بالعكس، معللا بأن القدر سورة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، فيتوسل به إلى الله، ولان التوحيد يستجاب أثرها الدعاء، وهو القنوت، قال: إنه من عمل الرضا عليه السلام حين اشخص إلى خراسان (4). وكذلك رواه في العيون عن الحسن الصائغ، وعن رجاء بن أبي ضحاك (5).


1. التهذيب 2: 95 ح 534، الوسائل 4: 787 أبواب القراءة ب 48 ح 2. 2. التهذيب 2: 95 ح 355، الوسائل 4: 787 أبواب القراءة ب 48 ح 1. 3. الكافي 3: 482 ح 1 علل الشرائع: 312 ح 1، الوسائل 4: 760 أبواب القراءة ب 23 ح 2. 4. الفقيه 1: 201. 5. عيون أخبار الرضا (ع) 2: 182، الوسائل 4: 670 أبواب القراءة ب 23 ح 3.

[ 549 ]

وفي رواية محمد بن الفرج التي نقلها في فلاح السائل: إنه كتب إلى الرجل عليه السلام يسأله عما يقرأ في الفرائض، عن أفضل ما يقرأ فيها، فكتب عليه السلام: " إن أفضل ما يقرأ في الفرائض، إنا أنزلناه في ليلة القدر، وقل هو الله أحد " (1). وفي رواية أ بي علي بن راشد قال، قلت لابي الحسن عليه السلام: إنك كتبت إلى محمد بن الفرج، تعلمه أن أفضل ما يقرأ في الفرائض إنا أنزلناه، وقل هو الله أحد، وإن صدري ليضيق بقراءتهما في الفجر، فقال: " لا يضيقن صدرك بهما، فإن الفضل والله فيهما " (2) ويظهر منها أن القدر مقدمة. وروى في الاحتجاج عن الصاحب عليه السلام: " إذا ترك سورة فيها الثواب، وقرأ التوحيد والقدر لفضلهما، أعطي ثوابهما وثواب السورة التي ترك " (3) والكل حسن إن شاء الله. وتستحب قراءة " هل أتى و " هل أتيك " في الركعة من صلاتي غداة الاثنين والخميس، ليقيه الله بهما شر اليومين " هل أتى " في الركعة الاولى " وهل أتاك " في الثانية، وهو المحكي عن فعل الرضا عليه السلام أيضا، على ما ذكره الصدوق في الفقيه، وروى ذلك أيضا في العيون عن رجاء (4). وتستحب قراءة الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة وظهرها على المشهور. ويظهر من ابن بابويه وجوبهما في الظهر (5)، ونسب إلى أبي الصلاح أيضا (6)، والسيد على وجوبهما في الجمعة، وأنه لا يجزئ الامام أن يقرأ بغير الجمعة


1. فلاح السائل: 16، مستدرك الوسائل 4: 190 أبواب القراءة ب 19 ح 1. 2. الكافي 3: 315 ح 19، التهذيب 2: 290 ح 1163 الوسائل 4: 760 أبواب القراءة ب 23 ح 1. 3. الغيبة للشيخ الطوسي: 231، الاحتجاج: 482، الوسائل 4: 760 ابواب القراءة ب 23 ح 6. 4. الفقيه 1: 200 ح 922، عيون أخبار الرضا (ع) 2: 182، الوسائل 4: 791 أبواب القراءة ب 50 ح 1. 5. الفقيه 1: 201. 6. كما في المختلف 2: 160.

[ 550 ]

والمنافقين في صلاة الجمعة (1). والاول أقوى، لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (2)، وصحيحة منصور بن حازم في معناها (3). وحسنة الحلبي المتقدمة (4). ورواية أبي الصباح: " إذا كان ليلة الجمعة فاقرأ في المغرب سورة الجمعة، وقل هو الله أحد، وإذا كان في العشاء الاخرة، فاقرأ سورة الجمعة، وسبح اسم ربك الاعلى، فإذا كان صلاة الغداة يوم الجمعة فاقرأ سورة الجمعة، وقل هو الله أحد، فإذا كان صلاة الجمعة، فاقرأ سورة الجمعة، والمنافقين، وإذا كان صلاة العصر يوم الجمعة، فاقرأ سورة الجمعة، وقل هو الله أحد " (5). وصحيحة حريز وربعي، رفعاه إلى الباقر عليه السلام، قال: " إن كانت ليلة الجمعة يستحب أن يقرأ في العتمة سورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون، وفي صلاة الصبح مثل ذلك، وفي صلاة الجمعة مثل ذلك، وفي صلاة العصر مثل ذلك " (6) إلى غير ذلك من الاخبار (7). وهذه المذكورات تدل على رجحان قراءتهما في صلاة الجمعة، ويدل على أن الامر والتأكيد فيها وفي غيرها محمول على الاستحباب صحيحة علي بن يقطين:


1. الانتصار: 54. 2. الكافي 3: 313 ح 4، التهذيب 2: 95 ح 354، وج 3: 6 ح 15، الاستبصار 1: 413 ح 1581، الوسائل 4: 788 أبواب القراءة ب 49 ح 1. 3. ثواب الاعمال: 146، الوسائل 4: 790 أبواب القراءة ب 49 ح 8. 4. الكافي 3: 425 ح 5، التهذيب 3: 49، الاستبصار 1: 416 ح 1593، الوسائل 4: 819 أبواب القراءة ب 73 ح 3. 5. التهذيب 3: 5 ح 13، الوسائل 4: 789 أبواب القراءة ب 49 ح 4. 6. التهذيب 3: 7 ح 18، الاستبصار 1: 414 ح 1585، الوسائل 4: 789 أبواب القراءة ب 49 ح 3. 7. الوسائل 4: 788 أبواب القراءة ب 49.

[ 551 ]

عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا، قال: " لا بأس بذلك " (1). وصحيحة سهل الاشعري (2)، وهي في معناها. ورواية يحيى الازرق، قلت: رجل صلى الجمعة، فقرأ سبح اسم ربك الاعلى، وقل هو الله أحد، قال: " أجزأه " (3). وصحيحة ابن سنان، وقد نفى عليه السلام فيها البأس عن قراءة غيرهما إذا كان مستعجلا (4). وتدل على استحبابهما في الظهر حسنة عمر بن يزيد: " من صلى الجمعة بغير الجمعة والمنافقين، أعاد الصلاة في سفر أو حضر " (5) وحسنة الحلبي المتقدمة (6). وعلى نفي الوجوب، صحيحتا محمد بن مسلم ومنصور المتقدمتان (7)، ورواية علي بن يقطين: عن الجمعة في السفر ما أقرأ فيهما ؟ قال: " اقرأ فيهما بقل هو الله أحد " (8). والتأكيدات والامر بالاعادة محمول على تأكد الاستحباب، ترجيحا لادلة المشهور، لموافقتها للاصول وعدم ثبوت ما يقاومها. والاحوط عدم تركهما من دون عذر، سيما في صلاة الجمعة.


1. التهذيب 3: 7 ح 19، الاستبصار 1: 414 ح 1586، الوسائل 4: 817 أبواب القراءة ب 71 ح 1. 2. التهذيب 3: 7 ح 20، الاستبصار 1: 414 ح 1587، الوسائل 4: 817 أبواب القراءة ب 71 ح 4. 3. التهذيب 3: 242 ح 654، الاستبصار 1: 415 ح 1592، الوسائل 4: 818 أبواب القراءة ب 71 ح 5. 4. التهذيب 3: 242 ح 653، الاستبصار 1: 415 ح 1591، الوسائل 4: 817 أبواب القراءة ب 71 ح 3. 5. الكافي 3: 426 ح 7، التهذيب 3: 7 ح 21، الاستبصار 1: 414 ح 1588، الوسائل 4: 818 أبواب القراءة ب 73 ح 4. 6. الكافي 3: 425 ح 5، التهذيب 3: 14 ح 49، الاستبصار 1: 416 ح 1593، الوسائل 4: 819 أبواب القراءة ب 73 ح 3. 7. في ص 542. 8. الفقيه 1: 268 ح 1224، التهذيب 3: 8 ح 23، الاستبصار 1: 415 ح 1590، الوسائل 4: 817 أبواب القراءة ب 71 ح 2.

[ 552 ]

وتستحبان في العصر أيضا، للاخبار المتقدمة. وتستحب قراءة الجمعة والتوحيد في فجرها، للاخبار المستفيضة، منها ما تقدم. وفي الصحيح عن الحسين بن أبي حمزة قال، قلت: لابي عبد الله عليه السلام بما أقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ؟ فقال: " اقرأ في الاولى بسورة الجمعة، وفي الثانية بقل هو الله أحد " (1) وقيل: يقرأ المنافقين في الثانية (2)، وقد تقدم ما يصلح مستندا له. وتستحب قراءة الجمعة والاعلى ليلة الجمعة في العشاءين عند الاكثر، لرواية أبي بصير: " اقرأ في ليلة الجمعة الجمعة وسبح اسم ربك الاعلى، وفي الفجر سورة الجمعة وقل هو الله أحد " (3) وفي معناها رواية ابن أبي نصر المنقولة عن قرب الاسناد (4). ولا يخفى أن أدلة هذا المذهب كنفسه محتملة، والظاهر أنه يحمل على استحباب كليهما في كليهما، مع تقديم الجمعة في كليهما. وقيل: يقرأ في ثانية المغرب قل هو الله أحد (5). وتدل عليه رواية أبي الصباح (6). وبخصوص الجمعة، وسبح اسم في عشائها أيضا روايات (7). وهو الذي نقله الصدوق عن أصحاب الرضا عليه السلام (8)، ورواه أيضا في العيون (9).


1. الكافي 3: 425 ح 3، الوسائل 4: 790 أبواب القراءة ب 49 ح 10. 2. الانتصار: 54. 3. الكافي 3: 425 ح 2، التهذيب 3: 6 ح 14، الاستبصار 1: 413 ح 1582، الوسائل 4: 788 أبواب القراءة ب 49 ح 2. 4. قرب الاسناد: 158، الوسائل 4: 816 أبواب القراءة ب 70 ح 11. 5. الاقتصاد: 262. 6. المتقدمة في ص 550، وهي في التهذيب 3: 5 ح 13، والوسائل 4: 789 أبواب القراءة ب 49 ح 4. 7. التهذيب 3: 5 ح 13، الوسائل 4: 789 أبواب القراءة ب 49 ح 4. 8. الفقيه 1: 202 ح 923، الوسائل 4: 789 أبواب القراءة ب 49 ح 5. 9. عيون أخبار الرضا (ع) 2: 182، الوسائل 4: 816 أبواب القراءة ب 70 ح 10.

[ 553 ]

وقيل: يقرأ في عشائها بالجمعة والمنافقين (1) للمرفوعة المتقدمة (2). ولعل البناء على الجمعة والتوحيد في المغرب، والجمعة وسبح اسم في العشاء، كان أوجه، وإلا فالكل حسن إن شاء الله تعالى. وتستحب قراءة التوحيد والجحد في المواضع السبعة، ففي الحسن عن معاذ بن مسلم عن الصادق عليه السلام، قال: " لا تدع أن تقرأ قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون في سبع مواطن: في الركعتين قبل الفجر، وركعتي الزوال، وركعتين بعد المغرب، وركعتين في أول صلاة الليل، وركعتي الاحرام، والفجر إذا أصبحت بها، وركعتي الطواف " (3). وقال الشيخ في التهذيب: وفي رواية اخرى: إنه يقرأ في هذا كله بقل هو الله أحد، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، إلا في الركعتين قبل الفجر، فإنه يبدأ بقل يا أيها الكافرون، ثم يقرأ في الثانية قل هو الله أحد (4). والاولى العمل بهذا التفصيل.


1. نقله عنه ابن أبي عقيل في المختلف 2: 157. 2. في ص ب 550. 3. الكافي 3: 316 ح 22، التهذيب 74 ح 273، الخصال 2: 347 ح 20، الوسائل 4: 751 أبواب القراءة ب 15 ح 1. 4. التهذيب 2: 74 ح 274، الوسائل 4: 751 أبواب القراءة ب 15 ح 2.

[ 554 ]

المقصد الخامس في الركوع وفيه مباحث: الاول: أجمع العلماء كافة على وجوب الركوع في كل ركعة مرة، عدا صلاة الايات، فإنه فيها خمس مرات بالاجماع والنصوص (1). ويدل عليه الكتاب (2) والسنة (3). وأيضا هو (4) ركن تبطل الصلاة بالاخلال به عمدا أو سهوا، وكونه كذلك في الجملة مما لا خلاف فيه بين الاصحاب، وتدل عليه الاخبار المستفيضة (5)، وسيأتي. فلو سها عن الركوع، وتذكر قبل السجدة، ولو هوى إلى الارض يتداركه


1. الوسائل 5: 149 أبواب صلاة الكسوف ب 7. 2. الحج: 77. 3. الوسائل 4: 931 أبواب الركوع ب 9. 4. في " م "، " ح ": أيضا وهو. 5. الوسائل 4: 933 أبواب الركوع ب 10.

[ 555 ]

ويسجد، وكأنه مما لا خلاف فيه بين الاصحاب، وقال في المدارك: إنه مجمع عليه بين الاصحاب (1). وتدل عليه مضافا إلى الاطلاقات، واشتغال الذمة به، مع تمكن الاتيان به، صحيحة ابن سنان إنه قال: " إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا، فاصنع الذي فاتك سهوا " (2) خرج منه ما دل على بطلانها فيما إذا جاوز المحل، وبقي الباقي. وربما يؤيد ذلك بأن الشاك، يرجع ما دام الوقت باقيا، فالساهي أولى، فتأمل. وهل يجب القيام ليركع عن قيام، أم يكفي الانتصاب إلى حد الركوع وجهان. وقد يوجه الاول بأن القيام المتصل به ركن، فلابد من الاتيان به، أو أن المتبادر من تدارك الركوع والاتيان به هو ذلك، أو لان الهوي بقصد الركوع واجب. وقد نقله بعضهم عن غير واحد من الاصحاب وتأمل هو فيه (3)، ولاشك أن تحصيل البراءة اليقينية يقتضي الركوع من قيام، فلابد أن لا يترك هذا إذا كان السهو أولا. أما لو سها بعد الهوي بقصد الركوع، فالظاهر أنه يقوم منحنيا إلى حد الركوع لو كان بلغ إلى حده سابقا، وإلا فيقوم منتصبا بالمقدار المعلوم ويركع عنه. ولو كان تحققت منه صورة الركوع قبل النسيان، فالحكم بتدارك الطمأنينة والذكر في غاية الاشكال، للزوم تعدد الركن. والظاهر عدم الخلاف في عدم الرجوع كما سيجئ ". وقد استشكل بعضهم أيضا تدارك القيام لو نسي الانتصاب بعد إكمال الذكر (4)،


1. المدارك 4: 234. 2. الفقيه 1: 228 ح 1007، التهذيب 2: 350 ح 1450، الوسائل 5: 341 أبواب الخلل ب 26 ح 1. 3 و 4. الذخيرة: 371.

[ 556 ]

ووجوب تداركه لعله قوي، سيما مع ملاحظة القول بركنيته. ولو تذكر بعد السجود، فالمشهور بين الاصحاب البطلان، للزوم زيادة الركن لو تداركه، ونقصانه لو لم يتدارك. وقيل: يحذف السجدتين ويركع ويعيدهما ولا يعتد بالزيادة (1)، واختاره الشيخ في المبسوط، إلا أنه اقتصر في ذلك على الاخيرتين من الرباعية (2)، وهكذا قال في كتابي الاخبار أيضا (3). وبناء الشيخ في ذلك على أن لا وهم في الاوليين. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله، وأن المراد الشك في العدد فيهما لا سائر الاحكام. وهناك أقوال اخر شاذة (4)، والاول أقرب. لنا: ما ذكرنا من اللازم والاطلاقات، وعدم حصول البراءة بذلك، لعدم الجزم بحصول الهيئة المطلوبة، وصحيحة رفاعة عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل ينسى أن يركع حتى يسجد ويقوم ؟ قال: " يستقبل " (5)، ورواه في الكافي أيضا في الحسن لابراهيم (6). وفي صحيحة أبي بصير عنه بطريقين، والراوي عنه في أحدهما صفوان، قال:


1. حكاه عن بعض أصحابنا في المبسوط 1: 119. 2. المبسوط 1: 119. 3. التهذيب 2: 149، الاستبصار 1: 356. 4. قال ابن جني: لو صحت له الاولى وسها في الثانية لا يمكنه استدراكه كأنه أيقن وهو ساجد أنه لم يكن يركع فأراد البناء على الركعة الاولى التي صحت له رجوت أن يجزئه ذلك، ولو أعاد إذا كان في الاوليين وكان الوقت متسعا كان أحب إلي، وفي الثانيتين ذلك يجزئه. وقال علي بن بابويه: وإن نسيت الركوع بعدما سجدت من الركعة الاولى فأعد صلاتك، لانه إذا لم تثبت ذلك الاولى لم تثبت لك صلاتك، وإن كان من الركعة الثانية أو الثالثة فاحذف السجدتين، واجعل الثالثة ثانية، والرابعة ثالثة (انظر المختلف 2: 363). 5. التهذيب 2: 148 ح 581، الاستبصار 1: 355 ح 1344، الوسائل 4: 933 أبواب الركوع ب 10 ح 1. 6. الكافي 3: 348 ح 2.

[ 557 ]

" إذا أيقن الرجل أنه ترك ركعة من الصلاة، وقد سجد سجدتين وترك الركوع استأنف الصلاة " (1). وصحيحة إسحاق بن عمار: عن الرجل ينسى أن يركع، قال: " يستقبل حتى يضع كل شئ من ذلك موضعه " (2) خرج ما قبل إكمال السجود بدليل، وبقي الباقي. ورواية أبي بصير - وفيها محمد بن سنان - عن الباقر عليه السلام: عن رجل نسي أن يركع، قال: " عليه الاعادة " (3) والتقريب ما مر. وتدل على القول بالتلفيق صحيحة محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام: في رجل شك بعد ما سجد أنه لم يركع، قال: " يمضي في صلاته حتى يستيقن أنه لم يركع، فإن استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما، فيبني على صلاته على التمام، وإن كان لم يستيقن إلا بعدما فرغ وانصرف فليتمم الصلاة بركعة وسجدتين ولا شئ عليه " (4) وهو لا يدل على التفصيل الذي ذكره الشيخ. وربما جمع بينه وبين الاخبار الاولة بالتخيير (5)، ولا وجه له، لعدم مقاومتها لها مع كثرتها وتعاضدها بعمل الاصحاب والاصول. ولو تذكره بعد الدخول في السجدتين وإن كان سجد وجلس بينهما فالاظهر أيضا وجوب الاتيان بالركوع، لعدم لزوم زيادة الركن، ولشمول الاطلاقات والعمومات لذلك.


1. التهذيب 2: 148 ح 580، 587، الاستبصار 1: 355 ح 1343، 1349، الوسائل 4: 933 أبواب الركوع ب 10 ح 3. 2. التهذيب 2: 149 ح 583، الاستبصار 1: 356 ح 1347، الوسائل 4: 933 أبواب الركوع ب 10 ح 2. 3. التهذيب 2: 149 ح 584، الاستبصار 1: 356 ح 1346، الوسائل 4: 933 أبواب الركوع ب 10 ح 4. 4. الفقيه 1: 228 ح 1006، التهذيب 2: 149 ح 585، الاستبصار 1: 356 ح 1348، الوسائل 4: 934 أبواب الركوع ب 11 ح 2 بتفاوت، ففي المصادر: فليقم فليصل ركعة، وسجدتين. 5. المدارك 4: 219.

[ 558 ]

وأما إذا دخل في الثانية، وتذكر ولما يكمل ففيه إشكال، ولعل البطلان أقوى، التفاتا إلى عدم مدخلية النية في الرفع، فتأمل. ولو زاده سهوا، فتبطل الصلاة أيضا، قال في المدارك: وهو مذهب الاصحاب لا نعلم فيه مخالفا (1). ويدل عليه مضافا إلى أنه مغير للهيئة المطلوبة مانع عن تحصيل البراءة، حسنة زرارة وبكير عن الباقر عليه السلام، قال: " إذا استيقن أنه زاد في الصلاة المكتوبة لم يعتد بها، واستقبل صلاته استقبالا " (2). وصحيحة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " من زاد في صلاته فعليه الاعادة " (3). وصحيحة منصور عنه عليه السلام، قال: سألته عن رجل صلى فذكر أنه زاد سجدة، قال: " لا يعيد الصلاة من سجدة، ويعيدها من ركعة " (4) يظهر وجه الدلالة من مقابلة الركعة بالسجدة. وموثقة عبيد بن زرارة، عن رجل شك فلم يدر أسجد ثنتين أم واحدة فسجد اخرى ثم استيقن أنه زاد سجدة، فقال: " لا والله، لا تفسد الصلاة زيادة سجدة " وقال: " لا يعيد صلاته من سجدة، ويعيدها من ركعة " (5). وأما لو شك في الركوع وهو قائم فيأتي به وبما بعده، وإذا سجد فيمضي في الصلاة، والصحاح بذلك كثيرة مستفيضة، ففي صحيحة الحلبي قال، قلت:


1. المدراك 4: 222. 2. التهذيب 2: 194 ح 763، الاستبصار 1: 376 ح 1428، وفي الوسائل 5: 332 أبواب الخلل ب 19 ح 1 إذا استيقن إنه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها. 3. الكافي 3: 355 ح 5، التهذيب 2: 194 ح 764، الاستبصار 1: 376 ح 1429، الوسائل 5: 332 أبواب الخلل ب 19 ح 2. 4. الفقيه 1: 228 ح 1009، التهذيب 2: 156 ح 610، الوسائل 4: 938 أبواب الركوع ب 14 ح 2. 5. التهذيب 2: 156 ح 611، الوسائل 4: 938 أبواب الركوع ب 14 ح 3.

[ 559 ]

الرجل يشك وهو قائم، فلا يدري أركع أم لم يركع، قال: " فليركع " (1). وصحيحته الاخرى أيضا: في الرجل لا يدري أركع أم لم يركع، قال: " يركع " (2). ورواية أبي بصير - وفي طريقها محمد بن سنان -: " إن شك في الركوع بعد ما سجد، فليمض، وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه " (3). وروى إسماعيل بن جابر - في الحسن بمحمد بن عيسى الاشعري - مثلها (4). وصحيحة زرارة قال، قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل شك في الاذان وقد دخل في الاقامة، قال: " يمضي " قلت: رجل شك في الاذان والاقامة وقد كبر، قال: " يمضي " قلت: رجل شك في القراءة وقد ركع، قال: " يمضي " قلت: شك في الركوع وقد سجد، قال: " يمضي على صلاته " ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " (5) إلى غير ذلك من الاخبار (6). وأما إذا شك فيه هاويا إلى السجود ففيه وجهان: أظهرهما العدم، لصدق الدخول في الغير، المعتبر في الاخبار المعتبرة. ولخصوص صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال، قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع، قال: " قد ركع " (7).


1. 2: 150، 589، الاستبصار 1: 357 ح 1351، الوسائل 4: 935 أبواب الركوع ب 12 ح 1. 2. التهذيب 2: 150 ح 591، الوسائل 4: 936 أبواب الركوع ب 12 ح 4. 3. الوافي 8: 949 ح 11. 4. التهذيب 2: 153 ح 602، الاستبصار 1: 358 ح 1359، الوسائل 4: 937 أبواب الركوع ب 13 ح 4. 5. التهذيب 2: 352 ح 1459، الوسائل 5: 336 أبواب الخلل ب 23 ح 1. 6. التهذيب 2: 344 ح 1426، الوسائل 5: 336 أبواب الخلل ب 23 ح 3. 7. التهذيب 2: 151 ح 286، الاستبصار 1: 358 ح 1358، الوسائل 4: 937 أبواب الركوع ب 13 ح 6.

[ 560 ]

وقوى العود الشهيد الثاني رحمه الله (1)، وليس بشئ، وكأن نظره إلى أن الهوي ليس من أفعال الصلاة، بل هو من المقدمات العقلية للسجود. والصحيحة المذكورة تدفعه، مع أن الحكم بكونه مقدمة محضة محل إشكال، سيما مع عموم لفظة غيره في كلام الامام عليه السلام. ولو شك في حال قوله " سمع الله لمن حمدها " في حال القيام ففيه إشكال، لان موضعه بعد الرفع عن الركوع، ولاحتمال ذكره قبل الهوي إلى الركوع سهوا، والاقوى الاتيان بالركوع لعدم الجزم بالخروج عن موضعه. ولو شك في الركوع، فأهوى إليه حتى وصل إلى حد الركوع، ثم تذكر قبل الرفع، فمختار أكثر المتأخرين البطلان، لانه تلزم منه زيادة الركوع (2). وذهب الكليني (3) والشيخ (4) والمرتضى (5) إلى الصحة، وأنه يرسل نفسه إلى السجود قبل الرفع. وقد يوجه بأنه ليس بركوع وإن كان في صورته لتبين خلافه، والهوي إلى السجود مشتمل عليه وهو واجب، فيتأدى الهوي إلى السجود به، فلا تتحقق الزيادة حينئذ، بخلاف ما لو ذكر بعد رفع رأسه من الركوع (6)، وهو كما ترى. وربما يقال: إن فهم إبطال مثل هذه الزيادة بهذا النحو غير متبادر من الاطلاقات، ولم يثبت من الاجماع أيضا، وإنه كان مأمورا به على


1. المسالك 1: 293. 2. كفخر المحققين في الايضاح 1: 140، والفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 260، والمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 489. 3. الكافي 3: 360. 4. المبسوط 1: 122. 5. جمل العلم (رسائل الشريف المرتضى) 3: 36. 6. الذكرى: 222.

[ 561 ]

الظاهر (1)، والمسألة محل تردد، والاحتياط في الاتمام والاعادة. وإذا بنينا على اعتبار القصد في الهوي وأوجبنا الهوي فيشكل الامر فيما لو لم يبلغ إلى حد الركوع أيضا، ومع البناء على مذهب الكليني - رحمه الله - ومن تبعه فالامر ههنا أسهل. الثاني: يجب الانحناء في الركوع بقدر ما تصل راحتاه عين ركبتيه. أما أصل وجوب الانحناء فيدل عليه الاجماع والنص (2)، بل العرف واللغة (3). وأما تحديده بهذا الحد فلم أقف في النصوص على ما يصرح به بهذا التحديد، ولكنه مجمع عليه بين العلماء كافة، عدا أبي حنيفة على ما نقله جماعة من أصحابنا منهم الفاضلان (4). وأما ما في صحيحة حماد " وملا كفيه من ركبتيه " (5) فلا يدل على الوجوب، لانه عليه السلام أراد بذلك تعليم آداب الصلاة، ومن المعلوم أن جل ما علمه بها من المستحبات، فلا يبقى وثوق عليها. وكذا قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: " وتمكن راحتيك من ركبتيك " فإن ذلك مستحب إجماعا، سيما وقال عليه السلام بعده: " فإن وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك، وأحب إلي أن تمكن كفيك من ركبتيك فتجعل أصابعك في عين الركبة " (6).


1. كما في الذخيرة: 375. 2. الوسائل 4: 949 أبواب الركوع ب 28. 3. الصحاح 3: 1222، معجم مقاييس اللغة 2: 434. 4. المحقق في المعتبر 2: 193، والعلامة في المنتهى 1: 281. 5. الكافي 3: 311 ح 8، الفقيه 1: 196 ح 916، التهذيب 2: 81 ح 301، أمالي الصدوق: 337 ح 13، الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1 و 2. 6. الكافي 3: 334 ح 1، التهذيب 2: 83 ح 308، الوسائل 4: 675 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

[ 562 ]

وصرح بعدم الاعتداد بوصول أطراف الاصابع إلى الركبة المحقق الشيخ علي (1) والشهيد الثاني (2). ولكن يظهر من بعض الاصحاب كفاية وصول أطراف الاصابع إلى الركبتين (3) كما هو ظاهر الصحيحة المتقدمة. وربما يقال: إن من ذكر الراحتين أو الكفين قد سامح، ومراده وصول جزء من اليد (4)، مستشهدا بأن المحقق في المعتبر (5) مع أنه ادعى الاجماع على وجوب وصول الكفين الركبتين، استدل بصحيحة زرارة المتقدمة. ويمكن أن يقال: المراد بإجزاء وصول أطراف الاصابع إلى الركبتين فيها هو مقابل تمكن الراحة من الركبة، لاعدم وصول الراحة إليها، فلا منافاة. وكيف كان فاستصحاب شغل الذمة يقتضي التزام مقتضيات الاجماعات، ولا يجب وضع اليد على الركبة للاجماع، نقله غير واحد من أصحابنا (6)، فالمراد بوصول أطراف الاصابع في الصحيحة السابقة حينئذ الحد الذي يمكن الوصول، أو المراد أقل الفضل. ويجب في الركوع الذكر، والظاهر أنه إجماعي بين أصحابنا والنصوص به مستفيضة (7). واختلفوا في مقامين: الاول: في أنه يكفي مطلق الذكر أم يجب التسبيح، والاقوى بالنظر إلى


1. نقله عنه في الحدائق 8: 238. 2. روض الجنان: 271، الروضة البهية 1: 614. 3. انظر الحدائق 8: 240. 4. الحدائق 8: 238. 5. المعتبر 2: 193. 6. كالشهيد في الذكرى: 197. 7. الوسائل 4: 923 أبواب الركوع ب 4.

[ 563 ]

الاخبار الصحيحة المعتبرة الاول. وبالنظر إلى الشهرة والاجماعات بالمنقولة عن جماعة من الاصحاب منهم المرتضى والشيخ (1) الثاني. ففي صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: أيجزئ أن أقول مكان التسبيح في الركوع والسجود: لا إله إلا الله والحمد لله والله أكبر ؟ فقال: " نعم "، كل هذا ذكر الله " (2). وصحيحة هشام بن سالم مثلها (3). وحسنة هشام بن الحكم قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " ما من كلمة أخف على اللسان منها ولا أبلغ من سبحان الله " قال: يجزئ في الركوع والسجود أن أقول مكان التسبيح: لا إله إلا الله والحمد لله والله أكبر ؟ قال: " نعم، كل ذا ذكر الله " (4). وحسنة مسمع عنه عليه السلام، قال: " يجزئك من القول في الركوع والسجود ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسلا، وليس له ولا كرامة أن يقول: سبح سبح سبح " (5). وفي معناها أيضا بعض الاخبار (6)، وهذه تدل على إجزاء مطلق الذكر. وصحيحة علي بن يقطين عن الكاظم عليه السلام، قال: سألته عن الركوع والسجود، كم يجزئ فيه من التسبيح ؟ فقال: " ثلاث، وتجزئك واحدة إذا أمكنت جبهتك من الارض " (7).


1. الانتصار: 45، الخلاف 1: 349، وكابن حمزة في الوسيلة: 93. 2. التهذيب 2: 302 ح 1217، الوسائل 4: 929 أبواب الركوع ب 7 ح 1. 3. الكافي 3: 321 ح 8، التهذيب 2: 302 ح 1218، الوسائل 4: 929 أبواب الركوع ب 7 ح 2. 4. الكافي 3: 329 ح 5، الوسائل 4: 925 أبواب الركوع ب 7 ذ. ح 1. 5. التهذيب 2: 77 ح 286، الوسائل 4: 925 أبواب الركوع ب 5 ح 1. 6. التهذيب 2: 79 ح 297، الاستبصار 1: 323 ح 1208، الوسائل 4: 926 أبواب الركوع ب 5 ح 4. 7. التهذيب 2: 76 ح 284، الاستبصار 1: 323 ح 1206، الوسائل 4: 923 أبواب الركوع ب 4 ح 3.

[ 564 ]

وصحيحة ابنه حسين عنه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يسجد كم يجزئه من التسبيح في ركوعه وسجوده ؟ فقال: " ثلاث، وتجزئه واحدة " (1). وصحيحة معاوية بن عمار قال، قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخف ما يكون من التسبيح في الصلاة ؟ قال: " ثلاث تسبيحات مترسلا، يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله " (2). ونقل السيد - رحمه الله - في الانتصار، عن النبي صلى الله عليه وآله من طريق العامة: أنه لما انزل فسبح باسم ربك العظيم، قال صلى الله عليه وآله: " اجعلوها في ركوعكم " ولما نزل سبح اسم ربك الاعلى قال صلى الله عليه وآله: " اجعلوها في سجودكم " (3) واستدل على وجوب التسبيح بهذا الخبر بعد الاجماع، واشتغال الذمة المستدعي للبراءة اليقينية. وفي قوية هشام بن سالم، عن الصادق عليه السلام: عن التسبيح في الركوع والسجود، فقال: " تقول في الركوع سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الاعلى، الفريضة من ذلك تسبيحة، والسنة ثلاث، والفضل في سبع " (4). وفي صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: ما يجزئ من القول في الركوع والسجود ؟ فقال: " ثلاث تسبيحات في ترسل، وواحدة تامة تجزئ " (). وفي مضمرة سماعة: " أما ما يجزئك من الركوع فثلاث تسبيحات، تقول: سبحان الله ثلاثا " (6).


1. التهذيب 2: 76 ح 285، الاستبصار 1: 323 ح 1207، الوسائل 4: 923 أبواب الركوع ب 4 ح 4. 2. التهذيب 2: 77 ح 288، الاستبصار 1: 324 ح 1212، الوسائل 4: 925 أبواب الركوع ب 5 ح 2. 3. الانتصار: 45. 4. التهذيب 2: 76 ح 382، الاستبصار 1: 322 ح 1204، الوسائل 4: 923 أبواب الركوع ب 4 ح 1. 5. التهذيب 2: 76 ح 283، الاستبصار 1: 323 ح 1205، الوسائل 4: 923 أبواب الركوع ب 4 ح 2. 6. التهذيب 2: 77 ح 287، الاستبصار 1: 32 ح 1211، الوسائل 4: 926 الوسائل 4: 926 أبواب الركوع ب 5 ح 3.

[ 565 ]

وفي رواية، قال: " أدنى التسبيح ثلاث مرات وأنت ساجد " (1). وفي اخرى: أدنى ما يجزئ من التسبيح في الركوع والسجود ؟ فقال: " ثلاث تسبيحات " (2). وهذه المذكورات هي التي يمكن أن يستدل بها على تعيين التسبيح، وأنت خبير بأن أكثرها لا يخلو عن ضعف في سند أو قصور في دلالة، وأظهرها دلالة هي الرواية العامية، ورواية هشام بن سالم ومضمرة سماعة، وصحيحة زرارة. وحينئذ فيقع التعارض بينها وبين الاخبار الاولة، وهي وإن كانت أصح سندا، وأظهر دلالة، ومعمولا بها أيضا عند الحليين (3) الاربعة (4)، وجماعة من المتأخرين (5) كما قيل (6). لكن هذه الاخبار أيضا معتضدة بالاجماعات المنقولة (7)، وبظاهر الكتاب، والشهرة، واستصحاب شغل الذمة اليقيني، وبالاخبار الكثيرة التي ذكرناها، واليقين يحصل بالتسبيح. فالاولى: عدم الاكتفاء بغير التسبيح وإن كان القول بالجواز أيضا قويا. والثاني: في كيفية التسبيح، فقيل: يجوز مطلقا، ونسب إلى المرتضى في الانتصار (8)، ويظهر ذلك من استدلاله بعمومات التسبيح في القرآن أيضا، وإن كان


1. التهذيب 2: 79 ح 298، الاستبصار 1: 323 ح 1209، الوسائل 4: 926 أبواب الركوع ب 5 ح 5. 2. التهذيب 2: 80 ح 299، الاستبصار 1: 323 ح 1210، الوسائل 4: 926 أبواب الركوع ب 5 ح 6. 3. في " م "، " ح ": الحلبيين. 4. والحليون هم بن إدريس في السرائر 1: 224، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 80، والمحقق في المعتبر 2: 195، والعلامة في المختلف 2: 165. 5. منهم الفاضل المقداد في التنقيح 1: 208، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 286، وصاحب المدارك 3: 392. 6. الحدائق 8: 245. 7. انظر الانتصار: 45، والخلاف 1: 349، والوسيلة: 93، والغنية (الجوامع الفقهية): 558. 8. الانتصار 1: 383، ونسبه إليه في المهذب البارع 1: 383.

[ 566 ]

استدل بالرواية المتقدمة أيضا، وهو أقوى. يظهر ذلك من ملاحظة أدلة المشهور في المقام الاول، سيما وهو مؤيد بأدلة الخصم ثمة أيضا فتدبر. وحينئذ فلابد من حمل ما أفاد أن أقل ما يجزئ ثلاثة على الافضلية، وهو أظهر من حمل الواحدة على الاضطرار كما قيل (1)، لكن أكثريتها مع اعتضادها بالاستصحاب يضعف هذا الحمل. وأقرب المحامل: حمل التسبيحات الثلاث على الناقصة، والواحدة على التامة، كما يظهر ذلك من نفس بعض الاخبار أيضا، وهذا هو قول الشيخ في التهذيب (2) وبعض الاصحاب (3)، فيبقى الاطلاق في اختيار أيهما شاء دون العدد. ثم لو بنى الامر على إطلاق الجواز أيضا فبعد البناء على قول المشهور ههنا لا ينبغي العدول عن الهيئتين المخصوصتين المعهودتين. وأوجب الشيخ في النهاية تسبيحة كبرى، لرواية هشام المتقدمة (4). وقيل: بوجوب التسبيح ثلاث مرات للمختار، وواحدة للمضطر، وأن الافضل هي الكبرى، فتكون ثلاث تسبيحات كبرى من أفراد الواجب التخييري، وهو المنقول عن أبي الصلاح (5). وتدل عليه رواية أبي بكر الحضرمي قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: أي شئ حد الركوع والسجود ؟ قال: " تقول: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا في الركوع، وسبحان ربي الاعلى وبحمده ثلاثا في السجود، فمن نقص


1. الكافي في الفقه: 118. 2. التهذيب 2: 80. 3. المعتبر 2: 195. 4. النهاية: 81. 5. الكافي في الفقه: 118.

[ 567 ]

واحدة نقص ثلث صلاته، ومن نقص اثنتين نقص ثلثي صلاته، ومن لم يسبح فلا آصلاة له " (1). وهي مع عدم مقاومتها لمعارضها وعدم تماميتها إلا من خارج، لا يظهر منها الوجوب، بل سياقها ظاهر في الاستحباب. ونسب إلى بعض الاصحاب: وجوب ثلاث تسبيحات كبريات (2)، وظاهره الوجوب العيني، ولم أقف على ما يصلح له سندا، ولعله أيضا كان نظره إلى هذا الخبر، وهو كما ترى. واعلم أن الاخبار الواردة في التسبيحة الكبرى ليس في أكثرها لفظة " وبحمده " ولعل سقطه من جهة السهولة، وهذا كناية عن تمامه كما هو المتعارف. وبالجملة بعد الاجماع على استحبابه كما قيل (3)، وثبوته في بعض الاخبار لا مجال للتأمل في استحبابه. فغاية الاحتياط في هذه المسألة الاتيان بثلاث تسبيحات كبريات، وإلا فالاكتفاء بواحدة كبرى أو بثلاث صغريات جائز إن شاء الله تعالى، بل ولا أستبعد الاكتفاء بمطلق الذكر، ولكنه خلاف الاحتياط. ويجب في الركوع الطمأنينة بمقدار الذكر بعد إكمال الهوي الواجب، للاجماع نقله غير واحد من أصحابنا (4)، وحسنة زرارة عن الباقر عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالس في المسجد، إذ دخل رجل فقام فصلى، فلم يتم ركوعه ولا سجوده، فقال صلى الله عليه وآله: " نقر كنقر الغراب، لئن مات هذا


1. التهذيب 2: 80 ح 300، الوسائل 4: 924 أبواب الركوع ب 4 ح 5. 2. حكاه عن بعض علمائنا في التذكرة 3: 168، ويظهر من كلام المفيد في المقنعة: 105 فإنه قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات، وإن قالها خمسا فهو أفضل. 3. الخلاف 1: 349 مسألة 100. 4. كالمحقق في المعتبر 2: 194، والعلامة في المنتهى 1: 282، والمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 284.

[ 568 ]

وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني " (1). ويمكن الاستدلال عليه أيضا بصحيحة زرارة المتقدمة: " ثلاث تسبيحات في ترسل " (2)، وحسنة مسمع المتقدمة (3) ونحوهما (4)، وقضية هذا الحكم عدم جواز الشروع في الذكر قبل الاكمال. فلو كان عاجزا عنها فالاظهر أنه لا يسقط عنه الذكر لو اقتدر عليه، إن جاوز قدر الواجب من الانحناء بعد أخذه في الذكر عند الاكمال، وإكماله قبل الخروج عن موضع الاكمال بحيث لم يخرج بذلك عن كونه راكعا، لان الذكر واجب، والطمأنينة واجب آخر. وقيل: لا، للاصل (5)، وهو ضعيف. وأما لو اقتدر على الذكر بأن يأخذ فيه حين الاخذ بالهوي، والاكمال حين إكماله أو ما يقرب من ذلك، فالذي وجدته في كلمات الاصحاب مما رأيتها عدم الاجتزاء بذلك. ولعل ذلك لان الركوع في الشرع هو الانحناء المخصوص، سواء قلنا بأنه صار حقيقة فيه عند الشارع أم لا، والركوع له إطلاقات: معناه المصدري، ومعناه العلمي، والثاني لا يصدق إلا مع تحقق الانحناء المخصوص، وبعد التحقق يقال له الركوع. وما ورد في الاخبار من أن القول في الركوع كذا، وتقول في الركوع كذا ونحوهما، يدل على أن الذكر يجب بعد تحقق ذلك وفي حاله، لانه هو المعنى


1. الكافي 3: 268 ح 6. التهذيب 2: 239 ح 948، المحاسن: 79 ح 5، الوسائل 4: 922 أبواب الركوع ب 3 ح 1. 2. في ص 564. 3. في ص 563. 4. التهذيب 2: 77 ح 28، الاستبصار 1: 324 ح 1212، الوسائل 4: 925 أبواب الركوع ب 5 ح 2. 5. الذكرى: 197.

[ 569 ]

الحقيقي حينئذ. ومن هذا يمكن أخذ دليل لوجوب الطمأنينة أيضا بعنوان الالتزام، لكنه إنما يتم بالنظر إلى مطلق حركة الهوي والانتصاب. وأما الحركة العرضية يمينا وشمالا، أو تكرير الحركة فيما دون قدر أقل الواجب علوا وسفلا أيضا، فيشكل إلا إذا قلنا بعدم وجوب ملاحظتها وهو مشكل، أو بعدم صدق الركوع عليه حينئذ أيضا وهو أشكل. وإن جعلنا المراد منه فيها هو معناه المصدري، فيمكن القول بالجواز حينئذ، إذ قد يصدق أنه ذكر في الركوع، والطمأنينة واجب على حدة، فإذا لم يقدر على الطمأنينة فلا يسقط، ولكنه بعيد. وأما معناه اللغوي، فلعله يمكن القطع بعدم إرادته. وليست الطمأنينة ركنا في الصلاة، خلافا للشيخ في الخلاف (1). وتدل عليه العمومات الدالة على نفي إعادة الصلاة إلا من امور مخصوصة، كصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود " (2). وصحيحة عبد الله بن القداح، عنه، عن أبيه عليهما السلام: " إن عليا عليه السلام سئل عن رجل ركع ولم يسبح ناسيا قال: تمت صلاته " (3). وما رواه الشيخ عن علي بن يقطين عن الكاظم عليه السلام: عن رجل نسي تسبيحة في ركوعه وسجوده، قال: " لا بأس بذلك " (4). والاعتماد في هذه المسألة وفيما بعدها لعله على الاجماع، فقد صرح غير واحد


1. الخلاف 1: 348 مسألة 98. 2. الفقيه 1: 225 ح 991، التهذيب 2: 152 ح 597، الوسائل 4: 934 أبواب الركوع ب 10 ح 5. 3. التهذيب 2: 157 ح 612، الوسائل 4: 938 أبواب الركوع ب 15 ح 1. 4. التهذيب 2: 157 ح 614، الوسائل 4: 939 أبواب الركوع ب 15 ح 2.

[ 570 ]

منهم في مسألة سهو الطمأنينة بأنه لا خلاف في أن ناسيآ هذه المذكورات لا يعيد (1). مع أنهم نسبوا الخلاف ههنا إلى الشيخ بأنه قال بالركنية، فحينئذ يضطرب المقام، لكن الاظهر ما عليه الجماعة. وكذا يجب رفع الرأس من الركوع منتصبا، للاجماع، نقله غير واحد من أصحابنا (2)، ورواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا رفعت رأسك من الركوع، فأقم صلبك، فإنه لا صلاة لمن لم يقم صلبه " (3)، وغيرها من الاخبار (4). والطمأنينة فيه، وهي ما تسمى بها عرفا لا غير، للاجماع المنقول عن جماعة أيضا (5)، وخلاف الشيخ هنا مثل السابق، وجوابه الجواب. وأما لو سها ذكر الركوع أو طمأنينته حتى انتصب فحكمه حكم الشك المدلول على حكمه بالعمومات السابقة وغيرها، للاجماع كما نقلوه (6)، ولان تداركه يوجب زيادة الركن، ولظاهر الاخبار المتقدمة، وكذلك الرفع عن الركوع والطمأنينة فيه حتى يسجد للدليلين الاولين. أما إطلاق الحكم حتى بالنسبة إلى الانتقال إلى الهوي ولم يسجد، فلا أعرف له وجها في ناسي الطمأنينة حال الرفع. وقد يقال: إن الوجه لزوم زيادة الركن أيضا، لكون المعتبر فيها هو حال القيام عن الركوع، وهو لا يتحقق إلا به، فتلزم زيادته، وفيه تأمل.


1. كالمقدس الاردبيلي في مجمع الفائدة 3: 133، وصاحبي المدارك 4: 232، والذخيرة: 368. 2. كابن حمزة في الوسيلة: 93، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 288، وصاحب المدارك 3: 388. 3. الكافي 3: 320 ح 6، التهذيب 2: 78 ح 290، الوسائل 4: 939 أبواب الركوع ب 16 ح 2. 4. الوسائل 4: 939 أبواب الركوع ب 16. 5. منهم ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 558، والعلامة في التذكرة 3: 172، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 288. 6. كما في المدارك 4: 332، والذخيرة: 368.

[ 571 ]

ولعل المستند فيه هو الاجماع، ومع ملاحظة خلاف الشيخ أيضا يشكل الامر. تنبيه: وربما يستدل للشيخ على كون الطمأنينة في الرفع ركنا برواية أبي بصير، وهي مطلقة، وبالصحيحة المتقدمة في أول مبحث القيام القائلة: " إن من لم يقم صلبه فلا صلاة له " (1) ولكنهما معارضتان بصحيحة زرارة المتقدمة. وأما الرواية الاولى: فلما كانت خاصة فيمكن تخصيص صحيحة زرارة بها. وأما الثانية: وإن كان يقع بينها وبين صحيحة (زرارة تعارض من وجه، إذ كل منهما أعم من الاخر) (2)، لكنه مع ملاحظة رواية أبي بصير، يثبت بها مطلب الشيخ، فيبقى التعارض في غير تلك المادة من القيام، ولا يضر في إثبات المطلوب. وفيه: أن هذا خروج عن المسألة، إذ الطمأنينة غير إقامة الصلب، لانها معتبرة في القيام، والطمأنينة واجب زائد على القيام. ثم إنه ينقدح مما ذكرنا إشكال في ركنية القيام مطلقا، بل وغيره أيضا، لان الصحيحة المذكورة وصحيحة زرارة عمومان تعارضا (3) فلم تثبت ركنية القيام. والجواب: أنه مخرج بالاجماع والادلة، وهكذا الصحيحة المذكورة ليست باقية على عمومها، لخروج القيام حال القراءة بالادلة المقررة. نعم يبقى خصوص القيام بعد الركوع تحت العموم لعدم المخرج، ولكونه منصوصا عليه بالخصوص، كما يتقوى حينئذ قول الشيخ مع الاغماض عما أوردنا عليه هنا، إلا أن يقال: ليس هو من الاحكام الوضعية والمكلف هو غير الناسي، فتأمل.


1. الكافي 3: 300 ح 6، الفقيه 1: 180 ح ح 856، الوسائل 4: 694 أبواب القيام ب 2 ح 1. 2. بدل ما بين القوسين في " ص ": تباين في خصوص القيام وإن كانت صحيحة زرارة أعم منها من وجه آخر. 3. في " ح " زيادة: من وجه.

[ 572 ]

الثالث: إذا عجز عن الركوع بقدر الواجب يأتي بما استطاع، لقوله عليه السلام: " إذا أمرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم " (1) ولان الميسور لا يسقط بالمعسور، وللاستصحاب. وفي ثبوته بما ذكرنا تأمل، لانه تفكيك في الاجزاء العقلية، ومع انتفاء أحدها لا مقوم للباقي حتى يتعلق به حكم. بل الحجة في ذلك استصحاب شغل الذمة، بل لعله إجماعي. وأما الاستدلال عليه بعموم الاية بناءا على منع ثبوت الحقيقة الشرعية في القدر الواجب، فيكون المطلوب هو الانحناء عرفا أو لغة كما هو معناه (2)، والزيادة واجب على حدة، ومع تعذر أحدهما لا يسقط الاخر. ففيه أولا: بعد الاغماض عن ثبوت الحقيقة الشرعية، أن الظاهر غير معناه اللغوي، ومع ذلك فالاولى الحمل على مجازه الشائع الذائع المستفيض، وهو ههنا الانحناء المخصوص، لانه صار من القرب بحيث صار محلا للنزاع في كونه حقيقة، وكيف إذا كان عدم إرادة اللغوي ظاهرا. وثانيا: أن القدر الثابت منه حينئذ وجوب مطلق الانحناء (3) بحسب المقدور، وأما المنحني خلقة بقدر الركوع، فيجب عليه الانحناء يسيرا للركوع على الاظهر، لان الركوع الشرعي المأمور به له أفراد كثيرة، وأقل ما يجزئ فيه هو الانحناء بقدر ما تصل يداه إلى ركبتيه، فلو جاوز عن ذلك، بل وعن القدر المستحب أيضا


1. عوالي اللالي 4: 58 ح 206، بحار الانوار 22: 31. 2. قال في الصحاح 3: 1222 الركوع الانحناء ومنه ركوع الصلاة، وقال في معجم مقاييس اللغة 2: 434 ركع - الراء والكاف والعين أصل واحد - يدل على انحناء في الانسان وغيره، يقال: ركع الرجل إذا انحنى، وكل منحن راكع. 3. في " ص " زيادة: لا الانحناء.

[ 573 ]

تصح صلاته وركوعه، فكيف يمكن الحكم بسقوط المطلق مع تعذر بعض أفراده، ولم يشترط في التكليف به القدرة على جميع أفراده ؟ ! فالتمسك في منع ذلك بأن ذلك حد الركوع، فلا تلزم الزيادة للاصل كما يظهر من المعتبر (1) وغيره (2)، فيه ما فيه. وإن عجز عن الركوع أصلا أومأ بالرأس، ثم بالعينين، كذا ذكره الاصحاب، ولا يظهر هذا الترتيب من الاخبار، بل مقتضى الجمع التخيير، والاولى والاحوط مراعاة ذلك، سيما مع ملاحظة كونه أقرب إلى الركوع. ويمكن أن يقال: ما دل على جواز الاكتفاء بالايماء بالعين يتضمن بيان حال المريض الذي يعجز عن الايماء بالرأس، مثل: مرسلة محمد بن إبراهيم الهمداني (3)، فإنها في بيان حال المريض الذي يعجز عن القعود بل الاضطجاع أيضا ويصير تكليفه الاستلقاء، والاخبار الكثيرة المعتبرة الواردة في الاسير (4) والخائف من اللص والسبع (5) مصرحة بوجوب الايماء بالرأس. وروى في الفقيه مرسلا عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: " دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على رجل من الانصار وقد شبكته الريح، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله كيف اصلي ؟ فقال: إن استطعتم أن تجلسوه فأجلسوه، وإلا فوجهوه إلى القبلة، ومروه فليؤم برأسه إيماءا، ويجعل السجود أخفض من الركوع، وإن كان لا يستطيع أن يقرأ فاقرؤا عنده وأسمعوه " (6). واعلم أن المعتبر في التحديد المذكور هو مستوي الخلقة، لحمل الاخبار على


1. المعتبر 2: 194. 2. كالتذكرة 3: 166، والمدارك 3: 387. 3. الكافي 3: 411 ح 12، التهذيب 2: 169 ح 671، الوسائل 4: 691 أبواب القيام ب 1 ذ. ح 13. 4. الوسائل 5: 488 أبواب صلاة الخوف ب 5. 5. الوسائل 5: 482 أبواب صلاة الخوف ب 3. 6. الفقيه 1: 236 ح 1038، الوسائل 4: 692 أبواب القيام ب 1 ح 16.

[ 574 ]

المتعارف، فلا يسقط من الطويل اليدين، ولا يراد من قصيرهما أو مقطوعهما أزيد مما يحصل به للمستوي، ولعله إجماعي. الرابع: يستحب التكبير قبل الركوع على المشهور. ما الرجحان فلصحيحة زرارة (1) وحماد (2) وغيرهما (3). وأما عدم الوجوب فللاصل، ولرواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام: عن أدنى ما يجزئ من التكبير في الصلاة، قال: " تكبيرة واحدة " (4) وليس في طريقها إلا محمد بن سنان. ونقل عن ابن أبي عقيل وجوب تكبير الركوع (5)، وعن سلار وجوب تكبير الركوع والسجود والقيام والقعود (6)، وعن بعض الاصحاب القول ببطلان الصلاة بترك تكبير الركوع (7). ونقل عن الشهيد أنه قد استقر الاجماع على خلاف قول ابن أبي عقيل وسلار (8). وغير خاف أن ملاحظة سياق كل ما يدل على رجحان التكبير يرشد إلى الاستحباب، سيما مع معارضتها برواية أبي بصير المعتضدة بالاجماع والشهرة العظيمة.


1. الكافي 3: 391 ح 1، التهذيب 2: 77 ح 289، الوسائل 4: 920 أبواب الركوع ب 1 ح 1. 2. الكافي 3: 311 ح 8، الفقيه 1: 196 ح 916، التهذيب 2: 81 ح 301، أمالي ا لصدوق: 337 ح 13، الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1، 2. 3. الوسائل 4: 921 أبواب الركوع ب 2. 4. التهذيب 2: 66 ح 238، الوسائل 4: 714 أبواب تكبيرة الاحرام ب 1 ح 5. 5. نقله في المختلف 2: 170. 6. المراسم: 69. 7. حكاه في المبسوط 1: 111. 8. الذكرى: 198.

[ 575 ]

ويستحب أن يكبر منتصبا في حال القيام رافعا يديه حيال وجهه، وأن يعمل بما تضمنته صحيحة زرارة، فقد قال الباقر عليه السلام فيها: " إذا أردت أن تركع فقل وأنت منتصب: الله أكبر، ثم اركع، وقل: اللهم لك ركعت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وأنت ربي، خشع لك سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي ومخي وعصبي وعظامي وما أقلته قدماي، غير مستنكف، ولا مستكبر، ولا مستحسر، سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات في ترسل، وتصف في ركوعك بين قدميك، تجعل بينهما قدر شبر، وتمكن راحتيك من ركبتيك، وتضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، وتلقم بأطراف أصابعك عين الركبة، وفرج أصابعك إذا وضعتها على ركبتيك، وأقم صلبك، ومد عنقك، وليكن نظرك بين قدميك، ثم قل: سمع الله لمن حمده وأنت منتصب قائم، الحمد لله رب العالمين أهل الجبروت، والكبرياء والعظمة لله رب العالمين، تجهر بها صوتك، ثم ترفع يديك بالتكبير وتخر ساجدا " (1). وقد مضى الخلاف في رفع اليد حيال الوجه وحكمه، والامر بالتكبير محمول على الاستحباب جمعا، مع أن السياق لا يفيد أزيد من الرجحان. والتسبيحات الثلاثة أول مراتب الفضل، وفوقه الخمس على ما قيل (2)، وفوقه السبع، وقد مر الثلاث والسبع في رواية هشام (3)، وفوقه ما اتسع صدره، لمضمرة سماعة: " ومن كان يقوى على أن يطول الركوع والسجود فليطول ما استطاع " إلى أن قال: " فأما الامام فإنه إذا قام بالناس فلا يبنغي أن يطول بهم، فإن في الناس الضعيف " (4) الحديث.


1. الكافي 3: 319 ح 1، التهذيب 2: 77 ح 289، الوسائل 4: 920 أبواب الركوع ب 1 ح 1. 2. الشرائع 1: 68. 3. التهذيب 2: 76 ح 282، الاستبصار 1: 322 ح 1204، الوسائل 4: 923 أبواب الركوع ب 4 ح 1. 4. التهذيب 2: 77 ح 287، الوسائل 4: 927 أبواب الركوع ب 6 ح 4.

[ 576 ]

وفي صحيحة أبان بن تغلب: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وهو يصلي، فعددت له في الركوع والسجود ستين تسبيحة (1)، وفي رواية اخرى أربعا أو ثلاثا وثلاثين مر (2)، وفي رواية خمسمائة (3). وربما يظهر من جماعة انتهاء الفضل بالسبع (4)، وليس بذلك، وإن أشعرت به رواية هشام، ولعله محمول على الغالب. ويستحب استواء الظهر بحيث لو صب عليه قطرة ماء أو دهن لم تزل، كما تضمنته صحيحة حماد. ويستحب تذكر " آمنت بك ولو ضربت عنقي " عند مد العنق فيه، ففي الخبر سئل أمير المؤمنين عليه السلام: ما معنى مد عنقك في الركوع ؟ فقال: " تأويله: آمنت بالله ولو ضرب عنقي " (5). وفي صحيحة حماد " غمض عينيه " والجمع بينه وبين هذا الخبر إما بالتخيير كما قيل (6)، أو بالحمل على الاشتباه، فإن القول أقوى من الفعل. وادعى الاجماع على استحباب " سمع الله لمن حمده " غير واحد من أصحابنا (7)، وتدل عليه أخبار اخر أيضا على الاطلاق (8).


1. الكافي 3: 329 ح 2، التهذيب 2: 299 ح 1205، الوسائل 4: 926 أبواب الركوع ب 6 ح 1. 2. التهذيب 2: 300 ح 1210، الاستبصار 1: 325 ح 1214، الوسائل 4: 927 أبواب الركوع ب 6 ح 2. 3. الكافي 8: 143 ح 111، الوسائل 4: 979 أبواب السجود ب 23 ح 6. 4. منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 106، والشيخ الطوسي في الخلاف 1: 349 مسألة 100، والمبسوط 1: 111، والعلامة في القواعد 1: 276. 5. الفقيه 1: 204 ح 928 علل الشرائع: 320 ب 10 ح 1، الوسائل 4: 942 أبواب الركوع ب 19 ح 2. 6. يعني: الجمع بين ما في صحيحة زرارة من قوله " وليكن نظرك بين قدميك " وبين هذا الخبر بالتخيير بينهما، قال به في النهاية: 71. 7. كالشيخ في الخلاف 1: 350 مسألة 101، والمحقق في المعتبر 2: 203، والعلامة في المنتهى 1: 285. 8. الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1، وص 920 أبواب الركوع ب 1.

[ 577 ]

وربما يقال: لو اقتصر المأموم على التحميد كان أحسن (1)، لصحيحة جميل: ما يقول الرجل خلف الامام إذا قال: سمع الله لمن حمده ؟ قال: " يقول: الحمد لله رب العالمين، ويخفض من الصوت " (1). وقال الشيخ رحمه الله: ولو قال: ربنا لك الحمد، لم تفسد صلاته (2). ونقل الشهيد في الذكرى حديثا وقال بصحته: " إن الامام إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال من خلفه: ربنا لك الحمد " ونقله عن بعض الاصحاب أيضا (4). ولكن المنقول من المنتهى أن تركه أولى، مؤذنا بنسبته إلى الاصحاب (5)، والمنقول في روايتنا بدون الواو (6)، والعامة مختلفون على ما قيل (7). ولعل قول ذلك لم يكن مفسدا كما ذكره الشيخ، إلا أن التسميع أحسن. وربما توجه رواية جميل أيضا بإرجاع الضمير إلى المأموم (8)، فتوافق العمومات. ثم إن المعلوم من الروايا ت المعتبرة (9) والاجماع المنقول كما يظهر من بعضهم (10)، والمشهور بين الاصحاب أن ذلك بعد الانتصاب. والمنقول عن ظاهر جماعة منهم أنه في حال الارتفاع، وسائر الاذكار حال القيام (11)، والمشهور أقوى.


1. المدارك 3: 399. 2. الكافي 3: 320 ح 2، الوسائل 4: 940 أبواب الركوع ب 17 ح 1. 3. المبسوط 1: 112. 4. الذكرى: 199. 5. المنتهى 1: 286. 6. الوسائل 4: 940 أبواب الركوع ب 17 ح 4. 7. الذكرى: 199. 8. كما في الحدائق 8: 226. 9. الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1، وص 920 أبواب الركوع ب 10. 10. كالمحقق في المعتبر 2: 203، والعلامة في المنتهى 1: 285. 11. منهم ابن أبي عقيل كما في ذكرى: 199، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 559، وأبو الصلاح في الكافي في الفقه: 142.

[ 578 ]

وينبغي الجهر به لغير المأموم، للعمومات، هكذا اختار في الذكرى (1). ونسب إلى ابني بابويه وصاحب الفاخر القول باستحباب رفع اليدين حال الرفع من الركوع (2). وقال المحقق: فإذا رفع من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن حمده، من غير تكبير ولا رفع يد، وهو مذهب علمائنا (3). وقال الشهيد في الذكرى: إنه مذهب جماعة من العامة (4). وتدل على القول الاول روايتان معتبرتان من أن رفع اليد مطلقا زينة الصلاة وأنه العبودية (5)، وإحداهما خصوص الرفع من الركوع مذكور فيها أيضا (6)، فحينئذ القول بالاستحباب مشكل، فتأمل. ثم إن استحباب السمعلة بعد الركوع إنما هو في غير صلاة الايات، أما فيها فيكبر إلا في الخامسة والعاشرة فهي كغيرها فيهما، لصحيحة محمد بن مسلم وزرارة المتقدمة (7). وأفتى المحقق في المعتبر بكراهة الركوع ويداه تحت ثوبه (8)، وهو خيرة المبسوط (9) وأبي الصلاح (10)، إلا أن أبا الصلاح كره كونهما في الكمين أيضا. ولم يظهر لهم من الاخبار مستند واضح، ولكن لا بأس باتباع هؤلاء الاعيان


1. الذكرى: 199. 2. نسبه إليهم في الذكرى: 199. 3. المعتبر 2: 199. 4. الذكرى: 199. 5. التهذيب 2: 76 ح 281، الوسائل 4: 921، أبواب الركوع ب 4 2. 6. التهذيب 2: 75 ح 279، الوسائل 4: 921، أبواب الركوع ب 2 ح 2. 7. الكافي 3: 463 ح 2، التهذيب 3: 156 ح 335، الوسائل 5: 150 أبواب صلاة الكسوف ب 7 ح 6. 8. المعتبر 2: 206. 9. المبسوط 1: 112. 10. الكافي في الفقه: 125.

[ 579 ]

فيما يتسامح في دليله مع تأمل في ذلك من جهة خصوص المقام، لصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي ولا يخرج يديه عن ثوبه، قال: " إن أخرج يديه فحسن، وإن لم يخرج فلا بأس " (1). وعن ابن الجنيد: لو ركع ويداه تحت ثيابه جاز ذلك إذا كان عليه مئزرا وسراويل (2). وربما يستشهد له (3) برواية عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يدخل يده تحت ثوبه، قال: " إن كان عليه ثوب آخر فلا بأس " (4). ويستحب التجنيح بالمرفق، لصحيحة زرارة (5) وغيرها (6)، ويرد ركبتيه إلى العقب كما في صحيحة حماد (7)، ويفرج بين أصابع يديه كما في صحيحة زرارة (8). ويستحب للمرأة إذا ركعت أن تضع يديها فوق ركبتيها على فخذيها، لئلا تطأطئ كثيرا فترتفع عجيزتها، كما في حسنة زرارة (9)، أفتى بذلك جماعة من المتأخرين (10).


1. الفقيه 1: 174 ح 722، التهذيب 2: 356 ح 1474، الاستبصار 1: 391 ح 1491، الوسائل 3: 313 أبواب لباس المصلي ب 40 ح 1. 2. نقله عنه في الذكرى: 198. 3. الحدائق 8: 272. 4. الكافي 3: 395 ح 10، التهذيب 2: 356 ح 1457، الاستبصار 1: 392 ح 1494، الوسائل 3: 314 أبواب لباس المصلي ب 40 ح 4. 5. المتقدمة الاشارة إليها في ص 574. 6. الكافي 3: 320 ح 5، عيون أخبار الرضا (ع) 2: 7 ح 18، الوسائل 4: 941 أبواب الركوع ب 18 ح 1. 7. المتقدمة الاشارة إليها في ص 574. 8. المتقدمة الاشارة إليها في ص 575. 9. الكافي 3: 335 ح 2، التهذيب 2: 94، 350، علل الشرائع: 355 ب 68 ح 1، الوسائل 4: 676 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 4. 10. منهم العلامة في القواعد 1: 282، والشهيد في النفلية: 119، وصاحب المدارك 3: 451.

[ 580 ]

نقل عن الشيخ وجماعة من الاصحاب مساواة المرأة للرجل في جميع أحكام الصلاة إلا في الجهر والاخفات (1). وقضية ذلك عدم الفرق إلا فيهما، وعلى هذا فيقع الاشكال في العمل على ما تضمنته هذه الاسنة في هذا المقام، إذ الاد المقرر للركوع هو ما وصلت به اليد إلى الركبتين، والانحناء بهذا القدر واجب، ولاشك أن ارتفاع العجيزة تابع للانحناء لا لوضع اليد، فالتعليل بعدم ارتفاع العجيزة يقتضي إما عدم وجوب الانحناء بالقدر المقرر للمرأة، أو يستلزم الالغاء للتعليل، لعدم تأثير الوضع الكذائي في ارتفاع العجيزة، وعدمه بعد اعتبار أقل الواجب وعدم التجاوز عنه. ويشكل تخصيص الاجماع الذي نقلوه في مقام تحديد الركوع (2) مع عدم فرق أحدهم ثمة بين الرجل والمرأة بهذه الرواية التي لم يظهر اتفاقهم على العمل عليها، بل ظهر عدمه، وان كان العمل بها أيضا غير بعيد، لكون عمل الجماعة هنا شاهدا على عدم وفاقهم ثمة على العموم. ويمكن أن يوجه بأن ملاحظة قضية النقل السابق كون التقام الركبة بالاصابع أو وضع اليد مطلقا أو التجنيح بالمرفق في حال الركوع مستحبا للمرأة أيضا لو لم يناف الاخير قوله عليه السلام في هذه الاسنة قبل ذلك: " وتضم يديها إلى صدرها لمكان ثدييها " فإذا كانت مستحبة فلاشك أن الالتقام بالاصابع أو مطلق الوضع بل والتجنيح بالمرفق أيضا يقتضي زيادة انحناء عن قدر الواجب، لكثرة تنزل اليد وانحنائها في هذه الصورة، بخلاف ما لو لم تفعل هذه الامور. وتكتفي بالانحناء بمقدار أنها لو أرادت وصول اليد لوصلت، فيكون حينئذ مراد المعصوم والله أعلم وقائله أن ترك هذا المكروه أحب من ارتكاب هذا المستحب، فأمرها بترك استحباب الالتقام ونحوه، وأخذ استحباب عدم ارتفاع العجيزة، وإلا


1. كما في المدارك 3: 451. 2. كما في المعتبر 2: 193، والتذكرة 3: 165.

[ 581 ]

فارتفاع العجيزة مع ترك الالتقام والوضع وغيرهما مع الاكتفاء بقدر الواجب لا يتفاوت فيه الامر بسبب وضع اليد فوق الركبة فتدبر. فائدتان: الاولى: قال في الذكرى: تجوز في الركوع والسجود الصلاة على محمد وآله صلى الله عليه وآله، بل تستحب (1)، وصرح في الدروس أيضا بالجواز (2). ويدل عليه ما رواه الصدوق في كتاب ثواب الاعمال بسند معتبر كالصحيح، عن محمد بن أبي حمزة، عن أبيه قال، قال أبو جعفر عليه السلام: " من قال في ركوعه وسجوده وقيامه: اللهم صل على محمد وآل محمد، كتب الله له ذلك بمثل الركوع والسجود والقيام " (3). الثانية: يستحب أن يكون ركوعه في صلاة الايات بقدر زمان كل من قراءته وقنوته، لصحيحة محمد بن مسلم وزرارة (4) وغيرها (5).


1. الذكرى: 199. 2. الدروس 1: 179. 3. الكافي 3: 324 ح 13، ثواب الاعمال 56، الوسائل ب 4: 943 أبواب الركوع ب 20 ح 3. 4. الكافي 3: 463 ح 2. التهذيب 3: 156 ح 335، الوسائل 5: 150 أبواب صلاة الكسوف ب 7 ح 6. 5. التهذيب 3: 294 ح 890، الاستبصار 1: 452 ح 1751، الوسائل 5: 149 أبواب صلاة الكسوف ب 7 ح 2.

[ 582 ]

المقصد السادس في السجود وفيه مباحث: الاول: تجب سجدتان في كل ركعة بإجماع المسلمين، بل وبضرورة الدين والايات (1) والاخبار المستفيضة (2). وهو في الشرع: الانحناء المخصوص. ويجب فيه أن ينحني حتى يساوي موضع جبهته موقفه تساويا متعارفا، وعفي عن علوه عنه مقدار لبنة لا أزيد. أما عدم جواز الارتفاع أزيد منه فهو إجماع علمائنا كما يظهر من الفاضلين (3)، ونسب الشهيد ذلك إلى الاصحاب أيضا (4)، وهو المنقول عن صاحب الشرع


1. فاسجدوا لله واعبدوا (النجم: 62)، وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من وراءكم (النساء: 101)، يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا (الحج: 77). 2. الوسائل 4: 936 أبواب الركوع ب 24. 3. المحقق في المعتبر 2: 207، والعلامة في المنتهى 1: 288. 4. الذكرى: 160.

[ 583 ]

كماآقالوه، ويظهر من الاخبار الكثيرة (1). وأما التحديد باللبنة في مرتبة الجواز فقد نسب إلى الشيخ (2)، واستدلوا على ذلك بالحسن على الظاهر، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن السجود على الارض المرتفعة، فقال: " إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس " (3). وقال في الكافي: وفي حديث آخر في السجود على الارض المرتفعة، فقال: " إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن رجليك قدر لبنة فلا بأس " (4). وتعارضهما صحيحة ابن سنان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن موضع جبهة الساجد أيكون أرفع من مقامه ؟ فقال: " لا، ولكن يكون مستويا، أو ليكن مستويا " (5) على اختلاف النسخ. ولابد من توجيهها وحملها على الافضلية، أو طرحها، لمخالفتها للخبرين المعتضدين بالشهرة وعمل الاصحاب. وتشهد لحملها على الافضلية صحيحة أبي بصير على الظاهر، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرفع موضع جبهته في المسجد، فقال: " إني أحب أن أضع وجهي في موضع قدمي " وكرهه (6). وألحق الشهيدان (7) الخفض بالرفع في هذا التحديد، تمسكا بموثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن المريض أيحل له أن يقوم على فراشه ويسجد


1. الوسائل 4: 964 أبواب ا لسجود ب 11. 2. النهاية: 83. 3. التهذيب 2: 313 ح 1271، الوسائل 4: 964 أبواب السجود ب 11 ح 1. 4. الكافي 3: 333 ح 4، الوسائل 4: 965، أبواب السجود ب 11 ح 3. 5. الكافي 3: 333 ح 4، التهذيب 2: 85 ح 315، الوسائل 4: 963 أبواب السجود ب 10 ح 1. 6. التهذيب 2: 85 ح 316، الوسائل 4: 964 أبواب السجود ب 10 ح 2. 7. الشهيد الاول في البيان: 168، والشهيد الثاني في روض الجنان: 276.

[ 584 ]

على الارض ؟ قال، فقال: " إذا كان الفراش غليظا قدر آجرة أو أقل استقام له أن يقوم عليه ويسجد على الارض، وإن كان أكثر من ذلك فلا " (1). وفي رواية محمد بن عبد الله عن الرضا عليه السلام قال، قلت: فيصلي وحده فيكون موضع سجوده أسفل من مقامه، فقال: " إذا كان وحده فلا بأس " (2). وادعى العلامة في التذكرة الاجماع على جواز الصلاة إذا كان موضع السجود أخفض (3)، وتدل عليه الاطلاقات أيضا، لكن الاولى تقييد الاطلاقات والاجماع بالموثقة (4)، لاصول البراءة اليقينية. ومما ذكرنا يظهر وجه تأييد لامل صحيحة ابن سنان المتقدمة على الاستحباب. ثم إن الاستواء المطلوب في الاخبار يحتمل معنيين: كون الارض بحيث لو أخرج من أحد طرفيه خط مستقيم إلى طرفه الاخر وجعل قاعدة لخط مستقيم آخر أحدث زوايا قوائم، وكونه بحيث لو أخرج من أحد طرفيه خط مستقيم كان مماسا لتمام ما يحاذيه من السطح بحيث لا يتجافى عنه أصلا. وعلى الثاني تندرج فيه الارض المسطحة المنحدرة التي لم يكن فيها نبكات وكومات، دون الاول. وعلى فرض الاندارج فلا يجوز الارتفاع عن سطح المنحدر في محل السجود أزيد من قدر لبنة وإن صار بذلك مساويا للموقف، أو لم يبلغه أيضا، لاطلاق الادلة. وكذا لا يضر على هذا لو كان الطرف الاعلى من المنحدر هو موضع السجود، وإن كان أرفع من الموقف بهذا المقدار، أو أكثر منه، وهكذا الكلام في جانب


1. الكافي 3: 411 ح 13، التهذيب 3: 307 ح 949، الوسائل 4: 964 ابواب السجود ب 11 ح 2. 2. التهذيب 3: 282 ح 835، الوسائل 4: 964 أبواب السجود ب 10 ح 4. 3. التذكرة 3: 189. 4. في " م " للموثقة.

[ 585 ]

الانخفاض من جهة نفس الانحدار. وبالجملة تضر الكومات والنبكات إذا كانت أزيد من مقدار لبنة، ولا يضر الارتفاع والانخفاض الذاتي للمنحدر وإن كان أزيد منه. وعلى فرض عدمه يصير الامر بالعكس، فتضر الذاتيات إذا بلغت المقدار المعلوم، وتنفع الكومات والنبكات لو صارت سببا للتساوي، أو مخرجا عن الاد المحظور، وإن جاوزت هي بنفسها عن المقدار المذكور. وإلى أول الوجهين - أي فرض الاندراج - يشير كلام بعض المحققين رحمه الله، حيث قال: ولا فرق في اعتبار عدم العلو بين الارض المنحدرة وغيرها، لاطلاق النص والفتوى (1). وانسحابه في عدم الانخفاض على القول باعتباره مشكل، لعدم العموم في النص الذي هو مستنده، مع احتمال كلامه للوجه الثاني أيضا، أي فرض عدم الاندارج. والذي يقوى في نفسي هو الوجه الثاني، إذ البراءة لا تحصل إلا به. مع أن الظاهر من الاستواء هو المعنى الاول، بل الظاهر من إطلاق الاخبار المانعة عن العلو أيضا ذلك فتدبر. وألحق بعض الاصحاب سائر المساجد بالجبهة (2)، ونقل عن العلامة في النهاية أيضا القول بوجوب تساوي الاعالي والاسافل، أو انخفاض الاعالي (3)، ولم يظهر وجهه، ولا ريب أن الاحوط تساوي الجميع. وأما ملاحظة سائر المواضع التي تكون ما بين المقام وموضع الجبهة، فلا دليل على اعتبار شئ من ذلك فيها أصلا، فيجوز أن يسجد وما بين ركبتيه وجبهته مرتفع


1. انظر المدارك 3: 408. 2. الذكرى: 202، ونقله عن الشهيد في جامع المقاصد 2: 299. 3. نهاية الحكمة 1: 488.

[ 586 ]

أزيد من المقدار المقرر، أو انخفاض أزيد منه، وهكذا. تنبيه: لو وقعت جبهته على موضع مرتفع بأزيد من المقدار المقرر، فقد نقل عن الفاضلين (1) وغيرهما (2) القطع بأنه يرفع رأسه ويسجد على المساوي، لعدم تحقق السجود معه. ولرواية حسين بن حماد قال، قلت لابي عبد الله عليه السلام: أسجد فتقع جبهتي على الموضع المرتفع، قال: " ارفع رأسك ثم ضعه " (3). وفي رواية اخرى له عنه عليه السلام: عن الرجل يسجد على الحصى، قال: " يرفع رأسه حتى يتمكن " (4) وفي دلالتها على ما نحن فيه تأمل. وتعارضها صحيحة ابن سنان، عن حسين بن حماد، عنه عليه السلام قال، قلت له: أضع وجهي للسجود، فيقع وجهي على حجر أو على شئ مرتفع، أحول وجهي إلى مكان مستو ؟ قال: " نعم، جر وجهك على الارض من غير أن ترفعه " (5). وصحيحة معاوية بن عمار قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا وضعت جبهتك على نبكة فلا ترفعها، ولكن جرها على الارض " (6). وتعارض روايته الاخيرة صحيحة علي بن جعفر على الظاهر، قال: سألت عن


1. المحقق في المعتبر 2: 212، والعلامة في المنتهى 1: 288. 2. كالشهيد في الذكرى: 160. 3. التهذيب 2: 302 ح 1219، الاستبصار 1: 330 ح 1237، الوسائل 4: 961 أبواب السجود ب 8 ح 4. 4. التهذيب 2: 210 ح 1260، الوسائل 4: 961 أبواب السجود ب 8 ح 5. 5. التهذيب 2: 312 ح 1269، الاستبصار 1: 330 ح 1239، الوسائل 4: 961 أبواب السجود ب 8 ح 2. 6. الكافي 3: 323 ح 3، التهذيب 2: 302 ح 1221، الاستبصار 1: 330 ح 1238، الوسائل 4: 960 أبواب السجود ب 8 ح 1.

[ 587 ]

الرجل يسجد على الحصى، ولا يمكن جبهته من الارض، قال: " يحرك جبهته حتى يمكن، فينحي الحصى عن جبهته ولا يرفع رأسه " (1). ومع هذا يشكل ترك ظواهر هذه الاخبار المعتبرة، خصوصا مع صدق السجدة بمجرد وضع الجبهة كما هو الظاهر، سيما لو لم يكن بذلك الارتفاع، فحملها على الاستحباب والخبر الاول على الجواز مشكل، سيما مع كون الراوي في طرف المعارض هو أيضا حسين بن حماد، فيظهر فيه وهن من هذه الجهة، وروايته هذه معتضدة بصحيحة ابن عمار وغيرها. وأيضا ظهور الروايات المانعة في الدلالة أزيد منها، وهي أقبل للتوجيه، فتحمل على أن المراد من الرفع والوضع هو الحاصل بالجر من العالي إلى السافل. وبالجملة استصحاب شغل الذمة والاحتراز عن لزوم تعدد الركن على احتمال يقتضي التزام العمل بتلك الروايات المعتبرة. وجمع المحقق بينهما بحمل الرواية الاولى على ما لو وضع جبهته على غير ما يصح السجود عليه فلا يتعدد السجود، والروايات الاخر على ما يصح فيجب الجر لئلا يتعدد (2)، وهو بعيد لما ذكرنا. وجمع بينهما في الاستبصار بحملها على صورة عدم التمكن من الجر، وحمل غيرها على صورة التمكن (3)، والاوجه ما ذكرنا. ويظهر مما ذكرنا أنه لو وقعت جبهته على ثوب ونحوه، وإن لم يكن مرتفعا، فالوجه جر الجبهة لا رفعها، كما اختاره الشيخ علي رحمه الله (4). أما الروايتان المتعارضتان في وضع الجبهة على الحصى فلعل الوجه في الجر عنها


1. التهذيب 2: 312 ح 1270، الاستبصار 1: 331 ح 1240، الوسائل 4: 961 أبواب السجود ب 8 ح 3. 2. المعتبر 2: 212. 3. الاستبصار 1: 331. 4. جامع المقاصد 2: 300.

[ 588 ]

أو الرفع والوضع هو حصول التعب بذلك، وعدم تحمل المصلي لذلك، أو كون الحصى بالقدر الذي لا يكفي في السجود. والاخير بعيد بالنظر إلى الاكتفاء بالمسمى كما هو التحقيق، وسيجئ إن شاء الله تعالى، والاولى في ذلك أيضا العمل بالرواية الاخيرة، والله أعلم بحقائق أحكامه. الثاني: من كان على جبهته دمل أو جراحة حفر حفيرة ليقع السليم منها على الارض، ومع التعذر فعلى أحد الجبينين، ومع التعذر فعلى الذقن على المشهور بين الاصحاب. ويدل على الاول مضافا إلى إجماع العلماء كما قاله في المدارك (1)، وكونه مقدمة للواجب المطلق، رواية مصادف قال: خرج بي دمل فكنت أسجد على جانب، فرأى أبو عبد الله عليه السلام أثره، فقال: " ما هذا ؟ " فقلت: لا استطيع أن أسجد من أجل الدمل، فإنما أسجد منحرفا، فقال لي: " لا تفعل، ولكن احفر حفيرة واجعل الدمل في الحفيرة حتى تقع جبهتك على الارض " (2). وعلى الثاني إجماع الاصحاب كما نقله في المدارك (3)، ويظهر من غيره أيضا (4)، وعبارة الفقه الرضوي: " إن كان على جبهتك علة لا تقدر على السجود فاسجد على قرنك الايمن، فإن تعذر فعلى قرنك الايسر، فإن لم تقدر فاسجد على ظهر كفك، فإن لم تقدر فاسجد على ذقنك " ثم استشهد بالاية (5).


1. المدارك 3: 416. 2. الكافي 3: 333 ح 5، التهذيب 2: 86 ح 317، الوسائل 4: 965 أبواب السجود ب 12 ح 1. 3. المدارك 3: 417. 4. مجمع الفائدة 2: 265. 5. فقه الرضا (ع): 114، مستدرك الوسائل 4: 459 أبواب السجود ب 10 ح 1.

[ 589 ]

وعلى الثالث مضافا إلى هذا ما رواه الكليني مرسلا عن الصادق عليه السلام: أنه سئل أبو عبد الله عليه السلام عمن بجبهته علة لا يقدر على السجود عليها، قال: " يضع ذقنه على الارض، إن الله تعالى يقول: (ويخرون للاذقان سجدا) " (1). وظاهر الاصحاب التخيير في الجبينين، والاولى مراعاة الترتيب لما ذكرنا، وللخروج عن خلاف الصدوقين، حيث أفتيا بوفق العبارة المنقولة (2)، وهناك أقوال اخر أدلتها ضعيفة. والاقوى ما ذهب إليه المشهور، ولابد من تقييد المرسلة بالعاجز عن الجبينين. وهل يجب كشف اللحية لو سجد على الذقن ؟ فالاطلاق يقوي العدم، وعدم صدق الذقن الوجوب، ولعل الاول أقرب. والمراد بالمشقة ما لا يتحمل عادة، وإن تمكن من تحمله بالعسر. والذي عجز عن السجود على النحو المطلوب يرفع موضع السجود بحيث يقدر على وضع الجبهة عليه ويسجد عليه، لانه مقدمة الواجب، ولان الميسور لا يسقط بالمعسور، والظاهر أنه إجماعي. وتدل عليه أيضا حسنة عبد الرحمن بن أبي عبد الله - لثعلبة بن ميمون - عن الصادق عليه السلام، قال: " لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل بوجهه القبلة، وتجزئه فاتحة الكتاب، ويضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شئ، ويومئ في النافلة إيماءا " (3). ورواية إبراهيم بن أبي زياد الكرخي، رواها الشيخ في التهذيب والصدوق في الفقيه قال، قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل شيخ كبير لا يستطيع القيام إلى الخلاء لضعفه، ولا يمكنه الركوع والسجود، فقال: " ليؤم برأسه إيماءا، وإن


1. الكافي 3: 334 ح 6. التهذيب 2: 86 ح 318، الوسائل 4: 965 أبواب السجود ب 2 12. 2. نقله عن والد الصدوق في روض الجنان: 276، واختاره الصدوق في المقنع (الجوامع الفقهية): 7. 3. التهذيب 3: 308 ح 952، الوافي 8: 1045 باب صلاة المريض ح 22.

[ 590 ]

كان له من يرفع الخمرة إليه فليسجد، وإن لم يمكنه ذلك فليؤم برأسه نحو القبلة إيماءا " (1). ومع العجز عن ذلك مطلقا فليؤم بالرأس ثم بالعينين، والظاهر أنه لا خلاف في ذلك بين الاصحاب. وأما صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام قال: سألته عن المريض، قال: " يسجد على الارض، أو على مروحة، أو على سواك يرفعه، وهو أفضل من الايماء " (2). وحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن المريض إذا لم يستطع القيام والسجود، قال: " يومئ برأسه إيماءا، وإن يضع جبهته على الارض أحب إلي " (3) فلابد من تأويلهما، لمخالفتهما للادلة السابقة المعمول بها عند الاصحاب، لمتروكية ظاهر الخبرين عندهم، ومخالفته للاصول. وقد حاول الفاضل صاحب المدارك - رحمه الله - الاستدلال بهما على استحباب وضع شئ على الجبهة حال الايماء (4)، وهو خلاف ظاهر الروايتين، سيما صحيحة زرارة، فإنها كالصريحة (5) في التخيير بين السجود على الارض أو الشئ المرتفع والايماء، ومع القدرة على هذا لا يجوز الايماء، والمطلوب هو وضع شئ على الجبهة حال الايماء بعد العجز عن ذلك، وتوجيههما بحيث يرجع إلى ذلك بعيد غاية البعد، سيما الصحيحة. وقد يوجه بأن المراد منها الترديد بالنسبة إلى حالتي التمكن من السجود على


1. الفقيه 1: 238 ح 1052، التهذيب 3: 307 ح 951، الوسائل 4: 691 أبواب القيام ب 1 ح 11. 2. الفقيه 1: 236 ح 1039، التهذيب 2: 311 ج 1264، الوسائل 3: 606 أبواب ما يسجد عليه ب 15 ح 1، 2. 3. الكافي 3: 410 ح 5، الوسائل 4: 689 أبواب القيام ب 1 ح 2. 4. المدارك 3: 333. 5. في " ص ": فإنه كلام صريح.

[ 591 ]

الارض وغيره، والمراد برفع السواك والمروحة هو وضعهما على الجبهة (1). وقد روى هذه الصحيحة في الفقيه هكذا: سألته عن المريض كيف يسجد ؟ فقال: " على خمرة أو على مروحة " (2) الحديث، وعلى هذا التوجيه أسهل. ولابد حينئذ من توجيه الحسنة أيضا بما يقرب من هذا، لكن الاستدلال بمثل هذا مشكل. نعم يمكن الاستدلال بمضمرة سماعة، قال: سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس، قال: " فليصل وهو مضطجع، وليضع على جبهته شيئا إذا سجد، فإنه يجزئ عنه، ولن يكلف الله ما لا طاقة له به " (3). واستدل الشهيد بذلك، وبأن الواجب في السجود امور، فإذا تعذر بعضها لم يسقط الباقي، لان الميسور لا يسقط بالمعسور على وجوب الوضع، مع الاعتماد كان أم لا (4). ولا يخفى أنه أولى وأحوط، لكن كونه بحيث يقيد الاطلاقات الكثيرة مشكل. تتميم: اعلم أن ما ورد في صلاة العاجز وفاقد الساتر والارض والخائف وغير ذلك من الامر بالايماء مختلف، فروايات صلاة المريض بعضها مطلق، وبعضها مخصوص بغمض العين، وبعضها بالرأس. أما الروايات الواردة بغمض العين فهي في حال الاستلقاء، كمرسلة محمد بن إبراهيم، عمن حدثه، عن الصادق عليه السلام، قال: " يصلي المريض قائما، فإن


1. الذخيرة: 263. 2. الفقيه 1: 236 ح 1039، الوسائل 3: 606 ابواب ما يسجد عليه ب 15 ح 1، 2. 3. التهذيب 3: 306 ح 944، الوسائل 4: 690 أبواب القيام ب 1 ح 5. 4. الذكرى: 181.

[ 592 ]

لم يقدر على ذلك صلى قاعدا، فإن لم يقدر صلى مستلقيا: يكبر ثم يقرأ، فإذا أراد الركوع غمض عينيه ثم يسبح ثم يفتح عينيه، فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع، فإذا أراد أن يسجد غمض عينيه ثم يسبح، وإذا سبح فتح عينيه، فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السجود " (1). وأما الايماء بالرأس فكثيرة، منها إذا استطاع المريض للجلوس، فقد روى في الفقيه مرسلا عن أمير المؤمنين عليه السلام: " دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على رجل من الانصار وقد شبكته الريح، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله كيف اصلي ؟ فقال: إن استطعتم أن تجلسوه فأجلسوه، وإلا فوجهوه إلى القبلة ومروه فليؤم برأسه إيماءا، ويجعل السجود أخفض من الركوع " (2) وأما المطلقات فكثيرة غاية الكثرة (3). فالذي تقتضيه الاصول والجمع بين الاخبار هو اختصاص الايماء بالعين في صورة الاستلقاء ونحو ذلك. والظاهر أن ذلك لعدم القدرة على غير ذلك غالبا، وتقديم الايماء بالرأس فيما يمكن غيره. فالاطلاقات موزعة بالقيدين في مواضعهما. وما يتخيل من الجمع بالتخيير (4) فلا وجه له، ولا تحصل البراءة اليقينية إلا بالعمل بما اقتضاه المشهور. ومما ذكرنا ظهر بعض أحوال الركوع أيضا، فتدبر. وهل الحكم في المذكورات حكم المبدل منه في الركنية والصحة والبطلان


1. الكافي 3: 12 411، التهذيب 2: 169 ح 671، الوسائل 4: 691 أبواب القيام 1 ح 13. 2. الفقيه 1: 236 ح 1038، الوسائل 4: 692 أبواب القيام ب 1 ح 16. 3. الكافي 3: 410 ح 6، الفقيه 1: 236 ح 316، التهذيب 3: 175 ح 392، عيون أخبار الرضا (ع): 68 ح 316، الوسائل 4: 976 أبواب السجود ب 20، وج 3: 690 أبواب القيام ب 1 ح 4،، 10، 15، 18. 4. الذخيرة: 263.

[ 593 ]

بالزيادة والنقصان ؟ فيه وجهان، بالنظر إلى عموم البدلية، أو اشتراك الركوع والسجود بينهما (معنى) (1)، وعدم تبادر ذلك منهما، ومنع العموم بهذا المقدار، والاحوط اعتبار ذلك، بل الاقوى، لتوقف يقين البراءة على ذلك. وهل يعتبر قصد البدلية ؟ فيه وجهان، ناشئان من الوجهين الاولين في أول وجهي الترديد في المسألة المتقدمة. الثالث: السجدتان ركن في الصلاة، لا بالمعنى الشائع في سائر الاركان، بل بمعنى أن زيادتهما معا مبطلة للصلاة، ونقصانهما معا. وذكروا في وجه ركنية السجدة بحيث يجامع ما ذكروه في معنى الركن وجوها ضعيفة. وأوجهها ما ذكره العلامة المجلسي - رحمه الله - في البحار، وهو أن الركن المفهوم المردد بين سجدة واحدة بشرط لا، وسجدتين لا بشرط شئ، فإذا أتى بواحدة سهوا فقد أتى بفرد من الركن، وكذا إذا أتى بهما، ولا ينتفي الركن إلا بانتفاء الفردين بأن لا يسجد أصلا، وإذا سجد ثلاث سجدات لم يأت إلا بفرد واحد، وهو الاثنان لا بشرط شئ، وأما الواحدة الزائدة فليست فردا له لكونها مع اخرى، وما هو فرد له على هذا الوجه هو بشرط أن لا يكون معها شئ وإذا أتى بأربع فما زاد أتى بفردين من الاثنتين، قال: وهذا وجه متين لم أر أحدا سبقني إليه، ومع ذلك لا يخلو من تكلف (2)، انتهى. والاولى ما ذكرنا، لعدم ذكر الركن في الاخبار، وأما كلام العلماء فمخصص بغير حكم السجدتين، ونظيره في كلامهم كثير، منها ما أشرنا إليه في ركوع المرأة (3).


1. ليس في " م " وفي " ح ": معه لفظا. 2. البحار 82: 142. 3. ص 580.

[ 594 ]

وبالجملة معنى الركنية في كلامهم إنما يثمر فيما قام الدليل عليه في محتملات موردها، وهو يحتاج إلى تأمل صادق. ومما يقع فيه الاشكال ركنية القيام المتصل بالركوع، والذي يمكن أن ينزل عليه بحيث يتعين له مصداق وتترتب عليه الاحكام هو جعله شأنا من شئون الركوع، فيقال: إن الركوع ركن، وكون الركوع عن قيام ركنا آخر. وذلك لان من أحكام الركن أنهم ذكروا أن من سها عن جزء من الصلاة فيجب عليه الاتيان به ما لم يدخل في ركن آخر. ولا يمكن حصول العلم بالدخول في القيام المتصل بالركوع إلا إذا تحقق الركوع، ألا ترى أنهم حكموا بأن ناسي التشهد يتداركه ما لم يركع، ونطقت بذلك الاخبار المستفيضة (1) كما سيجئ، ولم يقولوا ما لم يدخل في القيام المتصل بالركوع. فلو فرض أنه هوى من القيام إلى الركوع، وتذكر أنه لم يتشهد قبل أن يصل إلى حد الراكع، فيرجع ويتشهد ولا يلزم منه تعدد الركن، إذ علمت أن معنى القيام المتصل بالركوع لا يتحقق إلا بالركوع عن قيام، وهو لم يتحقق بعد. وبالجملة جميع أجزاء القيام قبل الركوع قابلة لان تصير ركنا، ولا تحصل فعلية الركن إلا بتحقق الركوع الحقيقي في جزء من تلك الاجزاء. فهذا الركن لا تظهر له ثمرة في الزيادة، وإنما تظهر ثمرته في الترك، لامكان تحقق الركوع بدون القيام المتصل به، وعدم إمكان تحقق الركوع عن قيام بدونه، وأما الزيادة فلا تحصل إلا بتكرير الركوع، ومع تكرير الركوع فلا ثمرة في تعدد القيام المتصل به. واعلم أن الثمرة في النقصان أيضا إنما تظهر لو انفك عن القيام في حال التكبير، وإلا فيتداخل معه، كما لو أراد المأموم أن يلحق بالامام في حال الركوع مستعجلا


1. الوسائل 4: 997 أبواب التشهد ب 9.

[ 595 ]

فلا يجب لتصحيح صلاته قيام آخر غير القيام حال التكبير ومعه حصل القيامان معا. ومن ذلك يظهر عدم الثمرة في القيام حال التكبير في حال الزيادة أيضا، لعدم انفكاكه عن الزيادة في التكبير، فما ذكروه من الاحكام في الاركان لا يجب أن يتحقق جميعها في جميعها، بل هو حكم جميعها. فلنرجع إلى ما كنا فيه ونقول: فلا تبطل زيادة سجدة سهوا، ولا نقصانها كذلك، وإذا تذكرها قبل الركوع يأتي بها، وكذا السجدتين، هذا هو المشهور بين الاصحاب. وأما بطلان الصلاة بتركهما معا وبزيادتهما معا فهو في الجملة إجماع العلماء كافة، قاله في المعتبر (1)، وادعى الاجماع أيضا في التذكرة (2). وتدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة: " لا تعاد الصلاة إلا من خمس " (3) وأن التارك لهما أو الزائد عليهما مخرج للعبادة عن الهيئة المطلوبة، فيبقى تحت عهدة التكليف. وتؤيده رواية معلى الاتية (4). وخالف في هذه الاحكام الشيخ في المبسوط، حيث جعلهما ركنا في الاوليين وثالثة المغرب خاصة (5)، وذلك لما عرفت سابقا من أنه كان يجوز التلفيق في غير الاوليين والمغرب في مبحث الركوع، وهو كان يستلزم تكرار السجدتين. وفي التهذيب، حيث أوجب الاعادة بترك السجدة الواحدة من الاوليين (6). وابن أبي عقيل حيث اختار هذا ولم يخصص بالاوليين (7).


1. المعتبر 2: 206. 2. التذكرة 3: 185. 3. الفقيه 1: 225 ح 991، التهذيب 2: 152 ح 597، الوسائل 4: 987 أبواب السجود ب 28 ح 1. 4. ص 598. 5. المبسوط 1: 120. 6. التهذيب 2: 154. 7. نقله عنه في المختلف 2: 371.

[ 596 ]

والاقوى في جميع ذلك المشهور. لنا: على الاول مضافا إلى ما سبق هنا عموم ما ذكرنا في مبحث الركوع لاثبات بطلان الصلاة بزيادته سهوا، ولا خصوصية لها بالاوليين وثالثة المغرب. وقد عرفت الجواب عما استدل به في مبحث الركوع على جواز التلفيق، وقد ذكرنا أن نظره (1) في تخصيص الاخيرتين من الرباعية إلى ماذا، وأن دليله في التلفيق ماذا، لكنه لا دليل له في التلفيق ههنا. وإلحاق السجدتين بالركوع من غير دليل كما وجهه في المختلف (2) لا وجه له. فالذي تقتضيه الادلة هو بطلان الصلاة بزيادتهما مطلقا وتركهما معا مطلقا، وتخصيص الادلة القوية بغير الاخيرتين من الرباعية من دون دليل لا وجه له. وعلى الثاني الاطلاق وترك الاستفصال في الاخبار المعتبرة، منها صحيحة أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عمن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها وهو قائم، قال: " يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع، فإن كان قد ركع فليمض على صلاته، فإذا انصرف قضاها وحدها وليس عليه سهو " (3). ومنها صحيحة إسماعيل بن جابر عنه عليه السلام: في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام، فذكر وهو قائم أنه لم يسجد، قال: " فليسجد ما لم يركع، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم، ثم يسجدها فإنها قضاء " (4). ومنها موثقة عمار عنه عليه السلام: في رجل نسي سجدة، فذكرها بعد ما قام و


1. في " ص ": وقد ذكرنا أن يظهره في تخصيص الاخيرتين من الرباعية إلى ما زاد، وفي " م ": وقد ذكرنا أن نظيره... 2. المختلف 2: 367. 3. الفقيه 1: 1008 228 التهذيب 2: 152 ح 598، الاستبصار 1: 358 ح 1360، الوسائل 4: 969 أبواب السجود ب 14 ح 4. 4. التهذيب 2: 153 ح 602، الاستبصار 1: 359 ح 1361، الوسائل 4: 968 أبواب السجود ب 14 ح 1.

[ 597 ]

ركع، قال: " يمضي في صلاته ولا يسجد حتى يسلم، فإذا سلم سجد مثل ما فاته " قلت: فإن لم يذكر إلا بعد ذلك ؟ قال: " يقضي ما فاته إذا ذكره " (1). ومنها صحيحة ابن أبي يعفور، عنه عليه السلام، قال: " إذا نسي الرجل سجدة وأيقن أنه قد تركها فليسجدها بعدما يقعد قبل أن يسلم، وإن كان شاكا فليسلم ثم ليسجدها، وليتشهد تشهدا خفيفا، ولا يسميها نقرة، فإن النقرة نقرة الغراب " (2). واستدل الشيخ بصحيحة ابن أبي نصر البزنطي، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن رجل صلى ركعة ثم ذكر وهو في الثانية وهو راكع أنه ترك سجدة من الاولى، فقال: " كان أبو الحسن عليه السلام يقول: إذا تركت السجدة في الركعة الاولى ولم تدر واحدة أم ثنتين استقبلت الصلاة حتى تصح لك ثنتان، وإذا كان في الثالثة والرابعة فتركت سجدة بعد أن تكون قد حفظت الركوع أعدت السجود " (3). ولا يخفى أن هذا الخبر غير متناسق الدلالة، غير منطبق على واحد من الاصول على ظاهره كما لا يخفى. وغاية توجيهه بما يقرب من مقصود الشيخ هو أن يكون المراد من قوله عليه السلام: " لم تدر واحدة أم ثنتين " أنك لم تدر أن المتروك هو واحدة أو ثنتين، وهذا أيضا لا يقتضي أثبات تمام المطلب، وللخبر تأويلات وتوجيهات لا طائل تحتها، فأعرضنا عن ذكرها. وما كان هذا شأنه فكيف تخصص به الاخبار الصحيحة الظاهرة الدلالة المعمول بها عند الاصحاب، مع أن الشهيد - رحمه الله - ادعى عليه الاجماع


1. التهذيب 2: 153 ح 604، الاستبصار 1: 359 ح 1362، الوسائل 4: 968 أبواب السجود ب 14 ح 2. 2. التهذيب 2: 156 ح 609، الاستبصار 1: 360 ح 1366، الوسائل 4: 972 أبواب السجود ب 16 ح 1. 3. الكافي 3: 349 ح 3، التهذيب 2: 154 ح 605 الاستبصار 1: 360 ح 1364، الوسائل 4: 968 أبواب السجود ب 14 ح 3.

[ 598 ]

على ما نقل عنه (1). وهو معارض بخبر محمد بن منصور، قال: سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شك فيها، فقال: " إذا خفت أن لا تكون وضعت وجهك إلا مرة واحدة، فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة، وتضع وجهك مرة واحدة، وليس عليك سهو " (2) ورواية معلى بن خنيس صريحة أيضا وستأتي. وإذا عرفت هذا فاعلم أن نظر الشيخ في هذا التخصيص أيضا إلى ما ذكرنا سابقا من أنه لا وهم في الاوليين والثالثة، ولازمه بطلانهما بمطلق الوهم، ومن هذا يلزمه القول بأن زيادة سجدة فيهما أيضا مبطلة، وتدفعه الاطلاقات والعمومات الكثيرة، سيما الخبران اللذان ذكرناهما في مبحث الركوع: " ولا تفسد الصلاة بزيادة سجدة " (3) وفيهما إشعار بمذهب المشهور في النقصان أيضا، فراجع وتأمل، مع أنا ذكرنا وسنذكر - إن شاء الله - أنه لا وجه لنفگ‍ الوهم فيهما مطلقا. ويدل على تعميم ابن أبي عقيل ما رواه معلى بن خنيس في الضعيف، قال: سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام في الرجل ينسى السجدة من صلاته، قال: " إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها وبنى على صلاته، ثم سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، وإن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة، ونسيان السجدة في الاوليين والاخيرتين سواء " (4). وفي طريق هذا الخبر ضعف وإرسال، واشتهر أن معلى بن خنيس قتل في


1. الذكرى: 200. 2. التهذيب 2: 155 ح 607، الاستبصار 1: 360 ح 1365، الوسائل 4: 970 أبواب السجود ب 14 ح 6. 3. التهذيب 2: 156 ح 610، 611، الفقيه 1: 228 ح 1009، الوسائل 4: 938 أبواب الركوع ب 14 ح 2، 3. 4. التهذيب 2: 154 ح 606، الاستبصار 1: 359 ح 1363، الوسائل 4: 969 أبواب السجود ب 14 ح 5، ووجه الضعف: وقوع علي بن إسماعيل في طريقه وهو مشترك بين جماعة لم يثبت توثيق أحد منهم.

[ 599 ]

زمان الصادق عليه السلام، فكيف يروي عن الكاظم عليه السلام ؟ ! ويمكن دفع هذا الايراد. وبالجملة لا يصلح هذا الخبر لتقييد أقوى منه بمراتب شتى. وحملها الشيخ على أن المراد من السجدة السجدتين (1)، وهو غير بعيد. ثم اعلم أن صريح صحيحة أبي بصير ورواية ابن منصور المتقدمتان وظواهر سائر الاخبار المعتبرة المذكورة ههنا عدم وجوب سجدتي السهو فيما لو سها سجدة، ونسب ذلك إلى ابن أبي عقيل (2) وابن بابويه (3). والمشهور بين الاصحاب وجوبهما، ونقل العلامة عليه الاجماع في التذكرة والمنتهى (4)، واستدلوا على ذلك برواية ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن سفيان بن السمط، عن الصادق عليه السلام، قال: " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " (5) وأما ما تشعر به رواية معلى فلا يمكن التعويل عليه. وبالجملة إما لابد من تخصيص الخبر بهذه الادلة القوية، أو حمله على الاستحباب، لكون المخرج منه بالادلة من الكثرة بمكان لا يرضى المحققون بمثل هذا التخصيص، ويكون المثبت للوجوب في الموارد الادلة الخارجية. وعلى الثاني يبقى الاجماع معارضا لتلك الادلة، وهي معتضدة بالاصل، وهو اشتغال الذمة بالعبادة التوقيفية، والمسألة محل تردد، ولعل القول بالاستحباب يكون أقوى، والاولى عدم تركهما.


1. التهذيب 2: 154. 2. نسبه إليه في المختلف 2: 419. 3. الفقيه 2: 154. 4. التذكرة 3: 333، المنتهى 1: 417. 5. التهذيب 2: 155 ح 608، الوسائل 5: 346، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 3.

[ 600 ]

ثم إن الدليل على وجوب تدارك السجدة أو السجدتين قبل الركوع قد ظهر مما ذكرناه في المباحث السابقة، وما ذكرنا ههنا أيضا من الاخبار. والذي تقتضيه الادلة هو ملاحظة حال الطمأنينة بين السجدتين أيضا، فإذا كان المنسي السجدة الثانية مع الطمأنينة بينهما فتجب الطمأنينة ثم السجود. ونقل عن المفيد - رحمه الله - القول بأن من ترك سجدتين من ركعة واحدة أعاد على كل حال، وإن نسي واحدة منهما ثم ذكرها في الركعة الثانية قبل الركوع أرسل نفسه وسجدها ثم قام (1)، ومستند التفصيل غير واضح. وحكم الشك في السجود حكمه في الركوع للصحاح المتقدمة (2). الرابع: يجب السجود على سبعة أعضاء: الجبهة، والكفين، والركبتين، وإبهامي الرجلين، وهو المعروف من مذهب الاصحاب، لا نعرف فيه مخالفا، إلا ما نقل عن السيد - رحمه الله - من أنه جعل عوض الكفين المفصل عند الزندين (3)، وادعى عليه في التذكرة إجماع علمائنا (4)، وكذا في الذكرى (5). وتدل عليه صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: السجود على سبعة أعظم: الجبهة، واليدين، والركبتين، والابهامين، وترغم بأنفك إرغاما، فأما الفرض فهذه السبعة، وأما الارغام بالانف فسنة من النبي صلى الله عليه وآله " (6).


1. المقنعة: 138. 2. الوسائل 4: 971 أبواب السجود ب 15. 3. الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 32. 4. التذكرة 3: 185. 5. الذكرى: 201. 6. التهذيب 2: 299 ح 1204، الاستبصار 1: 327 ح 1224، الخصال: 349 ح 23، الوسائل 4: 954 أبواب السجود ب 4 ح 2.

[ 601 ]

وصحيحة حماد فيما علمه الصادق عليه السلام: أنه سجد على الثمانية الاعظم: الكفين، والركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، والجبهة، والانف، وقال: " سبعة منها فرض، ووضع الانف على الارض سنة " (1). وهذان الخبران مشتملان على المجموع في الاخبار وما يستفاد منها متفرقة أيضا. ثم إن الخبرين مطلقان، ويحصل الامتثال بمجرد المسمى، لصدق الطبيعة بإيجاد فرد ما منها، وكأنه لا خلاف في ذلك بين الاصحاب في غير الجبهة. نعم يظهر من العلامة في المنتهى التردد في الكف، فقال: هل يجب استيعاب جميع الكف بالسجود ؟ عندي فيه تردد، والحمل على الجبهة يحتاج إلى دليل، لورود النص في خصوص الجبهة، إلى آخر ما قال (2). ولعل نظره - رحمه الله - إلى أن هذه الاعضاء أسامي لمجموعها حقيقة، ومجاز في البعض، فالاصل الحقيقة، وأما الركبتان والابهامان لما خرجا بالدليل من جهة عدم القدرة على وضع التمام فيهما، أو الاتفاق على جواز المسمى، وكذلك الجبهة لما سنحققه، فتبقى اليد مندرجة تحت العموم. ولا يخفى أن المصلي متمكن من وضع تمام الكف، وصدق وضع الكف على وضع بعضها لعله في مقام المنع، فلابد من وضعها كذلك، سيما مع الشك في البراءة عنه إلا بذلك. ويمكن القدح في ذلك بأن كون هذه حقيقة في الكل مسلم، لكن وضعها يكون حقيقة في وضع الكل في مقام المنع، والكلام إنما هو في المضاف فتدبر. والمشهور بين الاصحاب والمنقول عن ظاهر علمائنا إلا المرتضى - رحمه الله -


1. الكافي 3: 311 ح 8، الفقيه 1: 196 ح 916، التهذيب 2: 81 ح 301، الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1. 2. المنتهى 1: 290.

[ 602 ]

عدم الاجتزاء إلا بالباطن (1) و (2)، لان ذلك هو المعهود من صاحب الشرع، فلا يجوز وضع الظاهر على الارض. وظاهر الخبرين الاطلاق بالنظر إلى الباطن والظاهر ككلام الاصحاب، والخبر الاول بالنظر إلى الانملة وغيرها. والاظهر جواز الاكتفاء بمسمى وضع الابهام، والاولى وضع الانامل كما يظهر من خبر حماد، وأما الاعتماد على الظاهر أو الباطن فلم يظهر من الاخبار، ولعل الثاني آنس وأقرب بالمعهود والمتعارف. وأما قول السيد - رحمه الله - فلم يظهر وجهه. ويتحقق السجود بالاعتماد على هذه الاعضاء كما نقل عن صريح جماعة من الاصحاب (3)، وهو الظاهر من معنى السجود أيضا، فإذا سجد على مثل لحاف فيه قطن، أو صوف يجب الاعتماد حتى يستقر، ثم يحسب من سجدته. وأما الجبهة فالاقوى فيها أيضا الاجتزاء بمسمى الوضع، وفاقا لاكثر الاصحاب. لنا: الاخبار الكثيرة المعتبرة، ففي صحيحة زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال، قلت: الرجل يسجد وعليه قلنسوة أو عمامة، قال: " إذا مس شئ من جبهته الارض فيما بين حاجبيه وقصاص شعره فقد أجزأ عنه " (4). وصحيحته الاخرى عن الصادق عليه السلام، قال: " ما بين قصاص الشعر إلى طرف الانف مسجد، أي ذلك أصبت به الارض أجزأك " (5) وموثقة عمار


1. منهم العلامة في نهاية الاحكام 1: 490 والشهيد في الذكرى: 201. 2. جمل العلم (رسائل الشريف المرتضى) 3: 32. 3. كالعلامة في نهاية الاحكام 1: 489، والمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 301، والشهيد الثاني في روض الجنان: 276. 4. الفقيه 1: 176 ح 833، التهذيب 2: 85 ح 314، وص 236 ح 931، الوسائل 4: 962 أبواب السجود ب 9 ح 1. 5. الفقيه 1: 176 ح 837، الوسائل 4: 963 أبواب السجود 9 ذ. ح 4.

[ 603 ]

عنه عليه السلام مثلها (1). وفي رواية بريد بن معاوية العجلي عن الباقر عليه السلام، قال: " الجبهة إلى الانف، أي ذلك أصبت بها الارض في السجود أجزأك، والسجود عليه كله أفضل " (1). وفي ذيل صحيحة زرارة التي أوردناها في سجود العاجز: " إنما كره من كره السجود على المروحة من أجل الاوثان التي كانت تعبد من دون الله، وإنا لم نعبد غير الله قط، فاسجد على المروحة وعلى السواك وعلى عود " (2) إلى غير ذلك من الاخبار (4). وذهب ابن بابويه وابن إدريس إلى اعتبار مقدار الدرهم (5)، ولعل مستندهما في ذلك حسنة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " الجبهة كلها من قصاص شعر الرأس إلى الحاجبين موضع السجود، فأيما سقط من ذلك إلى الارض أجزأك مقدار الدرهم، أو مقدار طرف الانملة " (6) وهو كما ترى ينادي بخلاف مذهبهم. اللهم إلا أن يجعل مقدار طرف الانملة عطفا تفسيريا، ويكون مرادهم هذا القدر، ولا يخفى ما فيه. ونقل عن ابن الجنيد القول بوجوب وضع تمام الجبهة (7)، وتدل عليه صحيحة


1. الفقيه 1: 176 ح 836، التهذيب 2: 298، ح 1201، الاستبصار 1: 327 ح 1222، الوسائل 4: 963 أبواب السجود ب 9 ح 4. 2. التهذيب 2: 298 ح 1199، الاستبصار 1: 326 ح 1221، الوسائل 4: 963 أبواب السجود ب 9 ح 3. 3. الفقيه 1. 236 ح 1039، التهذيب 3: 311 ح 124، الوسائل 3: 606 أبواب ما يسجد عليه ب 15 ح 1، 2. 4. التهذيب 2: 85 ح 313، الوسائل 4: 962 أبواب السجود ب 9 ح 2. 5. المقنع (الجوامع الفقهية): 7 السرائر 1: 225. 6. الكافي 3: 333 ح 1، الوسائل 4: 963 أبواب السجود ب 9 ح 5. 7. نقله عنه في كشف اللثام 1: 228.

[ 604 ]

علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن المرأة تطول قصتها، فإذا سجدت وقع بعض جبهتها إلى الارض وبعضها يغطيها الشعر، هل يجوز ذلك ؟ قال: " لا، حتى تضع جبهتها على الارض " (1) وهي محمولة على الافضلية لمعارضتها بأقوى منها، وتشهد له رواية العجلي المتقدمة. وأعلم أن الظاهر من هذه الرواية وصحيحة زرارة وموثقة عمار أن الجبهة ماآبين قصاص الشعر إلى طرف الانف، ومن غيرها يظهر أنها منه إلى الحاجبين. وعلى الاول يلزم دخول البياض المتوسط بين الحاجبين فوق الانف في الجبهة، وعلى الثاني خروجه منها ودخول الحاجبين فيها. ويمكن البناء على الاول والقول بأن المراد من الانتهاء إلى الحاجبين حيث ما ينتهي إليهما، وههنا لم ينته إليهما لانتفائهما ههنا، فيدخل في الجبهة، ومنع دخول الحاجبين لان من المعلوم أنه يصح سلب اسم الجبهة عنهما، ولا شك أنه لا يجب السجود على غيرها. وأما تحديد الجبهة بذلك فلا ينافي ذلك أيضا، لانها مطلقة، وانتهاؤها إليه في الجملة لا يستلزم انتهاؤها إلى كل ما يحاذيه أيضا. مع احتمال البناء على الثاني أيضا، والتزام أن المراد من الانتهاء إلى الحاجبين ما يحاذيهما أيضا، والترجيح للاول. والحق أن النزاع في ذلك إنما يثمر (2) غالبا على القول المختار، لان بعض هذا البياض مما ينبغي أن لا يعتنى به من باب مقدمة الانف، وعدم الخروج عن الجبهة (3)، فلا يبقى إلا قليل. ويشكل فيما لو دار الامر بين ذلك القليل وبين الجبين أو الذقن، والحكم بأن


1. التهذيب 2: 1276 313، الوسائل 3: 606 أبواب ما يسجد على ب 14 ح 5. 2. في " م ": يتم. 3. في " ص " زيادة: بأن الاحتياط هو جله من الجبهة.

[ 605 ]

الاحتياط هو جعله من الجبهة أيضا مشكل حينئذ، ولعل كونه منها أقرب، والله تعالى يعلم حقائق أحكامه. الخامس: لا يجوز السجود إلاعلى الارض ونباتها الذي لا يؤكل ولا يلبس بالاجماع، كما نقله جماعة من الاصحاب (1). وتدل على ذلك الروايات المستفيضة، منها صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام، قال له: أخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز ؟ قال: " السجود لا يجوز إلا على الارض، أو على ما أنبتت الارض، إلا ما اكل أو لبس " (2). وصحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: " السجود على ما أنبتت الارض إلا ما اكل أو لبس " (3). وحسنة زرارة - لابراهيم - عن أبي جعفر عليه السلام قال، قلت له: أسجد على الزفت، يعني القير ؟ فقال: " لا، ولا على الثوب الكرسف، ولا على الصوف، ولا على شئ من الحيوان، ولا على طعام، ولا على شئ من ثمار آالارض، ولا على شئ من الرياش " (4) ورواها في الكافي بطريق صحيح أيضا. ورواية أبي العباس - وفي طريقها قاسم بن عروة - قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا تسجد إلا على الارض، أو ما أنبتت الارض، إلا


1. كالمحقق في المعتبر 2: 117، والعلامة في النهاية 1: 360، والكركي في جامع المقاصد 2: 158 وصاحب المدارك 3: 241. 2. الفقيه 1: 177 ح 840، علل الشرائع: 341 ح 1، الوسائل 3: 591 أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 1. 3. الفقيه 1: 174 ح 826، التهذيب 2: 234 ح 924، علل الشرائع، 341 ح 3، الوسائل 3: 592 أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 2. 4. الكافي 3: 330 ح 2، التهذيب 2: 303 ح 1226، الاستبصار 1: 331 ح 1242، الوسائل 3: 594 أبواب ما يسجد عليه ب 2 ح 1.

[ 606 ]

القطن والكتان " (1). وحسنة بريد العجلي - لابراهيم - عن أحدهما عليهما السلام، قال: " لا بأس بالقيام على المصلى من الشعر والصوف إذا كان يسجد على الارض، فإن كان من نبات الارض فلا بأس بالقيام عليه والسجود عليه " (2). وصحيحة حمران عن أحدهما عليهما السلام، قال: " كان أبي يصلي على الخمرة يجعلها على الطنفسة ويسجد عليها، فإذا لم يكن خمرة جعل حصى على الطنفسة حيث يسجد (3). ورواية الحلبي - وليس فيها إلا محمد بن سنان - قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " ودعا أبي بالخمرة فأبطأت عليه، فأخذ كفا من حصباء فجعله على البساط ثم سجد " (4). وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي على الرطبة النابتة قال، فقال: " إذا ألصق جبهته بالارض فلا بأس ". وعلى الحشيش النابت الثيل، وهو يصيب أرضا جددا، قال: " لا بأس " (5). وعلى ما ذكرنا ينقدح عدم جواز السجود على المعادن، كالذهب، والفضة، والزرنيخ، والعقيق، وكل مستحيل منها كالزجاجة ونحوها، وعلى ما يؤكل


1. الكافي 3: 330 ح 1، التهذيب 2: 303 ح 1225، الاستبصار 1: 331 ح 1241، الوسائل 3: 592 أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 6. 2. الكافي 3: 331 ح 5، التهذيب 2: 305 ح 1236، الاستبصار 1: 335 ح 1260، الوسائل 3: 592 أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 5. 3. الكافي 3: 332 ح 11، التهذيب 2: 305 ح 1234، الاستبصار 1: 335 ح 1259 أبواب ما يسجد عليه ب 2 ح 3 وفيها: حصى بدل حصباء، والحصباء صغار الحصى (المصباح المنير: 138). 5. الكافي 3: 332 ح 13، الفقيه 1: 162 ح 762، التهذيب 2: 304 ح 1230، الوسائل 3: 604 أبواب ما يسجد عليه ب 13 ح 1.

[ 607 ]

ويلبس من نباتها. أما الاول فلعدم صدق الارض على المعادن ونظائرها، وقد ثبت من الحصر في الروايات عدم الجواز على غير الارض وما نبت منها، ولرواية يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " لا يسجد على الذهب والفضة " (1). وصحيحة محمد بن الحسين: إن بعض أصحابنا كتب إلى أبي الحسن الماضي عليه السلام يسأله عن الصلاة على الزجاج، قال: فلما نفذ كتابي إليه تفكرت وقلت: هو مما أنبتت الارض، وما كان لي أن أسأله عنه، فكتب إليه: " لا تصل على الزجاج، وإن حدثتك نفسك أنه مما أنبتت الارض، ولكنه من الملح والرمل، وهما ممسوخان " (2). قال الفاضل المجلسي في شرح الفقيه: أي خرجا بالاستحالة عن اسمها، فيفهم من التعليل عدم جواز السجود على كل مستحيل (3). وأما الثاني فيظهر وجهه أيضا مما ذكرنا. ثم إن الروايات اختلفت في جواز السجود على القير (4)، وقضية الادلة السابقة عدم الجواز، ولعله كان وفاقيا بين الاصحاب أيضا. ويدل عليه - مضافا إلى ما ذكرنا من الاطلاقات، وخصوص حسنة زرارة - رواية محمد بن عمر بن سعيد عن الرضا عليه السلام، قال: " لا يسجد على القفر، ولا على القير، ولا على الصاروج " (5).


1. الكافي 3: 332 ح 9، التهذيب 2: 304 ح 1229، الوسائل 3: 604 أبواب ما يسجد عليه ب 12 ح 2. 2. الكافي 3: 332 ح 14، التهذيب 2: 304 ح 1231، كشف الغمة 2: 384، علل الشرائع: 342 ب 42 ح 5، الوسائل 3: 604 أبواب ما يسجد عليه ب 12 ح 1. 3. روضة المتقين 2: 179. 4. الوسائل 3: 599 أبواب ما يسجد عليه ب 6. 5. الكافي 3: 331 ح 6، التهذيب 2: 304 ح 1228، الوسائل 3: 599 أبواب ما يسجد عليه ب 6 ح 1. وعن القفر قال في مجمع البحرين 3: 463، كأنه ردئ القير المستعمل مرارا، في عبارة بعض الافاضل هو شئ يشبه

[ 608 ]

وفي مقابلتها أخبار تدل على الجواز، منها صحيحة معاوية بن عمار، قال: سأل المعلى بن خنيس أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن السجود على القفر وعلى القير، فقال: " لا بأس " (1). وصحيحته الاخرى: في الصلاة في السفينة: " ويصلي على القير والقفر ويسجد عليه " (2). وصحيحته الاخرى: إنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن السجود على القار، قال: " لا بأس به " (3). وفي رواية اخرى: " إنه من نبات الارض " (4). ولابد من حمل المذكورات على التقية. وضعف الرواية المذكورة لا يضر مع اعتضادها بحسنة زرارة بل صحيحته، وصحيحة هشام، وغيرهما من الاطلاقات، سيما مع اشتهار العمل بها، بل وكونها إجماعية، فلا وجه للحمل على الكراهة كما يتوهم (5). والمنقول عن ظاهر كثير من الاصحاب عدم جواز السجود على الجص، ويمكن الاستدلال على ذلك بالحصر المعلوم، وادعاء أنه لا يسمى أرضا. ولا يخفى أن لزوم إخراج الاجزاء المنفصلة عن الارض لو سلم عدم صدقها عليها حقيقة من الشطر المنفي في الحصر لا يستلزم (عدم) (6) اعتبار حصرها وعدم


الزفت ورائحته كرائحة القير. والصاروج النورة وأخلاطها (المصباح المنير: 337، مجمع البحرين 2: 313). 1. الفقيه 1: 175 ح 828، التهذيب 2: 303 ح 1224، الاستبصار 1: 334 ح 1255، الوسائل 3: 599 أبواب ما يسجد عليه ب 6 ح 4. 2. التهذيب 3: 295 ح 895، الوسائل 3: 600 أبواب ما يسجد عليه ب 6 ح 6. 3. الفقيه 1: 176 ح 832، الوسائل 3: 600 أبواب ما يسجد عليه ب 6 ح 5. 4. الفقيه 1: 292 ح 1325، الوسائل 3: 600 أبواب ما يسجد عليه ب 6 ح 8. 5. الوافي 8: 736. 6. ليست في " م ".

[ 609 ]

الاعتناء بها كما يتوهم، فإن الاجماع والادلة مثل الاستصحاب وغيرها أخرجتها ونهضت على جواز الصلاة عليها، والعام حجة في الباقي، ولم يثبت مخرج للجص، فيبقى تحت عموم النفي مندرجا، لعدم كونه أرضا ولا ما نبت منها، ولولا ذلك لانسد باب الاستدلال بالعمومات والاخبار الكثيرة، مثل (إنما حرم عليكم الميتة) (1) وغير ذلك، وهو كما ترى، هذا. ولكن نفي اسم الارض عن أرض الجص قبل الطبخ مشكل، فالظاهر جواز السجود عليه مع ذلك، وبعد طبخه حكم الجواز مستصحب. والتمسك بأنه تغير الموضوع فيه فيستلزم انتفاء الحكم أيضا ; مشكل، لمنع ذلك، ولعدم ثبوت ذلك الحكم مطلقا. ويمكن استشعار المنع من العلة المنصوصة في حديث الزجاجة أيضا. ويدل على جواز السجود - كما ذهب إليه الشيخ في المبسوط (2) ويظهر من ابن بابويه أيضا (3) - صحيحة الحسن بن محبوب عن أبي الحسن عليه السلام: أنه سأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد، أيسجد عليه ؟ فكتب إليه بخطه عليه السلام: " إن الماء والنار قد طهراه " (4). فإن الظاهر أن جواب المعصوم عليه السلام مطابق لتمام السؤال، إذ السؤال كان عن جواز السجود على مثل هذا الجص الذي يتردد في نجاسته، فكأن جواز السجود مطلقا كان مفروغا عنه، وكان يسأل عن خصوص المادة، فأجابه عليه السلام بأن هذا لا يصير سببا لمنع السجود، فإن النار والماء طهراه.


1. البقرة: 173. 2. المبسوط 1: 89. 3. الفقيه 1: 175 حيث أورد صحيحة الحسن بن محبوب مع تعهده بأنه لا يورد إلا ما يعمل به. 4. الكافي 3: 330 ح 3، الفقيه 1: 175 ح 829، التهذيب 2: 235 ح 928، الوسائل 3: 602 أبواب ما يسجد عليه ب 10 ح 1.

[ 610 ]

وقد يوجه بأن ظاهر جواب المعصوم عليه السلام يكشف عن أن الاستشكال كان من جهة التردد في النجاسة، وأن الانسان في حال السجود قل ما ينفك عن ملاقاته لذلك المكان، فهل هو طاهر ولا تضر ملاقاته أم لا ؟ فأجاب عليه السلام بما أجاب. وبالجملة المسألة محل تردد، والاحتياط يقتضي الاحتراز عنه حسب ما أمكن. ويظهر من كلام جماعة من المتأخرين القطع بجواز السجود على الخزف (1)، وقد استدل بعضهم على ذلك بصدق الاسم عليه، وبالجملة لم نجد الحكم بعدم الجواز من واحد منهم. والاطلاقات والادلة تقتضي عدم الصحة، ولا نص فيها على الجواز بالخصوص، واستفادة ذلك من الخبر السابق دونه خرط القتاد، فإن ثبت الاجماع في المسألة فهو المعتمد، ولم أقف على دعواه صريحا من أحد، وإلا فلا آريب أن السجود عليه مشكل. وعبارة فقه الرضا عليه السلام ظاهرة في عدم جواز السجود على الآجر (2). والكلام فيه نظير ما سبق فتدبر. وهذا ما يتعلق بنفس الارض. وأما ما ينبت منها وكان مأكولا أو ملبوسا فلا خلاف في عدم السجود عليه إلا في موضعين: الاول: القطن والكتان، وخالف فيهما السيد المرتضى - رحمه الله - فيجوز السجود عليهما (3)، والاستدلال المنقول عنه اعتبار ضعيف لا يعتمد عليه. وجوز العلامة في النهاية السجود على القطن والكتان قبل غزلهما (4)، وهو أيضا ضعيف.


1. كالمحقق في المعتبر 1: 375، والعلامة في التذكرة 2: 177، والشهيد الثاني في روض الجنان: 222. 2. فقه الرضا (ع)، مستدرك الوسائل 4: 10 أبواب ما يسجد عليه ب 7 ح 1. 3. المسائل الموصليات الثانية (رسائل الشريف المرتضى) 1: 174. 4. النهاية 1: 362.

[ 611 ]

وتدل على الجواز رواية داود الصرمي قال: سألت أبا الحسن الثالث عليه السلام، هل يجوز السجود على الكتان والقطن من غير تقية ؟ فقال: " جائز " (1). ورواية الصنعاني قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن السجود على القطن والكتان من غير تقية، ولا ضرورة، فكتب إلي: " جائز " (2) وربما يستفاد من بعض الاخبار الضعيفة أيضا (3). وأما ما روي عن الباقر عليه السلام: إنا نكون بأرض باردة يكون فيها الثلج، أفنسجد عليه ؟ فقال: " لا، ولكن اجعل بينك وبينها شيئا قطنا أو كتانا " (4) فلا دلالة فيه أصلا، لان الظاهر منه كونه فاقدا للارض، ومع فقد الارض وعدم وجدان غير الثلج لابد من بسط ثوب على الثلج كما هو منصوص عليه في موثقة عمار (5)، وهو أعم من القطن والكتان أيضا، فلاحظ الاخبار في باب فاقد الارض (6). وبالجملة تبقى المعارضة بين تلك الاخبار والاخبار التي ذكرناها، مثل صحيحتي هشام (7) وحماد (8)، وحسنة زرارة (9)، وخصوص رواية أبي العباس (10).


1. التهذيب 2: 307 ح 1246، الاستبصار 1: 332 ح 1246، الوسائل 3: 595 أبواب ما يسجد عليه ب 2 ح 6. 2. التهذيب 2: 308 ح 1248، الاستبصار 1: 33 ح 1253، الوسائل 3: 595 أبواب ما يسجد عليه ب 2 ح 7. 3. الفقيه 1: 827 174، التهذيب 2: 308 ح 1249، وص 235 ح 927، الاستبصار 1: 331 ح 1243، علل الشرائع: 341 ح 4، الوسائل 3: 595 أبواب ما يسجد عليه ب 2 ح 5. 4. التهذيب 2: 308 ح 1247، الاستبصار 1: 332 ح 1247، الوسائل 3: 927 أبواب ما يسجد عليه ب 4 ح 7. 5. التهذيب 2: 312 ح 1266، الوسائل 3: 457 أبواب مكان المصلي ب 28 ح 2. 6. الوسائل 3: 457 أبواب مكان المصلي ب / 28 7. الفقيه 1: 177 ح 840، علل الشرائع: 341 ح 1، الوسائل 3: 591 أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 1. 8. الفقيه 1: 174 ح 826، التهذيب 2: 234 ح 924، علل الشرائع: 341 ح 3، الوسائل 3: 592 أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 2. 9. الكافي 3: 330 ح 2، التهذيب 2: 303 ح 1226، الاستبصار 1: 333 ح 1241، الوسائل 3: 594 أبواب ما يسجد عليه ب 2 ح 1. 10. الكافي 3: 330 ح 1، التهذيب 2: 303 ح 1225، الاستبصار 1: 331 ح 1241، الوسائل 3: 592 أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 6.

[ 612 ]

ولا يخفى أن الترجيح لها، لكثرتها، واعتبار أسنادها، واعتضادها بعمل الاصحاب، وبالاجماع المنقول عن السيد في المصباح على ذلك (1)، وتلك الاخبار محمولة على التقية والاضطرار، ولا تنافي الحمل على التقية رواية الصنعاني كما لا يخفى على المتأمل. وقد يتوهم أن تلك الاخبار تفيد جواز السجود على القطن والكتان، فلا تنافي بينها وبين عدم الجواز على الثوب القطن أو ما ليس من النبات، فيجوز السجود على القطن والكتان قبل أن يصيرا ثوبا، لعدم كونهما ثوبا ولا ملبوسا. ولا يخفى ما فيه، لان المراد مما اكل ولبس في الاخبار هو ما من شأنه ذلك كما يفهم في العرف، فلا وجه للقول بعدم المنافاة، والتخصيص بغيرهما من جهة تلك الاخبار إنما يصح لو ثبتت المقاومة، وقد عرفت الحال. مع أن رواية أبي العباس صريحة في المطلوب، وسندها أيضا أقوى من تلك الاخبار، مع اعتضادها بما ذكرنا. ويظهر مما ذكر ضعف قول العلامة أيضا، مع أن مجرد الغزل لا يوجب إطلاق الملبوس عليه حقيقة. وقد ورد في بعض الاخبار النهي عن السجود على الصوف ونحوه (2)، وهو أيضا دال على بطلان قوله بضميمة عدم القول بالفصل. الثاني: الحنطة والشعير قبل الطحن، فقد خالف فيه العلامة رحمه الله (3). ومما ذكرنا هنا يظهر أن خلافه أيضا في جواز السجود عليهما ليس بشئ. والاحتجاج في ذلك بأن القشر الاعلى مما لا يؤكل عادة أيضا ضعيف، سيما في


1. كما في كشف اللثام 1: 204. 2. الكافي 3:، 330 ح 2، التهذيب 2: 303 ح 1226، الاستبصار 1: 331 ح 1242، الوسائل 3: 594 أبواب ما يسجد عليه ب 2 ح 1. 3. نهاية الاحكام 1: 362.

[ 613 ]

الحنطة، مع أن الصدوق روى في الخصال عن الصادق عليه السلام، قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يسجد الرجل على كدس حنطة، ولا على شعير، ولا على لون مما يؤكل، ولا يسجد على الخبز " (1). والمحكم في المأكول والملبوس هو العادة والعرف العام، فلا عبرة بأكله نادرا كبعض العقاقير. ولا يمكن القول بأن المعتبر عند كل قطر هو مأكولهم وملبوسهم، لان ما يمكن أن يستند به في فهم كلام المعصوم هو العرف العام، ومع الاختلاف فيشكل الامر. وربما يمكن استنباط تعميم من قول الصادق عليه السلام في ذيل صحيحة هشام المتقدمة، حيث سأله عن العلة في ذلك الحكم، قال: " لان السجود خضوع لله عزوجل، فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس، لان أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عز وجل، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها " (2) فتأمل. والذي يختلج في الخاطر أن المراد بكونه مأكولا في العرف أو ملبوسا أنه لو اطلع عليه أهل العرف لحكموا بذلك، لا أنه يكون متداولا عندهم معروفا بالاكل، وإلا فربما وجد مأكول لم يطلع عليه كثير منهم، ومع ذلك لو رأوه حكموا بأنه مما يؤكل. وبملاحظة ذلك تتفاوت الاحكام في مقامات كثيرة فتنبه. ويجوز السجود على القرطاس، والظاهر أنه إجماعي، قال في المدارك:


1. الخصال: 628، الوسائل 3: 592 أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 4. 2. الفقيه 1: 177 ح 840، التهذيب 2: 234 ح 925، علل الشرائع: 341 ح 1، الوسائل 3: 591 أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 1.

[ 614 ]

إنه مذهب الاصحاب (1)، ونقل عن جده الاجماع على ذلك (2)، ويظهر من غيرهما أيضا (3). ويدل عليه مضافا إلى ما يظهر من تضاعيف ما ذكرنا صحيحة علي بن مهزيار، قال: سأل داود بن أبي يزيد أبا الحسن عليه السلام عن القراطيس والكواغذ المكتوب عليها، هل يجوز السجود عليها أم لا ؟ فكتب: " يجوز " (4). وصحيحة صفوان الجمال، قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام في المحمل يسجد على القرطاس، وأكثر ذلك يومئ إيماءا (5). وصحيحة جميل بن دراج عن الصادق عليه السلام: أنه كره أن يسجد على قرطاس عليه كتابة (6). وإطلاق تلك الروايات يقتضي إطراد الحكم في جميع الاقسام. واستثنى العلامة - رحمه الله - من ذلك ما كان من الحرير (7)، ولا يخفى أنه تقييد للنص من غير دليل. ولعل نظره إلى أن المنع من غير الارض وما ينبت منها غير المأكول والملبوس عموم، وجواز السجود على القراطيس عموم، ويتعارضان من وجه، فلم يثبت الجواز لهذا القسم، وهو منقوض بالقرطاس المعمول من القطن والكتان بعينه.


1. المدارك 3: 249. 2. المسالك 1: 179. 3. جامع المقاصد 2: 165. 4. الفقيه 1: 176 ح 830 التهذيب 2: 235 ح 929، وص 309 ح 1205، الاستبصار 1: 334 ح 1257، الوسائل 3: 601 أبواب ما يسجد عليه ب 7 ح 2. 5. التهذيب 2: 309 ح 1251، الاستبصار 1: 334 ح 1258، المحاسن 373 ح 140، الوسائل 3: 600 أبواب ما يسجد عليه ب 7 ح 1. 6. الكافي 3: 332 ح 12، التهذيب 2: 304 ح 1232، الاستبصار 1: 334 ح 1256، الوسائل 3: 601 أبواب ما يسجد عليه ب 7 ح 3. 7. نهاية الحكمة 1: 362، التذكرة 2: 437.

[ 615 ]

فإن قيل: إنه ورد عموم جواز السجود على النبات أيضا، والقدر المخرج منه بالدليل هو ما قبل صيرورته قرطاسا، فيضعف اندارجه تحت عموم المنع، وليس هذا في جانب الحرير. قلت: سلمنا ذلك، لكن استصحاب الحالة السابقة يؤيد المنع فيما نحن فيه أيضا. والحل: منع أعمية " ما يلبسا " المذكور في الاخبار من القرطاس، بل لعله مباين له. وأما بالنسبة إلى غير الملبوس فلا ينفعه أصلا، لعدم دخول الحرير فيه. ومع تسليم ذلك كله فعموم التجويز أقوى، لاعتضاده بعمل الاصحاب، بل والاجماع ظاهرا. وعدم ثبوت العموم في الطرف المقابل بحيث يشمل ما نحن فيه. ومما ذكرنا يظهر أن استثناء الشهيد في الدروس مع ذلك المعمول من القطن والكتان (1) أيضا ليس شئ. اللهم إلا أن يقال: المعمول من الحرير من الافراد النادرة، فلا يتبادر من تلك الاطلاقات، سيما والظاهر من صحيحة علي بن مهزيار أن السؤال كان من جهة الكتابة، فلا يفيد العموم، وإن كان الجمع المحلى وكذلك ترك الاستفصال يفيدان العموم. وكذلك الخبران الآخران لا عموم فيهما يعتد به. وقال في الذكرى: أكثر ما يتخذ منه القرطاس القنب (2)، فإن ثبت ذلك فيظهر في أساس الجواز في المتخذ من القطن والكتان أيضا وهن، لكن الشأن في إثبات ذلك. والاظهر الجواز فيهما، وإن كان الاحوط الترك بالنسبة إلى الامور الثلاثة. ويكره السجود على المكتوبة منها. وربما يقيد بأن يكون غير مستوعب بالحبر لئلا تقع الجبهة على الحبر محضا، لانه


1. الدروس 1: 157. 2. الذكرى: 160.

[ 616 ]

مما لا يجوز السجود عليه (1). والقول بأنه عرض لا يمنع عن ذلك الحر، للاجماع والروايات المعتبرة، منها صحيحة القاسم بن الفضل قال، قلت للرضا عليه السلام: الرجل يسجد على كمه من شدة أذى الحر والبرد، قال: " لا بأس " (2) وفي معناها أخبار كثيرة (3). وإذا لم يتمكن منه يسجد على ظهر يده، لرواية أبي بصير عن الباقر عليه السلام قال، قلت له: أكون في السفر فتحضر الصلاة وأخاف الرمضاء على وجهي، كيف أصنع ؟ قال: " تسجد على بعض ثوبك " قلت: ليس علي ثوب يمكنني أن أسجد على طرفه ولا ذيله، قال: " اسجد على ظهر كفك، فإنها أحد المساجد " (4). قال بعض الاصحاب: ولا يضر ضعف السند بعد اعتضادها بالشهرة وسلامتها عن المعارض وموافقتها للاعتبار (5). ثم إنه لابد من اعتبار ذلك بعد العجز عن كل ما يصح السجود عليه. وظاهر الاطلاقات يقتضي جواز ذلك وعدم تأخير الصلاة إلى آخر الوقت، بل وفي بعضها أنه يريد الصلاة في المسجد ويكره السجود على الحصى للحرارة، فرخصه المعصوم في سجوده على ثوبه (6) مع ترك الاستفصال في شئ. فيظهر أيضا أنه لو تمكن من المعادن ونحوها لا يقدم على الثوب.


1. جامع المقاصد 2: 165، المدارك 3: 250. 2. التهذيب 2: 306 ح 1241، الاستبصار 1: 333 ح 1250، الوسائل 3: 597 أبواب ما يسجد عليه ب 4 ح 2. 3. الوسائل 3: 596 أبواب ما يسجد عليه ب 4. 4. التهذيب 2: 306 ح 1240، الاستبصار 1: 333 ح 1249، الوسائل 3: 597 أبواب ما يسجد عليه ب 4 ح 5 وهي ضعيفة بعلي بن أبي حمزة البطائني فإنه من عمد الوافقة، والقاسم بن محمد فإنه مشترك. 5. الذخيرة: 242. 6. التهذيب 2: 306 ح 1239، الاستبصار 1: 332 ح 1248، الوسائل 3: 596 أبواب ما يسجد عليه ب 4 ح 1.

[ 617 ]

وفي تقديم المعادن ونحوها على اليد وجهان، لظاهر الخبر، ولاقربيتها إلى الارض. ولذلك تنظر الشهيد في البيان في ذلك (1). والاخبار الكثيرة أيضا تدل على تقديم القطن والكتان (2)، بل ومطلق الثوب كما في بعضها إذا لم يقدر إلا على الثلج (3). وفي تقديم المعادن عليه أيضا وجهان، وفي بعض الاخبار: " إن أمكنك أن لا تسجد على الثلج فلا تسجد عليه، وإن لم يمكنك فسوه واسجد عليه " (4) وإطلاقه يقتضي التسوية. ولا يجوز السجود على الوحل، لعدم صدق الارض، ولموثقة عمار عن الصادق عليه السلام: إنه سئل عن حد الطين الذي لا يسجد عليه ما هو ؟ فقال: " إذا غرقت الجبهة ولم تثبت على الارض " (5). وإذا اضطر أومأ، وهو المشهور، للحرج والعسر، وموثقة عمار الاخرى عنه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصيبه المطر وهو في موضع لا يقدر أن يسجد فيه من الطين، ولا يجد موضعا جافا، قال: " يفتتح الصلاة، فإذا ركع فليركع كما يركع إذا صلى، فإذا رفع رأسه من الركوع فليؤم بالسجود إيماءا وهو قائم، يفعل ذلك حتى يفرغ من الصلاة، ويتشهد وهو قائم، ثم يسلم " (6). وفي إبقاء الخبر على إطلاقه والاجتزاء بالايماء مطلقا إشكال، ولذا ذهب بعض


1. البيان: 134. 2. الوسائل 3: 596 أبواب ما يسجد عليه ب 4. 3. التهذيب 2: 312 ح 1266، الوسائل 3: 457 أبواب مكان المصلي ب 28 ح 2. 4. الكافي 3: 390 ح 14، الفقيه 1: 169 ح 798، التهذيب 2: 310 ح 1256، الوسائل 3: 457 أبواب مكان المصلي ب 28 ح 3. 5. الكافي 3: 390 ح 13، الفقيه 1: 286 ح 1301، التهذيب 2: 312 ح 1267، وص 376 ح 1562 الوسائل 3: 442 أبواب مكان المصلي ب 15 ح 9. 6. التهذيب 3: 175 ح 390، الوسائل 3: 440 أبواب مكان المصلي ب 15 ح 4.

[ 618 ]

الاصحاب إلى العمل بقاعدة عدم سقوط الميسور بالمعسور (1)، وأنه يأتي بالافعال بحسب المقدور، وإن كانت الرواية معتضدة بالشهرة، والاحتياط سبيل النجاة. وهل يجوز السجود على شئ يضعه في كور عمامته حاملا له ؟ فيه وجهان، اختار الجواز في الذكرى، ورد على الشيخ منع ذلك (2)، ونسب القول بالمنع بسبب الحمل إلى بعض العامة. وقال: وإن احتج الشيخ برواية عبد الرحمن عن الصادق عليه السلام: " في السجود على العمامة لا يجزئه حتى تصل جبهته إلى الارض " (3) قلنا: لا دلالة فيها على كون المانع الحمل، بل لكونه مما لا يسجد عليه (4). وربما يستدل على المنع بعدم صدق وضع الجبهة على الشئ، والمعتبر في السجود هو الوضع عليه، والاحوط الاجتناب اختيارا، والله أعلم بحقائق الاحكام. السادس: يجب الذكر في حال السجود، وقد مر الكلام فيه في الركوع، والكلام فيهما سواء، والخلاف الخلاف، والمختار المختار ; إلا أن فيه عوض العظيم " الاعلى ". وتجب الطمأنينة حال السجود بقدر الذكر الواجب، للاجماع، نقله غير واحد من أصحابنا (5)، ولما يظهر من الاخبار (6). والكلام في هذا المعنى أيضا مثل ما مر


1. المدارك 3: 249. 2. الخلاف 1: 357 مسألة 113، المبسوط 1: 112. 3. الكافي 3: 9 334، التهذيب 2: 319 86، الوسائل 3: 605 أبواب ما يسجد عليه ب 14 ح 1. 4. الذكرى: 159. 5. كابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 558، والمحقق في المعتبر 2: 210، وصاحب المدارك 3: 409. 6. الوسائل 4: 922 أبواب الركوع ب 3.

[ 619 ]

في الركوع. ونقل عن الشيخ أيضا أنها ركن (1)، ويظهر ضعفه من تضاعيف ما ذكرنا وما سنذكره إن شاء الله. ويجب رفع الرأس من السجود والطمأنينة بعد الرفع من السجدة الاولى، للاجماع، نقله جماعة من أصحابنا (2)، وللنصوص المستفيضة (3)، ويكفي تحقق مسماها عرفا. السابع: في صحيحة حماد: في ما علمه الصادق عليه السلام، قال: ثم كبر وهو قائم ورفع يديه حيال وجهه، ثم سجد وبسط كفيه مضمومتي الاصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه وقال: سبحان ربي الاعلى وبحمده ثلاث مرات، ولم يضع شيئا من جسده على شئ منه، وسجد على ثمانية أعظم: الكفين والركبتين وأنامل إبهامي الرجلين والجبهة والانف، وقال: " سبعة منها فرض يسجد عليها، وهي التي ذكرها الله في كتابه، فقال: (إن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) (4) وهي الجبهة والكفان والركبتان والابهامان، ووضع الانف على الارض سنة " ثم رفع رأسه من السجود، فلما استوى جالسا، قال: " الله أكبر " ثم قعد على فخذه الايسر وقد وضع ظاهر قدمه الايمن على بطن قدمه الايسر وقال: " أستغفر الله ربي وأتوب إليها " ثم كبر وهو جالس وسجد السجدة الثانية وقال كما قال في الاولى ولم يضع شيئا من بدنه على شئ منه في ركوع ولا سجود، وكان مجنحا ولم يضع ذراعيه على الارض " (5).


1. الخلاف 1: 359 مسألة 116. 2. كالعلام في المنتهى 1: 288، والكركي في جامع المقاصد 2: 301، وصاحب المدارك 3: 410. 3. الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1. 4. الجن: 18. 5. الكافي 3: 311 ح 8، التهذيب 2: 81 ح 301، الوسائل 4: 675 أبواب أفعال الصلاة ب 2 1.

[ 620 ]

ويستحب العمل بمضمون ما تضمنته، وقد عرفت الخلاف في وجوب التكبير ووجوب الرفع والمختار. ويستحب الابتداء بوضع اليدين قبل الركبتين، وأن يضعهما معا، وأن لا يفترش ذراعيه افتراش السبع ذراعه، وأن لا يضع ذراعيه على ركبتيه وفخذيه، كل ذلك لصحيحة زرارة، وفيها أيضا: " ولا تلزق كفيك بركبتيك، ولا تدنهما من وجهك بين ذلك حيال منكبيك، ولا تجعلهما بين يدي ركبتيك، ولكن تحرفهما عن ذلك شيئا، وابسطهما على الارض بسطا، واقبضهما إليك قبضا ; وإن كان تحتهما ثوب فلا يضرك، وإن أفضيت بهما إلى الارض فهو أفضل، ولا تفرجن بين أصابعك في سجودك، ولكن ضمهن جميعا " (1). والاولى تقييد مطلقات خبر حماد بهذه الصحيحة، وكذا حمل ما ينافيها ظاهرا على ما يوافقها، لان القول أقوى من الفعل. وما تضمنه خبر حماد من إتمام التكبير حال القيام هو المشهور بين الاصحاب. وقال في الذكرى: ولو كبر في هويه جاز وترك الافضل، وقال ابن أبي عقيل: تبدأ بالتكبير قائما، ويكون انقضاء التكبير مع مستقره ساجدا، وخير الشيخ في الخلاف بين هذا وبين التكبير قائما، ثم نقل رواية معلى بن خنيس عن الصادق عليه السلام: " إن علي بن الحسين عليه السلام كان إذا أهوى ساجدا أنكب وهو يكبر " (2) انتهى ملخصا (3)، والعمل على الاول أفضل، وربما تحمل الرواية على النافلة. وخالف الصدوق في استحباب الارغام بالانف، وأوجبه (4)، نظرا إلى حسنة


1. الكافي 3: 334 ح 1، التهذيب 2: 83 ح 308، الوسائل 4: 675 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3. 2. الكافي 3: 336 ح 5، والوسائل 4: 982 أبواب السجود ب 24 ح 2. 3. الذكرى: 201، وانظر الخلاف 1: 353 مسألة 107. 4. الفقيه 1: 205.

[ 621 ]

ابن المغيرة، قال: أخبرني من سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لا صلاة لمن لم يصب أنفه ما يصيب جبينه " (1). وموثقة عمار، عن جعفر، عن أبيه قال، قال علي عليه السلام: " لا تجزئ صلاة لا يصيب الانف ما يصيب الجبين " (2). وتدفعه ظواهر الاخبار المستفيضة، وخصوص رواية محمد بن مصادف، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إنما السجود على الجبهة، وليس على الانف سجود " (3). والظاهر من استحباب الارغام: هو وضعه على ما يصح السجود عليه، كما ذكره بعض الاصحاب (4)، وإن كان الرغام هو التراب (5). ويظهر من بعضهم أن السجود على الانف سنة، والارغام سنة على حدة (6). والذي ظهر من بعض الاخبار - كالخبرين المتقدمين - هو كونه مما وقعت الجبهة عليه. ويظهر من بعض الاصحاب كفاية مطلق المماسة وإن لم تكن على سبيل الاعتماد (7). ونسب إلى السيد - رحمه الله - اعتبار الطرف الاعلى (8)، والا خبار مطلقة، وعن ابن الجنيد أنه يماس الارض بطرف الانف وحدبته إذا أمكن ذلك للرجل


1. الكافي 3: 333 ح 2، الوسائل 4: 955 أبواب السجود ب 4 ح 7. 2. التهذيب 2: 298 ح 1202، الاستبصار 1: 327 ح 1223، الوسائل 4: 954 أبواب السجود ب 4 ح 4. 3. التهذيب 2: 298 ح 1200، الاستبصار 1: 326 ح 1220، الوسائل 4: 954 أبواب السجود ب 4 ح 1. 4. المسالك 1: 220. 5. انظر المصباح المنير: 231، والنهاية لابن الاثير 2: 238. 6. النفلية: 120. 7. نقله عن ابن الجنيد في الذخيرة: 287. 8. الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 32.

[ 622 ]

والمرأة (1)، وهذا التفسير آنس بالعرف والعادة. واعلم أن ما ذكرناه من المستحبات في طي الحديثين لا ينحصر دليله فيهما، بل الاجماع والاخبار الدالة عليها كثيرة (2). وتستحب جلسة الاستراحة بعد الرفع عن السجدة الاخيرة عند أكثر الاصحاب (3). ويدل على رجحانها صحيحة عبد الحميد بن عواض عن الصادق عليه السلام، قال: رأيته إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الاولى جلس حتى يطمئن ثم يقوم (4). ورواية أصبغ بن نباتة، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا رفع رأسه من السجود قعد حتى يطمئن ثم يقوم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، كان من قبلك أبو بكر وعمر إذا رفعوا رؤسهم من السجود نهضوا على صدور أقدامهم كما تنهض الابل، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: " إنما يفعل ذلك أهل الجفاء من الناس، إن هذا من توقير الصلاة " (5). وعلى رفع الوجوب: صحيحة عبد الله بن بكير عن زرارة، قال: رأيت أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام إذا رفعا رؤسهما عن السجدة الثانية نهضا ولم يجلسا (6). وذهب السيد - رحمه الله - إلى وجوبه، وادعى في الانتصار الاجماع عليه (7)،


1. نقله في الذخيرة: 287. 2. الوسائل 4: 673 أبواب أفعال الصلاة ب 1. 3. منهم الشيخ في الخلاف 1: 361 مسألة 119، والمحقق في المعتبر 2: 215، والعلامة في نهاية الاحكام 1: 494، وصاحب المدارك 3: 413. 4. التهذيب 2: 82 ح 302، الاستبصار 1: 328 ح 1228، الوسائل 4: 956 أبواب السجود ب 5 ح 1. 5. التهذيب 2: 314 ح 1277، الوسائل 4: 956 أبواب السجود ب 5 ح 5. 6. التهذيب 2: 83 ح 305، الاستبصار 1: 328 ح 1231، الوسائل 4: 956 أبواب السجود ب 5 ح 2. 7. الانتصار: 46.

[ 623 ]

وهو ظاهر الامر في موثقة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا رفعت رأسك من السجدة الثانية من الركعة الاولى حين تريد أن تقوم فاستو جالسا ثم قم " (1). وتمسك أيضا بأنه لا يتحقق اليقين بالبراءة إلا بذلك، وقال فيه: إنه روى مخالفونا كلهم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يجلس هذه الجلسة ونسب الموافقة لنا في هذه المسألة إلى الشافعي منهم. فمع ملاحظة ذلك، وكون ذلك شعارا للشيعة، ومخالفا للعامة مع ادعاء السيد على وجوبه الاجماع، وظهور كون الاخبار للتقية، سيما مع ملاحظة رواية رحيم عن الرضا عليه السلام قال، قلت: جعلت فداك أراك إذا صليت فرفعت رأسك من السجود في الركعة الاولى والثالثة تستوي جالسا ثم تقوم، فنصنع كما تصنع، قال: " لا تنظروا إلى ما أصنع أنا، اصنعوا ما تؤمرون " (2) فالاحوط عدم تركه. ويكره الاقعاء بين السجدتين. قال ابن الاثير في النهاية: الاقعاء أن يلصق الرجل أليته بالارض وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الارض كما يقعي الكلب، وقيل: هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، والقول الاول، ومنه الحديث " أنه عليه السلام أكل مقعيا " أراد أنه كان يجلس عند الاكل على وركيه مستوفزا غير متمكن (3). ونسب في المعتبر التفسير الثاني مع زيادة الاعتماد على صدر القدمين إلى الفقهاء (4)، وكذا العلامة في المنتهى (5)، ورجحا (6) ذلك لان تفسيرهم وبحثهم


1. ا لتهذيب 2: 82 ح 303، الاستبصار 1: 328 ح 1229، الوسائل 4: 956 أبواب السجود ب 5 ح 3. 2. التهذيب 2: 82 ح 304، الاستبصار 1: 328 ح 1230، الوسائل 4: 957 أبواب السجود ب 5 ح 6. 3. النهاية 4: 89. 4. المعتبر 2: 218. 5. المنتهى 1: 291. 6. في " م ": رجحنا.

[ 624 ]

على تقديره. والمشهور بين الاصحاب هي الكراهة، ونقل عن الشيخ - رحمه الله - الاجماع على ذلك في الخلاف (1)، وتدل عليه موثقة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " لا تقع بين السجدتين إقعاءا " (2). وصحيحة الحلبي وابن مسلم وابن عمار، قالوا، قال عليه السلام: " لا تقع في الصلاة بين السجدتين كإقعاء الكلب " (3). وقد يؤيد ذلك بقوله عليه السلام في صيحيحة زرارة: " إياك والقعود على قدميك فتتأذى بذلك، ولا تكون قاعدا على الارض، فيكون إنما قعد بعضك على بعض، فلا تصبر للتشهد والدعاء " (4) فإن العلة عامة. وحمل الاخبار على ما فسروه به سيما الرواية الثانية في غاية البعد، إلا أن يقال: لفظة إقعاء في الموثق للنوع، فيكون نكرة في سياق النفي، فيفيد العموم. وهو بعيد، لاستلزامه استعمال اللفظ في المعنيين الحقيقيين، أو الحقيقي والمجازي، كما أن كونه تأكيدا للمنفي (5) والوحدة أيضا كذلك، إلا أن يجعل تأكيدا للنفي. مع أن المحقق نسب القول بكراهته إلى محمد بن مسلم وابن عمار (6)، ولعل مرادهما إقعاء الكلب كما روياه. ويدل على تفسير الفقهاء ما رواه في معاني الاخبار، عن عمرو بن جميع قال،


1. الخلاف 1: 361 مسألة 118. 2. الكافي 3: 336 ح 3، التهذيب 2: 301 ح 1213، الاستبصار 1: 327 ح 1225، الوسائل 4: 957 أبواب السجود ب 6 ح 1. 3. التهذيب 2: 83 ح 306، الاستبصار 1: 328 ح 1227، الوسائل 4: 957 أبواب السجود ب 6 ح 2. 4. الكافي 4: 334 ح 1، التهذيب 2: 83 ح 308، الوسائل 4: 675 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3. 5. في " م ": تأكيد للنفي. 6. المعتبر 2: 218.

[ 625 ]

قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا بأس بالاقعاء في الصلاة بين السجدتين، وبين الركعة الاولى والثانية، وبين الركعة الثالثة والرابعة، وإذا أجلسك الامام في موضع يجب أن تقوم فيه فتجافى، ولا يجوز الاقعاء في موضع التشهدين، ولا (1) من علة، لان المقعي ليس بجالس، إنما جلس بعضه على بعض، والاقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه في تشهديه، فأما الاكل مقعيا فلا بأس به لان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أكل مقعيا " (2). وبملاحظة هذه الرواية تظهر موافقة صحيحة زرارة أيضا لهذا التفسير، ويمكن أن يكون تفسير الاقعاء من كلام الصدوق كما هو الظاهر، فلا دلالة. ولو سلم عدم ثبوت كراهة الاقعاء بتفسير الفقهاء من الاخبار فلا شك أن السنن والمكروهات مما يتسامح في أدلتها، وفتوى الفقهاء في ذلك تكفي، والاحوط الاجتناب عن كل ما يسمى إقعاء. والشيخ في المبسوط (3) والمرتضى (4) - رضي الله عنهما - على أنه ليس بمكروه. ولعل مستندهما صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " لا بأس بالاقعاء بين السجدتين " (5) وقد حمل البأس على ما يساوق الحرمة جمعا بين الادلة (6). ثم إن الظاهر أنه يكره في جلسة الاستراحة أيضا كما ذكره الشهيد الثاني، ويظهر منه أنه قول الاكثر (7).


1. في المصدر: إلا. 2. معاني الاخبار: 300 ح 1، الوسائل 4: 958 أبواب السجودب 6 ح 6. 3. المبسوط 1: 113. 4. نقله عنه في المعتبر 2: 218، والمنتهى 1: 290. 5. التهذيب 2: 301 ح 1212، الاستبصار 1: 327 ح 1226، الوسائل 4: 957 أبواب السجود ب 6 ح 3. 6. انظر المدارك 3: 416. 7. روض الجنان: 277.

[ 626 ]

وربما عمم بعضهم الحكم لجميع حالات الجلوس (1)، وفي الصحيحة المتقدمة إشارة إلى ذلك، مع أن قول الفقهاء في ذلك يكفي. وفي السرائر نقلا عن كتاب حريز قال، قال أبو جعفر عليه السلام: " لا بأس بالاقعاء فيما بين السجدتين، ولا ينبغي الاقعاء بين التشهد في الجلوس، وإنما التشهد في الجلوس وليس المقعي بجالس " (2). وسيجئ " في حسنة الحلبي إشارة إليه في خصوص جلسة الاستراحة ببعض الوجوه مع إشكال في الدلالة كما يظهر بالتأمل. ويستحب التورك بينهما. والمشهور في تفسيره هو ما مر في صحيحة حماد. ونقل عن المرتضى في المصباح أنه قال: يجلس مماسا بوركه الايسر مع ظاهر فخذه اليسرى للارض رافعا فخذه اليمنى على عرقوبه الايسر، وينصب طرف إبهام رجله اليمنى على الارض، ويستقبل بركبتيه معا القبلة (3). وعن ابن الجنيد بنحو آخر (4)، والعمل على المشهور. ويمكن جعله أفضل الافراد للمسامحة. وتظهر الفائدة في صورة العجز عن المشهور مع القدرة على غير المشهور من الاوضاع. والافضل فيما يسجد عليه المصلي اختيار الارض، لكونه أقرب إلى الخشوع، ولصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث، قال: " السجود على الارض أفضل، لانه أبلغ في التواضع والخضوع لله عز وجل " (5).


1. روض الجنان: 277. 2. مستطرفات السرائر 3: 586، الوسائل 4: 958 أبواب السجود ب 6 ح 7 بتفاوت. 3. نقله عنه في المعتبر 2: 215. 4. نقله عنه في الحدائق 8: 305. 5. الفقيه 1: 177 ح 840 علل الشرائع: 341 ب 42 ح 1، الوسائل 3: 608 أبواب ما يسجد عليه ب 17 ح 1.

[ 627 ]

ولرواية إسحاق بن الفضل: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن السجود على الحصر والبواري، فقال: " لا بأس، وإن تسجد على الارض أحب إلي، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يحب أن يمكن جبهته من الارض، فأنا احب لك ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبه " (1). والافصل منها التربة الحسينية على مشرفها الصلاة والسلام، فروى الشيخ في المصباح عن معاوية بن عمار، قال: كان لابي عبد الله عليه السلام خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله عليه السلام، فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه، ثم قال: " إن السجود على تربة أبي عبد الله عليه السلام يخرق الحجب السبع " (2). وروى ابن بابويه مرسلا عن الصادق عليه السلام: " إن السجود على الارض فريضة، وعلى غير ذلك سنة، وإن السجود على طين قبر الحسين عليه السلام ينور إلى الارضين السبع، ومن كان معه مسبحة من طين قبر الحسين عليه السلام كتب مسبحا وإن لم يسبح بها، والتسبيح بالاصابع أفضل منه بغيرها، لانها مسؤلات يوم القيامة " (3). فحيث ناسب هذا ذكر السبحة فنقول: قد روى الشيخ في المصباح، عن الحلبي، عن الكاظم عليه السلام، قال: " لا يخلو المؤمن من خمسة: سواك، ومشط، وسجادة، وسبحة فيها أربع وثلاثون حبة، وخاتم عقيق " (4). وأيضا عن الصادق عليه السلام: " من أدار الحجر من تربة الحسين عليه السلام فاستغفر ربه مرة كتب الله له سبعين مرة، فإن مسك السبحة ولم يسبح بها ففي كل


1. التهذيب 2: 311 ح 1263، الوسائل 3: 609 أبواب ما يسجد عليه ب 17 ح 4. 2. مصباح المتهجد: 677، الوسائل 3: 608 أبواب ما يسجد عليه ب 16 ح 3. 3. الفقيه 1: 174، 824، 825، الوسائل 3: 607 أبواب ما يسجد عليه ب 16 ح 1، وب 17 ح 2. 4. مصباح المتهجد: 678، الوسائل 4: 1033، الوسائل 4: 1033، أبواب التعقيب ب 16 ح 5.

[ 628 ]

حبة منها سبع مرات " (1). وفي التهذيب في الصحيح عن الحميري، قال: كتبت إلى الفقيه أسأله، هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر، وهل فيه فضل ؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت: " تسبح به، فما في شئ من التسبيح أفضل منه، ومن فضله أن المسبح ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له ذلك التسبيح " (2). ويستحب تمكين الجبهة على المسجد لتحصيل أثره، لقوله تعالى: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) (3). ولرواية إسحاق بن الفضل المتقدمة، ورواية السكوني، وفيها: " إني لاكره للرجل أن أرى جبهته جلجاة " (4). وأن يدعو فيها قبل الذكر، وكذا بين السجدتين بالمأثور، ففي حسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا سجدت فكبر، وقل: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره، والحمد لله رب العالمين، تبارك الله أحسن الخالقين، ثم قل: سبحان ربي الاعلى وبحمده ثلاث مرات، فإذا رفعت رأسك فقل بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني وأجرني وادفع عني وعافني، إني لما أنزلت إلي من خير فقير، تبارك الله رب العالمين " (5). ويجوز أن يدعو فيها للدنيا والدين، ففي صحيحة عبد الرحمن بن سيابة على


1. مصباح المتهجد: 678، الوسائل 4: 1033 أبواب التعقيب ب 16 ح 6. 2. التهذيب 6: 75 ح 148، الاحتجاج: 489، الوسائل 10: 420 أبواب المزار ب 75 ح 1 وفيه: فما في شئ من السبح أفضل منه. 3. الفتح: 29. 4. التهذيب 2: 313 ح 1375، الوسائل 4: 977 أبواب السجود ب 21 ح 1 وفيها: جلحاء بدل جلجاة، والجلحاء البيضاء التي لا شئ عليها. 5. الكافي 3: 321 ح 1، التهذيب 2: 79 ح 295، الوسائل 4: 951 أبواب السجود ب 2 ح 1.

[ 629 ]

الظاهر قال، قلت لابي عبد الله عليه السلام: أدعو وأنا ساجد ؟ قال: " نعم ادع للدنيا والاخرة، فإنه رب الدنيا والاخرة " (1). وفي رواية عبد الله بن هلال قال: شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام تفرق أموالنا وما دخل علينا، فقال: " عليك بالدعاء وأنت ساجد، فإن أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد " قال، قلت: فادعو في الفريضة واسمي حاجتي ؟ فقال: " نعم، قد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فدعا على قوم بأسمائهم وأسماء آبائهم وفعله علي عليه السلام بعده " (2) وفي صحيحة محمد بن مسلم (3) أيضا دلالة على ما ذكر. ويستحب أن لا يكون حين القيام كالعجان، بل يبسط الكفين، لحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا سجد الرجل ثم أراد أن ينهض فلا يعجن بيديه في الارض، ولكن يبسط كفيه من غير أن يضع مقعدته على الارض " (4). ولعل هذا كناية عن عدم الاقعاء. وأن يقول في حال القيام معتمدا على كفيه: " بحول الله وقوته أقوم وأقعد " فإن عليا عليه السلام كان يفعل ذلك، وهو مضمون صحيحة سيف، عن الحضرمي، عن الصادق عليه السلام (5). وفي صحيحة ابن سنان عنه عليه السلام، قال: " إذا قمت من السجود قلت: اللهم ربي بحولك وقوتك أقوم وأقعد، وإن شئت قلت وأركع وأسجد " (6). وفي صحيحة ابن مسلم عنه عليه السلام، قال: " إذا قام الرجل من السجود


1. الكافي 3: 323 ح 6، التهذيب 2: 299 ح 1207، الوسائل 4: 973 أبواب السجود ب 17 ح 2. 2. الكافي 3: 324 ح 11، الوسائل 4: 973 أبواب السجود ب 17 ح 3. 3. الكافي 3: 323 ح 8، التهذيب 2: 300 ح 1208، الوسائل 4: 973 أبواب السجود ب 17 ح 1. 4. الكافي 3: 336 ح 6، التهذيب 2: 303 ح 1223، الوسائل 4: 975 أبواب السجود ب 19 ح 1. 5. الكافي 3: 338 ح 10، التهذيب 2: 89 ح 328، الوسائل 4: 968 أبواب السجود ب 13 ح 5. 6. التهذيب 2: 86 ح 320، الوسائل 4: 976 أبواب السجود ب 13 ح 1.

[ 630 ]

قال: بحول الله أقوم وأقعد " (1) والكل حسن إن شاء الله تعالى. ويستحب السبق برفع الركبتين عند القيام، لصحيحة محمد بن مسلم قال: ورأيت أبا عبد الله عليه السلام يضع يديه قبل ركبتيه إذا سجد، وإذا أراد أن يقوم رفع ركبتيه قبل يديه (2). والظاهر أن هذا إجماعي، كالاعتماد على الكفين عنده. ويستحب للمرأة أن تجلس على ألييها ليس كما يقعد الرجل، وإذا سقطت للسجود بدأت بالقعود بالركبتين قبل اليدين، ثم تسجد لاطئة بالارض، فإذا كانت في جلوسها ضمت فخذيها ورفعت ركبتيها من الارض، وإذا نهضت انسلت انسلالا لاترفع عجيزتها أولا، كل ذلك مذكور في حسنة زرارة (3). وفي موثقة ابن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا سجدت المرأة بسطت ذراعيها " (4) وفي اخرى: " إذا سجدت تضممت، والرجل إذا سجد يفتح " (5). ونقل عن المفيد القول بأنه إذا كان القيام من التشهد يقوم بالتكبير (6)، وهو مخالف لقول أكثر الاصحاب، ولظاهر صحيحة الحضرمي المتقدمة، وللاخبار المعتبرة الدالة على أن التكبيرات خمس وتسعون (7)، وستجئ "، ولم نقف للمفيد على حجة. ويستحب في آخر سجدة من نافلة المغرب ليلة الجمعة، بل كل ليلة بما رواه


1. التهذيب 2: 87 خح 321، الوسائل 4: 966 أبواب السجود ب 13 ح 2. 2. التهذيب 2: 78 ح 291، الاستبصار 1: 325 ح 1315، الوسائل 4: 950 أبواب السجود ب 1 ح 1. 3. الكافي 3: 335 ح 2، التهذيب 2: 94 ح 350، علل الشرائع: 355 ب 68 ح 1، الوسائل 4: 676 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 4. 4 الكافي 3: 336 ح 4، التهذيب 2: 94 ح 351، الوسائل 4: 953 أبواب السجود ب 3 ح 2. 5. الكافي 3: 336 ح 8، التهذيب 2: 95 ح 353، الوسائل 4: 953 أبواب السجود ب 3 ح 3. 6. نقله عن المفيد في الذكرى: 205. 7. الوسائل 4: 719 أبواب تكبيرة الاحرام ب 5.

[ 631 ]

عبد الله بن سنان في الصحيح سبع مرات، فينصرف وقد غفر له، وهو: " اللهم إني أسألك بوجهك الكريم، واسمك العظيم، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تغفر لي ذنبي العظيم " (1).


1. مصباح المتهجد: 86. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية