الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




غنائم الأيام - الميرزا القمي ج 3

غنائم الأيام

الميرزا القمي ج 3


[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 3 ]

غنائم الايام في مسائل الحلال والحرام للفقيه المحقق الميرزا أبو القاسم القمي (1152 - 1221 ه‍) الجزء الثالث كتاب الصلاة تحقيق مكتب الاعلام الاسلامي - فرع خراسان

[ 4 ]

الميرزا القمي، أبو القاسم بن محمد حسن، 1152 - 1221 ق. غنائم الايام في مسائل الحلال والحرام / للميرزا أبو القاسم القمي، حققه مكتب الاعلام الاسلامي، فرع خراسان. - قم: مكتب الاعلام الاسلامي، مركز النشر، 1376. ج. - (دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم، مركز انتشارات، 534) مندرجات: ج. 1. كتاب الطهارة. - ج. 2. كتاب الصلاة. - ج. 3. كتاب الصلاة. - 1. فقه جعفرى - قرن 13. الف. دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم شعبه خراسان، محقق. ب. دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم، مركز انتشارات. ج. عنوان. 9 غ 9 م / 342 183 792 / bp فهرست نويسى پيش از انتشار توسط مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي شابك 3 - 251 - 424 - 3 964 - 251 - 424 - 964 ISBN الكتاب: غنائم الايام في مسائل الحلال والحرام / ج 3 المؤلف: الميرزا أبو القاسم القمي التحقيق: مكتب الاعلام الاسلامي - فرع خراسان المحقق: عباس تبريزيان المساعدان: عبد الحليم الحلي، السيد جواد الحسيني الناشر: مركز النشر التابع لمكتب الاعلام الاسلامي المطبعة: مطبعة مكتب الاعلام الاسلامي الطبعة: الاولى / 1418 ق، 1376 ش

[ 19 ]

المقصد السابع في القنوت وفيه مباحث: الأول: فعل القنوت في الصلاة راجح بالإجماع، وإنما وقع الخلاف في وجوبه واستحبابه، وفي موضع الوجوب والاستحباب من الصلوات والركعات. والمشهور استحباب القنوت في جميع الصلوات، وادعى المرتضى - رحمه الله - إجماع الإمامية على ذلك (1). وقال الصدوق: إنه سنة واجبة، من تركه عمدا أعاد (2). والمنقول عن ظاهر ابن أبي عقيل الوجوب في الصلاة الجهرية (3)، والأول أقرب. لنا: مضافا إلى ما سبق، الأخبار المعتبرة المستفيضة، مثل صحيحة زرارة، عن الباقر عليه السلام، قال: " القنوت في كل الصلوات (4). وصحيحته الاخرى، عنه عليه السلام، قال: " القنوت في كل صلاة في الركعة


(1) الانتصار: 46. (2) الفقيه 1: 207 ح 932. (3) نقله في المعتبر 2: 243، والمختلف 2: 173. (4) الفقيه 1: 208 ح 935، الوسائل 4: 895 أبواب القنوت ب 1 ح 1.

[ 20 ]

الثانية قبل الركوع) (1). وصحيحة صفوان بن مهران، قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام أياما فكان يقنت في كل صلاة يجهر فيها أولا يجهر فيها (2). وهذه الرواية مذكورة في الكتب الثلاثة بالطرق المعتبرة. وموثقة ابن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن القنوت في الصلوات الخمس، قال: " اقنت فيهن جميعا " قال: فسألت أبا عبد الله عليه السلام بعد ذلك، فقال: " أما ما جهرت فيها فلا شك " (3). وصحيحة الحسن بن علي بن فضال، عن ابن بكير، عن محمد بن مسلم، عنه عليه السلام، قال: " القنوت في كل ركعتين في التطوع والفريضة " (4). قال الحسن: وأخبرني عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " القنوت في كل الصلوات " (5). وقال محمد بن مسلم: فذكرت ذلك لأبي عبد الله عليه السلام، فقال:


(1) الكافي 3: 340 ح 7، التهذيب 2: 89 ح 330، الاستبصار 1: 338 ح 1271، الوسائل 4: 900 أبواب القنوت ب 3 ح 1. (2) الكافي 3: 339 ح 2، الفقيه 1: 209 ح 943، التهذيب 2: 89 ح 329، الاستبصار 1: 338 ح 1270، الوسائل 4: 896 أبواب القنوت ب 1 ح 3. (3) الكافي 3: 339 ح 1 وفيه: أما ما جهرت فلا تشك، الوسائل 4: 896 أبواب القنوت ب 1 ح 7 وفيه: وأماما جهرت به فلا تشك، وفي نسخة " ص ": فيه بدل فيها. وهي موثقة بعبد الله بن بكير فإنه فطحي، ولكن وثقه الشيخ والمفيد وعلي بن إبراهيم، وعده الكشي من أصحاب الإجماع (انظر معجم رجال الحديث رقم 6734). (4) التهذيب 2: 90 ح 336، الاستبصار 1: 339 ح 1277، الوسائل 4: 898 أبواب القنوت ب 2 ح 3 بتفاوت، وقوله صحيحة يعني أنها صحيحة إلى الحسن، وإلا فهو وابن بكير من الفطحية فتكون موثقة، ورواها الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم في الفقيه 1: 209 ح 943، وهو في الوسائل 4: 896 أبواب القنوت ب 1 ح 2. (5) التهذيب 2: 90 ح 336، الوسائل 4: 899 أبواب القنوت ب 2 ح 4.

[ 21 ]

" أما مالا تشك فيه فما جهر فيه بالقراءة " (1). وموثقة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القنوت، فقال: " فيما يجهر فيه بالقراءة " قال، فقلت له: إني سألت أباك عن ذلك فقال: " في الخمس كلها " فقال: " رحم الله أبي، إن أصحاب أبي أتوه فسألوه فأخبرهم بالحق، ثم أتوني شكاكا فأفتيتهم بالتقية " (2). ويدل على نفي الوجوب مضافا إلى الأصل خصوص صحيحة البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال، قال أبو جعفر عليه السلام في القنوت: " إن شئت فاقنت، وإن شئت لا تقنت " قال أبو الحسن عليه السلام: " وإذا كانت التقية فلا تقنت، وأنا أتقلد هذا " (3). وأما ما ورد في الأخبار الكثيرة من الاختصاص ببعض الصلوات دون بعض، كقوله عليه السلام في موثقة يونس بن يعقوب: " لا تقنت إلا في الفجر " (4) وفي صحيحة وهب - ولعله ابن عبد ربه -: " القنوت في الجمعة والعشاء والعتمة والوتر والغداة، فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له " (5) وغير ذلك من الأخبار (6). وما يظهر منها نفي الاستحباب، كصحيحة عبد الملك بن عمرو، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القنوت قبل الركوع أو بعده ؟ قال: " لا قبله، ولا بعده " (7) فمحمولة


(1) التهذيب 2: 90 ح 336، الوسائل 4: 899 أبواب القنوت ب 2 ح 5، وفيهما: مالا يشك. (2) الكافي 3: 339 ح 3، التهذيب 2: 91 ح 341، الاستبصار 1: 340 ح 1282، الوسائل 4: 897 أبواب القنوت ب 1 ح 10، وهي موثقة بابن فضال وابن بكير فأنهما فطحيان. (3) التهذيب 2: 91 ح 340، الاستبصار 1: 340 ح 1281، الوسائل 4: 901 أبواب القنوت ب 4 ح 1. (4) التهذيب 2: 91 ح 339، الاستبصار 1: 340 ح 1280، الوسائل 4: 899 أبواب القنوت ب 2 ح 7 وهي موثقة بالحسن بن علي بن فضال فإنه فطحي (انظر معجم رجال الحديث رقم 2983) (5) التهذيب 2: 90 ح 335، الاستبصار 1: 339 ح 1276، الوسائل 4: 898 أبواب القنوت ب 2 ح 2. (6) انظر الوسائل 4: 898 أبواب القنوت ب 2. (7) التهذيب 2: 91 ح 337، الاستبصار 1: 339 ح 1278، الوسائل 4: 902 أبواب القنوت ب 4 ح 2.

[ 22 ]

على التقية كما تنادي بها الأخبار المتقدمة، سيما موثقة أبى بصير. أو نحملها على الأفضلية والتأكد فيما خص بالذكر، وعلى نفي الوجوب في مثل الخبر الأخير. واستدل الصدوق بقوله تعالى: (وقوموا لله قانتين) (1) يعني: مطيعين داعين (2). ودلالته ممنوعة، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية. وتخصيص مطلق الدعاء والإطاعة بحيث يبقى المتحصل في ضمن هذا الفرد منه مما لا ترضى به السليقة، ولا يلائم التحقيق. بالجملة الاستدلال بالآية في غاية الوهن من وجوه لا تخفى على المتدبر. وربما يستدل له بصحيحة وهب المتقدمة. وهي محمولة على التأكيد لعدم مقاومتها الأدلة المشهورة، مع أنها أخص من المدعى من وجهين، الأول: من حيث المورد. وإثبات الإجماع المركب مشكل كما لا يخفى. والثاني: لأن الترك رغبة عنه غير الترك المطلق، وهو المدعى. ويمكن الاستدلال أيضا بموثقة عمار، عن الصادق عليه السلام، قال: " إن نسي الرجل القنوت في شئ من الصلوات حتى يركع فقد جازت صلاته، وليس عليه شئ، وليس له أن يدعه متعمدا " (3). وهي أيضا محمولة على التأكيد. ويدل على قوله أيضا ما رواه في العيون في الحسن، عن الفضل: فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون من شرائع الدين، قال عليه السلام: " والقنوت سنة واجبة في الغداة والظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة " (4).


(1) البقرة: 238. (2) الفقيه 1: 207. (3) التهذيب 2: 315 ح 1285، الوسائل 4: 914 أبواب القنوت ب 15 ح 3. (4) عيون أخبار الرضا (ع) 2: 123، الوسائل 4: 896 أبواب القنوت ب 1 ح 4.

[ 23 ]

وفي الخصال، عن الأعمش، عن الصادق عليه السلام، قال: " القنوت في جميع الصلوات سنة واجبة، في الركعة الثانية قبل الركوع وبعد القراءة " (1) وقال: " فرائض الصلاة سبع: الوقت، والطهور، والتوجه، والقبلة، والركوع، والسجود، والدعاء " (2). وربما يحمل الدعاء على القنوت ; فيستدل به على الوجوب. وقد يحتمل كون المراد منه قراءة الفاتحة، لاشتمالها على الدعاء، ولذا تسمى سورة الدعاء أيضا، ويشكل الاستدلال بكل المذكورات. ويدل على قول ابن أبي عقيل صحيحة وهب المتقدمة، وصحيحة سعد بن سعد الأشعري، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن القنوت، هل يقنت في الصلاة كلها، أم فيما يجهر فيها بالقراءة ؟ قال: " ليس القنوت إلا في الغداة والجمعة والوتر والمغرب " (3) ومثل ذلك من الأخبار (4). ويظهر لك الجواب مما تقدم. والقنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع إلا ما يذكر فيها المخالفة فيما بعد. وهذا الحكم مشهور بين الأصحاب، بل نقل في المنتهى الإجماع على ذلك (5). ويظهر من المحقق في المعتبر على ما نقل عنه التخيير بين ما قبل الركوع وما بعده، وما قبله أفضل (6)، لرواية إسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى (7)، عن الباقر عليه السلام،


(1) الخصال: 604، الوسائل 4: 896 أبواب القنوت ب 1 ح 6. (2) الخصال: 604، الوسائل 4: 683 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 15. (3) التهذيب 2: 91 ح 338، الاستبصار 1: 340 ح 1279، الوسائل 4: 899 أبواب القنوت ب 2 ح 6. (4) الوسائل 4: 898 أبواب القنوت ب 2. (5) المنتهى 1: 299. (6) المعتبر 2: 245. (7) في النسخ: معمر بن خلاد، والظاهر أنه سهو لعدم وجود هكذا رواية.

[ 24 ]

قال: " القنوت قبل الركوع، وإن شئت فبعد " (1). والأول أقرب لما ذكرنا ههنا، ولصحيحة زرارة المتقدمة، وصحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " ما أعرف قنوتا إلا قبل الركوع " (2). موثقة سماعة، قال: سألته عن القنوت في أي صلاة هو ؟ فقال: " كل شئ يجهر فيه بالقراءة فيه قنوت، والقنوت قبل الركوع وبعد القراءة " (3) إلى غير ذلك من الأخبار المعتبرة الصحيحة والموثقة (4). لاريب أن تلك الرواية مع ضعفها ومتروكيتها عند الأصحاب لا تقاوم هذه الأدلة. وما وقع فيه المخالفة لهذا الحكم امور: الأول: صلاة الجمعة، فالمشهور فيها أن لها قنوتين: في الركعة الاولى قبل الركوع، وفي الثانية بعد الركوع. ونقل عن ظاهر ابن أبي عقيل وأبي الصلاح أن في الجمعة قنوتين قبل الركوع (5)، مع احتمال موافقتهما للمشهور. ظاهر ابن بابويه في الفقيه أن فيها قنوتا واحدا في الركعة الثانية قبل الركوع، حيث قال بعد صحيحة زرارة الآتية: وتفرد بهذه الرواية حريز عن زرارة، والذي استعمله وأفتي به ومضى عليه مشايخي - رحمة الله عليهم - هو أن القنوت في


(1) التهذيب 2: 92 ح 343، الاستبصار 1: 341 ح 1283، الوسائل 4: 900 أبواب القنوت ب 3 ح 4 والرواية في طريقها القاسم بن محمد الجوهري ولم يثبت توثيقه (معجم رجال الحديث رقم 9542). (2) الكافي 3: 340 ح 13، الوسائل 4: 901 أبواب القنوت ب 3 ح 6. (3) التهذيب 2: 89 ح 333، الاستبصار 1: 339 ح 1274، الوسائل 4: 900 أبواب القنوت ب 3 ح 3. (4) الوسائل 4: 900 أبواب القنوت ب 3. (5) الكافي في الفقه: 151، 161، ونقله عنهما في المختلف 2: 223.

[ 25 ]

جميع الصلوات في الجمعة وغيرها في الركعة الثانية بعد القراءة وقبل الركوع (1). مع احتمال عدم انكاره للقنوت الأول أيضا كما لا يخفى. وقال المفيد: إن للجمعة قنوتا واحدا في الركعة الأولى قبل الركوع (2)، وكذا العلامة في المختلف (3)، وهو المنقول عن ظاهر ابن الجنيد (4). والأول أقوى، لصحيحة أبي بصير قال: سأل عبد الحميد أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن القنوت في يوم الجمعة، فقال له: " في الركعة الثانية. فقال له: حدثنا بعض أصحابنا أنك قلت في الركعة الاولى، فقال: " في الأخيرة وكان عنده ناس كثير، فلما رأى غفلة منهم قال: " يا أبا محمد هي في الركعة الأولى والأخيرة. قال، قلت: جعلت فداك قبل الركوع أو بعده ؟ قال: " كل القنوت قبل الركوع إلا الجمعة، فإن الركعة الاولى القنوت فيها قبل الركوع، والأخيرة بعد الركوع (5) ومثله مع تفاوت ما في صحيحة أبي أيوب الخزاز (6). ولكن الراوي في الخبر الأول عن أبي بصير هو أبو أيوب أيضا. وصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال الصدوق - رحمه الله - في الفقيه في أول باب وجوب الجمعة: قال أبو جعفر عليه السلام لزرارة بن أعين، وساق الحديث إلى أن قال: " وعلى الإمام فيها قنوتان: قنوت في الركعة الاولى قبل الركوع، وفي الركعة الثانية بعد الركوع، ومن صلاها وحده فعليه قنوت واحد في


(1) الفقيه 1: 266. (2) المقنعة: 164. (3) المختلف 2: 225. (4) نقله عنه في المختلف 2: 224. (5) التهذيب 2: 90 ح 334، الاستبصار 1: 339 ح 1275، الوسائل 4: 904 أبواب القنوت ب 5 ح 12 بتفاوت. (6) التهذيب 3: 17 ح 62، الاستبصار 1: 418 ح 1606، الوسائل 4: 904 أبواب القنوت ب 5 ح 12.

[ 26 ]

الركعة الاولى قبل الركوع (1) ثم قال ما نقلنا عنه سابقا. وموثقة سماعة قال: سألته عن القنوت في الجمعة، قال: " أما الإمام فعليه القنوت في الركعة الأولى بعد ما يفرغ من القراءة قبل أن يركع، وفي الثانية بعد ما يرفع رأسه من الركوع قبل السجود، وإنما صلاة الجمعة مع الإمام ركعتان، فمن صلى من غير إمام وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر، فمن شاء قنت في الركعة الثانية قبل أن يركع، وإن شاء لم يقنت، وذلك إذا صلى وحده (2) وتدل على مذهب المفيد صحيحة معاوية بن عمار، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في قنوت الجمعة: " إذا كان إماما قنت في الركعة الاولى، وإن كان يصلي أربعا ففي الركعة الثانية قبل الركوع (3). وصحيحة عمر بن حنظلة قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: القنوت يوم الجمعة، فقال " أنت رسولي إليهم في هذا، إذا صليتم في جمعة ففي الركعة الاولى، وإذا صليتم وحدانا ففي الركعة الثانية (4). وصحيحة سليمان بن خالد عنه عليه السلام، قال: " القنوت يوم الجمعة في الركعة الاولى (5). ويظهر ذلك من بعض الأخبار الأخر أيضا (6) والجواب عنها: بأن دلالتها على ذلك إنما هو من جهة المفهوم اللقبي، وهو ليس بحجة.


(1) الفقيه 1: 266 ح 1217، الوسائل 4: 903 أبواب القنوت ب 5 ح 4. (2) التهذيب 3: 245 ح 665، الوسائل 4: 904 أبواب القنوت ب 5 ح 8. (3) الكافي 3: 427 ح 2، التهذيب 3: 16 ح 59، الاستبصار 1: 417 ح 1603، الوسائل 4: 902 أبواب القنوت ب 5 ح 1. (4) الكافي 3: 427 ح 3، التهذيب 3: 16 ح 57، الاستبصار 1: 417 ح 1601، الوسائل 4: 903 أبواب القنوت ب 5 ح 5 وفيها: إذا صليتم في جماعة... (5) التهذيب 3: 16 ح 56، الاستبصار 1: 417 ح 1600، الوسائل 4: 903 أبواب القنوت ب 5 ح 6. (6) الوسائل 4: 902 أبواب القنوت ب 5.

[ 27 ]

وأما قرينة المقابلة المؤيدة للحجية في خصوص المقام سيما في مثل صحيحة عمر بن حنظلة ; فتضعف بملاحظة العمومات والإطلاقات الكثيرة الدالة على ثبوت القنوت في جميع الصلوات، وفي الركعة الثانية منها، إذ الظاهر فيما لم يصرح فيها بكونه في الثانية أيضا ذلك، لأن الظاهر كونها على وتيرة واحدة في المجموع فإن قلت: لو كان كذا فلابد أن يكون هذا أيضا ما قبل الركوع على وتيرتها. قلت: إنما يثبت التخصيص في ذلك بالأدلة المتقدمة مع اعتضادها بالشهرة والعمل، وهذا لا ينافي ثبوت أصل القنوت. مع أن الأخبار المتقدمة أقوى من جهة الصراحة وعمل الأصحاب واستصحاب شغل الذمة وغير ذلك. وليس لأحد أن يقول: هذه مخالفة للعامة وموافقة للخاصة كما يظهر من صحيحة أبي بصير المتقدمة، لأن الذي ظهر منها أن الموافقة تحصل بهما معا، لا بالأول فقط، وإنما يثبت الترجيح لو كان فعلهما معا موافقا للعامة، ومجرد المخالفة للعامة لو كانت تصير منشأ للاعتبار لكان الوجه غير منحصر فيما ذكرت، بل المدار على ملاحظة ذلك بالنسبة إلى القولين، فتدبر. وأما بعض الأخبار التي يظهر منها نفي القنوت قبلا وبعدا (1) فمحمولة على نفي الوجوب أو التقية أو غير ذلك. ثم إنه يمكن تقوية تقديم القنوت على الركوع في الأخيرة أيضا، نظرا إلى الإطلاقات، وإلى ما أشار إليه الصدوق من أنه فتوى مشايخه رضوان الله عليهم، وأن تقديمه مما تفرد بروايته حريز عن زرارة، وظهور كون ذلك مشهورا عند القدماء من كلامه، فلم يبق من جهة ذلك الاعتماد التام على مثل الشهرة في هذا المقام. فإن قلت: هذا قول ثالث، ولا يجوز خرق الإجماع قلت: ممنوع، لأن الصدوق ليس كلامه نصا في خلاف المشهور من جهة نفس


(1) التهذيب 3: 17 ح 60، الاستبصار 1: 417 ح 1604، الوسائل 4: 904 أبواب القنوت ب 5 ح 9.

[ 28 ]

القنوت وعدده، فليس بقول ثالث، فتأمل، فغاية الأمر التخيير، إلا أن نقل ذلك عن المشايخ بطريق واحد لا يقاوم ما ظهر من أكثر علمائنا القول بخلافه، مع كثرة الروايات كما ذكرنا، سيما وهو في المقنع موافق للمشهور على ما نقل عنه (1)، فالأقرب إذن قول المشهور. ومما ذكرنا ظهر الاستدلال على ما نقل من ظاهر ابن أبي عقيل والجواب عنه. الثاني: صلاة العيدين، فيجب فيها بعد القراءة تسعة قنوتات: خمسة في الاولى، وأربعة في الثانية، قبل كل منها تكبيرة، فيزيد فيها تسع تكبيرات: خمس في الاولى غير الافتتاح، وتكبيرة الركوع، وأربع في الثانية غير الأخيرة، وهذا الحكم مشهور بين الأصحاب. ويدل عليه: النصوص المستفيضة، فروى يعقوب بن يقطين في الصحيح، قال: سألت العبد الصالح عليه السلام عن التكبير في العيدين، أقبل القراءة أو بعدها ؟ وكم عدد التكبير في الاولى وفي الثانية والدعاء بينهما ؟ وهل فيهما قنوت أم لا ؟ فقال: " تكبير العيدين للصلاة قبل الخطبة: يكبر تكبيرة يفتتح بها الصلاة، ثم يقرأ ويكبر خمسا ويدعو بينها، ثم يكبر اخرى يركع بها، فذلك سبع تكبيرات بالتي افتتح بها، ثم يكبر في الثانية خمسا ; يقوم فيقرأ ثم يكبر أربعا ويدعو بينهن، ثم يكبر التكبيرة الخامسة (2). وروى إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام: في صلاة العيدين، قال: تكبر واحدة تفتتح بها الصلاة، ثم تقرأ ام الكتاب وسورة، ثم تكبر خمسا تقنت بينهن، ثم تكبر واحدة وتركع بها، ثم تقوم فتقرأ ام القرآن وسورة، تقرأ في الاولى (سبح اسم ربك الأعلى) وفي الثانية (والشمس وضحيها) ثم تكبر أربعا فتقنت


(1) وجدنا موافقته للمشهور في الهداية (الجوامع الفقهية): 52. (2) التهذيب 3: 132 ح 287، الاستبصار 1: 449 ح 1737، وفي الوسائل 5: 107 أبواب صلاة العيد ب 10 ح 8 بدل الجملة الأخيرة: ثم يركع بالتكبيرة الخامسة.

[ 29 ]

بينهن ثم تركع بالخامسة (1). وروى محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التكبير في الفطر والأضحى، فقال: " ابدأ فكبر تكبيرة، ثم تقرأ، ثم تكبر بعد القراءة خمس تكبيرات، ثم تركع بالسابعة، ثم تقوم فتقرأ، ثم تكبر أربع تكبيرات، ثم تركع بالخامسة (2). وروى أبو بصير في الصحيح عنه عليه السلام، قال: " التكبير في الفطر والأضحى اثنتا عشرة تكبيرة، تكبر في الاولى واحدة ثم تقرأ، ثم تكبر بعد القراءة خمس تكبيرات والسابعة تركع بها، ثم تقوم في الثانية فتقرأ، ثم تكبر أربعا، والخامسة تركع بها (3) الحديث. وروى علي بن أبي حمزة عنه عليه السلام: في صلاة العيدين، قال: " يكبر ثم يقرأ، ثم يكبر خمسا ويقنت بين كل تكبيرتين، ثم يكبر السابعة ويركع بها (4). وروى الكناني عنه عليه السلام: عن التكبير في العيدين، قال: " اثنتا عشرة تكبيرة: سبع في الاولى، وخمس في الأخيرة (5) إلى غير ذلك من الأخبار (6). وقد خالف في تلك الأحكام ابن الجنيد، حيث جعل التكبيرات في الاولى قبل


(1) التهذيب 3: 132 ح 288، الاستبصار 1: 449 ح 1738، الوسائل 5: 107 أبواب صلاة العيد ب 10 ح 10 وهي ضعيفة السند بأحمد بن عبد الله القروي فإنه مجهول (انظر معجم رجال الحديث رقم 647). (2) التهذيب 3: 132 ح 289، الاستبصار 1: 449 ح 1739، الوسائل 5: 107 أبواب صلاة العيد ب 10 ح 11 وهي ضعيفة بعبد الله بن بحر فلم يوثق، بل ضعفه ابن الغضائري (انظر معجم رجال الحديث رقم 6717). (3) التهذيب 3: 131 ح 286، الاستبصار 1: 449 ح 1736، الوسائل 5: 106 أبواب صلاة العيد ب 10 ح 7. (4) الكافي 3: 460 ح 5، التهذيب 3: 130 ح 279، الاستبصار 1: 448 ح 1734، الوسائل 5: 106 أبواب صلاة العيد ب 10 ح 3 وعلي بن أبي حمزة البطائني ضعيف من عمد الواقفة (انظر معجم رجال الحديث رقم 7835). (5) التهذيب 3: 130 ح 280، الاستبصار 1: 447 ح 1728، الوسائل 5: 106 أبواب صلاة العيد ب 10 ح 6 (6) الوسائل 5: 105 أبواب صلاة العيد ب 10.

[ 30 ]

القراءة، وفي الثانية بعدها (1)، لصحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن التكبير في العيدين، قال: " التكبير في الاولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الأخيرة خمس بعد القراءة (2). وصحيحة هشام بن الحكم والحلبي كليهما عنه عليه السلام: في صلاة العيدين، قال: " تصل القراءة بالقراءة وقال: " تبدأ بالتكبير في الاولى ثم تقرأ، ثم تركع بالسابعة (3) اقول: والمراد بالتكبير التكبيرات كما لا يخفى. وللكناني رواية اخرى تدل على مذهبه (4). ولابد من حمل تلك الأخبار على التقية كما فعله الشيخ (5) وقول المحقق: " إنه ينبغي أن يقال هذه أشهر الروايتين، ولا يحسن الحمل على التقية، لقول الصدوق وابن الجنيد من أصحابنا (6) في غاية الوهن. والمفيد ; حيث نقل عنه القول بأنه يكبر للقيام إلى الثانية قبل القراءة، ثم يكبر بعد القراءة ثلاثا، ويقنت ثلاثا (7). وتدفعه الأخبار المتقدمة، ولم يظهر له وجه. والشيخ في الخلاف، حيث قال باستحباب القنوتات (8)، واختاره المحقق في


(1) نقله عنه في المختلف 2: 252. (2) التهذيب 3: 131 ح 285، الاستبصار 1: 450 ح 1741، الوسائل 5: 109 أبواب صلاة العيد ب 10 ح 20. (3) التهذيب 3: 284 ح 847، الاستبصار 1: 450 ح 1744، 1745، الوسائل 5: 108 أبواب صلاة العيد ب 10 ح 16. (4) الفقيه 1: 324 ح 1485، التهذيب 3: 132 ح 290، الاستبصار 1: 450 ح 1743، الوسائل 5: 132 أبواب صلاة العيد ب 26 ح 5. (5) التهذيب 3: 131، الاستبصار 1: 451. (6) المعتبر 2: 313. (7) المقنعة: 195. (8) الخلاف 1: 661 مسألة 433.

[ 31 ]

المعتبر، تمسكا بالأصل، وخلو بعض الأخبار الواردة في موضع البيان عن ذكره (1). ويدفعه ما تقدم من الأخبار، فإن الظاهر منها الوجوب، مع أنه يتوقف تحصيل اليقين بالبراءة على ذلك. وادعى المرتضى - رضي الله عنه - على وجوبه إجماع الإمامية أيضا (2). والمفيد في المقنعة، حيث قال باستحباب التكبيرات (3)، لما دل عليه ظاهر بعض الأخبار، مثل صحيحة زرارة: إن عبد الملك بن أعين سأل أبا جعفر عليه السلام عن الصلاة في العيدين، فقال: " الصلاة فيهما سواء، يكبر الإمام تكبيرة الصلاة قائما كما يصنع في الفريضة، ثم يزيد في الركعة الاولى ثلاث تكبيرات، وفي الاخرى ثلاثا سوى تكبير الصلاة والركوع والسجود، وإن شاء ثلاثا وخمسا، وإن شاء خمسا ; وسبعا بعد أن يلحق ذلك إلى وتر (4). ورواية هارون بن حمزة الغنوي عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن التكبير في الفطر والأضحى، فقال: " خمس وأربع، فلا يضرك إذا انصرفت عليا وتر (5). وحملهما الشيخ على التقية لموافقتهما لمذهب كثير من العامة، قال: ولسنا نعمل به، وإجماع الفرقة المحقة على ما قدمناه (6). ولا ريب أن الأخبار المتقدمة مع توقف البراءة اليقينية عليها مع ما عرفت من


(1) المعتبر 2: 313. (2) الانتصار: 57. (3) نقله في المدارك 4: 104، ولم نجده في المقنعة، ولكنه موجود في التهذيب 3: 134، من دون إسناد إلى المفيد، ونقل ذلك عن التهذيب في المختلف 2: 257. (4) التهذيب 3: 134 ح 290، الاستبصار 1: 447 ح 1732، الوسائل 5: 109 أبواب صلاة العيد ب 10 ح 17. (5) التهذيب 3: 286 ح 854، الاستبصار 1: 447 ح 1731، الوسائل 5: 108 أبواب صلاة العيد ب 10 ح 14 وفي طريقها يزيد بن إسحاق شعر ولم يوثق (معجم رجال الحديث رقم 13639). (6) الاستبصار 1: 448.

[ 32 ]

الإجماع على وجوب القنوتات المستلزم لوجوب التكبيرات كما يظهر من الأخبار يرجح العمل على المشهور. ثم اعلم أن المستفاد من خبر إسماعيل الجعفي وصحيحة يعقوب بن يقطين: هو: أن القنوت والدعاء بين تكبيرات صلاة العيد، لابينها وبين تكبير الركوع، وعلى هذا يلزم كون القنوت سبعا كما لا يخفى، والمشهور خلاف ذلك كما قد عرفت. والمنقول عن ظاهر الشيخ في النهاية والمبسوط هو أيضا ما يفهم من الخبرين (1). ويمكن أن يقال: إن الخبرين وإن كانا غير ظاهرين في المشهور، أو ظاهرين على خلافهم، لكن في رواية علي بن أبي حمزة ظهور ما لما ذهبوا إليه. وهو يظهر من أخبار اخر أيضا، مثل رواية بشير (2) بن سعيد عن الصادق عليه السلام، قال: " تقول في دعاء العيدين بين كل تكبيرتين: الله ربي أبدا، والإسلام ديني أبدا، ومحمد نبيي أبدا، والقرآن كتابي أبدا، والكعبة قبلتي أبدا، وعلي وليي أبدا، والأوصياء أئمتي أبدا، وتسميهم إلى آخرهم، ولا أحد إلا الله (3). ورواية محمد بن عيسى بن أبي منصور عنه عليه السلام، قال: " تقول بين كل تكبيرتين في صلاة العيدين: اللهم أهل الكبرياء والعظمة (4) الحديث. وصحيحة الحسن بن محبوب، عن أبي جميلة، عن جابر، عن الباقر عليه السلام، قال: " كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا كبر العيدين قال بين كل تكبيرتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهدأن محمدا عبده ورسوله، اللهم أهل


(1) النهاية: 135، المبسوط 1: 170. (2) في " م " و " ح " والوسائل: بشر. (3) التهذيب 3: 286 ح 856، الوسائل 5: 131 أبواب صلاة العيد ب 26 ح 4، والرواية ضعيفة لأن راويها مجهول، وفي طريقها عبد الرحمن بن حماد، وقال النجاشي: إنه رمي بالضعف والغلو، وقال ابن الغضائري: ضعيف وفي مذهبه غلو (انظر رجال النجاشي: 238 رقم 633، ومعجم رجال الحديث رقم 6361). (4) التهذيب 3: 139 ح 314، الوسائل 5: 131 أبواب صلاة العيد ب 26 ح 2 والرواية ضعيفة السند لجهالة الراوي وغيره كسليمان الزراري وسعدان بن مسلم (انظر معجم رجال الحديث رقم 11503، 5529، 5086).

[ 33 ]

الكبرياء الى آخره (1) إلى غير ذلك مما يشعر بذلك (2). ولا ريب أن البراءة اليقينية أيضا لا تحصل إلا بذلك، سيما مع ملاحظة فهم الأصحاب، وتداولهم على ذلك. والمشهور بين الأصحاب عدم تعين القنوت المخصوص، للأصل، والإطلاقات، وخصوص بعض الأخبار، كصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن الكلام الذي يتكلم به فيما بين التكبيرتين في العيدين، فقال: " ما شئت من الكلام الحسن (3). والمنقول من ظاهر أبي الصلاح وجوب الدعاء بالمرسوم (4)، وهو ضعيف. ويستحب رفع اليدين بالتكبيرات، لرواية يونس، قال: سألته عن تكبير العيدين، أيرفع يده مع كل تكبيرة أم يجزئه أن يرفع يديه في أول تكبيرة ؟ فقال: " يرفع مع كل تكبيرة (5). والتكبيرات ليست ركنا فيها، فلو نسيها أو بعضها فالظاهر عدم بطلان الصلاة لصحيحة زرارة: " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة (6) وقد تقدمت. ولكن الشيخ أوجب القضاء بعد الفراغ على ما نقل عنه (7)، لقول الصادق عليه السلام في صحيحة ابن سنان: " إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك سهوا (8).


(1) التهذيب 3: 140 ح 315، الوسائل 5: 131 أبواب صلاة العيد ب 26 ح 3. (2) الوسائل 5: 131 أبواب صلاة العيد ب 26. (3) التهذيب 3: 288 ح 863، الوسائل 5: 131 أبواب صلاة العيد ب 26 ح 1. (4) الكافي في الفقه: 154. (5) التهذيب 3: 288 ح 866، الوسائل 5: 136 أبواب صلاة العيد ب 30 ح 1. (6) الفقيه 1: 225 ح 991، التهذيب 2: 152 ح 597، الوسائل 4: 934 أبواب الركوع ب 10 ح 5. (7) نقله عن الشيخ في المعتبر 2: 315. (8) التهذيب 2: 350 ح 1450، الوسائل 4: 936 أبواب الركوع ب 12 ح 3.

[ 34 ]

ونفاه جماعة من المتأخرين على ما نقل عنهم، للأصل. والأول أظهر، وإن كان للتوقف في كلا الحكمين مجال، لعدم انصراف الإطلاق في الخبرين إلى صلاة العيد، والأصل في الأجزاء الركنية كما تقدم، فدلالة الخبر الأول على الصحة ممنوعة، وبعد نفي الركنية بالدليل كما هو الأظهر دلالة الخبر الأخير على القضاء ممنوعة، فتأمل (2). وأما مع الشك فيبني على الأقل، لأنه المتيقن، سواء في ذلك الحكم التكبير والقنوت. الثالث: الوتر، فإنه يستحب القنوت فيه في الركعة الثالثة، لصحيحة ابن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: " القنوت في المغرب في الركعة الثانية، وفي العشاء والغداة مثل ذلك، وفي الوتر في الركعة الثالثة (3). ومحله قبل الركوع، لصحيحة معاوية بن عمار عنه عليه السلام، قال: " ما أعرف قنوتا إلا قبل الركوع (4). وصحيحته الاخرى عنه عليه السلام: عن القنوت في الوتر، قال: " قبل الركوع قال: فإن نسيت ; أقنت إذا رفعت رأسي ؟ قال: " لا (5) إلى غير ذلك من الأخبار (6). ثم إن الظاهر من صحيحة ابن سنان - مع ملاحظة أن المستفاد من الأخبار


(1) كالمحقق في المعتبر 2: 315، والعلامة في النهاية 2: 61، والتحرير 1: 46. (2) وجه التأمل: أن منع الدلالة له وجه آخر غير عدم الانصراف إلى صلاة العيد أيضا، فإنه لا معنى لقضاء الركوع والسجدتين معا، فلابد من حملها على الإتيان بها في حال الصلاة، أو القول بإرادة المعنى الأعم، وهو خلاف الأصل (منه رحمه الله). (3) التهذيب 2: 89 ح 332، الاستبصار 1: 338 ح 1273، الوسائل 4: 900 أبواب القنوت ب 3 ح 2. (4) الكافي 3: 340 ح 13، الوسائل 4: 901 أبواب القنوت ب 3 ح 6. (5) الفقيه 1: 312 ح 1421، الوسائل 4: 916 أبواب القنوت ب 18 ح 5. (6) الوسائل 4: 900 أبواب القنوت ب 3.

[ 35 ]

الصحيحة والمعتبرة الكثيرة أن الوتر هو الركعات الثلاث (1) - أن القنوت منحصر في الثالثة. ولا قنوت في الشفع، إلا أن الصدوق روى في العيون، عن رجاء بن أبي الضحاك فيما ذكر من عمل الرضا عليه السلام في طريق خراسان، إلى أن قال: " ثم قام إلى صلاة الليل، فيصلي ثمان ركعات يقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع، ثم يقوم فيصلي ركعتي الشفع ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، فإذا سلم قام وصلى ركعة الوتر ويقنت فيها قبل الركوع وبعد القراءة (2) الحديث. قال في البحار: هذا الخبر صريح في استحباب القنوت في صلاة الشفع، وقد شملها عموم الأخبار الصحيحة الصريحة الواردة بأن القنوت في كل صلاة في الثانية قبل الركوع، ثم نقل صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة، قال: ولهذا الخبر مال بعض المتأخرين في العصر السابق إلى سقوط القنوت في الشفع، مع أنه لادلالة فيه إلا بالمفهوم، والمنطوق مقدم، ولم يستثنها أحد من قدماء الأصحاب، فيمكن حمل الخبر على أن القنوت المؤكد الذي تستحب إطالته إنما هو في الثالثة، ويمكن حمله على التقية أيضا، لأن أكثر المخالفين يعدون الشفع والوتر صلاة واحدة ويقنتون في الثالثة (3)، انتهى. وأما ماروي عن أبي الحسن عليه السلام أنه يقول بعد الرفع عن الركوع " اللهم هذا مقام من حسناته نعمة منك (4) الحديث، فليس بقنوت، ولا بأس به. الثاني: لو نسي القنوت يأتي به بعد الركوع، للإجماع، كما يظهر من جماعة


(1) الوسائل 3: 33 أبواب أعداد الفرائض ب 13. (2) عيون أخبار الرضا (ع) 2: 181 ح 180، الوسائل 3: 39 أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 24. (3) البحار 82: 208. (4) الكافي 3: 325 ح 16، مستدرك الوسائل 4: 414 أبواب القنوت ب 16 ح 2.

[ 36 ]

من الأصحاب (1)، والأخبار الصحيحة، كصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم، قالا: سألنا أبا جعفر عليه السلام عن الرجل ينسى القنوت حتى يركع، قال: " يقنت بعد ركوعه، فإن لم يذكر فلا شئ عليه (2). وصحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام: عن القنوت ينساه الرجل، فقال: " يقنت بعد ما يركع، وإن لم يذكر حتى ينصرف فلاشئ عليه (3). وموثقة ابن فضال قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: عن الرجل ذكر أنه لم يقنت حتى يركع قال، فقال: " يقنت إذا رفع رأسه (4). وأما بعض الأخبار النافية للإعادة بعد الركوع (5) فمحمول على نفي الوجوب. وأما لو لم يذكره بعد الركوع فيقضيه بعد الفراغ، نقل ذلك عن الشيخين في المقنعة والنهاية (6)، وتدل عليه صحيحة أبي أيوب، عن أبي بصير، قال: سمعته يذكر عند أبي عبد الله عليه السلام، قال: " في الرجل إذا سها في القنوت قنت بعد ما ينصرف وهو جالس (7). وصحيحة زرارة قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل نسي القنوت فذكره وهو في الطريق، فقال: " يستقبل القبلة ثم ليقله ثم قال: " إني لأكره للرجل أن يرغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله أو يدعها (8)


(1) منهم العلامة في المنتهى 1: 300، وصاحب المدارك 3: 448. (2) التهذيب 2: 160 ح 628، الاستبصار 1: 344 ح 1295، الوسائل 4: 916 أبواب القنوت ب 18 ح 1. (3) التهذيب 2: 160 ح 629، الاستبصار 1: 344 ح 1296، الوسائل 4: 916 أبواب القنوت ب 18 ح 2. (4) التهذيب 2: 160 ح 630، الاستبصار 1: 344 ح 1297، الوسائل 4: 916 أبواب القنوت ب 18 ح 3. (5) الفقيه 1: 312 ح 1421، التهذيب 2: 161 ح 633، الاستبصار 1: 345 ح 1300، الوسائل 4: 916 أبواب القنوت ب 18 ح 4 - 6، وفي بعضها: عن الرجل ينسى القنوت حتى يركع، أيقنت ؟ قال: لا. (6) المقنعة: 139، النهاية: 90. (7) التهذيب 2: 160 ح 631، الاستبصار 1: 345 ح 1298، الوسائل 4: 915 أبواب القنوت ب 16 ح 2. (8) الكافي 3: 340 ح 10، التهذيب 2: 315 ح 1283، الوسائل 4: 915 أبواب القنوت ب 16 ح 1. .

[ 37 ]

ورواية محمد بن سهل النافية (1) محمولة على نفي الوجوب، أو نفي إعادة الصلاة. الثالث: يستحب الجهر في القنوت مطلقا، لصحيحة زرارة، عن الباقر عليه السلام، قال: " القنوت كلها جهار (2). وربما قيل بالتبعية للصلاة (3)، لما دل على أن صلاة النهار سر وصلاة الليل جهر (4). وفيه: أنه عام وهذا خاص، فلابد من حمل العام على الخاص. وقد يستشكل في المأموم، لأن بين ما دل على أنه لا ينبغي لمن خلف الإمام أن يسمعه شيئا مما يقول (5) وبين ذلك عموم من وجه، ولعل تخصيص الجهر أقوى، وصحيحة علي بن جعفر (6) وصحيحة ابن يقطين (7) تدلان على التخيير، ولا ينافي أفضلية الجهر. ويستحب التكبير قبله، لحسنة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال: "


(1) التهذيب 2: 161 ح 932، الاستبصار 1: 345 ح 1299، الوسائل 4: 914 أبواب القنوت ب 15 ح 1، وفيها: وعن رجل نسي القنوت في المكتوبة، قال: لا إعادة عليه، وهي ضعيفة بجهالة الراوي (انظر معجم رجال الحديث رقم 10922). (2) الفقيه 1: 209 ح 944، الوسائل 4: 918 أبواب القنوت ب 21 ح 1. (3) نقله عن المرتضى في المنتهى 1: 300. (4) الفقيه 1: 203 ح 926، التهذيب 2: 289 ح 1161، الاستبصار 1: 313 ح 1165، علل الشرائع: 323 ب 13 ح 1، الوسائل 4: 759 أبواب القراءة ب 22 ح 2، وب 25 ح 3، عوالي اللآلي 1: 421 ح 98، مستدرك الوسائل 4: 194 أبواب القراءة ب 21 ح 3. (5) الوسائل 5: 451 أبواب صلاة الجماعة ب 52. (6) التهذيب 2: 313 ح 1272، قرب الإسناد: 91، الوسائل 4: 918 أبواب القنوت ب 20 ح 2، عن الرجل له أن يجهر بالتشهد والقول في الركوع والقنوت والسجود ؟ فقال: إن شاء جهر، وإن شاء لم يجهر. (7) التهذيب 2: 102 ح 385، الوسائل 4: 917 أبواب القنوت ب 20 ح 1، وهي مثل سابقتها.

[ 38 ]

التكبير في صلاة الفرض الخمس صلوات خمس وتسعون تكبيرة، منها تكبيرة القنوت خمس (1). ورواه أيضا ابن المغيرة في الحسن، وفسرهن: في الظهر إحدى وعشرون تكبيرة، وفي العصر إحدى وعشرون تكبيرة، وفي المغرب ست عشرة تكبيرة، وفي العشاء الآخرة إحدى وعشرون تكبيرة، وفي الفجر إحدى عشرة تكبيرة، وخمس تكبيرات القنوت في خمس صلوات (2). ورواية الصباح المزني قال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " خمس وتسعون تكبيرة في اليوم والليلة للصلوات، منها تكبير القنوت (3). ونقل الشيخ عن المفيد - رحمه الله - أنه كان يفتي بهذه الروايات، ولكنه عن له في آخر العمر العدول عن ذلك والعمل على رفع اليدين بغير تكبير (4)، والعمل على المشهور. ويستحب رفع اليدين فيه تلقاء وجهه مبسوطتين يحاذي ببطونهما السماء وظهورهما الأرض، قاله الأصحاب، ولم أقف في هذا التفصيل على نص صريح. نعم روى عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق عليه السلام، قال: " تدعو في الوتر على العدو، وإن شئت سميتهم، وتستغفر، وترفع يديك في الوتر حيال وجهك، وإن شئت فتحت ثوبك (5). وفي الذكرى روى عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام: " وترفع يديك


(1) الكافي 3: 310 ح 5، التهذيب 2: 87 ح 323، الوسائل 4: 719 أبواب تكبيرة الإحرام ب 5 ح 1 بتفاوت يسير بين المصادر، وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم. (2) الكافي 3: 310 ح 6، التهذيب 2: 87 ح 324، الوسائل 4: 719 أبواب تكبيرة الإحرام ب 5 ح 2. (3) التهذيب 2: 87 ح 325، الخصال: 593، الوسائل 4: 720 أبواب تكبيرة الإحرام ب 5 ح 3. (4) الاستبصار 1: 337. (5) الفقيه 1: 309 ح 1410، التهذيب 2: 131 ح 504، الوسائل 4: 911 أبواب القنوت ب 12 ح 1.

[ 39 ]

حيال وجهك، وإن شئت تحت ثوبك، وتتلقى بباطنهما السماء (1). ورواية عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخاف أن أقنت وخلفي مخالفون، فقال: " رفعك يديك يجزئ، يعني رفعهما كأنك تركع (2). ولا يخفى وجه الدلالة على مطلق الرفع. ورواية علي بن محمد بن سليمان - ولا تخلو من قوة ما - قال: كتبت إلى الفقيه أسأله عن القنوت، فكتب: " إذا كانت ضرورة شديدة فلا ترفع اليدين، وقل ثلاث مرات بسم الله الرحمن الرحيم (3) ودلالتها من جهة المفهوم. وتؤيده موثقة أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال في جملتها: " فإذا افتتحت الصلاة فكبرت فلا تجاوز اذنيك، ولا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة تجاوز بهما رأسك (" 4). وبالجملة مع قول الأصحاب ووجود هذه الأخبار لا مجال للتأمل فيما يتسامح في دليله. ونقل عن المفيد: أنه يرفع يديه حيال صدره (5)، وعن المعتبر قول (6) بجعل باطنهما إلى الأرض (7)، ولم نقف على مأخذهما، نعم يمكن شمول الإطلاقات المتقدمة لهما، لكن الاختصاص لاوجه له. وعن ابن إدريس: أنه يفرق الإبهام من الأصابع (8)، ولا بأس باتباعه.


(1) الذكرى: 184. (2) التهذيب 2: 316 ح 1288، الوسائل 4: 912 أبواب القنوت ب 12 ح 2. (3) التهذيب 2: 315 ح 1286، الوسائل 4: 912 أبواب القنوت ب 12 ح 3. (4) التهذيب 2: 65 ح 233، الوسائل 4: 912 أبواب القنوت ب 12 ح 4. (5) المقنعة: 124. (6) في " ص ": قوله. (7) المعتبر 2: 247، قال: وتتلقى بباطنهما السماء، وقيل بظاهرهما، وكلا الأمرين جائز. (8) السرائر 1: 228.

[ 40 ]

وذكر الأصحاب استحباب النظر إلى الكف حال القنوت، وربما يخرج ذلك من ملاحظة ما ورد من النهي عن الالتفات إلى السماء، بل وإلى الأطراف (1)، وعن التغميض (2)، لأنه ينحصر حينئذ في النظر إلى الكف، فيرجع في الحقيقة إلى استحباب تلك الامور. ويستحب تطويل القنوت، ففي الحسن: " أطولكم قنوتا في دار الدنيا ; أطولكم راحة يوم القيامة (3). وأن يدعو بالمأثورات. ونقل عن غير واحد من الأصحاب جواز الدعاء للمؤمنين بأسمائهم، والدعاء على الكفرة والمنافقين (4)، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه دعا في قنوته لقوم بأعيانهم، وعلى آخرين بأعيانهم (5). ويدل عليه أيضا قول الصادق عليه السلام حين سئل عن القنوت وما يقال فيه قال: " ما قضى الله على لسانك، ولا أعلم فيه شيئا موقتا (6). وفي جوازه بالفارسية قولان، أجازه الصفار (7) وابن بابويه (8) والشيخ في النهاية (9) والفاضلان (10) وغيرهم (11) على ما نقل عنهم، ومنعه سعد بن


(1) الوسائل 4: 709 أبواب القيام ب 16. (2) الوسائل 4: 1252 أبواب قواطع الصلاة ب 6. (3) ثواب الأعمال: 55، أمالي الصدوق: 411، الوسائل 4: 919 أبواب القنوت ب 22 ح 2. (4) الذكرى: 184، جامع المقاصد: 334. (5) مستدرك الوسائل 4: 410 أبواب القنوت ب 10. (6) الكافي 3: 340 ح 8، التهذيب 2: 314 ح 1281، الوسائل 4: 908 أبواب القنوت ب 9 ح 1. (7) نقله عنه في الفقيه 1: 208. (8) الفقيه 1: 208. (9) النهاية: 74. (10) المحقق في المعتبر 2: 241، والعلامة في المنتهى 1: 300، والمختلف 2: 181. (11) كالفاضل المقداد في التنقيح 1: 215.

[ 41 ]

عبد الله (1). واحتج الأولون بصحيحة علي بن مهزيار عن الباقر عليه السلام: عن الرجل يتكلم في صلاة الفريضة بكل شئ يناجي ربه ؟ قال: " نعم (2). وما نقل الصدوق عنه عليه السلام مرسلا: " كلما ناجيت به ربك في الصلاة فليس بكلام (3) ويشعر به ما تقدم. وعموم مثل تينك الخبرين بحيث يشمل الفارسية ممنوع، إذ الكيفية التوقيفية المتلقاة من الشارع هي العربية، وهي المعهودة منه، وليس معنى " كل شئ يناجي به كل لسان يناجي به. وبالجملة براءة الذمة لا تحصل إلا بالاجتناب عن ذلك. والصدوق - رحمه الله - بعد اختياره ذلك واستدلاله بالخبر الأول قال: إنه لو لم يكن هذا الخبر أيضا لكنت اجيزه بقول الصادق عليه السلام: " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى (4) وهو مبني على جريان أصل البراءة في مهية العبادة، سيما في مثل هذا المقام الذي ظهر أنه خلاف المعهود والمقصود من الشارع.


(1) نقله عنه في الفقيه 1: 208. (2) التهذيب 2: 326 ح 1337، الوسائل 4: 917 أبواب القنوت ب 19 ح 1. (3) الفقيه 1: 208 ح 938، الوسائل 4: 917 أبواب القنوت ب 19 ح 4. (4) الفقيه 1: 208.

[ 42 ]

المقصد الثامن في التشهد وفيه مباحث: الأول: يجب التشهد في الثانية مطلقا، والثالثة من الثلاثية، والرابعة من الرباعية، بالإجماع على ما نقله غير واحد من الأصحاب (1). ويجب فيه الجلوس مطمئنا بمقداره بالإجماع والأخبار (2)، ويدل على وجوبه أيضا - مضافا إلى وجوب تحصيل البراءة - الأخبار المستفيضة، وسيأتي جملة منها. وليس بركن، فلو تركه عمدا بطلت الصلاة. وأما لو تركه سهوا ; فإن كان المنسي هو التشهد الأول وذكر قبل تجاوز محله - وهو ما لم يدخل في ركن - فيأتي به، والظاهر أنه إجماعي على ما يظهر من جماعة (3)، وتدل عليه النصوص المستفيضة، فروى سليمان بن خالد في الصحيح قال: سألت


(1) كالشيخ في الخلاف 1: 365، 367، والمحقق في المعتبر 2: 221، وصاحب المدارك 3: 425. (2) الوسائل 4: 987 أبواب التشهد ب 1. (3) كالشيخ في الخلاف 1: 366 مسألة 124، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 566، وصاحب المدارك 4: 236.

[ 43 ]

أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأولتين فقال: " إن ذكر قبل أن يركع يجلس، وإن لم يذكر حتى يركع فليتم الصلاة، حتى إذا فرغ فليسلم وليسجد سجدتي السهو (1). وروى ابن أبي يعفور في الصحيح أيضا عنه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي ركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما، فقال: " إن كان ذكر وهو قائم في الثالثة فليجلس، وإن لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يتكلم (2). والحلبي أيضا في الصحيح عنه عليه السلام: عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد، قال: " يرجع فيتشهد قلت: أيسجد سجدتي السهو ؟ فقال: " لا، ليس في هذا سجدتا السهو (3) والظاهر من هذا الخبر نفي سجدة السهو في صورة التذكر قبل الركوع، إلى غير ذلك من الأخبار (4). وإن جاوز محله فيجب عليه المضي في الصلاة وسجدتا السهو بعدها، والظاهر أن هذا أيضا إجماعي كما يظهر من جماعة (5)، وتدل عليه الصحاح المستفيضة وغيرها، منها ما تقدم، ومنها ما سيجئ. والمشهور وجوب القضاء عليه أيضا بعد الفراغ والتسليم، وكأن كونه بعد التسليم إجماعي، بخلاف السجدة، لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهد حتى ينصرف، فقال: "


(1) التهذيب 2: 158 ح 618، الاستبصار 1: 363 ح 1374، الوسائل 4: 995 أبواب التشهد ب 7 ح 3 بتفاوت. (2) الفقيه 1: 231 ح 1026، التهذيب 2: 158 ح 620، الوسائل 4: 995 أبواب التشهد ب 7 ح 4. (3) التهذيب 2: 158 ح 622، الاستبصار 1: 363 ح 1376، الوسائل 4: 998 أبواب التشهد ب 9 ح 4. (4) الوسائل 4: 997 أبواب التشهد ب 9. (5) منهم الشيخ في الخلاف 1: 453 مسألة 197، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 566.

[ 44 ]

إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد، وإلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه وقال: " إنما التشهد سنة في الصلاة (1). ورواية علي بن أبي حمزة قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا قمت في الركعتين الأوليين ولم تتشهد فذكرت قبل أن تركع فاقعد وتشهد، وإن لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك كما أنت، فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما، ثم تشهد التشهد الذي فاتك (2). ونقل عن المفيد وابني بابويه القول بعدم وجوب القضاء، وأن التشهد الذي في السجدة يجزئ عنه (3). ويدل عليه مضافا إلى الأصل ظواهر الأخبار الكثيرة في مقام البيان، منها ما تقدم. ومنها صحيحة الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي الركعتين من المكتوبة لا يجلس فيهما حتى يركع في الثالثة، قال: " فليتم صلاته ثم يسلم ويسجد سجدتي السهو وهو جالس قبل أن يتكلم (4). ومثلها صحيحة ابن أبي يعفور (5). ومنها: حسنة فضيل بن يسار - لإبراهيم بن هاشم - عن الباقر عليه السلام: في الرجل يصلي ركعتين من المكتوبة ثم ينسى فيقوم قبل أن يجلس بينهما، قال: " فليجلس ما لم يركع وقد تمت صلاته، فإن لم يذكر حتى ركع فليمض في صلاته،


(1) التهذيب 2: 157 ح 617، الوسائل 4: 995 أبواب التشهد ب 7 ح 2. (2) الكافي 3: 357 ح 7، التهذيب 2: 344 ح 1430، الوسائل 5: 341 أبواب الخلل ب 26 ح 2. (3) نقله في الذكرى: 221، وانظر المقنع (الجوامع الفقهية): 9 قال: إن نسيت التشهد في الركعة الثانية وذكرته بعد ما ركعت فامض في صلاتك، فإذا سلمت سجدت سجدتي السهو تشهدت فيها التشهد الذي فاتك. (4) التهذيب 2: 157 ح 616، 619، 623، الوسائل 4: 996 أبواب التشهد ب 7 ح 5. (5) الفقيه 1: 231 ح 1026، التهذيب 2: 158 ح 620، 624، الاستبصار 1: 363 ح 1375، الوسائل 4: 995 أبواب التشهد ب 7 ح 4.

[ 45 ]

وإذا سلم سجد سجدتين (1) وفي معناها حسنة الحلبي (2)، إلى غير ذلك من الأخبار (3)، ولا يخلو هذا القول من قوة. ولو كان المنسي التشهد الأخير ; فالظاهر أن المشهور فيه أيضا لزوم القضاء، وأن لا فرق فيما بين التشهدين، ونص في الذخيرة على أنه لم يقف على أحد من الأصحاب ذهب إلى التفصيل (4). ولكن نسب في المفاتيح التفرقة إلى الصدوق، حيث نقل عنه في المقام الأول مشاركته للمفيد، وههنا للمشهور، ورجحه هو أيضا، متمسكا بأن ظاهر صحيحة ابن مسلم المتقدمة أنه هو للتشهد الثاني (5). ولابد للمفصل من توجيه رواية علي بن أبي حمزة بأن المراد من التشهد فيها التشهد في سجدتي السهو، فيوافق الأخبار الكثيرة. وهكذا لابد من حمل موثقة أبي بصير قال: سألته عن الرجل ينسى أن يتشهد، قال: " يسجد سجدتين يتشهد فيهما (6) على المقام الأول. وحينئذ فالجمع بين الروايات إما بحمل الأخبار كلها على الروايتين، والتزام القضاء في المقامين، لاشتهار العمل بهما بين الأصحاب، وعدم التفرقة بين المقام الأول والثاني. وإما بحمل رواية علي بن أبي حمزة على ما ذكرنا، لعدم مقاومتها لظهور الأخبار الكثيرة الصحيحة المقتصر فيها على سجدتي السهو في المقام الأول، وحمل الصحيحة على الاستحباب لما ذكر من عدم المقاومة، أو القول بعدم استفادة المقام


(1) الكافي 3: 356 ح 2، التهذيب 2: 345 ح 1431، الوسائل 4: 997 أبواب التشهد ب 9 ح 1. (2) الكافي 3: 357 ح 8، التهذيب 2: 344 ح 1429، الوسائل 4: 998 أبواب التشهد ب 9 ح 3. (3) الوسائل 4: 995 أبواب التشهد ب 7 (4) الذخيرة: 373. (5) مفاتيح الشرائع 1: 150. (6) التهذيب 2: 158 ح 621، الوسائل 4: 996 أبواب التشهد ب 7 ح 6.

[ 46 ]

الأول منها لما ذكر من الظهور في المقام الثاني، ولعل ادعاء الظهور من جهة أنه عليه السلام قال: " إن كان قريبا رجع إلى مكانه والظاهر منه أن الغرض وصل الجزء بالصلاة متلبسا بالهيئة السابقة، فتبقى حجة في المقام الثاني. ويخدش هذا الظهور قوله: " وقد نسي التشهد حتى ينصرف فإنه ظاهر في المقام الأول، مع أن الظاهر من تقييد المكان بالنظيف هوأن الرجوع إلى مكان الصلاة إذا كان قريبا لأجل كونه مكانا نظيفا. سلمنا، لكنها تشمله بإطلاقها. هذا مع ما عرفت من كلام الذخيرة، ولكل وجه، والمشهور أولى وأحوط، بل هو متعين. ويدل على لزوم القضاء مطلقا أيضا كما هو المشهور صحيحة ابن سنان: " إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا فاقض الذي فاتك سهوا (1). وصحيحة حكم بن حكيم، عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل نسي ركعة أو سجدة أو الشئ منها ثم تذكر بعد ذلك، قال: " يقضي { ذلك } بعينه قلت: أيعيد الصلاة ؟ فقال: " لا (2) وقد يقال: إن المراد من الركعة هو معناها الحقيقي، فالمراد من الشئ منها هو القنوت والتشهد ونحو ذلك (3). ونقل في الذكرى بعد نقل هذه الرواية رواية الحلبي عنه عليه السلام: " إذا نسيت من صلاتك فذكرت قبل أن تسلم أو بعد ما تسلم أو تكلمت فانظر الذي كان نقص من صلاتك فاتمه (4). وربما يستدل بهذه الأخبار على قضاء جميع أبعاض الصلاة، وربما يستقرب ذلك في أبعاض ما ثبت له القضاء ; كما هو ظاهر صحيحة ابن حكيم، وليس


(1) التهذيب 2: 350 ح 1450، الوسائل 5: 337 أبواب الخلل ب 23 ح 7. (2) التهذيب 2: 150 ح 588، الوسائل 5: 308 أبواب الخلل ب 3 ح 6. وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر. (3) المدارك 4: 238. (4) الذكرى: 220.

[ 47 ]

بذلك البعيد. وبالجملة إثبات القضاء الذي هو بفرض جديد على التحقيق يشكل في غير ما قام عليه دليل يعتمد عليه. ويمكن ادعاء ظهور رواية الحلبي في قضاء الركعة، ولا يفهم ظهور يعتمد عليه من رواية ابن حكيم أيضا في الأبعاض، إلا أنه أحوط. ويمكن أن يكون المراد من قوله عليه السلام " أو الشئ منها أي شيئا من هذا القبيل، لا شيئا يكون من أجزاء المذكورات، فتأمل. بقي الكلام في ثبوت سجدتي السهو في المقام الثاني من المقامين، ولا دليل عليه سوى عموم رواية سفيان بن السمط المتقدمة سابقا (1)، وإطلاق موثقة أبى بصير المتقدمة ههنا إن لم ندع ظهورها في المقام الأول بملاحظة تناسقه مع تلك الأخبار أو لم نحملها عليها. وحكم بلزوم السجدة في التذكرة (2)، وهو أحوط، بل وأظهر. ثم إن ابن إدريس أيضا خالف المشهور فيما ذكر وقال ببطلان الصلاة لو كان المنسي هو التشهد الأخير وأحدث قبل القضاء (3)، والظاهر أن بناءه في ذلك على أنه بعد لم يخرج من الصلاة، لكون التسليم مستحبا عنده، فالمحدث حينئذ محدث في أثناء الصلاة، بخلاف مالو كان المنسي التشهد الأول، فإنه قد انقضت الصلاة، والحدث خارج عنها. وقد يجاب عنه أولا: بمنع كلية بطلان الصلاة بالحدث المتخلل. وثانيا: بأن الفراغ إنما هو بالتسليم، والتسليم باعتبار السهو وقع موقعه،


(1) التهذيب 2: 155 ح 608، الاستبصار 1: 361 ح 1367، الوسائل 5: 346 أبواب الخلل ب 32 ح 3، وفيها عن أبي عبد الله (ع) قال: وتسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان. (2) التذكرة 3: 339. (3) السرائر 1: 259.

[ 48 ]

وسيجئ وجوب التسليم أيضا. وثالثا: بأن إطلاق صحيحة حكم بن حكيم المتقدمة يدفعه، وكذا ما في معناها مما تقدم. ولو أحدث قبل التشهد الأخير فتبطل الصلاة، عمدا كان أم لا على المشهور، بل يحتمل أن يكون إجماعيا، لما قاله في التذكرة، قال: فإن فعله عمدا أو سهوا في الصلاة بطلت إجماعا. وقال بعد الاستدلال على ذلك: فإن وجد بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله قبل التسليم، فمن جعل التسليم واجبا أبطل الصلاة، وبه قال الشافعي، ومن جعله ندبا لم تبطل صلاته، وبه قال أبو حنيفة (1). ويظهر من المدارك أن من قال به قال به إجماعا منهم (2). ويدل عليه مضافا إلى عدم حصول البراءة بذلك والشك في تحققه رواية الحسن بن الجهم، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل صلى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة، فقال: " إن كان قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يعيد، وإن كان لم يتشهد قبل أن يحدث فليعد (3). وإطلاق موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: سئل عن الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع ؟ قال: " إن كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شئ ولم ينقض وضوءه، وإن خرج ملطخا بالعذرة فعليه أن يعيد


(1) التذكرة 3: 271. وانظر المجموع 3: 481، والوجيز 1: 45، وفتح العزيز 3: 520، والمهذب للشيرازي 1: 89، والهداية للمرغيناني 1: 59، والكفاية 1: 334. (2) المدارك 3: 431. (3) التهذيب 2: 354 ح 1467، وفي الاستبصار 1: 401 ح 1531، والوسائل 4: 1241 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 6 بتفاوت يسير. وهي ضعيفة لوقوع عباد بن سليمان في طريقها ولم يثبت توثيقه.

[ 49 ]

الوضوء، وإن كان في صلاته قطع الصلاة وأعاد الوضوء والصلاة (1). وإطلاق صحيحة محمد بن الفضيل، عن الكناني، عنه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يخفق وهو في الصلاة، فقال: " إن كان لا يحفظ حدثا منه - إن كان - فعليه الوضوء وإعادة الصلاة، وإن كان يستيقن أنه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا إعادة (2). وعموم موثقة أبي بكر الحضرمي عن الباقر عليه السلام والصادق عليه السلام: أنهما كانا يقولان: " لا يقطع الصلاة إلا أربعة: الخلاء، والبول، والريح، والصوت (3). وخالف في ذلك الصدوق قال: إنه لو لم يتشهد وأحدث ينصرف ويتوضأ وجلس حيث شاء وتشهد (4)، وكلامه أعم من السهو والعمد. ويدل على ذلك صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه من السجدة الأخيرة وقبل أن يتشهد، قال: " ينصرف فيتوضأ، فإن شاء رجع إلى المسجد، وإن شاء ففي بيته، وإن شاء حيث شاء يقعد فيتشهد ثم يسلم، وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته (5). وموثقة عبيد بن زرارة - لابن بكير - عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن رجل صلى الفريضة، فلما فرغ ورفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الرابعة


(1) التهذيب 1: 11 ح 20، وص 206 ح 597، الاستبصار 1: 82 ح 258، الوسائل 1: 184 أبواب نواقض الوضوء ب 5 ح 5. (2) التهذيب 1: 7 ح 8، الاستبصار 1: 80 ح 250، الوسائل 1: 180 أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 6. (3) الكافي 3: 364 ح 4، التهذيب 2: 331 ح 1362، الاستبصار 1: 400 ح 1030، الوسائل 4: 1240 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 2. (4) الفقيه 1: 233. (5) الكافي 3: 347 ح 2، التهذيب 2: 318 ح 1301، الاستبصار 1: 402 ح 1535، الوسائل 4: 1001 أبواب التشهد ب 13 ح 1.

[ 50 ]

أحدث، فقال: " أما صلاته فقد مضت، وبقي التشهد، وإنما التشهد سنة في الصلاة، فليتوضأ وليعد إلى مجلسه أو مكان نظيف فيتشهد (1). وموثقة أبيه - لابن بكير أيضا - قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير، فقال: " تمت صلاته، وإنما التشهد سنة في الصلاة، فيتوضأ ويجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد (2). وهذا القول لا يخلو من قوة، إلا أن المشهور أولى وأحوط. ونقل في الذخيرة (3) عن الشهيد الاستدلال على المشهور برواية الحسن بن الجهم المتقدمة، وبأن الحدث وقع في الصلاة فيفسدها. ورد الأول بضعف الخبر، والثاني بأنه اجتهاد في مقابل النص (4). والضعف منجبر بالشهرة وغيرها مما ذكرنا. ونظر الشهيد - رحمه الله - في بطلان الصلاة بوقوع الحدث إلى العمومات، وقد ذكرنا بعضها، ولا ريب أن العام إذا كان أقوى من الخاص من الجهات الاخر غير الدلالة فلا يجوز تخصيصه بأضعف منه، فلا معنى لجعل التشبث بالعمومات اجتهادا، بل هو متابعة للنص. نعم يمكن المناقشة بأن العمومات من هذا الطرف أيضا موجودة، مثل ما يدل من الأخبار على البناء لو أحدث في الأثناء بعد الوضوء، ولكن فيها كلام وسيأتي. ومثل صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: " إنه لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود ثم قال: " القراءة سنة، والتشهد سنة،


(1) الكافي 3: 346 ح 1، الوسائل 4: 1002 أبواب التشهد ب 13 ح 4. (2) التهذيب 2: 318 ح 1300، وفي الاستبصار 1: 342 ح 1290، والوسائل 4: 1001 أبواب التشهد ب 13 ح 2، عبد الله بن بكير عن عبيد الله بن زرارة قال قلت لأبي عبد الله (ع)... (3) الذكرى: 221. (4) الذخيرة: 351.

[ 51 ]

ولا ينقض الفريضة السنة (1) وتجئ تتمة الكلام، والاحتياط واضح والحمد لله. وإن كان الحدث بعد الشهادتين فيمضي في صلاته، للأخبار الكثيرة وقد مضى بعضها. ومنها صحيحة أبان، عن زرارة، عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي ثم يجلس فيحدث قبل أن يسلم، قال: " قد تمت صلاته، وإن كان مع إمام فوجد في بطنه أذى فسلم في نفسه وقام فقد تمت صلاته (2). وقوية غالب بن عثمان عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي المكتوبة فيقضي صلاته ويتشهد ثم ينام قبل أن يسلم، قال: " تمت صلاته، وإن كان رعافا غسله ثم رجع فسلم (3). ومع القول باستحباب التسليم لا إشكال في هذا الحكم. وأما مع وجوبه فأيضا لا يبعد القول به وإن قلنا ببطلان الصلاة بتخلل الحدث، ولو قبل التشهد وقطع بذلك بعض المتأخرين من دون نقل خلاف (4)، وهو الظاهر من الصدوق أيضا كما ذكرنا. ولكنك عرفت كلام التذكرة. ولعل ملاحظة التفصيل الذي ذكره فيها أولى، سيما بملاحظة توقف البراءة على ذلك، والاحتياط الاتمام والإعادة. هذا في الفريضة. وأما النافلة، فقد ورد في الأخبار أنه إن سها حتى ركع في الثالثة أنه يلقي الركوع ويجلس ويتشهد ويسلم، ثم في بعضها أنه يستأنف، وفي بعضها أنه يقوم ويتم. ففي صحيحة الحلبي، قال: سألته عن رجل سها في ركعتين من النافلة


(1) الفقيه 1: 225 ح 991، التهذيب 2: 152 ح 597، الوسائل 4: 770 أبواب القراءة ب 29 ح 5. (2) التهذيب 2: 320 ح 1306، الاستبصار 1: 345 ح 1301، الوسائل 4: 1011 أبواب التسليم ب 3 ح 2. (3) التهذيب 2: 319 ح 1304 بتفاوت يسير، الوسائل 4: 1012 أبواب التسليم ب 3 ح 6. (4) مفاتيح الشرائع 1: 150.

[ 52 ]

فلم يجلس بينهما حتى قام فركع في الثالثة، قال: " يدع ركعة، يجلس ويتشهد ويسلم ثم يستأنف الصلاة بعد (1). وفي حسنة ابن المغيرة عن الصادق عليه السلام: في الرجل يصلي الركعتين من الوتر ثم يقوم فينسى التشهد حتى يركع ويذكر وهو راكع، قال: " يجلس من ركوعه يتشهد ثم يقوم فيتم قال، قلت: أليس قلت في الفريضة إذا ذكره بعد ما ركع مضى ثم سجد سجدتي السهو بعد ما ينصرف يتشهد فيهما ؟ قال: " ليس النافلة مثل الفريضة (2) والأولى حمل هذه على الاستئناف أيضا. الثاني: اعلم أن الأخبار الواردة في حكم التشهد وبيانه مختلفة جدا، فيظهر من بعضها عدم الوجوب، كرواية بكر بن حبيب، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن التشهد، فقال: " لو كان كما يقولون واجبا على الناس هلكوا، إنما كان القوم يقولون أيسر ما يعلمون، إذا حمدت الله أجزأ عنك (3). وروايته الاخرى قال قلت لأبي جعفر عليه السلام: أي شئ نقول في التشهد والقنوت ؟ قال: " قل بأحسن ما علمت، فإنه لو كان موقتا لهلك الناس (4). وصحيحة سعد بن بكر، عن حبيب الخثعمي، عن أبي جعفر عليه السلام يقول: " إذا جلس الرجل للتشهد فحمد الله أجزأه (5). ويظهر من بعضها أن ما يقال فيه هو مطلق الشهادتين، مثل رواية سورة بن


(1) التهذيب 2: 189 ح 750، الوسائل 5: 331 أبواب الخلل ب 18 ح 4 وفيهما: ويجلس. (2) الكافي 3: 448 ح 22، التهذيب 2: 189 ح 751، وص 336 ح 1387، الوسائل 4: 997 أبواب التشهد ب 8 ح 1 بتفاوت بين المصادر. (3) الكافي 3: 337 ح 1، التهذيب 2: 101 ح 378، الاستبصار 1: 342 ح 1288، الوسائل 4: 993 أبواب التشهد ب 5 ح 3 وهي ضعيفة لأن راويها لم يوثق. (4) الكافي 3: 337 ح 2، التهذيب 2: 102 ح 381، الوسائل 4: 993 أبواب التشهد ب 5 ح 1. (5) التهذيب 2: 101 ح 376، الاستبصار 1: 341 ح 1286، الوسائل 4: 993 أبواب التشهد ب 5 ح 2.

[ 53 ]

كليب، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أدنى ما يجزئ من التشهد، فقال: " الشهادتان (1). وتؤيده صحيحة الفضلاء عنه عليه السلام، قال: " إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته، وإن كان مستعجلا في أمر يخاف أن يفوته فسلم وانصرف أجزأ (2) وهذا يدل على وجوب التشهد أيضا. وحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا، وإن كنت قد تشهدت فلا تعد (3) وهذا أيضا يدل على الوجوب. وفي بعضها تصريح بوجوب " أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله كصحيحة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: التشهد في الصلاة ؟ قال: " مرتين قال، قلت: وكيف مرتين ؟ قال: " إذا استويت جالسا فقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ثم تنصرف. قال: قلت، قول العبد: التحيات لله، والصلوات الطيبات لله ؟ قال: " هذا اللطف من الدعاء، يلطف العبد بربه (4) (5). وتؤيده موثقة عبد الملك بن عمرو الأحول، عنه عليه السلام، قال: " التشهد في الركعتين الاوليين: الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد، وتقبل شفاعته،


(1) الكافي 3: 337 ح 3، التهذيب 2: 101 ح 375، الاستبصار 1: 341 ح 1285، الوسائل 4: 993 أبواب التشهد ب 4 ح 6، وهي ضعيفة لوقوع يحيى بن طلحة في طريقها وهو مجهول، وكذا ففي توثيق راويها كلام. (2) التهذيب 2: 317 ح 1298، الوسائل 4: 992 أبواب التشهد ب 4 ح 2. (3) الكافي 3: 365 ح 10، التهذيب 2: 323 ح 1322 الوسائل 4: 1248 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 2. (4) في " ص "، " ح ": يلطف بربه، وقد تقرأ بلطف، وما في المصادر: يلطف العبد ربه. (5) التهذيب 2: 101 ح 379، الاستبصار 1: 342 ح 1289، الوسائل 4: 992 أبواب التشهد ب 4 ح 4.

[ 54 ]

وارفع درجته (1). ويتم إثباته في الثانية بضميمة عدم القول بالفصل، وبصحيحة أحمد بن أبي نصر قال، قلت لأبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك، التشهد الذي في الثانية يجزئ أن أقوله في الرابعة ؟ قال: " نعم (2). وبما ذكرناه يمكن أن تنطبق على هذا المذكور صحيحة زرارة قال، قلت لأبى جعفر عليه السلام: ما يجزئ من القول في التشهد في الركعتين الاوليين ؟ قال: " أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له قلت: فما يجزئ من التشهد في الركعتين الأخيرتين ؟ فقال: " الشهادتان (3) بنوع من التوجيه، وهو أن يكون اقتصاره عليه السلام في الشهادة بالتوحيد لأنه في صدد بيان الكيفية لا الكمية، أو لأنه علم من حال الراوي علمه بحال التشهد بالرسالة أو نحو ذلك، فيحمل مطلق الثاني على مقيد الأول، سيما مع ملاحظة رواية يعقوب بن شعيب عن الصادق عليه السلام، قال: " التشهد في كتاب علي شفع (4). والمشهور بين الأصحاب وجوب الشهادتين، بل وهو إجماعي على ما نقله غير واحد من الأصحاب، منهم المرتضى (5) والشيخ (6) والعلامة (7) والشهيد (8). ونقل عن الصدوق في المقنع أنه اقتصر على الشهادتين، ولم يوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، ثم القول بأن أدنى ما يجزئ الشهادتان أو يقول


(1) التهذيب 2: 92 ح 344، الوسائل 4: 989 أبواب التشهد ب 3 ح 1. (2) التهذيب 2: 101 ح 377، الاستبصار 1: 342 ح 1287، الوسائل 4: 992 أبواب التشهد ب 4 ح 3. (3) التهذيب 2: 100 ح 374، الاستبصار 1: 341 ح 1284، الوسائل 4: 991 أبواب التشهد ب 4 ح 1. (4) التهذيب 2: 102 ح 380، الوسائل 4: 992 أبواب التشهد ب 4 ح 5. (5) الناصريات (الجوامع الفقهية): 198. (6) الخلاف 1: 372 مسألة 131. (7) التذكرة 3: 230. (8) الذكرى: 203.

[ 55 ]

بسم الله وبالله ثم يسلم (1)، ورده في الذكرى بأنه معارض بإجماع الإمامية (2). والمشهور بينهم الاكتفاء بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، ولهم الأخبار المتقدمة، لكن الظاهر منها أنه لا اختصاص بهذه الهيئة، بل يشمل ما لو تغيرت بأدنى تغيير، كحذف كلمة أشهد في الثاني والعطف بالسابق، أو بوضع المضمر موضع المظهر في الثاني، أو بحذف حرف العطف، أو غير ذلك، ولكن المعهود المتعارف من الشهادتين هو الأول، فعلى القول بالمشهور الأولى عدم التجاوز عنه. وقيل: يجب " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (3) ولهم الأخبار المتقدمة، والاحتياط في ذلك، وإن كان المشهور أقوى. وأما ما دل على نفي الوجوب وكفاية ما أجمع الأصحاب على عدمه فيجب التأويل فيه على ما اقتضاه الحال، فما ذكر فيها لفظ السنة (4)، فالمراد منه مقابل الفريضة التي ثبتت من الكتاب، ولا ينافي ذلك الاستحباب. وما تضمن كفاية ذكر الحمد لله أو أي قول حسن كان ونحو ذلك (5) فإما محمول على ما ينبغي من الأذكار المستحبة في التشهد، وهو أظهر، أو على التقية ; لعدم وجوب التشهد عند جماعة منهم (6) ; لأنها معارضة بما هو أقوى منها، والمعول عليها عند الأصحاب، بل والمجمع على مضمونها كما ذكرنا. الثالث: وتجب بعد ذكر الشهادتين الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله على


(1) المقنع (الجوامع الفقهية): 8. (2) الذكرى: 204. (3) ذهب إليه الشهيد في الدروس 1: 182. (4) الوسائل 4: 1001 أبواب التشهد ب 13. (5) الوسائل 4: 993 أبواب التشهد ب 5. (6) المغني لابن قدامة 1: 571.

[ 56 ]

المشهور، وادعى عليه الإجماع جماعة من أصحابنا، منهم الشيخ (1) والفاضلان (2) والصدوق (3) وابن زهرة (4)، وقال الشيخ: إنه ركن (5)، وهو قول أحمد من العامة (6)، والشافعي في الأخيرة (7)، واستحبها أبو حنيفة في الموضعين (8)، وكذا مالك (9). وليس من أخبار الخاصة ما كان نصا في الوجوب. وأظهرها دلالة هي صحيحة أبي بصير وزرارة عن الصادق عليه السلام أنه قال: " من تمام الصوم إعطاء الزكاة، كما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله من تمام الصلاة، ومن صام ولم يؤدها فلاصوم له إذا تركها متعمدا، ومن صلى ولم يصل على النبي صلى الله عليه وآله وترك ذلك متعمدا فلا صلاة له، إن الله تعالى بدأ بها قبل الصلاة، فقال: قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى (10). وقد يناقش في دلالته بأن قرينة التشبيه بحمل ذلك على نفي الفضيلة، للإجماع


(1) الخلاف 1: 369 مسألة 128. (2) المحقق في المعتبر 2: 226، والعلامة في المنتهى 1: 293. (3) نقله عنه في كنز العرفان 1: 133. وقال في مفتاح الكرامة 2: 461 ولم أجد ذلك في الأمالي ونقل ذلك الشيخ نجيب الدين، وقال في المستند 5: 337 وأما الصدوق فليس وجه لنسبته إليه إلا ذكره بعض الأحاديث المتضمنة للأمر في كتابه. أقول: عنى بالأحاديث الأحاديث الآمرة بالصلاة عليه كلما ذكر، انظر الفقيه 1: 184 ح 875. (4) الغنية (الجوامع الفقهية): 559. (5) الخلاف 1: 369. (6) المجموع 3: 465 و 467، فتح العزيز 3: 503، مغني المحتاج 1: 173، المغني 1: 614، الشرح الكبير 1: 613، الفتح الرباني 4: 28. (7) نفس الهامش السابق. (8) المبسوط للسرخسي 1: 29، شرح فتح القدير 1: 275، شرح العناية 1: 275، بدائع الصنائع 1: 213، بلغة السالك 1: 117، المجموع 3: 467، فتح العزيز 3: 503، المغني 1: 614، الشرح الكبير 1: 614، الفتح الرباني 4: 28. (9) نفس الهامش السابق. (10) التهذيب 2: 159 ح 625، الاستبصار 1: 343 ح 1292، الوسائل 4: 999 أبواب التشهد ب 10 ح 2.

[ 57 ]

على صحة الصوم بدون الزكاة، ولا دلالة في الخبر على الصلاة على آله صلى الله عليه وآله. واستدلوا أيضا بعموم قوله تعالى: (صلوا عليه وسلموا تسليما) (1) خرج ما خرج بالدليل وبقي الباقي. وفي دلالته خفاء وبعد، لأن المناسب لقوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) إرادة الاعتناء بإظهار الشرف، وهو يحصل بمطلق الثناء، وهو حاصل بالشهادة بالرسالة، مع أن الأمر لا يقتضي إلا طلب الطبيعة، وهي تحصل بالمرة. نعم وردت الأخبار في تفسيرها بالصلاة المعهودة (2). وأما مثل موثقة عبد الملك المتقدمة، ومثل موثقة أبي بصير الطويلة المتضمنة للأذكار المستحبة فيه حيث قال عليه السلام: " فقل بسم الله وبالله والحمد لله إلى أن قال بعد الشهادتين وبعض الأذكار المستحبة " اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد (3) الحديث، فيشكل الاستدلال أيضا، سيما بالأخيرة، لتضمنها المستحبات الكثيرة ; الذي يوجب ضعفا في ظهور الأمر في الوجوب. ويمكن الاستدلال عليه أيضا بصحيحة زرارة، عن الباقر عليه السلام أنه قال: " وصل على النبي صلى الله عليه وآله كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك (4). وبرواية محمد بن هارون عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا صلى أحدكم ولم يذكر النبي صلى الله عليه وآله في صلاته يسلك بصلاته غير سبيل الجنة، وقال


(1) الأحزاب: 56. (2) عيون أخبار الرضا (ع) 1: 236، تفسير أبي الفتوح 4: 343، مستدرك الوسائل 5: 349 أبواب الذكر ب 32 ح 9، 11. (3) التهذيب 2: 99 ح 373، الوسائل 4: 989 أبواب التشهد ب 3 ح 2. (4) الكافي: 303 ح 7، الفقيه 1: 184 ح 875، الوسائل 4: 669 أبواب الأذان ب 42 ح 1.

[ 58 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله: من ذكرت عنده ولم يصل علي فدخل النار فأبعده الله قال: " وقال صلى الله عليه وآله: من ذكرت عنده فنسي الصلاة علي خطئ بطريق الجنة (1). ورواية أبي بصير عنه عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ذكرت عنده فنسي أن يصلي علي خطأ الله به طريق الجنة (2). ويتمم المطلب برواية عبد الله بن ميمون عنه عليه السلام، قال: " سمع أبي رجلا متعلقا بالبيت وهو يقول: اللهم صل على محمد، فقال له أبي: يا عبد الله لا تبترها، لا تظلمنا حقنا، قل: اللهم صل على محمد وأهل بيته (3) ونحوها من الأخبار (4). ولكن هذه الأخبار تدل على وجوب الصلاة بسبب ذكره صلى الله عليه وآله، لا من جهة خصوص ذكر التشهد. واستدل المحقق (5) بما رواه من طريق العامة " أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول في صلاته: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد (6) فتجب متابعته، لقوله صلى الله عليه وآله: " صلوا كما رأيتموني اصلى (7).


(1) الكافي 2: 359 ح 19، أمالي الصدوق: 465 ح 19، عقاب الأعمال: 246 ح 1، المحاسن: 95 ح 53، الوسائل 4: 999 أبواب التشهد ب 10 ح 3 بتفاوت، والرواية ضعيفة لأن ابن الوليد والشيخ ضعفا راويها. (2) الكافي 2: 359 ح 20، ثواب الأعمال: 246، الوسائل 4: 1217 أبواب الذكر ب 42 ح 1. (3) الكافي 2: 359 ح 21، الوسائل 4: 1218 أبواب الذكر ب 42 ح 2. (4) الوسائل 4: 1217 أبواب الذكر ب 42. (5) المعتبر 2: 227. (6) صحيح مسلم 1: 305 ح 406، سنن أبي داود 1: 257 ح 976، سنن الدارمي 1: 309، سنن البيهقي 2: 147. (7) صحيح البخاري 1: 162 كتاب الأذان ب 18، سنن الدارمي 1: 286، عوالي اللآلي 1: 198 ح 8.

[ 59 ]

ثم إنه بعد تسليم الاستدلال بتلك الأخبار على المطلوب، فهل هي باقية على ظاهرها من العموم أو مخصصة بحال التشهد ؟ نقل الفاضلان الإجماع على عدم وجوب الصلاة كلما ذكر (1)، وقال بالوجوب الفاضل المقداد - رحمه الله - في كنز العرفان، ونقله عن الصدوق (2)، وذهب إليه بعض المتأخرين أيضا (3)، وللعامة أقوال منتشرة (4). وقد يضعف الوجوب بعدم ذكرها في الأخبار الكثيرة والأدعية الكثيرة، مع ذكره صلى الله عليه وآله، وكذا لم يعلموا المؤذنين ذلك ونحو ذلك، وكذا يظهر الاستحباب من سياق الأخبار الواردة في فضلها وثوابها فلاحظ (5)، والأحوط عدم الترك بحال. ونقل العلامة - رحمه الله - في التذكرة أخبارا من طريق العامة ظاهرة في المطلوب (6). وبالجملة مع ما ذكرنا من الأدلة لا يبقى مجال للتأمل في وجوب الصلوات على النبي صلى الله عليه وآله في التشهد، سيما مع توقف البراءة على ذلك. (وأما في غير الصلاة) (7) كلما ذكر اسمه صلى الله عليه وآله فموضع تأمل، بالنظر إلى الإجماعات المنقولة، ولزوم العسر والحرج غالبا. والأحوط عدم الترك مهما أمكن، لغاية التأكيد المستفاد من الأخبار.


(1) المحقق في المعتبر 2: 226، والعلامة في التذكرة 3: 232. (2) كنز العرفان 1: 133. (3) كصاحب الحدائق 8: 463. (4) انظر نيل الأوطار 2: 321 - 318. (5) انظر الوسائل 4: 1210 أبواب الذكر ب 34 - 42. (6) التذكرة 3: 233، صحيح مسلم 1: 305 ح 406، سنن أبي داود 1: 257 ح 976، سنن الدارمي 1: 309، سنن الدار قطني 1: 355 ح 6، سنن البيهقي 2: 147. (7) في " ص "، " م ": وأما في الصلاة سيما.

[ 60 ]

والظاهر أنه لا اختصاص باسمه الشريف، بل المعتبر هو المسمى وإن كان بالوصف، كالرسول والنبي، أو بالضمير، ونحوهما. وهل يجب في التشهد مطلق الصلاة أو لفظ مخصوص ؟ الأقوى والأحوط الاقتصار بما تضمنته الموثقتان (1)، وإن كان الاكتفاء بمطلقها لا يخلو من قوة. ويكفي فيمن ذكر اسمه الشريف أو ذكر عنده مطلقا مثل قوله " ورب صل عليه وآله وغير ذلك، ويمكن الاكتفاء بمطلق طلب الرحمة والدعاء له، والأحوط فيه أيضا الإتيان بلفظ الصلاة. الرابع: يستحب أن يلصق ركبتيه بالأرض ويفرج بينهما شيئا. وأن يتورك كما تقدم. وأن يكون طرف إبهام اليمنى على الأرض. وأن لا يقعد (2) على قدميه فيتأذى بذلك، ولا يكون قاعدا على الأرض فيكون إنما قعد بعضه على بعض فلا يصبر للتشهد والدعاء. كل هذا مضمون صحيحة زرارة المتقدم بعضها (3). ويستحب العمل بالمأثور من الأدعية، مثل ما ورد في موثقة أبي بصير الطويلة (4) وغيرها (5)


(1) وهما موثقة عبد الملك وموثقة أبي بصير المتقدمتان في ص 53، 57. (2) في " ص ": وأن لا يعتمد. (3) الكافي 3: 334 ح 1، التهذيب 2: 83 ح 308، الوسائل 4: 675 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3. (4) التهذيب 2: 99 ح 373، الوسائل 4: 989 أبواب التشهد ب 3 ح 2. (5) مستدرك الوسائل 5: 6 أبواب التشهد ب 2.

[ 61 ]

المقصد التاسع في التسليم وفيه مباحث: الأول: اختلف الأصحاب في وجوب التسليم، والمختار عندي هو الوجوب لوجوه: الأول: استصحاب الحالة المتلبس بها في حال الصلاة من التزام الشرائط واجتناب الموانع واستمرار النية الحكمية، وسيجئ أن هذا المعنى لا يتأتى مع الاستحباب، وعدم براءة الذمة يقينا إلا بذلك. الثاني: استمرار العمل به بطريق اللزوم في زمن النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده من الصحابة والتابعين والأئمة المعصومين عليهم السلام. الثالث: ما رواه المشايخ الثلاثة الصدوق والشيخ مرسلا والكليني مسندا، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (1).


(1) الكافي 3: 69 ح 2، الفقيه 1: 23 ح 68، الخلاف 1: 376، الوسائل 4: 1003 أبواب التسليم ب 1 ح 1.

[ 62 ]

ولا وجه للقدح في السند بالإرسال، وبأنها لم ترد من طريق الخاصة، سيما مع ورودها في الفقيه والكافي، بل في الإرسال إشارة إلى كمال الاعتماد على الصحة، مع أن السيد المرتضى - رحمه الله - نقل هذه الرواية معتمدا عليها (1)، وهو لا يعمل بخبر الواحد، إلى غير ذلك من المؤيدات. مع أن كون تحليل الصلاة هو التسليم ورد في أخبار كثيرة خاصة (2) سيجئ بعضها (3). وفي كتاب الهداية للصدوق عن الصادق عليه السلام: " تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم (4). وظاهر الخبر الحصر كما لا يخفى على المطلع بضوابط العربية، والمفرد المضاف يفيد العموم حيث لا عهد، مع أن معنى التحليل هو أن يؤثر الشئ في حلية شئ فلو كان قبله حلالا فلا معنى للتحليل. ولا ريب أنه مع القول بالاستحباب فبعد تمام التشهد تنقضي الصلاة وتحل المنافيات، والتحليل حينئذ تحصيل للحاصل. وبالجملة لا ينبغي التأمل في دلالتها. ومما ذكرنا ظهر اندفاع ما قيل من أن التحليل قد يحصل (بغير) (5) التسليم كالمنافيات وإن لم يكن الإتيان بها جائزا، وحينئذ لابد من تأويل التحليل بالتحليل الذي قدره الشارع، وحينئذ كما أمكن إرادة التحليل الذي قدره الشارع على سبيل الوجوب، أمكن إرادة التحليل الذي قدره على سبيل الاستحباب، وليس للأول


(1) المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 196. (2) في " م ": الخاصية. (3) انظر الوسائل 4: 1003 أبواب التسليم ب 1. (4) الهداية (الجوامع الفقهية): 52. (5) في " م "، " ح ": بعد.

[ 63 ]

على الآخر ترجيح واضح (1)، لأن بعدما ثبت عدم حلية فعل المنافيات قبل التسليم بمقتضى مفهوم التحليل، فلا معنى لاستحباب المحلل. ولا يخفى أن النسبة حينئذ مجازية، وهي خلاف الأصل، وذلك (2) لأن التحليل لم يحصل حينئذ بالتسليم، بل فعل المنافيات حلال قبل التسليم، لأن المفروض تمامية الصلاة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله على القول بالاستحباب. فإن قلت: نعم إنه قد فرغ من واجبات الصلاة ولكنه باق في مستحباتها، فهذه الصيغة تخرج عن الواجبات والمستحبات جميعا. قلت: البقاء في المستحبات لا ينفع مع تجويز فعل ما كان محرما سابقا، فكيف يصح مع ذلك القول بكون التسليم مخرجا عن الصلاة ومحللا. فإن قلت: البقاء في الصلاة لا يستلزم وجوب ما يجب عليه فيها وتحريم ما يحرم عليه، بل يحصل بالمحافظة على الشروط وثواب المصلي واستجابة الدعاء. قلت: هذا خروج عن الظاهر لوجوه، أما في معنى التحليل فظاهر. وأما في معنى الخروج فكذلك أيضا، لأنه تخصيص بعيد لم يقم عليه دليل. وأيضا ادعى السيد - رحمه الله - الإجماع على أن الخروج من الصلاة واجب كالدخول فيها (3)، فإن لم يقف الخروج منها على التسليم دون غيره جاز أن يخرج بغيره من الأفعال المنافية للصلاة كما يقول أبو حنيفة (4)، وأصحابنا لا يجيزون ذلك، فثبت وجوب التسليم.


(1) الذخيرة: 290. (2) في " م "، " ح ": ذلك. (3) المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 196. (4) بدائع الصنائع 1: 194، اللباب 1: 85، المغني 1: 623، الشرح الكبير 1: 623، المجموع 3: 481، فتح العزيز 3: 520، المحلى 3: 276.

[ 64 ]

ويظهر ذلك من المحقق في المعتبر أيضا، حيث قال في جواز الخروج عن الصلاة بلفظ " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين لا يقال: ما ذكرتم من السلام علينا خروج عن الإجماع ; لانحصاره بين السلام عليكم وفعل المنافي، قلنا: لا نسلم ذلك، والمنقول عن أهل البيت ما ذكرناه، وقد صرح الشيخ بما ذكرناه في التهذيب، فإنه قال: عندنا أن من قال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد انقطعت صلاته، إلى آخر ما ذكره (1). ومما يدل على استفادة وجوب السلام من الرواية مقابلة التحليل بالتحريم، لعدم الخلاف في وجوب التكبير. بل لا يبعد استفادة الجزئية أيضا من هذه القرينة، إذ جزئية التكبير مما لا ينبغي التأمل فيها، وكونه خارجا عن الصلاة هو المنقول عن أبي حنيفة (2). ومما ينادي بجزئيتها الأخبار الدالة على أن تكبيرات الصلاة خمس وتسعون (3). ولا حاجة في هذا المطلب إلى الاستدلال. على أنا (4) نقول: بعد ثبوت الإطلاق أو العموم ولو بقرينة الوقوع في كلام الحكيم، فالأصل عدم التقييد والتخصيص. مع أن الأفعال المنافية ليست بمحللة، بل هي منافية ومبطلة، والإبطال غير التحليل. وربما يقال بعد التسليم: إن الحمل على الوجوب أقرب المجازات أيضا. وفي معنى هذا الخبر موثقة عمار الآتية. وكون السلام تحليل الصلاة يظهر من أخبار اخر أيضا، منها ما روى الفضل بن


(1) المعتبر 2: 235، التهذيب 2: 129. (2) نقله في نيل الأوطار 2: 194. (3) الوسائل 4: 719 أبواب تكبيرة الإحرام ب 5. (4) في " ح ": على ما.

[ 65 ]

شاذان في علة جعل السلام تحليلا (1)، ومنها رواية المفضل في العلل (2) وغيرهما، وهي كثيرة مروية في العيون والعلل وكتاب معاني الأخبار وكتاب المناقب لابن شهرآشوب (3). مع أن في رواية المفضل بن عمر دلالة اخرى على الوجوب من جهة تقرير الإمام عليه السلام، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العلة التي من أجلها وجب التسليم في الصلاة، قال: " لأنه تحليل الصلاة (4). الرابع: موثقة أبي بصير - لسماعة وعثمان بن عيسى (5) - قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في رجل صلى الصبح فلما جلس في الركعتين قبل أن يتشهد رعف، قال: " فليخرج وليغسل أنفه، ثم ليرجع فليتم صلاته، فإن آخر الصلاة التسليم (6). الخامس: الأخبار الكثيرة المستفيضة، بل المتواترة من الصحاح وغيرها، المشتملة على ثبوته بصيغة الأمر أو الجملة الخبرية وبما يجزئ ونحو ذلك (7). السادس: صحيحة الفضلاء عن الباقر عليه السلام: في صلاة الخوف " فصار للأولين التكبير وافتتاح الصلاة، وللآخرين التسليم (8) وربما نشير إلى أدلة اخرى للوجوب.


(1) عيون أخبار الرضا (ع) 2: 108، علل الشرائع: 262 ح 9، الوسائل 4: 1005 أبواب التسليم ب 1 ح 10. (2) علل الشرائع: 359 ب 77، الوسائل 4: 1005 أبواب التسليم ب 1 ح 11. (3) عيون أخبار الرضا (ع) 2: 123، معاني الأخبار: 175 ح 1، المناقب لابن شهر آشوب 4: 259، الوسائل 4: 1006 أبواب التسليم ب 1 ح 13. (4) علل الشرائع: 359 ب 77، الوسائل 4: 1005 أبواب التسليم ب 1 ح 11. (5) لأنهما واقفيان (انظر معجم رجال الحديث رقم 5546، 7610). (6) التهذيب 2: 320 ح 1307، الاستبصار 1: 345 ح 1302، الوسائل 4: 1004 أبواب التسليم ب 1 ح 4. (7) انظر الوسائل 4: 995 أبواب التشهد ب 7، وج 5: 402 أبواب الجماعة ب 18. (8) تفسير العياشي 1: 272 ح 257، الوسائل 5: 482 أبواب صلاة الخوف والمطاردة ب 2 ح 8 بتفاوت.

[ 66 ]

وربما يؤيد ذلك بقوله تعالى: (وسلموا تسليما) (1). وبأن السلام لو لم يكن واجبا لما بطلت صلاة المسافر إذا زاد ركعة أو ركعتين، والتالي باطل، لرواية زرارة ومحمد بن مسلم قالا، قلنا لأبي جعفر عليه السلام: رجل صلى في السفر أربعا، أيعيد ؟ قال: " إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسرت وصلى أربعا أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة (2). وإنما جعلناهما من المؤيدات لتطرق المناقشة فيهما كما لا يخفى. وذهب الشيخان في بعض أقوالهما (3) وابن البراج (4) وابن إدريس (5) وأكثر المتأخرين (6) إلى الاستحباب. وقد استدلوا على ذلك بالأصل، وبشطر من الأخبار، ومنها ما يتضمن أن المصلي يتشهد وينصرف من دون ذكر السلام، كصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في التشهد. وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون خلف الإمام، ويطول الإمام التشهد، فيأخذ الرجل البول، أو يتخوف على شئ يفوت، أو يعرض له وجع كيف يصنع ؟ قال: " يتشهد هو وينصرف ويدع الإمام (7). وتؤدي مؤداهما صحيحة محمد بن مسلم أيضا عن الصادق عليه السلام: عن


(1) الأحزاب: 56. (2) الفقيه 1: 278 ح 1266، التهذيب 3: 226 ح 571، الوسائل 5: 531 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 4. (3) الشيخ المفيد في المقنعة: 139، والشيخ الطوسي في النهاية: 89. (4) المهذب 1: 99. (5) السرائر 1: 231. (6) كالعلامة في التذكرة 3: 243، والمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 326، وصاحب المدارك 3: 430. (7) الفقيه 1: 261 ح 1191، التهذيب 2: 349 ح 1446، وج 3: 283 ح 842، الوسائل 5: 464 أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 2.

[ 67 ]

رجل صلى ركعتين فلا يدري ركعتان هي أو أربع، قال: " يسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين بفاتحة الكتاب ويتشهد وينصرف، وليس عليه شئ (1). وفيه: أن عدم ذكر السلام لا يدل على عدم الوجوب، لعدم كونه في مقام البيان. بل نقول: إنهما تدلان على الوجوب، لظهور لفظ الانصراف في التسليم كما يظهر من أخبار كثيرة، وستأتي الأخبار الدالة عليه في غضون (2) هذا المبحث. سلمنا عدم الدلالة، لكن الدلالة على المطلوب أيضا مفقودة، سيما في الصحيحة الاخرى، بل أولها قرينة على أن الاقتصار ليس للاستحباب، على أنه يحتاج إلى إثبات عدم القول بالفصل، فتأمل. ومنها: ما ورد في باب الشك والسهو وغيره مما تضمن أنه يفعل كذا ويتشهد بدون ذكر السلام (3). ويظهر جوابه أيضا مما ذكرنا، مع أنها معارضة بأكثر منها بمراتب شتى في أمثال هذه المقامات قد ذكر فيها السلام بلفظ الأمر وغيره (4). ومنها: ما ورد في الحسن عن الصادق عليه السلام: " إذا فرغت من طوافك فأت مقام إبراهيم وصل ركعتين، واجعله أمامك، فاقرأ فيها قل هو الله أحد، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون، ثم تشهد واحمد الله واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله واسأله أن يتقبل منك (5). ويتم الاستدلال بضميمة عدم القول بالفصل. وفيه: أنه ليس في مقام بيان الهيئة التي لمهية الصلاة من حيث هي، بل الظاهر


(1) التهذيب 2: 185 ح 737، الاستبصار 1: 372 ح 1414، الوسائل 5: 324 أبواب الخلل ب 11 ح 6. (2) في " ص ": غصون. (3) الوسائل 5: 319 أبواب الخلل ب 9 - 13. (4) انظر الوسائل 5: 304 أبواب الخلل ب 2. (5) الكافي 4: 423 ح 1، التهذيب 5: 286 ح 973، الوسائل 9: 391 أبواب الطواف ب 3 ح 1.

[ 68 ]

منه بيان الآداب المخصوصة بهذه الصلاة وهذا المقام كما لا يخفى على ذي السليقة المستقيمة المتدبر في سوق الحديث. وقد يستدل على ذلك أيضا بالأخبار التي مر بعضها فيمن أحدث قبل التسليم أنه يمضي ويتم صلاته (1). وفيه: أنه مع أن آخر صحيحة أبان عن زرارة (2) وموثقة غالب بن عثمان (3) المتقدمتين يدل على خلاف ذلك، فهي لا تنافي الوجوب، لأن بعض الأصحاب مع قوله بالوجوب لا يضايق عن ذلك فيجعله واجبا خارجا عن الصلاة (4)، بل لا يبعد القول به مع القول بالجزئية أيضا نعم يشكل القول بما نقلناه سابقا عن التذكرة من أنه من قال بوجوب التسليم يقول ببطلان الصلاة حينئذ (5)، وما نقلناه من المدارك أيضا من الإجماع على ذلك (6). ويخدشه أن صاحب الفاخر ذهب إلى ذلك مع قوله بوجوب التسليم (7). وكذا ماقاله في المدارك أيضا في مباحث الخلل الواقع في الصلاة قال: الأجود عدم بطلان الصلاة بفعل المنافي وإن قلنا بوجوبه، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن


(1) الوسائل 4: 1010 أبواب التسليم ب 3. (2) تقدمت في ص 51، وهي في التهذيب 2: 320 ح 1306، الاستبصار 1: 345 ح 1301، الوسائل 4: 1011 أبواب التسليم ب 3 ح 2 وفيها: عن الرجل يصلي ثم يجلس فيحدث قبل أن يسلم قال: قد تمت صلاته، وإن كان مع إمام فوجد في بطنه أذى فسلم في نفسه وقام فقد تمت صلاته. (3) تقدمت في ص 51، وهي في التهذيب 2: 319 ح 1304، الوسائل 4: 1012 أبواب التسليم ب 3 ح 6 والرواية: عن الرجل يصلي المكتوبة فيقضي صلاته ويتشهد ثم ينام قبل أن يسلم قال: تمت صلاته، وإن كان رعافا غسله ثم رجع فسلم. (4) كالفيض في مفاتيح الشرائع 1: 152، ونقله عن البشرى لأحمد بن طاوس في الحدائق 8: 483 واختاره. (5) التذكرة 3: 271. (6) المدارك 3: 431. (7) نقله عنه في الذكرى: 206.

[ 69 ]

زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، ونقل أول صحيحة زرارة المتقدمة في التشهد، وصحيحته الاخرى التي نقلناها ثمة قبل هذه الصحيحة (1). مع أن لنا أن نقول: بأن هذه الروايات لا تقاوم ما دل على بطلان الصلاة بالحدث، فنعمل على التفصيل المذكور. والأحوط الإتمام والإعادة. ثم على القول بعدم البطلان مع القول بالوجوب، فهل يجب السلام حينئذ بدون الطهارة، أم يسقط ؟ وجهان، والأحوط بل الأظهر أن لا يترك. ثم إن الأخبار الواردة في ذلك وإن كانت بظاهرها مطلقة، لكن المتبادر منها حصول الحدث سهوا أو من دون الاختيار، فمع تعمده تجب الإعادة على الأقوى. وبالجملة لم أقف للقائلين بالاستحباب على دليل يعتد به. ثم يبقى الكلام في أن الواجب في السلام أي لفظ، والمخرج أي شئ، هل هو خصوص السلام عليكم، أو خصوص السلام علينا، أو بالتخيير، أو كلاهما ؟ احتمالات، وذهب إلى كل قائل. فاعلم: أن الذي يستفاد من الأخبار أن المصلي يخرج عن الصلاة بقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ففي صحيحة الحلبي قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " كلما ذكرت الله عزوجل به والنبي صلى الله عليه وآله فهو من الصلاة، فإن قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقد انصرفت (2). ورواية أبي بصير - وليس في طريقها، إلا محمد بن سنان - عنه عليه السلام، قال: " إذا كنت إماما فإنما التسليم أن تسلم على النبي عليه وآله السلام، وتقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة، ثم تؤذن القوم فتقول وأنت مستقبل القبلة: السلام عليكم، وكذلك إذا كنت وحدك


(1) المدارك 4: 229. (2) الكافي 3: 337 ح 6، التهذيب 2: 316 ح 1293، الوسائل 4: 1012 أبواب التسليم ب 4 ح 1.

[ 70 ]

تقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، مثل ما سلمت وأنت إمام، فإذا كنت في جماعة فقل مثل ما قلت، وسلم على من على يمينك وشمالك، فإن لم يكن على شمالك أحد فسلم على الذين عن يمينك، ولا تدع التسليم على يمينك وإن لم يكن على شمالك أحد (1). ورواية أبي كهمس، عنه عليه السلام، قال: سألته عن الركعتين الأوليين إذا جلست فيهما للتشهد فقلت وأنا جالس: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، انصراف هو ؟ قال: " لا، ولكن إذا قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو الانصراف (2). وحسنة ابن ميسر - لثعلبة بن ميمون - عن الباقر عليه السلام، قال: " شيئان يفسد الناس بهما صلاتهم: قول الرجل: تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وإنما هو شئ قالته الجن بجهالة، فحكى الله عزوجل عنهم، وقول الرجل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (3). والظاهر أنه عليه السلام أراد ذلك في التشهد الأول كما يجئ التصريح في رواية العيون. وروى الصدوق مرسلا عن الصادق عليه السلام: " أفسد ابن مسعود على الناس صلاتهم بشيئين، بقوله: تبارك اسمك وتعالى جدك إلى آخر الحديث السابق (4). والظاهر أن العلة في إبطال القول الثاني هو كونه موضوعا للتحليل، وليس ههنا موضع التحليل، ولعله لظهور الأمر فيه لكونه طريقة واضحة في أصحابهم عليهم السلام كما ستعرف اقتصر في التعليل للقول الأول فتأمل.


(1) التهذيب 2: 93 ح 349، الاستبصار 1: 347 ح 1307، الوسائل 4: 1008 أبواب التسليم ب 2 ح 8. (2) الفقيه 1: 229 ح 1014، التهذيب 2: 316 ح 1292، الوسائل 4: 1012 أبواب التسليم ب 4 ح 2. (3) التهذيب 2: 316 ح 1290، الخصال: 50 ح 59، الوسائل 4: 1000 أبواب التشهد ب 12 ح 1. (4) الفقيه 1: 261 ح 1190، الوسائل 4: 1001 أبواب التشهد ب 12 ح 2.

[ 71 ]

وروى في العيون عن الرضا عليه السلام فيما كتب للمأمون: " من محض الإسلام ولا يجوز أن تقول في التشهد الأول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لأن تحليل الصلاة التسليم، فإذا قلت هذا فقد سلمت (1). وروى أبو بصير في الموثق عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا نسي الرجل أن يسلم، فإذا ولى وجهه عن القبلة وقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقد فرغ من صلاته (2). وقال الشيخ في التهذيب: عندنا أن من قال: السلام علينا في التشهد فقد انقطعت صلاته، فإن قال بعد ذلك: السلام عليكم ورحمة الله جاز، وإن لم يقل جاز أيضا، ذكر ذلك في تسليم ركعتي الوتر (3). ويظهر منه أنه كان مذهب الإمامية وشعارا لهم. ومع ملاحظة ما ذكرنا من الأخبار يثبت الخروج والانصراف بقول " السلام علينا فحينئذ لابد من حمل التسليم في قوله عليه السلام " وتحليلها التسليم (4) على الأعم. وربما يقال: إنه راجع إلى المعهود بين العامة والخاصة، وهو قول " السلام عليكم وذلك يظهر من الأخبار أيضا (5)، كما في موثقة أبي بصير الطويلة، قال في آخرها: " والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم تسلم (6). ويظهر منه أن السلام هو السلام عليكم فقط. وكذا موثقة عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التسليم ما هو ؟


(1) عيون أخبار الرضا (ع) 2: 123، الوسائل 4: 1001 أبواب التشهد ب 12 ح 3. (2) التهذيب 2: 159 ح 626، الوسائل 4: 1010 أبواب التسليم ب 3 ح 1. (3) التهذيب 2: 129. (4) الكافي 3: 69 ح 2، الوسائل 4: 1003 أبواب التسليم ب 1 ح 1. (5) كما في المدارك 3: 436. (6) التهذيب 2: 99 ح 373، الوسائل 4: 989 أبواب التشهد ب 3 ح 2.

[ 72 ]

قال: " هو إذن (1) مع ملاحظة رواية أبي بصير المتقدمة. وكذا ما رواه الفاضلان والشهيد - رحمهم الله - عن جامع البزنطي، عن ابن أبى يعفور، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن تسليم الإمام وهو مستقبل القبلة، قال: " يقول: السلام عليكم (2). وتؤيده صحيحة علي بن جعفر الآتية. وفي صحيحة المعراج الطويلة: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مرة تجاه القبلة (3). ولعل معهودية ذلك بين العامة أكثر، فتكون محللية " السلام علينا مخالفة لمذهبهم كما يشير إليه قول الشيخ " وعندنا كذا (4). مع أنه قد ظهر من رواية أبي بصير أن التسليم هو هذا، وأن " السلام عليكم إذن، وكذا يظهر من بعض الأخبار الاخر. ولعله يمكن إرجاع موثقة يونس بن يعقوب أيضا إلى ذلك قال، قلت لأبى الحسن عليه السلام: صليت بقوم صلاة فقعدت للتشهد ثم قمت ونسيت أن اسلم عليهم، فقالوا: ما سلمت علينا، فقال: " ألم تسلم وأنت جالس قلت: بلى، قال: " لا بأس عليك، ولو نسيت حتى قالوا ذلك استقبلتهم بوجهك فقلت: السلام عليكم (5) فإن الظاهر من قوله " بلى أنه سلم حين جلوسه، ونسيان السلام لا يلائم ذلك، فلابد من كون المراد من قوله عليه السلام ألم تسلم قول السلام علينا، فحينئذ يستقيم معنى الحديث أيضا.


(1) التهذيب 2: 317 ح 1296، الوسائل 4: 1004 أبواب التسليم ب 1 ح 7. (2) المعتبر 2: 236، المنتهى 1: 296، الذكرى: 206، الوسائل 4: 1009 أبواب التسليم ب 2 ح 11. (3) الكافي 3: 482 ح 1، علل الشرائع: 312 ب 1 ح 1، الوسائل 4: 679 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 10. (4) في " ص ": وعندنا، أقول: " كذا " إشارة إلى ما بعد عندنا من الكلام. (5) التهذيب 2: 348 ح 1442، الوسائل 4: 1011 أبواب التسليم ب 3 ح 5.

[ 73 ]

والعجب من بعض المتأخرين استدلاله بهذا الحديث على نفي وجوب السلام (1)، وهو في الدلالة على نقيضه أظهر. وحينئذ فيبقى الكلام في أن الأكثر من القائلين بوجوب السلام يقولون: إن الخروج إنما هو " بالسلام عليكم، وادعى على كونه مخرجا عن الصلاة وأن به ينصرف المصلي الإجماع من علماء الإسلام الفاضلان (2) والشهيد (3). فأما كلام الأكثر فلا حجية فيه من حيث هو كلامهم. وأما الإجماع المنقول فهو لا ينافي ما حققناه، إذ الإجماع في أنه يحصل الخروج بذلك، لا أنه لا يحصل بغيره، وذلك يتحقق إذا أبى المصلي إلا عن القول بالسلام عليكم، أو قدمه على قول السلام علينا، أي جوزنا ذلك. وإن قدم السلام علينا فالحق أنه لا يبقى مجال (4) تأثير لقول " السلام عليكم لأنه مخرج كما حققناه. وبالجملة ما ادعيناه مطلقا، وما ادعوه أيضا مطلقا، ولا يتناقضان أبدا، وما أوردناه من الأدلة لا يثبت التعين، بل يثبت حصول الانصراف مطلقا. وأما الحصر المستفاد من رواية أبي كهمس فهو إضافي بالنسبة إلى السلام عليك أيها النبي. وأما الحصر المذكور في رواية أبي بصير فلعله محمول على أنه إن كنت إماما وأردت القول بكلا اللفظين فالتسليم المعهود الذي هو تحليل الصلاة إنما هو مجموع ذلك القول، ويصير الآخر إذنا، فتأمل. وارتكبنا ذلك للجمع بين الأدلة. ثم إن أكثر القائلين بوجوب التسليم أوجبوا قول " السلام عليكم بل قال في


(1) المدارك 3: 430. (2) المحقق في المعتبر 2: 235، والعلامة في نهاية الإحكام 1: 504. (3) الذكرى: 206. (4) في " ص ": بحال.

[ 74 ]

البيان: إن " السلام علينا لم يوجبه أحد من القدماء (1). وقال في الدروس: إن الموجبين على قول السلام عليكم (2). ونقل في الذكرى قول المحقق بالتخيير بينهما، وقال: إنه قول محدث (3)، ولكنه قواه في موضع آخر (4)، واختاره في الألفية واللمعة (5). وأوجب الفاضل يحيى بن سعيد " السلام علينا وتعين الخروج به (6). وأنكره الشهيد، وقال: إنه خروج عن الإجماع من حيث لا يشعر به قائله (7)، وهو - رحمه الله - إن أراد من التعيين ذلك فله وجه، وإلا فلم يعلم إجماع على ذلك كما ذكرنا. فحينئذ يقع الإشكال من جهة أن ما ينصرف به وتحلل به الصلاة لابد أن يكون واجبا كما حققناه سابقا، والقول بوجوب السلام علينا يناقض تلك الإجماعات المنقولة كما لا يخفى، وأن الأكثر قائلون بوجوب " السلام عليكم وأن القدماء لم يقولوا بوجوب " السلام علينا كما ذكره الشهيد. ومن جهة الأخبار الدالة على أن الانصراف يقع ب‍ " السلام علينا. ويمكن دفعه بأنه لم يثبت الإجماع على وجوب قول " السلام عليكم بالخصوص، ولا على عدم وجوب " السلام علينا مطلقا، وذهاب الأكثر إلى وجوب ذلك. ونقل الشهيد - رحمه الله - عدم ذهاب أحد من القدماء إلى هذا لا يصير حجة


(1) البيان: 177. (2) الدروس 1: 183. (3) الذكرى: 207. (4) الذكرى: 208. (5) الألفية: 62، اللمعة (الروضة البهية) 1: 624. (6) الجامع للشرائع: 84. (7) الذكرى: 208.

[ 75 ]

على شئ، سيما مع اختياره ذلك في اللمعة، وهو آخر تأليفاته. والإشكال إنما يرد إذا قلنا بأن السلام علينا واجب بالخصوص مع تعين تقديمه على قول السلام عليكم فإنه حينئذ لا يبقى تأثير لقول " السلام عليكم، فلم يبق معنى للإجماعات. وأما إذا أوجبناهما (بدون ترتيب أو أوجبناهما) (1) بعنوان التخيير، أو أوجبنا واحدا منهما وأسقطنا المندوب ; فلا تنتفي الثمرة مع ملاحظة ما ذكرنا سابقا. فالذي يقوى في نفسي هو التخيير، كما اختاره المحقق (2)، والعلامة في المنتهى (3)، والشهيد في اللمعة (4)، لعدم إثبات الأخبار وغيرها الانحصار في السلام علينا، أو يثبت ولكنه لابد من التوجيه لمكان المعارض، وللإجماعات المنقولة، والإطلاقات الدالة على كون مطلق السلام أو السلام عليكم مخرجا، فبأيهما بدأ يكون الثاني مستحبا، كخصلتين من خصال الكفارة. والحاصل أن الذي يظهر من الأخبار أن المخرج هو " السلام علينا لكن الإجماعات المنقولة وبعض " الأخبار (5) يلجئنا إلى القول بالتخيير وإخراج بعض الأخبار عن ظاهرها، ومن لم يعتمد على مثل هذه الإجماعات فلابد من أن يقتصر على ما يظهر من الأخبار، ولكني إذا ضاق علي الوقت فلعلي أختار السلام علينا. فالأولى الجمع بينهما، وتقديم " السلام علينا (6)، اقتفاءا لأثر الأخبار، مع اعتقاد الخروج بالأول عن الصلاة. ومن ههنا يتضح مختارنا من كون السلام خارجا عن الصلاة أو داخلا، إذ السلام


(1) مابين القوسين ليس في " ص "، " م ". (2) المعتبر 2: 234. (3) المنتهى 1: 296. (4) اللمعة (الروضة البهية) 1: 624. (5) في " ص ": أخبار آتية. (6) في " م "، " ح ": السلام عليكم.

[ 76 ]

المخرج أيهما كان فهو داخل في الصلاة ; لما ذكرنا في بيان معنى التحليل، ولظاهر بعض الأخبار، ولتصريح موثقة أبي بصير المتقدمة (1)، وغيره خارج عن الصلاة، وهو واضح. واتضح أيضا أن المخرج واجب، والخارج مستحب، ونعم ما قيل: إنه لعله هو السر في دعوى الدخول والخروج والوجوب والاستحباب (2)، وحينئذ فما يدل من بعض الأخبار على كونه خارجا عن الصلاة مثل صحيحة سليمان بن خالد (3) وصحيحة الحسين بن أبي العلاء (4) المتقدمتان (5) في أول مبحث التشهد لابد من حمله على ما يوافق ذلك، بأن يكون المراد من الإتمام الإتمام بالسلام المخرج، وبالسلام السلام الخارج. تتميم: قال العلامة في المنتهى: ولو قال: " السلام عليكم ورحمة الله جاز وإن لم يقل (وبركاته) بلا خلاف (6). ونقل عن أبي الصلاح وجوب ذلك (7). وربما يستدل عليه بصحيحة علي بن جعفر، قال: رأيت إخوتي موسى وإسحاق ومحمد بني جعفر يسلمون في الصلاة على اليمين والشمال السلام عليكم


(1) التهذيب 2: 159 ح 626، الوسائل 4: 1010 أبواب التسليم ب 3 ح 1. (2) الوحيد البهبهاني في حاشيته على المدارك: 207. (3) التهذيب 2: 158 ح 618، الاستبصار 1: 362 ح 1374، الوسائل 4: 995 أبواب التشهد ب 7 ح 3 (4) التهذيب 2: 159 ح 623، الوسائل 4: 996 أبواب التشهد ب 7 ح 5. (5) في " م "، " ح ": المتقدمات. (6) المنتهى 1: 296. (7) الكافي في الفقه: 119.

[ 77 ]

ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله (1). وليس بشئ، وكثير من الأخبار خال عنه (2). وعن ابن زهرة مع ذلك وجوب (وبركاته) أيضا (3). والظاهر كفاية (السلام عليكم) وفاقا للصدوق وابن الجنيد وابن أبي عقيل (4)، والاحتياط في قول ابن زهرة. والوجه الاقتصار على المنقول في الأخبار من قول (السلام عليكم) فيشكل الاقتصار بقول (سلام عليكم) ونحو ذلك. وهل يعتبر في التسليم قصد الخروج ؟ نقل عن المبسوط أنه ينبغي ذلك (5)، وعن بعض الأصحاب وجوب ذلك (6)، والأصل عدمه، ووجهه غير معلوم، وسبيل الاحتياط واضح. الثاني: مذهب الأصحاب أن المنفرد يكتفي بتسليمة واحدة مستقبل القبلة، والمشهور أنه مع ذلك يومئ بمؤخر عينه (7) إلى يمينه. ويدل على ذلك صحيحة عبد الحميد بن عواض، عن الصادق عليه السلام، قال: (إن كنت تؤم قومك أجزأك تسليمة واحدة عن يمينك، وإن كنت مع إمام فتسليمتين، وإن كنت وحدك فواحدة مستقبل القبلة) (8).


(1) التهذيب 2: 317 ح 1297، الوسائل 4: 1007 أبواب التسليم ب 2 ح 2. (2) الوسائل 4: 1007 أبواب التسليم ب 2. (3) الغنية (الجوامع الفقهية): 559. (4) الفقيه 1: 210، ونقله عن ابن الجنيد وابن أبي عقيل في المنتهى 1: 296. (5) المبسوط 1: 116. (6) انظر جامع المقاصد 2: 328. (7) مؤخر العين: ما يلي الصدغ، ومقدمها طرفها الذي يلي الأنف (المصباح المنير 1: 7). (8) التهذيب 2: 92 ح 345، الاستبصار 1: 346 ح 1303، الوسائل 4: 1007 أبواب التسليم ب 2 ح 3.

[ 78 ]

ورواية أبي بصير المتقدمة (1)، وإطلاق صحيحة الرهط الآتية (2). وموثقة سماعة عنه عليه السلام، قال: (إذا انصرفت من الصلاة فانصرف عن يمينك) (3). وما رواه البزنطي في جامعه، عن أبي بصير قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا كنت وحدك فسلم تسليمة واحدة عن يمينك) (4). وقد يناقش في دلالة تلك الأخبار على الإيماء بمؤخر العين إلى اليمين. ويمكن دفعها بأن المراد من التسليم ههنا لعله هو المحلل، لكونه أقل الواجب، فإذا كان هو فيكون واجبا كما ذكرنا، وداخلا في الصلاة كما عرفت، فحينئذ يجب أن لا يفعل فيه ما ينافي الصلاة. ولا يخفى أن التسليم عن اليمين والانصراف عن اليمين والتسليم على اليمين وعلى من كان في اليمين إلى غير ذلك مما ورد في الأخبار يستلزم التفاتا إلى اليمين كما هو طريقة السلام وظاهر اسلوب مثل هذا الكلام. ولعل الالتفات بالجنان غير متفاهم العرف، وغير منساق إلى الوجدان، فانحصر في الحسي. ولما كان الانحراف عن القبلة في الصلاة حراما، وكذا الالتفات إلى غير جهتها من دون تحريف عنها مكروها، فالقدر المتيقن من الرخصة الحاصلة بسبب هذه الأخبار المعمول بها عند الأصحاب هو ذلك، ولعل النكتة في استحبابه هي الإشعار بالانصراف حينئذ. ويظهر الاكتفاء بإشارة العين ونحوها من رواية الفضل بن شاذان في العلل،


(1) التهذيب 2: 93 ح 349، الاستبصار 1: 347 ح 1307، الوسائل 4: 1008 أبواب التسليم ب 2 ح 8. (2) التهذيب 2: 93 ح 348، الاستبصار 1: 346 ح 1306، الوسائل 4: 1007 أبواب التسليم ب 2 ح 5. (3) الكافي 3: 338 ح 8، التهذيب 2: 317 ح 1294، الوسائل 4: 1008 أبواب التسليم ب 2 ح 10. (4) المعتبر 2: 237، الوسائل 4: 1009 أبواب التسليم ب 2 ح 12.

[ 79 ]

التي رواها عن الرضا عليه السلام أيضا وستأتي. وعلى هذا يبقى الكلام في أن الظاهر من هذه التسليمات في هذه الأخبار وغيرها هو (السلام عليكم) لكونه المناسب للسلام على الغير، وهذا أيضا مما يؤيد القول بوجوبه بل وتعينه. وأقول: لا منافاة بين ذلك وإرادة (1) القدر المشترك من السلام المخرج كما أثبتناه بالأدلة سابقا، سيما وفي الأغلب لا يلزم وجود أحد عن يمين المنفرد ليسلم عليه، بل الظاهر من السلام على من في اليمين هو الاختصاص بالمأموم على أنا نقول: كما أن (السلام عليكم) يصلح للتسليم على الغير، فكذلك (السلام علينا) بل هو أقرب لو كان واحدا، وقد عرفت أيضا قوله عليه السلام في موثقة أبي بصير المتقدمة سابقا: (فإذا ولى وجهه عن القبلة وقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقد فرغ من صلاته). ومن مجموع ما ذكرنا حصل أن لا وجه لقول من يستدل بتلك الالتفاتات على كون السلام خارجا عن الصلاة. ثم ما عرفت من أن المراد بالتسليم التسليم المخرج ظاهرا، وأن ذلك المذكور من الاستحباب يتأدى به في الجملة لا ينافي ما لو جمع بين اللفظين وأدى تلك الاستحبابات باللفظة الأخيرة، لإطلاق التسليم. ولكنه يشكل بما في الأخبار من أنه ينصرف عن يمينه ونحو ذلك من الظواهر (2)، فإن وصف الانصراف مطلوب في إرادة التسليم من لفظ الانصراف كما هو ظاهر. وهكذا الظاهر من قولهم عليهم السلام (يسلم عن يمينه) (3) ونحو ذلك ظاهر في إرادة المخرج، فإرادة المطلق من المقيد لا وجه لها.


(1) وإرادة يعني: وبين إرادة. (2 و 3) الوسائل 4: 1007 أبواب التسليم ب 2.

[ 80 ]

وأيضا الوجه الذي ذكرنا لتوجيه الإيماء بمؤخر العين إنما يناسب إرادة المخرج. ولعله يمكن دفع الأخير بأن مراد الفقهاء بيان ما يجري في جميع الموارد ويجوز تحققه فيها ويتأدي المستحب في ضمنه وإن لم تكن في بعض الصور مراعاة ذلك واجبة، كما لو تلفظ بهما، ولكن الإشكال من جهة الأخبار بعد باق بحاله، فالدليل على ذلك لعله الإجماع. وأما قولهم عليهم السلام: (التسليمة الواحدة والتسليمتين) فالمراد به الوحدة والتعدد الشخصي لا النوعي ; فلا تغفل. والذي يختلج بالبال من العناية في التوجيه وجهان: الأول: إنا لما بنينا الأمر ههنا على التخيير بين اللفظين فيكونا هما معا أحد أفراد الواجب التخييري وأفضلها. فالمحلل قد يكون اللفظ الأول، وقد يكون الثاني، وقد يكون هما معا، بمعنى تحققه بالمجموع، فيصدق على المجموع أيضا أنه مخرج ولو باعتبار أحدهما، ويحصل الانصراف به، فيتم التقريب، لأن حصول الاستحباب المذكور بالمجموع يكفي فيه حصوله باللفظ الآخر، فتأمل. الثاني: إن في رواية أبي بصير إشعارا بأن المأموم بعد قول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين يسلم على من على يمينه وشماله، وفي سوق الرواية لهذا أيضا تأييد فلاحظها، فإذا ثبت ذلك فلا قائل بالفصل، ولكن إثبات ذلك مشكل فتفكر. ويستحب للإمام أيضا ما يستحب للمنفرد على المشهور، إلا أنه يومئ بصفحة وجهه، وتدل عليه صحيحة عبد الحميد المتقدمة (1). وصحيحة منصور قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: (الإمام يسلم واحدة،


(1) المتقدمة ص 77، وهي في التهذيب 2: 92 ح 345، الاستبصار 1: 346 ح 1303، الوسائل 4: 1007 أبواب التسليم ب 2 ح 3.

[ 81 ]

ومن وراءه يسلم اثنتين، فإن لم يكن عن شماله أحد سلم واحدة) (1). ورواية أبي بصير المتقدمة. ولم أجد للتفرقة بمؤخر العين وصفحة الوجه وجها، ويمكن أن يقال: إن في موثقة يونس بن يعقوب وموثقة أبي بصير المتقدمتين دلالة على ذلك مع ضرب من التوجيه فتدبر، ورواية المفضل الآتية تثبت ما يقرب من عكس ذلك. ونقل عن ابن الجنيد القول بأنه لو كان داخل الصف سلم عن جانبيه (2)، وربما كان في صحيحة علي بن جعفر السابقة تأييد له. قال في الذكرى بعد نقلها: ويبعد أن تختص الرواية بهم مأمومين لا غير، بل الظاهر الإطلاق، وخصوصا منهم الإمام عليه السلام، ففيه دلالة على استحباب التسليمتين للإمام والمنفرد أيضا، غير أن الأشهر الوحدة فيهما (3). وقال الفاضل المجلسي في شرح الفقيه: ولعله رآهم خلف أبيه مأمومين (4). ويستحب للمأموم التسليم عن الجانبين إذا كان على يساره أحد، وإلا فعن يمينه على المشهور، لصحيحتي عبد الحميد ومنصور المتقدمتين، ورواية أبي بصير المتقدمة. وصحيحة عنبسة بن مصعب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقوم في الصف خلف الإمام وليس على يساره أحد، كيف يسلم ؟ قال: (يسلم واحدة عن يمينه) (5). وأما ما رواه زرارة ومحمد بن مسلم وغيرهما في الصحيح عن الباقر عليه السلام، قال: (يسلم تسليمة واحدة، إماما كان أو غيره) (6) فحمل


(1) التهذيب 2: 93 ح 346، الاستبصار 1: 346 ح 1304، الوسائل 4: 1007 أبواب التسليم ب 2 ح 4. (2) نقله عنه في الذكرى: 208. (3) الذكرى: 208 وفيه: فيها، بدل فيهما. (4) روضة المتقين 2: 358. (5) التهذيب 2: 93 ح 347، الوسائل 4: 1008 أبواب التسليم ب 2 ح 6. (6) التهذيب 2: 93 ح 348، الاستبصار 1: 346 ح 1306، الوسائل 4: 1007 أبواب التسليم ب 2 ح 5.

[ 82 ]

على الرخصة. واكتفى ابن بابويه في استحباب التسليمتين بوجود الحائط من يسار المصلي، وكذا أبوه (1). والمشهور أنه أيضا يومئ بصفحة وجهه. ثم إن الصدوق - رحمه الله - أيضا أضاف إلى التسليمتين تسليمة اخرى أولا ردا على الإمام، وقال أيضا: إن الإمام يميل بعينه إلى اليمين، والمنفرد بأنفه (2). وكل ما ذكره - رحمه الله - مذكور فيما رواه في العلل بإسناده عن المفضل بن عمر، إلا أن المذكور فيها في حكاية الحائط قلت: فلم يسلم المأموم ثلاثا ؟ قال: (تكون واحدة ردا على الإمام، وتكون عليه وعلى ملكيه، وتكون الثانية على يمينه والملكين الموكلين به، وتكون الثالثة على من على يساره والملائكة الموكلين به، ومن لم يكن على يساره أحد لم يسلم على يساره، إلا أن يكون يمينه إلى الحائط ويساره إلى المصلي معه خلف الإمام فيسلم على يساره) (3). وهو مخالف لظاهر كلام الصدوق كما فهمه الأصحاب، وحكموا بأنه لا حجة له، ولعله ينبغي إرجاع كلامه - رحمه الله - إلى ظاهر الخبر، لأن الظاهر من سياق كلامه - رحمه الله - هذا أنه أخذه من هذا الخبر، وأما مخالفاته للمشهور فلابد من التوجيه أو الطرح. ويستحب القصد بالتسليم على الأنبياء والأئمة والحفظة والمأمومين، ويستفاد هذا من الأخبار، كصحيحة المعراج، قال: (ثم التفت فإذا بصفوف من الملائكة والمرسلين والنبيين، فقيل: يا محمد سلم عليهم، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأوحى الله إليه: أنا السلام، والرحمة والبركات أنت وذريتك، ثم أوحى


(1) الفقيه 1: 210، ونقله عنه وعن والده في الذكرى: 208. (2) الفقيه 1: 210 ذ. ح 944. (3) علل الشرائع: 359 ب 77 ح 1، الوسائل 4: 1009 أبواب التسليم ب 2 ح 15.

[ 83 ]

وبركاته فأوحى الله إليه: أنا السلام، والرحمة والبركات انت وذريتك ثم اوحى الله إليه ان لا يلتفت يسارا) (1) وهذا ينفي ما ذكره الشهيد في الذكرى في ذيل صحيحة علي بن جعفر. وأما التسليم على المأمومين، ورد المأموم على الإمام، وقصد الملائكة والحفظة أيضا ; فكل هذا يظهر من رواية المفضل أيضا، مضافا إلى أن الأنبياء والرسل والملائكة المقربين وجبرئيل وميكائيل كلهم مذكورون في أدعية التشهد، كما في موثقة أبي بصير الطويلة (2). وقد يقال باستحباب قصد المسلمين من الجن والإنس (3)، ولا بعد فيه، سيما في قوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ويستحب أيضا أن يترجم الإمام للمأمومين بالسلامة والأمان من العذاب، فروى في الفقيه مرسلا عن الصادق عليه السلام: أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى قول الإمام السلام عليكم، فقال: (إن الإمام يترجم عن الله عزوجل ويقول في ترجمته لأهل الجماعة: أمان لكم من عذاب الله يوم القيامة) (4) وفي رواية المفضل بن عمر (إنه يقول لمن خلفه: سلمتم وآمنتم من عذاب الله عزوجل (5). وقيل: يجب أن يقصد المأموم بالاولى الرد على الإمام (6)، لقوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) (7)


(1) الكافي 3: 482 ح 1، علل الشرائع: 312 ب 1 ح 1، الوسائل 4: 679 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 10. (2) التهذيب 2: 99 ح 373، الوسائل 4: 989 أبواب التشهد ب 3 ح 2. (3) القواعد 1: 279. (4) الفقيه 1: 210 ح 945، الوسائل 4: 1013 أبواب التسليم ب 4 ح 4. (5) علل الشرائع: 359 ب 77 ح 1، الوسائل 4: 1009 أبواب التسليم ب 2 ح 15. (6) الفقيه 1: 210، المقنع (الجوامع الفقهية): 8. (7) النساء: 86.

[ 84 ]

وفيه إشكال، للعموم، ولعدم الانصراف إلى ذلك، لاشتراكه بين الشاهد والغائب، وغرض الإيذان والتحليل. وكذلك في رد أحد المأمومين على الآخر، ولعل إلى بعض ما ذكر يرجع كلام الصدوق، ولكن اتكاله (1) على النص كما ذكرنا. الثالث: المعهود من حال السلف والأئمة عليهم السلام أن النافلة كلها ركعتين ركعتين، ولا يجوز الخروج عما ثبت توظيفه من الشارع مما يتوقف توظيفه على الوصول منه للزوم التشريع، وهو المشهور المعروف بين الأصحاب، وتدل عليه أيضا رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي النافلة، هل يصلح له أن يصلي أربع ركعات لا يفصل بينهن ؟ قال: (لا، إلا أن يسلم بين كل ركعتين) (2). واستثنوا من ذلك مقامين، الأول: نافلة الوتر، فإن المستفاد من الأخبار المستفيضة أن الوتر اسم للثلاث الركعات (3)، فإن بنينا على ما هو المعروف من مذهب الأصحاب وهو الحق من لزوم الفصل ; فالمخالفة من جهة أن التسليم هنا ثبت في ركعة واحدة، ولو بنينا على احتمال التخيير كما يميل إليه جماعة من متأخري أصحابنا (4) فالمخالفة من جهة وقوع السلام في الثالثة. والحق في المسألة لزوم الفصل، للصحاح المستفيضة، ففي صحيحة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: (الوتر ثلاث ركعات، ثنتين مفصولة وواحدة) (5)


(1) في " ص ": إشكاله. (2) قرب الإسناد: 90، الوسائل 3: 45 أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 2. (3) الوسائل 3: 45 أبواب أعداد الفرائض ب 15. (4) كصاحب المدارك 3: 18. (5) التهذيب 2: 127 ح 485، الاستبصار 1: 348 ح 1311، الوسائل 3: 47 أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 10.

[ 85 ]

وفي صحيحة سعد بن سعد، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الوتر أفصل أم وصل ؟ قال: (فصل) (1). وفي صحيحة معاوية بن عمار قال، قال لي: (اقرأ في الوتر في ثلاثتهن بقل هو الله أحد، وسلم في الركعتين توقظ الراقد وتأمر بالصلاة) (2) إلى غير ذلك من الصحاح وغيرها (3). وتدل على التخيير صحيحة يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التسليم في ركعتي الوتر فقال: (إن شئت سلمت، وإن شئت لم تسلم (4) ومثلها صحيحة معاوية بن عمار (5). وحملتا على التقية (6) مع أنهما وما يؤيدهما من بعض الأخبار الضعيفة (7) لا تقاوم الصحاح المستفيضة وغيرها مع اعتضادها بعمل الأصحاب والطريقة المستمرة، وقد يوجه بتوجيهات اخر بعيدة. الثاني: صلاة الأعرابي ; ونسب استثناؤها إلى المشهور بين المتأخرين، وهي كالصبح والظهرين في الترتيب والتسليم، ومستنده ما رواه الشيخ في المصباح عن زيد بن ثابت، قال: أتى رجل من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنا نكون في هذه البادية بعيدا من المدينة، ولا نقدر أن نأتيك في كل جمعة، فدلني على عمل فيه فضل صلاة الجمعة إذا مضيت إلى أهلي أخبرتهم به، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله:


(1) التهذيب 2: 128 ح 492، الوسائل 3: 47 أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 12. (2) التهذيب 2: 128 ح 488، الوسائل 3: 46 أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 7. (3) الوسائل 3: 45 أبواب أعداد الفرائض ب 15. (4) التهذيب 2: 129 ح 494، الوسائل 3: 48 أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 16. (5) التهذيب 2: 129 ح 495، الوسائل 3: 48 أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 17. (6) التهذيب 2: 129. (7) التهذيب 2: 129 ح 496، الوسائل 3: 48 أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 18.

[ 86 ]

(إذا كان ارتفاع النهار فصل ركعتين تقرأ في أول ركعة الحمد مرة وقل أعوذ برب الفلق سبع مرات، واقرأ في الثانية الحمد مرة وقل أعوذ برب الناس سبع مرات، ثم قم فصل ثماني ركعات بتسليمتين واقرأ في كل ركعة منها الحمد مرة وإذا جاء نصر الله مرة وقل هو الله أحد خمسا وعشرين مرة، فإذا فرغت من صلاتك فقل: سبحان الله رب العرش الكريم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سبعين مرة، فوالذي اصطفاني بالنبوة ما من مؤمن ولا مؤمنة يصلي هذه الصلاة يوم الجمعة كما أقول إلا وأنا ضامن له الجنة، ولا يقوم من مقامه حتى يغفر له ذنوبه ولأبويه ذنوبهما) (1) تمام الخبر. وروى فيه بعض الصلوات الاخر في يوم الجمعة، والروايات فيها مطلقة بأربع ركعات، ولابد من توجيهها وحملها على المفصولة.


(1) مصباح المتهجد: 281، الوسائل 5: 57 أبواب صلاة الجمعة ب 39 ح 3.

[ 87 ]

المقصد العاشر في التعقيب وفيه مباحث: الأول: قال في الصحاح: التعقيب في الصلاة، الجلوس بعد أن يقضيها لدعاء أو مسألة (1). ونحوه قال ابن فارس (2)، وفي معناه قال في القاموس (3)، ويقرب من ذلك كلام ابن الأثير (4)، وبالجملة الظاهر منهم اعتبار الجلوس. وقد نقل عن بعض الأصحاب أنه فسره بالاشتغال عقيب الصلاة بدعاء أو ذكر أو ما أشبه ذلك (5). ولعل ما أشبهه القرآن، والتفكر في صنائع الله، والتذكر لآلائه، والبكاء من


(1) الصحاح 1: 186. (2) معجم مقاييس اللغة 4: 82، المجمل 3: 392. (3) القاموس المحيط 1: 110. (4) النهاية لابن الأثير 3: 267. (5) حكاه في الحبل المتين: 259، والذخيرة: 295، والبحار 82: 314.

[ 88 ]

خوف نقماته، وغير ذلك، ولعل ما ذكره - رحمه الله - هو الوجه. وفي مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب) قال الصادق عليه السلام: (وهو الدعاء في دبر الصلاة وأنت جالس) (1) وفي كلمة الفاء إشعار بعدم الفصل. وفي صحيحة هشام بن سالم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أخرج في الحاجة وأحب أن أكون معقبا، فقال: (إن كنت على وضوء فأنت معقب) (2). وروى في الفقية مرسلا عن الصادق عليه السلام: (المؤمن معقب مادام على الوضوء (3). واستحبابه إجماعي بين المسلمين، والأخبار به متواترة، فروى شهاب بن عبد ربه وعبد الله بن سنان كلاهما في الصحيح، عن الوليد بن صبيح، عن أبى عبد الله عليه السلام، قال: (التعقيب أبلغ في طلب الرزق من الضرب في البلاد) يعني بالتعقيب: الدعاء بعقيب الصلوات (4). وروى زرارة في الصحيح عن الباقر عليه السلام، قال: (الدعاء بعد الفريضة أفضل من الصلاة تنفلا، وبذلك جرت السنة) (5). ولابد من حمله على غير الرواتب، لأنها أهم، سيما وما يفعل بعد الفريضة منها هو نافلة المغرب وفيها غاية التأكيد والتشديد، بل وربما يقال بلزوم تقديمها على التعقيب كما سيجئ. وروى بزرج في المرسل عن الصادق عليه السلام، قال: (من صلى صلاة


(1) مجمع البيان 5: 772. (2) الفقيه 1: 216 ح 963، التهذيب 2: 320 ح 1308، الوسائل 4: 1034 أبواب التعقيب ب 17 ح 1. (3) الفقيه 1: 359 ح 1576، الوسائل 4: 1034 أبواب التعقيب ب 17 ح 2. (4) التهذيب 2: 104 ح 391 الوسائل 4: 1013 أبواب التعقيب ب 1 ح 1. (5) الفقيه 1: 216 ح 962، الوسائل 4: 1019 أبواب التعقيب ب 5 ح 1.

[ 89 ]

فريضة وعقب إلى اخرى فهو ضيف الله، وحق على الله أن يكرم ضيفه) (1). وأفضل التعقيبات تسبيح الزهراء صلوات الله عليها، والأخبار في فضله في غاية الكثرة، ففي صحيحة عبد الله بن سنان قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: (من سبح تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام قبل أن يثني رجليه من صلاة الفريضة غفر له، ويبدأ بالتكبير (2). وروى أبو هارون المكفوف عنه عليه السلام، قال: (يا أبا هارون إنا نأمر صبياننا بتسبيح فاطمة عليها السلام، كما نأمرهم بالصلاة، فالزمه، فإنه لم يلزمه عبد فشقي) (3). وروى عقبة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (ما عبد الله بشئ من التمجيد أفضل من تسبيح فاطمة عليها السلام، ولو كان شئ أفضل منه لنحله رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام) (4). وروى أبو خالد القماط قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: (تسبيح فاطمة عليها السلام في كل يوم في دبر كل صلاة أحب إلي من صلاة ألف ركعة في كل يوم) (5) والمشهور في ترتيبه هو ما رواه محمد بن عذافر في الصحيح على الظاهر، فإن


(1) الكافي 3: 341 ح 3، التهذيب 2: 103 ح 388، المحاسن: 51 ب 57 ح 75، الوسائل 4: 1014 أبواب التعقيب ب 1 ح 5، وبزرج هو منصور بن يونس. (2) الكافي 3: 342 ح 6، الفقيه 1: 210 ح 946، التهذيب 2: 105 ح 395، ثواب الأعمال: 197 ح 4، الوسائل 4: 1021 أبواب التعقيب ب 7 ح 1. (3) الكافي 3: 343 ح 13، التهذيب 2: 105 ح 397، أمالي الصدوق: 464 ح 16، ثواب الأعمال: 195 ح 1، الوسائل 4: 1022 أبواب التعقيب ب 8 ح 2. (4) الكافي 3: 343 ح 14، وفي التهذيب 2: 105 ح 398، والوسائل 4: 1024 أبواب التعقيب ب 9 ح 1 الرواية عن صالح بن عقبة. (5) الكافي 3: 343 ح 15، التهذيب 2: 105 ح 399، ثواب الأعمال: 196، الوسائل 4: 1024 أبواب التعقيب ب 9 ح 2.

[ 90 ]

فيه عمرو بن عثمان، ولعله الثقفي الثقة بقرينة رواية أحمد عنه (وكأنه البرقي) (1) قال: دخلت مع أبي على أبي عبد الله عليه السلام، فسأله أبي عن تسبيح فاطمة عليها السلام، فقال: (الله أكبر) حتى أحصى أربعا وثلاثين مرة، ثم قال: (الحمد الله) حتى بلغ سبعا وستين مرة، ثم قال: (سبحان الله) حتى بلغ مائة يحصيها بيده جملة واحدة (2). وأبو بصير في القوي عنه عليه السلام، قال في تسبيح فاطمة عليها السلام: (تبدأ بالتكبير أربعا وثلاثين، ثم التحميد ثلاثا وثلاثين، ثم التسبيح ثلاثا وثلاثين) (3). ورواية هشام بن سالم عنه عليه السلام قال: (تسبيح فاطمة الزهراء إذا أخذت مضجعك فكبر الله أربعا وثلاثين، واحمده ثلاثا وثلاثين) (4) الحديث. ونقل عن الصدوق القول بتقديم التسبيح على التحميد (5)، ويدل عليه ظاهر ما رواه في الفقيه مرسلا، عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث طويل، فقال صلى الله عليه وآله: (أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم، إذا أخذتما منامكما فكبرا أربعا وثلاثين تكبيرة، وسبحا ثلاثا وثلاثين تسبيحة، واحمدا ثلاثا وثلاثين تحميدة) (6) الحديث. وما رواه داود بن فرقد في الصحيح، عن أخيه: أن شهاب بن عبد ربه سأله أن يسأل أبا عبد الله عليه السلام قال، وقل له: إن امرأة تفزعني في المنام بالليل فقال،


(1) في " ص ": كالبرقي. (2) الكافي 3: 342 ح 8، التهذيب 2: 105 ح 400، المحاسن: 36 ح 35، الوسائل 4: 1024 أبواب التعقيب ب 10 ح 1. (3) الكافي 3: 342 ح 9، التهذيب 2: 106 ح 401، الوسائل 4: 1025 أبواب التعقيب ب 10 ح 2. (4) الكافي 2: 390 ح 6، الوسائل 4: 1029 أبواب التعقيب ب 12 ح 10. (5) الفقيه 1: 210، ونقله عنه في المدارك 3: 453. (6) الفقيه 1: 211 ح 947، الوسائل 4: 1026 أبواب التعقيب ب 11 ح 2.

[ 91 ]

قل له: (اجعل سباحا، فكبر الله أربعا وثلاثين تكبيرة، وسبح الله ثلاثا وثلاثين، واحمد الله ثلاثا وثلاثين) (1). وما رواه الشيخ في باب فضل شهر رمضان، عن المفضل بن عمر، عنه عليه السلام: في جملة حديث طويل: (فإذا سلمت في الركعتين سبح تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام، وهو الله أكبر أربعا وثلاثين مرة، وسبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة، فوالله لو كان شئ أفضل منه لعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله إياها) (2). ويمكن أن يقال: الواو لا تدل على الترتيب، فلا ينافي المشهور، فالاعتماد على المشهور. وقال بعض المتأخرين: والتخيير مطلقا وجه وجيه، وأراد بالإطلاق حين النوم وما بعد الصلاة، وغيرهما، قال: وربما يشعر به قول الصادق عليه السلام في الأخبار الماضية (وتبدأ بالتكبير)، فإن سكوته عن ترتيب الأخيرين دليل على الخيار (3). ويدفع كلامه قوية أبي بصير، لمكان (ثم) بعد قوله عليه السلام تبدأ بالتكبير، وكذا صحيحة ابن عذافر على الظاهر. ويستحب أن يقول بعد تمامه (لا إله إلا الله) مرة، فقد روى الكليني عن الصادق عليه السلام قال: (من سبح الله في دبر الفريضة تسبيح فاطمة المائة مرة وأتبعها بلا إله إلا الله مرة غفر له) (4).


(1) الكافي 2: 390 ح 7، الوسائل 4: 1028 أبواب التعقيب ب 12 ح 9. (2) التهذيب 3: 66 ح 218، الوسائل 4: 1025 أبواب التعقيب ب 10 ح 3. (3) البحار 82: 340 (4) الكافي 3: 342 ح 7، التهذيب 2: 105 ح 396، المحاسن: 36 ح 34، الوسائل 4: 1021 أبواب التعقيب ب 7 ح 3.

[ 92 ]

ويظهر من بعض الأخبار أفضلية الدعاء من القرآن، بل ومن الصلاة أيضا، والظاهر عدم التفرقة في حال التعقيب وغيره. والأخبار مذكورة في ذكر فضل الدعاء في الكافي والتهذيب، ففي صحيحة عبيد بن زرارة عن الصادق عليه السلام: إنه سأله عن رجلين قام أحدهما يصلي حتى أصبح، والآخر جالس يدعو، أيهما أفضل ؟ قال: (الدعاء أفضل) (1). وفي صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجلين افتتحا الصلاة في ساعة واحدة، فتلا هذا القرآن، فكانت تلاوته أكثر من دعائه، ودعا هذا أكثر، فكان دعاؤه أكثر من تلاوته، ثم انصرفا في ساعة واحدة، أيهما أفضل ؟ قال: (كل فيه فضل، كل حسن) قلت: إني قد علمت أن كلا حسن، وأن كلا فيه فضل، فقال: (الدعاء أفضل، أما سمعت قول الله عزوجل (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (2) هي والله العبادة، هي والله أفضل، هي والله أفضل، أليست هي العبادة، هي والله العبادة، هي والله العبادة، أليست هي أشدهن، هي والله أشدهن، هي والله أشدهن) (3). ويستحب أن يبتدئ بثلاث تكبيرات رافعا بها كفيه حيال وجهه مستقبلا بظهرهما وجهه وببطنهما القبلة، واضعا لهما في كل مرة على فخذيه، أو قريب منهما كما ذكروه. وقال في المنتهى: أفضل ما يقال ما نقل عن أهل البيت عليهم السلام، وهو أنه إذا سلم كبر ثلاثا، يرفع يديه إلى شحمتي اذنيه قبل أن يثني رجليه (4).


(1) التهذيب 4: 331 ح 1034، الوسائل 4: 1020 أبواب التعقيب ب 5 ح 3. (2) غافر: 6. (3) التهذيب 2: 104 ح 394، مستطرفات السرائر 3: 551، الوسائل 4: 1020 أبواب التعقيب ب 6 ح 1. (4) المنتهى 1: 301.

[ 93 ]

وروى ذلك ابن طاوس في فلاح السائل بروايتين (1)، والذي تضمنتاه هو رفع اليدين بالتكبير ثلاثا بعد التسليم. ويستحب أن يأتي بالموجبتين، لحسنة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: (لا تنسوا الموجبتين) أوقال: (عليكم بالموجبتين في دبر كل صلاة) قلت: ما الموجبتان ؟ قال: (يسأل الله الجنة، ويعوذ بالله من النار) (2). وأن يقرأ كل يوم بعد صلاة الصبح خمسين آية من القرآن، لصحيحة معمر بن يحيى (3). وأما تفصيل التعقيبات والأذكار المأثورة عقيب الصلاة فهو ليس وظيفة هذا المختصر، بل هو محمول على ما ألفه أصحابنا رضوان الله عليهم في هذا النمط. قيل: ويستحب أن يكون جلوسه في التعقيب كجلوسه في التشهد، متوركا، مستقبل القبلة، ملازما لمصلاه، مستديما طهارته، متجنبا كل ما يبطل الصلاة أو ينقص ثوابها، فقد روي (أن ما يضر بالصلاة يضر بالتعقيب) (4). وأقول: أكثر ما ذكره يظهرمن بعض ما قدمنا ذكره ومن غيره، ولم أطلع على ما ذكره من الرواية مسندا. نعم في مفتاح الفلاح لشيخنا البهائي - رحمه الله - روى أن ما يضر بالصلاة يضر بالتعقيب (5). وفي الذكرى: ورد أن المعقب يكون على هيئة المتشهد في الاستقبال و التورك،


(1) حكاه عن فلاح السائل في البحار 86: 22 ح 22، مستدرك الوسائل 5: 51 أبواب التعقيب ب 12 ح 3، 4. (2) الكافي 3: 343 ح 19، التهذيب 2: 108 ح 408، معاني الأخبار: 183، الوسائل 4: 1039 أبواب التعقيب ب 22 ح 1 (3) التهذيب 2: 138 ح 537، الوسائل 4: 1048 أبواب التعقيب ب 25 ح 2. وفيهما: معمر بن خلاد بدل معمر بن يحيى. (4) الحبل المتين: 259. (5) مفتاح الفلاح: 66.

[ 94 ]

وأن ما يضر بالصلاة يضر بالتعقيب (1)، ويظهر من بعض الأخبار أنه يستديم على قعوده كما كان في الصلاة (2). وحينئذ فهل ينسحب هذا الحكم في المغرب أيضا، أو تقدم نافلته على التعقيب ؟. قال المفيد في المقنعة: إن الأولى القيام إلى نافلة المغرب عند الفراغ منها قبل التعقيب، وتأخيره إلى أن يفرغ من النافلة (3)، واستدل له برواية أبي العلاء الخفاف، عن جعفر بن محمد عليه السلام، قال: (من صلى المغرب ثم عقب ولم يتكلم حتى يصلي ركعتين كتبتا له في عليين، فإن صلى أربعا كتبت له حجة مبرورة) (4) ولا دلالة لها على المطلوب كما لا يخفى. وقال الشهيد في الذكرى: الأفضل المبادرة بها - يعني نافلة المغرب - قبل كل شئ سوى التسبيح، ونسب ذلك إلى المفيد أيضا (5)، واستدل عليه بأن النبي صلى الله عليه وآله فعل كذلك، فإنه لما بشر بالحسن عليه السلام صلى ركعتين بعد المغرب شكرا، فلما بشر بالحسين عليه السلام صلى ركعتين ولم يعقب حتى فرغ منها (6). والخبر وإن كان ضعيفا لكنه لا مانع من العمل به في مثل هذا المقام، ولكن ظاهره يثبت التقديم على التسبيح أيضا، وهو معارض بالأخبار المعتبرة التي تتضمن ذكر التسبيح قبل أن يثني رجليه، والتخصيص به مشكل، فيقتصر على غيره.


(1) الذكرى: 212. (2) انظر الوسائل 4: 1035 أبواب التعقيب ب 18. (3) المقنعة: 116. (4) الفقيه 1: 143 ح 664، التهذيب 2: 113 ح 422، ثواب الأعمال: 69 ح 2، أمالي الصدوق: 469 ح 4، الوسائل 4: 1057 أبواب التعقيب ب 30 ح 2. (5) الذكرى: 124، وانظر المقنعة: 117. (6) الفقيه 1: 289 ح 1319، التهذيب 2: 113 ح 424، الوسائل 3: 64 أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 24 ح 6.

[ 95 ]

الثاني: تستحب سجدتا الشكر عقيب الصلاة شكرا على التوفيق لأدائها، قال في التذكرة: إنه مذهب علمائنا خلافا للجمهور (1). ويدل على ذلك روايات كثيرة، ففي صحيحة مرازم عن الصادق عليه السلام، قال: (سجدة الشكر واجبة على كل مسلم، تتم بها صلاتك، ويرضى بها ربك، وتعجب الملائكة منك، وأن العبد إذا صلى ثم سجد سجدة الشكر فتح الرب تبارك وتعالى الحجاب بين العبد وبين الملائكة، ويقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي، أدى فرضي، وأتم عهدي، ثم سجد لي شكرا على ما أنعمت به عليه، ملائكتي ماذا له عندي ؟ قال، فتقول الملائكة: يا ربنا رحتمك، ثم يقول الرب تبارك وتعالى: ثم ماذا له ؟ فتقول الملائكة: يا ربنا جنتك، ثم يقول الرب تبارك وتعالى: ثم ماذا له ؟ فتقول الملائكة: يا ربنا كفاية مهمه، فيقول الله تبارك وتعالى: ثم ماذا ؟ قال: فلا يبقى شئ من الخير إلا قالته الملائكة، فيقول الله تبارك وتعالى: يا ملائكتي ثم ماذا ؟ فتقول الملائكة: ربنا لاعلم لنا، قال، فيقول الله تبارك وتعالى: أشكر له كما شكر لي، وأقبل إليه بفضلي، واريه وجهى) (2). وفي التهذيب: (واريه رحمتى) (3). والأخبار في هذا الباب كثيرة (4). بقي الكلام في محلهما، قيل: يستحب جعلهما خاتمة للتعقيب (5)، ويمكن أن يستدل عليه بما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا، قال: كان أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام يسجد بعدما يصلي، فلا يرفع رأسه حتى يتعالى النهار (6).


(1) التذكرة 3: 224. (2) الفقيه 1: 220 ح 978، التهذيب 2: 110 ح 415، الوسائل 4: 1071 أبواب سجدتي الشكر ب 1 ح 5. (3) التهذيب 2: 110 ح 415. (4) الوسائل 4: 1070 أبواب سجدتي الشكر ب 1. (5) المدارك 3: 424. (6) الفقيه 1: 218 ح 970، الوسائل 4: 1073 أبواب سجدتي الشكر ب 2 ح 1.

[ 96 ]

ويزيد ذلك ظهورا في الدلالة ما رواه في العيون أن دار السندي بن شاهك التي كان الكاظم عليه السلام محبوسا فيها كانت قريبة من دار الرشيد، وكان الرشيد إذا صعد سطح داره أشرف على الحبس، فقال يوما للربيع: يا ربيع، ما ذلك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع ؟ فقال له الربيع: ما ذاك بثوب، وإنما هو موسى بن جعفر عليه السلام، له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال (1). وفي العيون أيضا، عن رجاء بن أبي الضحاك، عن الرضا عليه السلام أيضا أنه كان إذا صلى الغداة، فإذا سلم جلس في مصلاه يسبح الله ويحمده ويكبره ويهلله ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله حتى تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة يبقى فيها حتى يتعالى النهار - إلى أن قال - وكان يسجد بعد الفراغ من تعقيب الظهر سجدة يقول فيها مائة مرة شكرا لله، ثم قال: وكان يسجد بعد تعقيب المغرب قبل النافلة وبعد تعقيب العشاء) (2). ويلائمه أن السجدتين مستحبتان عند تجدد النعم ودفع النقم بالإجماع والأخبار (3)، ولا شك أن التوفيق للتعقيب أيضا من عظائم النعم، فإيقاع السجدتين عقيبه في محله. والظاهر أن تقديمهما على التعقيب لا يخرج التعقيب عن كونه تعقيبا، وأنه لو ثبت استحباب التأخير لكان مستحبا آخر كما تقتضيه الإطلاقات في جانب التعقيب والسجدتين. ويؤيده ما ورد من تقديم السجدتين على نافلة المغرب مع ملاحظة ما عرفت من رجحان تقديم النافلة فيه على التعقيب. ففي صحيحة سعدان بن مسلم، عن جهم بن أبي جهم، قال: رأيت أبا الحسن


(1) عيون أخبار الرضا (ع) 1: 95 ب 7 ح 14. (2) عيون أخبار الرضا (ع) 2: 180 ح 5، الوسائل 4: 1074 أبواب سجدتي الشكرب 2 ح 6. (3) الوسائل 4: 1080 أبواب سجدتي الشكر ب 7.

[ 97 ]

موسى بن جعفر عليه السلام وقد سجد بعد الثلاث ركعات من المغرب، فقلت له: جعلت فداك رأيتك سجدت بعد الثلاث فقال: ورأيتني ؟ ! فقلت: نعم، قال: (فلا تدعها، فإن الدعاء فيها مستجاب) (1). وفي الاحتجاج عن الحميري، عن صاحب الزمان عليه السلام: أنه كتب إليه يسأله عن سجدة الشكر في صلاة المغرب بعد الفريضة أو بعد الأربع ركعات النافلة ؟ فأجاب عليه السلام: (إن فضل الدعاء والتسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعد النوافل كفضل الفرائض على النوافل، والسجدة دعاء وتسبيح، فالأفضل أن تكون بعد الفرض، فإن جعلت بعد النوافل أيضا جاز) (2). وفي توقيعات صاحب الأمر عليه السلام أنها بعد الفريضة أفضل (3). وقد مرت رواية رجاء أيضا. وأما صحيحة حفص الجوهري، قال: صلى بنا أبو الحسن علي بن محمد عليه السلام صلاة المغرب فسجد سجدتا الشكر بعد السابعة، فقلت له: كان آباؤك يسجدون بعد الثلاثة فقال: (ماكان أحد من آبائي يسجد إلا بعد السبعة) (4) فحملها الشيخ في الاستبصار على التقيه (5). قيل: ويشعر به قول الكاظم عليه السلام في الخبر الأول (ورأيتني) (6) اقول: ويشكل ذلك مع ثبوتها عقيب السابعة أيضا، والكل حسن إن شاء الله تعالى، ولعل التقديم يكون أولى - سيما مع ملاحظة تأخير التعقيب - يشعر بذلك


(1) الفقيه 1: 217 ح 967، التهذيب 2: 114 ح 427، الاستبصار 1: 347 ح 1309، وفي الوسائل 4: 1058 أبواب التعقيب ب 31 ح 2 جهم بن أبي جهيمة. (2) الاحتجاج: 486، الوسائل 4: 1058 أبواب التعقيب ب 31 ح 3. (3) الاحتجاج: 486. (4) التهذيب 2: 114 ح 426، الوسائل 4: 1058 أبواب التعقيب ب 31 ح 1. (5) الاستبصار 1: 347. (6) الحدائق 6: 60.

[ 98 ]

ملاحظة مجموع الأخبار، ولعل الاحتياط في التكرار. وهذا الذي ذكرنا من الأولوية والظهور هو في صلاة المغرب، وإلا فباقي الصلوات لعله يكون جعلهما خاتمة في تعقيباتها أولى لما ذكرنا. ثم إن ما يظهر من الإطلاقات في الصلاة وعموم النعمة التي تستحب السجدتان لها اطراد الحكم في جميع الصلوات ; واجبة ومندوبة. ويستحب أن يطولهما ما استطاع، وتدل عليه المرسلة المتقدمة (1). ويفترش ذراعيه فيهما ويلصق صدره وبطنه بالأرض، ويدل عليه ما رواه الكليني في الحسن، عن جعفر بن علي، قال: رأيت أبا الحسن عليه السلام وقد سجد بعد الصلاة فبسط ذراعيه على الأرض، وألصق جؤجؤه بالأرض في دعائه (2). وروى أيضا، عن يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان، قال: رأيت أبا الحسن الثالث عليه السلام سجد سجدة الشكر فافترش ذراعيه وألصق صدره وبطنه بالأرض، فسألته عن ذلك، قال: " كذا نحب أو يجب " (3). ويستحب التعفير بينهما بالجبينين والخدين، وبذلك يتحقق تعدد السجود. ويدعو بالأدعية المأثورة، ففي حسنة عبد الله بن جندب - لإبراهيم بن هاشم - قال: سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عما أقول في سجدة الشكر، فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال: " قل وأنت ساجد: اللهم إني اشهدك، واشهد ملائكتك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك أنك أنت الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، وفلان وفلان إلى آخرهم أئمتي، بهم أتولى ومن أعدائهم اتبرأ، اللهم إني انشدك دم المظلوم ثلاثا، اللهم إني انشدك بإيوائك على نفسك لأعدائك لتهلكنهم


(1) ص 95. (2) الكافي 3: 324 ح 14، التهذيب 2: 85 ح 311، الوسائل 4: 1076 أبواب سجدتي الشكر ب 4 ح 3. (3) الكافي 3: 324 ح 15، التهذيب 2: 85 ح 312، الوسائل 4: 1076 أبواب سجدتي الشكر ب 4 ح 2.

[ 99 ]

بأيدينا وأيدي المؤمنين، اللهم إني انشدك بإيوائك على نفسك لأوليائك لتظفرنهم بعدوك وعدوهم أن تصلي على محمد وعلى المستحفظين من آل محمد ; ثلاثا، اللهم إني أسألك اليسر بعد العسر ; ثلاثا، ثم ضع خدك الأيمن على الأرض وتقول: يا كهفي حين تعييني المذاهب وتضيق علي الأرض بما رحبت، يا بارئ خلقي رحمة بي وقد كنت عن خلقي غنيا، صل على محمد وعلى المستحفظين من آل محمد، ثلاثا، ثم ضع خدك الأيسر على الأرض وتقول: يا مذل كل جبار ويا معز كل ذليل قد وعزتك بلغ مجهودي ثلاثا، ثم تقول: يا حنان يا منان يا كاشف الكرب العظام ثلاثا، ثم تعود للسجود فتقول مائة مرة: شكرا شكرا، ثم تسأل حاجتك إن شاء الله) (1). وفي الفقيه بعد محمد نبيي: (وعلي إمامي والحسن والحسين وعلي بن الحسين واحدا بعد واحد مع اسم آبائهم إلى قوله والحجة بن الحسن بن علي أئمتي) والذي يدل على تعفير الخد من الأخبار كثير. وأما الجبينين فلم أقف عليه بالخصوص، ويدل عليه عموم قوله عليه السلام: (علامات المؤمن خمسة) (2) وعد منها التعفير بالجبين، ولعله مر سابقا. قال في الذكرى: وروى الأصحاب أن أدنى ما يجزي فيه يقول: شكرا لله ثلاثا (3). وفي رواية المروزي أنه يقول مائة مرة: شكرا شكرا، وإن شئت عفوا عفوا (4). وفي وجوب السجود على الأعضاء السبعة إشكال، وقطع في الذكرى


(1) الكافي 3: 325 ح 17، الفقيه 1: 217 ح 966، التهذيب 2: 110 ح 416، الوسائل 4: 1078 أبواب سجدتي الشكر ب 6 ح 1 بتفاوت. (2) التهذيب 6: 52 ح 122 مصباح المتهجد: 730، الوسائل 10: 373 أبواب المزار وما يناسبه ب 56 ح 1. (3) الذكرى: 213. (4) الكافي 3: 326 ح 18، وص 344 ح 20، الفقيه 1: 218 ح 969، التهذيب 2: 111 ح 417، عيون أخبار الرضا (ع) 1: 280 ح 3، الوسائل 4: 1079 أبواب سجدتي الشكر ب 6 ح 2.

[ 100 ]

باشتراطه، معللا بأن مسمى السجود يتحقق بذلك (1). وأما اشتراط وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه فلم نقف على ما يدل عليه، والأصل عدمه. وقال في الذكرى: ليس في سجود الشكر تكبيرة الافتتاح، ولا تكبيرة السجود، ولا رفع اليدين، ولا تشهد، ولا تسليم (2)، وعن الشيخ في المبسوط استحباب التكبير لرفع رأسه من السجود (3).


(1) و (2) الذكرى: 213. (3) المبسوط 1: 111.

[ 101 ]

الفصل الرابع في اللواحق وفيه مقاصد:

[ 103 ]

المقصد الأول في الجماعة وفيه مباحث الأول: تستحب الجماعة في الفرائض كلها، وهو مذهب علمائنا أجمع، قاله في المنتهى (1)، وتتأكد في اليومية. قال في المدارك: وهو من ضروريات الدين (2). ويدل عليه قوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين) (3). والأخبار المستفيضة ناطقة بما ذكرنا، فروى الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن سنان قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: (الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذ بأربعة وعشرين درجة، تكون خمسة وعشرين صلاة) (4). وقال الصدوق في الفقيه - وكأنها عبارة الحديث - وصلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين درجة في الجنة، والصلاة في


(1) المنتهى 1: 363. (2) المدارك 4: 310. (3) البقرة: 43. (4) التهذيب 3: 25 ح 85، الوسائل 5: 370 أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح 1 بتفاوت يسير.

[ 104 ]

جماعة تفضل صلاة الفذ بأربع وعشرين صلاة، فيكون خمسا وعشرين صلاة (1). والظاهر أن العبارة الأخيرة هي رواية ابن سنان المتقدمة. وروى الكليني في الحسن - لإبراهيم - عن زرارة قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما يروي الناس أن الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين صلاة، قال: (صدقوا) فقلت: الرجلان يكونان جماعة ؟ فقال: (نعم، ويقوم الرجل عن يمين الإمام) (2). ولا يمكن الجمع بين الأخبار إلا بالحمل على مراتب الفضيلة بالنسبة إلى الأشخاص والامور الخارجية كما لا يخفى على المتأمل. ويؤيد ذلك أيضا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (أنها تفضل بسبع وعشرين درجة) (3). وما رواه الشهيد الثاني - رحمه الله عن الشيخ أبي محمد جعفر بن أحمد القمي في كتاب الإمام والمأموم بإسناد متصل إلى أبي سعيد الخدري، وهو طويل، وفيه: (الصلوات الخمس في الجماعة إذا كانا اثنين كتب الله له بكل ركعة مائة وخمسين صلاة. وإذا كانوا ثلاثة كتب الله لكل واحد بكل ركعة سبعمائة صلاة. وإذا كانوا أربعة كتب الله لكل واحد بكل ركعة ألفا ومائتي صلاة. وإذا كانوا خمسة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ألفين وأربعمائة صلاة. وإذا كانوا ستة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة أربعة آلاف وثمانمائة صلاة. وإذا كانوا سبعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة آلاف وستمائة صلاة.


(1) الفقيه 1: 245. (2) الكافي 3: 371 ح 1، التهذيب 3: 24 ح 82، الوسائل 5: 371 أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح 3. (3) عوالي اللآلي 1: 341 ح 110، صحيح البخاري 1: 119، سنن ابن ماجة 1: 259 ب 16 ح 789.

[ 105 ]

وإذا كانوا ثمانية كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة عشر ألفا ومائتي صلاة. وإذا كانوا تسعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ستة وثلاثين ألفا وأربعمائة صلاة. وإذا كانوا عشرة كتب الله لكل واحد بكل ركعة سبعين ألفا وألفين وثمانمائة صلاة. فإن زادوا على العشر فلو صارت السماوات والأرض كلها صفحات، والبحار مدادا، والأشجار أقلاما، والثقلان مع الملائكة كتابا لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة واحدة) (1) الحديث، وفيها ذكر فضائل كثيرة لصلاة الجماعة. والأخبار في فضيلة الجماعة والتعيير على تاركها أكثر من أن تحصى. وفيها قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لاصلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين) (2). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لاغيبة إلا لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، وسقطت بينهم عدالته، ووجب هجرانه، وإذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذره، فإن حضر جماعة المسلمين وإلا أحرق عليه بيته) (3). ويدل على التأكيد في اليومية سيما الغداة والعشاء مضافا إلى ما سبق ما رواه الصدوق مرسلا، قال الصادق عليه السلام: (من صلى الغداة والعشاء الآخرة في جماعة فهو في ذمة الله عزوجل، ومن ظلمه فإنما يظلم الله، ومن حقره فإنما


(1) جامع الأحاديث: 327، روض الجنان: 362 و 363 بتفاوت. (2) علل الشرائع: 325 ب 18 ح 1، الوسائل 5: 376 أبواب صلاة الجماعة ب 2 ح 8. (3) التهذيب 6: 241 ح 596، الاستبصار 3: 12 ح 33، الوسائل 18: 288 أبواب الشهادات ب 41 ح 2.

[ 106 ]

يحقر الله عزوجل) (1) وحسنة زرارة، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من صلى الصلوات الخمس في جماعة فظنوا به خيرا) (2). ورواية محمد بن عمارة قال: أرسلت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن الرجل يصلي المكتوبة وحده في مسجد الكوفة أفضل أو صلاة في جماعة ؟ فقال: (الصلاة في جماعة أفضل) (3). ولابد من حمل ذلك على ما إذا كانت الجماعة عددا يكون ثوابه أكثر من مسجد الكوفة كما ذكرنا في حديث الخدري (4). وقول رسول الله صلى الله عليه وآله في رواية ابن أبي يعفور لضرير البصر الذي اعتذر بعدم وجدان القائد إلى الجماعة: (شد من منزلك إلى المسجد حبلا واحضر الجماعة) (5). واعلم أن ظاهر ما ادعاه العلامة من الإجماع وكذا الشهيد هو استحباب الجماعة في الفرائض كلها مؤداة كانت أو مقضية، وأصالة كانت أو منذورة، وفي مثل صلاة الاحتياط وصلاة الطواف. واستفادة ذلك العموم من الأخبار محل تأمل كما ذكره بعض المتأخرين (6)، وكذا تحقق الإجماع فيها، ولم ينقل على جميع ذلك بالخصوص أيضا إجماع، والاقتصار فيما خالف الأصل على موضع اليقين أولى.


(1) الفقيه 1: 246 ح 1098، المحاسن: 52 ح 76، الوسائل 5: 378 أبواب صلاة الجماعة ب 3 ح 2. (2) الموجود رواية السكوني، انظر الكافي 3: 371 ح 3، والفقيه 1: 246 ح 1093، والوسائل 5: 371 أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح 4، وفي طريقها إبراهيم بن هاشم. (3) التهذيب 3: 25 ح 88، الوسائل 3: 512 أبواب أحكام المساجد ب 33 ح 4. (4) المتقدم في ص 104. (5) التهذيب 3: 266 ح 753، الوسائل 5: 377 أبواب صلاة الجماعة ب 2 ح 9 (6) كصاحب المدارك 4: 310.

[ 107 ]

ولا تجب الجماعة بالأصالة إلا في الجمعة والعيدين، وقد تقدمتا، وهذا الحكم إجماعي بين الأصحاب. والمخالف في ذلك أكثر العامة، فقيل بوجوبها كفاية في الصلوات الخمس (1)، وقيل باشتراط صحة الصلوات بها (2). ويدل على مذهب الإمامية - مضافا إلى الأصل والإجماع - ظاهر الأخبار المتقدمة، وسياقها مساق الاستحباب كما لا يخفى وأما الاستدلال بصحيحة زرارة والفضيل قالا قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي ؟ قال: (الصلاة فريضة، وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها، ولكنها سنة من تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علة فلا صلاة له) (3) فيمكن المناقشة فيه بأن المراد بالسنة ما قابل الفريضة، وهو أعم من المستحب. ويشكل بالآية (4)، ومع ملاحظتها فالاستحباب أقرب مجازاتها لو لم نقل بثبوت الحقيقة الشرعية فيه، إما مع متروكية الأول أو مع الاشتراك. ولو قلنا فالأمر أوضح، أما على الأول فظاهر لأصالة الحقيقة وظهور عدم إرادة المعنى اللغوي، وعلى الثاني فالآية قرينة معينة. وإن أبيت عن جميع ذلك فنقول: إن سياق الخبر كالأخبار الكثيرة الاخر ظاهر في ذلك، وإنما قلنا إنه لا تجب أصالة إذ قد تجب لعارض كالنذر وشبهه، وكما لو عجز المصلي عن القراءة فيلزمه الائتمام كما مر. ولا تجوز الجماعة في النوافل عدا ما استثني، منها صلاة الاستسقاء، ومنها صلاة العيدين مع اختلال الشرائط، وقد تقدم الكلام فيهما، قال في المنتهى: وذهب إليه


(1) ذهب إلى ذلك ابن شريح كما في فتح العزيز 4: 285، وسبل السلام 2: 409. (2) نقله عن داود في المجموع 4: 189، ونيل الأوطار 3: 151، وبداية المجتهد 1: 136. (3) الكافي 3: 372 ح 6، التهذيب 3: 24 ح 83، الوسائل 5: 371 أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح 2. (4) قوله تعالى: " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين " (البقرة: 43).

[ 108 ]

علماؤنا أجمع (1). ويظهر من الشهيد في الذكرى أن المسألة ليست بإجماعية (2). قيل (3): ويظهر وجود المخالف من كلام المحقق في الشرائع، فإنه قال: يجوز أن يأتم المتنفل بالمفترض والمتنفل والمفترض بالمتنفل في أماكن، وقيل مطلقا (4). والأقوى عدم الجواز وبطلان مثل هذه الصلاة. لنا: مضافا إلى أصالة عدم الجواز، لكونها من الامور التوقيفية، وعدم ثبوت جواز إسقاط القراءة، وصحة هذه الهيئة بتوقيف من الشارع، والإجماع المتقدم: صحيحة الفضلاء عن الصادقين عليهما السلام، قالا: " إن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله، ثم يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلي، فخرج من أول ليلة من شهر رمضان ليصلي كما كان يصلي فاصطف الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته فتركهم، ففعلوا ثلاث ليال، فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة " (5). ورواية إسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السلام، وسماعة عن الصادق عليه السلام، قال في جملتها: " فلما كان من الليل قام يصلي فاصطف الناس خلفه، فانصرف إليهم فقال: يا أيها الناس إن هذه الصلاة نافلة، ولن يجتمع


(1) المنتهى 1: 364. (2) الذكرى: 266 قال: لو صلى مفترض خلف متنفل نافلة مبتدأة أو قضاءا لنافلة، أو صلى متنفل بالراتبة خلف المفترض، أو متنفل براتبة خلف راتبة أو غيرها من النوافل فظاهر المتأخرين المنع. قال في المدارك 4: 315 وهذا الكلام يؤذن بأن المنع ليس إجماعيا. (3) كما في المدارك 4: 315، 337. (4) الشرائع 1: 113. (5) الفقيه 2: 87 ح 394، التهذيب 3: 69 ح 226، الاستبصار 1: 467 ح 1807 الوسائل 5: 191 أبواب نافلة شهر رمضان ب 10 ح 1.

[ 109 ]

للنافلة، فليصل كل رجل منكم وحده، وليقل ما علمه الله في كتابه، واعلموا أن لاجماعة في نافلة " (1) الحديث. وحسنة زرارة - لإبراهيم بن هاشم - عن الصادق عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يزيد في صلاته في شهر رمضان ; إذا صلى العتمة صلى بعدها يقوم الناس خلفه، فيدخل ويدعهم ثم يخرج أيضا، فيجيئون ويقيمون خلفه، فيدخل ويدعهم مرارا " (2) الحديث. ورواية محمد بن يحيى قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فسئل، هل يزاد في شهر رمضان في صلاة النوافل ؟ فقال: " نعم، قد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي بعد العتمة في مصلاه فيكثر، وكان الناس يجتمعون خلفه ليصلوا بصلاته، فإذا كثروا خلفه تركهم ودخل منزله، فإذا تفرق الناس عاد إلى مصلاه فصلى كما كان يصلي، فإذا كثر الناس خلفه تركهم ودخل، وكان يصنع ذلك مرارا " (3). ومع ملاحظة عموم رواية إسحاق بن عمار، وملاحظة خصوص تلك الأخبار مع عدم القول بالفصل لا يبقى مجال لترجيح الجواز. ويدل على الجواز روايات، منها صحيحة أبان، عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله، عن الصادق عليه السلام، قال: " صل بأهلك في رمضان الفريضة والنافلة، فإني أفعله " (4) والأخبار التي في جواز إمامة المرأة للنساء في النافلة (5)


(1) التهذيب 3: 64 ح 217، الاستبصار 1: 464 ح 1801، الوسائل 5: 181 أبواب نافلة شهر رمضان ب 7 ح 6. (2) الكافي 4: 154 ح 2، الوسائل 5: 192 أبواب نافلة شهر رمضان ب 10 ح 3 والرواية عن عبيد بن زرارة من دون وقوع إبراهيم بن هاشم في طريقها. (3) التهذيب 3: 60 ح 205، الاستبصار 1: 461 ح 1795، الوسائل 5: 174 أبواب نافلة شهر رمضان ب 2 ح 3. (4) التهذيب 3: 247 ح 762، الوسائل 5: 408 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 13. (5) الوسائل 5: 406 أبواب صلاة الجماعة ب 20، وفي بعضها الصحيح: عن المرأة تؤم النساء فقال: تؤمهن في النافلة، فأما المكتوبة فلا.

[ 110 ]

وسيجئ. والجواب عن الأول: مع عدم مقاومتها للأخبار المتقدمة أنها محمولة على التقية. ويشهد لذلك موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الصلاة في رمضان في المساجد، قال: " لما قدم أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة أمر الحسن بن علي عليه السلام أن ينادي في الناس: لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة، فنادى في الناس الحسن بن علي عليه السلام بما أمره به أمير المؤمنين عليه السلام، فلما سمع الناس مقالة الحسن بن علي صاحوا: واعمراه واعمراه " (1) الحديث. وعن الثاني: فمع ما سيجئ فيما بعد نقول: إنها أخص من المطلوب، وإثبات عدم القول بالفصل مشكل، مع أنها لا تقاوم أدلة المشهور لكثرتها واعتضادها بالإجماع، والأصل، بل الاصول وغير ذلك، فالحق مع المشهور. ومما ذكرنا ظهر ضعف ما ذهب إليه أبو الصلاح في صلاة الغدير، وإن قال: وردت به رواية (2). وتنعقد الجماعة باثنين أحدهما الإمام، وهو قول فقهاء الأمصار، قاله في المنتهى (3). ويدل عليه مضافا إلى حسنة زرارة المتقدمة (4) أخبار كثيرة، منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، قال: " الرجلان يؤم أحدهما صاحبه،


(1) التهذيب 3: 70 ح 227، الوسائل 5: 192 أبواب نافلة شهر رمضان ب 10 ح 2، وتمام الحديث: فلما رجع الحسن إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال له: ما هذا الصوت ؟ قال: يا أمير المؤمنين الناس يصيحون واعمراه واعمراه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: قل لهم صلوا. (2) الكافي في الفقه: 160، ونقل الرواية عنه في التذكرة 2: 285. (3) المنتهى 1: 364. (4) ص 104، وهي في الكافي 3: 371 ح 1، والتهذيب 3: 24 ح 82، الوسائل 5: 379 أبواب صلاة الجماعة ب 4 ح 1.

[ 111 ]

يقوم عن يمينه) (1). ومنها صحيحة محمد بن يوسف، عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الجهني أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إني أكون في البادية ومعي أهلي وولدي وغلمتي فاؤذن وأقيم واصلي بهم، أفجماعة نحن ؟ فقال: " نعم " فقال: يا رسول الله فإن الغلمة يتبعون قطر السحاب وأبقى أنا وأهلي وولدي، فاؤذن وأقيم واصلي بهم، أفجماعة نحن ؟ فقال: " نعم " فقال: يا رسول الله فإن ولدي يتفرقون في الماشية فأبقى أنا وأهلي، فاؤذن واقيم واصلي بها، أفجماعة نحن ؟ فقال: " نعم " فقال: يا رسول الله إن المرأة تذهب في مصلحتها فأبقى أنا وحدي، فاؤذن واقيم واصلي، أفجماعة أنا ؟ فقال: " نعم، المؤمن وحده جماعة " (2). وروى في الفقيه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الاثنان جماعة " (3). وأيضا فيه: وقال صلى الله عليه وآله: " المؤمن وحده حجة، المؤمن وحده جماعة " (4). وروى الشيخ في الصحيح، عن أبي مسعود، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته كم أقل ما يكون الجماعة ؟ قال: " رجل وامرأة " (5). وروى عن أبي البختري عنه عليه السلام: " إن عليا عليه السلام قال: الصبي عن يمين الرجل إذا ضبط الصف جماعة، والمريض القاعد عن يمين الصبي جماعة " (6).


(1) التهذيب 3: 26 ح 89، الوسائل 5: 411 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 1. (2) الكافي 3: 371 ح 2، التهذيب 3: 265 ح 749، الوسائل 5: 379 أبواب صلاة الجماعة ب 4 ح 2. (3) الفقيه 1: 246 ح 1094، الوسائل 5: 380 أبواب صلاة الجماعة ب 4 ح 4. (4) الفقيه 1: 246 ح 1096، الوسائل 5: 380 أبواب صلاة الجماعة ب 4 ح 5. (5) الفقيه 1: 246 ح 1095، التهذيب 3: 26 ح 91، الوسائل 5: 380 أبواب صلاة الجماعة ب 4 ح 7. (6) التهذيب 3: 56 ح 193، الوسائل 5: 380 أبواب صلاة الجماعة ب 4 ح 8.

[ 112 ]

ويظهر من هذا الخبر تحقق الجماعة بالصبي، ولعله يحمل على المميز الذي كلف بالصلاة تمرينا، وتشمله العمومات أيضا. وهل تصح إمامة الصبي المميز أم يشترط التكليف ؟ المشهور على عدم الصحة، وخالف في ذلك الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2)، والأول أقرب. لنا: - مضافا إلى أصالة عدم الصحة، وكون الجماعة وظيفة شرعية يتوقف ثبوتها على وظيفة الشرع وغير ذلك مما ذكرنا، وعدم وضوح كون عبادة الصبي شرعية، وأنه لا يؤمن عليه الخطأ، فلا تثبت العدالة التي هي شرط عندنا البتة - ما رواه إسحاق بن عمار، عن جعفر عليه السلام، عن أبيه عليه السلام: " إن عليا عليه السلام كان يقول: لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم، ولا يؤم حتى يحتلم، فإن أم جازت صلاته وفسدت صلاة من يصلي خلفه " (3). ولعل عموم قوله عليه السلام في رواية ابن راشد: " لا تصل إلا خلف من تثق بدينه وأمانته " (4) يشمله. واحتج الشيخ في الخلاف برواية طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام، قال: " لا بأس أن يؤذن الغلام الذي لم يحتلم وأن يؤم " (5) وحملها الشيخ على الغلام الذي بلغ السن أو أنبت. وقد يضعف ذلك بتوارد الروايتين على صفة واحدة، فالأولى العمل بالاولى، لكون طلحة ضعيفا (6)، ولكونها مخالفة لما عليه أكثر الأصحاب، وللاصول المعتمدة.


(1) الخلاف 1: 553 مسألة 295. (2) المبسوط 1: 154 (3) التهذيب 3: 29 ح 103، الاستبصار 1: 423 ح 1632، الوسائل 5: 398 أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 7. (4) الكافي 3: 374 ح 5، التهذيب 3: 266 ح 755، الوسائل 5: 388 أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2. (5) التهذيب 3: 29 ح 104، الاستبصار 1: 424 ح 1633، الوسائل 5: 398 أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 8. (6) لأنه عامي ولم يوثق (انظر معجم رجال الحديث رقم 6011).

[ 113 ]

وأما غياث بن كلوب الذي في سند الرواية الاولى فهو وإن كان عاميا، لكن الشيخ ذكر أن الطائفة عملت برواياته (1)، وعمومات الجماعة حيث تشمل ما نحن فيه محل تأمل. ويدل على قول الشيخ أيضا موثقة غياث بن إبراهيم، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤم القوم، وأن يؤذن " (2). وتؤيده أيضا موثقة سماعة عنه عليه السلام، قال: " تجوز صدقة الغلام وعتقه، ويؤم الناس إذا كان له عشر سنين " (3) ويمكن حمله على من أنزل أو أنبت. وقال الشهيد: إن عدم الجواز مخصوص بغير أمثالهم، لكن الصلاة بأمثالهم جائزة (4). ويشترط العقل، فلا تصح إمامة المجنون. وأما لو كان دوريا فقيل: الظاهر جواز إمامته في حال الإفاقة، للعمومات، وكرهه العلامة، للنفرة الموجبة لعدم الإقبال إليه (5). وقطع بالعدم في موضع آخر ; لعدم الأمن من العروض في الأثناء، ولجواز عروض الاحتلام حال جنونه من دون شعور (6). وقد يقال: إن تجويز العروض لا يرفع تحقق الأهلية، والتكليف يتبع العلم، وليس ببعيد، وبالجملة الجواز أظهر في النظر ويشترط الإيمان والعدالة وطهارة المولد بالإجماع، كما نقله جماعة (7)


(1) رجال الشيخ الطوسي: 489، عدة الاصول 1: 380. (2) الكافي 3: 376 ح 6، الوسائل 5: 397 أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 3. (3) الفقيه 1: 358 ح 1571، الوسائل 5: 397 أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 5. (4) الذكرى: 273. (5) المنتهى 1: 368. (6) نهاية الإحكام 2: 150. (7) كالعلامة في المنتهى 1: 369، والشهيد في الذكرى: 230، وروض الجنان: 289.

[ 114 ]

والأخبار بها متضافرة (1)، ومر تمام الاستدلال وتحقيق المقال في صلاة الجمعة. الثاني: لا تجوز إمامة المرأة للرجال ولا للرجال والنساء معا باتفاق العلماء كافة، كما قال في المعتبر (2)، ونقل الإجماع غيره أيضا (3). واستدل عليه في المعتبر (4) بقول النبي صلى الله عليه وآله: " أخروهن من حيث أخرهن الله " (5) ولأنها مأمورة بالحياء والاستتار، وهو ينافي الإمامة. وبالجملة لا ينبغي التأمل في هذا الحكم بعد عدم ثبوت التوظيف فيما هو وظيفة الشارع، سيما بعد وقوع الإتفاق على خلافه. ولا يجوز أن تأم الخنثى، لاحتمال كونها رجلا، ولا خنثى بمثلها، لاحتمال كون الإمام امرأة والمأموم رجلا، ولا بالرجل بطريق أولى. وأما إمامة الخنثى للمرأة فيرجع إلى جواز إمامة النساء للنساء. والظاهر أن جواز إمامتها لهن إجماعي بين علمائنا، قال في التذكرة: إنه قول علمائنا أجمع (6). وقال في المختلف: المشهور أن المرأة يجوز أن تؤم النساء في الفرائض، ونقل ابن إدريس عن السيد المرتضى - رحمه الله - المنع، وهو اختيار ابن الجنيد (7)، انتهى. ولم يظهر من هذه العبارة إلا نسبة المنع في الفرائض إلى السيد، وأما النوافل


(1) الوسائل 5: 388 أبواب صلاة الجماعة ب 10 وص 397 ب 14. (2) المعتبر 2: 438. (3) كالشهيد الثاني في روض الجنان: 365. (4) المعتبر 2: 438. (5) درر اللآلي 1: 137، مستدرك الوسائل 3: 333 أبواب مكان المصلي ب 5 ح 1. (6) التذكرة 4: 236 مسألة 538. (7) المختلف 3: 59، وانظر السرائر 1: 281.

[ 115 ]

فيفهم جوازها من مفهوم هذه العبارة. ومما قاله - رحمه الله - بعد نقل اختيار التفصيل كما سنذكره: وقول السيد لا بأس به، لصحة الأخبار الدالة عليه وضعف الحديثين الأولين مع احتمالهما للتفصيل، وهو جواز إمامة المرأة في النفل دون الفرض (1). وأراد بهما رواية سماعة وعبد الله بن بكير الآتيتين، فظهر من العلامة هنا نسبة التفصيل إليهما، وهكذا فهمه صاحب المدارك - رحمه الله - أيضا (2). ونسب في الذخيرة المنع مطلقا إلى السيد والجعفي، وقال: ونفى عنه البأس المصنف في المختلف، ونسب التفصيل إلى ابن الجنيد (3). وكلام المفاتيح مشتبه، قال: فجازت إمامة المرأة على المشهور، خلافا للسيد والإسكافي والجعفي، فلم يجوزوا إمامتها مطلقا، واختاره في المختلف للصحاح تؤمهن في النافلة أما المكتوبة فلا (4). وبعد ما عرفت ما ذكرنا من المختلف تتنبه على ما في الكلامين. ويمكن أن تكون كلمة مطلقا في المفاتيح قيدا للمنفي لا للنفي، فيوافق ما فهمناه من المختلف، وبالجملة وجود الأقوال الثلاثة محتمل. ويدل على المشهور مضافا إلى الإطلاقات والعمومات صحيحة علي بن يقطين، عن أبيه، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام، قال: سألته عن المرأة تؤم النساء، ماحد رفع صوتها بالقراءة والتكبير ؟ فقال: " بقدر ما تسمع " (5). وصحيحة


(1) المختلف 3: 60. (2) المدارك 4: 352. (3) الذخيرة: 392. (4) المفاتيح 1: 160 (5) التهذيب 3: 267 ح 760، الوسائل 4: 772 أبواب القراءة ب 31 ح 1، وج 5: 407 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 7.

[ 116 ]

علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام مثله (1). وموثقة ابن بكير - وهو لا يروي إلا عن ثقة وأجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه - عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يؤم المرأة ؟ قال: " نعم، تكون خلفه " وعن المرأة تؤم النساء ؟ قال: " نعم، تقوم وسطا بينهن ولا تتقدمهن " (2). وموثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تؤم النساء ؟ فقال: " لا بأس به " (3). ويؤيدها تأييدا ما موثقة غياث، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه عليه السلام، قال: " المرأة صف، والمرأتان صف، والثلاث صف " (4) سيما مع ملاحظة بعض الأخبار المتقدمة في أدنى الجماعة. ويدل على التفصيل صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تؤم النساء، فقال: " إذا كن جميعا أمتهن في النافلة، فأما المكتوبة فلا، ولا تقدمهن، ولكن تقوم وسطا بينهن " (5). وصحيحة هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام مثله بأدنى تفاوت في اللفظ (6). وقوية الحلبي - وفيها الحسن بن الجهم ولعله الثقة - عن الصادق عليه السلام،


(1) الفقيه 1: 263 ح 1201، التهذيب 3: 267 ح 761، الوسائل 4: 772 أبواب القراءة ب 31 ح 2 وج 5: 407 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 7. (2) التهذيب 3: 31 ح 112، الاستبصار 1: 426 ح 1645، الوسائل 5: 405 أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 4، وب 20 ح 10. (3) التهذيب 3: 31 ح 111، الاستبصار 1: 426 ح 1644، الوسائل 5: 408 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 11. (4) التهذيب 3: 268 ح 764، الوسائل 5: 407 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 8. (5) التهذيب 3: 269 ح 768، الاستبصار 1: 426 ح 1646، الوسائل 5: 408 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 12. (6) الفقيه 1: 259 ح 1176، التهذيب 3: 205 ح 487، الوسائل 5: 406 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 1.

[ 117 ]

قال: " تؤم المرأة النساء في الصلاة وتقوم وسطا بينهن، ويقمن عن يمينها وشمالها، تؤمهن في النافلة، ولا تؤمهن في المكتوبة " (1). وروى زرارة في الصحيح عن الباقر عليه السلام قال، قلت: المرأة تؤم النساء ؟ قال: " لا، إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها، تقوم وسطا معهن في الصف فتكبر ويكبرن " (2). وجوز الشيخ في الاستبصار حمل النهي عن إمامتها في المكتوبة أو سوى الصلاة على الميت على الكراهة واستحباب الترك، جمعا بين الأخبار (3). وليس للمانع مطلقا ما يعتمد عليه وقال في المختلف: احتج بأنه عليه السلام وصفها بنقص الدين، فلا تصلح للإمامة المنوطة بكماله (4). والظاهر على ما ذكرنا من أنه نسب التفصيل إلى السيد لا ينطبق احتجاجه على مطلبه أيضا فتدبر. ومع ذلك فأنت خبير بأنه لا ينهض دليلا في مقابل ما ذكرنا من الأخبار. فبقي الكلام في التفصيل. ورد المحقق في المعتبر على خبر سليمان بن خالد والحلبي بأنهما نادران لا عمل عليهما (5). وحينئذ فالمسألة محل إشكال، نظرا إلى عموم ما دل على عدم جواز النافلة في الجماعة وعمومات الجماعة والإطلاقات الواردة في خصوص جماعة المرأة،


(1) التهذيب 3: 268 ح 765، الاستبصار 1: 427 ح 1647، الوسائل 5: 408 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 9. (2) الفقيه 1: 259 ح 1177، التهذيب 3: 206 ح 488، وص 268 ح 766، الاستبصار 1: 427 ح 1648، الوسائل 5: 406 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 3. (3) الاستبصار 1: 427. (4) المختلف 3: 59. (5) المعتبر 2: 427.

[ 118 ]

فيبقى الكلام في أن تلك عمومات وإطلاقات والأخبار الدالة على التفصيل خصوصات ومقيدات، والخاص يحكم على العام، والمقيد حاكم على المطلق. ولنا أن نقول: العام إذا كان أقوى من جهة الامور الخارجة مع قطع النظر عن أنه ظاهر والخاص نص فلا شك أنه لا يجوز التخصيص والتقييد، إذ يعتبر فيهما المقاومة بسبب المعتضدات الخارجة، فإذا تساويا من جهة الامور الخارجة فالخاص مقدم بسبب النصوصية. وغير خفي أن عدم جواز الجماعة في النافلة والأخبار الدالة عليه سيما قوله عليه السلام: " واعلموا أنه لاجماعة في نافلة " (1) مع اعتضادها بالشهرة العظيمة والإجماع المنقول وكونها مخالفة للعامة وموافقة للأصحاب ومعتضدة بالاصول المتقدمة مع أنها في نفسها أيضا كثيرة، وكذا الإطلاقات التي استدللنا بها على جواز إمامتها مطلقا قوية معتضدة بالشهرة، بل الإجماع المنقول. فلا وجه لترجيح الخاص الذي لا يساويها كثرة ولا يعارضها اعتضادا، مع مخالفته للأصل المدعى عليه الإجماع، وهو عدم جواز الجماعة في النافلة. ويمكن أن يقال: إن الأدلة الدالة على عدم جواز الجماعة في النافلة لا عموم فيهما غير خبر واحد لا يبلغ حد الصحة، وعدم القول بالفصل أول المسألة، فيبقى الأصل هنا مع الخبر العام. وأما الإطلاقات التي ذكرتها فالصحيحين الأولين لا عموم فيهما، لأن السؤال إنما هو عن رفع الصوت، وليس ههنا موضع الاحتجاج بتقرير المعصوم كما لا يخفى على المتدبر، فيحتمل أن يكون مراد الراوي أن المرأة التي تؤم فيما يجوز لها الإمامة كيف تفعل (2). نعم ينهضان دليلا على المانع مطلقا، فيبقى الخبران الآخران، وهما مطلقان غير


(1) التهذيب 3: 64 ح 217، الاستبصار 1: 464 ح 1801، الوسائل 5: 182 أبواب نافلة شهر رمضان ب 7 ح 6. (2) بدل مابين القوسين في " م ": للإمام لها كيف يفعل.

[ 119 ]

بالغين درجة الصحة، ومعارضهما أخبار كثيرة صحيحة مفصلة (1)، مع أن جماعة من الأصحاب قائلون بمضمونها، فينبغي حمل المطلق على المقيد. وبالجملة اشتهار الجواز في الفريضة بين الأصحاب، ومخالفة جواز النافلة جماعة للأصل، وكون الجماعة في النافلة من الامور النادرة، سيما مع انضمام عدم تجويزها في الفريضة، يضعف التفصيل.. وصحة الأخبار وكثرتها وظهور دلالتها يضعف الإطلاق. والجمع بين الأخبار وكلام الأصحاب يمكن بوجهين: إما حمل النافلة على ما تجوز فيه الجماعة، والنهي عن الجماعة في الفريضة على نفي التأكد والكراهة بمعنى أقلية الثواب. أو حمل المطلقات على النافلة، والحكم بتحريم الجماعة في الفريضة لهن. والأول أقوى. ويمكن حمل النافلة على الجماعة المندوبة، فيكون كناية عن عدم جواز الإمامة في صلاة الجمعة مثلا. وبالجملة الأقوى جواز إمامتهن في الفرائض، وإن كان الاحتياط في ترك ذلك، سيما مع وجود الرجل، والله أعلم بحقائق أحكامه. الثالث: ذهب الشيخ في النهاية والخلاف إلى المنع عن إمامة المجذوم والأبرص (2). وكذا السيد - رضي الله عنه - في بعض أقواله (3)، وقال في الانتصار: ومما انفردت الإمامية به كراهية إمامة الأبرص والمجذوم والمفلوج، والحجة فيه إجماع الطائفة (4).


(1) في " ص ": مفضلة. (2) النهاية: 112، الخلاف 1: 561 مسألة 312. (3) جمل العلم (رسائل الشريف المرتضى 3): 39. (4) الانتصار: 50.

[ 120 ]

ووافقه ابن حمزة (1) والعلامة (2) والمحقق (3)، ونسب ذلك إلى أكثر المتأخرين (4)، وهو قول ابن إدريس إلا في الجمعة والعيدين، فلم يجوز فيهما (5). ولا يخفى أن لفظ الكراهة في كلام السيد وأمثاله غير ظاهر في المعنى المصطلح، إذ كثيرا ما نراهم يريدون منها الحرمة. ومن الاتفاقات أنه ذكر قبل هذه المسألة إجماع الإمامية على كراهة إمامة ولد الزنا، وهو قال بعد أسطر قلائل: والظاهر من مذهب الإمامية أن الصلاة خلفه غير مجزئة، والحجة الإجماع المتقدم وطريقة البراءة. وقال بعد هذه المسألة: ومما انفردت به الإمامية كراهة صلاة الأضحى، وأن التنفل بعد طلوع الشمس إلى وقت زوالها محرم إلا في يوم الجمعة خاصة (6)، بل يمكن ادعاء ظهور أنه أراد الحرمة. وذهب الشيخ في المبسوط (7) وأبو الصلاح (8) وابن البراج (9) إلى المنع بغير مثلهم والجواز معهم. ويدل على المنع أخبار كثيرة، فروى أبو بصير في الصحيح، عن الصادق عليه السلام، قال: " خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجذوم، والأبرص،


(1) الوسيلة: 105. (2) المنتهى 1: 374، القواعد 1: 317. (3) المعتبر 2: 442. (4) كالشهيد الأول في البيان: 133، والكركي في جامع المقاصد 2: 504، والشهيد الثاني في روض الجنان: 368، والروضة البهية 1: 386. (5) السرائر 1: 280. (6) الانتصار: 50. (7) المبسوط 1: 155. (8) الكافي في الفقه: 143. (9) المهذب 1: 80.

[ 121 ]

والمجنون، وولد الزنا، والأعرابي " (1). وروى محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام أنه قال: " خمسة لا يؤمون الناس ولا يصلون بهم صلاة فريضة في جماعة: الأبرص، والمجذوم، وولد الزنا، والأعرابي حتى يهاجر، والمحدود " (2). وروى زرارة في الحسن - لإبراهيم بن هاشم - عنه عليه السلام قال، قلت له: الصلاة خلف العبد، فقال: " لا بأس به إذا كان فقيها، ولم يكن هناك أفقه منه " قال، قلت له: اصلي خلف الأعمى ؟ قال: " نعم إذا كان له من يسدده وكان أفضلهم " قال: " وقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يصلين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود وولد الزنا، والأعرابي لا يؤم المهاجرين " (3) ورواها الصدوق مرسلا من قوله عليه السلام " قال أمير المؤمنين عليه السلام " (4) الحديث. وتدل على الجواز مطلقا رواية عبد الله بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المجذوم والأبرص يؤمان المسلمين ؟ فقال: " نعم " قلت: هل يبتلي الله بهما المؤمن ؟ قال: " نعم، وهل كتب الله البلاء إلا على المؤمن " (5) وحملها الشيخ على حال الضرورة، أو إذا كانا يؤمان بأمثالهما. والذي يقوى في نفسي من جهة الأخبار وكلام جمع من الأصحاب الحرمة. وتأويل الأخبار الكثيرة المعتبرة المعمول بها عند جماعة بسبب خبر لم يوثق راويه (6) مشكل، وكون عمل الأصحاب عليه أكثر لينجبر به فيعارض تلك الأخبار


(1) الكافي 3: 375 ح 1، والتهذيب 3: 26 ح 92، الاستبصار 1: 422 ح 1626، الوسائل 5: 399 أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 5. (2) الفقيه 1: 247 ح 1105، الوسائل 5: 399 أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 3. (3) الكافي 3: 375 ح 4، الوسائل 5: 400 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 1، وب 15 ح 6، وص 410 ب 21 ح 5. (4) الفقيه 1: 247 ح 1106. (5) التهذيب 3: 27 ح 93، الاستبصار 1: 422 ح 1627، الوسائل 5: 399 أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 1. (6) انظر معجم رجال الحديث رقم 7226.

[ 122 ]

محل كلام. وقد عرفت ما ذكرنا في كلام السيد، سيما مع ظهور دلالة تلك الأخبار ووضوحها وتأكدها بتأكيدات مثل قوله عليه السلام: " على كل حال " ومثل النكرة في سياق النفي في رواية محمد بن مسلم، والنهي المؤكد مع ذكر لفظ أحدكم في حسنة زرارة، إلى غير ذلك، مع أنها أيضا موافقة لأصالة عدم صحة الصلاة وانعقاد الجماعة وسقوط القراءة. وأما العمومات والإطلاقات كقولهم عليهم السلام: " يؤمكم أقرؤكم " (1) وغير ذلك ففي شمولها لما نحن فيه تأمل، لكونها من الأفراد النادرة، سيما مع صدور هذه الأخبار أيضا، وأيضا يلزم القائلين بالجواز مع حمل تلك الأخبار على الكراهة استعمال اللفظ المشترك في معنييه، للاتفاق على حرمة إمامة ولد الزنا، إلا أن يقال إنه على سبيل عموم المجاز، ولاريب أنه مجاز أيضا، والأصل الحقيقة، وعدم جواز الجمع بين الأخبار بهذا النحو إلا من دليل، وقد عرفت ضعفه. ولم أقف لتفصيل ابن إدريس على حجة. وأما تفصيل أبي الصلاح وابن البراج والشيخ في المبسوط فلم أقف فيه على نص بالخصوص، ويمكن أن يكون نظرهما إلى القطع بالعلة، سيما مع ملاحظة تقييدهم عليهم السلام إمامة الأعرابي بغير المهاجرين، وعدم شمول أخبار المنع لذلك واندراجها تحت إطلاقات الجماعة، فتأمل. وأما الأعمى فالأصح جواز إمامته، وفاقا للمشهور، وقال في المنتهى: إنه مذهب أهل العلم، ونسب المخالفة إلى أنس (2)، وهذا إذا كان من ورائه من يسدده ويوجهه إلى القبلة، وهكذا ادعى عليه الإجماع في التذكرة (3).


(1) الفقيه 1: 285 ح 880، الوسائل 4: 640 أبواب الأذان والإقامة ب 16 ح 3. (2) المنتهى 1: 371. (3) التذكرة 4: 298 مسألة 573.

[ 123 ]

ويدل عليه مضافا إلى الإجماع (في التذكرة) (1) والإطلاقات حسنة زرارة المتقدمة (2). وصحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا بأس بأن يصلي الأعمى بالقوم وإن كانوا هم الذين يوجهونه " (3). ورواية السكوني، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه عليه السلام، قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يؤم المقيد المطلقين، ولا يؤم صاحب الفالج الأصحاء، ولا صاحب التيمم المتوضئين، ولا يؤم الأعمى في الصحراء إلا أن يوجه إلى القبلة " (4). ورواية ابن مسلم المتقدمة، وقال في آخرها: وقال الباقر عليه السلام والصادق عليه السلام: " لا بأس أن يؤم الأعمى إذا رضوا به وكان أكثرهم قراءة وأفقههم " (5)، وقال أبو جعفر عليه السلام: " إنما العمى عمى القلب، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ". روى هذا المقدار منه الصدوق أيضا مرسلا (6). وصحيحة محمد بن مسلم، قال: صلى بنا أبو بصير في طريق مكة فقال وهو ساجد وقد كانت ضلت ناقة لجمالهم: اللهم رد على فلان ناقته، قال محمد فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأخبرته فقال: " وفعل " قلت: نعم، قال: فسكت قلت: فاعيد الصلاة ؟ قال: " لا " (7).


(1) في " ص ": في كر. (2) الكافي 3: 375 ح 4، الوسائل 5: 410 أبواب صلاة الجماعة ب 21 ح 5. (3) التهذيب 3: 30 ح 105، الوسائل 5: 409 أبواب صلاة الجماعة ب 21 ح 1. (4) الكافي 3: 375 ح 2، التهذيب 3: 27 ح 94، الوسائل 5: 410 أبواب صلاة الجماعة ب 21 ح 7. (5) تقدمت في ص 121، وهي في الفقيه 1: 248 ح 1109، والوسائل 5: 410 أبواب صلاة الجماعة ب 21 ح 3، أقول: هذه التتمة يبدو أنها رواية مستقلة مرسلة غير رواية محمد بن مسلم. (6) الفقيه 1: 248 ح 1110، الوسائل 5: 410 أبواب صلاة الجماعة ب 21 ح 4. (7) الكافي 3: 323 ح 8، التهذيب 2: 300 ح 1208، الوسائل 4: 973 أبواب السجود ب 17 ح 1.

[ 124 ]

ونقل عن العلامة في النهاية القول بالمنع (1)، وعلله في التذكرة بعدم التمكن من تحرز النجاسات، وأن الإمامة مرتبة جليلة وهو لا يليق بها (2)، وهو كما ترى. وأما الأعرابي، وهم سكان البادية، فيعم العرب وغيرهم. وقال الفاضل المجلسي في شرح الفقيه: المراد بالتعرب سكنى البادية مع الأعراب بعد أن هاجر منهم، والظاهر من الأخبار سقوط وجوب الهجرة بعد فتح مكة، وألحق بعضهم سكنى القرى مع التمكن من سكنى الأمصار لاكتساب العلوم والكمالات، وبعضهم ترك التعلم (3). ومما ذكرنا يظهر معنى الأعرابي والمهاجر. واختلف الأصحاب في إمامة الأعرابي، فلا تجوز إمامته عند الشيخ (4) وجماعة (5). وذهب آخرون إلى الكراهية (6). وفصل المحقق - رحمه الله - في المعتبر تفصيلا، وارتضاه جماعة من المتأخرين، وهو أنه إن كان وصل إليه ما يكفيه في اعتماده عليه ويدين به ولم يكن ممن يلزمه المهاجرة وجوبا جاز ; لقوله عليه السلام: " يؤمكم أقرؤكم " (7) وقول الصادق عليه السلام " ولا يتقد من أحدكم الرجل في منزله ولا سلطانه " (8)، وإن لم يكن


(1) نهاية الإحكام 2: 150. (2) التذكرة 4: 299. (3) روضة المتقين 9: 261. (4) النهاية: 112، المبسوط 1: 155. (5) كالصدوق في المقنع (الجوامع الفقهية): 10، والعلامة في التذكرة 4: 297 مسألة 572. (6) منهم الشهيد الأول في الدروس 1: 219، والبيان: 232، والشهيد الثاني في روض الجنان: 368. (7) الفقيه 1: 285 ح 880، الوسائل 4: 640 أبواب الأذان ب 16 ح 3. (8) الكافي 3: 376 ح 5، التهذيب 3: 31 ح 113، علل الشرائع: 326 ح 2، الوسائل 5: 419 أبواب صلاة الجماعة ب 28 ح 1.

[ 125 ]

كذلك فلا يجوز (1). ويدل على المنع في الجملة الأخبار الثلاثة المتقدمة. واعلم أن ظاهر الأصحاب أن محل النزاع هو إمامة الأعرابي بالمهاجرين، وكأنه لا نزاع لهم في إمامة الأعرابي بمثله، حملا للخبرين المطلقين على المقيد، بل الظاهر من رواية محمد بن مسلم في نفسها أيضا ذلك، بل ويمكن القول بأنه لا ينساق من صحيحة أبي بصير أيضا إلا ذلك. وبالجملة التي وقعت (2) من كلماتهم في هذا الباب هي صلاة الأعرابي بالمهاجر، فحينئذ يصير حاصل الأخبار - مع ملاحظة أن المقرر في شرعنا أنه تشترط الإمامة بالعدالة والفقه بأحكام الصلاة وسائر الشرائط، وملاحظة التقييد المذكور، واعتبار مفهومه، وهو جواز الإمامة بمثلهم، وأنه لافرق بين الأعرابي وغيره في سائر الشرائط - أنه لا تجوز صلاة الأعرابي بالمهاجر، وإن كان الأعرابي عارفا بالأحكام، قادرا على شرائط الإمامة في الجملة. (فحينئذ لا يبقى [ وجه ] لتفصيل المحقق - رحمه الله - في المعتبر، وأن ذلك محمول على الغالب، لأن غالب الأعراب) (3) أنهم غير عارفين بالأحكام، فيكون للمنع (4) لذلك قوام وحقيقة. وكذلك تحسين جماعة من المتأخرين لذلك. اللهم إلا أن يكون نظر إلى العموم كما في صحيحة أبي بصير، وهو مع ما ذكرنا من الظهور غير جيد في نفسه، لما عرفت من لزوم التقييد. الا أن يقال: إن المنع الوارد في الأخبار من جهة التنبيه على أنه فاسق من جهة ترك هذا الواجب، وإن كان حصل ما يجب عليه من معرفة الصلاة وغيرها، وحينئذ


(1) المعتبر 2: 443. (2) في " ص "، " م ": وقفت. (3) مابين القوسين ليس في " ص "، وما بين المعقوفين أثبتناه ليستقيم الكلام استفادة من كلامه الآتي. (4) قد تقرأ في النسخ: المنع.

[ 126 ]

فلا وجه لجوازه لمثله كما ذهب إليه أيضا. فيبقى الكلام في أن النهي هل هو بظاهره أم لا ؟ والأنسب بظاهر الحقيقة والمرجحات التي ذكرناها في الأجذم والأبرص هو عدم الجواز، بل البطلان، ولعل المجوز رجح العمومات، وحمل النهي على المجاز لعدم المقاومة، أو لأنه بنى الأمر في المجذوم وغيره على الكراهة، فيحصل بسبب ذلك وهن في الدلالة، وهو مشكل. وأسند في المدارك إطلاق المنع من إمامة الأغلف إلى الأكثر (1)، وذهب بعضهم إلى الكراهة (2)، ونقل عن أبي الصلاح تجويزه لمثله (3). وصرح الفاضلان في المختلف والمعتبر بتفصيل آخر (4) وارتضاه بعض من تأخر عنهما (5)، وهو أنه إن كان فرط في ذلك مع القدرة فلا تجوز إمامته باعتبار فسوقه، وإلا فتجوز، وليس بذلك البعيد. وعلى الأول فهل تبطل الصلاة وأم لا ؟ وجهان، بالنظر إلى القول بأن الأمر بالشئ نهي عن ضده أم لا، فعلى الثاني يصح، لأن النهي متعلق بخارج. وأما رواية عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، قال: " الأغلف لا يؤم القوم وإن كان أقرأهم، لأنه ضيع من السنة أعظمها، ولاتقبل له شهادة، ولا يصلى عليه، إلا أن يكون منع ذلك خوفا على نفسه " (6) فهي على الدلالة على الجواز أشبه لكن على التفصيل المذكور.


(1) المدارك 4: 369. (2) كالعلامة في القواعد 1: 317، والشهيد الأول في البيان: 232، والشهيد الثاني في روض الجنان: 368. (3) الكافي في الفقه: 144، ونقله في المختلف 3: 60. (4) المعتبر 2: 442، المختلف 3: 60. (5) كصاحب المدارك 4: 370. (6) الفقيه 1: 248 ح 1107، التهذيب 3: 30 ح 108، علل الشرائع: 327 ح 1، الوسائل 5: 396 أبواب صلاة الجماعة ب 13 ح 1.

[ 127 ]

ولعل الأوجه الكراهة أيضا، والاحتياط في الترك. واختلف الأصحاب في المحدود بالحد الشرعي، ولعل النزاع إنما هو بعد توبته ; إذ قبله فاسق. وعدم الجواز ليس من جهة خصوص الحد، فنقل عن أبي الصلاح المنع عن إمامة المحدود بعد توبته إلا بمثله (1). ولكن العلامة - رحمه الله - في المختلف لم يقيد كلامه ببعد التوبة (2)، والظاهر أن مراده ذلك كما ذكرنا. والمنقول عن الأكثر الجواز، لأنه عدل حينئذ بحسب المفروض، فتشمله العمومات، وليس أسوأ حالا من كافر أسلم، وعلل المحقق كراهته بأنها منصب جليل ومرتبته تنقص عن ذلك (3). ولعل ما عليه الأكثر أقوى، ولابد من حمل رواية ابن مسلم وحسنة زرارة المتقدمتين (4) على من لم يتب بعد، ولكنه يشكل ببعض ما ذكرنا سابقا، ويظهر ذلك بالتأمل. وبهذا يظهروهن في أحكام الأبرص والمجذوم وغيرهما أيضا، والأحوط في الكل الترك. ولا يجوز أن يؤم الامي - أي من لا يحسن واجب القراءة على ما نقل عن المعتبر (5) - بالقارئ، والمراد هنا الذي يعجز عن التعلم مع السعي، وإلا فصلاته باطلة في نفسها، لأصالة عدم الصحة، وعدم سقوط القراءة، ولا يتحقق تحمل القراءة عن الإمام حينئذ، ومنع شمول الإطلاقات والعمومات لذلك.


(1) الكافي في الفقه: 144. (2) المختلف 3: 61. (3) المعتبر 2: 442. (4) في ص 121. (5) المعتبر 2: 437.

[ 128 ]

والظاهر جواز إمامته بمن يساويه، وقطع بذلك جماعة من الأصحاب (1). وهل يجب على الامي العاجز عن التعلم الائتمام بالقارئ المتقن ؟ فيه وجهان، والمشهور وجوبه، ودليله غير واضح. وعلله بعضهم بأنه يتمكن حينئذ من الصلاة بقراءة صحيحة فتجب عليه (2). ويشكل بمنع شمول أدلة وجوب القراءة له، إلا أن الاحتياط وحصول اليقين بالبراءة إنما يكون بذلك. ويمكن إجراء هذا الحكم فيما لو وجد الامي أقل لحنا منه، فإن الميسور لا يسقط بالمعسور. وبما ذكرنا من المنع تنقدح أولوية عدم الوجوب في الأخرس، والظاهر أن الأخرس كالامي في جواز ائتمام أحدهما بالآخر. وفي جواز ائتمام الامي بالأخرس وجهان، لقدرته على التكبير فلا يجوز، ولعدم تحمل الإمام ذلك فيجوز، ويشكل الترجيح في مثل تلك المسألة، والأحوط الترك. وأما عكسه فلعله لا بأس به مع ثبوت الإشكال فيه أيضا. ولا تجوز إمامة اللاحن بالمتقن، سواء كان مغيرا للمعنى كتبديل فتحة تاء أنعمت بالضمة، أو لا كعكسه في الحمد، وكذا المبدل لحرف بحرف على المشهور بين الأصحاب. والدليل عليه ما تقدم في الامي، فإن اليقين بمسقط القراءة لا يحصل بذلك. وللعلامة قول بالصحة، لأن صلاته صحيحة، لانحصار تكليفه في ذلك،


(1) كالعلامة في التذكرة 4: 292، والشهيد في الدروس 1: 219، والكركي في جامع المقاصد 2: 497، وصاحب المدارك 4: 349. (2) كالعلامة في التذكرة 4: 292، والمختلف 3: 65.

[ 129 ]

فيجوز الائتمام (1). واستضعفه بعض الأصحاب، وألزمه بجواز إمامة الامي والأخرس (2)، ولا قائل به من الأصحاب. وأما مثل التمتام، أي من يتردد في التاء المثناة من فوق، والفأفاء أي من يتردد في الباء الموحدة ; ففيه إشكال، فنسب جواز إمامتهما إلى غير واحد من الأصحاب، لأن هذه زيادة غير مخرجة عن صحة القراءة (3). ويبقى الإشكال بعد تسليم الصحة في أن مطلق صحة القراءة كيف يكفي في جواز مطلق الإمامة. وأما مثل الأرت، وهو من يلحقه في أول كلامه ريح فيتعذر بيانه، فإذا تكلم انطلق لسانه كما ذكره في المبسوط (4)، فهو لايمنع عن الصحة على الظاهر، وتجوز إمامته. والكلام في وجوب ائتمام هؤلاء بالمتقن الوجهان المتقدمان ويؤيد ما ذكرنا من الدليل على عدم الوجوب صحيحة الفضلاء المتقدمة في أوائل المبحث، قال: " وليست الجماعة بمفروضة في الصلوات كلها " (5) وجعلناها مؤيدة لعدم ظهور السنة في المستحب، ولاحتمال الخبر للسلب الجزئي، فتدبر. ولا تجوز إمامة القاعد بالقائم، للأصل، وإجماع علمائنا كما ذكره في التذكرة (6)، ولما رواه ابن بابويه مرسلا عن الباقر عليه السلام، قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بأصحابه جالسا، فلما فرغ قال: لا يؤمن أحد


(1) التذكرة 4: 294، المختلف 3: 64. (2) المدارك 4: 354. (3) كما في المدارك 4: 354. (4) المبسوط 1: 153، وانظر المصباح المنير: 218. (5) الكافي 3: 372 ح 6، التهذيب 3: 24 ح 83، الوسائل 5: 371 أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح 2. (6) التذكرة 4: 287 مسألة 567.

[ 130 ]

بعدي جالسا " (1). ويمكن القول باطراد الحكم في جميع مراتب النقص والكمال، والإشكال في إمامة القاعد بمثله ههنا موجود، لعدم ظهور الخبر فيه، وكذا الإجماع، ولأصالة عدم الصحة، وسيجئ تمام الكلام إن شاء الله تعالى. الرابع: لا تجوز الصلاة مع وجود حائل بين الإمام والمأموم يمنع المشاهدة بالإجماع، نقله غير واحد من أصحابنا (2). ويدل عليه مضافا إلى الإجماع والأصل صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام أنه قال: " ينبغي للصفوف أن تكون تامة متواصلة بعضها إلى بعض، ولايكون بين الصفين ما لا يتخطى، يكون قدر ذلك مسقط جسد إنسان إذا سجد ". وقال أبو جعفر عليه السلام: " إن صلى قوم بينهم وبين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، وأي صف كان أهله يصلون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة، وإن كان سترا أو جدارا فليس تلك لهم بصلاة، إلا من كان بحيال الباب " قال، وقال: " هذه المقاصير إنما أحدثها الجبارون، فليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة " (3) الحديث، هكذا رواه ابن بابويه. ورواه الشيخ أيضا في الحسن من قوله عليه السلام " وقال أبو جعفر عليه السلام " بأدنى تفاوت في اللفظ، ففيما رواه الشيخ " إن كان بينهم سترة أو جدار " وقال:


(1) الفقيه 1: 249 ح 1119، الوسائل 5: 415 أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 1، سنن الدارقطني 1: 398 ح 6، سنن البيهقي 3: 80. (2) التذكرة 4: 256. (3) الفقيه 1: 253 ح 1144، التهذيب 3: 52 ح 182، الوسائل 5: 462 أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 2، وص 460 ب 59 ح 1.

[ 131 ]

" هذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس، وإنما أحدثها... وإنما قيدنا بالمنع من المشاهدة لأن المشهور أنه لامانع من الحائل إذا كان مشبكا لايمنع المشاهدة، خلافا للشيخ في الخلاف فحكم بالبطلان (1)، واستدل بهذه الصحيحة. وربما يقال: وجه الدلالة أن المقاصير في الأغلب كانت مخرمة. وقد يضعف بأن المقاصير المشار إليها لعلها لم تكن مشبكة، فلاآيعلم كونها باطلة مع ذلك. ويمكن أن يقال: إن هذا إنما يرد لو أراد المعصوم أشخاصا معينين، بل الظاهر أن مراده حينئذ جنس المقاصير المستحدثة، فإذا كان أغلبها كذلك فيلحق الظن الشئ بالأعم الأغلب، ولكن الشأن في إثبات الأغلبية. وربما يقال: وجه الدلالة قوله عليه السلام: " إن صلى قوم بينهم وبين الإمام ما لا يتخطى "، فإن الشبكة مانعة عن التخطي. وهو بعيد، لظهور إرادة مقدار المسافة، لا إمكان التخطي وعدمه من جهة الحائل. وتشكل المسألة بأن إطلاق الجدار في الحديث يشمل الجدار المشبك أيضا. وأن الأنسب كان أن يستثني عليه السلام ذلك أيضا، حيث استثنى من كان بحيال الباب، والاحتياط في عدم الاكتفاء بالجدار المشبك وإن لم يدل دليل على بطلان الصلاة به، سيما وأكثر أحكام هذه الصحيحة على سبيل الاستحباب، وسياقها أيضا ذلك. وأن الظاهر أن الجدار مفسر للستر، ولذلك اكتفى بعض المتأخرين بما لو كان بينهما حائط قصير لايمنع المشاهدة ولو في بعض الأحوال (2)، ولا يبعد ما ذكره في


(1) الخلاف 1: 556 مسألة 300. (2) كالمحقق في المعتبر 2: 418، والشهيد في البيان: 236، والكركي في جامع المقاصد 2: 499، وصاحب المدارك 4: 317.

[ 132 ]

صورة اختفاء الإمام في حال السجود فقط بأن يكون الحائل قصيرا بهذا المقدار. وعلى القول بالبطلان فالمنسوب إلى أصحابنا هو بطلان صلاة المأموم فقط، وإلى بعض العامة تعميم البطلان. ويكفي للمأموم مشاهدة الإمام أو من يشاهده من المأمومين، وإلا لبطلت صلاة الصف الثاني إذا لم يروا الإمام، وهو باطل. وقال في المنتهى: إنه لا نعرف فيه خلافا (1). ولكن الإشكال فيما إذا كان المأمومون قياما خارج الباب، وفي أن صلاة من على يمينهم ويسارهم وخلفهم صحيحة أم لا، والظاهر بملاحظة ما ذكرنا من كفاية مشاهدة من يشاهد الإمام في الصفوف الكثيرة في المسجد الصحة ههنا أيضا، كما هو المشهور، ولم نقف لأحد من الأصحاب على حكم ببطلانها أيضا، ولكن الدليل على ما ذكرنا هو الإجماع، ومعهودية ذلك من زمن الأئمة. والإجماع لم يعلم ثبوته فيما نحن فيه، وكذا المعهودية. وتضعفه الصحيحة المتقدمة أيضا، لأن الصف الخارج من الباب إن صار مستطيلا فلا يصدق عليه عرفا في الأغلب أن بينه وبين الصف المتقدم أو الإمام قدر ما يتخطى، بل ربما كان أزيد بمراتب شتى. وملاحظة البينة بالنسبة إلى جزء منه الذي في خلف من كان بحيال الباب والاكتفاء به مشكل، ولأن الظاهر من قوله عليه السلام " من كان بحيال الباب " هو المحاذي لها من الأشخاص. والحمل على إرادة الصف وكون الحصر إضافيا بالنسبة إلى من كان على يمين الباب وشماله مجاز. فيبقى المنع من الصلاة عقيب الجدار والستر بحاله، إلا أن يخدش في دلالة


(1) المنتهى 1: 365.

[ 133 ]

الصحيحة، وانصرافها إلى ما نحن فيه، وفي دلالتها على الوجوب كما أشرنا، أو قيل بعدم مقاومتها للعمومات من جهة اعتضادها بالعمل. وبالجملة المسألة محل إشكال، فلو ثبت الإجماع فهو، وإلا فالأحوط الاجتناب، سيما إذا طال الصف كثيرا. وأما التجاوز القليل بمثل شخص أو شخصين فلعله لا مجال للتأمل فيه، سيما مع ما ورد في صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " لا أرى بالوقوف بين الأساطين بأسا " (1). ويظهر التوقف في صحة صلاة القائمين على يمين من بحيال الباب ويساره وخلفه من بعض المتأخرين (2). ولعل ما ذكرنا من الأحكام لا يتفاوت بين الصف والإمام ; وبين الصف والصف الآخر أيضا. ومنع أبو الصلاح (3) وابن زهرة (4) عن حيلولة النهر بين الإمام والمأموم، ولم نقف على مأخذه، فإن اعتبرا عدم كونه أزيد مما يتخطى فهو، وإلا فيطالبان بالدليل. هكذا رد هذا القول صاحبا المدارك والذخيرة (5)، إلا أن صاحب الذخيرة تأمل في الأول أيضا، وسيجئ الكلام فيه. ثم إن هذا الحكم الذي ذكرنا من لزوم عدم الحائل مختص بالرجل، وأما لو كان المأموم مرأة فيجوز، ولو كان الحائل غير مشبك أيضا، وفاقا للمشهور، لموثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي بالقوم وخلفه دار فيها نساء،


(1) الكافي 3: 386 ح 6، الفقيه 1: 253 ح 1141، التهذيب 3: 52 ح 180، الوسائل 5: 460 أبواب صلاة الجماعة ب 59 ح 2. (2) كالسبزواري في الكفاية: 31، والذخيرة: 394. (3) الكافي في الفقه: 144. (4) الغنية (الجوامع الفقهية): 560. (5) المدارك 4: 319، الذخيرة: 394.

[ 134 ]

هل يجوز لهن أن يصلين خلفه ؟ قال: " نعم إن كان الإمام أسفل منهن " قلت: فإن بينهن وبينه حائطا أو طريقا، قال: " لا بأس " (1) فإن الصحيحة لا تدل على حكم المرأة، ولو سلم فالخاص مقدم على العام، وإن كان موثقا والعام صحيحا، لاعتضادها بعمل الجمهور. وخالف في ذلك ابن إدريس قال: وقد وردت رخصة للنساء أن يصلين وبينهن وبين الإمام حائط، والأول أظهر وأصح (2)، وأراد به المساواة مع الرجال، وطريق الاحتياط واضح. ولايجوز التباعد بين الإمام والمأموم إلا بالصفوف المتخللة، وهو إجماع أصحابنا وأكثر أهل العلم. واختلفوا في تحديده، فأحاله الأكثر إلى العرف. وربما يستبعد ذلك، ولا وجه له، إذ المستفاد من الأخبار الكثيرة المتضافرة في صلاة الجماعة أنه يتقدم الإمام ويقوم المأموم خلفه أو يقوم قدامه ونحو ذلك، وهذه ألفاظ يرجع فيها إلى العرف. ففي رواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام: أنه سئل عن الرجل يؤم الرجلين، قال: " يتقدمهما، ولا يقوم بينهما " وعن الرجلين يصليان جماعة، قال: " نعم يجعله عن يمينه " (3) الحديث. وفي صحيحته عن أحدهما عليهما السلام، قال: " الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه، فإن كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه " (4) إلى غير ذلك من الأخبار (5).


(1) التهذيب 3: 53 ح 183، الوسائل 5: 461 أبواب صلاة الجماعة ب 60 ح 1. (2) السرائر 1: 289. (3) الفقيه 1: 252 ح 1139، الوسائل 5: 413 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 7. (4) التهذيب 3: 26 ح 89، الوسائل 5: 411 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 1. (5) الوسائل 5: 411 أبواب صلاة الجماعة ب 23.

[ 135 ]

وقال في الخلاف: حده مع عدم اتصال الصفوف ما يمنع عن مشاهدته والاقتداء بأفعاله (1)، ونقل عن المبسوط جواز البعد بثلاثمائة ذراع (2)، وكلاهما بعيدان. وحدده أبو الصلاح (3) وابن زهرة (4) بما لا يتخطى، لصحيحة زرارة المتقدمة (5)، ولا ريب أنه أحوط. ثم اعلم أن الذي يظهر من مجموع الإطلاقات وخصوص صحيحة زرارة المتقدمة أنه تصح صلاة من أحرم بالصلاة في الصف الأخير قبل إحرام من في الصف الأول على الإطلاق، ولا يعتبر ذلك التباعد حينئذ بسبب عدم كونهم مصلين في هذه الحالة، إذ الذي ظهر من عدم جواز التباعد وأقل ما يجوز منه على سبيل التسليم والمماشاة هو ما يتخطى كما في الصحيحة، وذلك كما أنه يكفي في الفاصل بين المأموم والإمام، فهو يكفي أيضا بين الصفين كما نص عليه في هذه الصحيحة، فليس هذا المأموم مندرجا في عنوان من لا صلاة لهم، ولم يظهر من الأخبار وكلام الأصحاب مانع من ذلك من غير جهة التباعد، فلا وجه لتقييد الأخبار الدالة على عموم الاقتداء بغير دليل. وأما على قول المشهور من بناء ذلك على العرف وأن ما يفهم من الإطلاقات هو الحجة، فالأمر أسهل، لأنه يصدق عليه حينئذ أنه صلى خلف الإمام، وأنه يصلي خلفه في الصف الأخير ونحو ذلك مما هو مذكور في الأخبار. وقال السيد الفاضل في المدارك: فاعلم أنه ينبغي للبعيد من الصفوف أن لا يحرم بالصلاة حتى يحرم قبله من المتقدم من يزول معه التباعد (6).


(1) الخلاف 1: 559. (2) المبسوط 1: 156. (3) الكافي في الفقه: 144. (4) الغنية (الجوامع الفقهية): 560. (5) الفقيه 1: 253 ح 1144، التهذيب 3: 52 ح 182، الوسائل 5: 462 أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 2. (6) المدارك 4: 322.

[ 136 ]

اقول: وبعدما ذكرنا فلا وجه له، لعدم ظهور الدليل على ذلك، وأما ما يظهر من تعليله ذلك الحكم برفع التباعد ففيه أيضا ما عرفت. نعم يمكن أن يقول: شمول الصحيحة لذلك محل تأمل، وكذا فهم العرف من الأخبار المطلقة، فيحصل الاحتمال، سيما مع كثرة الصفوف وكون الصف الآخر أول من يحرم، فيكون ترك ذلك أولى وأحوط، فيكون مستحبا. ولعله - رحمه الله - مراده أيضا الاستحباب كما يشعر به كلامه، ولكن تعارضه فضيلة المسارعة والمسابقة إلى الخير، ومع ذلك فالأحوط سيما فيما فرضناه التأخير. ومما ذكرنا لعلك تتنبه على حال من تنقطع عنه الصفوف في حال الصلاة بأن تتم صلاتهم، كما لو كانوا مسافرين، أو مؤتمين به بغير صنف صلاته، أو يقصدون الانفراد ونحو ذلك، فالظاهر أن صلاته صحيحة، ولا عبرة بالتباعد أيضا. ولا يجب عليه العود إلى ما يتخطى ونحوه إذا لم يكن فعلا كثيرا، ولا قصد تجديد القدوة بناءا على جواز تجديد المؤتم بإمام آخر إذا انتهت صلاة الإمام، والذي يستفاد من الأخبار لا يزيد على اعتبار ذلك في أول الصلاة، ولا دليل في غيره. وقيل: تنفسخ القدوة، ولا تعود بانتقاله إلى محل القرب (1). ولقد أحسن السيد الفاضل - رحمه الله - حيث قال: والأصح أن عدم التباعد ; إنما يعتبر في ابتداء الصلاة خاصة دون استدامتها كالجماعة والعدد في الجمعة ; تمسكا بمقتضى الأصل السالم عن المعارض (2). والتشبث بما ذكرنا من ظهور الصحة من الإطلاقات أولى. وبالجملة الاحتياط في أمثال تلك المسائل التي لا نص عليها بالخصوص أولى، ولكن الاحتياط ههنا مع ما يأتي من الإشكال في إطلاق الحكم في جواز الانفراد، ومع ثبوت الإشكال في العود إلى ما يقرب من الإمام أو قصد تجديد القدوة لعله


(1) البيان: 136. (2) المدارك 4: 323.

[ 137 ]

لا يحصل إلا بتعدد الصلاة. الخامس: المشهور بين الأصحاب عدم جواز علو الإمام بما إذا كان شبه الدكان والأبنية، لا في الأرض المنحدرة، ويظهر من كلام بعضهم أنه نقل الإجماع على ذلك أيضا (1). واستدلوا على ذلك بما رواه المشايخ الثلاثة في الموثق، عن عمار، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي بقوم وهم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلي فيه، فقال: " إن كان الإمام على شبه الدكان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، وإن كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقل إذا كان الارتفاع ببطن مسيل، فإن كان أرضا مبسوطة وكان في موضع منها ارتفاع فقام الإمام في الموضع المرتفع وقام من خلفه أسفل منه والأرض مبسوطة إلا أنهم في موضع منحدر فلا بأس به ". قال: وسئل فإن قام الإمام أسفل من موضع من يصلي خلفه ؟ قال: " لا بأس ". قال: " وإن كان رجل فوق بيت أو غير ذلك، دكانا كان أو غيره، وكان الإمام يصلي على الأرض وأسفل منه جاز للرجل أن يصلي خلفه ويقتدي بصلاته وإن كان أرفع منه بشئ كثير " (2). وفي التهذيب مقام قوله ببطن مسيل " بقدر شبر ". وقيل: وأكثر نسخ الفقيه مقام ببطن مسيل " بقطع سبيل " (3). والخبر وإن كان مختلط الألفاظ مشتبه المعاني مشتمل على ما يخالف ظاهر


(1) المنتهى 1: 366. (2) الكافي 3: 386 ح 9، الفقيه 1: 253 ح 1146، التهذيب 3: 53 ح 185، الوسائل 5: 463 أبواب صلاة الجماعة ب 63 ح 1. (3) الموجود في المطبوع: بقطع سيل.

[ 138 ]

الأصحاب من اعتبار الإصبع وأقل منه - اللهم إلا أن يجعل المراد طول الإصبع، ولكنه لا ينتفي بذلك الإشكال بالمرة أيضا - إلا أن فهم الأصحاب مع ظهور ما لما فهموه من اللفظ يكفي في ذلك الحكم، سيما مع توقف اليقين بالبراءة على ذلك، هذا. مع أن الظاهر من الخبر من قوله " فإن كان أرضا مبسوطة " إلى آخره هو ذلك التفصيل، ولا حاجة إلى صدر الخبر، إلا أن ارتباطه بما قبله يورث وهنا في الظهور. وأظهر دلالات الخبر على المطلوب إنما هو على ما في أكثر نسخ الكافي كما ذكرنا، فحينئذ تكون كلمة " إن " في قوله " وإن كان أرفع منهم بقدر إصبع " وصلية، ويكون قوله " إذا كان الارتفاع ببطن مسيل " تأكيدا للتمثيل السابق، ولهذا لم يأت بكلمة " في " مكان الباء، فيكون المطلوب من أول الخبر إلى هنا بيان عدم جواز الارتفاع لو كان من قبيل الدكان أو بطن المسيل ونحو ذلك، وما بعده لبيان جواز العلو في المنحدرة: وبما يقرب من هذا يوجه ما في الفقيه أيضا. وأما ما في التهذيب فلم أجد له وجها وجيها. وتردد في ذلك الحكم المحقق في المعتبر (1)، ولعله لاضطراب الخبر. وحكم الشيخ في الخلاف بالكراهة (2)، وارتضاه بعض المتأخرين (3). واختلفوا في قدر العلو المانع، فقيل: ما يعتد به (4)، وقيل: قدر شبر (5)، وقيل: ما لا يتخطى (6). ولعل نظر القائل بالآخرين إلى رواية عمار على بعض الطرق، وصحيحة زرارة


(1) المعتبر 2: 420. (2) الخلاف 1: 556 مسألة 301. (3) المدارك 4: 320. (4) المبسوط 1: 156، المعتبر 2: 419، الشرائع 1: 113، التذكرة 4: 260، المسالك 1: 306. (5) حكاه في الذخيرة: 394، والبحار 85: 52. (6) الكافي في الفقه: 144.

[ 139 ]

المتقدمة على بعض الوجوه، ولا يخفى أنهما لا تدلان على أحدهما كما عرفت. وقال في التذكرة: لو كان العلو يسيرا جاز إجماعا، والاحتياط الاجتناب عن العلو مطلقا (1). ثم إنه نسب إلى الأصحاب أن الباطل حينئذ هو صلاة المأموم دون الإمام، وإلى بعض العامة تعميم البطلان (2). وأما المأموم فيجوز علوه على الإمام، ولعله إجماعي، وأسنده في المنتهى إلى علمائنا (3)، ولم نقف فيه من الأصحاب على مخالف، ويدل عليه مضافا إلى الإطلاقات خصوص الموثقة المتقدمة. وأما ما رواه محمد بن عبد الله، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الإمام يصلي في موضع والذين يصلون خلفه في موضع أرفع منه، فقال: " يكون مكانهم مستويا " (4) فلا بد من حمله على الاستحباب، لعدم مقاومته لما ذكرنا، لجهالة الراوي ; وإن كان الرواي عنه صفوان بن يحيى، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، ولمتروكية ظاهره عند الأصحاب، والاحتياط في ذلك ما لم يتضيق المكان. ولا يجوز تقدم المأموم على الإمام ; للإجماع، ولعدم توظيف ذلك من الشارع، بل وتوظيف خلافه، ويظهر ذلك من الأخبار الكثيرة. وهل يكفي التساوي أو يجب التأخر ؟ فالمنسوب إلى أكثر الأصحاب والمشهور بينهم هو عدم وجوب التأخر (5)، والمنقول عن ظاهر ابن إدريس لزوم التأخر (6)،


(1) التذكرة 4: 263. (2) التذكرة 4: 263، وانظر المغني والشرح الكبير لابني قدامة 2: 42، 79. (3) المنتهى 1: 366. (4) التهذيب 3: 282 ح 835، الوسائل 5: 463 أبواب صلاة الجماعة ب 63 ح 3. (5) المدارك 4: 330. (6) السرائر 1: 283.

[ 140 ]

والأول أقرب. لنا: مضافا إلى ظاهر الإطلاقات إطلاق صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1)، ولكنها تثبت التفصيل بالنسبة إلى الرجلين والأكثر، وأن الوقوف على اليمين إنما هو إذا كانا رجلين. وفي معناها روايته الاخرى المتقدمة (2). وتدل على جواز التساوي أيضا موثقة سعيد الأعرج عن الصادق عليه السلام: في الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصف مقاما، ويقوم وحده حتى يفرغ من صلاته، قال: " نعم لا بأس، يقوم بحذاء الإمام " (3) وفي معناها رواية اخرى (4). ولفظ " الحذاء " وإن كان بملاحظة اللغة والأخبار الواردة في صلاة المرأة بحذاء الرجل هو كونها على جنبه (5)، ولكن إرادة المحاذاة خلف الإمام هنا لا يخلو من رجحان، وسيجئ أيضا ما يشير إلى ذلك. وهذه الأخبار أيضا للرجل الواحد في المواد المعينة. اللهم إلا أن يقال: إن القول الثالث منتف، فإذا ثبت جواز التساوي في الرجلين ثبت في الأكثر، فلابد من حمل تتمة الصحيحة وما في معناها من الأخبار على الاستحباب، إلا أن الرواية وغيرها من الأخبار أظهر دلالة على مذهب ابن إدريس. وفي مرفوعة علي بن إبراهيم " رفعه، قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يصلي بقوم وهو إلى زاوية في بيته بقرب الحائط وكلهم عن يمينه، وليس على يساره أحد " (6) تأييد ما لما اخترناه.


(1) ص 134 وهي في التهذيب 3: 26 ح 89، والوسائل 5: 411 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 1. (2) ص 134 وهي في الفقيه 1: 252 ح 1139، والوسائل 5: 413 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 7. (3) الكافي 3: 385 ح 3، التهذيب 3: 272 ح 786، الوسائل 5: 459 أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 3. (4) التهذيب 3: 282 ح 838، الوسائل 5: 460 أبواب صلاة الجماعة ب 58 ح 1. (5) قال ابن الأثير في النهاية 1: 358 الحذو والحذاء: الإزاء والمقابل، وقال في المصباح المنير: 126 محاذاة وحذاء: الموازاة. (6) الكافي 3: 386 ح 8، التهذيب 3: 53 ح 184، الوسائل 5: 412 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 6.

[ 141 ]

ويبقى الكلام في وجه الترجيح وحمل الخلاف على الاستحباب. وما ذهب إليه ابن إدريس أقوى بالنسبة إلى الاصول وظواهر كثير من الأخبار واشتراكه في أدلة المشهور كما ذكرنا، والمشهور بالنسبة (1) إلى الشهرة ومطابقته للإطلاقات. ولا ريب أن الاحتياط مع مذهب ابن إدريس، سيما فيما لو كان أكثر من رجلين. ولعل التفصيل كما هو مضمون الروايتين بل الروايات ليس بذلك البعيد، كما يظهر ذلك من بعض المتأخرين (2)، لعدم ظهور الإجماع المركب ههنا (3). ثم بعد البناء على التأخر أو الأعم منه، فهل الوقوف على اليمين بالتفصيل المذكور واجب أو مستحب ؟ فيه وجهان، والمشهور بين الأصحاب أنه مستحب، بل قال في المنتهى: إن هذا الموقف سنة، فلو خالف بأن وقف الواحد على يسار الإمام أو خلفه لم تبطل صلاته عند علمائنا أجمع (4). وهذا لا ينافي خلاف ابن إدريس، إذ هو في التقدم والتأخر ; وكل منهما أعم من كل من اليمين واليسار من وجه، فتأمل. ونقل عن ابن الجنيد القول بوجوب ذلك لظاهر الروايتين (5)، وتدل عليه أيضا رواية الحسين بن بشار المدائني: أنه سمع من يسأل الرضا عليه السلام عن رجل صلى إلى جانب رجل فقام عن يساره وهو لا يعلم، كيف يصنع إذا علم وهو في


(1) يعني: والمشهور أقوى بالنسبة... (2) كالبحراني في الحدائق الناضرة 11: 116. (3) في " ص " زيادة: بنى أنه سئل عن الرجل يؤم الرجلين، قال: يتقدمهما ولا يقوم بينهما، وعن الرجلين يصليان جماعة قال: نعم يجعله عن يمينه لا ينحصر. (4) المنتهى 1: 376. (5) قال العلامة في المختلف 3: 89 المشهور بين الأصحاب أن موقف المأموم وحده أو الجماعة على ما رتبوه نفل لافرض، وقال ابن الجنيد: لا تجوز صلاته لو خالف.

[ 142 ]

الصلاة ؟ قال: " يحوله عن يمينه " (1) ولا ريب أن الاحتياط في ذلك. والمرجع في التقدم والتأخر إلى العرف، وقد نسب إلى صريح الأصحاب أن التساوي يعتبر بالأعقاب، فلو تساوى العقبان لم يضر تقدم أصابع رجل المأموم، ولا تقدم رأسه وصدره، ولا ينفعه العكس لو تقدم العقب (2). وقيل باعتبار تقدم العقب والأصابع معا (3)، وأنه لا يضر التقدم في الرأس والركبتين حال الركوع والسجود والجلوس، والأحوط اعتبار كل المذكورات. السادس: تجب نية الائتمام، وتعيين الإمام، ولو بأن يقتدي بمن يعلم أنه أحد العدلين المرضيين عنده. وتجب متابعة الإمام في الأفعال بإجماعنا كما ذكره جماعة من الأصحاب، بل هو إجماع العلماء كما يظهر من المعتبر والمنتهى (4). ويدل عليه مضافا إلى الإجماع وعدم تحقق معنى القدوة بدونه وعدم حصول البراءة إلا بذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا " (5) ومن طريق الخاصة أيضا أخبار تدل على ذلك (6)، وسيجئ شطر منها. والمراد من المتابعة هنا عدم التقدم، سواء وافقه أو تأخر عنه.


(1) الفقيه 1: 258 ح 1174، التهذيب 3: 26 ح 90،، الوسائل 5: 414 أبواب صلاة الجماعة ب 24 ح 2. وفيهما الحسين بن يسار، قال في معجم رجال الحديث 5: 202 من المطمأن به أن الرجل واحد، والاختلاف إنما نشأ من اختلاف نسخ الرجال، كما أن من المطمأن به صحة كلمة بشار على ما صرح به ابن داود دون كلمة يسار كما يظهر من الروايات. (2) كما في المدارك 4: 331. (3) نهاية الإحكام 2: 117. (4) المعتبر 2: 421، المنتهى 1: 379. (5) صحيح مسلم 1: 308 ح 77، سنن ابن ماجة 1: 276 ح 846. (6) الوسائل 5: 447 أبواب صلاة الجماعة ب 48.

[ 143 ]

ولا يجب التأخر، للأصل، وظاهر الإطلاقات، إلا أنه أفضل. ويظهر من الصدوق أن ثواب الجماعة مشروط بذلك، قال في الفقيه: إن من المأمومين من لا صلاة له، وهو الذي يسبق الإمام في ركوعه وسجوده ورفعه، ومنهم من له صلاة واحدة وهو المقارن له في ذلك، ومنهم من له أربع وعشرون ركعة وهو الذي يتبع الإمام في كل شئ، فيركع بعده، ويسجد بعده، ويرفع منهما بعده (1). وظاهر العبارة وإن كان سائقا مساق نفي الفضيلة والثواب في التقدم، إلا أنك عرفت أن المتابعة واجبة بالإجماع. ويبقى الكلام في أنه هل تبطل الصلاة بذلك أم لا ؟ ظاهر ما ذكرنا من الأدلة وأن القدوة لا تتحقق إلا بذلك يقتضي بطلان الصلاة، لأن هذه الصلاة حينئذ خارجة عن الجماعة وغير داخلة في الانفراد، لأن الجماعة مشروطة بالنية كما سيأتي، فمع نيتها لا يتأتى الانفراد، ومع التخلف لا تصح الجماعة، سيما إذا قلنا بكون العبادات أسامي للصحيحة. وظاهر ما سيأتي من الأخبار وكلام الأصحاب الصحة، وكلام الصدوق - رحمه الله - محتمل لها (2). فلو رفع رأسه عن الركوع قبل الإمام أو عن السجود فيجب عليه الاستمرار لو كان عامدا في ذلك، قال في المدارك: إنه مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا صريحا (3)، ولكن المفيد أطلق العود ولم يقيده بالعامد (4). واستدلوا على ذلك بموثقة غياث بن إبراهيم، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام


(1) نقله عنه في الذكرى: 279 (2) في " ص "، " م ": لهما. (3) المدارك 4: 327. (4) وجدناه في التهذيب 3: 47.

[ 144 ]

عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام، أيعود فيركع إذا أبطأ الإمام ويرفع رأسه ؟ قال: " لا " (1). وللزوم زيادة في الصلاة، ركنا كان أو غيره لو عاد إلى ما تقدم فيه عن الإمام. ولو كان ناسيا في ذلك، فالمشهور أيضا أنه يعود إلى ما كان فيه ويتم مع الإمام. وتدل عليه صحيحة ربعي بن عبد الله والفضيل بن يسار، عن الصادق عليه السلام، قالا: سألناه عن رجل صلى مع إمام يأتم به، فرفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الإمام رأسه من السجود، قال: " فليسجد " (2). وصحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام: عن الرجل يركع مع إمام يقتدى به، ثم يرفع رأسه قبل الإمام، قال: " يعيد ركوعه معه " (3). وحسنة محمد بن سهل الأشعري، عن أبيه عن أبي الحسن الرضا عليه السلام مثلها مع أدنى تفاوت في اللفظ (4). وقد يستشكل في هذا الحكم وهذه الاستدلالات، إذ تلك الأخبار مطلقات، وكذا موثقة غياث، فلا وجه لحملها على العامد وتلك على الناسي، مع أن تلك الموثقة لا تثبت تمام المطلوب، وفي ثبوت الإجماع المركب تأمل. قول: وما يختلج بالبال في تنقيح المقال أن الظاهر من تلك الأخبار أنها في صورة النسيان، إذ هو الغالب في ذلك، لكون وجوب المتابعة مجمعا عليه معهودا بين الأصحاب بل المسلمين، ومن البعيد أن يكون من كان يصلي صلاة الجماعة ويدخل في زمرة الصالحين أن يفعل ذلك القبيح عمدا، وسيما بحيث يكون هذا


(1) التهذيب 3: 47 ح 164، الاستبصار 1: 438 ح 1689، الوسائل 5: 448 أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 6. (2) الفقيه 1: 258 ح 1173، التهذيب 3: 48 ح 165، الوسائل 5: 447 أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 1. (3) التهذيب 3: 277 ح 810، الوسائل 5: 447 أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 3. (4) الفقيه 1: 258 ح 1172، التهذيب 3: 47 ح 163، الاستبصار 1: 438 ح 1688، الوسائل 5: 447 أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 2.

[ 145 ]

مورد سؤال الراوين في جملة من الأخبار، ولعله لا فرق بينه وبين الخطأ، بل هو الأغلب والشائع. والحمل على جاهل المسألة أيضا بعيد، مع أن الجاهل صلاته باطلة غالبا على ما هو التحقيق، فلا يلائم المقام (1). وبالجملة فالذي يجده الطبع السليم أن المراد بتلك الأخبار هو صورة النسيان أو الخطأ. والذي يشيد أركان ذلك ما يأتي من موثقة ابن فضال في الهوي إلى الركوع قبل الإمام (2)، لما ذكرنا من أنه لافرق بين الخطأ والنسيان، ولا قائل بالفصل بين حكم الرفع والهوي ; فيتم التقريب. وأما موثقة غياث، فلما كانت مخالفة لتلك الأخبار الكثيرة الصحيحة، فلابد من حملها على صورة العمد، وليس ذلك التوجيه بنفسه دليلا للاستمرار حالة العمد، إذ الدليل لابد أن يكون نصا أو ظاهرا، وما ذكرناه من الظهور في تلك الأخبار غاية ما يثبت منها مفهوم لقبي ; ولا حجية فيه حتى نقول إنه هو المخصص للموثقة. فنقول: إن الأصل في الصلاة عدم جواز الزيادة على الهيئة المخصوصة، لكونه مخرجا لها عن المطلوب للشارع، ولا ريب أن زيادة كل واجب في الصلاة أو نقصانه عمدا مبطل للصلاة، فهذا الأصل أصل متقن (3)، ولم يثبت مخصص له، فلا يجوز حينئذ العود، للزوم الزيادة، غاية ما ثبت من الرخصة هو في حالة النسيان، لظهور الأخبار في ذلك، وعدم جواز مخالفة الأصل إلا بالقدر المتيقن، فموثقة غياث مقررة للأصل.


(1) في " ص ": فلايتم المقام. (2) التهذيب 3: 280 ح 823، الوسائل 5: 447 أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 4. (3) في " م ": متيقن.

[ 146 ]

ولم يوجد هناك ناقل يقاومه ليترجح عليه، لما ذكرنا من عدم ظهور الأخبار في العامد، مع أن الترجيح للمقرر كما هو التحقيق، والقدر الذي قابله الناقل لقوته - وهو صورة النسيان - فقد خصصناه، فتبقى صورة العمد بحالها. ومن هذا يظهر وجه تفرقة الأصحاب. ولكن يبقى الإشكال في تصريحهم بأنه يستمر حتى يلحقه الإمام ; ولم يحكموا ببطلان الصلاة حينئذ، بل وحكموا بصحتها، فإن المحقق والمقرر عندنا بل وعند العلماء كافة وجوب المتابعة، ومع التخلف عن ذلك فالأوجه البطلان، فكيف يحكم بالصحة ؟ ! وموثقة غياث أيضا لا تنافي ذلك، ولم تصرح فيه بلزوم الاستمرار، ولعله يكون المراد فيه البطلان أيضا. وقد يقال البطلان يظهر من كلام الشيخ في المبسوط أيضا، حيث قال: من فارق الإمام بغير عذر بطلت صلاته (1)، ولا يخلو من إشعار. ولعل نظر الأصحاب إلى أن المتابعة واجب خارج عن الصلاة، فبتركه يحصل الإثم خاصة، ولعل في كلام الصدوق الذي ذكرنا أيضا إشعار بذلك. ويشكل هذا الحكم لو قلنا بأن الجماعة اسم (2) للصحيحة منها. ثم بعد البناء على ذلك فالموثقة تحكم على مورد خاص، والإجماع المركب لم نقف على من يدعيه ههنا، ولم يظهر لنا القطع به، فالأحوط في غير مورد الخبر العود والإعادة، بل في أصل هذا الحكم عندي إشكال، ولم أقف للأصحاب في ذلك على حجة يعتد بها. ثم إن العلامة - رحمه الله - ذهب في التذكرة والنهاية إلى استحباب العود في


(1) المبسوط 1: 157. (2) بدل اسم في " ح ": تامة.

[ 147 ]

صورة النسيان (1)، ولعله لتلك المعارضات استضعف دلالتها على الوجوب، وليس بشئ، لتوقف اليقين بالبراءة على ذلك. وبعد البناء على المشهور من الوجوب، فهل تبطل الصلاة بتعمد ترك العود أم لا ؟ وجهان، مالهما إلى جعل ذلك خارجا عن الجماعة أو داخلا فيها، وعدم البطلان في صورة العمد يؤيد عدم البطلان ههنا وإن ثبت العصيان، والأحوط البناء على البطلان والإعادة في الوقت. وأما الخارج ففي شمول أدلة القضاء له إشكال. وهذا الحكم الذي نقلناه من المشهور في الرفع هو بعينه قولهم في الهوي إلى الركوع والسجود، أما في صورة العمد فللزوم الزيادة كما ذكرنا. وأما في صورة النسيان فلموثقة حسن بن علي بن فضال، قال: كتبت إلى أبى الحسن الرضا عليه السلام: في الرجل كان خلف إمام يأتم به، فركع قبل أن يركع الإمام، وهو يظن أن الأمام قد ركع، فلما رآه لم يركع رفع رأسه ثم أعاد الركوع مع الإمام، أيفسد ذلك صلاته أم تجوز له الركعة ؟ فكتب: " يتم صلاته ولا يفسد ما صنع صلاته " (2) ويتم التقريب بعدم القول بالفصل. ويظهر لك مما ذكرنا سابقا الإشكال في صورة التعمد والجواب عنه، وكذا التعدي عن حكم الهوي إلى الركوع كما هو مورد النص إلى غيره، وأن الاحتياط ماذا. ولابد من تقييد ذلك بما إذا تمت قراءة الإمام، وإلا فيشكل الحكم بالصحة، بل الحكم بالصحة بالاستمرار في حال العمد في جميع هذه الصور عندي محل إشكال، وكذا العود في هذه الحالة، والاحتياط في الاستمرار وإعادة الصلاة، هذا حال الأفعال.


(1) التذكرة 4: 344، نهاية الإحكام 2: 135. (2) التهذيب 3: 280 ح 823، الوسائل 5: 447 أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 4.

[ 148 ]

وأما الأقوال والأذكار ففيها قولان ; الأول: - ولعل الأكثر عليه - عدم الوجوب، للأصل، وصدق الامتثال بالمطلقات بدون ذلك، وعدم ثبوت المقيد، وأنه لو كان واجبا لوجب على الإمام الجهر ليعلم المأموم فلا يتقدمه (1). وثانيهما: قول الشهيد في جملة من كتبه، وهو وجوب المتابعة (2)، ولعل نظره إلى الرواية النبوية المتقدمة (3)، وبأن القدوة لا تحصل إلا بذلك، والأحوط هو ما ذكره. ولعل المراد بالمتابعة في الأقوال: هي المتابعة في شخص الذكر أيضا، لا مجرد التقديم والتأخير. هذا في غير تكبيرة الإحرام. وأما فيها فلا ريب في البطلان مع التقدم، ويظهر وجهه بما أسلفناه. وأما معه فقولان، والأصح البطلان، للأصل، ولعدم ظهور صدق القدوة، لأن القدوة تحصل إذا ثبتت صلاة يقتدى بها، والاقتداء أيضا إنما يحصل بانعقاد الصلاة، ولا تنعقد إلا بعد تمام التكبير، وتمامه ليس في حال انعقاد صلاة المؤتم بها، لكون بعضه قبل انعقاد صلاته. ولكن الحميري روى في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي فيكبر قبل الإمام، قال: " لا يكبر إلا مع الإمام، فإن كبر قبله أعاد التكبير " (4) وفي دلالتها على خلاف ما اخترناه تأمل. اعلم أن كلام الأصحاب في هذه المسائل كالأخبار مقيد بالصلاة خلف من يقتدى به، والظاهر أنه كذلك والله العالم.


(1) المعتبر 2: 421، المدارك 4: 326. (2) الدروس 1: 221، البيان: 238 (3) صحيح مسلم 1: 308 ح 77، سنن ابن ماجة 1: 276 ح 846. (4) قرب الإسناد: 95.

[ 149 ]

السابع: الأظهر أنه يجب ترك القراءة للمأموم مطلقا، إلا إذا كانت الصلاة جهرية، ولم يسمع صوت الإمام ولا همهمته، وتستحب القراءة في هذه الصورة وفاقا لجماعة من المتأخرين (1). لنا: ظاهر الآية الشريفة (2)، وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة خلف الإمام أقرأ خلفه ؟ فقال: " أما الصلاة التى لا يجهر فيها بالقراءة فإن ذلك جعل إليه فلا تقرأ خلفه، وأما الصلاة التي يجهر فيها فإنما امر بالجهر لينصت من خلفه، فإن سمعت فانصت، وإن لم تسمع فاقرأ " (3). وصحيحة الحلبي عنه عليه السلام، قال: " إذا صليت خلف إمام تأتم به، فلا تقرأ خلفه، سمعت قراءته أو لم تسمع، إلا أن تكون صلاة تجهر فيها ولم تسمع، فاقرأ " (4). وقال الصدوق في الفقيه: وفي رواية عبيد بن زرارة عنه عليه السلام " أنه إن سمع الهمهمة فلا يقرأ " (5). وصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " وإن كنت خلف إمام فلا تقرأن شيئا في الاوليين، وأنصت لقراءته، ولا تقرأن شيئا في الأخيرتين، فإن الله عزوجل يقول للمؤمنين: (وإذا قرئ القرآن - يعني في الفريضة خلف الإمام - فاستمعوا له


(1) كصاحبي المدارك 4: 323، والذخيرة: 397. (2) وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون (الأعراف: 204). (3) الكافي 3: 377 ح 1، التهذيب 3: 32 ح 114، الاستبصار 1: 427 ح 1649، الوسائل 5: 422 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 5. (4) الكافي 3: 377 ح 2، الفقيه 1: 255 ح 1156، التهذيب 3: 32 ح 115، الاستبصار 1: 428 ح 1650، الوسائل 5: 421 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 1. (5) الفقيه 1: 256 ح 1157، الوسائل 5: 422 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 2.

[ 150 ]

وأنصتوا لعلكم ترحمون) (1) والأخيرتان تتبع الاوليين " (2). وحسنة زرارة عن أحدهما عليهما السلام، قال: " إذا كنت خلف إمام تأتم به فأنصت وسبح في نفسك " (3). وحسنة قتيبة عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا كنت خلف إمام ترتضي به في صلاة تجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك، وإن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ " (4). وصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا، قال أبو جعفر عليه السلام: " كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: من قرأ خلف إمام يؤتم به فمات بعث على غير الفطرة " (5) وموثقة يونس بن يعقوب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة خلف من أرتضي به، أقرأ خلفه ؟ فقال: " من رضيت به فلا تقرأ خلفه " (6). وصحيحة سليمان بن خالد قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيقرأ الرجل في الاولى والعصر خلف الإمام وهو لا يعلم أنه يقرأ ؟ فقال: " لا ينبغي له أن يقرأ، يكله إلى الإمام " (7).


(1) الأعراف: 204. (2) الفقيه 1: 256 ح 1160، الوسائل 5: 422 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 3. وفيهما: فالأخيرتان تبعا للأوليين، وفي نسخة " ح " من نسخنا: والأخيرتان تتبعا الأوليين. (3) الكافي 3: 377 ح 3، التهذيب 3: 32 ح 116، الاستبصار 1: 428 ح 1651، الوسائل 5: 423 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 6. (4) الكافي 3: 377 ح 4، التهذيب 3: 33 ح 117، الاستبصار 1: 428 ح 1652، الوسائل 5: 423 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 7. (5) الكافي 3: 377 ح 6، التهذيب 3: 269 ح 770، الفقيه 1: 255 ح 1155، المحاسن: 79 ح 3، الوسائل 5: 422 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 4. (6) التهذيب 3: 33 ح 118، الاستبصار 1: 428 ح 1653، الوسائل 5: 424 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 14. (7) التهذيب 3: 33 ح 119، الاستبصار 1: 428 ح 1654، الوسائل 5: 423 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 8.

[ 151 ]

وصحيحة ابن سنان عنه عليه السلام، قال: " إن كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ، وكان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرأ خلفه في الاوليين " وقال: " يجزئك التسبيح في الأخيرتين " قلت: أي شئ تقول أنت ؟ قال: " أقرأ فاتحة الكتاب " (1). ورواية الحسين بن بشير، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام فقال: " لا، إن الإمام ضامن للقراءة، وليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه، إنما يضمن القراءة " (2). وموثقة سماعة، قال: سألته عن الإمام إذا أخطأ في القرآن فلا يدري ما يقول، قال: " يفتح عليه بعض من خلفه " قال: وسألته عن الرجل يؤم الناس فيسمعون صوته ولا يفقهون ما يقول، فقال: " إذا سمع صوته فهو يجزئه، وإذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه " (3). وصحيحة عمر بن يزيد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إمام لا بأس به في جميع أمره، عارف، غير أنه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما، أقرأ خلفه ؟ قال: " لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا " (4). ودلالة هذه الأخبار على سقوط القراءة وحرمتها مع سماع القراءة بينة، وكذا اتحاد حكم الهمهمة معه، لخصوص الروايتين المتقدمتين، وعموم الآية والأخبار الاخر، وكذا على سقوط القراءة وحرمتها في الركعتين الاوليين من الإخفاتية، للعمومات، والإطلاقات في الأخبار المتقدمة، وخصوص صحيحة عبد الرحمن بن


(1) التهذيب 3: 35 ح 124، الوسائل 5: 423 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 9 (2) الفقيه 1: 247 ح 1104، التهذيب 3: 279 ح 820، الوسائل 5: 421 أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 1، وفي الفقيه والوسائل الراوي هو: الحسن بن كثير، وهو الأصح. انظر معجم رجال الحديث رقم 2740، 3064. (3) التهذيب 3: 34 ح 123، الاستبصار 1: 429 ح 1656، الوسائل 5: 386 أبواب صلاة الجماعة ب 7 ح 3 وص 424 ب 31 ح 10. (4) الفقيه 1: 248 ح 1114، التهذيب 3: 30 ح 106، الوسائل 5: 392 أبواب صلاة الجماعة ب 11 ح 1.

[ 152 ]

الحجاج، وصحيحة ابن سنان وغيرهما. وقال السيد المرتضى رضي الله عنه: لا يقرأ المأموم خلف الموثوق به في الاوليين في جميع الصلوات من ذوات الجهر والإخفات إلا أن تكون صلاة جهر لم يسمع فيها المأموم قراءة الإمام فيقرأ كل واحد لنفسه، وهذه أشهر الروايات، ثم نقل روايات اخر (1). وقال ابن إدريس: اختلفت الرواية خلف الإمام الموثوق به، فروي أنه لا قراءة على المأموم في جميع الركعات والصلوات سواء كانت جهرية أو إخفاتية، وهي أظهر الروايات التي تقتضيها اصول المذهب، لأن الإمام ضامن للقراءة بلا خلاف، ثم نقل روايات اخرى، ثم قال بعده: والأول أظهر لما قدمناه (2). ويظهر من كلامهما - رحمهما الله - أن السقوط هو المشهور بين الأصحاب، والأوفق بقواعدهم، لكن كلامهما ليس بصريح في الحرمة، بل كلام ابن إدريس إنما ينفي الوجوب، فلم تظهر الشهرة من كلامهما إلا في السقوط. نعم لا يخلو كلام السيد عن ظهور في الحرمة. ويؤيد ما يظهر من ابن إدريس كلام المحقق في المعتبر أيضا، حيث قال: وتكره القراءة خلف الإمام في الإخفاتية على الأشهر، وفي الجهرية لو سمع ولو همهمة، ولو لم يسمع قرأ، ثم قال: هنا مسائل، الاولى تسقط القراءة عن المأموم وعليه اتفاق العلماء، وقال الشيخان: لا يجوز أن يقرأ المأموم في الجهرية إذا سمع قراءة الإمام ولو همهمة، الى آخر ما ذكره (3). وأما الركعتان الأخيرتان فيدل على عدم الجواز في الجهرية خصوص صحيحة


(1) الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 40. قال: وروي أنه لايقرأ فيما يجهر فيه ويلزمه القراءة فيما خافت فيه الإمام، وروي أنه بالخيار فيما خافت فيه. (2) السرائر 1: 284. (3) المعتبر 2: 420.

[ 153 ]

زرارة المتقدمة (1)، ويمكن استنباط العموم منها بالنسبة إلى الإخفاتية أيضا، وقد ثبت عدم الجواز في أولييها، وكذا العمومات أيضا دالة على ذلك في الجهرية والإخفاتية. وأما استحباب القراءة فيما لم يسمع صوت الإمام فلما مر من الأخبار، وبها تخصص عمومات المنع. وأما رفع الوجوب مع وجود الأوامر - وهي ظاهرة في الوجوب - فللأصل، ولأنها في مورد الحظر غالبا، أو مورد توهمه، ولخصوص صحيحة الحسن بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن الأول عليه السلام عن الرجل يصلي خلف إمام يقتدى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلا يسمع القراءة، قال: " لا بأس إن صمت وإن قرأ " (2). ثم يرد على بعض ما ذكرنا من الأحكام امور: الأول: إن ما ذكرت من الأدلة يقتضي حرمة القراءة في الركعتين الاوليين من الإخفاتية، وقد روى إبراهيم بن علي المرافقي وأبو أحمد عمرو بن الربيع البصري، عن جعفر بن محمد عليه السلام: أنه سئل عن القراءة خلف الإمام فقال: " إذا كنت خلف الإمام تولاه وتثق به فإنه تجزئك قراءته، وإن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه، فإذا جهر فأنصت، قال الله تعالى: (وأنصتوا لعلكم ترحمون) (3) قال، فقيل له: فإن لم أكن أثق به فأصلي خلفه فأقرأ ؟ قال: " لا، صل قبله أو بعده " فقيل له: أفاصلي خلفه وأجعلها تطوعا ؟ قال: " لو قبل التطوع لقبلت الفريضة، ولكن اجعلها سبحة " (4).


(1) ص 149 وهي في الفقيه 1: 256 ح 1160، الوسائل 5: 422 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 3. (2) التهذيب 3: 34 ح 122، الاستبصار 1: 429 ح 1657، الوسائل 5: 424 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 11. (3) الأعراف: 204. (4) التهذيب 3: 33 ح 120، وفي الوسائل 5: 424 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 15، وب 6 ح 5.

[ 154 ]

وهذه الرواية ظاهرة في جواز القراءة، وكذا صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة تشعر بذلك، حيث قال عليه السلام: " لا ينبغى " (1) وهو لا يدل على الحرمة، بل هو ظاهر في الكراهة، فالوجه الجمع بين الأخبار بالكراهة وأفضلية التسبيح كما سنذكر. وفيه: أن الصحيحة غير صريحة في المطلوب، لمنع ظهور " لا ينبغى " في الكراهة، غاية الأمر عدم دلالته على الحرمة، ولعل الصحيحة ظاهرة في الركعتين الأخيرتين كما يشعر به قوله " وهو لا يعلم أنه يقرأ " وسيجئ فيهما كلام. ولو سلمنا الظهور في المطلوب أيضا، فهو لا يعارض الأخبار الكثيرة الصريحة الصحيحة، سيما مع ما عرفت من أنه الأوفق بالمذهب، والمشهور بين الأصحاب على ما ظهر من كلام السيد رحمه الله، وإن كان يظهر خلافه من المحقق رحمه الله، فلا وجه لإخراج الأقوى عن ظاهره بمخالفة الأضعف ظاهرا. ومما ذكرنا يظهر الجواب عن الرواية، والتوجيه المذكور يتطرق فيها أيضا على ضرب من العناية. الثاني: إنه يعارض ما دل على حرمة القراءة في الركعتين الأخيرتين مطلقا بصحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الإمام، أيقرأ فيهما بالحمد وهو إمام يقتدى به ؟ قال: " إن قرأت فلا بأس، وإن سكت فلا بأس " (2). ورواية أبي خديجة عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا كنت إمام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأوليين وعلى الذين خلفك أن يقولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وهم قيام، فإذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الذين خلفك أن يقرؤا فاتحة الكتاب، وعلى الإمام التسبيح مثل ما يسبح القوم في


(1) تقدمت في ص 150. (2) التهذيب 2: 296 ح 1192، الوسائل 5: 424 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 13.

[ 155 ]

الركعتين الأخيرتين " (1). وبما رواه المحقق في المعتبر، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا كنت في الأخيرتين فقل للذين خلفك يقرؤن فاتحة الكتاب " (2). وتؤيده صحيحة ابن سنان المتقدمة على بعض الوجوه، وكذا صحيحة سليمان بن خالد. وليس في عمومات تلك الأخبار أيضا ما يشمل ما نحن فيه بظاهره إلا صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم، وموثقة يونس بن يعقوب. وأما مثل رواية الحسين بن بشير فلعل الظاهر منها أنه فيما ثبت للإمام هناك قراءة حتى يضمن بها قراءة من خلفه، والتزام القراءة في الأخيرتين ووجوبها عينا غير واضح، بل عرفت سابقا أفضلية التسبيح مطلقا. وأما مثل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وصحيحة الحلبي وعمر بن يزيد وغيرها وان كان فيها إطلاق لكن الطبع السليم والتأمل المستقيم لا يفهم منها عموما، ولا ينساق إلى الركعتين الأخيرتين قطعا كما لا يخفى. وأما صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم وموثقة يونس فهما تتعارضان مع ما ذكرنا من الأخبار وعمومات جواز القراءة في الصلاة وفي خصوص الركعتين الأخيرتين. ويمكن دفعه بأن صحيحة علي بن يقطين ظاهرة في الجهرية، ويعارضها خصوص صحيحة زرارة المتقدمة، فمع تأييدها بظاهر العمومات لا تقاومها هذه الصحيحة. وأما رواية أبي خديجة فربما يقال: إن المراد منها بقوله عليه السلام " فإذا كان في


(1) التهذيب 3: 275 ح 800، الوسائل 5: 426 أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 6. (2) المعتبر 2: 421.

[ 156 ]

الركعتين الأخيرتين " (إذا كان الائتمام في الركعتين الأخيرتين) (1) بأن يكون المأمومون مسبوقين، وقوله عليه السلام " في الركعتين الأخيرتين " في آخر الخبر من متعلقات قوله " على الإمام التسبيح " فحينئذ لايتم التقريب، إذ هو مسألة على حدة، وسيجئ إن شاء الله تعالى. وعلى فرض تسليم الدلالة فهي قاصرة السند (2)، ولا تقاوم الأخبار الصحيحة الظاهرة. ومن هذا يظهر الجواب عن البواقي، إلا أن يقال: شمول الصحيحة والموثقة لذلك محل تأمل، وإنهما ظاهرتان فيما تثبت فيه القراءة، فتبقى عمومات جواز القراءة بحالها، إلا أن ترك القراءة أحوط، سيما مع ما نذكر من استحباب التسبيح، وذكرنا سابقا من أفضليته مطلقا (3). وبالجملة الأولى ترك القراءة في جميع تلك الموارد إلا في الجهرية إذا لم يسمعها المأموم، ولعله يمكن القول بالأولوية هناك أيضا، لعدم التأكد (4) فيها كما ذكر، وأفضلية التسبيح، ولخصوص بعض الأخبار الدالة عليها، منها ما تقدم، ومنها ما سيأتي. ثم إن جمعا من الأصحاب حكموا باستحباب التسبيح في الإخفاتية (5)، لصحيحة بكر بن محمد الأزدي قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إني لأكره للمرء أن يصلي خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنه حمار " قال،


(1) مابين القوسين مشطوب في نسخة " ص ". (2) لعل وجه الضعف هو الكلام في أبي خديجة فقد ضعفه الشيخ في الفهرست: 79 رقم 327، وتبعه العلامة في رجاله: 227. وإن وثقه النجاشي والشيخ في موضع آخر. (3) نذكر: أن الأخبار التي لم نشر إلى مصادرها قد مرت نصوصها والإشارة إلى مصادرها في الصفحات 149 - 151. (4) في " ص ": التأكيد. (5) كالشهيد في البيان: 243، وصاحب المدارك 4: 324.

[ 157 ]

قلت: جعلت فداك فيصنع ماذا ؟ قال: " يسبح " (1). وقد مرت رواية أبي خديجة (2) وحسنة زرارة (3)، إلا أن حسنة زرارة تشمل بإطلاقها الجهرية وإن سمع قراءة الإمام، بل هي ظاهرة فيها. فحينئذ يرد الإشكال من جهة ما دل على استحباب القراءة فيما لم يسمع الصوت ولا الهمهمة، وحرمتها فيما سمعا. ومن جهة إطلاق رواية أبي خديجة، وظاهر هذه الحسنة، فإنهما تدلان على رجحان التسبيح مطلقا، المتضمن لعدم الاستماع. أما الإشكال الأول وهو رجحان التسبيح كما هو مقتضى رواية أبي خديجة، ففيه أنها لا تقاوم تلك الأدلة كما ذكرنا سابقا. وأما الإشكال الثاني وهو رجحان التسبيح - مع تضمنه عدم الاستماع - كما أفادته الحسنة، فقد قيل في وجه الجمع بينها وبين الآية بوجهين الأول: أن يكون المراد التسبيح الخفي بحيث لا ينافي الإنصات العرفي، والثاني: أن يكون المراد التسبيح القلبي والنفسي لا الذكري كما هو ظاهر الخبر. وفي كليهما نظر، لأن المأمور به في الآية الاستماع والإنصات، ولا يتحقق الإنصات إلا بترك القراءة، ولاريب أن الاستماع أمر مربوط بالقلب، فإنما هو إعمال القلب للجارحة المخصوصة لحصول المقصود، فمع ربط القلب بتحصيل السماع يشكل الالتفات إلى التسبيح النفسي والقلبي الذي ليس هو إلا بتوجه القلب، ولا مدخل فيه لجارحة اخرى، إذ " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ".


(1) الفقيه 1: 256 ح 1161، الوسائل 5: 425 أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 1. (2) ص 154. (3) ص 150 وهي في الكافي 3: 377 ح 3، التهذيب 3: 32 ح 116، الاستبصار 1: 428 ح 1651، الوسائل 5: 423 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 6.

[ 158 ]

فلعل حملها على الإخفاتية وجعل الإنصات عبارة عن ترك القراءة أولى. ويشعر بذلك أيضا بعض الأخبار، كصحيحة علي بن يقطين (1). وبالجملة الحكم باستحباب التسبيح في الركعتين الأوليين من الجهرية إذا سمع القراءة في غاية الإشكال، بل وجوازه أيضا. الثامن: يستحب حضور جماعة أهل الخلاف استحبابا مؤكدا، للأخبار الكثيرة، فروى زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " يا زيد، خالقوا الناس بأخلاقهم، صلوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، وإن استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذنين فافعلوا، فإنكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفرا، ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه، وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، فعل الله بجعفر، ما كان أسوأ ما يؤدب أصحابه " (2). وحفص بن البختري في الصحيح عنه عليه السلام، قال: " يحسب لك إذا دخلت معهم وإن لم تقتد بهم مثل ما يحسب لك إذا كنت مع من يقتدى به " (3). وحماد بن عثمان في الصحيح عنه عليه السلام، أنه قال: " من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله في الصف الأول " (4) إلى غير ذلك من الأخبار (5). وتستحب الصلاة في المنزل أولا ثم الصلاة معهم، لصحيحة عمر بن يزيد عنه


(1) التهذيب 3: 34 ح 122، الاستبصار 1: 429 ح 1657، الوسائل 5: 424 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 11. (2) الفقيه 1: 251 ح 1129، الوسائل 5: 477 أبواب صلاة الجماعة ب 75 ح 1. (3) الكافي 3: 373 ح 9، الفقيه 1: 251 ح 1127، التهذيب 3: 265 ح 752، الوسائل 5: 381 أبواب صلاة الجماعة ب 5 ح 3. (4) الفقيه 1: 250 ح 1126، أمالي الصدوق: 300 ح 14، الوسائل 5: 381 أبواب صلاة الجماعة ب 5 ح 1. (5) الوسائل 5: 381 أبواب صلاة الجماعة ب 5.

[ 159 ]

عليه السلام، أنه قال: " ما منكم أحد يصلي صلاة فريضة في وقتها، ثم يصلي معهم صلاة تقية وهو متوضئ إلا كتب الله له بها خمسا وعشرين درجة، فارغبوا في ذلك " (1). وصحيحة عبد الله بن سنان عنه عليه السلام أنه قال: " ما من عبد يصلي في الوقت ويفرغ ثم يأتيهم ويصلي معهم وهو على وضوء إلا كتب الله له خمسا وعشرين درجة ". وقال له أيضا: إن على بابي مسجدا يكون فيه قوم مخالفون معاندون وهم يمسون في الصلاة، فأنا اصلي العصر ثم أخرج فاصلي معهم، فقال: " أما ترضى أن تحسب لك بأربع وعشرين صلاة " (2). وما رواه مروك بن عبيد في الصحيح، عن نشيط بن صالح، عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال، قلت له: الرجل منا يصلي صلاته في جوف بيته مغلقا عليه بابه، ثم يخرج فيصلي مع جيرته، تكون صلاته تلك وحده في بيته جماعة ؟ فقال: " الذي يصلي في بيته يضاعف الله له ضعفي أجر الجماعة، يكون له خمسين درجة، والذي يصلي مع جيرته يكتب الله له أجر من صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، ويدخل معهم في صلاته فيخلف عليهم ذنوبه ويخرج بحسناتهم " (3) إلى غير ذلك من الأخبار (4). ولا تسقط القراءة حينئذ، وقال في المنتهى: لا نعرف فيه خلافا (5). ويدل عليه مضافا إلى ذلك، وكونه منفردا غير مقتدي حينئذ: حسنة الحلبي عن


(1) الفقيه 1: 250 ح 1125، الوسائل 5: 383 أبواب صلاة الجماعة ب 6 ح 1. (2) الفقيه 1: 265 ح 1210، الوسائل 5: 383 أبواب صلاة الجماعة ب 6 ح 2، 3. (3) التهذيب 3: 273 ح 789، الوسائل 5: 384 أبواب صلاة الجماعة ب 6 ح 6. (4) الوسائل 5: 383 أبواب صلاة الجماعة ب 6. (5) المنتهى 1: 378.

[ 160 ]

الصادق عليه السلام، قال: " إذا صليت خلف إمام لا يقتدي به فاقرأ خلفه، سمعت قراءته أو لم تسمع " (1). وصحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يصلي خلف من لا يقتدى بصلاته والإمام يجهر بالقراءة، قال: " اقرأ لنفسك، فإن لم تسمع بنفسك فلا بأس " (2). وصحيحة محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " يجزيك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس " (3) ويسقط الجهر للروايتين الأخيرتين. وأما ما تضمن من الأخبار من ترك القراءة مثل ما رواه بكير بن أعين في الموثق لابنه، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الناصب يؤمنا ما نقول في الصلاة معه ؟ فقال: " أما إذا جهر فأنصت للقرآن واستمع، ثم اركع واسجد أنت لنفسك " (4). وما رواه زرارة - وليس في طريقها إلا قاسم بن عروة - عن الباقر عليه السلام، قال: " لا بأس أن تصلي خلف الناصب ولا تقرأ خلفه فيما يجهر فيه، فإن قراءته تجزيك إذا سمعتها " (5). وما رواه معاوية بن وهب في الصحيح عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يؤم القوم وأنت لا ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فقال: " إذا


(1) الكافي 3: 373 ح 4، التهذيب 3: 35 ح 125، الاستبصار 1: 429 ح 1658، الوسائل 5: 429 أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 9. (2) التهذيب 3: 36 ح 129، الاستبصار 1: 430 ح 1663، الوسائل 5: 427 أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 1. (3) الكافي 3: 315 ح 16، الفقيه 1: 260 ح 1185، التهذيب 2: 97 ح 366، وج 3: 36 ح 128، الاستبصار 1: 321 ح 1197، وص 430 ح 1662، الوسائل 5: 428 أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 4. (4) التهذيب 3: 35 ح 126، الاستبصار 1: 430 ح 1660، الوسائل 5: 431 أبواب صلاة الجماعة ب 34 ح 3. (5) التهذيب 3: 278 ح 814، الوسائل 5: 431 أبواب صلاة الجماعة ب 34 ح 5.

[ 161 ]

سمعت كتاب الله يتلى فأنصت له " قلت: فإنه يشهد علي بالشرك ! قال: " إن عصى الله فأطع الله "، فرددت عليه فأبى أن يرخص لي قال، قلت له: اصلي إذن في بيتي ثم أخرج إليه ؟ فقال: " أنت وذاك ". وقال: " إن عليا عليه السلام كان في صلاة الصبح فقرأ ابن الكواء وهو خلفه (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) (1)، فأنصت علي عليه السلام تعظيما للقرآن حتى فرغ من الآية ثم عاد في قراءته، ثم عاد ابن الكواء الآية فأنصت علي عليه السلام أيضا، ثم قرأ، فأعاد ابن الكواء فأنصت علي عليه السلام، ثم قال: (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) (2) ثم أتم السورة ثم ركع " (3). فالأجود حملها على شدة التقية كما فعله الشيخ (4). وحملها على أنه يقرأ إذا سكت المخالف، ويسكت إذا قرأ ; مؤيدا ذلك بظاهر حكاية علي عليه السلام ; ليس بذلك. ويشهد لما اخترناه من الحمل صحيحة ابن اذينة، عن علي بن سعد البصري قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني نازل في بني عدي ومؤذنهم وإمامهم وجميع أهل المسجد عثمانية يتبرؤن منكم ومن شيعتكم، وأنا نازل فيهم، فما ترى في الصلاة خلف الإمام ؟ قال: " صل خلفه " قال: " واحتسب بما تسمع، ولو قدمت البصرة لقد سألك الفضيل بن يسار وأخبرته بما أفتيتك فتأخذ بقول الفضيل وتدع قولى ". قال علي: فقدمت البصرة وأخبرت فضيلا فقال: هو أعلم بما قال، لكني قد سمعته وسمعت أباه يقولان: " لا تعتد بالصلاة خلف الناصب، واقرأ لنفسك كأنك


(1) الزمر: 65. (2) الروم: 60. (3) التهذيب 3: 35 ح 127، الاستبصار 1: 430 ح 1661، الوسائل 5: 430 أبواب صلاة الجماعة ب 34 ح 2. (4) التهذيب 3: 36 ح 127.

[ 162 ]

وحدك " قال: فأخذت بقول الفضيل وتركت قول أبي عبد الله عليه السلام (1). والأولى الجمع بين الاستماع والإنصات والقراءة حسب ما أمكن. ولو لم يقدر إلا على ام الكتاب وحدها فتجزيه وإن كانت السورة واجبة أيضا على الأصح، وادعى في المدارك عليه الإجماع (2)، والظاهر عدم الخلاف فيه. وتدل عليه أيضا رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن الرضا عليه السلام، قال، قلت له: إني أدخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجلوني، إلى ما أن أؤذن واقيم ولا أقرأ إلا الحمد حتى يركع، أيجزيني ذلك ؟ قال: " نعم، تجزيك الحمد وحدها " (3). ورواية علي بن أسباط في الحسن، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله وأبى جعفر عليهما السلام: في الرجل يكون خلف الإمام لا يقتدي به فيسبقه الإمام بالقراءة، قال: " إذا كان قد قرأ أم الكتاب أجزأه، يقطع ويركع " (4). وأما لو ركع الإمام قبل إكمال الفاتحة فقيل: يقرأ في ركوعه (5). وقيل: تسقط القراءة للضرورة، وحكم بذلك الشيخ في التهذيب حتى قال: إن الإنسان إذا لم يلحق القراءة معهم جاز له ترك القراءة معهم والاعتداد بتلك الصلاة بعد أن يكون قد أدرك الركوع (6). وتدل عليه أخبار كثيرة، فروى أبو بصير في الصحيح قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: من لاأقتدي به في الصلاة، قال: " افرغ قبل أن يفرغ، فإنك في


(1) التهذيب 3: 27 ح 95 وفيه: علي بن سعيد البصري، الوسائل 5: 389 أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 4، وب 33 ح 7. (2) المدارك 4: 325. (3) التهذيب 3: 37 ح 132، الاستبصار 1: 431 ح 1665، الوسائل 5: 428 أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 6. (4) التهذيب 3: 36 ح 130، الاستبصار 1: 430 ح 1659، الوسائل 5: 428 أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 5 (5) الذكرى: 275. (6) التهذيب 3: 37.

[ 163 ]

حصار، فإن فرغ قبلك فاقطع القراءة واركع معه " (1). وروى معاذ بن كثير في الصحيح، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا دخل الرجل المسجد وهو لا يأتم بصاحبه وقد بقي على الإمام آية أو آيتان فخشي إن هو أذن وأقام أن يركع فليقل: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، وليدخل في الصلاة " (2). وروى إسحاق بن عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أدخل المسجد فأجد الإمام قد ركع وقد ركع القوم فلا يمكنني أن اؤذن واقيم وأكبر، فقال لي: " فإذا كان كذلك فادخل معهم في الركعة واعتد بها، فإنها من أفضل ركعاتك ". قال إسحاق: فلما سمعت أذان المغرب وأنا على بابي قاعد قلت للغلام: انظر اقيمت الصلاة، فجاءني فقال: نعم، فقمت مبادرا فدخلت المسجد فوجدت الناس قد ركعوا، فركعت مع أول صف أدركت، واعتددت بها، ثم صليت بها بعد الانصراف أربع ركعات، ثم انصرفت، فإذا خمسة أو ستة من جيراني قد قاموا إلي من المخزوميين والامويين فأقعدوني ثم قالوا: يا أبا هاشم جزاك الله عن نفسك خيرا، فقد والله رأينا خلاف ما ظننا بك وما قيل فيك، فقلت: وأي شئ ذلك ؟ قالوا: اتبعناك حين قمت إلى الصلاة ونحن نرى أنك لا تقتدي بالصلاة معنا، فوجدناك قد اعتددت بالصلاة معنا وصليت بصلاتنا، فرضي الله عنك وجزاك خيرا قال، قلت لهم: سبحان الله، المثلي يقال هذا، قال: فعلمت أن أبا عبد الله عليه السلام لم يأمرني إلا وهو يخاف علي هذا وشبهه (3). وروى أحمد بن عائذ قال، قلت لأبي الحسن عليه السلام: إني أدخل مع هؤلاء


(1) التهذيب 3: 275 ح 801، الوسائل 5: 430 أبواب صلاة الجماعة ب 34 ح 1. (2) الكافي 3: 306 ح 22، التهذيب 2: 281 ح 1116، الوسائل 4: 663 أبواب الأذان والإقامة ب 34 ح 1. (3) التهذيب 3: 38 ح 133، الاستبصار 1: 431 ح 1666، الوسائل 5: 431 أبواب صلاة الجماعة ب 34 ح 4.

[ 164 ]

في صلاة المغرب فيعجلوني إلى ما أن اؤذن واقيم فلا أقرأ شيئا حتى إذا ركعوا وأركع معهم، أفيجزيني ذلك ؟ قال: " نعم " (1). وقال بعض المتأخرين - كصاحب الذخيرة وصاحب المدارك - بعد نقلهم استدلال الشيخ على المطلب برواية إسحاق: إنه يشكل التعويل عليها لضعف الرواية، وقال: إن الأحوط الإتمام والإعادة عند عدم التمكن من قراءة الفاتحة (2). وقد عرفت عدم انحصار الدليل فيها. ولا يخفى أن ما ذكرنا من الروايات يكفي في إثبات ذلك الحكم ; وإن كان لتضامها وتعاضد بعضها ببعض، مع أن رواية أبي بصير صحيحة، والظاهر أن أبا بصير هو الثقة. وكذا رواية معاذ، وقد ذكر المفيد أنه من ثقات أصحاب الصادق عليه السلام وفقهائه الصالحين ومن شيوخ أصحابه وخاصته (3)، والظاهر أنه الفراء النحوي الثقة الجليل (4). ولم نقف للقائل بالقراءة حال الركوع على مستند، ولعله يمكن أن يقال: الاحتياط فيما ذكراه فيما لو لم يكن هناك تقية، وأما في صورة التقية والضرورة فلعله ليس مجال التأمل في الحكم. ومن هذا يظهر لك الحكم باستحباب الجماعة مع المخالفين وجواز الاعتداد بتلك الصلاة وأنه متى وأنى يستحب وحيثما يجب. ويستحب لو فرغ قبل الإمام أن يمجد الله ويثني عليه ويسجد حتى يفرغ، ففي


(1) التهذيب 3: 37 ح 132، وفي الاستبصار 1: 431 ح 1665، والوسائل 5: 428 أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 6 الراوي أحمد بن محمد بن أبي نصر. (2) الذخيرة: 398، المدارك 4: 326، ولعل وجه الضعف وقوع محمد بن الحصين في طريقها وفي توثيقه كلام. انظر معجم رجال الحديث رقم 10607. (3) الإرشاد 2: 216. (4) انظر معجم رجال الحديث 18: 184 رقم 12419 - 12426.

[ 165 ]

موثقة عمر بن أبي شعبة - لابن بكير - عن الصادق عليه السلام قال، قلت له: أكون مع الإمام فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ من قراءته، قال: " فأتم السورة، ومجد الله، وأثن عليه حتى يفرغ " (1). وتقرب منها مرسلة إسحاق بن عمار عنه عليه السلام، وفي آخرها: " فسبح حتى يفرغ " (2). وروى زرارة في الموثق - لابن بكير - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الإمام أكون معه فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ، قال: " فأمسك آية ومجد الله وأثن عليه، فإذا فرغ فاقرأ الآية واركع " (3). ولم أقف على نص من كلام الأصحاب في وجه جمع تلك الأخبار، وصحيحة أبي بصير المتقدمة (4) تؤيد الروايات الأولة، وكذا غيرها. ولعل الإتمام أولا أقوى وإن كان حمل موثقة زرارة على الاستحباب أيضا ليس بذلك البعيد. وحكم بعض الأصحاب باستحباب التسبيح والذكر قبل فراغ الإمام خلف من يقتدى به أيضا فيما تجوز فيه القراءة للإطلاق (5). التاسع: يجوز أن يأتم المفترض بالمفترض وإن اختلفا كالظهر والعصر، هذا هو المعروف بين الأصحاب، بل قال العلامة في المنتهى: إنه قول علمائنا أجمع (6).


(1) التهذيب 3: 38 ح 134، الوسائل 5: 433 أبواب صلاة الجماعة ب 35 ح 3. (2) الكافي 3: 373 ح 3، الوسائل 5: 432 أبواب صلاة الجماعة ب 35 ح 2. (3) الكافي 3: 373 ح 1، التهذيب 3: 38 ح 135، الوسائل 5: 432 أبواب صلاة الجماعة ب 35 ح 1. (4) مرت في ص 162، وهي في التهذيب 3: 275 ح 801، والوسائل 5: 430 أبواب صلاة الجماعة ب 34 ح 1. (5) القواعد 1: 317. (6) المنتهى 1: 367.

[ 166 ]

والظاهر أنهم لم يفرقوا في ذلك بتخالف الكم أيضا، كالظهر والصبح أو المغرب مثلا، بأن يكون بعضها قضاءا أو كلها. ويدل على ذلك مضافا إلى الإجماع صحيحة حماد بن عثمان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل إمام قوم، فيصلي العصر وهي لهم الظهر، قال: " أجزأت عنه، وأجزأت عنهم " (1). وموثقة أبي بصير، قال: سألته عن رجل صلى مع قوم وهو يرى أنها الاولى وكانت العصر، قال: " فليجعلها الأولى وليصل العصر " (2). ورواية زرارة - وفي طريقها علي بن حديد (3) - عن الباقر عليه السلام: في رجل دخل مع قوم ولم يكن صلى هو الظهر والقوم يصلون العصر، يصلي معهم ؟ قال: " يجعل صلاته التي صلى معهم الظهر، ويصلي هو بعد العصر " (4). وحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن رجل أم قوما في العصر فذكر وهو يصلي بهم أنه لم يكن صلى الأولى، قال: " فليجعلها الأولى التي فاتته ويستأنف بعد صلاة العصر وقد قضى القوم صلاتهم " (5). وصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: " إذا صلى المسافر خلف قوم حضور فليتم صلاته ركعتين ويسلم، وإن صلى معهم الظهر فليجعل الاوليين الظهر والأخيرتين العصر " (6)


(1) التهذيب 3: 49 ح 172، الاستبصار 1: 439 ح 1691، الوسائل 5: 453 أبواب صلاة الجماعة ب 53 ح 1. (2) الكافي 3: 383 ح 12، التهذيب 3: 272 ح 783، الوسائل 5: 454 أبواب صلاة الجماعة ب 53 ح 4. (3) ضعفه الشيخ في التهذيب 7: 101 ذ. ح 435، والاستبصار 1: 40 ح 112 وطريقه إليه ضعيف وقد وقع في أسناد تفسير القمي، وعلى أي حال يشكل الحكم بوثاقته. (4) التهذيب 2: 271 ح 1078، الوسائل 3: 213 أبواب المواقيت ب 63 ح 6. (5) الكافي 3: 294 ح 7، التهذيب 2: 197 ح 777، وص 269 ح 1072، الوسائل 3: 213 أبواب المواقيت ب 63 ح 3. (6) الفقيه 1: 287 ح 1308، الوسائل 5: 454 أبواب صلاة الجماعة ب 53 ح 6، وب 18 ح 1.

[ 167 ]

وموثقة الفضل بن عبد الملك عن الصادق عليه السلام، قال: " لا يؤم الحضري المسافر، ولا المسافر الحضري، فإذا ابتلى بشئ من ذلك فأم قوما حاضرين فإذا أتم الركعتين سلم ثم أخذ بيد بعضهم فقدمه فأمهم، وإذا صلى المسافر خلف قوم حضور " (1) الحديث بتمامه. وقد استدل العلامة بأنه إذا جاز ائتمام المفترض بالمتنفل كما في المعادة فيصح ههنا (2)، ولا اعتماد عليه. ونقل عن الصدوق - رحمه الله - أنه قال: " لا بأس أن يصلي الرجل الظهر خلف من يصلي العصر، ولا يصلي العصر خلف من يصلي الظهر، إلا أن يتوهمها العصر فيصلي معه العصر ثم يعلم أنها كانت الظهر فتجزي عنه " (3). وربما يستدل له بصحيحة علي بن جعفر: أنه سأل أخاه موسى عليه السلام عن إمام كان في الظهر فقامت امرأته بحياله تصلي معه وهي تحسب أنها العصر، هل يفسد ذلك على القوم ؟ وما حال المرأة في صلاتها معهم وقد كانت صلت الظهر ؟ قال: " لا يفسد ذلك على القوم، وتعيد المرأة صلاتها " (4)، وهي تناقض مطلبه كما لا يخفى. ولعل الأمر بالإعادة لكونها محاذية للإمام بناءا على عدم الجواز، ويحمل على الاستحباب بناءا على المختار من الكراهة. وربما يقال: إنه لعله لاعتقاد المرأة خلاف الواقع (5)، وفيه تأمل.


(1) الفقيه 1: 259 ح 1180، التهذيب 3: 164 ح 355، وص 226 ح 574، الاستبصار 1: 426 ح 1643، الوسائل 5: 403 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 6. (2) المنتهى 1: 367. (3) الفقيه 1: 358 ح 1030. (4) التهذيب 3: 49 ح 173، الوسائل 5: 453 أبواب صلاة الجماعة ب 53 ح 2 (5) المدارك 4: 337.

[ 168 ]

وربما نقل عن ابن بابويه القول باعتبار الاتفاق في الكم (1)، وتدفعه الأخبار الصريحة في ائتمام المسافر بالمقيم (2)، ولكن الشأن في إثبات العموم، ولعله لا قائل بالفصل، ولم نجد في الأخبار نصا في غيرها. نعم روى الكليني والشيخ - رحمهما الله - عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة اخرى، فقال: " إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلى حين يذكرها، وإن ذكرها وهو في صلاة بدأ بالتي نسي، وإن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمها بركعة ثم صلى المغرب ثم صلى العتمة بعدها، وإن كان صلى العتمة وحده فصلى منها ركعتين ثم ذكر أنه نسي المغرب أتمها بركعة، فتكون صلاته للمغرب ثلاث ركعات، ثم يصلي العتمة بعد ذلك " (3) فإن الظاهر منها أنه يعدل إلى العصر ويأتم فيها بالمغرب. وروى الشيخ عن إسحاق بن عمار - وفي طريقها سلمة صاحب السابري (4) والراوي عنه ابن أبي عمير - والصدوق أيضا بسنده عن إسحاق بن عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: تقام الصلاة وقد صليت، فقال: " صل واجعلها لما فات " (5). واستثنى الشهيد صلاة الاحتياط إلا فيما اشترك الإمام والمأموم في الشك (6). والاحتياط الترك مطلقا لما أسلفنا لك سابقا.


(1) حكاه عنه في المختلف 3: 91. (2) الوسائل 5: 402 أبواب صلاة الجماعة ب 18. (3) الكافي 3: 293 ح 5، التهذيب 2: 269 ح 1071، الوسائل 3: 213 أبواب المواقيت ب 63 ح 2. والراوي فيها هو عبد الرحمن بن أبي عبد الله، وهو الصحيح. (4) وهو مجهول، ولم يثبت توثيقه، وإن وقع في أسناد كامل الزيارات. (5) الفقيه 1: 265 ح 1213، التهذيب 3: 51 ح 178، الوسائل 5: 457 أبواب صلاة الجماعة ب 55 ح 1. (6) الدروس 1: 205.

[ 169 ]

وما ذكرنا من جواز الائتمام إنما هو إذا لم تتخالفا كيفية كاليومية والكسوف والعيدين، فإنه لا تتحقق القدوة ههنا والمتابعة، وهو ظاهر. ويمكن القول بأنه دائر مدار إمكان المتابعة، فلا مانع من القدوة في الركوع الأخير أو القنوت الأخير أو نحو ذلك، لشمول العمومات ; والاحتياط تركه. ويجوز ائتمام المتنفل بالمفترض، كاقتداء المعيد بمن لم يصل، وكذا ائتمام غير البالغ بناءا على كون عبادته شرعية، كل ذلك يظهر من الأخبار وسيأتي. وعكسه، كائتمام من لم يصل بالمعيد، وسيجئ دليله. والمتنفل بالمتنفل في مواضع كالعيدين مع انتفاء الشرائط، وكذا الاستسقاء والغدير على رأي أبي الصلاح (1). العاشر: لا تجوز مفارقة الإمام بلا عذر بدون قصد الانفراد ; للتأسي، ولأن الإمام إنما جعل إماما ليؤتم به (2)، ولأنه لا دليل على صحة مثل هذه الصلاة، والأصل عدم الصحة. وأما مع العذر فلا خلاف فيه، كانفراده في التشهد إذا كان مسبوقا بالإمام ونحو ذلك، وكذا لاشك في جواز المفارقة مع قصد الانفراد مع العذر. ويبقى الكلام في جواز المفارقة مع قصد الانفراد بلا عذر، فهو المشهور بين الأصحاب، والمعروف من مذهبهم، بل نقل العلامة في النهاية الإجماع على ذلك (3). وكذا نقل عن ظاهر المنتهى أيضا (4). وقال الشيخ في المبسوط: من فارق الإمام بغير عذر بطلت صلاته، وإن فارقه


(1) الكافي في الفقه: 160. (2) عوالي اللآلي 2: 225 ح 42، صحيح مسلم 1: 308 ح 77. (3) نهاية الإحكام 2: 128. (4) المنتهى 1: 384.

[ 170 ]

لعذر وتمم صحت صلاته (1). واحتجوا على المشهور بالأخبار الآتية في الانفراد في السلام والتشهد، وغير ذلك، وبفعل النبي صلى الله عليه وآله في صلاة ذات الرقاع، فإنه صلى بطائفة يوم ذات الرقاع ركعة ثم خرجت من صلاته وأتمت منفردة، وببعض الاعتبارات الضعيفة التي لا يمكن الاعتماد عليها. والجواب عن الأخبار بالقول بالموجب، إذ هو مع العذر في الأغلب، والمطلوب خلافه. وأما مثل صحيحة أبي المعزا الآتية ; فيحتاج إتمام الاستدلال بها بعدم القول بالفصل، وهو غير معلوم. ويدل على مذهب الشيخ عدم ثبوت التوظيف بمثل هذه الصلاة، والأصل عدم الصحة. ويؤيده قوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) (2) وقوله: " إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به " (3) ويمكن القدح في تأييد الثاني. وجعلهما الشيخ دليلا على مدعاه على ما نقل عنه (4). وتؤيده صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام: أنه سأله عن إمام أحدث فانصرف ولم يقدم أحدا، ما حال القوم ؟ قال: " لا صلاة لهم إلا بإمام، فليقدم بعضهم فليتم بهم ما بقي منها، وقد تمت صلاتهم " (5). فالإجماع إنما هو الحجة، وإلا فلا دليل للمشهور ظاهرا، فالحكم على خلافهم


(1) المبسوط 1: 157. (2) محمد: 33. (3) عوالي اللآلي 2: 225 ح 42. (4) نقله في المختلف 3: 75. (5) الفقيه 1: 262 ح 1196، التهذيب 3: 283 ح 843، الوسائل 5: 474 أبواب صلاة الجماعة ب 72 ح 1.

[ 171 ]

والقطع ببطلان الصلاة مشكل، والاحتياط في عدم الانفراد من دون العذر. وما ذكرنا إنما هو في الجماعة المستحبة، وأما الواجبة فلا يجوز قطعا. وهل يجوز عدول المنفرد إلى الائتمام ؟ الأصل يقتضي عدم الجواز، وجوزه الشيخ في الخلاف مدعيا عليه الإجماع (1)، والأحوط الاجتناب، وقد مرت في مباحث النية نبذة من مباحث العدول فراجع وتأمل (2). ثم: بعد البناء على جواز العدول يجب إتمام الصلاة من موضع الانفراد، فإذا كان قبل القراءة فيقرأ وبعده فيركع. وأما في الأثناء ففيه إشكال، وأوجب الشهيد الثاني الاستئناف من أول تلك السورة (3)، والشهيد الأول الاستئناف مطلقا، لأنه في محل القراءة وقد نوى الانفراد (4)، وقال في المدارك: ولعله أحوط (5). ولكن الإشكال في ذلك الاحتياط أيضا محتمل، سيما على مذهب من يحرم القراءة (6) كما هو المختار، إلا أن يقال: إن القرآن المحرم هو ما كان بقصد القراءة المعينة للصلاة كما ذكرنا. ويجوز أن يسلم المأموم قبل الإمام وينصرف للضرورة وغيرها، قال في المدارك: هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب حتى في كلام القائلين بوجوب التسليم (7). ويدل على ذلك مطلقا صحيحة أبي المعزا عن الصادق عليه السلام: في الرجل


(1) الخلاف 1: 552. (2) المجلد الثاني ص 459. (3) روض الجنان: 368 (4) الذكرى: 272. (5) المدارك 4: 379. (6) في " م "، " ح ": القرآن، بدل القراءة. (7) المدارك 4: 387.

[ 172 ]

يصلي خلف إمام فيسلم قبل الإمام، قال: " ليس عليه بذلك بأس " (1). ولكن أبي المعزا روى أيضا في الصحيح عنه عليه السلام: عن الرجل يكون خلف الإمام فيسهو فيسلم قبل أن يسلم الإمام، قال: " لا بأس " (2) ولعله يورث وهنا في الإطلاق. وتدل على صورة العذر صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطول الإمام بالتشهد، فيأخذ الرجل البول أو يتخوف على شئ يفوت أو يعرض له وجع، كيف يصنع ؟ قال: " يتشهد هو وينصرف ويدع الإمام " (3). وصحيحته الاخرى عنه عليه السلام: عن الرجل يكون خلف إمام فيطول في التشهد فيأخذه البول، أو يخاف على شئ أن يفوت، أو يعرض له وجع، كيف يصنع ؟ قال: " يسلم وينصرف ويدع الإمام " (4). وصحيحة زرارة عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطيل الإمام التشهد، قال: " يسلم ويمضي في حاجته إن أحب " (5) وهذه الصحيحة أيضا ظاهرها جواز السبقة بدون العذر كما لا يخفى. والظاهر أنه لا يجب هنا قصد الانفراد، وربما ينسب ذلك إلى ظاهر الأصحاب أيضا، وربما يقوى ذلك على القول بعدم وجوب المتابعة في الأقوال، ولعله ليس على ما ينبغي، لكون الجلوس المعين من الأفعال، والانصراف قبل


(1) التهذيب 3: 55 ح 189، الوسائل 5: 465 أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 4. (2) التهذيب 2: 349 ح 1447، الوسائل 5: 465 أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 5. (3) التهذيب 2: 349 ح 1446، الوسائل 5: 464 أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 2. (4) الفقيه 1: 261 ح 1191، التهذيب 3: 283 ح 842، وفي الوسائل 5: 464 أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 2 يتشهد بدل يسلم. (5) الفقيه 1: 257 ح 1163، التهذيب 2: 349 ح 1445، الوسائل 4: 1004 أبواب التسليم ب 1 ح 6، وج 5: 465 أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 3.

[ 173 ]

الإمام - سيما إذا كان في التشهد - يستلزم عدم المتابعة في الفعل أيضا، والأخبار المطلقة. ولعل قصد الانصراف يكفي مع عدم قصد الائتمام، ولا حاجة إلى قصد عدمه. الحادي عشر: لا شك في أن الأولى بالتقدم هو إمام الأصل لو كان حاضرا، بل وكذلك حكم من أنابه الإمام بخصوص الصلاة. وأما عند غيبته فصاحب المنزل، والإمارة من جانب الإمام، والمسجد الراتب (1) أولى من غيرهم، وإن كان الغير أفضل، والظاهر عدم الخلاف في ذلك، وقال العلامة في المنتهى: إنه لايعرف فيه خلافا (2). وتدل على ذلك رواية أبي عبيدة الآتية، وفي معناها أيضا روى الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله، ولكنها تدل على الأولين. وأما المسجد، فربما يعلل بأن تقديم الغير يورث وحشة وتنافرا، وبأنه مثل منزله. ويمكن أن يقال: إن ذلك سلطنة لصاحب المسجد فيدخل في الرواية أيضا وكلام الأصحاب في ذلك يكفي ; للتسامح في أدلة السنن. وحكم الشهيدان بأن الكراهة تنتفي لو كان بإذنهم، لأن أولويتهم ليست مستندة إلى فضيلة ذاتية، بل إلى سياسة أدبية (3). وقال صاحب المدارك: إنه اجتهاد في مقابل النص (4)


(1) يعني: صاحب المنزل، وصاحب الإمارة من جانب الإمام، وصاحب المسجد الراتب. (2) المنتهى 1: 374. (3) الشهيد الأول في الذكرى: 270، والشهيد الثاني في روض الجنان: 366. (4) المدارك 4: 356.

[ 174 ]

ويمكن أن يقال: إن الظاهر من النهي في الرواية هو النهي عن التقدم في نفسه وأولا، وأما التقدم بسبب تقديمهم إياه فلا يستفاد من النص، فيبقى على أصله، وليس بذلك البعيد. ولعل سياق الرواية أيضا يقتضي ذلك، بأن تكون هي أيضا من المرجحات كالأقرئية والأفقهية وغيرهما، فيكون الأمر كما ذكراه، فتأمل. وعلى هذا فلا يتفرع أثر على النزاع في أنه هل الأفضل تقدمهم أو الإذن للأفضل إلا على ما ذكراه، وحينئذ فالأظهر أفضلية الإذن ; لما سيأتي من الأدلة على أولوية الأعلم وغيره مما لم يذكر، وأما على ما ادعوه من ظهور الرواية في الإطلاق فالأولى المباشرة. ونقل عن جماعة من الأصحاب أن الأولوية لا تتوقف على حضورهم، بل يرسل إليهم لو كانوا غائبين، فإن حضروا أو استنابوا فهو، وإلا فيقدم المأمومون من يريدون مع خوف ضيق الوقت (1). والظاهر أن المراد من صاحب المنزل: هو ساكنه، ولو بالعارية، فلو اجتمع المالك والمستأجر أو المستعير فالظاهر تقديمهما. ونقل عن الشهيد الثاني ترجيح المالك في الثاني (2)، وليس بواضح. وأما الثلاثة فلم نقف على مرجح في أنفسهم لو اجتمعوا. ثم نقل عن جماعة من الأصحاب أن الهاشمي أولى (3). والظاهر أن مرادهم بعد الثلاثة المتقدمة كما يظهر من غير واحد من الأصحاب، وكما يظهر من كلام العلامة في المنتهى في حكاية تقديم الثلاثة (4).


(1) منهم الشهيد الثاني في روض الجنان: 366، وصاحب المدارك 4: 357. (2) روض الجنان: 366. (3) كالعلامة في النهاية: 112، وصاحب المدارك 4: 357. (4) المنتهى 1: 375.

[ 175 ]

وقال الشهيد في الذكرى (1) بعد أن اعترف بعدم النص عليه إلا ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله بطريق غير معلوم " قدموا قريشا ولا تقدموهم " (2) نعم فيه إكرام لرسول الله صلى الله عليه وآله، إذ تقديمه لأجله نوع إكرام، وإكرام رسول الله صلى الله عليه وآله وتبجيله مما لاخفاء في أولويته. وقد يستدل عليه بأنه أفضل، وتقديم المفضول قبيح عقلا (3). ثم لو تشاح الأئمة، فالمنسوب إلى أكثر الأصحاب تقدم الأقرأ على الأفقه (4)، وتدل عليه رواية الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله: " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا " (5). وما رواه أبو عبيدة الحذاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القوم من أصحابنا يجتمعون فتحضر الصلاة فيقول بعضهم لبعض: تقدم يا فلان، فقال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يتقدم القوم أقرؤهم للقرآن، فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا، فإن كانوا في السن سواء فليؤمهم أعلمهم بالسنة وأفقههم في الدين، ولا يتقدمن أحدكم الرجل في منزله، ولاصاحب سلطان في سلطانه " (6).


(1) الذكرى: 270. (2) ترتيب مسند الشافعي 2: 194 ح 691، الجامع الكبير 1: 605، الجامع الصغير 2: 253 ح 6109، 6110، مجمع الزوائد 10: 25، الكامل لابن عدي 5: 1810. (3) كما في المنتهى 1: 375. (4) منهم المحقق في الشرائع 1: 115، والمعتبر 2: 439، والعلامة في القواعد 1: 318، وفخر المحققين في الإيضاح 1: 152، والشهيد الأول في الدروس 1: 219، والشهيد الثاني في روض الجنان: 366. (5) صحيح مسلم 1: 465 ح 673، سنن الترمذي 1: 459 ح 235، سنن أبي داود 1: 159 ح 584، سنن النسائي 2: 76، سنن ابن ماجة 1: 313 ح 980، سنن البيهقي 3: 125. (6) الكافي 3: 376 ح 5، التهذيب 3: 31 ح 113، الوسائل 5: 419 أبواب صلاة الجماعة ب 28 ح 1.

[ 176 ]

وتؤيده صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما: إنه سئل عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به وكان أكثرهم قرآنا، قال: " لا بأس به " (1). والمراد بالأقرأ على ما نقل عن جماعة من الأصحاب هو الأجود قراءة وإتقانا للحروف، وأشد إخراجا لها من مخارجها. وربما يضم إلى ذلك الأعرفية بالاصول المقررة بين القراء (2). وقيل: يحتمل إرادة أكثرية قراءة القرآن، أو أجودية طلاقة اللسان (3). ونقل العلامة في التذكرة قولا بتقديم الأفقه على الأقرأ (4)، ومال إليه جماعة من متأخري أصحابنا، بل وقطع بعضهم بذلك (5)، وهو قوي، لما رواه الصدوق مرسلا عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: " إمام القوم وافدهم، فقدموا أفضلكم " (6). والوافد: قاصد الأمير للزيارة أو الاسترفاد ونحوهما، والإبل السابق للقطار (7). وروي عنه صلى الله عليه وآله أيضا: " إن سركم أن تزكوا صلاتكم، فقدموا خياركم " (8). وتدل عليه أيضا الآيات والأخبار الكثيرة الدالة على أفضلية العالم وجلالة قدره، وكونه بمنزلة الأنبياء، وكونه وارثهم، وأفضل من سبعين ألف عابد، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة (9)، فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، بل الذين


(1) التهذيب 3: 29 ح 99، الاستبصار 1: 423 ح 1628، الوسائل 5: 400 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 2. (2) المسالك 1: 316، روض الجنان: 366. (3) البيان: 233. (4) التذكرة 4: 306. (5) كالعلامة في المختلف 3: 66، وصاحب المدارك 4: 359. (6) الفقيه 1: 247 ح 1100، الوسائل 5: 416 أبواب صلاة الجماعة ب 26 ح 2. (7) القاموس المحيط 1: 359 وفيه: للقطا، بدل للقطار. (8) الفقيه 1: 247 ح 1101، الوسائل 5: 416 أبواب صلاة الجماعة ب 26 ح 3. (9) راجع البحار 1: 162.

[ 177 ]

اوتوا العلم منكم درجات (1). وتؤيده أيضا حسنة زرارة عن الباقر عليه السلام قال، قلت له: الصلاة خلف العبد، فقال: " لا بأس به إذا كان فقيها ولم يكن هناك أفقه منه) قال، قلت: اصلي خلف الأعمى ؟ قال: " نعم، إذا كان من يسدده، وكان أفضلهم " (2). وموثقة سماعة قال: سألته عن المملوك يؤم الناس ؟ فقال: " لا، إلا أن يكون هو أفقههم وأعلمهم " (3). وروى الصدوق مرسلا عن الصادقين عليهما السلام قالا: " لا بأس أن يؤم الأعمى إذا رضوا به وكان أكثرهم قراءة وأفقههم " (4). وربما قيل بالتخيير (5)، ولعل نظره إلى الجمع بين الأخبار، وتؤيده هذه الرواية أيضا. وقد يجاب عن الروايتين بضعف السند (6)، واشتمال الثانية على خلاف المعروف بين الأصحاب، وهو تقديم الأسن على الأعلم. وقد توجه رواية أبي عبيدة بأن المراد بالأقرأ هو المستلزم للفقه والعلم بأحكام القرآن، وأن إطلاق القارئ على العارف بذلك كان شائعا في الصدر الأول. وقد يرد ذلك بأنه ينافي ذكر الأعلم بالسنة عقيبه، وأن العلم بمعاني القرآن لا يستلزم العلم بالسنة، فلا ينفع ذلك التوجيه.


(1) الزمر: 9. (2) الكافي 3: 375 ح 4، الوسائل 5: 400 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 1، وب 21 ح 5. (3) التهذيب 3: 29 ح 101، الاستبصار 1: 423 ح 1630، الوسائل 5: 400 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 3. (4) الفقيه 1: 248 ح 1109، الوسائل 5: 410 أبواب صلاة الجماعة ب 21 ح 3. (5) المبسوط 1: 157. (6) وهما رواية الجمهور ورواية أبي عبيدة، والاولى واردة من طرق العامة، والثانية في طريقها سهل بن زياد وهو ضعيف، وضعفه النجاشي والشيخ وابن الغضائري، وشهد أحمد بن محمد عليه بالغلو والكذب، وشهد ابن بابويه وابن نوح بضعفه، ومع كل ذلك قال الشيخ إنه ثقة، انظر معجم رجال الحديث رقم 5629.

[ 178 ]

الا أن يقال: إن الدقائق المرموزة في القرآن - مما ينتفع بها أهل التفكر فيه، ويتعظ بها المذكرون - كثيرا ما ينفك عنها العالم بالسنة، بل الأعلم بها، إذ الظاهر من العلم بالسنة هو العلم بالفروع الشرعية مما يحتاج إليها في الصلاة وغيرها. حينئذ المفروض أن الإمام لابد من كونه عالما بأحكام صلاته بأي نحو كان، اجتهادا أو تقليدا، وهذا يكفيه. وأما مرتبة التدبر بالآيات والتذكر بها والتقرب بذلك إلى جناب الباري جل اسمه لعلها مرتبة يزيد فضلها على هذا القدر من المزية في العلم. وتؤيده الأخبار الكثيرة الواردة في قراءة القرآن ولزوم التدبر فيه (1)، وأن لا يكون هم أحدكم آخر السورة، بل أن تفزعوا قلوبكم القاسية، فيكون المراد بالأقرأ هو ذلك، إلا أنه لم يعهد هذا القول من الأصحاب. فحينئذ الخبر الظاهر الدلالة على مطلوبهم هو الرواية العامية، ولعل ضعفها منجبر بعملهم، سيما مع كونها من أدلة السنن. ثم المشهور بين المتأخرين أنه يقدم بعد الأفقه الأقدم هجرة (2)، وهو المنقول عن الشيخ في النهاية (3)، وله قول بتقديم الأشرف بعد الأفقه على الأقدم هجرة (4)، والدليل على ذلك هو الرواية العامية (5). والمراد بالأقدم هجرة على ما ذكره في التذكرة سبق الإسلام، أو من كان سبق هجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، أو يكون من أولاد من تقدمت هجرته (6)، وقد مر سابقا ما ينفعك تذكره.


(1) الوسائل 4: 828 أبواب قراءة القرآن ب 3، وص 856 ب 21. (2) كالعلامة في التذكرة 4: 308، وصاحب المدارك 4: 360. (3) النهاية: 111. (4) المبسوط 1: 157. (5) المتقدمة في ص 175. (6) التذكرة 4: 308 مسألة 583.

[ 179 ]

ثم يقدم الأسن، وظاهر جماعة أن المراد: علو السن في الإسلام (1)، وهو خلاف ظاهر النص، والدليل على ذينك أيضا الرواية العامية. ثم يقدم الأصبح وجها، ذكره ابنا بابويه (2) والشيخ (3) وسلار (4) وابن البراج (5) والفاضلان (6)، ونقل عن المرتضى (7) وابن إدريس (8) أنه قد روي إذا تساووا فأصبحهم وجها. وفسر مرة بأحسن صورة (9)، ومرة بأحسن ذكرا بين الناس (10). وقال العلامة في التذكرة: فإن استووا في ذلك كله قدم أشرفهم، أي أعلاهم نسبا، وأفضلهم في نفسه، فإن استووا في هذه الخصال قدم أتقاهم وأورعهم، لأنه أشرف في الدين، وأقرب إلي الإجابة. وربما رجحه بعضهم على الأول (11). ثم قال: فإن استووا في ذلك كله فالأقرب القرعة، ثم قال: وهذا كله تقديم استحباب لا تقديم اشتراط، ولا إيجاب، فلو قدم المفضول جاز ولا نعلم فيه خلافا (12).


(1) منهم الشهيد في الذكرى: 271، وصاحب المدارك 4: 360. (2) نقله عن علي بن بابويه في المختلف 3: 69، الفقيه 1: 377 ذ. ح 1099. (3) النهاية: 111. (4) المراسم: 78. (5) المهذب 1: 81. (6) المحقق في الشرائع 1: 115، والعلامة في نهاية الأحكام 2: 154، والمنتهى 1: 375. (7) الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 40. (8) السرائر 1: 282. (9) كما في المدارك 4: 360. (10) حكاه في التذكرة 4: 310 عن آخرين وارتضاه، وانظر المهذب للشيرازي 1: 106، والمجموع 4: 284، وفتح العزيز 4: 335، وحلية العلماء 2: 178. (11) المرجح هو العلامة في التذكرة 4: 311 قال، والأقوى عندي تقديم هذا على الأشرف لأن شرف الدين خير من شرف الدنيا. (12) التذكرة 4: 311.

[ 180 ]

هذا كله إذا اختلف المأمومون ولم يتفقوا على شئ، وهذا مذهب الأكثر. وقال العلامة في التذكرة: إنه يقدم اختيار الأكثر، فإذا تساووا طلب الترجيح (1) وهو خلاف ما اقتضاه النص، وأما لو اتفق المأمومون على واحد فهو أولى، لما فيه من اجتماع القلوب، وحصول الإقبال المطلوب. وكذا إن كرهه الجميع، ولا يتقدم حينئذ، لقوله عليه السلام: " ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة، أحدهم من تقدم قوما وهم له كارهون " (2) وكذا قيل (3). وقال العلامة في التذكرة: والأقرب إنه إذا كان ذا دين فكرهه القوم لذلك لم تكره إمامته، والإثم على من كرهه، وإلا كرهت (4). واستحسنه بعض المتأخرين أيضا (5)، وهو في محله. ثم اعلم أن ما ورد من الأخبار في تلك المرجحات كرواية أبي عبيدة (6) إنما يفيد الترجيح على العموم، لأن العبرة بعموم اللفظ، والسؤال غير مخصص للحكم على الأصح. ولا يخفى أن المرجحات الثلاثة التي ذكرناها أولا أيضا منساقة مساق باقي المرجحات، وظاهرها العموم. ولكن جماعة من أصحابنا قد أطلقوا الحكم أولا بأولوية الثلاثة الأول (7). ثم


(1) التذكرة 4: 306 مسألة 581. (2) هذا مضمون ما ورد في الكافي 5: 507 ح 5، وأمالي الطوسي 1: 196، والوسائل 5: 418 أبواب صلاة الجماعة ب 27 ح 6. (3) المدارك 4: 370. (4) التذكرة 4: 305. (5) كصاحب المدارك 4: 370. (6) المتقدمة في ص 175، وهي في الكافي 3: 376 ح 5، والتهذيب 3: 31 ح 113، والوسائل 5: 419 أبواب صلاة الجماعة ب 28 ح 1. (7) كالمحقق في الشرائع 1: 115، والعلامة في التذكرة 4: 306.

[ 181 ]

ذكروا أنه إن تشاح الأئمة واختلفوا فيعمل بتلك المرجحات، فإن كان المستند رواية أبي عبيدة فهي تقتضي اتحاد حكم الثلاثة الأول أيضا مع هذه، فلا وجه لتخصيصهم تلك بصورة التشاح، بل لابد من جعل الثلاثة أيضا في هذه الصورة، أو بجعل المجموع مطلقا عن ذلك الشرط. فلا وجه لحكمهم بأولوية من اتفق عليه المأمومون وإن لم يكن صاحب أحد هذه المرجحات وإن كان غيره ; مثل الحديث النبوي صلى الله عليه وآله. فلا وجه لتخصيصهم إعمال تلك المرجحات بصورة التشاح، إذ هو عام. فلا وجه للقول بأولوية من اتفق المأمومون عليه - كما ذكروه - وإن لم يكن راجحا بأحد هذه المرجحات. وبالجملة ظاهر تلك الأخبار وغيرها مما أوردنا بعضها في العبد والأعمى يقتضي أن تلك الامور مرجحات على الإطلاق، غاية الأمر تقديم الثلاثة الاول في المرتبة للتأكيد في الخبر، وللإجماع المنقول ظاهرا كما ذكرنا. ثم إن الظاهر من التشاح هو ما تتضمنه رواية أبي عبيدة، ولعله يدخل فيه تنازع الأئمة أيضا لتحصيل الثواب إن لم يضر هذا بالمروءة والعدالة، ولعله غير مضر. الثاني عشر: يستحب وقوف المأموم عن يمين الإمام إن كان رجلا واحدا، وخلفه إن كان أكثر، لروايتي محمد بن مسلم المتقدمتين (1)، وقد مر الكلام في ذلك (2). وكذا يستحب أن يقف خلفه إن كان امرأة أو أكثر، لموثقة ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يؤم المرأة ؟ قال: " نعم، تكون


(1) في ص 134 وهما في الفقيه 1: 252 ح 1139، والتهذيب 3: 26 ح 89، والوسائل 5: 411 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 1، 7. (2) ص 141.

[ 182 ]

خلفه " وعن المرأة تؤم النساء ؟ قال: " نعم، تقوم وسطا بينهن " (1). ولصحيحة ابن مسكان، عن أبي العباس، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يؤم المرأة في بيته ؟ فقال: " نعم، تقوم وراءه " (2). ويستحب إن كانت واحدة أن تقف مع ذلك إلى جهة يمين الإمام، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبان، عن الفضيل بن يسار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: اصلي المكتوبة بام علي ؟ قال: " نعم، تكون عن يمينك، يكون سجودها بحذاء قدميك " (3). وإن كان رجل ونسوة، فيقوم الرجل عن يمين الإمام، والنسوة خلفه، لما رواه الشيخ في الصحيح عن القاسم بن الوليد، قال: سألته عن الرجل يصلي مع الرجل الواحد معهما النساء، قال: " يقوم الرجل إلى جنب الرجل، ويتخلفن النساء " (4). ولو كان مع النسوة صبي أو أكثر فيتقدمونها، وإن كانوا عبيدا، لما رواه الصدوق، عن إبراهيم بن ميمون، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يؤم النساء وليس معهن رجل في الفريضة ؟ قال: " نعم يقمن خلفه، وإن كان معه صبي فليقم إلى جانبه " (5). وما رواه في الصحيح، عن الحلبي، عن الصادق عليه السلام: عن الرجل يؤم النساء ؟ قال: " نعم، وإن كان معهن غلمان فأقيموهم بين أيديهن وإن كانوا عبيدا " (6). ولرواية ابن مسكان - وليس في طريقها إلا محمد بن سنان - قال: بعثت إليه


(1) التهذيب 3: 31 ح 112، الاستبصار 1: 426 ح 1645، الوسائل 5: 405 أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 4. (2) الكافي 3: 376 ح 1، التهذيب 3: 267 ح 757، الوسائل 5: 405 أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 5. (3) التهذيب 3: 267 ح 758، الوسائل 5: 405 أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 2. (4) التهذيب 3: 268 ح 763، الوسائل 5: 405 أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 3. (5) الفقيه 1: 257 ح 1167، الوسائل 5: 406 أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 6. (6) الفقيه 1: 259 ح 1179، الوسائل 5: 413 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 9.

[ 183 ]

بمسألة في مسائل إبراهيم فدفعها إلى ابن سدير، فسأل عنها وإبراهيم بن ميمون جالس: عن الرجل يؤم النساء ؟ فقال: " نعم " فقلت: سله عنهن إذا كان معهن غلمان لم يدركوا، أيقومون معهن في الصف أم يتقدموهن ؟ فقال: " لا، بل يتقدمونهن وإن كانوا عبيدا " (1). وإن كان الإمام مرأة وقفت النساء إلى جانبيها، بمعنى أن لا يتأخرن عنها، ولو احتجن إلى أزيد من صف وقفت التي تؤم وسط الصف الأول غير بارزة عنه، قال في المعتبر: وعلى ذلك اتفاق القائلين بإمامة النساء (2). وتدل عليه الأخبار المتقدمة في إمامتهن. ومثلهن العراة، ولكن إمامهم يبرز ركبتيه، لصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن قوم صلوا جماعة وهم عراة، قال: " يتقدمهم الإمام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا وهو جالس " (3). والمشهور تعين الجلوس عليهم مطلقا، وقيل بوجوب القيام مع أمن المطلع، واختاره الشهيد الثاني (4)، والأول أقوى، للصحيحة المذكورة، ولأن الظاهر أن الصورة المفروضة من صور عدم الأمن من المطلع وإن كان الأمن حاصلا من مطلع غيرهم. وربما يستدل بجواز الجماعة للعاري جالسا مطلقا على جواز الجلوس له مطلقا كما هو مذهب المرتضى (5)، لكونها مستحبة، ولا يجوز ترك الركن لأمر مستحب، وهو كما ترى، بل هذا موافق لتفصيل المشهور كما اخترناه سابقا


(1) التهذيب 3: 267 ح 759، الوسائل 5: 412 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 3. (2) المعتبر 2: 427. (3) التهذيب 2: 365 ح 1513، وج 3: 178 ح 404، الوسائل 3: 328 أبواب لباس المصلي ب 51 ح 1. (4) المسالك 1: 311. (5) الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 49.

[ 184 ]

لما ذكرنا من الظاهر. ثم إن الظاهر وجوب الإيماء للركوع والسجود كما اختاره الأكثر (1)، وادعى عليه ابن إدريس الإجماع (2)، للإطلاقات في الأخبار، كحسنة زرارة قال، قلت لأبى جعفر عليه السلام: رجل خرج من سفينة عريانا أو سلبت ثيابه ولم يجد شيئا يصلي فيه، فقال: " يصلي إيماءا، وإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها، وإن كان رجلا وضع يده على سوأته ثم يجلسان فيومئان، إيماءا، ولا يسجدان ولا يركعان فيبدو ما خفلهما، تكون صلاتهما إيماءا برؤسهما " (3) الحديث. وقال الشيخ في النهاية: يؤمي الإمام ويركع من خلفه ويسجد (4)، وتدل عليه موثقة إسحاق بن عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: قوم قطع عليهم الطريق واخذت ثيابهم فبقوا عراة، وحضرت الصلاة، كيف يصنعون ؟ فقال: " يتقدمهم إمامهم فيجلس ويجلسون خلفه، فيؤمي إيماءا بالركوع والسجود وهم يركعون ويسجدون خلفه على وجوههم " (5). وقال المحقق في المعتبر بعد نقلها: وهذه حسنة لا يلتفت إلى من يدعي الإجماع على خلافها (6). ويمكن أن يكون المراد من هذه الموثقة أيضا ذلك، ويكون قوله عليه السلام " على وجوههم " مقام قوله " يؤمي إيماءا " وحينئذ يقع الإشكال من جهة الإطلاقات وعمل الأصحاب، ومن جهة تلك الرواية، وأن الميسور لا يسقط بالمعسور، سيما


(1) كالشيخ في النهاية: 130، وصاحب المدارك 4: 340. (2) السرائر 1: 260. (3) الكافي 3: 396 ح 16، التهذيب 2: 364 ح 1512، وج 3: 178 ح 403، الوسائل 3: 327 أبواب لباس المصلي ب 50 ح 6. (4) النهاية: 130. (5) التهذيب 2: 365 ح 1514، الوسائل 3: 328 أبواب لباس المصلي ب 50 ح 2. (6) المعتبر 2: 107.

[ 185 ]

مع الأمن من مطلع حال ركوعهم وسجودهم. ويمكن أن يقال بمنع شمول الإطلاقات لحالة الجماعة، وأن اشتغال الذمة يستدعي اليقين بالبراءة، وأن الميسور لا يسقط بالمعسور وغير ذلك، فيأتي بما تمكن منه. ولكنه يشكل بعدم ثبوت التوظيف في هذه الحالة بهذا النحو أيضا، فلا يحصل اليقين بالبراءة، والاحتياط في الإتيان بالصلاتين، وإن كان الأظهر قول المشهور، للإجماع المنقول، والشهرة، وظواهر الإطلاقات. الثالث عشر: يستحب أن يكون في الصف الأول أهل المزية الكاملة، من علم أو عمل أو عقل، لأنه أفضل الصفوف للأخبار (1)، والأفضل للأفضل. وتدل عليه رواية جابر عن الباقر عليه السلام قال، قال: " ليكن الذين يلون الإمام منكم أولي الأحلام والنهى، فإن نسي الإمام أو تعايا قوموه، وأفضل الصفوف أولها، وأفضل أولها ما دنا من الإمام، وفضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل فذا خمس وعشرون درجة في الجنة " (2). وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من طريق العامة: " ليليني اولو الأحلام، ثم الذين يلونهم ثم الصبيان، ثم النساء " (3). قال في الذكرى: وليكن يمين الصف لأفاضل الصف، لما روي أن الرحمة تنتقل من الإمام إليهم إلى يسار الصف، ثم إلى الثاني، والأفضل للأفضل (4)


(1) الوسائل 5: 386 أبواب صلاة الجماعة ب 8. (2) الكافي 3: 372 ح 7، الوسائل 5: 386 أبواب صلاة الجماعة ب 7 ح 2، وب 8 ح 1، وب 1 ح 5. وفي بعض نسخ الوسائل: فردا، بدل فذا. (3) صحيح مسلم 1: 458 ح 432، سنن أبي داود 1: 236 ح 674، سنن النسائي 2: 87، 90. (4) الذكرى: 273.

[ 186 ]

ويدل على فضل الصف الأول وميامن الصف أخبار، منها ما مر، ومنها ما رواه سهل بإسناده قال، قال: " فضل ميامن الصفوف على مياسرها كفضل الجماعة على صلاة الفرد " (1). وروى الصدوق مرسلا عن الكاظم عليه السلام: " أن الصلاة في الصف الأول كالجهاد في سبيل الله عزوجل " (2). وذهب العلامة في المنتهى إلى استحباب توسيط الإمام عدلا (3)، لما روى الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " وسطوا الإمام وسددوا الخلل " (4). وربما كان في مرفوعة علي بن إبراهيم الهاشمي المتقدمة في مباحث تقدم الإمام واستوائه دلالة على خلافه (5)، وأيده بعض المتأخرين بأنه يقتضي توسيع اليمين، واستحبابه يستدعي ذلك (6). ويكره أن يقوم وحده مع سعة الصفوف إذا كان رجلا، وهو المشهور بين الأصحاب (7)، وقال في المدارك: إنه مجمع عليه بين الأصحاب، ونقل الإجماع العلامة أيضا (8). ونقل عن ابن الجنيد القول بالمنع (9). والأول أقوى، للإطلاقات، ولرواية أبي الصباح الكناني، قال: سألت


(1) الكافي 3: 373 ح 8، الوسائل 5: 387 أبواب صلاة الجماعة ب 8 ح 2. (2) الفقيه 1: 252 ح 1140، الوسائل 5: 387 أبواب صلاة الجماعة ب 8 ح 5. (3) المنتهى 1: 377. (4) سنن أبي داود 1: 238 ح 681. (5) ص 140. (6) مجمع الفائدة 3: 288 (7) المدارك 4: 345. (8) المختلف 3: 89. (9) نقله عنه في المختلف 3: 89.

[ 187 ]

أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقوم في الصف وحده، فقال: " لا بأس، إنما يبدو واحد بعد واحد " (1). وروى الصدوق عن موسى بن بكر: أنه سأل أبا الحسن موسى عليه السلام عن الرجل يقوم في الصف وحده، فقال: " لا بأس، إنما يبدو الصف واحدا بعد واحد " (2). ويدل على رجحان تركه الروايات الكثيرة الواردة في اللحوق بالصف إذا أدرك الإمام في حال الركوع وهو بعيد عن الصفوف. وخصوص صحيحة الفضيل بن يسار عن الصادق عليه السلام، قال: " أتموا الصفوف إذا وجدتم خللا، ولا يضرك أن تتأخر إذا وجدت ضيقا في الصف، وتمشي منحرفا حتى يتم الصف " (3). ومثلها صحيحة الحلبي (4). وعلى مرجوحية ذلك ما رواه السكوني، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام، قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تكونن في العيكل " قلت: وما العيكل ؟ قال: " أن تصلي خلف الصفوف وحدك، فإن لم يمكن الدخول في الصف قام حذاء الإمام أجزأه، فإن هو عاند الصف فسدت عليه صلاته " (5). وعنه عن أبيه عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سووا بين صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم، لا يستحوذ عليكم الشيطان " (6).


(1) التهذيب 3: 280 ح 828، الوسائل 5: 459 أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 2. (2) الفقيه 1: 254 ح 1147 وفيه: يبدأ الصف، الوسائل 5: 459 أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 4. (3) الفقيه 1: 253 ح 1142، التهذيب 3: 280 ح 826، الوسائل 5: 471 أبواب صلاة الجماعة ب 70 ح 2. (4) التهذيب 3: 280 ح 827، الوسائل 5: 471 أبواب صلاة الجماعة ب 70 ذ. ح 2. (5) التهذيب 3: 282 ح 838، الوسائل 5: 460 أبواب صلاة الجماعة ب 58 ح 1. (6) التهذيب 3: 283 ح 839، الوسائل 5: 472 أبواب صلاة الجماعة ب 70 ح 4.

[ 188 ]

واحتج ابن الجنيد على البطلان برواية السكوني (1)، وهي مع ضعفها لا تقاوم أدلة المشهور، فتحمل على الكراهة جمعا. اما لو كان الصف متضايقا فلا بأس به، ولكنه يقوم بحذاء الإمام. ويدل على ذلك مضافا إلى رواية السكوني رواية سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصف مقاما، أيقوم وحده حتى يفرغ من صلاته ؟ قال: " نعم لا بأس، يقوم بحذاء الإمام " (2). وروايته الاخرى عنه عليه السلام: عن الرجل يدخل المسجد ليصلي مع الإمام فيجد الصف متضايقا بأهله، فيقوم وحده حتى يفرغ الإمام عن الصلاة، أيجوز ذلك له ؟ فقال: " نعم لا بأس به " (3) والروايتان معتبرتان. ومما ذكرنا ظهر تأكد استحباب سد الخلل وإقامة الصفوف. ولا بأس بالتقدم والتأخر إذا ضاق الصف، وتدل عليه مضافا إلى صحيحة فضيل بن يسار المتقدمة (4) صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام: عن القيام خلف الإمام في الصف ماحده ؟ قال: " إقامة ما استطعت، فإذا قعدت فضاق المكان فتقدم أو تأخر فلا بأس " (5). وموثقة سماعة عن الصادق عليه السلام، قال: " لا يضرك أن تتأخر وراءك إذا وجدت ضيقا في الصف ; فتأخر إلى الصف الذي خلفك، وإن كنت في صف فأردت أن تتقدم قدامك فلا بأس أن تمشي إليه " (6). ومن جميع ما ذكر ظهر أنه تصح الصلاة مع تخلل الصف الثاني وإن كان كثيرا،


(1) نقله عنه في الذكرى: 274. (2) الكافي 3: 385 ح 3، التهذيب 3: 272 ح 786، الوسائل 5: 459 أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 3. (3) التهذيب 3: 51 ح 179، الوسائل 5: 459 أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 1. (4) ص 187. (5) التهذيب 3: 275 ح 799، الوسائل 5: 471 أبواب صلاة الجماعة ب 70 ح 1. (6) التهذيب 3: 280 ح 825، الوسائل 5: 471 أبواب صلاة الجماعة ب 70 ح 3.

[ 189 ]

أعني صلاة ذلك الصف مثلا لو كان الصف مستطيلا وقام في أحد طرفيه رجلان، وكذا في وسطه، وكذا في آخره، وإن كان الفصل بين كل منها كثيرا فتصح الصلاة، لكنه خلاف المستحب. وأما صلاة من يليهم من الصف الثالث فتشكل صحتها لو كان الفصل كثيرا، إذ يستلزم الفصل بين الصفين بأزيد مما يتخطى، إلا أن يكون الفصل قليلا بمثل مكان رجل أو أزيد منه قليلا، فيشكل الحكم بالبطلان. بل الظاهر الصحة على القول باشتراط عدم الزيادة مما يتخطى أيضا. مع احتمال الصحة ولو كان الفصل كثيرا أيضا، لأنه يصدق أن بينه وبين الصف الذي قدامه هذا المقدار، لكن إرادة محاذي الصف من الصف مجاز، وهو خلاف الأصل. وتستحب تسوية الصفوف وإقامتها، قال في الذكرى: تستحب إقامة الصفوف استحبابا مؤكدا (1). قال ابن بابويه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من خلفي، كما أراكم من قدامي ومن بين يدي، ولا تخالفوا فيخالف الله بين قلوبكم " (2). الى أن قال: ويستحب لمن وجد خللا في الصف أن يسعى، روى العامة في الحسان عنه صلى الله عليه وآله: " إن الله وملائكته يصلون على الذين يلون الصفوف الأول، وما من خطوة أحب إلى الله من خطوة تمشيها تصل بها صفا " (3). الى أن قال: ويستحب للإمام أمرهم بتسوية الصفوف، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول عن يمينه: اعتدلوا سووا صفوفكم، وعن يساره: اعتدلوا


(1) الذكرى: 274. (2) الفقيه 1: 252 ح 1139. (3) سنن أبي داود 1: 234 ح 664.

[ 190 ]

سووا صفوفكم (1) " (2). الرابع عشر: يكره أن يأتم حاضر بمسافر على المعروف من مذهب الأصحاب، بل يظهر من الفاضلين أنه موضع وفاق (3)، وكذلك العكس كما صرح به في المعتبر (4). ونقل عن علي بن بابويه القول بالمنع فيهما (5)، والأول أقرب. لنا على الجواز: العمومات والروايات الكثيرة، كصحيحة حماد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام في المسافر يصلي خلف المقيم، قال: " يصلي ركعتين ويمشي حيث شاء " (6). وحسنة الحلبي عنه عليه السلام: في المسافر (7)، الحديث. وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في مبحث ائتمام المفترض بالمفترض (8). وصحيحة ابن مسكان ومؤمن الطاق عنه عليه السلام، قال: " إذا دخل المسافر مع أقوام حاضرين في صلاتهم، فإن كانت الاولى فليجعل الفريضة في الركعتين الاوليين، وإن كانت العصر فليجعل الاوليين نافلة والأخيرتين فريضة " (9). ولعل ذلك، إنما هو لكراهة النافلة بعد صلاة العصر كما ذكره الشيخ (10)، فلذا


(1) ورد مضمونه في الوسائل 5: 471 أبواب صلاة الجماعة ب 70، وانظر سنن أبي داود 1: 236. (2) انتهى المنقول من مواضع من الذكرى: 274. (3) المحقق في المعتبر 2: 441، والعلامة في المنتهى 1: 373. (4) المعتبر 1: 441. (5) نقله في المختلف 3: 62. (6) الكافي 3: 439 ح 1، التهذيب 3: 165 ح 357، الاستبصار 1: 425 ح 641، الوسائل 5: 403 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 2. (7) الكافي 3: 439 ح 1، الوسائل 5: 403 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ذ. ح 2. (8) ص 166، وهي في الفقيه 1: 287 ح 1308، والوسائل 5: 454 أبواب صلاة الجماعة ب 53 ح 6، وب 18 ح 1. (9) التهذيب 3: 165 ح 360، وص 226 ح 573، الوسائل 5: 403 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 4. (10) التهذيب 3: 166 ذ. ح 360.

[ 191 ]

جعل الفريضة في الأخيرتين. ويدل على المرجوحية في الصورتين موثقة الفضل بن عبد الملك المتقدمة ثمة أيضا (1)، وهي تتضمن أنه يجعل الاوليين ظهرا، والأخيرتين عصرا، وكذلك صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة. وبخصوص الصورة الاولى صحيحة أبي بصير قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا يصلي المسافر مع المقيم، فإن صلى فلينصرف في الركعتين " (2) والخبران ظاهران في الجواز أيضا. والظاهر أن كل ما تضمنته تلك الأخبار من جعل الاوليين ظهرا والأخيرتين عصرا أو إحداهما فريضة والاخرى نافلة فيما يجوز الاقتداء فيه أو غير ذلك كله جائز إن شاء الله. والمحقق في المعتبر قيد الكراهة بصورة اختلاف الفرضين كمية، وعلل ذلك بلزوم المفارقة المكروهة فيها دون غيرها، فلا يكره ذلك في الصبح والمغرب (3)، واختاره بعض المتأخرين أيضا (4)، وربما كان في الموثقة المتقدمة إشارة إلى ذلك. وعلى ما ذكره (5) يلزم عدم الكراهة في صورة الاختلاف أيضا إن كان في الركعتين الأخيرتين. ويؤيد ما ذهب إليه عدم ظهور الإطلاقات في غير الرباعية كما لا يخفى على المتتبع، بل كلها صريحة فيها. ولا يبعد القول بأنه يحصل منها ظن قوي يتاخم العلم أن العلة في ذلك هي ما فهمه المحقق، فيبقى مثل المغرب والصبح بل والصورة التي


(1) ص 167 وهي في الفقيه 1: 259 ح 1180، والتهذيب 3: 164 ح 355، وص 226 ح 574، والاستبصار 1: 426 ح 1643، والوسائل 5: 403 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 6. (2) التهذيب 3: 165 ح 358، الاستبصار 1: 426 ح 1642، الوسائل 5: 403 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 3. (3) المعتبر 2: 441. (4) كصاحب المدارك 4: 366. (5) في " ص ": ذكرنا.

[ 192 ]

فرضناها أيضا تحت الإطلاقات. إلا أن كلام الأصحاب في ذلك مطلق، فلو لم يكن إجماع على الكراهة فيها لكان قول المحقق قويا متينا (1). ثم إذا كان الإمام مسافرا وفرغ فلا يتبعه المأموم في التسليم ويتم الصلاة. قال في الذكرى: لو نقص عدد صلاة المأموم عن صلاة الإمام تخير المأموم بين انتظاره حتى التسليم وبين تسليمه، والأول أفضل ; ولو زاد عدد صلاته على صلاة الإمام تخير المأموم بين المفارقة في الحال والصبر حتى يسلم الإمام فيقوم الإمام إلى الإتمام، والثاني أفضل، وحينئذ لو انتظر الإمام فراغ المأموم ثم سلم كان جائزا، بل أفضل، فعلى هذا يقوم المأموم بعد تشهد الإمام (2)، انتهى. ثم هل يجوز أن يقتدي المأموم بصاحبه في الباقي ؟ الظاهر الجواز، للموثقة المتقدمة (3) ; وهي وإن كانت في صورة تقديم الإمام لكنه لعله لا قائل بالفصل، والأخبار الواردة فيما لو عرض عارض للإمام واستنابته أيضا ترشد إلى ذلك (4). وتوقف في ذلك العلامة في التحرير (5)، ولا وجه للتوقف فيما لو قدم الإمام أحدهما، بل ولا في غيره أيضا لما ذكرنا. واعلم أنه يظهر من مجموع الأخبار كراهة الإمامة والائتمام كليهما، سيما مع ملاحظة خصوص صحيحة أبي بصير (6)، فلا يتوهم الاختصاص بالإمامة. ويكره أن يؤم الفالج بالأصحاء، والمقيد المطلقين، وقد مر ما يدل عليه (7). والظاهر أنه لابد من تقييدهما بما لا يبلغ الأفلج حد الجلوس، وكذا المقيد،


(1) في " ص ": قولا متينا. (2) الذكرى: 266. (3) ص 191. (4) الوسائل 5: 438 أبواب صلاة الجماعة ب 41 وص 474 ب 72. (5) التحرير 1: 52. (6) التهذيب 3: 165 ح 358، الاستبصار 1: 426 ح 1642، الوسائل 5: 403 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 3. (7) الوسائل 5: 411 أبواب صلاة الجماعة ب 22.

[ 193 ]

وإلا فلا يجوز كما ذكرنا سابقا، إلا أن يكون المأموم أيضا جالسا من جهة اخرى. وكذا الكلام في كل مرتبة كانت أنقص من اخرى على ما اشتهر بين الأصحاب. وتكره إمامة المتيمم بالمتوضئين على المشهور بين الأصحاب، بل قال في المنتهى: إنه لايعرف فيه خلافا إلا ما حكي عن محمد بن الحسن الشيباني من المنع عن ذلك (1). وتدل على الجواز أخبار كثيرة، منها صحيحة جميل بن دراج ومحمد بن حمران قالا، قلنا لأبي عبد الله عليه السلام: إمام قوم أصابته جنابة في السفر وليس معه ماء يكفيه للغسل، أيتوضأ بعضهم ويصلي بهم ؟ قال: " لا، ولكن يتيمم الجنب ويصلي بهم، فإن الله قد جعل التراب طهورا " (2). وموثقة ابن بكير عن الصادق عليه السلام قال، قلت: له رجل أم قوما وهو جنب وقد تيمم وهم على طهور، فقال: " لا بأس " (3). وموثقته الاخرى، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب ثم تيمم فأمنا ونحن طهور، فقال: " لا بأس به " (4) إلى غير ذلك. وتدل على المرجوحية رواية السكوني المتقدمة في مسألة إمامة الأعمى (5). وروايته الاخرى، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام، قال: " لا يؤم صاحب التيمم المتوضئين، ولا صاحب الفالج الأصحاء " (6). ورواية عباد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لا يصلي


(1) المنتهى 1: 373. (2) التهذيب 3: 167 ح 365، الاستبصار 1: 425 ح 1638، الوسائل 5: 401 أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 1. (3) التهذيب 1: 404 ح 1265، وج 3: 167 ح 366، الاستبصار 1: 425 ح 1639، الوسائل 5: 401 أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 3. (4) التهذيب 3: 167 ح 364، الاستبصار 1: 424 ح 1637، الوسائل 5: 401 أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 2. (5) ص 123. (6) التهذيب 3: 166 ح 362، الاستبصار 1: 424 ح 1635، الوسائل 5: 402 أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 5.

[ 194 ]

المتيمم بقوم متوضئين " (1). وهذه الأخبار ضعيفة متروكة الظاهر عند الأصحاب، فحملت على الكراهة. وتكره إمامة العبد إلا لأهله، قال الصدوق في المقنع: لا يؤم العبد إلا أهله (2). وأطلق الشيخ في الخلاف (3) وابن الجنيد (4) وابن إدريس (5) القول بالجواز. وقال الشيخ في النهاية والمبسوط: لا يجوز أن يؤم الأحرار، ويجوز أن يؤم مواليه إذا كان أقرأهم (6). وأطلق ابن حمزة أن العبد لا يؤم الحر (7)، واختاره العلامة في النهاية (8). ولنا على الجواز: الأصل والإطلاقات، وحسنة زرارة - لإبراهيم بن هاشم - عن الباقر عليه السلام قال، قلت له: الصلاة خلف العبد، فقال: " لا بأس به إذا كان فقيها ولم يكن هناك أفقه منه " (9). وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: أنه سئل عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به وكان أكثرهم قرآنا، قال: " لا بأس به " (10). وصحيحته الاخرى قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العبيد


(1) التهذيب 3: 166 ح 361، الاستبصار 1: 424 ح 1634، الوسائل 5: 402 أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 6. (2) المقنع (الجوامع الفقهية): 10. (3) الخلاف 1: 547 مسألة 286. (4) نقله عنه في المختلف 3: 53. (5) السرائر 1: 282. (6) النهاية: 112، والمبسوط 1: 155. (7) الوسيلة: 105 (8) نهاية الإحكام 2: 150 والموجود فيه: كره الشيخ إمامة العبد إلا لأهله لقول علي عليه السلام لا يؤم العبد إلا أهله وليس للتحريم. (9) الكافي 3: 375 ح 4، الوسائل 5: 400 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 1. (10) التهذيب 3: 29 ح 99، الاستبصار 1: 423 ح 1628، الوسائل 5: 400 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 2.

[ 195 ]

الحديث بتمامه (1). وموثقة سماعة، قال: سألته عن المملوك يؤم الناس ؟ فقال: " لا، إلا أن يكون هو أفقههم وأعلمهم " (2). وأما المرجوحية واستثناء الأهل، فلما رواه السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام، أنه قال: " لا يؤم العبد إلا أهله " (3) فهو باعتبار ضعفه لا يقاوم الأخبار الكثيرة المقررة للأصل والإطلاقات، فنحملها على الكراهة. ومما ذكرنا ظهر مستند الصدوق والشيخ في المبسوط، ولعل الصدوق أيضا موافق للشيخ في المبسوط. وجوابه: ضعف المستند، ولعله لذلك اختار الجواز المطلق في الخلاف، ولعله أقوى، لغاية بعد إرادة أهل من تلك الإطلاقات الكثيرة غاية الكثرة، والتخصيص إلى هذا المقدار مما لا يرضى به المحققون. وأما قول ابن حمزة فقد استدل له العلامة بأنه ناقص فلا يليق بهذا المنصب الجليل، وهو كما ترى ويكره للمأموم التنفل حال الإقامة على المشهور بين الأصحاب، لصحيحة عمر بن يزيد: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرواية التي يروون أنه لا ينبغي أن يتطوع في وقت فريضة، ماحد هذا الوقت ؟ قال: " إذا أخذ المقيم في الإقامة " فقال له: إن الناس يختلفون في الإقامة، قال: " المقيم الذي تصلي معه " (4). ونقل عن الشيخ في النهاية (5) وابن حمزة أنهما منعا عن ذلك (6)، ولعل


(1) التهذيب 3: 29 ح 100، الاستبصار 1: 423 ح 1629، الوسائل 5: 400 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ذ. ح 2. (2) التهذيب 3: 29 ح 101، الاستبصار 1: 423 ح 1630، الوسائل 5: 400 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 3. (3) التهذيب 3: 29 ح 102، الاستبصار 1: 423 ح 1631، الوسائل 5: 401 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 4. (4) الفقيه 1: 252 ح 1136، التهذيب 3: 283 ح 841، الوسائل 4: 670 أبواب الأذان ب 44 ح 1. (5) النهاية: 119. (6) الوسيلة: 106.

[ 196 ]

مستندهما أيضا ذلك. وقال في الذكرى: وقد يحمل على ما لو كانت الجماعة واجبة، وكان ذلك يؤدي إلى فواتها (1)، وذلك بعيد. والأولى الحمل على الكراهة كما يشير إليه لفظ لا ينبغي. ويؤيد ذلك استحباب القيام إلى الصلاة عند قول المقيم " قد قامت الصلاة " كما هو المشهور بين الأصحاب. وتدل عليه رواية معاوية بن شريح، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، قال: " إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة ينبغي لمن في المسجد أن يقوموا على أرجلهم ويقدموا بعضهم، ولا ينتظر الإمام " قال، قلت: وإن كان الإمام هو المؤذن ؟ قال: " وإن كان، فلا ينتظرونه ويقدمون بعضهم " (2). وما رواه أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحناط، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام إذا قال المؤذن " قد قامت الصلاة " أيقوم القوم على أرجلهم أو يجلسون حتى يجئ إمامهم ؟ قال: " لا، بل يقومون على أرجلهم، فإن جاء إمامهم وإلا فليؤخذ بيد رجل من القوم فيقدم " (3). وقال الشيخ في المبسوط والخلاف: بأن وقته عند كمال الأذان (4). ونقل العلامة عن بعض الأصحاب قولا بأن وقته عند قول " حي على الصلاة " لمكان المناسبة. وعورض بالأذان، وليس بشئ (5). ولم نقف على مستند الشيخ.


(1) الذكرى: 278. (2) التهذيب 3: 42 ح 146، الوسائل 5: 439 أبواب صلاة الجماعة ب 42 ح 2. (3) الفقيه 1: 252 ح 1137، التهذيب 2: 285 ح 1143، الوسائل 5: 439 أبواب صلاة الجماعة ب 42 ذ. ح 1، وج 4: 668 أبواب الأذان ب 41 ح 1. (4) المبسوط 1: 157، الخلاف 1: 217. (5) المختلف 3: 90.

[ 197 ]

الخامس عشر: يستحب للإمام الإسرار بالتكبيرات الست الافتتاحية، والجهر بتكبيرة الإحرام ; ليسمع من خلفه. اما الجهر بتكبيرة الافتتاح حتى يسمع من خلفه فقال في المنتهى: لا نعرف فيه خلافا (1). ويدل عليه وعلى الإسرار بالباقي صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " وإذا كنت إماما يجزيك أن تكبر واحدة تجهر فيها وتسر ستا " (2). ورواية أبي بصير عنه عليه السلام، قال: " إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت واحدة، وإن شئت ثلاثا، وإن شئت خمسا، وإن شئت سبعا، فكل ذلك مجزئ، غير أنك إذا كنت إماما لم تجهر إلا بتكبيرة " (3). بل ويستحب للإمام الجهر بجميع الأذكار، وللمأموم أن لا يسمعه شيئا مما يقول، لصحيحة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه كل ما يقول، ولا ينبغي لمن خلف الإمام أن يسمعه شيئا مما يقول " (4). ويتأكد ذلك في التشهد، لصحيحة حفص بن البختري عنه عليه السلام، قال: " ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه التشهد، ولا يسمعونه هم شيئا " (5). وصحيحة أبي بصير، قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام ; فلما كان في آخر تشهده رفع صوته حتى سمعنا، فلما انصرف قلت: كذا ينبغي للإمام أن


(1) المنتهى 1: 269. (2) التهذيب 2: 287 ح 1151، الوسائل 4: 730 أبواب التكبيرة ب 12 ح 1. (3) التهذيب 2: 66 ح 239، الوسائل 4: 721 أبواب تكبيرة الإحرام ب 7 ح 3. (4) التهذيب 2: 102 ح 383، الوسائل 4: 994 أبواب التشهد ب 6 ح 2. (5) الكافي 3: 337 ح 5، الفقيه 1: 260 ح 1189، التهذيب 2: 102 ح 384، الوسائل 4: 994 أبواب التشهد ب 6 ح 1.

[ 198 ]

يسمع تشهده من خلفه ؟ قال: " نعم " (1). وتستحب الحمدلة بعد سمعلة الإمام، لصحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت: ما يقول الرجل خلف الإمام إذا قال: سمع الله لمن حمده ؟ قال: " يقول: الحمد لله رب العالمين " (2) وقد مر بعض ما يتعلق بذلك الباب فراجع. وكذا يستحب إذا فرغ الإمام من الحمد، لصحيحة جميل عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد وفرغ من قراءتها فقل أنت: الحمد لله رب العالمين، ولا تقل آمين " (3). ويستحب أن ينبه المأموم الإمام على خطأه إذا أخطأ في القراءة وغيرها، ويفتح عليه إذا تعايا، تدل عليه موثقة سماعة المتقدمة في مسألة القراءة خلف الإمام (4). وفي رواية اخرى: " فإن نسي الإمام أو تعايا قوموه " (5). وأوجبه الشهيد في الدروس، لكنه استقرب صحة الصلاة مع الترك (6). والأول أظهر. وربما يؤيد بما تؤمي إليه صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " اغتسل أبي من الجنابة فقيل له: قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء، فقال له: " ما كان عليك لو سكت، ثم مسح تلك اللمعة بيده " (7).


(1) التهذيب 2: 102 ح 382، الوسائل 4: 994 أبواب التشهد ب 6 ح 3. (2) الكافي 3: 320 ح 2، الوسائل 4: 940 أبواب الركوع ب 17 ح 1. (3) الكافي 3: 313 ح 5، التهذيب 2: 74 ح 275، الاستبصار 1: 318 ح 1185، الوسائل 4: 752 أبواب القراءة ب 17 ح 1. (4) ص 151، وهي في التهذيب 3: 34 ح 123، والاستبصار 1: 429 ح 1656، والوسائل 5: 386 أبواب صلاة الجماعة ب 7 ح 3، وص 424 ب 31 ح 10. (5) الكافي 3: 372 ح 7، التهذيب 3: 265 ح 751، الوسائل 5: 386 أبواب صلاة الجماعة ب 7 ح 2. (6) الدروس 1: 224. (7) الكافي 3: 45 ح 15، التهذيب 1: 365 ح 1108، الوسائل 1: 524 أبواب الجنابة ب 41 ح 1.

[ 199 ]

وعن كتاب الدعائم عن علي عليه السلام: أنه رخص في تلقين الإمام إذا تعايا أو وقف، فأما إذا ترك آية أو آيتين أو أكثر أو خرج من سورة إلى سورة واستمر في القرآن لم يلقن (1). ويستحب للإمام أن لا يختص نفسه بالدعاء، فقد روى الشيخ مسندا والصدوق مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من صلى بقوم فاختص نفسه بالدعاء دونهم فقد خانهم " (2). ويستحب أن تكون صلاته صلاة أضعف من خلفه، فروى الصدوق والشيخ بسندهما، عن إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام، قال: " ينبغي للإمام أن تكون صلاته على أضعف من خلفه " (3). وفي رواية سماعة في باب الركوع، قال: " فأما الإمام، فإنه إذا قام بالناس فلا ينبغي أن يطول بهم، فإن في الناس الضعيف ومن له الحاجة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا صلى بالناس خف بهم " (4). وروى السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام، قال: " آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يا علي أذا صليت فصل صلاة أضعف من خلفك " (5) الحديث، إلى غير ذلك من الأخبار (6). وذلك إذا لم يحب المأمومون الاستطالة، أو لم يعلم الإمام بذلك، وأما إذا علم أنهم يحبون ذلك فلا بأس بها.


(1) دعائم الإسلام 1: 152. (2) التهذيب 3: 281 ح 831، وانظر الفقيه 1: 260 ح 1186، والوسائل 4: 1145 أبواب الدعاء ب 40 ح 2، و ج 5: 474 أبواب صلاة الجماعة ب 71 ح 1. (3) الفقيه 1: 255 ح 1152، التهذيب 3: 274 ح 795، الوسائل 5: 469 أبواب صلاة الجماعة ب 69 ح 3. (4) التهذيب 2: 77 ح 287، الوسائل 4: 927 أبواب الركوع ب 6 ح 4. (5) الفقيه 1: 184 ح 870، التهذيب 2: 283 ح 1129 الوسائل 5: 469 أبواب صلاة الجماعة ب 69 ح 2. (6) الوسائل 5: 469 أبواب صلاة الجماعة ب 69.

[ 200 ]

وأما موثقة حمزة بن حمران والصيقل قالا: دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام وعنده قوم فصلى بهم العصر وقد كنا صلينا، فعددنا له في ركوعه سبحان ربي العظيم أربعا وثلاثين مرة، وقال أحدهما في حديثه: وبحمده في الركوع والسجود سواء (1). فقال في الكافي: دل هذا على أنه عليه السلام علم احتمال القوم بطول ركوعه وسجوده، وذلك أنه روي أن الفضل للإمام أن يخفف ويصلي بصلاة أضعف القوم (2)، ومثله قال الشيخ (3). ويستحب أن لا يقوم الإمام من مصلاه إلى أن يتم المسبوقون صلاتهم استحبابا مؤكدا، وتدل عليه أخبار كثيرة، منها ما رواه الصدوق بسنده، عن حفص بن البختري، عن الصادق عليه السلام، قال: " ينبغي للإمام أن يجلس حتى يتم من خلفه صلاتهم " (4). وموثقة سماعة، قال: " ينبغي للإمام أن يلبث قبل أن يكلم أحدا حتى يرى أن من خلفه قد أتموا الصلاة ثم ينصرف هو " (5). وصحيحة إسماعيل بن عبد الخالق قال: سمعته يقول: " ينبغي للإمام أن لا يقوم إذا صلى حتى يقضي كل من خلفه ما قد فاته من الصلاة " (6). وظاهر المرتضى في الجمل الوجوب (7) على ما نقله في الذكرى (8)، ويدل عليه


(1) الكافي 3: 329 ح 3، التهذيب 2: 300 ح 1210، الاستبصار 1: 325 ح 1214، الوسائل 4: 927 أبواب الركوع ب 6 ح 2. (2) الكافي 3: 329 ح 3، الوسائل 4: 927 أبواب الركوع ب 6 ح 3. (3) التهذيب 3: 274 ح 795. (4) الفقيه 1: 260 ح 1189، الوسائل 4: 1017 أبواب التعقيب ب 2 ح 1. (5) التهذيب 2: 104 ح 390، الوسائل 4: 1017 أبواب التعقيب ب 2 ح 6 (6) التهذيب 3: 49 ح 169، الوسائل 4: 1017 أبواب التعقيب ب 2 ح 4. (7) الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 39. (8) الذكرى: 266.

[ 201 ]

ما رواه السكوني عن الصادق عليه السلام، قال: " أيما رجل أم قوما فعليه أن يقعد بعد التسليم ولا يخرج من ذلك الموضع حتى يتم الذين خلفه، الذين سبقوا صلاتهم، ذلك على كل إمام واجب إذا علم أن فيهم مسبوقا، فإن علم أن ليس فيهم مسبوق بالصلاة فليذهب حيث شاء " (1). وهو محمول على شدة الاستحباب، كما حمل الشهيد كلام السيد أيضا عليه. وتشهد به رواية عمار في الموثق، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي بقوم فيدخل قوم في صلاته بقدر ما قد صلى ركعة أو أكثر من ذلك، فإذا فرغ من صلاته وسلم، أيجوز له وهو إمام أن يقوم من موضعه قبل أن يفرغ من دخل في صلاته ؟ قال: " نعم " (2) ويستحب أن لا يصلي في مقامه ركعتين حتى ينحرف من مكانه ذلك، لصحيحة هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام، قال: سمعته يقول: " إذا انصرف الإمام فلا يصلي في مقامه حتى ينحرف عن مقامه ذلك " (3). وصحيحته الاخرى عن سليمان بن خالد قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " الإمام إذا انصرف فلا يصلي في مقامه ركعتين حتى ينحرف عن مقامه ذلك " (4). ولعل السر في ذلك عدم جواز الائتمام في النافلة، والظاهر أن يكون المراد من الصلاة المنهي عنها أيضا النافلة كما يشعر به التقييد بالركعتين في الصحيحة الاخرى. وتشهد لذلك حسنة الحلبي عنه عليه السلام، قال: " لا ينبغي للإمام أن يتنفل إذا سلم حتى يتم من خلفه الصلاة " (5) الحديث.


(1) الكافي 3: 341 ح 2، التهذيب 2: 103 ح 387، الوسائل 4: 1017 أبواب التعقيب ب 2 ح 3. (2) التهذيب 3: 273 ح 790، الوسائل 4: 1018 أبواب التعقيب ب 2 ح 7. (3) التهذيب 2: 382 ح 1595، وج 3: 284 ح 844، الوسائل 3: 472 أبواب مكان المصلي ب 42 ذ. ح 1. (4) التهذيب 2: 321 ح 1314، الوسائل 3: 472 أبواب مكان المصلي ب 42 ح 1. (5) الكافي 3: 341 ح 1، التهذيب 2: 103 ح 386، الوسائل 4: 1017 أبواب التعقيب ب 2 ح 2.

[ 202 ]

فحينئذ لم تثبت كراهة الفريضة، بل ولا الثنائية منها، ولكنه في بعض النسخ " ينفتل " (1) مكان يتنفل، فلا يتم التقريب، فيصير من أدلة المسألة الاولى، ولعل في تتمة الخبر إشعارا ضعيفا بهذا. السادس عشر: يستحب أن يعيد المنفرد صلاته إذا وجد من يصلي جماعة، إماما كان أو مأموما، وهذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب كما ذكره جماعة (2). وتدل عليه أخبار كثيرة، كحسنة حفص بن البختري - لإبراهيم بن هاشم - عن الصادق عليه السلام: في الرجل يصلي الصلاة وحده ثم يجد جماعة، قال: " يصلي معهم ويجعلها الفريضة " (3). وصحيحة هشام بن سالم عنه مثلها (4). والمراد بقوله " يجعلها الفريضة ": أي الفريضة التي صلاها، لأن المستحب هو إعادة تلك الفريضة بعينها، فلا يحتاج إلى التكلفات (5) التي ارتكبها الشيخ في توجيهه. وجعلها أعم من ذلك بأن تشمل القضاء وغيره بعيد، وإن كان يجوز ذلك كما أشرنا سابقا وذكرنا رواية إسحاق بن عمار (6). وصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: إني أحضر المساجد مع جيرتي وغيرهم، فيأمروني بالصلاة بهم وقد صليت قبل أن آتيهم، وربما صلى خلفي ميقتدي بصلاتي، والمستضعف والجاهل، وأكره أن


(1) في " ص ": ينتقل. (2) كالعلامة في المنتهى 1: 379، وصاحب المدارك 4: 341، وصاحب الحدائق 11: 162. (3) الكافي 3: 379 ح 1، التهذيب 3: 50 ح 176، الوسائل 5: 457 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 11. (4) الفقيه 1: 251 ح 1132، الوسائل 5: 455 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 1. (5) في " م " زيادة: حتى. (6) الفقيه 1: 265 ح 1213، التهذيب 3: 51 ح 178، وص 279 ح 822، الوسائل 5: 457 أبواب صلاة الجماعة ب 55 ح 1.

[ 203 ]

أتقدم وقد صليت لحال من يصلي بصلاتي ممن سميت لك، فمرني في ذلك بأمرك أنتهي إليه وأعمل به إن شاء الله تعالى، فكتب: " صل بهم " (1). وصحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا صليت صلاة وأنت في المسجد واقيمت الصلاة، فإن شئت فاخرج، وإن شئت فصل معهم واجعلها تسبيحا " (2). ومثله روى الصدوق بطريقه عن الحلبي عنه عليه السلام (3)، والمراد بجعلها تسبيحا فعلها بنية الاستحباب. وموثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي الفريضة ثم يجد قوما يصلون جماعة، يجوز له أن يعيد الصلاة معهم ؟ قال: " نعم، وهو أفضل " قلت: فإن لم يفعل ؟ قال: " ليس به بأس " (4). ورواية أبي بصير قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: اصلي ثم أدخل المسجد فتقام الصلاة وقد صليت، فقال: " صل معهم، يختار الله أحبهما إليه " (5). ثم إن الظاهر من تلك الأخبار وإن كان استحباب الإعادة لو كانت الجماعة في تلك الصلاة التي صلاها، وإن كان بعضها مطلقا أيضا، لكن الظاهر أنه لا قائل بالفصل. الا أن المحقق في الشرائع قال: ويستحب أن يعيد المنفرد صلاته إذا وجد من يصلي تلك الصلاة جماعة (6). وهو ظاهر في اشتراط الوحدة. والحكم باستحباب ذلك ههنا لا يخلو من إشكال، سيما وقد روي عنه


(1) الكافي 3: 380 ح 5، التهذيب 3: 50 ح 174، الوسائل 5: 455 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 5. (2) الفقيه 1: 265 ح 1212، التهذيب 3: 279 ح 821، الوسائل 5: 456 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 8. (3) الفقيه 1: 265 ح 1212، الوسائل 5: 456 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ذ. ح 8. (4) التهذيب 3: 50 ح 175، الوسائل 5: 456 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 9. (5) الكافي 3: 379 ح 2، التهذيب 3: 270 ح 776، الوسائل 5: 456 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 10. (6) الشرائع 1: 114.

[ 204 ]

عليه السلام: " لا تصلى صلاة في يوم مرتين " (1) والوظائف الشرعية موقوفة على التوظيف، والاحتياط في الترك في غير ما يستفاد من النص. وظاهر جماعة عدم الاستحباب للذي صلى جماعة أيضا إماما كان أو مأموما حيث قيدوا بالمنفرد (2) وعمم الشهيد في الذكرى بالنسبة إلى الجامع والمنفرد نظرا إلى الإطلاقات وترك الاستفصال (3). والحكم بالاستحباب مشكل من جهة عدم الظهور من الأدلة، ومن جهة التسامح في أدلة السنن، ولعله لذلك تردد العلامة في المنتهى (4). وكذلك الجماعة الذين انفردوا جميعا في الصلاة، ثم أرادوا الجماعة، ولعل الأوجه المنع. إذا بنينا على اعتبار الوجه فالأقرب أنه ينوي الاستحباب فيما تجوز الإعادة فيه، وقيل بالوجوب (5)، لظاهر صحيحة هشام (6)، وهو كما ترى. ويستحب إذا كان المصلي منفردا فانعقدت جماعة في أثناء الصلاة أن ينقل بنيته إلى النفل ويتم ركعتين، ثم يقتدي بالإمام. والظاهر أن ذلك إجماعي كما يظهر من الذكرى، حيث نسبه إلى علمائنا (7)، وكذا من التذكرة (8).


(1) عوالي اللآلي 1: 60 ح 94، سنن أبي داود 1: 214 ح 579، مسند أحمد بن حنبل 2: 41، سنن البيهقي 2: 303 بتفاوت. (2) المدارك 4: 342. (3) الذكرى: 266. (4) المنتهى 1: 380. (5) الذكرى: 266، الدروس 1: 223. (6) الفقيه 1: 251 ح 1132، الوسائل 5: 455 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 1. (7) الذكرى: 266، 277. (8) التذكرة 4: 269 مسألة 557.

[ 205 ]

وتدل عليه أيضا صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل دخل المسجد وافتتح الصلاة فبينا هو قائم يصلي إذ أذن المؤذن وأقام الصلاة، قال: " فليصل ركعتين، ثم يستأنف الصلاة مع الإمام، ولتكن الركعتان تطوعا " (1). وموثقة سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج الإمام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة الفريضة، فقال: " إن كان إماما عدلا فليصل اخرى وينصرف ويجعلها تطوعا، وليدخل مع الإمام فصلاته كما هو " (2) الحديث. واعلم أن المستفاد من الخبرين ليس إلا ما كان المأموم قادرا على النقل إلى النفل والإتيان بالركعتين، وهذا لايتم إلا إذا كان في الركعة الاولى والثانية، فانسحاب هذا الحكم في الركعة الثالثة مثلا أو الرابعة بأن ينقل إليه ويتم أو يهدم ويسلم مشكل، فلنقتصر فيما خالف الأصل على مورد النص. ونقل عن ابن إدريس القول بالمنع مطلقا، لأنه في قوة الإبطال (3). وعن ظاهر الشيخ في المبسوط تجويز القطع أولا بدون نقل النية (4)، وقواه الشهيد نظرا إلى تحصيل الفضل، والتفاتا إلى أن النقل إلى النافلة أيضا إما قطع للصلاة أو مستلزم له (5)، واستحسنه بعض المتأخرين (6). والعدول عن الأصل لا يصح إلا بما اقتضاه الدليل، ولم يثبت بالنص إلا ما ذكرنا، فما ذكروه مشكل. وأما لو كان مشتغلا بالنافلة فقطع المحقق في الشرائع بأنه يقطع ويشتغل بالصلاة


(1) الكافي 3: 379 ح 3، الوسائل 5: 458 أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 1. (2) الكافي 3: 380 ح 7، التهذيب 3: 51 ح 177، الوسائل 5: 458 أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 2. (3) السرائر 1: 289. (4) المبسوط 1: 157، ونقله عنه في المختلف 3: 85. (5) الذكرى: 277. (6) المدارك 4: 381.

[ 206 ]

لو خاف الفوات، ويتم ركعتين ويشتغل لو لم يخف (1). وعلل الأول بعضهم بأن الجماعة أهم في نظر الشارع، والثاني بأنه جمع بين الوظيفتين (2). السابع عشر: لا ريب في أنه تدرك الجماعة بإدراك الركوع، وأما إدراكها بإدراك الإمام راكعا فأكثر الأصحاب على أنه كذلك أيضا، وهو الأقرب. لنا: صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا أدركت الإمام وقد ركع فكبرت وركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة، فإن رفع الإمام رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة " (3). ورواها في الكافي في الحسن لإبراهيم أيضا (4). وما رواه الشيخ في الصحيح بطريقين، وكذا الكليني في الصحيح عن سليمان بن خالد قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " في الرجل إذا أدرك الإمام وهو راكع فكبر الرجل وهو مقيم صلبه ثم ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة " (5). وما رواه الصدوق بإسناده عن زيد الشحام: أنه سأله عن الرجل انتهى إلى الإمام وهو راكع، قال: " إذا كبر وأقام صلبه ثم ركع فقد أدرك " (6). وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا دخلت المسجد والإمام راكع فظننت أنك إن مشيت إليه رفع رأسه من قبل أن تدركه فكبر واركع، فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك، فإذا قام فالحق بالصف ".


(1) الشرائع 1: 116. (2) المدارك 4: 380. (3) الفقيه 1: 254 ح 1149، الوسائل 5: 441 أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 2. (4) الكافي 3: 382 ح 5. (5) الكافي 3: 382 ح 6، التهذيب 3: 43 ح 152، وص 271 ح 781، الاستبصار 1: 435 ح 1679، الوسائل 5: 441 أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 1. (6) الفقيه 1: 254 ح 1150، الوسائل 5: 442 أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 3.

[ 207 ]

ورواه الكليني أيضا بطريق ضعيف وكذلك الشيخ (1). ورواها الشيخ بطريق صحيح آخر أيضا عن عبد الرحمن، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إذا دخلت المسجد " (2) الحديث. وما رواه الصدوق بإسناده عن إسحاق بن عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أدخل المسجد وقد ركع الإمام، فأركع بركوعه وأنا وحدي وأسجد، فإذا رفعت رأسي أي شئ أصنع ؟ فقال: " قم فاذهب إليهم، فإن كانوا قياما فقم معهم، وإن كانوا جلوسا فاجلس معهم ". ورواه الشيخ أيضا عنه عن أبي عبد الله عليه السلام وفي طريقه حكم بن مسكين (3). وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما: عليهما السلام أنه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف أن تفوته الركعة، فقال: " يركع قبل أن يبلغ القوم، ويمشي وهو راكع حتى يبلغهم ". ورواه الصدوق أيضا بطريقه عن محمد بن مسلم (4). ورواية معاوية بن شريح، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: " إذا جاء الرجل مبادرا والإمام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع ". وزاد في الفقيه بعد هذه الرواية: " ومن أدرك الإمام وهو ساجد كبر وسجد معه، ولم يعتد بها، ومن أدرك الإمام وهو في الركعة الأخيرة فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدركه وقد رفع رأسه من السجدة الأخيرة وهو في التشهد


(1) الكافي 3: 385 ح 5، الفقيه 1: 254 ح 1148، التهذيب 3: 44 ح 155، 156، الوسائل 5: 443 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 3. (2) التهذيب 3: 44 ح 155. (3) الفقيه 1: 257 ح 1164، التهذيب 3: 281 ح 830، الوسائل 5: 444 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 6. والحكم بن المسكين مهمل (انظر معجم رجال الحديث رقم 3877). (4) الفقيه 1: 257 ح 1166، التهذيب 3: 44 ح 154، الاستبصار 1: 436 ح 1681، الوسائل 5: 443 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 1.

[ 208 ]

فقد أدرك الجماعة، وليس عليه أذان ولا إقامة، ومن أدركه وقد سلم فعليه الأذان والإقامة " (1). وصحيحة صفوان، عن أبي عثمان، عن معلى بن خنيس، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا سبقك الإمام بركعة فأدركته وقد رفع رأسه فاسجد معه ولا تعتد بها " (2). ورواية جابر الجعفي قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: إني أؤم قوما فأركع فيدخل الناس وأنا راكع، فكم انتظر ؟ قال: " ما أعجب ما تسأل عنه يا جابر، انتظر مثلي ركوعك، فإن انقطعوا، وإلا فارفع رأسك " (3). ومرسلة مروك بن عبيد عن الباقر عليه السلام، قال، قلت له: إني إمام مسجد الحي، فأركع بهم وأسمع خفقان نعالهم وأنا راكع، قال: " اصبر ركوعك ومثل ركوعك، فإن انقطعوا وإلا فانتصب قائما " (4). وروى في الفقيه أيضا مرسلا: قال رجل لأبي جعفر عليه السلام، الحديث. وذهب المفيد في المقنعة والشيخ في النهاية وكتابي الأخبار إلى أن المعتبر إدراك تكبيرة الركوع (5)، وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل في تلك الركعة " (6). وصحيحته الاخرى عن الباقر عليه السلام، قال، قال لي: " إن لم تدرك القوم


(1) التهذيب 3: 45 ح 157، الفقيه 1: 265 ح 1214، الوسائل 5: 442 أبواب صلاة الجماعة ب 45 ذ. ح 4، وب 49 ح 6. (2) التهذيب 3: 48 ح 166، الوسائل 5: 449 أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 2. (3) التهذيب 3: 48 ح 167، الوسائل 5: 450 أبواب صلاة الجماعة ب 50 ح 1. (4) الكافي 3: 330 ح 6، الفقيه 1: 255 ح 1151، الوسائل 5: 450 أبواب صلاة الجماعة ب 50 ح 2، والرواية عن مروك بن عبيد عن بعض صحابه. (5) المقنعة: 139، النهاية: 115، التهذيب 3: 43 ح 149، الاستبصار 1: 434 ح 1676. (6) الكافي 3: 381 ح 2، الوسائل 5: 441 أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 4.

[ 209 ]

قبل أن يكبر الإمام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة " (1) وصحيحته الاخرى عنه عليه السلام، قال: " لا تعتد بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الإمام " (2). وصحيحته الاخرى عنه عليه السلام، قال: " إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الإمام فقد أدركت الصلاة " (3). ورواية يونس الشيباني عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا دخلت من باب المسجد فكبرت وأنت مع إمام عادل ثم مشيت إلى الصلاة أجزأك ذلك، وإذا الإمام كبر للركوع كنت معه في الركعة، لأنه إن أدركته وهو راكع لم تدرك التكبير لم تكن معه في الركوع " (4). ثم إن الصحاح الأربعة إنما هي مرجعها إلى محمد بن مسلم، فكأنها خبر واحد، مع أنه روى ما هو ظاهر في خلافها كما ذكرنا ; فلا تقاوم الأخبار الصحيحة الصريحة الكثيرة المعتبرة المعتضدة بالعمومات وعمل أكثر الأصحاب، وبالأخبار الغير الصحيحة، وفي الأخبار أيضا إشارات إلى مدلولها. ويظهر من ذلك الجواب عن الرواية الأخيرة، ولعل النهي فيها محمول على الأفضلية ; للحث على المسارعة وعدم التكاهل، وفيه إشكال. ولعل طرحها أولى، لأنه على هذا يصير مقتضى ذلك أفضلية ترك القدوة في تلك الركعة من الانفراد أيضا، ولا يجري (5) ذلك فيما لو كانت الجماعة واجبة كالجمعة وقلنا بتحقق الركعة بإدراكه حال الركوع كما اخترناه فلا يجوز تركه.


(1) التهذيب 3: 43 ح 149، الاستبصار 1: 434 ح 1676، الوسائل 5: 441 أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 2. (2) التهذيب 3: 43 ح 150، الاستبصار 1: 435 ح 1677، الوسائل 5: 441 أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 3. (3) التهذيب 3: 43 ح 151، الاستبصار 1: 435 ح 1678، الوسائل 5: 440 أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 1. (4) التهذيب 2: 282 ح 1125، الوسائل 4: 635 أبواب الأذان ب 13 ح 9. (5) في " ص ": ولا يجزي.

[ 210 ]

وربما يتوهم أن المراد بالكراهة هنا إنما هي بالنسبة إلى سائر أفراد الجماعة، فلا تثبت أفضلية الانفراد عن الجماعة الكفائية، فيندفع الإشكال. وأنت خبير بأن الظاهر من تلك الأخبار هو أن الانفراد أولى منها، غاية الأمر الإطلاق، فتخصيصها بالجماعة تعسف. ومن هذا ظهر حال جميع ما مر سابقا من كراهة إمامة الحضري والمسافر والمجذوم والأبرص وغير ذلك فافهم. ثم اعلم أن إطلاقات الأدلة التي ذكرناها تشمل الجمعة وغيرها، لكن صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام تشعر بخلافه، قال: " إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة، وإن أنت أدركته بعد ما ركع فهي الظهر أربعا " (1). وجوز بعض المتأخرين تخصيصه للأخبار الكثيرة لكونها واردة في الجمعة (2). ولا يخفى عدم مقاومتها للإطلاقات الكثيرة ; مع أنها خلاف الظاهر، فإن الظاهر من قوله عليه السلام: " قبل أن يركع " قبل أن يفعل تمام الركوع، فإن الركوع حقيقة في الجميع، وليس المراد قبل مجموع الركوع ليلزم المحذور، فيصدق على الراكع أنه قبل تمام الركوع. ومن هذا يظهر أن المراد ببعد الركوع هو بعد تمام الركوع أيضا، وإن كان ههنا لا يتفاوت الأمر، وحمله على ما بعد الشروع تجوز، وهو خلاف الأصل، فالرواية مطابقة للمشهور. والمعتبر في الإدراك: هو إدراكه راكعا، ولا حاجة إلى بقاء الإمام بقدر الذكر الواجب، وفي صحته إذا شرع في الانتصاب ولم يتجاوز حد الراكع إشكال، وقد


(1) الكافي 3: 427 ح 1، التهذيب 3: 243 ح 656، الاستبصار 1: 421 ح 1622، الوسائل 5: 41 أبواب صلاة الجمعة ب 26 ح 3. (2) المدارك 4: 20، الذخيرة: 311.

[ 211 ]

مر في مباحث الركوع ما ينفعك في هذا المقام (1). وأما لو شك في أنه هل أدركه راكعا أم لا، فالأصح عدم الاعتداد، لعدم اليقين بالبراءة، وأصالة عدم الرفع معارضة بأصالة عدم الإدراك كما قيل (2). وذكر بعض المتأخرين أنه على القول الثاني يكفي إدراك التكبير ولو خارج الصلاة كما هو ظاهر الخبر (3)، ولا يخفى أن الظاهر من الأخبار التي نقلناها هو أن المراد إدراكه مع الإمام، وتنادي بذلك رواية يونس الشيباني (4). ثم إن الذي يدخل المسجد ويخاف فوت الركعة لو بلغ الصف فليكبر ويركع ويمشي راكعا حتى يلحق بالصف. والظاهر أنه لا خلاف في ذلك، وادعى في المنتهى عليه اتفاق علمائنا أجمع (5). وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم (6)، وصحيحة عبد الرحمن بن أبى عبد الله (7)، ورواية إسحاق بن عمار (8) المتقدمات. وصحيحة معاوية بن وهب، قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يوما وقد دخل المسجد الحرام في صلاة العصر، فلما كان دون الصفوف ركعوا، فركع وحده و سجد سجدتين ثم قام فمشى حتى لحق الصفوف (9).


(1) في الجزء الثاني: 540. (2) الذكرى: 234، الدروس 1: 222، جامع المقاصد 2: 410. (3) مفاتيح الشرائع: 166، وانظر الحدائق 10: 125. (4) التهذيب 2: 282 ح 1125، الوسائل 4: 635 أبواب الأذان ب 13 ح 9. (5) المنتهى 1: 382. (6) التهذيب 3: 44 ح 154، الاستبصار 1: 436 ح 1681، الوسائل 5: 443 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 1. (7) الكافي 3: 385 ح 5، الفقيه 1: 254 ح 1148، التهذيب 3: 44 ح 155، الاستبصار 1: 436 ح 1682، الوسائل 5: 443 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 3. (8) الفقيه 1: 257 ح 1164، التهذيب 3: 281 ح 830، الوسائل 5: 444 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 6. (9) الكافي 3: 384 ح 1، التهذيب 3: 272 ح 785، وص 281 ح 829، الوسائل 5: 443 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 2.

[ 212 ]

ويجر رجليه حينئذ ولا يتخطى، لما قال الصدوق في الفقيه: وروي " أنه يمشي في الصلاة يجر رجليه ولا يتخطى " (1). والظاهر أنه بعنوان الاستحباب. ثم إن أخبار هذه المسألة عدا صحيحة محمد بن مسلم تتضمن أنه يركع ويسجد ثم يقوم ويمشي حتى يلحق بالصف، وليس فيها ما يدل على المشي حال الركوع، وحينئذ فيمكن حمل ما عداها عليها وتقييدها بذلك، بأن نحملها على ما لو يف المشي حال الركوع ببلوغه إلى الصف، فحينئذ يتم المشي بعد السجود، وأن المراد في الصحيحة ما لو وفى المشي في هذه الحالة باللحوق بالصف، أو أن الأخبار محمولة على صورة العلم بعدم اللحوق بالمشي في هذه الحالة، فلا يمشي أصلا حتى يرفع من السجود، ولعل الأول أولى. والأظهر في الجمع بين الأخبار هو التخيير كما يظهر من المحقق في الشرائع (2) وغيره أيضا (3). وهل يختص ذلك الحكم بما إذا كان اللحوق من عقيب الصف، أو يجوز اللحوق من القدام أيضا، بأن ينوي ويركع ويرجع قهقرى حتى يلحق بالصف ؟ المتبادر هو الأول، وإن كان لا يخلو القول بشمول الإطلاقات إياه من قرب. ويستحب إذا أدرك الإمام راكعا أن يكبر للركوع أيضا، وإن خاف الوقت أجزأته تكبيرة واحدة، ونقل في المنتهى الاتفاق عليه (4)، ومر في الأخبار أيضا. ولو أدرك الإمام بعد رفعه من الركوع فاتت الركعة بلا خلاف، ولكن أكثر علمائنا على أنه تستحب حينئذ التكبيرة للمأموم والمتابعة في السجدتين وإن لم يعتد بهما (5).


(1) الفقيه 1: 254 ح 1148، الوسائل 5: 444 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 4. (2) الشرائع 1: 115. (3) المعتبر 2: 444. (4) المنتهى 1: 383. (5) كالشيخ في المبسوط 1: 159، والحلي في السرائر 1: 285، والمحقق في المعتبر 2: 447.

[ 213 ]

وظاهر العلامة في المختلف التوقف في هذا الحكم (1). والأول أظهر، لرواية ابن شريح المتقدمة، ورواية معلى بن خنيس. ونظر العلامة في التوقف إلى النهي الوارد في صحيحة محمد بن مسلم عن الدخول في الركعة بعد الرفع. وليس بشئ، إذ الظاهر منها أن النهي عن الدخول معتدا بها لا مطلقا، وتفسره صحيحته الاخرى، وقد مرت. والخبران مع قول أكثر الأصحاب تكفي في أدلة السنن. مع أنك قد عرفت أن الأظهر طرح الروايات لتضمنها خلاف ما يظهر من الأقوى منها بمراتب. ومما ذكرنا ظهر ما في كلام بعض المتأخرين حيث قال بعد نقل التوقف عن العلامة: وهو في محله ; لا لما ذكره من النهي ; فإنه محمول على الكراهة، بل لعدم ثبوت التعبد بذلك (2). ثم بعد البناء على الاستحباب، فهل يكتفي بتلك التكبيرة أو يستأنف بعد القيام ؟ الأكثر على ذلك، وهو كذلك، لعدم ثبوت التوظيف. وأما ما ذكرنا من الدليل على الاستحباب فأما رواية ابن شريح فهي مع ضعفها يحتمل أن يكون قوله " ومن أدرك الإمام " إلى آخره من كلام الصدوق، فحينئذ لا ينهض دليلا على تخصيص ما يدل على عدم جواز زيادة الركن، واستصحاب شغل الذمة اليقيني. وأما رواية معلى فليس فيها حكاية التكبيرة صريحا، فلايتم التقريب. ومجرد ثبوت استحباب المتابعة ولو مع التكبيرة للمسامحة في أدلة السنن لا يقتضي جواز إخراج العبادة التوقيفية عن وظيفتها المقررة. ونقل عن الشيخ القول بعدم الوجوب لاعتقاد الزيادة في الركن (3)، والشأن في


(1) المختلف 3: 82. (2) المدارك 4: 385. (3) المبسوط 1: 159.

[ 214 ]

إثبات ذلك، وإن كان ما ذكره أيضا لا يخلو عن قوة ما على القول المختار، فيكون التكبير الأول مستحبا. والظاهر من الأصحاب كما قيل أنه لا فرق في هذا الحكم بين ما قبل السجدة وبعد السجدة الأولى أيضا (1) و (2). وستأتي رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله، وهي منافية لذلك ; ولكن صحيحة محمد بن مسلم تعارضها قال، قلت له: متى يكون يدرك الصلاة مع الإمام ؟ قال: " إذا أدرك الإمام وهو في السجدة الأخيرة من صلاته فهو مدرك لفضل الصلاة مع الإمام " (3). وأما لو أدركه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة فقد حكم العلامة (4) والمحقق (5) ونقل عن غيرهما أيضا (6) بأنه يكبر ويجلس معه، فإذا سلم الإمام قام وأتم صلاته، ولا يحتاج إلى استئناف التكبير. ولعل نظرهم إلى صدق عمومات الجماعة، ومثل رواية ابن شريح، ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا سبقك الامام بركعة فأدركت القراءة الأخيرة قرأت في الثالثة من صلاته وهي ثنتان لك، فان لم تدرك معه إلا ركعة واحدة قرأت فيها وفي التي تليها، وإذا سبقك بركعة جلست في الثانية لك والثالثة له حتى تعتدل الصفوف قياما " قال، قال: " إذا وجدت الإمام ساجدا فاثبت مكانك حتى يرفع رأسه، وإن كان قاعدا قعدت، وإن كان قائما قمت " (7)


(1) في " ص ": ما قبل السجدة وأثنائها وبعد السجدة الاولى أيضا. (2) رياض المسائل 4: 372. (3) التهذيب 3: 57 ح 197، الوسائل 5: 448 أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 1. (4) المنتهى 1: 384. (5) الشرائع 1: 116. (6) كالمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 502، والشهيد الثاني في المسالك 1: 323. (7) الكافي 3: 381 ح 4، التهذيب: 271 ح 780، الوسائل 5: 445 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 3، وب 49 ح 5.

[ 215 ]

وقال المحقق في المعتبر بأنه مخير حينئذ بين الإتيان بالتشهد وعدمه (1)، واستدل عليه بموثقة عمار، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يدرك الإمام وهو قاعد يتشهد وليس خلفه إلا رجل واحد عن يمينه، قال: " لا يتقدم الإمام ولا يتأخر الرجل، ولكن يقعد الذي يدخل معه خلف الإمام، فإذا سلم الإمام قام الرجل فأتم الصلاة " (2) و (3). وأنت خبير بأن (4) استدلاله - رحمه الله - على التخيير لايتم بهذه الموثقة فقط إن كان مراده مجموع القعود للتشهد ونفسه وإثبات التخيير في ذلك، بل لابد من انضمام موثقة عمار الاخرى، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أدرك الامام وهو جالس بعد الركعتين، قال: " يفتتح الصلاة ولا يقعد مع الإمام حتى يقوم " (5) ولعل ذلك يحتاج (إلى دعوى الإجماع المركب أيضا) (6) مع أن هذا ليس مراده، لنصه بالجلوس. وإن كان مراده التخيير في نفس التشهد فلا وجه له أيضا، إلا أن يقال: القعود مطلق، والمطلق مخير في إيجاده في ضمن الأفراد، ولم يظهر من عمومات متابعة الإمام للمأموم استحبابه ههنا، ولم تنصرف الإطلاقات إلى ذلك، وكذا الأخبار الدالة على أن التشهد بركة كما سيجئ إن شاء الله تعالى، فيبقى الإطلاق بحاله. وقد ظهر من مجموع ما ذكرنا أن الفضيلة لعلها تدرك بإدراك التشهد، وقد يقال: لا تدرك بذلك، لأن ظاهر صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة ذلك، إذا جعل منتهى إدراكه الفضيلة إدراكه في السجدة الأخيرة.


(1) المعتبر 2: 447. (2) الكافي 3: 386 ح 7، التهذيب 3: 272 ح 788، الوسائل 5: 449 أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 3. (3) في " ص " زيادة: وهي ضعيفة السند، أقول: ليس فيها شئ سوى اشتمالها على بعض الفطحية الثقات. (4) في " ص ": فأنت خبير بما فيه لأن... (5) التهذيب 3: 274 ح 793، الوسائل 5: 449 أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 4. (6) بدل مابين القوسين في " ص ": عدم القول بالفصل أيضا.

[ 216 ]

وبالجملة حصول الفضيلة له بذلك مما لا ريب فيه على تقدير الاستحباب، وأما كونها فضيلة الجماعة ففيه تردد. الثامن عشر: إذا سبق المأموم بركعة فصاعدا ; يجعل ما يدركه أول صلاته، ويتم صلاته بعد تسليم الإمام، بالإجماع والأخبار، وحكمه في القراءة في غير أخيرتي الإمام ما مر. وهل يجب عليه إذا كان الإمام في الأخيرتين القراءة ؟ اختار في المنتهى الاستحباب (1) ونقل عن بعض فقهائنا الوجوب (2). وفي المختلف بعد نقل الوجوب عن المرتضى - رحمه الله - قال: وأصحابنا وإن قالوا إنه يقرأ لكن لم يذكروا الوجوب، ثم اختار عدم الوجوب، لأنه مأموم فتسقط عنه القراءة، وحمل تلك الأخبار على الندب جمعا (3). والأظهر عندي الوجوب، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (4)، وصحيحة زرارة (5)، ورواية أحمد بن النضر (6). وتؤيده بل تدل عليه صحيحة الحلبي (7)، وصحيحة معاوية بن وهب (8)، ورواية


(1) المنتهى 1: 384. (2) الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 41، التهذيب 3: 46، رياض المسائل 4: 366. (3) المختلف 3: 85. (4) الكافي 3: 381 ح 1، التهذيب 3: 46 ح 159، الاستبصار 1: 437 ح 1684، الوسائل 5: 445 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 2. (5) الفقيه 1: 256 ح 1162، التهذيب 3: 45 ح 158، الاستبصار 1: 436 ح 1683، الوسائل 5: 445 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 4. (6) الكافي 3: 383 ح 10، الفقيه 1: 263 ح 1203، التهذيب 3: 46 ح 160، الاستبصار 1: 437 ح 1686، الوسائل 5: 446 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 7. (7) الفقيه 1: 263 ح 1198، الوسائل 5: 444 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 1. (8) التهذيب 3: 47 ح 162، وص 274 ح 797، الاستبصار 1: 438 ح 1687، الوسائل 5: 446 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 5.

[ 217 ]

عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1)، وعموم قوله: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (2). وما احتجوا به من سقوط القراءة عن المأموم فلا يشمل ما نحن فيه، أما الإجماع فظاهر، وأما العمومات فلا تنساق إلى ما نحن فيه، بل الظاهر منها هو ما لو أدرك قراءة الإمام، مع أن أكثرها دال على الحرمة، ولم نقف على قائل به فيما نحن فيه. سلمنا، لكنها مخصصة بهذه الأخبار. وما ارتكبه العلامة من الجمع إنما يصح مع جعل جميع الأخبار الدالة على السقوط ممنوعة الدلالة على الحرمة، ودعوى أن مدلولها مجرد نفي الوجوب، وهو كما ترى. والقدح في دلالتها على الوجوب ليس في محله، فإن الأمر حقيقة في الوجوب، وكذلك الجملة الخبرية ظاهرة فيه. وما قيل: إنها في كلام الأئمة من المجازات الراجحة في الندب، لغلبة شيوعها فيه، فقد حققنا بطلانه في القوانين المحكمة (3). ولا وجه للقدح فيها من جهة اشتمالها على ذكر المستحبات أيضا، لأن ذلك لا يوجب الخروج عن الأصل، مع خلو بعضها عن ذلك أيضا. ثم إن الذي يظهر من الروايات وجوب القراءة إذا أدرك الركعة تامة أو الركعتين كذلك، فما يظهر وجوبه منها فهو ما علم أو ظن تمكنه من القراءة ولو بمجرد أم الكتاب، وإلا فلا يجب مطلق الشروع وقراءة آية أو آيتين أو أكثر، بل لا دليل على جوازه أيضا. ولو ظن تمكنه من القراءة وشرع فركع الإمام قبل إتمامه، فإن أمكنه الاتمام


(1) الكافي 3: 381 ح 4، التهذيب 3: 271 ح 780، الوسائل 5: 445 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 3. (2) عوالي اللآلي 1: 196 ح 2، وج 2: 218 ح 13، وج 3: 82 ح 65. (3) القوانين: 81.

[ 218 ]

ولو بمجرد فاتحة الكتاب بأن لا ينافي القدوة في عرف المتشرعة بسبب كثرة التراخي أتم ولحق بالإمام في أواخر ركوعه، وإلا فيشكل. ويمكن القول بوجوب الإتمام واللحوق بالإمام أينما أدركه وإن كان في السجود، للإطلاقات ودعوى الإجماع. قال الشهيد في الذكرى: لو سبق المأموم بعد انعقاد صلاته أتى بما وجب عليه والتحق بالإمام، سواء فعل ذلك عمدا أو سهوا أو لعذر، وقد مر مثله في الجمعة، ولا يتحقق فوات القدوة بفوات ركن ولا أكثر عندنا. وفي التذكرة توقف في بطلان القدوة بالتأخر بركن (1)، والمروي بقاء القدوة، رواه عبد الرحمن، عن أبي الحسن عليه السلام: فيمن لم يركع ساهيا حتى انحط الإمام للسجود: " يركع ويلحق به " (2) و (3) انتهى. وأنت بعد التأمل فيما ذكرنا من اعتبار التمكن من القراءة علما أو ظنا في اللحوق تعرف أن المسألة تصير من باب المسبوقية بعد انعقاد الصلاة، ويجئ الكلام في إتمام السورة أيضا، لكن في صحيحة زرارة: " فإن لم يدرك السورة تامة أجزأته ام الكتاب " (4) مع أن بعضهم منع القول بوجوب السورة من الأصل أيضا (5)، وقال: من أوجب القراءة إنما أوجب الفاتحة، وإن كان فيه نظر كما يظهرمن الاستدلال بما اشتمل على السورة أيضا، هذا حال الركعتين الاوليين للمأموم. وأما الركعتان الأخيرتان التي يفعلهما بعد فراغ الإمام فهو مخير فيهما بين الحمد والتسبيح على المشهور الأقوى، لعموم ما دل على ذلك.


(1) التذكرة 4: 347. (2) التهذيب 3: 55 ح 188، الوسائل 5: 464 أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 1. (3) الذكرى: 276. (4) الفقيه 1: 256 ح 1162، التهذيب 3: 45 ح 158، الاستبصار 1: 436 ح 1683، الوسائل 5: 445 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 4. (5) كما في مجمع الفائدة 3: 326.

[ 219 ]

ونقل في روض الجنان قولا بوجوب القراءة في ركعة لئلا تخلو الصلاة عن فاتحة الكتاب (1)، وهو باطل، سيما على ما اخترناه من وجوب القراءة عليه في الاوليين. وعلى القول الآخر أيضا يكفي ما قرأه الإمام ولو قبل ائتمامه به. ثم إن المسبوق يتابع الإمام في القنوت، كما في موثقة عبد الرحمن بن أبى عبد الله أو صحيحته، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يدخل في الركعة الأخيرة من الغداة مع الإمام فقنت الإمام، أيقنت معه ؟ قال: " نعم، ويجزؤه عن القنوت لنفسه " (2) وهو يدل على سقوط القنوت عنه، لكن لا ينفي استحبابه في الركعة الأخيرة. ويشكل ذلك في غير الغداة، فلا يبعد أن يكون الأولى تركه، ومع منافاته للقدوة فمتعين، لكن الظاهر عدم المنافاة كما مر. وكذلك تستحب متابعته في التشهد، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (3)، وصحيحة الحلبي (4) وغيرهما (5). ويستحب التجافي فيه، ففي صحيحة الحلبي: " ومن أجلسه الإمام في موضع يجب أن يقوم فيه تجافى وأقعى إقعاءا ولم يجلس متمكنا " (6). ويجب عليه التشهد لنفسه في كل موضع يجب عليه، للعموم، ولاتنافيه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج. ويجوز للمسبوق القيام قبل تسليم الإمام، ولا تجب نية الانفراد، والأحوط


(1) روض الجنان: 376. (2) التهذيب 2: 315 ح 1287، الوسائل 4: 915 أبواب القنوت ب 17 ح 1. (3) الكافي 3: 381 ح 1، التهذيب 3: 46 ح 159، الاستبصار: 437 ح 1684، الوسائل 5: 468 أبواب صلاة الجماعة ب 67 ح 1. (4) الفقيه 1: 263 ح 1198، الوسائل 5: 467 أبواب صلاة الجماعة ب 67 ح 2. (5) الوسائل 5: 466 أبواب صلاة الجماعة ب 66. (6) الفقيه 1: 263 ح 1198، الوسائل 5: 467 أبواب صلاة الجماعة ب 67 ح 2.

[ 220 ]

الصبر حتى يتم، ومع نية الانفراد كما بينا جوازه فلا إشكال. التاسع عشر: إذا مات الإمام أو اغمي عليه استناب المأمومون من يتم بهم الصلاة، وادعى عليه الإجماع جماعة (1)، منهم العلامة في التذكرة (2). وتدل عليه صحيحة الحلبي (3). وإطلاقها يشمل من لم يكن في المأمومين، وقطع به في المنتهى (4). وكذا لو عرض الإمام عارض من حدث أو رعاف أو ضرورة يستنيب، وإن لم يستنب فيستنيب المأمومون، والظاهر أنه أيضا إجماعي كما ادعاه جماعة (5)، وكذا كونه بعنوان الاستحباب. والأخبار في استنابة الإمام كثيرة جدا، وكثير منها صحيح، وصحيحة علي بن جعفر (6) في استنابة المأمومين أيضا محمولة على تأكد الاستحباب. ولو لم يستنيبوا فإما ينفرد كل منهم أو يأتم بعضهم ببعض. وتكره استنابة المسبوق كما يقتضيه الجمع ما بين صحيحة سليمان بن خالد (7) وصحيحة معاوية بن عمار (8)، وغيرها (9)، بل من لم يشهد الإقامة كما تدل عليه


(1) كالمحقق في المعتبر 2: 441، وصاحبي المدارك 4: 362، والذخيرة: 392. (2) التذكرة 4: 320 مسألة 593. (3) الكافي 3: 383 ح 9، الفقيه 1: 262 ح 1197، التهذيب 3: 43 ح 148، الوسائل 5: 440 أبواب صلاة الجماعة ب 43 ح 1. (4) المنتهى 1: 381. (5) منهم المحقق في المعتبر 2: 440، وصاحبا المدارك 4: 363، والذخيرة: 392. (6) الفقيه 1: 262 ح 1196، التهذيب 3: 283 ح 843، الوسائل 5: 474 أبواب صلاة الجماعة ب 72 ح 1. (7) التهذيب 3: 42 ح 147، الاستبصار 1: 434 ح 1675، الوسائل 5: 438 أبواب صلاة الجماعة ب 41 ح 1. (8) الكافي 3: 382 ح 7، الفقيه 1: 258 ح 1171، التهذيب 3: 41 ح 144، الاستبصار 1: 433 ح 1672، الوسائل 5: 438 أبواب صلاة الجماعة ب 40 ح 3. (9) الوسائل 5: 437 أبواب صلاة الجماعة ب 40.

[ 221 ]

رواية معاوية بن شريح (1) ورواية معاوية بن ميسرة (2). والظاهر جواز استنابة غير المأمومين هنا أيضا، لظاهر صحيحة جميل بن دراج عن الصادق عليه السلام: في رجل أم قوما على غير وضوء فانصرف وقدم رجلا ولم يدر المقدم ما صلى الإمام قبله، قال: " يذكره من خلفه " (3) ويقرب منها رواية زرارة (4). والمسبوق النائب يؤمي إلى المأمومين إذا تمت صلاتهم يمينا وشمالا ليسلموا، ثم يقوم فيأتي بما بقي عليه، والظاهر أنه أيضا إجماعي، وتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار، وصحيحة عبد الله بن سنان (5). وجعل الشيخ في التهذيب الأحوط العمل بمقتضى رواية طلحة بن زيد من أن النائب يقدم من يسلم عليهم (6). وجوز في المنتهى بعد القول باستحباب ذلك انتظارهم حتى يفرغ ويسلم بهم كما في صلاة الخوف (7)، والأظهر العمل بمقتضى الصحيحتين. العشرون: إذا ظهر فسق الإمام أو كفره أو كونه على غير طهور فلا تجب الإعادة على المأموم على المشهور الأقوى، لأن الأمر يقتضي الإجزاء. وللصحاح المستفيضة وغيرها، منها صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام،


(1) التهذيب 3: 42 ح 146، الاستبصار 1: 434 ح 1674، الوسائل 5: 439 أبواب صلاة الجماعة ب 41 ح 2. (2) الفقيه 1: 262 ح 1193، الوسائل 5: 439 أبواب صلاة الجماعة ب 41 ح 3. (3) الفقيه 1: 62 ح 1194، الوسائل 5: 437 أبواب صلاة الجماعة ب 40 ح 2. (4) الكافي 3: 384 ح 13، التهذيب 3: 272 ح 784، الوسائل 5: 438 أبواب صلاة الجماعة ب 40 ح 4. (5) الفقيه 1: 262 ح 1193، الوسائل 5: 437 أبواب صلاة الجماعة ب 40 ح 1. (6) التهذيب 3: 41 ح 145، وانظر الاستبصار 1: 433 ح 1673، والوسائل 5: 438 أبواب صلاة الجماعة ب 40 ح 5. (7) المنتهى 1: 381.

[ 222 ]

قال: سألته عن قوم صلى بهم إمامهم وهو غير طاهر، أتجوز صلاتهم أم يعيدونها ؟ فقال: " لا إعادة عليهم، تمت صلاتهم، وعليه هو الإعادة، وليس عليه أن يعلمهم، هذا عنه موضوع " (1). وفي صحيحة محمد بن مسلم: " ولا يعيد من خلفه وإن أعلمهم أنه كان على غير طهر " (2). وفي موثقة ابن بكير قال: سأل حمزة بن حمران أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أمنا في السفر، وهو جنب، وقد علم ونحن لا نعلم، قال: " لا بأس " (3). والظاهر أن حكم من ظهر أنه صلى على غير القبلة أيضا كذلك، لصحيحة الحلبي (4) وحسنته (5). ومن الوجوه المتصورة في ذلك أن المأمومين كانوا قد تحروا ولو باعتمادهم على إمامهم والإمام كان قد صلى بدون التحري. وأما رواية العرزمي الدالة على أن عليا عليه السلام صلى مع القوم بلا طهر ثم نادى مناديه بالأمر بالإعادة (6)، فهي مقدوحة سندا (7) ومضمونا، لعصمته عليه السلام. وفي مقابل المشهور قول السيد (8) وابن الجنيد (9) بوجوب الإعادة استنادا إلى


(1) التهذيب 3: 39 ح 139، الاستبصار 1: 432 ح 1670، الوسائل 5: 434 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 5. (2) التهذيب 3: 39 ح 137، الاستبصار 1: 432 ح 1668، الوسائل 5: 434 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 4. (3) التهذيب 3: 39 ح 136، الاستبصار 1: 432 ح 1667، الوسائل 5: 435 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 8. (4) التهذيب 3: 40 ح 142، الوسائل 5: 436 أبواب صلاة الجماعة ب 38 ح 1. (5) الكافي 3: 378 ح 2، التهذيب 3: 269 ح 771، الوسائل 5: 436 أبواب صلاة الجماعة ب 38 ح 2. (6) التهذيب 3: 40 ح 140، الاستبصار 1: 433 ح 1671، الوسائل 5: 435 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 9. (7) لعل وجه القدح هو أن الرواية في التهذيب والوسائل عن عبد الرحمن العرزمي عن أبيه، وأبوه مجهول، ويمكن أن يكون القدح في السند لأجل مخالفتها العصمة فيقطع بعدم صدورها. وقال الشيخ في كتابيه: هذا خبر شاذ مخالف للأخبار كلها، وما هذا حكمه لا يعمل عليه، إلى آخره. (8) المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 200 مسألة 97. (9) نقله عنه في المختلف 3: 73.

[ 223 ]

وجه ضعيف. وقول الصدوق بالتفصيل بالإعادة في الإخفاتية دون الجهرية (1). ويظهر من الفقيه أن به رواية، وشذوذها وعدم وضوح سندها يمنع عن العمل بها. ولو ظهرت الامور المذكورة في الأثناء ففيه وجهان مبنيان على القولين، والوجه العدم، لما مر، ولصحيحة زرارة. وإذا كان المأموم مخالفا للإمام في بعض المسائل الفرعية فهو غير مضر في القدوة، وإن كان يحلل ما كان فعله فسقا عنده، لأن المفروض عدالته. وأما لو كان ذلك في مسائل الصلاة، مثل أنه ترك السورة وهو يوجبها، أو أنه يجوز ترك الجهر في الجهريات ويتركه وهو يوجبه، والوجه البطلان، لوجوب الاقتداء بمن يفعل صلاة صحيحة في نفس الأمر، وظن المجتهد قائم مقام الصحة النفس الأمرية، وكذلك الظن الحاصل من تقليد المجتهد إذا كان مقلدا. ويشكل فيما تخالفا في الوجه وفعلا، مثل أن يقتدي من يعتقد وجوب الجمعة عينا بمن يفعلها استحبابا أو بالعكس، وكذلك الكلام لو اقتدى من يوجب قراءة السورة مع من يقول باستحبابها إذا قرأها في هذه الصلاة، ولا تبعد الصحة، سيما إذا لم ينو الوجه.


(1) الفقيه 1: 263 ذ. ح 1200.

[ 224 ]

المقصد الثاني في منافيات الصلاة وفيه مباحث: الأول: لا يجوز قطع الصلاة اختيارا، سواء كان بالذات كالإعراض عنها، أو بالتبع كفعل ما يبطلها مما يجئ. وعنوان المسألة في كلامهم هنا القسم الأول، والظاهر أنه إجماعي. ولكن القدر المسلم الثابت منه هو ما إذا كان في الفرائض كما خصص الحكم بها العلامة (1) والمتأخرون عنه (2): وما كان لغوا أو لفعل حرام ; لا مطلقا. ولذلك حكم الشهيدان بجريان الأحكام الخمسة فيه (3)، كالقطع لحفظ النفس ونحوها، ولتدارك الأذان والإقامة، وقراءة الجمعة لمن نسيها، ونحوهما، ولحفظ ما لا مالية فيه كالحبة والحبتين من الحنطة ونحوه، ولحفظ المال اليسير الذي لا يضر فوته


(1) القواعد 1: 281. (2) كالشهيد في الذكرى: 215، والكركي في جامع المقاصد 2: 358، والشهيد الثاني في روض الجنان: 338، والمقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة 3: 109. (3) انظر الذكرى: 215، وروض الجنان: 338.

[ 225 ]

ونحوه، ولا يبعد جعل حفظ الحبة والحبتين من باب اللغو. وكيف كان فالقائلون بحرمة القطع قيدوه بحال الاختيار، وأما حال الاضطرار مثل أخذ الآبق والغريم وقتل الحية التي يخافها على نفسه أو غيره فهو مستثنى عندهم كما دلت عليه صحيحة حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن الصادق عليه السلام (1)، وموثقة سماعة (2)، ويمكن (3) الاستدلال بظاهرهما على حرمة القطع في الجملة. وأما الاستدلال بقوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) (4) فهو ضعيف، لأنه من باب ضيق فم الركية، يعني لا تعملوا باطلا، ومنه قوله تعالى: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) (5)، أو معناه لا تفعلوا ما يوجب حبطها من الكفر والنفاق والعصيان، كما يستفاد مما رواه في ثواب بالأعمال في تفسير الآية (6)، ولا مناسبة لهما بالمقام. وأما إرادة " لا تخربوها بعد الشروع فيها بالإعراض عنها أو بفعل ما ينافيها " فهو أبعد المعاني، إذ المتبادر من الأعمال هي الطاعات المعهودة، ومن إبطالها هو مع اعتقاد بقائها على وصف العملية، ومن يريد أن يبدل هذا الشخص منها بشخص


(1) الكافي 3: 367 ح 5، الفقيه 1: 242 ح 1073، التهذيب 2: 331 ح 1361، الوسائل 4: 1271 أبواب قواطع الصلاة ب 21 ح 1. (2) الكافي 3: 367 ح 3، الفقيه 1: 241 ح 1071، التهذيب 2: 330 ح 1360، الوسائل 4: 1272 أبواب قواطع الصلاة ب 21 ح 2. (3) في " م ": ولكن. (4) محمد: 33. (5) البقرة: 264. (6) ثواب الأعمال المترجم: 32 باب ثواب من قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ح 3. قال رسول الله (ص): من قال " سبحان الله " غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال... فقال رجل من قريش: يا رسول الله إن شجرنا في الجنة لكثير، قال: نعم، ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها، وذلك أن الله عز وجل يقول: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم.

[ 226 ]

آخر فهو لا يبطل عمله، بل يبدل هذا بآخر، فتأمل بالدقة وتحقق. وأما صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع أن يصبر عليه، أيصلي على تلك الحال أو لا يصلي ؟ قال، فقال: " إن احتمل الصبر ولم يخف إعجالا عن الصلاة فليصل وليصبر " (1) فدلالتها أيضا ممنوعة، لكون الأمر فيها واردا في محل الحظر. وكذلك لا دلالة في موثقة عمار المانعة عن قتل الحية إذا كان بينه وبينها أكثر من خطوة (2)، لأن الظاهر منها بيان الجواز وعدمه مع البقاء على الصلاة، وحاصله تحديد الفعل الكثير. وكذلك الأخبار الدالة على منع قطع المتيمم صلاته إذا وجد الماء بين الصلاة (3) ليست ظاهرة في حرمة القطع من حيث هو قطع. الثاني: لو أحدث في أثناء الصلاة، فإن كان ذاكرا للصلاة فيبطل، سواء كان باختياره أو سبقه بلا اختيار بإجماع أصحابنا، بل العلماء كافة كما نقلوه (4). وقد مر الكلام في خصوص التشهد الأخير، وأن ظاهر الصدوق الإطلاق (5)، ولعل مراده أيضا صورة السهو. وإن كان ساهيا لها، فالظاهر أن بطلان الصلاة به في الجملة أيضا إجماعي، كما هو ظاهر التذكرة (6). ولكن يظهر مما نقل عن العلامة في النهاية أن الخلاف في صورة


(1) الكافي 3: 364 ح 3، الفقيه 1: 240 ح 1061، التهذيب 2: 324 ح 1326، الوسائل 4: 1253 أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 1. (2) الفقيه 1: 241 ح 1072، التهذيب 2: 331 ح 1364، الوسائل 4: 1269 أبواب قواطع الصلاة ب 19 ح 4. (3) الوسائل 2: 991 أبواب التيمم ب 21. (4) المدارك 3: 455. (5) ص 49، وانظر الفقيه 1: 233. (6) التذكرة 3: 271.

[ 227 ]

سبق الحدث بدون اختيار (1)، والباقون أطلقوا محل النزاع في صورة السهو. والمخالف هو السيد والشيخ في بعض أقواله، فإنهما قالا: يتطهر ويبني على ما مضى (2). وعن ابن أبي عقيل (3) والمفيد (4) وجماعة (5) التفصيل في المتيمم وغيره، فأوجبوا البناء في المتيمم إذا سبقه الحدث ووجد الماء، والاستئناف في غيره. والأقوى الأول. لنا: عدم ثبوت التوظيف بمثله من الشارع، لضعف متمسك المثبت كما سيجئ، وأن الصلاة مشروطة بالطهارة، ويجب تلبسها بها، فبانتفائها تنتفي الصحة. وما قيل: إن المفروض وقوع جميع أجزائها بالطهارة فلا تنافي فاصلة انتفائها (6) ; كلام ظاهري، إذ المستفاد من الشرع انسلاك الأفعال والأذكار في سمط واحد، فالصلاة هي مجموع الأفعال والأذكار المنسلكة في حبل متصل هو الزمان الممتد بين التكبير والتسليم، وقطع ذلك السلك يوجب تفرق هذا الدرج، وليست الصلاة محض الأفعال والأذكار فقط حتى يصح ما ذكر. وتدل عليه أيضا موثقة عمار (7)، وموثقة أبي بكر الحضرمي (8)، ورواية


(1) نهاية الإحكام 1: 513. (2) نقله عنهما في التذكرة 3: 272، ونهاية الإحكام 1: 514، والموجود في كتب الشيخ جعله أحد الروايتين مع ترجيح رواية المشهور، انظر الخلاف 1: 409 مسألة 157، والمبسوط 1: 117، والمعتبر 2: 250، ومفتاح الكرامة 3: 4. (3) نقله عنه في المختلف 1: 441. (4) المقنعة: 61. (5) كالشيخ في النهاية: 48، 94، والمبسوط 1: 117، والمحقق في المعتبر 2: 250، والسيد في المدارك 3: 459. (6) الذخيرة: 351، المدارك 3: 456. (7) التهذيب 1: 11 ح 20، وص 206 ح 597، الاستبصار 1: 82 ح 258، الوسائل 1: 184 أبواب نواقض الوضوء ب 5 ح 5. (8) الكافي 3: 364 ح 4، التهذيب 2: 331 ح 1362، الاستبصار 1: 400 ح 1030، الوسائل 4: 1240 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 2.

[ 228 ]

أبى الصباح الكناني (1)، ورواية الحسن بن الجهم (2) المتقدمات في مبحث التشهد. وتؤيده صحيحة الفضلاء عن الصادق عليه السلام، قال: " إن سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة، ولا تنقض له الوضوء، إنما هو بمنزلة النخامة " (3) الحديث. حجة القول الثاني: صحيحة الفضيل بن يسار (4)، وصحيحة زرارة (5). وربما يؤيد برواية أبي سعيد القماط (6) وبعض الأخبار المتقدمة في مبحث التشهد (7). ولا دلالة في الصحيحين كما هو في غاية الوضوح، لأن مفادهما أنه إن آذته بطنه فينصرف ويقضي حاجته ويتوضأ ويبني على ما مضى من صلاته، وهو خلاف المدعى. مع أن صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في البحث الأول تدفعهما، وكذلك رواية أبي سعيد. وأما الأخبار المتقدمة في التشهد فقد مر الكلام فيها. حجة التفصيل في المتيمم وغيره: صحيحتا زرارة، وفي إحداهما قال، قلت: في رجل لم يصب الماء وحضرت الصلاة فتيمم وصلى ركعتين، ثم أصاب الماء، أينقض الركعتين أو يقطعهما ويتوضأ ثم يصلي ؟ قال: " لا، ولكنه يمضي في


(1) التهذيب 1: 7 ح 8، الاستبصار 1: 80 ح 250، الوسائل 1: 180 أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 6. (2) التهذيب 2: 354 ح 1467، الاستبصار 1: 401 ح 1531، الوسائل 4: 1241 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 6. (3) الكافي 3: 39 ح 1، التهذيب 1: 21 ح 52، الاستبصار 1: 94 ح 305، الوسائل 1: 196 أبواب نواقض الوضوء ب 12 ح 2. (4) الفقيه 1: 240 ح 1060، التهذيب 2: 332 ح 1370، الوسائل 4: 1242 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 9. (5) الكافي 3: 347 ح 2، التهذيب 2: 318 ح 1301، الاستبصار 1: 343 ح 1291، الوسائل 4: 1001 أبواب التشهد ب 13 ح 1. (6) التهذيب 2: 355 ح 1468، الوسائل 4: 1243 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 11. (7) الكافي 3: 347 ح 2، التهذيب 2: 318 ح 1301، الاستبصار 1: 402 ح 1535، المحاسن: 325 ح 67، الوسائل 4: 1002 أبواب التشهد ب 13 ح 1، 3.

[ 229 ]

صلاته، فيتمها ولا ينقضها، لمكان أنه دخلها وهو على طهور بتيمم " قال: زرارة، فقلت له: دخلها وهو متيمم فصلى ركعة فأحدث فأصاب ماءا، قال: " يخرج ويتوضأ ويبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم " (1). وقد يناقش فيهما بعدم الدلالة على اختصاص ذلك بالتيمم، لأن السؤال إنما وقع عن التيمم، مع أن الحكم في غيره أولى، لكون التيمم أضعف من غيره. وفيه: أنهم اعتمدوا في التفصيل بالجمع بين الصحيحين وبين الإطلاقات التي دلت على البطلان، لا بنفس الصحيحين. وربما يوجه الحديث بأن كلمة " أحدث " مبني للمفعول، أي أحدث حدث و وجد سبب وسنح أمر من أمطار السماء ونحوها من أسباب وجود الماء (2) ; ليلائم تفريع إصابة الماء، وحينئذ فلا دلالة فيهما إلا على التفصيل في مسألة وجدان الماء للمتيمم بين الصلاة. وهو بعيد، لأن كلمة الفاء لا تختص بالتفريع. مع أن قوله عليه السلام " لمكان أنه دخلها " إلى آخره ينافيه، مع أن الفارق بين الركعة والركعتين في مسألة التيمم لم يعهد منه القول بالبناء. وربما حملتا على التقية (3)، وليس ببعيد، وطريقة الاحتياط واضحة. الثالث: من تكلم في صلاته عمدا بغير القرآن والذكر والدعاء فتبطل صلاته إجماعا، على ما نقله غير واحد من الأصحاب (4)، والأخبار المعتبرة


(1) الفقيه 1: 58 ح 214، التهذيب 1: 204 ح 594، 595، الاستبصار 1: 167 ح 580، الوسائل 2: 992 أبواب التيمم ب 21 ح 4، وج 4: 1242 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 10. (2) انظر الوافي 6: 563. (3) انظر الوسائل 4: 1243. (4) منهم الشيخ في الخلاف 1: 402 مسألة 154، والعلامة في التذكرة 3: 274، والمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 3: 52، وصاحب المدارك 3: 463.

[ 230 ]

بها مستفيضة. ولكن مورد الإجماع هو ما كان بحرفين فصاعدا، فإن التكلم بحرف واحد لا يبطل إجماعا على ما نقله غير واحد (1). والإجماعان إنما ثبتا في الجملة، لحصول الإشكال في المهمل في الأول، والحق كونه مبطلا، لصدق الكلام عليه، فيشمله ظاهر الأخبار والإجماعات ; وفي مثل التأوه، وسيجئ الكلام فيه. ولوجود الإشكال والتردد في الحرف الواحد المفهم مثل " ق " و " ع "، والحق عدم الإشكال، لصدق الكلام عليه عرفا واصطلاحا، بل لا يبعد إلحاق الحرف المفهم بالقرينة أيضا، وإن لم يكن من هذا القبيل. وأما التكلم نسيانا فلا يبطل بالإجماع والصحاح المستفيضة، ولكن تجب عليه سجدتا السهو، ادعى عليه في المنتهى اتفاق الأصحاب (2)، ولكنه نسب في المختلف خلافه إلى الصدوقين (3)، وكذا الشهيد في الذكرى (4). ويدل على الأول صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (5)، وصحيحة عبد الله بن أبي يعفور الآتية في الشك بين الاثنين والأربع (6). وعلى الثاني صحيحة زرارة (7) وصحيحة محمد بن مسلم (8) ففيهما:


(1) منهم العلامة في المنتهى 1: 309، والشهيد الثاني في روض الجنان: 332، وصاحب المدارك 3: 463.. (2) المنتهى 1: 309.. (3) المختلف 2: 421، وانظر المقنع (الجوامع الفقهية): 9.. (4) الذكرى: 216.. (5) الكافي 3: 356 ح 4، التهذيب 2: 191 ح 755 الاستبصار 1: 378 ح 1433، الوسائل 5: 313 أبواب الخلل ب 4 ح 1.. (6) الكافي 3: 352 ح 4، التهذيب 2: 186 ح 739، الاستبصار 1: 372 ح 1315، الوسائل 5: 323 أبواب الخلل ب 11 ح 2.. (7) التهذيب 2: 191 ح 756، الاستبصار 1: 378 ح 1434، الوسائل 5: 308 أبواب الخلل ب 3 ح 5.. (8) التهذيب 2: 191 ح 757، الاستبصار 1: 379 ح 1436، الوسائل 5: 309 أبواب الخلل ب 3 ح 9.

[ 231 ]

" لا شئ عليه ". والجمع يقتضي حملهما على نفي الإعادة والإثم. ولا فرق في ذلك بين من يسهو ويظن إتمام الصلاة ويتكلم وغيره، وتدل عليه صحيحة الأعرج الآتية أيضا (1). وأما المكره ففيه وجهان، لعدم انصراف العمد إليه، ولا يبعد القول بعدم البطلان، والاحتياط في الإعادة. وأما التنحنح فلا يبطل، للأصل، وموثقة عمار: إنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسمع صوتا بالباب وهو في الصلاة فيتنحنح ليسمع جاريته وأهله لتأتيه، ويشير إليها بيده ليعلمها من بالباب لينظر من هو، قال: " لا بأس به ". وعن الرجل والمرأة يكونان في الصلاة فيريدان شيئا، أيجوز لهما أن يقولا سبحان الله ؟ قال: " نعم، ويؤميان إلى ما يريدان، والمرأة إذا أرادت شيئا ضربت على فخذها وهي في الصلاة " (2) ويظهر من هذا الحديث جواز التنبيه بالذكر والدعاء والقرآن بطريق الأولى، فيقول للمستأذن: (ادخلوها بسلام) والمأموم للإمام الناسي للإخفات: (ولا تجهر بصلاتك) ويدل على ذلك صحيحة علي بن جعفر (3) وغيرها (4) أيضا. ولعله يظهر من تتبع الأخبار عدم اختصاص الحكم بالأذكار المنصوصة، ولا الحاجات المنصوصة. وأما التأوه، فيبطل إذا كان تكلما بحرفين. وفيما كان من خوف الله وجهان،


(1) الكافي 3: 357 ح 6، التهذيب 2: 345 ح 1433، الوسائل 5: 311 أبواب الخلل ب 3 ح 16.. (2) الفقيه 1: 242 ح 1077، الوسائل 4: 1256 أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 4.. (3) التهذيب 2: 331 ح 1363، قرب الإسناد: 92، مسائل علي بن جعفر: 182 ح 352، الوسائل 4: 1256 أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 6.. (4) التهذيب 2: 350 ح 1452، قرب الإسناد: 92، الوسائل 4: 1257 أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 7.

[ 232 ]

اختار جوازه المحقق، لوصف الخليل بكونه أواها، وأنه منقول عن كثير من الصلحاء (1). والأولى أن يقال: إنه من جملة الدعاء، لأنه من باب الشكوى عند الله وإظهار الوجع والألم من الخوف، ويؤيده وروده في الأدعية، واندراج ذلك الدعاء في عموم ما جوز، فالأظهر الجواز. وأما الأنين، فهو مبطل إذا صار تكلما بحرفين، بل الأحوط الاجتناب فيه عن الواحد أيضا، لما في رواية طلحة بن زيد (2) وما رواه الصدوق من قوله عليه السلام: " من أن في صلاته فقد تكلم " (3). والأولى حملهما مع ضعفهما بما تولد منه حرفان، وإن جعلنا الحرف المفهم مطلقا مبطلا فيشكل هذا الحمل أيضا، سيما مع سهولة تركه. الرابع: لو سلم عليه مسلم في الصلاة يجب عليه الرد نطقا، والظاهر أنه إجماع أصحابنا، وعن الشافعي وأحمد ومالك أنه يرد بالإشارة برأسه أو بيده، وعن أبى حنيفة المنع مطلقا (4). لنا: الآية (5) والأخبار (6). فلنقدم الكلام في معنى الآية وبعض ما يترتب عليه، ثم نتكلم في أصل المسألة لما فيها من الفوائد، فههنا مسائل: الاولى: فسر جمهور المفسرين التحية بالسلام، وذكره أكثر اللغويين أيضا (7)،


(1) المعتبر 2: 254.. (2) التهذيب 2: 330 ح 1356، الوسائل 4: 1275 أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 4.. (3) الفقيه 1: 232 ح 1029، الوسائل 4: 1275 أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 2.. (4) المجموع 4: 104، والمغني لابن قدامة 1: 711.. (5) النساء: 86.. (6) الوسائل 4: 1265 أبواب قواطع الصلاة ب 16.. (7) القاموس المحيط 4: 323، مجمع البحرين 1: 113، لسان العرب 12: 289.

[ 233 ]

وهو منهم خلط، لأن السلام من مخترعات الشرع، والتحية في الأصل مصدر حيى يحيي بمعنى الإخبار عن الحياة، ثم استعمل في الدعاء وطلب الحياة، ثم قيل لكل دعاء، وغلب في السلام (1). وقيل: إنه العطية، وفرع عليه وجوب العوض على المتهب، وهو منقول عن الشافعي (2)، وهو ضعيف. وكيف كان فالظاهر من الآية هو السلام، لأنه نسخ تحية الجاهلية، والأصل براءة الذمة عن وجوب كل تحية حتى تثبت بدليل، والاحتياط في غير الصلاة عدم الترك مطلقا. وفي تفسير علي بن إبراهيم عن الصادقين عليهما السلام: " أنه السلام وغيره من البر " (3) وهو يستلزم وجوب رد مثل كل عطية وإحسان بعد حمل ردها على أقرب مجازاته، وهو رد مثله ليصح رد نفس الإحسان، فضلا عن وجوبه، وهو باطل. نعم ورد في الروايات ما يدل على أن تسميت العاطس ورده من التحية المذكورة في الآية (4)، وكذا الإكرام بمثل طاقة نرجس كما فعلتها جارية للحسن بن علي عليه السلام وأعتقها في مقابلها (5). ولكن ضعف الروايتين وكونهما من تفسيرات البطون يوجب حملهما على الاستحباب. وربما يوجه ما في تفسير علي بن إبراهيم بزيادة البر والإحسان على السلام (6)،


(1) المصباح المنير: 160.. (2) التفسير الكبير للفخر الرازي 10: 215. ولكن الوجوب منقول عن أبي حنيفة، وانظر تفسير الجامع لأحكام القرآن 5: 298.. (3) تفسير القمي 1: 145، النساء: 86. (4) الوسائل 8: 460 أبواب أحكام العشرة ب 58، النساء: 86. (5) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 4: 18، تفسير كنز الدقائق 2: 554. (6) في " ح ": المسلم، بدل السلام.

[ 234 ]

وتدفعه الروايتان المذكورتان: الأولى في الخصال (1)، والثانية في المناقب (2). قيل: والمراد (بأحسن منها) إذا كان المسلم مسلما، ويردها إذا كان من أهل الكتاب (3). والأقوى أن المراد بالكل المسلمين. ولا يجب الأحسن في المسلمين، لظاهر الآية. وجواب أهل الكتاب هو عليك أو عليكم كما روى عن النبي صلى الله عليه وآله (4). وروي: أن رجلا دخل عليه صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " وعليك السلام ورحمة الله " فجاءه آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال صلى الله عليه وآله: " وعليك السلام ورحمة الله وبركاته " فجاءه آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " وعليك " فقيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله زدت للأول والثاني في التحية ولم تزد في الثالث، فقال: " إنه لم يبق لي من التحية شيئا، فرددت عليه مثله " (5). والظاهر أن السلام يصح بمثل سلام مرفوعا وسلاما منصوبا، والسلام بحذف الخبر، وسلامي عليك، وسلام الله عليك، ويجب ردها، خلافا لابن إدريس (6). وفي قولك " عليك " أو " عليكم السلام " أيضا خلاف، والأظهر عدم وجوب الرد، وقد روى العامة عنه صلى الله عليه وآله المنع لمن قال عليك السلام، معللا بأنه


(1) الخصال: 633، الوسائل 8: 460 أبواب أحكام العشرة ب 58 ح 3. (2) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 4: 18. (3) مجمع البيان 2: 130. (4) الكافي 2: 474 ح 1، الوسائل 8: 452 أبواب أحكام العشرة ب 49 ح 4. (5) مجمع البيان 2: 131. (6) السرائر 1: 236.

[ 235 ]

تحية الموتى، والأمر بقوله: السلام عليك، والرد بعليك السلام (1). الثانية: الأقوى أنه لا يجب الرد في غير الصلاة بقوله " عليكم السلام " أو " عليك السلام " للعموم، وخصوص حسنة إبراهيم بن هاشم (2). وقال العلامة: وصيغة الجواب " وعليكم السلام، وعليك السلام " مع العاطف وبدونه (3). الثالثة: وجوب الرد فوري، للتبادر، وللفاء ; وإن تأمل بعضهم في دلالتها إذا كانت جزائية. وتاركه آثم. وهل يجب أداؤه في ثاني الحال ؟ الأظهر لا، لأنه كالموقت يحتاج وجوبه ثانيا إلى دليل كما حقق في الأصول، وقيل: يبقى في ذمته إلى أن يؤديه إليه (4)، وهو ضعيف. الرابعة: يجب إسماع الرد تحقيقا أو تقديرا، ولم ينقلوا فيه خلافا في غير حال الصلاة، لأنه المتبادر من الآية والعرف في التحية، وفي بعض الروايات عليه دلالة أيضا (5) ; وما دل من الروايات على خلافه (6) فهو محمول على التقية. الخامسة: لو تلاقى اثنان فسلم كل واحد منهما على الآخر يجب على كل منهما جواب الآخر، وهو ظاهر. والظاهر أنه لو سلم جماعة على واحد يجوز أن يجيب بجواب واحد على صيغة


(1) سنن أبي داود 2: 774 ح 5209.. (2) الكافي 2: 474 ح 1، الوسائل 8: 452 أبواب أحكام العشرة ب 49 ح 4.. (3) المختلف 2: 203.. (4) مجمع الفائدة 3: 122.. (5) التهذيب 2: 329 ح 1349، الوسائل 4: 1265 أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 1.. (6) الفقيه 1: 241 ح 1064، 1065، التهذيب 2: 332 ح 1365، 1366، الوسائل 4: 1265 أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 3، 4.

[ 236 ]

الجمع، وكذلك يجوز السلام بصيغة الجمع على الواحد قاصدا معه الملائكة الكاتبين كما ورد في بعض الأخبار (1)، أو المؤمنين أيضا. وعلى هذا فيجوز التسليم على المرأة بصيغة الجمع المذكر أيضا، تغليبا، وكذلك الجواب. السادسة: وجوب الرد كفائي إذا كان المسلم عليهم جماعة، للإجماع، والأخبار (2)، وبهما تخصص العمومات الظاهرة في العينية، ولا يسقط إلا برد من كان داخلا فيهم. وفي سقوطه برد الصبي المميز إذا كان من جملتهم إشكال، ولا يبعد السقوط خصوصا مع القول بكون عبادته شرعية كما هو الأظهر، لعموم موثقة غياث بن إبراهيم (3)، ورواية ابن بكير (4)، وفيهما دلالة على إجزاء سلام الواحد أيضا عن الجماعة كالرد. وفي ثبوت رد سلام الصبي المميز أيضا إشكال، الأظهر الوجوب للعموم. السابعة: في وجوب رد السلام الوارد عليك من وراء الجدار، أو بواسطة الرسول أو الكتاب، أو عند المفارقة ; إشكال. الأظهر في الأول والآخر الوجوب، للعموم، وفي قرب الإسناد رواية تدل على استحباب السلام عند المفارقة (5)، فلا بأس بمتابعتها. وفي الكافي رواية صحيحة تدل على وجوب رد الكتاب، كوجوب رد السلام (6).


(1) الوسائل 8: 445 أبواب أحكام العشرة ب 41.. (2) الوسائل 8: 450 أبواب أحكام العشرة ب 46. (3) الكافي 2: 473 ح 3، الوسائل 8: 450 أبواب أحكام العشرة ب 46 ح 2. (4) الكافي 2: 473 ح 1، الوسائل 8: 450 أبواب أحكام العشرة ب 46 ح 3.. (5) قرب الإسناد: 22، الوسائل 8: 456 أبواب أحكام العشرة ب 52 ح 1. (6) الكافي 2: 492 ح 2، الوسائل 8: 437 أبواب أحكام العشرة ب 33 ح 1.

[ 237 ]

الثامنة: قيل: يحرم سلام المرأة على الأجنبي بناءا على أن صوتها عورة (1)، والأظهر عدمه، إلا إذا كان مظنة الريبة كما أشرنا سابقا. ويظهر من ذلك وجوب الرد عليها لو سلم عليها أحد. نعم يكره السلام على الشابة منهن حذرا من الريبة والشهوة كما رواه الكليني في الحسن كالصحيح (2). ولو قلنا بحرمة سلام الأجنبي والأجنبية أيضا فالأظهر وجوب الرد، للعموم، وقال في التذكرة: فلو سلم رجل على امرأة أو بالعكس، فإن كان بينهما زوجية أو محرمية أو كانت عجوزة خارجة عن مظنة الفتنة ثبت استحقاق الجواب، وإلا فلا (3). التاسعة: لا يجوز الابتداء بالسلام على أهل الذمة إلا في حال الاضطرار، ومنه الاحتياج إلى أطبائهم. ولو سلم عليه ذمي ففي وجوب الرد إشكال، نعم هو أحوط. وأما الرد ; فقال العلامة - رحمه الله - تقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك، أو أطال بقاءك، ولو رد السلام لم يزد في الجواب على قوله: وعليك (4). اقول: والمستفاد من الأخبار عدم الاختصاص بأهل الذمة، وأنه لا يجوز ابتداء السلام على الكافر مطلقا، إلا في حال الاضطرار، وأن جوابهم " عليك أو عليكم " مع العطف أو بدونه. العاشرة: يجب رد السلام ولو كان مكروها، كالسلام على من كان في حال الخطبة والحمام والخلاء وفي حال الصلاة وأمثال ذلك على القول بكراهتها، وإن قلنا


(1) انظر الحدائق 9: 83.. (2) الكافي 2: 473 ح 1، الوسائل 8: 451 أبواب أحكام العشرة ب 48 ح 1. (3) نقله عنه في الذخيرة: 365.. (4) نقله عنه في الذخيرة: 365.

[ 238 ]

بأن الكراهة بمعنى المرجوحية كما هو الأظهر لا الأقل ثوابا كما ذكره بعض الأصحاب في توجيه مكروه العبادات ; للعموم. الحادي عشر: لو سلم عليه مسلم في الصلاة فيجب رده قطعا بإجماع أصحابنا كما يظهر من العلامة (1) وغيره (2)، ولفظ الجواز المذكور في كلمات علمائنا (3) إنما اريد به المعنى الأعم ردا على العامة. قال في الذكرى: وظاهر الأصحاب مجرد الجواز للخبرين، والظاهر أنهم أرادوا به شرعيته، ويبقى الوجوب معلوما من القواعد الشرعية (4). ولعله أراد من القواعد الآية والإجماع والأخبار المطلقة، وفي بعض الأخبار الخاصة أيضا دلالة عليه. وكيف كان فلا إشكال في وجوب الرد في الجملة، إنما الكلام في مقامات اخر: الأول: إنه لا يعتبر في الرد قصد القرآن، لظاهر الآية والأخبار (5)، ونقل عن ظاهر الشيخ اعتباره (6)، وليس بشئ. الثاني: المشهور أنه يجب إسماعه، للتبادر، وحكم العرف والعادة، وخصوص رواية ابن القداح (7). وظاهر المحقق في المعتبر (8)، والمحقق الأردبيلي (9) - رحمه الله - عدم الوجوب


(1) التذكرة 3: 281. (2) كالمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 355. (3) كما في الشرائع 1: 82، والمنتهى 1: 313، والرياض 3: 526. (4) الذكرى: 218. (5) الوسائل 4: 1265 أبواب قواطع الصلاة ب 16. (6) المبسوط 1: 119، النهاية: 95، ونقله في جامع المقاصد 2: 357.. (7) الكافي 2: 471 ح 7، الوسائل 8: 443 أبواب أحكام العشرة ب 38 ح 1. (8) المعتبر 2: 264.. (9) مجمع الفائدة 3: 119.

[ 239 ]

نظرا إلى صحيحة منصور عن الصادق عليه السلام (1)، وموثقة عمار (2) الدالتين على إخفاء الرد، وهما محمولتان على التقية، وكذلك رواية محمد بن مسلم (3). الثالث: ظاهر الأصحاب وجوب الرد بالمثل في الصلاة، وفسره بعضهم بأنه إذا قال: " سلام عليكم " لا يجوز الجواب بعليكم السلام، ونسبه المرتضى إلى الشيعة (4) والمحقق إلى مذهب الأصحاب (5). وذلك لا يستلزم عدم جواز رد مثل قوله: " سلام عليك " ب‍ " سلام عليكم " ولا بالعكس الا من جهة الأخسية، ولا يبعد القول بالجواز في الأول، حملا للمثل على المثلية في الاسلوب. ويؤيده أن الجواب عن سلام المرأة إذا اعتبر فيه المثلية مطلقا فكيف يحصل ذلك في إعراب آخره، والوقف لا يكفي في ذلك، ولكن ظاهر أخبار كثيرة اعتبار المثلية في اللفظ (6)، وهو أقرب مجازات قوله تعالى: (أو ردوها) (7). وأما موثقة سماعة عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يسلم عليه وهو في الصلاة، قال: " يرد بقول سلام عليكم، ولا يقول: وعليكم السلام " (8) الحديث، فيمكن أن يكون الحصر فيها إضافيا، فيوافق ما ذكرنا من القول بالجواز في الأول، وإن احتمل حملها على الغالب من كون السلام بصيغة سلام عليكم. ومن ذلك يظهر أن تعين " سلام عليكم " في الجواب كما نقل عن بعض


(1) الفقيه 1: 241 ح 1065، التهذيب 2: 332 ح 1366، الوسائل 4: 1265 أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 3. (2) الفقيه 1: 240 ح 1064، التهذيب 2: 331 ح 1365، الوسائل 4: 1266 أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 4.. (3) الفقيه 1: 240 ح 1063، الوسائل 4: 1266 أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 5.. (4) الانتصار: 47.. (5) المعتبر 2: 263.. (6) الوسائل 4: 1265 أبواب قواطع الصلاة ب 16.. (7) النساء: 86.. (8) الكافي 3: 366 ح 1، التهذيب 2: 328 ح 1348، الوسائل 4: 1265 أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 2.

[ 240 ]

الأصحاب (1) لا وجه له، ويمكن حمل سائر الأخبار أيضا على الحصر الإضافي بالنظر إلى تقديم الظرف. وكيف كان فالظاهر عدم جواز تقديم الظرف في الجواب، ولم يظهر مخالف في ذلك إلا ظاهر كلام ابن إدريس حيث قال: إذا كان المسلم عليه قال له: سلام عليكم أو سلام عليك أو السلام عليك أو عليكم السلام فله أن يرد بأي هذه الألفاظ، لأنه رد سلام مأمور به، قال: فإن سلم بغير ما بيناه فلا يجوز للمصلي الرد عليه (2)، انتهى. بل الأحوط الاقتصار بنفس لفظ المسلم من دون تغيير، حتى بالجمع والإفراد، والتعريف والتنكير. ويشكل الأمر في جواب المرأة في الإعراب، فيستثنى ذلك للضرورة. ومما ذكرنا يظهر الإشكال في جواز الرد بالأحسن وإن وافق سوق السلام، مثل أن يزيد في جواب سلام عليكم قوله " ورحمة الله وبركاته " والأحوط الاجتناب، وإن كان لا يبعد القول بالجواز، كما نقل عن بعض محققي الأصحاب (3)، لعموم الآية. ولو قال المسلم: عليكم السلام، فالأظهر عدم وجوب الرد، بل وعدم جوازه أيضا كما هو مذهب المحقق، إلا إذا قصد الدعاء وكان مستحقا له (4)، وتردد العلامة في الجواز (5). وعلى القول بالجواز فهل يجب أم لا ؟ وعلى القول بالوجوب فهل يجوز بالمثل


(1) جامع المقاصد 2: 355.. (2) السرائر 1: 236.. (3) المدارك 3: 474.. (4) المعتبر 2: 264.. (5) المنتهى 1: 314.

[ 241 ]

أو يجب سلام عليكم كما نقل عن بعض الأصحاب (1) ؟ ففي الكل إشكال، والمناص هو الجواب بالقرآن، مثل سلام عليكم قاصدا للدعاء. وكذلك الإشكال في التسليمات المحرفة، مثل قوله: سرام معليك، وسلاما ليك، وساماليكم، وأمثال ذلك. والأحوط فيها مراعاة مماثلة الكلمة المحرفة، ففي الأولين يقول: سلام عليك، وفي الأخير سلام عليكم. وهكذا الكلام في التحيات التي لم تكن بالألفاظ المعهودة في السلام وإن لم تكن من جنس السلام، فلا يبعد الجواب بالقرآن بقصد الدعاء له، ولا دليل على قصد الرد. ويؤيده في غير السلام صحيحة هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، حيث سكت الإمام عليه السلام عن جواب قوله " كيف أصبحت " بعد ما رد جواب سلامه (2). الرابع: قد عرفت أن وجوب رد السلام كفائي إذا كانوا جماعة، فلو قام غير المصلي مقامه في الرد وكان من جملة المسلم عليهم - مصليا كان أو غيره - فيسقط عن المصلي. وفي جوازه له حينئذ وجهان، ولا يبعد عدم الجواز بعد تمام الرد، والجواز قبله. وإذا كان بعض المسلم عليهم مصليا وبعضهم قاعدا، فهل يجب على القاعد أو يتساويان ؟ الأظهر التساوي، وبرد أيهما يسقط عن الآخر، ولا يسقط برد من لم يكن مقصودا بالسلام. والأظهر إجزاء رد الصبي المميز إذا كان من جملتهم، والأحوط حينئذ الإتيان به بقصد الدعاء أيضا. ولا يخفى أن كل ما ذكرنا إنما هو إذا علم المصلي أنه سلم عليه، أو أنه من جملة


(1) نقله في السرائر 1: 237. (2) التهذيب 2: 329 ح 1349، الوسائل 4: 1265 أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 1.

[ 242 ]

المسلم عليهم، فإذا لم يظهر له ذلك أو ظهر خلافه فلا يجوز له الرد، ومع الشك فالأصل عدم الوجوب، فلا يجوز أيضا، لعدم الدليل. الخامس: وجوب الرد فوري، والمعيار فيه العرف، فلا ينافيه إتمام الكلام أو الآية إذا لم يوجب فصلا طويلا. وإذا ترك الرد الواجب ففي بطلان الصلاة وعدمه أقوال، ثالثها أنه يبطل إذا كان حينئذ مشغولا بالقراءة والأذكار. والأصل في هذا الخلاف الرجوع إلى دلالة الأمر بالشئ على النهي عن ضده الخاص، والأقوى عدم البطلان مطلقا، لمنع اقتضاء الأمر بالشئ النهي عن ضده الخاص أولا. سلمنا، لكنه يدل عليه تبعا من باب المقدمة، ولو سلمنا دلالة النهي على الفساد في العبادات فهو مخصوص بالمناهي الأصلية لا التبعية. مع أن بطلان الصلاة ببطلان الجزء لايتم إلا إذا لم يتداركه. ومجرد القراءة المحرمة أو الذكر المحرم بين الصلاة لادليل على كونه مبطلا. مع أن تخصيص الكلام بالذكر والقراءة لاوجه له، إذ قد يضاد بعض الأكوان والأفعال أيضا الرد، كما لو سلم عليه ومر مستعجلا وتوقف إيصاله جوابه إلى مشي وحركة، ولا يمكن إيصاله بالصياح ورفع الصوت. السادس: يظهر من بعض الأخبار كراهة السلام على المصلي (1)، وينبغي العمل بمضمونها، لأنه يوجب تشويش خاطر المصلي وإيقاعه في الخلل، سيما التسليمات المحرفة. وذهب جماعة من الأصحاب إلى الاستحباب، نظرا إلى العمومات (2). وقد روى الحميري عن الصادق عليه السلام أنه قال: كنت أسمع أبي يقول: " إذا


(1) الوسائل 4: 1267 أبواب قواطع الصلاة ب 17.. (2) كالعلامة في التذكرة 3: 282، والشهيد الثاني في المسالك 1: 232.

[ 243 ]

دخلت المسجد والقوم يصلون فلا تسلم عليهم، وصل على النبي صلى الله عليه وآله، ثم أقبل على صلاتك، وإذا دخلت على قوم جلوس وهم يتحدثون فسلم عليهم " (1). ولكن يضعف القول بالكراهة موافقته للعامة ومخالفته للمشهور. ويؤيده ما روي في الخصال، عن مسعدة بن صدقة، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه عليه السلام، قال: " لا تسلموا على المصلي، لأن المصلي لايستطيع أن يرد السلام، لأن التسليم من المسلم تطوع، والرد فريضة " (2) فإن التعليل ينبه على ما ذكرنا. الخامس: يستحب للمصلي إذا عطس أن يحمد الله، وادعى عليه الإجماع جماعة (3). وزاد في المنتهى أن يصلي على نبيه وآله عليهم السلام، وأن يفعل ذلك إذا عطس غيره، قال: وهو مذهب أهل البيت عليهم السلام (4). وتدل عليه العمومات، وخصوص صحيحة الحلبي (5) وغيرها (6)، وفي الموثق: " إذا عطس أخوك وأنت في الصلاة فقل: الحمد لله، وصل على النبي وآله وسلم، وإن كان بينك وبين صاحبك اليم " (7). والمشهور جواز تسميت العاطس للمصلي أيضا، بل استحبابه، لأنه دعاء،


(1) قرب الإسناد: 45، الوسائل 4: 1267 أبواب قواطع الصلاة ب 17 ح 2. (2) الخصال: 484 ح 57، الوسائل 4: 1267 أبواب قواطع الصلاة ب 17 ح 1. (3) كصاحب المدارك 3: 471.. (4) المنتهى 1: 313.. (5) الكافي 3: 366 ح 2، الوسائل 4: 1268 أبواب قواطع الصلاة ب 18 ح 2.. (6) الوسائل 4: 1268 أبواب قواطع الصلاة ب 18.. (7) الكافي 3: 366 ح 3، الوسائل 4: 1268 أبواب قواطع الصلاة ب 18 ح 3.

[ 244 ]

وللعمومات. وتردد المحقق ثم رجح الجواز (1). وهل يجب الرد ؟ فيه إشكال، ولا يبعد الجواز، للعموم مؤيدا بعموم الآية، وإن كان ظاهرا في السلام. والأولى في الرد قول " يغفر الله لكم ويرحمكم " لحسنة ابن أبي خلف عن الباقر عليه السلام، وفيها " إنه إذا عطس عنده إنسان قال: يرحمك الله عز وجل " (2). السادس: تبطل الصلاة بتعمد الفعل الكثير بإجماع أصحابنا، بل العلماء كافة كما نقله في المنتهى (3). وفي تحقيق هذه المسألة إشكال عظيم، وكلام الأصحاب فيه مضطرب متناقض على الظاهر، ولم أقف على من سدد هذا المقام وحقق ذاك المرام، وذلك لأنهم اختلفوا في تفسير الفعل الكثير وتعيينه. فبعضهم فسره بما سمي كثيرا عرفا (4). وبعضهم بما يخرج فاعله عن كونه مصليا عرفا (5). وبعضهم ما سمي في العادة كثيرا، مثل الأكل والشرب واللبس وغير ذلك مما إذا فعله الإنسان لا يسمى مصليا، بل يسمى آكلا وشاربا ولابسا، ولا يسمى فاعله في العادة مصليا (6). وقال العلامة في المنتهى: ويجب عليه ترك الفعل الكثير الخارج عن أفعال


(1) المعتبر 2: 263.. (2) الكافي 2: 655 ح 11، الوسائل 8: 460 أبواب أحكام العشرة ب 58 ح 1، وصدر الحديث: كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا عطس فقيل له: يرحمك الله، قال: يغفر الله لكم ويرحمكمث.. (3) المنتهى 1: 310. (4) كشف اللثام 1: 239.. (5) روض الجنان: 333، مجمع الفائدة 3: 69.. (6) نهاية الإحكام 1: 521، جامع المقاصد 2: 350.

[ 245 ]

الصلاة، فلو فعله عامدا، بطلت صلاته، وهو قول أهل العلم كافة، لأنه يخرج به عن كونه مصليا، والقليل لا يبطل الصلاة بالإجماع (1). ووجه الإشكال في المسألة أنه لم يرد نص يدل على أن الفعل الكثير يبطل حتى يرجع فيه إلى العرف، والإجماع من (الأدلة القطعية) (2) فيؤول الكلام إلى أن ما أجمع على كونه مبطلا فهو مبطل، ولا حاجة إلى إقحام الفعل الكثير. وأيضا الاستدلال بالإجماع معللا بأنه يخرج عن كونه مصليا لا معنى له إلا جعل ذلك مستندا للإجماع، فحينئذ لا معنى لحوالة الكثرة والقلة إلى العرف، فإن مقتضى الاستدلال حينئذ أن ما يخرج به المصلي عن كونه مصليا فهو مبطل، وحوالة ذلك إلى العرف أيضا كما فعلوه لا معنى لها، إذ هذا منصب الشارع لا العرف. وإن اريد به عرف المتشرعة، فإن اريد عوامهم فلاريب أنهم يحكمون بكون أكثر ما جوزه الشارع في الأخبار مخرجا عن الصلاة، وإن اريد عرف العلماء فهو تابع لمقتضى أدلتهم، وليس له معيار يرجع إليه. وأيضا اضطرب كلامهم في الرجوع إلى العرف في الفعل الكثير، فبعضهم يفسر الكثرة بالأفعال الثلاثة ويتردد في الاثنين (3)، وبعضهم يعبر عنه بما يكون مخرجا به عن الصلاة لكثرة طوله ونحو ذلك (4). لابد في تحقيق ذلك من فهم مرادهم، هل هو أن في الكثرة يرجع إلى العرف أو في الفعل يرجع إلى العرف أو في الفعل الكثير ؟ وأن المراد من الكثير في هذا اللفظ هل هو توصيف عدد الفعل أو زمانه أو غير ذلك ؟. ومن عدم تحقيق هذا المقام صعب الأمر على بعضهم، حيث فهم الكثرة


(1) المنتهى 1: 310. (2) في " م "، " ح ": الأدلة العقلية.. (3) الذكرى: 223.. مجمع الفائدة 3: 69.

[ 246 ]

العددية، ثم استشكل في الأفعال الخفيفة مثل تحريك الأصابع ثلاثا في مسحة أو حكة (1) أو نحو ذلك، ثم جعلها بمنزلة القليل كما فعله في التذكرة (2) وهكذا. وبالجملة اختلاف كلمات العلماء واضطرابها بحيث لا يكاد يرجا زواله سيما من علماء العامة. ثم إن رفع الإشكال في انعقاد الإجماع على الأمر الظني الموكول إلى العرف والرجوع إلى العرف فيما لم يقع في كلام الشارع وان كان يمكن بأن يقال بأن الإجماع إنما انعقد على مصداق هذا اللفظ، فيجوز جعله من باب عموم الحديث، لأنه إجماع منقول، وهو مثل خبر واحد عام. ولا ينافي ذلك كون الظني مجمعا عليه، نظير كون اشتراط العدالة في الشاهد أو الإمام إجماعيا، مع كونها من الامور الظنية، فظن كل مجتهد يقوم مقام الأمر النفس الأمري. ولكن يخدشه أن الإجماع لم يعلم انعقاده على الفعل الكثير بمعنى الكثرة العددية أو الزمانية أو نحو ذلك، لاختلاف العلماء المتصدين لدعوى الإجماع في تفسير الفعل الكثير في تلو ذكر إجماعهم، فلم يعلم من ذلك أن الإجماع هل انعقد على مصداق الكثرة أو مصداق ما يكون مخرجا عن الصلاة وماحيا لصورتها، فلم يعلم كون لفظ الكثير مما ورد عليه الإجماع لاقطعا ولانقلا. فأنا أذكر ما ظهر عندي من أساس هذه المسألة ومبدئها مع قطع النظر عن كلام العلماء واختلافاتهم، فلعلك بعد التأمل فيه تقف على توجيه كلام بعضهم ومنشأ غفلة الآخرين، وهو أن العقل والنقل متطابقان على أن الأمر يقتضي الإطاعة والامتثال، والإتيان على مقتضاه كما هو يقتضي الإجزاء، وعدم الإتيان على


(1) في " ح ": في مسجة أو حكة، وفي " ص ": أو حكمه، وفي " م " أو حكنة.. (2) التذكرة 3: 290 ولكن فيه: مسبحة أو حكمه. وفي المجموع للنووي 4: 94، وفتح العزيز 4: 130 سبحة أو حكة.

[ 247 ]

مقتضاه يوجب بقاء شغل الذمة. وعدم الإتيان بمقتضاه يتصور على وجوه ثلاثة: الأول: عدم الالتفات إليه بوجه وتركه رأسا. والثاني: الإتيان بشئ يزعم أنه فرد من أفراد المأمور به وليس كذلك. والثالث: الإتيان بفرد فاسد منه. فكما أن في صورة التكلم عمدا أو قصد الرياء بين الصلاة مثلا تصير الصلاة فاسدة ويطلق عليها حينئذ الصلاة الفاسدة، ولا يحصل الامتثال لاشتراط الصحة في حصول الامتثال، أو عدم ظهور البطلان بعد صدق كونه فردا من أفراد المأمور به، فكذلك في صورة فعل ما يخرج الصلاة عن صورة الصلاة بحيث لا يعد من أفراد الصلاة لا يحصل الامتثال، لأنه لم يأت بفرد من أفراد الصلاة، ففي الأولى لم يأت بفرد صحيح، وفي الثانية لم يأت بفرد مطلقا، وهذا هو مراد العلماء في عنوان هذه المسألة. فكما أن قطع الصلاة رأسا يوجب خروج الصلاة عن كونها صلاة، فكذلك فعل ما يصدق بسببه أنه غير مصل يوجب خروجها عن كونها صلاة. ولما كان المفروض أن المصلي لم يقصد قطع الصلاة في هذا العنوان، ولم يفعل أيضا من المبطلات الغير المخرجة عن الفردية، فانحصر الإبطال حينئذ بفعل ما يخرجه عن الصلاة من جهة الكثرة، بمعنى طول المكث وتمادي الزمان، لا الكثرة العددية. وأيضا المراد بالفعل هو الفعل العرفي، والوحدة والتعدد العرفيين، فمن يعقد أزراره في حال الصلاة فقد فعل فعلا واحدا في العرف، مع أنه مشتمل على أفعال كثيرة لغة في كل زرة، فضلا عن جميعها، فالكثرة هنا غير معتبرة من حيث هي كثرة، بل من حيث إنها ماحية لصورة الصلاة ومخرجة للمصلي عن صلاته. فالكلام إنما هو في بيان الكثرة الماحية، فحينئذ يقع الإشكال في إرجاع ذلك إلى العرف.

[ 248 ]

وأنا أقول: يمكن دفعه بوجهين: الأول: أن يقال إن المراد بالعرف هو العرف العام، ولا يضر عدم مدخلية العرف في الامور التوقيفية، فإن عدم مدخليته إنما هو في أصل وضعها وحقائقها، وكلامنا ليس في ذلك، بل في صدق الخروج عنه والبقاء فيه من حيث إنه فعل من الأفعال، لامن حيث إنه هذا الفعل، يعني بعد اطلاع أهل العرف على هذا المعنى الشرعي وتميزه عن غيره من المعاني يقدر على أن يحكم أن فاعله داخل فيه أو خارج عنه، فالحقيقة وإن كانت شرعية ; لكن الاشتغال بها والخروج عنها أمر عرفي. فلنفرض الكلام في عمل النقاش أو المدرس مثلا، فإن أهل العرف العام لاإطلاع لهم على حقيقة النقش والتدريس، ولكن يقدرون أن يفهموا متى يشتغل النقاش بالنقش والمدرس بالتدريس ومتى يصير خارجا عنه، فبمجرد شرب الماء بينهما أو حك البدن أو شرب التتن ونحو ذلك لا يحكمون بالخروج، ولكن بطي الكتاب والخروج عن المدرس وبجمع آلات النقش وأدواته في المحبرة والقيام عن مقامه يحكمون بكونه خارجا، وهذا واضح المتأمل. والثاني: أن يقال المراد بالعرف عرف المتشرعة، فما يحكم المتشرعة بأنه ينافي الصلاة من جهة الكثرة ويفسدها فهو باطل، ومنه يعلم بطلانها شرعا، لأنهم ينسبون عرفهم إلى الشارع. وحينئذ فالموارد الواضحة في حكم الخروج وعدمه وكونها محكوما بفسادها وعدمه حكمها واضح من حيث الصحة والبطلان، وأما الموارد المشكوكة فتبنى على الصحة، لأصالة عدم الخروج، وعدم مدخلية انتفاء ذلك الفعل في الصحة. والمناسب لكلام الفقهاء والمستفاد من ظاهر عباراتهم هو الأول، فإنهم عبروا عن المطلوب بكونه مخرجا عن الصلاة، وعن كونه مصليا وعدمه، لا بكون الصلاة الكذائية صحيحة أو فاسدة. وحاصل المقام: أن الأفعال الواقعة الخارجة عن الصلاة المبطلة لها بعضها

[ 249 ]

منصوص على قاطعيتها بالخصوص كالتكلم والقهقهة ونحوهما عمدا، وبعضها لا يضر بالصلاة بالخصوص، بل من جهة الكثرة مثل الحك وقتل البرغوث والقملة ونحوهما، وبعضها مختلف فيها كالأكل والشرب كما سيجئ. وما هو مبطل من جهة الكثرة إنما يبطل لكونه موجبا للخروج عن الصلاة، وكونه مخرجا إنما يعرف بالعرف على الوجهين المتقدمين. ولكن بقي إشكال آخر: وهو أن الأخبار الكثيرة الواردة في تجويز كثير من الأفعال في أثناء الصلاة (1) تنافي تلك القاعدة، فإن ظاهر كثير منها أنه يصير مخرجا للمصلي عن الصلاة، وحكم العرف لا يوافقها، فيبقى التعارض بين دليل العقل والنقل. والتحقيق: أن تخصص الأخبار وتحمل على ما لو لم يلزم منها خروج المصلي عن كونه مصليا عرفا، ولا يحكم بفسادها في عرف المتشرعة بسبب ذلك، كما هو مقتضى الجمع بين كثير منها أيضا، فإن الأخبار المطلقة وردت مثلا في تجويز قتل الحية، وفي موثقة عمار: " إن كان بينها وبينه خطوة واحدة فليخط وليقتلها، وإلا فلا " (2) ولكن روى في السرائر عن نوادر البزنطي ما يدل على أن الخطوتين والثلاث أيضا غير مضرة (3). وكذلك الروايات الكثيرة المجوزة لغسل الرعاف والبناء على الصلاة (4) مخصصة بذلك، جمعا بينها وبين صحيحة علي بن يقطين (5)، ورواية أبي حمزة (6). وكذلك ما دل على الإبطال مطلقا، مثل رواية حريز الدالة على القطع لرد الآبق


(1) الوسائل 4: 1269 أبواب قواطع الصلاة ب 19، 20، 24. (2) الفقيه 1: 241 ح 1072، التهذيب 2: 331 ح 1364، الوسائل 4: 1269 أبواب قواطع الصلاة ب 19 ح 4.. (3) مستطرفات السرائر 3: 556، الوسائل 4: 1279 أبواب قواطع الصلاة ب 30 ح 1.. (4) الوسائل 4: 1244 أبواب قواطع الصلاة ب 2.. (5) التهذيب 2: 328 ح 1346، الوسائل 1: 186 أبواب نواقض الوضوء ب 6 ح 7.. (6) التهذيب 2: 328 ح 1347، الوسائل 4: 1246 أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 14.

[ 250 ]

والغريم وقتل الحية (1) يخصص بما أوجب الخروج عن الصلاة. ثم إن من تتبع الأخبار يحصل له الظن القوي بل القطع بأنه لامدخلية لخصوصيات الأفعال، بل المخل هو الكثرة، وأن المقدار المرخص فيه هو غير ما كان ماحيا لصورة الصلاة، والممنوع منه هو ما كان ماحيا من دون فرق بين المواضع. وأفتى الفقهاء في كثير من تلك المواضع مثل قتل المؤذيات من الحية والعقرب وغيرهما، والتصفيق وضرب الحائط تنبيها على الحاجة، وعد الركعات، والتسبيح بالحصى، ورمي الغير بالحصى طلبا لإقباله، وضم الجارية إليه، وإرضاع الصبي حال التشهد، ورفع القلنسوة من الأرض ووضعها على الرأس ; رواه الشهيد في الذكرى (2)، ولبس العمامة والرداء، ومسح الجبهة، وغير ذلك. والأخبار فيما ذكرنا وفي غيرها طويلة لا نطيل بذكرها. وقال العلامة في المنتهى بعد العبارة التي نقلناها عنه سابقا: ولم يحد الشارع القلة والكثرة، والمرجع في ذلك إلى العادة، وكلما ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين فعلوه في الصلاة أو أمروا به فهو من القليل (3). والظاهر أن مراده - رحمه الله - أن ما فعلوه أو أمروا به هو القليل من تلك الأفعال، لا أن كلها قليل، فإن قتل الحية قد يوجب فعلا كثيرا مثلا. ويحتمل أن يكون مراده أنه إن ثبتت كثرته أيضا فهو في حكم القليل في الجواز، وهو بعيد، لكمال الإشكال في تخصيص الدليل العقلي، وجعل ذلك عبادة اخرى قائمة مقام الصلاة أبعد.


(1) الكافي 3: 367 ح 5، الفقيه 1: 242 ح 1073، التهذيب 2: 331 ح 1361، الوسائل 4: 1271 أبواب قواطع الصلاة ب 21 ح 1.. (2) الذكرى: 216.. (3) المنتهى 1: 310.

[ 251 ]

فمرجع المسألة إلى أن المصلي يعتمد على ملاحظة الخروج عن الصلاة عرفا وعدمه على نهج ما يفهمه في سائر الأفعال العرفية، وهذا أمر ليس فيه كثير مشقة، وليس خارجا عن طور العرف والعادة حتى لا يمكن حوالته عليه. وذلك مثل حوالة المكلف في وجوب الاجتناب عن الغناء إلى العرف على القول به كما هو الأظهر، وكذلك في خروجه عن دار الإقامة وعدمه في مسألة القصر. ثم إن المشهور تخصيص حكم إبطال الفعل الكثير بصورة العمد، فلا يبطل لو كان نسيانا عندهم، وادعى عليه الإجماع في الذكرى (1)، ونسبه في التذكرة إلى علمائنا (2). وقال الشهيد الثاني رحمه الله: لو استلزم الفعل الكثير ناسيا انمحاء صورة الصلاة رأسا توجه البطلان أيضا، لكن الأصحاب أطلقوا الحكم بعدم البطلان (3). وأقول: كلامهم في ذلك أيضا يشعر بانفكاك العنوانين، أعني الكثرة وكونه مخرجا عن الصلاة، وقد عرفت كلام المنتهى المشعر بالاتحاد، وعرفت حقيقة الأمر أيضا. وإن ثبت إجماعهم على عدم البطلان في صورة السهو فهو قانون جديد لازم الاتباع، ومعناه تشريع قيام فعل آخر مقام الصلاة، لأنه غير مطابق لقاعدة العقل في امتثال الأمر، ولاتقبل القاعدة العقلية التخصيص. والأوجه عندي البطلان، والأبحاث المتقدمة تدور عليهم إن جعلوا كثرة الفعل مغايرة لكونه مخرجا من الصلاة وأرادوا ذلك، لعدم التحديد، وعدم الدليل عليه، وعدم ثبوت مورد الإجماع حينئذ، لأن النفي والإثبات في صورتي العمد والسهو متعلقان بشئ واحد.


(1) الذكرى: 215. (2) التذكرة 3: 290. (3) روض الجنان: 333، المسالك 1: 228.

[ 252 ]

وألحق بعضهم السكوت الطويل المخرج للمصلي عن كونه مصليا بالفعل الكثير (1)، وهو كذلك. بقي الكلام في الأكل والشرب، وادعى الشيخ على إبطال مطلقهما الإجماع (2)، وبنى المحقق الكلام فيهما على اعتبار القلة والكثرة (3)، وحسنه جماعة من المتأخرين (4)، والأولى متابعة الشيخ للإجماع الذي نقله. وأما إذا وضع في فمه مثل السكر فذاب فابتلعه فالأظهر عدم الإبطال، وقال في المنتهى بعدم إبطاله عندنا، وإبطاله عند الجمهور (5)، وهو يشعر بدعوى الإجماع. وألحق بعضهم بذلك ابتلاع اللقمة لو مضغها قبل الصلاة (6)، وليس ببعيد. وإما ما بقي من بقايا الغذاء في أسنانه فابتلعه فلا يفسد، وظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليه (7). واستثنوا عن ذلك شرب الماء في صلاة الوتر لمن أراد الصوم في صبيحته وهو عطشان يخاف الإصباح، لحسنة سعيد الأعرج قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أبيت واريد الصوم، فأكون في الوتر فأعطش، فأكره أن أقطع الدعاء وأشرب، وأكره أن اصبح وأنا عطشان، وأمامي قلة بيني وبينها خطوتان أو ثلاثة، قال: " تسعى إليها وتشرب منها حاجتك وتعود في الدعاء " (8). وربما يتعدى مورد النص، بل ويعمم في النوافل مطلقا، وهو مشكل، وإن كان لا يخلو عدم البطلان من رجحان ; لما يستفاد من تضاعيف الأخبار من المسامحة


(1) الذكرى: 217. (2) الخلاف 1: 413.. (3) المعتبر 2: 259.. (4) كالشهيد الثاني في روض الجنان: 333، وصاحب المدارك 3: 467، والبحراني في الحدائق 9: 54. (5 و 6) المنتهى 1: 312.. (7) جامع المقاصد 2: 352.. (8) التهذيب 2: 329 ح 1354، الوسائل 4: 1273 أبواب قواطع الصلاة ب 23 ح 1.

[ 253 ]

في النوافل. ولا فرق بين الصوم الواجب والمستحب لترك الاستفصال، هذه أحكام صورة العمد. وأما النسيان فادعى في المنتهى إجماع الأصحاب على عدم إبطالها ناسيا (1). السابع: تبطل الصلاة بتعمد القهقهة إجماعا على ما نقله غير واحد (2)، وللأخبار الكثيرة (3). ولا تبطل نسيانا، للإجماع أيضا، نقله جماعة (4). ولو كان من دون اختيار لمقابلة لاعب ونحوه فتبطل للعموم، وظاهر التذكرة الإجماع عليه (5). وأما التبسم فليس بمبطل إجماعا كما يظهر من المنتهى (6)، عمدا كان أو سهوا، للأخبار السابقة (7). واعلم أن مقابلة القهقهة بالتبسم في الأخبار وكلام الأصحاب يعطي أن ما سوى التبسم قهقهة، وهو مخالف لظاهر العرف واللغة. قال في الصحاح: القهقهة في الضحك معروفة، وهي أن يقول قه قه (8).


(1) المنتهى 1: 312 (2) كالمحقق في المعتبر 2: 254، والعلامة في المنتهى 1: 310، وصاحب المدارك 3: 464 (3) الخصال: 628، الوسائل 4: 1252 أبواب قواطع الصلاة ب 7، وص 683 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 16 (4) منهم العلامة في التذكرة 3: 286، والمحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 349، والشهيد الثاني في روض الجنان: 332 (5) التذكرة 3: 286 (6) المنتهى 1: 310 (7) تقدمت الإشارة إليها في هامش 3 (8) الصحاح 6: 2246

[ 254 ]

وفي القاموس هي الترجيع في الضحك، أو شدة الضحك (1). وفي الصحاح: التبسم دون الضحك (2). واختلف كلام الأصحاب أيضا في تفسير القهقهة، فربما فسر بالضحك المشتمل على الصوت (3)، ومنهم من فسرها بمطلق الضحك (4)، وهو يناسب تفسير الجوهري للتبسم، فإنه يفيد مغايرة التبسم للضحك. وبالجملة حكم الضحك الشديد الخالي عن الصوت أو المشتمل على الصوت بدون الترجيع مشكل، لعدم ظهوره من الأخبار، والأصل يقتضي عدم البطلان. والاحتياط في الإتمام والإعادة، بل لا يبعد ترجيح البطلان، فإن الظاهر أن مورد الإجماعات هو ما سوى التبسم، فالظاهر أنهم أرادوا منها ما سوى التبسم من أقسام الضحك، ويكون ذلك قرينة على أن المراد منها في الأخبار أيضا ذلك. الثامن: تبطل الصلاة بتعمد البكاء للأمور الدنيوية، كذهاب مال أو نفس أو غير ذلك، على ما هو المشهور بين الأصحاب، بحيث لم يوجد فيه مخالف، إلا بعض المتأخرين، كالمحقق الأردبيلي رحمه الله (5)، وبعض من تأخر عنه (6) حيث توقفوا في الحكم، استضعافا للرواية التي هي مستند القوم (7)، وجعلوه من لواحق الفعل


(1) القاموس: 1616 (2) الصحاح 5: 1872 (3) المسالك 1: 227 (4) جامع المقاصد 2: 349 (5) مجمع الفائدة 3: 73 (6) كصاحب المدارك 3: 466 (7) وهي رواية نعمان بن عبد السلام عن أبي حنيفة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البكاء في الصلاة أيقطع الصلاة ؟ قال: إن بكى لذكر جنة أو نار فذلك هو أفضل الأعمال في الصلاة، وإن كان ذكر ميتا له فصلاته فاسدة، التهذيب 2: 317 ح 1295، الاستبصار 1: 408 ح 1558، الوسائل 4: 1251 أبواب قواطع الصلاة ب 5 ح 4، وهي ضعيفة باشتمال سندها على عدة من الضعفاء كالمذكورين

[ 255 ]

الكثير، وهو مدفوع بجبر ضعفها بعملهم، وبورودها في الفقيه (1). وزاد جماعة من الأصحاب على الحكم بالبطلان أنه كذلك وإن وقع على وجه لا يمكن دفعه (2). ثم إن إطلاق كلامهم يشمل ما لو كان لطلب الدنيا كالمال والولد، ولكن الدليل لا يساعدهم، فإن المذكور في الرواية أنه إن كان لذكر ميت فصلاته فاسدة، ويستفاد منه أنه لفقد شئ منها، بل الظاهر أنه قد يكون من الطاعات. وأما البكاء من خشية الله فهو من أفضل الأعمال، ومندوب إليه بالأخبار الكثيرة عموما (3) وخصوصا (4). ثم إن بعض الأصحاب خصص الحكم بما كان له صوت ونحيب (5)، نظرا إلى أن البكاء الممدود لما كان له مد وصوت، والمقصور لخروج الدمع كما ذكره الجوهري (6). ولفظ الخبر وإن كان يحتملهما لأنه عليه السلام، قال: " إن بكى لذكر الجنة والنار " الحديث، ولكن السؤال عن البكاء ممدودا، فيمكن أن يكون السؤال قرينة لإرادة الممدود في الجواب. وتعضده عبارة الفقيه: وروي أن البكاء على الميت يقطع الصلاة، والبكاء لذكر الجنة والنار من أفضل الأعمال في الصلاة. ولعله أراد ذلك الخبر، والأحوط الاجتناب عنهما. وظاهر الأصحاب أن البكاء نسيانا لا يبطل، وليس ببعيد، وإن كان إطلاق


(1) الفقيه 1: 208 ح 941، قال: وروي أن البكاء على الميت يقطع الصلاة... (2) كالعلامة في المنتهى 1: 310، والشهيد الأول في الذكرى: 216، والشهيد الثاني في روض الجنان: 333 (3) الوسائل 4: 1121 أبواب الدعاء ب 29 (4) الوسائل 4: 1250 أبواب قواطع الصلاة ب 5 (5) كشف اللثام 1: 240 (6) الصحاح 6: 2284

[ 256 ]

الخبر يشمله، لأن الخبر الضعيف إنما يعمل به بسبب عملهم، فيقتصر فيه على ما عملوا به. التاسع: إذا تعمد الالتفات عن القبلة بكل البدن مطلقا وبالوجه إلى الخلف فالمشهور بطلان الصلاة. وأما بالوجه فقط إلى أحد الجانبين فقط فليس بمبطل، وظاهر المنتهى اتفاق الأصحاب عليه (1). ونسب المخالفة في ذلك في المعتبر والتذكرة إلى بعض العامة (2)، ونقل عن فخر المحققين القول بالبطلان (3). والأظهر هو التفصيل المشهور، لاشتراط القبلة الظاهر في الاستقبال بالبدن، وللأخبار الكثيرة المعتبرة المطلقة (4)، ولخصوص صحيحة زرارة أنه سمع أبا جعفر عليه السلام يقول: " الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله " (5). وحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام قال، قال: " إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا " (6) الحديث. وفي حديث الأربعمائة في الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام: " الالتفات الفاحش يقطع الصلاة " (7). فإن الظاهر أن الالتفات بكل البدن فاحش مطلقا، فلا تنافي بين منطوق الصحيحة ومفهوم الحسنة، وصدق الفاحش بالالتفات بالوجه إلى الخلف، بل بما يقرب منه أيضا، لاستحالة الالتفات إلى الخلف الحقيقي بالوجه عادة،


(1) المنتهى 1: 307 (2) المعتبر 2: 260، التذكرة 3: 294 (3) نقله عنه في جامع المقاصد 2: 347 (4) الوسائل 4: 1244 أبواب قواطع الصلاة ب 2، 3 (5) التهذيب 2: 199 ح 780، الاستبصار 1: 405 ح 1543، الوسائل 4: 1248 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 3 (6) الكافي 3: 365 ح 10، التهذيب 2: 323 ح 1322، الوسائل 4: 1248 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 2 (7) الخصال: 622، الوسائل 4: 1249 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 7

[ 257 ]

وعدم ظهور صدق الفاحش في غيره، سيما مع ملاحظة مفهوم صحيحة زرارة، وباقي الإطلاقات الواردة في الباب من طرفي الإبطال وعدم الإبطال مقيد بما ذكر. وأما الالتفات بالنظر ولو إلى الخلف فالظاهر أنه لا خلاف في عدم إبطاله للصلاة، وادعى بعضهم الاتفاق عليه. نعم كل ذلك من المكروهات، وفى المحاسن عن الصادق عليه السلام: " إذا قام العبد إلى صلاته أقبل الله عليه بوجهه، ولا يزال مقبلا عليه حتى يلتفت ثلاث مرات، فإذا التفت ثلاث مرات أعرض عنه " (1). ومستند فخر المحققين هو مثل حسنة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " إذا استقبلت الصلاة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك " (2) ولابد من تقييدها بالروايتين المتقدمتين. وأما إذا التفت نسيانا ففي كلام الأصحاب اختلاف، فيظهر من بعضهم أنه في حكم العامد (3)، ومن بعضهم عدم الإعادة مطلقا (4)، ومن بعضهم التفصيل المتقدم فيمن صلى إلى غير القبلة بالظن (5). وقال في المدارك: إن كان يسيرا لا يبلغ حد اليمين واليسار لم يضره ذلك، وإن بلغه وأتى بشئ من الأفعال في تلك الحال أعاد في الوقت، وإلا فلا إعادة (6). والعمل على التفصيل المتقدم ليس ببعيد، وإن كان الأحوط الإعادة.


(1) عقاب الأعمال: 273 ح 1، المحاسن: 80 ح 9، الوسائل 4: 1280 أبواب قواطع الصلاة ب 32 ح 1 (2) الكافي 3: 300 ح 6، الفقيه 1: 180 ح 856، التهذيب 2: 199 ح 782، الاستبصار 1: 405 ح 1545، الوسائل 3: 227 أبواب القبلة ب 9 ح 3 (3) التهذيب 2: 183، الاستبصار 1: 368، جامع المقاصد 2: 347 (4) المنتهى 1: 308 (5) المقنعة: 97 (6) المدارك 3: 462

[ 258 ]

وفي الجاهل بالمسألة إشكال، ويظهر حكمه مما قدمناه ثمة. العاشر: تكره مدافعة الأخبثين للأخبار، منها صحيحة هشام بن الحكم، عن الصادق عليه السلام، قال: " لاصلاة لحاقن ولا لحاقب، وهو بمنزلة من هو في ثوبه " (1) وهي محمولة على نفي الكمال للإجماع. ولو ضاق الوقت عن الدفع والطهارة أو كان في الصلاة فطرأه فإن لم يتضرر بالحبس حبسهما، وإلا فليدفعهما وليصل بعد الطهارة. ولا يحضرني الآن منهم كلام في الريح ولعله أيضا كذلك، لكونه مانعا للحضور، ولإشعار بعض الأخبار به (2). ويكره العبث باليد والرأس واللحية، والتثاؤب، والتمطي، وفرقعة الأصابع، والقيام إلى الصلاة متكاسلا ومتناعسا، للنهي عن الصلاة سكارى وكسالى في القرآن (3) ولصحيحة زرارة (4) وغيرها من الأخبار (5)، ولمنافاتها للخشوع المطلوب في الصلاة بالقلب والجوارح، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله لما رأى عابثا في الصلاة، قال: " لو خشع قلبه لخشعت جوارحه " (6). وفي صحيحة الفضيل عنهما عليهما السلام أنهما قالا: " إنما لك من صلاتك ما أقبلت عليه منها، فإن أوهمها كلها أو غفل عن آدابها لفت وضرب بها وجه صاحبها " (7).


(1) التهذيب 2: 333 ح 1372، الوسائل 4: 1254 أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 2. (2) الوسائل 4: 1254 ابواب قواطع الصلاة ب 8. (3) النساء: 43، 142. (4) الكافي 3: 299 ح 1، الوسائل 4: 1259 ابواب قواطع الصلاة ب 11 ح 2. (5) الوسائل 4: 1259 ابواب قواطع الصلاة ب 11، 12. (6) الجعفريات: 36، مستدرك الوسائل 5: 417 ابواب قواطع الصلاة ب 11 ح 3. (7) الكافي 3: 363 ح 4، التهذيب 2: 342 ح 1417 الوسائل 4: 687 ابواب افعال الصلاة ب 3 ح 1.

[ 259 ]

ويؤدي مؤداها أخبار كثيرة (1)، وفي بعضها تصريح أن العبد لا يقبل منه صلاة إلا ما أقبل منها (2)، وفي أمثالها دلالة على مغايرة الإجزاء للقبول، كما ذهب إليه المرتضى (3) - رحمه الله - فالإجزاء هو الإخراج عن عهدة التكليف، والقبول هو ترتب الثواب. ويدل عليه قوله تعالى: (إنما يتقبل الله من المتقين) (4) وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل: (ربنا تقبل منا) (5) وقوله تعالى: (فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر) (6) مع إتيانهما بالمأمور به. ولدعاء الناس في جميع الأعصار والأمصار بقبول أعمالهم بعد الفراغ منها، وإلا لم يحسن ذلك إلا قبل الفعل. وربما يجاب عن المذكورات بتوجيهات وتأويلات بعيدة. ثم إن من يفرق بينهما ينبغي أن يقول فيما كان مجزيا غير مقبول إنه لا ثواب عليه من حيث الخصوص، وإن كان مثابا عليه لإدخاله نفسه في زمرة العابدين، وبذلك تندفع بعض الشبهات التي يمكن أن تورد هنا. وكيف كان فالعمدة في العبادة حصول القبول، وهو لا يحصل إلا بالإقبال، والصلاة بدونه كجسد بلا روح، ففي صحيحة الفضيل: " إن علي بن الحسين عليه السلام كان إذا قام في الصلاة تغير لونه، فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقا " (7).


(1) الوسائل 4: 687 أبواب أفعال الصلاة ب 3 (2) التهذيب 2: 341 ح 1415، علل الشرائع: 231 ب 165 ح 8، الوسائل 4: 688 أبواب أفعال الصلاة ب 3 ح 6 (3) رسائل الشريف المرتضى 2: 329 (4) المائدة: 27 (5) البقرة: 127 (6) المائدة: 27 (7) الكافي 3: 300 ح 5، التهذيب 2: 286 ح 1145، الوسائل 4: 685 أبواب أفعال الصلاة ب 2 ح 2. ويرفض: يترشش

[ 260 ]

وفي رواية الجهم بن حميد " أنه عليه السلام إذا قام في الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه شئ إلا ما حركت الريح منه " (1). وفي بيان التنزيل لابن شهر آشوب نقلا عن تفسير القيسري أن أمير المؤمنين عليه السلام كان إذا حضر وقت الصلاة تلون وتزلزل، فقيل له: مالك ؟ فقال: " جاء وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، وأنا في ضعفي فلا أدري أحسن أداء ما حملت أم لا " (2). وفي حسنة عبد العزيز بن المهتدي، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا صليت فصل صلاة مودع يخاف أن لا يعود إليها " رواها الصدوق في المجالس (3).


(1) الكافي 3: 300 ح 4، الوسائل 4: 685 ابواب افعال الصلاة ب 2 ح 3. (2) انظر مستدرك الوسائل 4: 93 أبواب أفعال الصلاة ب 2 ذ. ح 5، والبحار 81: 248 بتفاوت (3) أمالي الصدوق: 212 ح 10، الوسائل 4: 685 أبواب أفعال الصلاة ب 2 ح 5.

[ 261 ]

المقصد الثالث في الشك والسهو وفيه مطالب: الأول: من زاد ركعة فما زاد في صلاته عمدا بطلت صلاته إجماعا. وأما سهوا، فإن لم يجلس ما قبل الزائدة بمقدار التشهد فكذلك أيضا، وأما إذا جلس كذلك فكذلك أيضا عند أكثر الأصحاب، لصحيحة منصور القائلة: " لا يعيد صلاة من سجدة، ويعيدها من ركعة " (1) وبمضمونها موثقة عبيد بن زرارة (2). ولما رواه أبان في الصحيح، عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال: " من زاد في صلاته فعليه الإعادة " (3) ويؤدي مؤداها حسنة زرارة وبكير (4).


(1) الفقيه 1: 228 ح 1009، التهذيب 2: 156 ح 610، الوسائل 4: 938 أبواب الركوع ب 14 ح 2 (2) التهذيب 2: 156 ح 611، الوسائل 4: 938 أبواب الركوع ب 14 ح 3 (3) الكافي 3: 355 ح 5، التهذيب 2: 194 ح 764، الاستبصار 1: 376 ح 1429، الوسائل 5: 332 أبواب الخلل ب 19 ح 2 (4) الكافي 3: 354 ح 2، التهذيب 2: 194 ح 763، الاستبصار 1: 376 ح 1428، الوسائل 5: 332 أبواب الخلل ب 19 ح 1

[ 262 ]

ولرواية زيد الشحام (1). وعن ابن الجنيد: أنه إن جلس عقيب الرابعة مقدار التشهد فلا إعادة عليه (2)، واختاره الفاضلان في المعتبر والمختلف لأن نسيان التشهد غير مبطل، فإذا جلس مقدار التشهد فقد فصل بين الفرض والزيادة (3). وفيه: أن ادعاء كون الزيادة حينئذ خارجة عن الصلاة مصادرة، مع أن نسيان الجلوس مقدار التشهد أيضا غير مبطل، فلاوجه للتخصيص. ولصحيحة زرارة، عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن رجل صلى خمسا، فقال: " إن كان جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت صلاته " (4) وبمضونها صحيحة جميل (5) ورواية محمد بن مسلم (6). وحمله الشيخ في الاستبصار على ما لو تشهد (7)، واستحسنه جماعة من المتأخرين، منهم الشهيد في الذكرى (8). وعلله الشيخ: بأن من جلس في الرابعة وتشهد ثم قام وصلى ركعة لم يخل بركن من أركان الصلاة، وإنما أخل بالتسليم والإخلال بالتسليم، لا يوجب إعادة الصلاة. وهذا الحمل ليس ببعيد، لكمال بعد إرادة نفس الجلوس، مضافا إلى كون اعتبار الجلوس مقدار التشهد مذهبا لأبي حنيفة (9)، ولذلك حملها بعضهم


(1) التهذيب 2: 352 ح 1461، الوسائل 5: 332 أبواب الخلل ب 19 ح 3 (2) نقله عنه في المختلف 2: 393 (3) المعتبر 2: 380، المختلف 2: 394 (4) التهذيب 2: 194 ح 766، الاستبصار 1: 377 ح 1431، الوسائل 5: 332 أبواب الخلل ب 19 ح 4 (5) الفقيه 1: 229 ح 1016، الوسائل 5: 333 أبواب الخلل ب 19 ح 6 (6) التهذيب 2: 194 ح 765، الاستبصار 1: 377 ح 1430، الوسائل 5: 332 أبواب الخلل ب 19 ح 5 (7) الاستبصار 1: 377 (8) الذكرى: 219، وكصاحب المدارك 4: 222 (9) المبسوط للسرخسي 1: 228، شرح فتح القدير 1: 364، نيل الأوطار 3: 138

[ 263 ]

على التقية (1)، ولكن تعليله يجري في صورة ترك التشهد أيضا. وبعد قبول ذلك التأويل وتحسينه يبقى الكلام في مقاومتها لأدلة المشهور، وإنما نظر العاملين بها إلى أنها مقيدات والأخبار الأولة مطلقات، ومقتضى الجمع ما ذكروه. وفيه: أن المطلق إنما يحمل على المقيد مع المقاومة، وظاهر المقيد مهجور عندهم موافق للعامة، مع كونه تأويلا لا يقاوم المطلقات، لاعتضادها بعمل الأكثرين. مع أن ظاهر صحيحة أبي بصير (2) أنه يزيد في صلاته، لا أنه يزيد على صلاته، وتعليل هؤلاء يقتضي أن اعتبار ذلك لأجل إخراج الزيادة عن الصلاة، وقد عرفت أن الجلوس هذا المقدار لا يستلزمه. وإن أعرضوا عن التعليل فالجواب عدم المقاومة، سيما مع استصحاب بقاء شغل الذمة ثم إن ابن إدريس بعد اختياره هذا التفصيل والتأويل بنى الصحة والفساد على القول بوجوب التسليم وعدمه، فقال: إذا تشهد وصلى على النبي وآله وقام ساهيا فإن قلنا بوجوب التسليم فهو باطل، وإلا فلا، ونسب هذا إلى الاستبصار (3)، وهو غير ظاهر، لإطلاق كلامه، ولعدم منافاة الصحة مع القول بالوجوب كما أشرنا إليه في الحدث قبل التسليم. والإجماع المركب الذي نقلناه عن التذكرة في الحدث (4) إنما يثبت الحكم ههنا لوثبت عدم القول بالفصل بين الحدث وزيادة الركعة. والحاصل أن المفصلين لما كان أكثرهم قائلين باستحباب السلام فيوافقهم


(1) الخلاف 1: 453 (2) المتقدمة في ص 261 (3) السرائر 1: 245 (4) التذكرة 3: 271

[ 264 ]

التفصيل والتأويل في هذه الأخبار، بل قد استدل بعضهم بهذه الأخبار على ندب التسليم (1). وأما نحن فلما نترك العمل عليها فلا تضر قولنا بوجوب التسليم، فحينئذ من جملة أدلتنا على ما اخترناه من وجوب الإعادة هنا ما دلنا على القول بوجوب التسليم، ولا يضرنا إشعار هذه الأخبار باستحبابه. ثم إن المنقول عن ابن الجنيد هو التفصيل في الرباعيات (2)، ويظهر من ابن إدريس (3) وغيره (4) عدم الفرق، وهو حسن. وهذا كله إذا تذكر بعد الدخول في الركوع. وأما قبله فيخرب ويتم ولا يبطل بلا خلاف. وأما لو نقص ركعة فما زاد سهوا ; فإن تذكرها قبل فعل المنافي فلا خلاف في أنه يتم ما بقي ولا إعادة عليه، للأخبار المطلقة المعتبرة المستفيضة، مثل صحيحة الحارث بن المغيرة (5)، وصحيحة العيص بن القاسم (6)، وحسنة الحسين بن أبي العلاء (7)، وموثقة عمار (8)، وغيرها من الأخبار الكثيرة (9). وإن تذكرها بعد أن فعل ما ينافي فعله الصلاة عمدا وسهوا كالحدث والفعل الكثير الماحي لصورة الصلاة، فذهب الصدوق إلى أنه يتمها ولو تباعد في البلدان


(1) الذكرى: 219 (2) كما في المختلف 2: 393، وقد تقدم ذكره (3) السرائر 1: 245 (4) كالشيخ في الخلاف 1: 451 مسألة 196 (5) التهذيب 2: 180 ح 725، الاستبصار 1: 370 ح 1410، الوسائل 5: 307 أبواب الخلل ب 3 ح 2 (6) التهذيب 2: 149 ح 586، وص 350 ح 1451، الوسائل 5: 309 أبواب الخلل ب 3 ح 8 (7) الكافي 3: 383 ح 11، التهذيب 2: 183 ح 731، الاستبصار 1: 367 ح 1400، الوسائل 5: 315 أبواب الخلل ب 6 ح 1 (8) التهذيب 2: 354 ح 1466، الوسائل 5: 310 أبواب الخلل ب 3 ح 14 (9) انظر الوسائل 5: 307 أبواب الخلل ب 3، 6

[ 265 ]

وتذكرها بعد شهور وأزمان (1)، لأخبار كثيرة معتبرة (2)، والمشهور على خلافه، وهو الحق، لحسنة أبي العلاء المتقدمة، وصحيحة جميل بن دراج (3)، وموثقة أبى بصير (4)، ورواية محمد بن مسلم (5) وغيرها، لاعتضادها بعمل الجمهور، ومهجورية تلك الأخبار عندهم. وحاول جماعة من المتأخرين الجمع بينهما بحمل الإعادة على الأفضلية (6)، وهو مشكل. وإن تذكرها بعد فعل ما ينافيها عمدا لا سهوا كالتكلم، فالمشهور عدم الإعادة، لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في التكلم في الصلاة (7)، وصحيحة سعيد الأعرج (8)، وصحيحة علي بن النعمان الرازي (9). وعن ابن أبي عقيل والشيخ في النهاية وأبي الصلاح وجوبها (10)، ولم نقف على مستندهم. وعن بعض الأصحاب وجوبها في غير الرباعية (11)، نظرا إلى الأخبار الدالة على أن


(1) نقله في المختلف 2: 398، والموجود في المقنع (الجوامع الفقهية): 9 خلافه (2) الوسائل 5: 307 أبواب الخلل ب 3 (3) التهذيب 2: 345 ح 1434، الوسائل 5: 308 أبواب الخلل ب 3 ح 7 (4) التهذيب 2: 346 ح 1435، الوسائل 5: 309 أبواب الخلل ب 3 ح 10 (5) التهذيب 2: 184 ح 732، الاستبصار 1: 367 ح 1398، الوسائل 5: 315 أبواب الخلل ب 6 ح 2 (6) كصاحبي المدارك 4: 228، والذخيرة: 360 (7) التهذيب 2: 191 ح 757، الاستبصار 1: 379 ح 1436، الوسائل 5: 309 أبواب الخلل ب 3 ح 9 (8) الكافي 3: 357 ح 6، التهذيب 2: 345 ح 1433، الوسائل 5: 311 أبواب الخلل ب 3 ح 16 (9) الفقيه 1: 228 ح 1011، التهذيب 2: 181 ح 726، الاستبصار 1: 371 ح 1411، الوسائل 5: 307 أبواب الخلل ب 3 ح 3 (10) نقله عن ابن أبي عقيل في المختلف 2: 397، وانظر النهاية للشيخ: 90، والكافي في الفقه لأبي الصلاح: 148 (11) حكاه في المبسوط 1: 121

[ 266 ]

السهو في الثنائية والثلاثية مبطل (1)، وهو ضعيف، لأن المراد به الشك كما لا يخفى. الثاني: قد تقدم وجوب سجدتي السهو في نسيان السجدة والتشهد والتكلم نسيانا، وتجبان في مواضع اخر: منها: ما لو سلم في غير موضعه على المشهور المدعى عليه الإجماع في المنتهى (2)، وظاهر المعتبر (3)، خلافا لابني بابويه (4)، وسكت عنه جماعة (5)، وأدرجه بعضهم في التكلم (6)، ولعله الوجه في سكوت الجماعة. لنا: الإجماع المنقول، والشهرة العظيمة، وموثقة عمار (7) وصحيحة العيص المتقدمتان في المبحث السابق. ولا وجه للتأمل في دلالة صحيحة العيص، سيما على ما في التهذيب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر أنه لم يركع، قال: " يقوم فيركع ويسجد سجدتي السهو " (8) وفى غير التهذيب يسجد سجدتين بدون لفظ السهو. وللنافي: صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في مبحث الكلام (9)، وصحيحة الحارث بن المغيرة، وصحيحة علي بن النعمان، وحسنة الحسين بن أبي العلاء،


(1) الوسائل 5: 304 أبواب الخلل ب 2 (2) المنتهى 1: 417 (3) المعتبر 2: 397 (4) المقنع (الجوامع الفقهية): 9، الفقيه 1: 225، 232، ونقله عن علي بن بابويه في المختلف 2: 422 (5) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 147 - 148، والسيد في الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 37، وسلار في المراسم: 89 - 90 (6) المختلف 2: 423 (7) التهذيب 2: 354 ح 1466، الوسائل 5: 310 أبواب الخلل ب 3 ح 14 (8) التهذيب 2: 149 ح 586، وص 350 ح 1451، الوسائل 5: 309 أبواب الخلل ب 3 ح 8 (9) التهذيب 2: 191 ح 757، الاستبصار 1: 379 ح 1436، الوسائل 5: 309 أبواب الخلل ب 3 ح 9

[ 267 ]

ورواية أبي بكر الحضرمي المتقدمات في نقص الركعة (1) ; المصرحة بعضها بعدم وجوب شئ، والساكتة كثيرة منها عنه في مقام البيان. والجواب عنها: أن المراد في الاولى بيان نفي وجوب الإعادة في صورة التكلم أو الإثم أيضا، وفي البواقي أنه لا يبطل الصلاة، بل يتمها بركعة أو ركعتين. سلمنا، لكنها مطلقات، والمقيد حاكم على المطلق. نعم يقع الإشكال في أن هذه الأخبار إنما تدل على ما لو سلم في موقع من شأنه أن يسلم فيه، وأما مثل السلام سهوا في حال القنوت أو القراءة أو في محل التشهد فلا، إلا أن يقال بعدم القول بالفصل، وأن الظاهر من الإجماع المنقول هو العموم. ويؤيده احتمال اندراجه تحت الكلام أيضا. ومنها: الشك بين الأربع والخمس على المشهور، ونقل عن المفيد والصدوق وسلار وأبي الصلاح العدم (2). لنا: صحيحة عبد الله بن سنان (3)، وصحيحة أبي بصير (4)، وصحيحة الحلبي (5) وصحيحة الفضيل بن يسار (6)، وموثقة سماعة (7) وحسنة زرارة (8)، ولم نقف للثاني على ما يعتمد عليه. وسيجئ بيان مقام وجوب السجدة أنه هل هو بعد إكمال السجدتين أو غيره.


(1) المتقدمات (2) المقنعة: 147، الفقيه 1: 225، 232، المراسم: 89، الكافي في الفقه: 148 (3) الكافي 3: 355 ح 3، التهذيب 2: 195 ح 767، الوسائل 5: 326 أبواب الخلل ب 14 ح 1 (4) الكافي 3: 355 ح 6، الوسائل 5: 326 أبواب الخلل ب 14 ح 3 (5) الفقيه 1: 230 ح 1019، التهذيب 2: 196 ح 772، الاستبصار 1: 380 ح 1441، الوسائل 5: 327 أبواب الخلل ب 14 ح 4 (6) الفقيه 1: 230 ح 1018، الوسائل 5: 327 أبواب الخلل ب 14 ح 6 (7) الكافي 3: 355 ح 4، الوسائل 5: 337 أبواب الخلل ب 23 ح 8 (8) الكافي 3: 354 ح 1، الوسائل 5: 326 أبواب الخلل ب 14 ح 2

[ 268 ]

ومنها: ما إذا قام في موضع قعود أو قعد في موضع قيام عند جماعة من الأصحاب (1) وذهب آخرون إلى العدم (2). ويدل على الأول صحيحة معاوية بن عمار على الأظهر، قال: سألته عن الرجل يسهو فيقوم في حال القعود أو يقعد في حال قيام، قال: " يسجد سجدتين بعد التسليم ; وهما المرغمتان يرغمان الشيطان " (3) وموثقة عمار (4) ورواية منهال القصاب (5) ورواية سفيان بن السمط (6). وعلى القول الثاني: الحصر المستفاد من صحيحة الفضيل بن يسار، وموثقة سماعة المتقدمتين، وفيهما: " إن السهو على ملم يدر أزاد في صلاته أم نقص " (7). وصحيحة سليمان بن خالد (8)، وصحيحة ابن أبي يعفور (9)، وصحيحة محمد بن مسلم (10)، وصحيحة الحلبي (11)، وحسنته (12)، وحسنة الفضيل بن يسار (13)،


(1) منهم الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 225 والسيد في الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 37، والقاضي في المهذب 1: 156 (2) منهم علي بن بابويه على ما حكاه في المختلف 2: 422، والشيخ المفيد في المقنعة: 147، والعلامة في المنتهى 1: 417 (3) الكافي 3: 357 ح 9، الوسائل 5: 346 أبواب الخلل ب 32 ح 1 (4) التهذيب 2: 353 ح 1466، الوسائل 5: 346 أبواب الخلل ب 32 ح 2 (5) التهذيب 2: 353 ح 1464، الوسائل 5: 339 أبواب الخلل ب 24 ح 6 (6) التهذيب 2: 155 ح 608، الاستبصار 1: 361 ح 1367، الوسائل 5: 346 أبواب الخلل ب 32 ح 3 (7) في ص 267 (8) التهذيب 2: 158 ح 618، الاستبصار 1: 363 ح 1374، الوسائل 4: 995 أبواب التشهد ب 7 ح 3 (9) الفقيه 1: 226 ح 1026، التهذيب 2: 158 ح 620، الاستبصار 1: 363 ح 1375، الوسائل 4: 995 أبواب التشهد ب 7 ح 4 (10) التهذيب 2: 157 ح 617، الوسائل 4: 995 أبواب التشهد ب 7 ح 2 (11) التهذيب 2: 158 ح 622، الاستبصار 1: 363 ح 1376، الوسائل 4: 998 أبواب التشهد ب 9 ح 4 (12) الكافي 3: 357 ح 8، التهذيب 2: 344 ح 1429، الوسائل 4: 998 أبواب التشهد ب 9 ح 3 (13) الكافي 3: 356 ح 2، التهذيب 2: 345 ح 1431، الوسائل 4: 997 أبواب التشهد ب 9 ح 1

[ 269 ]

ورواية علي بن أبي حمزة (1) المتقدمات في مبحث التشهد. وأوضحها دلالة صحيحة الحلبي، رواها عن الصادق عليه السلام: عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد، قال: " يرجع فيتشهد " قلت: أيسجد سجدتي السهو ؟ فقال: " لا، ليس في هذا سجدتا السهو ". وتدل عليه أيضا صحيحة أبي بصير (2)، وحسنة إسماعيل بن جابر (3)، ورواية محمد بن منصور (4)، المتقدمات في مبحث ركنية السجدتين. وتحقيق المقام: أن الأخبار النافية وإن كانت أكثر وأصح وأوفق بالأصل ونفي العسر والحرج، إلا أن الإشكال في الدلالة، فإن اختلاف العلماء في كل من المواضع يشهد باختلاف الحكم بسبب اختلاف العناوين كما هو التحقيق في كل ماكان من هذا القبيل، وقد أشرنا إليه مرارا، منها مسألة إدراك المغرب والعشاء بإدراك مقدار أربع ركعات ما قبل انتصاف الليل. وتوضيحه: أن الكلام في سهو التشهد والسجدة غير الكلام في سهو القيام والقعود، وإفرادهم المقامات شاهد لذلك. والحاصل أن الموضوع في كل مسألة هو ما عنونت به المسألة، وكان النسيان متعلقا به بالأصالة لا بالتبع، فكلامهم في سهو التشهد أو السجدة لا يتضمن حكم السهو اللازم له بالتبع من جهة القيام والقعود. وكذلك الأخبار الواردة في تلك المقامات يشكل الاستدلال بها على المدلولات التبعية، ففي هذه الأخبار الصحيحة الكثيرة إنما المقصود بيان حال سهو التشهد


(1) الكافي 3: 357 ح 7، التهذيب 2: 344 ح 1430، الوسائل 5: 341 أبواب الخلل ب 26 ح 2 (2) الفقيه 1: 228 ح 1008، التهذيب 2: 152 ح 598، الاستبصار 1: 358 ح 1360، الوسائل 4: 969 أبواب السجود ب 14 ح 4 (3) التهذيب 2: 153 ح 602، الاستبصار 1: 359 ح 1361، الوسائل 4: 968 أبواب السجود ب 14 ح 1 (4) التهذيب 2: 155 ح 607، الاستبصار 1: 360 ح 1365، الوسائل 4: 970 أبواب السجود ب 14 ح 6

[ 270 ]

والسجود مثلا، فلا يعلم حكم غيره منه نفيا وإثباتا. وأما صحيحة معاوية بن عمار وموثقة عمار فالالتفات فيهما إنما هو إلى حكم القعود والقيام، فالاعتماد على دلالتهما أكثر، وذلك إنما يتصور في مثل ما لو سها فتشهد قائما، أوسها فقرأ جالسا. نعم ترك الاستفصال في صحيحة الحلبي الصريحة والسكوت في معرض حاجة السائل في سائر الأخبار يقوي العدم. ولا أقل من تساوي الطرفين في القوة والضعف، ومعه فالأصل عدم الوجوب، فالأظهر الاستحباب. والأحوط أن لا يترك على حال. ومنها: وجوبهما في كل زيادة ونقصان، نقله الشيخ عن بعض أصحابنا (1)، واختاره العلامة في بعض أقواله (2)، وفي الدروس: لم نظفر بقائله (3)، والأقوى الأشهر عدم الوجوب، للأصل، والأخبار المتقدمة في المسألة السابقة، والإطلاقات والعمومات التي لم يذكر فيها وجوبهما ; مع كونهما في معرض البيان. احتجوا لهذا القول برواية سفيان بن السمط عن الصادق عليه السلام، قال: " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " (4). وبصحيحة الحلبي المتقدمة في المقام الثاني، قال: " إذا لم تدر أربعا صليت ام خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم، واسجد سجدتين بغير ركوع


(1) أمالي الصدوق: 382 المجلس 93، الفقيه 1: 225 ذ. ح 993، وانظر الخلاف 1: 459 مسألة 202 (2) التذكرة 3: 349، نهاية الإحكام 1: 547 (3) الدروس 1: 207 (4) التهذيب 2: 155 ح 608، الاستبصار 1: 361 ح 1367، الوسائل 5: 346 أبواب الخلل ب 32 ح 3، وهي ضعيفة بالإرسال وإن كان المرسل ابن أبي عمير كما صرح به هو مرارا، وبإن راويها مهمل (انظر معجم رجال الحديث رقم 5225)

[ 271 ]

ولا قراءة، تتشهد فيهما تشهدا خفيفا " (1) فإنه إذا ثبت مع الشك فمع القطع بطريق الأولى. وفيه: أن الأصل ممنوع مع ظهورها في أعداد الركعات، فكيف بالفرع مع بطلان الأولوية، والرواية ضعيفة. ومنها: للشك في كل زيادة، ونقصان، ذهب إليه العلامة في بعض أقواله (2). وربما قيل: إنه ظاهر ما نسبه الشيخ إلى بعض الأصحاب (3). وهو ظاهر الصدوق في الفقيه حيث قال: ولا تجب سجدتا السهو إلا على من قعد في حال قيامه أو قام في حال قعوده أو ترك التشهد أو لم يدر زاد أو نقص (4) إن لم نقل بأن كلامه ظاهر في عدد الركعات كظواهر الأخبار. والمشهور عدم الوجوب، وهو الأقوى، للأصل، وحسنة الحلبي، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل سها فلم يدر سجد سجدة أم ثنتين، قال: " يسجد اخرى وليس عليه بعد انقضاء الصلاة سجدة السهو " (5) والأخبار الكثيرة المعتبرة الدالة على أن من شك وتجاوز المحل لم يلتفت، وقد مر كثير منها. احتجوا بالأخبار المتقدمة في المقام الثاني، وهي - مع عدم مقاومتها لما ذكرنا كثرة واعتبارا واعتضادا - ظاهرة في أعداد الركعات. ومنها: لما إذا لم يدر أزاد ركوعا أم نقص، أم زاد سجدة أم نقص، ذهب إليه


(1) الفقيه 1: 230 ح 1019، التهذيب 2: 196 ح 772، الاستبصار 1: 380 ح 1441، الوسائل 5: 327 أبواب الخلل ب 14 ح 4 (2) المختلف 2: 425 (3) كما في الذخيرة: 381. وانظر الخلاف 1: 459 مسألة 202 (4) الفقيه 1: 225 (5) الكافي 3: 349 ح 1، التهذيب 2: 152 ح 599، الاستبصار 1: 361 ح 1368، الوسائل 4: 971 أبواب السجود ب 15 ح 1

[ 272 ]

المفيد في المسائل الغرية (1)، ويظهر ضعفه مما مر، ولعل دليله أيضا الأخبار المتقدمة في المقام الثاني، والجواب عنها قد مر. الثالث: المشهور أن موضعهما بعد التسليم، للأخبار الصحيحة وغير الصحيحة الكثيرة غاية الكثرة التي تقدمت الإشارة إلى أكثرها آنفا (2). ونقل في المبسوط قولا بالتفصيل: بعد التسليم إن كانتا للزيادة، وقبله إن كانتا للنقيصة (3). ونسبه في المختلف إلى ابن الجنيد (4)، وقيل: إنه ليس كذلك، بل هو مذهب أبى حنيفة (5). وتدل عليه صحيحة سعد بن سعد (6)، وصحيحة صفوان الجمال (7)، وحملتا على التقية (8) ونقل في الشرائع قولا بتقديمهما على التسليم مطلقا (9)، لرواية أبى الجارود (10)، وهي ضعيفة محمولة على التقية أيضا (11). ويجب فيهما التشهد والتسليم على المشهور المدعى عليه الإجماع ظاهرا في


(1) نقله عنه في المختلف 2: 420 (2) انظر الوسائل 4: 995 أبواب التشهد ب 7، وج 5: 314 أبواب الخلل ب 5، 7، 14 (3) المبسوط 1: 125 (4) المختلف 2: 431 (5) الذكرى: 229 (6) التهذيب 2: 195 ح 769، الاستبصار 1: 380 ح 1439، الوسائل 5: 314 أبواب الخلل ب 5 ح 4 (7) الفقيه 1: 225 ح 995، الوسائل 5: 315 أبواب الخلل ب 5 ح 6 (8) التهذيب 2: 195، الفقيه 1: 225 (9) الشرائع 1: 90 (10) التهذيب 2: 195 ح 770، الاستبصار 1: 380 ح 1440، الوسائل 5: 314 أبواب الخلل ب 5 ح 5 (11) التهذيب 2: 195

[ 273 ]

المعتبر والمنتهى (1)، واستحبهما في المختلف، قال: بل الواجب فيه النية لاغير (2). والأول أقوى، لظاهر الإجماع، والصحاح المتقدمة في المقام الثاني في المبحث السابق، وموثقة أبي بصير المتقدمة في مبحث التشهد (3) وغيرها (4). وللنافي: الأصل و الإطلاقات، وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن سجدتي السهو، هل فيهما تكبير أو تسبيح ؟ فقال: " لا، إنما هما سجدتان فقط، فإن كان الذي سها هو الإمام كبر إذا سجد وإذا رفع رأسه، ليعلم من خلفه أنه قد سها، وليس عليه أن يسبح فيهما، ولا فيهما تشهد بعد السجدتين " (5). والأحوط بل الأقوى الوجوب، لظاهر الإجماع، سيما من المعتبر، ولخصوص الصحاح معتضدة بالشهرة العظيمة. والمشهور الأقوى وجوب الذكر فيهما أيضا، لأن السجود في كلام الشارع ينصرف إلى ما فيه ذكر، ولصحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، بل يجب خصوص ما تضمنته تلك الصحيحة أيضا، قال: " تقول في سجدتي السهو: بسم الله وبالله، اللهم صل على محمد وآل محمد " قال الحلبي: وسمعته مرة اخرى يقول فيهما: " بسم الله وبالله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " (6). ورواها الكليني أيضا في الحسن (7)، وفي بعض نسخه بدل " اللهم صل على


(1) المعتبر 2: 401، المنتهى 1: 418 (2) المختلف 2: 434 (3) التهذيب 2: 158 ح 621، الوسائل 4: 996 أبواب التشهد ب 7 ح 6 (4) الكافي 3: 355 ح 3، الفقيه 1: 230 ح 1019، التهذيب 2: 195 ح 767، وص 196 ح 772، الاستبصار 1: 380 ح 1441، الوسائل 5: 314 أبواب الخلل ب 5 ح 2، وص 327 ب 14 ح 4 (5) الفقيه 1: 226 ح 996، التهذيب 2: 196 ح 771، الاستبصار 1: 381 ح 1442، الوسائل 5: 334 أبواب الخلل ب 20 ح 3 (6) الفقيه 1: 226 ح 997، الوسائل 5: 334 أبواب الخلل ب 20 ح 1 (7) بإبراهيم بن هاشم، الكافي 3: 356 ح 5

[ 274 ]

محمد وآل محمد " " وصلى الله على محمد وآل محمد ". وروى الشيخ في الصحيح عن عبيد الله الحلبي هذه الرواية على النسخة الثانية أيضا (1). ومقتضى المذكورات التخيير بين الثلاثة. وما يتوهم أن الرواية متضمنة لسهو الإمام ; يمكن دفعه بأن المراد أنه كان يقول في حكم سجدة السهو ذلك، لافي نفسها. وأما السجود على الأعضاء السبعة ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه فالمشهور الوجوب، واستدلوا بأنه المعهود من الشرع، فينصرف الإطلاق إليه (2). وفي الاستدلال إشكال، لأنه إن اريد أن السجدة حقيقة شرعية في ذلك فهو ممنوع، وإن اريد أن الثابت في سجدة الصلاة هو وجوب المذكورات وإن كانت خارجة عن حقيقتها فهو لا يجدي نفعا. وإن احتجوا بإطلاق الأخبار، مثل قوله عليه السلام في صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: " السجود على سبعة أعظم " (3) ومثل قول الصادق عليه السلام في صحيحة هشام بن الحكم: " السجود لا يجوز إلا على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس " (4) فيدفعه أن الظاهر منها سجود الصلاة. وكيف كان فالشهرة وهذه الإطلاقات مع استصحاب شغل الذمة يكفي في إثبات الحكم. وفي وجوب الطهارة والستر والاستقبال قولان، أحوطهما ذلك.


(1) التهذيب 2: 196 ح 773 (2) المدارك 4: 284 (3) التهذيب 2: 299 ح 1204، الاستبصار 1: 327 ح 1224، الخصال: 349، الوسائل 4: 954 أبواب السجود ب 4 ح 2 (4) الفقيه 1: 177 ح 840، التهذيب 2: 234 ح 925، علل الشرائع: 341 ح 1، الوسائل 3: 591 أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 1

[ 275 ]

قالوا: ويجب الفصل بينهما بجلسة، وربما علل بتحقق الاثنينية (1)، وفيه: منع الانحصار في ذلك كسجدتي الشكر، فيشكل الحكم إن لم يكن إجماع. وكذلك الإشكال في وجوب الطمأنينة بينهما، والأحوط الجلوس والاطمينان. وأما التكبير في أولهما فالمنقول عن الشيخ (2) وجماعة (3) استحبابه، ولم نقف على مصرح بالوجوب، وموثقة عمار المتقدمة تنفيه (4)، والخبر الدال على الاستحباب لم نقف عليه إلا للإمام للإعلام كما في موثقة عمار، وهي تدل عليه حين رفع الرأس أيضا. والمراد بالتشهد الخفيف: الشهادتان والصلاة على محمد وآله. فيكفي أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، اللهم صل على محمد وآل محمد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والأحوط بل الأقوى التزام التخفيف في التشهد. ويجب البدار بهما بعد الصلاة قبل فعل المنافي، لظاهر الأخبار (5)، ويؤكده ما دل على تقديمهما على التسليم (6). ولو نسيهما يأتي بهما متى ما ذكرهما، لموثقة عمار (7). وربما يستدل بالإطلاقات. وفيه: أنه بعد إثبات الفورية أو المحدودية بما قبل فعل المنافي لا يبقى إطلاق،


(1) التذكرة 3: 362، نهاية الإحكام 1: 548، روض الجنان: 354، مجمع الفائدة 3: 197 (2) المبسوط 1: 125 (3) كالمحقق في المعتبر 2: 400، والشهيد في البيان: 252 (4) الفقيه 1: 226 ح 996، التهذيب 2: 196 ح 771، الاستبصار 1: 381 ح 1442، الوسائل 5: 334 أبواب الخلل ب 20 ح 3 (5) الوسائل 5: 314 أبواب الخلل ب 5 (6) التهذيب 2: 195 ح 770، الاستبصار 1: 380 ح 1440، الوسائل 5: 314 أبواب الخلل ب 5 ح 5 (2) التهذيب 2: 353 ح 1466، الوسائل 5: 346 أبواب الخلل ب 32 ح 2

[ 276 ]

وانتفاء الفورية والوقت يوجب انتفاء الحكم على الأقوى، إلا أن يقال بمنع الفورية مطلقا حتى في حالة النسيان والاضطرار كما تشعر به موثقة عمار الآتية (1). وكيف كان فالمذهب وجوب الإتيان. ولو تركهما عمدا فالأكثر على الصحة، ونقل عن الخلاف القول باشتراط صحة الصلاة بهما (2). وربما يبنى الخلاف على أن العبادة اسم للصحيحة أو الأعم، والأقوى المشهور سيما على المختار في كونها أسامي للأعم. وفي بقاء الوجوب بعد ذلك إشكال، ولا يبعد القول بكونه أحوط. وإن تعدد موجب السجد، فالحق عدم التداخل، وهو مختار الأكثر. وقيل به مطلقا (3)، وقيل به إن اتحد الجنس، وعدمه لو تعدد ; كالكلام وسهو السجدة (4). وربما يفرق في المتجانس بعدم تخلل الذكر، فيتعدد لو تخلل الذكر بين كلمات ثلاث مطلقا، وقيل: في التكلم، ولا يجب لكل آية من الفاتحة المنسية جميعها (5). والأولى الترتيب بملاحظة الامور المنسية. وفي وجوب تقديم ما يقضى من المنسيات عليهما وجهان، وفي رواية علي بن أبي حمزة المتقدمة في مباحث التشهد (6) دلالة على تقديمهما على قضاء التشهد، ويدل عليه ما دل على فوريتهما. وقوى الشهيد تقديم ما يقضى (7)، ولم نقف على مستنده، إلا أنه موافق للاعتبار.


(1) التهذيب 2: 353 ح 1466، الوسائل 5: 346 أبواب الخلل ب 32 ح 2 (2) الخلاف 1: 462 مسألة 203 (3) المبسوط 1: 123 (4) السرائر 1: 258 (5) انظر الذكرى: 229 (6) الكافي 3: 357 ح 7، التهذيب 2: 344 ح 1430، الوسائل 5: 341 أبواب الخلل ب 26 ح 2 (7) الذكرى: 229

[ 277 ]

الرابع: تبط الصلاة بالشك في أعداد ركعات الثنائية، كالصبح، وصلاة السفر، والجمعة، والعيدين، والآيات، والثلاثية على المعروف من مذهب الأصحاب، عدا ابن بابويه، فإنه جوز البناء على الأقل والإعادة (1). لنا: الأخبار المتظافرة، مثل صحيحة حفص بن البختري وغيره عن الصادق عليه السلام: " إذا شككت في المغرب فأعد، وإذا شككت في الفجر فأعد " (2). ومثلها صحيحة عبد الله بن مسكان عن عنبسة بن مصعب عنه عليه السلام (3)، وصحيحة الحلبي (4) وصحيحة العلاء (5) وصحيحة محمد بن مسلم (6). وموثقة سماعة، قال: سألته عن السهو في صلاة الغداة، قال: " إذا لم تدر واحدة صليت أم ثنتين فأعد الصلاة من أولها، والجمعة أيضا إذا سها فيها الإمام فعليه أن يعيد الصلاة لأنها ركعتان " (7) الحديث. وفيها ما يدل على أن الشك بين الثلاث والأربع أيضا في المغرب مبطل، مثل رواية موسى بن بكر، قال: سأله الفضيل عن السهو فقال: " إذا شككت في الأوليين فأعد " وقال في صلاة المغرب: " إذا لم تحفظ ما بين الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك " (8) إلى غيرذلك من الأخبار الكثيرة.


(1) المقنع (الجوامع الفقهية): 8 (2) الكافي 3: 350 ح 1، التهذيب 2: 178 ح 714، الاستبصار 1: 365 ح 1390، الوسائل 3: 304 أبواب الخلل ب 2 ح 1 (3) الاستبصار 1: 366 ح 1393، الوسائل 5: 305 أبواب الخلل ب 2 ذ. ح 5 (4) التهذيب 2: 180 ح 723، الاستبصار 1: 366 ح 1396، الوسائل 5: 304 أبواب الخلل ب 2 ح 5. (5) التهذيب 2: 180 ح 722، الاستبصار 1: 366 ح 1395، الوسائل 5: 305 أبواب الخلل ب 2 ح 7 (6) الكافي 3: 351 ح 2، التهذيب 2: 179 ح 715، الاستبصار 1: 365 ح 1391، الوسائل 5: 304 أبواب الخلل ب 2 ح 2 (7) التهذيب 2: 179 ح 720، الاستبصار 1: 366 ح 1394، الوسائل 5: 305 أبواب الخلل ب 2 ح 8 (8) التهذيب 2: 179 ح 719، الوسائل 5: 305 أبواب الخلل ب 2 ح 9

[ 278 ]

وعدم التصريح ببعض المذكورات في الأخبار لا يضر، لمكان التعليل في موثقة سماعة، ولعدم القول بالفصل. وفي حكم المذكورات الشك في الاوليين من الرباعية، قال في المنتهى: وهو مذهب علمائنا أجمع إلا أبا جعفر بن بابويه فإنه قال: لو شك بين الركعة والركعتين فله البناء على الأقل (1). لنا: مضافا إلى ما مر من بعض الأخبار حسنة الوشاء عن الرضا عليه السلام: " الإعادة في الركعتين الأوليين، والسهو في الركعتين الأخيرتين " (2). وصحيحة الفضل بن عبد الملك قال، قال لي: " إذا لم تحفظ الركعتين الاوليين فأعد صلاتك " (3). وموثقة سماعة (4) وصحيحة عبد الله بن مسكان عن عنبسة بن مصعب (5) ولعل مستند الصدوق في المقامين هو حسنة الحسين بن أبي العلاء (6)، وموثقة ابن أبى يعفور (7)، ورواية عبد الرحمن بن الحجاج (8)، وصحيحة صفوان عن عنبسة (9)، وكل ما دل على البناء على الجزم واليقين كما سيجئ.


(1) المنتهى 1: 410 (2) الكافي 3: 350 ح 4، التهذيب 2: 177 ح 709، الاستبصار 1: 364 ح 1386، الوسائل 5: 301 أبواب الخلل ب 1 ح 10 (3) التهذيب 2: 177 ح 707، الاستبصار 1: 364 ح 1384، الوسائل 5: 301 أبواب الخلل ب 1 ح 13 (4) الكافي 3: 350 ح 2، التهذيب 2: 176 ح 704، الاستبصار 1: 364 ح 1381، الوسائل 5: 302 أبواب الخلل ب 1 ح 17 (5) الكافي 3: 350 ح 1، التهذيب 2: 176 ح 701، الاستبصار 1: 363 ح 1378، الوسائل 5: 301 أبواب الخلل ب 1 ح 14 (6) التهذيب 2: 177 ح 710، الاستبصار 1: 364 ح 1387، الوسائل 5: 303 أبواب الخلل ب 1 ح 20 (7) التهذيب 2: 178 ح 712، الاستبصار 1: 365 ح 1389، الوسائل 5: 303 أبواب الخلل ب 1 ح 22 (8) التهذيب 2: 177 ح 711، الاستبصار 1: 365 ح 1388، الوسائل 5: 303 أبواب الخلل ب 1 ح 23 (9) التهذيب 2: 353 ح 1463، الاستبصار 1: 376 ح 1427، الوسائل 5: 303 أبواب الخلل ب 1 ح 24

[ 279 ]

وحملها الشيخ على النافلة (1)، وحملها بعضهم على التقية (2). وكيف كان فلا تقاوم هذه الأخبار أدلة المشهور، فلابد من طرحها أو تأويلها، ولا دليل على حملها على التخيير، هذا إذا كان الشك في أعداد الركعات. وأما الجزء فحكمه ما مر من الإتيان به ما لم يتجاوز المحل، ويصح إذا تجاوز، ركنا كان أو غيره، لعموم الأخبار المستفيضة، منها ما تقدم في مباحث الركوع (3) والسجود (4). ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: " كلما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامضه " (5). وصحيحته الاخرى عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن رجل شك بعد ما سجد أنه لم يركع، قال: " يمضي في صلاته " (6) إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الصحيحة والحسنة والموثقة وغيرها. وهذا الحكم مشهور بين الأصحاب. وذهب المفيد إلى الإعادة في كل سهو يلحق الإنسان في الركعتين الأوليين من فرائضه (7)، ونقل عن الشيخ أنه نقل ذلك القول عن بعض قدماء أصحابنا (8)، ولعل نظرهم ما دل على بطلان الصلاة بالشك في الأوليين. وفيه: أنها ظاهرة في عدد الركعات. فإن استدل بما دل على الإعادة بمجرد الشك


(1) التهذيب 2: 178. (2) الوسائل 5: 303. (3) الوسائل 4: 935 ابواب الركوع ب 12، 13. (4) الوسائل 4: 968 ابواب السجود ب 14، 15. (5) التهذيب 2: 344 ح 1426، الوسائل 5: 336 ابواب الخلل ب 23 ح 3 بلفظ آخر. (6) التهذيب 2: 151 ح 595 الاستبصار 1: 358 ح 1357، الوسائل 4: 937 ابواب الركوع ب 13 ح 5. (7) المقنعة: 145. (8) المبسوط 1: 120، ونقله في المختلف 2: 369.

[ 280 ]

في الفجر والمغرب ونحوهما فيمكن دفعها أيضا بذلك. سلمنا، لكن النسبة بين هذه العمومات وما استدللنا به عموم من وجه، والترجيح معنا، لكون دلالة أخبارنا على العموم أقوى، ولاعتضادها بعمل الأصحاب وفهمهم، وموافقتها للأصل والاستصحاب، وقولهم عليهم السلام: " الصلاة على ما افتتحت عليه " (1). ولعل المراد بالبطلان عند من قال هو ما إذا انقضى الوقت، وأما لو تداركه فلعله غير مضر، ولا أظن وجود مخالف فيه. ولافرق في ذلك بين الركن وغيره، للإطلاقات. وما استقربه العلامة من البطلان مستندا بأن الشك فيه شك في الركعة (2) بعيد. ثم إن صلاة الآيات إنما تبطل بالشك إذا كان في عدد الركعتين، وأما الركوعات فيبنى فيها على الأقل، إلا أن يستلزم الشك في الركعة، كالشك بين الخامس و السادس الذي يفعله في الثانية، ويظهر وجهه مما تقدم. الخامس: من لم يدر كم صلى تبطل صلاته على المشهور، بل قال في المنتهى: وعليه علماؤنا (3)، وظاهر الصدوق في الفقيه جواز البناء على الأقل هنا أيضا (4). لنا: من مع ما دل على بطلان الصلاة بسبب عدم حفظ الاوليين، مثل صحيحة الفضل بن عبد الملك، وحسنة الوشاء المتقدمتين (5)، ورواية عامر بن جذاعة عن الصادق عليه السلام: " إذا سلمت الركعتان الأوليان سلمت الصلاة " (6)، وبطلانها


(1) التهذيب 2: 197 ح 776، وص 343 ح 1419، الوسائل 4: 712 ابواب النية ب 2 ح 2. (2) التذكرة 3: 316. (3) المنتهى 1: 410. (4) الفقيه 1: 230. (5) ص 278. (6) الفقيه 1: 228 ح 1010، الوسائل 5: 299 ابواب الخلل ب 1 ح 3.

[ 281 ]

بسبب الشك فيهما ; الصحاح المستفيضة وغيرها، مثل صحيحة صفوان، عن أبى الحسن عليه السلام، قال: " إن كنت لا تدري كم صليت، ولم يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة " (1). وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فلا يدري صلى شيئا أم لا، قال: " يستقبل " (2). وصحيحة زرارة وأبي بصير قالا، قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلى، ولاما بقي عليه، قال: " يعيد " (3) الحديث. ورواية ابن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا شككت فلم تدر أفي ثلاث أنت أم في اثنتين أم في واحدة أم في أربع فأعد ولا تمض على الشك " (4). وصحيحة علي بن النعمان المتقدمة فيمن نسي ركعة (5). واعلم أن قوله عليه السلام: " لا تدري كم صليت " يحتمل وجوها، أحدها: لا تدري كم قدرا فعلت من الصلاة، أعم من الركعة والأقل منها والأكثر، وهو موافق لصحيحة علي بن جعفر. والثاني: لا تدري كم ركعة صليت، أواحدة أو ثنتين أو ثلاثا أو أربعا أو أكثر، وتوافقه رواية ابن أبي يعفور.


(1) الكافي 3: 358 ح 1، التهذيب 2: 187 ح 744، الاستبصار 1: 373 ح 1419، الوسائل 5: 327 أبواب الخلل ب 15 ح 1 (2) التهذيب 2: 189 ح 748، قرب الإسناد: 91، الوسائل 5: 328 أبواب الخلل ب 15 ح 5 (3) الكافي 3: 358 ح 2، التهذيب 2: 188 ح 747، الاستبصار 1: 374 ح 1422، الوسائل 5: 328 أبواب الخلل ب 15 ح 3 (4) الكافي 3: 358 ح 3، التهذيب 2: 187 ح 743، الاستبصار 1: 373 ح 1418، الوسائل 5: 328 أبواب الخلل ب 15 ح 2 (5) في ص 265 وهي في الفقيه 1: 228 ح 1011، والتهذيب 2: 181 ح 726، والاستبصار 1: 371 ح 1411، والوسائل 5: 307 أبواب الخلل ب 3 ح 3

[ 282 ]

ولا يتحقق ذلك إلا مع اليقين بفعل ركعة، وهو يتصور على وجهين، أحدهما: أن يكون متيقنا بفعل ركعة مع اتصافها بوصف المرتبة الأولى، والثاني: أن لا يعلم ذلك أيضا. والثالث: لا تدري أن ما فعلته كم هو عددا من الركعة، يعني أنه لا يدري أن ما فعله الآن في أي مرتبة من مراتب العدد ليحصل له العلم بمجموع العدد وإن حصل له العلم بمرتبة ما منه كالاولى، أو هي مع الثانية أو أكثر من ذلك. وهذا الاحتمال يجري في كثير من أقسام الشك التي لها علاج يصححها، كالشك بين الثلاث والأربع، والاثنين والثلاث، وغيرهما، فعلى هذا لابد من تخصيص إطلاق هذه الصحيحة وما في معناها بما ورد من الأخبار في أحكام تلك الصور. وهذه اللفظة في المعنيين الأولين أظهر منه في الثالث، سيما فيما عدا الوجه الأول من المعنى الثاني. وكيف كان فالظاهر أن عنوان المسألة المذكورة في ألسنتهم مبنية على المعنيين الأولين، وأما المعنى الثالث فلا ينفك عن حفظ مرتبة من مراتب الركعات، فحينئذ تختلف أحكامها باختلاف أقسامها، ففي بعضها باطل لاندراجها فيما تقدم، وفي بعضها له علاج لدخولها فيما دل على ذلك، فتأمل فيما ذكرنا واضبطه عسى أن ينفعك فيما بعد. والحاصل أن من لا يدري كم صلى بمعنى غفلته وولهه عن مطلق أفعال الصلاة أو عن عد الركعات مطلقا أو مع شكه في مجموع الركعات، أو أكثر منها، وإن تذكر مرتبة منها في الجملة، فالكل حكمه واحد كما يستفاد من تلك الأخبار، فقد يمكن الاستدلال في هذه المسألة بما دل على بطلان الصلاة بسبب الشك في الواحدة والاثنتين (1) وقد لا يمكن، فهذه المسألة أعم من مسألة الشك في الواحدة والاثنتين،


(1) الوسائل 5: 299 أبواب الخلل ب 1، 2

[ 283 ]

فتظهر فائدة تعديد العنوان. ويدل على ما يظهر من الصدوق الجمع بين ما تقدم، وما دل على البناء على الجزم، مثل صحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل لا يدري كم صلى، واحدة أو اثنتين أم ثلاثا، قال: " يبني على الجزم، ويسجد سجدتي السهو، ويتشهد تشهدا خفيفا " (1). وموثقة إسحاق بن عمار أنه قال: قال لي أبو الحسن الأول: " إذا شككت فابن على اليقين " قال، قلت: هذا أصل ؟ قال: " نعم " (2). وحسنة سهل بن اليسع: فيما إذا تلبست عليه الأعداد كلها عن الرضا عليه السلام أنه قال: " يبني على يقينه، ويسجد سجدتي السهو بعد التسليم، ويتشهد تشهدا خفيفا " (3). ورواية علي بن أبي حمزة (4)، وقد مرت رواية عنبسة بن مصعب (5). وحملت الأولى على أن المراد بالجزم استئناف الصلاة. واستشكل بسجدتي السهو. وقد تحمل على الاستحباب لكثرة السهو، ويناقش فيه بمنافاتها للبناء على الجزم. ويمكن دفعه بإرادة أنه يجعل حكمه حكم الجازم. وحملت رواية عنبسة وما في معناها على النوافل. وأما رواية علي بن أبي حمزة فهي في حكم كثير الشك، وخارجة عما نحن


(1) التهذيب 2: 187 ح 745، الاستبصار 1: 374 ح 1420، الوسائل 5: 328 أبواب الخلل ب 15 ح 6 (2) الفقيه 1: 231 ح 1025، الوسائل 5: 318 أبواب الخلل ب 8 ح 2 (3) الفقيه 1: 230 ح 1023، الوسائل 5: 325 أبواب الخلل ب 13 ح 2 (4) الفقيه 1: 230 ح 1022، التهذيب 2: 188 ح 746، الاستبصار 1: 374 ح 1421، الوسائل 5: 329 أبواب الخلل ب 16 ح 4 (5) التهذيب 2: 353 ح 1463، الاستبصار 1: 376 ح 1427، الوسائل 5: 303 أبواب الخلل ب 1 ح 24

[ 284 ]

فيه، مع أنه لا حاجة لنا إلى هذه التكلفات، لعدم مقاومتها لأدلة المشهور سندا ودلالة وكثرة واعتضادا، مع أن صحيحة علي بن يقطين غير ظاهرة في أحد من المعاني المتقدمة لمن لم يدر كم صلى. السادس: لو شك فيما زاد على الاثنتين من الرباعية، فإما أن يدخل فيه الزائد على الأربع أم لا، وإن زاد فإما أن يزيد على الخمس أم لا، وكلما زاد على الخمس فحكمه واحد. فالصور المتصورة من الشك بين الاثنين والثلاث والأربع والخمس إحدى عشرة، ستة منها ثنائية، وهي: الشك بين الاثنتين والثلاث، والاثنتين والأربع، والاثنتين والخمس، والثلاث والأربع، والثلاث والخمس، والأربع والخمس. وأربع منها ثلاثية، وهي: الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، وبين الاثنتين والثلاث والخمس، وبين الاثنتين والأربع والخمس، وبين الثلاث والأربع والخمس. وواحدة منها رباعية، وهي الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع والخمس. والصور المتصورة بعد إدخال الست فيها - والمراد به الست فما فوقها - خمس عشرة صورة: أربع منها ثنائية، وست منها ثلاثية، وأربع منها رباعية، وواحدة منها خماسية، فمجموع الأقسام ستة وعشرون. ثم الحالات المتصورة للشك بالنسبة إلى أجزاء الركعة القابلة لاختلاف الحكم تسع، لأنه إما أن يكون في حال الأخذ في القيام أو بعد استيفائه قبل القراءة، أو في أثنائها، أو بعدها قبل الركوع، أو بعد الانحناء وقبل الرفع، أو بعده قبل السجود، أو فيه قبل الفراغ من ذكر الثانية، أو بعده قبل الرفع منها، أو بعده. وحاصل ضرب التسع في الصور المتقدمة مائتان وأربعة وثلاثون. فإن قلنا ببطلان الصلاة بسبب تعلق الشك بالسادسة رأسا كما عليه الأكثر

[ 285 ]

لأن زيادة الركن مبطلة، ومع احتمالها لا يحصل اليقين بالبراءة، فيسقط الكلام في الأقسام المتعلقة به، ويبقى الكلام في الباقي، وهو تسع وتسعون صورة. ولما كان الأظهر (إمكان الصحة) (1) كما ذهب إليه جماعة (2) لضعف دليل المشهور كما ستعرف، فلا بأس بالإشارة الإجمالية إلى أحكام الجميع. وأما القائلون بالصحة فهم بين قول بالبناء على الأقل لأنه المتيقن وعدم الدليل على البناء على الأكثر، إذ الظاهر (3) من أخبار عمار هو أكثر الأربع لا مطلق الأكثر، والظاهر من البناء فيها تصحيح الأكثر لا مطلق البناء عليه حتى يشمل البطلان من جهة زيادة الركعة أيضا. وبين قول بأن حكمه حكم ما يتعلق بالخمس فيصح حيث يصح، ويبطل حيث يبطل، وكذلك حكم سجود السهو ولزوم الاحتياط، وهو المنقول عن ابن أبى عقيل (4) وجماعة من المتأخرين (5)، لإطلاق صحيحة الحلبي المتقدمة في الشك بين الأربع والخمس (6)، وما ورد " أن الفقيه لا يعيد صلاته " (7). فلنذكر أولا من الاقسام ما تعم به البلوى، ثم لنشر إلى بعض الصور النادرة، ويظهر منها حكم الباقي.


(1) في " م "، " ح ": إمكان الصورة لصحة (2) حكاه عن ابن أبي عقيل في المختلف 2: 391 (3) في " م ": والظاهر، وفي " ح ": فالظاهر (4) نقله في المختلف 2: 391 (5) المختلف 2: 392، الألفية: 72، شرح الألفية (رسائل المحقق الكركي) 3: 325، وانظر الذخيرة: 380، والحدائق 9: 255 (6) الفقيه 1: 230 ح 1019، التهذيب 2: 196 ح 772، الاستبصار 1: 380 ح 1441، الوسائل 5: 327 أبواب الخلل ب 14 ح 4 (7) الفقيه 1: 225 ح 993، التهذيب 2: 351 ح 1455، الوسائل 5: 344 أبواب الخلل ب 29 ح 1

[ 286 ]

فأما الصور المتعارفة فهي خمس: الأولى: الشك بين الأربع والخمس، أو الرابعة والخامسة، فإن كان شكه بعد إكمال السجدتين فيتم ويأتي بالمرغمتين وتصح صلاته بلا خلاف، وتدل عليه الأخبار الصحيحة المتقدمة أيضا (1)، وقد مر خلاف المفيد (2) وتابعيه (3) في وجوب السجدتين. وعن الصدوق وجوب الاحتياط بركعتين جالسا (4). وأول (5) بما إذا كان قبل الركوع، فيهدم الركعة ويسلم ويحتاط، لرجوعه إلى الشك بين الثلاث والأربع، وليس من الشك بين الأربع والخمس، بل هو الشك بين الرابعة والخامسة، كذا قالوه مع اختلاف بينهم في سجدتي السهو. ولعل من أوجبها فقد أراد السجود للزيادة، لا للشك بين الأربع والخمس، لأنه ليس بذاك. وهذا الحكم عندي لا يخلو من إشكال، لأن خروج المسألة حينئذ عن عنوان الأخبار الصحيحة في الشك بين الأربع والخمس وإن كان ظاهرا، ولكن دخولها تحت ما دل على الشك بين الثلاث والأربع محل إشكال، لأن المتبادر من الشك في الشئ وما يؤدي مؤداه من الألفاظ الواردة في الأخبار هو الشك الذي تعلق بالشئ بالأصالة، لا ما يستلزمه تبعا أيضا. وأيضا المتبادر منها أن الشك إنما هو في الثلاث والأربع، لاهو مع الرابعة والخامسة. فلا يبعد القول حينئذ بأنه يتمها رابعة لأصالة عدم الزيادة، لو لم يكن إجماع


(1) الوسائل 5: 326 أبواب الخلل ب 14 (2) المقنعة: 147 (3) كالشيخ في الخلاف 1: 459 مسألة 202، وأبي الصلاح في الكافي في الفقه: 148، وسلار في المراسم: 89 (4) المقنع (الجوامع الفقهية): 8 (5) كما في المختلف 2: 391

[ 287 ]

على الهدم، ولم أتحققه. وأما بعد الركوع وقبل إكمال السجود سواء رفع عن الركوع أم لا ففيه قولان ، أظهرهما الصحة، وفاقا للعلامة في أحد أقواله (1)، وجماعة من المحققين (2)، لأن الأصل عدم الزيادة، فيحسبها رابعة ويتم. واحتجوا للبطلان بتردده حينئذ بين محذورين: الإكمال المعرض للزيادة، والهدم المعرض للنقيصة. وفيه: أن المبطل يقين زيادة الركن، عمدا كان أو سهوا، لا احتمالها، وتعمد فعل السجود الذي هو ركن زائد في نفس الأمر ليس معنى زيادة الركن عمدا، فلا يرد أن زيادة السجود هنا حاصلة عن عمد. ومقتضى ما نقل عن بعض الأصحاب " من أن مسمى الركعة يتحقق بإدراك الركوع " (3) دخول ذلك تحت النصوص الواردة في المسألة، فيتم ويسجد سجدتي السهو. والحق عدمه، لأن المتبادر من الركعة هو مجموع القيام والركوع والسجود. وبذلك يظهر أن الشك بعد الركوع إلى ما قبل انعقاد السجدة الأخيرة لا يدخل في هذه النصوص، للإشكال في معنى الركعة، والذي هو إجماعي أنها تتحقق بالرفع من السجدة الأخيرة. وربما ألحق به ما دخل في السجدة الأخيرة أيضا، وليس ببعيد. وقوله عليه السلام: " لا تدري أربعا صليت أم خمسا " معناه أنك لا تدري ما فعلته، هل هو أربع ركعات أو خمس، لا أن ما أنت فيه هل هو الرابعة أم الخامسة، فالذي يتيقن اندارجه تحت هذه النصوص هو ما إذا رفع عن الأخيرة،


(1) في " ص ": قوليه، بدل أقواله. وانظر نهاية الإحكام 1: 543، والتذكرة 3: 346 (2) كالشهيد الأول في الألفية: 72، والشهيد الثاني في الروضة البهية 1: 708 (3) نقله عن الشيخ في المختلف 2: 360

[ 288 ]

والذي يظن دخوله فيها أيضا ما إذا دخل في السجدة الأخيرة، وغيره مشكوك فيه، فإما يرجع في غيرها إلى حكم الشك بين الثلاث والأربع وقد عرفت أنه أيضا مشكوك فيه، وإما يرجع فيها إلى الأصل، ومقتضاه الصحة ; لأن الأصل عدم الزيادة والتمسك باستصحاب شغل الذمة، وأن الأصل لا يجري في مهية العبادة ; ضعيف، وقد بينا حقيقته في القوانين المحكمة. والحاصل أنا إذا اعتبرنا الشك التبعي اللازم للشك بين الرابعة والخامسة فلا تفاوت بين تلك الأقسام، لأن احتمال زيادة الركن قد عرفت أنها غير مضرة كما نبه عليه في الروايات الواردة في الباب. وإن لم يعتبر فلابد أن لا يعتبر في شئ منها، فإما يرجع في الكل إلى البطلان لاستصحاب شغل الذمة وعدم ظهور دليل على الصحة، أو إلى حكم الشك بين الثلاث والأربع للاستلزام التبعي، أو إلى الصحة والإتمام لما ذكرنا من أصالة عدم الزيادة وعدم الالتفات إلى الاستلزام التبعي. والاحتياط في كل هذه الأقسام إتمام الصلاة والإعادة. الثانية: الشك بين الاثنتين والثلاث بمعنى أنه جازم بحصول الاثنتين وشكه في انضمام الثالثة إليهما، وذلك إنما يتحقق بعد إكمال السجدتين، لما قد عرفت أن الركعة لا تتم إلا بإكمالهما، وهو إما بالرفع عن الأخيرة، أو بتمام الأخيرة قبل رفعه أيضا على احتمال ظاهر قدمناه، واختاره الشهيد في الذكرى (1). وحكمه على المشهور المدعى عليه الإجماع من السيد في الانتصار (2) البناء على الثلاث، ويتم ويأتي بصلاة الاحتياط.


(1) الذكرى: 227 (2) الانتصار: 48

[ 289 ]

فههنا مطلبان: الأول: إن هذا الحكم إنما يتم بعد إكمال السجدتين على أي المعنيين. والثاني: إن حكمه ما ذكر اما الأول فيرد عليه أن الدليل لا يقتضي ذلك، فإنه إن كان هو ما دل على البناء على الأكثر كما تدل عليه روايات عمار (1) وقد أشرنا إليها، فهو يتم إذا كان شكه قبل الركوع أيضا في أنها ثانية أو ثالثة، وإن كان هو ما دل على أن من شك في الأولتين أو لم يحفظهما فصلاته باطلة (2)، ففيه: أن ما نحن فيه ليس كذلك، فإن الظاهر منها في الأخبار وكلام جمهور الأصحاب هو إرادة العدد، والعدد محفوظ بالفرض، فإن المفروض أنه متيقن بأنه دخل في الثانية وتلبس بها، وأنه أتمها أو يتمها الآن، لكنه شاك في أن في هذا الدخول هل هو الدخول في الثانية أو الدخول في الثالثة. وتؤيده صحيحة زرارة الآتية في الشك بين الثلاث والأربع (3)، والمفروض عدم وقوع الشك في الأجزاء أيضا، مع أنه غير مضر على التحقيق أيضا كما عرفت، فأصالة عدم الزيادة تقتضي أن يجعلها ثانية، فتصح صلاته ويتم ما بقي، ولا دليل على البطلان. وإن كان هو الإجماع كما يظهر من كلمات بعضهم مثل الشهيد الثاني في شرح الألفية حيث قال: إن كان شك يتعلق بالثانية قبل إكمالها يبطل قولا واحدا، فله وجه، ولكن يضعفه تعليله في كثير من العبارات بسلامة الأوليين، كعبارة الذكرى،


(1) انظر الفقيه 1: 225 ح 992، والتهذيب 2: 193 ح 762، وص 349 ح 1448، والاستبصار 1: 376 ح 1426، والوسائل 5: 317 أبواب الخلل ب 8 ح 1، 3، 4 (2) الوسائل 5: 299 أبواب الخلل ب 1، 2 (3) الكافي 3: 351 ح 3، التهذيب 2: 186 ح 740، الاستبصار 1: 373 ح 1416، الوسائل 5: 321 أبواب الخلل ب 10 ح 3

[ 290 ]

فإنه بعد ما أسند الاشتراط إلى ظاهر الأصحاب قال: فيبطل بدونه، محافظة على ما سلف من اعتبار الأوليين، وربما اكتفى بعضهم بالركوع لصدق مسمى الركعة والأول أقوى (1)، انتهى. وكيف كان فالأولى متابعتهم في البطلان قبل الدخول في السجدة الأخيرة. وأما الثاني، فخالف فيه السيد - رحمه الله - فيبني على الأقل (2)، والصدوق في المقنع فقال بالبطلان، وفي ظاهر الفقيه فجوز البناء على الأقل بدون الاحتياط (3). حجة المشهور: كل مادل على البناء على الأكثر، مثل روايات عمار في مقابلها الأخبار الدالة على الأخذ على الجزم وعلى الأقل عموما كموثقة إسحاق بن عمار المتقدمة (4)، وغيرها (5). وخصوصا، مثل ما رواه عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد، عن محمد بن خالد الطيالسي، عن العلاء قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل صلى ركعتين وشك في الثالثة، قال: " يبني على اليقين، فإذا فرغ تشهد وقام قائما فصلى ركعة بفاتحة القرآن " (6). ورواية سهل بن اليسع، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل لا يدري أثلاثا صلى أم اثنتين، قال: " يبني على النقصان، ويأخذ بالجزم، ويتشهد بعد انصرافه تشهدا خفيفا، كذلك في أول الصلاة وآخرها " (7). ولعله سقط من آخرها


(1) الذكرى: 227 (2) المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 201 (3) المقنع (الجوامع الفقهية): 8، الفقيه 1: 231 (4) الفقيه 1: 231 ح 1025، الوسائل 5: 318 أبواب الخلل ب 8 ح 2 (5) التهذيب 2: 344 ح 1427، الوسائل 5: 318 أبواب الخلل ب 8 ح 5 (6) قرب الإسناد: 16، الوسائل 5: 319 أبواب الخلل ب 9 ح 2 (7) التهذيب 2: 193 ح 761، الاستبصار 1: 375 ح 1425، الوسائل 5: 318 أبواب الخلل ب 8 ح 6

[ 291 ]

ذكر سجود السهو. والجمع بينهما مع عبارة فقه الرضا (1) هو حجة الصدوق في الفقيه. كما أن الطائفة الأخيرة حجة السيد رحمه الله. وروايات عمار ظاهرة في عدد الركعات، بل صريحة، فتخصص بها العمومات الشاملة للشك في الأجزاء أيضا. وأما رواية سهل بن اليسع فمع القدح في السند (2)، ففيها أنها لا تقاوم أدلة المشهور، لاعتضادها بالعمل، مع أن ابن أبي عقيل ادعى تواتر الأخبار على طبق المشهور (3). وقد يقال: إن أخبار الجزم محمولة على التقية (4). وحجة المقنع: هي صحيحة عبيد بن زرارة عن الصادق عليه السلام (5)، وحملها الشيخ على المغرب (6)، مع أنه لا يمكن طرح الأخبار الكثيرة المعمول بها بمثلها، مع أن الفاضلين ادعيا الإجماع على عدم بطلان الصلاة بالشك في الأخيرتين (7)، ومع ذلك كله فالأحوط الإعادة. ثم قد يستدل على مذهبهم بحسنة زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال، قلت له: رجل لا يدري اثنتين صلى أم ثلاثا، فقال: " إن دخله الشك بعد دخوله في


(1) فقه الرضا (عليه السلام): 117، 118 قال: وإن شككت فلم تدر اثنتين صليت أم ثلاثا وذهب وهمك إلى الثالثة فأضف إليها الرابعة، فإذا سلمت صليت ركعة بالحمد وحدها، وإن ذهب وهمك إلى الأقل فابن عليه وتشهد في كل ركعة ثم اسجد سجدتي السهو بعد التسليم. وإن اعتدل وهمك فأنت بالخيار فإن شئت بنيت على الأقل وتشهدت في كل ركعة، وإن شئت بنيت على الأكثر وعملت ما وصفناه لك (2) فإن في طريقها محمد بن سهل بن اليسع وهو مجهول (انظر معجم رجال الحديث رقم 10928) (3) نقله عنه في الذكرى: 226 (4) الوسائل 5: 319 (5) التهذيب 2: 193 ح 760، الاستبصار 1: 375 ح 1424، الوسائل 5: 320 أبواب الخلل ب 9 ح 3 (6) التهذيب 2: 193 (7) المحقق في المعتبر 2: 391، والعلامة في المنتهى 1: 415.

[ 292 ]

الثالثة مضى في الثالثة ثم صلى الاخرى، ولا شئ عليه، ويسلم " (1) الحديث. وتنزيله على مذهبهم يحتاج إلى تكلف وخروج عن الظاهر، مع أن الدخول في الثالثة أي الركعة التي يحسبها ثالثة في المبادئ وقبل وقوع الشك ليس بشرط اتفاقا، وظاهرها يوافق مذهب السيد من البناء على الأقل، وتوجيهه على المشهور أن يراد بقوله عليه السلام " ثم صلى الاخرى " صلاة الاحتياط. والمشهور هنا في صلاة الاحتياط التخيير بين الركعة قائما والركعتين من جلوس. وظاهر علي بن بابويه تعين الأول (2). وابن أبي عقيل والجعفي عينا الثاني (3). ولعل دليل الأول عموم البدلية المستفاد من ملاحظة الأخبار، مؤيدا بما دل على وجوبهما على من شك بين الاثنتين والثلاث والأربع كما سيأتي، فإن الظاهر أنهما لتدارك الركعة لو كانت هي الساقطة. ودليل تعيين القيام ظاهر روايات عمار (4) وحسنة زرارة على الوجه المتقدم. ولم نقف لتعين الجلوس على مأخذ، والأحوط القيام. الثالثة: الشك بين الثلاث والأربع في أي موضع كان، والمشهور البناء على الأربع والاحتياط وابن الجنيد وابن بابويه خيرا بينه وبين البناء على الأقل وترك الاحتياط (5).


(1) الكافي 3: 350 ح 3، التهذيب 2: 192 ح 759، الاستبصار 1: 375 ح 1423، الوسائل 5: 319 أبواب الخلل ب 9 ح 1 (2) نقله عنه في المختلف 2: 380 (3) نقله عنهما في الذكرى: 227 (4) الفقيه 1: 225 ح 992، التهذيب 2: 193 ح 762، وص 349 ح 1448، الاستبصار 1: 376 ح 1426، الوسائل 5: 317 أبواب الخلل ب 8 ح 1، 3، 4 (5) نقله عنهما في المختلف 2: 382

[ 293 ]

ولنا: رواية الحلبي الصحيحة في الفقيه، الحسنة في الكافي (1)، وموثقة عبد الرحمن بن سيابة والبقباق بأبان بن عثمان (2)، وحسنة الحسين بن أبى العلاء (3)، ورواية جميل (4)، وصحيحة محمد بن مسلم (5)، وروايات عمار المتقدمة وحجة القول الثاني: الجمع بينها وبين ما دل على الأخذ باليقين، وما رواه زرارة في الصحيح والحسن عن أحدهما عليهما السلام قال، قلت له: من لم يدر في أربع هو أو في ثنتين وقد أحرز ثنتين، قال: " يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب، ويتشهد، ولا شئ عليه، وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها اخرى ولا شئ عليه، ولا ينقض اليقين بالشك ولا يدخل الشك في اليقين " (6) الحديث. والأقوى العمل على المشهور لكونها مفصلة فلا تعارض بها المطلقات. وأما صحيحة زرارة فيحمل قوله عليه السلام " فأضاف إليها اخرى " على صلاة الاحتياط، إذ الأخبار في ذكرها مفصولة وموصولة مختلفة (7)، ولابد من حملها على المفصولة ليحتمل جبر النقص لو كانت الصلاة ناقصة وصيرورتها نافلة مستقلة لو لم تكن ; كما صرح بذلك في الأخبار (8)، فالرواية مسوقة لبيان صلاة الاحتياط، وحكم البناء على الأكثر محول على سائر الأخبار.


(1) الكافي 3: 353 ح 8، الفقيه 1: 229 ح 1015، الوسائل 5: 321 أبواب الخلل ب 10 ح 5 (2) الكافي 3: 353 ح 7، التهذيب 2: 184 ح 733، الوسائل 5: 320 أبواب الخلل ب 10 ح 1 (3) الكافي 3: 351 ح 2، التهذيب 2: 185 ح 736، الوسائل 5: 321 أبواب الخلل ب 10 ح 6 (4) الكافي 3: 353 ح 9، التهذيب 2: 184 ح 734، الوسائل 5: 320 أبواب الخلل ب 10 ح 2 (5) الكافي 3: 352 ح 5، الوسائل 5: 321 أبواب الخلل ب 10 ح 4 (6) الكافي 3: 351 ح 3، التهذيب 2: 186 ح 740، الاستبصار 1: 373 ح 1416، الوسائل 5: 321 أبواب الخلل ب 10 ح 3 (7) الوسائل 5: 320 أبواب الخلل ب 10 (8) انظر الوسائل 5: 322 أبواب الخلل ب 10 ح 8، وب 11 ح 1، 2

[ 294 ]

والمشهور في الاحتياط هنا أيضا التخيير كما تضمنته رواية جميل (1)، وظاهر الجعفي وابن أبى عقيل تعين الركعتين جالسا (2)، وهو أحوط كما دلت عليه الأخبار الصحيحة والحسنة (3)، لضعف رواية جميل وإن انجبرت بالعمل. ثم إن تعميمهم هذه المسألة بالنسبة إلى مواضع الركعة إما لظاهر صحيحة زرارة المتقدمة آنفا، أو لأنه إذا كان قبل الركوع فيرجع إلى الشك بين الاثنتين والثلاث، فلا يتفاوت الحكم. وفي الأخير تأمل، للاختلاف الواقع بينهم في صلاة الاحتياط في المقامين، والاحتياط في صلاة الاحتياط مختلف كما عرفت، ولعل معتمدهم ظاهر الصحيحة أو الإجماع. الرابعة: الشك بين الاثنتين والأربع، والمشهور البناء على الأربع والاحتياط بركعتين من قيام. ونقل عن الصدوق التخيير بينه وبين البناء على الأقل والقول بالبطلان أيضا (4). لنا: صحيحة ابن أبي يعفور (5)، وصحيحة محمد بن مسلم (6)، وصحيحة


(1) الكافي 3: 352 ح 9، التهذيب 2: 184 ح 734، الوسائل 5: 320 أبواب الخلل ب 10 ح 2، وهي ضعيفة السند بالإرسال فإن الرواية عن جميل عن بعض أصحابنا، وبوقوع علي بن حديد في طريقها وقد ضعفه الشيخ في التهذيب 7: 101 ح 435، والاستبصار 1: 40 ذ. ح 112، وفيها: إذا اعتدل الوهم في الثلاث والأربع فهو بالخيار، إن شاء صلى ركعة وهو قائم، وإن شاء صلى ركعتين وأربع سجدات وهو جالس (2) الذكرى: 227 (3) الوسائل 5: 320 أبواب الخلل ب 10 (4) المقنع (الجوامع الفقهية): 8، ونقله عنه في المختلف 2: 387 (5) الكافي 3: 352 ح 4، التهذيب 2: 186 ح 739، الاستبصار 1: 372 ح 1315، الوسائل 5: 323 أبواب الخلل ب 11 ح 2 (6) التهذيب 2: 185 ح 737، الاستبصار 1: 372 ح 1414، الوسائل 5: 324 أبواب الخلل ب 11 ح 6

[ 295 ]

أبى بصير (1)، وما تقدم في المسائل السابقة مثل حسنة زرارة (2)، وصحيحة الحلبي (3)، وصحيحة محمد بن مسلم (4). ودليل التخيير: الجمع بينها وبين ما دل على الأخذ بالجزم (5)، وصحيحة زرارة المتقدمة آنفا (6)، وقد ظهر الجواب عنهما مما مر. ودليل البطلان: صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألته عن الرجل لا يدري صلى ركعتين أم أربعا، قال: " يعيد الصلاة " (7). وقد تحمل على الشك في أثناء الركعة (8)، وليس ببعيد، وقد عرفت الإجماع المنقول عن الفاضلين (9). الخامسة: الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، والمشهور البناء على الأربع والاحتياط بركعتين من قيام وركعتين من جلوس. وقال ابن الجنيد وابنا بابويه: إنه يصلي ركعة من قيام وركعتين من جلوس (10). وربما نقل عن ابن الجنيد البناء على الأقل أيضا (11). ويدل على المشهور ما رواه ابن أبي عمير في الحسن، عن بعض أصحابه،


(1) التهذيب 2: 185 ح 738، الوسائل 5: 324 أبواب الخلل ب 11 ح 8 (2) الكافي 3: 351 ح 3، التهذيب 2: 186 ح 740، الاستبصار 1: 373 ح 1416، الوسائل 5: 323 أبواب الخلل ب 11 ح 3 (3) الكافي 3: 353 ح 8، الفقيه 1: 229 ح 1015، الوسائل 5: 322 أبواب الخلل ب 11 ح 1 (4) الكافي 3: 352 ح 5، الوسائل 5: 321 أبواب الخلل ب 10 ح 4 (5) الوسائل 5: 317 أبواب الخلل ب 8 (6) المتقدمة في ص 293 (7) التهذيب 2: 186 ح 741، الاستبصار 1: 373 ح 1417، الوسائل 5: 324 أبواب الخلل ب 11 ح 7 (8) الوسائل 5: 324 (9) انظر ص 291 (10) نقله عنهم في المختلف 2: 384 (11) نقله عنه في الذكرى: 226

[ 296 ]

عن الصادق عليه السلام (1). وعلى القول الثاني صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل لا يدري اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا، فقال: " يصلي ركعة من قيام، ثم يسلم ثم يصلي ركعتين وهو جالس " (2) وهذه موافقة لعبارة فقه الرضا عليه السلام أيضا (3). والأقوى الحسنة، لاعتضادها بالشهرة، والصحيحة مضطربة الإسناد، لعدم معهودية رواية الكاظم عن أبيه عليه السلام على هذا الوجه وفي بعض النسخ " عن أبي إبراهيم قال، قلت: له رجل إلى آخره "، مع أن في بعض النسخ " ركعتين من قيام " (4) فتكون دليلا للمشهور. وما ذكره الشهيد " أن هذا القول أوفق في الاعتبار بأنهما منضمتين تجريان مجرى الركعتين لو كانتا ساقطتين وإحدا هما تجري مجرى الواحدة لو كانت هي الساقطة " (5) معارض بموافقة الركعتين للساقطة لو كانت ركعتين، ولاآيلزم منه زيادة نية وتكبير، بخلاف ما ذكره. والأكثر على التخيير بين الصلاتين في الترتيب، والمفيد (6) والسيد (7) في بعض أقواله على تعين تقديم الركعتين من قيام، وهو أولى وأحوط، لظاهر الرواية وإن كانت لا تفيد الواو الترتيب، مع أن كلمة ثم في الصحيحة تدل على ذلك.


(1) الكافي 3: 353 ح 6، التهذيب 2: 187 ح 742، الوسائل 5: 326 أبواب الخلل ب 13 ح 4 (2) الفقيه 1: 230 ح 1021، الوسائل 5: 325 أبواب الخلل ب 13 ح 1 (3) فقه الرضا (عليه السلام): 118 (4) الوسائل 5: 325 (5) الذكرى: 226 (6) المقنعة: 146 (7) الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 37

[ 297 ]

ونقل عن المفيد في العزية تقديم الركعة قائما (1)، وهو ضعيف ثم إن مذهب أكثر الأصحاب على ما نسبه إليهم الشهيد في الذكرى تعين الجلوس في الركعتين الأخيرتين (2)، وهو الموافق للنص. وقيل بتعين الركعة قائما، نقله الشهيد عن ظاهر المفيد في العزية وسلار (3)، ولم نقف على مأخذه، وقيل بالجواز، لتساويهما في البدلية، وأقربيتها إلى الحقيقة المحتمل سقوطها (4)، وهو ضعيف. وأما الصور النادرة من الشك فلنذكر منها خمس: الاولى: الشك بين الأربع والست، فالمشهور البطلان كما عرفت. وعلى القول بجعله من باب ما يتعلق بالخمس فحكمه حكم الشاك بين الأربع والخمس، فإن كان بعد السجدتين، فيتم ويسجد سجدتين، وإن كان في حال القيام، فيرجع إلى الشك بين الثلاث والخمس وفيه وجهان، أظهرهما البناء على الأقل، لأصالة عدم الزيادة، ولما دل على الأخذ بالجزم، ولقوله عليه السلام: " لا يعيد الفقيه صلاته " (5). والثاني البطلان، وهو ضعيف. فعلى المختار يتم الركعة ولا شئ عليه. وإن كان بعد الركوع فلا يبعد القول بأنه يتمها وتصح صلاته، والمشهور البطلان. ووجه ما اخترناه هو دخوله تحت الشك بين الثلاث والخمس، واحتمال اندارجه


(1) نقله عنه في المختلف 2: 286، والذكرى: 226 (2) الذكرى: 226 (3) المراسم: 89، ونقله عنهما في الذكرى: 226 (4) المختلف 2: 386 (5) الفقيه 1: 225 ح 993

[ 298 ]

تحت من أكمل السجدتين على القول بإدراك الركعة بالركوع. الثانية: الشك بين الأربع والخمس والست، فإن كان قبل الركوع فيرجع إلى الشك بين الثلاث والأربع والخمس بعد السجود أو بعد الركوع على القولين. قال الشهيد: وفيه وجه بالبناء على الأقل، ووجه بالبناء على الأربع ووجوب الاحتياط بركعة قائما أو ركعتين جالسا والمرغمتين (1). وعلل الشهيد الثاني الأول بأنه المتيقن، وضعفه بمخالفته المنصوص من بناء الشاك بين الثلاث والأربع على الأكثر. وعلل الثاني بأنه موافق للنصوص في الشك بين الثلاث والأربع وبين الأربع والخمس، فيحتاط بالركعة للأول، ويأتي بالمرغمتين للثاني وعندي في ذلك تأمل، إذ المنصوص في كل مورد هي الحالة الوحدانية، ولا يستفاد منها حكم ما لو قارنه شك آخر أم لا. لا يقال: المستفاد من الأخبار هو حكم كل مورد من موارد الشك لا بشرط شئ، فيشمل ما لو قارنه آخر أم لا، فيثبت لكل منهما حكمه. لأنا نقول: الأحكام التوقيفية تتوقف على التوظيف، وإنما الذي يثبت من الأخبار هو الحكم لمورد خاص في حال الوحدة، وإن لم يكن بشرط الوحدة، وثبوت الحكم في حال لا يستلزم ثبوته في حال آخر، وكما أنه لابد من إثبات القيد من دليل ; فلابد من أثبات الإطلاق أيضا من دليل، إذ الإطلاق أيضا قيد، وقد حققنا هذه القاعدة في القوانين في مواضع عديدة. مع أنه لا ينحصر الأمر في الشكين، بل هنا شك ثالث، وهو الشك ما بين الثلاث والخمس أيضا، وحكمه إما البطلان أو البناء على الأقل، وهو لايتم مع ما ذكره. وهذا كلام سار في نظائر المسألة مما يرد عليك من أقسام الباب.


(1) الألفية: 73

[ 299 ]

مع أنا نقول: إن الشك بين الثلاث والأربع والخمس مهية في الشك مغايرة للشك بين الثلاث والأربع، وللشك بين الأربع والخمس، وللشك بين الثلاث والخمس، فلا وجه لدرج كل منهما في الأول. الثالثة: لو شك بين الثلاث والأربع والخمس، فإن كان قبل الركوع فيرجع إلى الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، فيهدم الركعة ويأتي بما ذكرنا فيه من الاحتياط. ولو كان بعد الركوع فقد عرفت حكمه آنفا. ويظهر مما مر حال ما لو شك بين الاثنتين والثلاث والأربع والخمس، فيبطل لو كان قبل إكمال السجود، وأما بعده فعلى ما ذكره الشهيد الثاني - رحمه الله - يرجع إلى أصلين من اصول الشك المنصوص عليهما: الشك بين الثلاث والاثنتين والأربع، والشك بين الأربع والخمس، فيأتي بركعتين من قيام وركعتين من جلوس وبالمرغمتين. وترد عليه الإشكالات السابقة. ويظهر من ذلك حكم الشك بين الاثنتين والأربع والخمس، فيبطل إذا كان قبل إكمال السجود، ويأتي بركعتين من قيام ويسجد للسهو على ما ذكروه، ويرد عليه أيضا ما ذكرنا. الرابعة: لو شك بين الخمس والست، فإن كان قبل الركوع فيرجع إلى الشك بين الأربع والخمس، فيهدم ويتشهد ويسلم ويأتي بالمرغمتين، وإن كان بعد الركوع فيرجع إلى حكم زيادة الركن (1) في الصلاة، والأقوى فيه البطلان مطلقا. الخامسة: لو شك بين الثلاث والخمس، أو الاثنتين والخمس، أو الاثنتين والثلاث والخمس، أو الاثنتين والست، أو الثلاث والست، وكذلك كل ما احتمل الزائد على الأربع والناقص ولم يكن فيه احتمال للأربع، فالمشهور البطلان، واحتمل الشهيد - رحمه الله - البناء على الأقل (2).


(1) في " ص "، " م ": الركعة، بدل الركن (2) الذكرى: 225.

[ 300 ]

ومما ذكرنا من الأقسام يظهر حال ما لم يذكر. والحق أنه لا يمكن استفادة أحكام هذه الصور النادرة من النصوص، والأصل يقتضي البناء على الأقل، والاحتياط في الجميع واضح. تتميمات: الأول: تجب في صلاة الاحتياط النية، والتكبير، والقراءة، والتشهد، والتسليم، لأنها صلاة منفردة، وللأخبار الدالة على ذلك (1). ولا يجوز تبديل القراءة بالتسبيح على الأشهر الأقوى، لخصوص الأخبار المتقدمة (2). وعن المفيد (3) وابن إدريس (4) التخيير في المبدل، وهو ضعيف. ولا سورة فيها ولا قنوت. والأكثر على وجوب تعقيبها للصلاة. قال في الذكرى: ظاهر الفتاوى والأخبار وجوب التعقيب (5) ودلالة الأخبار على ما ذكره ممنوعة، سيما مع أداء أكثرها بكلمة " ثم ". وكلمة " الفاء " في تعقبها أيضا ممنوعة الدلالة على ذلك. نعم في الروايات لعمار إشعار بذلك (6)، حيث جعلت تمام الصلاة فيها، ولاريب أنه أحوط. ثم هل تبطل الصلاة لفعل المنافي قبلها أم لا ؟ قولان، أظهرهما العدم، للأصل: والفورية على القول بها أيضا لا تستلزم ذلك، وصحيحة ابن أبي يعفور المتقدمة في


(1 و 2) الوسائل 5: 320 أبواب الخلل ب 10، 11 (3) المقنعة: 146 (4) السرائر 1: 254 (5) الذكرى: 227 (6) الفقيه 1: 225 ح 992، التهذيب 2: 193 ح 762، وص 349 ح 1448، الاستبصار 1: 376 ح 1426، الوسائل 5: 317 أبواب الخلل ب 8 ح 1، 3، 4

[ 301 ]

مسألة الشك بين الاثنتين والأربع الآمرة بسجدتي السهو للتكلم أيضا (1) لا تدل على ذلك، مع أنها يمكن أن تكون لأجل سهو في نفس الصلاة، أو في صلاة الاحتياط لابينهما. وعلى القول بالبطلان بتخلل المنافي فحكمها حكم جزء الصلاة، ويترتب عليه حكم المنافيات في الصلاة، فعلى ما اخترناه إذا أحدث بعد الصلاة قبل الاحتياط يتوضأ، ويأتي بصلاة الاحتياط. وادعى الشهيد في الذكرى الإجماع على فورية الأجزاء المنسية التي تقضى، وقال: إنه لا خلاف أنه يشترط فيها ما يشترط في الصلاة حتى الأداء في الوقت (2). وفي بطلان الصلاة بفعل المنافي قبلها أيضا وجهان، والأظهر العدم. ولو ترك صلاة الاحتياط عمدا ففي البطلان وجهان، ناظران إلى ظاهر الأخبار، سيما روايات عمار الدالة على أنها متممة. وإلى عدم ثبوت اشتراط الصحة بها، للأصل ومنع دلالة الروايات، بل هي واجب على حدة يأثم بتركها. وهو أظهر، سيما بملاحظة ما قدمناه من عدم البطلان بتخلل المنافي. مع أن المستفاد من العلة المذكورة في أخبار صلاة الاحتياط من أنها تمام الصلاة إن كانت ناقصة، وتحسب نافلة إن كانت تامة (3)، أن الصلاة تبنى على التمام على الظاهر، وهذه الصلاة احتياط للإتيان بما في نفس الأمر، فهذا يشبه باحتياط المجتهد مع حصول الظن له بالحكم الشرعي، غاية الأمر أن الاحتياط هنا واجب، فكما أن ظنه متصف بكونه حكم الله ظاهرا، فكذا الصلاة بعد البناء على ما اقتضاه الشك.


(1) الكافي 3: 352 ح 4، التهذيب 2: 186 ح 739، الاستبصار 1: 372 ح 1315، الوسائل 5: 323 أبواب الخلل ب 11 ح 2 (2) الذكرى: 228 (3) الوسائل 5: 322 أبواب الخلل ب 11

[ 302 ]

ثم على القول بالاشتراط، هل يكفي فعله أي وقت يكون ; ولو قضاءا خارج الوقت، أو تجب في وقت الصلاة، فتبطل بخروجه ؟ احتمالان، والظاهر بالنظر إلى الأخبار توقيته. وإن لم يكن فوريا ولم يثبت القضاء لصلاة الاحتياط من دون الصلاة لابد من دليل. والتحقيق أن القضاء فرض جديد، والأقرب بطلان الصلاة بخروج الوقت، إلا أن يتمسك بعموم ما ورد في قضاء الفوائت لو لم نمنع شمولها لها. وأما على ما اخترناه فالوجه عدم البطلان بخروج الوقت وإن أثم بتركها لو تعمد، والأحوط بل الأظهر وجوب قضائها، وكذا لو كان نسيانا. ولو ترك الأجزاء المنسية عمدا ففي بطلان الصلاة أيضا وجهان، أظهرهما العدم. وعلى الأول ففي كفاية القضاء في الصحة أيضا الوجهان، وأولى بالعدم هنا لعدم العموم في أخبار القضاء لتشمله، ولفظ القضاء الوارد في الأجزاء المنسية ليس على مصطلحه المشهور كما لا يخفى. الثاني: لو تذكر قبل الاحتياط عدم الحاجة إليه فلا إشكال. ولو تذكر النقصان فيأتي بالنقص ما لم يفعل المنافي. ولو تذكر النقصان ولما يركع في الركعة الاولى قال الشهيد: الأقرب عدم الاعتداد بما فعله من النية والتكبير والقراءة، ويجب عليه القيام لإتمام الصلاة (1)، انتهى. ولو تذكر بعد الاحتياط عدم الحاجة إليه فلا يضر، وله ثواب النافلة، ومرما يدل عليه من الأخبار. ولو تذكر النقصان صح، لأن الأمر يقتضي الإجزاء، فإن ظاهر الأخبار يشمل


(1) الذكرى: 227

[ 303 ]

صورة التذكر أيضا، فلا وجه لتخصيصها بالنقص المحتمل دون المتيقن بعد الاحتياط أيضا، ولصريح روايات عمار. نعم يقع الإشكال فيما لو ظهر النقصان بخلاف ما اقتضاه شكه، كمن صلى ركعتين من جلوس للشك بين الثلاث والأربع، وظهر له بعد الاحتياط أنه صلى ركعتين ففيه إشكال، نظرا إلى أن الأمر يقتضي الإجزاء، والإعادة كالقضاء خلاف الأصل ويحتاج إلى فرض جديد. وإلى أن ذلك حكم ما لو لم يظهر لا مطلقا، وما لو حصل ما يجبر النقص، والمفروض عدمه. والظاهر من روايات عمار أيضا هو ما وافق النقصان. ويؤيد الثاني ما يدل على حكم ناسي الركعة، وأنه يجب الإتيان بها (1)، إلا أن بينها وبين ما دل على حكم الشك عموما من وجه، وحينئذ فحكم النسيان يقتضي الإتيان بركعتين تتميما للفريضة، ويقع الإشكال حينئذ في كون الاحتياط مبطلا للصلاة أم لا من جهة كونها فعلا كثيرا أو مستلزما لزيادة الركن، ومن جهة عدم شمول أدلتهما لما نحن فيه، ولا يبعد أن يقال بمنع بقاء التكليف بالأربع ركعات بعد الأمر بمقتضى الشك، وعود الحكم السابق يحتاج إلى دليل، والأصل عدمه، وكذا لا دليل على إتيان ركعة اخرى حينئذ، فيكون الإجزاء أظهر، والاحتياط واضح. وكذلك الكلام فيما لو ظهر للشاك بين الاثنتين والثلاث والأربع بعد الإتيان بالركعتين أنه صلى ثلاث ركعات، أو بعد الإتيان بركعتين من جلوس إذا قدمهما أنه كان صلى ركعتين، والأمر في الصورة الأخيرة أشكل، لعدم كفاية الركعتين من جلوس، وكون الركعتين من قيام بعدهما زائدة على القدر الناقص في نفس الأمر،


(1) الوسائل 5: 307 أبواب الخلل ب 3

[ 304 ]

وعدم دليل على جواز الإتيان بركعتين اخريين جالسا، أو ركعة من قيام، وظهور منع شمول الأمر لهذه الصورة. وعدم المطابقة هنا ليس مثل عدم المطابقة لو تذكر في الشك بين الثلاث والأربع أنه نقص ركعة مع إتيانه بركعتين من جلوس، فإن الظاهر أن الجلوس والقيام وزيادة التكبير ونحو ذلك لا يضر بالمطابقة على ما اقتضته الأدلة والأخبار، بخلاف عدد الركعات. ولو قلنا بلزوم المطابقة من جميع الوجوه فلابد أن يحكم في كل صور التذكر بالإعادة، ولا أظن قائلا به، هذا كله إذا تذكر بعد الخلاص. وأما لو تذكر في الأثناء عدم الحاجة فيهدمه، ويحتمل جواز الإتمام نافلة كما نبهت عليه الروايات (1). ولو تذكر الحاجة فيحتمل الإجزاء للأمر، والعدم لما تقدم من دخوله تحت ناسي الركعة، ولزيادة التكبير، والتفصيل بالصحة مع المطابقة، وعدمها مع عدمها. وقد تحتاج ملاحظة ذلك التفصيل إلى عدم زيادة الركعة والتصرف في صلاة الاحتياط، فلو شك بين الاثنتين والثلاث والأربع وأتى بركعتين من قيام وتذكر في أثنائها أنها كانت ثلاثا، فقال في الذكرى: تنقدح الصحة ما لم يركع في الثانية، أو يركع وكان قد قعد عقيب الاولى لما سبق في مثله، أما لو ركع ولما يسبق له الجلوس فالبطلان قوي، لأنه إن اعتبر كونه مكملا للصلاة فقد زاد، وإن اعتبر كونه صلاة منفردة فقد صلى زيادة عما في ذمته بغير فاصل. ولو تذكر في أثناء الركعتين جالسا أنها ثلاث فالأقرب الصحة، لأن الشرع اعتبرها مجزية عن ركعة، ويحتمل البطلان، لأن ذلك حيث لاعلم للمكلف، أما مع علمه فيكون قد صلى جالسا ما هو فرض معلوم له، وهذا يقدح في صحة


(1) الوسائل 5: 322 أبواب الخلل ب 11

[ 305 ]

الصلاة، وإن كان قد فرغ منهما وتذكر أنها ثلاث، وأبعد في الصحة لو تذكر أنها اثنتان، لأنه يلزم منه اختلال النظم، ووجه امتثال الأمر، فالحكم بالإجزاء على تقدير كل محتمل، إذ المكلف لا يؤخذ بما في نفس الأمر، فإذا كان الحكم بالإجزاء حاصلا مع البقاء على الشك، ومن الممكن أن لا يكون مطابقا للأمر نفسه، فلا فرق بينه وبين التذكر (1)، انتهى. والإنصاف أن الاعتماد على الأخبار في أكثر هذه الفروع مما لا يظهر له وجه، وبعد تعارض الاصول والقواعد والالتفات إلى بعض التنبيهات يظهر رجحان للقول بأن كل ما وافق الاحتياط للناقص على وفق ما ورد في الأخبار يكون مجزيا، سواء كان في الأثناء أو بعد التمام، وكل ما يكون موافقا ويحتاج إلى تصرف أو عدول نية فلا، ومع ذلك فالاحتياط في كل ما حصل اليقين بالنقصان الإعادة أيضا. الثالث: هل تقدم الأجزاء المنسية على الاحتياط مطلقا، أو مع تقدمها، أو لا كذلك ؟ احتمالات، ولم يظهر من الأخبار شئ، والوجه التخيير، ولعل الأولى ملاحظة الترتيب. ويترتب الاحتياط بترتب أسبابه، فلو شك بين الاثنتين والثلاث وبنى على الثلاث، ثم شك بين الأربع والخمس في حال القيام، فيقدم احتياط الأول على الثاني، وكذلك الأجزاء المنسية المترتبة. الرابع: قال في الذكرى: لو أعاد الصلاة من وجب عليه الاحتياط لم يجز، لعدم الإتيان بالمأمور به، وربما احتمل الإجزاء ; لإتيانه على الواجب وزيادة (2). اقول: والوجه ما ذكره أولا، نعم لو هدم الصلاة من حصل له موجب الاحتياط وأعادها فيجزيه وإن عصى في ذلك.


(1) الذكرى: 227 (2) الذكرى: 228

[ 306 ]

الخامس: مقتضى فورية الاحتياط عدم جواز صلاة اخرى قبلها، فريضة كانت أو نافلة. وعلى ما اخترناه فلا دليل على الحرمة، سيماعلى ما اخترناه من عدم إبطال المنافي بينهما أيضا. وعلى القول بالفورية يبطل أيضا عند من يجعل الأمر مقتضيا للنهي عن ضده الخاص مع دلالته على الفساد، والمقامات الثلاثة كلها ممنوعة، هذا إذا تعمد. وأما النسيان فقيل: تبطل النافلة مطلقا، والفريضة فيما لم يمكن العدول، وإلا فيعدل (1). وفيه: أن العدول كما لا يصح من النافلة فلا دليل على العموم في جميع الفرائض أيضا. ولا يبعد الاتمام ثم الإتيان بالاحتياط، كما لا يبعد جواز الهدم والاحتياط ثم الإتيان بتلك الصلاة، لعدم الدليل على مطلق حرمة الإبطال. فمن سها احتياط الظهر ودخل في العصر يجوز له الإتمام والهدم كلاهما، ولعل الثاني أوجه، وأما العدول فلم نقف له على دليل. ويظهر مما ذكرنا أن من تضيق وقته عن الإتيان باحتياط الظهر ثم العصر ولو بإدراك ركعة منه يأتي بالعصر أولا ثم بالاحتياط بطريق الأولى. تنبيه: روى الطبرسي في الاحتجاج، عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن صاحب الزمان عليه السلام: أنه كتب إليه يسأله عن رجل صلى الظهر ودخل في صلاة العصر، فلما صلى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنه صلى الظهر ركعتين، كيف يصنع ؟ فأجاب عليه السلام: " إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة تقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين، وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمة لصلاة الظهر، وصلى العصر بعد ذلك " (2).


(1) الذكرى: 228 (2) الاحتجاج: 488، الوسائل 5: 325 أبواب الخلل ب 12 ح 1

[ 307 ]

ونبه على ذلك الشهيد الثاني - رحمه الله - في روض الجنان، وعد ذلك من المواضع التي لا تضر زيادة الركن في الصلاة (1). السادس: إذا غلب أحد الطرفين أولا أو بعد الشك وصار ظنا، فيبني عليه، فيتبع مقتضاه من الصحة والبطلان. فمن ظن أنه صلى ثلاثا فيبني عليه ويأتي بالباقي، ومن ظن أربعا فيتم ويقتصر عليه، ومن ظن أنه زاد ركعة فتبطل صلاته، وهكذا. والمشهور أنه لا فرق في ذلك بين الأوليين والأخيرتين، ونسبه الشهيد إلى فتوى الأصحاب (2)، ونقل عن ظاهر ابن إدريس اختصاصه بما عدا الاوليين، ورده بأنه مخالف للعمومات والفتاوى، واستدل بدفع الحرج وبما روى العامة عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: " إذا شك أحدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليبن عليه " (3). اقول: وتدل عليه صحيحة صفوان المتقدمة في مسألة من لم يدركم صلى (4)، سيما على المعنيين الأولين اللذين ذكرناهما، واستقراء الأخبار الكثيرة المتقدمة في مسألة الشك بين الثلاث والأربع وغيرها المفيدة للظن القوي بأن العلة فيها هي الظن. وظاهر إطلاقهم يشمل الغداة والمغرب أيضا، ويدل عليه مضافا إلى ما ذكرنا حسنة الحسين بن أبي العلاء المتقدمة في مسألة من نقص ركعة (5).


(1) روض الجنان: 334 (2) الذكرى: 222 (3) بدائع الصنائع 1: 165، سنن ابن ماجة 1: 383 ح 1212 (4) الكافي 3: 358 ح 1، التهذيب 2: 187 ح 744، الاستبصار 1: 373 ح 1419، الوسائل 5: 327 أبواب الخلل ب 15 ح 1 (5) الكافي 3: 383 ح 11، التهذيب 2: 183 ح 731، الاستبصار 1: 367 ح 1400، الوسائل 5: 315 أبواب الخلل ب 6 ح 1

[ 308 ]

ورواية إسحاق بن عمار قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا ذهب وهمك إلى التمام أبدا في كل صلاة فاسجد سجدتين بغير ركوع، أفهمت ؟ " قلت: نعم (1). وفي الفقه الرضوي أيضاما يدل على ذلك (2). نعم قد تعارض هذه الأخبار بمثل حسنة محمد بن مسلم المتقدمة في مسألة الشك في الاوليين وفي الثنائية والثلاثية، قال: " يستقبل حتى يستيقن أنه قد أتم " (3) فإن التعليل يفيد عدم الاكتفاء بالظن. ورواية أبي بصير (4) ورواية موسى بن بكر (5) المتقدمتين ثمة، فإنها أخص مطلقا مما ذكرنا. وكذلك بمثل صحيحة زرارة (6) وما في معناها (7) المتقدمة ثمة القائلة بوجوب الإعادة على من لم يدر واحدة صلى أم اثنتين، فإن عدم الدراية أعم من الظن. ويمكن دفعها بالمعارضة بمفهوم الأخبار الواردة في الفجر والمغرب القائلة ببطلانها بالشك (8)، فإن عدم الشك أعم من الظن، وبأن الظاهر من قولهم عليهم السلام: " لا يدري واحدة صلى أم اثنتين " التساوي كما هو مقتضى همزة التسوية (9)، ويؤيده ما سيجئ أيضا.


(1) التهذيب 2: 183 ح 730، الوسائل 5: 317 أبواب الخلل ب 7 ح 2 (2) فقه الرضا (عليه السلام): 117 (3) الكافي 3: 351 ح 2، التهذيب 2: 179 ح 715، الاستبصار 1: 365 ح 1391، الوسائل 5: 304 أبواب الخلل ب 2 ح 2 (4) التهذيب 2: 180 ح 721، الاستبصار 1: 370 ح 1408، الوسائل 5: 305 أبواب الخلل ب 2 ح 6 (5) التهذيب 2: 179 ح 719، الوسائل 5: 305 أبواب الخلل ب 2 ح 9 (6) الكافي 3: 350 ح 3، التهذيب 2: 192 ح 759، الاستبصار 1: 375 ح 1423، الوسائل 5: 300 أبواب الخلل ب 1 ح 6 (7) الوسائل 5: 301 أبواب الخلل ب 1 ح 12، 17 (8) الوسائل 5: 304 أبواب الخلل ب 2 (9) في " م ": هذه التسوية

[ 309 ]

ثم إن ظاهر الأكثرين وصريح جماعة تسوية الأعداد والأفعال في ذلك (1)، وهو أيضا كذلك، ويدل عليه كثير مما تقدم، ومفاهيم الصحاح المستفيضة المتقدمة متفرقة فيمن شك في شئ بأنه يقضي ما لم يخرج عن مكانه، ويمضي لو خرج، لأنه لا يطلق الشك على الظن. ومثله الأخبار المتقدمة في مبحث تكبيرة الإحرام وغيرها، مثل صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن رجل نسي أن يكبر حتى دخل في الصلاة فقال: " أليس كان من نيته أن يكبر ؟ " قلت: نعم، قال: " فليمض في صلاته " (2). وما رواه الصدوق مرسلا عنه عليه السلام، أنه قال: " الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح " (3) ونحو ذلك (4). وكيف كان، فمع ظهور دلالة الأخبار الحاكمة بالبطلان في الاوليين وفي الثنائية والثلاثية في الأعداد والشك فيها دون الأفعال والظن أو عدم ظهور شمولها للأفعال والظن لا يجوز الحكم بالبطلان، والظن الحاصل من الشهرة كاف، فضلا عن ملاحظة ما ذكرناه من الأخبار، سيما مع موافقته لنفي العسر والحرج، وكون ترك الاعتماد عليه موجبا لتوسيع مجال الشك وغلبة الشيطان. وفي بعض الأخبار دلالة على سجدتي السهو في صورة الظن،، مثل حسنة الحلبي المتقدمة في الشك بين الثلاث والأربع (5)، ولا بأس بالعمل بها استحبابا.


(1) كابن إدريس في السرائر 1: 250، والشهيد الثاني في الروضة البهية 1: 710، وروض الجنان: 341، وانظر الذكرى: 222 (2) الفقيه 1: 226 ح 999، التهذيب 2: 144 ح 565، الاستبصار 1: 352 ح 1330، الوسائل 4: 717 أبواب تكبيرة الإحرام ب 2 ح 9 (3) الفقيه 1: 226 ح 998، الوسائل 4: 717 أبواب تكبيرة الإحرام ب 2 ح 11 (4) التهذيب 2: 145 ح 568، الاستبصار 1: 352 ح 1332، الوسائل 4: 717 أبواب تكبيرة الإحرام ب 2 ح 10 (5) الكافي 3: 353 ح 8، الوسائل 5: 321 أبواب الخلل ب 10 ح 5

[ 310 ]

وكذلك رواية إسحاق بن عمار المتقدمة آنفا (1)، وموثقة أبي بصير تدل على صلاة الاحتياط مع الشك بين الثلاث والأربع، وغلبة الظن بالثلاثة (2)، وهي مهجورة. فائدة: قال الشهيد الثاني رحمه الله: يجب على الشاك التروي، فإن ترجح عنده أحد الطرفين عمل عليه، وإلا لزمه حكم الشاك (3). ورده بعض المتأخرين بأن الروايات لا تعطي ذلك، وجعل مراعاة ذلك احتياطا (4). اقول: ولعل نظره إلى ما رواه الشيخ في الصحيح، عن حمزة بن حمران - وهو ممن قد يروي عنه صفوان بن يحيى - عن الصادق عليه السلام، قال: " ما أعادها فقيه قط، يحتال لها ويدبرها حتى لا يعيدها " (5). والجملة الخبرية ظاهرة في الوجوب. وفقه الحديث: أن كل ما يقبل الاحتيال والتدبير من واردات الشك والوسواس، فالفقيه لابد أن يدفعه من نفسه حتى لا يعيد الصلاة، فإن الإعادة في أمثال ذلك من متابعة الشيطان، فمن جملة ذلك كثير من الشكوك الحاصلة في العبادات. ولذلك يجب على كثير الشك الإعراض عنه والبناء على الصحة، وعلى أهل الوسواس الإعراض عنه وترك المتابعة، وهذا المعنى يحصل غالبا في نية الصلاة، ويعيد المصلي صلاته لأجل التشكيك فيها وفى بطلان الصلاة بخروج الريح ونحو ذلك.


(1) التهذيب 2: 183 ح 730، الوسائل 5: 317 أبواب الخلل ب 7 ح 2 (2) الكافي 3: 351 ح 1، التهذيب 2: 185 ح 735، الوسائل 5: 322 أبواب الخلل ب 10 ح 7 (3) روض الجنان: 340، المسالك 1: 295 (4) المدارك 4: 264 (5) الفقيه 1: 225 ح 993، التهذيب 2: 351 ح 1455، الوسائل 5: 344 أبواب الخلل ب 29 ح 1

[ 311 ]

فدفع مكايد الشيطان من وجوه، بعضها قبل الشك، وبعضها بعده اما ما هو قبله فتحذير النفس وتحقيق معنى النية، وأنه هو الداعي لا الخطر بالبال، وأن الإخلاص مما لا يمكن تحصيله في حال النية، بل هو مما لابد أن يحصل قبل العبادة، وأن الشيطان يريد سلب لذة العبادة وجعلها مبغوضة للعبد، وطبعه متنافرا عنها، فربما يوسوس في أفعال الصلاة، وربما يوسوس في الطهارة عن الحدث أو الخبث، فيزاوله حتى يوقع المكلف في الشدة والمحنة، ويجعله مطيعا لنفسه في غاية الذلة والمهانة، فلابد من أخذ الحذر والأسلحة لدفع هذا العدو الخبيث بمذكرات الشرع ومنبهاته. ومن جملة ذلك أيضا إعداد الحصى لعد الركعات ونحو ذلك، والالتجاء إلى الدعوات الواردة في الشك ونحوها. وأما ما هو بعده، فمنها الإعراض والعمل على الصحة كما هو حكم كثير الشك. ومنها التروي والتفكر في تحصيل القرائن لأجل إخراج الشك إلى الظن، فكما أن مطلوب الشارع عدم إعادة الصلاة ; فكذلك ما هو في معناه مثل صلاة الاحتياط وسجدتي السهو ونحوهما، فإن الكل من ثمرات الشك، والعلة فيه غالبا هي غلبة الشيطان، والإلهاء عن ذكر الله. ويؤيد ما ذكرناه ما رواه ابن إدريس في القوي عن أبي بصير قال، قلت لأبى عبد الله عليه السلام: إن عيسى بن أعين يشك في الصلاة فيعيدها، قال: " هل يشك في الزكاة فيعطيها مرتين " (1)، وفي هذه الرواية مزية في الدلالة من جهة التنبيه على العلة، فإن محبة المال هي العلة في عدم إطاعة الشيطان في الزكاة دون الصلاة.


(1) مستطرفات السرائر 3: 613، الوسائل 5: 344 أبواب الخلل ب 29 ح 2

[ 312 ]

ومن التأمل في الروايتين يظهر تأييد لجواز العمل بالظن عموما كما أشرنا، فتنبه. بقي الكلام في وجه التقييد بقولنا كل ما يقبل الاحتيال، وهو ظاهر، لأن وجوب الإعادة والعمل على مقتضى الشك في الجملة قد ثبت بالإجماع والأخبار، فالرواية مخصوصة بغيرها. السابع: لا حكم للشك الحاصل للإمام مع حفظ المأموم وبالعكس، لحسنة حفص بن البختري (1)، وصحيحة علي بن جعفر (2)، ومرسلة يونس (3)، ورواية محمد بن سهل (4). ويحصل العلم لكل منهما بحال الآخر بالقرائن أو بالإشارة أو بالذكر، مثل أن يفهم المأموم من الإمام أنه متردد بين الاثنتين والثلاث، فيقول: سبحان الله ثلاث مرات، أو يشير إلى القيام بقوله: " بحول الله وقوته أقوم وأقعد " وهكذا. والكلام مع يقين أحدهما ظاهر، لظهور الحفظ في اليقين، سيما مع ملاحظة مرسلة يونس على ما رواه الشيخ، قال: " ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه بإيقان منهم "، وعلى ما رواه الصدوق في موضع " إيقان " كلمة " اتفاق " فلا يخلو أيضا من ظهور فيه، لكمال ندرة الاتفاق مع عدم اليقين. وأما مع الظن فالأشهر الأظهر جواز رجوع الشاك إلى الظان أيضا، لإطلاق الروايات.


(1) الكافي 3: 359 ح 7، التهذيب 2: 344 ح 1428، الوسائل 5: 338 أبواب الخلل ب 24 ح 3 (2) التهذيب 2: 350 ح 1453، وج 3: 279 ح 818، الوسائل 5: 338 أبواب الخلل ب 24 ح 1 (3) الكافي 3: 358 ح 5، الفقيه 1: 231 ح 1028، التهذيب 3: 54 ح 187، الوسائل 5: 340 أبواب الخلل ب 24 ح 8 (4) الفقيه 1: 264 ح 1205، التهذيب 3: 277 ح 812، الوسائل 5: 338 أبواب الخلل ب 24 ح 2

[ 313 ]

وفيه إشكال، لما ذكرنا من ظهور الحفظ في اليقين، سيما مع ملاحظة لفظة إيقان. ويدفعه أن الظاهر أن المراد في الأخبار أن المأموم يبني على ما هو ظاهر أنه يقيني للإمام، فإن العلم بأن ما يفعله الإمام بلا تردد وتأمل هل هو مبني على يقينه أو ظنه مما لا يمكن عادة، فإطلاق ما لم يذكر فيه لفظ الحفظ واليقين يشمله، والمراد مما ذكر فيه أيضا ظاهر الحفظ واليقين لا النفس الأمري، وهذا واضح على المتأمل. وفي الفقيه في باب نوادر الطواف خبر قوي يدل على المطلوب (1). ويؤيده لزوم العسر والحرج على التنبيه بما يفرق به بين الظن واليقين، مع أن المستفاد من الاستقراء أن حكم الظن في باب الشك هو حكم اليقين. هذا كله إذا أردنا إثبات المسألة على العنوان المبحوث عنه، وإلا فإذا أفاد الظن فلا إشكال، والغالب أن الشك يتبدل به بسبب ظن صاحبه. والمشهور أن الظان منهما أيضا يرجع إلى المتيقن. وتأمل فيه بعضهم (2)، وهو في محله، إلا أن ترجع المسألة إلى أن ذلك يوجب تبدل الظن بالظن بخلافه. وأما إذا تيقن كل منهما بشئ، فكل منهما يتبع يقينه، وكذلك إذا ظن كل منهما بخلاف الآخر. وأما إذا كانا شاكين، فإن اتحد شكهما فيلزمهما حكمه. وإن اختلفا، فإن كان بينهما رابطة يرجعان إليها كما لو شك أحدهما بين الاثنتين والثلاث، والآخر بين الثلاث والأربع، فيبنيان على الثلاث ; لتيقن أحدهما بوجود الثالثة والآخر بانتفاء الرابعة، وليس عليهما احتياط.


(1) الفقيه 2: 254 ح 1233، الوسائل 5: 340 أبواب الخلل ب 24 ح 9 (2) مجمع الفائدة 3: 139

[ 314 ]

وقد لا يوجد مع الرابطة يقين، كما لو شك أحدهما بين الثلاث والأربع، والأخر بين الاثنتين والثلاث والأربع، فمرجعهما إلى الشك بين الثلاث والأربع، لعدم تيقن أحدهما بانتفاء الأربع، فأحدهما متيقن في الثلاث، وكلاهما شاكان في الأربع، فيعملان على مقتضى المرجع. وإن لم تكن رابطة، كالشك بين الاثنين والثلاث، وبين الأربع والخمس، فينفردان كل بما يقتضيه شكه. هذا كله إذا لم يحصل اختلاف بين المأمومين، وإذا اختلفوا فلا يجوز أن يرجع الإمام إلى أحدهم اقتراحا، فيعمل كل على ما عنده، إلا أن يحصل للإمام الظن بقول أحدهم، فيعمل عليه، ثم يتبعه الآخر إن حصل له الظن بذلك أيضا، وإلا فيعمل على ما عنده. وفي مرسلة يونس: " فإذا اختلف على الإمام من خلفه فعليه وعليهم في الاحتياط الإعادة والأخذ بالجزم " (1). وهذا إذا لم تجمعهم رابطة، وإلا فيبنون على مقتضاها، كما لو شك الإمام بين الاثنتين والثلاث والأربع، وفرقة من المأمومين بين الثلاث والأربع، واخرى بين الثلاث والأربع والخمس، فالمجمع هنا هو الشك بين الثلاث والأربع لتيقن المأمومين بالثلاث وتيقن بعضهم مع الإمام بانتفاء الخمس. وكذلك إذا جمعهم العمل على الشك على أمر واحد، كما لو شك الإمام بين الاثنتين والأربع، وبعضهم بين الثلاث والأربع، وآخر بين الأربع والخمس، فيبني الكل على الأربع وإن تفاوت احتياطهم، وهكذا. والظاهر عدم الفرق بين كون أحد الشكين مقتضيا للبطلان وعدمه. ثم إن كلا منهما يرجع إلى الآخر وإن لم يحصل الظن، بل وإن كان المأموم


(1) الكافي 3: 358 ح 5، التهذيب 3: 54 ح 187، الوسائل 5: 340 أبواب الخلل ب 24 ح 8

[ 315 ]

غير عادل بل فاسقا، ولا يجوز الرجوع إلى غيرهما إلا إذا أفاد الظن وإن كان عادلا. ثم إن فعل الإمام ما يوجب سجدتي السهو فيجب عليه بلا خلاف، كما أنه لا يجب عليه إذا لم يفعل وإن فعله المأموم بلا خلاف. وأما المأموم، فالمشهور أنه لا يجب عليه شئ إذا لم يفعل ما يوجبه، وإن فعله الإمام، خلافا للمبسوط. فأوجبه (1) وفاقا لجمهور العامة (2). ويجب عليه إذا فعله وإن لم يفعله الإمام، خلافا للخلاف فنفى الوجوب (3)، وإن عرض له السبب، مدعيا عليه إجماع الفرقة، واختاره السيد (4) وجماعة من المتأخرين (5)، ونسبه العلامة إلى العامة عدا مكحول (6)، والأقوى المشهور. لنا: الأصل في الأول، وخصوص صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في التكلم ناسيا (7)، ورواية منهال المتقدمة في مقامات سجدتي السهو (8) في الثاني. وتدل على قول المبسوط موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال في جملتها: وعن الرجل يدخل مع الإمام وقد صلى الإمام ركعة، أو أكثر فسها الإمام كيف يصنع الرجل ؟ قال: " إذا سلم الإمام فسجد سجدتي السهو فلا يسجد الرجل الذي دخل معه، وإذا قام وبنى على صلاته وأتمها وسلم سجد الرجل سجدتي


(1) المبسوط 1: 123 (2) المغني لابن قدامة 1: 695 (3) الخلاف 1: 463 مسألة 206 (4) الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 41 (5) كالمحقق في المعتبر 2: 395، والشهيد في الذكرى: 223 (6) التذكرة 3: 323 (7) الكافي 3: 356 ح 4، التهذيب 2: 191 ح 755، الاستبصار 1: 378 ح 1433، الوسائل 5: 313 أبواب الخلل ب 4 ح 1 (8) التهذيب 2: 353 ح 1464، الوسائل 5: 339 أبواب الخلل ب 24 ح 6

[ 316 ]

السهو " (1) وإطلاق موثقة عمار المتقدمة في وجوب التشهد والتسليم في سجدتي السهو (2)، ويمكن حملها على التقية، والأحوط فعله. واستدل أيضا بقوله عليه السلام: " انما جعل الإمام إماما ليتبعوه " (3) ورد بالضعف، وأن المراد المتابعة في الصلاة. وتدل على قول الخلاف موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل سها خلف إمام بعد ما افتتح الصلاة فلم يقل شيئا ولم يكبر ولم يسبح ولم يتشهد حتى سلم، فقال: " قد جازت صلاته، وليس عليه شئ إذا سها خلف الإمام، ولا سجدتا السهو، لأن الإمام ضامن لصلاة من خلفه " (4). وقد يستدل عليه بموثقته الاخرى النافية لسجدتي السهو على مأموم سها التسبيح في الركوع أو السجود أو الذكر بين السجدتين (5)، وهو كما ترى. وقد يستدل له بروايتي حفص بن البختري (6) ومحمد بن سهل (7) المتقدمتين، وهو أيضا كما ترى، مع أنه تعارضه مرسلة يونس المتقدمة القائلة " وليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام " (8).


(1) التهذيب 2: 353 ح 1466، الوسائل 5: 339 أبواب الخلل ب 24 ح 7 (2) الفقيه 1: 226 ح 996، التهذيب 2: 196 ح 771، الاستبصار 1: 381 ح 1442، الوسائل 5: 334 أبواب الخلل ب 20 ح 3 (3) عوالي اللآلي 2: 225 ح 42، صحيح البخاري 1: 106، صحيح مسلم 1: 308 ح 411، مسند أحمد 2: 314، سنن أبي داود 1: 164 ح 603، سنن الترمذي 2: 194 ح 361، سنن النسائي 2: 83، سنن ابن ماجة 1: 276 ح 846 ح 1238، سنن الدارمي 1: 300، ليؤتم به بدل ليتبعوه (4) الفقيه 1: 264 ح 1204، التهذيب 3: 278 ح 817، الوسائل 5: 339 أبواب الخلل ب 24 ح 5 (5) الفقيه 1: 263 ح 1202، التهذيب 3: 278 ح 816، الوسائل 5: 339 أبواب الخلل ب 24 ح 4 (6) الكافي 3: 359 ح 7، التهذيب 2: 344 ح 1428، الوسائل 5: 338 أبواب الخلل ب 24 ح 3 (7) الفقيه 1: 264 ح 1205، التهذيب 3: 277 ح 812، الوسائل 5: 338 أبواب الخلل ب 24 ح 2 (8) الكافي 3: 358 ح 5، الفقيه 1: 231 ح 1028، التهذيب 3: 54 ح 187، الوسائل 5: 340 أبواب الخلل ب 24 ح 8

[ 317 ]

مع أن رواية محمد بن سهل معارضة بأخبار كثيرة دالة على أن الإمام لا يضمن صلاة من خلفه، مثل صحيحة معاوية بن وهب (1) وغيرها (2). وحاصل ما يستفاد من الجمع بين أخبار الضمان وعدم الضمان هو الضمان في القراءة دون غيرها وبالجملة الأقوى العمل على الروايتين، لموافقتهما لجمهور الأصحاب، ومخالفتهما للعامة، واعتضادهما بسائر العمومات. وههنا إشكال فيما نقل عن العامة (3): أن ترك السجود هنا مذهب لهم كفعله ثمة، وكأن ثمة أولى بالعدم. فائدة: لا يجوز للمسبوق بركعة أن يأتم بالإمام في الأخيرة لو زاد الإمام ركعة سهوا، للأصل، وموثقة سماعة عن الصادق عليه السلام: في رجل سبقه الإمام بركعة ثم أوهم الإمام فصلى خمسا، قال: " يعيد تلك الركعة، ولا يعتد بوهم الإمام " (4). قيل: المراد بالإعادة الإتيان بها منفردا بمناسبة أنه قد فاتته مع الإمام (5). الثامن: لاحكم للشك مع كثرته، وهو في الجملة إجماعي مدلول عليه بالأخبار الكثيرة (6)، منها صحيحة زرارة وأبي بصير قالا، قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه، قال: " يعيد ". قلنا: فإنه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك، قال: " يمضي في شكه ".


(1) التهذيب 3: 277 ح 813، الوسائل 5: 434 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 6 (2) الوسائل 5: 420 أبواب صلاة الجماعة ب 30 (3) المغني لابن قدامة 1: 695 (4) الفقيه 1: 266 ح 1216، التهذيب 3: 274 ح 794، الوسائل 5: 468 أبواب صلاة الجماعة ب 68 ح 1 (5) الوافي 8: 1256 (6) الوسائل 5: 329 أبواب الخلل ب 16

[ 318 ]

ثم قال: " لا تعودوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه، فإن الشيطان خبيث معتاد لما عود، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك ". قال زرارة، ثم قال: " إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم " (1). والعلة المنصوصة تفيد العموم في جميع الموارد. وتقرب منها موثقة علي بن أبي حمزة المتقدمة فيمن لم يدر كم صلى (2). والظاهر أن المراد بكثرة الشك في أول الحديث كثرة احتمالات الشك، وفي قوله: " فإنه يكثر عليه ذلك " كثرة نفس الشك وتعدده. وصحيحة الفضيل بن يسار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أستتم قائما فلا أدري ركعت أم لا، قال: " بلى قد ركعت فامض في صلاتك، فإنما ذلك من الشيطان " (3). ووجه الدلالة أن ظاهر قوله: " أستتم قائما " أنه ليس بعد القراءة، بل هو بعد الانتصاب عن الركوع، فليس الشك حينئذ إلا لأجل الوسواس وكثرة الشك. وهناك أخبار اخر تدل على عدم الاعتداد بكثرة السهو أيضا، منها صحيحة محمد بن مسلم (4)، وعلل فيها أيضا بأنه من الشيطان. وعبارة كثير من أصحابنا أيضا أنه " لا حكم للسهو مع كثرته " ونقل عن ظاهر


(1) الكافي 3: 358 ح 2، التهذيب 2: 188 ح 747، الاستبصار 1: 374 ح 1422، الوسائل 5: 329 أبواب الخلل ب 16 ح 2 (2) الفقيه 1: 230 ح 1022، التهذيب 2: 188 ح 746، الاستبصار 1: 374 ح 1421، الوسائل 5: 329 أبواب الخلل ب 16 ح 4 (3) التهذيب 2: 151 ح 592، الاستبصار 1: 357 ح 1354، الوسائل 4: 936 أبواب الركوع ب 13 ح 3 (4) الكافي 3: 359 ح 8، الفقيه 1: 224 ح 989، التهذيب 2: 343 ح 1424، الوسائل 5: 329 أبواب الخلل ب 16 ح 1

[ 319 ]

جماعة منهم التساوي بين الشك والسهو (1)، ويلزمه عدم البطلان بترك الركن، وعدم وجوب الإعادة بتركه، ولاقضاء ما يستلزم القضاء ونحو ذلك. ولكن لم نقف على مصرح بذلك، بل ادعى بعضهم اتفاق العلماء الفقهاء على البطلان لو كان ركنا وتجاوز محله، وأنه يأتي به إن لم يتجاوز، ركنا كان أو غيره، ويقضيه بعدها لو كان مما يقضى، نعم نقل عنهم سقوط سجدتي السهو (2). اقول: ولفظ السهو وإن كان حقيقة فيما حصل العلم به، ولكنه استعمل في الأخبار في الشك في غاية الكثرة، وكذلك في كلام الأصحاب. وقد يستعمل الوهم في الشك أيضا، كما في موثقة عمار عن الصادق عليه السلام: في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشك في الركوع فلا يدري أركع أم لا، ويشك في السجود ولا يدري أسجد أم لا، فقال: " لا يسجد ولا يركع، ويمضي في صلاته حتى يستيقن يقينا " (3) مع أن ما يتعرض له الشيطان غالبا هو الشك. فبذلك يقرب حمل السهو في الأخبار على الشك، مع أن حملها على السهو فقط بعيد، وإرادة القدر المشترك بينه وبين الشك أبعد من إرادة الشك، مضافا إلى قوله عليه السلام في موثقة عمار " حتى يستيقن يقينا " فإنه ينادي بوجوب الاتيان بما سها. والحاصل أن القول بعدم الاعتناء بالسهو - سيما فيما لم يتجاوز المحل - شطط من الكلام، وتخصيص القول بما تجاوز محله تحكم، هذا.


(1) منهم الكركي في شرح الألفية (رسائل المحقق الكركي) 3: 309، والشهيد الثاني في روض الجنان: 343، ونقله عن فوائد الشرائع وتعليق الإرشاد، وإرشاد الجعفرية، والميسية، والمقاصد العلية في مفتاح الكرامة 3: 333 (2) كالشهيد الأول في الذكرى: 229، والشهيد الثاني في روض الجنان: 343، وصاحب المدارك 4: 272 (3) التهذيب 2: 153 ح 604، الاستبصار 1: 362 ح 1372، الوسائل 5: 330 أبواب الخلل ب 16 ح 5

[ 320 ]

ولكن يمكن أن يقال: إن السهو أيضا من الشيطان، فإن مبدأه هو الغفلة والتسامح وإلهاء النفس، وهو اختياري، ويتعقبه النسيان، فأصله ومبدؤه من الشيطان. ويدل عليه قوله تعالى: (وما أنسانيه إلا الشيطان) (1) وقوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا) (2) والعلة المنصوصة في صحيحة محمد بن مسلم، ولكن لما لم نجد قائلا بذلك (3) صريحا من الأصحاب، بل ادعي إجماعهم على خلافه (4) ; فنحمله على الشك. نعم يمكن أن يقال في السهو: إن تدارك ما نسيه المصلي ليس نفس مقتضى السهو، بل هو مقتضى أصل التكليف، فالمراد بعدم الاعتناء بالسهو ورفع حكمه هو عدم الاعتناء بما يتسببه، وهو ليس إلا سجدتي السهو، فإن إتيان الأجزاء المنسية في الصلاة أو في الخارج إنما هو لأجل اقتضاء أصل التكليف، بمعنى أنه نفس المكلف به على وجه، بخلاف صلاة الاحتياط، فإنها مما يمكن أن يصير بدلا عن المكلف به لو لم يفعله في الواقع، لا أنه بدل في الواقع، لعدم العلم بسقوطه في الواقع، ولذلك ورد في الأخبار أنها تحسب نافلة لو لم يكن في الواقع محتاجا إليها (5). ولعل ما ذكرنا هو السر في اقتصارهم على سقوط سجدتي السهو دون تلافي ما فات. ونقل عن جماعة من الأصحاب أنه لا حكم لشك كثير السهو (6)، فكأنهم جعلوا ذلك وجه الجمع بين الأخبار، وهو أيضا ليس بذلك البعيد بالنظر إلى العلة


(1) الكهف: 63 (2) البقرة: 286 (3) في " ص ": ولكن لم نجد قائلا (4) البحار 85: 277 باب أحكام الشك والسهو (5) الوسائل 5: 322 أبواب الخلل ب 11 (6) البيان: 255، المدارك 4: 271.

[ 321 ]

المنصوصة، وإن لم يظهر من أصل الروايات وعموم الأخبار. والعلة تقتضي عدم الفرق بين الأوليين، وغيرهما، وكذلك الفجر والمغرب وغيرهما. ومعنى قولنا " لاحكم للشك مع الكثرة " أنه يبني على الصحة ويمضي في الصلاة، فيبني على فعل المشكوك فيه، إلا إذا اقتضى البطلان، فيبني على عدمه. والأظهر سقوط سجدتي السهو أيضا إذا اقتضاها الشك كصلاة الاحتياط والإعادة. والتمسك بعموم ما دل عليها ضعيف. وهل هو عزيمة بحيث لو عمل بمقتضى الشك فيكون باطلا ؟ قولان، أظهرهما وأشهرهما نعم، فيبطل لو عمل بمقتضاه. ولم نقف على مستند للقول الآخر. وفصل بعض المتأخرين فقال بالبطلان لو فعل ما كانت زيادته مبطلة للصلاة (1). وفيه: أنه إن كان فعله في حال الشك في معنى العمد فلا يتفاوت الحكم فيما تبطل بزيادته الصلاة مطلقا كالركوع، أو عمدا فقط كالسجدة الواحدة، وإن لم يكن ذلك في معنى العمد فليس بسهو أيضا حتى يكون مبطلا في الصورة الاولى دون الثانية. وربما قيل باستحباب ذلك وجواز البناء على الأصل (2)، وهو أيضا ضعيف، لظهور الأخبار في الوجوب، ومنافاته للعلة، فإنه لم يخلص بذلك عن مكيدة الشيطان، فيشككه في الأقل بعد البناء عليه أيضا. ويرجع في تحديد الكثرة إلى العرف كما اختاره جمهور المتأخرين. وقال ابن حمزة: بأنه يحصل بثلاث مرات متوالية (3). وحدده ابن إدريس مرة بأن يسهو في شئ واحد أو فريضة واحدة ثلاث مرات،


(1 و 2) انظر الذخيرة: 371 (3) الوسيلة: 102

[ 322 ]

ومرة بأن يسهو في أكثر الخمس - يعني ثلاث صلوات من الخمس - فيسقط حكمه بعد ذلك (1)، فإن أراد حصول الكثرة بذلك أيضا فحسن، وإلا فلا وجه لهذا التحديد. وأما صحيحة محمد بن أبي حمزة عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو " (2) ففيها إجمال، وأظهر معانيها: أنه إذا لم تحصل له ثلاث صلوات متواليات بدون الشك فهو ممن كثر شكه، ولا دلالة فيها على انحصار كثير الشك في ذلك، وكما أن حصوله يعرف بالعرف، فكذلك الخروج عنه، ولا يعتبر فيه اتحاد المشكوك فيه. ولو كثر شكه في فعل خاص ففي تعديه إلى غيره وجهان، أقربهما العدم، لأن المتبادر من الأخبار المضافة فيها كثرة الشك إلى الصلاة كثرة طبيعة الشك في طبيعة الصلاة، لا الشك في جزء خاص منها، ويفهم الحكم في خصوص هذا الخبر من العلة المنصوصة، لا من أصل الخبر حتى يعارض به ما ذكرنا. ومع الشك في حصول كثرة الشك الأصل عدمه، إلا أن يجد من نفسه أنه من الشيطان، فيبني على الكثرة. وفي حصول كثرة الشك بما استقر الظن على أحد طرفيه بعد التروي وبما حصل في النافلة وجهان، أقربهما نعم، ولكن إذا اختص بالنافلة ولا يتعداها فحكمه ما مر في الجزء الخاص. ثم إن علاج كثرة الشك يمكن بامور يستحب الإقدام عليها والاهتمام بها، أغلبها التفكر في عظمة المعبود، وكونه العالم للغيب والشهادة، القادر الضار النافع الرازق المحيي المميت المنعم الصمد لاغيره، وفى عجز نفسه وذاته وهوانها عنده، وفي فناء الدنيا ولذاتها، وبقاء نعيم الآخرة وعظمتها، وشدة العذاب وعدم


(1) السرائر 1: 248 (2) الفقيه 1: 224 ح 990، الوسائل 5: 330 أبواب الخلل ب 16 ح 7

[ 323 ]

طاقته له، فمع ذلك تنقطع علاقته عما سواه، ويتوجه إليه فلا يشك إلا نادرا. وبعده الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. وأن يطعن فخذه الأيسر بإصبعه المسبحة اليمنى إذا دخل في الصلاة، ويقول: " بسم الله وبالله، توكلت على الله، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " فإنه يزجره ويطرده عنه، كما رواه السكوني عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله (1). او يقول إذا دخل الخلاء: " بسم الله وبالله، أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم " كما رواه في الفقيه أيضا عن الصادق عليه السلام (2)، وهذا أشمل من الأول. ومن جملة ما ورد في الأخبار اختصار الصلاة وتخفيفها (3). ومنها: الاحصاء بالحصى، وبخاتمه بأن يحوله من مكان إلى مكان (4)، وغير ذلك (5). التاسع: روى محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن السهو في النافلة، قال: " ليس عليك شئ " (6) وفي بعض النسخ " سهو " مقام شئ. وفي مرسلة يونس المتقدمة، قال: " ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه باتفاق منهم، وليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام، ولا سهو


(1) الكافي 3: 358 ح 4، الفقيه 1: 223 ح 984، الوسائل 5: 345 أبواب الخلل ب 31 ح 1 (2) الفقيه 1: 17 ح 42 الوسائل 1: 217 أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 8 (3) الوسائل 5: 335 أبواب الخلل ب 22 (4) الوسائل 5: 343 أبواب الخلل ب 28 (5) الوسائل 5: 347 أبواب الخلل ب 33 (6) الكافي 3: 359 ح 6، التهذيب 2: 343 ح 1422، الوسائل 5: 331 أبواب الخلل ب 18 ح 1

[ 324 ]

في سهو، وليس في المغرب والفجر سهو، ولا في الركعتين الاوليين من كل صلاة، ولا في نافلة " (1). واتفق الأصحاب - على ما نقله في المعتبر - على جواز البناء على الأكثر في النافلة (2)، واستدلوا عليه بالروايتين (3)، وفى دلالتهما على المطلوب خفاء. ووجه الاستدلال في الاولى: أنه ليس عليك شئ من فعل أو إعادة أو صلاة احتياط أو سجدتي سهو، وحاصله البناء على الصحة كما في كثير الشك. وفي الثانية: مع مراعاة تناسق القرائن المذكورة أنه لا حكم للسهو في المذكورات، بمعنى أنه إما يحكم بالبطلان رأسا، أو يحكم بالصحة من دون تدارك وتلاف في المحل وخارجه، وسجدتي سهو ونحو ذلك، سواء كان الحكم بالصحة من جهة عدم اختلال وحصول شك كما في المأموم والإمام، أو من جهة جعله في حكم ذلك كما في كثير الشك. فما يحكم بالبطلان رأسا فيه هو الشك في الأوليين والفجر والمغرب، ومما يحكم بالصحة بالمعنى الأول هو حكاية الإمام والمأموم، وما يحكم بالصحة بالمعنى الثاني هو النافلة، والسهو في السهو كما سنحققه، فالجامع بين القرائن هو أنه لا يعامل فيها معاملات الشك وما يترتب عليه من الأفعال. والقرينة المعينة لجعل النافلة من القسم الثاني من الصحة دون البطلان أنه لو قلنا ببطلانها لكان الأمر فيها أشد من الفريضة، والمقصود في الرواية التسهيل، مع أن الأمر في النافلة أسهل بالذات. وبالجملة هذه الرواية مع الإجماع المنقول تكفي في المطلوب، وتؤيده الصحيحة الاولى إن لم نقل بدلالتها عليه وظهورها فيه أيضا.


(1) الكافي 3: 358 ح 5، التهذيب 3: 54 ح 187، الوسائل 5: 340 أبواب الخلل ب 24 ح 8 (2) المعتبر 2: 395 (3) الوسائل 5: 331 أبواب الخلل ب 18

[ 325 ]

والمشهور أن البناء على الأقل أفضل، للاستصحاب، والأخبار الدالة على عدم نقض اليقين بالشك، وخصوص ما رواه الكليني مرسلا مقطوعا " أنه إذا سها في النافلة بنى على الأقل " (1). وقد حمل الأكثر كل ما دل على البناء على الأقل من الأخبار على النافلة، ومقتضى هذه الأدلة وإن كان هو الوجوب، لكن الإجماع المنقول والشهرة والروايتين أخرجتها في النافلة عن الظاهر. ثم إن ظاهر الخبرين الأولين عدم الفرق بين عدد الركعات والأجزاء. وقال في المدارك: إن أحكام الفريضة جارية فيها إلا في عدد الركعات وسجدتي السهو (2)، لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (3). وفيه: أن عموم ما دل على أحكام الشك بحيث ينصرف إلى النافلة محل تأمل، وظاهر رواية يونس (4) سيما مع ملاحظة القرائن يفيد عدم الاعتناء بالشك فيها مطلقا، وكذلك صحيحة محمد بن مسلم. نعم يمكن الإشكال في شمول الرواية للصلوات المتعددة، كالشك في كون الركعتين الاوليين من نافلة الظهر مثلا أو الركعتين الثانيتين، وهكذا. ولا يبعد تعميم المرسلة لذلك، وإن كان الأحوط البناء على الأصل. العاشر: لا عبرة بالشك بعد الصلاة، ولا للسهو في السهو. اما الأول: فيدل عليه مضافا إلى أن الأمر يقتضي الإجزاء وعمومات ما دل على عدم الاعتناء بالشك مع الخروج عن محله صريح صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة


(1) الكافي 3: 359 ح 9، الوسائل 5: 331 أبواب الخلل ب 18 ح 2 (2) المدارك 4: 274 (3) الكافي 3: 359 ح 6، التهذيب 2: 343 ح 1422، الوسائل 5: 331 أبواب الخلل ب 18 ح 1 (4) الكافي 3: 358 ح 5، التهذيب 3: 54 ح 187، الوسائل 5: 340 أبواب الخلل ب 24 ح 8

[ 326 ]

في حكم أجزاء الثنائية والثلاثية (1). وهل يجري حكم الظن في ذلك أم يختص بحال الصلاة ؟ يحتمل ذلك، للعموم، فلو ظن بنقص بعد الصلاة فيتمه إن أمكن ولم يمنعه مانع ولم يتخلل مبطل. ويحتمل القول بالبطلان، لأن ما اقتضاه الدليل في الإتيان بركعة اخرى إنما كان في صورة النسيان، فإلحاق الظن بالعلم إنما يثبت به كون الركعة في حكم معلومة الترك، وهو لا يستلزم كونه في حكم السهو في ذلك، فلعل حكمه البطلان. وكذلك القول بوجوب سجدتي السهو لأجل التسليم. ويحتمل كونه في حكم الشك، فلاعبرة به، ويحكم بصحة الصلاة، لأن الأمر يقتضي الإجزاء، والإعادة فرض جديد، والتكليف بركعة اخرى لم يثبت، واستصحاب شغل الذمة مدفوع بمنع الاشتغال حتى بالإعادة والتتميم أيضا، ولأن هنا تكليفا واحدا مبنيا على وسعه وطاقته، وتكليفه في حال الصلاة ما اقتضاه زعمه وقد تمت، وهذا أظهر الاحتمالات، والأول أحوطها. ولو كان ظنه موجبا للبطلان كزيادة ركعة مثلا ففيه وجهان، أظهرهما الصحة، ويظهر وجهه مما تقدم. ولو كان غير مناف للصحة فيبني عليه. ولا تدارك عليه فيما فيه تدارك، كما لو شك بين الثلاث والأربع بعد الصلاة وغلب وهمه في الأربع فيبني عليه، ولا احتياط عليه، لعموم ما دل على اعتبار الظن من رواية صفوان (2) وغيرها، لأن مع الشك يبني عليه كذلك، فمع الظن أولى. وأما السهو في السهو، فهذا كلام مذكور في ألسنة الفقهاء، وفي بعض


(1) التهذيب 2: 344 ح 1426، الوسائل 5: 336 أبواب الخلل ب 23 ح 3 (2) الكافي 3: 358 ح 1، التهذيب 2: 187 ح 744، الاستبصار 1: 373 ح 1419، الوسائل 5: 327 أبواب الخلل ب 15 ح 1

[ 327 ]

الروايات، كحسنة حفص بن البختري (1)، ومرسلة يونس (2). والظاهر أن حقيقة اللفظ غير مرادة، والمجازات المحتملة فيه في غاية الكثرة متشعبة من إرادة السهو في اللفظين والشك فيهما، أو السهو في الأول والشك في الثاني أو بالعكس، ويحتمل إرادة القدر المشترك بينهما من اللفظين على التفصيل المذكور، سواء كان بعنوان عموم المجاز أو استعمال اللفظ في المعنيين. والتفصيل: أنه إما يراد أنه لاحكم للسهو في السهو، بمعنى أنه إذا سها في أنه سها في شئ فليس عليه شئ من سجدتي السهو أو غيرها من أجل هذا السهو. او يراد أنه لا حكم للشك في الشك، بمعنى أنه إذا شك أنه هل شك أم لا فلا يعتني به، لأن الأصل عدمه، فيرجع إلى الحالة التي هو فيها ولا ثمرة في هذا الكلام إلا على القول بأن محض حصول الشك يوجب حكمه وإن وقع ظنه أو قطعه على أحد الطرفين بعد التروي. نعم قد يثمر الشك في الشك إذا كان الشك في أنواع الشك بعد علمه بوقوعه في الجملة، مثلا شك في أن شكه هل كان بين الاثنتين والأربع، أو الثلاث والأربع، فالظاهر أنه يرجع إلى الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، فيصلي ركعتين من قيام وركعتين من جلوس كما قالوه. والظاهر أنه كذلك أيضا لو شك أنه هل شك بين الاثنتين والثلاث أو الثلاث والأربع. ولو شك أنه هل شك بين الثلاث والأربع أو الأربع والخمس فيرجع إلى الشك بين الثلاث والأربع والخمس، وقد مر حكمه، وهكذا. وإن شك في شئ من أفعال الصلاة ولم يتجاوز محله، ثم شك أنه هل فعله أم لا، فالأظهر وجوب الإتيان به. واحتمال اندراج ذلك في المسألة المبحوثة، أعني


(1) الكافي 3: 359 ح 7، التهذيب 2: 344 ح 1428، الوسائل 5: 340 أبواب الخلل ب 25 ح 1 (2) الكافي 3: 358 ح 5، التهذيب 3: 54 ح 187، الوسائل 5: 341 أبواب الخلل ب 25 ح 2

[ 328 ]

عدم الحكم للشك في الشك وأنه مبني على الصحة جار، فإن أعاد الصلاة مع ذلك كان أحوط. او يراد أنه لاحكم للسهو في موجب السهو، كسجدتي السهو، فإن اريد سهو نفس السجدتين فقد مر حكمه أنه يجب عليه فعلها متى ذكرهما، وإن اريد السهو في شئ من واجباتها فإن كان هو أحد السجدتين فالأحوط بل الأظهر وجوب الإتيان بها قبل الدخول في التشهد، وإن كان بعد الدخول فيه فالأظهر عدم الوجوب، وإن كان الأحوط الرجوع وإعادة السجدتين بعد التمام. وإن كان في شئ من الواجبات من الأذكار وغيرها، فإن كان قبل الرفع فيأتي به، وإن كان بعده فلا يجب، وأن الأحوط الإعادة، ولا تجب سجدتا السهو في شئ من الخلل الواقع فيها للأصل. ومما ذكرنا يظهر حكم الأجزاء المنسية، فيقضي متى ذكرها لو نسيها ويأتي بما نسي من أجزائها ما لم يفت محلها ولا شئ عليه إذا فات. والكلام في سجدتي السهو فيهما ما مر، للأصل. او يراد أنه لا حكم للسهو في الشك، فإن اريد منه السهو في نفس الشك، يعني أنه سها أنه شك فلا شئ عليه من أجل السهو فهو كذلك، ولكنه يأتي بموجب الشك بعد التذكر. وإن اريد أنه لا حكم للسهو في موجب الشك، فإن اريد سهو نفس موجب الشك كصلاة الاحتياط وسجدتي السهو فهو باطل، لوجوب الإتيان بهما متى ذكرهما. وإن اريد نفي وجوب سجدتي السهو في السهو الحاصل فيهما، فهو أيضا موافق للأصل وموثقة عمار الآتية (1)


(1) في ص 315، وهي في التهذيب 2: 353 ح 1466، والوسائل 5: 346 أبواب الخلل ب 32 ح 2

[ 329 ]

وإن اريد أنه لا يجب عليه حكم في سهو جزء من أجزائها فهو وإن كان موافق للأصل أيضا فيما جاوز المحل، ولكن الأحوط في صلاة الاحتياط أن يعامل بها معاملات الصلاة، ولم يظهر دليل على وجوبه، سيما مع ملاحظة موثقة عمار الآتية (1) والروايتين المتقدمتين (2) وأن الأمر يقتضي الإجزاء. وإن اريد نفي سجدتي السهو فهو كذلك، للأصل، وموثقة عمار، وغيرها (3). او يراد أنه لاحكم للشك في موجب الشك، فإن اريد منه الشك في فعله وتركه فيجب الإتيان به، لأن الأصل عدم الإتيان، ولا يستفاد من الروايات نفي الحكم عن ذلك. وإن اريد الشك في أجزاء موجب الشك، مثل أن يشك في عدد ركعات صلاة الاحتياط أو أفعالها أو عدد سجدتي السهو أو أفعالهما ; فالمشهور أنه لا يلتفت إليه ويبني على الصحة بالمعنى الذي مر في كثير الشك، وبهذا فسر العلامة في المنتهى قول الفقهاء " لاسهو في السهو " (4). ولا فرق في ذلك بين بقاء وقت المشكوك فيه وعدمه. او يراد أنه لاحكم للشك في السهو، فإن اريد الشك في أنه سها أم لا فهو لا (5) يرجع إلا إلى الشك في الفعل. وإن اريد الشك في أن ما سهاه هل هو سجدة مثلا أو تشهد بعد اليقين بالسهو، فالأحوط الإتيان بهما ويسجد سجدتي السهو مرة. وإن شك أنه ركوع أو سجدة فيقضي السجدة ويسجد للسهو، والاحتياط في الإعادة، وإن كان الأظهر عدمها،


(1) في ص 315، وهي في التهذيب 2: 353 ح 1466، والوسائل 5: 346 أبواب الخلل ب 32 ح 2 (2) وهما حسنة حفص بن البختري ومرسلة يونس المتقدمتان في ص 327 (3) الوسائل 5: 346 أبواب الخلل ب 32 (4) المنتهى 1: 411 (5) في " م "، " ح ": ولا

[ 330 ]

لأن الأمر يقتضي الإجزاء، والإعادة كالقضاء فرض جديد، بل لا يبعد القول بعدم وجوب قضاء السجدة أيضا. وكذلك لا يبعد القول بعدم وجوب شئ عليه في الصورة الاولى أيضا، نظرا إلى شمول الروايتين لها على الظاهر، أو على الاحتمال على ما بينته. وإن اريد الشك في موجب السهو، فإن كان في فعله مثل الشك في فعل سجدتي السهو فقد مر أنه يأتي به. وإن اريد الشك في عدده وأجزائه فالأحوط قبل الخروج عن محله الإتيان به، وبعد الخروج لا شئ عليه. إذا عرفت هذه الاحتمالات وموافقتها للأصل ومخالفتها فارجع إلى الأدلة ولاحظ ما ورد في أحكام السهو والشك، وأنها هل تشمل هذه الصور المفصلة أم لا، ثم لاحظ ما ورد مما هو قابل للتخصيص، وهما الروايتان المتقدمتان، وهما حسنة حفص بن البختري (1)، ومرسلة يونس القوية (2) ; المتضمنتان لأنه لا سهو في سهو، ولاسهو على سهو، وموثقة عمار المتقدمة في مقامات سجدتي السهو، و في جملتها: " وليس في شئ مما تتم به الصلاة سهو " (3). وتؤيدها موثقة سماعة (4) وصحيحة الفضيل (5) المتقدمتان هناك أيضا ; القائلتان " إن من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو ". فنقول: إن الروايتين الاوليين إن لم نقل مع ملاحظة القرائن الخارجية بظهورها في أكثر الاحتمالات المذكورة فلا أقل من كونهما محتملتين فتكونان مجملتين، والعام المخصص بالمجمل ساقط من الحجية في قدر الإجمال، فلا تبقى مقتضيات


(1) الكافي 3: 359 ح 7، التهذيب 2: 344 ح 1428، الوسائل 5: 340 أبواب الخلل ب 25 ح 1. (2) الكافي 3: 358 ح 5، التهذيب 3: 54 ح 187، الوسائل 5: 341 أبواب الخلل ب 25 ح 2 (3) التهذيب 2: 353 ح 1466، الوسائل 5: 346 أبواب الخلل ب 32 ح 2 (4) الكافي 3: 355 ح 4، الوسائل 5: 337 أبواب الخلل ب 23 ح 8 (5) الفقيه 1: 230 ح 1018، الوسائل 5: 337 أبواب الخلل ب 23 ح 6

[ 331 ]

العمومات من الصحة والبطلان والأعمال الخاصة في الشك والسهو باقية على عمومها بحيث تشمل موارد الاحتمالات، مع عدم إمكان الشمول في البعض كما لا يخفى. وكذلك مقتضى العمومات الدالة على وجوب أداء الصلاة على ما هي عليه في نفس الأمر بأجزائها وشرائطها حينئذ، حتى يقال إن براءة الذمة لا تحصل مع عدم الاعتناء بالسهو في أمثال ذلك. والحاصل أن الظاهر من الروايتين، سيما مع ملاحظة القرائن السابقة واللاحقة لهذه العبارة أنه يبنى فيه على الصحة مثل كثير الشك كما أشرنا إليه في السهو في النافلة (1)، وأن حاله أسهل من غيره، واحتمال المحتملات لا ينافي ظهور هذا المعنى. ولا معنى لجريان أحكام الشك والسهو فيها مثل نفس الصلاة حينئذ، لأنه لا يبقى حينئذ فرق بينهما، فلم يبق وجه لجعله أسهل من غيره. ومن هذا يندفع احتمال بطلان الصلاة أو سجدتي السهو أو الأجزاء المنسية بالشك والسهو وصحتها مع العمل بمقتضياتها في الصلاة يوجب عدم الفرق بينها وبين الصلاة، فيبقى الحكم بالصحة بدون العمل على ما يقتضيها في الصلاة. ومن هذا يندفع احتمال المعارضة بالتعليل الوارد في موثقة سماعة (2) المتقدمة في مبحث الشك في الثنائية والثلاثية المقتضية لبطلان الثنائية من صلاة الاحتياط بالشك لو سلم شمولها لها. فهذه القاعدة - أعني التخصيص بالمجمل في الروايتين - مع انضمام ما يستفاد من تتبع تضاعيف الأخبار الواردة في الشك والعلل المستفادة منها أن موجبات الشك والسهو - بفتح الجيم - إنما هي من نتائج أفكار الشيطان، وملاحظة الرواية الواردة في أن الفقيه لا يعيد الصلاة (3) مع انضمام موثقة عمار وغيرها يكفي في أن الحكم


(1) ص 324 (2) التهذيب 2: 179 ح 720، الاستبصار 1: 366 ح 1394 الوسائل 5: 305 أبواب الخلل ب 2 ح 8 (3) التهذيب 2: 193 ح 760، الاستبصار 1: 375 ح 1424، الوسائل 5: 320 أبواب الخلل ب 9 ح 3

[ 332 ]

في جميع المحتملات البناء على الصحة، وعدم لزوم شئ من سجدتي السهو أو الإعادة أو القضاء ونحو ذلك. نعم يقع الإشكال في الأجزاء المنسية في المذكورات مع بقاء محلها، فإن الظاهر وجوب الإتيان لا لأنه مقتضى السهو، بل لأنه مقتضى نفس التكليف بها. ولم يظهر من هذه الأدلة ظهور سقوط حكمها، ولم يحصل لما دل على الإتيان بنفس هذه التكاليف إجمال بسبب هذه الروايات بالنسبة إلى هذه الأجزاء. ويؤيد ما ذكرنا قوله عليه السلام في حسنة حفص: " ولا على الإعادة إعادة " فإنها تدل على أن الصلاة المعادة لأجل الشك لا تعاد من جهة شك أو سهو، وهو موافق للعلة الواردة في غيرها في أن الإعادة متابعة للشيطان، فإن من المجرب أن من يعيد صلاته لأجل شك ; يشك فيها ثانيا بنفس ما شك في الاولى غالبا. ولكن لم نقف على قائل بذلك صريحا. والمشهور عدم العمل بذلك إلا مع كثرة الشك. وربما قيل: يظهر من هذه العبارة أن كثرة الشك تحصل بالمرتبة الثانية، وهو أيضا مشكل نعم يمكن القول به من جهة ظهور أنه من عمل الشيطان، والعلة المنصوصة تقتضي ذلك.

[ 333 ]

المقصد الرابع في الفوائت وفيه مباحث: الأول: الحق عدم وجوب ما فات في الوقت في خارجه إلا بدليل جديد كما حققناه في الاصول (1). فلا يجب مع الشك بالفوت، بل وظنه، فهذا أصل موافق لأصل البراءة وأصالة عدم التكليف. والذي وصل إلينا من العمومات والإطلاقات التي تكون بمنزلة القانون في وجوب القضاء بعد وضع الموارد الخاصة التي ثبت وجوب القضاء فيها بالنص والإجماع هي الروايات الدالة على أنه يجب على من فاتت منه صلاة أن يفعلها إذا ذكرها (2) ولكن الإشكال في معنى الفوت، والتفرقة بين مثل الحائض والمجنون وفاقد الطهور على قول، وبين الناسي والنائم. وقد يفرق بأن عدم وجوب القضاء على مثل الحائض لفقدان الشرط وهو


(1) القوانين: 133 (2) الوسائل 5: 347 أبواب قضاء الصلوات ب 1

[ 334 ]

الحيض ; فلم تفت منها، ووجوبه على الساهي والنائم لوجود المانع. وهو تحكم، وكما يجوز أن تكون الطهارة شرطا يجوز أن يكون الحيض مانعا، وكما يجوز أن يكون التمكن من الطهور شرطا يجوز أن يكون فقدان الماء مانعا وهكذا يحتمل كون اليقظة شرطا كما يحتمل كون النوم مانعا، مع أن عدم المانع أيضا شرط من الشروط. نعم يمكن أن يرجع في فهم الفوت إلى العرف. لا يقال: هذا أمر شرعي لا مدخل للعرف فيه، فإن كون الشئ مراد الشارع وغير مراده إنما يعلم منه من العرف. لأنا نقول: إن من المحقق عند العقل والعرف والعادة أن المدار في الإطاعة والامتثال على الظنون، فكما يحسن بل يجب على المسافر تهيئة الزاد للسفر، ولملاقي العدو أخذ الحذر والسلاح مع احتمال الفوت (1) قبل الاحتياج إلى الزاد ، وقبل لقاء العدو، فكذلك للصحيح السالم في أول الوقت التهيؤ للصلاة بل الدخول فيها بنية الوجوب مع احتمال الهلاك قبل التمام، وكذلك نية الصيام في الليل، والسفر إلى الحج قبل الموسم، وأمثال ذلك. وهكذا الكلام في سائر أحوال المكلفين فالظاهر في العقلاء الأصحاء الخالين عن الموانع كونهم مكلفين، فلما كانوا في نظر أهل العرف مستعدين لفعلية تعلق التكليف، وقابلين لحصول العبادة منهم يصح في العرف أن يقال لمن سها أو نام منهم ولو قبل دخول الوقت حتى خرج الوقت: إن الصلاة فاتت منه، بخلاف الصغير والمجنون. ونظير ذلك أن أهل العرف يقولون للتاجر المالك القنية الطالب للاسترباح إذا حصل له مانع من سفر خاص: إنه فات منه هذا الربح، بخلاف الفقير الذي لاقنية


(1) في " ص ": الفوات

[ 335 ]

ولا أهلية للتكسب له من جهة عدم الأسباب. ثم في كل مورد حصل للمجتهد ظن بالفهم العرفي وصدق الفوات فيحكم بالقضاء كالنائم والناسي، وكل موضع يحصل الظن بعدمه فيحكم بالعدم كالصغير والمجنون، وما يشكل عليه الأمر في الفهم فيرجع إلى الأصل. ومن المواضع المشكلة الحائض، فيمكن القول بالفوات وعدم وجوب قضاء الصلاة من دليل خاص، والقول بالعدم ووجوب القضاء في الصوم من دليل خاص. فلنفصل بعض التفصيل ونقول: يجب القضاء على من ترك صلاة فريضة مع استكمال شرائطها، أو أخل بها لنوم أو نسيان، لخصوص الأخبار في النوم والنسيان، وعمومها في غيرهما، فإن المستفاد منها وجوب القضاء على من فاتته الصلاة. والأخبار كثيرة معتبرة لا حاجة إلى ذكرها (1)، وتجئ الإشارة إلى بعضها. ولا يجب القضاء على المجنون والصغير بالإجماع، بل الضرورة، وكذا لا يجب قضاء الصلاة على الحائض والنفساء بالإجماع. وقد مر التفصيل والكلام فيما لو أدركتا الوقت طاهرتين في آخره بمقدار الطهارة وركعة، وأنه يجب عليهما الإتيان بهما، ولو تركتا يجب عليهما قضاؤها ; بخلاف ما لو أدركتا هذا المقدار في أول الوقت. وقد مر الكلام في فاقد الطهور أيضا، وأن فيه قولين ; أظهرهما، الوجوب، لقوله صلى الله عليه وآله: " من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته " (2). والمناقشة في أن هذه الصلاة ليست بفريضة عليه ; ليس في محلها إذ الظاهر أن الفريضة صارت حقيقة في الصلاة المعهودة الواجبة، أو صارت مجازا مشهورا، مع أنه منقوض بالنائم والناسي.


(1) الوسائل 5: 347 أبواب قضاء الصلوات ب 1 (2) عوالي اللآلي 2: 54 ح 143، وج 3: 107 ح 150

[ 336 ]

وفى رواية زرارة: " إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت اخرى، فإن كنت تعلم أنك إذا صليت الفائتة كنت من الاخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك " (1) الحديث، وليس فيها التقييد بالفريضة. والخدشة بأن قوله عليه السلام: " فذكرتها " ظاهر في الناسي ليس على ما ينبغي، لعدم المنافاة، ولا ينحصر تحقق التذكر بسبق النسيان حال الفوت. وقال في روض الجنان: إنه يشمل ما لو ذهل فاقد الطهور عن الصلاة بعد وجود المطهر وذكرها في وقت اخرى، فيجب عليه حينئذ قضاؤها، للأمر به في الحديث (2)، ولا قائل بالفرق. وتؤيده صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: فيمن صلى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها، قال: " يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة " (3) الحديث. واستدل عليه أيضا بروايته الاخرى القوية عنه عليه السلام: " إذا نسي الرجل صلاة أو صلاها بغير طهور وهو مقيم أو مسافر فذكرها، فليقض الذي وجب عليه لا يزيد ولا ينقص " (4) الحديث فإنه يشمل العاجز عن تحصيل الطهور، وإذا وجب مع الصلاة فمع تركها أولى. واحتج المانع بأن القضاء هو الإتيان بما فات من الواجب، والمفروض أن الأداء ليس بواجب، فالقضاء أيضا ليس بواجب، وبأن القضاء إنما هو بالفرض الجديد، ولا دليل عليه. والجواب عن الأول بمنع لزوم تعلق الوجوب في الوقت في تحقق مفهوم القضاء،


(1) الكافي 3: 293 ح 4، التهذيب 2: 172 ح 686، وص 268 ح 1070، الاستبصار 1: 287 ح 1051، الوسائل 3: 209 أبواب المواقيت ب 62 ح 2 (2) روض الجنان: 358 (3) الكافي 3: 292 ح 3، التهذيب 2: 171 ح 681، وص 266 ح 1059، الاستبصار 1: 286 ح 1046، الوسائل 3: 199 أبواب المواقيت ب 57 ح 1 (4) الفقيه 1: 282 ح 1283، التهذيب 3: 225 ح 568، الوسائل 5: 359 أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 4

[ 337 ]

وقد عرفت الأمر الجديد. ويجب القضاء على من فاتته الصلاة من أجل شرب مرقد أو مسكر، للعمومات. وتخصيص جماعة إياه بما لم يكن مكرها وغير عالم لا وجه له، للعمومات والإطلاقات. ولا دلالة للعلة الآتية في المغمى عليه على ما نحن فيه، مع أنها منقوضة بالنائم والساهي إذا كانا خارجين عن تحت الاختيار. والقول بأن جميع المبادئ فيهما اختيارية، بعيد، مع إمكان جريان ذلك في المكره بالمرقد والمسكر. وفي المغمى عليه قولان، أصحهما عدم الوجوب، للأخبار الكثيرة الصحيحة وغيرها، ومن جملتها حسنة حفص بن البختري عن الصادق عليه السلام، قال: سمعته يقول في المغمى عليه قال: " ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر " (1). وفي حسنة عبد الله بن سنان عنه عليه السلام، قال: " كلما غلب الله عليه فليس على صاحبه شئ " (2). وظاهر الصدوق في المقنع الوجوب (3) لظواهر الأخبار الصحيحة وغيرها (4)، وموافقة الأخبار الأولة للأصل وعمل الأصحاب ونفي العسر والحرج يرجح العمل عليها. والأولى حمل هذه على الاستحباب كما تشعر به بل تدل عليه رواية منصور بن


(1) الكافي 3: 413 ح 7، التهذيب 3: 302 ح 923، الاستبصار 1: 457 ح 1770، الوسائل 5: 353 أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 13 (2) التهذيب 4: 245 ح 726، الوسائل 5: 355 أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 24 (3) المقنع (الجوامع الفقهية): 10 (4) الوسائل 5: 356 أبواب قضاء الصلوات ب 4

[ 338 ]

حازم، عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن المغمى عليه شهرا أو أربعين ليلة قال، فقال: " إن شئت أخبرتك بما آمر به نفسي وولدي: أن تقضي كل ما فاتك " (1) ويقرب منها رواية أبي كهمس (2). وكذلك يحمل ما دل من الأخبار على قضاء اليوم الذي أفاق فيه أو ثلاثة أيام أو غير ذلك على مراتب الاستحباب. ويمكن أن يراد من اليوم الذي أفاق فيه الصلاة التي أفاق في وقتها كما يظهر من صحيحة الحلبي (3) وصحيحة ابن أبي عمير (4). ثم إن الظاهر من العلة المذكورة في حسنة حفص هو وجوب القضاء إذا تسبب هو في الإغماء (5)، والأظهر العدم، للأصل، وإطلاق سائر الأخبار، وأنها واردة مورد الغالب، مع أنها معارضة بما ورد في الساهي والنائم (6). وإجراء هذه العلة في المرقد والمسكر أضعف، لأن النسبة بين ما دل على وجوب قضاء ما فات من الإنسان وهذه العلة عموم من وجه، والأول أقوى، لظاهر الإجماع المنقول كما يظهر من الذكرى، فإنه أسنده إلى الأصحاب، سيما مع الحكم بوجوب القضاء على النائم والناسي (7). فإن قلت: إن العمومات تشمل المغمى عليه أيضا. قلنا: الأخبار الواردة فيه خاصة، والخاص مطلقا مقدم على العام، ولا يضر


(1) التهذيب 4: 245 ح 725، الوسائل 5: 358 أبواب قضاء الصلوات ب 4 ح 13 (2) التهذيب 4: 245 ح 724، الوسائل 5: 357 أبواب قضاء الصلوات ب 4 ح 12 (3) الفقيه 1: 236 ح 1040، التهذيب 3: 304 ح 933، الاستبصار 1: 459 ح 1780، الوسائل 5: 352 أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 1 (4 و 5) الكافي 3: 413 ح 7، التهذيب 3: 302 ح 923، الاستبصار 1: 457 ح 1770، الوسائل 5: 353 أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 13 (6) الوسائل 5: 347 أبواب قضاء الصلوات ب 1 (7) الذكرى: 135

[ 339 ]

كون العلة أعم من وجه من تلك العمومات. ولا يجب القضاء على الكافر الأصلي إذا أسلم، لأن الإسلام يجب ما قبله، ولعله من المتواترات، وللإجماع، بل قيل: إنه ضروري. وهذا في غير من انتحل الإسلام من الكفار مثل الغلاة والخوارج والنواصب، فإن حكمهم حكم المخالفين، وحكمهم أنهم ما لم يستبصروا فلا تصح صلاتهم ولا تقبل منهم عبادة، لأنهم أخذوها من غير موضعها. وذلك نظير من لم يكن مجتهدا أو لم يأخذ عن مجتهد وإن طابقت عبادته الواقع، فإنهم يحكمون ببطلانها، فكذلك من لم يأخذ دينه من الأئمة. ولأن عبادتهم فاقدة لشرائط الصحة غالبا، والإجماع والأدلة قائمة على بطلان العبادة الغير الجامعة لشرائط الصحة، مثل أنهم يمسحون بالماء الجديد، ويغسلون أرجلهم في الوضوء، ويتركون التسمية في القراءة وأمثال ذلك. وللأخبار الكثيرة المصرحة بأنه لا يقبل منهم عمل، وأن أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ; المذكورة في الكافي لانطيل بذكرها (1). ولا إشكال في هذا الحكم في المعاندين منهم المصرين على متابعتهم الآباء والامهات، فإنهم لا يؤجرون عليه أصلا وقطعا. وأما المستضعفون الجاهلون فلا دليل على حرمانهم من الأجر مطلقا، وقد بينا في القوانين أن الجاهل إجمالا وتفصيلا معذور، وإنما الذي لا يعذر هو العالم بالإجمال، الجاهل بالتفصيل، المقصر في التحصيل. وأما بعد الاستبصار ففيه أقوال ثلاثة، أقواها موافقا للمختلف (2) والذكرى (3): أنه لا يجب عليهم قضاء ما فعلوه إلا الزكاة التي أعطوها غير المؤمنين، وأنهم يثابون


(1) الكافي 1: 183 ح 8 وج 2: 18 ح 5. (2) المختلف 3: 307. (3) الذكرى: 135

[ 340 ]

بما فعلوا ويكتب لهم. وهذا ليس بمعنى الحكم بكونها صحيحة في نفس الأمر، لينافي ما قدمناه، بل ذلك بفضل من الله سبحانه. والقول بأن قبولها مشروط بشرط متأخر وهو الإيمان، فإذا لحقها تمت الصحة ; ضعيف، كما لا يخفى على المتأمل فيما تقدم وما سيأتي. فإن قلت: إنهم يشترطون في سقوط القضاء وقوع العبادة صحيحة عندهم وصحيحة عندنا على إشكال فيه فهذا ينافي ما ذكرته من عدم الصحة سابقا، وإسقاط القضاء بذلك أيضا شاهد على الصحة. قلت: إنما قلنا بسقوط القضاء للأخبار الواردة في أنه لا تجب عليهم إعادة ما صلوا وصاموا، لا لأنهم صلوا وصاموا (1)، ولكن لما كان الظاهر المتبادر من السؤال والجواب السؤال عن الصلاة الصحيحة عندهم فاقتصرنا عليه، وأما الصلاة الفاسدة فيجب قضاؤها بالإجماع كما لو كانوا تركوها رأسا، وتدل عليه العمومات أيضا. وهذا ليس مثل الإسلام الذي يجب ما قبله، وحكمة الفرق: أن الكافر لا يترك الصلاة اجتراءا على الله، لأنه لا يعتقد وجوبها عليه، بخلاف المخالف. بقي الكلام في الإشكال الذي ذكرناه فيما كانت صحيحة عندنا دونهم، فربما قيل بكفايته مثل الصحيحة عندهم (2)، وربما قيل بالأولوية (3)، وربما قيل بعدم الكفاية أصلا، لأنهم يعتقدون فسادها فلا يمكنهم التقرب بها، مع أنه يقرب من المحال فعلهم موافقا لنا من غير جهة المأخذ أيضا (4)، والوجهان الأولان باطلان، لمنع


(1) الوسائل 1: 97 ابواب مقدمة العبادات ب 31. (2) الذكرى: 135. (3) روض الجنان: 356. (4) حكاه في روض الجنان: 356 وقد يستفاد من رياض المسائل 4: 273.

[ 341 ]

تبادرهما من الأخبار، ومنع الأولوية فتعين الثالث. فلنذكر من الأخبار روايتين إحداهما تدل على بطلان عملهم مطلقا، والثانية على أنها تجديهم وتكتب لهم بعد الاستبصار. فالأول هو ما رواه الكليني في الحسن - لإبراهيم بن هاشم - عن الباقر عليه السلام في ذيل حديث طويل: " أما لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته ما كان له على الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان " (1). والثاني هو ما رواه الكليني في الحسن، عن الفضلاء، عن أبي جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام: أنهما قالا في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحرورية والمرجئة والعثمانية والقدرية ثم يتوب ويعرف هذا الأمر ويحسن رأيه، أيعيد كل صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حج، أو ليس عليه إعادة شئ من ذلك ؟ قال: " ليس عليه إعادة شئ من ذلك غير الزكاة، فإنه لابد أن يؤديها " (2) الحديث، وفي حسنة اخرى: " لأنه وضعها في غير موضعها، وإنما موضعها أهل الولاية " (3). وإنما اخترنا هذه الرواية لاشتمالها على حكم كفار المخالفين، فإن الحرورية هم الخوارج. وأما القولان الآخران في المسألة، فأحدهما: ما هو ظاهر التذكرة أنها لا تفيد لهم ولا تسقط القضاء مطلقا (4)، وثانيهما: ما يظهر من المدارك أنها تسقط القضاء ولكن لا يؤجر عليها (5)، وقد عرفت التحقيق.


(1) الكافي 2: 18 ح 5. (2) الكافي 3: 545 ح 1 التهذيب 4: 54 ح 143 علل الشرائع: 373 ح 1، الوسائل 6: 148 ابواب المستحقين للزكاة ب 3 ح 2. (3) التهذيب 5: 9 ح 23، الوسائل 6: 148 ابواب المستحقين للزكاة ب 3 ح 1. (4) التذكرة 1: 384. (5) المدارك 4: 289.

[ 342 ]

وأما المرتد فيجب عليه قضاء أيام ردته إجماعا كما ادعاه في المنتهى (1)، وتدل عليه العمومات المتقدمة، خرج ما خرج بالدليل كالمستبصر عن الكفر الأصلي، ويبقى الباقي. ويشكل في المرتد الفطري لو لم نقل بقبول توبته باطنا أو قتل، للزوم تكليف ما لا يطاق. وقد يجاب بمنع استحالته، لصيرورته باعثا له بنفسه، فيبقى في ذمته إلى أن يقضي عنه الولي. والأظهر قبول توبته باطنا، فيصح ما فعله لو منعه عن القتل مانع إن شاء الله تعالى، ويلزمه الحكم بطهارته أيضا. الثاني: لا يجب قضاء الجمعة والعيدين إجماعا وقد مر. وأما صلاة الآيات، فأما مع العلم بها وتركها حتى خرج الوقت فالمشهور وجوب القضاء، عمدا كان أو سهوا. وذهب الشيخ إلى عدم وجوب القضاء على الناسي في غير صورة استيعاب القرص (2). وعن السيد عدم وجوب القضاء في غير صورة الاستيعاب وإن كان عمدا (3). لنا: العمومات والإطلاقات، وموثقة عمار، ففي جملتها: " وإن لم تعلم حتى يذهب الكسوف ثم علمت بعد ذلك فليس عليك صلاة الكسوف، وإن أعلمك أحد وأنت نائم فعلمت ثم غلبتك عينك فلم تصل فعليك قضاؤها " (4).


(1) المنتهى 1: 421. (2) النهاية: 134، المبسوط 1: 172. (3) الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 46. (4) التهذيب 3: 291 ح 876 الاستبصار 1: 454 ح 1760، الوسائل 5: 156 ابواب صلاة الكسوف ب 10 ح 10.

[ 343 ]

وما رواه الكليني مرسلا مقطوعا، قال: وفي رواية اخرى: " إذا علم بالكسوف ونسي أن يصلي فعليه القضاء، وإن لم يعلم به فلا قضاء عليه، هذا إذا لم يحترق كله " (1). وهذه الرواية صريحة في رد مذهب الشيخ. ويؤيده ما رواه حماد - في الصحيح - عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل أن يصلي فليغتسل من غد وليقض الصلاة، وإن لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا القضاء بغير غسل " (2) ولا يضر اشتمالها على ما لا يقول به الأصحاب، وكذلك إرسالها مع اعتضادها بالعمل. ويدل على مذهب السيد: الأصل، وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن صلاة الكسوف هل على من تركها قضاء ؟ قال: " إذا فاتتك فليس عليك قضاء " (3). ورواية عبيدالله الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة الكسوف تقضى إذا فاتتنا ؟ قال: " ليس فيها قضاء " وقد كان في أيدينا أنها تقضى (4). وهما محمولتان على صورة الجهل كما يشعر به تغيير العبارة في قوله عليه السلام " إذا فاتتك ". وعلى عدم الاستيعاب جمعا بين الأدلة، لعدم مقاومتهما لما تقدم، سيمامع ضعف الثانية (5)، وكون ظاهرها متروكا عندهم.


(1) الكافي 3: 465 ذ. ح 6، الوسائل 5: 155 ابواب صلاة الكسوف ب 10 ح 3. (2) التهذيب 3: 157 ح 337 الاستبصار 453 1 ح 1758 الوسائل 5: 155 ابواب صلاة الكسوف ب 10 ح 5. (3) التهذيب 3: 292 ح 884 الاستبصار 1: 453 ح 1756 الوسائل 5: 156 ابواب صلاة الكسوف ب 10 ح 7. (5) التهذيب 3: 157 ح 338، الاستبصار 1: 453 ح 1757، الوسائل 5: 156 ابواب صلاة الكسوف ب 10 ح 9. (5) لوقوع محمد بن سنان في طريقه وهو ضعيف، انظر معجم رجال الحديث رقم 10909.

[ 344 ]

وأما غير الكسوفين، فإن ثبت عدم القول بالفصل فهو، وإلا فتشمله الإطلاقات والعمومات، مع أن إطلاق القضاء عليها مشكل، فإن الظاهر أنها من قبيل الأسباب الموجبة للفعل، وقد تقدم الكلام فيها في مباحث الأوقات، وأن حكم صلاة الزلزلة أنها أداء أبدا، وأن الأظهر أن غيرها أيضا كذلك. وأما مع الجهل بالآية حتى انقضت، فأما الكسوفان فلا يجب القضاء إلا مع احتراق القرص على المشهور الأقوى، بل قال في التذكرة: إنه مذهب الأصحاب عدا المفيد (1)، ونقل في المختلف إطلاق القضاء عن ظواهر جماعة من الأصحاب (2). وقال المفيد: إذا احترق القرص وهو القمر كله ولم تكن علمت به حتى أصبحت صليت صلاة الكسوف جماعة، وإن احترق بعضه ولم تعلم به حتى أصبحت صليت القضاء فرادى (3). لنا: صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (4) وصحيحة محمد بن مسلم والفضيل بن يسار على الأظهر (5)، وهما صريحتان في المطلوب، ورواية حريز، وهي أيضا صريحة، وقد مرت مقطوعة الكليني. وليس للقائل بوجوب القضاء إلا الإطلاقات والعمومات، وهي بعد تسليم شمولها لما نحن فيه مخصصة بتلك الأخبار. وآخر رواية حريز المتقدمة سابقا أيضا مؤول بأن المراد نفي الغسل، لاإيجاب


(1) التذكرة 4: 181 مسألة 486 (2) المختلف 2: 283 (3) المقنعة: 211 (4) الكافي 3: 465 ح 6، الوسائل 5: 155 أبواب صلاة الكسوف ب 10 ح 2 وفيها: إذا انكسفت الشمس كلها واحترقت ولم تعلم ثم علمت بعد ذلك فعليك القضاء، وإن لم تحترق كلها فليس عليك القضاء (5) الفقيه 1: 346 ح 1532، الوسائل 5: 154 أبواب صلاة الكسوف ب 10 ح 1. وفيها: أيقضي صلاة الكسوف من إذا أصبح فعلم، وإذا أمسى فعلم ؟ قال: إن كان القرصان احترقا كلاهما قضيت، وإن كان إنما احترق بعضهما فليس عليك قضاؤه

[ 345 ]

القضاء وإن كان مستحبا، وليس بصريح فيما لو احترق البعض، ولو ثبت العموم والوجوب فمخصص بما ذكر. وأما قول المفيد فصرح جماعة بعدم الوقوف على دليله (1)، واحتج له في المختلف (2) برواية ابن أبي يعفور (3)، ودلالتها ممنوعة، مع كونها ظاهرة في الأداء لا القضاء. وأما الزلزلة وسائر الآيات، فقال في التذكرة: فأما جاهل غير الكسوف مثل الزلزلة والرياح والظلمة الشديدة فالوجه سقوطها عنه عملا بالأصل السالم عن المعارض (4). وقال بعض محققي المتأخرين: وفيه نظر، لأن المعارض موجود، وهو عموم مادل على وجوب الصلاة للزلزلة من غير توقيت ولا تقييد بالعلم المقارن لحصولها، ولهذا قال في النهاية: ويحتمل في الزلزلة قويا الإتيان بها، لأن وقتها العمر (5)، وقد مر الكلام في ذلك في مباحث الأوقات. الثالث: يستحب قضاء النوافل المرتبة مؤكدا، ويتخفف التأكيد فيما لو كان الفوات بسبب غلبة الله عليه بمرض ونحوه. وعلى المطلبين أخبار كثيرة، كصحيحة عبد الله بسنان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: " إن العبد يقوم فيقضي النافلة، فيعجب الرب وملائكته منه، ويقول: ملائكتي عبدي يقضي ما لم أفترضه عليه " (6). وقال في الفقيه: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن الله تبارك وتعالى


(1) كصاحب المدارك 4: 134 (2) المختلف 2: 291 (3) التهذيب 3: 292 ح 881، الوسائل 5: 157 أبواب صلاة الكسوف ب 12 ح 2 (4) التذكرة 4: 182 (5) الذخيرة: 325 (6) الكافي 3: 488 ح 8، التهذيب 2: 164 ح 646، الوسائل 3: 55 أبواب أعداد الفرائض ب 18 ح 1

[ 346 ]

ليباهي ملائكته بالعبد يقضي صلاة الليل بالنهار، فيقول: ملائكتي انظروا إلى عبدي يقضي ما لم أفترضه عليه، أشهدكم أني غفرت له " (1). وحسنة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال، قلت له: رجل مرض فترك النافلة، قال: " يا محمد، ليست بفريضة، إن قضاها فهو خير يفعله، وإن لم يفعل فلا شئ عليه " (2). وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: أخبرني عن رجل عليه من صلاة النوافل ما لا يدري ما هو من كثرتها، كيف يصنع ؟ قال: " فليصل حتى لا يدري كم صلى من كثرتها، فيكون قد قضى بقدر ما عليه من ذلك ". ثم قال، قلت له: فإنه لا يقدر على القضاء، فقال: " إن كان شغله في طلب معيشة لابد منها أو حاجة لأخ مؤمن فلا شئ عليه، وإن كان شغله لجمع الدنيا والتشاغل بها عن الصلاة فعليه القضاء، وإلا لقى الله عز وجل وهو مستخف متهاون مضيع لحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله ". قلت: فإنه لا يقدر على القضاء، فهل يجزي أن يتصدق ؟ فسكت مليا ثم قال: " فليتصدق بصدقة " الخ. قلت: فما يتصدق ؟ قال: " بقدر طوله، وأدنى ذلك مد لكل مسكين مكان كل صلاة ". قلت: وكم الصلاة التي يجب فيها مد لكل مسكين ؟ قال: " لكل ركعتين من صلاة الليل مد، ولكل ركعتين من صلاة النهار مد ". فقلت: لا يقدر، فقال: " إذن مد لكل أربع ركعات من صلاة النهار " قلت: لا يقدر، قال: " فمد إذن لصلاة الليل ومد لصلاة النهار، والصلاة أفضل، والصلاة


(1) الفقيه 1: 315 ح 1432، الوسائل 3: 56 أبواب أعداد الفرائض ب 18 ح 3 (2) الكافي 3: 412 ح 5، الفقيه 1: 316 ح 1435، التهذيب 3: 306 ح 947، الوسائل 3: 58 أبواب أعداد الفرائض ب 20 ح 1

[ 347 ]

أفضل، والصلاة أفضل " (1). وحسنة مرازم، وفيها: " إن المريض ليس كالصحيح، كلما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر " (2). واختلف الأصحاب في أفضلية وقت القضاء، فالمشهور استحباب تعجيل قضاء النوافل الليلية ولو نهارا، والنهارية ولو ليلا، ولا ينتظر حصول الموافقة. وذهب ابن الجنيد (3) والمفيد في الأركان (4) إلى أفضلية الموافقة. وقد غفل بعض المتأخرين، ونسب إلى الأكثر استحباب التخالف مطلقا (5)، وهو غلط، لعدم مساعدة كلماتهم لذلك، كما تنادي به عبارة الشرائع (6) والذكرى (7) وغيرهما (8)، وعدم موافقته لأدلتهم، واستلزام ذلك تناقض أدلتهم وتدافعها وتهافتها. وفي الحقيقة قولهم عدم ملاحظة الموافقة بل اعتبار التعجيل، وهو يستلزم المخالفة في اليوم الأول والليلة الاولى، ولكنها ليست بمقصودة من حيث إنها مخالفة، وتدل عليه آية المسارعة (9) وآية الخلفة (10)، وما رواه الصدوق في تفسيرها عن الصادق عليه السلام أنه قال: " كلما فاتك بالليل فاقضه بالنهار، قال


(1) الكافي 3: 453 ح 13، الفقيه 1: 359 ح 1577، التهذيب 2: 11 ح 25، وص 198 ح 778، المحاسن: 315 ح 33، الوسائل 3: 55 أبواب أعداد الفرائض ب 18 ح 2 بتفاوت (2) الكافي 3: 451 ح 4، الفقيه 1: 237 ح 1044، التهذيب 2: 199 ح 779، وص 12 ح 26، علل الشرائع: 362 ح 2، الوسائل 3: 59 أبواب أعداد الفرائض ب 20 ح 2 (3) المختلف 3: 27 (4) نقله عنه في الذكرى: 137 (5) المدارك 3: 109 (6) الشرائع 1: 54 (7) الذكرى: 137 (8) الوسائل 3: 199 أبواب المواقيت ب 57 (9) آل عمران: 133 (10) الفرقان: 62

[ 348 ]

الله تعالى: (وهو الذي جعل لكم الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) (1). وروى الكليني والشيخ عن عنبسة العابد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: (وهو الذي جعل لكم الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) قال: " قضاء صلاة الليل بالنهار، وصلاة النهار بالليل " (2). والمراد بالليل والنهار في الروايتين ليس جنسهما، بل المعهودين، أي الليل المتصل بذلك النهار، والنهار المتصل بذلك الليل كما هو ظاهر الأخبار الكثيرة، وفهم الجنسية هو الذي دعا الغافل إلى نسبة استحباب مطلق المخالفة إلى الأكثر، ومن تتبع أخبار الباب يجزم بأن المراد منها نهار ذلك الليل وليل ذلك النهار. وحجة المفيد وابن الجنيد: صحيحة معاوية بن عمار قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " اقض ما فاتك من صلاة النهار بالنهار، وما فاتك من صلاة الليل بالليل " قلت: أقضي وترين في ليلة ؟ فقال: " نعم، اقض وترا أبدا " (3). وصحيحة بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " أفضل قضاء الليل في الساعة التي فاتتك آخر الليل، ولا بأس أن تقضيها بالنهار وقبل أن تزول الشمس " (4) ويقرب منها رواية إسماعيل الجعفي (5). وهذه الأخبار معتبرة، ظاهرة الدلالة، فإن أقرب محامل الأمر في الاولى الاستحباب لا مطلق الرخصة، والثانيتان صريحتان، ولكنهما لا تقاومان أدلة المشهور، إذ منها ظاهر الكتاب والأخبار المعتبرة الكثيرة الظاهرة في رجحان قضاء


(1) الفقيه 1: 315 ح 1428، الوسائل 3: 200 أبواب المواقيت ب 57 ح 4 (2) التهذيب 2: 275 ح 1093، الوسائل 3: 199 أبواب المواقيت ب 57 ح 2 (3) الكافي 3: 451 ح 3، التهذيب 2: 162 ح 637، الوسائل 3: 200 أبواب المواقيت ب 57 ح 6 (4) الفقيه 1: 316 ح 1433، الوسائل 3: 200 أبواب المواقيت ب 57 ح 3 (5) الكافي 3: 452 ح 5، التهذيب 2: 163 ح 638، 643، الوسائل 3: 200 أبواب المواقيت ب 57 ح 7

[ 349 ]

صلاة الليل في نهار ذلك الليل، ولا قائل بالفرق، فإذا اعتضدت المذكورات بعمل الجمهور تعين استحباب المسارعة تخالفتا أوتوافقتا. ومن جميع ذلك ظهر أن قول المشهور المسارعة كيف ما كان، وقول المفيد وابن الجنيد اعتبار الموافقة فلا تغفل. الرابع: اتفق الأصحاب على وجوب مراعاة الترتيب فيما فات من الصلاة مع العلم بالترتيب على ما يظهر من المعتبر (1) والمنتهى (2)، ونقل الشهيد عن بعض الأصحاب قولا بالاستحباب (3)، وهو ضعيف. لنا: قوله عليه السلام: " من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته " (4) على إشكال فيه. وصحيحة زرارة (5)، وصحيحة محمد بن مسلم (6)، وصحيحة عبد الله بن سنان (7)، وصحيحة أبي بصير (8)، ورواية جميل (9)، الآتيات في البحث الآتي. وهل ذلك مخصوص بما لم يفصل بين الصلوات فاصل، أو يشمل ما لو فات من كل يوم نوع صلاة ؟ فيه إشكال، الأظهر الأول، للأصل، ولظهور الأخبار فيه.


(1) المعتبر 2: 406 (2) المنتهى 1: 423 (3) الذكرى: 136 (4) عوالي اللآلي 2: 54 ح 143، وج 3: 107 ح 150 (5) الكافي 3: 291 ح 1، التهذيب 3: 158 ح 340، الوسائل 3: 211 أبواب المواقيت ب 63 ح 1 (6) التهذيب 3: 159 ح 342، الوسائل 5: 348 أبواب قضاء الصلوات ب 1 ح 3 (7) التهذيب 2: 270 ح 1076، الاستبصار 1: 288 ح 1053، الوسائل 3: 209 أبواب المواقيت ب 62 ح 4. (8) التهذيب 2: 270 ح 1077، الاستبصار 1: 288 ح 1054، الوسائل 3: 209 أبواب المواقيت ب 62 ح 3 (9) التهذيب 2: 352 ح 1426، الوسائل 5: 351 أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 5

[ 350 ]

ويؤيده عدم اعتبارهم الترتيب في قضاء الصوم، ولكن ظاهر إطلاقهم وصريح بعضهم وجوب الترتيب في الثاني أيضا. وهل ذلك يعتبر في الأيام أيضا، أو يختص بالصلوات ؟ فيه أيضا إشكال، ولازم إطلاقهم فيه أيضا الترتيب، وكذلك الشهور والأعوام. والأمر في صلاة الاستئجار أشكل، وإدراجه تحت إطلاق كلماتهم أخفى، فعدم الوجوب فيه أظهر مما تقدم. والحاصل أن مدلول الأخبار هو ما ذكرنا أولا، ودعواهم الإجماع أيضا لم تعلم إلا في ذلك، وإن كان فيه إطلاق بالنسبة إلى غير صلاة الاستئجار فالأظهر فيه عدم الوجوب للأصل. وأما لو جهل الترتيب فذهب العلامة في التحرير (1) وولده (2) وجماعة من المتأخرين منهم الشهيدان (3) إلى عدم الوجوب. وقيل بالوجوب، وهو مختار العلامة في الإرشاد (4). والأول أقرب، للأصل والإطلاقات، وعدم انصراف الأخبار المذكورة إلى الجاهل، والأوامر المطلقة في أن من فاتته صلاة فليقضها إذا ذكر. واحتج الخصم بقوله عليه السلام: " فليقضها كما فاتته ". وعمومه لما نحن فيه ممنوع، فإن الظاهر أن المراد من الكيفيات المعتبرة في العبادة المأمور بالإتيان بها على وجهها كما فاتته: الكيفيات المقصودة للشارع المعتبرة عنده، لا كل ما يستلزمه تحقيقها في الخارج تبعا أيضا، فإن غاية ما استفيد من الشرع هو توقيت كل صلاة بوقتها، وأما تقدم كل وقت على الآخر فهو من الامور الخارجية


(1) التحرير 1: 51 (2) إيضاح الفوائد 1: 147 (3) الذكرى: 136، البيان: 152، روض الجنان: 360 (4) إرشاد الأذهان: 271

[ 351 ]

الاتفاقية اللازمة لما أمر به، فالذي أمر به الشارع هو أن يصلي في المغرب صلاة وفي الفجر صلاة وفي الظهر صلاة، وتقدم المغرب على الفجر والفجر على الظهر ليس بجعل الشارع نعم قد يستفاد منه تقدم الظهر على العصر والمغرب على العشاء، وذلك لا يفيد اطراد الحكم. مع أنه عليه السلام قال " فريضة " ولم يقل فرائض، ومع إفراد الفريضة يبعد هذا الاحتمال أيضا. مع أن القائل بوجوب الترتيب يلزمه تكرار الصلاة حينئذ ليحصل الترتيب، وهو يستلزم المخالفة لما فاتته إذا لم يكن فيها تكرار ولا تعدد ولا فاصلة بصلاة زائدة، مع أن ذلك يستلزم العسر والحرج المنفيين. وعلى القول بالوجوب فيجب على من فاته الظهر والعصر من يومين وجهل السابق أن يصلي ظهرا بين عصرين أو بالعكس. ولو جاء معهما مغرب من ثالث صلى الثلاث قبل المغرب وبعدها. ولو جاء معها عشاء من رابع فعل السبع قبلها وبعدها وهكذا. وفي وجوب الترتيب بين الفوائت الغير اليومية وبينها وبين اليومية مع العلم وجهان، أوجههما العدم لما مر. الخامس: اختلف الأصحاب في تضيق الفوائت وتوسعتها، فالشيخان (1) والمرتضى (2) وابن الجنيد (3) وسلار (4) وأبو الصلاح (5) وابن إدريس (6) على فوريتها.


(1) الشيخ المفيد في المقنعة: 211، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 126 (2) الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 38 (3) نقله عنه في المختلف 3: 4 (4) المراسم: 90 (5) الكافي في الفقه: 150 (6) السرائر 1: 274

[ 352 ]

وصرح في المبسوط ببطلان الحاضرة مع التقديم عليها (1). وأوجب المرتضى أيضا الإعادة حينئذ في المسائل الرسية (2). وهو ظاهر ابن البراج (3). وبالغ السيد (4) وابن إدريس (5) حتى منعا الاشتغال بغير الصلاة والتكسب بالمباح والأكل والنوم الزائدين على قدر سد الرمق. والصدوقان (6) ووالد العلامة (7) على التوسعة، ونقله العلامة عن أكثر معاصريه من المشايخ، وهو مذهب أكثر المتأخرين (8). وظاهر الصدوقين استحباب تقديم الحاضرة وغيرهما على استحباب تقديم الفائتة، بل ظاهر قدماء الأصحاب أيضا التوسعة على ما يستفاد مما نقل عن بعض الأصحاب (9)، فقد نقل بعض الأصحاب عن رسالة لابن طاوس أنه نقل فيه عن بعض كتب بعض أصحابنا المذكور في خطبته أنه لم يرو فيه إلا ما أجمع عليه وصح من قول الأئمة ما هذا لفظه: " والصلوات الفائتات يقضين ما لم يدخل عليه وقت صلاة، فإذا دخل عليه وقت بدأ بالتي دخل وقتها وقضى الفائتة متى أحب " (10). وذهب المحقق إلى وجوب تقديم الفائتة إن اتحدت (11)، والعلامة في المختلف إلى


(1) المبسوط 1: 127 (2) المسائل الرسية (رسائل الشريف المرتضى 2): 364 (3) المهذب 1: 126 (4) الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 38 (5) السرائر 1: 274 (6) نقله عن علي بن بابويه في المختلف 3: 5، واختاره الصدوق في الفقيه 1: 233 ذ. ح 1029، 1030، والمقنع (الجوامع الفقهية): 9 (7) المختلف 3: 6 (8) كالمحقق في المعتبر 2: 408، والكركي في جامع المقاصد 2: 494 (9) انظر الخلاف 1: 382، والغنية (الجوامع الفقهية): 562، والسرائر 1: 203 (10) نقله عنه في البحار 85: 328. (11) المعتبر 2: 408

[ 353 ]

وجوب تقديم فائتة يوم الفوات وان تعددت (1). والأقوى التوسعة واستحباب تقديم الفائتة. لنا: الأصل، ونفي العسر والحرج، وعمومات الآيات والأخبار، مثل (أقيموا الصلاة) (2) و (أقم الصلاة لدلوك الشمس) (3) وغيرهما من الآيات والأخبار. وصحيحة سعد بن سعد، عن الرضا عليه السلام، قال: " يا فلان، إذا دخل الوقت عليك فصلها، فإنك لا تدري ما يكون " (4). وما دل على فضيلة تقديم الصلاة أول الوقت (5). وفحوى ما دل على جواز تقديم النافلة على الفريضة، كأخبار رقود رسول الله صلى الله عليه وآله عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، فقدم النافلة على الفريضة (6). وموثقة أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس، فقال: " يصلي ركعتين ثم يصلي الغداة " (7). والروايات المستفيضة في خصوص المسألة، مثل صحيحة عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام، قال: " إن نام رجل أو نسي أن يصلي المغرب والعشاء الآخرة - إلى أن قال - وإن استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس " (8). ومثلها صحيحة أبي بصير عنه عليه السلام، وفي آخرها: " فإن خاف أن تطلع


(1) المختلف 3: 6 (2) البقرة: 43 (3) الإسراء: 78 (4) التهذيب 2: 272 ح 1082، الوسائل 3: 87 أبواب المواقيت ب 3 ح 3. (5 و 6) الوسائل 5: 350 أبواب قضاء الصلوات ب 3، 2 (7) التهذيب 2: 265 ح 1057، الاستبصار 1: 286 ح 1048، الوسائل 3: 206 أبواب المواقيت ب 61 ح 2 (8) التهذيب 2: 270 ح 1076، الوسائل 3: 209 أبواب المواقيت ب 62 ذ. ح 4

[ 354 ]

الشمس فتفوته إحدى الصلاتين فليصل المغرب ويدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها ثم ليصلها " (1). ورواية جميل عنه عليه السلام قال، قلت له: تفوت الرجل الأولى والعصر والمغرب وذكرها عند العشاء الآخرة، قال: " يبدأ بالوقت الذي هو فيه، فإنه لا يأمن الفوت، فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخل، ثم يقضي ما فاته ; الاولى فالاولى " (2). وحسنة الحلبي عنه عليه السلام (3) وصحيحة محمد بن مسلم (4) الدالتين على أن من فاتته صلاة النهار يقضها متى شاء، إن شاء بعد المغرب، وإن شاء بعد العشاء. وصحيحة الحسين بن أبي العلاء تقرب منها ودلالتها آكد (5). وكذلك رواية ابن أبي يعفور (6). وصحيحة زرارة الطويلة، وفي آخرها: " أيتهما ذكرت - يعني المغرب والعشاء - فلا تصلهما إلا بعد شعاع الشمس " قال، قلت: ولم ذلك ؟ قال: " لأنك لست تخاف فوتهما " (7). وما رواه ابن طاوس، عن زرارة، عن الباقر عليه السلام قال، قلت له: رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه فخاف أن يدركه الصبح ولم يصل صلاة ليلته تلك، قال: " يؤخر القضاء ويصلي صلاة ليلته تلك " (8).


(1) التهذيب 2: 270 ح 1077، الاستبصار 1: 288 ح 1054، الوسائل 3: 209 أبواب المواقيت ب 62 ح 3 (2) المعتبر 2: 407، الوسائل 3: 210 أبواب المواقيت ب 62 ح 6 بتفاوت (3) الكافي 3: 452 ح 6، التهذيب 2: 163 ح 639، الوسائل 3: 175 أبواب المواقيت ب 39 ح 7 (4) الكافي 3: 452 ح 7، التهذيب 2: 163 ح 640، الوسائل 3: 175 أبواب المواقيت ب 39 ح 6 (5) التهذيب 2: 173 ح 691، الاستبصار 1: 290 ح 1062، الوسائل 3: 176 أبواب المواقيت ب 39 ح 13 (6) التهذيب 2: 174 ح 692، الاستبصار 1: 290 ح 1063، الوسائل 3: 176 أبواب المواقيت ب 39 ح 12 (7) الكافي 3: 291 ح 1، التهذيب 3: 158 ح 340، الوسائل 3: 211 أبواب المواقيت ب 63 ح 1 (8) الوسائل 3: 208 أبواب المواقيت ب 61 ح 9

[ 355 ]

ونقل أيضا عن كتاب الصلاة للحسين بن سعيد (1) وعن أصل عبيدالله الحلبي الذي عرض على الصادق عليه السلام (2) ما يدل على ذلك. وفي قرب الإسناد أيضا ما يدل عليه (3). وتؤيده أيضا أخبار كثيرة، منها موثقة عمار، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل تفوته المغرب حتى تحضر العتمة، فقال: " إن حضرت العتمة وذكر أن عليه صلاة المغرب، فإن أحب أن يبدأ بالمغرب بدأ، وأن أحب بدأ بالعتمة ثم صلى المغرب بعده " (4) فإن الإجماع ناف للتخيير في الحاضرة، فهي محمولة على إرادة مغرب الأمس. احتج المضيقون بالإجماع، نقله الشيخ (5) وابن زهرة (6). وفيما ذكرناه من المخالفات - سيما ما نقلناه عن بعض الأصحاب على ما نقله ابن طاوس - دلالة على أن هذا النقل يشبه أن يكون توهما من ناقله. وبالأخبار الدالة على أن الفائتة من جملة الصلوات التي تقضى متى ما ذكرت، وقد مر بعضها. وفيه: أن ظاهر تلك الأخبار رفع توهم الحظر، سيما في الأوقات المكروهة، وأنه لا وقت معينا لها، لا أنه يجب الإتيان بها حين التذكر فورا، وهذا مما لا يخفى على من لاحظ هذه الأخبار وتأملها أدنى ملاحظة وتأمل.


(1) البحار 85: 329 كتاب الصلاة ب 90، فيمن نام أو نسي أن يصلي المغرب والعشاء قال: وإن استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء (2) البحار 85: 328 كتاب الصلاة ب 90 مثل سابقتها (3) قرب الإسناد: 91، وعنه في البحار 85: 322 كتاب الصلاة ب 90 ح 1 (4) التهذيب 2: 271 ح 1079، الاستبصار 1: 288 ح 1055، الوسائل 3: 210 أبواب المواقيت ب 62 ح 5. (5) الخلاف 1: 383 مسألة 139 (6) الغنية (الجوامع الفقهية): 562

[ 356 ]

وبالأخبار المتضمنة لحكم من فاتته ودخل وقت اخرى، أقواها سندا (1) ودلالة صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: أنه سئل عن رجل صلى بغير طهور، أو نسى صلوات لم يصلها، أو نام عنها، فقال: " يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار، فإذا دخل وقت صلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي حضرت، وهذه أحق بوقتها فليصلها، فإذا قضاها فليصل ما فاته مما قد مضى، ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها " (2). ويؤدي مؤداها روايته الاخرى (3)، ورواية عبد الرحمن بن الحجاج (4)، ورواية أبي بصير (5)، وصحيحة زرارة الطويلة (6). وصحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس وقد كان صلى العصر، فقال: " كان أبو جعفر أو كان أبي يقول: إن أمكنه أن يصليها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها، وإلا صلى المغرب ثم صلاها " (7). والجواب عن الروايات بضعف أكثرها، وعدم مقاومة الباقيات لما ذكرنا، مع أن أول صحيحة زرارة أيضا ظاهر في بيان الجواز ورفع الحظر.


(1) في " م ": أقربها مستندا (2) الكافي 3: 292 ح 3، التهذيب 2: 172 ح 685، وص 266 ح 1059، الاستبصار 1: 286 ح 1046، الوسائل 3: 206 أبواب المواقيت ب 61 ح 3. (3) الكافي 3: 293 ح 4، التهذيب 2: 172 ح 686، وص 268 ح 1070، الاستبصار 1: 287 ح 1051، الوسائل 3: 209 أبواب المواقيت ب 62 ح 2 (4) الكافي 3: 293 ح 5، التهذيب 2: 269 ح 1071، الوسائل 3: 212 أبواب المواقيت ب 63 ح 2 (5) التهذيب 2: 265 ح 1057، الاستبصار 1: 286 ح 1048، الوسائل 3: 206 أبواب المواقيت ب 61 ح 2 (6) الكافي 3: 291 ح 1، التهذيب 3: 158 ح 340، الوسائل 3: 211 أبواب المواقيت ب 63 ح 1 (7) الكافي 3: 293 ح 6، التهذيب 2: 269 ح 1073، الوسائل 3: 210 أبواب المواقيت ب 62 ح 7

[ 357 ]

ولا يبعد حمل تلك الأخبار على خوف ذهاب وقت الفضيلة، لا خروج الوقت كما يظهر من صحيحة صفوان وصحيحة زرارة الطويلة على من تأملها. وعلى هذا فلو كان التقديم في الفائتة واجبا لزم هنا ترك الواجب لأجل المستحب، وهو كما ترى. سلمنا، لكن نحمل الأوامر على الاستحباب، لعدم مقاومتها لما ذكرنا صحة ودلالة وكثرة واعتضادا. وهذه هي أدلتنا على استحباب تقديم الفائتة، إذ الذي دل على استحباب تقديم الحاضرة روايات، منها رواية جميل، وهي أوضحها دلالة، لكنها ضعيفة (1). وصحيحة عبد الله بن سنان، وصحيحة أبي بصير، وهي لا تقاوم هذه من جهة الدلالة وإن غلبتها من جهة أصل التوسعة ولا منافاة. مع أن في صحيحة زرارة ما يضعفها من جهة اخرى، وهو ما أشرنا إليه سابقا من أن الظاهر منها خوف ذهاب الفضيلة، سيما مع التعليل بقوله عليه السلام: " لأنك لست تخافها ". وقد يقال: إن المضايقة موافقة لمذهب العامة، فيكون ذلك أيضا من مرجحات المختار. وقد يستدل للمضايقة بالاحتياط وأنه المبرئ للذمة يقينا، وبقوله تعالى: (وأقم الصلاة لذكري) (2). والكل ضعيف، إذ لا دليل على وجوب الاحتياط، والأصل براءة الذمة. وقد بينا المبرئ للذمة الموجب للظن القوي المعمول به، ولا دليل على وجوب تحصيل اليقين. وأما الآية فوجه الاستدلال أن معناها: أقم الصلاة لذكر صلاتي أي وقت ذكرها أو تذكرها، أو أقم الصلاة وقت تذكيري لها إياك.


(1) بالإرسال (2) طه: 14

[ 358 ]

وفيه: أنه خلاف الظاهر، بل أقرب معانيها: أقم الصلاة لتذكري (1)، أو ليكون ذاكرا لي، أو نحو ذلك. نعم وردت روايتان رواهما زرارة إحداهما عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت اخرى، فإن كنت تعلم أنك إذا صليت التي فاتتك كنت من الاخرى في وقت فابدا بالتي فاتتك، فإن الله تعالى يقول: (وأقم الصلاة لذكري) (2) " (3) الحديث. والاخرى رواها في الذكرى، وهى صحيحة، قال أبو جعفر عليه السلام في جملتها: " ثم قال - يعني رسول الله صلى الله عليه وآله - من نسي شيئا من الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله عزوجل يقول: (أقم الصلاة لذكري) (4) " (5). وهما غير صريحتين، سيما الصحيحة، فإنه يمكن إرادة أن عموم الآية والأمر بالصلاة يشمل ذلك، مع أن التوقيت معنى مجازي للام، مع إمكان إرادة أول وقت الموسع، كقوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) (6). سلمنا، لكن هذا ليس استدلالا بالآية، بل هو استدلال بالخبر المفسر لبطن الكتاب وتأويله، وهو لا يقاوم أدلتنا. واحتج المحقق بصحيحة صفوان المتقدمة (7)، والعلامة بها وبصحيحة زرارة


(1) في " م ": لتذكيري (2) طه: 14 (3) الكافي 3: 293 ح 4، التهذيب 2: 172 ح 686، وص 268 ح 1070، الاستبصار 1: 287 ح 1051، الوسائل 3: 209 أبواب المواقيت ب 62 ح 2 (4) طه: 14 (5) الذكرى: 134، الوسائل 3: 207 أبواب المواقيت ب 61 ح 6 (6) الإسراء: 78 (7) نقله في الذخيرة: 213، والموجود في المعتبر 2: 406 الاستدلال برواية زرارة، وأبي بصير ومحمد بن مسلم، وأما صحيحة صفوان فهي في الكافي 3: 293 ح 6، والتهذيب 2: 269 ح 1073، والوسائل 3: 210 أبواب المواقيت ب 62 ح 7

[ 359 ]

الطويلة (1)، ففي جملتها: " وإن كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل أن تصلي الغداة " (2) الحديث. والجواب عنهما يظهر مما تقدم من عدم المقاومة ; وحملهما على وقت الفضيلة وعلى الاستحباب. ومما يؤيد المختار مضافا إلى ما مر قرب حمل هذه الأخبار وبعد ما استدللنا بها. وبالجملة الأقوى المواسعة، والأحوط الإتيان فورا دائرا مدار لزوم العسر والحرج. ثم إن القائلين بالضيق بين قائل بالفساد لو صلى الحاضرة مضافا إلى الإثم، وبين مقتصر على الإثم ولعل مستند الأولين كون الأمر بالشئ مقتضيا للنهي عن ضده مع دلالة النهي على الفساد. وهو ضعيف، لأن غاية ما يدل عليه الأمر من حرمة الضد إنما هو من باب المقدمة، وهو حكم تبعي من باب دلالة الإشارة، وما نسلمه من باب دلالة النهي على الفساد هو المناهي الأصلية لا التبعية كما حققناه في محله. ثم إن ما ذكرناه حكم الذاكر، وأما الناسي للفائتة إذا فعل الحاضرة وأتمها ثم تذكر فتصح صلاته قولا واحدا، ولا إثم عليه. ولو تذكر في الأثناء فيعدل إن أمكن وجوبا أو استحبابا على اختلاف القولين. وهل العدول مختص بالواحدة أو يشمل ما لو كانت الفائتة متعددة أيضا ؟ فيه إشكال، والذي ظهر من الأخبار هو حكم الواحدة. ولو قلنا به في المتعددة ; ففيما علم الترتيب يعدل إلى الأولى، وفيما لم يعلم فإلى ما يبدأ به أولا.


(1) المختلف 3: 6 (2) الكافي 3: 291 ح 1، التهذيب 3: 158 ح 340، الوسائل 3: 211 أبواب المواقيت ب 63 ح 1

[ 360 ]

السادس: العبرة في القضاء بحال الفائتة، فمن فاتته الصلاة في السفر يقضيها قصرا ولو في الحضر، وبالعكس، بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب، بل العلماء إلا من شذ كما يظهر من المدارك (1)، لقوله عليه السلام: " فليقضها كما فاتته " (2). ونحوه حسنة زرارة قال، قلت: رجل فاتته صلاة السفر فذكرها في الحضر فقال: " يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أداها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته " (3) وموثقة عمار (4)، وقوية زرارة الآتية (5). ولو نسي في مواضع التخيير ففي التخييرو تعين القصر وجهان، والأحوط القصر. ولو وجبت الصلاة في السفر ثم حضر وفاتت منه يجب عليه قضاء التمام، وكذا العكس، لأن الشارع كان رخصه في التأخير من أجل التوسيع في الوقت، ومقتضى ذلك اختلاف التكليف باختلاف الأحوال. فأفراد صلاة الظهر وإن كان مخيرا فيها من جهة اختيار أجزاء الوقت، لكن كل واحدة منها متعينة على مقتضى وقتها على المكلف، فمن خيره الشارع في صلاة الظهر في أول الوقت وكان صحيحا ثم مرض أو فقد الماء في آخر الوقت فإن اختار حال الصحة والوجدان تتعين عليه المائية والقيام، وإن اختار آخر الوقت وحصل فيه المرض والفقدان فتتعين عليه الترابية والقعود. وهكذا السفر والحضر، فيتعين على الحاضر الذي دخل عليه الوقت في السفر ثم


(1) المدارك 4: 304 (2) عوالي اللآلي 2: 54 ح 143، وج 3: 107 ح 150 (3) الكافي 3: 435 ح 7، التهذيب 3: 162 ح 350، الوسائل 5: 359 أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 1 (4) التهذيب 3: 273 ح 1086، الوسائل 5: 359 أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 2 (5) ص 361

[ 361 ]

حضر التمام كما اخترناه في أصل المسألة وبالعكس، فيتبع القضاء الفائتة. وما يتوهم من أنه في أول الوقت مخير بين أجزاء الوقت، وهو مستلزم للتخيير بين مقتضياتها، ولازم ذلك التخيير في القضاء بين القصر والإتمام، إذ الفائت هو الكلي المخير فيه. ففيه أن التخيير ليس إلا في اختيار الوقت، وهو لا ينافي تعين مقتضاه عليه بسبب اختلاف الأحوال. والحاصل أن حكم الشارع في هذا المقام: أنك مخير في إتيان صلاة الظهر في أي ساعة شئت من الآن إلى آخر الوقت، ولكن إن اخترت إتيانها في ساعة كنت مسافرا فقصر فيه، وإن اخترتها في ساعة كنت حاضرا فتمم، وهكذا، وهذا واضح. ولعلك تستشكل هنا في أن مقتضى ما ذكرت أن من فاتته الصلاة حال فقدان الماء أو في حال المرض الذي لا يقدر على القيام أن يأتي بالقضاء موافقا لما فاته، وليس كذلك جزما، وما الفرق بينهما وبين السفر والحضر ؟ وفيه: أن الطهارة والقيام وستر العورة وأمثال ذلك شرائط لصحة الصلاة من حيث هي صلاة، ولا مدخلية فيها لخصوصية الأفراد من كونها قضاءا أو أداءا، أو قصرا أو تماما، أو ظهرا أو عصرا، أو غير ذلك، بخلاف أعداد الركعات فإنها ليست من شرائط ماهية الصلاة، بل هي مما اعتبر في أفرادها الأولية والثانوية. فإن الصلاة الواجبة تنقسم على أقسام، منها اليومية، ثم اليومية تنقسم مرة بالصلوات الخمس، واخرى بالقصر والتمام وهكذا، فالشرائط الاولى لا تنفك عن مهية الصلاة متى ما قدر عليها، ولكن الاثنينية والأربعية ليستا من شرائط نفس الصلاة من حيث هي، فيتبع فيها في حال القضاء ما حصل التكليف بها في حال الأداء. ويدل على ما اخترناه أيضا: حسنة زرارة المتقدمة، وروايته الاخرى القوية - لموسى بن بكر - عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " إذا نسي الرجل صلاة أو صلاها بغير طهور وهو مقيم أو مسافر فذكرها فليقض الذي وجب عليه لا يزيد على ذلك ولا ينقص، ومن نسي أربعا فليقض أربعا حين يذكرها، مسافرا كان أو مقيما،

[ 362 ]

وإن نسي ركعتين صلى ركعتين إذا ذكر، مسافرا كان أو مقيما " (1) فإن قوله عليه السلام " وجب عليه " ظاهر في الواجب العيني. والمخالف في المسألة السيد (2) وابن الجنيد (3)، فقد نقل عنهما اعتبار حال أول الوقت، وكذلك ابن إدريس (4). وربما يستدل له برواية زرارة - وفي طريقها موسى بن بكر - عن أبي جعفر عليه السلام: أنه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر فأخر الصلاة حتى قدم، فهو يريد أن يصليها إذا قدم إلى أهله، فنسي حين قدم إلى أهله أن يصليها حتى ذهب وقتها، قال: " يصليها ركعتين صلاة المسافر، لأن الوقت دخل وهو مسافر كان ينبغي له أن يصلي ذلك " (5). وفيه: مع أنها لا تقاوم ما ذكرنا من جهة الإسناد والاعتضاد ; أنها مبنية على كون الاعتبار بحال الوجوب لا الأداء في حال الأداء وقد حققنا خلافه سابقا، فلا تنهض حجة علينا. السابع: لو فاتت فريضة من الخمس ولم تتعين له، فالمشهور أنه يصلي صبحا ومغربا وأربعا عما في ذمته، وادعى الشيخ في الخلاف الإجماع عليه (6). وذهب أبو الصلاح (7) وابن زهرة (8) إلى وجوب الخمس، والذي يقتضيه


(1) الفقيه 1: 282 ح 1283، التهذيب 3: 225 ح 568، الوسائل 5: 359 أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 4 (2) الجمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 38 (3) نقله عنه في المختلف 3: 23 (4) السرائر 1: 273 (5) التهذيب 3: 162 ح 351، الوسائل 5: 359 أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 3 (6) الخلاف 1: 309 مسألة: 58 (7) الكافي في الفقه: 147 (8) الغنية (الجوامع الفقهية): 562

[ 363 ]

وجوب المقدمة ما اختاراه، سيما على المشهور من وجوب الجهر والإخفات، لأنا وإن لم نقل بوجوب قصد الوجه في النية، لكن قصد ما يميز العبادة ويشخصها لازم جزما، فإن توقف على القصد فلا مناص عنه كما حققناه في محله. سلمنا عدم الاحتياج في المردد بين الظهرين، ولكنه لايتم في المردد بينهما وبين العشاء على الأقوى من وجوب الجهر والإخفات. ولكن نختار المشهور، للإجماع المنقول، وما رواه علي بن أسباط، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من نسي صلاة من صلاة يومية واحدة ولم يدر أي صلاة هي صلى ركعتين وثلاثا وأربعا " (1) ولا يضر الإرسال، سيما على هذا الوجه، لا عتضادها بعملهم. ومقتضى ذلك التخيير في الجهر والإخفات، فهو بمنزلة المخصص لأدلتهما، بل يمكن أن يمنع شمول أدلتهما لما نحن فيه، فيتم الإتيان من باب المقدمة بثلاث صلوات أيضا، لأن المكلف به إنما هو صلاة واحدة، ولما كانت الزيادة والنقيصة مما لابد من اعتبارها جزما فنحتاط لهما، بخلاف قصد التعيين والجهر والإخفات، فالأصل عدم وجوبهما. ومقتضى عدم لزوم تعيين القصد أن المسافر يقضي مغربا وثنائية كما نقل عن المشهور فيه أيضا (2). وخالفهم ابن إدريس، وقال: إنه قياس، ولو لم يكن الإجماع ثمة أيضا لم نقل بكفاية الأربع عن الثلاث (3). ورده العلامة بأنه ليس بقياس، بل إنما هو مدلول الرواية من باب التنبيه (4)،


(1) التهذيب 2: 197 ح 774، 775، الوسائل 5: 365 أبواب قضاء الصلوات ب 11 ح 1 (2) المختلف 3: 23 (3) السرائر 1: 275 (4) المختلف 3: 26

[ 364 ]

وهو كذلك. ولو تعددت الفائتة ولم يعلم عددها سواء علم الفائتة بعينها أو لم يعلمها قضى حتى يغلب على ظنه أنه وفى على المشهور بين الأصحاب. وقيده الشهيد الثاني بما إذا لم يمكنه تحصيل العلم (1)، واحتمل العلامة في التذكرة الاكتفاء بالمتيقن (2)، واستوجهه في المدارك (3)، وهو وجيه. ولكن الأظهر المشهور، لترك الاستفصال في موثقة إسماعيل بن جابر - لمعاوية بن حكيم - عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الصلاة تجمع علي، قال: " تحر واقضها " (4) ويؤيده الأمر بالتوخي في حسنة مرازم في النافلة (5). وحسنة زرارة والفضيل عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " ومتى استيقنت أو شككت في وقتها أنك لم تصلها أو في وقت فوتها أنك لم تصلها صليتها، فإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت فقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن، فإن استيقنت فعليك أن تصليها في أي حال كنت " (6). ويؤيده أيضا أن الظاهر من حال المسلم عدم ترك الصلاة. وأما تقييد الشهيد الثاني فلا دليل عليه. فإن قلت: هو مقتضى ما دل على وجوب قضاء ما فات إذا ذكره، فإن المراد مما فات هو ما فات في نفس الأمر، لا ما علم فواته، فيجب تحصيله ولو بإتيان الاحتمالات من باب المقدمة، فإن قلنا بأن القضاء تابع للأداء فاستصحاب حال الأداء يقتضي تحصيل اليقين، وإن قلنا إنه بفرض جديد فالتكليف بقضاء ما فات في


(1) روض الجنان: 359 (2) التذكرة 2: 361 (3) المدارك 4: 307 (4) التهذيب 2: 275 ح 1094، الوسائل 3: 58 أبواب أعداد الفرائض ب 19 ح 2 (5) الكافي 3: 451 ح 4، التهذيب 2: 12 ح 26، الوسائل 3: 57 أبواب أعداد الفرائض ب 19 ح 1 (6) الكافي 3: 294 ح 10، التهذيب 2: 276 ح 1098، الوسائل 3: 205 أبواب المواقيت ب 60 ح 1.

[ 365 ]

الأخبار يقتضي تحصيل ما فات في نفس الأمر، وهو لايتم إلا بتحصيل اليقين. قلت: لاريب أنهم متفقون على أنه لا يجب القضاء إلا مع العلم بالفوات، وخلافهم في كون القضاء تابعا للأداء وعدمه إنما هو بعد تيقن الفوت، فمن يقول بالتبعية يكفيه تيقن الفوت في وجوب القضاء، ومن يتبع الفرض الجديد فيحتاج إلى أمر آخر، فحينئذ كل ما يثبته الأمر الآخر فهو المتبع، فالأصل براءة الذمة عن الزيادة وعن القضاء حتى يتيقن الفوت، ولا يقين إلا في الأقل، فلا معنى لاستصحاب حال الأداء. وأما كون ما فات اسما للفائت في نفس الأمر ويجب الإتيان به كما فات وهو يقتضي تحصيل اليقين ليعلم أنه أتى به كما فات، فإنما يصح في مهية الفائت، إذ هو الظاهر من قوله عليه السلام " كما فات " لا العدد، سيما مع إفراد الفريضة في الحديث.

[ 367 ]

خاتمة في أحكام الجنائز وفيها مقاصد:

[ 369 ]

المقصد الأول في الاحتضار وفيه مباحث: الأول: يجب توجيه المحتضر إلى القبلة بأن يستلقي على ظهره ويجعل باطن قدميه إليها على المشهور الأقوى، للأخبار الكثيرة الحسنة بعضها، والموثقة بعضها، القوية بعضها (1)، المعتضدة كلها بعمل الأكثرين (2). والقدح في دلالة الأوامر في كلام أئمتنا على الوجوب ضعيف. نعم قوله عليه السلام في حسنة سليمان بن خالد: " فسجوه تجاه القبلة " (3) يقدح فيه لزوم اجتماع إرادة الوجوب والاستحباب بالنظر إلى الهيئة والمادة، ولكن سائر الأخبار مع استمرار العمل بطريق الالتزام يعين الوجوب.


(1) الوسائل 2: 661 أبواب الاحتضار ب 35 (2) كالمفيد في المقنعة: 73، وسلار في المراسم: 47، والقاضي في المهذب 1: 53، وابن حمزة في الوسيلة: 62، والمحقق في الشرائع 1: 36، والعلامة في المنتهى 1: 426، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 1: 355، والسيد في المدارك 2: 52 (3) الكافي 3: 127 ح 3، التهذيب 1: 286 ح 835، الوسائل 2: 661 أبواب الاحتضارب 35 ح 2

[ 370 ]

وذهب جماعة، منهم المحقق في المعتبر (1) تبعا للشيخ في الخلاف (2) إلى الاستحباب، لضعف الأخبار، وقد عرفت أنه لا وجه له. وهذا الوجوب كفائي بالإجماع على كل المكلفين والمطلعين عليه. وفي كفاية الظن بحصوله أو لزوم تحصيل العلم به قولان (3)، أظهرهما الأول. وقد يستدل عليه بأن التكليف بالعلم بحصول الفعل من الغير في المستقبل قبيح، لامتناعه، ووجوب حضور جميع أهل البلد عند الميت حتى يدفن بعيد، فإن اريد بذلك عدم وجوب الشروع على الكل أولا مع سعة الوقت فله وجه، وإن اريد به عدم وجوب العلم بحصول الفعل فلا وجه له. والأولى الاستدلال بأن حجية الاستصحاب إنما هي من جهة ظن المجتهد الناشئ عن غلبة بقاء ما ثبت ; فهو حجة ما دام الظن باقيا، ولاظن مع الظن بحصول الفعل. وإن استدل بالأخبار الصحيحة الدالة على عدم جواز نقض اليقين إلا بيقين (4) ; ففيه أنها لاحجية فيها إلا من جهة ظن المجتهد كما حققناه في الاصول، ولاظن من جهتها مع الظن بتحقق السبب الموجب لتحقق المسبب، وهو فعل الغير الموجب لسقوط التكليف، فكم من يقين نقض بالظن، مع أن العمل بظن المجتهد أيضا يقيني. وبالجملة التحقيق تقديم الظاهر على الأصل ; إلا ما دل الدليل الخارجي في


(1) المعتبر 1: 258 (2) الخلاف 1: 691 مسألة 466 (3) القول بكفايته للمحقق في المعارج: 75، والقول بالعدم للشهيد الثاني في روض الجنان: 92، وسبطه في المدارك 2: 55، والسبزواري في الذخيرة: 79، والبحراني في الحدائق 3: 359 (4) انظر الوسائل 1: 174 أبواب نواقض الوضوء ب 1، وج 5: 321 أبواب الخلل ب 10 ح 3، وج 7: 184 أحكام شهر رمضان ب 3 ح 13

[ 371 ]

مورد خاص على تقديم الأصل على الظاهر، كما في أحكام النجاسات والطهارات والأحداث ونحوها. والحاصل أن الدليل على لزوم الفعل أو العلم بفعل الغير هو استصحاب شغل الذمة لانفسه، والظن الحاصل بوجود سبب السقوط وهو فعل الغير يرفع ذلك الظن كما هو المفروض، مع أن طلب العلم موجب للحرج والعسر الشديد. والقائلون بلزوم العلم لا يكتفون بإخبار العدل (1)، بل بعضهم توقف في قبول شهادة العدلين أيضا (2). والحق على القول بلزوم العلم كفاية خبر الثقة، لدلالة آية النبأ عليه (3)، ولاريب أن حجية خبر الواحد تستلزم القول برفع البراءة اليقينية الثابتة، فكيف لا ترفع شغل الذمة الثابت. والحاصل أن ظن المجتهد قائم مقام اليقين. والقول بالاكتفاء بالظن المعلوم الحجية كالخبر وظاهر الكتاب ونحوهما غير تمام، لأنه لا دليل عليها إلا كونها ظن المجتهد كما حققناه في الاصول (4)، فلا يتفاوت الظن الحاصل منها مع الظن الحاصل من غلبة حصول السبب المستلزم للظن بحصول المسبب. مع أنا لو سلمنا الاقتصار على المعلوم الحجية فلا مناص عن العمل بخبر العدل الواحد لعموم آية النبأ، ولم نقف على من فرق بين الظنون. نعم نقل عن بعضهم كفاية العدلين (5).


(1) كما في الذخيرة: 79 (2) قد يظهر من روض الجنان: 92، والمدارك 2: 55، والذخيرة: 79، والحدائق 3: 359 (3) الحجرات: 6 (4) القوانين: 403، 440. (5) نقله في روض الجنان: 92

[ 372 ]

وتوقف فيه بعضهم، لعدم ثبوت حجيته في جميع المواضع (1). وكذا الكلام في سائر الواجبات الكفائية من أحكام الجنائز كما سيجئ. ثم إنهم ذكروا أن ذلك واجب لكل ميت مسلم، مؤالفا كان أو مخالفا، صغيرا كان أو كبيرا، ولعل مستندهم عموم الأخبار (2). وقد يستشكل في أن الأخبار لا تدل إلا على التوجيه بعد الموت (3). وفيه: أن مرسلة الصدوق المروية في حكاية رجل من ولد عبد المطلب صريحة في حالة السوق، وهي مروية في العلل وثواب الأعمال مسندة (4)، وموثقة ذريح المتقدمة أيضا كالصريحة في ذلك (5). ومع اشتباه القبلة يسقط الوجوب، وربما احتمل التوجيه إلى الجهات المختلفة، وهو ضعيف، لأن المقصود أن يموت مستقبلا، وهو لا يتحقق بذلك. ثم هل يسقط وجوب الاستقبال بالموت، أو يجب الاستمرار حتى يرفع ؟ قال في الذكرى: ظاهر الأخبار سقوط الاستقبال بموته، وأن الواجب أن يموت على القبلة، وفي بعضها احتمال دوام الاستقبال، ونبه عليه ذكره حال الغسل ووجوبه حال الصلاة والدفن وإن اختلفت الهيئة عندنا (6). ولعله أراد بظاهر الأخبار مثل موثقة ذريح ومرسلة الصدوق، وببعضها حسنة سليمان بن خالد. وكيف كان فلا ريب في أن الاستمرار أولى وأفضل.


(1) روض الجنان: 92، الذخيرة: 80 (2) الوسائل 2: 661 أبواب الاحتضار ب 35 (3) المدارك 2: 53 (4) الفقيه 1: 79 ح 352 ثواب الأعمال: 232 ح 1، علل الشرائع: 297 ب 234، الوسائل 2: 662 أبواب الاحتضار ب 35 ح 6 (5) التهذيب 1: 465 ح 1521، الوسائل 2: 661 أبواب الاحتضار ب 35 ح 1 (6) الذكرى: 37.

[ 373 ]

الثاني: يستحب التلقين بالشهادتين والإقرار بالأئمة، وأن يتابع المحتضر الملقن، لحسنة الحلبي (1)، وغيرها من الأخبار الكثيرة (2). وليكن آخر كلامه: لا إله إلا الله، فإن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة كما في رواية إسحاق بن عمار (3) وغيرها (4). وأن يلقنه كلمات الفرج، لحسنة زرارة (5) وحسنة الحلبي (6) وغيرهما (7). والتوبة، والاستغفار، والدعاء المأثور: اللهم اغفر لي الكثير من معاصيك واقبل مني اليسير من طاعتك، وما في معناه، لرواية سالم بن أبي سلمة (8) وغيرها (9). وروى الكليني عن أبي خديجة عن الصادق عليه السلام، وفى آخرها: " فلقنوهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حتى يموتوا " (10) قال: وفي رواية اخرى: " فلقنه كلمات الفرج والشهادتين وتسمي له الإقرار بالأئمة عليهم السلام واحدا بعد واحد حتى ينقطع عنه الكلام " (11). ونقل في الذكرى عن ابن الجنيد أنه قال: ولا يكثر عليه عند أحوال الغشي


(1) الكافي 3: 124 ح 9، الفقيه 1: 77 ح 346، الوسائل 2: 666 أبواب الاحتضار ب 38 ح 2 (2) الوسائل 2: 666 أبواب الاحتضار ب 38 (3) ثواب الأعمال: 232 ح 1، أمالي الصدوق: 434 ح 5، الوسائل 2: 664 أبواب الاحتضار ب 36 ح 9 (4) الوسائل 2: 662 أبواب الاحتضار ب 36 (5) الكافي 3: 122 ح 3، التهذيب 1: 288 ح 839، الوسائل 2: 666 أبواب الاحتضار ب 38 ح 1 (6) الكافي 3: 124 ح 9، الوسائل 2: 666 أبواب الاحتضار ب 38 ح 2. (7) الوسائل 2: 666 أبواب الاحتضار ب 38 (8) الكافي 3: 124 ح 10، الوسائل 2: 667 أبواب الاحتضار ب 39 ح 1 (9) الوسائل 2: 667 أبواب الاحتضار ب 39 (10) الكافي 3: 123 ح 6، الوسائل 2: 663 أبواب الاحتضار ب 36 ح 3 (11) الكافي 3: 123 ذ. ح 6، الوسائل 2: 665 أبواب الاحتضار ب 37 ح 3.

[ 374 ]

لئلا يشغل بذلك عن حال يحتاج الى معاينتها (1). ويستحب نقله إلى مصلاه الذي يصلي فيه أو عليه إذا تعسر عليه النزع، لصحيحة عبد الله بن سنان (2)، وحسنة زرارة (3)، ورواية ليث المرادي (4) وغيرها (5)، ولو جمع بينهما كان أحسن. وتغميض عينيه، وإطباق فيه بعد الموت، لموثقة زرارة (6)، ورواية أبى كهمس (7). وتغطيته بثوب ; لهذه الرواية، ولحسنة سليمان بن خالد المتقدمة (8). وفي موثقة زرارة: " أن لا تمسه في حال النزع، فإنه إنما يزداد ضعفا، وأضعف ما يكون في هذه الحال، ومن مسه في هذه الحال أعان عليه " (9). وجعل في الذكرى من المستحب أن لا يظهر عليه الجزع، لأنه إعانة عليه، لضعف نفسه (10). ويستحب أن يمد يديه وساقيه إلى جنبيه، ذكره الأصحاب، ولم نقف فيه على رواية، وتكفي فتواهم للمسامحة. وربما علل بأنه أطوع للغاسل وأسهل للدرج (11).


(1) الذكرى: 38 (2) الكافي 3: 125 ح 2، التهذيب 1: 427 ح 1356، الوسائل 2: 669 أبواب الاحتضار ب 40 ح 1 (3) الكافي 3: 126 ح 3، التهذيب 1: 427 ح 1357، الوسائل 2: 669 أبواب الاحتضار ب 40 ح 2 (4) الكافي 3: 126 ح 4، رجال الكشي 1: 202 ح 84، الوسائل 2: 669 أبواب الاحتضار ب 40 ح 4 (5) الوسائل 2: 668 أبواب الاحتضارب 40 ح 4 (6) التهذيب 1: 289 ح 841، الوسائل 2: 672 أبواب الاحتضار ب 44 ح 1 (7) التهذيب 1: 289 ح 842، الوسائل 2: 672 أبواب الاحتضار ب 44 ح 3 (8) الكافي 3: 127 ح 3، التهذيب 1: 286 ح 835، الوسائل 2: 661 أبواب الاحتضار ب 35 ح 2 (9) التهذيب 1: 289 ح 841، الوسائل 2: 672 أبواب الاحتضار ب 44 ح 1 (10) الذكرى: 37 (11) المعتبر 1: 261.

[ 375 ]

وأن يسرج عنده إن مات ليلا، وينبه عليه ما رواه الكليني في حكاية أمر الصادق عليه السلام بالإسراج في البيت الذي كان يسكنه أبوه عليه السلام (1) لدخول المقصود فيه، وهو يدل على استحباب دوام الإسراج في بيت مات فيه، إلا أن يستشكل فيه بمنع عموم الفعل، وكيف كان فيكفي في المقصود فتوى الجماعة أيضا. وأن يكون عنده من يتلو القرآن استدفاعا عنه، وسيما يس والصافات حال الاحتضار، لرواية سليمان الجعفري (2). وأن يعجلوا تجهيزه مع عدم الاشتباه بالإجماع، والأخبار الكثيرة الآمرة بالتعجيل، والناهية عن التوقف (3)، ولأنه إكرام له للحديث النبوي (4). وإيذان الإخوان ليشهدوا الجنازة من البلد وحواليه إن لم يناف التعجيل، وهو لا ينافي كراهة النعي كما نقل عن الجعفي (5). وإذا اشتبه الموت فيجب التأخير، ففي رواية علي بن أبي حمزة عن أبي إبراهيم عليه السلام: " يا علي قد دفن ناس كثير أحياء ما ماتوا إلا في قبورهم " وفيها: " إن الغريق والمصعوق ينبغي أن يتربص به ثلاثا لا يدفن، إلا أن يجئ منه ريح تدل على موته " (6). وبمضمونها غيرها مثل حسنة هشام بن الحكم (7) ورواية إسحاق بن عمار (8).


(1) الكافي 3: 251 ح 5، الفقيه 1: 97 ح 450، التهذيب 1: 289 ح 843، الوسائل 2: 673 أبواب الاحتضار ب 45 ح 1 (2) الكافي 3: 126 ح 5، التهذيب 1: 427 ح 1358، الوسائل 2: 670 أبواب الاحتضار ب 41 ح 1 (3) الوسائل 2: 674 أبواب الاحتضار ب 47 (4) الفقيه 1: 85 ح 388، الوسائل 2: 676 أبواب الاحتضار ب 47 ح 7 (5) نقله عنه في الذكرى: 38 (6) الكافي 3: 210 ح 6، التهذيب 1: 338 ح 991، الوسائل 2: 677 أبواب الاحتضار ب 48 ح 5 (7) الكافي 3: 209 ح 1، التهذيب 1: 338 ح 992، الوسائل 2: 676 أبواب الاحتضار ب 48 ح 1 (8) الكافي 3: 209 ح 2، الوسائل 2: 677 أبواب الاحتضار ب 48 ح 3.

[ 376 ]

وفي رواية عمار: " يحبس المصعوق يومين، ثم يغسل ويكفن " (1) وهي محمولة على ما حصل العلم قبل الثلاثة، وما قبلها (2) على ما لم يحصل قبلها. وكيف كان فيجب الاستبراء ثلاثة أيام أو الرجوع إلى العلامات المفيدة لذلك. وقد ذكر من علاماته انخساف صدغيه، وميل أنفه، وامتداد جلدة وجهه، وانخلاع كفه من ذراعه، واسترخاء قدميه، وتقلص انثييه إلى فوق مع تدلي الجلدة. قال في الذكرى: وقال ابن الجنيد: من علاماته زوال النور من بياض العين وسوادها، وذهاب النفس، وزوال النبض، وزعم جالينوس أن أسباب الاشتباه الإغماء، أو وجع القلب، أو إفراط الرعب، أو الغم، أو الفرح، والأدوية المخذرة، فيستبرأ بنبض عروق بين الانثيين، أو عرق يلي الحالب والذكر بعد الغمز الشديد، أو عرق في باطن الإلية، أو تحت اللسان، أو في بطن المنخر (3)، انتهى. والحاصل أن المعيار هو حصول العلم العادي بالموت، ومقتضى الأخبار أنه يحصل بمضي ثلاثة أيام، وإلا فلا معنى للتحديد به مع عدم حصول العلم. الثالث: يكره أن يحضر المحتضر جنب أو حائض بلا خلاف ظاهر، لرواية يونس بن يعقوب (4)، ورواية علي بن أبي حمزة (5)، وفي الاولى: " لا بأس أن يليا غسله " وعلل في الأخيرة بأن الملائكة تتأذى بهما، وكذا في رواية في العلل (6). والأظهر زوالها بالتيمم عند تعذر الغسل، بل وعند انقطاع الدم ولما تغتسل.


(1) الكافي 3: 210 ح 4، الوسائل 2: 677 أبواب الاحتضار ب 48 ح 4 بتفاوت (2) يعني: ما قبل هذه الرواية من الروايات، أي روايات الثلاثة (3) الذكرى: 38 (4) التهذيب 1: 428 ح 1362، الوسائل 2: 671 أبواب الاحتضار ب 43 ح 2 (5) الكافي 3: 138 ح 1، التهذيب 1: 428 ح 1361، قرب الإسناد: 129، الوسائل 2: 671 أبواب الاحتضار ب 43 ح 1 (6) علل الشرائع 1: 298 ح 1، الوسائل 2: 671 أبواب الاحتضار ب 43 ح 3.

[ 377 ]

ويكره طرح الحديد على بطنه كما نقل عن جماعة من الأصحاب (1)، وقال الشيخ: سمعناه من الشيوخ مذاكرة (2). وعن جماعة من الأصحاب كراهة غير الحديد أيضا (3)، خلافا لابن الجنيد (4)، حيث قال: يضع على بطنه شيئا يمنع ربوها. واحتج في الخلاف بإجماع الأصحاب على الكراهة (5). ولا يترك وحده، فقد روي عن الصادق عليه السلام: " ليس من ميت ترك وحده إلا لعب الشيطان في جوفه " (6).


(1) كالشيخ المفيد في المقنعة: 74، والشيخ الطوسي في الخلاف 1: 691 مسألة 467، والقاضي في المهذب 1: 54، والمحقق في الشرائع 1: 28 (2) التهذيب 1: 290 ذ. ح 844 (3) كالعلامة في التذكرة 1: 342، المنتهى 1: 427، والشهيد الثاني في المسالك 1: 80 (4) نقله عنه في المعتبر 1: 264 (5) الخلاف 1: 691 مسألة 467. (6) الكافي 3: 138 ح 1، التهذيب 1: 290 ح 844، الوسائل 2: 671 أبواب الاحتضار ب 42 ح 1 بتفاوت يسير.

[ 378 ]

المقصد الثاني في الغسل وفيه مباحث: الأول: إنه أيضا واجب كفائي بالاتفاق. ويدل على أصل الوجوب - مضافا إلى الإجماع - ظواهر الأخبار، مثل قول الصادق عليه السلام في موثقة سماعة: " غسل الجنابة واجب - إلى أن قال - وغسل الميت واجب " (1). ومثل ما رواه الصدوق في أحاديث العلل، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام، قال: " إنما امر بغسل الميت لأنه إذا مات كان الغالب عليه النجاسة " (2) الحديث. وما ورد في الأخبار فيما إذا اجتمع ميت وجنب ومحدث وهناك ماء يكفي أحدهم من تقديمه على غسل الجنابة (3)، ونحو ذلك.


(1) الكافي 3: 40 ح 3 ; الوسائل 2: 678 أبواب غسل الميت ب 1 ح 1 (2) عيون أخبار الرضا (ع) 2: 114 ح 1 (3) التهذيب 1: 110 ح 288، الاستبصار 1: 102 ح 332، الوسائل 2: 988 أبواب التيمم ب 18 ح 5.

[ 379 ]

وقالوا: أولى الناس به أولاهم بميراثه، يعني يقدم الوارث على غير الوارث، ولم يعتبروا هنا تقديم الأكثر نصيبا. واستدلوا عليه برواية غياث بن إبراهيم الرازي - ولا يخلو سندها عن قوة، لأن السند إلى عبد الله بن المغيرة الراوي عنه حسن ; مع أنها معتضدة بعمل الأصحاب - عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام، قال: " يغسل الميت أولى الناس به " (1). وقد يستشكل في الدلالة على إرادة الأولوية في الميراث، لم لا يكون المراد أشدهم علاقة به. ويستدل عليه أيضا بعموم آية اولي الأرحام (2). وتوجيهه أنها أعم من الميراث والغسل وولاية القصاص وغير ذلك، وحينئذ فإرادة الأولى بالميراث لا وجه لها، بل كل الأرحام متساوية ومقدمة على غير الأرحام، وأما تقديم بعض الأرحام على بعض فلا دليل عليه. الا أن يقال: إنه يستفاد من آية أولي الأرحام أن العلة في الأولوية هي كونه رحما، ويضاف إلى ذلك أن الأقربية مستلزمة لقوة العلة، فيقدم الأقوى على الأضعف، وبذلك يقدم الأقرب على الأبعد في الميراث، فتتم دلالة الرواية على المطلوب بإعانة ملاحظة الآية، بأن يقال: المراد بالأولى في الرواية هو الأولى في الآية، ولكن يلزمه حينئذ اعتبار تقديم الأكثر نصيبا وهم لم يعتبروه. ثم إن جماعة منهم ذكروا أن الأولياء إذا كانوا رجالا ونساءا فالرجال أولى (3)،


(1) التهذيب 1: 431 ح 1376، الوسائل 2: 718 أبواب غسل الميت ب 26 ح 1، ولكن الراوي فيها: غياث بن إبراهيم الرزامي (2) الأنفال: 75 (3) كالمحقق في الشرائع 1: 29، والعلامة في القواعد 1: 223، والشهيد الثاني في الروضة البهية 1: 406.

[ 380 ]

ولم أقف على مستنده، فإن كان أكثرية نصيب الرجال فهو مطلقا ممنوع كما هو مشاهد في الأب والبنتين، والأخ من قبل الام مع الاخت من قبل الأب. ثم إنهم أطلقوا ذلك، بل صرح المتأخرون بأن الميت لو كان امرأة تكون الولاية للرجال لا للنساء، فتتوقف على إذنهم (1). وقيل: ولاية الرجال إنما هي للرجال، وأما النساء فولايتهن للنساء (2). ورد ذلك بعدم ثبوت المستند. وقيل: إن دليل المسألة وهي رواية غياث إنما يدل على ولاية من يتمكن من المباشرة، فلابد في غيره من الرجوع إلى العمومات (3). اقول: الدليل غير منحصر فيها، بل روى الصدوق في الفقيه أيضا مرسلا، قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: يغسل الميت أولى الناس به أو من يأمره الولي بذلك " (4). مع أنا نقول عنوان المسألة في المقامين مختلف، والكلام في مماثلة الغاسل للميت مقدم على ملاحظ ثبوت (الخيرة) (5) والأولوية في حق الولي، ففي الروايتين لا التفات إلى جانب الغاسل من حيث المماثلة وعدمها، بل إنما هو من حيث الأولوية وعدمها. والجمع بين المقامين أن تحمل رواية غياث على إرادة إثبات الولاية، ويجعل الترديد في مرسلة الصدوق ناظرا إلى معنى أعم من إرادة رخصة الغير بسبب عدم الإمكان، أو مع الإمكان أيضا، لإباحة ذلك شرعا، فحينئذ يتم ثبوت


(1) كالمحقق في الشرائع 1: 29، والعلامة في التحرير 1: 17 (2) انظر جامع المقاصد 1: 360 (3) المدارك 1: 60 (4) الفقيه 1: 86 ح 394، الوسائل 2: 718 أبواب غسل الميت ب 26 ح 2 (5) في " ص ": الخبر.

[ 381 ]

الولاية للنساء على الرجال والنساء أيضا، فإن الحديثين في مقام بيان مجرد الولاية لا المباشرة. ويبقى الإشكال في تحقيق معنى " الأولى ": أنه هل هو الأولى المستفاد من آية أولي الأرحام، أو الأولى العرفي وأن الآية لا تثبت إلا تقديم جنس اولي الرحم على غيره، لا تقديم بعضهم على بعضهم، إلا على سبيل التنبيه بالعلة كما أشرنا، والاعتماد عليه مشكل. الا أن يقال: لما كان الرحم الأولى في الآية مبينا بالسنة بمن يرث، فتحمل الروايتان أيضا على الآية مع ملاحظة البيان. وفيه: أن البيان إنما هو بالنسبة إلى الميراث، وأما في مثل الغسل فلابيان، فلم يبق المناص للجماعة في تفسيرهم بالأولى بالميراث إلا الرجوع إلى العلة المشار إليها، ولا يبعد الاعتماد عليها منضما إلى فتوى الجماعة، فإن مجموع ذلك يفيد ظنا بالمقصود، ولا مناص لنا عن العمل بالظن. وأما تعيين الرجال لو اختلفوا رجالا ونساءا فمشكل، إلا أن يقال: الأولوية في هذا العمل إنما هي للرجال، لكونهم قوامين بهذا الأمر وبمعرفة حال النساء وتمشية الأمر غالبا. وذكر جماعة من الأصحاب: أنه لو لم يكن ولي فالإمام وليه مع حضوره، ومع غيبته فالحاكم، ومع عدمه فالمسلمون (1). والزوج أولى بالزوجة في كل أحكامها، لرواية إسحاق بن عمار (2)، وادعى المحقق في المعتبر الاتفاق على مضمونها (3)، وفي معناها رواية


(1) كالشهيد في الذكرى: 38 (2) الكافي 3: 194 ح 6، التهذيب 1: 325 ح 949، الوسائل 2: 715 أبواب غسل الميت ب 24 ح 9، قال: الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها، وفي طريقها سهل ومحمد بن آورمة (3) المعتبر 1: 264.

[ 382 ]

أبى بصير (1) وغيرها (2). فلا تعارض بها رواية حفص بن البختري (3) وإن كانت صحيحة، لشذوذها، وربما حملت على التقية (4). وإطلاق الروايات (5) يشمل الدائمة والمنقطعة، والحرة والأمة. وفي مباشرة تغسيل كل من الزوجين للآخر أقوال، فعن جماعة كالسيد في شرح الرسالة (6) وابن الجنيد (7) والجعفي (8) والشيخ في الخلاف والمبسوط (9) وجماعة من المتأخرين (10) جواز ذلك اختيارا مطلقا، لصحيحة عبد الله بن سنان (11)، وصحيحة منصور (12)، وحسنة محمد بن مسلم (13).


(1) التهذيب 1: 439 ح 1420، الاستبصار 1: 199 ح 701، الوسائل 2: 716 أبواب غسل الميت ب 24 ح 14، وفيها: يغسل الزوج امرأته في السفر، والمرأة زوجها إذا لم يكن معهم رجال. وفي طريقها القاسم بن محمد الجوهري، وعلي بن أبي حمزة البطائني (2) الوسائل 2: 713 أبواب غسل الميت ب 24 (3) التهذيب 3: 205 ح 486، الاستبصار 1: 486 ح 1885، الوسائل 2: 802 أبواب صلاة الجنازة ب 24 ح 4، وفيها: المرأة تموت ومعها أخوها وزوجها، أيهما يصلي عليها ؟ فقال: أخوها أحق بالصلاة عليها (4) كما في التهذيب 3: 205 (5) الوسائل 2: 713 أبواب غسل الميت ب 24 (6) نقله عن السيد في المعتبر 1: 320، والذكرى: 38. (7 و 8) نقله عنه في الذكرى: 38 (9) الخلاف 1: 698 مسألة 486، المبسوط 1: 175 (10) كالمحقق في المعتبر 1: 320، والعلامة في نهاية الإحكام 2: 229، والشهيد في الذكرى: 38، وصاحب المدارك 2: 61 (11) الكافي 3: 157 ح 2، الفقيه 1: 86 ح 401، التهذيب 1: 439 ح 1417، الاستبصار 1: 198 ح 698، الوسائل 2: 713 أبواب غسل الميت ب 24 ح 1 (12) الكافي 3: 158 ح 8، التهذيب 1: 439 ح 1418، الاستبصار 1: 199 ح 699، الوسائل 2: 705 أبواب غسل الميت ب 20 ح 1 (13) الكافي 3: 158 ح 11، التهذيب 1: 439 ح 1419، الاستبصار 1: 199 ح 700، الوسائل 2: 714 أبواب غسل الميت ب 24 ح 4.

[ 383 ]

وعن اخرى كالشيخ في النهاية (1) وابن زهرة (2) وجماعة من المتأخرين (3) اشتراط ذلك بكونه من وراء الثياب، لتقييد ما تقدم بأخبار اخر، مثل صحيحة محمد بن مسلم (4)، وصحيحة أبي الصباح (5)، وحسنة الحلبي (6) وغيرها (7)، ونسبه في المسالك إلى المشهور (8)، ولعله أراد المشهور في الأخبار كما صرح به في الذكرى (9). وذهب الشيخ في التهذيبين إلى عدم الجواز حال الاختيار (10)، لرواية أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " لا يغسل الرجل المرأة إلا أن لا يوجد امرأة " (11) وهي ضعيفة (12)، ومع ذلك فنخصصها بما تقدم. والأقوى الأول. وتحمل الأخبار المفصلة على الاستحباب، لأن ما دل على الجواز كالصريح في الجواز بدون الثوب، فليس من باب المطلق والمقيد، مع أنها موافقة للأصل والعمومات ونفي الحرج، سيما وفي المقيدات اختلال واختلاف شديد يوجب


(1) النهاية: 43 (2) الغنية (الجوامع الفقهية): 563 (3) كابن إدريس في السرائر 1: 168، والعلامة في المنتهى 1: 437، والمختلف 1: 408 (4) الكافي 3: 157 ح 3، التهذيب 1: 438 ح 1411، الاستبصار 1: 196 ح 690، الوسائل 2: 714 أبواب غسل الميت ب 24 ح 2 (5) التهذيب 1: 438 ح 1414، الاستبصار 1: 197 ح 693، الوسائل 2: 716 أبواب غسل الميت ب 24 ح 12 (6) الكافي 3: 157 ح 1، التهذيب 1: 437 ح 1410، الاستبصار 1: 196 ح 689، الوسائل 2: 714 أبواب غسل الميت ب 24 ح 3 (7) الوسائل 2: 713 أبواب غسل الميت ب 24 (8) المسالك 1: 81 (9) الذكرى: 38. (10) التهذيب 1: 438 ذ. ح 1415، الاستبصار 1: 197 ذ. ح 694 (11) التهذيب 1: 440 ح 1421، الاستبصار 1: 199 ح 702، الوسائل 2: 707 أبواب غسل الميت ب 20 ح 10 (12) لأن في طريقها محمد بن سنان وهو ضعيف، وأبا خالد وهو مهمل (انظر معجم رجال الحديث رقم 10909، 14190).

[ 384 ]

وهنها، ولا يستفاد منها أزيد من الاستحباب. وإطلاق الأدلة يشمل الدائمة والمنقطعة والحرة والأمة. قالوا: والمطلقة رجعية زوجة، بخلاف البائنة (1) والظاهر أنه لا خلاف فيه. وتدل عليه الروايات، مثل ما ورد في أخبار الرجعية أنها امرأته ما لم تنقض عدتها (2). وما ورد في أخبار موت المطلقة رجعية أنها لم تحرم عليه ولا يحرم عليها لأنها ترثه ويرثها (3). ولما ورد من الأخبار الدالة على الإرث (4)، ولا وجه لها إلا الزوجية. قال في الذكرى: ولا عبرة بانقضاء عدة المرأة عندنا، بل لو نكحت جاز لها تغسيله وإن كان الفرض بعيدا عندنا (5). وهو كذلك. ويجوز للمولى تغسيل الأمة. وأما العكس فقيل: لا ; لانتقالها إلى ملك غيره (6). وقيل: يجوز ; للاستصحاب (7)، وليس ببعيد. وقيل: لا يجوز إلا في ام الولد (8)، لرواية إسحاق بن عمار في إيصاء علي بن الحسين عليه السلام أن تغسله ام ولده (9).


(1) الذكرى: 39 (2) الوسائل 15: 479 أبواب العدد ب 47 (3) الوسائل 15: 463 أبواب العدد ب 36 (4) الوسائل 15: 463 (5) الذكرى: 40 (6) المدارك 2: 63 (7) الذخيرة: 82 (8) جامع المقاصد 1: 360 (9) التهذيب 1: 444 ح 1437، الاستبصار 1: 200 ح 704، الوسائل 2: 717 أبواب غسل الميت ب 25 ح 1.

[ 385 ]

الثاني: يجب أن يكون المغسل للمسلم مسلما. وإذا لم يوجد مسلم مماثل ولا ذو رحم، فالمشهور أن الكافر والكافرة يباشران غسل المسلم والمسلمة بعد أن يغتسلا، لموثقة عمار (1)، ورواية عمرو بن خالد (2). قال في الذكرى: ولا أعلم مخالفا لهذا من الأصحاب سوى المحقق في المعتبر محتجا بتعذر النية من الكافر مع ضعف السند (3)، وجوابه منع النية ههنا، أو الاكتفاء بنية الكافر كالعتق منه، والضعف العمل يجبره، إلى أن قال: وللتوقف فيه مجال، لنجاسة الكافر في المشهور، فكيف يفيد غيره الطهارة (4). اقول: رواية عمار موثقة منقولة في كتب المشايخ الثلاثة، والاخرى أيضا قوية فلا وجه لتضعيف السند، سيما مع اعتضادها بالعمل، لكنهما لا تدلان إلا على مباشرة النصراني أو أهل الكتاب لا مطلق الكافر، ولكنهم عمموا. ولابد للعامل بالخبرين التزام عدم لزوم النية والاكتفاء بصورة الغسل، لا لأن غسل الميت لا يحتاج إليها كما قيل لما سيجئ، ولا للاكتفاء بنية الكافر كالعتق، لعدم اعتقاده الأمر به لو فرض اعتقاده بالله أيضا، فلا يتحقق الامتثال عرفا. وكذلك لابد أن يلتزم عدم لزوم الطهارة حينئذ ; فتكون الروايتان مخصصتين لتلك القواعد. والقول " بأن الأمر بالغسل لا يستلزم المباشرة للماء والبدن فيجمع بينهما وبين


(1) الكافي 3: 159 ح 12، الفقيه 1: 95 ح 436 - 440، التهذيب 1: 340 ح 997، الوسائل 2: 704 أبواب غسل الميت ب 19 ح 1. (2) التهذيب 1: 442 ح 1433، الاستبصار 1: 203 ح 718، الوسائل 2: 710 أبواب غسل الميت ب 22 ح 4 (3) المعتبر 1: 326، وضعف سند الاولى باشتماله على بعض الفطحية على مبنى المحقق، والثانية باشتماله على بعض العامة كالحسين بن علوان، وبعض الزيدية كالراوي على مبناه، وإلا فالكل ثقات (4) الذكرى: 39.

[ 386 ]

اشتراط الطهارة " بعيد، لعدم الانفكاك غالبا، فتدل عليه الرواية بالتبع. وكذا القول بأن المسلم والمسلمة يأمران الكافر بذلك فيكون الكافر كالآلة والنية عليهما، لخلو الرواية (1) عنه، إلا أن يقال بأن المقام يدل عليه. ولكن يبقى إشكال ظهور المباشرة للماء والبدن. والقول " بأنه مبني على طهارة أهل الكتاب وحملها على التقية لذلك أيضا " بعيد، لضعف الأول، ولمنافاته الشهرة بين الأصحاب، سيما بعنوان الكافر. وبالجملة المسألة من المشكلات، ولا يخلو المشهور عن قوة، فعليك بالأخذ بمجامع الاحتياط. وهل تجب الإعادة لو وجد من يجوز له تغسيله من المسلمين ؟ فيه قولان مبنيان على مسألة اقتضاء الأمر للإجزاء، وقد مر مرارا. ولا يبعد السقوط، لعدم دلالة الأدلة إلا على المطلقة، وقد سقطت بالمطلقة الاخرى، ولم يثبت كون التكليف الأول مقيدا بالدوام ما لم يمنع مانع. الثالث: تشترط المماثلة في الذكورة والانوثة إلا في مواضع: الأول: المحارم عند الأكثر (2) إذا تعذر المماثل من وراء الثياب، لموثقة عمار (3)، و موثقة سماعة (4)، ورواية عمرو بن خالد (5)، إلا أن في رواية عمرو بن خالد:


(1) الكافي 3: 159 ح 12، الفقيه 1: 95 ح 439، 440، التهذيب 1: 340 ح 997 (2) منهم المحقق في الشرائع 1: 29، والمعتبر 1: 322، والعلامة في التذكرة 1: 359، والمنتهى 1: 437، والشهيد الثاني في الروضة البهية 1: 409 (3) الكافي 3: 159 ح 12، الفقيه 1: 95 ح 436، التهذيب 1: 340 ح 997، الوسائل 2: 706 أبواب غسل الميت ب 20 ح 5 (4) الفقيه 1: 94 ح 434، التهذيب 1: 444 ح 1345، الاستبصار 1: 204 ح 720، الوسائل 2: 707 أبواب غسل الميت ب 20 ح 9 (5) التهذيب 1: 441 ح 1426، الاستبصار 1: 201 ح 711، الوسائل 2: 707 أبواب غسل الميت ب 20 ح 8.

[ 387 ]

" يؤزرنه ويصببن عليه الماء صبا، ويمسسن جسده ولا يمسسن فرجه " وهو ظاهر في الاكتفاء بستر العورة. وعند جماعة مع وجوده أيضا (1)، واستدل عليه بصحيحة منصور (2)، وحسنة الحلبي (3)، وحسنة عبد الله بن سنان. وفي دلالتها تأمل، سيما الأخيرة، لقوله عليه السلام: " وإن لم تكن امرأته معه غسلته أولاهن به، وتلف على يديها خرقة " (4). واختار صاحب المدارك جوازه مطلقا (5)، يعني مجردا في حال الاختيار، لصحيحة منصور - ودلالتها على التجرد مع ستر العورة واضحة، وعلى الاختيار خفية - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخرج في السفر ومعه امرأته يغسلها ؟ قال: " نعم، وامه واخته ونحو هذا، يلقي على عورتها خرقة " (6). قال في الذخيرة: إنه لم يجد القول بجواز التجريد إلا في المدارك (7). اقول: والقول به قوي، إلا أن الأول أحوط. والمراد بالمحارم هنا: من يحرم نكاحها مؤبدا بنسب أو رضاع أو مصاهرة، فخرجت أخت الزوجة وبنت غير المدخول بها.


(1) النهاية ونكتها 1: 255، السرائر 1: 168، نهاية الإحكام 2: 231، رياض المسائل 2: 258 (2) الكافي 3: 158 ح 8، التهذيب 1: 439 ح 1418، الاستبصار 1: 199 ح 699، الوسائل 2: 705 أبواب غسل الميت ب 20 ح 1 (3) الكافي 3: 157 ح 1، التهذيب 1: 437 ح 1410، الاستبصار 1: 196 ح 689، الوسائل 2: 705 أبواب غسل الميت ب 20 ح 3 (4) التهذيب 1: 444 ح 1436، الاستبصار 1: 198 ح 696، الوسائل 2: 706 أبواب غسل الميت ب 20 ح 6 (5) المدارك 2: 65 (6) الكافي 3: 158 ح 8، التهذيب 1: 439 ح 1418، الاستبصار 1: 199 ح 699، الوسائل 2: 705 أبواب غسل الميت ب 20 ح 1 (7) الذخيرة: 82.

[ 388 ]

والظاهر أن المراد من الثوب هنا ما يستر البدن متعارفا، فلا يضر خروج الرأس والكفين والقدمين كما يظهر من الأخبار (1). فإن لم يوجد محرم أيضا فالمشهور أنها لا تغسل، وادعى عليه الإجماع في المعتبر، وقطع بسقوط التيمم أيضا (2)، وكذا الشيخ في عدة من كتبه (3). وعن التذكرة: قال علماؤنا: تدفن بغير غسل ولا تيمم (4). وعن المفيد وجوب الغسل من وراء الثياب (5). وعن أبي الصلاح وابن زهرة (6) اشتراط تغميض العينين. والأول أقوى، للروايات الكثيرة، منها صحيحة الحلبي (7)، وصحيحة عبد الله بن أبي يعفور (8)، وصحيحة أبي الصباح الكناني (9)، وصحيحة عبد الرحمن بن أبى عبد الله (10) وغيرها (11). وفي مقابلها روايات بعضها يدل على صب الماء عليها فوق الثياب (12)، وبعضها


(1) الوسائل 2: 705 أبواب غسل الميت ب 20 (2) المعتبر 1: 323 (3) النهاية: 42، المبسوط 1: 175، الخلاف 1: 698 (4) التذكرة 1: 360 (5) المقنعة: 87. ونقله عنه في الذكرى: 39 (6) الغنية (الجوامع الفقهية): 563 (7) الفقيه 1: 94 ح 430، التهذيب 1: 440 ح 1423، الاستبصار 1: 300 ح 706، الوسائل 2: 708 أبواب غسل الميت ب 21 ح 1 (8) الفقيه 1: 94 ح 429، التهذيب 1: 441 ح 1424، الاستبصار 1: 201 ح 707، الوسائل 2: 708 أبواب غسل الميت ب 21 ح 2 (9) التهذيب 1: 438 ح 1414، الاستبصار 1: 201 ح 709، الوسائل 2: 709 أبواب غسل الميت ب 21 ح 4 (10) التهذيب 1: 441 ح 1425، الوسائل 2: 709 أبواب غسل الميت ب 21 ح 3 (11) الوسائل 2: 708 أبواب غسل الميت ب 20 (12) التهذيب 1: 442 ح 1427، الاستبصار 1: 202 ح 712، الوسائل 2: 711 أبواب غسل الميت ب 22 ح 5.

[ 389 ]

على غسل وجهها وكفيها (1)، وبعضها على التيمم (2)، وبعضها على غير ذلك، وكلها ضعيفة لا تصلح لمقاومة ما ذكرناه. ويشكل حملها على الاستحباب (3)، لدوران الأمر بينه وبين الحرمة. الثاني: الخنثى المشكل تغسله محارمه، لعدم إمكان الوقوف على المماثل، وتجئ فيه الأقوال المتقدمة. ويشكل الأمر مع فقد المحارم. وعلى قول المفيد يغسل من وراء الثياب بطريق الأولى. وعن ابن البراج لا يغسله رجل ولا امرأة، وييمم (4). وعن ابن الجنيد تغسله أمته (5). قال في الذكرى: ولو قيل بعد الأضلاع والقرعة، فلا إشكال (6). الثالث: يجوز تغسيل ابن ثلاث سنين فما دون للمرأة مجردا وبالعكس عند جماعة مطلقا، وقيده الشيخ في النهاية (7) بعدم المماثل. وعن المفيد (8) وسلار (9) أن النساء يغسلن ابن خمس سنين مجردا، وفوقها من فوق الثياب. وجوز الصدوق تغسيل بنت أقل من خمس سنين مجردة (10).


(1) التهذيب 1: 442 ح 1429، الاستبصار 1: 202 ح 714، الوسائل 2: 709 أبواب غسل الميت ب 22 ح 1 (2) الوسائل 2: 709 أبواب غسل الميت ب 22 (3) كما في التهذيب 1: 442 (4) المهذب 1: 56 (5) نقله عنه في الذكرى: 40 (6) الذكرى: 40 (7) النهاية: 42 (8) المقنعة: 87 (9) المراسم: 50 (10) المقنع (الجوامع الفقهية): 6.

[ 390 ]

ومنع في المعتبر (1) تغسيل الرجل للصبية مطلقا، وجوز للمرأة تغسيل ابن ثلاث سنين مطلقا، نظرا إلى إذن الشارع في اطلاع النساء على الصبي، لافتقاره إليهن للتربية، بخلاف الصبية، والأصل حرمة النظر. وعن العلامة في النهاية والمنتهى والتذكرة إجماعنا على تغسيل الرجل الصبية (2). والأخبار في المسألة ثلاثة: الأولى: رواية أبي النمير قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: حدثني عن الصبي إلى كم تغسله النساء ؟ فقال: " إلى ثلاث سنين " (3). وظاهر الرواية أنه يجوز مع إكمال الثلاث، فلا وجه لتقييده بما دون الثلاث كما في الشرائع (4)، ولعله نظر إلى خروج الغاية عن المغيا، وهو بعيد. والظاهر أن منتهى الحد هو الموت، لا الغسل كما توهم. والثانية: ما رواه الشيخ، عن محمد بن أحمد بن يحيى، قال: روي في الجارية تموت مع الرجل، فقال: " إذا كانت بنت أقل من خمس سنين أو ست سنين دفنت ولم تغسل " (5) وفي الذكرى: عن ابن طاوس أن لفظة أقل وهم (6). قال الصدوق: ذكر شيخنا محمد بن الحسن في جامعه في الجارية تموت مع الرجال في السفر قال: " إذا كانت أكثر من خمس سنين أو ست دفنت ولم تغسل، وإن كانت بنت أقل من خمس سنين غسلت " قال: وذكر عن الحلبي حديثا في معناه


(1) المعتبر 1: 324 (2) نهاية الإحكام 2: 231، المنتهى 1: 436، التذكرة 1: 368 (3) الكافي 3: 160 ح 1، الفقيه 1: 94 ح 431، التهذيب 1: 341 ح 998، الوسائل 2: 712 أبواب غسل الميت ب 23 ح 1 (4) الشرائع 1: 29 (5) التهذيب 1: 341 ح 999، الوسائل 2: 713 أبواب غسل الميت ب 23 ح 3 (6) الذكرى: 39.

[ 391 ]

عن الصادق عليه السلام (1). وقال في الذكرى: وأسند الصدوق في كتاب المدينة ما في الجامع إلى الحلبي عن الصادق عليه السلام (2). وكيف كان فلا ريب في الجواز في الثلاث سنين وما دون مطلقا. ولا يبعد ترجيح الجواز فيما دون ست سنين أيضا، للأصل، والعمومات، وعدم ظهور عمومات المنع عن النظر واللمس فيه كما ذكره المحقق (3)، وعدم حصول الشهوة فيه غالبا، نعم لو فرضت الشهوة فيمنع. الرابع: المشهور وجوب الغسل لكل مسلم، عدا الخوارج، والنواصب، والغلاة، وكل من أنكر ما ثبت من الدين ضرورة، وبالجملة من يحكم بكفره، وعد منهم المجسمة. وذهب المفيد إلى حرمة تغسيل المخالف على المؤمن إلا لضرورة فيغسله غسل أهل الخلاف (4)، واستدل له الشيخ بأنه كافر ولايجوز غسل الكافر بالإجماع (5). وقال في الذكرى: وشرط سلار في الغسل اعتقاد الميت للحق (6)، قال: ويلزمه ذلك في الصلاة (7). وعن ابن البراج: لا يغسل المخالف إلا لتقية (8)، وهو المنقول عن ظاهر


(1) الفقيه 1: 94 ح 432، الوسائل 2: 713 أبواب غسل الميت ب 23 ح 4 (2) الذكرى: 39 (3) المعتبر 1: 324 (4) المقنعة: 85 (5) التهذيب 1: 335 (6) المراسم: 45 (7) الذكرى: 54 (8) المهذب 1: 56.

[ 392 ]

ابن إدريس (1)، والظاهر أن هذا هو مذهب أبي الصلاح أيضا (2)، حيث لم يجوز على منكر الإمامة كما سيجئ، ويلزم ابن إدريس ذلك أيضا من جهة منعه عن الصلاة عليهم محتجا بكفرهم. ثم حكم جمهور الأصحاب بكراهة غسل المخالف على المؤمن، والظاهر أن مرادهم مع وجود المخالف. ولم نقف على ما يدل على وجوب غسل مطلق المسلم، إلا ما ذكره في الذكرى من قول الصادق عليه السلام: " اغسل كل الموتى إلا من قتل بين الصفين " (3). ولعل هذه الرواية هي رواية أبي خالد قال، قال: " اغسل كل الموتى، الغريق وأكيل السبع وكل شئ إلا ما قتل بين الصفين " (4) الحديث، وهي مع ضعفها لاعموم فيها كما لا يخفى على المتدبر. نعم يظهر من المنتهى دعوى الإجماع على وجوب غسل كل مسلم عدا ما استثني (5)، وهو مشكل. فإذا لم يثبت الدليل على الوجوب فلا دليل على الجواز، فيقوى قول المفيد، لعدم الدليل، لا لما ذكره الشيخ، لظهور المنع. وتوجيه المحقق الأردبيلي (6) - رحمه الله - للإجماع " بأن مخالفة المفيد إنما هي لأنه لا يعتقد إسلامهم (7) " لا ينفع في دفع خروجه عن المجمعين وفى إثبات الإجماع


(1) السرائر 1: 158، 356 (2) الكافي في الفقه: 157 (3) الذكرى: 40 (4) الكافي 3: 213 ح 7، التهذيب 1: 330 ح 967، الاستبصار 1: 213 ح 753، الوسائل 2: 698 أبواب غسل الميت ب 14 ح 3 (5) المنتهى 1: 435 (6) مجمع الفائدة 1: 172 (7) المقنعة: 85.

[ 393 ]

على الوجوب لكل مسلم كما لا يخفى على المتأمل. وههنا إشكال آخر: وهو أن عموم تكليف المكلفين بغسل كل المسلمين بعنوان الوجوب الكفائي لو ثبت برواية أو إجماع فهو يقتضي التكليف بالغسل الصحيح، وهو يقتضي كون المؤمنين مكلفين بالغسل الصحيح إن لم يمنعهم مانع من خوف أو تقية، مع أنهم قالوا إنهم يغسلونهم بطريقتهم مطلقا مع الإمكان، وأيضا حكمهم بالكراهة للمؤمنين مع وجود المخالف مطلقا ينافي ذلك فوجوب تغسيل المخالف على المؤمن إن كان من جهة ذلك العموم فهو لا يلائم هذا التفصيل، ويقتضي وجوب الغسل الصحيح إن أمكن، لأنه هو المكلف به، وإن غسله المخالف أيضا، لأن عبادتهم باطلة كما حقق في محله (1). وإن كان الدليل شيئا آخر فلابد من بيانه، ولم نقف عليه. وإن استدل بما اشتهر من قولهم عليهم السلام: " ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم " (2) فنقول: النسبة بينه وبين عموم الغسل عموم من وجه، ولا وجه لترجيح الأخير. مع أنه لا معنى لتخصيص وجوب الغسل الصحيح بجواز الغسل الفاسد، بل المناسب عدم وجوب الغسل الصحيح، وليس معناه وجوب الغسل الغير الصحيح، لعدم انفكاك الجنس عن الفصل عند التحقيق، وليس معنى قولهم عليهم السلام: " ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم " غسلوا موتاهم مطلقا كما لا يخفى. والأمر بالصلاة عليهم كما سيجئ لا يستلزم وجوب الغسل كما لا يخفى. وبالجملة كلام الأصحاب في المسألة غير محرر، والأظهر عدم وجوب الغسل، وإن كان الأحوط متابعة الأصحاب. بقي الكلام في استثناء المذكورات، والتحقيق أن من يحكم بكفره منهم


(1) القوانين: 48 (2) التهذيب 9: 322 ح 1156، الاستبصار 4: 148 ح 555، الوسائل 17: 485 أبواب ميراث الإخوة ب 4 ح 5 بتفاوت.

[ 394 ]

لا إشكال في عدم جواز تغسيله وإن كان رحما أو زوجا، لعدم الدليل، بل الدليل على العدم، للإجماع، وخصوص الأخبار في بعض أقسام الكفار، مثل النصارى (1)، وظواهر بعض الآيات. ولكن الإشكال في حقيقة الكفر، فإنهم عدوا من جملة ذلك المجسمة، وفي الحكم بكفرهم مطلقا إشكال كما أشرنا إليه في مباحث النجاسات. وبعد تسليم كفرهم ففي شمول الإجماع الذي نقلوه لهم منع ; كما منعنا ذلك في نجاستهم، فإنهم مع أنهم قد ادعوا الإجماع على نجاسة الكافر مطلقا اختلفوا في نجاسة أهل الكتاب والمجسمة ثانيا، فظهر أن دعوى الإجماع إنما هي في الجملة. والكلام في تحقيق منكر الضروري أيضا لا يخلو عن غموض وإشكال، وكذا تعيين ما يفيد انكاره الكفر، وأن المعتبر في الضرورة هل هي الضرورة بالنسبة إلى المنكر أو بالنسبة إلى المجتهد، وهل يكفي فيه ظن المجتهد بأنه ضروري وظنه بأن المنكر أنكره مع كونه ضروريا عنده، أو يجب العلم به، والظاهر الأخير، وقد حققنا المقام في القوانين المحكمة. ثم إنهم ألحقوا بالمسلم الطفل المتولد منه والمجنون، ولقيط دار الإسلام. وقد يلحق به لقيط دار الكفر إذا أمكن تولده من مسلم، وفيه نظر. والكلام في تبعية مسبي المسلم له يظهر مما قدمناه في كتاب الطهارة. وفي الطفل المتولد من الزنا إشكال، والأظهر العدم. والظاهر أن البغاة لا يجوز غسلهم وكفنهم والصلاة عليهم لكفرهم، وفي الاحتجاج عن صالح بن كيسان ما يدل عليه (2)، وعن سير الخلاف: يغسل ويصلى عليه بناءا على إسلامه (3)، وهو مشكل.


(1) الوسائل 2: 703 أبواب غسل الميت ب 18 (2) الاحتجاج 2: 296، الوسائل 2: 704 أبواب غسل الميت ب 18 ح 3 (3) الخلاف: كتاب البغاة مسألة 13، ونقله عنه في التذكرة 1: 378.

[ 395 ]

الخامس: يسقط الغسل عن الشهيد المقتول في المعركة بإذن الإمام أو نائبه، وكذلك الكفن إن لم يجرد، فيصلى عليه ويدفن بثيابه بإجماع علمائنا، بل إجماع أهل العلم إلا شاذ من العامة لا يعبأ به (1). وتدل عليه صحيحة أبان بن تغلب (2)، وحسنته (3)، وحسنة إسماعيل بن جابر و زرارة (4)، وصحيحة أبي مريم الأنصاري (5)، وغيرها (6). وما ورد في بعض الأخبار الضعيفة من أنه " إذا مات من يومه أو غده فواروه في ثيابه، وإن بقي أياما حتى تتغير جراحته غسل " (7) فهو موافق للعامة كما ذكره الشيخ (8). وما في بعض الروايات من أن عليا عليه السلام لم يصل على عمار وهاشم بن عتبة (9) فقال الشيخ: إنه وهم من الراوي (10). وفي قرب الإسناد رواية تدل على أنه


(1) حكاه عن الحسن وسعيد بن المسيب في المجموع 5: 264، والمبسوط للسرخسي 2: 49، وبداية المجتهد 1: 227، والمغني 2: 398، والشرح الكبير 2: 328، وسبل السلام 2: 548 (2) التهذيب 1: 332 ح 973، الوسائل 2: 700 أبواب غسل الميت ب 14 ح 9 (3) الكافي 3: 210 ح 1، الفقيه 1: 97 ح 447، التهذيب 1: 331 ح 969، الاستبصار 1: 214 ح 755، الوسائل 2: 700 أبواب غسل الميت ب 14 ح 7 (4) الكافي 3: 211 ح 2، التهذيب 1: 331 ح 970، الاستبصار 1: 214 ح 756، الوسائل 2: 700 أبواب غسل الميت ب 14 ح 8 (5) الكافي 3: 211 ح 3، الفقيه 1: 97 ح 446، الوسائل 2: 698 أبواب غسل الميت ب 14 ح 1 (6) الوسائل 2: 698 أبواب غسل الميت ب 14 (7) التهذيب 1: 332 ح 974، وج 6: 168 ح 321، الاستبصار 1: 215 ح 758، الوسائل 2: 699 أبواب غسل الميت ب 14 ح 5 (8) التهذيب 1: 332 ذ. ح 974 (9) الفقيه 1: 96 ح 445، التهذيب 1: 331 ح 968، وج 3: 332 ح 1041، وج 6: 168 ح 322، الوسائل 2: 699 أبواب غسل الميت ب 14 ح 4 (10) التهذيب 1: 331 ذ. ح 968.

[ 396 ]

صلى عليهما (1). ثم إن الظاهر أن كل من يقتل في جهاد سائغ وإن لم يكن بحضور الإمام أو إذنه، كما لو دهم على المسلمين من يخاف منه على بيضة الإسلام واضطر إلى الجهاد معهم فهو كذلك، لإطلاق الأخبار (2)، وفاقا للمحقق في المعتبر (3) والشهيد في الذكرى (4) وبعض المتأخرين بعده (5)، وخلافا للأكثرين (6)، حيث اشترطوا الإذن الخاص. ثم إنهم اشترطوا الموت في المعركة في سقوط الغسل والكفن، وقد يقال: إن الروايات لا تدل إلا على اشتراط ترك الغسل بإدراك المسلمين إياه وليس له رمق، وهو أعم من أن يموت في المعركة أو غيرها (7). ولا يبعد أن يقال: إن الظاهر من الروايات هو الموت في المعركة، لأنه الغالب، فلا يجوز الخروج عما دل على وجوب الغسل والكفن مع احتمال عدم الموت في المعركة فضلا عما علم به. ومقتضى إطلاق النص والفتوى عدم الفرق بين الذكر والانثى، والصغير والكبير، والمقتول بالحديد وغيره، حتى بالصدم وبعود سلاحه إليه. وفي من وجد ميتا في المعركة وليس فيه أثر القتل قولان مبنيان على ترجيح


(1) قرب الإسناد: 65، الوسائل 2: 701 أبواب غسل الميت ب 14 ح 12 (2) الوسائل 2: 698 أبواب غسل الميت ب 14 (3) المعتبر 1: 311 (4) الذكرى: 41 (5) كالكركي في جامع المقاصد 1: 351، والشهيد الثاني في الروضة البهية 1: 411، وصاحب المدارك 2: 71 (6) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 84، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 181، وسلار في المراسم: 45، وابن حمزة في الوسيلة: 63، والقاضي في المهذب 1: 54، والحلي في السرائر 1: 166، وابن سعيد في الجامع للشرائع: 49، والمحقق في الشرائع 1: 37، والعلامة في المنتهى 1: 433 (7) الوسائل 2: 698 أبواب غسل الميت ب 14.

[ 397 ]

الأصل والظاهر، ولو علم الموت حتف أنفه فلا إشكال. والمشهور عدم الفرق بين الطاهر والجنب والحائض والنفساء للإطلاق، وعن ابن الجنيد (1) والسيد في شرح الرسالة (2) تغسيل الجنب لإخبار النبي صلى الله عليه وآله بغسل الملائكة حنظلة بن الراهب لخروجه جنبا (3)، وهو غير ناهض على المطلوب. واختلفوا فيما ينزع منه على أقوال شتى، والمشهور بين المتأخرين أنه ينزع عنه الفرو والجلود كالخفين (4)، لعدم صدق اسم الثياب عليه، سواء أصابها الدم أم لا. ولا يحضرني الآن من الروايات في ذلك إلا رواية عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " ينزع عن الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل إلا أن يكون أصابه دم، فإن أصابه دم ترك، ولا يترك شئ عليه معقود إلا حل " (5). ثم إن الشهيد قال: قد يطلق في الأخبار على المطعون والمبطون والمهدوم والنفساء والغريق والمقتول عند أهله وماله (6)، وليس حكمهم ما ذكرنا، والمراد مشاركتهم له في الفضل. السادس: من وجب عليه القتل من رجم أو قصاص أو غير ذلك يغتسل غسل الأموات ثلاثا بالخليطين ويتحنط ويلبس الكفن ثم يقتل، لرواية مسمع (7) المعمول


(1) نقله عنه في المختلف 1: 404، والذكرى: 41. (2) نقله عنه في الذكرى: 41 (3) الفقيه 1: 97 ح 448، الوسائل 2: 698 أبواب غسل الميت ب 14 ح 2 (4) كالمحقق في الشرائع 1: 43، والمعتبر 1: 313، وصاحب المدارك 2: 156 (5) الكافي 3: 211 ح 4، الوسائل 2: 701 أبواب غسل الميت ب 14 ح 10 (6) الذكرى: 41 (7) الكافي 3: 214 ح 1، الفقيه 1: 96 ح 443، التهذيب 1: 334 ح 978، الوسائل 2: 703 أبواب غسل الميت ب 17 ح 1.

[ 398 ]

بها عند الأصحاب بحيث لا يظهر مخالف فيها. ويصلى عليه بعد القتل. ويدفن، ويسقط عنه الغسل بعد القتل، والأظهر عدم وجوب الغسل بمسه بعد الموت. السابع: صدر الميت حكمه حكم الميت في الغسل والكفن والصلاة والدفن، لرواية الفضيل بن عثمان الأعور الصحيحة على الأظهر (1)، المعتضدة بالعمل. وما نقله في المعتبر عن جامع البزنطي عن أحمد بن محمد بن عيسى مرسلا (2)، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه (3). وهما وإن لم تدلا إلا على وجوب الصلاة، ولكن الأولوية تقتضي إثبات غيرها كما نبه عليه في الذكرى (4). كما يلاحظ في الطفل. وتركه في الشهيد إسقاط للفضل، لا لعدم الأهلية. ويمكن أن يستدل عليه بعموم رواية أبي خالد المتقدمة في المبحث الرابع (5)، وما ورد في علل الغسل من أنه لكونه جنبا، ولملاقاة الملائكة (6). بل يمكن الاستدلال عليه بصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يأكله السبع والطير فتبقى عظامه بغير لحم، كيف يصنع به ؟ قال: " يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن، فإذا كان الميت


(1) الفقيه 1: 104 ح 484، التهذيب 3: 329 ح 1030، الوسائل 2: 815 أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 4 (2) المعتبر 1: 317، الوسائل 2: 817 أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 12 (3) رجال الكشي: 556 (4) الذكرى: 41 (5) الكافي 3: 213 ح 7، التهذيب 1: 330 ح 967، الاستبصار 1: 213 ح 753، الوسائل 2: 698 أبواب غسل الميت ب 14 ح 3 (6) الوسائل 2: 678 أبواب غسل الميت ب 1 ح 3، 4.

[ 399 ]

نصفين صلي على النصف الذي فيه القلب " (1) ومثلها صحيحة خالد بن ماد القلانسي (2). فإن الظاهر منها ثبوت كل الأحكام للنصف الذي فيه الصدر، وإنما فصل في آخر الحديث لبيان عدم وجوب الصلاة على غير ما فيه الصدر، فلابد أن تحمل العظام إما على الجميع كما هو ظاهر اللفظ، أو يخص بما فيه الصدر. وكذلك حسنة محمد بن مسلم (3) الدالة على الصلاة على مطلق العظم تقيد بذلك، أو تحمل على الاستحباب. قال في الذكرى: القلب وحده كالصدر، لفحوى الرواية (4)، وكأنه أراد بها مرسلة البزنطي (5)، وتبعه في المسالك (6)، وليس ببعيد. وعن النهاية والمبسوط تحنيط ما فيه عظم (7)، ولم أقف على مستنده. وغير الصدر منه إن كان شئ فيه عظم فالمشهور المدعى عليه الإجماع في الخلاف (8) أنه يغسل غسل الأموات ويلف في خرقة ويدفن. وربما يؤيد ذلك بصحيحة علي بن جعفر (9)، بتقريب أن المراد بالعظام ليس الجميع، بل المراد هو ما يقابل اللحم كما يظهر منها، وليس ببعيد بملاحظة السياق، ولا يضر ذكر الصلاة فيها بعد ملاحظة آخرها.


(1) الكافي 3: 212 ح 1، التهذيب 1: 336 ح 983، الوسائل 2: 816 أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 6 (2) التهذيب 3: 329 ح 1027، الوسائل 2: 816 أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 5 (3) الكافي 3: 212 ح 2، التهذيب 1: 336 ح 984، الوسائل 2: 816 أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 8 (4) الذكرى: 41 (5) المتقدمة عن المعتبر. (6) المسالك 1: 83 (7) النهاية: 40، المبسوط 1: 182 (8) الخلاف 1: 715 مسألة 527 (9) الكافي 3: 212 ح 1، التهذيب 1: 336 ح 983، الوسائل 2: 816 أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 6.

[ 400 ]

وفي لحوق المبانة من الحي قولان، جعل أشهرهما في المسالك اللحوق (1)، ويمكن الاستدلال عليه بصحيحة أيوب بن نوح، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة " (2) الحديث. وقال في الذكرى: الظاهر الملازمة بين وجوب الغسل عن مس شئ ووجوبه له (3)، وتدل الصحيحة المذكورة على وجوب الغسل عن مس ما فيه عظم، وفيه إشكال، وذهب المحقق إلى العدم (4)، وهو مقتضى الأصل. والظاهر أن المراد بالكفن هي القطع الثلاثة كما صرح به جماعة، وربما يحتمل اعتبار حال اتصال العضو ; فإن كانت تناله القطعات الثلاثة فالثلاث، وإن اثنان فاثنان، ويلزمه في مثل الرأس وحده والقدمين كفاية الواحدة. وإن لم يكن فيه عظم، فيلف في خرقة ويدفن على المشهور، ولم نقف على ما يدل على اللف، ولا بأس باتباعهم (5). وفي حكم الصدر السقط إذا كان له أربعة أشهر على المشهور، إلا في الصلاة، فيغسل ويكفن على المعهود فيهما ويحنط ويدفن. وظاهر المحقق في الشرائع أنه يغسل ويلف في خرقة ويدفن (6)، والأول أظهر، لموثقة سماعة الدالة على وجوب الغسل واللحد والكفن إذا استوت خلقته (7)،


(1) المسالك 1: 83 (2) الكافي 3: 212 ح 4، التهذيب 1: 429 ح 1369، الاستبصار 1: 100 ح 325، الوسائل 2: 931 أبواب غسل المس ب 2 ح 1 (3) الذكرى: 78 (4) المعتبر 1: 352 (5) منهم الشيخ في الخلاف 1: 164 مسألة 26، والمحقق في المعتبر 1: 279، والشرائع 1: 31، والشهيد في الذكرى: 46، والكركي في جامع المقاصد 1: 381 (6) الشرائع 1: 30 (7) الكافي 3: 208 ح 5، التهذيب 1: 329 ح 962، الوسائل 2: 695 أبواب غسل الميت ب 12 ح 1.

[ 401 ]

والظاهر التلازم بينه وبين تمام الأربعة. والمراد باللحد الدفن، فلا ينافي الوجوب. وتدل على وجوب الغسل أيضا رواية زرارة في الكافي (1)، ومرفوعة أحمد بن محمد (2). والمتبادر من الكفن هو المعهود. ولا صلاة عليه باتفاق العلماء كما في المعتبر (3). وأما إذا لم يكن له أربعة أشهر فهو كاللحم بلا عظم يلف في خرقة ويدفن على المشهور، ويظهر من الفاضلين الإجماع عليه من العلماء عدا ابن سيربن (4). ويدل عليه أيضا إطلاق رواية محمد بن الفضيل (5)، وليس فيها اللف، ويكفي الإجماع المنقول. الثامن: تجب إزالة النجاسة عن الميت قبل الغسل بلا خلاف بين العلماء كما في المنتهى (6). وقد يستدل عليه بالأمر بغسل الفرج وإنقائه في رواية الكاهلي (7)، ورواية يونس (8)، وهو غير ناهض، لأن الغسل أعم من النجاسة، فيحتمل التعبد، سيما إذا كان الفرج طاهرا كالغريق.


(1) الكافي 3: 206 ح 1 (2) التهذيب 1: 328 ح 960، الوسائل 2: 695 أبواب غسل الميت ب 12 ح 2 (3) المعتبر 1: 319 (4) المحقق في المعتبر 1: 320، والعلامة في التذكرة 1: 370 (5) الكافي 3: 208 ح 6، التهذيب 1: 329 ح 961، الوسائل 2: 696 أبواب غسل الميت ب 12 ح 5 (6) المنتهى 1: 428 (7) الكافي 3: 140 ح 4، التهذيب 1: 298 ح 873، الوسائل 2: 681 أبواب غسل الميت ب 2 ح 5 (8) الكافي 3: 142 ح 5، التهذيب 1: 301 ح 877، الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2 ح 3.

[ 402 ]

وكذلك الإنقاء مع أن في رواية عمار: " فيغسل الرأس واللحية بسدر حتى ينقيه " (1). فالاعتماد على ظاهر الإجماع المنقول. واستبعاد تطهير المحل عن الخبث مع بقاء نجاسة الموت غير ملتفت إليه بعد الدليل. ولا يتم الاستدلال برواية محمد بن مسلم الدالة على أن غسل الميت كغسل الجنابة (2) فإن مقتضاها بعد تسليم العموم جواز تطهير كل عضو قبل غسل ذلك العضو، وهم لا يقولون به ههنا، بل يوجبون التقديم مطلقا، نعم يدل على وجوب الإزالة في الجملة. التاسع: يغسل الميت بالسدر أولا، ثم بالكافور، ثم بالقراح ; وجوبا على المعروف من مذهب الأصحاب، عدا سلار، فإنه اكتفى بواحدة بالقراح (3)، لقوله عليه السلام وقد سئل عن الميت يموت وهو جنب: " يغسل غسلا واحدا " (4) وهو غير ناهض على مطلوبه، وكذلك لو أراد الأولوية، مع معارضته بالأخبار المستفيضة المعتبرة المعتضدة بفهم الأصحاب الواردة في مقام البيان (5). واشتمالها على المستحبات لا يخرجها عن الحجية بحسب الأصل. ويكفي في الخليط ما يحصل به المسمى، بأن يقال في العرف إنه غسل بماء السدر أو بماء وسدر، أو الكافور كذلك. ومتفاهم العرف تمازجه مع الماء، فلابد من الطحن أو التمريس إن كان رطبا ليصدق الغسل به.


(1) التهذيب 1: 305 ح 887، الوسائل 2: 684 أبواب غسل الميت ب 2 ح 10 (2) التهذيب 1: 447 ح 1447، الوسائل 2: 685 أبواب غسل الميت ب 3 ح 1 (3) المراسم: 47 (4) الكافي 3: 154 ح 1، التهذيب 1: 432 ح 1384، الاستبصار 1: 194 ح 680، الوسائل 2: 721 أبواب غسل الميت ب 31 ح 1. (5) الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2.

[ 403 ]

وعن المفيد تقدير السدر بالرطل (1)، وعن ابن البراج برطل ونصف (2)، ولم نقف على مستندهما. وعن بعضهم اعتبار سبع ورقات (3)، وهو موجود في رواية عبد الله بن عبيد (4)، ورواية معاوية بن عمار (5)، لكنهما متشابهتا الدلالة لا يمكن الاعتماد عليهما في المطلوب. ولو خرج بالخليط عن الإطلاق ففي الجواز قولان (6)، نظرا إلى إطلاق الأخبار واتفاق الأصحاب على شرعية السدر كما نقله في الذكرى (7)، وإلى أن المتبادر من الغسل هو الغسل بالمطلق، ولظاهر قوله عليه السلام في صحيحة ابن مسكان: " اغسله بماء وسدر، ثم اغسله على أثر ذلك غسلة اخرى بماء وكافور وذريرة إن كانت، واغسله المرة الثالثة بماء قراح " (8) وفى معناها غيرها (9)، وفي بعضها " بماء " (10) وفى بعضها " بماء بحت " (11) بدل القراح. والأظهر الثاني، لأن شرعية السدر أعم من حصول الإضافة، ودلالة لفظ " الماء " على المطلق نص بالنسبة إليه، وإطلاق ماء السدر والكافور في بعض


(1) المقنعة: 74 (2) المهذب 1: 56 (3) التذكرة 1: 352، روض الجنان: 99 (4) التهذيب 1: 302 ح 878، الاستبصار 1: 206 ح 726، الوسائل 2: 689 أبواب غسل الميت ب 6 ح 2 (5) التهذيب 1: 303 ح 882، الاستبصار 1: 207 ح 729، الوسائل 2: 683 أبواب غسل الميت ب 2 ح 8 (6) قال بعدم الجواز في القواعد 1: 224، والتذكرة 1: 352، ونهاية الإحكام 2: 223، وبالجواز في المدارك 2: 82، والبحار 78: 292، والحدائق 3: 459. (7) الذكرى: 46 (8) الكافي 3: 139 ح 2، التهذيب 1: 300 ح 875، الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2 ح 1 بتفاوت (9) الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2 (10) التهذيب 1: 446 ح 1443، الوسائل 2: 682 أبواب غسل الميت ب 2 ح 6 (11) الكافي 3: 138 ح 1، التهذيب 1: 299 ح 874، الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2 ح 2.

[ 404 ]

الأخبار (1) أيضا معارض بإطلاق ماء وسدر أو كافور في الأخر. والمراد بالقراح هنا ما خلا عن الخليطين بشهادة المقام، لا الخالص عن مطلق الشوب كما في اللغة (2)، فلا تضر مخالطته بالطين وغيره مادام مطلقا، وعلى هذا فالأظهر اعتبار خلوص الماء في الثالثة عن الخليطين. ويجب الترتيب بين أعضاء الغسل كغسل الجنابة، لابين أجزاء الأعضاء، وادعى عليه اتفاقنا في الذكرى (3)، وتدل عليه الأخبار المستفيضة (4)، وكذلك بين الغسلات الثلاث. قال في الذكرى (5): ويلوح من كلام ابن حمزة (6) استحباب الترتيب، للأصل، وحمل الروايات على الندب، وهو ضعيف. وذكر جماعة من المتأخرين أنه يسقط الترتيب في أعضاء الغسل بغمس الميت في الماء غمسة واحدة (7)، لرواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام رواها الشيخ في الزيادات، قال: " غسل الميت مثل غسل الجنب " (8) واستضعفها في المدارك (9)، والأظهر أن سندها معتبر. نعم يمكن القدح في استفادة العموم حتى للارتماس، فإن الارتماس في غسل الجنابة إنما هو من باب الإجزاء، والأصل فيه الترتيب كما مر في محله، وجواز


(1) الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2 (2) مجمع البحرين 2: 482، المصباح المنير 2: 496 (3) الذكرى: 45 (4) الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2 (5) الذكرى: 45 (6) الوسيلة: 64 (7) إيضاح الفوائد 1: 60، المسالك 1: 85 (8) التهذيب 1: 447 ح 1447، الوسائل 2: 685 أبواب غسل الميت ب 3 ح 1 (9) المدارك 2: 81، ولعل وجه التضعيف هو الكلام في إبراهيم بن مهزيار فإنه لم يثبت توثيقه (انظز معجم رجال الحديث رقم 318).

[ 405 ]

الارتماس في الغسل من أحكام الجنب، لاغسله. وتجب فيه النية على المشهور المدعى عليه الإجماع من الخلاف (1)، خلافا للسيد (2)، لأنه تطهير من نجاسة الموت، وتردد في المعتبر (3). والأقوى الأول، لأنه من التوقيفيات، ولا يتحقق الامتثال عرفا إلا مع قصده فيها، وليس كغسل الثوب والآنية. وتؤيده رواية ابن مسلم المتقدمة (4) مع كل ما ورد في علة الغسل من أنه للجنابة وغير ذلك (5). والخلاف في وجوب نيات ثلاث أو تكفي واحدة على المختار المحقق من كون النية هي الداعي إلى الفعل، لا المخطر بالبال غير مثمر. نعم تظهر الثمرة في الخلاف في أنها فعل واحد مركب من أفعال، أو أفعال متعددة مستقلة. ومن ثمراتها أنه إذا لم يوجد الماء إلا بقدر غسل واحد فهل يجب أم لا ؟ وسيجئ الكلام فيه. والنية على الغاسل لاغيره، والظاهر أنه هو الصاب للماء، لا المقلب. ولو اشتركوا ولو بصب أحدهم وإيصال الآخر إلى الأعضاء بيده فيشتركون في النية، وإن تفرقوا بغسل كل منهم جزءا على الترتيب، فعلى كل منهم النية. العاشر: إنما تجب الغسلات الثلاث مع وجود الماء، وإلا فيكتفى بما تيسر،


(1) الخلاف 1: 702 مسألة 492 (2) نقله عنه في مجمع الفائدة 1: 183، والذخيرة: 83 (3) المعتبر 1: 265 (4) التهذيب 1: 447 ح 1447، الوسائل 2: 685 أبواب غسل الميت ب 3 ح 1 (5) الوسائل 2: 685 أبواب غسل الميت ب 3.

[ 406 ]

ولو كان غسلة واحدة، والظاهر أنه لا خلاف فيه، وإلا لأمكن المناقشة بأنه لا يتم إذا قلنا بأن الغسل اسم لمجموع الغسلات وأن الثلاث شئ واحد مركب من الغسلات كأعضاء الغسل بناءا على جعله من باب إجراء الحكم في بعض الأجزاء العقلية بعد انتفاء بعض آخر. ثم إن الأظهر أنه يقدم الغسل بالسدر ثم بالكافور أيضا إن وجد الماء لغسلتين. وفي الذكرى (1): قدم القراح لو وجد الماء لغسلة، لكونه أقوى في التطهير، والسدر لو وجد لغسلتين، لوجوب البدأة به، ويمكن الكافور لكثرة نفعه، والظاهر أنه يقدم السدر في الترتيب أيضا حينئذ أو الكافور على الاحتمال الآخر. وفي وجوب التيمم عوضا عن المتعذر قولان للشهيدين في الذكرى والمسالك، أولهما للثاني، لعموم البدلية (2)، وثانيهما للأول لحصول مسمى الغسل (3)، وفي الدليلين نظر، والأحوط الأول، هذا إذا أعوز الماء. وأما لو فقد الخليط ففي تبديل الغسل بالقراح عنه قولان (4)، أظهرهما العدم، لعدم الدليل، والأمر بالغسل بالخليط يقتضي الإمكان. ومع التعذر لا يمكن، وانتفاء الجزء مستلزم لانتفاء الكل. واحتج الآخرون (5) بأن الإنسان مكلف باستعمال الماء والخليط، وتعذر الثاني لا يستلزم تعذر الأول. وفيه: أن الغسل بماء السدر ماهية بسيطة موجودة بوجود واحد، وتنتفي الماهية


(1) الذكرى: 45. (2) المسالك 1: 85 (3) الذكرى: 45 (4) القول بالتبديل للحلي في السرائر 1: 169، والعلامة في القواعد 1: 224، والكركي في جامع المقاصد 1: 372، وصاحب الرياض 2: 154، والقول بالسقوط للمحقق في المعتبر 1: 266، والشهيد في الذكرى: 45، وصاحب المدارك 2: 84 (5) انظر جامع المقاصد 1: 372.

[ 407 ]

بانتفاء كل من جزأيها. والتحقيق أنه لابقاء للجنس بعد انتفاء الفصل، فلا يمكن التمسك بالاستصحاب، وليس ذلك مثل الأجزاء الخارجية كالأقطع الذي يجب عليه الوضوء، مع أن الظاهر أن المركبات الخارجية أيضا مركبات ذهنية، فإن اليد مثلا هي جارحة مركبة من أجزاء معينة، وبانتفاء كل منها تنتفي اليد، والحكم ثمة لدليل آخر. نعم يتم الكلام في المأمور به المتعدد، وعليه يبتني حكم لزوم المقدور من الأغسال الثلاثة لو تعذر الجميع، وقد عرفت الإشكال فيه أيضا. وقد يستدل عليه بقوله عليه السلام: " إذا أمرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم " (1) " والميسور لا يسقط بالمعسور " (2) و " ما لا يدرك كله لا يترك كله " (3). وفيه أيضا بحث، فإن الظاهر أن المراد من كلمة " من " بعض الأفراد لا الأجزاء، وكذلك لابد من تقدير هذه الكلمة في الروايتين الأخيرتين، واستعمالها في المعنيين لا يمكن على التحقيق، وإرادة عموم المجاز يحتاج إلى القرينة. واستدل في الذخيرة باستصحاب شغل الذمة اليقينية المستدعية لبراءة الذمة اليقينية (4)، وهو ممنوع، لأن القدر المسلم من الاشتغال هو بما لم يكن خارجا من الأمرين، لا الشئ المجمل في الظاهر المطلوب منه شئ واقعي حتى يلزم الإتيان بما يوجب اليقين، وأصل البراءة يقتضي العدم. وإذا تعذر أحد الأغسال ففي وجوب التيمم عنه قولان ناظران إلى كون المجموع غسلا واحد أو كل منها، والتحقيق أن المعنيين كلاهما بحسب النظر الظاهر موجبان


(1) صحيح مسلم 2: 975 ح 412 (2) عوالي اللآلي 4: 58 ح 205 (3) عوالي اللآلي 4: 58 ح 207 (4) الذخيرة: 83.

[ 408 ]

للتيمم، أما الأول فلانتفاء الكل بانتفاء الجزء، فيثبت البدل، فما أتي به من الغسل تعبد محض، وأما الثاني فلعموم البدلية. وأما عند التدقيق فالأولى الاعتماد على الأصل، لتساقط الوجوه بتعارضها. وإن كان ولابد فتيمم عن المجموع، أو عما في الذمة. ولو وجد الخليط قبل الدفن ; ففي وجوب الإعادة قولان، وقضية اقتضاء الأمر للإجزاء العدم، وبقاء إطلاق الأمر بعد تبدل التكليف مشكل. وأما لو وجد الماء بقدر ما فقد من الأغسال، فعلى ما اخترناه من تقديم الأول فالأول، فيأتي بالباقي لبقاء المحل وعدم وجوب الموالاة، وعلى القول بتقديم القراح أو الكافور على السدر كما احتمله في الذكرى (1) ففيه الإشكال. وعن جماعة من الأصحاب أن غسل المس (2) لا يسقط بالأغسال الناقصة (3)، وأولى منه التيمم، وفيه إشكال، للأصل، واقتضاء البدلية، ومنع شمول الإطلاق، والأحوط ما ذكروه. الحادي عشر: إذا خيف من تغسيله تناثر جلده كالمحترق والمجدور يمم، وهو مذهب الأصحاب، وقال في التهذيب: وبه قال جميع الفقهاء إلا الأوزاعي (4). واستدل عليه برواية زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، قال: " إن قوما أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: يا رسول الله مات صاحب لنا وهو مجدور، فإن غسلناه انسلخ، فقال: يمموه " (5).


(1) الذكرى: 45 (2) في " م ": غسل الميت (3) كالكركي في جامع المقاصد 1: 372، وصاحب المدارك 2: 279 (4) وجدناه في الخلاف 1: 717. (5) التهذيب 1: 333 ح 977، الوسائل 2: 702 أبواب غسل الميت ب 16 ح 3.

[ 409 ]

ولا وجه لقدح بعض المتأخرين في السند والتمسك بالأصل في نفي التيمم (1) مع عمل الأصحاب عليه وظاهر الإجماع وعموم بدلية التيمم عن المائية كما حققناه في محله (2). واحتمال كون غسل الميت في الأصل لرفع الخبث لا الحدث بعيد ينافيه ما ورد في علل غسل الميت (3)، وكذا ما ورد أنه مثل غسل الجنابة (4). وقد عارض الرواية صاحب المدارك والذخيرة بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن عليه السلام: عن ثلاثة نفر كانوا في سفر، أحدهم جنب، والثاني ميت، والثالث على غير وضوء، وحضرت الصلاة ومعهم ماء يكفي أحدهم، من يأخذ الماء ويغتسل به ؟ وكيف يصنعون ؟ قال: " يغتسل الجنب، ويدفن الميت، ويتيمم الذي عليه الوضوء، لأن الغسل من الجنابة فريضة، وغسل الميت سنة، والتيمم للآخر جائز " فإنها كالصريحة في سقوط التيمم (5). وفيه أولا: أنا لم نقف على هذه الرواية في شئ من الاصول، والموجود في التهذيب إنما هي رواية عبد الرحمن بن أبي نجران، عن رجل حدثه، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام الحديث، فهو مرسل (6)، لكن الصدوق رواها عنه عن أبي الحسن موسى عليه السلام، فيكون الحديث مسندا صحيحا، لكن فيه بعد قوله " ويدفن الميت " كلمة " بتيمم " ثم قال: " ويتيمم الذي عليه


(1) قال في المدارك 2: 85 بعد ذكر الرواية: وهي ضعيفة السند باشتمالها على جماعة من الزيدية (2) راجع الجزء الأول (3) الوسائل 2: 678 أبواب غسل الميت ب 1. (4) الوسائل 2: 685 أبواب غسل الميت ب 3 (5) المدارك 2: 85، الذخيرة: 84، وهذه الرواية غير موجودة في المصادر، والموجود الرواية عن عبد الرحمن بن أبي نجران، ولعله سهو منهما، فقد أوردها صاحب المدارك في ص 251 كما في المصادر (6) التهذيب 1: 109 ح 285، الوسائل 2: 987 أبواب التيمم ب 18 ح 1. وأوردها في الاستبصار 1: 101 ح 329.

[ 410 ]

وضوء " (1) ولعله سقط من قلم الشيخ أو النساخ بتوهم التكرار. وبالجملة لا تأمل في وجوب التيمم بدل غسل الميت في الامور المذكورة وفى غيرها أيضا، كما لو فقد الماء رأسا أو تعذر استعماله، لعموم البدلية المستفادة من الأخبار المعتبرة كما حققناه في محله. ثم إن مقتضى كون الأغسال الثلاثة غسلا واحدا وحدة التيمم، وهو ظاهر إطلاق النص، قال في الذكرى: وهو ظاهر الخبر والأصحاب (2). وجزم في المسالك بوجوب التعدد والضربتين لكونه بدل الغسل (3)، وهو ضعيف. والظاهر أن المراد التيمم بيد الحي، لا الميت كالحي العاجز من كل وجه. تنبيه: افتى الشيخ في النهاية (4) والفاضلان (5) وغيرهما (6) بمضمون الصحيحة المتقدمة، ونقل المحقق قولا بتقديم الميت (7)، وعن الشيخ في الخلاف ما يقتضي التخيير، وانتفاء الأولوية (8). ومحل النزاع فيما لو كان ملكا لجميعهم أو لمالك يسمح ببذله، فإن له الخيار في تخصيص أيهم شاء، والكلام في أنه من الأفضل، فلو كان ملكا لأحدهم وكان


(1) الفقيه 1: 59 ح 222، الوسائل 2: 987 أبواب التيمم ب 18 ح 1 (2) الذكرى: 42 (3) المسالك 1: 86 (4) النهاية: 50 (5) المحقق في المعتبر 1: 405، والعلامة في المنتهى 1: 157 (6) كالشهيد في الدروس 1: 132، والكركي في جامع المقاصد 1: 511 (7) نقله عنه في الشرائع 1: 42 (8) الخلاف 1: 167 مسألة 119.

[ 411 ]

مخاطبا باستعماله لا يجوز صرفه إلى غيره، ولا يجب عليه بذله للغير مع عدم المخاطبة أيضا. ولو كان مباحا وجبت على كل من الحيين حيازته، فإن سبق أحدهما إليه اختص به، وإن أثبتا اليد عليه دفعة اشتركا (ولو توافيا دفعة اشتركا) (1) ولو تغلب أحدهما أثم، وفي تملكه حينئذ قولان. ثم الأقرب القول الأول، للصحيحة المذكورة، ورواية الحسن التفليسي (2)، ورواية الحسين بن النضر الأرمني (3). وحجة القول الثاني رواية محمد بن علي (4)، وهي مع إضمارها وإرسالها لا تعارض الأخبار المعتضدة بالشهرة التي منها الصحيحة. ومن ثمرات المسألة: ما لو التمس المالك الأولى ولم يجوز للغير، أو أوصى للأولى أو نذر له، فيتعين الجنب. ولو كفى الماء للمحدث خاصة ففي اختصاصه به أو صرفه الى بعض أعضاء الجنب توقعا للباقي إذا رجا حصوله وقت الصلاة وجهان، فلو استعمله وتعذر الإكمال يتيمم للصلاة. ولو أمكن الجمع بأن يتوضأ المحدث ويجمع الماء ثم يغتسل الجنب فعل، وإن قلنا برافعية غسالة الحدث الأكبر فيجمع ويغسل به الميت إن أمكن، وقد عرفت في محله أن الأقوى العدم. ولو اجتمع محدث وجنب فعن الشيخ أقوال ثلاثة (5): التخيير، وتقديم


(1) مابين القوسين ليس في " ص ". (2) التهذيب 1: 109 ح 286، الاستبصار 1: 101 ح 330، الوسائل 2: 988 أبواب التيمم ب 18 ح 3 (3) التهذيب 1: 110 ح 287، الاستبصار 1: 102 ح 331، الوسائل 2: 988 أبواب التيمم ب 18 ح 4 (4) التهذيب 1: 110 ح 288، الاستبصار 1: 102 ح 332، الوسائل 3: 988 أبواب التيمم ب 18 ح 5 (5) النهاية: 50.

[ 412 ]

المحدث، وتقديم الجنب ; نقلها في المنتهى (1). ورواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم كانوا في سفر فأصاب بعضهم جنابة وليس معهم من الماء إلا ما يكفي الجنب، أيتوضؤن هم هو أفضل، أو يعطون الجنب فيغتسل وهم لا يتوضؤن ؟ فقال: " يتوضؤن هم ويتيمم الجنب " (2) يقتضي ترجيح المحدثين إذا اجتمعوا مع الميت، ولا يبعد عدها من الموثقات، ولكن بمزاحمتها للأخبار المتقدمة من وجه يشكل الترجيح. وههنا فروع وصور في اجتماع المحتاجين، كذوات الدماء، ومن مس الميت، و مزيل الطيب عن المحرم، والنص مفقود، فلا يبعد القول بالتخيير، وللقرعة أيضا وجه. والمضطر للعطش أولى من الجميع. الثاني عشر: يستحب أن يوضع الميت على لوح على مرتفع مع كون موضع الرجلين أخفض، صونا عن التلطخ واجتماع الماء تحته، وفي الأخبار تنبيهات على الاهتمام بتنظيف الميت (3). وأن يكون مستقبل القبلة كحال الاحتضار، ورجحانه اتفاق أهل العلم كما في المعتبر (4)، ومدلول عليه بالأخبار الكثيرة. وعن ظاهر المبسوط الوجوب، لظاهر الأمر (5)، واختاره المحقق الثاني (6) وفي


(1) المنتهى 1: 158 (2) التهذيب 1: 190 ح 548، الوسائل 2: 988 أبواب التيمم ب 18 ح 2 (3) الوسائل 2: 678 أبواب غسل الميت ب 1 (4) المعتبر 1: 269 (5) المبسوط 1: 77 (6) جامع المقاصد 1: 374.

[ 413 ]

المسالك (1)، وصحيحة يعقوب بن يقطين تنفيه (2)، وتوجب حمل الأمر على الاستحباب. وأن يكون تحت الظلال، لاتفاق علمائنا كما في الذكرى (3)، لصحيحة علي بن جعفر (4). وأن يجعل للماء حفيرة، لحسنة سليمان بن خالد (5). ويكره إرساله في الكنيف للإجماع كما في الذكرى (6)، ويجوز في البالوعة، وتدل عليهما صحيحة الصفار (7). وأن يفتق قميصه وينزعه من تحته، لكونه أرفق به وأدخل في صيانته عن التلطخ بالنجاسة (8) الموجودة في أسافله، وهما منبهان عليهما في الأخبار، مع أن الشهرة كافية في المستحب. ويمكن الاستدلال بصحيحة عبد الله بن سنان المروية في الكافي وفيها: " ثم يخرق القميص إذا غسل وينزع من رجليه " (9) وهذا إذا أمكن برضا الوارث البالغ الرشيد. وفي أفضلية تغسيله في القميص للأخبار الصحيحة (10)، ومجردا عنه مع ساتر


(1) المسالك 1: 86 (2) التهذيب 1: 298 ح 871، الوسائل 2: 688 أبواب غسل الميت ب 5 ح 2 (3) الذكرى: 45 (4) الكافي 3: 142 ح 6، الفقيه 1: 86 ح 400، التهذيب 1: 431 ح 1379، الوسائل 2: 720 أبواب غسل الميت ب 30 ح 1 (5) الكافي 3: 127 ح 3، الفقيه 1: 123 ح 591، الوسائل 2: 661 أبواب الاحتضار ب 35 ح 2 (6) الذكرى: 45 (7) الكافي 3: 150 ح 3، التهذيب 1: 431 ح 1378، الوسائل 2: 720 أبواب غسل الميت ب 29 ح 1 (8) في " ص " زيادة: العالية، وفي " ح ": العالم (9) الكافي 3: 144 ح 9 (10) الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2.

[ 414 ]

للعورة، لكونه أدخل في التمكن من الغسل والتجنب عن مخالفة الأدلة الدالة على لزوم العصر في تطهير الثوب قولان. وعن ابن حمزة إيجاب الثاني (1). ولا يبعد ترجيح الأول، للأخبار (2)، ولفعل علي عليه السلام في غسل رسول الله صلى الله عليه آله (3)، فيكون وجوب العصر مخصصا بذلك. ويستحب ستر العورة مع وثوق الغاسل من نفسه، أو كونه أعمى، أو كون الميت طفلا أو زوجا أو زوجة على المختار، حذرا عن النظر غلطا، وخروجا عن الخلاف في البعض، وإلا فيجب. وأن يلين أصابعه برفق قبل الغسل، لرواية الكاهلي (4)، وادعى عليه الإجماع في المعتبر (5)، وعن ابن أبي عقيل المنع (6)، لرواية طلحة بن زيد (7)، وحملت على ما بعد الغسل. وأن يغسل رأسه برغوة السدر قبل الغسل، ذكره جماعة من الأصحاب (8)، واستشكله في المدارك (9) والذخيرة (10)، لعدم دلالة الأخبار، إلا على كون ذلك


(1) الوسيلة: 64 (2) الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2 (3) التهذيب 1: 268 ح 1535، الوسائل 2: 678 أبواب غسل الميت ب 1 ح 2 (4) الكافي 3: 140 ح 4، التهذيب 1: 298 ح 873، الوسائل 2: 681 أبواب غسل الميت ب 2 ح 5 (5) المعتبر 1: 272 (6) نقله عنه في المختلف 1: 382 (7) التهذيب 1: 323 ح 941 (8) كالمحقق في الشرائع 1: 31، والعلامة في الإرشاد 1: 230، والتذكرة 1: 351 مسألة 125، والشهيد في البيان: 70 (9) المدارك 2: 89 (10) الذخيرة: 84.

[ 415 ]

في غسل الرأس الذي هو جزء الغسل لا مستقلا (1). أقول: قال في الذكرى: وعن يونس عنهم عليهم السلام: " يخرج يداه من القميص ويجمع على عورته، ويرفع من رجليه إلى فوق ركبتيه، وإن لم يكن قميص فخرقة على العورة، ويضرب السدر ليرغى، فتعزل الرغوة، فيغسل يدي الميت ثلاثا إلى نصف الذراع كما يغسل من الجنابة، ثم ينقي فرجه، ثم يغسل رأسه بالرغوة مبالغا، وليحذر من دخول الماء منخريه واذنيه، ثم يغسل الإجانة ويديه إلى مرفقيه - أي الغاسل - ليضع فيها ماء الكافور، ثم ليغسل يديه بعد فراغ الكافور والإجانة للقراح " (2)، فإن كان هذا غير ما هو المذكور في التهذيب فيمكن الاستدلال به، وإن كان هو نقل بالمعنى فلا. ويمكن الاستدلال بصحيحة يعقوب بن يقطين الآتية (3)، إلا أن المذكور فيها السدر لا الرغوة، ومع قطع النظر عن الرغوة يمكن الاستدلال برواية عمار الطويلة مع ملاحظة أولها مع آخرها (4)، وكيف كان فتكفي فتوى الجماعة. وأن يغسل فرجه بالسدر والحرض لرواية الكاهلي (5). وأن يغسل يدي الميت ثلاثا قبل كل غسلة إلى نصف الذراع. ويغسل يده إلى المرفقين بعد الأوليين. وأن يمسح بطنه فيهما. وتكرار غسل كل عضو ثلاثا ; كما يستفاد من روايتي يونس (6) والكاهلي (7).


(1) الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2 ح 2، 3 (2) الذكرى: 43 (3) التهذيب 1: 446 ح 1444، الاستبصار 1: 208 ح 731، الوسائل 2: 683 أبواب غسل الميت ب 2 ح 7 (4) التهذيب 1: 305 ح 887، الوسائل 2: 684 أبواب غسل الميت ب 2 ح 10 (5) الكافي 3: 140 ح 4، التهذيب 1: 298 ح 873، الوسائل 2: 681 أبواب غسل الميت ب 2 ح 5 (6) الكافي 3: 141 ح 5، التهذيب 1: 301 ح 877، الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2 ح 3 (7) المتقدمة.

[ 416 ]

ولو كان الميت حاملا فلا يمسح حذرا من الإجهاض، وفي البيان: لو أجهضت فعليه عشر دية امه (1). وأن يقف الغاسل عن جانبه، ولا يجعله بين رجليه، لرواية عمار (2)، وصرح الفاضلان بكون الغاسل عن يمينه (3). وأن يوضأ وضوء الصلاة قبل الابتداء بالغسل بعد الإتيان بالمقدمات على المشهور الأقوى، وعن أبي الصلاح القول بالوجوب (4). لنا: الأصل والأخبار المستفيضة الواقعة في مقام البيان الخالية عن ذكره. واحتج أبو الصلاح بقوله عليه السلام: " كل غسل قبله وضوء " (5). ويدفعه أن المتبادر منه الأحياء لا الأموات، وأن دلالته على الوجوب ممنوعة، بل المراد منه الوجوب الشرطي للإتيان بالصلاة المشروطة به، وقد حققنا وجه هذا الخبر في كتاب الطهارة، (6) مع أنه لنا لاعلينا، بملاحظة أن غسل الميت مثل غسل الجنابة كما رواه محمد بن مسلم (7)، أو هو هو على ما ورد في الفقيه في علله (8). والأولى الاستدلال له بصحيحة حريز (9) وهي لا تقاوم ما ذكرنا، فتحمل على الاستحباب. ويكره إقعاده، وادعى عليه الإجماع في الخلاف (10)، وما ورد من الأخبار


(1) نقله في جامع المقاصد 1: 51. نقله في جامع المقاصد 1: 51. (2) المعتبر 1: 277 (3) المحقق في الشرائع 1: 31، والعلامة في التذكرة 1: 386 مسألة 148 (4) الكافي في الفقه: 134 (5) عوالي اللآلي 3: 29 ح 76 (6) راجع الجزء الأول (7) التهذيب 1: 447 ح 1447، الوسائل 2: 685 أبواب غسل الميت ب 3 ح 1 (8) الفقيه 1: 84 ح 378 (9) الوسائل 2: 689 أبواب غسل الميت ب 6 ح 1 (10) الخلاف 1: 693 مسألة 473.

[ 417 ]

الآمرة به (1) محمولة على التقية. وقص أظفاره وترجيل شعره، لرواية ابن أبي عمير (2). قال في الذكرى (3): نقل الشيخ الإجماع على أنه لا يجوز قص أظفاره ولا تنظيفها من الوسخ بالخلال ولا تسريح لحيته، وجعل حلق رأسه مكروها وبدعة، وكره حلق عانته وإبطيه وجز شاربه، ولعل مراده الكراهية، لقضية الأصل، والنهي أعم من التحريم، ويؤيده أنه ذكر كراهية قلم الأظفار بعد ذلك (4)، وابن حمزة حرم القص والحلق والقلم وتسريح الرأس واللحية (5). ثم قال: وقال الفاضل: يخرج الوسخ من أظفاره بعود عليه قطن مبالغة في التنظيف (6)، ويدفعه نقل الإجماع مع النهي عنه في خبر الكاهلي السابق (7)، انتهى. ولو فعل شئ من ذلك دفن ما ينفصل من الأظفار والشعر معه، بل يجب ذلك في كل ما يسقط من الميت من جسده وشعره، وقال في التذكرة: إنه مذهب العلماء كافة (8)، وتدل عليه حسنة ابن أبي عمير المرسلة (9)، وموثقة عبد الرحمن بن أبى عبد الله (10).


(1) منها ما في التهذيب 1: 446 ح 1442 والاستبصار 1: 206 ح 724، الوسائل 2: 683 أبواب غسل الميت ب 2 ح 9 (2) الكافي 3: 155 ح 1، التهذيب 1: 323 ح 940، الوسائل 2: 694 أبواب غسل الميت ب 11 ح 1 (3) الذكرى: 45 (4) الخلاف 1: 695 مسألة 478 (5) الوسيلة: 65 (6) التذكرة 1: 389 (7) تقدمت الإشارة إليه (8) التذكرة 1: 387 مسألة 150 (9) الكافي 3: 155 ح 1، التهذيب 1: 323 ح 940، الوسائل 2: 694 أبواب غسل الميت ب 11 ح 1 (10) الكافي 3: 156 ح 4، التهذيب 1: 323 ح 942، الوسائل 2: 694 أبواب غسل الميت ب 11 ح 3.

[ 418 ]

ويكره غسله بماء اسخن بالنار، للأخبار المعتبرة. قال الصدوق: وروى في حديث آخر: " إلا أن يكون شتاءا باردا فتوقي الميت مما توقي منه نفسك " (1) ومضمون هذه الرواية مذكور في الفقه الرضوي (2).


(1) الفقيه 1: 86 ح 398. الفقيه 1: 86 ح 398 (2) فقه الرضا (ع): 167.

[ 419 ]

المقصد الثالث في تكفينه وفيه مباحث: الأول: المشهور وجوب تكفينه في ثلاثة أثواب، وادعى عليه إجماع علمائنا عدا سلار (1) في المعتبر والذكرى (2). وتدل عليه الأخبار الكثيرة المعتبرة، منها صحيحة زرارة قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: العمامة للميت من الكفن ؟ قال: " لا، إنما الكفن المفروض ثلاثة أثواب أو ثوب تام لا أقل منه يوارى فيه جسده كله، فما زاد فهو سنة " (3) الحديث، هذا على أكثر نسخ التهذيب المعتبرة. والمذكور في المعتبر والمنتهى (4) وغيرهما (5) وفي بعض النسخ " ثلاثة أثواب


(1) فإنه اقتصر على ثوب واحد، المراسم: 47 (2) المعتبر 1: 279، الذكرى: 46 (3) التهذيب 1: 292 ح 854، الوسائل 2: 726 أبواب التكفين ب 2 ح 1 بتفاوت (4) المعتبر 1: 279، المنتهى 1: 248 (5) التذكرة 2: 8، نهاية الإحكام 2: 244.

[ 420 ]

وثوب تام " ويوافقه ما رواه الكليني، في الحسن عن زرارة ومحمد بن مسلم (1)، ولعله هو مستند سلار، بأن تكون الواو بمعنى أو، وهو بعيد. وظاهر الرواية يقتضي وجوب الأربعة، ولم يقل به أحد من الأصحاب، وقد يوجه بأنه من باب عطف الخاص على العام ; فيكون بيانا لأحد الأثواب، وقد يحمل على التقية، وكيف كان فالعمل على المشهور. ثم المشهور وجوب كون أحد الأثواب قميصا، وذهب ابن الجنيد والمحقق إلى التخيير بين الأثواب الثلاثة وبين القميص والثوبين (2)، وارتضاه صاحب المدارك وصاحب الذخيرة (3). لنا: حسنة حمران بن أعين (4)، ورواية معاوية بن وهب - وليس فيها من يتأمل فيه إلا سهل، والأمر فيه سهل - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " يكفن الميت في خمسة أثواب: قميص لا يزر عليه، وإزار، وخرقة يعصب بها وسطه، وبرد يلف فيه، وعمامة يعتم بها ويلقى فضلها على صدره " (5) والأخبار الكثيرة الواردة في كيفية التكفين الظاهرة في أن كون أحد الأثواب قميصا مفروغا عنه (6). وأما الأخبار الواردة الدالة على مطلق رجحان القميص بوصيتهم عليهم السلام وفعلهم فكثيرة (7)، فالوجه حمل مطلق ما دل على الأثواب بالمقيد. والحمل على الاستحباب وإن كاوجها للجمع، ولكن الأول أوجه، سيما مع ملاحظة الشهرة والالتزام في العمل.


(1) الكافي 3: 144 ح 5، الوسائل 2: 726 أبواب التكفين ب 2 ح 2 (2) نقله عن ابن الجنيد وارتضاه في المعتبر 1: 279 (3) المدارك 2: 94، الذخيرة: 82 (4) التهذيب 1: 447 ح 1445، الاستبصار 1: 205 ح 723، الوسائل 2: 745 أبواب التكفين ب 14 ح 5 (5) الكافي 3: 145 ح 11، التهذيب 1: 293 ح 858، 900، الوسائل 2: 728 أبواب التكفين ب 2 ح 13 وفيه: ولا يزر، بدل لا يزد. (6) و (7). الوسائل 2: 726 أبواب التكفين ب 2.

[ 421 ]

وقد يتمسك في الاستحباب برواية محمد بن سهل، عن أبيه، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الثياب التي يصلي فيها الرجل ويصوم، أيكفن فيها ؟ قال: " احب ذلك الكفن، يعني قميصا "، قلت: يدرج في ثلاثة أثواب ؟ قال: " لا بأس به، والقميص أحب إلى " (1) والظاهر أنها هي التي رواها الصدوق مرسلة عن أبي الحسن عليه السلام بدون صدرها (2). وأنت خبير بأنها غير دالة على الاستحباب، إذ الظاهر أن المراد بالقميص هو المعهود. ثم المشهور كون أحد الأثواب مئزرا، والمراد به هنا الفوطة، ويقال لها بالفارسية " لنگ ". وقال في المدارك: لم أقف في الروايات على ما يعطي ذلك، بل المستفاد منها اعتبار القميص والثوبين الشاملين للجسد، والأثواب الثلاثة وبمضمونها أفتى ابن الجنيد (3)، وقريب منه عبارة الصدوق، فإنه قال: والكفن المفروض ثلاثة: قميص وإزار ولفافة (4). اقول: الذي يستفاد من كتب اللغة أن المئزر والإزار واحد كما صرح به في المصباح المنير (5). ويظهر ذلك من الصحاح في مواضع، منها قوله في الحقو: والحقو أيضا الخصر، ومشد الإزار (6)، وكذلك غيره من كتب اللغة (7)، فالإزار الوارد في الأخبار


(1) التهذيب 1: 292 ح 855، الوسائل 2: 727 أبواب التكفين ب 2 ح 5 (2) الفقيه 1: 93 ح 424، الوسائل 2: 730 أبواب التكفين ب 2 ح 20 (3) المدارك 2: 95، ونقله عن ابن الجنيد في المعتبر 1: 297، التذكرة 2: 9 (4) الفقيه 1: 92 (5) المصباح المنير 1: 13 (6) الصحاح 6: 2317، وفي ج 2: 578 والمئزر: الإزار (7) مجمع البحرين 3: 204.

[ 422 ]

اريد به المئزر، وإطلاق الإزار على هذا المعنى في الأخبار كثير، فلاحظ الأخبار الواردة في دخول الحمام، والمنع عن الدخول بلا إزار، وهي كثيرة مذكورة في أوائل الفقيه في باب غسل يوم الجمعة ودخول الحمام وغيره (1). وإذا ثبت هذا فتدل عليه مثل حسنة حمران المتقدمة وغيرها مما ورد في ذلك لانطيل بذكرها (2)، وتدل عليه الأخبار الواردة في كيفية التكفين وبسط الكفن، خصوصا موثقة عمار بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام في جملة حديث: " ثم تبدأ فتبسط اللفافة طولا، ثم تذر عليها من الذريرة، ثم الإزار طولا حتى يغطى الصدر والرجلين، ثم الخرقة عرضها قدر شبر ونصف، ثم القميص " (3) الحديث. ومما ذكرنا يظهر أن كون مراد الصدوق أيضا ما ذكره غير ظاهر، فلاحظ الأخبار وكلمات العلماء الأخيار وكتب أهل اللغة يظهر لك ما ذكرنا في كمال الوضوح، هذا كله مع الإمكان، فيكفي عند الضرورة ثوب واحد، بل يجوز الدفن بلا كفن عند الضرورة مع ستر العورة. الثاني: لا يجوز أن يكون الكفن مغصوبا، للإجماع، وحرمة إتلاف مال الغير. ولا نجسا، للإجماع، نقله في الذكرى (4)، لوجوب إزالة النجاسة العارضة للكفن.


(1) الفقيه 1: 60 - 65، الوسائل 1: 368 أبواب آداب الحمام ب 9 (2) الظاهر مراده الروايات المتضمنة للفظ الإزار، وحسنة حمران ليس فيها لفظ الإزار، وإنما هي قرينتها رواية معاوية بن وهب، ومثل موثقة عمار، انظر الوسائل 2: 728 أبواب التكفين ب 2 ح 13، وب 14 ح 4 (3) التهذيب 1: 305 ح 887، الوسائل 2: 745 أبواب التكفين ب 14 ح 4 (4) الذكرى: 45.

[ 423 ]

ولا حريرا، بإجماع علمائنا، كما نقله في المعتبر (1) والذكرى (2)، بلا فرق بين الذكر والانثى والصغير والكبير. وتدل عليه روايات تدل على عدم جواز التكفين بكسوة الكعبة (3). ويظهر منها أن وجهه كونها حريرا لا غير، وتنبه عليه رواية الحسن بن راشد أيضا (4). وعن العلامة في النهاية احتمال جوازه للمرأة (5) ولكن الشهيد - رحمه الله - في الذكرى ادعى الإجماع على عدم الفرق (6)، وهو مقتضى إطلاق الرواية، وإن كانت دلالتها على الحرمة غير واضحة. قالوا: ولايجوز التكفين في الجلود، لعدم إطلاق الثوب عليها (7). وفي الشعر والوبر قولان (8)، ولعل الأقوى الجواز، لصدق الثوب، هذا فيما يؤكل لحمه. وأما في شعور وأوبار غير المأكول اللحم فالظاهر عدم الخلاف في عدم الجواز، ويمكن استفادته من منع كل ما لا تجوز الصلاة فيه من باب تنقيح المناط. قال في الذكرى: نعم لو اضطر إلى ما عدا المغصوب ففيه ثلاثة أوجه: المنع لإطلاق النهي، والجواز لئلا يدفن عاريا مع وجوب ستره ولو بالحجر، ووجوب ستر العورة لاغير حالة الصلاة ثم ينزع بعد، قال: وحينئذ فالجلد مقدم، لعدم صريح


(1) المعتبر: 280 (2) الذكرى: 46 (3) الوسائل 2: 752 أبواب التكفين ب 22 (4) الكافي 3: 149 ح 12، الفقيه 1: 90 ح 415، التهذيب 1: 435 ح 1396، الاستبصار 1: 211 ح 744، الوسائل 2: 752 أبواب التكفين ب 23 ح 1 وفيها: الحسين بن راشد (5) نهاية الإحكام 1: 242 (6) الذكرى: 46 (7) المعتبر 1: 280، نهاية الإحكام 1: 242، التذكرة 2: 6، الذكرى: 46، الروضة البهية 1: 416، المدارك 2: 96 (8) القول بالجواز كما في المعتبر 1: 280، والتذكرة 2: 6، ونقلا القول بالمنع عن ابن الجنيد.

[ 424 ]

النهي فيه، ثم النجس لعروض المانع، ثم الحرير لجواز صلاة النساء فيه، ثم وبر غير المأكول، ثم قال: وفي هذا الترتيب للنظر مجال (1). الثالث: يجب التحنيط للذكر والانثى، والصغير والكبير، وهو مسح مساجده بما تيسر من الكافور على المعروف من المذهب، المدعى عليه الإجماع من الخلاف (2). وزاد المفيد طرف الأنف الذي يرغم به في السجود (3)، والصدوق: السمع والبصر والفم والمغابن - وهي الآباط - واصول الأفخاذ (4). والأخبار في ذلك مختلفة، والروايات مع كثرتها لا يحضرني الآن خبر منها اقتصر فيه على ذكر المساجد، بل كلها مشتملة على شئ آخر من المسامع والفم والمفاصل واللبة والفرج وغير ذلك (5)، ولكن الشهرة والإجماع المنقول يكفي في إثبات وجوب المساجد إن قلنا بأن الاشتمال على المستحب يخرج الخبر عن الحجية. ثم إن المشهور بين المتأخرين كراهة جعل الكافور في سمعه وبصره، لحسنة حمران بن أعين (6)، وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله المقطوعة (7)، ورواية يونس (8)، ورواية عثمان النواء (9).


(1) الذكرى: 46 (2) الخلاف 1: 708 مسألة 509 (3) المقنعة: 78 (4) الفقيه 1: 91، المقنع (الجوامع الفقهية): 6 (5) انظر الوسائل 2: 747 أبواب التكفين ب 16 (6) التهذيب 1: 447 ح 1445، الاستبصار 1: 205 ح 723، الوسائل 2: 745 أبواب التكفين ب 14 ح 5 (7) التهذيب 1: 308 ح 893، الاستبصار 1: 212 ح 748، الوسائل 2: 747 أبواب التكفين ب 16 ح 4 (8) الكافي 3: 143 ح 1، الوسائل 2: 744 أبواب التكفين ب 14 ح 3 (9) الكافي 3: 144 ح 8، التهذيب 1: 309 ح 899، الاستبصار 1: 205 ح 722، الوسائل 2: 747 أبواب التكفين ب 16 ح 2.

[ 425 ]

والأولى ترجيح الأخبار المانعة، لاعتضادها بالشهرة، وإن كان بعض الأخبار الآمرة صحيحة أيضا، ويمكن حملها على التقية، وقد تحمل على إرادة الجواز، والأول أولى. هذا إذا لم يكن محرما، وإلا فلا يقربه شئ من الكافور ولاغيره من الطيب، لافي الغسل ولا في غيره، لروايات كثيرة معتبرة، منها صحيحة محمد بن مسلم عنهما عليهما السلام، قال: سألتهما عن المحرم كيف يصنع به إذا مات ؟ قال: " يغطى وجهه ويصنع به كما يصنع بالحلال، غير أنه لا يقرب طيبا " (1). وعن ابن أبي عقيل أنه أوجب كشف رأسه ووجهه، للاستصحاب (2). والمشهور أقوى، للصحيحة المذكورة وغيرها من الأخبار. هذا مع الأمكان، وإذ تعذر فيدفن بغير كافور. وفاقد الكافور بل مطلق الخليط ينتظر مع رجاء الحصول أن يخاف عليه الفساد فيدفن. وفي الانتظار في زمان طويل كيومين فصاعدا إذا لم يخف عليه الفساد مع رجاء الحصول إشكال. ويكفي فيه المسمى عند جماعة (3) لحصول الامتثال. وعن الشيخين (4) والصدوق (5): أقله مثقال، وأوسطه أربعة دراهم وأكمل منه ثلاثة عشر درهما وثلث. وعن الجعفي: أقله مثقال وثلث (6).


(1) التهذيب 1: 330 ح 965، الوسائل 2: 697 أبواب غسل الميت ب 13 ذ. ح 4 (2) نقله عنه في المختلف 1: 392 (3) كالعلامة في القواعد 1: 226، والشهيدين في الدروس 1: 107، والروضة البهية 1: 420 (4) الشيخ المفيد في المقنعة: 75، والشيخ الطوسي في النهاية: 32 (5) الهداية (الجوامع الفقهية): 50.

[ 426 ]

وعن ابن الجنيد: أقله مثقال وأوسطه أربعة مثاقيل (1). ومقتضى الأصل وإطلاق أخبار الحنوط في الأقل الأول، ومقتضى مرسلة ابن أبي نجران المثقال (2)، ولم نقف للجعفي على شئ، وفي مرسلة ابن أبي نجران الاخرى مثقال ونصف (3). وأما الأوسط فمقتضى رواية الكاهلي والحسين بن مختار أربعة مثاقيل (4)، ولم نقف للأربعة دراهم على شئ إلا ما في فقه الرضا عليه السلام (5). وأما الأكثر فتدل عليه روايات كثيرة مذكورة في الكافي والفقيه والعلل وكشف الغمة وكتاب الطرف لابن طاوس، كلها في حكاية تقسيم الكافور الذي أتى به جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله، وقسمه بينه وبين علي وفاطمة عليهما السلام (6). والأكثر على عدم مشاركة الغسل للحنوط في ذلك (7)، وتؤيده مرفوعة علي بن إبراهيم في الكافي (8) وقيل بالمشاركة (9). الرابع: يستحب للغاسل الغسل للمس قبل التكفين للمبادرة ; بالواجب مع الجمع بين الحقين، بخلاف تعجيل التكفين، سيما إذا لم يوجب تأخير التجهيز.


(1) (6) و (1). نقله عنه في الذكرى: 46 (2) الكافي 3: 151 ح 5، التهذيب 1: 291 ح 846، الوسائل 2: 730 أبواب التكفين ب 3 ح 2 (3) التهذيب 1: 291 ح 849، الوسائل 2: 731 أبواب التكفين ب 3 ح 5 (4) الكافي 3: 151 ح 5، التهذيب 1: 291 ح 847، 848، الوسائل 2: 730 أبواب التكفين ب 3 ح 3، 4 (5) فقه الرضا (ع): 168 (6) الكافي 3: 151 ح 4، الفقيه 1: 190 ح 418، علل الشرائع 1: 302 ح 1، كشف الغمة 1: 500، الطرف: 41 ح 27، الوسائل 2: 730 أبواب التكفين ب 3 ح 1، 6، 8، 9، 10 (7) السرائر 1: 161، جامع المقاصد 1: 388 (8) الكافي 3: 151 ح 4، الوسائل 2: 730 أبواب التكفين ب 3 ح 1 (9) حكاه في السرائر 1: 161، ونقله عن الوافي في الحدائق 4: 26، وانظر الوافي الحجري 3: 47 الجزء الثالث عشر.

[ 427 ]

أو يتوضأ، وتشعر به بل وتدل عليه موثقة عمار الطويلة (1) وقال في المدارك: بل الأولى تقديم التكفين على الغسل (2)، لصحيحة محمد بن مسلم: " يغسل يديه من العاتق ثم يكفنه ثم يغتسل " (3). اقول: ويؤدي مؤداها غيرها أيضا (4)، ويمكن القدح في دلالتها. ويستفاد من هذه الروايات استحباب غسل اليدين إلى المنكب مرة أو ثلاثا، وفى رواية عمار (5) غسلهما إلى المرفقين وغسل الرجلين إلى الركبتين. وأما الوضوء بدل الغسل فذكره الأصحاب، ولا يحضرني الآن دليله، ويكفي في ذلك فتواهم. الخامس: تستحب زيادة حبرة عبرية غير مطرزة بالذهب للرجل. والحبرة: ثوب يمنية من التحبير وهو التحسين والتزيين منسوب إلى العبر (6)، وهو موضع أو جانب الوادي (7). والظاهر أنه لا خلاف فيه بين علمائنا، وظاهر المحقق (8) وغيره (9) الإجماع على ذلك. والأخبار الدالة على رجحان الحبرة (10) مع كثرتها ليس فيها إلا رجحان كون أحد


(1) التهذيب 1: 305 ح 887، الوسائل 2: 684 أبواب غسل الميت ب 2 ح 10 (2) المدارك 2: 99 (3) الكافي 3: 160 ح 2، التهذيب 1: 428 ح 1364، الوسائل 2: 760 أبواب التكفين ب 35 ح 1 (4) الوسائل 2: 760 أبواب التكفين ب 35 (5) المتقدمة (6) انظر الصحاح 2: 621، ومجمع البحرين 1: 444 (7) انظر معجم البلدان 4: 178، والقاموس المحيط 2: 83، ومجمع البحرين 2: 112 (8) المعتبر 1: 282 (9) التذكرة 2: 9 مسألة 59 (10) الوسائل 2: 726 أبواب التكفين ب 2.

[ 428 ]

الأثواب حبرة، وهو المنقول عن ابن أبي عقيل (1) وأبي الصلاح (2) أيضا، ولكن يكفي في الحكم عملهم وظاهر إجماعهم. وأما عدم التطريز بالذهب فعلل بأنه تفويت للمال وتضييع غير مأذون فيه (3)، وفيه إشكال، للأمر بإجادة الأكفان. ويمكن القول بأن ما دل على المنع عن التكفين فيما فيه لا تجوز الصلاة فيه (4) ينبه (على ذلك على وجه للرجال) (5). وزاد على الذهب في المعتبر الحرير (6)، وهو على إطلاقه أشكل، سيما مع ملاحظة رواية الحسن بن راشد (7). وظاهر بعض الأخبار أفضلية الحمراء (8). وعن جماعة من الأصحاب إذا انتفت الأوصاف كفى البعض، فإن لم يوجد فلفافة اخرى (9)، ولعلهم اعتمدوا في ذلك على إطلاق الخمس في بعض الأخبار (10) ونحو ذلك.


(1) نقله عنه في الذكرى: 48 (2) الكافي في الفقه: 237 (3) المعتبر 1: 282، الذكرى: 47، 48، الرياض 2: 184 (4) كالإجماع المنقول في الغنية (الجوامع الفقهية): 563 قال: لا يجوز أن يكون مما لا تجوز فيه الصلاة من اللباس بدليل الإجماع. قال في مجمع الفائدة 1: 191 وأما اشتراطهم كون الكفن من جنس ما يصلى فيه فكأن دليله الإجماع (5) بدل مابين القوسين في " ص ": على الرجال (6) المعتبر 1: 282 (7) الكافي 3: 149 ح 12، الفقيه 1: 90 ح 415، التهذيب 1: 435 ح 1396، الاستبصار 1: 211 ح 744، الوسائل 2: 752 أبواب التكفين ب 23 ح 1، وفيها: الحسين بن راشد (8) الوسائل 2: 752 أبواب التكفين ب 23، 13 (9) كالشيخ الطوسي في النهاية: 32، والمبسوط 1: 177، والقاضي في المهذب 1: 60، والحلي في السرائر 1: 160، والعلامة في القواعد 1: 226 (10) الوسائل 2: 726 أبواب التكفين ب 2.

[ 429 ]

وعن بعض الأصحاب أن البرد لا يلف ولكن يطرح عليه طرحا، فإذا ادخل القبر وضع تحت خده وتحت جنبه (1)، وهو مؤدى رواية عبد الله بن سنان (2). قال في الذكرى: الظاهر أن المراد به الحبرة (3). وقال الصدوق رحمه الله: وإن شاء لم يجعل الحبرة معه حتى يدخله قبره فيلقيها عليه (4). وهو مضمون الفقه الرضوي (5). وتستحب أيضا زيادة خرقة لفخذيه، والظاهر عدم الخلاف فيه أيضا، وورد ذلك في روايات كثيرة (6). وفى رواية يونس عرضها شبر (7)، وفي موثقة عمار عرضها شبر ونصف وطولها ثلاث أذرع ونصف (8). وفى المسالك والمدارك في كيفية اللف: أن يربط أحد طرفيها في وسط الميت، إما بأن يشق رأسها أو يجعل فيها خيط ونحوه، ثم يدخل الخرقة بين فخذيه، ويضم عورته ضما شديدا، ويخرجها من تحت الشداد الذي كان على وسطه، ثم يلف فخذيه وحقويه بما بقي لفا شديدا، فإذا انتهت أدخل طرفها تحت الجزء الذي انتهت عنده منها (9). ولا بأس به، وهو المستفاد من ملاحظة مجموع الأخبار (10)، سيما رواية عمار


(1) حكاه في الذكرى: 49 (2) التهذيب 1: 436 ح 1400، وص 458 ح 1495، الوسائل 2: 746 أبواب التكفين ب 14 ح 6 (3) الذكرى: 49 (4) الفقيه 1: 92 (5) فقه الرضا (ع): 168 (6) الوسائل 2: 726 أبواب التكفين ب 2 (7) الكافي 3: 141 ح 5، التهذيب 1: 301 ح 877، الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2 ح 3 (8) التهذيب 1: 305 ح 887، الوسائل 2: 745 أبواب التكفين ب 14 ح 4 (9) المسالك 1: 91، المدارك 2: 102 (10) الوسائل 2: 744 أبواب التكفين ب 14.

[ 430 ]

بعد التأمل (1). ويستحب وضع القطن على العورة حتى يشد الخرقة عليه، لرواية عمار (2)، والظاهر حصول الاستحباب بمجرد اللف من الحقوتين إلى آخر الفخذين، وإن كان الأولى الأول. وتستحب زيادة عمامة للرجل على المعروف من المذهب، المدعى عليه الإجماع من المعتبر (3) والأخبار المعتبرة ناطقة به (4). ويستحب التحنيك بها، لمرسلة ابن أبي عمير (5). والروايات في كيفيتها مختلفة، والمشهور بين الأصحاب مضمون رواية يونس: " يؤخذ وسط العمامة فيثنى على رأسه بالتدوير، ثم يلقى فضل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ويمد على صدره " (6). ولم نقف على تقدير فيها، فيكفى ما يحصل به ذلك طولا وما يصدق عليه العمامة عرضا كما ذكره في المسالك (7). ويبدل عن العمامة خمار للمرأة بلا خلاف، لصحيحة محمد بن مسلم الآتية (8) وغيرها. وتزاد على كفن الرجل خرقة لثدياها يضم بها ثدييها إلى صدرها، وتشد إلى


(1) التهذيب 1: 305 ح 887، الوسائل 2: 745 أبواب التكفين ب 14 ح 4 (2) المتقدمة (3) المعتبر 1: 283 (4) الوسائل 2: 726 أبواب التكفين ب 2 (5) الكافي 3: 145 ح 10، التهذيب 1: 308 ح 895، الوسائل 2: 744 أبواب التكفين ب 14 ح 2 (6) الكافي 3: 143 ح 1، التهذيب 1: 306 ح 888، الوسائل 2: 744 أبواب التكفين ب 14 ح 3 (7) المسالك 1: 91 (8) الكافي 3: 147 ح 3، التهذيب 1: 324 ح 945، الوسائل 2: 727 أبواب التكفين ب 2 ح 9.

[ 431 ]

ظهرها، لرواية سهل بن زياد (1)، وقال في المدارك: لا أعلم لها رادا (2) ويكفى فيها ما يحصل به المقصود. وتزاد عليه أيضا نمطا عند كثير من الأصحاب، وهو ضرب من البسط كما في القاموس (3)، وزاد ابن الأثير أن له خملا رقيقا (4). وعن المغرب: أنه ثوب من صوف يطرح على الهودج (5). وفي الذكرى (6): أنه ضرب من البسط، أو هو ثوب فيه خطط مأخوذ من الأنماط وهي الطريق. وابن إدريس (7) جعله الحبرة ; لدلالة الاسمين على الزينة، وظاهر الأكثر مغايرته مع الحبرة (8). وكثير من الأصحاب (9) لم يفرق بين الرجل والمرأة. والمراد بالخمس للرجل في كلام كثير منهم غير الخرقة والعمامة، والسبع للمرأة غير القناع، وكيف كان فالإشكال في مأخذ الحكم. وما استدلوا به من صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: " يكفن الرجل في ثلاثة أثواب، والمرأة إذا كانت عظيمة في خمسة: درع ومنطق وخمار ولفافتين " (10) غير ظاهر الوجه بوجه، فإن الظاهر من الدرع القميص، ومن المنطق


(1) الكافي 3: 147 ح 2، التهذيب 1: 324 ح 944، الوسائل 2: 729 أبواب التكفين ب 2 ح 16 (2) المدارك 2: 104 (3) القاموس المحيط 2: 389 (4) النهاية 5: 119 (5) المغرب 2: 231 (6) الذكرى: 48 (7) السرائر 1: 160 (8) الهداية (الجوامع الفقهية): 50، وحكاه في جامع المقاصد عن الأكثر 1: 384 (9) الفقيه 1: 87، الهداية (الجوامع الفقهية): 50 (10) الكافي 3: 147 ح 3، التهذيب 1: 324 ح 945، الوسائل 2: 727 أبواب التكفين ب 2 ح 9.

[ 432 ]

المئزر، والخمار القناع، وإذا جعلنا اللفافتين الإزار والحبرة، فلا يبقى للنمط شئ يدل عليه. ويمكن أن يقال: هي رواية يونس عنهما عليهما السلام، قال: " الكفن فريضة للرجال ثلاثة أثواب، والعمامة والخرقة سنة، وأما النساء ففريضته خمسة أثواب " (1) ويشكل باستلزامه تفكيك القرينتين، لعدم وجوب الخمسة فيها ووجوب الثلاثة في الرجل، مع عدم الإشعار بكون أحدهما نمطا. السادس: يستحب أن يكون الكفن قطنا، للإجماع، نقله في المعتبر (2)، والأخبار (3). وأن يكون أبيض إلا الحبرة كما تقدم، للأخبار (4). وأن يكون جيدا غالي الثمن، للأخبار الكثيرة (5). وأن يطيب بالذريرة، للأخبار (6)، مثل موثقة عمار (7)، ورواية سماعة القوية بعثمان بن عيسى (8)، والظاهر عدم الخلاف فيه. وموثقة سماعة تدل على تطييب كل الثياب، وخصه بعض الأصحاب بما عدا اللفافة الظاهرة (9). وعن الشخ أنه يذر على القطن الذي يوضع على الفرجين (10)،


(1) التهذيب 1: 291 ح 851، الوسائل 2: 727 أبواب التكفين ب 2 ح 7 (2) المعتبر 1: 284 (3) الوسائل 2: 751 أبواب التكفين ب 20 (4) الوسائل 2: 750 أبواب التكفين ب 19 (5) الوسائل 2: 749 أبواب التكفين ب 18 (6) الوسائل 2: 746 أبواب التكفين ب 15 (7) التهذيب 1: 305 ح 887، الوسائل 2: 745 أبواب التكفين ب 14 ح 4 (8) الكافي 3: 143 ح 3، التهذيب 1: 307 ح 889، الوسائل 2: 746 أبواب التكفين ب 15 ح 1 (9) المنتهى 1: 440 (10) المبسوط 1: 179.

[ 433 ]

ولعله استفاده من رواية عمار. واختلفوا في تفسير الذريرة على أقوال شتى لم أتحقق شيئا منها، وأضبطها ما ذكره الفاضلان (1) أنها الطيب المسحوق، والظاهر أنهما أرادا معهودا، وإلا فلا رجحان لكل طيب مسحوق، والأقوال مذكورة في الذكرى (2) والذخيرة (3). والمشهور كراهية تطييب الكفن بغير الكافور والذريرة، وتجميرها بالمجمرة، وهو ما تدخن به الثياب، ونقل في المعتبر إجماع علمائنا عليه (4). وتدل عليه الأخبار الكثيرة، كقول أمير المؤمنين عليه السلام في رواية محمد بن مسلم: " لا تجمروا الأكفان، ولا تمسحوا موتاكم بالطيب إلا بالكافور، فإن الميت بمنزلة المحرم " (5). ومرسلة ابن أبي عمير (6)، ورواية يعقوب بن يزيد في النهي عن التحنيط بالمسك (7). ورواية إبراهيم بن محمد الجعفري في قرب الإسناد (8)، وغيرها (9). وعن الصدوق: أن يجمر الكفن، ولا يتبع بالمجمرة (10)، وتدل عليه حسنة


(1) المعتبر 1: 285، التذكرة 2: 19 (2) الذكرى: 47 (3) الذخيرة: 87 (4) المعتبر 1: 284 (5) الكافي 3: 147 ح 3، التهذيب 1: 295 ح 863، الاستبصار 1: 209 ح 735، الوسائل 2: 734 ابواب التكفين ب 6 ح 5 (6) الكافي 3: 147 ح 1، التهذيب 1: 294 ح 862، الاستبصار 1: 209 ح 734، الوسائل 2: 733 أبواب التكفين ب 6 ح 2 (7) الكافي 3: 147 ح 2، التهذيب 1: 322 ح 937، الوسائل 2: 734 أبواب التكفين ب 6 ح 6 (8) قرب الإسناد: 75، الوسائل 2: 735 أبواب التكفين ب 6 ح 11 (9) الوسائل 2: 733 أبواب التكفين ب 6 (10) الفقيه 1: 91.

[ 434 ]

عبد الله بن سنان (1)، وتؤيده رواية غياث بن إبراهيم الدالة على تجميره بالعود فيه المسك (2). وينبغي حملها على التقية كما تدل عليه رواية داود بن سرحان (3). وكذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله حنط بمثقال مسك سوى الكافور (4) يحمل على التقية في الرواية، أو على اختصاصه صلى الله عليه وآله به. وظاهر المحقق في الشرائع حرمة التطييب بغير الكافور والذريرة (5). ويكره إتباعه بالمجمرة للروايات (6). ويستحب سحق الكافور باليد على المشهور، ومستنده غير واضح، وعلل بحفظه عن الضياع، وتكفي فتواهم. وذكر جماعة من الأصحاب استحباب جعل ما يفضل من الكافور عن المساجد في الصدر (7)، والمستفاد من حسنة الحلبي (8) مطلق الوضع على الصدر، لا خصوص الفاضل. نعم في الفقه الرضوي ما يدل عليه (9). ويدل على رجحان الوضع مضافا إلى ذلك عموم المساجد ; لكونه مسجدا في سجدة الشكر.


(1) التهذيب 1: 295 ح 867، الاستبصار 1: 209 ح 738، الوسائل 2: 735 أبواب التكفين ب 6 ح 13 (2) التهذيب 1: 295 ح 865، الاستبصار 1: 210 ح 739، الوسائل 2: 735 أبواب التكفين ب 6 ح 14 (3) الكافي 3: 146 ح 13، 14، التهذيب 1: 436 ح 1404، الوسائل 2: 734 أبواب التكفين ب 6 ح 7، 8 (4) الفقيه 1: 93 ح 421، 422، الوسائل 2: 735 أبواب التكفين ب 6 ح 10 (5) الشرائع 1: 31 (6) الوسائل 2: 733 أبواب التكفين ب 6 (7) السرائر 1: 164، الشرائع 1: 32، إرشاد الأذهان 1: 231، القواعد 1: 227 (8) الكافي 3: 143 ح 4، التهذيب 1: 307 ح 890، الاستبصار 1: 212 ح 746، الوسائل 2: 744 أبواب التكفين ب 14 ح 1 (9) فقه الرضا (ع): 168.

[ 435 ]

السابع: يستحب أن يجعل معه جريدتان بإجماع أصحابنا، والأخبار به من الطرفين مستفيضة (1)، ولكن العامة لم يعملوا بها. وعلل في أخبارنا بأنه يوجب تجافى العذاب عنه، وفيها أن ذلك ينفع المحسن والمسئ، والمؤمن والكافر، وذلك من الامور التي لا تبلغه عقولنا كأكثر الأحكام الشرعية. ويشترط أن تكونا خضراوين، لتصريح الأخبار، وتعليلها بأنه لا يعذب الميت مادامت رطبة، وفي بعضها التصريح بعدم جواز اليابس أيضا (2). والمشهور أن تكونا من النخل، وإن لم يوجد فالسدر، وإن لم يوجد فالخلاف، وإلا فمن شجر رطب، لرواية سهل بن زياد (3)، ويحمل عليها إطلاق غيرها من الأخبار. وقدم المفيد الخلاف على السدر (4)، وهو مختار سلار (5) والعلامة في الإرشاد (6)، ولا يحضرني مستنده. وذهب جماعة منهم الشيخ في الخلاف إلى أنه مع تعذر النخل يؤخذ من شجر رطب (7)، وتدل عليه حسنة علي بن بلال (8). وهناك قول آخر ذهب إليه الشهيدان، وهو قول المشهور مع تقديم الرمان على


(1) الوسائل 2: 736 أبواب التكفين ب 7، صحيح البخاري 2: 119 باب الجريد على القبر (2) الوسائل 2: 736 أبواب التكفين ب 7 (3) الكافي 3: 153 ح 10، التهذيب 1: 294 ح 859، الوسائل 2: 739 أبواب التكفين ب 8 ح 3 (4) المقنعة: 75 (5) المراسم: 47 (6) الإرشاد 1: 231 (7) الخلاف 1: 704 مسألة 499 (8) الفقيه: 1: 88 ح 407، الوسائل 2: 738 أبواب التكفين ب 8 ح 1.

[ 436 ]

سائر الأشجار الرطبة (1). ولعل المستند ما ذكره الكليني بعد نقل رواية سهل بن زياد، وقال: وروى علي بن إبراهيم في رواية اخرى قال: " يجعل بدلها عود الرمان " (2) والظاهر أن المراد به بدل الخلاف. ووجه الاستدلال: أن الرمان إذا كان في مرتبة الخلاف فيقدم على غيره إذا أعوز الخلاف بناءا على العمل برواية سهل. والمشهور في كيفية وضعهما أن يجعل رأس إحداهما مع ترقوتة ملتصقا بالجلد إلى ما تبلغه من الجانب الأيمن، والاخرى كذلك فوق القيمص من الجانب الأيسر، لحسنة جميل بن دراج (3)، وحسنة الحسن بن زياد الصيقل (4)، ورواية فضيل بن يسار (5). وذهب الصدوقان إلى جعل اليمنى مع ترقوته ملاصقة للجلد، واليسرى عند وركه بين القميص والإزار (6)، ولم نقف على ما يطابقه من الأخبار. وعن الجعفي جعل إحداههما تحت إبطه الأيمن، والاخرى مما يلي الساق ونصف مما يلي الفخذ (7)، لرواية يونس (8). والأولى عدم الشق، لظواهر أكثر الأخبار (9)، وإكمالا للغرض من بقاء


(1) الدروس 1: 109، الروضة البهية 1: 420 (2) الكافي 3: 153 ح 10، 12، التهذيب 1: 294 ح 859، 861، الوسائل 2: 739 أبواب التكفين ب 8 ح 3، 4 (3) الكافي 3: 152 ح 5، التهذيب 1: 309 ح 897، الوسائل 2: 740 أبواب التكفين ب 10 ح 2 (4) الكافي 3: 151 ح 1، الفقيه 1: 89 ح 409، التهذيب 1: 327 ح 954، الوسائل 2: 737 أبواب التكفين ب 7 ح 6 (5) الكافي 3: 153 ح 6، الوسائل 2: 740 أبواب التكفين ب 10 ح 6 (6) الفقيه 1: 91 ذ. ح 418. ونقله عن علي بن بابويه في المعتبر 1: 288، والتذكرة 2: 16، والمختلف 1: 396 (7) نقله عنه في الذكرى: 49 (8) الكافي 3: 143 ح 1، الوسائل 2: 740 أبواب التكفين ب 10 ح 5 (9) الوسائل 2: 736 أبواب التكفين ب 7.

[ 437 ]

الرطوبة، ولذلك قالوا باستحباب جعلهما في القطن. وإن لم يمكن وضعهما على الكيفية المعتبرة لتقية أو غيرها وضعت في القبر حيث يمكن كما يستفاد من الأخبار (1)، بل على القبر أيضا كما يدل عليه بعضها. والإطلاق يقتضي عدم الفرق بين الصغير والكبير، ولكن العلة المستفادة من الأخبار من تخفيف العذاب تنافيه، وربما علل ذلك بإقامة الشعار، ولا بأس به. واختلفوا في مقدارها، فالأكثر على أن طولها قدر عظم الذراع (2). وقيل: إن كان قدر ذراع فلا بأس، وإن كان قدر شبر فلا بأس (3). وعن ابن أبي عقيل مقدار كل واحدة أربع أصابع فما فوقها (4). والأخبار في ذلك مختلفة (5)، والكل حسن، ولا يبعد ترجيح الأطول لملاحظة العلة، وإن أمكن ترجيح قول الأكثر للعمل. الثامن: قال في الذكرى (6): ويستحب أن يكتب على الحبرة واللفافة والقميص والعمامة والجريدتين: " فلان يشهد أن لا إله إلا الله " لخبر أبي كهمس أن الصادق عليه السلام كتبه على حاشية كفن ولده إسماعيل (7). وزاد ابن الجنيد (8): وأن محمدا رسول الله صلى الله وعليه وآله.


(1) الوسائل 2: 741 أبواب التكفين ب 11 (2) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 75، والسيد المرتضى في الانتصار: 36، والشيخ الطوسي في التهذيب 1: 293، والقاضي في المهذب 1: 61، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 53، ونقله عن علي بابويه في المختلف 1: 394 (3) الفقيه 1: 87، ونقله عنه في المختلف 1: 395 (4) نقله عنه في المختلف 1: 394 (5) الوسائل 2: 739 أبواب التكفين ب 10 (6) الذكرى: 49. (7) التهذيب 1: 289 ح 842، إكمال الدين: 72، الوسائل 2: 757 أبواب التكفين ب 29 ح 1 (8) نقله عنه في المختلف 1: 407.

[ 438 ]

وزاد الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2) والخلاف (3) وابن البراج (4): أسماء النبي والأئمة عليهم السلام، وظاهره في الخلاف دعوى الإجماع عليه (5). والعمامة ذكرها الشيخ في المبسوط (6) وابن البراج (7) لعدم تخصيص الخبر. ولتكن الكتابة بتربة الحسين عليه السلام، ومع عدمها بطين وماء، ومع عدمه بالإصبع، وفي العزية للمفيد: بالتربة أو غيرها من الطين (8)، وابن الجنيد بالطين والماء (9)، ولم يعين ابن بابويه ما يكتب به (10). والظاهر اشتراط التأثير في الكتابة لأنه المعهود. ويكره بالسواد، قال المفيد: وبغيره من الأصباغ (11). ولم أقف (12) على استحباب كتابة شئ على الكفن سوى ذلك، فيمكن أن يقال بجوازه قضية للأصل، وبالمنع لأنه تصرف لم يعلم إباحة الشرع له. اقول: وروى الصدوق في العيون عن عبد الله الصيرفي في حديث أن موسى بن جعفر عليه السلام كفن بكفن في حبرة استعملت له بمبلغ خمسمائة دينار كان عليها القرآن كله (13).


(1) النهاية: 32 (2) المبسوط 1: 177 (3) الخلاف 1: 706 (4) المهذب 1: 60 (5) الخلاف 1: 706 (6) المبسوط 1: 177 (7) المهذب 1: 61. (8) و (9). نقله عنه في المختلف 1: 406 (10) انظر الهداية (الجوامع الفقهية): 50 (11) المقنعة: 78 (12) في " ص ": ولم ينقل (13) عيون أخبار الرضا (ع) 1: 100 ح 5، إكمال الدين: 39، الوسائل 2: 758 أبواب التكفين ب 30 ح 1.

[ 439 ]

وفي الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان عليه السلام: أنه كتب إليه قد روي لنا عن الصادق عليه السلام أنه كتب على إزار ابنه: " إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله " فهل يجوز لنا أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أو غيره ؟ فأجاب: " يجوز والحمد لله " (1). وعمومات جواز التمسك بالقرآن والاعتصام به والاستشفاع به (2)، وعمومات ما دل على رجحان جعل التربة مع الميت (3) وحسن التمسك بالأسامي المتبركة يكفي في إتمام المطلوب في المكتوب والمكتوب به والمكتوب عليه. نعم الأولى الاجتناب عن الكتابة فيما يلاصق أسافل الأعضاء، بل الظاهر أن الأصل مع حكم العقل بحسن الاستقصاء يفيد رجحان الفعل إذا لم يجعله بالخصوص حكما شرعيا، ومع ملاحظة العمومات والخصوصات الواردة فلا إشكال. وأما كراهة الكتابة بالسواد فذكرها جماعة من الأصحاب (4)، وعللت بأنها نوع استبشاع. ويمكن أن يقال: إن ما دل على كراهة التكفين في السواد والثوب الأسود (5) ينبه عليه، وكذلك ما دل على استحباب التكفين في البياض والأبيض (6). ومما ذكرنا تظهر كراهة التكفين في سائر الألوان أيضا كما نقل عن ابن البراج (7) إن قلنا بأن ترك المستحب مكروه، وإلا فيمكن الاعتماد في الكراهة


(1) الاحتجاج 2: 489، الوسائل 2: 758 أبواب التكفين ب 29 ح 3. (2) الكافي 1: 294، وج 2: 596، وج 3: 423. (3) الوسائل 2: 742 أبواب التكفين ب 12. (4) كالشهيد في الدروس 1: 110، والكركي في جامع المقاصد 1: 296. (5) الوسائل 2: 751 أبواب التكفين ب 21. (6) الوسائل 2: 750 أبواب التكفين ب 19. (7) المهذب 1: 60.

[ 440 ]

على فتواه. ويكره التكفين في الكتان على المشهور، لرواية يعقوب بن يزيد (1)، ورواية أبي خديجة (2)، وظاهر الصدوق التحريم (3) والوجه الأول. ويستحب أن يخاط الكفن بخيوطه، قال في الذكرى (4): قاله الشيخ في المبسوط (5) والأصحاب (6). ويكره بل الخيوط بالريق في المشهور. قال في المعتبر (7): ذكره الشيخ (8) ورأيت الأصحاب يجتنبونه، ولا بأس بمتابعتهم لإزالة الاحتمال، ووقوفا على موضع الوفاق. وأما بلها بغير الريق، فالظاهر عدم الكراهة، للأصل، ولإشعار التخصيص بالريق إباحة غيره، انتهى. وما ذكر كاف في المكروه للمسامحة كالمستحب. ويكره قطع الكفن بالحديد، قال الشيخ: سمعنا ذلك مذاكرة من الشيوخ، وعليه كان عملهم (9). ويكره أن يعمل للأكفان المبتدأة أكمام، كما قاله الأصحاب (10)، لرواية


(1) التهذيب 1: 451 ح 1465، الاستبصار 1: 211 ح 745، الوسائل 2: 751 أبواب التكفين ب 20 ح 2. (2) الكافي 3: 149 ح 7، التهذيب 1: 434 ح 1392، الاستبصار 1: 210 ح 741، الوسائل 2: 751 أبواب التكفين ب 20 ح 1. (3) الفقيه 1: 89. (4) الذكرى: 49. (5) المبسوط 1: 177. (6) منهم ابن حمزة في الوسيلة: 66، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 54 والمحقق في الشرائع 1: 40، والشهيد في اللمعة: 24. (7) المعتبر 1: 289. (8) المبسوط 1: 177. (9) التهذيب 1: 290 ذ. ح 12. (10) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 177، والمحقق في الشرائع 1: 32، والعلامة في القواعد 1: 227،

[ 441 ]

محمد بن سنان (1). وأما لو كفن في قميصه أو قميص غيره فلا بأس فيه، لهذه الرواية، ولصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (2)، ولكن تنزع أزراره للروايتين. ويستحب أن يطوى جانب اللفافة الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر، قال في المدارك: لم أقف فيه على أثر، ولعل وجهه التيمن باليمين (3). أقول: في الفقه الرضوي ما يدل عليه (4). وقال في الذكرى (5): وقال الأصحاب (6) ونقل الشيخ فيه الإجماع (7) وتطوى اللفافتان ; جانبهما الأيسر على جانبه الأيمن، وجانبهما الأيمن على جانبه الأيسر، ويعقد طرفيهما مما يلي رأسه ورجليه، قال ابن البراج: يشق حاشية الظاهرة منهما ويعقد بها (8). التاسع: إذا ظهر من الميت نجاسة فإن لاقت بدنه فيجب غسله. والمشهور عدم وجوب إعادة غسله، وعن ابن أبي عقيل إذا خرج منه شئ من الأحداث أنه تجب الإعادة (9).


والشهيد في الذكرى: 49. (1) الفقيه 1: 92 ح 418، التهذيب 1: 305 ح 886، الوسائل 2: 756 أبواب التكفين ب 28 ح 2. (2) التهذيب 1: 304 ح 885، الوسائل 2: 756 أبواب التكفين ب 28 ح 1. (3) المدارك 2: 113. (4) فقه الرضا (ع): 168 (5) الذكرى: 49. (6) كالفاضلين في الشرائع 1: 32، والقواعد 1: 227. (7) الخلاف: 705 مسألة 500. (8) المهذب 1: 62. (9) نقله عنه في المختلف 1: 388.

[ 442 ]

والأول أقوى لقوية عبد الله بن يحيى الكاهلي والحسين بن مختار (1)، ومرسلة سهل بن زياد (2)، ورواية روح بن عبد الرحيم (3). ولا وجه للقدح في سند الأخبار مع قوة بعضها واعتضادها بالعمل في الغسل وبه وبالأصل، واقتضاء الأمر الإجزاء في عدم إعادة الغسل. وربما يحتج لابن أبي عقيل بأن الحدث ناقض للغسل (4)، ولا يخفى ضعفه. وإن لاقت كفنه فالظاهر أن وجوب إزالتها في الجملة إجماعي، ولكن المشهور أنه يغسل قبل طرحه في القبر ويقرض بعد طرحه فيه. وعن الشيخ (5) إطلاق القرض، لمرسلة ابن أبي عمير الحسنة (6)، ورواية الكاهلي (7) وغيرهما (8). وربما حملتا على ما لم يمكن الغسل. وربما جمع بين هذه الأخبار { والأخبار } الأولة بالتخيير بين الغسل والقرض، وربما حملت هذه على ما بعد الطرح في القبر كما هو المشهور. اقول: والتحقيق أن الأخبار الأولة أعم مطلقا بالنسبة إلى البدن والكفن، والأخيرة خاصة بالكفن، فيخصص الغسل بغير الكفن. ووجه تقييد الخاص بما بعد الطرح في القبر أن عمومه ليس بحيث يشمل الخارج من القبر وصورة إمكان الغسل بلا حرج، سيما مع ملاحظة حرمة إتلاف المال


(1) التهذيب 1: 449 ح 1455، الوسائل 2: 723 أبواب غسل الميت ب 32 ح 2. (2) الكافي 3: 156 ح 2، الوسائل 2: 723 أبواب غسل الميت ب 32 ح 5، وص 753 أبواب التكفين ب 24 ح 2. (3) التهذيب 1: 449 ح 1456، الوسائل 2: 723 أبواب غسل الميت ب 32 ح 1. (4) كما في المختلف 1: 389. (5) المبسوط 1: 181، والنهاية: 43. (6) الكافي 3: 156 ح 3، التهذيب 1: 450 ح 1458، الوسائل 2: 753 أبواب التكفين ب 24 ح 1. (7) الكافي 3: 156 ح 1، التهذيب 1: 449 ح 457، الوسائل 2: 723 أبواب غسل الميت ب 32 ح 4. (8) الوسائل 2: 723 أبواب غسل الميت ب 32.

[ 443 ]

إلا فيما دل عليه الدليل، ولم يدل عليه فيما نحن فيه. والظاهر أن الأمر بالقرض في القبر أيضا وارد مورد الغالب من عدم إمكان الغسل أو لزوم الحرج، وإلا لأمكن وجوب الغسل هناك أيضا، وأن ذلك رخصة في غيرهما أيضا لا عزيمة، ولعل مراد المشهور أيضا ذلك. ومما يشيد ما ذكرنا ويسدده الأمر الوارد بإجادة الأكفان وإعلائها، حتى ورد أن بعض الأئمة كفن في حبرة تسوى خمسمائة دينار (1)، وبعضهم بما يسوى أربعمائة دينار (2)، وعلل في الأخبار بأنهم يباهون بالأكفان ويحشرون فيها ونحو ذلك (3)، فالحكم بجواز القرض في كفن يسوى خمسمائة دينار، وإضاعته وتشويهه مع إمكان غسله بما لا يوجب نقصانا ولا عسرا كما ترى. ويؤيد ما ذكرنا أيضا أن الغالب في تنجس الكفن أنه يحصل من البدن كما هو مورد الأخبار، ويصعب غسل الكفن بالماء في القبر مع ما أوجبه من البدن، فالأمر بالقرض إرشاد إلى تقليل النجاسة. ولم يتعرضوا لحال البدن في القبر، مع أن إطلاق الأخبار الأولة يوجبه ; للنظر إلى الغالب من عدم الإمكان، أو لزوم العسر، بل الظاهر من تلك الأخبار هو ظهور النجاسة قبل الطرح في القبر. ومما ذكرنا يظهر أن مراد الشيخ أيضا لابد أن يكون جواز القرض قبل الطرح لا وجوبه كما يتوهم من عبارة الشرائع (4) وغيرها (5)، لأن الظاهر أن الأمر بالقرض إرشاد إلى الإزالة في موضع عدم إمكان الغسل، أو لزوم الحرج، فليفهم ذلك. وقال في الذكرى: لو أفسد الدم معظم الكفن أو ما يفحش قطعه ; فالظاهر وجوب الغسل مطلقا استبقاءا للكفن، لامتناع إتلافه على هذا الوجه، ومع التعذر


(1 - 3). الوسائل 2: 749 أبواب التكفين ب 18. (4) الشرائع 1: 33 (5) انظر السرائر 1: 169، والمختلف 1: 389، وجامع المقاصد 1: 378، والمدارك 2: 117، والرياض 2: 267.

[ 444 ]

يسقط للحرج (1). وهذا أيضا يؤيد ما ذكرنا ويوضحه. والظاهر أن المراد من إمكان الغسل وعدم تعذره إنما هو في القبر، فلو لم يمكن إلا بإخراج الميت من القبر أو بنزع الكفن وإخراجه فلا يجوز. ثم أنهم لم يتعرضوا لحكم النجاسة الظاهرية للبدن أو الكفن من الخارج فيما حضرني من كلماتهم، ولعل عموم ما دل على إزالة النجاسة عن الميت سيما ما ورد في علة الغسل (2) وتنبيه هذه الأخبار عليه يكفي في تعميم الحكم. وأما خروج النجاسة والأحداث عنه في أثناء الغسل فالظاهر أنه أيضا لا يوجب إعادة الغسل للأصل، ويدل عليه ما مر من الأخبار الدالة على استحباب عصر بطنه بعد الغسلتين الاوليين (3). العاشر: يؤخذ الكفن من أصل المال مقدما على الدين والوصية، إلا فيما سنذكره، والظاهر أنه إجماعي، وادعى عليه الإجماع في الذكرى (4) وغيره (5). ويدل عليه مضافا إلى ظاهر الإجماع صحيحة عبد الله بن سنان (6)، وصحيحة زرارة (7) ورواية السكوني (8). قال في الذخيرة: وإطلاق الأخبار وكلام الأصحاب يقتضي تقديمه على حق


(1) الذكرى: 50. (2) الوسائل 2: 678 أبواب غسل الميت ب 1. (3) الوسائل 2: 680 أبواب غسل الميت ب 2. (4) الذكرى: 50. (5) كالتذكرة 2: 14 مسألة 164، وروض الجنان: 109، والمدارك 2: 119، والرياض 2: 244. (6) التهذيب 1: 437 ح 1407، الوسائل 2: 758 أبواب التكفين ب 31 ح 1. (7) الكافي 7: 23 ح 2، الفقيه 4: 143 ح 492، التهذيب 9: 171 ح 697، الوسائل 13: 98 أبواب الدين ب 13 ح 1. (8) الكافي 7: 23 ح 3، الفقيه 4: 143 ح 488، التهذيب 9: 171 ح 698، الوسائل 13: 98 أبواب الدين والقرض ب 13 ح 2.

[ 445 ]

المرتهن والمجني عليه وغرماء المفلس، وبه صرح بعض الأصحاب، ويحتمل تقديم حق المرتهن والمجني عليه، ويحتمل تقديم حق المجني عليه دون المرتهن (1)، انتهى. ولعل الوجه أن حق المرتهن قد تعلق بعين المال في الجملة قبل الموت، وكذلك حق المجني عليه بالنسبة إلى العبد الجاني، فيشكل الحكم بارتفاعه بالموت، ومنع تبادر المذكورات من إطلاق الأخبار، سيما الصحيحتين. والذي يقدم هو الواجب من الكفن كما صرح به جماعة (2)، وأما المندوب إذا أوصى به، فإن خرج من الثلث وإلا فيقف على الإجازة بعد الدين. قالوا: وكذلك ما يحتاج إليه الميت في التجهيز من سدر وكافور وغيره يخرج من أصل المال (3)، ولم أقف على ذكر خلاف فيه ; ومن جملة ذلك الماء أو ثمنه، واجرة المكان الذي يغسل فيه ونحو ذلك. واستدل عليه في المدارك بأن الوجوب متحقق، ولا محل له سوى التركة إجماعا (4) اقول: إن لم تكن المسألة إجماعية يمكن الخدشة بأن ظاهر ما دل على وجوب غسل الميت مثل قوله عليه السلام: " غسل الميت واجب " (5) الإطلاق، وما لايتم الواجب المطلق إلا به واجب، فإذا قال الشارع " غسل الجنابة واجب " فلا نوقفه على وجود الماء، بل نوجب تحصيله، إلا أن الظاهر عدم الخلاف ; مع إمكان القدح في الإطلاق أيضا. وإن لم يكن للميت ما يكفن فيه يدفن بلا كفن، ولا يجب على المسلمين بذله. والظاهر أنه أيضا إجماعي، وهو مقتضى الأصل.


(1) الذخيرة: 89. ولعله أراد ببعض الأصحاب صاحب المدارك 2: 119 (2) كالعلامة في المنتهى 1: 442، والكركي في جامع المقاصد 1: 400، والشهيد الثاني في روض الجنان: 190، وصاحب المدارك 2: 119. (3) الشرائع 1: 33، جامع المقاصد 1: 96. (4) المدارك 2: 121. (5) الكافي 3: 40 ح 3، الوسائل 2: 678 أبواب غسل الميت ب 1 ح 1.

[ 446 ]

نعم يستحب لهم بذله للأخبار (1). وعن جماعة من الأصحاب جواز تكفينه من الزكاة مع احتياجه إلى (ذلك) (2) (3). وقيل: بل يجب (4) لموثقة الفضل بن يونس الكاتب، قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام فقلت له: ما ترى في رجل من أصحابنا يموت ولم يترك ما يكفن به، أشتري له كفنه من الزكاة ؟ فقال: " أعط عياله من الزكاة قدر ما يجهزونه، فيكونون هم الذين يجهزونه ". قلت: فإن له يكن له ولد ولا أحد يقوم بأمره، فاجهزه أنا من الزكاة ؟ قال: " كان أبي يقول: إن حرمة بدن المؤمن ميتا كحرمته حيا، فوار بدنه وعورته وجهزه وكفنه وحنطه، واحتسب بذلك من الزكاة، وشيع جنازته ". قلت: فإن اتجر عليه بعض إخوانه بكفن آخر وكان عليه دين، أيكفن بواحد و يقضى دينه بالآخر ؟ قال: " لا، ليس هذا ميراثا تركه، إنما هو شئ صار إليه بعد وفاته، فليكفنوه بالذي اتجر عليه، ويكون الآخر لهم يصلحون به شأنهم " (5). وقدح في المدارك في سندها بسبب وقف الفضل (6)، وهو غير مضر، لأنه ثقة (7). نعم لا دلالة فيها على الوجوب، لأن الأمر فيها وارد مورد توهم الحظر.


(1) الوسائل 2: 754 أبواب التكفين ب 26. (2) بدل مابين القوسين في " ص ": الزكاة. (3) منهم يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 57، والفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 122، وصاحب الحدائق 4: 66. (4) المنتهى 1: 442، وجامع المقاصد 1: 402، ومجمع الفائدة 1: 200. (5) التهذيب 1: 445 ح 1440، قرب الإسناد: 129، الوسائل 2: 759 أبواب التكفين ب 33 ح 1. (6) المدارك 2: 120. (7) انظر رجال الشيخ: 357 قال: إنه واقفي، ووثقه في رجال النجاشي: 309 رقم 844.

[ 447 ]

والظاهر أنه عليه السلام أراد بالأمر بإعطائه أهله ليكفنوه جعله في سهم الفقراء مع اشتراط فقرهم، ثم الأمر الآخر أيضا بعد فقد الأهل من باب إدخاله في سبيل الله، وهو أيضا لا يفيد الوجوب، لأنه أيضا في مورد توهم الحظر. وكون الزكاة واجبة لا يوجب كون ذلك المصرف واجبا، بل مقتضى ذلك استحباب جعل الزكاة الواجبة في هذا المصرف كما يصرف في نفقة الزوار. وفي الخبر امور اخر تقدح في الدلالة على الوجوب لا تخفى على المتأمل. وقد يستدل على الوجوب بما دل على جواز قضاء دين الميت الذي لم يترك شيئا يوفي دينه (1) من باب الأولوية، فإن الكفن مقدم على الدين، وفيه تأمل. وألحق في المسالك الخمس، قال: ويجوز تحصيله من الزكاة أو من الخمس مع استحقاقه لهما (2)، وفيه إشكال. ولو كان للمسلمين بيت مال موجود كفن منه. والظاهر أن بذلك أيضا لا يثبت الوجوب، إذ لا دليل على وجوب بسط بيت المال على جميع المصالح كالزكاة. وقال في المسالك: أخذ منه وجوبا (3)، ولا يحضرني دليله. والكلام في فقد سائر مؤن التجهيز كالكفن في عدم وجوب البذل على المؤمنين واستحبابه. وأما جعله من الزكاة فيتم لو عممنا سبيل الله كما هو المشهور، أو أعطيناه الفقراء من أهله ليجهزوه به، بل وتدل عليه رواية الفضل أيضا في الجملة، والكلام في بيت المال كما مر. الحادي عشر: كفن المرأة على زوجها بلا خلاف بين الأصحاب، ونقل عليه الإجماع في الخلاف (4).


(1) الوسائل 13: 83 أبواب الدين والقرض ب 4. (2) و (3). المسالك 1: 96. (4) الخلاف 1: 709.

[ 448 ]

وتدل عليه صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " الكفن من جميع المال " وقال عليه السلام: " كفن المرأة على زوجها إذا ماتت " (1). والظاهر أن قوله " وقال عليه السلام " من عبد الله بن سنان لا الصدوق حتى يلزم الإرسال. ورواية السكوني، عنه عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام: " إن عليا عليه السلام، قال: على الزوج كفن امرأته إذا ماتت " (2). واستدل أيضا ببقاء الزوجية ; ومن ثم جاز تغسيلها ورؤيتها ويرثها، فعليه مؤنتها والكفن منها (3)، وفيه نظر. والأولى الاستدلال بالاستصحاب. وكيف كان فلا إشكال في الحكم، لاعتضاد الخبرين والإجماع المنقول بفتوى الأصحاب وعملهم. وعن جماعة من الأصحاب إلحاق سائر مؤن التجهيز (4)، ولا بأس به، للاستصحاب، وتوقف فيه في المدارك (5). ثم إن إطلاق النص والفتوى يقتضي عدم الفرق بين الدائمة والمنقطعة، والحرة والأمة، والمطيعة والناشزة، والتعليل بوجوب المؤنة عليل، فلا يضر النشوز في ذلك. نعم يمكن منع انصراف المنقطعة من إطلاق النص، والمطلقة رجعية زوجة. وظاهرهم اختصاص الوجوب بالموسر، واحتمل في المدارك لزومه على المعسر أيضا (6)، وفسر بأن لا يفضل به شئ عن قوت يوم وليلة وما يستثنى في الدين،


(1) الفقيه 4: 143 ح 490، 491، الوسائل 2: 758 أبواب التكفين ب 31 ح 1. وب 32 ح 1. (2) التهذيب 1: 445 ح 1439، الوسائل 2: 759 أبواب التكفين ب 32 ح 2. (3) كما في المعتبر 1: 307. (4) كالشيخ في المبسوط 1: 188. والحلي في السرائر 1: 171، والعلامة في النهاية 2: 248. (5) و (6). المدارك 2: 118.

[ 449 ]

وحينئذ فيجب في تركتها. قال في الذكرى: ولو ملك البعض اخرج الباقي من تركتها (1). ولو ماتا معا فالظاهر عدم الوجوب في مال الزوج، لعدم التكليف. ولو مات بعدها لم يسقط. ولو أوصت بالكفن فيعتبر من الثلث، لعدم وجوبه من مالها. ولا يلحق بالزوجة سائر من تجب نفقته إلا المملوك، قال في الذكرى (2): ولا يلحق واجب النفقة بالزوجة، للأصل، إلا العبد، للإجماع عليه وإن كان مدبرا أو مكاتبا، مشروطا أو مطلقا لم يتحرر منه شئ، أو ام ولد، ولو تحرر منه شئ فبالنسبة.


(1) و (2). الذكرى: 51.

[ 450 ]

المقصد الرابع في الصلاة عليه وفيه مباحث: الأول: فيمن يصلى عليه وهو كل من أظهر الشهادتين ما لم يظهر منه خلافه بإنكار ضروري الدين. قال في المنتهى: وتجب الصلاة على الميت البالغ من المسلمين بلا خلاف (1). وظاهره دعوى الإجماع على الوجوب على كل ميت مسلم. وقال المحقق الأردبيلي - رحمه الله - بعد نقل ذلك: فدليل الوجوب هو الإجماع نظير ما ذكره في الغسل (2). وقد ذكرنا الإشكال في دعوى الإجماع ثمة، والإشكال موجود هنا أيضا، لأن المخالف فيه جماعة من فحول أصحابنا، كالمفيد (3) وأبي الصلاح (4)


(1) المنتهى 1: 447. (2) مجمع الفائدة 2: 425. (3) المقنعة: 229. (4) الكافي في الفقه: 157.

[ 451 ]

وابن إدريس (1) وسلار (2) على ما نقلناه من الذكرى (3). وغاية توجيه الإجماع المنقول هو ما ذكرناه ثمة من أن الإجماع نقل على وجوب الصلاة لكل ميت مسلم، ولعل نزاع هؤلاء في كون المخالفين مسلمين، فالإجماع إنما انعقد على وجوب الصلاة على المسلم، والمسلم اسم لمن هو مسلم في نفس الأمر، ونحن مكلفون بما نفهم أنه مسلم، فإذا اخترنا كون المخالفين مسلمين فيجري عليهم حكم الإجماع، فلا يضر الاختلاف في الإسلام الإجماع على وجوب الصلاة على كل مسلم. غاية الأمر كونه كالإجماع على وجوب العمل على ما يفهم أنه المراد من اللفظ. ولكن القول بكون المخالفين كفارا من جميع هؤلاء الفحول غير معهود، فلم يعلم كون مخالفتهم من جهة الكفر، فليثبت الإجماع على وجوب غسل كل مسلم. ويمكن بعيدا أن يجمع بين دعوى الإجماع ومخالفة هؤلاء أن المراد أنه تجب الصلاة على المكلفين في الجملة لكل ميت مسلم، لا أنه تجب الصلاة على جميع المكلفين وقاطبتهم على كل ميت مسلم، فيكفي في ذلك وجوبه على المخالفين فقط. وتظهر الثمرة في وجوب أمرهم بالصلاة على موتاهم من باب الأمر بالمعروف، سيما مع قولهم عليهم السلام: " ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم " (4) ونحو ذلك من الثمرات، هذا الكلام في الإجماع.


(1) السرائر 1: 356. (2) المراسم: 45. (3) الذكرى: 54. (4) التهذيب 8: 58 ح 190، وج 9: 322 ح 1156، الاستبصار 3: 292 ح 1031، 1032 وج 4: 148 ح 555 الوسائل 15: 321 أبواب مقدمات الطلاق ب 30 ح 5، وج 17: 485 أبواب ميراث الإخوة والأجداد ب 4 ح 5.

[ 452 ]

وأما الأخبار فقد استدل على العموم بقوية طلحة بن زيد، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه عليه السلام: " صل على من مات من أهل القبلة وحسابه على الله " (1). ورواية السكوني، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: صلوا على المرجوم من امتي، وعلى القتال نفسه من امتي، لا تدعوا أحدا من امتي بغير صلاة " (2). ونقل في الذكرى (3) عنه صلى الله عليه وآله - ولعله من طرق العامة - " صلوا على من قال لا إله إلا الله " (4). وأيضا قال صلى الله عليه وآله " صلوا على كل بر وفاجر " (5). وفي رواية عبد الله بن سنان: " أمر جبرئيل عليه السلام هبة الله أن يصلي على أبيه آدم عليه السلام، وأن يكبر عليه خمسا عدة الصلاة التي فرضها الله تعالى على امة محمد صلى الله عليه وآله، وهي السنة الجارية إلى يوم القيامة " (6) ونحو ذلك. ويمكن القدح في سند كلها أو جلها، ودلالة أكثرها، سيما الرواية الأخيرة،


(1) التهذيب 3: 328 ح 1025، الاستبصار 1: 468 ح 1809، الوسائل 2: 814 أبواب صلاة الجنازة ب 37 ح 2. (2) التهذيب 3: 328 ح 1026، الاستبصار 1: 468 ح 1810، الوسائل 2: 814 أبواب صلاة الجنازة ب 37 ح 3، وهي ضعيفة السند لوقوع محمد بن سعيد والظاهر أنه ابن غزوان وهو مهمل، وكذا غزوان (انظر معجم رجال الحديث رقم 10824، 9270). (3) الذكرى: 53. (4) دعائم الإسلام 1: 235، سنن الدار قطني 2: 56 ح 3، 4، سنن البيهقي 4: 19، مجمع الزوائد 2: 67، الجامع الصغير 2: 98 ح 5030. (5) سنن الدار قطني 2: 57 ح 10 الجامع الصغير 2: 97 ح 5022، سنن البيهقي 4: 19. (6) هذا مضمون ما ورد في الفقيه 1: 100 ح 468، والتهذيب 3: 330 ح 1033، والوسائل 2: 774 أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 13، وفي طريقها خلف بن حماد، ومحمد بن خالد وفيهما كلام وإن كان المرجح توثيقهما (راجع معجم رجال الحديث رقم 4308، 10676).

[ 453 ]

لمنع عموم الامة، ولأن ظاهر أكثر هذه الأخبار أن الفسق لا يضر كالزنا والقتل وغيره كما ورد في صحيحة هشام بن سالم " أنه يصلى على شارب الخمر والزاني والسارق " (1) والظاهر أن الأوامر فيها واردة مورد توهم الحظر كما لا يخفى على المتأمل، ولا ننكر جوازه. وقضية قول الأصحاب في غسله " أنه يغسل غسل المخالفين " أن صلاته أيضا كذلك كما ذكره المحقق الأردبيلي رحمه الله (2) ويجئ فيه الإشكال الذي ذكرنا ثمة. وقال: الانصراف بعد الرابعة من غير دعاء، لعدم ظهور وجوب الدعاء له أو عليه وبالدعاء، والانصراف بعد الخامسة بالدعاء وبغير الدعاء بينهما، واختيار صلاته كما قيل في الغسل، ولعل الثاني بغير الدعاء أولى، ويمكن مع الدعاء للعموم وعدم ثبوت عدم جواز الدعاء، ولهذا وقع في الأدعية بعد المؤمنين والمؤمنات الدعاء للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وعدم الاتفاق على وجوب لعنهم، واحتمال الترحم لهم من الله، هذا مع عدم النصب والعداوة، لعموم الأخبار الدالة على وجوبها على امة محمد صلى الله عليه وآله، وكونها خمس تكبيرات مع الدعاء، ولما سقط الدعاء بعد الرابعة بالإجماع ونحوه، بقي الباقي، ويشعر الاكتفاء في المنافق على أربع بجواز الاقتصار عليه هنا أيضا فتأمل (3)، انتهى كلامه. ولا تجوز الصلاة على الكافر، للإجماع، ولقوله تعالى: (ولاتصل على أحد منهم مات أبدا) (4) ولا فرق بين الأصلي والمرتد، والذمي وغيره. نعم يجوز على بعض الفرق كالنواصب، ولكن يلعن عليه في الدعاء كما سيجئ.


(1) الفقيه 1: 103 ح 481، التهذيب 3: 328 ح 1024، الوسائل 2: 814 أبواب صلاة الجنازة ب 37 ح 1. (2) و (3). مجمع الفائدة 2: 426. (4) التوبة: 84.

[ 454 ]

وفي حكم المسلم الأطفال والمجانين المتولدون من مسلم أو مسلمة. واختلفوا في الحد الذي تجب الصلاة عليه في الطفل، فالمشهور المدعى عليه الإجماع من السيد (1) والعلامة في المنتهى (2) هو كمال ست سنين، لصحيحة محمد بن مسلم (3)، وصحيحة زرارة وعبيد الله بن علي الحلبي (4)، وصحيحة زرارة على الأظهر (5)، وغيرها من الأخبار (6). وعن ابن الجنيد الوجوب على المستهل (7)، لصحيحة عبد الله بن سنان (8)، وصحيحة علي بن يقطين (9)، ورواية السكوني (10) وغيرها (11). وعن ابن أبي عقيل عدم الوجوب حتى يبلغ (12)، لموثقة عمار، وفيها: " إنما الصلاة على الرجل والمرأة إذا جرى عليهما القلم " (13).


(1) الانتصار: 59. (2) المنتهى 1: 448. (3) التهذيب 2: 381 ح 1589، الاستبصار 1: 408 ح 1562، الوسائل 3: 12 أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 2. (4) الكافي 3: 206 ح 2، الفقيه 1: 104 ح 486، التهذيب 3: 198 ح 456، الاستبصار 1: 479 ح 1855، الوسائل 2: 787 أبواب صلاة الجنازة ب 13 ح 1. (5) الكافي 3: 207 ح 4، الوسائل 2: 788 أبواب صلاة الجنازة ب 13 ح 3. (6) الوسائل 2: 787 أبواب صلاة الجنازة ب 13. (7) نقله عنه في المختلف 2: 299. (8) التهذيب 3: 199 ح 459، الاستبصار 1: 480 ح 1857، الوسائل 2: 788 أبواب صلاة الجنازة ب 14 ح 1 وفيها: لا يصلى على المنفوس وهو المولود الذي لم يستهل ولم يصح... وإذا استهل فصل عليه وورثه. (9) التهذيب 3: 331 ح 1037، الاستبصار 1: 481 ح 1860، الوسائل 2: 789 أبواب صلاة الجنازة ب 14 ح 2، وفيها: سألته لكم يصلى على الصبي إذا بلغ من السنين والشهور ؟ قال: يصلى عليه على كل حال، إلا أن يسقط لغير تمام. (10) التهذيب 3: 331 ح 1035، الوسائل 2: 789 أبواب صلاة الجنازة ب 14 ح 3 وفيها: يورث الصبي ويصلى عليه إذا سقط من بطن امه فاستهل صارخا، وإذا لم يستهل صارخا لم يورث ولم يصل عليه. (11) الوسائل 2: 788 أبواب صلاة الجنازة ب 14. (12) نقله عنه في المختلف 2: 299. (13) التهذيب 3: 199 ح 460، الاستبصار 1: 480 ح 1858، الوسائل 2: 789 أبواب صلاة الجنازة ب 14 ح 5.

[ 455 ]

وعن المفيد الوجوب إذا عقل الصلاة (1)، وكذا الصدوق في المقنع (2)، والظاهر أنه هو قول المشهور، لما فسروا في أخبارهم (3) ذلك ببلوغ ست سنين. وعلى ذلك تحمل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام، حيث قال: " إذا عقل الصلاة صلي عليه " (4). والأقوى الأول، لكثرة الأخبار وصحتها، وموافقتها للأصل والشهرة والإجماع المنقول، وشذوذ القولين بحيث لم يعتد العلامة بمخالفتهما (5) في دعوى الإجماع. وقد تحمل رواية عمار على أن القلم أعم من القلم التمريني (6)، وأخبار ابن الجنيد على الاستحباب (7)، والأولى حملها على التقية كما هو الظاهر من غير واحد منها. وعن النهاية: يصلى على من نقص عن ست استحبابا وتقية (8)، والظاهر أنه أراد استحبابه في نفسه وإرادة الفعل وجوبا للتقية. وأما غير المستهل فلا صلاة عليه قولا واحدا. وفي حكم ما علم تولده من مسلم لقيط دار الإسلام، ومن وجد ميتا فيها. وقيل: اللقيط في دار الكفر أيضا، وفيها مسلم صالح للاستيلاد (9)،


(1) المقنعة: 231. (2) المقنع (الجوامع الفقهية): 6. (3) الوسائل 2: 787 أبواب صلاة الجنازة ب 13، 14. (4) التهذيب 3: 199 ح 458، الوسائل 2: 788 أبواب صلاة الجنازة ب 13 ح 4. (5) في " ص ": بمخالفتها، والمراد بهما هما ابن الجنيد وابن أبي عقيل. (6) كما في المختلف 2: 301، والذكرى: 54. (7) كما في الوسائل 2: 789 أبواب صلاة الجنازة ب 14 ذ. ح 7. (8) النهاية: 143. (9) المسالك 1: 262.

[ 456 ]

وهو مشكل. الثاني: في المصلي على الميت. قالوا: إن أحق الناس بالصلاة عليه أولاهم بميراثه (1). ومعنى ذلك أن الوارث مقدم على غير الوارث، لا تقديم الأكثر نصيبا على غيره أيضا. نعم هنا تفصيل في تقديم بعض ذوي الإرث على غيره سيجئ بيانه. والظاهر أن أصل الحكم إجماعي. واستدلوا عليه بآية اولي الأرحام (2). وفيه إشكال، فإنه لايتم إلا مع تعميم الأولوية بالنسبة إلى الإرث والصلاة وغيرهما، مثل ولاية القصاص، وحينئذ فلا يدل إلا على أولوية الرحم على غير الرحم، لا الوارث على غير الوارث. ولا يمكن أن يقال: المراد بالبعض الأول في الآية هو بعض الأرحام الموجودين، بمعنى أن بعض الموجودين منهم أولى بالميت من البعض الآخر منهم، ليثبت اتحاد الأولى في الميراث والقصاص والصلاة وغيرها ; للزوم الإجمال في الآية، لعدم العهد، فلا يجوز الاستدلال به، مع أنك تراهم يستدلون بعمومه في إثبات الميراث لمن لم يثبت فرضه في القرآن، ولم يرد به الخبر أيضا، ولم يعهد في السنة النبوية صلى الله عليه وآله بيان لذلك المجمل حتى يكون الاتكال عليه... مع أنك تراهم لا يتمسكون في جميع موارد الاستدلال به بالخبر الوارد فيه. واستدلوا عليه بحسنة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن الصادق عليه السلام قال: " يصلي على الجنازة أولى الناس بها، أو يأمر من يحب " (3) ورواية البزنطي -


(1) الشرائع 1: 95، المنتهى 1: 450، التذكرة 2: 41 مسألة 190. (2) الأنفال: 75، قال الله تعالى: واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض. (3) الكافي 3: 177 ح 1، التهذيب 3: 204 ح 483، الوسائل 2: 801 أبواب صلاة الجنازة ب 23 ح 1.

[ 457 ]

وليس في سندها من يتأمل فيه إلا سهل، وهو سهل (1) - عن بعض أصحابنا، عنه عليه السلام مثله (2). وفيه أيضا إشكال، لعدم العهد للأولى، وكونه كناية عن الأولى المذكور في الآية قد عرفت أنه لا يجدي، فإن مقتضى الآية أولوية مطلق الرحم من غيره، لا أولوية بعضهم الخاص من غيره كما لا يخفى. ومقتضى ذلك تساويهم في استحقاق الإرث، وهو باطل جزما، فالاستدلال بالآية إنما يناسب إثبات مطلق تقديم الرحم على غير الرحم ومجمله. نعم فصلت الشريعة النبوية وبينت ترتيب الطبقات، ومنع الأبعد مع وجود الأقرب في الميراث، فإن ثبت ذلك الترتيب والمنع في خصوص الصلاة مثلا كما ثبت في الإرث فالمعتمد هو ; لاعموم الآية، وإلا فلا يتم الاستدلال أصلا. وبالجملة لو لم يثبت الإجماع على تقديم الوارث على غيره لأشكل الاستدلال بالمذكورات. نعم يمكن الاستدلال بالخبرين بحملهما على الأمس بالميت (3)، والأشد علاقة، وهو لا ينفك عن تقديم الوارث، ويناسب التفصيل الذي سنذكره بأن يكون المراد به العلاقة واللصوق النسبي أو السببي، لا مطلق العلاقة. لكن يرد عليه المنع من جهة دلالته على العلاقة الخاصة، قال الله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) (4) الآية، ولم يقل أحد باعتبار مطلق العلاقة هنا.


(1) فقد وثقه الشيخ في رجاله: 416، وإن ضعفه ابن الوليد وابن بابويه وابن نوح والنجاشي وابن الغضائري وشهد عليه أحمد بن محمد بن عيسى بالغلو والكذب وأخرجه من قم إلى الري. (انظر معجم رجال الحديث رقم 5629) وقد ضعفه الشيخ في الفهرست: 106 رقم 341. (2) الكافي 3: 177 ح 5، الوسائل 2: 801 أبواب صلاة الجنازة ب 23 ح 2. (3) في " م ": الآنس بالميت. (4) آل عمران: 68.

[ 458 ]

ثم إن الإشكال في أن الأولوية هل هي في مطلق الصلاة أو الإمامة والمأمومية أيضا ؟ إطلاق الروايتين يقتضي الأول، وظاهر كثير من الأصحاب (1) وصريح بعضهم (2) الثاني، ولا تبعد استفادته من رواية السكوني في تقديم سلطان حضر من سلطان الله إن قدمه ولي الميت (3)، وكذلك من صحيحة زرارة في إمامة المرأة للنساء إذا لم يكن أحد أولى منها (4). والتحقيق أن يقال: الصلاة التي تسقط بها الصلاة على الميت ويسقط الوجوب الكفائي لابد أن تكون بإذن الولي، سواء كانت في جماعة أو فرادى، فإن في المصلين تفاوتا فاحشا ربما لا يرضى الولي بإسقاط الصلاة بصلاة من لا يرضى به، بل يريد أن يصلي عليه من يحسن ظنه به ويعتمد صلاحه، ويكون دعاؤه مظنة للإجابة، فلذلك لا يعتنى بشأن المأمومين إذا كان الإمام مرضيا، وكذا لا يعتنى بشأن من يصلي فرادى بعد انعقاد الجماعة بالإمام المرضي له ولم يتم بعد، أو مقارنا لانعقادها، فالذي يضر بمراد الولي هو المنفرد الغير المرضي المبتدئ بالصلاة، والإمام الغير المرضي، ولما كان الغالب في صلاة الجنازة هو الجماعة جعلوا البحث في الإمام أو أطلقوا، فليفهم ذلك. ثم بعد اتفاقهم على تقديم الوارث ظاهرا اتفقوا على تقديم الأب على الابن، والظاهر أنه إجماعي، وهو مقتضى تقديم الأمس والأشد علاقة، فانه أشفق بالولد من الولد. وكذا الولد على الجد، خلافا لابن الجنيد (5)، حيث قدمه، لأنه أب الأب، لأن


(1) كالعلامة في التذكرة 2: 44 مسألة 194 حيث قال: إنما يقدم الولي إذا كان بشرائط الإمامة. (2) كالشهيد الثاني في روض الجنان: 311، وصاحبي المدارك 4: 156، والذخيرة: 334. (3) التهذيب 3: 206 ح 490، الوسائل 2: 801 أبواب صلاة الجنازة ب 23 ح 4، وفيها: إذا حضر سلطان من سلطان الله جنازة فهو أحق بالصلاة عليها إن قدمه ولي الميت وإلا فهو غاصب. (4) التهذيب 3: 206 ح 488، وص 268 ح 766، الوسائل 2: 803 أبواب صلاة الجنازة ب 25 ح 1. (5) نقله عنه في المختلف 2: 304.

[ 459 ]

منصب الإمامة إذا كان أليق بالأب من الولد، فيقدم أب الأب، ولا يخفى ضعفه. وعن الشيخ أن الأب أولى ثم الولد، ثم ولد الولد، ثم الجد للأب، ثم الأخ للأبوين، ثم الأخ للأب، ثم الأخ للام، ثم العم، ثم الخال، ثم ابن العم، ثم ابن الخال، قال: وبالجملة من كان أولى بالإرث فهو أولى بالصلاة للآية (1). وفيه إشكال، لأنه إن نظر إلى الآية فكل الأرحام متساوون كما ذكرنا، وإن نظر إلى كثرة النصيب فمع عدم الدليل عليه ينتقض بالأب المقدم على الابن، مع كونه أقل نصيبا، وإن كان يمكن القدح في الأقلية، لأن الغالب اجتماع الأولاد مع الأب، وقد يتكثرون فلا يبلغ نصيب أحدهم ربع نصيب الأب، وهو لا ينقص نصيبه أبدا، والجد المقدم على الأخ مع كونه مساويا له، واعتبار ملاحظة أكثرية الحنو والشفقة لو سلم في الجد أيضا، فهو خروج عن اعتبار الإرث. وقد صرح بذلك الإشكال في الذكرى (2) وغيره (3)، وهو كذلك، ولا مناص عن هذا الإشكال. ولا شئ يصير هنا بمنزلة القانون إلا الاعتماد على الروايتين والرجوع إلى الأولوية العرفية، واعتبار الأحنية وأشدية العلاقة، ففيما يفهم ذلك في العرف - ككون الأب أشد علاقة من غيره، وكذا الأخ من الأبوين مع الأخ من الأب فقط - فواضح، وما لم يفهم ذلك فيه فالأظهر فيه التساوي. ويمكن الرجوع إلى القرعة وإن كان الرجوع إلى أكثرية النصيب أيضا أو التقرب من جهة الأب أيضا لا يخلو من رجحان، بملاحظة أن تقديم الشارع بعضهم في النصيب كاشف عن الأقربية والأولوية النفس الأمرية، كالحسن الذاتي المفهوم من الأمر الشرعي فيما لا يدرك العقل حسنه أو قبحه، كصوم آخر رمضان وأول شوال.


(1) المبسوط 1: 183. (2) الذكرى: 57. (3) المدارك 4: 158.

[ 460 ]

هذا كله في غير الزوج. وأما الزوج فهو مقدم على الأب أيضا، فضلا عن غيره بلا خلاف ظاهر من الأصحاب، لرواية أبي بصير (1)، ورواية إسحاق بن عمار (2)، ورواية أبي بصير أيضا (3)، وفي روايتي أبي يصير تصريح بتقديمه على الأب والأخ والولد. ولا يضر ضعف أسنادها مع هذا العمل. ولا يعارض بها صحيحة حفص بن البختري (4)، ورواية عبد الرحمن بن أبى عبد الله (5) الدالتين على تقديم الأخ عليه لشذوذهما. وحملهما الشيخ على التقية، لموافقتهما للعامة (6). وإطلاق النص والفتوى يقتضي عدم الفرق بين الدائمة والمنقطعة، والحرة والأمة.


(1) الكافي 3: 177 ح 3، الوسائل 2: 802 أبواب صلاة الجنازة ب 24 ح 1 وفيها: سألته عن المرأة تموت، من أحق أن يصلي عليها ؟ قال: الزوج، قلت الزوج أحق من الأب والأخ والولد ؟ قال: نعم، وفي طريقها إسماعيل بن مرار وفي وثاقته خلاف، نعم هو واقع في أسناد تفسير علي ابن إبراهيم (انظر معجم رجال الحديث رقم 1430). (2) الكافي 3: 194 ح 6، التهذيب 1: 325 ح 949، الوسائل 2: 802 أبواب صلاة الجنازة ب 24 ح 3، وفيها: الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها. وفي طريقها سهل بن زياد، وفيه كلام معروف، ومحمد بن اورمة، وقال النجاشي: 329 رقم 891 رموه القميون وغمزوا عليه. وعلي بن ميسرة، وهو أيضا لم يوثق (انظر معجم رجال الحديث رقم 8545). (3) الكافي 3: 177 ح 2، الفقيه 1: 102 ح 474، التهذيب 3: 205 ح 484، الاستبصار 1: 486 ح 1883، الوسائل 2: 802 أبواب صلاة الجنازة ب 24 ح 2، وفيها قلت: المرأة تموت من أحق بالصلاة عليها ؟ قال: زوجها، قلت: الزوج أحق من الأب والولد والأخ ؟ قال: نعم، يغسلها. وفي طريقها القاسم بن محمد وهو مشترك ولعله هو الجوهري ولم يثبت توثيقه، وكذا علي بن أبي حمزة البطائني فهو ضعيف وأحد عمد الواقفة (انظر معجم رجال الحديث رقم 9530، و 7832). (4) التهذيب 3: 205 ح 486، الاستبصار 1: 486 ح 1885، الوسائل 2: 802 أبواب صلاة الجنازة ب 24 ح 4 (5) التهذيب 3: 205 ح 485، الاستبصار 1: 486 ح 1884، الوسائل 2: 802 أبواب صلاة الجنازة ب 24 ح 5. (6) التهذيب 3: 205 ذ. ح 486.

[ 461 ]

ومقتضى ذلك تقديم الزوج على سيد المملوكة كما صرح به في المسالك (1). وفيما لو كان الزوج عبدا إشكال، وظاهرهم عدم الخلاف في عدم ولاية العبد، كما أن ظاهرهم عدم الخلاف في تقديم الزوج على غيره، والظاهر تقديم الأول لسبق حجره على زوجيته، ولم يثبت زواله، وعدم إرثه، مع عدم العلم بالإجماع في مطلق الزوج. ولا تلحق الزوجة بالزوج، لعدم الدليل، ونقل قول بمساواتهما، لشمول اسم الزوج لهما لغة (2)، وهو ضعيف، لعدم وجود نص تعلق الحكم فيه بلفظ الزوج القابل لهما، لأن الروايات كلها صريحة في الزوج أو كالصريحة فيه (3). وقال في المسالك: فإن فقد جميع القرابات انتقلت الولاية إلى أهل الولاء على حسب ترتيبهم، فإن تعذر فوليه الحاكم، وإن تعذر فعدول المسلمين (4). وقال في روض الجنان بعد ما ذكر ما نقلناه عن الشيخ وألحق به انتقال الولاية عند فقد القرابة إلى أهل الولاء على الترتيب المذكور: وهذا الترتيب بعضه مبنى على أولوية الميراث، وبعضه وهو أفراد الطبقة الواحدة على غيرها، وهو إما كثرة الحنو والشفقة كالأب بالنسبة إلى الابن، أو التوليد كالجد بالنسبة إلى الأخ، أو كثرة النصيب كالعم بالنسبة إلى الخال، والعمل بهذا الوضع هو المشهور (5). قال المحقق الأردبيلي رحمه الله: وليس في الحاكم والعدول شئ مما ذكر، و الشهرة ما نعرفها، وهو أعرف (6).


(1) المسالك 1: 263. (2) حكاه في روض الجنان: 311. (3) الوسائل 2: 802 أبواب صلاة الجنازة ب 24. (4) المسالك 1: 262. (5) روض الجنان: 311. (6) مجمع الفائدة 2: 458.

[ 462 ]

اقول: ويمكن القول بأنه المفهوم عرفا من الروايتين، ويمكن الاستدلال في الولاء بقوله عليه السلام: " الولاء لحمة كلحمة النسب " (1). ثم إن ما ذكرنا في معنى الحديث من إرادة الأمس والأشد علاقة هو ما يحصل بسبب النسب أو السبب المعهود من المصاهرة والولاء ونحوه، وإلا فقد تحصل علاقة بين اثنين أجنبيين لا يوجد مثلها أبدا بين ذوي الأنساب واولي الأسباب، إذ ذلك هو الغالب المعهود بين الناس، الحاضر في أذهان عامة المكلفين، فلا يخدش بذلك في دلالة الخبر على ما ذكرنا. قالوا: إذا كان الأولياء متعددين فالذكر أولى من الانثى، والبالغ من الصبي، والحر من العبد، والظاهر أنه إجماعي كما يظهر من المنتهى (2). نعم نقل في المدارك عن بعض مشايخه المعاصرين قولا باشتراك الانثى، وقال: ولاريب في ضعفه، مع أنه مجهول القائل (3). ويدل عليه في الأخيرين مضافا إلى الإجماع ; عدم الإرث في العبد، وكونه محجورا عليه في التصرف في نفسه، فكيف في غيره، ويظهر منه الكلام في الصبي سيما إذا كان غير مميز. واعلم: أن ظاهر كلام الأكثرين وصريح جماعة منهم الشهيدان (4) وصاحب المدارك (5) أن ذلك في الطبقة الواحدة. وذهب المحقق الأردبيلي (6) - رحمه الله - إلى التعميم، والحكم بثبوت الولاية للذكر في الطبقة الثانية مع انتفائه في الطبقة الاولى، وكذا البالغ، تمسكا بظاهر


(1) الفقيه 3: 78 ح 281، التهذيب 8: 255 ح 926، الاستبصار 4: 24 ح 78. (2) المنتهى 1: 451. (3) المدارك 4: 160. (4) الشهيد الأول في الذكرى: 57، والشهيد الثاني في روض الجنان: 311. (5) المدارك 1: 159. (6) مجمع الفائدة 2: 460.

[ 463 ]

عبارة المنتهى فإنه قال: الحر أولى من العبد وإن كان الحر بعيدا والعبد أقرب ; لأن العبد لا ولاية له في نفسه ففي غيره أولى، ولا نعلم فيه خلافا، والبالغ أولى من الصبي لذلك، والرجل أولى من المرأة، كل ذلك لا خلاف فيه (1)، انتهى. قال: والظاهر منه أن الصبي والمرأة لا ولاية لهما على تقدير وجود البالغ والرجل وإن كانا بعيدين، وهما قريبان، وأن ذلك مما لا خلاف فيه. وأيده بظاهر حسنة ابن أبي عمير المتقدمة (2)، فإن ظاهرها كون الولي صاحب الرأي والاختيار (3). اقول: وفيه نظر، إذ تقييده العبد بقوله: " وإن كان بعيدا " لا يستلزم تقييد الآخرين، والقرينة قائمة على عدم إرادة ما يتراءى ظاهرا من لفظه، إذ هو رحمه الله (4) وغيره من الأصحاب (5) ذكروا أن الأولى بالصلاة هو أولاهم بالميراث، والظاهر أنه إجماعي بينهم، ويظهر من المنتهى أيضا، حيث قال: وأحق الناس بالصلاة أولاهم بالميراث، قاله علماؤنا (6)، فكيف يقال بتقديم غير الوارث على الوارث، فلابد أن يكون المراد في الطبقة الواحدة كما هو مصرح به في كلام الآخرين (7). وأما مسألة العبد فلا إشكال فيها، بل الإشكال في ذكرها في هذه المباحث لعدم الاحتياج، لأنه ممنوع من الإرث، فليس داخلا في جملة الأولياء، فذكره استطرادي، مع أن كلامه - رحمه الله - ليس بصريح في إرادة البعد بحسب الطبقة،


(1) المنتهى 1: 451. (2) الكافي 3: 177 ح 1، التهذيب 3: 204 ح 483، الوسائل 2: 801 أبواب صلاة الجنازة ب 23 ح 1. (3) انتهى نص ومضمون ما نقله عن مجمع الفائدة والبرهان 2: 460. (4) المنتهى 1: 450، التذكرة 2: 41. (5) كالمحقق في الشرائع 1: 95. (6) المنتهى 1: 450. (7) كالشهيد الثاني في روض الجنان: 311، والمحقق السبزواري في الذخيرة: 335.

[ 464 ]

بل لعل مراده بعد الانتساب في مرتبة واحدة من جهة الميت بالأبوين معا أو بأحدهما. والرواية لا تستلزم ما ذكره، بل غاية الأمر عزل الصغير عن الولاية، ولكن قيام الغير مقامه من الطبقة الثانية يحتاج إلى الدليل. ولذلك قال في روض الجنان: لو كان الذكر ناقصا لصغر أو جنون ففي انتقال الولاية إلى الانثى من طبقته أم إلى وليه نظر، من أنه في حكم المعدوم بالنسبة إلى الولاية، ومن عموم الآية، فلتكن الولاية له يتصرف فيها وليه، ولو لم يكن في طبقته مكلف، ففي انتقال الولاية إلى الأبعد أو إلى وليه الوجهان. واستقرب في الذكرى الانتقال إلى الانثى في المسألة الاولى، وتوقف في الثانية. ولو كان غائبا فالوجهان، ويمكن سقوط اعتباره مطلقا (1). اقول: مقتضى ظاهر الإجماع على أن الأولى بالصلاة هو الأولى بالميراث أو من يأمره هو اعتبار الوارث لا غير، فلا تدخل فيه الطبقة الثانية أصلا. ثم الظاهر منه ومن الرواية أن الأولى بالميراث لابد أن يكون قابلا للصلاة أو الإذن، فالصغير والمجنون خارجان عن ذلك، وولاية وليهما من قبلهما في ذلك لم يدل عليها دليل، خصوصا إذا كان الولي هو وصي الطفل، فإن المشهور عدم جواز الصلاة للموصى إليه بها أيضا فضلا عن الوصي الذي لم يوص إليه بها، سيماوإنما الولاية تثبت عليهما فيما ملكاه واستحقاه، فإذا لم يثبت استحقاقهما لذلك من جهة عدم الأهلية فلا معنى لتصرف الولي فيه، فالأقوى سقوط الولاية عنهما حينئذ، فإن وجدت الانثى البالغة العاقلة في الطبقة فهو، وإلا فيسقط الاعتبار.


(1) انتهى المنقول عن روض الجنان: 311، وانظر الذكرى: 57.

[ 465 ]

ومن ذلك يظهر عدم الدليل على الانتقال إلى أرباب الولاء أيضا بطريق الأولى وإن كان هو الحاكم. ويظهر من ذلك الكلام في الغائب، وأن التحقيق سقوط الولاية عليه أيضا، فحينئذ مقتضى العمومات أن المسلمين متساوون في الواجب الكفائي. وفذلكة المقام: أن الرحم مقدم على غيره في غير الزوج، للآية والإجماع، والوارث من الأرحام مقدم على غير الوارث منهم، لظاهر إجماعهم ودلالة الرواية في الجملة، فمع وجود كل طبقة لا ولاية لمن لا يرث في تلك الطبقة. وإن لم يكن في تلك الطبقة أهل للصلاة والإذن فتسقط الولاية، والأمر إلى المسلمين يصلون عليه جماعة أو فرادى، والأمر في تعيين الإمام ليس موكولا إلى رأي أحد، والظاهر أن حكمه هو حكم الجماعة في اليومية كما مر، إلا أن يرجع إلى عموم الآية أو إلى ظاهر الرواية في إثبات الولاية للطبقة الثانية مع عدم وجود أهل للصلاة والإذن في الطبقة الاولى، وحينئذ فيلزم تخصيص ظاهر الإجماع على أن الأحق هو الوارث، وهو مشكل. وأما الكلام في نفس كل طبقة ; ففي الطبقة الاولى يقدم الأب على غيره بلا إشكال للإجماع إلا في الزوج، فإنه يقدم على الأب أيضا، للأخبار وظاهر الإجماع، وقول ابن الجنيد (1) ضعيف. ثم الابن مقدم على الام والبنت، والظاهر أنه أيضا إجماعي. ثم إن الام والبنت لا دليل على ترجيح إحداهما على الاخرى، ولعل تقديم الام أولى بناءا على فهم العرف في كثرة العلاقة من الرواية. ويقع الإشكال في الترجيح بينهما أو إحداهما وبين الزوجة إذا اجتمعت معهما، ولا يبعد ترجيحهما عليها، لعموم الآية.


(1) قال في المختلف 2: 304، وابن الجنيد جعل الجد أولى ثم الأب ثم الولد.

[ 466 ]

ولو سلم كون الزوجة أمس بالزوج وأقرب إليه عرفا فتشملها الرواية، فنقول: إن النسبة بين الخبر والآية عموم من وجه، ولا وجه لتخصيص الآية بالخبر. هذا الحال في الطبقة الاولى. وأما الطبقة الثانية، فقد عرفت ما نقلناه عن الشيخ بتقديم الجد للأب على الأخ وغير ذلك من تقديم من هو أقرب إلى الميت بحسب الانتساب من جهة الأبوين معا أو أحدهما (1). وكذلك في الطبقة الثالثة، والظاهر فيه الاتكال على ظاهر الرواية والرجوع إلى الأقربية العرفية بحسب الانتساب إلى الميت، فيقدم الأقرب على الأبعد، ومع التساوي فالتخيير، ومع التشاح فالعمل على ما سيجئ. وأما الطبقة الرابعة وما دونها من أصحاب الولاء فيظهر الحال فيها بملاحظة ما ذكر. إذ ظاهر إجماعهم المنقول على أولوية الوارث بالصلاة يقتضي أولويتهم إذا انحصر الوارث فيهم، وكلمات الأصحاب فيآهذه المسألة غير محررة، فعليك بالتأمل والاجتهاد فيما يرد عليك. ثم إن ههنا فوائد: الأولى: قال الشهيد الثاني - رحمه الله - في روض الجنان: لو لم يقدم الولي أحدا ولم يتقدم مع أهليته سقط اعتباره، لأن الجماعة أمر مهم مطلوب، فلا تسقط بامتناعه من الإذن، بل يصلي الحاكم أو يأذن إن كان موجودا، وإلا قدم عدول المسلمين من يختارونه (2). وقال المحقق الأردبيلي رحمه الله: وإذا ثبتت له الولاية فإسقاطها بأن الجماعة أمر مطلوب مشكل، وعلى تقدير السقوط فالثبوت للحاكم غير ظاهر، وأخفى منه


(1) المبسوط 1: 183. (2) روض الجنان: 311.

[ 467 ]

ثبوتها للعدول، لأنا ما نعرف له دليلا أصلا (1). اقول: وقريبا مما ذكره ذكر في الذكرى (2)، والوجه ما ذكراه (3) إذا لم يكن عدم إذن الولي منوطا بعذر شرعي مسموع، لأن الصلاة كما أنها واجب كفائي فإتيانها جماعة أيضا مستحب كفائي، والجماعة في صلاة الجنازة لا قوام لها إلا بها، وكما أنه لا منافاة بين الوجوب الكفائي وإناطتها برأي بعض المكلفين ; بمعنى أنه إن قام بها سقط الفرض عن غيره، وكذا إن أذن لغيره وقام بها ذلك الغير، وإلا سقط اعتباره، فكذلك إتيانها على سبيل الجماعة مستحب كفائي كذلك. واعتبار الجماعة مع صلاة الجنازة مقدم طبعا على اعتبار الولاية، فالموقوف على إذن الولي الصلاة التي من شأنها أن تؤتى بالجماعة، وينتفع من فضلها وثوابها جماعة المسلمين، فإذا أراد الولي حرمانهم من ذلك فلهم أن يقيموها كنفس الصلاة، ولا مانع من توقيف المسلمين أصل الصلاة لاستيفاء الجماعة، لعدم إمكان تحقق الجماعة إلا مع الصلاة، والجماعة حق لهم لم يثبت توقيفها على شئ إلا على اختيار الولي بحيث لو أتى بها أو أذن فيها لأحد أجزأت، وإلا فللمسلمين الإتيان بها. الثانية: لو أوصى إلى أحد بالصلاة عليه فلا يتقدم على الولي، ولا بدون إذنه كما اختاره العلامة رحمه الله (4) والشهيدان (5)، وأسنده في المختلف إلى الأصحاب (6)، وفي المسالك إلى المشهور (7)، لعموم الآية.


(1) مجمع الفائدة 2: 461. (2) يعني: وقريب ما ذكره الشهيد الثاني، الذكرى: 57 قال: ومهما امتنع الولي من الصلاة والإذن فالأقرب جواز صلاة الجماعة لإطباق الناس على صلاة الجنازة جماعة. (3) يعني الشهيدين. (4) المختلف 2: 304. (5) الشهيد الأول في الذكرى: 57، والشهيد الثاني في المسالك 1: 263. (6) المختلف 2: 304. (7) الأنفال: 75.

[ 468 ]

وقال في المسالك: لو فقد الوارث فهو مقدم على الحاكم (1). وعن ابن الجنيد أنه أولى من القرابة (2)، ونفى عنه البأس في المدارك، لعموم النهي عن تبديل الوصية، ولاشتهار ذلك بين السلف (3). وعد في الذكرى جماعة من الصحابة فعلوا ذلك ممن لاحجية في فعلهم (4)، مع أنه يجوز أن يكون برضا الوارث. والنهي عن تبديل الوصية معارض بالآية (5)، مع أن حسنة ابن أبي عمير وما في معناها أخص من دليل الوصية من حيث التصريح بالصلاة (6). الثالثة: لا يتقدم الولي إلا مع استكمال الشرائط، وتجوز الاستنابة له مع الاستكمال أيضا، سيما إذا كان النائب أكمل، بل يستحب ذلك، لأنه أكثر مظنة للإجابة. وربما يحتمل تقديم الولي حينئذ ; لاختصاصه بمزيد الرقة التي هي مظنة الإجابة. الرابعة: إذا تساوى الأولياء فظاهر الأصحاب إلحاق ذلك بالصلاة اليومية في تقديم أيهم في الجماعة، فيقدم الأقرأ، فالأفقه، فالأسن فالأصبح. وكذلك الكلام في الذي يأذن له الولي تعتبر فيه هذه المرجحات. ولكن المحقق في الشرائع فرق هنا، وقدم الأفقه على الأقرأ (7). وقد يعتذر له بأن ذلك لأجل فقد القراءة فيها، وهو مدفوع بأن ذلك يوجب سقوط اعتبارها رأسا،


(1) المسالك 1: 263. (2) نقله عنه في المختلف 2: 304. (3) المدارك 4: 162، والنهي في سورة البقرة: 181، والوسائل 13: 411 أبواب أحكام الوصايا ب 32. (4) الذكرى: 57، قال: لاشتهار ذلك من السلف، كوصية الأول بصلاة الثاني، ووصية الثاني بصلاة صهيب، ووصية عائشة بصلاة أبي هريرة، ووصية ابن مسعود بصلاة الزبير، ووصية جبير بصلاة أنسث.. (5) آية اولو الأرحام، الأنفال: 75. (6) الوسائل 2: 801 أبواب صلاة الجنازة ب 23. (7) الشرائع 1: 95.

[ 469 ]

لا تأخير الأقرأ عن الأفقه، مع أن الدعاء أيضا يعتبر فيه كثير من مرجحات القراءة. وقد مر الكلام في هذه المسألة في اليومية، وترجيح الأفقه على الأقرأ، وأن تلك الترجيحات على سبيل الاستحباب. الخامسة: قالوا: إمام الأصل أولى من كل أحد، والكلام في أنه يقدم بشرط إذن الوارث مع وجوب الإذن عليه أو بدونه، والتكلم في الروايات المناسبة لذلك والتكلف في توجيهها وجمعها مستغنى عنه، لأنه إذا حضر فهو أعرف بما يفعله. السادسة: ذكر جماعة من الأصحاب أن الهاشمي أولى من غيره إذا قدمه الولي (1)، والظاهر أن مرادهم استحباب تقديمه للولي مع استكماله للشرائط، لقوله عليه السلام: " قدموا قريشا ولا تقدموها " (2) قال في الذكرى: ولم نستثبته في رواياتنا (3)، ولشرف النسب. وبالغ المفيد حتى أوجبه (4). وقال ابن الجنيد: ومن لا أحد له فالأقعد نسبا برسول الله صلى الله عليه وآله من الحاضرين أولى به (5)، وهو يقتضي تقديم الأقعد نسبا به صلى الله عليه وآله عند انتفاء الولي الأقرب فالأقرب. السابعة: تقف النساء خلف الرجل إذا اقتدين به، وخلف صف الرجال إن كان هناك رجال، لرواية السكوني (6)، ورواية سيف بن عميرة (7) المعلل فيهما خيرية


(1) كالشيخ المفيد في المقنعة: 232، والمحقق في الشرائع 1: 95، والعلامة في القواعد 1: 229. (2) الجامع الصغير للسيوطي 2: 253 ح 6108، 6109، ترتيب مسند الشافعي 2: 194 ح 691، الجامع الكبير 1: 605، مجمع الزوائد 10: 25، الكامل لابن عدي 5: 1810. (3) الذكرى: 57. (4) المقنعة: 232. (5) نقله عنه في الذكرى: 57. (6) التهذيب 3: 319 ح 991، الوسائل 2: 806 أبواب صلاة الجنازة ب 29 ح 1. (7) الكافي 3: 176 ح 2، الوسائل 2: 806 أبواب صلاة الجنازة ب 29 ذ. ح 1. وفيه وفي سابقه: خير الصفوف =

[ 470 ]

الصف الأخير في صلاة الجنازة، بصيرورة ذلك سترة للنساء، يعني أن الله تعالى جعل الصف الأخير فيها خيرا لئلا تجاوزه النساء، فيكون سترة لهن. قال الصدوق في الفقيه: إن النساء كن يختلطن بالرجال في الصلاة على الجنائز فقال النبي صلى الله عليه وآله: " أفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الأخير " فتأخرن إلى الصف الأخير، فبقي فضله على ما ذكره عليه السلام (1). والحائض تنفرد عن الصف استحبابا، لحسنة محمد بن مسلم (2) وغيرها من الأخبار (3). وتجوز الإمامة للنساء فيها، ولكن يكره لها البروز، بل تقف في وسط صفهن استحبابا، لصحيحة زرارة (4)، ورواية الحسن بن زياد الصيقل (5) وغيرهما (6). وعن الشيخ في النهاية والمبسوط أن حكم الرجال العراة أيضا ذلك، فيقفون ويصلون (7)، واختاره المحقق - رحمه الله - في المعتبر والشرائع (8). واعتذر الشهيد في الذكرى للقيام هنا مع قولهم بالقعود في اليومية بالاحتياج إلى الركوع والسجود ثمة (9)، وهو مشكل، للاكتفاء بالإيماء ثمة.


= في الصلاة المقدم، وخير الصفوف في الجنائز المؤخر، قيل يارسول الله ولم ؟ قال: صار سترة للنساء. (1) الفقيه 1: 106 ح 493، الوسائل 2: 806 أبواب صلاة الجنازة ب 29 ح 2. (2) الكافي 3: 179 ح 4، الفقيه 1: 107 ح 496، الوسائل 2: 800 أبواب صلاة الجنازة ب 22 ح 1. (3) الوسائل 2: 800 أبواب صلاة الجنازة ب 22. (4) الفقيه 1: 259 ح 1177، التهذيب 3: 206 ح 488، وص 268 ح 766، وص 331 ح 1038، وص 326 ح 1019، الوسائل 2: 803 أبواب الجنازة ب 25 ح 1. (5) الفقيه 1: 103 ح 479، الوسائل 2: 803 أبواب صلاة الجنازة ب 25 ح 2 (6) الوسائل 2: 803 أبواب صلاة الجنازة ب 25. (7) النهاية: 147، والمبسوط: 186. (8) المعتبر 2: 347، الشرائع 1: 95. (9) الذكرى: 58.

[ 471 ]

وعلى القول بإلحاق هذه باليومية فالأقرب القعود، لعدم الأمن من المطلع كما اخترناه هناك، فإن المطلع عند الجماعة غير مأمون عليه. الثامنة: يستحب بروز الإمام وقيام المأموم خلفه، بخلاف اليومية وإن كان واحدا، لرواية اليسع بن عبد الله القمي، رواها المشايخ الثلاثة في كتبهم (1). الثالث: في كيفية الصلاة عليه، وهي خمس تكبيرات عند علمائنا، وادعى عليه الإجماع جماعة من الأصحاب (2)، والأخبار الصحيحة وغيرها بها مستفيضة (3)، وعلل في بعضها بأخذ كل تكبيرة من كل من الصلوات الخمس (4). والقدح في دلالتها على الوجوب سيما مع الإجماع على وجوب الصلاة على الميت، وظهور بعضها فيه، مثل ما ورد في حكاية صلاة هبة الله على أبيه آدم عليه السلام (5) غير مسموع. وما ورد في الشواذ من الاكتفاء بأربع (6) فمحمول على التقية، لموافقته للعامة (7)، وإن رووا الخمس أيضا عنه عليه السلام (8)، وعلل بعضهم اختيارهم


(1) الكافي 1: 176 ح 1، الفقيه 1: 103 ح 477، التهذيب 3: 319 ح 990، الوسائل 2: 805 أبواب صلاة الجنازة ب 28 ح 1. (2) كالعلامة في التذكرة 2: 68، وصاحب المدارك 4: 164. (3) الوسائل 2: 772 أبواب صلاة الجنازة ب 5. (4) علل الشرائع: 302 ب 244 وص 303 ب 245، الفقيه 1: 100 ح 469، الوسائل 2: 772 أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 4، 15. (5) الفقيه 1: 100 ح 468، التهذيب 3: 330 ح 1033، الوسائل 2: 774 أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 13. (6) انظر الوسائل 2: 781 أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 17، 18. (7) المجموع 5: 230، المبسوط للسرخسي 2: 63، اللباب 1: 130، المغني 2: 387، 389، الشرح الكبير 2: 350، بلغة السالك 1: 197، بداية المجتهد 1: 234، الشرح الصغير 1: 197، سبل السلام 2: 558. (8) صحيح مسلم 2: 351 ح 957، سنن الدارقطني 2: 73 ح 9، سنن البيهقي 4: 36.

[ 472 ]

الأربع لصيرورة الخمس علما للشيعة (1). هذا في الصلاة على المؤمن، وأما المخالف فأربع ; إدانة له بمذهبه. والظاهر أن الناصب وغيره في ذلك سواء، بل المنافق الحقيقي أيضا كذلك إن دعته الضرورة إلى الصلاة عليهما كما يستفاد كل ذلك من الأخبار (2). وفي صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الصلاة على الميت، فقال: " أما المؤمن فخمس تكبيرات، وأما المنافق فأربع، ولا سلام فيها " (3). وفي صحيحة هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكبر على قوم خمسا وعلى آخرين أربعا، فإذا كبر على رجل أربعا اتهم، يعني بالنفاق " (4). قال في الذكرى: وهذا جمع حسن بين ما روته العامة لو كانوا يعقلون (5). ثم المشهور وجوب الذكر بينها، خلافا للمحقق في الشرائع فاستحبه (6)، والأول أقرب، لظاهر الروايات (7). بل الأقرب وجوب الأذكار الأربعة، ويظهر الإجماع على الوجوب من جماعة، منهم العلامة في المنتهى، قال: وهي خمس تكبيرات بينها أربع أدعية، وعليه علماؤنا أجمع (8).


(1) هذا محكي عن محمد بن علي التميمي المالكي في كتابه فوائد مسلم (انظر الجواهر 12: 31)، وحكاه في الذكرى: 58. (2) الوسائل 2: 772 أبواب صلاة الميت ب 5. (3) التهذيب 3: 192 ح 439، الوسائل 2: 773 أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 5. (4) الكافي 3: 181 ح 2، الوسائل 2: 772 أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 1. (5) الذكرى: 58. (6) الشرائع 1: 96. (7) الوسائل 2: 772 أبواب صلاة الجنازة ب 5، 7. (8) المنتهى 1: 451.

[ 473 ]

ونقله في روض الجنان عن الشيخ أيضا (1). وهو ظاهر الذكرى حيث قال: إن الأصحاب بأجمعهم يذكرون ذلك في كيفية الصلاة، والمذكور في بيان الواجب ظاهره الوجوب. وقال أيضا: ولأن الغاية من الصلاة الدعاء للميت، فيجب تحصيلا لها، فيجب الباقي، إذ لا قائل بالفرق (2). ولعل المحقق في الاستحباب اعتمد على الروايات المبينة لصلاة الميت أنها خمس تكبيرات من دون ذكر الدعاء، والاختلاف الشديد بين ما دل على الأذكار. ثم المشهور بين المتأخرين (3) وجوب توزيع الأذكار الأربعة على التكبيرات بذكر الشهادتين بعد الاولى، والصلاة على النبي وآله بعد الثانية، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بعد الثالثة، والدعاء للميت بعد الرابعة، وهو ظاهر إجماع المنتهى (4)، والإجماع المنقول عن الشيخ (5) في الذكرى وروض الجنان (6). وتدل على ذلك من الروايات رواية محمد بن مهاجر، عن امه ام سلمة سيما على ما في الفقيه، وما رواه الصدوق مرسلا عن رسول الله صلى الله عليه وآله (7)، ورواية أبي بصير (8).


(1) روض الجنان: 308، وانظر الخلاف 1: 724 مسألة 543. (2) الذكرى: 59 (3) التذكرة 2: 72 مسألة 217، التحرير 1: 19، القواعد 1: 231. (4) المنتهى 1: 451. (5) الخلاف 1: 724 مسألة 543. (6) الذكرى: 59، روض الجنان: 308. (7) الكافي 3: 181 ح 3، الفقيه 1: 100 ح 469، التهذيب 3: 189 ح 431، الشرائع: 303 ح 3، الوسائل 2: 763 أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 1. (8) التهذيب 3: 318 ح 986، الاستبصار 1: 476 ح 1842، الوسائل 2: 774 أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 12، وفيها: إنها خمس تكبيرات بينها أربع صلوات.

[ 474 ]

ولا يضر الضعف (1) مع الشهرة مع كون الراوي عن محمد بن مهاجر هو ابن أبى عمير، وورود الرواية في كتب الثلاثة وفي العلل. قال في الذكرى بعد نقل الإجماع عن الشيخ: ولاريب أنه كلام الجماعة إلا ابن أبي عقيل والجعفي فإنهما أوردا الأذكار الأربعة عقيب كل تكبيرة وإن تخالفا في الألفاظ، قال الفاضل - رحمه الله - كلاهما جائز. قلت: لاشتمال ذلك على الواجب، والزيادة غير منافية مع ورود الروايات بها، وإن كان العمل بالمشهور أولى، انتهى كلام الذكرى (2). ووجه أولوية المشهور اشتمال روايتهم على أن ذلك كان فعل رسول الله صلى الله عليه وآله مستمرا، وأقله الرجحان. والأخبار المشتملة على الأذكار الأربعة وغيرها بعد كل تكبيرة كثيرة (3)، وهي مستند ابن أبي عقيل والجعفي. ثم إن ظاهر بعض الأخبار مثل صحيحة صفوان بن مهران (4) وحسنة محمد بن مسلم (5) وغيرهما (6) وجوب الدعاء على المخالف بأقسامه، وإذا ضممنا ذلك إلى ما أثبتناه من توزيع الأذكار على التكبيرات فيصير الغرض من تلك الأخبار تبديل الدعاء للميت بالدعاء عليه. وقال في الذكرى: والظاهر أن الدعاء على هذا القسم غير واجب، لأن التكبير عليه أربع، وبها يخرج من الصلاة (7).


(1) لجهالة ام سلمة الراوية وابنها محمد بن مهاجر (انظر معجم رجال الحديث رقم 15572، 11865). (2) الذكرى: 59، وانظر التذكرة 2: 72، والمختلف 2: 295. (3) انظر الوسائل 2: 763 أبواب صلاة الجنازة ب 2. (4) الفقيه 1: 105 ح 490، الوسائل 2: 770 أبواب صلاة الجنازة ب 4 ح 2. (5) الكافي 3: 189 ح 5، الوسائل 2: 771 أبواب صلاة الجنازة ب 4 ح 5. (6) الوسائل 2: 770 أبواب صلاة الجنازة ب 4. (7) الذكرى: 60.

[ 475 ]

وفيه: أن انحصار التكبير في الأربع لا يقتضي الخروج عن الصلاة بالرابعة، بل المراد عدم وجوب الخامسة. وأما القائلون بعدم توزيع الأذكار على التكبيرات مع قولهم بوجوب الدعاء فلا بحث معهم، فيقدمونه على الرابعة. ووجوب الدعاء عليه لا ينافي عدم وجوب الصلاة عليه كالمخالف الغير الناصب على قول، أو عدم جوازه كما في الناصب، فإنه قد يجب تقية. وعلى عدم الوجوب مع الجواز فلا ينافي وجوب الدعاء عليه بعد ما فعل، مع إمكان إرادة الوجوب الشرطي المستفاد من الإيجاب الشرعي في الجملة من الأخبار أو من الخارج. وكذا الكلام في الدعاء للطفل مع استحباب الصلاة عليه. ثم إن نقص الخمس والأربع في المقامين يوجب بطلان الصلاة، ويجب تداركه قبل فوات وقت الإمكان إذا نسي أو شك في العدد، فإنه يبني على الأقل ويأتي به. اما الزيادة ; فإن زادها في نيته في أول الأمر بمعنى اعتقاده لزوم الزائد في الصلاة فهو باطل، لإنه نوى عبادة غير مشروعة، فإن الظاهر أن هذه مهية مركبة مرتبطة بعض أجزائها ببعض مرتبة على ترتيب، لا أنها محض أربع تكبيرات لا ارتباط بينها حتى لا يكون قصد جزئية شئ آخر لها غير مضر. وأما لو زادها بعد الفراغ وقصد بها الوجوب حينئذ فهو آثم ولا تبطل صلاته، وإن قصد بها المستحب فسيجئ الكلام فيه. وإن زادها في البين، فإن قصد بها التكبير للصلاة على الميت، يعني ذكر للتكبير الذي تذكر بعده الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله مثلا تكبيرين، فهو مبطل، فإن مقتضى كونها مهية مركبة اعتبار كون كل تكبير منها في مرتبته ملحوظا في تلك المرتبة، والتكبيرات أركان لهذه الصلاة، مضافا إلى القيام في حالها والنية على وجه، وزيادة الركن مبطلة للصلاة.

[ 476 ]

والحاصل أن التكبيرات الخمسة أركان، وزيادتها ونقيصتها مع عدم تداركها حيث يمكن التدارك مبطل، فما يظهر من الشهيد في الذكرى من أن الزيادة في الأثناء غير مبطلة، وكذلك قوله بعدم إبطاله في الآخر مطلقا مع تسليم ركنيته (1)، وكذا الشهيد الثاني (2) وصاحب المدارك في الثاني مطلقا (3) محل نظر. ويشكل فيما لو كبر بنية الثالثة ودعا للمؤمنين والمؤمنات ثم تذكر أنه لم يكبر الثانية ولم يصل على النبي صلى الله عليه وآله، فلو قلنا بأن ملاحظة مرتبة التكبير وقصدها لها مدخلية في مهية الصلاة خصوصا مع تميزه بالذكر الذي بعده على المشهور فتدارك الفائت حينئذ مستلزم لتكرار الركن، ولو لم نقل بذلك فيمكن جعل التكبير الثالث ثانيا، وتجديد التكبير للثالث، وحينئذ فإما يسقط الدعاء الفائت أو يأتي به بعد التكبير الثالث، وعلى القول بعدم وجوب التوزيع فلا إشكال، والأحوط إعادة الصلاة. ويجئ الإشكال لو كبر للثالثة مثلا مع نسيان الثانية وإن لم يشرع بعد في دعاء الثالثة، ولم أقف على من تعرض لما ذكرناه، ويحتاج إلى التأمل. وأما التكبير بعنوان أنه ذكر وحسن على كل حال، فالظاهر أنه لا تضر زيادته في الأثناء أيضا، كما إذا زاده بين الدعاء، وذلك كما لو زاد تكبيرة بعد تكبيرة الإحرام لابنية الإحرام في اليومية. ويظهر مما ذكرنا حكم ما لو تذكر فعله سابقا بعد التدارك بسبب الشك، واستقرب في الذكرى هنا أيضا الصحة بناءا على أن التكبير ذكر حسن في نفسه، واحتمل البطلان لأنه ركن زيد (4).


(1) الذكرى: 64. (2) روض الجنان: 308. (3) المدارك 4: 165. (4) الذكرى: 61.

[ 477 ]

اما الدعوات فلم تثبت ركنيتها، قال في الذكرى: أما زيادة الدعوات فلا تضر قطعا (1). تنبيه: قد ذكر في الأخبار (2) وكلام أصحابنا الأخيار ثبوت الدعاء للمؤمن والمخالف والطفل والمستضعف والمجهول الحال، ويظهر لك الكلام في الكل مما نبهناك عليه في وجوب الدعاء على المخالف بعد التكبيرة الرابعة، إما بالوجوب الشرعي أو الشرطي. وورد في الأخبار كيفية أدعيتهم (3)، وأنت قد عرفت أن مسمى الأذكار الأربعة كاف. فعلى المشهور الأقوى يكفي أن يقال بعد التكبيرة الاولى: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله. وبعد الثانية: اللهم صل على محمد وآل محمد. وبعد الثالثة: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات. وبعد الرابعة: اللهم اغفر لهذا الميت، ثم يكبر الخامسة وينصرف. ويستحب أن يقول فيها بما ورد في الأخبار وكلام الأصحاب، ولا يبعد ترجيح القول باستحباب جميع الأذكار بعد كل التكبيرات كما ورد في صحيحة أبي ولاد (4)، ورواية سماعة (5) وغيرهما (6). وأجمعها ما ورد في رواية سماعة، فيقول بعد التكبير: " أشهد أن لا إله إلا الله،


(1) الذكرى: 61. (2) الوسائل 2: 814 أبواب صلاة الجنازة ب 37، وص 768 ب 3. (3) الوسائل 2: 763 أبواب صلاة الجنازة ب 2. (4) التهذيب 3: 191 ح 436، الوسائل 2: 765 أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 5. (5) الكافي 3: 182 ح 1، التهذيب 3: 191 ح 435، الوسائل 2: 765 أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 6. (6) الوسائل 2: 763 أبواب صلاة الجنازة ب 2.

[ 478 ]

وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد وعلى أئمة الهدى، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤف رحيم، اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا من المؤمنين والمؤمنات، وألف بين قلوبنا على قلوب أخيارنا، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم هذا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، وأنت أعلم به منا، افتفر إلى رحتمك واستغنيت عنه، اللهم فتجاوز عن سيئاته، وزد في حسناته، واغفر له وارحمه، ونور له في قبره، ولقنه حجته، وألحقه بنبيه صلى الله عليه وآله، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده ". وإن أردت التوزيع كما هو المشهور فاقرأ ما ذكره الصدوق (1) والمفيد (2) وغيرهما (3) فتقول (بعد الشهادتين ما ذكره الصدوق يقول) (4): أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، وتقول بعد الشهادة الاولى ما ذكره المفيد في المقنعة: إلها واحدا أحدا فردا صمدا حيا قيوما لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، لا إله إلا الله الواحد القهار، ربنا ورب آبائنا الأولين. ثم تكبر الثانية وتقول ما ذكره الصدوق: اللهم صل على محمد وآل محمد، و ارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كأفضل ما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. وتكبر الثالثة، وتقول ما ذكره الصدوق: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات


(1) الفقيه 1: 101 ح 469. (2) المقنعة: 227. (3) كسلار في المراسم: 79، والقاضي في المهذب 1: 130. (4) مابين القوسين ليس في " م "، أقول: ليس المراد ذكر كل ذلك بعد الشهادتين، بل المراد من قوله: أرسله بالحق...

[ 479 ]

والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، وزاد المفيد: وأدخل على موتاهم رأفتك ورحمتك، وعلى أحيائهم بركات سماواتك وأرضك، إنك على كل شئ قدير. ثم تكبر الرابعة، وتقول ما ذكره الصدوق: اللهم هذا عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، واغفر له، اللهم اجعله عندك في أعلا عليين، واخلف على أهله في الغابرين، وارحمه برحمتك يا أرحم الراحمين. ثم تكبر الخامسة وتفرغ وزاد المفيد بعد الخامسة بقول: اللهم عفوك عفوك. ومقتضى رواية أم سلمة الصلاة على الأنبياء (1)، والأحوط الإتيان بها، ولكنها ليست بواجبة، للأصل، وخلو أكثر الأخبار عنها. نعم تجب الصلاة على آل محمد إذا صلى عليه كما تضمنته الأخبار (2) وصرح به في الذكرى (3). ثم إن كان الميت انثى فتؤنث الضمائر، ويغير الابن بالبنت وهكذا. وإن كان خنثى فيختار، وله أن يذكر بقصد الميت، أو يؤنث بقصد الجنازة، ويتصرف في لفظ العبد والابن والبنت بما يناسبها، فيقول: اللهم إن هذا رقك وولد عبدك وولد أمتك، وإن شاء قال: هذه رقك وولد عبدك وولد أمتك، إلى آخر الدعاء. وإن كان الميت مخالفا فأقل الواجب هو الدعاء عليه، والمنقول فيه روايات منها حسنة الحلبي في جاحد الحق: " اللهم املأ جوفه نارا، وقبره نارا، وسلط عليه


(1) الكافي 3: 181 ح 3، الفقيه 1: 100 ح 469، التهذيب 3: 189 ح 431، الوسائل 2: 763 أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 1. (2) الوسائل 2: 765 أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 6، وب 3 ح 6. (3) الذكرى: 64.

[ 480 ]

الحيات والعقارب " (1). ومنها صحيحة صفوان بن مهران للناصب: " اللهم أخز عبدك في عبادك وبلادك، اللهم أصله أشد نارك، اللهم أذقه حر عذابك، فإنه كان يوالي أعداءك، ويعادي أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيك " (2). وإن كان الميت مستضعفا فقل ما روي بطرق كثيرة، منها حسنة الحلبي: " اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم " (3). قال في الذكرى: المستضعف هو الذي لا يعرف الحق ولا يعاند فيه ولا يوالي أحدا بعينه (4). وقال في العزية من يعرف بالولاية ويتوقف عن البراءة (5). وقال ابن إدريس: من لا يعرف اختلاف الناس في المذاهب، ولا يبغض أهل الحق على اعتقادهم (6). قال في روض الجنان: والكل متقارب (7). وفى رواية الفضيل بن يسار: " إن كان منافقا مستضعفا " على ما نقله في روض الجنان تبعا للشهيد في الذكرى وقال: إنه يدل على أن المنافق هو المخالف مطلقا، لا الناصب، وعلى أن المستضعف لابد أن يكون من المخالفين حتى يدعا له


(1) الكافي 3: 188 ح 1، التهذيب 3: 196 ح 452، الوسائل 2: 770 أبواب صلاة الجنازة ب 4 ح 4 بلفظ آخر، وهذا اللفظ وارد في حسنة محمد بن مسلم وهي في الكافي 3: 189 ح 5، والوسائل 2: 771 أبواب صلاة الجنازة ب 4 ح 5. (2) الكافي 3: 189 ح 3، الفقيه 1: 105 ح 490، الوسائل 2: 770 أبواب صلاة الجنازة ب 4 ح 2. (3) الكافي 3: 187 ح 3 الفقيه 1: 105 ح 491، الوسائل 2: 768 أبواب صلاة الجنازة ب 3 ح 4. (4) الذكرى: 59. (5) نقله عنه في الذكرى: 59، وروض الجنان: 307. (6) السرائر 1: 84. (7) روض الجنان: 307.

[ 481 ]

بهذا الدعاء (1). ولا يحضرني الآن من كتب الأخبار ما اشتمل عليه، وما يحضرنا من التهذيب والكافي ففيه " إن كان واقفا مستضعفا " (2) ولعل المراد من الواقف المتوقف عن اختيار دين. ويمكن أن يؤيد ما ذكره في روض الجنان بذكر المستضعف في مقابل المؤمن في الرواية، وبما ورد في حسنة الحلبي حيث قال عليه السلام: " وإن كان المستضعف منك بسبيل فاستغفر له على وجه الشفاعة منك، لاعلى وجه الولاية " (3). وفي رواية اخرى عن الصادق عليه السلام، قال: " الترحم على جهتين: جهة الولاية، وجهة الشفاعة " (4) فإن الظاهر أن المراد بالولاية هي مودة أهل البيت المشار إليها في القرآن، والظاهر أن المراد من قوله عليه السلام: " إن كان المستضعف منك بسبيل " إن كان له عليك حق، يعني: إن كان كذلك فاستغفر له، وإلا فقل له الدعاء المذكور. وكيف كان فمن يقول بالحق ويعتقده من دون معرفة الأدلة التفصيلية كأكثر عوام أهل العصر فلا يندرجون في المستضعف، بل يعامل معهم معاملة المؤمنين. وإن كان الميت مجهول الحال - كالغريب - فتقول في دعائه ما ورد في حسنة الحلبي: " اللهم إن كان يحب الخير وأهله فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه " (5) أو غير ذلك مما ورد في الأخبار مثل ما في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم: " اللهم إن هذه النفس أنت أحييتها وأنت أمتها، اللهم ولها ما تولت، واحشرها مع من أحبت " (6).


(1) روض الجنان: 307، الذكرى: 59. (2) الكافي 3: 187 ح 2، التهذيب 3: 196 ح 450. وكذا الوسائل 2: 768 أبواب صلاة الجنازة ب 3 ح 3. (3) الكافي 3: 187 ح 3، الفقيه 1: 105 ح 491، الوسائل 2: 768 أبواب صلاة الجنازة ب 3 ح 4. (4) الكافي 3: 187 ح 4، الوسائل 2: 769 أبواب صلاة الجنازة ب 3 ح 5. (5) المتقدمة في ه‍ 3. (6) الفقيه 1: 105 ح 489، الوسائل 2: 768 أبواب صلاة الجنازة ب 3 ح 1.

[ 482 ]

والظاهر أنه يكفي في إيمانه معرفة بلده الذي يعلم إيمان أهلها أجمع، بل أغلبهم أيضا على وجه. وإذا كان الميت طفلا فتقول في دعائه ما ورد في رواية زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام، عن علي عليه السلام: " اللهم اجعله لأبويه ولنا سلفا وفرطا وأجرا " (1). وقال المفيد - رحمه الله - تقول: اللهم هذا الطفل كما خلقته قادرا وقبضته ظاهرا فاجعله لأبويه نورا، وارزقنا أجره، ولا تفتنا بعده (2). وفي الشرائع: سأل الله أن يجعله مصلحا لحال أبيه شافعا فيه (3). والمراد بالطفل هنا من دون البلوغ وإن وجبت الصلاة عليه. وإنما يدعو لأبويه مع علمه بإيمانهما أو جهله بحالهما، ومع العلم بالكفر كالمسبي إذا قلنا بتبعيته في الإسلام لم يصح الدعاء بذلك. ولو كان أحدهما مسلما خص الدعاء به. الرابع: يجب فيها النية والقيام إجماعا، وقد عرفت كونهما ركنا لها. ويدل على وجوب النية كلما دل على وجوبها في سائر العبادات. وقد عرفت حقيقتها أيضا أنها القصد إلى الفعل المعين تقربا إلى الله، فالعمدة تميز الفعل بنية التقرب. والكلام في قصد الوجه ما مر من عدم الاحتياج إلا مع توقف التميز عليه، ولايحتاج إلى تعيين الكفائية، لعدم توقفه عليه. ويجب تعيين الميت ولو بالإشارة، واحدا كان أو أكثر، ولا تجب معرفته، بل


(1) التهذيب 3: 195 ح 449، الوسائل 2: 787 أبواب صلاة الجنازة ب 12 ح 1. (2) المقنعة: 229. (3) الشرائع 1: 97.

[ 483 ]

تكفي نية منوي الإمام كما صرح به في الذكرى، قال: فلو عين وأخطأ فالأقرب البطلان، لخلو الواقع عن نية (1). قال في روض الجنان: ويتوجه ذلك مع عدم ضم الإشارة إلى التعيين بأن قصد الصلاة على فلان، أما لو قصدها على هذا فلان قوى تغليب الإشارة (2). اقول: تغليب الإشارة على العبارة إنما يصح في المعاملات، كقوله: " بعتك هذا الفرس " مشيرا إلى حمار، نظرا إلى أن الغلط في الإشارة أبعد منه في العبارة، فيؤخذ اللافظ بها على مقتضاها، وذلك لأنها من أحكام الوضع. وأما العبادات التي تحتاج إلى النية ويلاحظ فيها نفس الأمر ; فالمعتبر هو ما قصده المكلف في نفس الأمر، نعم يصح لو كان التلفظ بزيد مثلا بعد هذا خطأ من اللسان، وهذا مع أنه لا يجري إلا مع التلفظ بالنية، وأنه لغو لا عبرة به، فيه: أنه ليس من باب ترجيح الإشارة على العبارة، بل هو مبني على عدم العبرة بسهو اللسان فيما لا يحتاج إليه. نعم لو قصد المصلي الصلاة على الحاضر وظنه زيدا وقصد الصلاة على الحاضر مع احتمال كونه غير زيد فتصح الصلاة حينئذ، وهو أيضا ليس من باب تغليب الإشارة. وتجب في النية الاستدامة الحكمية، وقصد الاقتداء في المأموم كما مر في اليومية. وأما القيام فلا ريب في وجوبه أيضا مع القدرة، ومع العجز يأتي بالممكن كاليومية. ولو وجد المتمكن منه ففي إجزاء صلاة العاجز عنه إشكال، تردد فيه في الذكرى (3)، من صدق الصلاة، ومن نقصها وإمكان الكاملة، والأظهر الإجزاء.


(1) الذكرى: 58. (2) روض الجنان: 307. (3) الذكرى: 58.

[ 484 ]

وكذلك يجب الاستقبال بالإجماع والتأسي بالشارع، وعمل المسلمين، وتنبيه الأخبار الكثيرة مثل ما ورد في الصلاة على الجنائز المتعددة وغيرها (1). وفي لزوم الساتر قولان (2)، أجودهما العدم، للأصل. واحتج الموجب (3) بأنها صلاة. وفيه: أنها مجاز فيها، لتبادر الغير، والاستعمال أعم من الحقيقة، ويدل عليه قوله عليه السلام: " لا صلاة إلا بطهور " (4) " وإلا بفاتحة الكتاب " (5). وقول الصادق عليه السلام في موثقة يونس بن يعقوب عن الجنازة اصلي عليها على غير وضوء ؟ فقال: " نعم، إنما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل، كما تكبر وتسبح في بيتك على غير وضوء " (6) ونحو ذلك من الأخبار (7). وأما حسنة محمد بن مسلم أو زرارة، قال: " الصلاة على الميت بعد ما يدفن إنما هو الدعاء " قلت: فالنجاشي لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله ؟ فقال: " لا، إنما دعا له " (8) فمحمولة على أنه لم يدع له الدعاء المعهود الذي هو صلاة الميت، بل دعا له بمطلق الدعاء. وكذلك كل ما يشترط في اليومية فعله أو تركه يظهر الكلام فيه من جهة إلحاقها


(1) الوسائل 2: 808 أبواب صلاة الجنازة ب 32. (2) قال باللزوم في الذكرى: 58، وبالعدم العلامة في التذكرة 2: 462. (3) الذكرى: 58. (4) عوالي اللآلي 2: 184 ح 54، وص 209 ح 131، وج 3: 8 ح 1، الفقيه 1: 22 ح 67، التهذيب 1: 49 ح 144، الوسائل 1: 256 ابواب الوضوء ب 1 ح 1. (5) عوالي اللآلي 1: 196 ح 2، وج 2: 218 ح 13، وج 3: 82 ح 65، مستدرك الوسائل 1: 274 أبواب القراءة ب 1 ح 6. (6) الكافي 3: 178 ح 1، الفقيه 1: 107 ح 495، التهذيب 3: 203 ح 475، الوسائل 2: 799 أبواب صلاة الجنازة ب 21 ح 3. (7) الوسائل 2: 799 أبواب صلاة الجنازة ب 21. (8) التهذيب 3: 202 ح 473، الاستبصار 1: 483 ح 1873، الوسائل 2: 795 أبواب صلاة الجنازة ب 18 ح 5.

[ 485 ]

باليومية وعدمه مما ذكرنا عدا ما ثبت بدليل خاص. ولو سلم ثبوت الحقيقة الشرعية فيها فلا تنصرف الأخبار الواردة في أحكام الصلاة إلا إلى ذات الركوع والسجود. ومما مر يظهر عدم اشتراطها بالطهارة عن الحدث والخبث مع أن الأول إجماعي، وتدل عليه الأخبار المعتبرة الكثيرة أيضا (1). وأما الثاني، فإنه وإن قال في الذكرى: إنه لم نقف فيه على نص ولا فتوى من الأصحاب، واستشكله هو (2) ومن تأخر عنه، إلا أن الأصل عدم الاشتراط، وتنبه عليه حسنة محمد بن مسلم (3). ومرسلة حريز (4) وغيرهما عن الأخبار (5) المجوزة لصلاة الحائض عليه، مع عدم انفكاكها غالبا عن النجاسة. نعم يستحب أن يكون متطهرا، لرواية عبد الحميد بن سعد (6) وغيرها (7)، مضافا إلى أنه دعاء وشفاعة للميت، فاستحب في فاعلها كونه على أكمل الأحوال وأفضلها. ويجوز التيمم لها مع وجود الماء كما مر. ولا تجب القراءة والتسليم فيها بإجماعنا، وظاهرهم في التسليم عدم رجحانه، بل عدم جوازه، إلا ابن الجنيد فإنه جوزه للإمام (8)، والأخبار ناطقة بنفيه فيها (9)،


(1) الوسائل 2: 798 أبواب صلاة الجنازة ب 21. (2) الذكرى: 61. (3) الكافي 3: 179 ح 4، الفقيه 1: 107 ح 496، التهذيب 3: 204 ح 479، الوسائل 2: 800 أبواب صلاة الجنازة ب 22 ح 1. (4) الكافي 3: 179 ح 5، التهذيب 3: 204 ح 480، الوسائل 2: 800 أبواب صلاة الجنازة ب 22 ح 2. (5) الوسائل 2: 800 أبواب صلاة الجنازة ب 22. (6) الكافي 3: 178 ح 3، التهذيب 3: 203 ح 476، الوسائل 2: 798 أبواب صلاة الجنازة ب 21 ح 2. (7) الوسائل 2: 799 أبواب صلاة الجنازة ب 21. (8) نقله عنه في المختلف 2: 298، والذكرى: 60. (9) الوسائل 2: 784 أبواب صلاة الجنازة ب 9.

[ 486 ]

وما ورد من ثبوته فيها (1) محمول على التقية. وأما القراءة فالحكم بعدم مشروعيتها محل إشكال، بل استشكل في الذكرى كراهتها أيضا (2)، ونقل الكراهة عن الشيخ في الخلاف، ونقل عنه الإجماع (3)، واستشكل فيه بأنا لم نر أحدا ذكر الكراهة فضلا عن الإجماع عليها. الخامس: يجب جعل رأس الجنازة إلى يمين المصلي في غير المأموم، وأن يكون مستلقيا ; لعمل المسلمين في الأعصار والأمصار، متأسيا بالنبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام، ولموثقة عمار الدالة على وجوب إعادة الصلاة إذا صلى عليه ورجلاه إلى يمينه (4). هذا إذا أمكن، وإلا فيسقط كما في المصلوب الذي يتعذر إنزاله فيصلى عليه كما هو. وفي رواية أبي هاشم الجعفري تفصيل للصلاة على المصلوب (5) جنح في الذكرى إلى العمل به (6)، ونقل عن المختلف نفي البأس عن العمل بها (7)، والراوية مذكورة في الكافي والتهذيب والعيون (8). ويجب أن يكون الميت أمام المصلي بغير تباعد فاحش لا يصدق في العرف معه


(1) الوسائل 2: 765 أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 6، 10، 11. (2) الذكرى: 60. (3) الخلاف 1: 723 مسألة 542. (4) الكافي 3: 174 ح 2، التهذيب 3: 201 ح 470، الاستبصار 1: 482 ح 1870، الوسائل 2: 796 أبواب صلاة الجنازة ب 19 ح 1. (5) الكافي 3: 215 ح 2، التهذيب 3: 327 ح 1021، عيون أخبار الرضا (ع) 1: 255 ح 8، الوسائل 2: 812 أبواب صلاة الجنازة ب 35 ح 1. (6) الذكرى: 61. (7) المختلف 2: 303. (8) الذكرى: 61.

[ 487 ]

أنه يصلي عليه، إلا أن يكون التباعد بسبب المصلين، قال في الذكرى: ولا يجوز التباعد بمائتي ذراع، ولو كان خلف المصلي لم يصح عندنا. السادس: يستحب وقوف الإمام عند وسط الرجل وصدر المرأة، لحسنة عبد الله بن المغيرة (1). وفي رواية جابر: " يقوم من الرجل بحيال السرة، ومن النساء دون ذلك من قبل الصدر " (2). وفى رواية موسى بن بكر: " عند رأسها وصدره " (3) وعمل بها في الاستبصار (4)، ولا بأس بالعمل بأيهما. وعن الخلاف: يقوم عند رأس الرجل وصدر المرأة (5)، ولم نقف على مستنده. ولو اجتمعا وأراد الصلاة عليهما جعل الرجل مما يلي الإمام، والمرأة قدامه إلى القبلة محاذيا صدرها لوسطه، ليدرك الفضل فيهما. وهذا الترتيب مما اتفقت عليه كلمتهم وأخبارهم الصحيحة وغيرها (6)، وحمل الأخبار على الاستحباب لإجماعهم على عدم الوجوب ودلالة صحيحة هشام بن سالم على جواز العكس (7).


(1) الكافي 3: 176 ح 1، التهذيب 3: 190 ح 433، الاستبصار 1: 470 ح 1818، الوسائل 2: 804 أبواب صلاة الجنازة ب 27 ح 1. (2) التهذيب 3: 190 ح 434، الاستبصار 1: 471 ح 1819، الوسائل 2: 805 أبواب صلاة الجنازة ب 27 ح 3. (3) الكافي 3: 177 ح 2، التهذيب 3: 190 ح 432، وص 319 ح 989، الاستبصار 1: 470 ح 1817، الوسائل 2: 805 أبواب صلاة الجنازة ب 27 ح 2. (4) الاستبصار 1: 470. (5) الخلاف 1: 731 مسألة 562. (6) الوسائل 2: 808 أبواب صلاة الجنازة ب 32. (7) التهذيب 3: 324 ح 1009، الاستبصار 1: 473 ح 1828، وفي الفقيه 1: 106 ح 493 إلا أن فيه: وتقدم المرأة ويؤخر الرجل، الوسائل 2: 810 أبواب صلاة الجنازة ب 32 ح 6.

[ 488 ]

واختلفت كلماتهم في الصبي، فذهب الصدوقان إلى جعله وراء المرأة مما يلي الإمام (1)، لرواية ابن بكير (2)، وأطلق الشيخ في النهاية تقديمه عليها إلى القبلة (3). وتدل عليه رواية طلحة بن زيد (4). وفصل في الخلاف والمبسوط فجعل من تجب عليه الصلاة وراء المرأة مما يلي الإمام، ومن لا تجب عليه قدامها (5)، واختاره المحقق (6) وغيره (7). وادعى في الخلاف الإجماع على ذلك، واستند بأن الحسنين عليهما السلام وجماعة صلوا على ام كلثوم اختهما وابنها زيد، جاعلا جنازته مما يلي الإمام، والمرأة وراءه، وقالوا: " هذا هو السنة " (8). ويظهر من ذلك أن الشيخ ظهر له أن الابن كان له ست سنين، ولا يبعد ترجيح التفصيل، لأن دليل القولين السابقين مطلق. ومما ذكر يظهر حال ما لو اجتمعت الأصناف الثلاثة وأراد الصلاة عليهم دفعة. ويستفاد من رواية طلحة (9) ومن فتوى الأصحاب تقديم الحر إلى ما يلي الإمام على العبد أيضا.


(1) المقنع (الجوامع الفقهية): 6. (2) الكافي 3: 175 ح 5، التهذيب 3: 323 ح 1007، الاستبصار 1: 472 ح 1824، الوسائل 2: 809 أبواب صلاة الجنازة ب 32 ح 3. (3) النهاية: 144. (4) الكافي 3: 175 ح 3، الفقيه 1: 106 ح 492، التهذيب 3: 322 ح 1002، الاستبصار 1: 471 ح 1821 الوسائل 2: 809 أبواب صلاة الجنازة ب 32 ح 5. (5) الخلاف 1: 722 مسألة 541، المبسوط 1: 184. (6) المعتبر 2: 354. (7) كالشهيد الثاني في روض الجنان: 309. (8) الخلاف 1: 722 مسألة 541، الوسائل 2: 811 أبواب صلاة الجنازة ب 32 ح 11. (9) الكافي 3: 175 ح 3، الفقيه 1: 106 ح 492، التهذيب 3: 322 ح 1002، الاستبصار 1: 471 ح 1821، الوسائل 2: 809 أبواب صلاة الجنازة ب 32 ح 5.

[ 489 ]

بل يظهر من تنبيه الأخبار (1) وبعض كلماتهم تقديم الأشرف إلى ما يلي الإمام، فقال في الذكرى: يستحب أن يلي الرجل الإمام ثم الصبي لست، ثم العبد، ثم الخنثى، ثم المرأة، ثم الطفل لدون ست، ثم الطفلة (2)، انتهى. وفي بعض الروايات - كرواية عبيد الله الحلبي (3) ورواية سماعة (4) - تقديم الرجل على المرأة إلى القبلة، وهي محمولة على بيان الجواز، إذ الظاهر أنه لا خلاف في عدم وجوب الترتيب كما يظهر من المنتهى (5). ثم إن رواية طلحة بن زيد وإن لم تدل إلا على تقديم الحر على العبد، ولكن يمكن أن يستفاد منها تقديم الحرة على الأمة. وأما الحرة والعبد فقال في الذكرى: يعارض فيه فحوى الرجل والمرأة والحر والعبد، ولكن الأشهر تغليب جانب الذكورية (6). ثم يستحب التدريج في وضع الموتى إذا اجتمعوا، فإذا اجتمع الرجال يجعل رأس الثاني إلى إلية الأول وهكذا، ثم يقوم الإمام في الوسط. ولو كان معهم نساء جعل رأس المرأة الاولى إلى إلية الرجل الأخير ثم الثانية إلى الأولى وهكذا، ثم يقوم وسط الرجال ويصلي عليهم صلاة واحدة، وهذا مضمون موثقة عمار (7). قال في الذكرى: لا فرق في التدريج إذا كان المجتمعون صنفا واحدا بين الصف ; الرجال والنساء والأحرار والعبيد والإماء والأطفال، والظاهر أنه


(1) الوسائل 2: 808 أبواب صلاة الجنازة ب 32. (2) الذكرى: 62. (3) التهذيب 3: 323 ح 1008، الاستبصار 1: 472 ح 1825، الوسائل 2: 810 أبواب صلاة الجنازة ب 32 ح 7. (4) التهذيب 3: 191 ح 435، الوسائل 2: 810 أبواب صلاة الجنازة ب 32 ح 8. (5) المنتهى 1: 456. (6) الذكرى: 63. (7) الكافي 3: 174 ح 2، الوسائل 2: 808 أبواب صلاة الجنازة ب 32 ح 2.

[ 490 ]

يجعلهم صفين كتراص البناء لئلا يلزم الانحراف عن القبلة، وإن كان ظاهر الرواية أنه صف واحد، هذا كلامه (1) وفيه موضع تأمل. ثم إنه قد ظهر لك مما ذكرنا جواز الصلاة الواحدة على جماعة كثيرة، والأقوال والأخبار (2) متطابقة عليه، ولا إشكال فيه مع اتحاد الموتى في وجه الصلاة. اما لو اختلفوا كالطفل ما دون الست والرجل مثلا، فيشكل من حيث اجتماع المتضادين سيما مع اشتراط قصد الوجه، وقد اضطرب كلام أصحابنا في توجيهه، ولا يرجع شئ منها إلى محصل، حيث يقولون بأن تعدد الجهة غير مجد في إمكان اجتماع المتضادين في الواحد الشخصي، وقد ذكرنا بطلان التوجيهات في كتاب مناهج الأحكام في مبحث تداخل الأغسال، وأشرنا إليه في هذا الكتاب أيضا. والمناص هو القول بعدم استحالة الاجتماع كما حققناه في القوانين (3). نعم يمكن القول بإمكان إسقاط الفعل الواجب للندب، كما يسقط غسل الجنابة غسل الجمعة، بأن يقال: يحصل ثواب الندب له حينئذ، ولكن أين ذلك مما نحن فيه، فإن ما نحن فيه هو قصد الجمع في نية واحدة، لا الإتيان بالواحد ليسقط عن غيره. ويستحب رفع اليدين في التكبير الأول إجماعا، واختلفوا في البواقي، فنسب في الذكرى والمدارك المنع إلى الأكثر (4)، لرواية غياث بن إبراهيم (5)، ورواية إسماعيل بن إسحاق بن أبان الوراق (6).


(1) الذكرى: 63. (2) الوسائل 2: 808 أبواب صلاة الجنازة ب 32. (3) القوانين: 140. (4) الذكرى: 63، المدارك 4: 178 (5) التهذيب 3: 194 ح 443، الاستبصار 1: 479 ح 1854، الوسائل 2: 786 أبواب صلاة الجنازة ب 10 ح 4. (6) التهذيب 3: 194 ح 444، الاستبصار 1: 478 ح 1853، الوسائل 2: 786 أبواب صلاة الجنازة ب 10 ح 5.

[ 491 ]

وذهب الشيخ في كتابي الأخبار (1) والمحقق (2) والعلامة في الإرشاد والتحرير (3) والمحقق الأردبيلي (4) وصاحب المدارك (5) وصاحب الكفاية (6) وهو ظاهر المسالك (7) إلى استحبابه في الجميع، لصحيحة عبد الرحمن العرزمي (8)، ورواية يونس (9)، ورواية اخرى رواها الشيخ في كتاب الرجال (10)، حملا للروايتين السابقتين على التقية، أو على بيان الجواز وقال الشهيد في الذكرى في آخر الكلام: وبالجملة الخروج عن جمهور الأصحاب بخبر الواحد فيه ما فيه (11). اقول: وإن كان الترجيح لا يخلو عن إشكال، لكن الأقرب ترجيح الاستحباب. ويستحب نزع النعلين، بل الحفاء أيضا، لكونه موضع الاتعاظ فناسب التذلل،


(1) التهذيب 3: 194، الاستبصار 1: 478. (2) المعتبر 2: 356. (3) إرشاد الأذهان 1: 262، التحرير 1: 19 (4) مجمع الفائدة 2: 449. (5) المدارك 4: 179. (6) كفاية الأحكام: 22. (7) المسالك 1: 267. (8) التهذيب 3: 194 ح 445، الاستبصار 1: 478 ح 1851، الوسائل 2: 785 أبواب صلاة الجنازة ب 10 ح 1. (9) الكافي 3: 184 ح 5، التهذيب 3: 195 ح 446، الاستبصار 1: 478 ح 1852، الوسائل 2: 786 أبواب صلاة الجنازة ب 10 ح 3 (10) قال في الوسائل 2: 785 أبواب صلاة الجنازة ب 10 ح 2 محمد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن سعيد بن عقدة في كتاب الرجال، قال،: حدثني أحمد بن عمر بن محمد بن الحسن، قال حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن خالد مولى بني الصيداء أنه صلى خلف جعفر بن محمد عليه السلام على جنازة فرآه يرفع يديه في كل تكبيرة. أقول: كتاب الرجال لابن عقدة، فتوهم المصنف أنه رجال الشيخ (وانظر معجم رجال الحديث رقم 868، والمختلف 2: 294) والرواية في التهذيب 3: 195 ح 447، الاستبصار 1: 478 ح 1850. (11) الذكرى: 63.

[ 492 ]

ولقوله عليه السلام: " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار " (1) وتكره الصلاة معها. ولا كراهة مع الخف، لرواية سيف بن عميرة، عن الصادق عليه السلام: " لا يصلى على جنازة بحذاء، ولا بأس بالخف " (2). ولولا انضمام نفي البأس إلى الخف لقلنا باستفادة الحفاء من الرواية أيضا، ومعه فيمكن أن يكون المقصود فيه المنع عن الصلاة فيما يستر ظهر القدم ولم يكن له ساق، بأن يجعل الحذاء عبارة عما يستره من النعال. وكيف كان فالظاهر رفع الكراهة بمجرد النزع، بل وحصول الاستحباب أيضا وإن لم يحف، هذا الكلام في التكبير. وأما رفع اليدين في الدعاء، فقال في المسالك: لم يرد نص خاص عليه (3)، ويمكن استفادته من فعل الحسين عليه السلام في صلاته على المنافق (4)، ومن عموم الأمر به حالة الدعاء (5). ويستحب أن يقف الإمام بل المأمومين أيضا عدا من يتوقف رفع الجنازة عليهم حتى ترفع الجنازة، لرواية حفص بن غياث (6)، ورواية يونس (7)، وذلك لا يستلزم حرمان من يرفع الجنازة لإعانتهم على الخير وفعلهم الخير وإيثارهم الغير على أنفسهم.


(1) صحيح البخاري 2: 9، سنن النسائي 6: 14، مسند أحمد 3: 367، سنن الدارمي 2: 202. (2) الكافي 3: 176 ح 2، التهذيب 3: 206 ح 491، الوسائل 2: 804 أبواب صلاة الجنازة ب 26 ح 1. (3) المسالك 1: 267. (4) الكافي 3: 189 ح 3، الفقيه 1: 105 ح 490، قرب الإسناد: 29، الوسائل 2: 770 أبواب صلاة الجنازة ب 4 ح 2. (5) الوسائل 4: 1100، أبواب الدعاء ب 12. (6) التهذيب 3: 195 ح 448، الوسائل 2: 786 أبواب صلاة الجنازة ب 11 ح 1. (7) التهذيب 3: 318 ح 987، الوسائل 2: 766 أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 10.

[ 493 ]

ويستحب أن يصلى في المواضع المعتادة، لحصول البركة فيها بكثرة الصلاة، وسهولة الأمر لمن يقصدها، وكونه وسيلة إلى تكثير المصلين الذي هو مظنة لحصول من يكون مجاب الدعوة فيهم. وفي صحيحة عمر بن يزيد عن الصادق عليه السلام: " إذا مات الميت فحضر جنازته أربعون رجلا من المؤمنين فقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا، قال الله تبارك وتعالى: قد أجزت شهادتكم وغفرت له ما أعلم مما لا تعلمون " (1). وتجوز الصلاة في المساجد مع أمن التلويث، للأصل، وصحيحة البقباق (2)، و رواية محمد بن مسلم (3)، ولكن المشهور الكراهة، لقول أبي الحسن عليه السلام لأبي بكر العلوي: " إن الجنازة لا يصلى عليها في المساجد " (4). واستثنوا من ذلك مسجد مكة، وعن الشيخ في الخلاف أنه بعد ذكر الكراهة و الاستثناء احتج بالإجماع (5) قال في الذكرى: ولعله لكونها مسجدا بأسرها كما في حق المعتكف وصلاة العيد (6). وكذلك العلامة عللها بكونها مسجدا كلها (7)، فلو كرهت الصلاة في بعض


(1) الكافي 3: 254 ح 14، الفقيه 1: 102 ح 472، الخصال: 538 ح 4، الوسائل 2: 925 أبواب الدفن ب 90 ح 1 بتفاوت. (2) الفقيه 1: 102 ح 473، التهذيب 3: 325 ح 1013 - 1015، الاستبصار 1: 473 ح 1829، الوسائل 2: 806 أبواب صلاة الجنازة ب 30 ح 1. (3) التهذيب 3: 320 ح 993، الوسائل 2: 806 أبواب صلاة الجنازة ب 30 ذ. ح 1. (4) الكافي 3: 182 ح 1، التهذيب 3: 326 ح 1016، الاستبصار 1: 473 ح 1831، الوسائل 2: 807 أبواب صلاة الجنازة ب 30 ح 2. (5) الخلاف 1: 721. (6) الذكرى: 62. (7) المنتهى 1: 459.

[ 494 ]

مساجدها لزم التعميم فيها أجمع، وهو خلاف الإجماع. اقول: والأولى منع كون كلها مسجدا، والتمسك بآية الإسراء (1) بتقريب أنه صلى الله عليه وآله اسري به من بيت ام هاني (2) واطلق عليه المسجد ; ضعيف، لأنه مجاز، ولانتفاء أحكام المسجد فيها كما لا يخفى، فيبقى الاعتماد على الإجماع المنقول وفتوى الأصحاب. السابع: قال في المختلف: المشهور كراهة تكرار الصلاة على الميت، وقال ابن أبي عقيل: لا بأس بالصلاة على من صلي عليه مرة، فقد صلى أمير المؤمنين عليه السلام على سهل بن حنيف خمس مرات. وقال ابن إدريس: تكره جماعة وتجوز فرادى. وقال الشيخ في الخلاف: من صلى خلف جنازة يكره له أن يصلي عليها ثانيا، وهو يشعر باختصاص الكراهة بالمصلي المتحد (3)، انتهى. ويظهر من الاستبصار استحباب التكرار من المصلي الواحد وغيره (4). وقال في روض الجنان: إن للعلامة قولا باختصاص الكراهة بالخوف على الميت أو مع منافاة التعجيل ولم يعتبر المصلي (5). وقال في التحرير: يكره أن يصلى على الجنازة الواحدة مرتين، لأن المراد المبادرة، وهي تنافي ذلك (6).


(1) الإسراء: 1. (2) مجمع البيان 3: 396. (3) المختلف 2: 301، وقضية صلاة أمير المؤمنين حكاها في التهذيب 3: 325 ح 1011، والاستبصار 1: 484 ح 1876، والوسائل 2: 777 أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 1، وانظر السرائر 1: 360، والخلاف 1: 726. (4) الاستبصار 1: 485 ذ. ح 1878. (5) روض الجنان: 310، وانظر التذكرة 2: 80. (6) التحرير 1: 19.

[ 495 ]

وعن المحقق الشيخ علي في حاشية الإرشاد بعد قول المصنف " ويكره تكرار الصلاة " (1) أنه قال: من الواحد خاصة، إلا أن ينافي التعجيل فيكره مطلقا (2). ويظهر من الشهيد في الذكرى أن قول الأكثر بالكراهة إنما هو لمن صلى على الميت، أو أن قولهم بالكراهة هو إذا كان قبل الدفن، فإنهم جوزوا الصلاة على الميت على قبره لمن لم يصل على الميت من دون ذكر كراهة كما سيجئ. وقال في آخر الكلام في هذه المسألة: فتبين رجحان الصلاة بظهور الفتوى وكثرة الأخبار، ثم قال: وفي المختلف المشهور كراهة التكرار، وقد علمت الحال فيه (3)، انتهى. واختلفت الأخبار في المسألة، فمقتضى طائفة منها كموثقة عمار (4) وموثقة يونس بن يعقوب (5) جواز الصلاة لمن لم يصل، ويؤدي مؤداهما رواية عمرو بن شمر (6). ومقتضى طائفة اخرى كقوية إسحاق بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة، فلما فرغ جاء قوم فقالوا: فاتتنا الصلاة عليها، فقال صلى الله عليه وآله: إن الجنازة لا يصلى عليها مرتين، ادعوا له وقولوا خيرا " (7) وبمضمونها رواية وهب بن وهب عنه عليه السلام (8)، المنع.


(1) الإرشاد 1: 262. (2) نقله عنه في مفتاح الكرامة 1: 484. (3) الذكرى: 55، وانظر المختلف 2: 301. (4) التهذيب 3: 434 ح 1045، الاستبصار 1: 484 ح 1874، الوسائل 2: 781 أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 19. (5) التهذيب 3: 334 ح 1046، الاستبصار 1: 484 ح 1875، الوسائل 2: 781 أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 20. (6) التهذيب 3: 317 ح 984، الاستبصار 1: 476 ح 1841، الوسائل 2: 781 أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 21. (7) التهذيب 3: 324 ح 1010، الاستبصار 1: 484 ح 1878، الوسائل 2: 782 أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 23. (8) التهذيب 3: 332 ح 1040، وج 1: 468 ح 1534، الاستبصار 1: 485 ح 1789، الوسائل 2: 782 أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 24.

[ 496 ]

وعن قرب الإسناد أيضا عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على الجنازة، فلما فرغ منها جاء قوم لم يكونوا أدركوها فكلموه أن يعيد الصلاة عليها، فقال لهم: قد قضيت الصلاة عليها، ولكن ادعوا لها " (1). وهذه مستند الأكثر في الحمل على الكراهة. ومقتضى طائفة اخرى جواز التكرار من المصلي الواحد إن كان إماما، مثل حسنة الحلبي (2) وغيرها (3) مما ورد في الصلاة على سهل بن حنيف. وطائفة منها تدل على جواز التكرار منفردا، مثل ما ورد من الأخبار في أن الناس كانوا يصلون على رسول الله صلى الله عليه وآله فوجا فوجا فرادى، وأن أمير المؤمنين عليه السلام أمرهم بذلك بعد ما صلى هو عليه جماعة (4). اقول: وظاهر الأصحاب الاتفاق على الجواز كما يظهر من المدارك أيضا (5)، والأصل يقتضي حرمة التكرار، لأن الامتثال بالطبيعة يحصل بفرد، والإتيان بها ثانيا يحتاج إلى أمر جديد، فلابد من الاكتفاء بما دل عليه الدليل. وظاهر اتفاقهم إن ثبت - كما هو الظاهر - فهو المثبت للجواز. وكلما ظهر رجحانه من الروايات فلا يبعد القول فيه بالاستحباب، كمن لم يصل، والإمام أيضا، لإدراك الفضيلة، بل لا يبعد استفادة المأموم أيضا من حكاية الصلاة على سهل فإن تلك الأخبار تدل على أن أمير المؤمنين عليه السلام صلى عليه بخمس تكبيرات، وكلما مشى جاء جماعة قالوا: يا أمير المؤمنين عليه السلام لم ندرك الصلاة على سهل، فكان يضعه ويكبر عليه خمسا حتى بلغ خمسا


(1) قرب الإسناد: 43، الوسائل 2: 780 أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 13. (2) التهذيب 3: 325 ح 1011، الاستبصار 1: 484 ح 1876، الوسائل 2: 777 أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 1. (3) انظر الوسائل 2: 777 أبواب صلاة الجنازة ب 6. (4) الوسائل 2: 777 أبواب صلاة الجنازة ب 6. (5) المدارك 4: 184.

[ 497 ]

وعشرين تكبيرة (1). وظاهر الرواية أن الجماعة الذين صلوا عليه أولا لم يتفرقوا عنه ولم ينزووا عن الجماعة الثانية في الصلاة. نعم لا دلالة واضحة في الأخبار لجواز الصلاة منفردا للمنفرد إذا صلى وحده، ولا للمأموم والإمام إذا أراد التكرار منفردا، ولا بجماعة جديدة. وأما الروايتان (2) المنزلتان على الكراهة فيمكن حملهما على أنه لا تصلى الصلاة الواجبة المعهودة على الجنازة مرتين، قيل: ويحتمل النسخ، ويحتمل الحمل على التقية، لأن الرواية من العامة (3)، وهي موافقة لأشهر مذاهبهم (4). وأجاب في المختلف عن حكاية سهل بن حنيف بأنها مختصة بذلك الشخص، إظهارا لفضله، كما خص النبي صلى الله عليه وآله عمه حمزة بسبعين تكبيرة (5)، وفيه إشكال. وعبارة نهج البلاغة حيث قال أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه إلى معاوية: " حتى إذا استشهد شهيدنا قيل سيد الشهداء، وخصه رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه " (6) لاتدل عليه كما توهم، إذ بعد ثبوت جواز التكرار فلا ريب أن مراتب الأشخاص متفاوتة بحسب استحقاق التعظيم و كثرة الدعاء والصلاة المتضمنة للدعاء والتشريف والتكريم أولى بأن تكون لمن


(1) الوسائل 2: 777 أبواب صلاة الجنازة ب 6. (2) وهما قوية إسحاق بن عمار، ورواية وهب بن وهب. (3) الوسائل 2: 782، وكونهما من العامة لأجل أن الراوي عن إسحاق بن عمار هو غياث بن كلوب عامي، وكذا وهب بن وهب راوي الرواية الثاني عامي أيضا (انظر معجم رجال الحديث رقم 9283، 13943). (4) انظر بداية المجتهد 1: 238، وشرح فتح القدير 2: 83، وشرح العناية 2: 83، والهداية للمرغيناني 1: 91، وبدائع الصنائع 1: 311، والمغني 2: 385، والشرح الكبير 2: 352 (5) المختلف 1: 301، والرواية في الوسائل 2: 778 أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 7. (6) نهج البلاغة: 386.

[ 498 ]

هو أولى بها. والحاصل أن اهتمام رسول الله صلى الله عليه وآله كان في شأنه أكثر، فخص ذلك الاعتناء به دون سائر الشهداء، لا أن هذا الحكم كان مختصا به أو بسهل بن حنيف لا يجوز تجاوزه إلى غيرهما، وهذا ظاهر. والحاصل أن أفراد الصلاة مخير فيها، ومتفاوتة في الفضل، فجعل الأفضل للأفضل. وبالجملة الأظهر الجواز مع عدم الكراهة لمن لم يصل، إماما كان أو مأموما أو منفردا، وكذلك للإمام إذا أعاد لقوم لم يصلوا، والكراهة في غيره لظاهر اتفاقهم على الجواز. ومما يشكل الأمر على المشهور أنه لا معنى للكراهة بمعنى كونه أقل ثوابا هنا، لعدم وجود البدل له، وأما على مختارنا في الاصول من جواز اجتماع الأمر والنهي فلا يضرنا حمل الكراهة على معناها الحقيقي " (1). ثم إن بنينا على الجواز فينوي فيها الندب، وتوهم " جواز قصد الوجوب لأصل الوضع " فيه ما فيه. تنبيه: ظاهر طائفة من الأخبار استحباب زيادة التكبير على الخمس ستة وواحدا أو اثنين وأكثر (2)، ولم نجد قائلا به من الأصحاب صريحا، وربما أشعر به كلام ابن الجنيد، وما ذكره الشهيد في بيان مراده في آخر مباحث صلاة الميت (3).


(1) القوانين: 140. (2) الوسائل 2: 777 أبواب صلاة الجنازة ب 6، ففي بعضها: كبر رسول الله (ص) أحد عشر، وتسعا، وسبعا، وخمسا، وستا وأربعا. (3) نقل كلامه وبين مراده في الذكرى: 64.

[ 499 ]

والظاهر أن المراد بسبعين تكبيرة في صلاة حمزة هو تكرار الصلاة إلى أن يحصل منه هذا القدر كما يظهر من بعض الروايات الواردة في ذلك، وصرح به في حكاية صلاة سهل. ويمكن أن يكون المراد من الزيادة ما حصل بسبب تشريك الجنائز في الصلاة كما سيجئ، ويشعر به بعض ما ورد في صلاة حمزة. الثامن: لا تجوز الصلاة على الميت إلا بعد تغسيله وتكفينه حيث أمكن، وهو إجماعي كما يظهر من جماعة (1)، وعمل المسلمين عليه في الأعصار والأمصار. والظاهر البطلان قبله أيضا، لعدم ثبوت مشروعيتها إلا كذلك، فلا عبرة بإطلاق أخبار الصلاة في مقابل هذا المقيد الظاهر في اختصاص المشروعية بذلك ومقتضى ذلك استواء العامد والناسي، وتدل عليه موثقة عمار الآتية. وإن لم يكن له كفن يجعل في القبر وتستر عورته، ثم يصلى عليه، لموثقة عمار، في حكاية الصلاة على العريان عن الصادق عليه السلام، قال: " يحفر له ويوضع في لحده، ويوضع اللبن على عورته، فتستر عورته باللبن والحجر، ثم يصلى عليه، ثم يدفن "، قلت: فلا يصلى عليه إذا دفن ؟ فقال: " لا يصلى على الميت بعد ما يدفن، ولا يصلى عليه وهو عريان حتى توارى عورته " (2) وتقرب منه رواية محمد بن أسلم عن رجل من أهل الجزيرة (3). وجعل في الذكرى العمل بمقتضى الرواية عند عدم إمكان ستر العورة خارج اللحد والصلاة عليه فيقدم ذلك مع الإمكان (4).


(1) كالمحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 432، وصاحب المدارك 4: 173. (2) التهذيب 3: 327 ح 1022، الوسائل 2: 813 أبواب صلاة الجنازة ب 36 ح 1. (3) التهذيب 3: 328 ح 1023، وليس في الوسائل 2: 813 أبواب صلاة الجنازة ب 36 ح 2 من أهل الجزيرة. (4) الذكرى: 53.

[ 500 ]

وناقش صاحب المدارك في وجوب ذلك بعد ما جزم بالجواز (1). أقول: في الفرق بين الوجوب والجواز مع قبول الرواية نظر، ويمكن استفادة ما ذكره في الذكرى من قوله عليه السلام: " ولا يصلى عليه وهو عريان " إلى آخر الحديث، ومقتضى إطلاق الرواية وجوب الستر وإن أمن من الناظر (2). وإن لم يتفق للميت أن يصلى عليه فمقتضى العمومات (3) والاستصحاب وجوب الصلاة عليه على القبر ما دام هو على حال لو كان في الخارج كانت تجب الصلاة عليه ; وبعبارة اخرى ما دام يصدق عليه أنه ميت آدمي، وهو ظاهر مختار العلامة في المختلف (4) والمنقول عن غيره أيضا (5)، واختاره المحقق الأردبيلي رحمه الله (6). وذهب المحقق في المعتبر إلى عدم الوجوب وإن قال بجوازه (7)، وتبعه صاحب المدارك (8). واحتج المحقق بأن المدفون خرج بدفنه عن أهل الدنيا، فساوى من فنى في قبره، ولرواية عمار (9) وغيرها مما دل على عدم الصلاة على المدفون (10). واستدل على الجواز بالأخبار الدالة على الصلاة على المدفون (11) كما ستجئ. وفيما ذكره من المساواة منع ظاهر، ومع قبول الجواز بسبب الأخبار الاخر فلادافع للوجوب.


(1) المدارك 4: 173. (2) في " م ": النظر. (3) الوسائل 2: 794 أبواب صلاة الجنازة ب 18. (4) المختلف 2: 305. (5) انظر البيان: 77، والروضة البهية 1: 433، الرياض 4: 181. (6) مجمع الفائدة 2: 450. (7) المعتبر 2: 358. (8) المدارك 4: 188. (9) التهذيب 3: 334 ح 1045، الاستبصار 1: 484 ح 1874، الوسائل 2: 781 أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 19. (10) و (11) الوسائل 2: 794 أبواب صلاة الجنازة ب 18.

[ 501 ]

وأما رواية عمار وما في معناها فلا تنتهض حجة على تخصيص تلك العمومات المعتضدة بالأخبار المجوزة بظاهرها كما سيجئ، فإما تحمل على الكراهة مع إرادة الصلاة على ميت صلي عليه كما تشعر به الأخبار المجوزة، أو يقال: إن المراد منها منع الصلاة أولا على المدفون، يعني لا يجوز اختيار تقديم الدفن على الصلاة، ولا تنفي وجوب الصلاة على ميت دفن بلا صلاة على من لم يحضره حين الدفن أيضا، فحاصلها بيان وجوب تقديم الصلاة على الدفن. وأما الكلام في جواز الصلاة على ميت صلي عليه ودفن ; فهو أن ظاهر أكثر أصحابنا الجواز (1)، وظاهر العلامة في المختلف العدم، وجمع بين الأخبار المختلفة في هذا الباب بذلك (2). وربما جمع الشيخ بينهما بحمل المانعة على الصلاة، والمجوزة على الدعاء (3). وقد جمع بينهما أيضا (4) هو وغيره من الفقهاء (5) بحمل المجوزة على ما لو صلاها في يوم وليلة، والمانعة لو صلاها بعد ذلك، وحددها سلار بثلاثة أيام بينهما (6)، ويظهر من الخلاف أن به رواية (7)، وحددها ابن الجنيد بما لم يعلم منه تغير صورته (8). والحاصل أن فتاوى الأكثرين على الجواز لمن فاتته الصلاة على من صلي عليه، مع اختلافهم في التحديدات المذكورة، واعترف الفاضلان بعدم إطلاعهم على


(1) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 231، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 185، والخلاف 1: 726 مسألة 548، والقاضي في المهذب 1: 132، والحلي في السرائر 1: 360. (2) المختلف 2: 305. (3) التهذيب 3: 324 ح 1010، الاستبصار 1: 484 ح 1878، 1879. (4) المبسوط 1: 185. (5) كالشيخ المفيد في المقنعة: 38، وصاحب المدارك 4: 188. (6) المراسم: 80. (7) الخلاف 1: 726، وانظر الوسائل 2: 796 أبواب صلاة الجنازة ب 18 ح 9. (8) نقله عنه في المختلف 2: 305، والذكرى: 55.

[ 502 ]

دليل هذه التحديدات (1) وجواز الصلاة في يوم وليلة على من صلي عليه لمن لم يصل عليه هو لازم فتوى جمهورهم بلا خلاف بينهم، وإنما الخلاف لسلار وابن الجنيد في جوازه في الأزيد، والصدوق حيث أطلق الجواز (2). وحيث اخترنا الرجحان في مسألة تكرار الصلاة على الميت، فنقول هنا أيضا كذلك. وأما جمهور الأصحاب القائلون بالكراهة ثمة فيشكل حكمهم بالجواز هنا من دون الكراهة، فإما لابد من القول بأن الكراهة هي ما قبل الدفن، أو أنها لمن صلى كما نقلنا عن الشهيد، فيشبه أن يكون إسناد الكراهة مطلقا إلى المشهور كما في المختلف (3) غفلة كما نبه عليه الشهيد أخيرا (4) والأظهر عندي الجواز بلا كراهة لمن لم يصل (5) في المقامين، مع الوجوب أيضا على من لم يصل عليه بعد الدفن. وأما جواز الصلاة لمن لم يصل على من صلي عليه فلم أقف له على حجة. وأما الأخبار المختلفة في هذه المسألة، فأما ما يدل على الجواز فهو صحيحة هشام بن سالم (6)، ورواية مالك مولى الجهم (7)، وهى قوية، وهما تشملان ميتا صلي


(1) المحقق في المعتبر 2: 359، والعلامة في المختلف 2: 307. (2) الفقيه 1: 103 ح 475. (3) المختلف 2: 301. (4) الذكرى: 56 (5) في " ص ": يصلى، بدل يصل. (6) التهذيب 1: 467 ح 1530، وج 3: 200 ح 466، الاستبصار 1: 482 ح 1866، الوسائل 2: 794 أبواب صلاة الجنازة ب 18 ح 1. (7) الفقيه 1: 103 ح 475 مرسلا، التهذيب 1: 467 ح 1529، الوسائل 2: 794 أبواب صلاة الجنازة ب 18 ح 2، وفيهما: مالك مولى الحكم. أقول: كلاهما وارد، وكلاهما مجهول (انظر معجم رجال الحديث رقم 9821).

[ 503 ]

عليه، وميتا لم يصل عليه. ورواية عمرو بن جميع عن الصادق عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر " (1) ورواه الصدوق مرسلا. (2) وقال في الذكرى: وروي أن النبي صلى الله عليه وآله صلى على قبر مسكينة دفنت ليلا (3). والروايتان ظاهرتان فيمن صلي عليه ; وتؤيده رواية جعفر بن عيسى (4). وأما ما يدل على المنع فحسنة محمد بن مسلم أو زرارة المقطوعة، قال: " الصلاة على الميت بعد ما يدفن إنما هو الدعاء " قلت: فالنجاشي لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله ؟ فقال: " لا، إنما دعا له " (5). ورواية يونس بن ظبيان، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه، قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يصلى على قبر، أو يقعد عليه، أو يبنى عليه " (6). وموثقة عمار (7) ورواية محمد بن أسلم (8) المتقدمتان. وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام في ميت صلي عليه وهو مقلوب رجلاه


(1) التهذيب 3: 201 ح 468، الاستبصار 1: 482 ح 1868، الوسائل 2: 794 أبواب صلاة الجنازة ب 18 ح 3. (2) الفقيه 1: 103 ح 476. (3) الذكرى: 55، والرواية في سنن البيهقي 4: 48 (4) التهذيب 3: 202 ح 472، الاستبصار 1: 483 ح 1872، الوسائل 2: 795 أبواب صلاة الجنازة ب 18 ح 4. (5) التهذيب 3: 202 ح 473، الاستبصار 1: 483 ح 1873، الوسائل 2: 795 أبواب صلاة الجنازة ب 18 ح 5. (6) التهذيب 1: 461 ح 1504، وج 3: 201 ح 469، الاستبصار 1: 482 ح 1869، الوسائل 2: 795 أبواب صلاة الجنازة ب 18 ح 6. (7) التهذيب 3: 201 ح 470، الاستبصار 1: 482 ح 1870، الوسائل 2: 795 أبواب صلاة الجنازة ب 18 ح 7. (8) التهذيب 3: 201 ح 471، الاستبصار 1: 483 ح 1872، الوسائل 2: 795 أبواب صلاة الجنازة ب 18 ح 8.

[ 504 ]

إلى موضع رأسه، قال يسوى وتعاد الصلاة ما لم يدفن، فإن دفن فقد مضت الصلاة، ولا يصلى عليه وهو مدفون " (1). وأجاب المجوزون عن هذه الأخبار بأن المراد المنع بعد يوم وليلة، أو ثلاثة أيام، أو بعد التغير، أو أن الممنوع هو الصلاة، والمجوز هو الدعاء. والأولى أن يقال: إن الروايات المجوزة أقوى سندا واعتضادا بعمل الأكثر، والمانعة ضعيفة السند، مخالفة لفتاوي الجماهير بظاهرها مع أن رواية يونس بن ظبيان لا دلالة فيها أصلا كما لا يخفى، وقد ذكرنا وجه الموثقتين سابقا من حملهما على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن الدفن أولا، هذا مع أن الحمل على الكراهة لا يوافق طريقة المشهور، لعدم البدل كما أشرنا سابقا. نعم الأولى أن لا يجاوز عما حصل اتفاقهم عليه من جوازه في يوم وليلة، ولا يبعد تجويز الثلاثة أيام أيضا. وأما تخصيص الأخبار المجوزة بمن لم يصل عليه كما فعله في المختلف (2) فبعيد. ثم إن الصلاة على القبر يعتبر فيها ما يعتبر في الصلاة في الخارج من كون القبر حاضرا لا غائبا، ولا بعيدا غاية البعد، وكون رأس الميت على يمين المصلي. التاسع: تجوز صلاة الميت بالجماعة وفرادى بالإجماع والأخبار، ولا يتحمل الإمام هنا عن المأموم شيئا، وإنما خرجت القراءة في الصلاة ذات الركوع بدليل. ولا قراءة هنا إجماعا منا، فيجب على المأموم الإتيان بالأذكار. ويجوز الدخول في أثنائها ولو بين التكبيرتين، ولا ينتظر تكبير الإمام، لعموم


(1) التهذيب 3: 201 ح 470، وص 322 ح 1004، الوسائل 2: 796 أبواب صلاة الجنازة ب 19 ح 1. (2) المختلف 2: 305.

[ 505 ]

مادل على الائتمام (1)، ونقل في الذكرى عن الشيخ الإجماع عليه (2). فإذا كان مسبوقا فيأتي بباقي التكبيرات بعد فراغ الإمام، لصحيحة الحلبي (3)، و صحيحة العيص بن القاسم (4)، ورواية زيد الشحام (5)، وغيرها (6). وما خالفها من الأخبار مطروح أو مؤول لعدم المقاومة. ولكن في صحيحة الحلبي: " فليقض ما بقي متتابعا " وأفتى على طبقها الفاضلان (7) وغيرهما (8)، ومقتضاها عدم وجوب الذكر بعدها مطلقا، وهو مشكل، سيما على القول بوجوب الذكر كما هو الأشهر الأظهر. ونزله جماعة من الأصحاب على فرض يخاف معه فوت الجنازة من محل تجوز الصلاة عليها فيه اختيارا (9)، وهو حسن. ولو رفعت الجنازة أتمها ولو ماشيا إلى سمت القبلة، ولو عند القبر، ولو بعد الدفن ; كما تدل عليه رواية خالد بن ماد القلانسي (10)، وهي مشعرة بالاشتغال بالدعاء، إذ لو والى لم يبلغ الحال إلى الدفن كما نبه عليه في الذكرى (11)، و


(1) الوسائل 2: 792 أبواب صلاة الجنازة ب 17. (2) الذكرى: 63، الخلاف 1: 726 مسألة 547. (3) التهذيب 3: 200 ح 463، الاستبصار 1: 482 ح 1865، الوسائل 2: 792 أبواب صلاة الجنازة ب 17 ح 1. (4) التهذيب 3: 199 ح 461، الاستبصار 1: 481 ح 1861، الوسائل 2: 793 أبواب صلاة الجنازة ب 17 ح 2. (5) التهذيب 3: 200 ح 462، الاستبصار 1: 481 ح 1863، الوسائل 2: 793 أبواب صلاة الجنازة ب 17 ح 3. (6) الوسائل 2: 792 أبواب صلاة الجنازة ب 17. (7) المعتبر 2: 357، الشرائع 1: 97، المختصر النافع 1: 41، المنتهى 1: 455، التذكرة 2: 85. (8) كالكركي في جامع المقاصد 1: 432، والشهيد الثاني في المسالك 1: 270، وروض الجنان: 313، وصاحبي المدارك 4: 186، والحدائق 10: 462. (9) نهاية الأحكام 2: 270، المدارك 4: 184. (10) التهذيب 3: 200 ح 462، الاستبصار 1: 481 ح 1862، الوسائل 2: 793 أبواب صلاة الجنازة ب 17 ح 5، في الرجل يدرك مع الإمام في الجنازة تكبيرة أو تكبيرتين فقال: يتم التكبير وهو يمشي معها، فإذا لم يدرك التكبير كبر عند القبر، فإن كان أدركهم وقد دفن كبر على القبر. (11) الذكرى: 63.

[ 506 ]

استحسنه الشهيد الثاني في روض الجنان والمحقق الشيخ علي في شرح القواعد، و قالا: لكن يجب تقييده بما لو كان مشيهم لا يخرج عن سمت القبلة، ولا يفوت به شرط الصلاة من البعد، وإلا لتعينت موالاة التكبير (1)، وهو كذلك. ويبقى الإشكال في كيفية الذكر، ولم أقف إلى الآن في كلامهم على التعرض لذلك، والذي يقتضيه النظر هو الإتيان بما يقتضيه أصل الصلاة، فلاتجب متابعة الإمام في الأذكار، للعمومات، وعدم الدليل على وجوب المتابعة هنا. ويأتي بما بقي من الأذكار بعد انصراف الإمام حسب ما يمكن منها. ويمكن أن يقال: إن الدخول مع الإمام في أثناء الصلاة وإن كانت تجب معه نية الوجوب للصلاة، لعدم سقوط الوجوب حينئذ، ولكن بعد انصراف الإمام يظهر السقوط، فيمكن القول بعدم وجوب الإتمام، ويظهر من الشهيد في الذكرى - حيث قال يأتي بالباقي بعد فراغ الإمام على الأشهر - أن هنا قولا بعدم وجوب الإتمام (2)، وحينئذ فتنطبق عليه رواية إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه: " أن عليا عليه السلام كان يقول: لا يقضى ما سبق من تكبير الجنازة " (3) و أولها الشيخ بأنها لا تقضى كما كان، أي مع الدعاء، بل يأتي بها ولاءا (4)، وهو بعيد. ويظهر من ذلك أسهلية الأمر في الدعاء، ومصلحة التقييد بالتتابع إشعار بالاستحباب، لكن العمل على الأول. ثم إن الفاضلين (5) وغيرهما (6) ذكروا استحباب إعادة التكبير للمأموم إذا سبق


(1) روض الجنان: 313، جامع المقاصد 1: 432. (2) الذكرى: 63. (3) التهذيب 3: 200 ح 465، الاستبصار 1: 481 ح 1864، الوسائل 2: 793 أبواب صلاة الجنازة ب 17 ح 6. (4) التهذيب 3: 200 ذ. ح 465. (5) الشرائع 1: 97، القواعد 1: 232. التذكرة 2: 85. (6) كالشهيد في الدروس 1: 114.

[ 507 ]

الإمام بتكبيرة أو أزيد، وهو على إطلاقه مشكل. وقال في المسالك: هذا إن سبقه سهوا أو ظنا، أما لو تعمد استمر متأنيا حتى يلحقه الإمام ويأتم في الأخير (1). واستشكل المحقق الشيخ علي إطلاق كلام القواعد باستحباب الإعادة بالنسبة إلى صورة العمد، للزوم زيادة الركن (2)، وكذلك الشهيد في الذكرى (3)، وتوافق هؤلاء في الاستحباب في صورة السهو أو الظن لإدراك فضل الجماعة. ويبقى الكلام في الصحة مع التعمد وعدم إعادة التكبير، فمقتضى كلام الجماعة أن الصلاة صحيحة وإن كان آثما، وهو مشكل كما أشرنا إلى مثله في الصلاة اليومية، والظاهر أنهم جعلوا التكبيرات بمنزلة الأفعال في الصلاة اليومية، وإلا فالأشهر والأظهر عدم وجوب المتابعة في الأذكار. وكيف كان فلابد من تخصيص المقال بغير التكبيرة الاولى، فتبطل الصلاة بتقديمها مطلقا. ومقتضى ما ذكر أن التقدم في الأدعية والأذكار غير مضر مطلقا. وإذا تأخر المأموم بتكبيرة فصاعدا عمدا فيظهر من الذكرى نوع تردد في البطلان مع ميله إلى الصحة (4) بخلاف ما لو كان سهوا فيصح. العاشر: تجوز الصلاة على الميت ليلا ودفنه بلا كراهة، لعموم رجحان التعجيل، ومقتضى رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام، عنه صلى الله عليه وآله: " لا ألقين رجلا منكم مات له ميت ليلا فانتظر به الصبح، ولا رجلا مات له


(1) المسالك 1: 270. (2) جامع المقاصد 1: 433. (3) و (4). الذكرى: 63.

[ 508 ]

ميت نهارا فانتظر به الليل " (1) مساواة الليل والنهار. ولكن الشيخ في المبسوط قال: النهار أفضل، إلا أن يخاف على الميت (2)، قال في الذكرى: ولعله لتكثر اجتماع الناس عليه (3). وتجوز صلاة الجنازة في الأوقات الخمسة بلا كراهة بلا خلاف بينهم ظاهرا، و دعوى الإجماع في كلامهم موجودة، والأخبار كصحيحة الحلبي (4) وصحيحة محمد بن مسلم (5) وغيرهما (6) بذلك ناطقة. ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله (7) الناطقة بكراهتها حين تصفر الشمس و حين تطلع شاذة محمولة على التقية. ولو اتفقت في وقت حاضرة، فعن المحقق التخيير ما لم يخف على الميت أو يخف فوت الحاضرة (8)، جمعا بين ما دل من الأخبار على تعجيل الميت إلا أن يخاف فوت الفريضة (9)، وما دل على الابتداء بالفريضة إلا أن يكون الميت مبطونا أو نفساء (10)، فيتساويان ويثبت التخيير. والحق تقديم الفريضة ما لم يخف على الميت، وفاقا للشهيد (11) وجماعة من


(1) التهذيب 1: 427 ح 1359، الوسائل 2: 674 أبواب الاحتضار ب 47 ح 1. (2) المبسوط 1: 184 (3) الذكرى: 64. (4) التهذيب 3: 321 ح 999، الاستبصار 1: 470 ح 1815، الوسائل 2: 797 أبواب صلاة الجنازة ب 20 ح 1. (5) التهذيب 3: 202 ح 474، الاستبصار 1: 470 ح 1814، الوسائل 2: 797 أبواب صلاة الجنازة ب 20 ح 2. (6) الوسائل 2: 797 أبواب صلاة الجنازة ب 20. (7) التهذيب 3: 321 ح 1000، الاستبصار 1: 470 ح 1816، الوسائل 2: 798 أبواب صلاة الجنازة ب 20 ح 5. (8) الشرائع 1: 97. (9) الكافي 3: 199 ح 1، الوسائل 2: 807 أبواب صلاة الجنازة ب 31 ح 2. (10) الكافي 3: 201 ح 10، الوسائل 2: 807 أبواب صلاة الجنازة ب 31 ح 1. (11) الدروس 1: 114.

[ 509 ]

أصحابنا السابقين (1)، لإطلاق صحيحة علي بن جعفر (2)، ولاستقراء الأخبار الواردة في تقديم الفريضة في أول الوقت (3)، وخصوص ما ورد في تقديم اليومية على صلاة الآيات وغيرها (4)، والاهتمام الوارد في الشريعة في حقها. وأما مع الخوف على الميت فيتعين التقديم، لتضيقها وتوسعة الفريضة حينئذ. وبالجملة يجب تقديم المضيق إذ تضيق أحدهما، ويجوز الإتيان بأيهما مع توسعتهما، مع أفضلية المبادرة إلى الفريضة. وأما لو تضيقتا، فظاهر كلام المبسوط تقديم الجنازة (5)، لأن حرمة المسلم ميتا كحرمته حيا (6). وذهب جماعة من الأصحاب إلى تقديم الحاضرة (7)، وهو أظهر، لما يستفاد من رجحان صلاة الفريضة مما ذكرنا، ووجوب { حفظ } حرمة المسلم يقتضي ترك الفريضة لو ثبت وجوب الصلاة عليه قبل الدفن حينئذ، ولم تظهر ارجحية وجوب الصلاة عليه قبل الدفن على وجوب الفريضة، لجواز الصلاة عليه بعد الدفن على القبر، إلا مع عدم إمكان الدفن حينئذ إلا بترك الفريضة لفقدان من يدفنه، وحينئذ فتبقى المعارضة بين الفريضة وبين دفن الميت، لا الصلاة عليه، وأهميته أيضا غير معلومة، وقياسه على إنقاذ المسلم الحي من الغرق والحرق غير مسموع، وإن كان


(1) كالشيخ في النهاية: 146، والحلي في السرائر 1: 360. (2) التهذيب 3: 320 ح 996، الوسائل 2: 808 أبواب صلاة الجنازة ب 31 ح 3. (3) الوسائل 3: 87 أبواب المواقيت ب 3. (4) الوسائل 5: 147 أبواب الكسوف والآيات ب 5 (5) المبسوط 1: 185. (6) التهذيب 1: 465 ح 1522، الوسائل 2: 875 أبواب الدفن 51 ح 1، وج 19: 251 أبواب ديات الأعضاء ب 25 ح 6. (7) منهم العلامة في المختلف 2: 310، والشهيد في البيان: 78، والسيد في المدارك 4: 189، وصاحب الرياض 4: 184.

[ 510 ]

لا يخلو ذلك من قوة إذا استلزم التأخير اتلاف الميت أو المثلة به. ولا يبعد القول به لكن فرض مزاحمة ذلك مع الصلاة الفريضة ولو بإتيانها بالإيماء والإشارة فرض نادر جدا، ومعه يمكن الجمع بينهما. ولا ريب في ترجيح جانب احترام المؤمن وحفظ ميته عن التلف على استيفاء واجبات الصلاة من القيام والقعود وغير ذلك مع إمكان الصلاة الاضطرارية. ومن جميع ذلك يظهر عدم الفرق بين الفرائض اليومية وغيرها من الصلوات المكتوبات، ويقتضيه إطلاق الأخبار المتقدمة أيضا. الحادي عشر: قال في الذكرى (1): لاآيستحب دعاء الاستفتاح عندنا، ولا التعوذ، ولا تكبيرات ست قبلها، قال: والأقرب استحباب الجهر بالتكبير للإمام ليعلم من خلفه. ثم قال: وقال الفاضلان باستحباب السر في الدعاء، سواء فعلت ليلا أو نهارا، لأنه أبعد من الرياء، فيكون أقرب إلى الإجابة (2)، ولراوية أبي همام عن الرضا عليه السلام: " دعوة العبد سرا دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية " (3). اقول: وفي صورة احتياج المأموم إلى المتابعة في الذكر كما هو الغالب الشائع فلاريب في رجحان الجهر في الكل. الثاني عشر: إذا حضرت جنازة في أثناء الصلاة على الاخرى، فذهب جماعة من المتقدمين والمتأخرين (4) إلى أنه يتخير في الإتمام ثم الاستئناف على الأخيرة


(1) الذكرى: 63. (2) المحقق في المعتبر 2: 351، والعلامة في التذكرة 2: 74. (3) الكافي 2: 345 ح 1، ثواب الأعمال: 193، الوسائل 4: 1113 أبواب الدعاء ب 22 ح 1. (4) منهم الشيخ في المبسوط 1: 185، والمحقق في الشرائع 1: 97، والعلامة في التذكرة 2: 86.

[ 511 ]

والقطع والاستئناف عليهما، لصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام: في قوم كبروا على جنازة تكبيرتين ووضعت معها اخرى، قال: " إن شاؤا تركوا الاولى حتى يفرغوا من التكبير على الأخيرة، وإن شاؤوا رفعوا الاولى وأتموا التكبير على الأخيرة، كل ذلك لا بأس به " (1). وهي لاتدل على ما ذكروه كما صرح به الشهيد (2) وغيره (3) - رحمهم الله تعالى - بل الظاهر منها أنه يشرك بينهما حين توضع الأخيرة مع الاولى في التكبيرة، فيجعل التكبير الثاني أو الثالث مثلا التكبيرة الاولى للثانية، ويحرم لصلاة الثانية حينئذ في قصده ويقرأ لكل منهما وظيفتها، فيقرأ الصلاة على محمد وآله مثلا للاولى، والشهادتين للثانية وهكذا، ثم يختار بين أن يبقي الاولى بعد إتمام تكبيراتها الخمس حتى يتم التكبير على الأخيرة، أو يرفع الاولى ثم يتم ما بقي من تكبيرات الأخيرة. ويحتمل أن يكون المراد: إن شاؤوا شركوها في الأثناء وتركوا الاولى حتى يفرغوا من الأخيرة، وإن شاؤا لم يشركوا بل ترفع الاولى بإتمام الصلاة عليها، ثم يتموا التكبير على الأخيرة، يعني يستأنفوا عليها التكبيرات تماما مستقلا. وأما توجيه الرواية على ما فهمه الجماعة فهو: أن يراد من قوله عليه السلام: " تركوا الاولى " أبطلوا صلاتها، وتكون كلمة " حتى " تعليلية لاغائية (4)، يعني لئلا يصادف الفراغ التكبير على الاولى أولا، بل يصادف الأخيرة وإن صادف الاولى أيضا معها، ويستفاد التشريك من قول الراوي: وضعت معها اخرى.


(1) الكافي 3: 190 ح 1، التهذيب 3: 327 ح 1020، الوسائل 2: 811 أبواب صلاة الجنازة ب 34 ح 1. (2) الذكرى: 64. (3) كصاحب المدارك 4: 190. (4) في " ص ": تعليله لاغايته.

[ 512 ]

والمراد من قوله عليه السلام " وإن شاؤوا رفعوا الاولى " يعني: صلوا عليها و رفعوها، ثم أتموا التكبير على الأخيرة، يعني: كبروا عليها تكبيرا تاما مستقلا لا مشتركا. وهناك معنى رابع احتمله بعضهم، وهو أنه لا تشريك هنا أصلا، بل يتم الصلاة على الاولى ثم يستأنف على الأخيرة، لكن لهم الخيرة بين أن يتركوا الاولى في محلها حتى يرفعوهما معا، وبين أن يرفعوا الاولى قبل الثانية (1). وكيف كان فلا ريب في أفضلية استقلال كل منهما بصلاتها مع عدم الخوف على الجنازة الثانية. وعن العلامة في بعض أقواله تعينه إذا اختلفا في الوجه (2)، وقد مر أن اختلاف الوجه لا يضر في ذلك. والظاهر أن التشريك أيضا لا إشكال فيه، سيما إذا لم يختلفا في الوجه. ولم أقف في كلماتهم على منع عن ذلك. وحمل الشهيد ومن تأخر عنه الصحيحة على ذلك (3)، وهو الظاهر من الرواية، وهو المستفاد من تنبيهات غيرها من الأخبار أيضا كما مرت الإشارة منا في حكاية التكبيرات الزائدة عن الخمس (4)، وهو مقتضى إطلاقات الصلاة والجماعة، وما دل على التشريك من رأس كما مر (5). انما الإشكال في جواز القطع والاستئناف وفهم الجماعة واستدلالهم بالصحيحة وعدم وضوح دليل تام على حرمة مطلق إبطال العمل كما أشرنا إليه في قواطع الصلاة يقوي جوازه مطلقا، لكن الأولى والأحوط أن نخصه بصورة الخوف


(1) المدارك 4: 190. (2) التذكرة 2: 86. (3) الذكرى: 64. (4) و (5). ص 511.

[ 513 ]

على الجنازة كما فعله الشهيد (1) وغيره (2) بمعنى أن القطع إذا كان يدفع الضرر و عدمه يثبته فيثبت حينئذ القطع والاستئناف. وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأوضاع، واختلاف الجنائز في الدعاء و اتحادها، فربما يكون التشريك في الأثناء أثقل من القطع، فيقطع، وربما يكون أخف فيشرك، وربما يتساويان فيتخير. فلنأت ببعض الأمثلة وعليك باستخراج البواقي وملاحظة الأقسام: فمن أمثلة أثقلية التشريك: ما لو وقع التشريك في التكبير الثاني أو الثالث مطلقا، وفي الرابع مع اتحادهما في الجنس إذا خيف على الثانية، فإن مكث الثانية على القسمين الأولين في صورة القطع والاستئناف يكون بمقدار أربع أدعية أو خمس، وفي صورة التشريك بمقدار سبع في الأول وست في الثاني، وعلى القسم الآخر تكون الأدعية في صورة القطع أربعة، وفي صورة التشريك خمسة. ومن أمثلة العكس: التشريك في الخامسة، مع اختلافهما في الجنس، فلا يمكث في صورة الاستئناف إلا بمقدار خمس أدعية، وفي صورة التشريك مكثه بمقدار أربع. ومن أمثلة التساوي: ما وقع التشريك في الخامس مع اتحاد الجنس وفي الرابع مع اختلافهما، ووجهه ظاهر.


(1) الذكرى: 64. (2) كالشيخ في المبسوط 1: 85.

[ 514 ]

المقصد الخامس في الدفن ومقدماته وفيه مباحث: الأول: يستحب تشييع الجنازة بالإجماع والأخبار المستفيضة جدا (1)، وله فضل عظيم وثواب جسيم. والظاهر أنه يتحقق بمطلق المشي معها، لاكما يفهم من ظاهر روض الجنان من أنه المشي معها إلى موضع الدفن أو الصلاة (2)، لإطلاق بعض الأخبار، كرواية ميسر (3)، ورواية إسحاق بن عمار (4) وغيرهما (5). وفي عقاب الأعمال عنه صلى الله عليه وآله: " من شيع جنازة فله بكل خطوة حتى يرجع مائة ألف حسنة، ومحي عنه مائة ألف سيئة، ويرفع له مائة ألف درجة،


(1) الوسائل 2: 820 أبواب الدفن ب 2. (2) روض الجنان: 314. (3) الكافي 3: 173 ح 6، الفقيه 1: 99 ح 456، التهذيب 1: 455 ح 1483، أمالي الصدوق: 181 ح 3، الوسائل 2: 820 أبواب الدفن ب 2 ح 1. (4) الكافي 3: 173 ح 3، الفقيه 1: 99 ح 459، الخصال: 24 ح 85، الوسائل 2: 820 أبواب الدفن ب 2 ح 4. (5) الوسائل 2: 820 أبواب الدفن ب 2.

[ 515 ]

فإن صلى عليه شيعه في جنازته مائة ألف ملك كلهم يستغفرون له، فإن شهد دفنها وكل اولئك الملائكة كلهم يستغفرون له حتى يبعث من قبره " (1) الحديث. وفي رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " فبقدر ما يمشي مع الجنازة يؤجر الذي يتبعها " (2)، وبمضمونها حسنته أيضا (3). ويجوز المشي من أي جانب، للأصل، وصحيحة محمد بن مسلم (4) و غيرها (5). والمشي خلفها وفي جانبيها أفضل من أمامها على المعروف من مذهب الأصحاب، كما يستفاد من الأخبار مثل رواية إسحاق بن عمار (6) وغيرها (7). انما الكلام في كراهة المشي قدامها، فنقل في الذكرى عن كثير من الأصحاب الكراهة (8)، ونفاها في المعتبر (9). وعن ابن أبي عقيل وجوب التأخر عن جنازة المعادي لذي القربى (10)، لرواية أبي بصير (11) وغيرها (12) من الأخبار الكثيرة الدالة على ذلك، وبعضها واردة في


(1) عقاب الأعمال: 345، الوسائل 2: 821 أبواب الدفن ب 2 ح 6. (2) الكافي 3: 171 ح 1، الوسائل 2: 823 أبواب الدفن ب 3 ح 5. (3) الكافي 3: 171 ح 3، التهذيب 1: 454 ح 1481، الوسائل 2: 823 أبواب الدفن ب 3 ح 7. (4) الكافي 3: 169 ح 4، الفقيه 1: 100 ح 467، الوسائل 2: 825 أبواب الدفن ب 5 ح 1. (5) الوسائل 2: 825 أبواب الدفن ب 5. (6) الكافي 3: 169 ح 1، الفقيه 1: 100 ح 464، التهذيب 1: 311 ح 902، الوسائل 2: 824 أبواب الدفن ب 4 ح 1. (7) الوسائل 2: 824 أبواب الدفن ب 4. (8) الذكرى: 52. (9) المعتبر 1: 392. (10) نقله عنه في الذكرى: 52. (11) التهذيب 1: 312 ح 905، الوسائل 2: 826 أبواب الدفن ب 5 ح 5. (12) الوسائل 2: 825 أبواب الدفن ب 5.

[ 516 ]

مطلق المخالف، وأكثرها معللة بأن الملائكة يستقبلونه بأنواع العذاب، وبما يقرب من هذا المضمون. وعن ابن الجنيد أن صاحب الجنازة يمشي قدامها والباقون وراءها، لما روي من فعل الصادق عليه السلام من تقدم سرير ابنه بلا حذاء ولا رداء (1) و (2). اقول: ولا يبعد القول بالكراهة مطلقا، لما يتبادر من لفظ التشييع والتبع، وإن كان يمكن إرادة التبع في المشي لا في كيفيته ومحله. ولرواية السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام، عن آبائه، عن علي عليه السلام، قال: " سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: اتبعوا الجنازة و لاتتبعكم، خالفوا أهل الكتاب " (3) وفي المقنع قال: روي اتبعوا الجنازة ولا تتبعكم، فإنه من عمل المجوس (4). ويكره الركوب إلا لعذر، وإلا في الرجوع، للأخبار الكثيرة (5). ويستحب للمشيع أن يحضر قلبه التفكر في المآل والتخشع والاتعاظ بالموت (6). ويكره الضحك واللهو، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله أو عليا عليه السلام شيع جنازة فسمع رجلا يضحك فقال: " كأن الموت فيها على


(1) نقله عنه في الذكرى: 52. (2) الكافي 3: 204 ح 5، الفقيه 1: 112 ح 524، التهذيب 1: 463 ح 1513، الوسائل 2: 654 أبواب الاحتضار ب 27 ح 3. (3) التهذيب 1: 311 ح 901، الوسائل 2: 825 أبواب الدفن ب 4 ح 4. (4) المقنع (الجوامع الفقهية): 6. (5) الوسائل 2: 827 أبواب الدفن ب 6. (6) قال الصادق (ع) في خبر عجلان أبي: يا أبا صالح إذا أنت حملت جنازة فاذكر كأنك المحمول، وكأنك سألت الرجوع إلى الدنيا ففعل، فانظر ماذا تستأنف. قال ثم قال: عجيب لقوم حبس أولهم عن آخرهم ثم نودي فيهم بالرحيل وهم يلعبون (الكافي 3: 258 ح 29، الوسائل 2: 883 أبواب الدفن ب 59 ح 1).

[ 517 ]

غيرنا كتب " (1). ويظهر من بعض الأخبار كراهة ترك الرداء للمشيع غير صاحب الجنازة (2)، و عن ظاهر ابن حمزة التحريم (3). وأما صاحب الجنازة فيخلعه للفرق والامتياز، لرواية أبي بصير (4)، ومرسلة ابن أبي عمير (5)، بل يستحب له مطلق الامتياز. ولا ينبغي لمن شيع الجنازة أن يجلس حتى توضع في لحدها، لرواية عبد الله بن سنان (6)، وتدل على جوازه حسنة داود بن النعمان (7). الثاني: يجب حمل الجنازة كفاية، وتستحب مباشرة الإنسان له بنفسه، وليس فيه لزوم دناءة ولا سقوط مروءة، فقد فعله النبي صلى الله عليه وآله والصحابة و التابعون (8)، ووردت به الأخبار المستفيضة (9). ويستحب التربيع، بمعنى حمل الجنازة من الجوانب الأربع ; لا الحمل بين العمودين كما استحبه العامة (10)، للأخبار المستفيضة، منها حسنة جابر، عن أبى جعفر عليه السلام: " من حمل جنازة من أربع جوانبها غفر الله له


(1) نهج البلاغة 3: 179 ح 122، مستدرك الوسائل 2: 377 أبواب الدفن ب 53 ح 2. (2) الوسائل 2: 653 أبواب الاحتضار ب 27. (3) الوسيلة: 69. (4) الفقيه 1: 110 ح 509، التهذيب 1: 463 ح 1515، الوسائل 2: 653 أبواب الاحتضار ب 27 ح 1. (5) التهذيب 1: 463 ح 1513، الوسائل 2: 655 أبواب الاحتضار ب 27 ح 8. (6) التهذيب 1: 462 ح 1509، الوسائل 2: 871 أبواب الدفن ب 45 ح 1. (7) الكافي 3: 198 ح 1، الوسائل 2: 854 أبواب الدفن ب 29 ح 1. (8) علل الشرائع: 309 ح 4. (9) الوسائل 2: 827 أبواب الدفن ب 7. (10) المبسوط للسرخسي 2: 56، بدائع الصنائع 1: 309، الهداية للمرغيناني 1: 93، شرح العناية 2: 95، المغني 2: 361، الشرح الكبير 2: 360، المجموع 5: 270.

[ 518 ]

أربعين كبيرة " (1). واختلفوا في أفضل كيفيات التربيع، فالمشهور أن يبدأ بمقدم السرير الأيمن، ثم بمؤخره الأيمن، ثم بمؤخره الأيسر، ثم بمقدمه الأيسر. وعن الشيخ في الخلاف عكس الترتيب (2)، وتبعه جماعة من المتأخرين (3). واحتجوا للمشهور برواية العلاء بن سيابة عن الصادق عليه السلام، قال: " تبدأ في حمل السرير من الجانب الأيمن، ثم تمر عليه من خلفه إلى الجانب الآخر، ثم تمر عليه حتى ترجع إلى المقدم، كذلك دوران الرحى عليه " (4). ورواية الفضل بن يونس عن أبي إبراهيم عليه السلام، قال في آخرها: " فإن لم تكن تتقي فيه فإن تربيع الجنازة الذي جرت به السنة أن تبدأ باليد اليمنى، ثم بالرجل اليمنى، ثم بالرجل اليسرى، ثم باليد اليسرى حتى تدور حولها " (5). ولقول الشيخ في الخلاف برواية علي بن يقطين عن الكاظم عليه السلام، قال: سمعته يقول: " السنة في حمل الجنازة أن تستقبل جانب السرير بشقك الأيمن فتلزم الأيسر بكفك الأيمن، ثم تمر عليه إلى الجانب الآخر، وتدور من خلفه إلى الجانب الثالث من السرير، ثم تمر عليه إلى الجانب الرابع مما يلي يسارك " (6). قال في الذكرى: ويمكن حمله على التربيع المشهور، لأن الشيخ ادعى عليه


(1) الكافي 3: 174 ح 1، التهذيب 1: 454 ح 1479، الوسائل 2: 827 أبواب الدفن ب 7 ح 1. (2) الخلاف 1: 718 مسألة 531. (3) منهم العلامة في المنتهى 1: 444، والشهيد في الدروس 1: 111، والمجلسي في البحار 78: 279، والسبزواري في الكفاية: 22، والأردبيلي في مجمع الفائدة 2: 472، والهندي في كشف اللثام 1: 126. (4) الكافي 3: 169 ح 4، التهذيب 1: 453 ح 1474، الاستبصار 1: 216 ح 763، الوسائل 2: 830 أبواب الدفن ب 8 ح 5. (5) الكافي 3: 168 ح 3، التهذيب 1: 452 ح 1473، الوسائل 2: 829 أبواب الدفن ب 8 ح 3. (6) الكافي 3: 168 ح 1، التهذيب 1: 453 ح 1475، الاستبصار 1: 216 ح 764، الوسائل 2: 830 أبواب الدفن ب 8 ح 4.

[ 519 ]

الإجماع، وهو في المبسوط والنهاية (1) وباقي الأصحاب على التفسير الأول (2)، فكيف يخالف دعواه، ولأنه قال في الخلاف: تدور دور الرحى كما في الرواية (3)، وهو لا يتصور إلا على البدأة بمقدم السرير الأيمن والختم بمقدمه الأيسر، والإضافة هنا قد تتعاكس (4). اقول: وهذا الحمل لا يخلو من بعد، ولاريب أن حمل الخبرين الأولين على قول الخلاف ورواية علي بن يقطين أظهر وأوضح كما فعله جماعة من المتأخرين (5) ; بأن يراد من الجانب الأيمن في الأوليين أيمن الميت لا السرير، فتتوافق الأخبار ولكن الأظهر عندي هو قول المشهور، لما رواه ابن إدريس عن جامع البزنطي في آخر السرائر، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " السنة أن تستقبل الجنازة من جانبها الأيمن وهو مما يلي يسارك، ثم تصير إلى مؤخره، وتدور عليه حتى ترجع إلى مقدمه " (6). فإذا ضم هذا الحديث الصحيح الصريح إلى رواية العلاء بن سيابة (7) الظاهرة فيما ذكروه يترجح على مقتضى رواية علي بن يقطين (8)، ويمكن تأويله بنوع من


(1) المبسوط 1: 183، النهاية: 37. (2) كالشهيد الثاني في روض الجنان: 314، والمحقق السبزواري في الذخيرة: 338. (3) الخلاف 1: 718. (4) انتهى المنقول من الذكرى: 51. (5) كالشيخ في الخلاف 1: 718، والعلامة في المنتهى 1: 444، والشهيد في الدروس 1: 111، والمجلسي في البحار 78: 279، والسبزواري في الكفاية: 22، والأردبيلي في مجمع الفائدة 2: 472. (6) السرائر 3: 576، الوسائل 3: 155 أبواب الدفن ب 8 ح 2. (7) مرت في ص 518، وهي في الكافي 3: 169 ح 4، والتهذيب 1: 453 ح 1474، والوسائل 2: 830 أبواب الدفن ب 8 ح 5. (8) مرت في ص 518، وهي في الكافي 3: 168 ح 1، والتهذيب 1: 453 ح 1475، والاستبصار 1: 216 ح 764، والوسائل 2: 830 أبواب الدفن ب 8 ح 4.

[ 520 ]

التكلف ليرجع إلى المشهور. بقي الكلام في أن دوران الرحى ظاهر في قول الخلاف لكونه غالبا على هذا الوضع، ويدفعه أن المراد بدور الرحى: عدم انقطاع الدور ; لا ملاحظة ابتداء الدور من اليمين أو اليسار، وهو للرد على العامة كما نطق بذلك أول رواية الفضل بن يونس في كيفية التقية (1). وكيف كان فلا ريب في تحقق السنة بدون الترتيب كما نطقت به الأخبار، مثل رواية جابر (2)، ومكاتبة الحسين بن سعيد الصحيحة (3). الثالث: يستحب أن يقول المشاهد للجنازة: " الله أكبر، هذا ما وعدنا الله و رسوله، وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانا وتسليما، الحمد لله الذي تعزز بالقدرة، وقهر عباده بالموت " لرواية عنبسة بن مصعب (4). وأن يقول: " الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم " لرواية أبي حمزة (5)، ومرفوعة أبي الحسن النهدي (6). ورفع التنافي ما بين حب لقاء الله، بل الموت المرغوب إليه في الأدعية و الأخبار والحمد على الحياة وطلب طول العمر المرغوب إليهما، مما لا يخفى على


(1) الكافي 3: 168 ح 3، التهذيب 1: 452 ح 1473، الوسائل 2: 829 أبواب الدفن ب 8 ح 3. (2) الكافي 3: 168 ح 2، التهذيب 1: 453 ح 1476، الاستبصار 1: 216 ح 765، الوسائل 2: 828 أبواب الدفن ب 7 ح 2. (3) الفقيه 1: 100 ح 465، التهذيب 1: 453 ح 1477، الاستبصار 1: 216 ح 766، الوسائل 2: 829 أبواب الدفن ب 8 ح 1. (4) الكافي 3: 167 ح 3، التهذيب 1: 452 ح 1471، الوسائل 2: 830 أبواب الدفن ب 9 ح 2. (5) الكافي 3: 167 ح 1، الفقيه 1: 113 ح 525، التهذيب 1: 452 ح 1472، الوسائل 2: 830 أبواب الدفن ب 9 ح 1 والسواد: الشخص، والمخترم: المستأصل أو الهالك. (6) الكافي 3: 167 ح 2، الوسائل 2: 831 أبواب الدفن ب 9 ح 3.

[ 521 ]

أهل المعرفة، والحري بالعارف أن يجعل الأول من باب الشهوة، والآخر من باب الإرادة، عكس ما هو مأنوس في طباع العامة. ونظير ذلك: المحب المشتاق إلى لقاء محبوب عظيم رفيع الشأن غاية الاشتياق المتدنس بالوسخ والقذر المتلبس بالثياب الخبيثة المنتنة المنفرة، فهو مع أنه لا يطيق المفارقة ويقل اصطباره عن القرار، يرجو طول زمان المفارقة بمقدار إزالة الأوساخ، وأخذ الاهبة للقاء المحبوب على وجه يليق به. ونظير الآخر: مطلوبية طول الشتاء للزراع مع تحمل الشدائد فيه، لأجل زيادة المحصول، وإلى ذلك اشير في كلمات أهل العصمة عليهم السلام: " بقية العمر نفيسة لاثمن لها " (1) و " الدنيا مزرعة الآخرة " (2) ونحو ذلك. الرابع: يستحب وضع جنازة الرجل على الأرض مما يلي رجلي القبر، والمرأة مما تلي القبلة، وأن ينقله إلى شفير القبر بعد وضعه قريبا منه بدفعات ثلاث. والأخبار الدالة على وضعه قريبا من القبر بذراعين أو ثلاثة أو نحو ذلك ليأخذ أهبته، وأن لا يفدح بالميت القبر ; كثيرة (3). وأما استحباب الدفعات الثلاث، فيدل عليه ما رواه الصدوق في العلل قال: وفي حديث آخر: " إذا أتيت بالميت القبر فلا تفدح به القبر، فإن للقبر أهوالا عظيمة، وتعوذ من هول المطلع، ولكن ضعه قرب شفير القبر واصبر عليه هنيئة، ثم قدمه قليلا، واصبر عليه ليأخذ أهبته، ثم قدمه إلى شفير القبر " (4). ويستحب أن يرسل الرجل إلى القبر سابقا برأسه من قبل الرجلين، والمرأة


(1) ورد مضمونه في البحار 6: 138 ح 46. (2) عوالي اللآلي 1: 267 ح 66. (3) انظر الوسائل 2: 837 أبواب الدفن ب 16. (4) علل الشرائع: 306 ح 2، الوسائل 2: 838 أبواب الدفن ب 16 ح 6.

[ 522 ]

عرضا، لمرفوعة عبد الصمد بن هارون (1)، ورواية زيد بن علي (2). وما رواه الصدوق في الخصال، عن الأعمش، عن جعفر بن محمد عليه السلام في حديث شرائع الدين، قال: " والميت يسل من قبل رجليه سلا، والمرأة تؤخذ بالعرض من قبل اللحد، والقبور تربع ولا تسنم " (3). ومطلقات مادل من الأخبار على السل من قبل الرجلين (4) وموثقة عمار الدالة على وضع الجنازة مما يلي الرجلين (5) منزلة على الرجل، للروايتين المذكورتين. ومن جميع ذلك ظهر دليل استحباب وضع الرجل من قبل الرجلين والمرأة مما يلي القبلة أيضا. ثم إن ظاهر ما رواه في العلل هو عدم الفرق بين الرجل والمرأة في الدفعات الثلاثة، ولكن يظهر من الشهيد الثاني في الروضة (6) وبعض من تأخر عنه (7) أن المشهور أن الحكم المذكور مختص بالرجل، ولم أقف على دليل في الفرق. وبعض كلماتهم ظاهرة في عدم الفرق، كعبارة الصدوق في الفقيه (8) والمفيد (9)، وكثير منها متشابهة الدلالة، فلاحظ كلماتهم وتأمل فيها. وكيف كان، فالراجح عدم الفرق، سيما مع التعليل الوارد في الأخبار " لأخذ الأهبة وتسكين الهول " (10) مع أنها أحق بها لضعف نفسها.


(1) التهذيب 1: 325 ح 950، الوسائل 2: 865 أبواب الدفن ب 38 ح 1. (2) التهذيب 1: 326 ح 951، الوسائل 2: 865 أبواب الدفن ب 38 ح 2. (3) الخصال: 603 ح 9. (4) انظر الوسائل 2: 848 أبواب الدفن ب 22. (5) التهذيب 1: 316 ح 919، الوسائل 2: 849 أبواب الدفن ب 22 ح 6. (6) الروضة البهية 1: 439. (7) كالفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 133. (8) الفقيه 1: 107. (9) المقنعة: 79. (10) انظر الوسائل 2: 837 أبواب الدفن ب 16.

[ 523 ]

ويستحب أن ينزل من يدخله في القبر حافيا مكشوف الرأس محلولة أزراره، للأخبار الدالة عليه (1). وما دل على نفي البأس عن الخف (2) فهو محمول على الضرورة أو التقية، كما صرح به في رواية أبي بكر الحضرمي (3)، ورواية سيف بن عميرة (4). ويستحب أن يدعو بما ورد في الروايات عند وضعه في القبر، بأن يقول: " اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، نزل بك وأنت خير منزول به " (5) وبعد وضعه أيضا بما ورد فيها من الأدعية والفاتحة والمعوذتين والإخلاص وآية الكرسي (6). ويكره أن يباشر إدخاله الأرحام في الرجل دون المرأة، وعلل الأول بأنه موجب للقسوة المضادة للرحمة المطلوبة من الله. والثاني بأنها عورة مستحقة للكتمان (7)، وبرواية السكوني عن الصادق عليه السلام قال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله أن المرأة لا يدخل قبرها إلا من كان يراها في حياتها " (8). وفي رواية إسحاق بن عمار عنه عليه السلام، قال: " الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها " (9). وأما الأخبار في جانب الرجل فلم نقف عليها إلا ما دل على كراهة نزول الوالد


(1) و (2). الوسائل 2: 840 أبواب الدفن ب 18. (3) الكافي 3: 192 ح 3، التهذيب 1: 313 ح 911، الاستبصار 1: 213 ح 751، الوسائل 2: 840 أبواب الدفن ب 18 ح 4. (4) التهذيب 1: 313 ح 910، الوسائل 2: 841 أبواب الدفن ب 18 ح 5. (5) الوسائل 2: 845 أبواب الدفن ب 21. (6) الوسائل 2: 842 أبواب الدفن ب 20. (7) كما في المعتبر 1: 297. (8) الكافي 3: 193 ح 5، التهذيب 1: 325 ح 948، الوسائل 2: 853 أبواب الدفن ب 26 ح 1. (9) الكافي 3: 194 ح 6، التهذيب 1: 325 ح 949، الوسائل 2: 853 أبواب الدفن ب 26 ح 2.

[ 524 ]

قبر ولده، وعدمها في نزول الولد قبر والده من الأخبار المستفيضة (1)، ويمكن أن يتنبه لذلك مما ورد في كراهة إهالة ذي الرحم كما سيجئ. ولو تعذر المحرم للمرأة فامرأة صالحة، ثم أجنبي صالح، وإن كان شيخا فهو أولى، قاله في التذكرة (2)، وتبعه غيره (3)، ولا بأس به. الخامس: يجب الدفن كفاية بالإجماع. وقالوا: إن الواجب وضعه في حفرة تستر عن الإنس ريحه وعن السباع بدنه بحيث يعسر نبشها غالبا (4). قال في الذكرى: وهاتان الصفتان متلازمتان في الغالب، ولو قدر وجود إحداهما بدون الاخرى وجب مراعاة الاخرى، للإجماع على وجوب الدفن، ولا تتم فائدته إلا بهما (5). وذكره غيره أيضا (6) ولعلهم نظروا إلى أن وجوب الدفن توصلي، والمقصود من إيجابه حصول هاتين الحكمتين، فالتزموا وجوب حصولهما. ويمكن استفادة ذلك مما ورد أن حرمة المرء المسلم ميتا كحرمته حيا (7)، ولا يحصل احترامه إلا بحصول الأمرين، مع أن في أحدهما دفع الإضرار عن الأحياء أيضا. وروى الصدوق في العيون والعلل، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا


(1) الوسائل 2: 851 أبواب الدفن ب 25. (2) التذكرة 2: 93. (3) كصاحب المدارك 2: 132. (4) قواعد الأحكام 1: 232، الذكرى: 64، الدروس 1: 115، المسالك 1: 99. (5) الذكرى: 64. (6) كالكركي في جامع المقاصد 1: 436. (7) التهذيب 1: 419 ح 1324، وص 445 ح 1440، وج 10: 273 ح 1070 - 1072، الاستبصار 4: 297 ح 1118 - 1120، الوسائل 2: 875 أبواب الدفق ب 51 ح 1، وج 19: 251 أبواب ديات الاعضاء ب 25 ح 6.

[ 525 ]

عليه السلام، قال: " إنما امر بدفن الميت لئلا يظهر الناس على فساد جسده وقبح منظره، وتغير رائحته، ولا يتأذى الأحياء بريحه وبما يدخل عليه من الآفة و الفساد، وليكون مستورا عن الأولياء والأعداء، فلا يشمت عدوه، ولا يحزن صديقه " (1). وظاهرهم تعين الحفرة، فلا يجزي جعله في تابوت من صخر أو غيره، وكذا الأزج (2) فوق الأرض وإن حصلت الفائدتان، لعدم صدق الدفن عليه. نعم لو دفن بالتابوت في الأرض جاز لكنه مكروه، وادعى عليه في المبسوط الإجماع (3)، وقال في الذكرى: ولافرق بين أنواع التابوت (4)، هذا مع التمكن. وأما مع التعذر لصلابة الأرض أو كثرة الثلج أو جمود الأرض وعدم التمكن من نقله إلى ما يمكن الدفن فيه قبل فساده يجزي التابوت والبناء عليه مما يحصل الغرضين أو أحدهما إن لم يمكن تحصيلهما معا. ومن مات في البحر وجب غسله وكفنه والصلاة عليه، ونقله إلى البر للدفن، أو الاصطبار حتى يصل إلى البر مع الإمكان وعدم الحرج وعدم فساد الميت، وإلا فيستر في وعاء كالخابية ويوكأ رأسه أو يثقل في رجليه أو غيرهما بحجر أو حديد أو نحوهما ليرسب في الماء، ثم يلقى في البحر، للجمع بين صحيحة أيوب بن الحر الدالة على الأول (5)، والأخبار الكثيرة الدالة على الثاني، مثل مرسلة أبان (6)،


(1) عيون أخبار الرضا (ع) 2: 114، علل الشرائع: 268 ح 9، الوسائل 2: 819 أبواب الدفن ب 1 ح 1. (2) الأزج بالتحريك: ضرب من الأبنية وهو بيت يبنى طولا (مجمع البحرين 2: 275). (3) المبسوط 1: 187. (4) الذكرى: 65. (5) الكافي 3: 213 ح 1، الفقيه 1: 96 ح 442، التهذيب 1: 340 ح 996، الاستبصار 1: 215 ح 762، الوسائل 2: 866 أبواب الدفن ب 40 ح 1. (6) الكافي 3: 214 ح 2، التهذيب 1: 239 ح 993، الاستبصار 1: 215 ح 759، الوسائل 2: 867 أبواب الدفن ب 40 ح 3.

[ 526 ]

ومرفوعة سهل بن زياد (1) وغيرهما (2). وربما يقدح في سند الأخبار الأخيرة (3)، ولاوجه له، سيما مع اشتهار العمل بمضمونها، مع تأيدها بما ورد في حكاية زيد بن علي عليه السلام حيث أحرقوا جثته من قول الصادق عليه السلام لسليمان بن خالد: " أفلا كنتم أوقرتموه حديدا، وقذفتموه في الفرات " (4) ولا يذهب عليك أن إطلاق الأخبار في الأمرين المذكورين محمول على الغالب في البحر أو ظاهر فيما يتعذر الوصول، فلا ينافي التقييد الذي ذكرناه، لإطلاق الأمر بالدفن. وأوجب جماعة استقبال القبلة حين الإلقاء، لأنه دفن، وفيه تأمل، ولا ريب أنه أحوط. السادس: يجب إضجاعه على اليمين مستقبل القبلة بلا خلاف بينهم، إلا من ابن حمزة، ومال إليه المحقق الأردبيلي رحمه الله، لعدم وقوفه على دليل فيه. واحتج الأصحاب بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام. والظاهر أنهم أرادوا أنهم كانوا يفعلون ذلك، ملتزمين به، وإلا فلا دلالة. وبما ورد في حكاية براء بن معرور من الأخبار الكثيرة، منها صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " كان البراء بن معرور التميمي الأنصاري بالمدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة، وأنه حضره الموت، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس، فأوصى البراء


(1) الكافي 3: 214 ح 3، التهذيب 1: 339 ح 994، الاستبصار 1: 215 ح 760، الوسائل 2: 867 أبواب الدفن ب 40 ح 4. (2) الوسائل 2: 866 أبواب الدفن ب 40. (3) كما في المعتبر 1: 292، والمدارك 2: 135. (4) الكافي 8: 250 ح 351، الوسائل 2: 867 أبواب الدفن ب 41 ح 1.

[ 527 ]

إذا دفن أن يجعل وجهه إلى رسول الله صلى الله وعليه وآله إلى القبلة، فجرت به السنة، وأنه أوصى بثلث ماله فنزل به الكتاب وجرت به السنة " (1). وفي رواية اخرى: " إن براء كان أول من استنجى بالماء، فنزل فيه (والله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (2) وجرت به السنة " (3). والظاهر من جريان السنة فيآالجميع اللزوم والالتزام، فلاوجه للقدح في الدلالة، مع أن العلاء بن سيابة روى عن الصادق عليه السلام في حديث القتيل إذا قطع رأسه، قال: " إذا أنت صرت إلى القبر تناولته مع الجسد وأدخلته اللحد و وجهته للقبلة " (4). وإذا كان الميت امرأة غير مسلمة حاملة من مسلم فيستدبر بها القبلة إكراما للولد ; حيث إن وجهه إلى ظهرها، وعن التذكرة إنه إجماع العلماء كافة (5). ولما كان المقصود بالذات في الدفن هو الولد، لعدم لزوم دفن الكافر، بل ولارجحانه، فيدفن في مقبرة المسلمين، واستدلوا عليه برواية يونس عن الرضا عليه السلام (6). وظاهرهم عدم جواز إخراجه من بطنها وغسلها وتكفينها، وتدل عليه تلك الرواية أيضا، وإن كان في دلالتها على الدفن في مقبرة المسلمين تأمل.


(1) الكافي 3: 254 ح 16، الفقيه 4: 137 ح 479، التهذيب 9: 192 ح 771، علل الشرائع 2: 566 ح 1، الوسائل 13: 361 أبواب أحكام الوصايا ب 10 ح 1. (2) البقرة: 222. (3) الخصال: 192 ح 267، الوسائل 1: 251 أبواب أحكام الخلوة ب 34 ح 6. وقيل: إن البراء مات في المدينة قبل هجرة النبي (ص) إليها بشهر. انظر الإصابة 1: 144 / 622، واسد الغابة 1: 174، وسير أعلام النبلاء 1: 267 / 53، وطبقات ابن سعد 3: 618. (4) التهذيب 1: 448 ح 1449، الوسائل 2: 885 أبواب الدفن ب 61 ح 3. (5) التذكرة 2: 109. (6) التهذيب 1: 334 ح 980، الوسائل 2: 866 أبواب الدفن ب 39 ح 2. وفيها سأله أيدفن معها على النصرانية أو يخرج منها ويدفن على فطرة الإسلام ؟ فكتب: يدفن معها.

[ 528 ]

السابع: يستحب حفر القبر قدر قامة أو إلى الترقوة، ذكرهما الأصحاب، وفي الصحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام، قال: " حد القبر إلى الترقوة، وقال بعضهم: إلى الثدي، وقال بعضهم: قامة الرجل حتى يمد الثوب على رأس من في القبر، وأما اللحد فبقدر ما يمكن فيه الجلوس " (1). قال في الذكرى: والظاهر أن هذا من محكي ابن أبي عمير، لأن الإمام لا يحكي قول أحد (2) والكليني أسنده إلى سهل بن زياد، وقال: روى أصحابنا أن حد القبر إلى آخره (3). وفي رواية السكوني: " إن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يعمق القبر فوق ثلاث أذرع " (4)، وهو قريب من مقدار الترقوة. ولعل ذكر القامة في رواية ابن أبي عمير مع فتوى الأصحاب كافية في استحبابه، فيكون مخصصا لرواية السكوني، وهي محمولة فيما فوقها على الكراهة. وفي تتمة رواية ابن أبي عمير المتقدمة بعدما نقلناه قال: " ولما حضرت على بن الحسين عليه السلام الوفاة قال: احفروا لي وابلغوا إلى الرشح ". ويمكن حملها على الثلاث أذرع، لأنها قد تبلغ الرشح في البقيع كما ذكره في الذكرى.


(1) الكافي 3: 165 ح 1، الفقيه 1: 107 ح 498، التهذيب 1: 451 ح 1469، الوسائل 2: 836 أبواب الدفن ب 14 ح 2. (2) الذكرى: 65. (3) الكافي 3: 165 ح 1. (4) الكافي 3: 166 ح 4، التهذيب 1: 451 ح 1466، الوسائل 2: 836 أبواب الدفن ب 14 ح 1.

[ 529 ]

وعن المنتهى لافرق في ذلك بين الرجل والمرأة بلا خلاف (1). ويستحب أن يجعل له لحدا مما يلي القبلة. وفي الصحاح: اللحد بالتسكين الشق في جانب القبر واللحد بالضم لغة فيه (2). وذكر الفاضلان وغيرهما في معنى اللحد أن الحافر إذا بلغ أرض القبر حفر في جانبه مما يلي القبلة مكانا مستطيلا يوضع الميت فيه، والشق أن يحفر له في القبر شقا شبيه النهر يوضع الميت فيه ويسقف عليه (3). ودليل الاستحباب الإجماع كما يظهر من المنتهى (4)، ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وآله: " اللحد لنا والشق لغيرنا " (5) وحسنة الحلبي (6). وأما الأخبار الواردة في الشق (7) فمحمولة على الجواز أو على التقية أو على كون الأرض رخوة. فإنها تشق حينئذ خوفا من الانهدام، قال في المعتبر: ولو عمل شبه اللحد من بناء في قبلته كان أفضل (8) ويستحب أن يكون اللحد واسعا يتمكن فيه من الجلوس كما دلت عليه مرسلة ابن أبي عمير المتقدمة. ويستحب حل عقد الأكفان من قبل رأسه ورجليه، للأخبار المستفيضة، منها صحيحة أبي حمزة (9).


(1) المنتهى 1: 461. (2) الصحاح 2: 534. (3) المحقق في المعتبر 1: 296، والعلامة في المنتهى 1: 460. (4) المنتهى 1: 460. (5) سنن البيهقي 3: 408. (6) الكافي 3: 166 ح 3، التهذيب 1: 451 ح 1467، الوسائل 2: 836 أبواب الدفن ب 15 ح 1. (7) الوسائل 2: 836 أبواب الدفن ب 15. (8) المعتبر 1: 296. (9) التهذيب 1: 457 ح 1491، الوسائل 2: 841 أبواب الدفن ب 19 ح 1، وغيره.

[ 530 ]

وأن يبرز وجهه كما في الصحيحة ورواية سالم بن مكرم (1). وأن يفضي خده إلى الأرض كما في رواية محفوظ الإسكاف (2). وأن يجعل له وسادة من تراب ويجعل خلف ظهره مدرة لئلا يستلقي كما في رواية سالم بن مكرم. وأما ما في رواية ابن أبي عمير الصحيحة من شق الكفن من عند رأس الميت إذا ادخل قبره (3)، فهو محمول على إرادة حل عقده، أو على ما إذا لم يمكن الحل. وأن يجعل معه شيئا من التربة المباركة الحسينية، قال في الذكرى: قاله الشيخان (4)، ولم يعلم مأخذه. والتبرك بها كاف في ذلك. والأحسن جعلها تحت خده كما قاله المفيد في المقنعة، وفي العزية في وجهه، وكذا في اقتصاد الشيخ (5). وقيل: تلقاء وجهه (6). وقيل: في الكفن. وفي المختلف الكل جائز (7). وقد نقل أن امرأة قذفها القبر مرارا لفاحشة كانت تصنع، فأمر بعض الأولياء بوضع تراب من قبر صالح معها فاستقرت.


(1) الفقيه 1: 108 ح 500، الوسائل 2: 841 أبواب الدفن ب 19 ح 5. (2) الكافي 3: 195 ح 5، التهذيب 1: 317 ح 923، الوسائل 2: 843 أبواب الدفن ب 20 ح 4. (3) الكافي 3: 196 ح 9، التهذيب 1: 317 ح 921، الوسائل 2: 841 أبواب الدفن ب 19 ح 2، 6. (4) نقله عن المفيد في السرائر 1: 165، والمعتبر 1: 301، وقال به الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 186، والنهاية: 38. (5) الاقتصاد: 250. (6) حكاه عن الشيخ في السرائر 1: 165. (7) المختلف 2: 312.

[ 531 ]

قال الشيخ نجيب الدين بن يحيى: في درسه يصلح أن يكون هذا متمسكا. ونقل الفاضل أنها كانت تزني وتحرق أولادها، فإن أمها أخبرت الصادق عليه السلام فقال: " إنها كانت تعذب خلق الله بعذاب الله، اجعلوا معها شيئا من تربة الحسين عليه السلام " فاستقرت (1)، انتهى كلام الذكرى (2). اقول: ويدل على مطلق جعلها معه ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن داود، عن أبيه، عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: كتبت إلى الفقيه أسأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره، هل يجوز ذلك أم لا ؟ فأجاب و قرأت التوقيع ومنه نسخت: " يوضع مع الميت في قبره ويخلط بحنوط إن شاء الله " (3). وروى الطبرسي في الإحتجاج عنه عن صاحب الزمان عليه السلام مثل ذلك (4). وروى الشيخ في المصباح، عن جعفر بن عيسى أنه سمع أبا الحسن عليه السلام يقول: " ما على أحدكم إذا دفن الميت ووسده التراب أن يضع مقابل وجهه لبنة من الطين، ولا يضعها تحت رأسه " (5). والظاهر أن المراد طين قبر الحسين عليه السلام، ولذلك أورده الشيخ في جملة أحاديث تربة الحسين عليه السلام، وقد مر ما يناسب المقام في الكفن. ويستحب تغشية القبر بثوب عند إنزال الميت الى أن يغشى باللبن في المرأة، لرواية جعفر بن كلاب عن الصادق عليه السلام: " يغشى قبر المرأة بالثوب،


(1) المنتهى 1: 461، الوسائل 2: 742 أبواب التكفين ب 12 ح 2. (2) الذكرى: 66. (3) التهذيب 6: 76 ح 149، الوسائل 2: 742 أبواب التكفين ب 12 ح 1. (4) الاحتجاج: 489. (5) مصباح المتهجد: 678، الوسائل 2: 742 أبواب التكفين ب 12 ح 3.

[ 532 ]

ولا يغشى قبر الرجل " (1) وبعضهم عمم الحكم في الرجل أيضا (2)، وهو مشكل. ويستحب أن يلقنه الشهادتين وأسماء الأئمة عليهم السلام بعد وضعه في القبر، للأخبار المستفيضة جدا، بل كادت تبلغ التواتر (3). وأن يدعو له ; للأخبار الكثيرة (4). وأن يقرأ آية الكرسي لصحيحة زرارة (5). ثم يشرج اللحد باللبن والطين وشبهه، وينضده بحيث يمنع وصول التراب إلى الميت. ويدل عليه بعد الإجماع ظاهر روايات، مثل ما رواه في الكافي عن ابن القداح (6)، والصدوق في العلل والمجالس عن عبد الله بن سنان (7)، وهما يدلان على التسوية، وسد الخلل والإتقان. وقال في الذكرى: روي أن النبي صلى الله عليه وآله رأى في قبر ابنه خللا فسواه بيده، ثم قال: " إذا عمل أحدكم عملا فليتقن " (8). وفي رواية إسحاق بن عمار: " ثم تضع الطين واللبن " (9) فيستفاد منه رجحان اللبن والطين، والظاهر أن الآجر أيضا يكفي، بل كل ما يؤدي مؤدى ذلك. ولا يبعد كون اللبن أفضل، لظاهر تلك الأخبار، ويمكن التنبه له من صحيحة أبان بن تغلب أيضا قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " جعل علي عليه السلام على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله لبنا "، فقلت: أرأيت إن جعل


(1) التهذيب 1: 464 ح 1519، الوسائل 2: 875 أبواب الدفن ب 50 ح 1. (2) كالشيخ في الخلاف 1: 728 مسألة 552، والعلامة في المختلف 2: 313. (3) الوسائل 2: 842 أبواب الدفن ب 20 (4) الوسائل 2: 845 أبواب الدفن ب 21. (5) الكافي 3: 196 ح 7، التهذيب 1: 1490 457، الوسائل 2: 844 أبواب الدفن ب 20 ح 6. (6) الكافي 3: 262 ح 45، الوسائل 2: 883 أبواب الدفن ب 60 ح 1. (7) علل الشرائع: 309 ح 4، أمالي الصدوق: 314 ح 2، الوسائل 2: 883 أبواب الدفن ب 60 ح 2. (8) الذكرى: 66، والرواية هي رواية ابن القداح المتقدمة. (9) التهذيب 1: 457 ح 1492، الوسائل 2: 847 أبواب الدفن ب 21 ح 6.

[ 533 ]

عليه آجرا هل يضر الميت ؟ قال: " لا " (1). وعن الراوندي: أن عمل العارفين من الطائفة على ابتداء التشريج من الرأس (2). ويستحب الدعاء حال التشريج، لرواية إسحاق بن عمار (3). ثم يخرج من قبل الرجلين بلاآفرق بين الرجل والمرأة، خلافا لابن الجنيد، فقال: يخرج في المرأة من عند رأسها (4)، ولم يظهر وجهه. ويدل على أصل الحكم خصوص رواية السكوني (5)، ومرفوعة سهل بن زياد (6)، وإطلاق غيرها من الأخبار الكثيرة الدالة على أن لكل بيت بابا، وباب القبر من قبل الرجلين (6). وفي رواية سهل بن زياد: " أنه يدخل من حيث شاء ولا يخرج إلا من قبل الرجلين ". ويقول عند الخروج من القبر: " إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم ارفع درجته في أعلى عليين، واخلف على عقبه في الغابرين، وعندك نحتسبه يا رب العالمين " كما في رواية إسحاق به عمار. ثم يهيل الحاضرون عليه التراب بظهور الأكف مسترجعين على المشهور بين الأصحاب، واعترف جماعة من الأصحاب بعدم الوقوف على دليله (8).


(1) الكافي 3: 197 ح 3، الوسائل 2: 854 أبواب الدفن ب 28 ح 1. (2) حكاه عنه في الذكرى: 66. (3) المتقدمة. (4) نقله عنه في المختلف 2: 313. (5) الكافي 3: 193 ح 4، التهذيب 1: 316 ح 917، الوسائل 2: 850 أبواب الدفن ب 23 ح 1. (6) الكافي 3: 193 ح 5، الوسائل 2: 850 أبواب الدفن ب 23 ح 2. (7) الوسائل 2: 849 أبواب الدفن ب 22 ح 4، 6، 7. (8) كالأردبيلي في مجمع الفائدة 2: 484.

[ 534 ]

ولعل دليله هو ما رواه الصدوق عن سالم بن مكرم، وفي جملته: " فإذا خرجت من القبر، فقل وأنت تنفض يديك من التراب: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم احث التراب عليه بظهر كفيك ثلاث مرات، وقل: اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله " (1). وهذا وإن كان يمكن المناقشة فيه بعدم دلالته على المجموع، لكن قال بعض الأصحاب: لادليل على شئ من الأمرين كصاحب المدارك (2)، ولاريب أنه يثبت البعض. وكذلك رواية محمد بن الأصبغ، عن بعض أصحابنا، قال: رأيت أبا الحسن عليه السلام وهو في جنازة فحثا التراب على القبر بظهر كفيه (3). وفي حسنة عمر بن اذينة قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يطرح التراب على الميت، فيمسكه ساعة في يده ثم يطرحه، ولا يزيد على ثلاثة أكف (4)، فقال: " يا عمر كنت أقول: إيمانا بك، وتصديقا ببعثك، هذا ما وعدنا الله ورسوله - إلى قوله - تسليما هكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله، وبه جرت السنة " (5) و لعل هذا مستحب آخر، أو (6) يحصل الاستحباب بكليهما. واستثنى الأصحاب من ذلك ذا الرحم، فيكره له الإهالة على رحمه، لموثقة عبيد بن زرارة المعللة بأنه يورث القسوة، المبعدة عن الرب تعالى (7).


(1) الفقيه 1: 108 ح 500، الوسائل 2: 846 أبواب الدفن ب 21 ح 5. (2) المدارك 2: 143. (3) التهذيب 1: 318 ح 925، الوسائل 2: 855 أبواب الدفن ب 29 ح 5. (4) في المصدر زيادة: فسألته عن ذلك... (5) الكافي 3: 198 ح 4، الوسائل 2: 854 أبواب الدفن ب 29 ح 2. (6) في " ص ": و. (7) الكافي 3: 199 ح 5، التهذيب 1: 319 ح 928، علل الشرائع: 304 ح 1، الوسائل 2: 855 أبواب الدفن ب 30 ح 1.

[ 535 ]

ويستحب تربيع القبر وتسطيحه ورفعه مقدار أربع أصابع إلى شبر، ويدل على الأول والثاني مضافا إلى الإجماع ظاهر رواية محمد بن مسلم (1). وعلى التربيع ما رواه في العلل من علته أن البيت نزل مربعا (2). وعلى تسطيحه الإجماع، نقله الشيخ في الخلاف (3)، والأخبار، مثل ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله سطح قبر ابنه إبراهيم (4)، وسطح قبر النبي صلى الله عليه وآله (5)، ولكراهة التسنيم كما يفعله العامة معترفين باستحباب التسطيح مخالفة لنا، كما ذكره في روض الجنان (6). ويستفاد ذلك من الأخبار الدالة على تسوية القبر، مثل صحيحة زرارة الآتية بعد ذلك (7)، ورواية السكوني، وسنذكرها في تجديد القبور (8). وعلى رفعه أربع أصابع أخبار كثيرة، طائفة منها مطلقة، وطائفة منها مقيدة بمفرجات، وبعضها مقيدة بمضمومة، وفي بعضها أن قبر النبي صلى الله عليه وآله رفع شبرا من الأرض (9). ولعل عدم التجاوز عن الأربع المفرجات أولى، لما رواه في العيون من منع الكاظم عليه السلام عن ذلك (10)، وكيف كان فالزائد على المذكورات مكروه.


(1) الكافي 3: 195 ح 3، التهذيب 1: 315 ح 916، وص 458 ح 1494، الوسائل 2: 848 أبواب الدفن ب 22 ح 2. (2) علل الشرائع: 305، الوسائل 2: 858 أبواب الدفن ب 31 ح 12. (3) الخلاف 1: 706 مسألة 505. (4) الام 1: 273، مختصر المزني: 37. (5) المنتهى 1: 462. (6) روض الجنان: 317، وانظر المجموع 5: 297. (7) التهذيب 1: 457 ح 1490، الوسائل 2: 860 أبواب الدفن ب 33 ح 1. (8) الكافي 6: 528 ح 14، الوسائل 2: 869 أبواب الدفن ب 43 ح 2، وفيه: ولا قبرا إلا سويته. (9) انظر الوسائل 2: أبواب الدفن ب 21 ح 5. (10) عيون أخبار الرضا (ع) 1: 103 ح 6، الوسائل 2: 858 أبواب الدفن ب 31 ح 10.

[ 536 ]

ويستحب رش الماء على القبر، لتطابق الأقوال والأخبار عليه (1). والأفضل أن يعمل على مقتضى رواية سالم بن مكرم عن الصادق عليه السلام، وفي آخرها: " فإذا سوي قبره فصب على قبره الماء، وتجعل القبر أمامك وأنت مستقبل القبلة، وتبدأ بصب الماء من عند رأسه، وتدور به على قبره من أربعة جوانبه حتى ترجع إلى الرأس من غير أن تقطع الماء، فإذا فضل من الماء شئ فصبه على وسط القبر " (2). ويستحب وضع اليد على القبر والدعاء للميت والاستغفار له، لرواية سالم بن مكرم هذه، وغيرها من الروايات، مثل صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام في حديث قال، قال: " وإذا حثي عليه التراب وسوي قبره، فضع كفك على قبره عند رأسه، وفرج أصابعك، واغمز كفك عليه بعدما نضح بالماء " (3) وبمضمونها حسنته عن الصادق عليه السلام (4). ويتأكد ذلك في حق من لم يصل على الميت كما يستفاد من بعض الأخبار (5). وما يستفاد من استحباب تأثير اليد في التراب إنما هو في حال الدفن. ولم نقف على رجحان التأثير في غير التراب وفي غير هذا الحال. وأن يدعو بما رواه عمرو بن أبي المقدام، عن أبي جعفر عليه السلام: " اللهم ارحم غربته، وصل وحدته، وآنس وحشته، وأسكن إليه من رحمتك ما يستغني بها عن رحمة من سواك، وألحقه بمن كان يتولاه " (6).


(1) قرب الإسناد: 72، الوسائل 2: 858 أبواب الدفن ب 31 ح 10 (2) الفقيه 1: 108 ح 500، الوسائل 2: 846 أبواب الدفن ب 21 ح 5. (3) التهذيب 1: 457 ح 1490، الوسائل 2: 860 أبواب الدفن ب 33 ح 1. (4) الكافي 3: 200 ح 4، التهذيب 1: 460 ح 1498، الوسائل 2: 861 أبواب الدفن ب 33 ح 4. (5) انظر الوسائل 2: 860 أبواب الدفن ب 33 ح 2، 3. (6) الكافي 3: 292 ح 6، الوسائل 2: 862 أبواب لدفن ب 34 ح 2.

[ 537 ]

وبما رواه محمد بن مسلم: " اللهم جاف الأرض عن جنبيه، وأصعد إليك روحه، ولقه منك رضوانا، وأسكن قبره من رحمتك ما تغنيه بها عن رحمة من سواك " (1). ويظهر من رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله استحباب كونه مقابل القبلة حين وضع اليد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام كيف أضع يدي على قبور المسلمين ؟ فأشار بيده إلى الأرض ووضعها ثم رفعها وهو مقابل القبلة. وهو يفيد رجحان مطلق الوضع، لاآخصوص عند الرأس كما يستفاد من غيرها، ولا اختصاصه بوقت الدفن، هذا على ما رواه الشيخ (2). اما على ما في الكافي فتشكل استفادته، لأن له زيادة في أوله تضعف الاستدلال به على الإطلاق (3). وقال في الفقيه: ومتى زرت قبره فادع له بهذا الدعاء وأنت مستقبل القبلة (4)، وأراد بالدعاء ما ورد في رواية محمد بن مسلم المتقدمة. قال في الذكرى: وعلى ذلك - يعني الاستقبال - عمل الأصحاب (5)، وقال بعض أصحابنا: ورأيت في بعض الروايات أن زيارة غير المعصوم مستقبل القبلة، و زيارته مستدبرها ومستقبلها (6). اقول: وروى الكليني في الصحيح، عن محمد بن أحمد، قال: كنت بفيد،


(1) الكافي 3: 198 ح 3، التهذيب 1: 319 ح 927، الوسائل 2: 855 أبواب الدفن ب 29 ح 3. (2) التهذيب 1: 462 ح 1508، الوسائل 2: 861 أبواب الدفن ب 33 ح 5. (3) الكافي 3: 200 ح 3، وفي صدره: سألته عن وضع الرجل يده على القبر ما هو ؟ ولم صنع ؟ قال: صنعه رسول الله (ص) على ابنه بعد النضح... (4) الفقيه 1: 109. (5) الذكرى: 68. (6) انظر الوسائل 2: 881 أبواب الدفن ب 57، وج 10: 266 أبواب المزار ب 6، وص 303 ب 29، وص 382 ب 62 وغيرها من أبواب المزار.

[ 538 ]

فمشيت مع علي بن بلال إلى قبر محمد بن إسماعيل بن بزيع فقال علي بن بلال: قال لي صاحب هذا القبر عن الرضا عليه السلام قال: " من أتى قبر أخيه ثم وضع يده على القبر وقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر سبع مرات أمن يوم الفزع الأكبر أو يوم الفزع " (1). وهذا المضمون مروي بأسانيد معتبرة في التهذيب، ومزار ابن قولويه، ورجال الكشي، والنجاشي، وفي ثواب الأعمال (2). وفي الكشي: أن محمد بن إسماعيل روى عن أبي جعفر عليه السلام - والمراد به الجواد عليه السلام - أنه يقول: " من زار قبر أخيه المؤمن فجلس عند قبره واستقبل القبلة ووضع يده على القبر فقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر سبع مرات أمن من الفزع الأكبر " (3). وفي التهذيب مثل ما رواه في الكافي إلا أنه قال: " من أتى قبر أخيه من أي ناحية وضع يده وقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر " (4) الحديث، وكذلك الصدوق رواه مرسلا مطلقا في الفقيه عن الرضا عليه السلام (5). وكيف كان فلا ريب في استحباب الاستقبال. ويستحب أن يلقنه الولي أو من يأمره بعد انصراف الناس بأرفع صوته بإجماع أصحابنا كما ادعاه غير واحد منهم (6).


(1) الكافي 3: 229 ح 9، الوسائل 2: 881 أبواب الدفن ب 57 ح 1. (2) التهذيب 6: 104 ح 182، كامل الزيارات: 319 ح 3، رجال الكشي 2: 836 / 1066، رجال النجاشي: 331 / 893، ثواب الأعمال: 236. (3) رجال الكشي 2: 836 / 1066. (4) التهذيب 6: 104 ح 182. (5) الفقيه 1: 115 ح 541. (6) منهم ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 564، والمحقق في المعتبر 1: 303، والعلامة في المنتهى 1: 463، ونهاية الإحكام 2: 279، والتذكرة 1: 53.

[ 539 ]

وتدل عليه رواية يحيى بن عبد الله (1)، ورواية جابر (2)، ومرسلة إبراهيم بن هاشم المذكورة في العلل (3)، وفي تلك الأخبار أن ذلك يكفي الميت دخول النكيرين عليه في القبر ومسألتهما إياه. وذهب ابن إدريس إلى أن الملقن يستقبل القبلة والقبر (4)، وابن البراج ويحيى بن سعيد إلى أنه يستدبر القبلة والقبر أمامه (5)، قال الشهيد رضي الله عنه: و كلاهما جائزان، لإطلاق الخبر (6). اقول: ويمكن ترجيح الاستقبال، لكونه خير المجالس، ثم قال: وقال ابن البراج: ومع التقية يقول ذلك سرا (7). وأما الطفل فقال في الذكرى: ظاهر التعليل يشعر بعدم تلقينه، ويمكن أن يقال: يلقن إقامة للشعار، وخصوصا المميز، وكما في الجريدتين (8). ويستحب أن يوضع عند رأسه علامة من حجر أو خشبة ليزار، لما نقل من فعل النبي صلى الله عليه وآله في قبر عثمان بن مظعون (9)، ولرواية يونس بن يعقوب الآتية الدالة على ذلك وعلى أن يكتب اسمه في اللوح (10).


(1) الكافي 3: 201 ح 11، الفقيه 1: 109 ح 501، التهذيب 1: 321 ح 935، الوسائل 2: 862 أبواب الدفن ب 35 ح 1. (2) التهذيب 1: 459 ح 1496، الوسائل 2: 863 أبواب الدفن ب 35 ح 2. (3) علل الشرائع: 308 ح 1، الوسائل 2: 863 أبواب الدفن ب 35 ح 3. (4) السرائر 1: 165. (5) المهذب 1: 64، الجامع للشرائع: 55. (6) الذكرى: 68. (7) المهذب 1: 64. (8) الذكرى: 68. (9) دعائم الإسلام 1: 238، البحار 82: 22، المستدرك 2: 344 أبواب الدفن ب 35 ح 1. (10) الكافي 3: 202 ح 3، التهذيب 1: 461 ح 1501، الاستبصار 1: 217 ح 768، الوسائل 2: 864 أبواب الدفن ب 37 ح 2.

[ 540 ]

الثامن: قال الأصحاب يكره فرش القبر بالساج إلا عند الضرورة. والساج هو خشب مخصوص. والظاهر أن مرادهم الساج ونحوه، كما يظهر من الشهيدين رحمهما الله (1). واعترف بعضهم بعدم الوقوف على الدليل (2)، وبعضهم علله بأنه إتلاف مال غير مأذون فيه شرعا (3)، وفيه إشكال. وتكفي فتواهم في الكراهة، مع أنه يمكن استفادته من مكاتبة علي بن بلال إلى أبي الحسن عليه السلام: أنه ربما مات الميت عندنا وتكون الأرض ندية فنفرش القبر بالساج، أو نطبق عليه ؟ فكتب: " ذلك جائز " (4) فإن السؤال عن ذلك في حال الضرورة مشعر بأنه يعلم المرجوحية بدونها، فتقرير الإمام إياه على ذلك المعتقد يدل عليه، وكذلك تدل الرواية على عدم الكراهة حال الضرورة. وقال في الفقيه: روي عن أبي الحسن الثالث عليه السلام إطلاق في أن يفرش القبر بالساج ويطبق على الميت الساج (5)، وهذا لاآينافي الكراهة في غير حال الضرورة، وبه يقل الإشكال الذي أشرنا إليه، إذ ذلك إذن في الإتلاف، مع أن الإتلاف الذي ثبتت حرمته هو ما يعد إسرافا، وذلك ليس مما ينكره العقلاء في تصرفاتهم، فبقي أن تكون الحكمة في الكراهة هي مطلوبية كون الميت على الأرض لا على فراش كما في صلاة العيد. وأما وضع الثياب والفرش التي لها قيمة، فصرح في روض الجنان بحرمته،


(1) الذكرى: 66، روض الجنان: 317، المسالك 1: 102. (2) كالأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 2: 495. (3) كصاحب الرياض 2: 237. (4) الكافي 3: 197 ح 1، التهذيب 1: 456 ح 1488، الوسائل 2: 853 أبواب الدفن ب 27 ح 1 بتفاوت يسير. (5) الفقيه 1: 108 ح 499.

[ 541 ]

كما يحرم وضع ما له قيمة مع الميت مطلقا (1)، وليس ببعيد. وفي رواية يحيى بن أبي العلاء، عن الصادق عليه السلام: " ألقى شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وآله في قبره القطيفة " (2) وهي مهجورة، هذا. والظاهر عدم كراهة إطباق اللحد بالساج ونحوه، كما صرح به المحقق الثاني في شرح القواعد (3). ويكره تجصيص القبور، وادعى عليه الإجماع في التذكرة (4)، وفى رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن البناء على القبر والجلوس عليه هل يصلح ؟ فقال: " لا يصلح البناء على القبر ولا الجلوس ولا تجصيصه ولا تطيينه " (5). وفي الفقيه في حديث المناهي: أنه صلى الله عليه وآله نهى أن تجصص المقابر (6)، وعن معاني الأخبار أيضا أنه صلى الله عليه وآله نهى عنه (7)، هذا. ولكن روى يونس بن يعقوب، قال: لما رجع أبو الحسن موسى عليه السلام من بغداد ومضى إلى المدينة ماتت له ابنته بفيد، فدفنها وأمر بعض مواليه أن يجصص قبرها، ويكتب على لوح اسمها ويجعله في القبر (8). وفصل الشيخ فقال بكراهته بعد الاندراس لا الابتداء (9)، وبه يجمع


(1) روض الجنان: 318. (2) الكافي 3: 197 ح 2، الوسائل 2: 853 أبواب الدفن ب 27 ح 2 (3) جامع المقاصد 1: 488. (4) التذكرة 2: 105. (5) التهذيب 1: 461 ح 1053، الاستبصار 1: 217 ح 767، الوسائل 2: 869 أبواب الدفن ب 44 ح 1. (6) الفقيه 4: 2 ح 1، الوسائل 2: 870 أبواب الدفن ب 44 ح 4. (7) معاني الأخبار: 279، الوسائل 2: 870 أبواب الدفن ب 44 ح 5. (8) الكافي 3: 202 ح 3، التهذيب 1: 461 ح 1501، الاستبصار 1: 217 ح 768. (9) المبسوط 1: 187.

[ 542 ]

بين الروايتين. وقد يجمع بينهما بحمل الأولى على غير قبور الأنبياء والأولياء والذرية المطهرة، والثانية على مثلها كما هو مورد الرواية. وهما لا يخلوان عن بعد، والعمل على المشهور، للإجماع المنقول، و الروايات. ويمكن حمل الرواية الثانية على التجصيص، بمعنى إعمال الجص لتنضيد الأحجار والآجر ونحو ذلك. لأجل الاستحكام، وهو لا يسمى تجصيصا في العرف. وكذلك يكره تجديد القبور، وقيده في روض الجنان بما بعد اندراسها على وجه الأرض، سواء اندرست عظامها أم لا قال: إلا أن تكون في أرض مسيلة وتندرس عظامها فيحرم تجديدها حينئذ وتصويرها بصورة المقابر، لأن ذلك يمنع من هجوم غيره مع زوال حقه (1). واستدلوا على الكراهة برواية أصبغ بن نباتة قال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن الإسلام " (2). واختلف الأصحاب في رواية هذا الخبر، فعن محمد بن الحسن الصفار أنه " جدد " بالجيم. وعن سعد بن عبد الله أنه " حدد " بالحاء المهملة، بمعنى التسنيم خلاف التسطيح. وعن البرقي: أنه من " جدث " بالجيم من الجدث بمعنى القبر (3)، ولعله أراد نبشه وجعله قبرا لميت آخر، أو يكون المراد منه التجديد يعني إحياء


(1) روض الجنان: 319 (2) الفقيه 1: 120 ح 579، التهذيب 1: 459 ح 1497، الوسائل 2: 868 أبواب الدفن ب 43 ح 1. (3) نقله عنهم في الفقيه 1: 120، والتهذيب 1: 459 ذ. ح 1497، والمعتبر 1: 304.

[ 543 ]

القبر المندرس. وعن المفيد رحمه الله: أنه " خدد " بالخاء المعجمة والدال المهملة بمعنى الشق ليدفن فيه أو على جهة النبش (1). وربما احتمل أن يكون معنى الحديث بالنظر إلى الرواية الاولى والرواية الثالثة: من قتل مؤمنا عدوانا، فإنه بذلك يصير مستقلا في إحداث القبر بين القبور، بخلاف ما لو مات أو قتل بحكم الشرع. ولا يخفى أن هذه المعاني بعضها مما هو محرم وبعضها مما هو مكروه، فالتجديد بالجيم والتسنيم مكروهان، والنبش حرام، والشق للدفن أيضا حرام في الجملة كما سيجئ. وكيف كان فالرواية وفتوى الأصحاب تكفي في إثبات كراهة التجديد. ويبقى الكلام في معنى الخروج عن الإسلام، وربما يؤول بقيد استحلال المحرم، أو عدم كراهة المكروه مع العلم بالحرمة أو الكراهة من الشرع، أو على المبالغة في المنقصة كما في نظائره. ثم إن التجديد قد يطلق على المرمة وإصلاح المنكسر، ولكن الظاهر أنه معنى مجازي له، فهو غير داخل في الخبر. وأما ما ذكره في روض الجنان (2) من الحرمة في المسألة فلا دليل على الحرمة مطلقا، فلابد متقييدها بما لو احتاج الناس إلى تلك الأرض. وفي الذكرى: المشهور كراهة البناء على القبر واتخاذه مسجدا، وكذا يكره القعود على القبر (3)، وفي المبسوط نقل الإجماع على كراهة البناء عليه (4).


(1) حكاه عنه في التهذيب 1: 460 ذ. ح 1497. (2) روض الجنان: 319. (3) الذكرى: 16. (4) المبسوط 1: 87.

[ 544 ]

اقول: وقد مرت رواية علي بن جعفر الدالة على البناء والجلوس هنا (1)، ورواية يونس بن ظبيان في صلاة الميت على قبره (2). واستثنى الأصحاب من مسألة البناء والتجديد والتجصيص والصلاة قبور الأنبياء والأئمة عليهم السلام ; لإطباق الإمامية عليه في كل عصر، وللروايات الواردة في فضيلة تعميرها وتعاهدها (3)، ولأن فيها إعانة على زيارتهم، وتعظيما لشعائر الله، وتحصيلا لمصالح دينية لا تحصل غالبا إلا بها. وكذلك تدل الأخبار (4) على جواز الصلاة عند قبورهم (5)، وعلى الفضل العظيم والثواب الجسيم في ذلك. بل وكذلك الأمر في قبور أولاد الأئمة والعلماء والصلحاء، فإن تعميرها والبناء عليها وتعاهدها كان متداولا بين الخاصة والعامة من دون نكير. ومن ذلك يظهر جواز تزيين قبور الأنبياء والأئمة عليهم السلام، بل وغيرهم من أولادهم وأتباعهم الصالحين بالفرش والصناديق والقناديل، وغير ذلك مما يوجب تعظيمهم واحترامهم. بقي الكلام في معنى قوله عليه السلام " أو مثل مثالا " فقال الصدوق: إن المراد منه من أبدع بدعة ودعا إليها أو وضع دينا (6). اقول: ويمكن أن يراد به تصوير ذوات الأرواح المظللة، وتأويل الخروج عن الإسلام بأحد الأمرين المتقدمين.


(1) التهذيب 1: 461 ح 1503 الاستبصار 1: 217 ح 767، الوسائل 2: 869 أبواب الدفن ب 44 ح 1. (2) التهذيب 1: 461 ح 1504، وج 3: 201 ح 469، الاستبصار 1: 482 ح 1869، الوسائل 2: 869 أبواب الدفن ب 44 ح 2. (3) الوسائل 10: 298 أبواب المزار ب 26. (4) الوسائل 10: 270 أبواب المزار ب 7. (5) في " ح ": إلى قبورهم. (6) الفقيه 1: 121 ذ. ح 579.

[ 545 ]

ويمكن أن يراد به الصنم. وروى في الكافي عن السكوني عن الصادق عليه السلام قال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلا محوتها، ولاقبرا إلا سويته، ولا كلبا إلا قتلته " (1) وعن ابن القداح عنه عليه السلام ما يقرب منه (2). وهذه الرواية مقربة لرواية " حدد " بالحاء المهملة في رواية الأصبغ. وروى الشيخ عن جراح المدائني عنه عليه السلام، قال: " لا تبنوا على القبور، ولا تصوروا سقوف البيوت، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كره ذلك " (3). التاسع: يكره أن يطرح في القبر من غير ترابه، وادعى عليه الإجماع في التذكرة (4)، لرواية السكوني عن الصادق عليه السلام: " إن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يزاد على القبر تراب لم يخرج منه " (5). وأيضا عن السكوني عنه عليه السلام، قال: " لاتطينوا القبر من غير طينه ". وفي الفقيه، قال الصادق عليه السلام: " كل ما جعل على القبر من غير تراب القبر فهو ثقل على الميت " (6). وعن ابن الجنيد: أن ذلك وقت الدفن، ولا بأس به بعد ذلك (7). والظاهر أن الجص والآجر الذي يحتاج إليه في إحكام القبر بل التراب الذي


(1) الكافي 6: 528 ح 14، الوسائل 2: 869 أبواب الدفن ب 43 ح 2. (2) الكافي 6: 528 ح 11، المحاسن: 614 ح 35، الوسائل 2: 870 أبواب الدفن ب 44 ح 6. (3) التهذيب 1: 461 خ 1505، الوسائل 2: 870 أبواب الدفن ب 44 ح 3 (4) التذكرة 2: 96 مسألة 239. (5) الكافي 3: 202 ح 4، التهذيب 1: 460 ح 1500، الوسائل 2: 864 أبواب الدفن ب 36 ح 1. (6) الفقيه 1: 120 ح 576، الوسائل 2: 864 أبواب الدفن ب 36 ح 3. (7) حكاه عنه في الذكرى: 67.

[ 546 ]

يعمل فيه حينئذ مخرج عن المنع إن قلنا بعموم الروايات لها. وأما اللبن لنضد اللحد والقبر فلا إشكال فيه جزما. العاشر: يكره دفن ميتين في قبر واحد ابتداءا. ويظهر من جماعة من الأصحاب كراهته في الأزج المعد لدفن جماعة أيضا (1). ولم نقف لهم في الكراهة على مستند إلا ما نقله الشيخ في المبسوط مرسلا عنهم عليهم السلام: " لا يدفن في قبر واحد اثنان " (2) وهو كاف في المطلوب. وهذا مع عدم الاضطرار، وإلا فيجوز بلا كراهة كما نقل عنه صلى الله عليه وآله أنه قال للأنصار يوم احد: " احفروا وأوسعوا وعمقوا، واجعلو الاثنين و الثلاثة في القبر الواحد " (3). وأما إذا دفن ميت ثم اريد نبش قبره ودفن آخر فيه، ففي الكراهة والحرمة قولان، أصحهما الثاني، لاستلزامه النبش المحرم، وسبق حق الأول فهو غصب. نعم إن حفر القبر خطأ أو سهوا أو حصل الحفر من الغير ففي الحرمة حينئذ إشكال بالنسبة إلى الدليل الأول، فالقدر المحقق منه هو حرمة النبش لا مطلق وضعه في القبر حينئذ. وأما الدليل الثاني فالظاهر أنه لا خدشة فيه. ولا يقبل منع الاستحقاق والأولوية بحيث يمنع من ذلك. ويكره نقل الميت من بلد إلى آخر، لمنافاته التعجيل المأمور به. وفيه إشكال، لمنع


(1) كالشهيد الثاني في المسالك 1: 103، والأزج: بيت يبنى طولا، لاحظ لسان العرب 2: 208 مادة أزج. (2) المبسوط 1: 155. (3) سنن أبي داود 3: 214 ح 3215.

[ 547 ]

كون ترك المستحب مكروها، إلا على القول باستلزام الأمر الندبي النهي التنزيهي، والأولى الاعتماد على الإجماع، قال في المعتبر: إن عليه العلماء أجمع (1)، ونقل الإجماع الشهيد (2) وغيره (3) أيضا. واستثنوا من ذلك النقل إلى المشاهد المشرفة، بل قالوا باستحبابه، قال في المعتبر: عليه عمل الأصحاب من زمن الأئمة عليهم السلام إلى الآن، وهو مشهور بينهم لا يتناكرونه (4)، وكذلك قال غيره من علمائنا (5). ويدل عليه أيضا أنه يقصد به التمسك بمن له أهلية الشفاعة، وهو حسن عقلا. بل يظهر من الأصحاب أن فيه نصا، قال في الذكرى، قال المفيد في العزية: وقد جاء حديث يدل على رخصة في نقل الميت إلى بعض مشاهد آل الرسول صلى الله عليه وآله إن وصى الميت بذلك (6). ويدل عليه ما ورد: " أن من مات في عرفات فالأفضل نقله إلى الحرم " رواه الشيخ في التهذيب (7). وفي مجمع البيان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " لما مات يعقوب حمله يوسف في تابوت إلى أرض الشام، فدفنه في بيت المقدس " (8). ويقرب الاستدلال ما سيجئ في النقل بعد الدفن.


(1) المعتبر 1: 307. (2) الذكرى: 64. (3) كما في التذكرة 2: 102 مسألة 245، ونهاية الإحكام 2: 283، وجامع المقاصد 1: 450. (4) المعتبر 1: 307. (5) كالعلامة في التذكرة 1: 102 مسألة 245. (6) نقله عنه في الذكرى: 65. (7) التهذيب 5: 465 ح 1624، وص 478 ح 1694، الوسائل 9: 381 أبواب مقدمات الطواف ب 44 ح 2 و 3. (8) مجمع البيان 3: 266.

[ 548 ]

قال في التذكرة: ولأن موسى عليه السلام لما حضرته الوفاة سأل الله عزوجل أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية حجر، قال النبي صلى الله عليه وآله: " لو كنت ثمة لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر " (1). وقيد الشهيدان (2) وغيرهما (3) هذا الحكم بما لو لم يخف هتكه في النقل. اقول: وتحقيق الهتك لا يخلو عن إشكال، والظاهر أنهم أرادوا مثل تأذي الناس بريحه، وتلاشي جسده، وجريان الدم والصديد عنه، وتقطع أجزائه و اضمحلاله، وسقوطه من ظهر الدواب المحمول عليها فإن تلك الامور توجب مهانته وذله وظهور سوأته ونفرة الطباع منه، ومع علم الميت بهذه الامور ووصيته بذلك أو مع العلم من حاله أنه يرضى بذلك لأجل تحصيل هذه الفائدة العظمى فيشكل المنع لذلك. ويشاهد في الأحياء أنهم يرضون بمهانة جزئية إذا كانت محصلة لفائدة كلية عظيمة. نعم يمكن القول بأن إيذاء الناس من الرفقاء وأهل القافلة، سيما إذا كان الهواء حارا ولم يمكن التخلف عن جماعة المؤمنين، وحصل بذلك إيذاؤهم، بل ربما أوجب مرضهم، وقد ينجر إلى هلاكهم، فهذا مما يمكن أن يقيد به الجواز، وقد يصير التكليف ترك الوصية به أيضا، فلا بد أن يلاحظ ذلك، ويختلف باختلاف الحالات والأوقات. ثم قال في الذكرى: فلو كان هناك مقبرة بها قوم صالحون أو شهداء استحب الحمل والنقل إليها لتناله بركتهم وبركة زيارتهم، ولا بأس به (4)، هذا في


(1) التذكرة 2: 101، وانظر صحيح البخاري 2: 113. (2) الذكرى: 64، حاشية الإرشاد 1: 182. (3) كالمحقق الثاني في جامع المقاصد 1: 452. (4) الذكرى: 65.

[ 549 ]

غير الشهيد. وأما الشهيد فقال في الذكرى: فالأولى دفنه حيث قتل، لقوله صلى الله عليه وآله: " ادفنوا القتلى في مصارعهم " (1) و (2). ثم قال في الذكرى: ويستحب جمع الأقارب في مقبرة، لأن النبي صلى الله عليه وآله لما دفن عثمان بن مظعون قال: " ادفن إليه من مات من أهله " (3) ولأنه أسهل لزيارتهم، فيقدم الأب ثم من يليه في الفضل، والذكر على الانثى (4)، انتهى. هذا الكلام في النقل قبل الدفن. وأما بعد الدفن، فالمشهور عدم جوازه وإن كان إلى أحد المشاهد المشرفة، ونقل في التذكرة عن بعض علمائنا جوازه إليها (5)، وعن ابن الجنيد الجواز لصلاح يراد بالميت (6)، وعن ابن حمزة الكراهة (7). وقال الشيخ في النهاية بعد منعه عن النقل: وقد وردت رواية بجواز نقله إلى بعض مشاهد الأئمة عليهم السلام، سمعناها مذاكرة، والأصل ما ذكرناه (8). ومثله قال في المصباح، ولكنه جعل فيه عدم النقل أفضل (9). ومال إلى الجواز جماعة من المتأخرين مثل المحقق الشيخ علي (10)، والشهيد


(1) الذكرى: 65. (2) دعائم الإسلام 1: 238، سنن ابن ماجة 1: 486 ح 1516، سنن الترمذي 2: 131 باختلاف. (3) سنن أبي داود 3: 212 ح 3206، سنن البيهقي 3: 412. (4) الذكرى: 65. (5) التذكرة 2: 102 مسألة: 245. (6) نقله عنه في المختلف 2: 324. (7) الوسيلة: 69. (8) النهاية: 44. (9) مصباح المتهجد: 22. (10) جامع المقاصد 1: 451.

[ 550 ]

الثاني (1)، وصاحب المدارك (2). دليل المانع: لزوم البدعة، والنبش، والهتك. والاستدلال الأول من ابن إدريس (3)، وهو لا يصح إلا في النقل إلى المشاهد بقصد الفضل لا مطلقا، وهو صحيح لو لم يقم عليه دليل، وسنذكر ما يشير إلى الجواز. وأما النبش فالدليل على حرمته ليس إلا الإجماع، وهو فيما نحن فيه ممنوع، لعدم العلم به فيما نحن فيه، والإجماع في الجملة لا ينفع إلا فيما حصل القطع به، وهو فيما نحن فيه ممنوع. والاعتماد على لفظ الإجماع المنقول إن جعل من باب الخبر العام وقيل بأصالة عدم التخصيص ; فهو بعد نقل الخلافات في المسألة من القدماء والمتأخرين مشكل، سيما مع أن الظاهر من بعضهم الإجماع في الجملة. وصرح به في روض الجنان، قال: وهو في الجملة إجماعي (4). وإن يجعل من باب الخبر العام واعتمدنا على ما حصل العلم به من مراد مدعي الإجماع فلا دلالة فيه. وأما الهتك فقد عرفت الحال فيه والإجمال (5) والإشكال وأما ما يدل على الجواز فهو الأصل، والتمسك بمن له أهلية الشفاعة، فإن العقل يحكم بجوازه، والعلة المستفادة من الأخبار الدالة على حسن مجاورتهم والدفن في جوارهم، وما دل على جواز النقل إليهم قبل الدفن (6)، وما روي عن الصادق


(1) روض الجنان: 320. (2) المدارك 2: 154. (3) السرائر 1: 170. (4) روض الجنان: 320. (5) في " ص "، " ح ": والإجماع. (6) مصباح المتهجد: 21.

[ 551 ]

عليه السلام من أن موسى على نبينا وآله وعليه السلام نقل عظام يوسف إلى الشام و كان في شاطئ النيل في صندوق مرمر (1)، ولذلك يحمل أهل الكتاب موتاهم إلى أرض الشام، بناءا على أن نقل حكايات السلف عن الأئمة عليهم السلام شاهد على حسنه، كحكاية حديث أن ذكري حسن على كل حال عن موسى عليه السلام في حال التخلي، رواه الصدوق في الفقيه والعيون والعلل والخصال (2)، ورواه في الكافي أيضا عن أبي جعفر عليه السلام (3). ثم إن هذه الأمور إن لم يستقل كل واحد منها في الدلالة، فلاريب أن اجتماعها كاف، سيما مع عدم وضوح دليل التحريم، سيما إذا أوصى الميت بذلك أو علم من حاله الرضا بذلك، وسيما إذا لم يلزم منه هتك وإيذاء أصلا، والعلم عند الله. ثم إن هذا الكلام في الدفن الحقيقي، وأما ما تعارف من وضعه في مكان مع تابوت وإن كان تحت الأرض عارية لينقل إلى بعض المشاهد، فالأمر فيه أسهل وأوضح. تنبيه: ادعى جماعة من العلماء الإجماع على حرمة النبش (4)، واستثنوا من ذلك مواضع: منها: ما إذا بلي الميت وصار رميما، فيجوز نبشه لدفن غيره في الوقف والمباح إذا أريد دفن غيره فيه أو في الملك لمصلحة المالك، ويختلف ذلك باختلاف الترب


(1) الكافي 8: 155 ح 144، الفقيه 1: 123 ح 594، العلل: 296 ح 1، العيون 1: 203 ح 18، الخصال: 205 ح 21. (2) الفقيه 1: 20 ح 58، العيون 1: 127 ح 22 وج 2: 46 ح 175، العلل: 81 ح 2، الخصال 2: 360 ح 7. (3) الكافي 2: 361 ح 8، الوسائل 1: 219 أبواب أحكام الخلوة ب 7 ح 1، وج 4: 1177 أبواب الذكر ب 1 ح 2. (4) انظر الذكرى: 76.

[ 552 ]

والأهوية (1)، ومع الشك يرجع إلى أهل الخبرة. قال في الذكرى: فلو ظنه فظهر بقاؤه وجبت إعادته على ما كان عليه (2)، وهذا يدل على حرمة الدفن فيه. وقال في روض الجنان: فلو نبش على وجه يجوز فوجد فيه عظاما دفنها وجوبا (3)، وهذا لا يدل على حرمته. والظاهر أن مراد الذكرى ما لو كان الميت باقيا على حاله بحيث يصدق عليه الميت، ومراد روض الجنان ما لو بقي فيه عظام متشتتة، فيكفي فيه دفنها ثانيا وإن لم يمنع من دفن الميت معه، وهذا أظهر. ومنها: ما لو دفن في أرض غصبا، ولم يجز المالك، ومثله المشترك بغير إذن الشريك، فيجوز لهما قلعه وإن كان الأفضل لهما إبقاؤه. قال في روض الجنان: ولو دفن بإذن المالك فله الرجوع قبل الطم لابعده (4). ومنها: إذا كفن في المغصوب فيجوز إخراجه لرد مال الغير، ولا يجب على المالك أخذ القيمة، وإن استحب. وأما كفن الحرير، فقيل: هو كالمغصوب (5)، والحكم بالنبش لنزعه مشكل، لكون حق الله أوسع من حق الآدمي. ومنها: نبشه للشهادة على عينه وإثبات ما يترتب على موته من تقسيم تركته، واعتداد زوجته، وحلول ديونه إذا أمكنت معرفته. ولو علم تغير صورته بحيث لايعرف فلا يجوز. ومنها: إذا وقع في القبر ماله قيمة، ولا يجب على المالك قبول قيمته.


(1) الأهوية: جمع الهواء (المصباح المنير: 643). (2) الذكرى: 76. (3) و (4) روض الجنان: 320. (5) كشف اللثام 1: 140

[ 553 ]

ومنها: نبشه لاستدراك الغسل أو التكفين، أو الصلاة، وفيها خلاف، وعن الشيخ القطع بعدم النبش (1)، وتبعه غيره (2)، وقيل به لتوقف الواجب المطلق عليه (3). والأظهر الأول، للأصل، وحرمة الهتك، والمثلة، والوجوب حينئذ ممنوع، فلاتجب مقدمته. والاستصحاب ممنوع، لعدم ثبوت الموضوع القابل للانسحاب إلى هذا الحين، فلا يرد أن الاستصحاب لا يتحقق إلا مع إجمال الحكم وإجماله بالنسبة إلى الآن مشكوك فيه، فلا معنى للأصل، فإذا ثبت الوجوب قبل الدفن فيستصحب ما بعده، وذلك لأن الموضوع القابل للانسحاب في الأحكام الشرعية هو ما ثبت مع انفهام الإطلاق في الحكم، فإذا كان الأمر مرددا بين مطلق ثبوت الحكم أو ثبوت الحكم مطلقا فلم يعلم كون الحكم مطلقا حتى يقبل الانسحاب، بل ربما كان مقيدا إلى حين الدفن. وأصالة عدم القيد لا معنى لها، لأن الإطلاق أيضا قيد، والحكم المطلق والحكم المقيد كلاهما فردان لمطلق الحكم، والأصل بالنسبة إليهما متساو، فلا معنى لأصل عدم أحدهما دون الآخر، وهذا المقام حققناه في القوانين في مباحث الاستصحاب، ونبهناك عليه هنا تجديدا للعهد وتثبيطا عن الغفلة. وأما لو بيعت الأرض بعد الدفن ففي جواز النبش ترجيحا لحق المشتري وعدمه لحرمة الميت وثبوت حق له وجهان، والأظهر عدمه، وفاقا لجماعة من الأصحاب (4).


(1) الخلاف 1: 730 مسألة 560. (2) كالمحقق في المعتبر 1: 309، والشهيد الثاني في المسالك 1: 104. (3) الذكرى: 76، والمدارك 2: 154. (4) كالعلامة في المنتهى 1: 464.

[ 554 ]

المقصد السادس في اللواحق وفيه مباحث: الأول: لو مات ولد الحامل في بطنها وهي حية، وعسر إخراجه قطع واخرج، ادعى عليه الشيخ الإجماع (1). وتدل عليه رواية وهب بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " قال أمير المؤمنين: إذا ماتت المرأة وفي بطنها ولد يتحرك يشق بطنها ويخرج الولد " وقال في المرأة يموت في بطنها الولد فيتخوف عليها، قال: " لا بأس أن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه، إذا لم ترفق به النساء " (2). وقال في المعتبر، بعد تضعيفه للرواية: إن الوجه أنه إن أمكن الإسقاط صحيحا بشئ من العلاجات، وإلا توصل إلى إخراجه بالأرفق فالأرفق، وتتولاه النساء، وإن تعذر فالمحارم من الرجال، وإن تعذر فغيرهم ; دفعا عن نفس الحي (3)، وما ذكره لا ينافي الرواية، ولاريب في تقديم ما ذكر.


(1) الخلاف 1: 730. (2) الكافي 3: 206 ح 2، التهذيب 1: 344 ح 1008، الوسائل 2: 673 أبواب الاحتضار ب 46 ح 3. (3) المعتبر 1: 316.

[ 555 ]

وأما إذا ماتت الام وبقي الولد حيا، فيشق بطن الميتة، ويخرج الولد، لحفظ نفس الحي، وللأخبار المستفيضة، منها الرواية المتقدمة، ومنها حسنة ابن أبي عمير في الكافي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام: في المرأة تموت ويتحرك الولد في بطنها أتشق ويخرج الولد ؟ قال، فقال: " نعم ويخاط بطنها " (1) ومنها موثقة علي بن يقطين (2). وقيده الصدوق (3) والشيخان (4) وأتباعهما (5) بالجانب الأيسر، وأسنده في التذكرة إلى علمائنا (6)، ولا بأس به، وإن خلت الأخبار عنه. وأما استشكال المحقق في لزوم الخياطة " من جهة أن ذلك رواية ابن أبي عمير عن ابن اذينة موقوفة عليه، ولا يكون حجة، ولا ضرورة إليه، لأن مصيرها إلى البلاء " (7) فهو مع أنه ضعيف في نفسه لكفاية موقوفة أمثال هذين الجليلين ; مبني على غفلته عما رواه الكليني في الباب الآتي بعد هذا الباب بسبع ورقات تخمينا، وكأن نظره كان مقصورا على التهذيب. والعجب ممن تأخر عنه من المحققين كالشهيد (8) والمحقق الثاني (9) وصاحب المدارك (10) وغيرهم (11) حيث


(1) الكافي 3: 206 ح 1، الوسائل 2: 673 أبواب الاحتضار ب 46 ح 1. (2) التهذيب 1: 343 ح 1004، الوسائل 2: 674 أبواب الاحتضار ب 46 ح 6. (3) الفقيه 1: 97 (4) المقنعة: 87، المبسوط 1: 180، النهاية: 42. (5) السرائر 1: 169، الجامع للشرائع: 49، الشرائع 1: 44، المختصر النافع: 150، التحرير 1: 20، المنتهى 1: 435، نهاية الإحكام 2: 281. (6) التذكرة 2: 113. (7) المعتبر 1: 316. (8) انظر الذكرى: 43. (9) انظر جامع المقاصد 1: 455. (10) انظر المدارك 2: 158. (11) انظر المسالك 1: 105.

[ 556 ]

لم يطلعوا عليه. ثم إنهم أطلقوا ولم يشترطوا كون الولد مما يعيش عادة، لإطلاق النص. نعم يشترط العلم بالحياة هنا كما يشترط العلم بالموت في المسألة السابقة. وينبغي ان يقيد الشق بما لم يمكن للقوابل إخراجه حيا، ثم للرجال المحارم، ثم غيرهم. الثاني: لا يجوز شق الثوب على غير الأب والأخ، وأما الأب والأخ فيجوزه الأكثرون (1)، وخالف فيه ابن إدريس (2). اما الدليل على الحرمة فهو إضاعة المال، وفيه إشكال. أو إنه إظهار السخط على قضاء الله، وهو أيضا مطلقا ممنوع، لأنه قد يكون لا لذلك. ولعله إجماعي والدليل هو ذلك. وما في رواية الصيقل: " لا ينبغي الصياح على الميت ولاشق الثياب " (3) غير ناهض على المطلوب. وفي الذكرى عن النبي صلى الله عليه وآله النهي عن خمش الوجوه وشق الجيوب (4)، وقد تكرر في الأخبار العامية أيضا. وأما الاستثناء، فدليله ما استفيض في الأخبار من فعل أبي محمد الحسن عليه السلام على أبيه الهادي عليه السلام (5)، وفي بعضها تعليل بأن موسى شق ثوبه


(1) كالعلامة في نهاية الإحكام 2: 290 والشهيد في الذكرى: 72، والبيان: 81، والكركي في جامع المقاصد 1: 454، والسيد في المدارك 2: 155. (2) السرائر 1: 172. (3) الكافي 3: 225 ح 8، الوسائل 2: 916 أبواب الدفن ب 84 ح 2 وفيهما: عن امرأة الحسن الصيقل وهو الصحيح راجع معجم رجال الحديث 23: 181، وج 5: 164. (4) الذكرى: 72. (5) الوسائل 2: 916 أبواب الدفن ب 84 ح 4، 5، 7.

[ 557 ]

على هارون، ولما نقل من فعل الفاطميات على الحسين عليه السلام (1) فقام الدليل عليهما معا، هذا الكلام في الرجال. أما المرأة فقد اختلفوا فيه، وقال العلامة في النهاية بجوازه لها (2)، وفي رواية خالد بن سدير دلالة على جوازه لها على زوجها (3)، ومال إليه في الذكرى (4). وأما اللطم والخدش وجز الشعر فنقل في الذكرى (5) الإجماع على حرمتها عن المبسوط (6)، لما فيها من السخط من قضاء الله، ولرواية خالد بن سدير عن الصادق عليه السلام: " لا شئ في لطم الخدود سوى الاستغفار والتوبة " (7). وأما النياحة فتجوز إذا كانت بكلام حسن وصدق وتعداد الفضائل الموجودة فيه نظما ونثرا، كما نقل عن فعل فاطمة عليها السلام على أبيها (8)، وفعل ام سلمة عنده صلى الله عليه وآله لابن عمها وليد بن المغيرة (9). والأخبار كثيرة في جوازها وحليتها وحلية أجر النائحة (10)، وحكاية نياحة أهل المدينة على حمزة سيد الشهداء طلبا لرضا رسول الله صلى الله عليه وآله معروفة، وفي الأخبار مذكورة (11). وكذلك ما روي من وصية الباقر عليه السلام أن يندب عليه في الموسم عشر


(1) التهذيب 8: 325 ح 1207، الوسائل 15: 583 أبواب الكفارات ب 31 ح 1. (2) نهاية الإحكام 2: 290 (3) التهذيب 8: 325 ح 1207. (4) و (5) الذكرى: 72. المبسوط 1: 189. (7) التهذيب 8: 325 ح 1207. (8) الخصال: 272 ح 15، والمغني لابن قدامة 2: 411. (9) الكافي 5: 117 ح 2، التهذيب 6: 358 ح 1027، الوسائل 12: 88 أبواب ما يكتسب به ب 17 ح 2. (10) الوسائل 12: 88 أبواب ما يكتسب به ب 17. (11) الفقيه 1: 116 ح 553.

[ 558 ]

سنين، وأمره عليه السلام بوقف شئ من ماله لنوادبه (1). وما ورد في الأخبار من المنع (2) فهو محمول على النوح بالباطل، وكذلك التحريم في كلام الشيخ حيث ادعى الإجماع على حرمته (3). وأما البكاء فهو جائز إجماعا قبل خروج الروح وبعده، قاله في الذكرى (4)، والأخبار بجوازه من الطرفين موجودة، سيما ما دل على فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله، وخصوصا ما نقل في حكاية حمزة. قال الصدوق: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من واقعة احد إلى المدينة سمع من كل دار قتل من أهلها قتيل نوحا وبكاءا، ولم يسمع من دار حمزة عمه، فقال صلى الله عليه وآله: " لكن حمزة لابواكي له " فآلى أهل المدينة أن لا ينوحوا على ميت ولا يبكوه حتى يبتدؤا بحمزة فينوحوا عليه ويبكوه، فهم إلى اليوم على ذلك (5). ويستحب الاسترجاع لمن نزلت به مصيبة، وفيه فضل عظيم، كما ورد في الأخبار (6)، وكفاك الكتاب العزيز (7). الثالث: في التعزية. تستحب التعزية بإجماع العلماء، ودلالة الأخبار المستفيضة جدا (8)، وفيها


(1) الكافي 5: 117 ح 1، التهذيب 6: 358 ح 1025، الوسائل 12: 88 أبواب ما يكتسب به ب 17 ح 1. (2) الوسائل 12: 88 أبواب ما يكتسب به ب 17. (3) المبسوط 1: 189. (4) الذكرى: 70. (5) الفقيه 1: 116 ح 553. (6) الوسائل 2: 897 أبواب الدفن ب 74. (7) البقرة: 156. (8) الوسائل 2: 873 أبواب الدفن ب 48.

[ 559 ]

فضل عظيم وثواب جسيم، وهو طلب التسلي من المصاب بإسناد الأمر إلى الله تعالى وعدله وحكمته، وذكر ما وعد الله الصابرين من الأجر والدعاء للميت. وتجوز قبل الدفن وبعده، لصحيحة هشام بن الحكم (1)، وتتأكد بعد الدفن، وهي أفضل مما قبله، لحسنة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام، قال: " التعزية لأهل المصيبة بعد ما يدفن " (2). ورواية محمد بن خالد، عن بعض أصحابه، عنه عليه السلام، قال: " التعزية الواجبة بعد الدفن " (3) وهي محمولة على التأكيد. وتستحب تعزية جميع أهل الميت، ويتأكد في النساء، سيما الثكلى، إلا أن يخاف الفتنة في الشابة. وقال الصدوق: إن كان المعزى يتيما مسح يده على رأسه، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله: " من مسح يده على رأس يتيم ترحما له كتب الله له بعدد كل شعرة مرت عليها حسنة ". قال: وإن وجد باكيا سكت بلطف، فعن العالم عليه السلام: " إذا بكى اليتيم اهتز له العرش، فيقول الله تبارك وتعالى: من هذا الذي أبكى عبدي الذي سلبته أبويه في صغره، فوعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا يسكته عبد مؤمن إلا وجبت له الجنة " (4). وأقل التعزية أن يراه صاحب المصيبة، قال في الفقيه: وقال - يعني الصادق عليه السلام - " كفاك من التعزية بأن يراك صاحب المصيبة " (5).


(1) الكافي 3: 205 ح 9، الفقيه 1: 110 ح 503، الوسائل 2: 873 أبواب الدفن ب 47 ح 1. (2) الكافي 3: 204 ح 2، التهذيب 1: 463 ح 1512، الاستبصار 1: 217 ح 770، الوسائل 2: 873 أبواب الدفن ب 48 ح 1. (3) الكافي 3: 204 ح 4، الوسائل 2: 873 أبواب الدفن ب 48 ح 3. (4) الفقيه 1: 119 ح 573، الوسائل 2: 927 أبواب الدفن ب 91 ح 5. (5) الفقيه 1: 110 ح 505، الوسائل 2: 874 أبواب الدفن ب 48 ح 4.

[ 560 ]

وعن الشيخ في المبسوط: أنه يكره الجلوس للتعزية يومين وثلاثة إجماعا (1). ومنعه ابن إدريس، وقال: أي كراهة في جلوس الإنسان في داره للقاء إخوانه والتسليم عليهم واستجلاب الثواب لهم في لقائه وعزائه (2). والحق أنه يرجع ذلك إلى النيات، فيكره إن كان للجزع والشكوى هذا. لكن في الكافي روايات تدل على جوازه ثلاثة أيام، منها حسنة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام، قال: " يصنع لأهل الميت مأتما ثلاثة أيام من يوم مات (3). وفي الذكرى، عن أبي الصلاح أنه قال: من السنة تعزية أهله ثلاثة أيام، وحمل الطعام إليهم (4)، ومال هو إليه ; لإشعار تلك الأخبار به (5). فالأظهر جواز الجلوس ثلاثة أيام بلا كراهة. وفي الأخبار دلالة على استحباب إطعام أهل الميت (6)، وادعى الإجماع عليه في الذكرى (7)، وكذلك في المنتهى (8). ويستحب ذلك ثلاثة أيام، للأخبار، منها حسنة حفص بن البختري وهشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " لما قتل جعفر بن أبي طالب عليه السلام أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام أن تتخذ طعاما لأسماء بنت عميس ثلاثة أيام، وتأتيها ونساؤها تقيم عندها ثلاثة أيام، فجرت بذلك السنة


(1) المبسوط 1: 189. (2) السرائر 1: 173. (3) الفقيه 1: 116 ح 545. (4) الكافي في الفقه: 240. (5) الذكرى: 70. (6) الوسائل 2: 888 أبواب الدفن ب 67. (7) الذكرى: 70. (8) المنتهى 1: 465.

[ 561 ]

أن يصنع لأهل الميت طعاما ثلاثة أيام " (1). ورواية أبي بصير عنه عليه السلام، قال: " ينبغي لجيران صاحب المصيبة أن يطعموا الطعام عنه ثلاثة أيام " (2) وغيرها (3). ويكره الأكل عندهم، لما رواه الصدوق عن الصادق عليه السلام، قال: " الأكل عند أهل المصيبة من عمل أهل الجاهلية، والسنة البعث إليهم بالطعام كما أمر به النبي صلى الله عليه وآله في آل جعفر بن أبي طالب لما جاء نعيه " (4). والظاهر أن المكروه هو الأكل عندهم إذا صار الأكل سببا للمشقة عليهم، لأنهم مشغولون بالمصيبة، وقلوبهم منكسرة، فلذلك جعلت السنة بعث الطعام إليهم، وإلا فلو دعوا أهل الطعام إلى الأكل معهم أو صار ذلك سببا لانسهم وتسليتهم، أو كان ذلك إعانة في أكل أهل المصيبة أو نحو ذلك، مثل أن يكون الطعام كثيرا ولا يمكن صرفه إلا بأكل الغير عندهم، فالظاهر عدم الكراهة. وأما كراهة الإطعام لأهل المصيبة، فلا دليل عليه، مع أنهم قد يضطرون إلى ذلك لورود الناس عليهم من البعيد، وانحصار الأمر في ذلك، بل وتستحب وصية الإنسان ببعض ماله للمأتم كما رواه في الكافي من فعل أبي جعفر عليه السلام (5). قال في الذكرى: ولو أنه فوض إلى غير أهله كان أنسب، لاشتغالهم بمصابهم


(1) الكافي 3: 217 ح 1، الفقيه 1: 116 ح 549، المحاسن: 419 ح 191، الوسائل 2: 888 أبواب الدفن ب 67 ح 1. (2) الكافي 3: 217 ح 3، الفقيه 1: 110 ح 509، المحاسن: 419 ح 189، الوسائل 2: 889 أبواب الدفن ب 67 ح 5. (3) الوسائل 2: 888 أبواب الدفن ب 67. (4) الفقيه 1: 116 ح 548، الوسائل 2: 889 أبواب الدفن ب 67 ح 6. (5) الكافي 3: 217 ح 4، الفقيه 1: 116 ح 546، الوسائل 2: 890 أبواب الدفن ب 68 ح 1.

[ 562 ]

عن ذلك كما دل عليه الخبر (1). الرابع: في زيارة أهل القبور، وهي مستحبة للرجال، إجماعا نقله في المنتهى (2)، وفي الذكرى (3). وكفى بها فضلا أنها مذكرة للموت، ومميلة إلى دار القرار، ومنغصة للذات الفانية الموبقة للنفس. والأخبار بها من الطرفين مستفيضة، وفيها أنهم يعلمون بكم ويفرحون بكم و يستأنسون إليكم (4). وتتأكد في السبت والاثنين والخميس. وما ورد في الأخبار من فعل فاطمة عليها السلام (5) يدل على جوازها للنساء أيضا. وكرهها لهن في المعتبر ; لمنافاتها الستر والصيانة (6). قال في الذكرى (7): وهو حسن إلا مع الأمن والصون، لفعل فاطمة عليها السلام قال: ولو كانت زيارتهن مؤدية إلى الجزع والسخط بقضاء الله لضعفهن عن الصبر منعن عنها، وعليه يحمل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: " لعن الله زوارات القبور " (8). ويستحب أن يقول في التسليم على أهل القبور ما ورد في حسنة عبد الله


(1) الذكرى: 70. (2) المنتهى 1: 467. (3) الذكرى: 72. (4) و (5) الوسائل 2: 877 أبواب الدفن ب 54. (6) المعتبر 1: 339. (7) الذكرى: 73. (8) سنن الترمذي 2: 259 ح 1061.

[ 563 ]

ابن سنان: " السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا فرط، ونحن إن شاء الله بكم لاحقون " (1). أو يقول ما رواه جراح المدائني: " السلام على أهل الديار من المسلمين و المؤمنين، رحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون " (2). وفي الكافي عن محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " زوروا موتاكم فإنهم يفرحون بزيارتكم، وليطلب أحدكم حاجته عند قبر أبيه، وعند قبر امه بما يدعو لهما " (3). وروى ورام بن أبي فراس في كتابه قال، قال علي عليه السلام: " إذا قرأ المؤمن آية الكرسي وجعل ثواب قراءته لأهل القبور جعل الله له من كل حرف ملكا يسبح له إلى يوم القيامة " (4). وروى في الذكرى أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: " من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ، وكان له بعدد ما فيها حسنات " (5). وفيه: قال الفاضل: أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات التي تدخلها النيابة فإجماع (6). والأخبار الدالة على أنه يلحق بالميت كل ما يفعل له من صدقة أو صلاة أو صوم أو حج أو دعاء أو بر في غاية الكثرة، وأنها يكتب أجرها للذي فعل وللميت. الخامس: قالوا يكره المشي على القبور والاستناد عليها، وادعى في التذكرة


(1) الكافي 3: 229 ح 5، الوسائل 2: 879 أبواب الدفن ب 56 ح 1. (2) الكافي 3: 229 ح 8، الفقيه 1: 114 ح 533، الوسائل 2: 880 أبواب الدفن ب 56 ح 3. (3) الكافي 3: 229 ح 10، الوسائل 2: 878 أبواب الدفن ب 54 ح 5. (4) الوسائل 2: 862 أبواب الدفن ب 34 ح 4، البحار 82: 64 ح 7. (5) و (6) الذكرى: 73.

[ 564 ]

الإجماع عليه (1)، وقال في المعتبر: وبه قال العلماء (2). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله: " لأن يجلس أحدكم على جمر فتحرق ثيابه وتصل النار إلى بدنه أحب إلي من أن يجلس على قبر " (3) والمراد به المبالغة في الزجر. وقد مرت رواية علي بن جعفر عن الكاظم عليه السلام من أنه لا يصلح الجلوس على القبر (4). إلا أن الصدوق روى في الفقيه عن الكاظم عليه السلام: " إذا دخلت المقابر فطأ القبور، فمن كان مؤمنا استروح، ومن كان منافقا وجد ألمه " (5). وربما حمل على من يدخلها لأجل الزيارة، فيكون كناية عن طلب كثرة التردد إليها لأجل الزيارة، وعدم الاقتصار على زيارتها إجمالا. وربما حمل الإجماع الذي ادعاه العلامة على المشي استخفافا، مع أن الخبرين أيضا لم يدلا إلا على الجلوس. السادس: لا يجوز أن يدفن في مقبرة المسلمين كافر، وادعى عليه في الذكرى إجماع العلماء، وعلله بأن لا يتأذى المسلمون بعذابهم (6)، وقد سبق استثناء الحامل من مسلم. وأما دفنه مطلقا، فظاهر الأصحاب عدم جوازه كالغسل والتكفين، وإن كان ذا


(1) التذكرة 2: 107. (2) المعتبر 1: 305. (3) سنن ابن ماجة 1: 499 ح 1567، سنن البيهقي 4: 79 كتاب الجنائز، بتفاوت. (4) التهذيب 1: 461 ح 1503، الاستبصار 1: 217 ح 767، الوسائل 2: 869 أبواب الدفن ب 44 ح 1. (5) الفقيه 1: 115 ح 539، الوسائل 2: 885 أبواب الدفن ب 62 ح 1. (6) الذكرى: 70.

[ 565 ]

قرابة منه حتى أباه، كما في رواية عمار (1)، لقوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) (2) وقوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) (3). وعن السيد - رحمه الله - في شرح الرسالة جواز مواراته إذا لم يكن له من يواريه (4)، ودليله غير واضح. السابع: قال في المنتهى: روى الشيخ أنه يستحب أن يوضع عند الجريدة مع الميت كتاب يقول قبل أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم: " أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة حق آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ". ثم يكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم: شهد الشهود المسمون في هذا الكتاب أن أخاهم في الله عزوجل فلان بن فلان - ويذكر اسم الرجل واسم أبيه - أشهدهم و استودعهم وأقر عندهم أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه مقر بجميع الأنبياء والرسل عليهم السلام، وأن عليا ولي الله وإمامه، وأن الأئمة من ولده أئمته، وأن أولهم الحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة القائم عليهم السلام، وأن الجنة حق، وأن النار حق، والساعة آتية لاريب فيها، وأن الله


(1) الكافي 3: 159 ح 12، الفقيه 1: 95 ح 437، التهذيب 1: 336 ح 982، الوسائل 2: 703 أبواب غسل الميت ب 18 ح 1. (2) التوبة: 84. (3) المائدة: 51. (4) نقله عنه في المعتبر 1: 328.

[ 566 ]

يبعث من في القبور، وأن محمدا رسوله جاء بالحق، وأن عليا ولي الله والخليفة من بعد رسول الله، ومستخلفه في امته، مؤديا لأمر ربه تبارك وتعالى، وأن فاطمة بنت رسول الله، وابنيها الحسن والحسين ابنا رسول الله وسبطاه، وإماما الهدى، وقائدا الرحمة، وأن عليا ومحمدا وجعفرا وموسى وعليا ومحمدا وعليا و حسنا والحجة عليهم السلام أئمة وقادة ودعاة إلى الله عزوجل، وحجة على عباده. ثم يقول للشهود: " يا فلان بن فلان ويا فلان ويا فلان المسمين في هذا الكتاب اثبتوا لي هذه الشهادة عندكم حتى تلقوني بها عند الحوض ". ثم يقول الشهود: " يا فلان نستودعك الله ; الشهادة والإقرار والإخاء موعودة عند الله، وعند رسول الله صلى الله عليه وآله، ونقرأ عليك السلام ورحمة الله و بركاته ". ثم تطوى الصحيفة، وتطبع وتختم بخاتم الشهود وخاتم الميت، وتوضع عن يمين الميت مع الجريدة، وتثبت الصحيفة بكافور وعود على جبهته غير مطيب " (1). ولم يكن عندي نسخة صحيحة، وإنما نقلتها عن كتاب نقل فيه عن المنتهى مغلوط جدا مع ملاحظة نسخة من مصباح الشيخ لا تخلو من غلط أيضا، ولعل الاستحباب يحصل بدون الطبع والختم بخاتم الميت والشهود والكتابة بالعود و الكافور أيضا، وأن الكتابة بالتربة المقدسة تكون أحسن. ويمكن أن يستشعر حسن أصل الاستشهاد من صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة في المبحث الخامس من مباحث صلاة الميت (2)، ويستفاد ما ذكرنا من المحقق الأردبيلي رحمه الله أيضا (3).


(1) مصباح المتهجد: 15، 16. (2) ص 493. (3) مجمع الفائدة 1: 197.

[ 567 ]

فمع ملاحظة تلك الصحيحة ينبغي أن يكتب الشهود: " اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا " ثم يكتبون اسمهم ويختمون بخاتمهم، ختم الله امورنا بالحسنى، وجعل آخرتنا خيرا من الأولى، وجعلنا خيرا مما يظن العالمون، وغفر لنا ما لا يعلمون. صورة خط المصنف رحمه الله، وقد فرغ من ذلك مؤلفه الفقير إلى الله الدائم ابن الحسن الجيلاني أبو القاسم، عفا عنهما الخطايا والجرائم، في بلد المؤمنين قم، عصر يوم الأربعاء السابع وعشرين من شهر ذي قعدة الحرام من شهور عام ألف ومائتين وست عشرة هجرة خير الأنام عليه أكمل التحية والإكرام، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية