الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




غنائم الأيام - الميرزا القمي ج 4

غنائم الأيام

الميرزا القمي ج 4


[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم غنائم الأيام

[ 3 ]

غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام للفقيه المحقق الميرزا أبو القاسم القمي (1152 - 1231 ه‍) الجزء الرابع كتاب الزكاة والخمس تحقيق مكتب الإعلام الإسلامي - فرع خراسان

[ 4 ]

المؤلف: الميرزا أبو القاسم القمي التحقيق: مكتب الإعلام الإسلامي - فرع خراسان. المحقق: عباس تبريزيان الناشر: مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي المطبعة: مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي الطبعة الاولى / 1420 ق 1378 ش

[ 21 ]

كتاب الزكاة وفيه مقدمة وبابان:

[ 23 ]

أما المقدمة فالزكاة في اللغة: الطهارة، والزيادة، والنمو (1). وفي الشرع: اسم لحق يجب في المال يعتبر في وجوبه النصاب، هكذا في المعتبر (2)، والكلام في تصحيح عكسه وطرده غير مهم. وهي قسمان: زكاة المال، وزكاة الفطرة. والمشهور أنه ليس في المال حق واجب غيرهما وغير الخمس (3). وذهب الشيخ في الخلاف إلى وجوب ما يخرج يوم الحصاد من الضغث بعد الضغث، ويوم الجذاذ من الحفنة بعد الحفنة، واحتج عليه بإجماع الفرقة وأخبارهم، وبقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (4) و (5). لنا: الأصل، وعدم الدليل على الوجوب. وما ادعاه من الإجماع غير معلوم، وما يستفاد من فتاوى علمائنا ليس إلا القدر الراجح


(1) النهاية لابن الأثير 2: 307، المصباح المنير 1: 254. (2) المعتبر 2: 485. (3) انظر التذكرة 5: 11، والمدارك 5: 12، والحدائق 12: 15. (4) الأنعام: 141. (5) الخلاف 2: 5 مسألة 1

[ 24 ]

أو صريح الاستحباب. وأما الأخبار ; فهي مع كثرتها لادلالة فيها على الوجوب، كما لا يخفى على من لاحظها (1)، فهي محمولة على الاستحباب، كما تدل عليه رواية معاوية بن شريح، عن الصادق عليه السلام: " في الزرع حقان، حق تؤخذ به، وحق تعطيه، أما الذي تؤخذ به فالعشر ونصف العشر، وأما الذي تعطيه فقول الله عزوجل: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * يعني: من حضرك الشئ بعد الشئ " ولا أعلمه إلا قال: " الضغث بعد الضغث حتى تفرغ " (2). وحسنة زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير أيضا ظاهرة في ذلك (3). وأما الآية ; فقد اجيب عنها بأن المراد منها الزكاة، فإن الظاهر من قوله: * (وآتوا حقه) * إيجاب ما علم ثبوته، لاإيجاب شئ بهذا اللفظ. ويخدشه * (يوم حصاده) *، فيحتاج إلى تأويل الإيتاء بالعزم عليه حينئذ والاهتمام به، وهو ليس بأولى من إخراج الإضافة عن ظاهرها الذي هو العهد، سيما مع قوله تعالى: * (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) * (4). فإن الإسراف لا معنى له في المقدر الذي هو الزكاة كما وردت الرواية بذلك، وأشار إليه السيد في الانتصار (5). وتشير إليه صحيحة البزنطي أيضا، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن قول الله عزوجل: * (وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا) * قال: " كان أبي يقول: من الإسراف في الحصاد والجذاذ أن يصدق الرجل بكفيه جميعا، وكان أبي إذا حضر شيئا من هذا، فرأى أحدا


(1) لاحظ الوسائل 6: 134 أبواب زكاة الغوت ب 13. (2) الكافي 3: 564 ح 1، الوسائل 6: 134 أبواب زكاة الغوت ب 13 ح 2، وفيهما: حتى يفرغ. ومعاوية بن شريح لم يثبت توثيقه (انظر معجم رجال الحديث رقم 12448). (3) الكافي 3: 565 ح 2، التهذيب 4: 106 ح 303، الوسائل 6: 134 أبواب زكاة الغوت ب 13 ح 1. في قوله تعالى: * (وآتوا حقه...) * قال أبو جعفر عليه السلام: هذا من الصدقة تعطي المسكين القبضة بعد القبضة، ومن الجذاذ الحفنة بعد الحفنة. (4) الأنعام: 141. (5) الانتصار: 76 .

[ 25 ]

من غلمانه يتصدق بكفيه، صاح به: أعط بيد واحدة، القبضة بعد القبضة، والضغث بعد الضغث من السنبل " (1). غايته لزوم الإجمال في الآية حينئذ، ولا يضر ; لبيان أهل البيت عليهم السلام عند الحاجة، فحينئذ لا يلزم إلا خروج الأمر عن ظاهره، وهو لا يضر إذا دلت عليه الأخبار المبينة له ; إذ كما أن تلك الأخبار تصير بيانا للمجمل، تصير قرينة للمجاز أيضا، ومما يدل على الاستحباب عدم تحديده تحقيقا. (1) الكافي 3: 566 ح 6، الوسائل 6: 139 أبواب زكاة الغوت ب 16 ح 1 .

[ 27 ]

الباب الأول في زكاة المال

[ 29 ]

وهي واجبة بالإجماع والكتاب والسنة. بل هي من ضروريات الدين، يرتد منكرها، ويقتل إذا كان عن فطرة، ولا تقبل توبته ظاهرا، إلا أن يكون في حقه شبهة. والآيات والأخبار الدالة على ثوابها وفضيلتها والعقاب على تركها والتشديد والتأكيد في أمرها من الكثرة بحيث لا يحتاج إلى الذكر والبيان. وكفاها فضيلة اقترانها بالصلاة - التي هي أفضل الأعمال، وشرط قبول سائر الأعمال، وعمود فسطاط الدين، المعدود تاركها من الكفار - في الآيات المتعددة الدالة على أنها مثلها في ذلك. وفيه مقاصد:

[ 30 ]

المقصد الأول فيمن تجب عليه الزكاة وهو: البالغ، العاقل، الحر، المالك، المتمكن من التصرف. وفيه مباحث: الأول: لا تجب الزكاة على الطفل. أما في الذهب والفضة فإجماعا ; وللأصل، وعدم شمول العمومات إياهم ; لعدم التكليف، ولا لأوليائهم بالنسبة إلى أموالهم ; لتبادر أموال أنفسهم منها (1). وللأخبار المستفيضة، مثل صحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " ليس في مال اليتيم زكاة " (2) ومثلها صحيحة محمد بن مسلم (3) وغيرها (4). وصحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال، قلت له: في مال اليتيم، عليه زكاة ؟


(1) الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1. (2) التهذيب 4: 26 ح 62، الوسائل 6: 55 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 8. (3) التهذيب 4: 26 ح 61، الوسائل 6: 55 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 7. سألته عن مال اليتيم، فقال: ليس فيه زكاة. (4) الوسائل 6: 55 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 4، 6.

[ 31 ]

فقال: " إذا كان موضوعا فليس عليه زكاة ; فإذا عملت به فأنت ضامن، والربح لليتيم " (1)، وسيجئ غيرها. نعم المشهور المدعى عليه الإجماع من المعتبر استحباب إخراج الزكاة من ماله إذا اتجر له الولي (2) ; للأخبار المستفيضة، مثل حسنة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: هل على مال اليتيم زكاة ؟ قال: " لا، إلا أن يتجر به، أو يعمل به " (3) ورواية سعيد السمان (4) وموثقة يونس بن يعقوب (5) كلها في الكافي، ورواية محمد بن الفضل في التهذيب (6). وظاهر المفيد الوجوب (7)، ولكن الشيخ قال: إن مراده الاستحباب ; لأن الزكاة في مال التجارة ليست بواجبة على البالغ، فالصبي أولى (8). ونفى ابن إدريس الزكاة رأسا (9)، ومال إليه صاحب المدارك، استضعافا لسند الأخبار ودلالتها (10). أقول: أما السند، فالحسن والموثق حجتان كما حقق في محله، سيما مع ورودهما في الكافي، وتلقي الأصحاب لهما بالقبول.


(1) الكافي 3: 54 ح 1، التهذيب 4: 26 ح 60، الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 1. (2) المعتبر 2: 487. (3) الكافي 3: 541 ح 3، الوسائل 6: 57 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 2 ح 1. (4) الكافي 3: 541 ح 6، التهذيب 4: 27 ح 65، الاستبصار 2: 29 ح 83، الوسائل 6: 57 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 2 ح 2. (5) الكافي 3: 541 ح 7، التهذيب 4: 27 ح 66، الاستبصار 2: 29 ح 84، الوسائل 6: 55 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 5. (6) التهذيب 4: 27 ح 67، الاستبصار 2: 29 ح 85، الوسائل 6: 55 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 2 ح 4، سألت الرضا عليه السلام عن صبية صغار لهم مال بيد أبيهم أو أخيهم هل تجب على مالهم زكاة ؟ فقال: لا تجب في مالهم زكاة حتى يعمل به. (7) المقنعة: 238. (8) التهذيب 4: 27 تعليقة ح 64. (9) السرائر 1: 441. (10) المدارك 5: 18.

[ 32 ]

وأما الدلالة، فكون كلمة " على " في مفهوم الحسنة، والأمر بالتزكية في الموثقة ورواية محمد بن الفضل ونحوهما ظاهر في الوجوب لا يضر مع اقتضاء الجمع بين الأخبار حملها على الاستحباب، سيما مع الشهرة والإجماع المنقول. وتؤيدها الأخبار الواردة في علة مقدار الزكاة، وملاحظة حال الفقراء، والأغنياء ; والنسبة بينهم (1)، فإن مقتضاها تعلق حقهم بأموال الأغنياء مطلقا، ولذلك قيل بالوجوب هنا (2)، وفي الغوت والمواشي أيضا كما سيجئ. فكأن ثبوت الزكاة في أموال اليتامى في الجملة لا ينبغي التأمل فيه، خرج النقدان بالإجماع ; وبقي الباقي. ومقتضى الثبوت الوجوب على الولي ; لأنه من الأحكام الوضعية بالنسبة إلى اليتيم ; كما تتعلق به من الجنايات. ولكن الأخبار (3) والإجماعات المنقولة دعتنا إلى القول باستحباب الإخراج، وأن ذلك حق في أموالهم غير محتوم. وأما الغوت والمواشي فالمشهور فيهما الاستحباب (4)، بمعنى أنه يستحب للولي أن يخرجها من ماله وإن أمكن تعلق الاستحباب به أيضا إذا كان مميزا، بناءا على كون عباداته شرعية كما هو الأصح، إلا أن كونه محجورا عليه يمنع عن ذلك في العبادات المالية، وتبقى البدنية تحت الإمكان والصحة، إذا كان مميزا عاقلا. وأوجبها الشيخان (5) وأتباعهما (6) ; لصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن الباقر والصادق عليهما السلام، أنهما قالا: " مال اليتيم ليس عليه في العين والصامت شئ، وأما


(1) (1) الوسائل 6: 3 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1. (2) المقنعة: 238. (3) الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1. (4) منهم المحقق في الشرائع 1: 128، والعلامة في إرشاد الأذهان 1: 278، والتذكرة 5: 14، والشهيد الثاني في (5) الشيخ المفيد في المقنعة: 238، والشيخ الطوسي في النهاية: 175. (6) كأبي الصلاح في الكافي في الفقه: 165، والقاضي في المهذب 1: 168، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 567 (8).

[ 33 ]

الغلات فإن عليه الصدقة واجبة " (1) وفي بعض النسخ " الدين " بدل العين. وهي معارضة بموثقة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، أنه قال: سمعته يقول: " ليس في مال يتيم زكاة، وليس عليه صلاة، وليس على جميع غوته من نخل أو زرع أو غلة زكاة " (2) الحديث. وهي - مع اعتضادها بالأصل والعمل والعمومات الصحيحة النافية للزكاة عن مال اليتيم (3) - راجحة على الصحيحة، سيما مع منع ثبوت الحقيقة الشرعية في لفظ الوجوب، فيحمل على الاستحباب. وحمل الشيخ الموثقة على أن المراد: ليس على جميع غوته زكاة، بل إنما هي على البعض، وهي الغوت الأربع (4)، وهو بعيد جدا. ولولا الشهرة العظيمة في الاستحباب، لقلنا بانتفائها رأسا ; للأصل، أو قلنا بالوجوب ; لهذه الصحيحة، ولأنه هو الموافق للعلة الواردة في الأخبار، كما أشرنا سابقا، ولكنها مع الأصل ومنع الحقيقة الشرعية تؤيد الاستحباب. والأولى اكتفاء الولي بنية مطلق التقرب وإسقاط الوجه. وربما حملت الصحيحة على التقية (5) ; لأن الوجوب مذهب العامة (6)، وتؤيده رواية مروان بن مسلم، عن أبي الحسن عليه السلام عن أبيه عليه السلام، قال: " كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم، ليس عليه زكاة " (7) وهي أيضا تؤيد عدم الوجوب. وأما المواشي فلم نقف فيها على دليل، لا وجوبا، ولا استحبابا، ويمكن أن يستشعر من مفهوم الوصف في الصحيحة المتقدمة، ولكن الاعتماد عليه مشكل، سيما


(1) التهذيب 4: 29 ح 72، الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 2. (2) التهذيب 4: 29 ح 73، الاستبصار 2: 31 ح 91، الوسائل 6: 56 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 11. (3) الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1. (4) التهذيب 4: 30 تعليقة ح 73. (5) كما في الحدائق 12: 19. (6) المغني لابن قدامة 2: 602. (7) التهذيب 4: 27 ح 63، الوسائل 6: 56 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 9 .

[ 34 ]

مع العمومات (1)، وقوله تعالى: * (ولا تقربوا مال اليتيم) * (2). واعلم أن لفظ اليتيم في كلامهم موافقا للأخبار بناءا على الغالب، وإلا فالحكم ثابت لمطلق المولود الغير البالغ دون الحمل، والظاهر أنه كذلك الحكم بعد البلوغ وقبل الرشد. والمتولي لإخراج الزكاة هو الولي الشرعي، ومع فقده فيمكن ثبوت هذا الحكم لآحاد العدول من المؤمنين، كما يجوز لهم التصرف في ماله مع المصلحة إذا تعذر الولي. كما احتمله المحقق الأردبيلي - رحمه الله - مع تأمل فيه (3). فائدتان: الاولى: إذا نقل الولي مال الصغير إلى ذمته بالقرض ونحوه، واتجر لنفسه، فتستحب له الزكاة ; لصيرورته من فروع زكاة مال التجارة، وسيجئ دليل الاستحباب. واشترطوا في جواز ذلك للولي الملاءة، أي كونه مالكا لما ساوى مال الطفل زائدا على مستثنيات الدين وقوت يوم وليلة له ولمن تجب عليه نفقته. والأولى تفسيرها بما يقدر به على أداء المال لو تلف بحسب حاله كما قيل (4)، فتكفي في ذلك القوة والحرفة والوجه، ولكن الأخبار الواردة فيه تدل على اشتراط وجود المال، مثل صحيحة ربعي بن عبد الله (5)، ورواية أسباط بن سالم (6) وغيرهما (7).


(1) الوسائل 12: 180 أبواب ما يكتسب به ب 70. (2) الأنعام: 152. (3) مجمع الفائدة 4: 12. (4) المدارك 5: 18. (5) التهذيب 6: 341 ح 955، الوسائل 12: 191 أبواب ما يكتسب به ب 75 ح 3 في رجل عنده مال ليتيم فقال: إن كان محتاجا ليس له مال فلا يمس ماله، وإن هو اتجر به فالربح لليتيم وهو ضامن. (6) الكافي 5: 131 ح 4، التهذيب 6: 341 ح 954، الوسائل 12: 191 أبواب ما يكتسب به ب 75 ح 4. قلت: أخي أمرني أن أسألك عن مال يتيم في حجره يتجر به ؟ قال: إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف أو أصابه شئ غرمه، وإيفلا يتعرض لمال اليتيم. (7) الوسائل 12: 190 أبواب ما يكتسب به ب 75 .

[ 35 ]

واستثنوا من ذلك الأب والجد، فجوزوا لهما الاقتراض مع العسر واليسر، ولم يظهر له مخالف، واستشكله في المدارك (1). ولعل دليلهم: الأخبار الكثيرة الواردة في أن الابن وماله لأبيه (2)، ولكنها مقيدة بصورة الاضطرار والاحتياج، كما نطق به بعضها (3). ويمكن دفع ذلك: بأن التقييد إنما يفيتقييد التصرف مجانا وبلا عوض بصورة الاضطرار ; لا مطلقا، فيبقى عمومها في غيرذلك على حاله، والأخبار كثيرة لانطيل بذكرها. ويؤيد ما ذكرنا من الدفع مورد في الأخبار من أن الام لا يجوز لها الأخذ إلا قرضا على نفسها، بخلاف الأب، مثل حسنة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرجل لابنه مال فيحتاج الأب، قال: " يأكل منه، فأما الام فلا تأكل منه إيقرضا على نفسها " (4). فإن الظاهر منها جواز الأخذ مجانا فوق مقدار نفقته الواجبة ; لأن الام أيضا واجبة النفقة، فجواز الاستقراض للأب يثبت بطريق الأولى. الثانية: إذا اتجر غير الولي أو الولي الغير الملي بماله لنفسه فهو ضامن للمال ; لأنه غاصب حينئذ. وعليه تحمل صحيحة الحلبي المتقدمة (5) وما في معناها (6)، ولكن الإشكال في


(1) المدارك 5: 19. (2) الوسائل 12: 194 أبواب ما يكتسب به ب 78. (3) انظر الكافي 5: 135 ح 2، والتهذيب 6: 343 و 344 ح 962، 963، والاستبصار 3: 48 ح 158، 159، والوسائل 12: 195 أبواب ما يكتسب به ب 78 ح 2، 6. (4) الكافي 5: 135 ح 1، التهذيب 6: 344 ح 964، الاستبصار 3: 49 ح 160، الوسائل 12: 196 أبواب ما يكتسب به ب 78 ح 5. (5) الكافي 3: 540 ح 1، التهذيب 4: 26 ح 60، الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 1. (6) الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 .

[ 36 ]

معنى قوله عليه السلام " والربح لليتيم " ومطابقة فتواهم لهذه العبارة، فإن المعاملة إذا كانت منهية فاسدة، فلا يحصل الانتقال، بل يرجع مال كل من الطرفين إلى صاحبه، ويتبعه نماؤه، فربح المبيع بعين مال اليتيم كيف يتعلق باليتيم. وربما يقيد ذلك: بأن المراد إذا كان المشتري وليا أو أجازه الولي مع مصلحة الطفل. وفيه: أن المحذور لم يندفع في الأول، إلا أن تعتبر الإجازة من جانب الطفل ثانيا (1). ولعل إطلاق الرواية مبني على أن البيع من العاقل واقع غالبا على جهة المصلحة، وأن قلب مال الطفل أيضا كان مصلحة للطفل، بمعنى كونه أصلح من إبقائه على حاله، وإن كان أخذ الولي إياه لنفسه مخالفا للمصلحة من جهة عدم الملاءة، فإذا وقعت معاملة في ماله كانت موافقة لصلاحه، فيجب على الولي إمضاؤها له ; لأنه يجب عليه ملاحظة غبطته، ولهذا قال الإمام عليه السلام: " والربح لليتيم " يعني: يجب عليه إمضاؤها لليتيم ليكون الربح له، وتبع الفقهاء الرواية نظرا إلى ذلك، هذا. وربما يستشكل في تصحيحها بإجازة الولي أيضا ; لأنها لم تقع للطفل ابتداءا، بل وقعت لغير من تجوز له على وجه منهي عنه. وفيه: أنه مبني على انحصار صحة الفضولي فيما لو نوى الفضولي البيع لمالكه. والظاهر أنه يجري في الغاصب أيضا، نظرا إلى الدليل، وسيجئ بيانه في محله. ولا زكاة هنا على المتصرف ; لبطلان تجارته، ولا على الطفل، وعلل بعدم مقارنة قصد الاكتساب للطفل حين التملك كما هو شرط في مال التجارة كما سيجئ. وربما يدفع: بأنها حاصلة على القول بكون الإجازة جزء السبب لاكاشفة. أقول: والأقوى كونها كاشفة، ولكنه يمكن استفادة استحبابها من صحيحة الحلبي المتقدمة بمعونة ملاحظة مفهوم أولها، وهو ظاهر مختار جماعة من


(1) يعني: بعد أن أوقع الشراء لنفسه يجيزه بقصد الطفل .

[ 37 ]

المتأخرين (1)، والمسألة محل إشكال. الثاني: لا تجب الزكاة في مال المجنون ; للأصل، وعدم شمول الإطلاقات له (2) ; لعدم التكليف - ولا خلاف في ذلك في النقدين - إلا أن يتجر به الولي، فتستحب فيه ; لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: امرأة من أهلنا مختلطة، عليها زكاة ؟ فقال: " إن كان عمل به فعليها زكاة، وإن لم يعمل فلا " (3) وقريب منها رواية موسى بن بكر (4). ونحملهما على الاستحباب ; لعدم القول بالوجوب، ولعدم الوجوب في أصل مال التجارة، ففيه أولى. وأوجب الشيخان الزكاة في غوته كالطفل (5)، ولم نقف على مستندهما. ثم إن الحكم في المطبق واضح، وأما ذو الأدوار فعن التذكرة اشتراط الكمال طول الحول، فلو جن في أثنائه سقط واستأنف من حين عوده (6). واستشكله في المدارك، واستقرب تعلق الوجوب في حال الإفاقة ; لعدم المانع من توجه الخطاب إليه (7). أقول: الخطابات المشروطة إنما تتعلق بالمكلفين، فالخطاب بالزكاة بشرط حؤول الحول يتعلق بالمكلف، ولابد من اعتبار مبدأ الحول في حال التكليف ; لعدم التكليف


(1) كالشهيد الأول في البيان: 277، والدروس 1: 229، والشهيد الثاني في الروضة البهية 2: 12، وصاحب المدارك 5: 20. (2) الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1. (3) التهذيب 4: 30 ح 75، الوسائل 6: 59 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 3 ح 1. (4) الكافي 3: 542 ح 3، التهذيب 4: 30 ح 76، الوسائل 6: 59 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 3 ح 2. سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة مصابة ولها مال في يد أخيها هل عليه زكاة ؟ فقال: إن كان أخوها يتجر به فعليه زكاة. (5) الشيخ المفيد في المقنعة: 238، والشيخ الطوسي في النهاية: 174، والمبسوط 1: 190، 234، والخلاف 2: 40 مسألة 42. (6) التذكرة 5: 16. (7) المدارك 5: 16.

[ 38 ]

قبله، لابمراعاة الشرط ولاا لمشروط، والجنون قاطع للحول، فلابد من إعادته. وأما السهو والغفلة والنوم فلا تقطع الحول ; لعدم انفكاكها المكلف غالبا. وأما الإغماء فجعله في التذكرة قاطعا للحول (1)، ولعله ناظر إلى قدرته، وإلا فالمغمى عليه كالنائم والناسي ليس بأهل للتكليف. نعم، يمكن القول بعدم التكليف الابتدائي في النائم والناسي أيضا، وتظهر الثمرة فيما لو انتقل إليه المال في حال النوم أو الغفلة، فيعتبر تمام الحول من حين يقظته واستشعاره، لامن حين الانتقال إليه ; كما في البالغ، فإنه يستأنف الحول من حين البلوغ كما هو ظاهر المتأخرين (2). الثالث: ليس على المملوك زكاة. أما على القول بأنه لا يملك فلا إشكال ; لاشتراط الملك كما سيأتي إجماعا. وأما على القول بالتملك مطلقا أو على بعض الوجوه فالأظهر أيضا العدم ; لصحيحة عبد الله بن سنان (3)، وحسنته (4). وقيل بالوجوب عليه حينئذ (5) ; لصدق الملك، والعمومات (6). وهو مدفوع بأنها مخصصة بالروايتين. وأما مسألة تملك العبد فالمشهور فيها - على ما في التذكرة - العدم (7)، ونسب في


(1) التذكرة 5: 16، قال: لأنه تكليف، وليس من أهله. (2) الحدائق 12: 20، الرياض 5: 42. (3) الفقيه 2: 19 ح 62، الوسائل 6: 60 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4 ح 3 عن مال المملوك أعليه زكاة ؟ فقال: لا، ولو كان له ألف ألف درهم. (4) الكافي 3: 542 ح 1، الوسائل 6: 59 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4 ح 1. قال: ليس في مال المملوك شئ ولو كان له ألف ألف، ولو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا. (5) المعتبر 2: 489، المنتهى 1: 472. (6) الوسائل 6: 54 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1. (7) التذكرة: 16.

[ 39 ]

المسالك القول بالملك في الجملة إلى الأكثر (1)، وهو الأظهر، لالما ورد من أن مال العبد داخل في البيع على تقدير علم البائع به، وعدمه على تقدير العدم (2)، وكذلك ما ورد في ذلك إذا أعتقه (3) كما يتوهم ; إذ العلم والجهل لامدخلية لهما في التصرف في مال الغير. وكونه محجورا عليه بيد المولى لا يوجب جواز بيع ماله ورفع اليد عنه في صورة العتق، بل الظاهر منها أن ما معه لمالكه، وعلمه به يدل على رضاه بذلك، بخلاف صورة الجهل. بل لعمومات ما دل على تملك سائر الناس لأموالهم (4). ولخصوص صحيحة عمربن يزيد في أنه يملك فاضل الضريبة (5)، وموثقة إسحاق بن عمار في أنه يملك ما أعطاه مولاه بإزاء أن يحلله من ضربه إياه. وكل ما صدر منه من إلاذاء أو تخويف أو ترهيب (6)، وصحيحة الفضيل بن يسار (7) وحسنة أبي جرير (8). وقيل: إنه يملك فاضل الضريبة وأرش الجناية (9) ; ويدل على أولهما صحيحة


(1) المسالك 3: 382. (2) الوسائل 13: 32 أبواب بيع الحيوان ب 7. (3) الوسائل 16: 28 كتاب العتق ب 24. (4) عوالي اللآلي 1: 222 ح 99، وص 457 ح 198، وج 2: 138 ح 383، وج 3: 208 ح 49. (5) الكافي 6: 190 ح 1، الوسائل 13: 34 أبواب بيع الحيوان ب 9 ح 1. قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أدى إلى سيده ما كان فرض عليه فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك. (6) الفقيه 3: 146 ح 644، الوسائل 13: 35 أبواب بيع الحيوان ب 9 ح 3. (7) التهذيب 8: 246 ح 887، الوسائل 16: 55 كتاب العتق ب 51 ح 1. قال السندي لأبي عبد الله عليه السلام: لمولاي: بعني بسبعمائة درهم وأنا أعطيك ثلاثمائة درهم، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إن كان يوم شرطت لك مال فعليك أن تعطيه. (8) الكافي 6: 191 ح 5، التهذيب 8: 224 ح 806، الوسائل 16: 29 كتاب العتق ب 24 ح 5، عن رجل قال لمملوكه: أنت حر ولي مالك، قال: لا يبدأ بالحرية قبل المال، يقول: لي مالك وأنت حر، برضا المملوك، فإن ذلك أحب إلي. (9) حكاه في المبسوط 1: 206، والمنتهى 1: 472، واختاره في الأول في المختصر 1: 132، ونهاية المرام 2: 268 .

[ 40 ]

عمر بن يزيد. وأما الدليل على حجره فلعله الإجماع، ولاوجه لتأمل بعض المتأخرين فيه (1)، سيما مع ملاحظة حسنة عبد الله بن سنان المتقدمة عن الصادق عليه السلام، قال: " ليس في مال المملوك شئ ولو كان له ألف ألف، ولو احتاج لم يعط من الزكاة شئ " (2). وصحيحته عنه عليه السلام، قال: سأله رجل وأنا حاضر عن مال المملوك، أعليه زكاة ؟ قال: " لا، ولو كان ألف ألف درهم " (3) وهما أيضا تدلان على التملك ; لظاهر الإضافة. وأما دليل القول بالعدم مطلقا: فهو قوله تعالى: * (ضرب الله مثلا عبدا مملو كا لا يقدر على شئ) * (4) و * (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء) * (5). ودلالتهما على خلاف المقصود أظهر، فإن الظاهر من الوصف التقييد لاالتوضيح، ومفهومه التملك. سلمنا، لكن المراد لعله كونه محجورا عليه في نفسه وماله، ولانزاع فيه. وكذلك الآية الثانية، فإن عدم شراكتهم في مال المولى لا يدل على عدم تملكهم، بل المفهوم يشعر بالتملك. وهذا الحكم يشمل المكاتب المشروط عليه والمطلق الذي لم يتحرر منه شئ ; لعموم الروايتين، وخصوص رواية أبي البختري (6) المنجبر ضعفها (7) بعمل الأصحاب، مؤيدا بعدم تمامية الملك ; لكونه ممنوعا عن التصرف، وسيجئ بيان اشتراطه.


(1) مجمع الفائدة 4: 17. (2) الكافي 3: 542 ح 1، الوسائل 6: 59 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4 ح 1 (3) الفقيه 2: 19 ح 62، الوسائل، 6: 60 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4 ح 3. (4) النحل: 75. (5) الروم: 28. (6) الكافي 3: 542 ح 4، الوسائل 6: 60 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4 ح 5، ليس في مال المكاتب زكاة. (7) فإن الراوي أبا البختري هو وهب بن وهب، وهو عامي ضعيف (انظر معجم رجال الحديث رقم 13943) .

[ 41 ]

وأما المطلق الذي تحرر منه شئ، فيجب عليه إذا بلغ نصيب جزئه الحر نصابا ; للعمومات (1). وتبادر القن من المملوك في الروايتين المتقدمتين. واحتمال استصحاب حال مملوكيته السابقة المقتضية للعدم، معارض بأصالة عموم الآيات والأخبار الشاملة للمكلفين، فإن المبعض قسم ثالث من المكلفين، والتكاليف إنما تتعلق عند أوقات حصول الأسباب، وهو الآن مبعض، فلم يعلم تخصيص العمومات بالنسبة إليه. الرابع: لاريب ولا خلاف في اشتراط الملك للنصاب، فالموهوب لا يجري في الحول إلا بعد القبض ; إن قلنا بكونه شرطا في الصحة. وكذا الموصى به ; إلا بعد الوفاة والقبول ; على القول باشتراط الملك بالقبول. ويجري المبيع في الحول بعد الصيغة إذا انقضى زمن الخيار ولم يحصل الفسخ ; لأن الأقوى حصول الملك به، لابه وبانقضاء زمان الخيار كما ذهب إليه الشيخ (2). وكذا إذا استقرض نصابا وجرى عليه الحول يحسب الحول من حين القبض ; لأنه وقت الملك على الأشهر الأقوى، لا التصرف، وتدل عليه الأخبار المعتبرة أيضا (3). وكذا لو نذر في أثناء الحول الصدقة بالنصاب، أو جعله صدقة بالنذر ; لانتقاله عن ملكه حينئذ، وعلى فرض تقدير بقائه على الملك فهو فاقد لشرط التمكن من التصرف، وسيجئ بيانه، ولأنه ملك ناقص لا يتبادر مما ورد في زكاة المال. نعم يقع الإشكال فيما لو علق النذر على ما لم يحصل بعد، والتحقيق أن يبنى ذلك على كون ذلك مانعا عن التصرف فيه قبل انكشاف الواقع في حصول الشرط، وعدمه. والظاهر أنه مانع، ومع المنع من التصرف لا يجري في الحول ; لما سيجئ.


(1) (1) الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1. (2) المبسوط 1: 227 الخلاف 2: 114 مسألة 135. (3) الوسائل 6: 67 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 7 .

[ 42 ]

ووجه جريانه في الحول صدق الملك، وعدم تحقق الشرط بعد. ثم إنهم اشترطوا مع الملك تماميته أيضا ; لأنه المتبادر من الملك. وربما جعل ذلك عين اشتراط التمكن من التصرف كما سيجئ، وربما جعل أعم. وفرعوا على جعله أعم منه: ما لو جعل مبدأ الحول بعد جريان صيغة البيع على القول بكون انقضاء زمن الخيار ملزما للملك، فيكون الملك قبله متزلزلا ; لاغير تام، وكذلك الهبة قبل القبض، بناءا على القول بكونه شرط اللزوم. ويمكن أن يقال: إن الملك إذا تم بالقبض في الموهوب - مع فرض إمكان التصرف بأن يطلب القبض ويسلمه - وبانقضاء زمن الخيار في المبيع، فيتم الملك، ويكشف عن كون الملك تاما في نفس الأمر، ويصدق عليه أنه مال جرى في الحول عند ربه كما هو مفاد الأخبار (1)، فلايتم التفريع. نعم، يمكن التفريع بأن يفرض أن يبيع زرعا قبل انعقاد الحب، ويجعل لنفسه الخيار إلى انقضاء شهرين، وانعقد الحب في أيام الخيار، ثم رجع البائع بعد تعلق الزكاة، أو باعه نصاب حيوان مثلا وجعل الخيار إلى انقضاء الحول ثم رجع بعده، فإن هذا يوجب سقوط الزكاة رأسا ; لعدم تمامية الملك. أما للمشتري ; فلانكشاف الواقع عن أنه لم يكن مالكا له في نفس الأمر بالملك التام، وإن كان ملكا له في الجملة ; ولذلك (لم تثبت) (2) له المنافع المنفصلة في أيام الخيار، وإن كان يمكن القول بأنه لما كان ممنوعا من التصرفات المانعة لخيار البائع فعدم تعلق الزكاة حينئذ إنما هو من جهة عدم التمكن من التصرف، فلم تبق فائدة في جعله غير تام من جهة ما ذكرنا. وأما للبائع ; فلخروجه عن ملكه، وعوده إليه إنما هو برجوعه ; فهو ملك جديد. ويمكن أن يقال: ببقاء ملكه حينئذ متزلزلا أيضا


(1) انظر الوسائل 6: 61 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 5، 6. (1) في " م ": تثبت .

[ 43 ]

حتى يلزم برجوعه ثانيا، لكنه أيضا غير تام ; لعدم تمكنه من التصرفات مع إبقائه على حاله من عدم الفسخ، وهو أيضا لا يجدي فيما نحن بصدده. وأما الخدشة في تقييد الهبة بما بعد القبض في المثال الأول بأن الملك غير مستقر بعده أيضا في مثل ما كان لغير ذي رحم بلا عوض، فهو مدفوع بأن المراد القبض الملزم كذي الرحم، أو أن مثل ذلك التزلزل لا يوجب عدم تمامية الملك عرفا، بخلاف الخيار الثالث من الشارع بالخصوص أو من المتعاقدين بالشرط. الخامس: قالوا: يشترط في وجوب الزكاة التمكن من التصرف، وادعى عليه الإجماع في التذكرة (1). ولعل دليله الإجماع، وأنه المتبادر من الملك، ومثل صحيحة عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام، قال: " لاصدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك " (2) وصحيحة إبراهيم بن أبي محمود (3)، وسيجئ بعض آخر. وقد يستشكل بأنها أخص من المطلوب، فلا تدل على سقوط الزكاة في المبيع المشتمل على الخيار. وفيه: أنه لا يضر ; لوجود غيرهما من الأدلة (4)، مع أن الظاهر عدم القول بالفصل، مع أنه يمكن استشعار العموم من صحيحة عبد الله بن سنان، فإن الوقوع في اليد كناية عن التسلط عليه، والمراد التسلط التام، وعلى جميع الوجوه، وكذلك مراد الفقهاء، فيستفاد العموم من الإجماع المنقول أيضا من هذه الجهة. ومما يدل عليه أيضا: أن الأوامر وإن كانت ظاهرة في الواجب المطلق، لكن ثبوت


(1) التذكرة 5: 18. (2) التهذيب 4: 31 ح 78، الوسائل 6: 62 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 5 ح 6. (3) التهذيب 4: 34 ح 88، الاستبصار 2: 28 ح 20، الوسائل 6: 63 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 6 ح 1، الرجل يكون له الوديعة والدين فلا يصل إليهماث قال عليه السلام: إذا أخذهما ثم يحول عليه الحول يزكي. (4) الوسائل 6: 61 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 5 ح 6 .

[ 44 ]

الاشتراط في امور كثيرة جدا - كماسنشير إليه - يضعف ظهورها فيما نحن فيه، سيما بملاحظة الشهرة والتبادر الذي ادعيناه إن لم نقل بظهور الاشتراط، غاية الأمر التساوي، والأصل براءة الذمة. ولابد فيما يشترط فيه الحول التمكن كذلك في تمام الحول، كما هو ظاهر الأخبار المتقدمة. وفي غيره حين تعلق الزكاة. وأما التمكن من أداء الزكاة، فلا يشترط في وجوبها ; للإجماع على ما في المنتهى (1) ; وللإطلاقات (2). نعم، هو معتبر في الضمان ; للإجماع المنقول في المدارك (3)، فيكون أمانة لا يضمن فيها إيبا لتفريط، فلو تلف بعضه سقط عنه بالنسبة، وهو كذلك، هكذا ذكروه ولا يخلو من إجمال ; إذ الاستدلال بالإطلاقات في عدم الاشتراط مشكل. وبيانه: أن الأوامر في الزكاة مشروطة بامور جزما، مثل حصول النصاب وتملكه، وتمكن التصرف منه، والنمو في الملك، وحؤول الحول فيما يشترط فيه، وغير ذلك، فكما أن الأوامر مقيدة بما ذكر، فلابد أن تقيد بالتمكن من الأداء أيضا بدليل العقل ; لاستحالة التكليف بالمحال، فما وجه ما ذكروه وتمسكهم بالإطلاقات ؟ ! وتحقيق المقام أن يقال: إن مرادهم بعدم الاشتراط هو عدم اشتراط التعلق، لا الوجوب، فالتعلق من أحكام الوضع، وهو غير وجوب الأداء. والحاصل أن الغلة حين بدو الصلاح في الملك يتعلق بها الزكاة، بمعنى أنه يثبت حق الفقراء فيها، وأما وجوب أدائه على المالك، فلاريب أنه مشروط بالتمكن منه، فإن لم يتمكن فيجب على الورثة إخراجه، أو على الحاكم أو غيرهما، وكذلك في غير الغوت بعد حؤول الحول.


(1) المنتهى 1: 490. (2) الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1. (3) المدارك 5: 34 .

[ 45 ]

فوجوب الأداء قد يتعلق بالمكلف بعد النمو في الملك، وقد لا يتعلق، ولكن حصول الحق فيه يتعلق به دائما. فالمراد بالإطلاقات هو مثل قولهم عليهم السلام " فيه الزكاة " و " عليه الزكاة " ونحو ذلك، وهو لا يستلزم الوجوب على المالك. وحينئذ فتخصص الأوامر المقتضية للطلب الشرعي بصورة التمكن من الأداء. وحينئذ يقع الإشكال في استدلالهم على نفي الزكاة على الطفل والمجنون، بأن الأوامر مختصة بالمكلفين ; لأن لنا أن نقول: يشملهم مثل ما ذكرناه مما يثبت الحق من باب الحكم الوضعي، فلابد أن يستدل ثمة بالأخبار الخاصة النافية للزكاة عن مالهم (1)، لا بذلك. ثم إنهم فرعوا على اشتراط التمكن من التصرف امورا: الأول: المال المغصوب لا زكاة فيه حتى يقع في يد صاحبه ويحول عليه الحول ; لما مر من الأدلة. وكذلك لا يجب في غير ما يشترط فيه الحول أيضا إذا حصل بدو صلاحه في يد الغاصب. واستشكل في المدارك من جهة عدم دلالة الأخبار المتقدمة - على تقدير تسليمها - إلا فيما يعتبر فيه الحول، قال: ولو قيل بوجوب الزكاة في الغوت متى تمكن المالك من التصرف في النصاب لم يكن بعيدا (2). أقول: ويدل عليه عموم الإجماع المنقول (3)، وصحيحة عبد الله بن سنان (4)، وأنه


(1) الوسائل 6: 54 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1. (2) المدارك 5: 34. (3) نقله في التذكرة 5: 18. (4) التهذيب 4: 31 ح 78، الوسائل 6: 62 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 5 ح 6 .

[ 46 ]

يتعلق وجوب الزكاة بالغوت بعد بدو الصلاح فيما ملكه قبل بدو الصلاح. والمراد بتعلق وجوب الزكاة بالغوت بعد بدو الصلاح: أن المالك مخاطب بإخراج الزكاة بوجوب موسع لا يحصل الضمان بسبب تأخيره لأجل الحصاد والتصفية، بخلاف ما بعد التصفية ; فإنه يضمن لو أخره بلا عذر، والوجوب لا يجوز تعلقه بغير المتمكن عقلا وشرعا، والمفروض أن الوجوب حينئذ مطلق لا مشروط، وتوسعته لا تنافي عدم جواز التكليف به حال عدم القدرة. إلا أن يقال: إن الأوامر وإن لم تشمله ; لكن يشمله ما دل عليه من باب الوضع، كما أشرنا سابقا، ولا مقيد لهما، فتمسك حينئذ بما مر من الأدلة، وهي مخصصة لما دل عليه من باب الوضع أيضا. ثم قال: وإنما تسقط الزكاة في المغصوب ونحوه إذا لم يمكن تخليصه ولو ببعضه، فتجب فيما زاد على الفداء (1). أقول: الظاهر أن المرجع في التمكن من التصرفات هو العرف، فلا يضر التمكن العقلي بأن يتحمل شيئا من المقدمات لتحصيل التمكن. والظاهر: أن المال المغصوب المرجو زوال يد الغاصب عنه بأجمعه يصدق عليه في العرف أنه غير متمكن منه، وإن أمكن التخليص بفداء بعضه منه. وكذلك في المال الغائب الذي يصعب الوصول إليه، وإن أمكن بتحمل مشقة كثيرة، ومنها صرف بعضه، سيما قدرا معتدا به في تخليصه. والحاصل أن المعيار هو حصول التمكن بالفعل، لاإمكان التمكن من التمكن. ولعله نظر إلى إطلاق ما رواه في الموثق، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: في رجل ماله عنه غائب فلا يقدر على أخذه، قال: " فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكاه لعام واحد، وإن كان يدعه متعمدا وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكل


(1) المدارك: 34.

[ 47 ]

ما مر به من السنين " (1). وأنت تعلم أن القدرة أيضا تحمل على المقدور العرفي، وهو ما كان سهل الحصول. ولو سلمنا ما ذكره فلابد من أن يقيد بما لم يوجب صرف بعضه فيه نقصه بذلك عن النصاب. ثم إن المال الغائب عن المالك إذا كان في يد الوكيل أو الولي في مال الطفل والمجنون على القول بثبوت الزكاة فيه وجوبا أو استحبابا، فهو في حكم الحاضر ; لأن يد الوكيل كيد الموكل، وكذلك الولي، فإذا تعلقت الزكاة بمال الغائب بذلك، فالكلام في المولى عليه واضح ; إذ الولي هو المخاطب بالأداء. وأما في غيره، فإن علم في الغيبة بحصول النصاب له في ملكه وحؤول الحول فيما يحتاج إليه، فيجب عليه الأداء ; إما من عنده، وإما بأن يأذن للوكيل في إخراجه. وإن لم يعلم بذلك، فهل يجب على الوكيل الإخراج أم لا ؟ الظاهر أنه يتبع الوكالة عموما وخصوصا. وأما ما أوهمه ظاهر بعض العبارات من إطلاق سقوط الزكاة عن المال الغائب (2) فهو ليس على ظاهره، بل المراد الغائب الذي لا يتمكن من التصرف فيه، كما هو صريح غيرها (3). ومن أسباب عدم التمكن الجهالة، كالمال الموروث عن غائب لا يعلمه. ثم إن الشيخين (4) وجماعة من الأصحاب (5) قالوا: إن من ترك لأهله نفقة بقدر


(1) في التهذيب 4: 31 ح 77، والاستبصار 2: 28 ح 81 مرسلا، الوسائل 6: 63 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 5 ح 7. (2) الشرائع 1: 129، فإنه قال: ولا تجب الزكاة في المال المغصوب ولا الغائب إذا لم يكن في يد وكيله أو وليه، وكذا الإرشاد 1: 278. (3) كعبارة الشيخ في الخلاف 2: 81 مسألة 96، والنهاية: 175 فإنه قال: ولا زكاة على مال غائب إلا إذا كان صاحبه متمكنا منه أي وقت شاء، فإن كان متمكنا منه لزمته الزكاة، وعبارة المحقق في المختصر النافع: 53، والمعتبر 2: 490 فإنه قال: فلا تجب في المال الغائب إذا لم يكن صاحبه متمكنا منه. (4) الشيخ المفيد في المقنعة: 258، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 213، والنهاية: 178. (5) كالمحقق في المعتبر 2: 530، والعلامة في التذكرة 5: 31 مسألة 19، والشهيد الثاني في المسالك 1: 389 .

[ 48 ]

النصاب فما فوقه بحيث لا يعلم زيادته عن قدر الحاجة وحال عليه الحول، فتسقط عنه الزكاة، إن كان المالك غائبا، ويجب إن كان شاهدا ; لصحيحة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام: عن رجل وضع لعياله ألف درهم نفقة فحال عليها الحول، قال: " إن كان مقيما زكاه، وإن كان غائبا لم يزك " (1). وتقرب منها صحيحة صفوان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام (2)، ورواية أبي بصير (3). وفصل ابن إدريس (4) بالتمكن وعدم التمكن ; للعمومات (5). ويمكن تقييد تلك الروايات بذلك بجعل الغيبة كناية عن عدم التمكن، والشهود كناية عن التمكن، وهو مشكل ; للإطلاق وعمل أكثر الأصحاب على ظاهره. الثاني: لا زكاة على الوقف والمفقود، ناطقا كان أو صامتا. أما الوقف ; فلأنه حبس العين وتسبيل المنفعة، وهو ينافي تعلق الزكاة بالعين وإخراجها منها، ولمشاركة سائر البطون والطبقات، ولو نتج فيجب فيه إذا كان لمعين. وأما المفقود ; فيعتبر فيه عدم صدق التمكن من التصرف فيه عرفا، فلا عبرة بفقد غنم من القطيع لحظة أو يوما في انخرام الحول مثلا. ولو عاد المفقود زكاه سنة استحبابا على المعروف من مذهب الأصحاب (6)، والأظهر أنه لافرق بين كون مدة الفقدان ثلاث سنين فصاعدا، أو أقل منها.


(1) الكافي 3: 544 ح 2، الوسائل 6: 118 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 17 ح 2. (2) الكافي 3: 544 ح 1، التهذيب 4: 99 ح 279، الوسائل 6: 117 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 17 ح 1، رجل خلف عند أهله نفقة، ألفين لسنتين، عليها زكاة ؟ قال: إن كان شاهدا فعليه زكاة. (3) الكافي 3: 544 ح 3، الفقيه 2: 15 ح 43، التهذيب 4: 99 ح 280، الوسائل 6: 118 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 17 ح 3. (4) السرائر 1: 443. (5) الوسائل 6: 117 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 17. (6) انظر الشرائع 1: 130، والمنتهى 1: 475، والقواعد 1: 330، والمدارك 5: 37 .

[ 49 ]

ومستند المسألة بعد ظاهر الإجماع: موثقة زرارة المتقدمة (1)، وحسنة سدير البصري (2)، وحسنة رفاعة (3). وتدل على نفي الوجوب: صحيحة إبراهيم بن أبي محمود (4)، والوجوب هو المنقول عن بعض العامة (5). الثالث: لا زكاة على الدين إن كان التأخير من جهة المدين بلا خلاف ; للأصل، والأخبار المعتبرة (6)، وقد تقدم بعضها. وإن كان من قبل الدائن فكذلك على الأقوى ; لعين ما ذكر. وأوجبه الشيخان (7) ; لروايتين ضعيفتين مفصلتين (8) لا تقاومان الأصل، فضلا عن الأخبار الكثيرة المعتبرة، والوجه حملهما على الاستحباب كما فعله في المختلف (9)، أو التقية ; لأنه مذهب


(1) التهذيب 4: 31 ح 77، الاستبصار 2: 28 ح 81 مرسلا، الوسائل 6: 63 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 5 ح 7. (2) الكافي 3: 519 ح 1، الوسائل 6: 61 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 5 ح 1، وفيها: سدير الصيرفي قال لأبي جعفر عليه السلام في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه فمكث بعد ذلك ثلاث سنينث فوقع على المال بعينه كيف يزكيه ؟ قال: يزكيه لسنة واحدة. (3) الكافي 3: 519 ح 2، الوسائل 6: 62 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 5 ح 4، الرجل يغيب عنه ماله خمس سنينث قال: سنة واحدة. (4) التهذيب 4: 34 ح 88، الاستبصار 2: 28 ح 80، الوسائل 6: 63 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 6 ح 1، الرجل يكون له الوديعة والدين فلا يصل إليهما ثم يأخذهما قال: يأخذهما ثم يحول عليه الحول ويزكي. (5) انظر المهذب للشيرازي 1: 149، والمجموع للنووي 5: 341، وحلية العلماء للقفال 3: 15. (6) الوسائل 6: 63 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 6. (7) المقنعة: 239، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 205. (8) التهذيب 4: 32 ح 82، 81، الوسائل 6: 64 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 6 ح 5، 7، ولعل وجه ضعف الاولى أنها رواية عبد العزيز، وهو مشترك بين جماعة لم يثبت توثيق أكثرهم. والثانية في طريقها إسماعيل بن مرار، وليس ما يدل على توثيقة سوى وقوعه في تفسيره علي بن إبراهيم، وإبراهيم ابن هاشم وفيه كلام معروف. في الاولى قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له الدين أيزكيه ؟ قال: كل دين يدعه هو إذا أراد أخذه فعليه زكاته، وما كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة. وفي الثانية: فإذا كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتى يقبضه. (9) المختلف 3: 162.

[ 50 ]

جمهور أهل الخلاف (1). وكيف كان فالمتبادر من الدين في الأخبار النقدان، لا الأنعام، فلا تشملها، وما يتوهم في وجه إخراجها من الحكم من أن السوم شرط فيها وهو لا يتصور فيما في الذمة (2) فهو ضعيف، وإلا فلا يتصف النقدان أيضا بكونهما منقوشين في الذمة، وكما جاز ثبوت الشئ في الذمة فيجوز ثبوت نوع منه أيضا. وكيف كان فالمعتبر هو السوم عرفا حين تشخص الدين في ضمن العين، لا السوم طول الحول. ثم إنك قد عرفت سابقا حكم القرض، وأنه إذا حال عليه الحول عند المقترض فيجب عليه ; لأنه ملكه حينئذ، ودلت عليه الأخبار. ولو تبرع المقرض بالإخراج عنه، فمقتضى صحيحة منصور بن حازم عن الصادق عليه السلام: في رجل استقرض مالا فحال عليه الحول وهو عنده، فقال: " إن كان الذي أقرضه يؤدي زكاته فلا زكاة عليه، وإن كان لا يؤدي أدى المستقرض " (3) الإجزاء. وقيده الشهيد - رحمه الله - بإذن المقترض (4). وعممه في المدارك ; للإطلاق (5)، وعلله في المنتهى بأنه بمنزلة أداء الدين (6)، والتعليل مقدوح بأن أداء الدين توصلي، وهذا توقيفي، والنية معتبرة فيه، فينبغي تقييد الخبر بهذه القاعدة، فيكون بعد الإذن في حكم النائب. ولولا الرواية لأشكل مع الإذن أيضا ; لأنه يؤديه عن ماله لا عن مال المقترض نيابة عنه، ومقتضى ذلك العمل على إطلاق الرواية وتخصيص القاعدة بها.


(1) انظر المغني 2: 637، والشرح الكبير 2: 444، وحلية العلماء 3: 92، والمهذب 1: 165. (2) التذكرة 5: 24. (3) التهذيب 4: 32 ح 83، الوسائل 6: 67 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 7 ح 2. (4) الدروس 1: 231. (5) المدارك 5: 39. (6) المنتهى 1: 477 .

[ 51 ]

وهل يصح الاشتراط على المقرض ويلزم ؟ المشهور لا ; لما مر من الأخبار الدالة على أنها على المقترض (1)، ولأن اشتراط عبادة متعلقة بمكلف خاص على غيره غير مشروع. وقال الشيخ: يصح ويلزم (2). وربما يستدل له بإطلاق الصحيحة المتقدمة، وهو ممنوع. ووجهه في المسالك إذا كان الشرط بمعنى أن يتحمل عن المديون ويخرجها من ماله عنه مع كون الوجوب متعلقا بالمديون، بأنه لو تبرع به لجاز ; لصحيحة منصور، فإذا جاز التبرع فيجوز اشتراطه، لا بمعنى أن يثبت على المشروط عليه ابتداءا بحيث لا يتعلق بالمديون وجوب النية، ويكون المقرض مؤديا لها عن نفسه بسبب الشرط ; لأن شرط إيجاب العبادة على غير من يخاطب بها غير مشروع (3). ثم في صورة صحة الشرط ولزومه إن أدى المقرض فتسقط عن المقترض، وإلا فتجب عليه، كما لو نذر إنسان أن يؤدي دين إنسان ولم يؤده. ثم إن هذا العمل من قبيل صلاة الاستئجار في النية، فينويها عن المقترض ; للنيابة عنه، وعن نفسه ; لوجوبه عليه بالشرط. الرابع: تجب الزكاة على الكافر، ولا يصح منه أداؤها. أما الأول: فللعمومات، كقوله تعالى: * (يا أيها الناس اعبدوا) * (4) و * (أن اعبدوني) * (5) و * (خذ من أموالهم صدقة) * (6) و " في خمس من الإبل شاة " (7) وأمثالها،


(1) الوسائل 6: 67 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 7. (2) المبسوط 1: 213. (3) المسالك 1: 387. (4) البقرة: 21. (5) يس: 61. (6) التوبة: 103. (7) الوسائل 6: 72 أبواب زكاة الأنعام ب 2 .

[ 52 ]

وخصوص قوله تعالى: * (ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) * (1) ونحوه. وشبهة النافي ضعيفة، وقد بيناه في موضعه. وأما الثاني: فلعدم تحقق النية فيه، أما في غير الموحد فواضح، وأما في الملي كالكتابي فلاشتراط إطاعة الرسول الثابت، لاالمنسوخة إطاعته لو فرض توافق الدينين فيها. وتدل عليه: الأخبار الدالة على بطلان عبادات المخالفين المعللة بعدم ولاية ولي الله (2)، لأجل التعليل، أو من باب الأولوية. ولأن من شأن العبادة الصحيحة أن يثاب عليها، ولاثواب إلا في الجنة بالإجماع المنقول مستفيضا، وهو لا يدخل الجنة اتفاقا. والمشهور أن الكافر لا يضمن الزكاة بعد إسلامه، وإن وجبت عليه في حال كفره. وصرح جماعة من المتأخرين بسقوطها عنه حينئذ، وإن كان النصاب موجودا (3). واستشكله جماعة من المتأخرين (4) ; لأجل استصحاب الوجوب عليه ; ولفحوى الأخبار الدالة على عدم سقوطها عن المخالف (5). ويدفعه: عموم قوله عليه السلام: " الإسلام يجب ما قبله " (6). ولا وجه للقدح في السند والدلالة، إذ هو متلقى بالقبول مستفيض، بل أدعي تواتره. وكلمة " ما " للعموم، والجب بمعنى القطع والاستئصال، فمعناه: أنه يقطع كل ماكان قبل الإسلام من أسباب العقاب والتحميلات الحاصلة من التكاليف، ومقتضاه


(1) فصلت: 6، 7. (2) الوسائل 1: 90 أبواب مقدمة العبادات ب 29. (3) المعتبر 2: 490، المنتهى 1: 476، التحرير 1: 58. (5) المدارك 5: 42. (6) الوسائل 1: 97 أبواب مقدمة العبادات ب 31. (7) عوالي اللآلي 2: 54 ح 145 وص 224 ح 38، مسند أحمد 4: 199، الجامع الصغير 1: 123

[ 53 ]

عدم وجوب الإتيان بزكاة نصاب الغلة إذا بدا صلاحها في ملكه حال الكفر. ويجب استئناف الحول إذا أسلم في أثناء الحول فيما يشترط فيه، ولذلك نقول بسقوط قضاء الصوم والصلاة عنه، وإن قلنا بأن القضاء تابع للأداء. ويظهر من المحقق في الشرائع (1) والشهيد الثاني في شرحه (2) أن الكافر إذا تلف النصاب في حال كفره فلا يضمن، يعني لا يجوز للإمام والساعي أخذه قهرا حينئذ، وإن جاز الأخذ قهرا مع وجوده. واستشكله في المدارك ; لعدم الدليل على اشتراط بقاء النصاب في جواز الأخذ (3). أقول: ولعل وجهه أن الزكاة متعلقة بالعين على الأصح، فيجوز أخذها مع الوجود، ولذلك يتبع الساعي العين إذا باعها المالك لغيره، ويرجع المشتري على البائع. وإذا تلفت فحينئذ تنتقل إلى الذمة، ولا مؤاخذة على أهل الذمة في معاملاتهم ومدايناتهم. وأما الحربي ; فبعد التسلط عليه فأمواله غنيمة، ولا يحضرني أنهم حكموا بمحاسبة زكاته التالفة والرد إلى الفقراء حينئذ. والحاصل أن الزكاة الموجودة بعينها كأنها خارجة عن معاملاته بالدليل، وغيرها باق تحت الأصل، ولذلك لا يأمره الإمام بالعبادات قبل الإيمان وإن كان مكلفا بها، بل إنما يأمره بالإيمان أو الإتيان بشرائط الذمة. وأما المسلم ; فيضمن مع التمكن من الإخراج والإهمال والتفريط في حفظه على المعروف المدعى عليه الإجماع (4) المدلول عليه بالأخبار (5).


(1) الشرائع 1: 130. (2) المسالك 1: 363. (3) المدارك 5: 42. (4) التذكرة 5: 191 مسألة 126. (5) الوسائل 6: 198 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 .

[ 54 ]

والتلف مع عزل الزكاة أو تلف الجميع واضح، وأما مع تلف بعض النصاب فيقسم على حصة المالك وحصة الفقراء. وقيل: التالف من المالك (1). ولا وجه له، إلا أن يكون نظره إلى أن معنى تعلق الزكاة بالعين ليس على حد سائر الأموال المشتركة، بل مجرد أنه يجب في هذا المجموع وإن بقي منه بمقداره. ويؤيده ما ذكروه في فروع التعلق بالغير: أنه إذا أمهر امرأته نصابا فحال عليه الحول وطلقها قبل الدخول فيرجع إلى النصف كملا والزكاة عليها، ولها أن تخرجها من العين، وترد عليه نصف الباقي، وتغرم له نصف ما أدته. ولو لم يمكن للساعي استيفاء الزكاة من النصف الباقي عند المرأة لإتلافها إياه وإعسارها فيرجع إلى ما في يد الزوج، وهو يرجع إلى الزوجة في الغرامة. والضامن في مال المجنون والطفل على القول بوجوب الزكاة فيه إذا تلف مع التمكن والإهمال أو التفريط هو الولي دونهما، ووجهه ظاهر.


(1) مجمع الفائدة: 26.

[ 55 ]

المقصد الثاني فيما تجب فيه الزكاة وفيه مباحث: الأول: تجب الزكاة في النقدين، والغوت الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والأنعام الثلاثة: الإبل، والبقر، والغنم ; بإجماع العلماء والأخبار المستفيضة جدا ("). ويستحب في غيرها من الحبوب، وفي إناث الخيل من الحيوانات، وفي مال التجارة. وليس زكاة في الخضر والبطيخ والخيار والباذنجان وغيرها من البقول. أما الاستحباب في سائر الحبوب فهو المنسوب إلى جميع الأصحاب (2)، عدا ابن الجنيد، فإنه أوجب في كل ما دخل القفيز من الحبوب (3)، وهو ضعيف. لنا: الأصل، والأخبار المعتبرة الدالة على الانحصار في التسعة المتقدمة (4)، وهي كثيرة لا حاجة إلى ذكرها.


(1) الوسائل 6: 32 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8. (2) كما في المعتبر 2: 493. (3) نقله عنه في المعتبر 2: 493. (4) الوسائل 6: 32 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8.

[ 56 ]

ونقل في الكافي عن يونس بن عبد الرحمن أنه قال: بأن الوجوب على التسعة إنما كان في أول الإسلام، ثم أوجب رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك في سائر الحبوب، وظاهر الكليني أيضا هو ذلك (1). وتدفعه ظواهر الأخبار الكثيرة الناطقة بأنه صلى الله عليه وآله سن الزكاة في تسعة أشياء وعفا عن غيرها، فإن قول الإمام للراوي في مقام الحاجة: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله عفا عن ذلك " (2) ليس معناه إلا أنه لا يجب عليكم الآن. مع أن الصدوق روى في معاني الأخبار بإسناده، عن أبي سعيد القماط، عمن ذكره، عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن الزكاة، فقال: " وضع رسول الله صلى الله عليه وآله الزكاة على تسعة وعفا عما سوى ذلك: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذهب، والفضة، والبقر، والغنم، والإبل ". فقال السائل: والذرة، فغضب عليه السلام ثم قال: " كان والله على عهد رسول الله السماسم والذرة والدخن وجميع ذلك ". فقال: إنهم يقولون: إنه لم يكن ذلك على عهد رسول الله، وإنما وضع على تسعة لما لم يكن بحضرته غير ذلك. فغضب وقال: " كذبوا، فهل يكون العفو إلا عن شئ قد كان، ولا والله ما أعرف شيئا عليه الزكاة غير هذا، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر " (3). ويقرب من ذلك قوية محمد الطيار التي رواها عنه ابن بكير (4). ويدل على مذهب ابن الجنيد: حسنة محمد بن مسلم، (5) وحسنة زرارة (6) ورواية


(1) الكافي 3: 509 ذ. ح 2. (2) الوسائل 6: 32 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8. (3) معاني الأخبار: 154 ح 1، الوسائل 6: 33 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8 ح 3. (4) التهذيب 4: 4 ح 9، الاستبصار 2: 4 ح 9، الوسائل 6: 36 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8 ح 12. (5) التهذيب 4: 3 ح 7، الاستبصار 2: 3 ح 7، الوسائل 6: 40 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 9 ح 4. عن الحرث ما يزكى منه ؟ فقال: البر والشعير والذرة والدخن والأرز والسلت والعدس والسمسم كل ذلك يزكى وأشباهه. (1) التهذيب 4: 65 ح 177، الوسائل 6: 41 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 9 ح 10. قلت لأبي عبد الله عليه السلام: في الذرة شئ ؟ قال: الذرة والعدس والسلت والحبوب فيها مثل ما في الحنطة والشعير .

[ 57 ]

أبي مريم (1) وغيرها (2). وحملها الأصحاب على الاستحباب (3)، ولولا اتفاقهم على الرجحان لحملناها على التقية ; لكونها موافقة للعامة، وظهورها في الوجوب دون الاستحباب، وتشعر بذلك رواية الصدوق المتقدمة، وصحيحة علي بن مهزيار الطويلة (4)، إلا أنه لا مخرج عما عليه الأصحاب. وأما إناث الخيل فاستحبابها فيها أيضا هو المعروف من مذهب الأصحاب، المدلول عليه بالأخبار (5)، المدعى عليه الإجماع (6). وأما مال التجارة فالأكثر على الاستحباب (7)، وقيل بالوجوب (8)، وهو ظاهر الصدوق في الفقيه (9)، وهو الموافق لظاهر كثير من الأخبار المعتبرة (10). ولكن تدفعها الأخبار المستفيضة المتقدمة الحاصرة للزكاة في الأجناس التسعة (11)،


(1) الكافي 3: 511 ح 3، الوسائل 6: 39 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 9 ح 3، قال: سألته عن الحرث ما يزكى منه ؟ فقال: البر والشعير والذرة والأرز والسلت والعدس. والسلت: نوع من الشعير لا قشر فيه. مجمع البحرين 2: 205. (2) الوسائل 6: 39 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 9. (3) منهم الشيخ في التهذيب 4: 4، والاستبصار 2: 4، وصاحب المدارك 5: 47. (4) الكافي 3: 510 ح 3، التهذيب 4: 5 ح 11، الوسائل 6: 34 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8 ح 6، وب 9 ح 1. قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وآله الزكاة على تسعة أشياء: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذهب والفضة والغنم والبقر والإبل إنه سأله عن الحبوب، فقال أبو عبد الله في الحبوب كلها زكاة. (5) الوسائل 6: 51 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 16. (6) التذكرة 5: 232 مسألة 159، المدارك 5: 51. (7) منهم السيد في الانتصار: 78، والجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 75، وأبو الصلاح في الكافي في الفقه: 165، والشيخ في المبسوط 1: 220، والجمل والعقود (الرسائل العشر): 204، والنهاية: 176، وسور في المراسم: 136، والقاضي في المهذب: 165، وصاحب المدارك 5: 49. (8) حكاه عن ابني بابويه في المختلف 3: 192، وفيه أيضا: قال ابن أبي عقيل اختلفت الشيعة في زكاة التجارة فقال طائفة منهم بالوجوب، وقال آخرون بعدمه وهو الحق عندي. (9) الفقيه 2: 11. (11) الوسائل 6: 48 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 14، 15. (11) الوسائل 6: 32 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 8.

[ 58 ]

وخصوص صحيحة زرارة في حكاية تخاصم أبي ذر وعثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وتصديقه لأبي ذر على عدم الوجوب (1)، وموثقة إسحاق بن عمار (2)، وصحيحة سليمان بن خالد (3) وغيرها (4). الثاني: يشترط في المذكورات النصاب، وهي في الإبل اثنا عشر نصابا: خمسة منها خمس، في كل خمس شاة. وإذا تجاوز عن الخمس والعشرين بواحدة فهو النصاب السادس، وفيها بنت مخاض. وفي الست والثلاثين ابنة لبون. وفي الست والأربعين حقة. وفي الإحدى والستين جذعة. وفي الست والسبعين فبنتا لبون. وفي إحدى وتسعين حقتان. فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون. ولم ينقلوا في ذلك خلافا بين علماء الإسلام، إلا في النصاب السادس، فأسقطه ابن أبي عقيل وابن الجنيد (5)، وفاقا للعامة ; فأوجبوا في خمس وعشرين بنت مخاض (6).


(1) التهذيب 4: 70 ح 192، الاستبصار 2: 9 ح 27، الوسائل 6: 49 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 14 ح 1. (2) الكافي 3: 529 ح 6، التهذيب 4: 69 ح 188، الاستبصار 2: 11 ح 31، الوسائل 6: 49 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 14 ح 2. الرجل يشتري الوصيفة ث يريد بيعها، أعلى ثمنها زكاة ؟ قال: لا، حتى يحول عليه الحول وهو في يده. (3) التهذيب 4: 70 ح 191، الاستبصار 2: 9 ح 26، الوسائل 6: 49 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 14 ح 2. رجل اشترى متاعا ثم وضعهث هل عليه فيه صدقة وهو متاع ؟ قال: لا حتى يبيعه. (4) الوسائل 6: 48 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 14. (5) نقله عنهما في المختلف 3: 168. (6) المجموع 5: 389، فتح العزيز 5: 318، المغني 2: 437، الشرح الكبير 2: 482، بدائع الصنائع 2: 26، بداية المجتهد 1: 259، حلية العلماء 3: 34.

[ 59 ]

لنا: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1)، وصحيحة أبي بصير (2) وغيرهما (3). واحتجوا بحسنة الفضلاء الخمسة عنهما عليهما السلام، قالا: " في صدقة الإبل: في كل خمس شاة، إلى أن تبلغ خمسا وعشرين، فإذا بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض، وليس فيها شئ حتى تبلغ خمسا وثلاثين، فإذا بلغت خمسا وثلاثين ففيها ابنة لبون " (4) الحديث. واجيب عنها بوجهين: أحدهما: تقدير " فإذا زادت على خمس وعشرين واحدة فبنت مخاض " (5). والثاني: حملها على التقية. والأول أوجه بالنظر إلى ملاحظة ما بعدها من القرائن إلى آخر الحديث ; لاتفاقهم على أنه لا تجب بنت اللبون إلا في الست والثلاثين، وكذلك الحقة إلا في الست والأربعين، وهكذا. والثاني بعيد بالنظر إلى سائر القرائن أيضا، فكأنه عليه السلام أراد تحديد ما يبقى بعد إخراج الفريضة، لا أن المذكورات هي النصاب. سلمنا، لكنها لا تقاوم أدلة المشهور. ثم إنهم اختلفوا في أن الخمسين والأربعين في آخر نصب الإبل هل هما بعنوان التخيير فيجوز اختيار الخمسين وإن أمكن تحقق الأربعين أو بالعكس، أم يتعين اعتبار ما يحصل به الاستيعاب بقدر الإمكان ولو باعتبارهما جميعا. ففي المائة وإحدى وعشرين تعتبر الأربعين لئو تخلو الإحدى والعشرين من حق الفقراء، وفي المائة


(1) الكافي 3: 352 ح 2، التهذيب 4: 21 ح 53، الاستبصار 2: 19 ح 57، الوسائل 6: 73 أبواب زكاة الأنعام ب 2 ح 4. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وفي ستة وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين. (2) التهذيب 4: 20 ح 52، الاستبصار 2: 19 ح 56، الوسائل 6: 72 أبواب زكاة الأنعام ب 2 ح 2. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فإذا كانت خمسا وعشرين ففيها خمس من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض. (3) الوسائل 6: 72 أبواب زكاة الأنعام ب 2. (4) الكافي 3: 531 ح 1، التهذيب 4: 22 ح 55، الاستبصار 2: 20 ح 59، الوسائل 6: 74 أبواب زكاة الأنعام ب 2 ح 6. (5) كما في التهذيب 4: 23 .

[ 60 ]

والخمسين، الخمسون ; لئو تخلو الثلاثون من حقهم، وفي المائة والسبعين يعتبران جميعا بإعطاء حقة وثلاث بنات لبون، ويتخير في المائتين والأربعمائة بينهما ؟. ظاهر الأكثر الثاني، وهو صريح الشيخ (1) وابن حمزة (2) والعومة (3) والشهيد الثاني - رحمه الله - في المسالك (4)، وكلامه في التذكرة يشعر باتفاقنا (5)، وفي المنتهى نسبه إلى علمائنا (6). وفي المدارك عن جده في فوائد القواعد اختيار الأول منسوبا إلى ظاهر الأصحاب، وهو ظاهر اختياره أيضا (7) ; لإطلاق قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: " فإن زادت على العشرين والمائة واحدة ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون " (8)، وصريح اعتبار التقدير بالخمسين فقط في صحيحة عبد الرحمن وأبي بصير، ولو كان التعيين بالأربعين لازما في المائة وإحدى وعشرين لما جاز ذلك. أقول: ملاحظة الاستيعاب - كما هو ظاهر الأكثر - أظهر ; لأن ظاهر صحيحة زرارة ذلك (9)، فإن ذلك هو مقتضى كلمة الواو الدالة على الجمع (10)، إلا أنه محدود بقدر الإمكان، وفي معناها روايته الاخرى (11)، وحسنة الفضلاء المتقدمة (12). ويؤيده حكم نصاب البقر الوارد في تلك الحسنة، فتعتبر الثلاثون والأربعون فيها


(1) الخلاف 2: 14 مسألة 8، المبسوط 1: 192. (2) الوسيلة: 125. (3) الإرشاد 1: 280. (4) المسالك 1: 365. (5) التذكرة 5: 59 مسألة 37. (6) المنتهى 1: 481. (7) المدارك 5: 58. (8 و 9) الفقيه 2: 12 ح 33، الوسائل 6: 72 أبواب زكاة الأنعام ب 2 ح 1. (10) في " ح ": الجميع. (11) التهذيب 4: 21 ح 54، الاستبصار 2: 20 ح 58، الوسائل 6: 73 أبواب زكاة الأنعام ب 2 ح 3. وفيها: فحقتان إلى عشرين ومائة، فإن زادت في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون. (12) الكافي 3: 531 ح 1، الوسائل 6: 74 أبواب زكاة الأنعام ب 2 ح 6 .

[ 61 ]

حسب ما أمكن، فيحمل إطلاق الخمسين في سائر الروايات على ما لو كانت الخمسون أكثر استيعابا. هذا كله مضافا إلى الشهرة وظاهر نقل الإجماع (1). وفي البقر نصابان: ثلاثون ; وفيها تبيع حولي، أو تبيعة حولية، والظاهر أن التخيير بين الذكر والأنثى إجماعي، وإلا ففي الحسنة: " تبيع حولي ". وأربعون ; وفيها مسنة. وهو كذلك أبدا، ففي ستين تبيعان، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاث حوليات، وفي عشرين ومائة ثلاث مسنات، وهكذا. فالنصاب هو أحد الأمرين من الثلاثين والأربعين. ويدل على هذا الحكم بعد الإجماع حسنة الفضلاء المتقدمة. وفي الغنم خمسة نصب: أربعون، وفيها شاة. ثم مائة وإحدى وعشرون، وفيها شاتان. وثم مائتان وواحدة، وفيها ثلاث شياه بالإجماع، والحسنة المتقدمة وغيرها (2). وفي ثلاثمائة وواحدة أربع. حتى يبلغ أربعمائة، ففي كل مائة شاة على الأشهر الأظهر، وذهب جماعة إلى أنه إذا بلغ ثلاثمائة وواحدة فيؤخذ من كل مائة شاة (3). لنا: الحسنة المتقدمة، والإجماع المنقول في الخلاف (4)، وظاهر ابن زهرة أيضا دعوى الإجماع عليه (5).


(1) المنتهى 1: 481. (2) الوسائل 6: 78 أبواب زكاة الأنعام ب 6. (3) كالمفيد في المقنعة: 238، والسيد في الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 123، وابن حمزة في الوسيلة: 126. (4) الخلاف 2: 21 مسألة 17. (5) الغنية (الجوامع الفقهية): 568 .

[ 62 ]

ولهم: صحيحة محمد بن قيس (1). ووضوح سند الاولى، وصراحة دلالتها، وموافقتها للمشهور، ومخالفتها للعامة ; وموافقة الثانية للفقهاء الأربعة كما نقله العومة (2)، وعدم صراحة دلالتها، لاحتمال إهمال حكم الثلاثمائة وواحدة فيها، والإشكال في سندها وإن كان الأظهر العدم ; لأن الظاهر أن محمد بن قيس هو البجلي بقرينة رواية عاصم بن حميد عنه (3) ; يرجح ما اخترناه. وههنا سؤال وجواب مشهوران: أما السؤال: فهو أنه إذا وجب في الأربعمائة ما يجب في الثلاثمائة وواحدة فما الفائدة في الزائد ؟ ! والجواب: أن الفائدة تظهر في الوجوب والضمان، بمعنى أن الوجوب في الأربعمائة مثلا يتعلق بمجموعها، وإذا نقص منها واحدة فيتعلق بالثلاثمائة وواحدة ; لأن ما بينهما عفو. ويتفرع على ذلك: ثمرة الضمان في التالف، فإذا حال الحول على الأربعمائة وتلف منها واحدة من دون تقصير، فيسترد من الفقير جزء من مائة جزء من واحدة، وأما إذا حال على الثلاثمائة وتسعة وتسعين متنازلا إلى مجرد الثلاثمائة وواحدة، فلايسترد منه شئ. نعم، إذا كان النصاب نفس الثلاثمائة وواحدة وتلفت منها واحدة كذلك، فيسترد منه جزء من خمسة وسبعين جزء وربع جزء منها (4).


(1) التهذيب 4: 25 ح 59، الاستبصار 2: 23 ح 62، الوسائل 6: 78 أبواب زكاة الأنعام ب 6 ح 2. وفيها: إلى الثلاثمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة. (2) التذكرة 5: 82. (3) انظر هداية المحدثين: 251 (4) توضيح ذلك: أن زكاة كل خمس وسبعين وربع جنس الغنم الذي هو ربع ثلاثمائة وواحدة شاة واحدة، فزكاة كل واحدة منها جزء من خمس وسبعين جزء من شاة، فإذا تلفت شاة بلا تقصير من المالك يسترد منه بمقدار زكاة شاة واحدة ; لأنه ليس عليه فيها زكاة بسقوطها بالتلف، وذلك المقدار هو ما ذكرنا، أعني جزء من خمس وسبعين جزء من شاة وربع جزء من خمس وسبعين جزء من شاة وهو المطلوب. منه رحمه الله .

[ 63 ]

وربما احتمل إسقاط ربع الجزء باحتمال أن تكون الواحدة الزائدة على الثلاثمائة شرطا للوجوب، لاجزءا للنصاب، وهو ضعيف، بل لاوجه له. ويرد على هذا الجواب أمران: الأول: منع الاسترداد من الفقير إذا نقص من نفس الأربعمائة شئ مادامت الثلاثمائة وواحدة باقية ; لأنه يصدق على المالك حينئذ أنه مالك للثلاثمائة وواحدة وحال عليه الحول ولم ينقص منها شئ. والثاني: منع عدم الاسترداد من الفقير من العفو إذا نقص أصل الشاة من أربعمائة، فإن ثمرة العفو عدم تعلق الزكاة به بخصوصه، ومقتضى الإشاعة اشتراك النقص بينه وبين أصل النصاب، ولا منافاة بينهما، فتأمل فيهما. تنبيهان: الأول: لا يضم مال إنسان إلى غيره ; افترقا أو اجتمعا، اشتركا في العين أو لم يشتركا، فيعتبر في كل منهما النصاب، وهو مقتضى الأصل والعمومات، ولا خلاف فيه بين أصحابنا. وربما نزل على ذلك قول الصادق عليه السلام في صحيحة محمد بن قيس: " ولا يفرق بين مجتمع، ولايجمع بين متفرق " (1) وحملها على التقية أظهر. ولا يفرق بين مالي الواحد، وإن تباعدا، بلا خلاف عندنا ; للإطلاقات والعمومات. الثاني: لا تجب الفريضة إلا في كل نصاب من النصب، ولا يجب فيما بينهما شئ، وهو مقتضى الإطلاقات والعمومات في التقديرات، وخصوص قوله عليه السلام: "


(1) التهذيب 4: 25 ح 59، الاستبصار 2: 23 ح 62، الوسائل 6: 85 أبواب زكاة الأنعام ب 11 ح 1 .

[ 64 ]

وليس على النيف شئ، ولا على الكسور شئ " (1). واصطلحوا تسمية ما بين النصابين في الإبل " شنقا " بفتح الشين والنون، والبقر " وقصا " بفتح الواو والقاف، والغنم " عفوا ". الثالث: إنما تجب الزكاة في السائمة من الأنعام الغير العاملة. أما السوم فالمخالف فيه بعض العامة (2)، ويدل عليه مضافا إلى الإجماع روايات، منها حسنة الفضلاء المتقدمة، ففيها: " إنما الصدقة على السائمة الراعية " (3) قيل: والراعية وصف كاشف (4). أقول: ولعلها كناية عن كونها مرسلة، فيكون احترازا عن العوامل السائمة. ويعتبر استمراره في تمام الحول. ويكفي الصدق العرفي على الأصح، ولا يضر به العلف اليسير كما قيل (5). وقيل بكفاية الأغلبية (6)، وهو أيضا ضعيف. ويتحقق العلف بإطعامها مملوكا، سواء كان مثل التبن والشعير، أو بالإرسال في المراعي المملوكة المستنبتة، كالقت والزرع والعلف النابت في البستان وغيره. والظاهر أن الرعي في حريم القرية من الجبال والبراري ليس من ذلك، وإن كان يرعاها غير مالكها ولو على سبيل الاستئذان من مالكها، ولو بهبة مصانعة وهدية قليلة، وكذلك ما يصانع الظالم عليه من المرعى المباح. والظاهر أن اعتلاف البهيمة بنفسها كاف، إذا خرجت به عن صدق السوم. وكذا لو


(1) الوسائل 6: 80 أبواب زكاة الأنعام ب 7 ح 2. (2) المدونة الكبرى 1: 313، المغني 2: 456، الشرح الكبير 2: 475، عمدة القاري 9: 22، حلية العلماء 3: 22. (3) التهذيب 4: 41 ح 103، الاستبصار 2: 23 ح 65، الوسائل 6: 81 أبواب زكاة الأنعام ب 7 ح 5. (41) مجمع الفائدة 4: 56، المدارك 5: 67. (5) المعتبر 2: 506. (6) المبسوط 1: 198، الخلاف 2: 53 مسألة 62 .

[ 65 ]

علفها غير المالك كذلك من ماله أو غيره. فلو اشترى علف قطعة من الأرض أو بستان للرعي فيصدق العلف، بخلاف مالو استأجر أرضا للرعي، بل لو اشترى أرضا لذلك أيضا، بل ولو فرض اشتراء علف مرعى وسيع مثل قرية وسيعة وجبال وسيعة لذلك، فلا ينتفي صدق السوم. والإشكال فيما لو علفها غير المالك من نفسه - من جهة أن العلة في اشتراط السوم قلة المؤونة على رب المال وهي مفقودة هنا - ضعيف ; لعدم القطع بها، والنص مطلق. والحاصل: أن المعيار في السوم والعلف العرف، فما علم أو ظن فيه تحقق الوصف فيتبع حكمه، وما يشك فيه فالأصل براءة الذمة ; للشك في حصول الشرط. ثم إن مقتضى ما ذكر أنه لا تجب الزكاة في السخال إلا بعد استغنائها عن الامهات بالرعي، إلا أن الشيخ (1) وجماعة من الأصحاب (2) جعلوا مبدأ حولها من حين النتاج ; لحسنة زرارة عن الباقر عليه السلام: " ليس في صغار الإبل شئ حتى يحول عليها الحول من حين تنتج " (3). وعن الشهيد في البيان: اعتبار الحول من حين النتاج إذا كان اللبن من سائمة (4)، وقربه المحقق الأردبيلي (5) وصاحب المدارك (6) رحمهما الله. وقال في المسالك: إنه غير واضح (7). أقول: والتحقيق أن الظاهر من ملاحظة اشتراط حؤول الحول على ما يعتبر فيه إنما هو بعد جمعه لسائر الشرائط.


(1) المبسوط 1: 200. (2) كالعلامة في المنتهى 1: 491، والشهيد الثاني في المسالك 1: 368. (3) الكافي 3: 533 ح 3، الوسائل 6: 83 أبواب زكاة الأنعام ب 9 ح 1. (4) البيان: 286. (5) مجمع الفائدة والبرهان 4: 60. (6) المدارك 5: 68. (7) المسالك 1: 368 .

[ 66 ]

ويقتضي ذلك كونها سائمة في تمام الحول، كالملك والتمكن من التصرف وغيرهما، فصدق السوم حين الأداء لا يكفي. فحينئذ إن قلنا بتحقق السوم في السخال في أيام الرضاع بمجرد كون امها سائمة فيقوى قول البيان، وإلا فالمتبع هو الرواية، وهي بمنزلة المخصص لما دل على اعتبار السوم. والأظهر العدم، سيما والمتبادر من السوم والعلف إنما هو فيما من شأنه ذلك، فتكون السخال حين الرضاع في حكم المشكوك فيه في حكم السوم والعلف، والنص إنما هو المثبت للحكم فيها. وبالجملة فسواء قلنا بكون السوم شرطا أو العلف مانعا فلا يثبت حكم السخال في أيام الرضاع منهما، والأصل يقتضي عدم الوجوب، إلا أن الحسنة متبعة ; لاعتبار سندها (1). ومع ملاحظة هذه الإشكالات لا يمكن التمسك بالعمومات أيضا، مثل قولهم عليهم السلام: " في خمس من الإبل شاة " (2) و " في أربعين شاة شاة " (3) ; لثبوت الإجمال في المخصص بالنسبة إليها، فيشكل الاعتماد على العام بالنسبة إلى ما احتمل دخوله في الخاص، مع أن المتبادر من تلك الأخبار غير السخال كما لا يخفى. فلم يبق في المقام إلا الاتكال على الحسنة، إلا أن يقال: المتبادر من الحسنة كون الامهات سائمة وغيرها مشكوك فيه، وهذا ليس ببعيد. فعلى هذا يبقى المعتمد هو الأصل فيما لو كان الرضاع من المعلوفة ثم صارت سائمة بعد الاستغناء ; لعدم الانصراف من الحديث.


(1) لأن سندها ليس فيه مما يتوقف فيه سوى إبراهيم بن هاشم، والظاهر الاعتماد على ما يرويه كما اختاره العلامة في الخلاصة: 5. (2) الفقيه 2: 12 ح 33، الوسائل 6: 72 أبواب زكاة الأنعام ب 2 ح 1. (3) الكافي 3: 534 ح 1، التهذيب 4: 25 ح 58، الاستبصار 2: 22 ح 61.

[ 67 ]

وأما اشتراط عدم كونها عوامل فهو أيضا إجماعي، والمخالف فيه بعض العامة (1)، وتدل عليه أخبار كثيرة (2). ورواية إسحاق بن عمار (3) محمولة على الاستحباب. والمراد بالعمل أعم من الحرث والحمل والركوب وغيرها. الرابع: يشترط في الأنعام الحول، وكذا في النقدين ومال التجارة والخيل بالإجماع، بل إجماع العلماء كما في المنتهى (4)، والأخبار المعتبرة، مثل حسنة الفضلاء المتقدمة (5)، وصحيحتهم (6)، وصحيحة الحلبي (7) وغيرها (8). ويتحقق حوله شرعا بإهلال الثاني عشر بإجماعنا، كما يظهر من المنتهى والمعتبر والمسالك (9) ; ولحسنة زرارة عن الباقر عليه السلام، ففي جملتها: " إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليه الحول، ووجبت عليه فيها الزكاة " (10). وظاهر الرواية استقرار الزكاة بدخول الشهر الثاني عشر، لامحض تعلق الوجوب المتزلزل، وهو الظاهر من الفتاوى والإجماع المنقول.


(1) كمالك وربيعة ومكحول وقتادة، انظر المدونة الكبرى 1: 313، والقوانين الفقهية: 107، والمغني 2: 456، والشرح الكبير 2: 475، وعمدة القاري 9: 22، وحلية العلماء 3: 22. (2) الكافي 3: 534 ح 1، الوسائل 6: 77 أبواب زكاة الأنعام ب 4 ح 1 عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام: ولا على العوامل شئ. (3) التهذيب 4: 42 ح 106، الاستبصار 2: 24 ح 68، الوسائل 6: 81 أبواب زكاة الأنعام ب 7 ح 7. عن الإبل العوامل عليها زكاة ؟ فقال: نعم، عليها زكاة. (4) المنتهى 1: 486. (5) الكافي 3: 531 ح 1، الوسائل 6: 80 أبواب زكاة الأنعام ب 7 ح 1. (6) التهذيب 4: 41 ح 103، الاستبصار 2: 23 ح 65، الوسائل 6: 81 أبواب زكاة الأنعام ب 7 ح 5. عنهما عليهما السلام: وكل ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلاشئ فيه، فإذا حال عليه الحول وجب عليه. (7) الكافي 3: 525 ح 2، التهذيب 4: 35 ح 91، الوسائل 6: 115، أبواب زكاة الذهب والفضة ب 15 ح 1. الرجل يفيد المال، قال: لا يزكيه حتى يحول عليه الحول. (8) الوسائل 6: 80 أبواب زكاة الأنعام ب 7. (9) المنتهى 1: 487، المعتبر 2: 507، المسالك 1: 370. (10) الكافي 3: 526 ح 4، الوسائل 6: 111 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 12 ح 2 .

[ 68 ]

وقول الشهيد الثاني في المسالك: بأن استقراره إنما يحصل بتمام الثاني عشر مع دعواه الإجماع في أول كلامه، وقوله: بأن مقتضى الإجماع والخبر السالف هو الاستقرار بدخول الثاني عشر في آخر كلامه (1)، تهافت عجيب. والظاهر أن الثاني عشر محسوب من الحول الأول، بمعنى أنه لايدخل في حول الثاني، فيحسب مبدأ الحول الثاني من أول الشهر الثالث عشر. فما ذكره فخر المحققين: من احتسابه من الحول الثاني نظرا إلى أن الفاء تفيد التعقيب بلا فصل، و " حال " فعل ماض لا يصدق إلا بتمامه (2)، ضعيف ; وذلك لأن الحول هو اثنا عشر شهرا جزما، لكن حؤوله يحصل بالدخول في الشهر الآخر منه، لا في الشهر الأول من الحول الآتي، وذلك لا يقتضي كون الثاني عشر من الحول الآتي. وتؤيده رواية خالد بن الحجاج الكرخي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الزكاة، فقال: " انظر شهرا من السنة فانو أن تودي زكاتك فيه، فإذا دخل ذلك الشهر فانظر مانض - يعني ما حصل في يدك - من مالك فزكه، فإذا حال الحول من الشهر الذي زكيت فيه فاستقبل مثل ما صنعت، ليس عليك أكثر منه " (3). والظاهر أن الحديث في مال التجارة. ولابد من بقاء النصاب مستمرا طول الحول، فلو خرج عن ملكه بالبيع مثلا ثم رجع ولو لحظة فيستأنف الحول بعد الرجوع، وكذا لو نقص ثم أتمه ولو في لحظة. وهذا ليس مثل السوم، فإن علف لحظة في أثناء الحول لا يخرج البهيمة عن السوم عرفا كما مر، بخلاف البيع والتلف والإتمام. وكذلك لو عاوضها في أثناء الحول ولو بمثلها، ولو للفرار من الزكاة على أشهر الأقوال وأصحها.


(1) المسالك 1: 371. (2) إيضاح الفوائد 1: 173. (3) الكافي 3: 522 ح 1، الوسائل 6: 113 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 13 ح 2 .

[ 69 ]

وقال في المبسوط: إن بادل بجنسه بنى على حوله، وإن كان بغير جنسه استأنف الحول (1). وقال المرتضى - رضي الله عنه - في الانتصار (2) وجماعة (3): إن كان ذلك للفرار عن الزكاة فتجب مطلقا، وإلا فلا. لنا: عمومات الأخبار السالفة القائلة: " كل ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه " (4). والعمومات الدالة على عدم الزكاة في النقر والسبائك كما سيأتي (5). وخصوص الأخبار، مثل صحيحة علي بن يقطين، ففيها قال: " إذا أردت ذلك - يعني عدم الزكاة - فاسبكه، فإنه ليس في سبائك الذهب ونقار الفضة شئ من الزكاة " (6). وحسنة عمربن يزيد قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل فر بماله من الزكاة، فاشترى به أرضا أو دارا، أعليه فيه شئ عليه فيه، وما منع نفسه من فضله أكثر مما منع من حق الله تعالى الذي يكون فيه " (7) وهو صريح. وكذلك حسنة زرارة أيضا صريحة في ذلك (8)، وكذلك حسنة هارون بن خارجة (9).


(1) المبسوط 1: 206. (2) الانتصار: 83. (3) كالشيخ في الجمل والعقود (الرسائل العشر): 205. (4) الوسائل 6: 82 أبواب زكاة الأنعام ب 8. (5) الوسائل 6: 105 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 8. (6) الكافي 3: 518 ح 8، الوسائل 6: 105 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 8 ح 2. (7) الكافي 3: 559 ح 1، الفقيه 2: 17 ح 53، الوسائل 6: 108 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 11 ح 1، بتفاوت بين المصادر. (8) الكافي 3: 525 ح 4، التهذيب 4: 35 ح 92، الوسائل 6: 111 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 12 ح 2. رجل كانت له مائتا درهم فوهبها لبعض إخوانه أو ولده أو أهله فرارا من الزكاة فعل ذلك قبل حلها بشهر، فقال: إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليها الحول، قلت: فإن أحدث فيها قبل الحول ؟ قال: جائز. (9) الكافي 3: 518 ح 7، الوسائل 6: 109 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 11 ح 4. جعل أخوه الأموال حليا أراد أن يفر بها من الزكاة فسأل الإمام، قال عليه السلام: ليس على الحلي زكاة .

[ 70 ]

واحتج السيد بإجماع الطائفة (1)، ورد الأخبار المتقد مة بمعارضتها بما هو أظهر منها وأقوى وأوضح طرقا، ولعله أراد بها رواية معاوية بن عمار (2)، ورواية محمد بن مسلم (3) المفصلتين بوجوب الزكاة إذا كان التبديل من جهة الفرار. وفيه: أن الروايتين لا تقاومان الروايات المتقدمة كثرة وسندا واعتضادا. نعم، يظهر من الانتصار أن جواز الترك عند الفرار هو مذهب العامة، وهو مضعف لتلك الأخبار، لكنها موافقة للشهرة والأصل. وأما الإجماع الذي ادعاه السيد - فمع أنه مندفع بما ادعاه هو من الإجماع على خلافه في المسائل المصرية الثالثة كما نقله في المختلف (4) - لا يعتمد عليه مع ثبوت الشهرة على خلافه، ووجود الأخبار الكثيرة. فالأولى حمل ما دل على الوجوب على الاستحباب أو على فعل ذلك بعد حؤول الحول. وتؤيده حسنة زرارة المذكورة في الكافي في باب المال الذي لا يحول عليه الحول في يد صاحبه (5). وعن الشيخ في الاحتجاج على مطلبه من عدم السقوط لو بادل بجنسه: بأنه لو بادل أربعين سائمة بأربعين في أثناء الحول يصدق عليه أنه ملك أربعين في الحول (6)، ولا يخفى ضعفه. تنبيهان: الأول: إذا انتقلت إليه البهيمة مع السخال، فيعدان معا في النصاب، وإن تولدت


(1) الانتصار: 83. (2) التهذيب 4: 9 ح 25، الاستبصار 2: 8 ح 22، الوسائل 6: 110 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 11 ح 6. الرجل يجعل لأهله الحليث فإنه فر به من الزكاة، فقال: إن كان فر به من الزكاة فعليه الزكاة. (3) التهذيب 4: 9 ح 24، الاستبصار 2: 8 ح 21، الوسائل 6: 110 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 11 ح 7. عن الحلي فيه زكاة ؟ قال: لا، إيما فر به من الزكاة. (4) المختلف 3: 157. (5) الكافي 3: 525 ح 4. (6) المبسوط 1: 206 .

[ 71 ]

عنده، فيعد كل منهما على حدة، ويحسب حوله ; لعموم قوله عليه السلام: " كل ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه " (1). فلو ولدت ثلاثون من البقر ثلاثين فهما نصابان يحسب حول كل منهما منفردا. وكذلك لو ولدت أربعون غنما فصاعدا مائة وإحدى وعشرين. وأما لو ولدت أربعون منها أربعين فالأظهر عدم الوجوب في السخال وإن حال عليها الحول، وكذا لو اشترى أربعين بعد ملك الأربعين ; لأنه عفو، كما لو ملك دفعة ثمانين. وعموم قوله: " في أربعين شاة شاة " ظاهر في النصاب المبتدئ. قال في المدارك: وإن كانت متممة للنصاب الثاني بعد إخراج ما وجب في الأول، كما لو ولدت ثلاثون من البقر أحد عشر، أو ثمانون من الغنم اثنين وأربعين، ففي سقوط اعتبار الحول الأول وصيرورة الجميع نصابا واحدا، أو وجوب زكاة كل منهما عند انتهاء حوله فيخرج عند انتهاء حول الأول تبيع أو شاة، وعند مضي سنة من تلك الزيادة شاتان أو مسنة، أو عدم ابتداء حول الزائد حتى ينتهي حول الأول ثم استئناف حول واحد للجميع أوجه، أوجهها الأخير، لوجوب إخراج زكاة الأول عند تمام حوله ; لوجود المقتضي وانتفاء المانع، ومتى وجب إخراج زكاته منفردا امتنع اعتباره منضما إلى غيره في ذلك الحول ; للأصل، وقوله عليه السلام: " لا ثنيا في صدقة " (2) وقول أبي جعفر عليه السلام: " لا يزكي المال من وجهين في عام واحد " (3) انتهى (4). الثاني: الارتداد الفطري في أثناء الحول يسقط الزكاة ويوجب استئناف الحول على الوارث، بخلاف الملي ; لبقائه على ملكه وإن حجر عليه. ويشكل بعدم التمكن من التصرف، والكلام المتقدم من التمكن لقدرته على


(1) الكافي 3: 534 ح 1، التهذيب 4: 41 ح 103، الاستبصار 2: 23 ح 65، الوسائل 6: 82 أبواب زكاة الأنعام ب 8 ح 1. (2) في نهاية ابن الأثير 1: 224 لا ثنى في صدقة: أي لا تؤخذ الزكاة مرتين في السنة. (3) الكافي 3: 520 ح 6، التهذيب 4: 33 ح 85، الوسائل 6: 67 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 7 ح 1. (4) المدارك 5: 77 .

[ 72 ]

الإسلام آت هنا. الخامس: من وجبت عليه بنت مخاض ولم تكن عنده، أجزأه ابن لبون على المشهور المدعى عليه الإجماع ظاهرا من التذكرة (1)، وتدل عليه روايات (2). وفي المسالك نقل إجزاءه عنها مطلقا عن بعض الأصحاب (3)، وهو ظاهر الإرشاد والدروس (4). وإن فقدهما، فالمشهور التخيير في اشترائهما، وعن ظاهر المعتبر والتذكرة أنه موضع وفاق (5). ويظهر من المسالك: وجود قول بتعين اشتراء بنت المخاض ; لأنها الثابتة في الذمة (6)، وظاهر رواية ربيعة بن سبيع الآتية (7) ذلك. واحتج المشهور: بأنه بشراء ابن اللبون يكون واجداله دون بنت المخاض. ويشكل بأن هذا لا يدفع وجوب شرائها ولزوم المعصية بتركها، وإن لم يناف حصول الامتثال بعد الشراء. وكيف كان فالأحوط شراء بنت مخاض، مع أن الروايات ظاهرة فيما كان عنده ابن لبون، لامحض التمكن منه (8). ومن وجب عليه سن من أسنان الإبل ولم يكن عنده يتخير بين إعطاء الأعلى منه


(1) التذكرة 5: 66. (2) الوسائل 6: 72 أبواب زكاة الأنعام ب 2. (3) المسالك 1: 374. (4) الإرشاد 1: 281، الدروس 1: 235. (5) المعتبر 2: 515، التذكرة 5: 68. (6) المسالك 1: 374. (7) الكافي 3: 539 ح 7، التهذيب 4: 95 ح 273، الوسائل 6: 87 أبواب زكاة الأنعام ب 13 ح 2. من بلغت صدقته ابنة لبون وليست عنده ابنة لبون وعنده ابنة مخاض فإنه تقبل منه ابنة مخاض ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته ابنة مخاض وليست عنده ابنة مخاض وعنده ابنة لبون فإنه تقبل منه. (8) الوسائل 6: 86 أبواب زكاة الأنعام ب 13 .

[ 73 ]

بدرجة وأخذ شاتين أو عشرين درهما، أو الأسفل كذلك وإعطاء أحد الأمرين بإجماع علمائنا، كما ادعاه العومة في التذكرة (1) وغيره (2) ; لرواية ربيعة بن سبيع. والاكتفاء بشاة وعشرة دراهم كما يظهر من التذكرة والدروس والمسالك (3) خروج عن المنصوص، وإن كان لا يخلو عن وجه ; لأنه لاتبعد استفادة مساواة عشرة دراهم لشاة، فالنظر في الرواية إلى ملاحظة التخيير بين الشاة والدرهم، لااعتبار انضمام الشاة مع الشاة، والدرهم مع الدرهم. والظاهر أن الصورة الأولى معاملة مع الفقير أو المصدق ثم إعطاء ما ينتقل إليه بنية الزكاة فينوي الزكاة، بالباقي بعد معاملة الفاضل منه على الفريضة بأحد الأمرين مع الفقير. ووجه الشهيد إيقاع النية على المجموع واشتراط المالك على الفقير ما يجبر به الزيادة، فتكون نية وشرطا، لانية بشرط (4). وأما الصورة الثانية فلا إشكال فيها. ثم إنهم لم يفرقوا في دفع الأعلى أو الأدنى مع الجبران بين ما تفاوتت القيمة السوقية للفريضة مع المدفوع على الوجه المذكور أم لا. ويشكل مع مساواة قيمة المأخوذ من الفقير مع نفس البدل المدفوع، واستوجه في المدارك عدم الإجزاء حينئذ (5) وفاقا لظاهر التذكرة (6)، وليس ببعيد ; لعدم تبادر هذه الصورة من النص، وحينئذ يشكل تصوير النية على ما ذكرنا. وأما لو كان عنده أعلى منها بدرجتين أو أكثر أو أسفل منها كذلك، فالأظهر عدم


(1) التذكرة 5: 66. (2) مجمع الفائدة 4: 82، مدارك الأحكام 5: 83. (3) التذكرة 5: 67، الدروس 1: 235، المسالك 1: 375. (4) غاية المراد 1: 252. (5) المدارك 5: 84. (6) التذكرة 5: 70 .

[ 74 ]

التعدي إلى تضاعف التقدير الشرعي ; اقتصارا على مورد النص فيما خالف الوظيفة الشرعية. وجوزه الشيخ في بعض أقواله (1)، واختاره العومة (2) ; نظرا إلى أن المساوي للمساوي مساو للشئ، فإن بنت المخاض وأحد الأمرين إذا كانت مساوية لبنت اللبون، وبنت اللبون وأحدهما مساوية للحقة، فتكون بنت المخاض مع أربع شياه أو أربعين درهما مساوية للحقة. وفيه: منع المساواة من كل وجه. ويظهر مما ذكرنا عدم التعدي إلى ما فوق الجذع من الأسنان بطريق الأولى، وكذا ما عدا أسنان الإبل من البقر والغنم ; لعدم النص، فيرجع مع فقد المذكورات عنده إلى اشترائها أو إلى القيمة لو لم توجد. وإن قلنا بكفاية القيمة في الأنعام أيضا كما هو الأظهر كما سيجئ فتجزي القيمة مطلقا. ومما ذكر يظهر الحال في كفاية الأعلى من غير جبران وعدمها، وإجزاء بنت مخاض عن خمس شياه وعدمه، فإن القاعدة تقتضي العدم إلا بالقيمة، بل لا يجزي بعير عن شاة في أربعين شاة إلا بالقيمة، وهكذا فقس. ولو كان النصاب كله دون الجذع، أو دون بنت المخاض مثلا، فيجب عليه تحصيل الفريضة، ولا يكتفي بواحد منها، سواء كان أعلى من الفريضة أو أدون إلا بالقيمة. وجوز العومة (3) والشهيد (4) إعطاء واحد منها، وهو غير واضح المأخذ. السادس: قال الصدوق في الفقيه: أسنان الإبل: من أول ما تطرحه أمه إلى تمام


(1) المبسوط 1: 194. (2) التذكرة 5: 69، المختلف 3: 177. (3) التذكرة 5: 70. (4) البيان: 289

[ 75 ]

السنة " حوار ". فإذا دخل في الثانية سمي " ابن مخاض " لأن امه قد حملت. فإذا دخل في الثالثة سمي " ابن لبون " ; وذلك أن امه قد وضعت وصار لها لبن. فإذا دخل في الرابعة سمي الذكر " حقا " والانثى " حقة " ; لأنه قد استحق أن يحمل عليه. فإذا دخل في الخامسة سمي " جذعا ". فإذا دخل في السادسة سمي " ثنيا " ; لأنه ألقى ثنيته. فإذا دخل في السابعة ألقى رباعيته وسمي " رباعيا ". فإذا دخل في الثامنة ألقى السن التي بعد الرباعية وسمي " سديسا ". فإذا دخل في التاسعة فطر نابه وسمي " بازلا ". فإذا دخل في العاشرة فهو " مخلف " وليس بعدها اسم. والأسنان التي تؤخذ في الصدقة من ابنة مخاض إلى الجذعة (1)، انتهى، وبذلك عرفت الفرائض في الإبل. وأما فريضة البقر: فالتبيع: هو ولد البقر في السنة الأولى في اللغة (2)، ولكن اعتبر فيه تمام الحول ; لحسنة الفضلاء. وظاهر الرواية تمام السنة ; لأنه قال: " تبيع حولي " فيشكل الاكتفاء بالحول الشرعي في النصاب ; لدلالة الدليل هناك على كفاية الدخول في الثاني عشر.


(1) الفقيه 2: 13، ومثل ذلك في الصحاح: 640، 1105، 1292، 1460، 1194، 2295، 1214، 937، 1632، 1355، إيأنه قال في الحوار: ولد الناقة، لا يزال حوارا حتى يفصل، فإذا فصل عن امه فهو فصيل. وقال في المخلف: يقال مخلف عام، ومخلف عامين. (2) انظر الصحاح 3: 1190 .

[ 76 ]

والمسنة: هي الثنية التي كملت لها سنتان، ودخلت في الثالثة، وادعى عليه في المنتهى الإجماع (1)، وكأنه اصطلاح شرعي. والمعتبر في الشاة التي تعطى في الزكاة سواء كان في الغنم أو الإبل هو المسمى ; لإطلاق الأخبار (2). وقال الشيخ (3) وجماعة (4): أقلها الجذع من الضأن، والثني من المعز ; لرواية سويد بن غفلة ; قال: أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وآله قال: نهانا أن نأخذ المراضع، وأمرنا أن نأخذ الجذعة والثنية (5). وهو أحوط إن قلنا بتسمية ما دونهما شاة في العرف، وإيفيتعين، ولا يبعد القول بالتسمية ; لأن الشاة اسم النوع. والاستدلال بالرواية مشكل من وجوه: الأول: ضعف السند. والثاني: عدم ظهور التفصيل، فإن الجذع والثني يطلقان على الضأن والمعز كليهما. والثالث: الإشكال في معنى الجذع والثني، أما الجذع فيظهر من الصحاح أنه ولد الشاة في السنة الثانية، والشاة جنس لهما (6)، وكذلك قال في القاموس (7)، وابن الأثير في النهاية (8)، وصاحب الكنز (9). ونقل في التذكرة عن ابن الأعرابي: أن ولد الضأن إنما يجذع ابن سبعة أشهر إذا


(1) المنتهى 1: 487. (2) الوسائل 6: 72، 78 أبواب زكاة الأنعام ب 2 وب 6. (3) الخلاف 2: 17، المبسوط 1: 200. (4) كالمحقق في المعتبر 2: 512، والعلامة في المنتهى 1: 489. (5) المجموع 5: 399، سنن النسائي 5: 30، سنن أبي داود 1: 102 ح 1580. (6) الصحاح 3: 1194. (7) القاموس المحيط 3: 19 باب العين فصل الجيم. (8) النهاية لابن الأثير 1: 250. (9) كنز الحفاظ: 381 باب صفة النساء بالنسبة إلى أزواجهن .

[ 77 ]

كان أبواه شابين، ولو كانا هرمين لم يجذع حتى يستكمل ثمانية أشهر (1). ونقل في الصحاح قولا بأن ولد النعجة يجذع في ستة أشهر أو تسعة أشهر (2). وأما أصحابنا ففسره جماعة: بما دخل في الثانية، وبعضهم بما تم له سبعة أشهر، والأول هو المستفاد من صحيحة إسحاق بن عمار: السخل متى تجب فيه الصدقة ؟ قال: " إذا أجذع " (3). وكذلك اختلف كلام الأصحاب في الثني من المعز، ففسره جماعة في صفات الهدي بما دخل في الثانية (4). وفسره العومة بما دخل في الثالثة (5) ; مطابقا لكلام أهل اللغة. قيل: ولعل مستند الأول العرف (6)، وهو أحوط. وهذا كله مؤيد للاكتفاء بمسمى الشاة، سيما مع مطابقة الأصل والإطلاقات. السابع: لا تؤخذ المريضة، ولا الهرمة، ولا ذات العوار ; لقوله تعالى: * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) * (7). وصحيحة محمد بن قيس، عن الصادق عليه السلام، قال: " ولا تؤخذ هرمة، ولاذات عوار، إلا أن يشاء المصدق " (8). وقوله عليه السلام: " إلا أن يشاء المصدق " بظاهره مخالف لاتفاقهم، ويمكن حمله على أن يأخذها المصدق أي الساعي لنفسه ويعطي الفقير عوضه، أو أن يأخذها بالقيمة.


(1) التذكرة 5: 107. (2) الصحاح 3: 1194. (3) الكافي 3: 535 ح 4، الفقيه 2: 15 ح 39، الوسائل 6: 83 أبواب زكاة الأنعام ب 9 ح 3. (4) كالمحقق في الشرائع 1: 235، والعومة في إرشاد الأذهان 1: 332. (5) التذكرة 5: 106. (6) القائل هو صاحب المدارك 5: 94. (7) البقرة: 267. (8) التهذيب 4: 25 ح 59، الاستبصار 2: 23 ح 62، الوسائل 6: 85 أبواب زكاة الأنعام ب 10 ح 3 .

[ 78 ]

والظاهر أنه لافرق بين انحصار الفريضة فيها وعدمه إذا كان الباقي صحيحا، فيؤخذ غيرها حينئذ ولو بالقيمة. وأما لو كان الكل مريضا فلا يجب عليه شراء الصحيحة، بلا خلاف من الأصحاب، بل من العلماء كما يظهر من المنتهى (1). ونقل عن بعض العامة القول بوجوب شراء الصحيحة (2) ; لقوله عليه السلام: " لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولاذات عوار " (3). وأجاب عنه بالحمل على ما إذا كان النصاب صحاحا ; لأنه المتعارف أيضا، قال: ولا بأس به، وإن كان المصير إلى هذا القول محتملا. أقول: الأصل وفتوى الأصحاب كافية لنا مع تبادر صحة غالب النصاب أيضا، فالقول بعدم الوجوب متعين. وهنا فوائد: الأولى: إذا تعدد ما هو بصفة الفريضة فلا خيار للساعي ; للأصل، والإطلاق. وقيل: بالقرعة مع التشاح، وهو ضعيف ; لعدم الإشكال، وهي لكل أمر مشكل، ولانص بالخصوص أيضا. الثانية: إذا كان له أموال متفرقة، فله الإخراج من أيها شاء، تساوت قيمتها أو اختلفت ; للعموم. وقيل: بالتقسيط إن لم يتبرع المالك بالأجود (4)، وكذا لا يجوز الدفع من غير غنم البلد.


(1) المنتهى 1: 485. (2) كمالك في الموطأ 1: 259 ح 23. (3) سنن ابن ماجة 1: 577 ح 1805، 1807، سنن النسائي 5: 29. (4) كما في المسالك 1: 381.

[ 79 ]

وقيل: لا يجزي الأدون إلا بالقيمة (1). الثالثة: المعز والضأن في الحكم واحد بلا خلاف، وكذلك العراب والبخاتي من الإبل، وكذلك البقر والجاموس ; لصدق الاسم، وخصوص صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال، قلت له: في الجاموس شئ ؟ قال: " مثل ما في البقر " (2). ويختار المالك في إخراج أي الصنفين شاء، وذهب جماعة منهم العومة في المختلف إلى التقسيط مع اختلاف القيمة (3)، مثل أن يكون عنده خمس عشرة بقرة ومثلها جاموسا، وكذا عشرون ضأنا ومثلها معزا، فإذا كان التبيع في البقر يسوى عشرين درهما وفي الجاموس ثلاثين، فيأخذ تبيعا من الجاموس يسوى خمسا وعشرين، أو مثله في البقر، وهكذا. الرابعة: لا تؤخذ الربى، وهي الوالد، قال في الشرائع: إلى خمسة عشر يوما، وقيل: إلى خمسين (4)، ولم نقف على دليل التعيين. ولا الأكولة، وهي السمينة المعدة للأكل. ولافحل الضراب ; لموثقة سماعة، وفيها: " لا تؤخذ الأكولة، والأكولة الكبيرة من الشاة تكون في الغنم، ولا والد، ولا الكبش الفحل " (5) وتؤيده صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج على وجه (6). ولعل الوجه في منع أخذ الربى أن فيه إضرارا بولدها، وربما علل بالمرض ; لأنها نفساء، ولذا لا تتخذ النفساء.


(1) كما في المسالك 1: 383. (2) الكافي 3: 534 ح 2، الفقيه 2: 14 ح 36، الوسائل 6: 77 أبواب زكاة الأنعام ب 5 ح 1. (3) المختلف 3: 182. (4) الشرائع 1: 137. (5) الكافي 3: 535 ح 3، الفقيه 2: 14 ح 38، الوسائل 6: 84 أبواب زكاة الأنعام ب 10 ح 2. (6) الفقيه 2: 14 ح 37، الوسائل 6: 84 أبواب زكاة الأنعام ب 10 ح 1. عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ليس في الأكيلة ولا في الربى - التي تربي اثنين - ولا شاة لبن ولا فحل الغنم صدقة .

[ 80 ]

ثم إن ما مر من أن المختار إنما هو المالك لا الساعي كان يكفي عن مؤونة ذلك، ولكن الفائدة تظهر إذا تبرع المالك في أن المنع في الربى هل هو لأجل المرض أو لعدم الإضرار في غيرها في من منع الزكاة وكان الأخذ بيد الساعي، فيكون المنع في بعضها لأجل المرض، وفي بعضها لعدم الإضرار، مع أن في صحيحة بريد أن أمي رالمؤمنين عليه السلام قال لمصدقه: " إياك وكرائم أموالهم " (1) والأكولة والفحل من الكرائم. ثم إنهم اختلفوا في عد الأكولة وفحل الضراب في النصاب وعدمه على أقوال، الأكثر على الأول ; للإطلاقات والعمومات، وقوله عليه السلام في صحيحة محمد بن قيس: " يعد صغيرها وكبيرها " (2). والمحقق في النافع والشهيد في اللمعة على الثاني (3)، ولعل مستندهما صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق عليه السلام، أنه قال: " ليس في الأكيلة ولا في الربى - والربى التي تربي اثنين - ولا شاة لبن، ولا فحل الغنم صدقة " وهي، مع اشتمالها على ما لا يقول به الأصحاب، لا دلالة فيها على ذلك، ويمكن حملها على عدم الأخذ، لاالعد. والشهيد في البيان على عدم عد الفحل خاصة، إلا أن تكون كلها فحولا أو معظمها (4)، ودليله غير معلوم. الثامن: إنما تجب الزكاة في العين في كل ما تجب فيه الزكاة على المعروف من مذهب الأصحاب، ونقل ابن حمزة عن بعض الأصحاب قولا بتعلقها بالذمة (5).


(1) وجدنا هذا اللفظ في سنن الدارمي 1: 384، وليس هو في رواية بريد، انظر الكافي 3: 536 ح 1، التهذيب 4: 96 ح 274، الوسائل 6: 88 أبواب زكاة الأنعام ب 14 ح 1. (2) التهذيب 4: 25 ح 59، الاستبصار 2: 23 ح 62، الوسائل 6: 78 أبواب زكاة الأنعام ب 6 ح 2 وهامشه. (3) المختصر النافع: 56، اللمعة (الروضة البهية) 2: 27. (4) البيان: 290. (5) نقله عنه في البيان: 303، وقال في الجواهر 15: 139 وفي البيان عن ابن حمزة أنه نقله عن بعض الأصحاب، قيل: ولعله في الواسطة، إذ ليس لذلك في الوسيلة أثر .

[ 81 ]

والأقوى الأول، وادعى عليه في المنتهى إجماع أصحابنا وأكثر أهل العلم (1)، واستدلوا عليه بقولهم عليهم السلام: " في كل أربعين شاة شاة، وفي خمس من الإبل شاة، وفي ثلاثين من البقر تبيع، وفيما سقت السماء العشر، وفي عشرين مثقالا من الذهب نصف مثقال " فإن ظاهرها التعلق بالعين. أقول: الظهور في قوله عليه السلام " فيما سقت السماء العشر " ظاهر ; فإن ظاهر العشر عشر ما سقت السماء، بأن تكون اللام بدل الإضافة، ويقرب منه الكلام الآخر والكلام الأول. وأما قوله عليه السلام: " في خمس من الإبل شاة " فهو مشكل ; لأن الشاة ليست في الخمس، وإن أريد قيمة شاة فهو ينافي أصالة الشاة، فإن الأصل في الفرائض أيضا هو العين، والقيمة بدل، وجوازها مختلف فيه، خصوصا في الأنعام. فلابد أن تجعل كلمة في للسببية حتى تبقى الشاة على حقيقتها، وحينئذ لايتم وجوبها في العين أيضا، بل ظاهرها حينئذ التعلق بالذمة لا العين، إلا أن يقدر إعطاء شاة حاصلة من خمس إبل، وهذا التقدير والإضمار ليس بأولى من مجاز السببية. وكذلك قولهم عليهم السلام: " في كل ثلاثين من البقر تبيع "، و " في كل ست وعشرين من الإبل بنت مخاض " لايتم في كثير من الأوقات إلا بهذا التقدير، فإنهما قد لا توجدان في النصاب، فيجب أن يشتري من الخارج. ولكن ملاحظة النظائر توجب حمل الجميع على وجوب الفرائض محصلة من النصب، إما بإخراجها بعينها منها على فرض حصولها فيها، أو بتبديل بعض النصب بها على فرض عدمها، سواء أمكن حصولها فيها كما في غير العبارة الثانية، أو استحال كما فيها. فعلى هذا فعين الفريضة في الغوت هي عين عشرها، لا مقدار عشرها ولو من


(1) المنتهى 1: 505.

[ 82 ]

غيرها، وعين الفريضة من خمس من الإبل مثلا هي الشاة المحصلة منها، ومن البقر وسائر نصب الإبل هو القدر المشترك بين نفس الفرائض الموجودة فيها، أو المحصلة من جانبها بالمعاوضة. ثم إن ههنا أمرين آخرين: أحدهما البدل المثلي، والآخر القيمة، والظاهر عدم الإشكال في جواز إعطاء المثل، كإعطاء مساوي العشر في الغوت من غير النصاب، وإعطاء الشاة والتبيع مثلا مع وجودهما في النصاب من غيره، واشتراء الشاة في خمس من الإبل، وكذا التبيع وبنت المخاض مثلا فيما لو لم يوجد في النصاب من غير معاوضة بعض النصاب، ولم نقف على خلاف في ذلك، وأجروا ذلك مجرى إعطاء عين الفريضة، فمرادهم بالعين عين جنسها. نعم، اختلفوا في جواز القيمة عن العين، والمشهور الجواز مطلقا، بل ادعى في المعتبر الإجماع عليه في الغوت والنقدين (1). وخالف المفيد في الأنعام فلم يجوزه، إلا أن تعدم الأسنان المخصوصة في الزكاة (2)، ويظهر من المحقق في المعتبر الميل إليه (3)، وقواه صاحب المدارك ; لعدم الدليل (4). والأظهر المشهور ; لأن الشيخ ادعى في الخلاف عليه إجماع الفرقة وأخبارهم (5)، ومنع المعتبر - للإجماع والأخبار - لا يضره. وأما الأخبار، فالذي وقفنا عليه هو صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يعطي عن الزكاة ; عن الدراهم دنانير، وعن الدنانير دراهم بالقيمة، أيحل ذلك ؟ قال: " لا بأس " (6).


(1) المعتبر 2: 516. (2) المقنعة: 253. (3 المعتبر 2: 517. (4) المدارك 5: 91. (5) الخلاف 2: 50. (6) الفقيه 2: 16 ح 51، التهذيب 4: 95 ح 272، الوسائل 6: 114 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 14 ح 2 .

[ 83 ]

وصحيحة محمد بن خالد البرقي، قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: هل يجوز - جعلت فداك - أن أخرج عما يجب في الحرث من الحنطة والشعير وما يجب على الذهب دراهم بقيمة ما يسوى، أم لا يجوز إلا أن يخرج من كل شئ ما فيه ؟ فأجابه عليه السلام: " أيما تيسر يخرج " (1). ويمكن الاستدلال بعموم هذه الرواية في الأنعام - وإن أمكن القدح بأن يكون المراد: كل شئ من المذكورات، وأيما تيسر منها - لظهور العموم مع ما سننقله عن قرب الإسناد. وأما غير الحنطة والشعير من الغوت فيثبت بعدم القول بالفصل. وكذا غير الدراهم، وإن روى في الكافي، عن سعيد بن عمرو، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت: أيشتري الرجل من الزكاة الثياب والسويق والدقيق والبطيخ والعنب فيقسمه ؟ قال: " لا يعطيهم إلا الدراهم كما أمر الله تعالى " (2) إذ لم نقف على من حصر فيها إلا ما استشكل صاحب المدارك في إخراج القيمة فيما عدا النقدين ; لقصور الروايتين عن إفادة العموم (3). وفيه: مع أن عدم القول بالفصل يثبت في البعض، يدل عليه أيضا ما نقل عن قرب الإسناد، عن يونس بن يعقوب قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة، فأشتري لهم منها ثيابا أو طعاما، وأرى أن ذلك خير لهم، قال، فقال: " لا بأس " (4). قال في المدارك: ومتى سوغنا إخراج القيمة، فالمعتبر فيها وقت الإخراج ; لأنه وقت الانتقال إليها، وقال العومة في التذكرة: إنما تعتبر القيمة وقت الإخراج إن لم يقوم الزكاة على نفسه، فلو قومها وضمن القيمة ثم زاد السوق أو انخفض قبل


(1) الكافي 3: 559 ح 1، الفقيه 2: 16 ح 27، التهذيب 4: 95 ح 271، الوسائل 6: 114 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 14 ح 1. (2) الكافي 3: 559 ح 3، الوسائل 6: 114 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 14 ح 3. (3) المدارك 5: 93. (4) قرب الإسناد: 24، الوسائل 6: 114 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 14 ح 4

[ 84 ]

الإخراج فالوجه وجوب ما يضمنه خاصة دون الزائد والناقص، وإن كان قد فرط بالتأخير حتى انخفض السوق أو ارتفع، أما لو لم يقوم ثم ارتفع السوق أو انخفض أخرج القيمة وقت الإخراج، هذا كلامه - رحمه الله - وفي تعيين القيمة بمجرد التقويم نظر، انتهى كلامه رحمه الله (1). أقول: ولعل نظره إلى أن الزكاة وإن كان متعلقة بالعين، لكن الشارع رخص المالك في التصرف في حق الفقير وإعطاء بدله أو قيمته، وفي صورة اختيار القيمة تكون هذه مبايعة والتولية من الطرفين مع المالك، فتقويمه بمنزلة بيعه من نفسه، فليس في ذمته الا ما قومه على نفسه. ثم إنه يجوز في القيمة أن تكون عينا ومنفعة، ولو كان بإجارة الغني نفسه من الفقير، ثم احتساب وجه الإجارة من الزكاة. فلنرجع إلى الكلام في تعلق الزكاة بالعين ونقول: إنهم استدلوا على المشهور أيضا بأنها لو وجبت في الذمة لتكررت في النصاب الواحد بتكرر الحول ولم تقدم على الدين مع بقاء عين النصاب إذا قصرت التركة، ولم يسقط بتلف النصاب من غير تفريط، ولم يجز للساعي تتبع العين لو باعها المالك، واللوازم باطلة اتفاقا، وقد تمنع الملازمة وبطلان التالي، سيما في الأخير. ويرد على الأولين أنهما دوريان ; لتعليلهم الحكمين بتعلق الزكاة بالعين، فكيف يستدل بهما عليه مع أن الاتفاق على بطلان التالي لو سلم فهو المثبت فيها. واعلم أن القدر المحقق في تقدم الزكاة على الدين إنما هو مع وجود النصاب، ولا دليل عليه في غيره. وأما الثالث، فهو أيضا إنما ثبت بالدليل من الاتفاق وحسنة محمد بن مسلم (2).


(1) المدارك 5: 92، وانظر التذكرة 5: 198. (2) الكافي 3: 538 ح 2، التهذيب 4: 68 ح 186، الاستبصار 2: 10 ح 29، الوسائل 6: 46 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 13 ح 3. والحسنة: قال: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى متاعا وكسد عليه وقد كان زكى ماله قبل أن يشتري المتاع متى يزكيه ؟ فقال: إن كان أمسك متاعه يبتغي به رأس ماله فليس عليه زكاة، وإن كان حبسه بعد ما يجد رأس ماله فعليه الزكاة بعد ما أمسكه بعد رأس المال .

[ 85 ]

وأما الرابع، فمضافا إلى ما مر فيه أن العومة في التذكرة (1) بعد ما اختار جواز تصرف المالك في النصاب بالبيع وغيره وعدم جواز الفسخ للساعي معللا بأن تعلقها بالعين تعلق لايمنع التصرف كأرش الجناية، ولعدم استقرار ملك المساكين لجواز دفع القيمة، قال: إذا ثبت هذا فإن أخرج الزكاة من غيره وإلا كلف إخراجها، وإن لم يكن متمكنا فالأقرب فسخ البيع في قدر الزكاة ويؤخذ منه، ويرجع المشتري بقدرها ; لأن على الفقراء إضرار في تمام البيع، وتفويتا لحقهم، فوجب فسخه، ثم يتخير المشتري لتبعض الصفقة. ويظهر منه أن تتبع العين ليس بإجماعي، مع أن العلة لعلها هي الإضرار حينئذ كما ذكره. وكيف كان فالاعتماد في المسألة على الإجماع المنقول في المنتهى (2) والتذكرة (3)، وظواهر الأخبار المتقدمة، وخصوص صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل لم يزك إبله أو شاءه عامين فباعها، على من اشتراها أن يزكيها لما مضى ؟ قال: " نعم، تؤخذ منه زكاتها، ويتبع بها البائع، أو يؤدي زكاتها البائع " (4). وقوية أبي المعزا عن الصادق عليه السلام، قال: " إن الله تبارك وتعالى أشرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال، فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم " (5). وفي كيفية التعلق بالعين وجوه ثلاثة: أظهرها: أنه من باب الاستحقاق والشركة،


(1) التذكرة 5: 185. (2) المنتهى 1: 505. (3) التذكرة 5: 186. (4) الكافي 3: 531 ح 5، الوسائل 6: 86 أبواب زكاة الأنعام ب 12 ح 1. (5) الكافي 3: 545 ح 3، الوسائل 6: 147 أبواب المستحقين للزكاة ب 2 ح 4 .

[ 86 ]

وهو لا ينافي جواز التصرف والأداء من خارج ; لدليل آخر، مثل ما مر من الأدلة على جواز إخراج القيمة من الإجماع والأخبار، سيما الصحيحة المتقدمة، وهو ظاهر الأصحاب، وهو ظاهر معنى التعلقها بالعين. قال في التذكرة: الزكاة تتعلق بالعين عندنا وعند أبي حنيفة، إلا أن أبا حنيفة قال: لا يستحق بها جزءا منها، وإنما يتعلق بها كتعلق الجناية بالعبد الجاني (1). والثاني أنه استيثاق كالرهن، فالحق يتعلق بذمة المالك والنصاب كالرهن. والثالث أنه استيثاق، كتعلق أرش الجناية بالعبد، فلا يتعلق شئ بذمة المالك، بل يتعلق بالنصاب، لكن المالك مخير بين أدائها منه أو فكها بالقيمة كالعبد الجاني المخير مولاه بين الامور الثلاثة. احتج القائل بتعلقها بالذمة: بأنها لو وجبت في العين لكان للفقير إلزام المالك بالأداء منها ومنعه من التصرف قبل إخراج الفرض، وبأنه لا يتبعه النماء، فلا يتعلق بالعين. وجوابه: منع الملازمة ; لما مر من الدليل على جواز تصرفه في العين، وهو لا ينافي تعلقها بها. وأما الجواب عن الأخير، فقال في التذكرة: وملك المساكين غير مستقرحيث كان للمالك العدول، فلم يتبعه النماء، على أن لمانع أن يمنع ذلك (2). أقول: والمنع الأخير مشكل ; لعدم ثبوت الملك المستقر بحيث يترتب عليه جميع آثاره. نعم، روى الكليني، عن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن الزكاة تجب علي في مواضع لا يمكنني أن اؤديها، قال: " اعزلها، فإن اتجرت بها فأنت لها ضامن، ولها الربح، وإن نويت في حال ما عزلتها من غير أن


(1) التذكرة 5: 187. (2) التذكرة 5: 185.

[ 87 ]

تشغلها في تجارة فليس عليك شئ، وإن لم تعزلها فاتجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح، ولاوضيعة عليها " (1)، فيتقوى المنع حينئذ. وكيف كان فالظاهر عدم دخول الحمل أعطاها الشاة الحاملة فيسترد ولدها. ومن فروع المسألة: عدم تكرار الزكاة بتكرر الحول على النصاب الواحد إذا لم يخرجها من خارج، لانثلام النصاب في العام الأول، بخلاف ما لو أخرجها من مال آخر، فيبقى النصاب سالما ثم يحول عليه الحول. وقد أشرنا إلى ذلك فيما مضى. فلو كان عنده ست وعشرون من الإبل ومضى عليه حولان وجب عليه بنت مخاض وخمس شياه، وإن مضى ثلاثة فيزيد عليه أربعة اخر فيصير تسعة. قال في المدارك: وهذا مقيد بما إذا كان النصاب بنات مخاض، أو مشتملا عليها، أو قيمة الجميع بنات مخاض، وإلا فإن كانت زائدة عن قيمة بنت المخاض أمكن أن يفرض خروج قيمة بنت المخاض عن الحول الأول من جزء واحد من النصاب ويبقى منها قيمة خمس شياه عن الحول الثاني، فيجب في الثالث خمس شياه أيضا ولو كانت ناقصة عن قيمة بنت المخاض نقص النصاب في الحول الثاني عن خمس وعشرين، فيجب فيه أقل من خمس شياه كما لا يخفى (2). أقول: والزكاة لا تتعلق بالنيف كما مر، وإذا لوحظ خروج خمس شياه من نفس النصاب فينثلم. ونيابة ذلك الجزء الباقي عما قوبل بخمس شياه من أصل النصاب، مع أنه لايتم إلا إذا وافق ذلك الجزء له في تصحيح إبل وإتمامه فيه أن الذي دل عليه الدليل في أحكام الزكاة هو الإبل الصحاح، فيشكل الاطراد في الكسور.


(1) الكافي 4: 60 ح 2، الوسائل 6: 214 أبواب المستحقين للزكاة ب 52 ح 2. (2) المدارك 5: 101

[ 88 ]

فلو كان لأحد من كل واحد من عشرة من الإبل نصفا لا يستفاد حكمه من تلك الأدلة، فيشكل الحكم بوجوب شاة عليه. تنبيه: لا يجوز التصرف في العين على القول بتعلقها بالعين قبل الضمان. ولو باعها قبل أداء الزكاة وبعد الضمان فتصح في الجميع، وإن كان قبل الضمان نفذ في نصيبه، وأما في القدر الواجب فيبطل على الأقوى من كونه من باب الشركة، وكذا على القول بالرهن، وعلى الجناية فقيل: إن البيع التزام بالزكاة، فإن أداها نفذ، وإلا فيتبع الساعي العين. ولو باع الجميع ثم أخرج الزكاة فقيل: يصح البيع في الجميع. وقيل: يقف على الإجازة من المالك ثانيا ; لتجدد الملك، كما لو باع مال غيره ثم اشتراه، وهذا أظهر. التاسع: المشهور الأقوى أن أول نصاب الذهب عشرون دينارا، وفيه نصف دينار. ثم ليس فيه حتى يبلغ أربعة دنانير، ففيها قيراطان عشر دينار. وهكذا كلما زاد أربعة ففيها عشر دينار، وليس في النيف شئ. وعن الصدوقين (1) وجماعة من أصحاب الحديث (2): أن نصابه الأول أربعون دينارا، فيه دينار. ونقل في المختلف عن علي بن بابويه أنه نفى النصاب الثاني وقال: ليس في النيف شئ حتى يبلغ أربعين (3). (1) نقله عن علي بن بابويه في الشرائع 1: 477، والمختلف 3: 182، وعن ابنه الصدوق في المعتبر 2: 523. (2) حكاه عنهم صاحب المعتبر 3: 523. (3) المختلف 3: 182 .

[ 89 ]

ويدل على المشهور أخبار كثيرة: منها: صحيحة البزنطي (1). ومنها: صحيحة الحلبي (2)، وحسنة محمد بن مسلم (3) الدالتان على أن نصاب الذهب هو ما يسوى مائتي درهم، مضافا إلى ما ذكر الأصحاب (4) وغيرهم (5) أن كل دينار في ذلك الزمان كان مساويا لعشرة دراهم، وتشهد به ملاحظة مقادير الديات. واحتج ابن بابويه بموثقة محمد بن مسلم وأبي بصير وبريد والفضيل (6). وتدل عليه صحيحة زرارة أيضا (7)، وهما لا تقاومان أدلة المشهور، فالعمل عليه. وأما الفضة فنصابها الأول مائتا درهم، فيه خمسة دراهم. وكلما زادت أربعين ففيها درهم، وليس في الأقل من ذلك ولافي النيف شئ ويدل عليه الإجماع (8) والأخبار المعتبرة (9). ثم إنه لا يضم أحد النقدين إلى الآخر في النصاب، فلا يجب في عشرة دنانير


(1) التهذيب 4: 138 ح 391، الوسائل 6: 344 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 4 ح 1، في المعدن حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا. (2) الكافي 3: 516 ح 7، الوسائل 6: 92 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 1 ح 1. عن الذهب والفضة ما أقل ما يكون فيه الزكاة ؟ قال: مائة درهم وعدلها من الذهب. (3) الكافي 3: 516 ح 5، التهذيب 4: 10 ح 28، الاستبصار 2: 13 ح 38، الوسائل 6: 92 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 1 ح 2. عن الذهب كم فيه من الزكاة ؟ قال: إذا بلغت قيمته مائتي درهم فعليه الزكاة. (4) كالمحقق في المعتبر 2: 525، والعومة في المنتهى 1: 492. (5) كالكاساني في بدائع الصنائع 2: 18. (6) التهذيب 4: 11 ح 29، الاستبصار 2: 13 ح 39، الوسائل 6: 94 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 1 ح 13، قالا: في الذهب في كل أربعين مثقالا ; مثقال، وفي الورق في كل مائتي درهم خمسة دراهم، وليس في أقل من أربعين مثقالا شئ، ولا في أقل من مائتي درهم شئ، وليس في النيف شئ حتى يتم أربعون فيكون فيه واحد. (7) التهذيب 4: 92 ح 267، الاستبصار 2: 38 ح 119، الوسائل 6: 95 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 1 ح 14، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل عنده مائة درهم وتسعة وتسعون درهما وتسعة وثلاثون دينارا أيزكيها ؟ فقال: لا، ليس عليه شئ من الزكاة في الدراهم ولا في الدنانير حتى يتم أربعون دينارا، والدراهم مائتا درهم. (8) حكاه في المعتبر 2: 529، والمنتهى 1: 493. (9) الكافي 3: 516 ح 7، التهذيب 4: 12 ح 33، الوسائل 6: 96 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 2 ح 1 و 10. سألته عن النيف والخمسة والعشرة، قال: ليس عليه شئ حتى يبلغ أربعين .

[ 90 ]

ومائة درهم شئ، وكذا غيرهما من الأجناس ; للإجماع (1)، والأخبار (2). وخلاف بعض العامة ضعيف (3). ثم إن الدينار لم يختلف في الجاهلية والإسلام، ولم يتغير عما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، ونقل على ذلك اتفاق العلماء (4)، بخلاف الدراهم، والمعتبر فيها ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله. وقد ذكر علماء الفريقين (5) أنها كانت حينئذ ستة دوانيق، وصرح به أهل اللغة (6)، وعليه تحمل أخبار أئمتنا عليهم السلام أيضا. قال العومة في المنتهى والتذكرة والتحرير: إنها كانت في صدر الإسلام صنفين: بغلية وهي السود، كل درهم ثمانية دوانيق، وطبرية، كل درهم أربعة دوانيق، فجمعا في الإسلام وجعلا درهمين متساويين وزن كل درهم ستة دوانيق. ثم قال: فصار وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكل درهم نصف مثقال وخمسه، وهو الدرهم الذي قدر به النبي صلى الله عليه وآله المقادير الشرعية في نصاب الزكاة والقطع ومقدار الديات والجزية، إلى آخر ما ذكره (7). وأما الدانق، فاتفقوا على أن كل دانق وزنه ثمان حبات من أواسط الشعير كما صرح به علماء الفريقين، كذا ذكره في المنتهى والتذكرة (8). وأما الدينار، فهو والمثقال الشرعي متحدان، والمثقال الشرعي درهم وثلاثة أسباع


(1) كما عن العومة في التذكرة 5: 138. (2) الكافي 3: 515 ح 3، التهذيب 4: 12 ح 33، الوسائل 6: 93 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 1 ح 5 و 11. ليس فيما دون العشرين مثقالا من الذهب شئ. (3) كمالك والأوزاعي والثوري وأحمد - في رواية - والحسن وقتادة وأصحاب الرأي، انظر التذكرة 5: 138. (4) التذكرة 5: 121، قال العومة: واعلم أن المثاقيل لم تختلف لا في جاهلية ولا إسلام، وأما الدراهمث. (5) منهم ابن قدامة في المغني 2: 597، والشربيني في مغني المحتاج 1: 389، والصنعاني في سبل السلام 2: 602. (6) كالفيومي في المصباح المنير: 193. (7) المنتهى 1: 493، التذكرة 5: 121، التحرير 1: 64. (8) المنتهى 1: 493، التذكرة 5: 121 .

[ 91 ]

درهم، وهو ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي. فيكون العشرون مثقالا من الذهب في وزان ثمانية وعشرين درهما وأربعة أسباع درهم، وخمسة عشر مثقالا بالصيرفي. والمائتا درهم في وزان مائة وأربعين مثقالا شرعيا، ومائة وخمس مثاقيل بالصيرفي. ولا إشكال في ذلك كله إلا في الدانق، فإن رواية سليمان بن حفص المروزي تدل على أنه وزان اثنتا عشرة حبة من أواسط الشعير (1)، ولكنها ضعيفة متروكة، والعمل على المشهور. العاشر: يشترط في وجوب زكاة النقدين كونهما مسكوكين بسكة المعاملة بإجماعنا (2) وأخبارنا، مثل صحيحة علي بن يقطين المتقدمة (3)، وموثقة جميل (4) وغيرهما (5). ولا تشترط فعلية التعامل، بل يكفي كون السكة سكة المعاملة. ولا يكفي مطلق النقش. والمتبادر من المنقوش في الصحيحة هو ذلك، كما هو المتبادر من لفظ الدرهم والدينار أيضا، وإطلاقها يشمل المهجورة أيضا، ولا زكاة في غير المنقوش وإن جرت به المعاملة.


(1) وسائل الشيعة 1: 338 أبواب الوضوء ب 50 ح 3. (2) انظر المدارك 5: 115. 1. التهذيب 4: 8 ح 19، الاستبصار 2: 6 ح 13، الوسائل 6: 105 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 8 ح 2، وفيها: وكل ما لم يكن ركازا فليس عليك فيه شئ، قال، قلت: وما الركاز ؟ قال: الصامت المنقوش ثم قال: إذا أردت ذلك فاسبكه، فإنه ليس في سبائك الذهب ونقار الفضة زكاة. (4) الكافي 3: 518 ح 9، التهذيب 4: 7 ح 18، الاستبصار 2: 7 ح 16، الوسائل 6: 105 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 8 ح 3، وفيها: ليس في التبر زكاة، إنما هي على الدنانير والدراهم. (5) انظر الوسائل 6: 105 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 8 .

[ 92 ]

وقد تقدم الكلام فيما لو جعلها سبائك لأجل الفرار، وأن الأظهر عدم الوجوب، نعم يستحب. وكذلك يشترط حؤول الحول على مجموع النصاب كما تقدم في الحيوان بالإجماع والأخبار. وقد تقدم الكلام في التبديل بالجنس وغيره، والفرار قبل الحول وفي الأثناء. وقيل: تستحب الزكاة في الحلي المحرم (1)، ولم نقف على دليله، أوجبه العامة (2)، ولا دليل لهم. والأخبار النافية للزكاة عن مطلق الحلي تشمله، وفي بعضها: " لا، وإن بلغ مائة ألف " (3) وفي بعض الأخبار المعتبرة: " إن زكاة الحلي أن تعار " (4). تنبيهان: الأول: مقتضى الفتاوى وإطلاقات الأدلة أنه يضم الردئ من كل من الجنسين إلى جيدهما. فإن أخرج الزكاة عن المجموع من الجيد، فقد أحسن إلى نفسه وحاز الفضل، ودونه في الفضيلة الإخراج من كل نوع بقسطه. ويجوز إخراج الجميع من الأدنى لصدق الاسم، وإن زاد فيه حينئذ بحيث تساوي قيمته الأفضل أو التقسيط لكان أفضل. ولكن لا يجوز الإخراج عن الأدنى من الأعلى بالقيمة، واحتمل العومة الإجزاء


(1) القائل هو الشيخ في الجمل والعقود (الرسائل العشر): 205. (2). كالشافعي في الجديد، وقال به عمر، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم، انظر المجموع 6: 36، 46، وفتح العزيز 6: 19 - 20، والمغني 2: 604، وبدائع الصنائع 2: 17. (3) الكافي 3: 518 ح 4، التهذيب 4: 8 ح 20، الاستبصار 2: 7 ح 17، الوسائل 6: 106 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 9 ح 4. (4) التهذيب 4: 8 ح 22، الاستبصار 2: 7 ح 19، الوسائل 6: 108 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 10 ح 2 .

[ 93 ]

اعتبارا بالقيمة (1)، وهو مشكل ; لأن المتبادر من القيمة هو الخارج من الجنس. الثاني: إنما يعتبر في الدراهم المغشوشة بغير النقدين بلوغ الصافي منه النصاب. ولا يخرج المغشوش عن الصافي، إلا إذا علم اشتماله على الفريضة من الصافي. وكذلك ما غش فيه أحد النقدين بالآخر يعتبر في كل منهما بلوغ النصاب على حدة. ثم إذا علم بلوغ الصافي من المغشوش حد النصاب، وعلم قدره، فيخرج زكاته من الخالص أو من المغشوش بحيث يحصل له اليقين بالوفاء. وإن جهل القدر، فإن تطوع بالصافي عن جملة المغشوش أو بما يحصل به اليقين من المغشوش أو الصافي فهو، وإلا فيلزم بتصفيته لتحصيل البراءة اليقينية. وذهب الفاضلان (2) وغيرهما (3) إلى الاكتفاء بما تيقن اشتغال ذمته به، كما لو شك في بلوغ الصافي النصاب أولا. وفيما ذكروه إشكال ; إذ الأحكام متعلقة بالنصب، وهي أسماء لما في نفس الأمر، فإذا قال الشارع: " في أربعين شاة شاة " أو " في عشرين مثقالا نصف دينار "، وكان المكلف واجد اللغنم والذهب، لكنه شاك في العدد ; فحينئذ كيف يمكن أن يقال: لا يجب عليه عد غنمه أو دنانيره حتى يعرف أنه مكلف بالزكاة أم لا ؟ ! وهكذا الكلام فيمن كان له زرع، فإذا قال الشارع: " في كل ثلاثمائة صاع زكاة " فكيف يقال: إنه لا يجب على المالك أن يكيل غلته حتى يعرف أنه مكلف أم لا ؟ ! وهكذا الكلام في من شك في استطاعة الحج من جهة عدم معرفة مقدار ماله، فيجب عليه حينئذ أن يتبين حاله، هل هو مخاطب بالحج أم لا، فإن غاية الأمر كون هذه الواجبات مشروطات بوجود شئ، ولم يثبت اشتراطها بالعلم بوجوده، وهكذا


(1) التذكرة 5: 129. (2). المعتبر 2: 525، التذكرة 5: 127، المنتهى 1: 494. (3) كصاحب المدارك 5: 124 .

[ 94 ]

الكلام في معرفة الزائد من النصاب، فالاعتماد على أصل البراءة في أمثال ذلك مشكل. نعم، يمكن الاعتماد فيما لو شك في بلوغ الصافي حد النصاب أو لا، إذا لم يتمكن من تحصيل المعرفة إلا بالتصفية، فإنه ضرر على المالك، ولم يعلم شمول الإطلاقات لمثله، فليتأمل وليحتط. الحادي عشر: قد عرفت أن الزكاة لا تجب فيما أنبتت الأرض إلا في أربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. وأما العلس والسلت ; فالمشهور فيهما العدم، وذهب الشيخ (1) وجماعة (2) إلى الوجوب، واختاره في المسالك (3) ; لنص أهل اللغة على كونهما منهما. قال في الصحاح: السلت - بالضم - ضرب من الشعى - ليس له قشر كأنه الحنطة، والعلس أيضا ضرب من الحنطة يكون حبتان في قشر، وهو طعام أهل صنعاء (4). وفيه: أن العرف مقدم على اللغة على الأقوى، والظاهر صحة السلب عنهما، وهو علامة المجاز. مع أن ابن دريد قال: السلت حب يشبه الشعير أو هو بعينه، وقال أيضا: العلس حبة سوداء تخبز في الجدب أو تطبخ (5). مع أن السلت مذكور في بعض الروايات مع البر والشعير، وهو يشعر بمغايرتهما. وكيف كان، فالأصل والشك في كونهما حنطة أو شعيرا يكفي في نفي الوجوب. يشترط في الغوت النصاب، ونصابها واحد، وإذا بلغ النصاب فيجب فيه وما زاد عليه


(1) المبسوط 1: 217، الخلاف 2: 65. (2) كالعلامة في القواعد 1: 342. (3) المسالك 1: 390. (4) الصحاح 1: 253. (5) جمهرة اللغة 1: 398 (سلت)، وج 2: 841 (علس) .

[ 95 ]

ولو قليلا، ولا يجب فيما دونه وإن كان بقليل، لأنه تحقيقي، لاتقريبي، كما توهمه بعض العامة (1). وهو خمسة أوسق، والوسق بفتح الوسط ستون صاعا بالإجماع (2) والصحاح المستفيضة (3). والصاع: تسعة أرطال بالعراقي ; لصحيحة أيوب بن نوح (4)، وستة بالمدني ; لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع، والمد رطل ونصف، والصاع ستة أرطال " (5). قال الشيخ: يعني أرطال المدينة، فيكون تسعة أرطال بالعراقي ; لأن الرطل العراقي ثلثا الرطل المدني، كما أن الرطل المكي ضعف رطل العراقي. ورواية جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني مصرحة بأن الصاع تسعة بالعراقي وستة بالمدني، وفي آخرها: أنه يكون بالوزن ألفا ومائة وسبعين وزنة (6)، والمراد بالوزنة الدرهم كما قيل. والصاع: أربعة أمداد أيضا بإجماع العلماء كما في المنتهى (7). والمد: رطل ونصف بالمدني، وتدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة، فتكون رطلين وربعا بالعراقي.


(1) المجموع 5: 458، فتح العزيز 5: 565، وانظر التذكرة 5: 145. (2) ذكر الإجماع صاحب التذكرة 5: 142، وصاحب المدارك 5: 131. (3) التهذيب 4: 13 ح 34، وص 18 ح 48، الاستبصار 2: 18 ح 54، وص 14 ح 40، الوسائل 6: 120 أبواب زكاة الغوت ب 1 ح 5، 6. (4) الكافي 4: 174 ح 24، التهذيب 4: 91 ح 265، الوسائل 6: 240 أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 3، وفيها: قد بعث إليك العام عن كل رأس من عياله بدرهم عن قيمة تسعة أرطال تمر بدرهمث. (5) التهذيب 1: 136 ح 379، الاستبصار 1: 121 ح 409، الوسائل 1: 338 أبواب الوضوء ب 50 ح 1. (6) الكافي 4: 172 ح 9، الفقيه 2: 115 ح 493، التهذيب 4: 83 ح 243، الاستبصار 2: 49 ح 163، الوسائل 6: 236 أبواب زكاة الفطرة ب 7 ح 1. (7) المنتهى 1: 497 .

[ 96 ]

وقال البزنطي: رطل وربع (1)، ولعل مستنده موثقة سماعة، وفيها: " المد قدر رطل وثلاث أواق " (2). فإن جعلنا الرطل عراقيا والأوقية أربعين درهما كما هو المشهور بين أهل اللغة، فيحصل الفرق الفاحش، وإن جعلناه مدنيا وقلنا: إن الاوقية سبعة مثاقيل كما قيل، فيقرب من المشهور. والرطل العراقي: مائة وثلاثون درهما، أحد وتسعون مثقالا على المشهور، موافقا للرواية المتقدمة، وأصالة عدم تحقق الشرط. وقال في التحرير: إنه تسعون مثقالا (3)، ولم نقف على مستنده. فالصاع ثمان مائة وتسعة عشر مثقالا بالشرعي، وستمائة وأربعة عشر مثقالا وربع مثقال بالصيرفي. فيصير نصاب الغلة مائة وثمانين ألف وأربعة آلاف ومائتين وخمسا وسبعين مثقالا. وبالمن التبريزي المعهود في هذه البلاد - وهو وزان ثمان عباسيات من الفلوس - يصير مائتين وثمانين وسبعة أمنان وثلاثة أرباع من وثمن من وخمسة عشر مثقالا صيرفيا. واعلم أن المعتبر الوزن، وإن كان الصاع في الأصل كيلا، سيما في هذا الزمان الذي لاتمكن المعرفة بالكيل، فإن فرضت المعرفة بأن توافقا فلا إشكال، وكذلك لو بلغ بالوزن دون الكيل ; لأن الشارع اعتبره جزما، مع أنه أضبط، بل اعتباره إنما هو للضبط، وأما لو بلغ بالكيل دون الوزن، فلا تجب الزكاة خلافا لبعض العامة (4). الثاني عشر: وقت تعلق الوجوب بالغلات - بمعنى جواز الإتلاف وسائر التصرفات، بدون الضمان قبل ذلك، وحصول الضمان لو أتلفه وفرط به بعد ذلك، وإن لم يجب عليه الإخراج حينئذ، وانتقال الفرض إلى المنتقل إليه، لو حصل الانتقال


(1) حكاه عنه في المعتبر 2: 533. (2) التهذيب 1: 136 ح 386، الاستبصار 1: 121 ح 411، الوسائل 1: 339 أبواب الوضوء ب 50 ح 4. (3) التحرير 1: 62. (4) المجموع 5: 458، فتح العزيز 5: 565 .

[ 97 ]

قبله لابعده - هو أن يسمى بالحنطة والشعير، ويبدو صلاح الثمرة بالاحمرار والاصفرار وانعقاد الحصرم عند الأكثر. وتحصل التسمية عندهم في الأولين باشتداد الحب. وقيل: لا يجب إلا مع التسمية بالتمر والزبيب (1). وقال ابن الجنيد: وقته أن يسمى عنبا أو تمرا (2). ولعل اعتبار تسمية الحنطة والشعير وفاقي، لكنهم اختلفوا في وقتها، فالأكثر على أنه اشتداد الحب وإن لم يجف فيهما، (3) وظاهر غيرهم اعتبار أكثر من ذلك (4). وأما الاحمرار والاصفرار في التمر والانعقاد في العنب، فربما يستدل في الأولين بتسميتهما تمرا حينئذ عند أهل اللغة (5). والأولى الاستدلال فيهما وفي انعقاد الحصرم بصحيحة سعد بن سعد الأشعري، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب متى تجب على صاحبها ؟ قال: " إذا ما صرم، وإذا خرص " (6). وصحيحته الاخرى، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن أقل ما تجب فيه الزكاة من البر والشعير والتمر والزبيب، فقال: " خمسة أوساق بوسق النبي صلى الله عليه وآله "، فقلت: كم الوسق ؟ فقال: " ستون صاعا "، فقلت: فهل تجب على العنب زكاة، أو إنما تجب عليه إذا صيره زبيبا ؟ قال: " نعم، إذا خرصه أخرج زكاته " (7). ولا يخفى أن الخرص يتحقق في الحصرم أيضا كما يتحقق في البسر أيضا.


(1) كالمحقق في المعتبر 2: 534. (2) حكاه عنه الشهيد في البيان: 181. (3) منهم الشيخ في المبسوط 1: 214، والحلي في السرائر 1: 453، والعومة في التحرير 1: 63. (4) كالشيخ في النهاية: 182، وسور في المراسم: 127. (5) كالصحاح 2: 589، والمستدل العومة في المنتهى 1: 499، والمختلف 3: 186. (6) الكافي 3: 523 ح 4، وفيه: إذا [ ما ] صرم، وإذا [ ما ] خرص، الوسائل 6: 133 أبواب زكاة الغوت ب 12 ح 1. (7) الكافي 3: 514 ح 5، الوسائل 6: 133 أبواب زكاة الغوت ب 12 ح 2 بتفاوت يسير .

[ 98 ]

ولعل مستند ابن الجنيد: الاقتصار على تسمية الزبيب والتمر كما في الأخبار، خرج عنه في العنب بمقتضى الروايتين وبقي الباقي. ويظهر جوابه مما ذكرنا. وأما وقت وجوب الإخراج: فهو التصفية في الحنطة والشعير، والجفاف في الثمرتين بالإجماع. ومعنى الوجوب حينئذ: أنه لا يجب الإخراج قبله، ويضمن لو أخر عن ذلك من دون عذر، وإلا فلا ريب في جواز التقديم، كما دلت عليه الصحيحتان. ولا يكفي بلوغه النصاب حال الرطوبة، بل يعتبر بلوغه النصاب إذا جف. والظاهر اعتبار حال كل ثمرة في نفسها ; إذ قد يتفاوت الحال ويحصل النقص في جفاف بعضها أزيد من الآخر، ولو فرض عدم حصول الزبيب أو التمر من نوع من العنب والرطب فلا تجب فيه زكاة. وتضم النخيل والزروع المتباعدة بعضها إلى بعض، وإن اختلفت في زمان الزرع والإطلاع والإدراك بالإجماع، ولكن إذا بلغ السابق النصاب فتجب الزكاة، ثم يخرج من الباقي وإن قل. ولو لم يبلغ السابق النصاب، فيتربص حتى يدرك الباقي، فإن بلغ فتجب حينئذ. وفيما لو أطلع نخله مرتين إشكال، فالأكثر على الانضمام ; للإطلاقات، خلافا للشيخ (1) ; لأنه في حكم ثمرة سنتين، وله الأصل وعدم انصراف الإطلاق إليه. وكذلك الإشكال فيما لو زرع الزكوي في عام واحد مرتين، مثل أن يزرع في أول الربيع ويحصد في الصيف، ثم يزرع بعده في الصيف ويحصد في أواخر الخريف، كما هو متعارف في بعض أنواع الشعير. الثالث عشر: يشترط في وجوب الزكاة في الغوت أن يكون تملكه لها قبل تعلق


المبسوط 1: 215.

[ 99 ]

الوجوب بها، سواء كان تملكه بزرعها أو باشترائها أو غيرهما بالإجماع. فلو دخل الزرع في ملكه بعد تعلق الوجوب فالزكاة على الناقل. وكذا إذا ملك نخلا قبل زمان تعلق الوجوب. وكذا إذا اشترى الثمرة على الوجه الصحيح من انضمام الضميمة أو كون البيع أزيد من عام وغيره، بلا خلاف ظاهر ; للإطلاقات. ثم إذا زكاها فلاتجب عليه مرة اخرى، وإن حال عليه أحوال بالإجماع والأخبار، إلا أن يبدلها بالأثمان وحال عليها الحول، فتجب حينئذ، وحسنة زرارة وعبد الله عن الصادق عليه السلام مصرحة بالحكمين (1). الرابع عشر: لا تجب الزكاة إلا بعد وضع خراج السلطان بلا خلاف. والمشهور وضع المؤن كلها أيضا، وذهب الشيخ في الخلاف (2) ويحيى بن سعيد (3) والشهيد الثاني (4) وصاحب المدارك (5) وبعض من تأخر عنه (6) إلى عدم وضع شئ عدا خراج السلطان. لنا: الأصل، والاستصحاب، ونفي الضرر، وأن ظاهر بعض الروايات أن الزكاة في النماء، مثل حسنة أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، أنهما قالا له: هذه الأرض التي يزارع أهلها ما ترى فيها ؟ فقال: " كل أرض دفعها إليك السلطان - وفي بعض النسخ سلطان - فتاجرته فيها، فعليك فيما أخرج الله منها الذي قاطعك


(1) الكافي 3: 515 ح 1، التهذيب 4: 40 ح 102، الوسائل 6: 133 أبواب زكاة الغوت ب 11 ح 1، وفيها زرارة وعبيد بن زرارة، قال: أيما رجل كان له حرث أو ثمرة فصدقها فليس عليه فيه شئ، وإن حال عليه الحول عنده، إلا أن يحوله مالا، فإن فعل ذلك فحال عليه الحول فعليه أن يزكيهث. (2) الخلاف 2: 67 مسألة 78. (3) الجامع للشرائع: 134. (4) الروضة البهية 2: 36. (5) المدارك 5: 143. (6) كصاحب الرياض 5: 118، قال: الأحوط عدم استثناء المؤونة بالكلية .

[ 100 ]

عليه، وليس على جميع ما أخرج الله منها العشر، إنما العشر عليك فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك " (1). تدل عليه: مقابلة ما أخرج الله للمتاجرة، فإن مايخرج من المتاجرة إنما يراد به في العرف المنافع، لاالقنية وما بان به في الكسب، مع أن قوله عليه السلام: " إنما العشر فيما يحصل في يدك " يدل عليه أيضا، فإن المؤن مما يخرج من اليد، لامما يحصل فيها. وبالجملة: الحديث ظاهر في المطلق، بل قال المحقق الأردبيلي رحمه الله: إنه صريح في المطلق (2). وما يقال: إن المراد أن كل ما يبقى بعد وضع المقاسمة فتجب فيه الزكاة بتمامه، ولا يخرج غيره، فهو بعيد، ومستلزم للتكرار، كما لا يخفى على المتأمل. وفهم الأصحاب أيضا قرينة لما ذكرنا، كما يظهر من ذكر الشيخ ذلك في شرح كلام المفيد وغيره (3). وفاعل " عليك " - على ما ذكرنا - إما الزكاة المعلوم من السياق، أو العشر على سبيل التنازع. وجعل قوله عليه السلام " الذي قاطعت " فاعلا له بإرادة الخراج منه بعيد لفظا ومعنا. والظاهر أن الرواية في رد مذهب أبي حنيفة من سقوط الزكاة في الأراضي الخراجية (4)، فأولها في رده، وآخرها في عدم إخراج شئ، فلا تكرار. ومما يؤيد دلالة الرواية على ما ذكرنا: صحيحة زرارة في خمس المعادن، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن المعادن ما فيها ؟ فقال: " كل ما كان ركازا ففيه الخمس "،


(1) الكافي 3: 513 ح 4، التهذيب 4: 36 ح 93، الاستبصار 2: 25 ح 70، الوسائل 6: 129 أبواب زكاة الغوت ب 7 ح 1. وفيها: فما حرثته فيها، بدل: فتأجرته فيها. (2) مجمع الفائدة والبرهان 4: 112. (3) التهذيب 4: 39. (4) النتف 1: 185، المبسوط 2: 207، شرح فتح العزيز 2: 200، المجموع 5: 545، فتح العزيز 5: 566، المغني لابن قدامة 2: 587، وانظر الخلاف 2: 68 مسألة 80 .

[ 101 ]

وقال: " ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج الله سبحانه منه من حجارته مصفى الخمس " (1). ويدل عليه أيضا: ما رواه الشيخ في التهذيب، عن حماد بن عيسى، قال: رواه لي بعض أصحابنا، ذكره، عن العبد الصالح أبي الحسن الأول عليه السلام، والحديث طويل، إلى أن قال: " والأرض التي اخذت عنوة بخيل وركاب فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها " إلى أن قال: " فإذا خرج منها نماء بدأ فأخرج منه العشر " الحديث (2). وفي بعض النسخ موضع " نماء بدأ " كلمة " فائدة "، ولعل أحدهما تصحيف الآخر. وكيف ما كان فيصح الاستدلال، فإن النماء والفائدة لا يطلقان عرفا على المؤن والقنية، وسند الرواية منجبر بعمل الأصحاب في هذه المسألة ومسألة الخراج وغيرها، كما صرح به المحقق الشيخ علي في الخراجية (3). وفي الفقه الرضوي قال: " فإذا بلغ ذلك وحصل بغير خراج السلطان ومؤونة العمارة والقرية اخرج منه العشر إن كان سقي بماء المطر (4) " إلى آخر ما قال، فإن ظاهر جماعة من القدماء والمتأخرين الاعتماد على هذا الكتاب (5)، وهو لا يقصر عن خبر صحيح ; لانجباره بالعمل. وههنا مؤيدات وشواهد اخر للمطلوب ذكرناها في الرسالة التي كتبناها في ذلك، من أراد التحقيق فليراجعها (6). ويدل على الاستحقاق بعد تعلق الوجوب أيضا: أن العلة حينئذ مشتركة بين الفقير ورب المال، سيما على القول بتعلق الزكاة بالعين كما هو الحق، وخصوصا بناءا على


(1) التهذيب 4: 122 ح 347، الوسائل 6: 346 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 3. (2) التهذيب 4: 128 ح 366، وفيه: فإذا خرج منها فابتدأ، وفي الكافي 1: 539 ح 4 فإذا اخرج منها ما اخرج، الوسائل 6: 125 أبواب زكاة الغوت ب 4 ح 3 فإذا أخرج الله منها ما أخرج بدأ. وهي ضعيفة السند بالإرسال، وبعلي بن يعقوب فإنه مجهول. (3) الخراجيات: 48. (4) فقه الرضا عليه السلام: 197 ب 28. (5) انظر البحار 1: 11، والحدائق 1: 25، والرياض 2: 118. (6) غنائم الأيام (الطبعة الحجرية): 718 .

[ 102 ]

كونه على سبيل الاستحقاق، كما هو أظهر الوجوه لما مر، ولا دليل على وجوب المؤونة على رب المال لحصة شريكه وحمله وتصفيته كسائر الأموال المشتركة. بل ويتم على القول بكونه من باب تعلق أرش الجناية بالعبد أيضا ; لأن المالك إذا اختار بذل العبد في أرش الجناية فلا خيار لأولياء المجني عليه في عدم الأخذ، فيكون العبد مالالهم، وكذلك الزكاة إذا اختار المالك إعطاء العين، فيتعين حق الفقير فيها، ويصير شريكا له، ويتم الكلام عن آخره. وبضميمة عدم القول بالفصل يتم الكلام في المؤن السابقة. ولا يقدح في الشركة جواز تصرف المالك بمجرد الضمان والإخراج من غير النصاب ولزوم اجرة الكيل والوزن عليه ; لأن الأولين قد ثبتا من الخارج ; إرفاقا وتسهيلا على المالك. والثالث وإن كان مشهورا، ولكن ليس بوفاقي، فيمكن منعه أولا، وتسليمه ثانيا، ولكن نمنع وجوبه عليه من ماله، لم لا يكون من البين، ولم يثبت كون الوجوب مطلقا حتى بالنسبة إلى صرف ماله للغير، كوجوب حفظ النفس المحترمة من الهلاك بالجوع ; لجواز أخذ العوض إذا وجده الجائع، مع أن اجرة الكيل والوزن غير ما نحن فيه ; لتعلق وجوب الإخراج حينئذ، فلايتم ذلك في الحصد والتصفية والتذرية ; لعدم وجوب الإخراج حينئذ وإن دخل وقت تعلق الوجوب. ثم إنه لاإشكال في جواز الخرص في الثمار بعد تعلق الوجوب وإفراز حصة الفقير، وكذلك في الغوت على الأظهر ; لظاهر صحيحة سعد بن سعد الأشعري (1)، فإذا خرص فلا يجب عليه ضبط مال الفقير، فتثبت عليه المؤونة في حصته وإن لم يفرزه، فصرف مقدار حصة الفقير من الزكاة في ضبط ماله إحسان إليه، وما على المحسنين من سبيل.


(1) الكافي 3: 523 ح 4، الوسائل 6: 133 أبواب زكاة الغوت ب 12 ح 1، وفيها: إذا ما صرم وإذا ما خرص.

[ 103 ]

وإن رجع إلى الحاكم أو عين الفقير وأعطاه فالأمر أوضح. احتجوا بالإطلاقات، مثل قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: " فيما سقت السماء والأنهار إذا كان سيحاأو كان بعلا العشر، وما سقت السواني أو الدوالي أو يسقى بالغرب فنصف العشر " (1). وفيه أولا: منع الإطلاق والعموم بالنسبة إلى جميع شؤون المطلق والعام، فإن الظاهر في تلك الأخبار ملاحظة أفراد الصنفين مما فيه العشر ونصف العشر، يعني في كل نصاب يندرج تحت هذا القسم العشر، وفي كل نصاب يندرج تحت الآخر نصف العشر، لا ملاحظة جميع أجزاء كل منهما، وليس في الأخبار ما يدل على أن في كل ما سقت السماء عشر جميعه، وكما يحتمل كون اللام في العشر عوض الإضافة يحتمل كونها للعشر المعهود، وهو ما يؤدى بعد وضع المؤن. سلمنا، لكنها مخصصة بما ذكرنا من الأدلة. ومن العجائب: أن الشيخ ادعى إجماع العلماء كافة إلا عطاء من العامة على عدم إخراج شئ سوى خراج السلطان (2)، والظاهر أنه وهم بعد ملاحظة الشهرة بين القدماء والمتأخرين، حتى هو أفتى في النهاية موافقا للمشهور (3). وكيف يستثني من إجماع العلماء كافة عطاء من العامة فقط مع تصريح شيخه المفيد في المقنعة (4) والصدوق في الفقيه (5) ولا يعتني بفتواهما أصلا. ولو فرض تسليم إمكان تحقق هذا الإجماع في زمان عطاء، واطلاع الشيخ عليه


(1) الكافي 3: 513 ح 3، الوسائل 6: 125 أبواب زكاة الغوت ب 4 ح 2، والسيح: الماء الجاري، والبعل: ما سقته السماء، والسواني: جمع سانية، وهي البعير يستقى عليه من البئر، والدوالي: جمع دالية وهي الدلو، والغرب: الدلو العظيمة، انظر المصباح المنير: 299، 55، 292، 199، 444. (2) المبسوط 1: 217، الخلاف 2: 67. (3) النهاية: 178. (4) المقنعة: 239. (5) الفقيه 2: 18 ح 59 .

[ 104 ]

دون المفيد والصدوق، والقول بأن خروجهما لا يضر، فالظاهر أنه إجماع انعقد على مستند صدر من باب التقية، لأنه مذاهب الفقهاء الأربعة، فلا اعتماد عليه أيضا. وأغرب من ذلك دعوى يحيى بن سعيد أيضا الإجماع من غير عطاء أيضا (1)، فإن اشتهار الفتوى بإخراج المؤن بعد الشيخ في غاية الوضوح، حتى ابن إدريس لم ينقل الخلاف في المسألة (2)، والمتأخرون عن الشيخ، كالفاضلين (3) وغير هما (4) لم يعتنوا بدعوى الشيخ الإجماع، حتى أن العومة قال في التحرير بعد الفتوى بإخراج المؤن: وللشيخ - رحمه الله - هنا قول ضعيف (5). وبالجملة الظاهر أن مثل هذا الإجماع لاأصل له، والإطلاقات مع غاية الكثرة إذاهجرها جل الأصحاب، سيما مع عدم ظهور خبر صريح لمذهبهم مما يضعف التمسك بها جدا. والحاصل أن الشهرة الكذائية - مع ما ذكرنا من الأدلة - تكفي في ترجيح المشهور، لكن الأحوط عدم وضع مؤونة ما قبل تعلق الوجوب، وغاية الاحتياط عدم وضع شئ من المؤن. ثم إن صاحب المدارك أيد مختاره بالفرق الوارد في الأخبار وكلام الأصحاب بين ما سقي بالسيح والبعل والعذي، وما سقي بالدوالي والسواني بالعشر ونصف العشر، فإنه لو كان وضع المؤن ثابتا لما كان لهذا الفرق وجه ; لعدم التفاوت في المؤن بين القليلة والكثيرة (6).


(1) الجامع للشرائع: 134. (2) السرائر 1: 448. (3) المحقق في المعتبر 2: 541، والشرائع 1: 154، والمختصر النافع: 57، والعومة في المنتهى 1: 500، والتذكرة 5: 153. (4) كالشهيد في الدروس 1: 237. (5) التحرير 1: 63. (6) المدارك 5: 147 .

[ 105 ]

قال: ومن ثم احتمل الشهيد في البيان إسقاط مؤونة السقي لأجل نصف العشر، واعتبار ما عداها (1). ولا شهادة فيه لما ذكره، فإنه لم يظهر من الروايات أن ذلك من جهة اعتبار مؤونة السقي وكثرتها، وإلا فقد تكون سائر المؤن فيما سقت الأنهار أكثر، سيما فيما يستقي من القنوات والأنهار العظيمة البعيدة المحتاجة إلى التقنية (2) والحفر. ومع الإغماض عن أن ذلك تعبد، ولا تبلغ العقول إلى غالب أحكام الشرع، أنه يمكن أن يكون السر في ذلك قلة الغلة الحاصلة من أمثال هذه الأدوات، واحتياج أصحابها إلى الغلة لأجل القوت، سيما فيما يصعب التحصيل من الخارج، إرفاقا عليهم. وينبغي التنبيه لامور: الأول: إنه على القول بإخراج المؤن هل يعتبر إخراج المؤن بعد النصاب، فيزكى ما بقي من النصاب وإن قل، أو تخرج المؤن وسطا ثم يعتبر النصاب، أو تخرج المؤن الحاصلة قبل تعلق الوجوب ثم يعتبر النصاب، فتخرج منه المؤن اللاحقة، ثم يزكي ما بقي ؟ أقوال، أحوطها الأول، وأظهرها - بالنظر إلى الأصل ومقتضى تعلق الزكاة بالنماء والفائدة - الثاني، وهو ظاهر الأكثر. ووجه الثالث: عدم تعلق الزكاة بالمؤن السابقة بالفرض، وأن زكاة المؤونة تصرف في مؤونة الزكاة في اللاحقة، فكأن الزكاة تعلقت بمجموع ما عدا المؤن السابقة. الثاني: ظاهر أكثر الأصحاب وصريح الفاضلين في المنتهى والتحرير والمعتبر أن الخراج يخرج وسطا ثم يعتبر النصاب (3)، وجعله الشهيد الثاني - رحمه الله - من المؤن المتعلقة بعد تعلق الوجوب، فيعتبر النصاب قبله، فتجب الزكاة بعد إخراجه وإن بقي


(1) البيان: 180. (2) في " ح ": التنقية. والتقنية: حفر القناة (المصباح المنير: 517)، ويحتمل كونه تصحيف: الترقية. (3) المنتهى 1: 500، التحرير 1: 63، المعتبر 2: 240.

[ 106 ]

أقل من النصاب (1)، ولا أعرف له وجها. وأما الدليل على المشهور: مضافا إلى نفي الخلاف كما يظهر من المعتبر والمنتهى (2)، أن حال الخراج والمقاسمة حال أحد الشريكين في الزرع ; لكونه شريكا في الثلث أو العشر مثلا كالمزارعة. ولعل السر في عدم تعلقها بمال الخراج وإن بلغ حد النصاب مع ذلك: عدم انحصار مالكه، وعدم بلوغ نصيب كل من أربابه النصاب ; لكونه لجميع المسلمين. وتدل عليه حسنة أبي بصير ومحمد بن مسلم المتقدمة (3). وروايتان للبزنطي الناطقتان بأن الزكاة على المتقبلين في حصصهم، وفي إحداهما: " وكان للمسلمين، وعلى المتقبلين في حصصهم العشر ونصف العشر، وليس في أقل من خمسة أوساق شئ من الزكاة " (4). الثالث: الخراج المستثنى في الزكاة هو الحق الثابت للمسلمين في الأراضي الخراجية المفتوحة عنوة، أو ما صالح السلطان أهلها على أن تكون الأرض للمسلمين وعليهم الجزية. والأمر فيه إلى الإمام، فيصرفه في مصالح المسلمين العامة. ومع غيبة الإمام تجري تصرفات الجائر من المخالفين مجرى تصرفات الإمام. وأما الجائر منا ففيه إشكال، ولا يبعد وضع الخراج الذي يأخذه من باب المؤن ; لعدم إمكان الزرع بدونه، مع ما يمكن استشعار جريان حكم المخالفين فيهم بإشعار بعض الأخبار بالتعليل والتنبيه مع لزوم العسر والحرج.


(1) الروضة البهية 2: 36. (2) المعتبر 2: 240، المنتهى 1: 500. (3) الكافي 3: 513 ح 4، التهذيب 4: 36 ح 93، الاستبصار 2: 25 ح 70، الوسائل 6: 129 أبواب زكاة الغوت ب 7 ح 1. (4) الكافي 3: 512 ح 2، التهذيب 4: 38 ح 96، وص 118 ح 341، 342، الاستبصار 2: 25 ح 73، الوسائل 6: 129 أبواب زكاة الغوت ب 7 ح 2، 3 .

[ 107 ]

والأظهر عندي: أن إذن الحاكم الشرعي منا في الخراج تنوب مناب إذن الإمام العادل، ولا يبعد القول به في صورة تسلط الجائر المخالف أيضا، فلو أمكن المدافعة والإنكار والجحود وإيصال الحق إلى مستحقه برأي الحاكم الشرعي بدون فساد وضرر فيجوز، بل يجب، خلافا لما نقل عن ظاهر الأصحاب، وادعي عليه الإجماع من عدم جواز المذكورات بقول مطلق. وتحقيق الخراج والأراضي الخراجية ومعاملاتها قد استقصيناه في كتاب المكاسب من مناهج الأحكام. الرابع: المراد بالمؤن ما يغرمه المالك على الغلة مما يتكرر كل سنة عادة ; وإن كان قبله، كأجرة الحرث، والسقي، والحفظ، والأرض وإن كانت غصبا ولم ينو إعطاءها، والبذر وإن كان ماله المزكى، وما ينقص من الآلات. ولو زرع مع الزكوي غيره وقصدهما معا أولا وزع عليهما، إلى غير ذلك مما فصله الشهيد الثاني (1) والمحقق الشيخ علي رحمه الله (2). وعن جماعة من الأصحاب: أن ثمن الثمرة إذا اشتراها من دون الشجرة على وجه يصح من جملة المؤن (3). الخامس عشر: كلما سقي من الغوت والثمار سيحا (4) أو بعلا (5) أو عذيا (6) ففيه العشر. وما سقي بالدوالي (7) والنواضح (8) وأمثالهما مما تحتاج فيه ترقية الماء إلى الأرض إلى


(1) الروضة البهية 2: 36. (2) جامع المقاصد 3: 22. (3) كالشهيد الثاني في الروضة البهية 2: 36، والسيد الطباطبائي في الرياض 5: 117. (4) السيح: الماء الجاري ; تسمية بالمصدر، منه الحديث ما سقي بالسيح ففيه العشر، انظر مجمع البحرين 2: 277 (5) البعل: ما شرب بعروقه من الأرض بغير سقي. لسان العرب 11: 57. (6) العذي: الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر. الصحاح 6: 2423. (7) الدوالي: جمع دالية وهي الناعورة يديرها الماء. لسان العرب 14: 266. (8) النواضح: جمع ناضح، وهو البعير يستقى عليه، والانثى ناضحة وسانية. الصحاح 1: 411.

[ 108 ]

آله نصف العشر ; بالإجماع والأخبار المستفيضة، مثل صحيحة الحلبي (1)، وصحيحة زرارة وبكير (2)، وصحيحة زرارة الاخرى (3). وإن اجتمع الأمران فيعتبر الأكثر، والظاهر أنه إجماعي، ولم ينقل فيه خلاف إلا عن بعض العامة، فاعتبر التقسيط (4). وتدل عليه حسنة معاوية بن شريح، عن أبي عبد الله عليه السلام (5). وفي اعتبار الأكثرية بالعدد أو الزمان أو النفع والنمو أوجه، بل أقوال. والتحقيق: أن الرواية واردة على المتعارف المعتاد، فيسقط اعتبار السقيات المتعددة المتوالية في زمان قليل، ومرور الأيام الكثيرة الخالية عن السقي مع الحاجة، والاعتبار به، فلا يعتبر مطلق العدد، ولا مطلق الزمان. وأما التعدد المعتاد فلا ينفك عن النمو والنفع، والنمو تابع للوقت من حيث التنمية والتقوية وعقد الحب والإدراك. فالمعتبر: هو ما أوجب أولوية نسبة الغلة إليه، فانتساب الغلة إلى السيح والبعل أو النواضح والدوالي تابع للنفع والنمو بهما، وهو يحصل بالسقي المعتاد في الزمان المعتاد. فجعل المعيار هو النفع والنمو - كما اختاره العومة وولده - أقرب.


(1) الكافي 3: 513 ح 3، الوسائل 6: 125 أبواب زكاة الغوت ب 4 ح 2. وفيها: إذا كان سيحا أو كان بعلا العشر، وما سقت السواني والدوالي أو سقي بالغرب فنصف العشر. (2) التهذيب 4: 16 ح 40، الاستبصار 2: 15 ح 43، الوسائل 6: 125 أبواب زكاة الغوت ب 4 ح 5. وفيها: ما كان يعالج بالرشا والدلاء والنضح ففيه نصف العشر، وإن كان يسقى من غير علاجث ففيه العشر. (3) التهذيب 4: 13 ح 34، الاستبصار 2: 14 ح 40، الوسائل 6: 120 أبواب زكاة الغوت ب 1 ح 5، وفيها: ما كان يسقى بالرشاث ففيه نصف العشر، وما سقت السماءث ففيه العشر تاما. (4) كالغمراوي في السراج الوهاج: 122، وحكاه عن ابن حامد في الشرح الكبير لابن قدامة 2: 563. (5) الكافي 3: 514 ح 6، التهذيب 4: 16 ح 41، الاستبصار 2: 15 ح 44، الوسائل 6: 128 أبواب زكاة الغوت ب 6 ح 1. الأرض تكون عندنا تسقى بالدوالي ثم يزيد الماء وتسقى سيحاث قال: النصف والنصف، نصف بنصف العشر، ونصف بالعشر.

[ 109 ]

وإن تساويا فمن النصف العشر، ومن النصف الآخر نصف العشر بلا خلاف، وادعى عليه إجماع العلماء في المنتهى (1)، فالمجموع ثلاث أرباع العشر. وقيل: جزء من خمسة عشر جزءا، ولم أعرف وجهه. السادس عشر: إذا تعلق الوجوب بالمال ثم مات المالك فتخرج من أصل المال ; بالإجماع، والأخبار، مثل حسنة معاوية بن عمار (2)، وموثقة عباد بن صهيب (3). وهذا الحكم ثابت ولو كان عليه دين يساوي مع الزكاة أصل التركة. ولو ضاقت التركة عن المجموع، فالأصح الأشهر تقديم الزكاة مع بقاء العين لتعلقها بالعين قبل تعلق الدين بها، وقيل: يجب التحاص (4) و (5)، وهو ضعيف. أما مع فقد العين فيتعين التحاص. ولو فقدت بعد الموت فيذهب حق الفقراء، ولايشتركون مع الغرماء، فيرجع فيه إلى المتلف إن وجد. ولو مات المالك وعليه دين مستوعب قبل ظهور الثمرة ثم ظهرت الثمرة وبلغت حد الوجوب قبل أداء الدين، فإن قلنا ببقاء التركة على حكم مال الميت، فلا زكاة على الميت ; لعدم التكليف، ولا على الوارث ; لعدم الملكية. وإن قلنا بانتقاله إلى الوارث فالزكاة عليه، ولا يتعلق بها الدين فيما قطع به الأصحاب ; لأنها ليست جزءا من التركة، هكذا ذكره في المدارك (6).


(1) المنتهى 1: 498. (2) الكافي 3: 547 ح 4، الوسائل 6: 176 أبواب المستحقين للزكاة 21 ح 2. رجل يموت وعليه خمسمائة درهم من الزكاة وعليه حجة الإسلام وترك ثلاثمائة درهمث قال: يحج عنهث وتخرج البقية في الزكاة. (3) الكافي 3: 547 ح 1، الوسائل 6: 175 أبواب المستحقين للزكاة ب 21 ح 1. رجل فرط في إخراج زكاته في حياتهث ثم أوصى به أن يخرج ذلك، قال: جائز ذلك، يخرج من جميع المال. (4) لعل هذا القول ناظر إلى القول بتعلق الزكاة بالذمة (منه رحمه الله). (5) القائل هو الشيخ في المبسوط 1: 219. (6) المدارك 5: 154 .

[ 110 ]

وفيه نظر ; لأن التركة إذا كانت مستوعبة للدين ولم تضق عنه، وفرض كون الثمرة زائدة، فهي ملك الورثة على القولين ; لاستحالة بقاء الملك بلا مالك، فهو كشراء الثمرة قبل بلوغ وقت الوجوب بدون الشجرة كما مر، فما وجه نفي الوجوب مطلقا ؟ ! إلا أن يقال: إنه على القول بكون المال للميت فهو باق عليه حتى يؤدي الدين، ونماؤه تابع له، ولا منافاة بين كون المال حينئذ زائدا على الدين وعدم انتقاله إلى ملك الوارث ; لاحتمال تلف بعضه قبل أداء الدين. مع أن التحقيق في المسألة: أن المال باق على ملك الميت، سواء كان الدين مستوعبا لأصل التركة في أول الأمر أو لا، ولا ينتقل إلى الوارث إلا بعد أداء الدين، وإن قلنا بجواز التصرف فيه، وقد حققنا ذلك في رسالة مفردة. ولو مات بعد ظهور الثمرة وقبل وقت الوجوب، وأن وقت الوجوب قبل أداء الدين، فعلى القول الأول لا زكاة على أحدهما. وعلى ما أوردنا من النظر فلا بد أن يقيد ذلك أيضا بما لو لم تحصل زيادة في العين والثمرة بحسب النماء أو السوق قبل زمان تعلق الوجوب بحيث يصدق بلوغ النصاب منها في ملك الوارث حد الوجوب، ويندفع بما ذكرناه أخيرا. وعلى القول الثاني، قال في المدارك: فيه أوجه، ثالثها أنه إن تمكن من التصرف في النصاب ولو بأداء الدين من غير الزكاة وجبت عليه، وإلا فلا (1). أقول: والوجه الثالث أوجهها، والفرق بين هذا القسم وما قبله، مع تساويهما في دخول وقت الوجوب في مال الوارث، أن حق الديان تعلق بالثمرة في القسم الأخير ولو من باب جناية العبد، فيكون ملك الوارث غير تام، بخلاف القسم الأول. ثم على القول بالوجوب ; فالأظهر أنه لا يغرم العشر للديان كما اختاره في


(1) المدارك 5: 154.

[ 111 ]

المدارك (1) ; لأن الوجوب قهري كنقص القيمة السوقية والنفقة على التركة. وقيل: يغرم ; لسبق حق الديان (2)، وهو ضعيف.


(1) المدارك 5: 154. (2) كما في البيان: 281.

[ 112 ]

خاتمة في بعض أحكام ما تستحب فيه الزكاة وفيها مباحث: الأول: قد عرفت سابقا استحباب الزكاة في كل ما يدخل الكيل من الحبوب ما سوى الغوت الأربع، فاعلم أن كل ما مر من الشرائط جار فيها، من اعتبار النصاب، ومقداره، ومقدار الفريضة، واعتبار السقي بالإجماع (1) والأخبار (2)، وقد مر بعضها. الثاني: قد مر استحباب الزكاة في مال التجارة، وهو المال الذي ملكه بعقد معاوضة قاصدا للاكتساب عند التملك. وهذا اصطلاح فقهي في هذا القسم من المال، كاصطلاح البئر في مبحثه، وكذا الحيض والنفاس، فليس مما ينتقل بميراث أو هبة أو بصلح دم أو صداق أو نحو ذلك شئ، ولا فيما قصد به القنية.


(1) وممن ذكر عدم الخلاف العومة في المنتهى 1: 510. (2) الوسائل 6: 41 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 9، وص 119 أبواب زكاة الغوت ب 1 .

[ 113 ]

وكل هذه القيود مستفادة من الأخبار (1) ; لاعتبارها فيها مع أصالة العدم في غيرها، فإن موارد الأخبار ما أمسك المتاع طلبا لرأس المال أو الفضل، وهو ظاهر في عقد المعاوضة. ومن ذلك يظهر استفادة قصد الاكتساب أيضا منها، بل استمراره طول الحول، ولم ينقلوا خلافا في جميع ذلك. نعم، الإشكال في اعتبار مقارنة القصد للتملك، ولم ينقل في المعتبر فيه الخلاف أيضا، إلا عن بعض العامة، فقال: تتعلق الزكاة بمال القنية إذا قصد به التجارة (2)، وذهب إليه بعض المتأخرين (3). والأول أظهر ; لأنه إنما هو الظاهر من الأخبار، فإن طلب رأس المال والفضل ونحوهما المذكور فيها ظاهر فيما وقعت المعاملة بقصد التجارة، ولا دليل على اعتبار غيره. بيان ذلك: أن رأس المال لا يطلق على قيمة ما اشتراه للقنية، وقصد التجارة بالمال في البين لا يوجب كون إطلاق رأس المال على الثمن حقيقة، بل هو مجاز ; لاشتراط التلبس بالمبدأ في المشتق، وهو حين الاشتراء لم يكن متلبسا بهذا الوصف، ولافرق في ذلك بين الجامد والمشتق. الثالث: يشترط فيه النصاب، وحؤول الحول على النصاب، وأن لا يطلب بنقيصة ولو قليلا ; بلا خلاف في ذلك كله من الأصحاب. والنصاب فيه هو النصاب في النقدين بلا خلاف ظاهرا، وهو الظاهر من الأخبار (4)، فإن الظاهر منها أن المتاع قائم مقام النقد الذي اشتراه به، فيثبت فيه النصابان معا.


(1) الوسائل 6: 46 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 13. (2) المعتبر 2: 548، قال: قال الشيخ لو نوى بمال القنية للتجارة لم يدر في حول التجارة بالنية، قال إسحاق: يدور في الحول بالنية. (3) كالشهيد الأول في الدروس 1: 240، والشهيد الثاني في المسالك 1: 400. (4) الوسائل 6: 46 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 13.

[ 114 ]

وعدم اعتبار العامة فيه النصاب الثاني إنما هو لعدم اعتبارهم ذلك في النقدين. ولو كان مال التجارة ماشية أو زرعا فالمعتبر في النصاب هو القيمة التي اشتراه بها، سواء وافق نصاب الماشية والزرع، أو خالفهما زيادة أو نقصانا. وأما الحول، فيدل عليه الإجماع (1) والأخبار، مثل حسنة محمد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام، وفي آخرها قال: وسألته عن الرجل يوضع عنده الأموال يعمل بها، قال: " إذا حال عليه الحول فليزكها " (2). وروايته الاخرى أيضا، أنه قال: " كل مال عملت به فعليك فيه الزكاة إذا حال عليه الحول " (3). ثم في اشتراط بقاء السلعة طول الحول وعدم تبادلها وعدمه قولان، أشهرهما الثاني، وادعى عليه العومة (4) وولده (5) الإجماع. ونقل في المدارك عن ظاهر المفيد والصدوق الأول (6)، وهو صريح المعتبر (7)، واختاره هو مستدى عليه بظاهر الأخبار الكثيرة المتضمنة لثبوت الزكاة على السلعة الباقية طول الحول (8). وأنت خبير بأنها لا تنفي تعلق الزكاة بالأعيان المتبادلة، بل غايتها إثبات الزكاة فيما ذكره.


(1) كصاحب المدارك 5: 167. (2). الكافي 3: 528 ح 2، التهذيب 4: 68 ح 186، الاستبصار 2: 10 ح 29، الوسائل 6: 46 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 13 ح 4. (3) الكافي 3: 528 ح 5، الوسائل 6: 47 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 13 ح 8، وفي طريقها إسماعيل بن مرار، وفي وثاقته كلام، نعم هو واقع في أسناد تفسير علي بن إبراهيم (انظر معجم رجال الحديث رقم 1430). (4) التذكرة 5: 223. (5) إيضاح الفوائد 1: 185. (6) المدارك 5: 171. (7) المعتبر 2: 547. (8) الضمير يعود إلى صاحب المدارك، والأخبار تجدها في الوسائل 6: 46 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 13 .

[ 115 ]

مع أن ظاهر روايتي محمد بن مسلم المتقدمتين هو كفاية التبادل، والإجماعان المنقولان يعضدانهما، فهو أظهر. وأما أن لا ينقص المتاع عن رأس المال، فهو إجماعي أيضا كما نقله في المعتبر (1)، وتدل عليه الأخبار أيضا (2). فإذا بلغ رأس المال فيستأنف الحول حينئذ. نعم، إذا مضى سنون وهو على النقص تستحب زكاته لسنة ; لموثقة العلاء عن أبي عبد الله عليه السلام (3). الرابع: زكاة التجارة تتعلق بالعين لا بالقيمة كما اختاره الفاضلان (4) وغيرهما ; لظاهر الأخبار، مثل قولهم عليهم السلام: " فعليك فيه الزكاة إذا حال عليه الحول "، و " إذا حال الحول فليزكها " ونحو ذلك، سيما مع ما مر في زكاة المال، وحينئذ فالإخراج من القيمة بدل مجوز. وذهب الشيخ (5) وأتباعه (6) إلى تعلقه بالقيمة ; لرواية إسحاق بن عمار " كل عرض فهو مردود إلى الدراهم والدنانير " (7) ولأن النصاب يعتبر بالقيمة فتجب الزكاة فيها. ودلالة الأولى ممنوعة وكذا ملازمة الثانية.


(1) المعتبر 2: 250. (2) الوسائل 6: 46 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 13. (3) التهذيب 4: 69 ح 189 وفيه: أمسكه سنتين، الاستبصار 2: 11 ح 32، وفيه: سنين كما في الأصل وبعض نسخ الوسائل، الوسائل 6: 47 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 13 ح 9. المتاع أمسكه سنتين ثم أبيعه ماذا علي ؟ قال: سنة واحدة. (4) المحقق في المعتبر 2: 550، والعومة في التذكرة 5: 218. (5) الخلاف 2: 95، والمبسوط 1: 221. (6) كسور في المراسم: 136. (7) الكافي 3: 516 ح 8، التهذيب 4: 93 ح 269، الاستبصار 2: 39 ح 121، الوسائل 6: 93 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 1 ح 7، ليس فيها: والدنانير، وفيها: عن أبي إبراهيم عليه السلام بدلا، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي طريقها إسماعيل بن مرار، وفي وثاقته كلام (انظر معجم رجال الحديث رقم 1430)

[ 116 ]

وذكروا لوجه الثمرة وجوها: منها: ما لو زادت القيمة بعد الحول، فعلى المختار يخرج ربع عشر المال، وعلى المشهور ربع عشر القيمة عند تمام الحول. ومنها: جواز بيع السلعة بعد الحول وقبل إخراج الزكاة أو ضمانها، فيجوز على المشهور دون المختار. وفيه نظر ; إذ المراد بالتعلق بالعين هنا نظير ما حققناه في زكاة المالية في قوله عليه السلام: " في خمس من الإبل شاة " (1) فهو لا ينافي التعلق بالقيمة، وليس معنى التعلق بالقيمة التعلق بالذمة كما لا يخفى. ومنها: التحاص وعدمه ولو قصرت التركة. وفيه أيضا النظر السابق، فلا يجوز التحاص على المشهور أيضا. ثم إن كان رأس المال غير النقدين، فتعتبر القيمة بالنقد الغالب، وملاحظة النصاب ووجود رأس المال في الحول بالنسبة إليه. ولو تساوى النقدان في غلبة المعاملة فبأيهما بلغ النصاب يقوم به، وإن كان أحد النقدين أو كليهما، فيقوم بما اشتراه به، كما صرح به جماعة من الأصحاب. ويظهر من المحقق في الشرائع: التخيير بين الدراهم والدنانير مطلقا (2)، وتدل على الأول ملاحظة رأس المال في الأخبار، وهو إنما يعلم بالتقويم بما اشتراه به، فإن بلغ النصاب بالدراهم دون الدنانير، وكان رأس المال هو الدنانير، فلا زكاة، وكذا العكس. وعلى فرض ثبوتهما معا، فإن لم يبلغ كل منهما منفردا النصاب فلا زكاة، وإن بلغ بأحدهما دون الآخر فهو المعتبر.


(1) سنن البيهقي 4: 94، المراسيل لأبي داود: 111 ح 1، وانظر التذكرة 5: 61. (2) الشرائع 1: 145.

[ 117 ]

الخامس: إذا كان مال التجارة عينا زكوية، واجتمعت فيها شرائط الزكاتين، فالمعروف من المذهب المدعى عليه الإجماع من غير واحد عدم اجتماع الزكاتين (1) ; لقوله عليه السلام: " لايثنا في صدقة " (2). وقول الباقر عليه السلام في حسنة زرارة: " لاتزكي المال من وجهين في عام واحد " (3). ونقل في الشرائع قولا بثبوتهما معا، هذه وجوبا وهذه استحبابا (4)، وهو ضعيف. ثم إن المفروض ههنا عامين تعارضا من وجه، والقاعدة الرجوع إلى المرجحات، أما على المشهور من القول باستحباب الزكاة في مال التجارة فتتعين الزكاة العينية ; لتقدم الوجوب على الاستحباب، وظاهر التذكرة الإجماع (5). وعلى القول بالوجوب فقيل: بتقديم العينية (6) و (7)، وقيل: بالتخيير (8)، وذهب بعض العامة إلى تقديم زكاة التجارة ; استنادا إلى بعض الاعتبارات الضعيفة (9)، ومستند التخيير التساوي في الوجوب. والأقوى تقديم العينية، لالما قيل: إنها تتعلق بالعين فكانت أولى ; لعدم ثبوت رجحان من ذلك. بل لأن الأدلة الدالة على وجوب الزكاة العينية أقوى وأظهر دلالة وأثبت في


(1) كالعومة في المنتهى 1: 509. (2) النهاية لابن الأثير 1: 224، كنز العمال 6: 332 ح 15902، الصحاح 6: 2294، وفيها: لا ثنى. وكذا في التذكرة 5: 223. (3) الكافي 3: 520 ح 6، وفيه: قلت لأبي عبد الله عليه السلام، التهذيب 4: 33 ح 85، الوسائل 6: 67 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 7 ح 1. (4) الشرائع 1: 146. (5) التذكرة 5: 223. (6) قالوا: لأنها أحظ للمساكين بتعلقها للغير (منه رحمه الله). (7) القائل هو الشيخ في المبسوط 1: 222، والخلاف 1: 104. (8). نقله الشهيد الثاني في المسالك 1: 403. (9) كابن قدامة في المغني 2: 627 .

[ 118 ]

المذهب، بخلاف أدلة زكاة التجارة ; فإنها موافقة للعامة، فيحتمل سقوطها رأسا كما تشعر به حكاية تخاصم أبي ذر وعثمان (1) و (3)، وبعد العمل عليها، فالوجه حملها على الاستحباب لما مر، فدلالتها على الوجوب على فرض التسليم ليست بمثابة دلالة تلك الأدلة مع كونها إجماعية، وكون هذه خلافية. مع أن المتبادر من أخبار زكاة التجارة أن مال التجارة غير الأعيان الزكوية من الأمتعة الاخر، فلاحظ الأخبار وتأملها (3). نعم، في قوية خالد بن الحجاج الكرخي (4) ما لايمنع استفادة الإطلاق والعموم، ولكن لا تعارض ما ذكرنا. ولو عاوض نصابا زكويا من مال التجارة بآخر في أثناء الحول، فمقتضى ما قدمناه " من أن تبدل مال التجارة في أثناء الحول لا يضر في تعلق زكاة التجارة، وأنه يضر في الزكاة العينية " سقوط الزكاة العينية، وتعلق زكاة التجارة. ثم إن بقي النصاب المذكور بعد التبادل حولا تاما من حين التبادل فتتعلق به زكاة التجارة حين تمام الحول من أول تملك النصاب الأول. وفي اعتبار ما انقضى من المدة، من ابتداء تملك النصاب الثاني في حول الزكاة العينية وعدمه، احتمالات تقدم نظيرها في زكاة الحيوان، والأظهر عدم الاعتبار، لاستلزام الثنيا في الصدقة، وكما أن الحول الواحد لا يعتبر في الزكاتين فكذا بعضه.


(1) فيما روي عن الباقر عليه السلام، قال: يا زرارة إن أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال عثمان: كل مال ذهب أو فضة يدار ويعمل به ويتجر ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول، فقال أبو ذر: أما ما يتجر به أو دير وعملت به فليس عليه زكاة، إنما الزكاة فيه إذا كان ركازا موضوعا، فإذا حال الحول ففيه الزكاة، واختصما في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، قال، فقال: القول ما قال أبو ذر (منه رحمه الله). (2) التهذيب 4: 70 ح 192، الاستبصار 2: 9 ح 27، الوسائل 6: 49 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1 14. (3) الوسائل 6: 48 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 14. (4) الكافي 3: 529 ح 7، الوسائل 6: 47 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 13 ح 5، وفيه: ما كان من تجارة في يدك فيها فضل ليس يمنعك من بيعها إلا لتزداد فضلا على فضلك فزكه.

[ 119 ]

لا يقال: إن مقتضى أدلة زكاة التجارة وإن كان الثبوت عند تمام الحول مطلقا، لكن الأدلة الدالة على جريان النصاب في الحول في الزكاة العينية (1) يقتضي اعتباره من ابتداء التملك، فيقع الإشكال في تقديم إلحاق الزمان الحاصل بعد تملك الثاني بمال التجارة أو احتسابه للعينية، فلابد من الرجوع إلى المرجحات، والمرجح للعينية كما تقدم. لأنا نقول: تعلق الزكاة العينية إنما يعلم بعد حؤول الحول، والجريان في الحول من أول الملك معناه أن معرفة الحول تحصل بملاحظة أول التملك ; لأن الوجوب يتعلق به أول التملك، ولذلك نقول: إذا تساوقت زكاة التجارة والعينية في الحول فيكون مراعى إلى آخر الحول، فإن نقص شئ من النصاب في أثناء الحول بالنسبة إلى العينية ولم ينقص بالنسبة إلى زكاة التجارة فتتعلق به زكاة التجارة عند تمام الحول. مع أن في أول الأمر أجرينا النصاب في حول الزكاة العينية، فنقول فيما نحن فيه: إذا تم حول زكاة التجارة، فتتعلق به ; لعدم العلم ببقاء النصاب على شرائطه إلى آخر حول الزكاة العينية، وإذا تعلق يلزم العمل على مقتضاه، ثم يبدأ بالحول للعينية. السادس: قالوا: تستحب الزكاة في حاصل العقار المتخذ للنماء من البساتين والخانات والحمامات (2). وفي اشتراط الحول والنصاب وجهان، بل قولان، نفاهما في التذكرة للعموم (3). واستقرب اعتبارهما في البيان (4)، قال في المدارك: ولا بأس به اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع الوفاق إن تم، قال: وعلى هذا فإنما يثبت الاستحباب فيه.


(1) الوسائل 6: 103 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 6. (2) الشرائع 1: 146، التذكرة 5: 233، المنتهى 1: 510، المدارك 5: 185. (3) التذكرة 5: 233. (4) البيان: 309.

[ 120 ]

إذا كان الحاصل عرضا غير زكوي، أما لو كان نقدا فالزكاه تحب فيه مع استجماع الشرائط، ويسقط الاستحباب (1)


(1) المدارك 5: 185 .

[ 121 ]

المقصد الثالث في مصرف الزكاة هو ما وصفه الله تعالى في قوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * (1) الآية. وفيه مباحث: الأول: اختلف الأصحاب - كأهل اللغة - في ترادف الفقير والمسكين وتغايرهما، وكون الأول أسوأ حالا من الثاني، وبالعكس، وغير ذلك ; على أقوال، ليس لأكثرها ما يعتمد عليه. والأظهر: كون المسكين أسوأ حالا من الفقير، وأنه المحتاج الذي يسأل، والفقير هو المحتاج الذي لا يسأل، كما نص عليه الصادق عليه السلام في حسنة أبي بصير (2)، وأحدهما عليهما السلام في صحيحة محمد بن مسلم (3).


(1) التوبة: 60. (2) الكافي 3: 501 ح 6، التهذيب 4: 104 ح 297، الوسائل 6: 144 أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 3، قال: الفقير الذي لا يسأل الناس، والمسكين أجهد منه. (3) الكافي 3: 502 ح 18، الوسائل 6: 144 أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 2، قال: الفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي هو أجهد منه الذي يسأل .

[ 122 ]

وتظهر ثمرة النزاع فيما لو نذر أن يعطي شيئا للفقير أو المسكين، أو أوصى لأحدهما. وأما على القول بوجوب البسط على الأصناف الثمانية أو نذر أن يبسطها عليهم فلاثمرة ; إذ يكفي الإيصال إلى الصنفين المترددين بين الاسمين، وإن لم يعرفهما متعينا. نعم يلزم وجود الصنفين المترددين. وقال في المسالك: متى ذكر أحدهما دخل فيه الآخر بغير خلاف كما في آية الكفارة (1)، وإنما الخلاف فيما لو اجتمعا كآية الزكاة (2) لاغير (3). والظاهر أن مراده من دخول أحدهما في الآخر: كفاية إعطاء كل منهما عن الآخر، فإنه لا معنى للوفاق والخلاف في حقيقتهما في المواضع، والخلاف في آية الزكاة لعله إنما هو من بعض العامة. الثاني: الحد الذي يسوغ أخذها للصنفين هو أن لا يملك مؤونة سنة من ربح ماله، أو حاصل ضيعته، أو من أصل ماله الذي هو غير مستغل، ورأس ماله الذي هو مدار معيشته ; كما يستفاد من ملاحظة الجمع بين الأخبار. فلو كانت ضيعته التي يكفي حاصلها في كل سنة لمؤونة سنته، ولكن قيمتها تساوي مؤونة أكثر من سنة له ; لا يجب بيعها وصرفها، بل يحبسها ويصرف حاصلها في مؤونته، ويجوز له أخذ الزكاة مع ذلك لو قصر عنها، وكذلك دابة المكاري والجمل الذي يستقي به. وأما لو كان له ضيعة لايستغل بها مثلا، وكانت قيمتها مساوية لمؤونة سنته فلا يجوز له أخذ الزكاة، فيبيعها ويصرفها.


(1) المجادلة: 5. (2) التوبة: 60. (3) المسالك 1: 409

[ 123 ]

وهذا هو حاصل ما يستفاد من الأخبار الكثيرة، مثل صحيحة معاوية بن وهب (1)، وموثقة سماعة (2)، ورواية أبي بصير (3) وغيرها من الأخبار الكثيرة (4). والمستفاد من كلمات أصحابنا المتأخرين، وهو الجامع بين كلاميهم، أحدهما: أن الغني من ملك من الأموال ما يكون قدر كفايته لمؤونته طول سنته على الاقتصاد، والآخر: ما ذكروه من جواز تناول الزكاة لمن كان له مال يتعيش به أو ضيعة يستغلها إذا كان يعجز عن استنماء الكفاية. ويدل على أن من ملك مؤونة سنته لا يجوز له أخذ الزكاة روايات، منها حسنة أبي بصير في الكافي (5)، وروايتان مذكورتان في المقنعة (6) والعلل (7). وقال في الخلاف: الغني من ملك نصابا تجب فيه الزكاة أو قيمته (8)، ومقتضاه أن من كان له نصاب واحد لا يكفيه في شهر ليس بفقير. وقال في المبسوط ما حاصله: إن الغنى أن يكون قادرا على كفايته وكفاية من تلزمه كفايته على الدوام ولو بحرفة وصنعة ترد عليه كفايته (9).


. (1) الكافي 3: 561 ح 6، الوسائل 6: 164 أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 1، عن الرجل له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها، أيكب فيأكلها ولا يأخذ الزكاة أو يأخذ الزكاة ؟ قال: لا، بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ويأخذ البقية من الزكاة ويتصرف بهذه لا ينفقها. (2) الفقيه 2: 17 ح 57، الوسائل 6: 161 أبواب المستحقين للزكاة ب 19 ح 1، عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم ؟ فقال: نعم، إلا أن تكون داره دار غلة فيدخل له ما يكفيه لنفسه وعياله، فإن لم تكن الغلة تكفيه. (3) الكافي 3: 560 ح 3، الفقيه 2: 18 ح 58، الوسائل 6: 159 أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 4، وفيه: إن كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة، وإن كان أقل من نصف القوت أخذ الزكاة. (4) انظر الوسائل 6: 164 أبواب المستحقين للزكاة ب 12. (5) الكافي 3: 560 ح 1، وانظر الوسائل 6: 158 أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 1، وفيها: يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة - إلى أن قال - ولا يأخذها إلا أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة أنفدها في أقل من سنة. (6) المقنعة: 248، الوسائل 6: 158 أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 10 وفيها: عن أبي عبد الله عليه السلام يقول: تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة. (7) علل الشرائع: 370، الوسائل 6: 160 أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 6، وفيه: عن أبي عبد الله عليه السلام: لا تحل الزكاة لمن له خمسون درهما وله حرفة يقوت بها عياله. (8) الخلاف 2: 146 مسألة 183، ونقله عنه العومة في التذكرة 5: 240. (9) المبسوط 1: 256

[ 124 ]

ومقتضاه: أن من كان له من المال ما يكفيه سنين متعددة من غير ما يتعيش به من رأس المال ويستغل به من العقار فهو فقير يجوز له أخذ الزكاة، وهو بعيد، ولذلك قال في المختلف: إن مراده بالدوام هنا مؤونة السنة (1) قول الخلاف أيضا ضعيف. وربما يستدل له: بما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لمعاذ: "، وأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم " (2) وهو ضعيف سندا ودلالة (3)، ولعل إطلاق الغني هنا محمول على الغالب، أو اصطلاح جديد فيمن تجب عليه الزكاة، فلا ينافي إطلاق الفقير عليه من جهة معناه العرفي واللغوي. ثم إن من يقدر على اكتساب ما يمون به عياله، كسبا لائقا بحاله، لا يوجب ارتكابه عسرا وحرجا، والمحترف كذلك ; غني وإن لم يحصل عنده بالفعل ما يكفيه على المشهور الأقوى ; لأنه ليس بفقير عرفا، ولحسنة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال، سمعته يقول: " إن الصدقة لا تحل لمحترف، ولا لذي مرة سوي قوي، فتنزهوا عنها " (4). وروى صاحب معاني الأخبار في الصحيح عن زرارة عنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي، ولالمحترف، ولا لقوي " ثم قال، قلت: ما معنى هذا ؟ قال: " لا يحل له أن يأخذها وهو يقدر على أن يكف نفسه عنها " (5). قال: وفي حديث آخر عن الصادق عليه السلام أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تحل الصدقة


(1) المختلف 3: 214. (2) صحيح البخاري 2: 130، الجامع لأحكام القرآن 8: 174. (3) وقال في المدارك 5: 196 والجواب عن الرواية بالطعن في السند، فإنها إنما وردت من طريق الجمهور فتكون ساقطة، وثانيا بمنع الدلالة، إذ من الجائز أن يكون المراد بالأغنياء المزكين اعتبارا بالأكثر، أو يقال: إن الغنى الموجب للزكاة غير الغنى المانع من أخذها وإطلاق اللفظ عليهما بالاشتراك اللفظي. (4) الكافي 3: 560 ح 2، المقنعة: 241، الوسائل 6: 159 أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 2. المرة: القوة، والسوي: من اعتدلت خلقته. (5) معاني الأخبار: 76، الوسائل 6: 160 أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 8.

[ 125 ]

لغني " ولم يقل: ولا لذي مرة سوي (1). وروى مضمون الحديث الأخير في الفقيه (2). وروى في الكافي في الصحيح عن معاوية بن وهب قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يروون عن النبي صلى الله عليه وآله أن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " لا تصلح لغني " (3). ويمكن أن يكون الوجه في هذه الأخبار: أن " الغني " يكفي عن القوي، وعن ذي مرة سوي، فلا حاجة إلى التكرار. وربما يحمل نفي الأخير على التقية. وقيل: يجوز إعطاؤها للمكتسب من غير اشتراط قصور كسبه ; لأنه غير واجد للكفاية وغير مالك للنصاب (4). ولا يخفى ضعفه بعد ما تقدم. ويجوز للمكتسب أخذها إذا وجب عليه التفقه الغير المجامع للكسب ; لوجوبه مطلقا. والظاهر أنه كذلك أيضا في القدر الكفائي من الاجتهاد وتحصيل مبانيه، فإن هذا الفن يحتاج دائما إلى اشتغال جماعة في تحصيله ; لكثرة السوانح الرادعة، وحصول الفوت قبل البلوغ إلى المقصد لكثير، فقد ترى في كل زمان جمعا كثيرا في كل بلد مشتغلون في تحصيل هذا الشأن، ومع ذلك لا يكمل منهم مقدار ما يكفي العوام. فلا يمكن أن يقال: يسقط الواجب الكفائي بتحصيل رجل واحد واشتغاله أو اثنين أو ثلاثة، سيما مع عدم استعداد كل منهم استعدادا يغلب على الظن بلوغه مرتبة الاجتهاد. ثم إن المكتسب لو قصر كسبه عن كفايته، جاز له الأخذ إجماعا، بل ويجوز أخذه مقدار الغنى وأزيد منه دفعة كسائر الفقراء، ولا يجب الاقتصار على المتمم على


(1) معاني الأخبار: 76، الوسائل 6: 160 أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 9. (2) الفقيه 3: 109 ح 458، الوسائل 6: 159 أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 5. (3) الكافي 3: 562 ح 12، الوسائل 6: 159 أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 3. (4) حكاه عن بعض أصحابنا في الخلاف 4: 230 .

[ 126 ]

المشهور ; لإطلاق الأخبار الدالة على ذلك. و ولا ينافيها مفهوم صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة، مع أنها وردت فيمن قصر نفع تجارته من مؤونته، لافي ذي الكسب القاصر. الثالث: لايمنع الفقير من أخذ الزكاة كونه صاحب دار أو خادم لائقين بحاله، إذا كان شأنه أن يكون له خادم، أو اضطر إليه ; لزمانته ورفع حاجته، ولا يكلف بقبول بذل الدار والخدمة من غيره، ولا بالاستيجار وبيع داره وخادمه. وألحق بهما في التذكرة فرس الركوب وثياب التجمل، قال: ولا نعلم فيه خلافا، لإمساس الحاجة إلى هذه الأشياء، وعدم الخروج بها عن حد الفقر إلى الغنى (1). ويدل على خصوص الدار والعبد والأمة والجمل أخبار، مثل موثقة سماعة (2) وصحيحة عمر بن اذينة عن غير واحد (3)، ورواية عبد العزيز (4). والظاهر أن مثل ما ذكر الفرش والظروف والآلات الضرورية اللائقة بحاله، وكتب العلم المحتاج إليها ; لصدق الفقر معها، وللعلة المنصوصة في رواية عمربن اذينة " أن الدار والخادم ليسا بمال ". ولافرق في الدار بين الرفيع العالي القيمة والوضيع، وكذلك العبد والأمة وغيرهما إذا لم يخرج عما يليق به، ولا يؤمر ببيعها وشراء ما يرفع حاجته ; للأصل،


(1) التذكرة 5: 275 مسألة 188. (2) الكافي 3: 560 ح 4، الفقيه 2: 17 ح 57، الوسائل 6: 161 أبواب المستحقين للزكاة ب 9 ح 1، وصدره في التهذيب 4: 107 ح 308، عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم ؟ قال: نعمث. (3) الكافي 3: 561 ح 7، الفقيه 2: 17 ح 56، التهذيب 4: 51 ح 133، الوسائل 6: 162 أبواب المستحقين للزكاة ب 9 ح 2. عن الرجل له دار أو خادم أو عبد، يقبل الزكاة ؟ قال: نعم، إن الدار والخادم ليس بمال. (4) الكافي 3: 562 ح 10، الوسائل 6: 162 أبواب المستحقين للزكاة ب 9 ح 3 عمن له دار تسوي أربعة آلاف درهم، وله جارية، وله غلام يستقي على الجمل كل يوم مابين الدرهمين إلى الأربعة سوى علف الجمل، وله عيال، أله أن يأخذ من الزكاة ؟ قال: نعم، قال: وله هذه العروض ؟ قال: يا أبا محمد تأمرني أن آمره ببيع داره وهي عزه ومسقط رأسه، أو ببيع جاريته التي تقيه الحر البرد وتصون وجهه ووجه عياله، أو آمره ببيع غلامه أو جمله وهو معيشته وقوته ؟ ! بل يأخذ الزكاة فهي له حلال ولا يبيع داره ولا غلامه ولاجمله .

[ 127 ]

وإطلاق النصوص، ونفي العسر والحرج. نعم، لو كان له زيادة يمكن بيعها مستقلا وترفع حاجته حولا من دون عسر فالأظهر الوجوب عليه. قيل: ولو فقد المذكورات واحتاج إليها استثنيت له أثمانها، وكذلك ما يحتاج إليه (1) في التزويج لو احتاج إليه، وهو حسن. الرابع: لو ادعى أحد الفقر وجهل حاله ; فالمعروف من مذهب الأصحاب - بل الظاهر من الفاضلين الإجماع عليه - أنه يصدق من دون بينة ويمين، قويا كان أو ضعيفا (2)، لأن أفعال المسلمين وأقوالهم محمولة على الصحة والصدق، ولأن الدعوى موافقة للأصل، وقبولها موافق لنفي العسر والحرج. ونقل في المبسوط في قبول دعوى القوي الحاجة لأجل عياله قولين، ثانيهما عدم القبول، إلا بالبينة وجعله أحوط (3)، وقال في المختلف: الظاهر أن القائل من الجمهور (4). وكيف كان فالمذهب هو الأول، ويدل عليه أيضا ما رواه في الكافي، عن عبد الرحمن العرزمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل إلى الحسن والحسين عليهما السلام وهما جالسان على الصفا فسألهما، فقالا: " إن الصدقة لا تحل إلا في دين موجع، أو غرم مفظع، أوفقر مدقع، ففيك شئ من هذا ؟ " قال: نعم، فأعطياه (5) الحديث. ومما يدل على القول الآخر: أن الله تعالى أوجب إيصال الزكاة إلى الفقير، وهو اسم لما هو كذلك في نفس الأمر.


(1) كما في المدارك 5: 201. (2). المحقق في المعتبر 2: 568، والعلامة في المنتهى 1: 526، والتذكرة 5: 245 مسألة 165. (3) المبسوط 1: 247. (4) المختلف 3: 223. (5) الكافي 4: 47 ح 7، الوسائل 6: 145 أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 6، وهي ضعيفة السند بالإرسال وغيره.

[ 128 ]

ويدفعه: أن هذا الظاهر يقوم مقام العلم، والظاهر أن قيامه مقام العلم لا يختص بصورة العجز عن العلم، كما في سائر أفعال المسلمين وأقوالهم، فلايتم أن يقال: إن الأصل يقتضي تحصيل العلم، ومع العجز عنه يرجع إلى الظن. ثم إن الظاهر: أن الحكم لا يتفاوت إذا كان له أصل مال (1)، وعن الشيخ: أنه لا يقبل إلا باليمين للاستصحاب (2). وربما نقل منه القول بتكليف البينة (3)، والأول أظهر، سيما إذا كان عدلا أو ظهر صدقه من الأمارات. الخامس: لا يجب إعلام الفقير أنها زكاة، فيجوز الإعطاء على سبيل الصلة والهدية في الظاهر، وقال في التذكرة: إنه لا نعرف فيه خلافا، ويدل عليه - بعد الأصل (4) وأن النية هي الداعي، وأنه إعزاز للمؤمن، وترك لإذلاله - خصوص رواية عاصم بن حميد، عن أبي بصير، وليس في سندها من يتأمل فيه إلا سهل، والأمر فيه سهل، ورواها في المقنعة مرسلة، ورواها الصدوق بسنده عن عاصم بن حميد، وقال في الخلاصة: إنه حسن لإبراهيم بن هاشم (5)، قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذ من الزكاة فأعطيه من الزكاة ولااسمي له أنها من الزكاة ؟ فقال: " أعطه، ولاتسم له، ولا تذل المؤمن " (6) وفي مجالس ابن الشيخ أيضا ما يعضده (7).


(1) يعني من له أصل مال وادعى تلفه مثلا. (2) حكاه عنه صاحب المدارك 5: 202، وقال: القول بتوقف قبول قوله على اليمين منقول عن الشيخ لأصالة بقاء المال، وانظر المعتبر 2: 568. (3) كما في المعتبر 2: 568، وانظر المبسوط 1: 247. (4) التذكرة 5: 287 مسألة 203. (5) الخلاصة: 279، وانظر مشيخة الفقيه 4: 77. (6) الكافي 3: 563 ح 3، الفقيه 2: 8 ح 25، الوسائل 6: 219 أبواب المستحقين للزكاة ب 58 ح 1. (7) مجالس ابن الشيخ: 442 الجزء الخامس عشر .

[ 129 ]

ولا تعارض بها حسنة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: الرجل يكون محتاجا فيبعث إليه بالصدقة فلا يقبلها على وجه الصدقة يأخذه من ذلك ذمام واستحياء وانقباض، أفنعطيها إياه على غير ذلك الوجه وهي منا صدقة ؟ فقال: " لا، إذا كانت زكاة فله أن يقبلها، فإن لم يقبلها على وجه الزكاة، فلا تعطها إياه " (1) الحديث. وحملت على الكراهة (2). وربما حملت على كون الامتناع لعدم الاحتياج وانتفاء الاستحقاق، وهو بعيد. ويؤيد الكراهة: الأخبار الدالة على أن تارك الزكاة وقد وجبت له، مثل مانعها وقد وجبت عليه، وظاهر أكثرها التحريم. والفرق بين الروايتين أيضا واضح، فإن الثانية مشتملة على الامتناع وعدم القبول، بخلاف الاولى ; فيستحب عدم الإعلام للمستحيي الغير المانع، ويكره الإعطاء للمترفع الذي يمنع ويرد ولا يقبل. ويمكن أن يكون المنع عن الإعطاء في الثانية إذا احتاج إلى التصريح بأنها ليست بزكاة، والأمر بالإعطاء في الأول إذا حصلت الكفاية بالسكوت عن الزكاة وغيرها، وإن كان ظاهرها يتراءى منه أنه غير الزكاة. وكيف كان فالمذهب الجواز، ولكن الأحوط عدم التصريح بأنه هدية مثلا. وأحوط منه ترك قوله: إنه ليس بزكاة ; لاستلزامه الكذب المحرم. ويحتمل تنزيل الرواية الأخيرة على مالو احتاج إلى ذلك كما أشرنا، فلا مانع حينئذ من إبقائها على ظاهرها من الحرمة. السادس: لو ظهر كون الفقير غنيا، فإن كان عالما بأنه زكاة وأخذ فيحرم عليه،


(1) الكافي 3: 564 ح 4، الوسائل 6: 219 أبواب المستحقين للزكاة ب 58 ح 2. الذمام: حفظ الحرمة (لسان العرب مادة ذمم 12: 221). (2) كما في المدارك 5: 204.

[ 130 ]

ويجوز الارتجاع بعينها أو قيمتها لو تلفت ; لأنه غاصب، بل يجب لدفع المنكر. وإن لم يكن عالما به، فقال في المعتبر: لا يجوز الارتجاع ; لأن الظاهر أنها صدقة (1). أقول: يعني أن الأصل وإن كان عدم الانتقال إلى الآخذ لزوما، ولكن لما كان الظاهر كونها صدقة والصدقة عقد لازم، فالانتقال من الآخذ ثانيا يحتاج إلى دليل، ومجرد دعوى المعطي لا تنهض دليلا. وهذا الكلام يدل على عدم اشتراط الفقر في صحة الصدقة، ويدل عليه ما ذكروه من أن الهبة أعم من الصدقة (2) ; لأجل اشتراط القربة فيها، ولم يذكروا غير ذلك، بل صرح العومة في التذكرة في أبواب العطايا بجواز الصدقة على الأغنياء للعموم، بل يظهر منه فيها جواز نذر الصدقة على الأغنياء أيضا (3). وتدل عليه العمومات. وروى الشيخ في مجالسه بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: " كل معروف صدقة، إلى غني أو فقير، فتصدقوا ولو بشق التمرة، واتقوا النار ولو بشق التمرة " (4) الحديث. ثم إن ما ذكره حسن إذا ظهر كونها صدقة، وأما مع تساوي الاحتمالين فالأصل عدم الانتقال لزوما، غاية الأمر كونها إباحة فيجوز الارتجاع مع البقاء. واستقرب في التذكرة جواز الاسترجاع ; لفساد الدفع، ولأنه أبصر بنيته (5). قال في المدارك: وهو جيد مع بقاء العين وانتفاء القرائن الدالة على كون المدفوع صدقة (6)، وهو كذلك. ثم إن ما وجهنا به كلام المعتبر إنما يتم إذا لوحظ حال المرافعة والحكم الظاهري، وهو وجه من وجوه عدم التمكن كما سيأتي، ولكن لا ينهض دليلا على عدم جواز


(1) المعتبر 2: 569. (2) كالشهيد الثاني في الروضة البهية 3: 193. (3) التذكرة (الطبعة الحجرية) 2: 422. (4) أمالي الطوسي 2: 73، البحار 71: 410 ح 16 وج 93: 122 ب 29 ح 14. (5) التذكرة 5: 346. (6) المدارك 5: 205 .

[ 131 ]

الأخذ للمالك أو الإمام أو الفقير على سبيل التقاص مع بقاء العين. وإن تعذر الارتجاع فيبقى في ذمة الآخذ إذا كان غاصبا، ولا شئ عليه إذا لم يكن كذلك. وأما المعطي، فليس عليه ضمان إذا كان هو الإمام أو نائبه، بلا خلاف بين العلماء كما في المنتهى (1)، ولأن الأمر يقتضي الإجزاء، فإن التكليف لم يثبت إلا بإعطاء من ظهر فقره. وأما لو كان هو المالك، ففيه أقوال (2)، أظهرها أيضا ذلك، وقيل: تجب الإعادة (3) ; لأنه دفعها إلى غير المستحق كالدين، ولرواية الحسين بن عثمان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل يعطي زكاة ماله رجلا وهو يرى أنه معسر فوجده موسرا، قال: " لا يجزي عنه " (4). وفيه: أن قياسه بالدين غير مسموع عندنا، سيما مع وجود الفارق، والرواية مرسلة، ولم يعلم أن الإرسال من جهة ابن أبي عمير الواقع في السند، ولا تقاوم القاعدة المسلمة، مع أنها غير صريحة في المطلوب، فلعل رأيه أنه معسر، كان من غير طريق معتبر شرعا، كقول المسلم وفعله، وإن كان ترك الاستفصال يؤيد التعميم. وفصل الفاضلان، فلاتجب الإعادة إذا اجتهد وتفحص ; لحسنة عبيد بن زرارة (5)، وهي متشابهة الدلالة، وموضع الاستدلال فيها قال، قلت: فإن لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس هو لها بأهل وقد كان طلب واجتهد ثم علم بعد ذلك سوء ما صنع، قال: " ليس عليه أن يؤديها مرة اخرى " (6).


(1) المنتهى 1: 527. (2) القول بعدم الضمان للشيخ في المبسوط 1: 261. (3) المقنعة: 259، الكافي في الفقه: 173. (4) التهذيب 4: 51 ح 132، الوسائل 6: 148 أبواب المستحقين للزكاة ب 2 ح 5. (5) المحقق في المعتبر 2: 569، والعلامة في المنتهى 1: 527. (6) التهذيب 4: 102 ح 290، والوسائل 6: 147 أبواب المستحقين للزكاة ب 2 ح 1، وصدرها: قلت: رجل عارف أدى الزكاة إلى غير أهلها زمانا، هل عليه أن يؤديها ثانية إلى أهلها إذا علمهم ؟ قال: نعم، قلت: فإن لم يعرف لها أهلا فلم يؤدها أو لم يعلم أنها عليه فعلم بعد ذلك ؟ قال: يؤديها إلى أهلها لما مضيث.

[ 132 ]

قال الشيخ: وعن زرارة مثله غير أنه قال: " إن اجتهد فقد برئ، وإن قصر في الاجتهاد والطلب فلا " (1). ويرد على الحسنة - بعد تشابه الدلالة، وأن الظاهر من أولها أنها أعطاها لغير أهلها عالما، وأن الاجتهاد في تحصيل الأهل الأصل، لافي معرفة الأهل - أن حكم الإمام إنما وقع على ما سأله السائل، فلا يعتبر مفهومه. وأما الرواية فمجهولة الحال، مع أنه يمكن أن يقال: يكفي في تحقق الاجتهاد السؤال من نفس الفقير والاكتفاء بقوله، فلا يضر بما اخترناه. مع أن الظاهر من الحسنة أن المراد من غير الأهل هم المخالفون، فدلالتها على ما نحن فيه إن سلمت بالفحوى في جانب عدم الضمان مع الاجتهاد، فلا نسلم ذلك في جانب الضمان مع انتفاء الطلب والاجتهاد. وكيف كان، فالأظهر هو القول الأول، والأحوط الاجتهاد والطلب. وأما لو بان كفره، أو فسقه على القول باشتراط العدالة، أو كونه واجب النفقة، أو كونه هاشميا والدافع غير هاشمي، فلا يحضرني الآن كلام مخالف في الإجزاء وعدم وجوب الإعادة، إلا عن بعض العامة ; لعدم الوصول إلى المستحق، فيضمن كالدين (2). ولازم من استدل بالحسنة السابقة في التفصيل المتقدم هو التفصيل هنا إن عممنا غير الأهل، أو في خصوص ظهور كونه مخالفا، كما هو ظاهر الرواية. وأوجب الفاضلان الإعادة لو ظهر كونه عبدا للمالك ; لأن المال لم يخرج عن ملكه بذلك (3).


(1) التهذيب 4: 103 ح 291. (2) كالشافعي في أحد قوليه وأحمد، انظر المهذب للشيرازي 1: 182، والمجموع 6: 231، والمغني 2: 527، والمنتهى 1: 527، والتذكرة 5: 350 مسألة 257. (3) المحقق في المعتبر 2: 570، والعومة في المنتهى 1: 527.

[ 133 ]

وفيه تأمل سيما إذا تلفت العين. السابع: العاملون هم الساعون في تحصيلها أخذا وحسابا وكتابة وقسمة وإيصالا. وأجمع علماؤنا وأكثر العامة على استحقاق هؤلاء نصيبا من الزكاة وإن كانوا أغنياء ; لإطلاق الآية (1)، قاله في المدارك (2). وما ذكره بعض العامة: من أنه من باب الاجرة لاالزكاة ; لأنه لا يستحق إلا بالعمل ويأخذه مع الغنى، والزكاة إنما تدفع استحقاقا، ولا تحل لغني (3) ; ففيه ضعف، والكليتان ممنوعتان. ويشترط فيه: البلوغ، والعقل، والإيمان، والعدالة، والظاهر أنه لا خلاف فيها، وادعي عليه الإجماع (4). ويدل على اعتبار العدالة أيضا: أنه استئمان على مال الغير، ولا أمانة لغير العدل، وحسنة بريد بن معاوية، عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال لعامله: " فإذا قبضته فلا توكل به إلا ناصحا شفيقا أمينا حفيظا " (5). واعتبروا فيه الفقه أيضا، والظاهر أنه تكفي معرفته بالمسائل المتعلقة بما يتولاه، وبقدر ما يتويه ولو بالتقليد. ويشترط أيضا: أن لا يكون هاشميا، وتدل عليه صحيحة العيص بن القاسم (6)،


(1) قال تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها (التوبة: 60). (2) المدارك 5: 208. (3) بدائع الصنائع للكاساني 2: 44، والمغني لابن قدامة 2: 516. (4) كالشيخ في المبسوط 1: 251، والشهيد في الدروس 1: 242 مسألة 65. (5) الكافي 3: 536 ح 1، التهذيب 4: 96 ح 274، الوسائل 6: 88 أبواب زكاة الأنعام ب 14 ح 1. (6) التهذيب 4: 58 ح 154، الوسائل 6: 185 أبواب المستحقين للزكاة ب 29 ح 1، قال: إن اناسا من بني هاشم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله الله عز وجل للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول الله " ص ": يا بني عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم، ولكن قد وعدت الشفاعة ث .

[ 134 ]

والمنع إنما هو إذا أراد أخذ النصيب، وإلا فلا مانع منه إذا تبرع به أو أعطاه الإمام شيئا من بيت المال، وكذا إذا كان عمله لقبيلة. ويتفرع على ما اختاره بعض العامة من كونه اجرة: جوازه، وقد عرفت بطلانه. والقول الذي نقله الشيخ على الجواز (1) لعله من العامة كما ذكره في المختلف (2). وفي اشتراط الحرية قولان ; نظرا إلى أن العبد لا يملك ومولاه لم يعمل ; ولأنه نوع إجارة والعبد يصلح لذلك بإذن سيده، ولعله الأظهر. وكيف كان فلا إشكال في المكاتب ; لأنه يملك. وتقدير النصيب في العامل موكول إلى نظر الحاكم، وتدل عليه حسنة الحلبي (3). واختلفوا في سقوط نصيبهم في زمان غيبة الإمام، والأظهر عدم السقوط ; للإطلاق، فينوب الحاكم مقام الإمام. الثامن: لا خلاف في كون المؤلفة قلوبهم من جملة مصارف الزكاة ; للآية (4)، والأخبار (5). ولكنهم اختلفوا، فقال في المبسوط: المؤلفة قلوبهم عندنا هم الكفار الذين يستمالون بشئ من مال الصدقات إلى الإسلام، ويتألفون ; ليستعان بهم على قتال أهل الشرك، ولا يعرف أصحابنا مؤلفة أهل الإسلام (6). وعن ابن الجنيد اختصاصه بالمنافقين (7).


(1) المبسوط 1: 248. (2) المختلف 3: 217. (3) الكافي 3: 563 ح 13، الوسائل 6: 178 أبواب المستحقين للزكاة ب 23 ح 3 قال قلت له: ما يعطى المصدق ؟ قال: ما يرى الإمام، ولا يقدر له شئ. (4) التوبة: 60. (5) الوسائل 6: 143 أبواب المستحقين للزكاة ب 1. (6) المبسوط 1: 249. (7) نقله في المختلف 3: 200.

[ 135 ]

والمفيد جعلهم ضربين: مشركين، ومسلمين (1). وفصل الشافعي تفصيلا مرجعه إلى ستة أقسام: قسمان من المشركين والباقي من المسلمين، وما اختاره في أقسام المسلمين يرجع أكثرها إلى العاملين أو في سبيل الله (2). وذكره في المعتبر وارتضاه نظرا إلى أنه مصلحة، ونظر المصلحة إلى الإمام (3). وقال في المدارك: لاريب في جواز الدفع إلى جميع هذه الأقسام من الزكاة، لكن مع عدم تحقق التأليف يكون الدفع من سهم المصالح (4). ثم اختلفوا في سقوط هذا السهم بعد النبي صلى الله عليه وآله، قيل: نعم ; لعدم الاحتياج إلى التأليف ; لقوة الإسلام (5). وقيل: لا ; لأنه كان باقيا إلى حين الوفاة، ولم يثبت نسخه (6). وقيل: يسقط بعد غيبة الإمام عليه السلام ; لسقوط الجهاد (7). وقيل: يبقى بعدها أيضا ; لأن الجهاد وإن سقط من جهة الدعوة إلى الإسلام لكن لم يسقط لدفع الأذى عن الإسلام (8)، وقواه في المدارك تمسكا بظاهر التنزيل السالم عن المعارض (9). أقول: القدر الإجماعي منه هو الكفار المؤلفة قلوبهم للجهاد في زمانه صلى الله عليه وآله، والباقي مشكوك فيه، والأصل عدمه. ولا عموم في ظاهر التنزيل كما ادعاه في المدارك ; لأن الظاهر منه قوم معينون،


(1) نقله عنه في المعتبر 2: 573. (2) المهذب للشيرازي 1: 179، المجموع 6: 198، الوجيز 1: 293، حلية العلماء 3: 154. (3) المعتبر 2: 573. (4) المدارك 5: 215. (5) كما في بداية المجتهد 1: 275، بدائع الصنائع 2: 45. (6) كما في المعتبر 2: 573. (7) كما في النهاية: 185. (8) كما في المنتهى 1: 520. (9) المدارك 5: 215 .

[ 136 ]

فلا عموم فيه، فإن تأليف القلب لابد أن يتعلق إلى شئ، وهو محتمل لامور ; إذ قديتألف القلب إلى المسلمين بأن يسلموا ويذهبوا إلى مذهبهم، وقد يتألف إلى نصرتهم في الحرب مع بقائهم مصرين على كفرهم. والحرب قد تكون للدعاء إلى الإسلام، وقد تكون للدفاع عنه، وهكذا احتمال تأليف قلوب المسلمين الضعيف إسلامهم. وإذا تعين فيثبت العموم في أفراد ذلك المتعين لا مطلقا. وإرادة أكثر من معنى واحد لا تجوز كما حقق في الاصول، هذا. ولكن في الأخبار ما يدل على أن التأليف يتحقق لأجل الإسلام والثبات عليه أيضا، مثل ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره: " إنهم قوم وحدوا الله، وخلعوا عبادة من دون الله، ولم تدخل المعرفة قلوبهم أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتألفهم ويعلمهم ويعرفهم كيما يعرفوا، فجعل لهم نصيبا في الصدقات ; لكي يعرفوا ويرغبوا " (1). وفي صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم في الكافي والفقيه: أنهما قالا لأبي عبد الله عليه السلام: أرأيت قول الله عزوجل: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقا ب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) * أكل هؤلاء يعطى وإن كان لايعرف ؟ فقال: " إن الإمام يعطي هؤلاء جميعا ; لأنهم يقرون له بالطاعة ". قال: زرارة، قلت: فإن كانوا لا يعرفون ؟ فقال: " يا زرارة لو كان يعطى من يعرف دون من يعرف لم تجد لها موضعا، وإنما يعطى من لم يعرف ليرغب في الدين فيثبت عليه، فأما اليوم فلا تعطها أنت وأصحابك إلا من يعرف، فمن وجدت من هؤلاء المسلمين عارفا فأعطه دون الناس "، ثم قال: " سهم المؤلفة وسهم الرقاب عام


(1) تفسير القمي 1: 298، وأورده في التهذيب 4: 49 ح 129، والوسائل 6: 145 أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 7 عن العالم

[ 137 ]

والباقي خاص " (1). وفي الكافي في الحسن، عن زرارة، عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن قول الله عزوجل: * (المؤلفة قلوبهم) *، قال: " هم قوم وحدوا الله عز وجل، وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله عز وجل، وشهدوا أن لاإله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهم في ذلك شكاك في بعض ما قه عليه وآله، فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله أن يتألفهم بالمال والعطاء لكي يحسن جاء به محمد صلى الله عليه وآله إسلامهم " إلى أن قال زرارة: فسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " فحط الله نورهم، وفرض الله للمؤلفة قلوبهم سهما في القرآن " (2). وفيه عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " المؤلفة قلوبهم لم يكونوا قط أكثر منهم اليوم " (3). وفيه عن موسى بن بكر، عن رجل قال، قال أبو جعفر عليه السلام: " ما كانت المؤلفة قلوبهم قط أكثر منهم اليوم، وهم قوم وحدوا الله، وخرجوا من الشرك، ولم تدخل معرفة محمدي قلوبهم وما جاء به، فتألفهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وتألفهم المؤمنون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ; لكيما يعرفوا " (4). وأنت خبير بأن هذه الأخبار شواهد على مذهب ابن الجنيد، وعلى مذهب المفيد أيضا على وجه. ولم نقف من الأخبار ما يدل على تخصيصها بالكفار. وأما دلالتها على بقاء حكم كونهم من مصارف الزكاة (5) فتنفيه صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم، ولاتنافيها الروايتان الأخيرتان ; لعدم المنافاة، فلاحظ وتأمل.


(1) الكافي 3: 496 ح 1، الفقيه 2: 2 ح 4، وأوردها في التهذيب 4: 49 ح 128، والوسائل 6: 143 أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 1. (2) الكافي 2: 411 ح 2. (3) الكافي 2: 411 ح 3. (4) الكافي 2: 412 ح 5. (5) في " ح " زيادة: في الجملة ودلت عليه الآية اليوم.

[ 138 ]

التاسع: لا خلاف في كون الرقاب من مصارف الزكاة في الجملة، ودلت عليه الآية (1) والأخبار (2). ولا خلاف بين الأصحاب في كون المكاتبين والعبيد الذين تحت الشدة من جملة هذا المصرف، ويرجع في الشدة إلى العرف، ويظهر من كلماتهم أنه إجماعي (3). وكذلك شراء العبد من الزكاة وعتقه، وإن لم يكن تحت شدة ; بشرط عدم المستحق، ونسبه في المعتبر إلى فقهاء الأصحاب (4)، وكذلك في التذكرة (5). وجوز العومة في القواعد الإعتاق مطلقا وشراء الأب منها (6)، ونقله ولده في الشرح عن المفيد وابن إدريس وقواه هو (7)، وتبعه بعض المتأخرين (8). وقال في المسالك: اشتراط الشدة وعدم المستحق إنما هو في إعتاقه من سهم الرقاب، ولو اعتق من سهم سبيل الله فلا يتوقف (9). وتوجيهه على مذهب الأصحاب من عدم وجوب البسط: أن مراده قصد هذا دون ذاك، وينافيه إطلاق أدلتهم كما سيجئ. وأما الأخبار الواردة في هذا الباب، فأما في المكاتب فهو ما رواه الصدوق والعياشي، والشيخ مرسلا عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدى بعضها، قال " يؤدى عنه من مال الصدقة، إن الله عز وجل يقول في كتابه:


(1) التوبة: 60. (2) الوسائل 6: 202 أبواب المستحقين للزكاة ب 43. (3) المدارك 5: 216. (4) المعتبر 2: 575. (5) التذكرة 5: 255 مسألة 171. (6) قواعد الأحكام 1: 349. (7) إيضاح الفوائد 1: 196. (8) كصاحب المدارك 5: 217. (9) المسالك 1: 414 .

[ 139 ]

* (وفي الرقاب) * " (1). وأما على اشتراط الشدة، فهي صحيحة عمرو بن أبي نصر، عن الصادق عليه السلام: في الرجل تجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة والستمائة، يشتري بها نسمة ويعتقها ؟ فقال: " إذن يظلم قوما آخرين حقوقهم "، ثم مكث مليا ثم قال: " إلا أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه ويعتقه " (2). ويمكن الخدشة في دلالتها على الاشتراط ; لأن الإمام عليه السلام إن أراد من الظلم على الآخرين أنه يجب البسط على الأصناف الثمانية، وصرف الجميع - كما هو ظاهر الرواية - في الرقاب مناف لذلك، ففيه: أن إجماعنا وأخبارنا متوافقة على عدم وجوب البسط، مع أن جعلها جميعا للعبد الذي في الشدة حينئذ أيضا ظلم. وإن قلنا: إن مراده عليه السلام: أن ذلك صرف في غير مصرف الزكاة رأسا ; لأن مطلق الرقبة ليس من المصرف، فيلزم الظلم على مصارف الزكاة، فهو مما لا ينساق من اللفظ وفي غاية البعد. فالأولى الحمل على الكراهة، يعني: أن ذلك خلاف الأولى، لاأنه ظلم حقيقي إلا أن يكون العبد في شدة، فرفع هذه الشدة يغلب رجحان البسط على الأصناف. وأما على جواز العتق من الزكاة مطلقا في حال عدم المستحق فهو موثقة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد لها موضعا يدفع ذلك إليه، فنظر إلى مملوك يباع فيمن يريد، فاشتراه بتلك الألف الدرهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه، هل يجوز ذلك ؟ قال: " نعم لا بأس بذلك " (3). وفيه: أن ذكر عدم المستحق إنما هو في كلام الراوي، فلا يدل على اشتراطه به.


(1) الفقيه 3: 74 ح 258، تفسير العياشي 2: 93 ح 76، التهذيب 8: 275 ح 1002، الوسائل 6: 204 أبواب المستحقين للزكاة ب 44 ح 1. (2) الكافي 3: 557 ح 2، التهذيب 4: 100 ح 282، الوسائل 6: 202 أبواب المستحقين للزكاة ب 43 ح 1، وفيه: عمرو بن أبي بصير. (3) التهذيب 4: 100 ح 281، الوسائل 6: 203 أبواب المستحقين للزكاة ب 43 ح 2.

[ 140 ]

وأما على جواز العتق منها مطلقا فهو ما رواه في العلل في الموثق، عن أيوب بن الحر أخي أديم بن الحر قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه، أشتريه من الزكاة واعتقه ؟ قال، فقال: " اشتره وأعتقه " (1) الحديث، مضافا إلى إطلاق الآية. وأما على شراء الأب منها، فما رواه في الكافي عن أبي محمد الوابشي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سأله بعض أصحابنا عن رجل اشترى أباه من الزكاة زكاة ماله، قال: " اشترى خير رقبته، لا بأس بذلك " (2). ويمكن أن يقال: إن في الآية إجمالا لا يمكن الاستدلال بها، سيما مع زيادة كلمة " في " فإن الظاهر منها إرادة أن هذا الوجه يصرف فيهم، لاأنه يعطى لهم كالفقير والمسكين، والصرف فيهم مجمل ; لاحتمال إرادة التوسعة عليهم، أو فكهم من الشدة، أو مطلق عتقهم، والقدر الذي يتبادر من الآية، ووقع الاتفاق عليه، واستفيد من الأخبار ; مثل المكاتب العاجز، والذي هو تحت الشدة، فلا إشكال فيه. وأما غيرهما، فمع عدم المستحق فهو مقتضى الرواية وعمل الأصحاب، لاظاهر الآية، وكذلك الأب. والروايات الدالة على المذكورات لاتدل على أن العتق فيها من الزكاة من جهة القصد إلى كونه من باب الرقاب الذي هو أحد المصارف بالخصوص، بل لعله كان من جهة دخوله تحت عموم سبيل الله - إن قلنا به - كما هو الأشهر الأظهر، فالذي قام الدليل على احتسابه من هذا المصرف بالخصوص، إذا احتجنا إلى اعتباره وقصده مثل إرادة فعل المستحب من البسط على الأصناف أو وفاء النذر لو وقع النذر به، هو القسمان الأولان. ولكن الإنصاف أنه لا يحسن إنكار ظهور الآية في عموم تخليص الرقاب، ولاريب


(1) علل الشرائع: 372 ح 1، الوسائل 6: 203 أبواب المستحقين للزكاة ب 43 ح 3. (2) الكافي 3: 552 ح 1 وفيه: رقبة، الوسائل 6: 173 أبواب المستحقين للزكاة ب 19 ح 1.

[ 141 ]

أن مطلق الرقية حلقة بلاء يرجى الخلاص منها، وكون الرقية أرغب عند بعض العبيد لأمر خارجي نادر لا يلتفت إليه في الإطلاقات. فالأظهر إذن قول العلامة ومن تبعه، وإن كان الأحوط الاقتصار على المكاتبين العاجزين وغيرهم ممن ذكروه. ولكن هذا الاحتياط إن كان من جهة التشكيك في دخول غير هؤلاء تحت الرقاب المذكورة في الآية، فلاشك في اندراج مطلق العتق تحت عموم سبيل الله، ومعه فلا احتياط. ويمكن أن يقال: في وجه الاحتياط حينئذ شيئان، أولهما: الإشكال في عموم سبيل الله ; لقول بعضهم بالاختصاص بالجهاد. وثانيهما: ظهور مرجوحية من تلك الأخبار، ولا تقييد فيها بأن المرجوحية إنما هي مع قصد ذلك مندرجا تحت الرقاب ومع اعتقاد ذلك، بل هو مطلق. ثم إن الشهيد الثاني - رحمه الله - قال في المسالك: ولابد من صيغة العتق بعد الشراء، ونية الزكاة مقارنة للعتق (1). وفي شرح اللمعة: مقارنة لدفع الثمن أو للعتق (2). أقول: والأظهر أن هذا مثل الصلاة، فموضع النية هو دفع الثمن، ولابد من استدامته حكما إلى حصول العتق. ولو قلنا كما في المسالك يلزم كون الضمان على المالك لو تلف بعد الشراء وقبل إجراء الصيغة، إذ بعد لم يتصف بكونه زكاة، وهو كما ترى. وكذلك الكلام فيما يصرف في سبيل الله، كمن أراد صرف الزكاة إلى مسجد فاشترى به الجص والآجر وسائر المصالح فتلف من دون تفريط قبل بناء المسجد، ولاوجه للقول بأن وقت النية هو وقت تمام المسجد، هذا. وظاهر الأخبار (3) والأصحاب لزوم إجراء صيغة العتق وإنشائها، ويحتمل قويا


(1) المسالك 1: 414. (2) الروضة البهية 2: 47. (3) الوسائل 6: 202 أبواب المستحقين للزكاة ب 43 .

[ 142 ]

كفاية الاشتراء فيعتق، ومال إليه بعض المتأخرين (1)، والأحوط إجراء الصيغة، بل الأظهر. ولا يقدح في ذلك أنه لاعتق إلا في ملك ; لتخصيص القاعدة بذلك، مع إمكان أن يقال: إن ذلك توكيل من جانب الشارع في مال الزكاة، وهو ولي أرباب الزكاة، وعلى اعتبار الصيغة، فالظاهر لزومه منه في صورة اشتراء الأب أيضا وإن لم يحتج إليه في غير الزكاة. ثم إن ههنا رواية في تفسير علي بن إبراهيم عن العالم عليه السلام: قال: " وفي الرقاب قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ وفي الظهار وفي الأيمان وفي قتل الصيد في الحرم، وليس عندهم ما يكفرون به وهم مؤمنون، فجعل الله تعالى لهم سهما في الصدقات ليكفر عنهم " (2). وهي مرسلة، وخلاف ظاهر الآية ; لأن ظاهرها تخليص الرقاب، لامن يجب عليه العتق، مع أنها تدل على جواز أداء مطلق الكفارة لا العتق، فلو اعطي من باب الفقر فلا بأس به. وتردد في الشرائع في جواز العتق بذلك (3) وجوز في المعتبر إعطاءه من سهم الغارمين (4)، وفيه نظر ; لعدم التبادر. ثم إن المكاتب إنما يعطى إذا لم يجد ما يصرفه فيه، وظاهر الرواية بل الآية أيضا اشتراط العجز عن الكسب أيضا كما ذكره في البيان (5)، إلا على القول بجواز العتق مطلقا كما قويناه، إلا أن يقال: إن ذلك القول مبني على حمل الآية على تخليص العبد من الرق مع عدم إمكان تخلصه بنفسه، بأن يصير مكاتبا مثلا، ويمنع إطلاق الآية


(1) كالأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 4: 161. (2) تفسير القمي 1: 299، وأوردها في التهذيب 4: 49 ح 129، والوسائل 6: 145 أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 7. (3) الشرائع 1: 149. (4) المعتبر 2: 574. (5) البيان: 313.

[ 143 ]

بحيث يشمل من يتمكن منه، سيما مع السهولة. ويجوز الدفع إلى المكاتب بإذن السيد وبدونه، وإلى السيد بإذن المكاتب وبدونه، كسائر الديان. وقال في المنتهى: بإذن المكاتب (1)، ولا يظهر وجهه، سيما مع إطلاق الآية والرواية. ثم إن ما يؤدى عن وجه المكاتبة إن صرف في مصرفه وتحرر فلا كلام. وإن دفعه إلى السيد ورجع إلى الرق بسبب عجزه عن الإتمام في الكتابة المشروطة فمقتضى امتثال الأمر الإجزاء وعدم الارتجاع، ولم ينقلوا فيه مخالفا إلا عن أحد وجهي الشافعية ; لعدم حصول المقصود (2)، وهو ضعيف. وأما لو لم يدفعه إلى السيد وحصل التحرير بغيره من إبراء المولى أو متطوع تطوع، فالأظهر جواز الرجوع ; لأن مصارف الزكاة على قسمين، فمنهم من يأخذها أخذا مستقرا، ولهم صرف ما أخذوا في أي شئ أرادوا، وهم الفقراء والمساكين والعاملون والمؤلفة، ومنهم من يأخذها أخذا مقيدا بوصف ومصرف خاص، وهم الأربعة البواقي، ونبه على ذلك في الآية بإقحام كلمة " في " كما ذكره جماعة من المفسرين (3)، مع أن الأصل عدم ثبوت استحقاقهم إلا من أجل ذلك، وعدم جواز تصرفهم إلا في ذلك. ولا يجري هذا الكلام في الصورة السابقة ; لأنه صار ملكا للسيد بأخذه، لكون ذلك التصرف مأمورا به حينئذ. وحكم الشيخ بعدم الرجوع ; لأنه أخذه باستحقاقه، فارتجاعه يحتاج إلى دليل (4)، ويظهر جوابه مما مر.


(1) المنتهى 1: 511. (2) المجموع 6: 201، حلية العلماء 3: 157، وانظر التذكرة 5: 284 مسألة 200. (3) كالزمخشري في الكشاف 2: 82، سورة التوبة آية 60، والعومة أحمد بن المنير في حاشية الكشاف 2: 283، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن 2: 302. (4) المبسوط 1: 254 .

[ 144 ]

واعتبر المحقق - رحمه الله - في المعتبر قصد المالك، يعني إن قصد صرفه في الكتابة ارتجع حينئذ، كما اعتبر ذلك في الغارم وابن السبيل ; لأن للمالك الخيرة في صرف الزكاة في الأصناف (1). وتظهر الثمرة فيما لو كان المكاتب فقيرا أيضا، وسامح المالك حين الأداء في قصد التعيين، وإلا فالظاهر عدم صحة الأداء إلا مع التعيين، لاختلاف المصارف في الحقيقة والمفهوم، وللزوم ملاحظة مقدار وجه الكتابة والغرم ونفقة السبيل ; لعدم جواز إعطاء الزيادة في هذه المصارف، فلا يمكن إلا بالقصد، فيلزم من اعتبار المحقق أن لا يجوز الارتجاع مع عدم قصد التعيين فيما جازت فيه المسامحة. وأما مع تعيين غيره، مثل أن يكون المكاتب فقيرا، وأعطاه من جهة فقره، فالظاهر عدم الإشكال في عدم الرجوع ; لأن الفقير لايحتكم عليه فيما يأخذه بلا إشكال، وادعي عليه الإجماع في كلامهم. ولو ادعى الكتابة، فإما أن ذلك يلاحظ مع حق المولى، أو مع مصارف الزكاة. فأما مع المولى: فحكمه أن المولى إذا صدقه فلا كلام، ولو كذبه فعليه البينة، وعلى المولى اليمين مع عدمها. وفيما جهل حال المولى لا يكذب العبد، ويبقى المولى على حقه إلى حين حضوره. وأما لأجل أخذ الزكاة ; فإن صدقه المولى فالمقطوع به في كلامهم القبول، وعن الشافعي المنع ; لجواز التواطؤ (2). ويظهر من المسالك أن به قولا منا (3). وجعل الشيخ الأحوط عدم القبول إلا بالبينة، فيما احتمل التواطؤ لأخذ الزكاة فيمن لايعرف من حاله أن له عبد (4). ولا ريب في كونه أحوط، لكن لادليل على لزومه.


(1) المعتبر 2: 575. (2) حكاه عنه الفيروز آبادي في المهذب 1: 172. (3) المسالك 1: 415. (4) المبسوط 1: 253 .

[ 145 ]

ولو كذبه السيد ولم يثبت مطلبه بالبينة واليمين فلا وجه للقبول. وأما لو لم يعلم حال السيد في التصديق والتكذيب، فعن الأكثر القبول (1)، ويظهر من الشرائع أن بالمنع قولا منا إلا بالبينة (2)، وقال في المدارك: لا يخلو من قوة (3). والأظهر الأول كالفقير ; لأصالة الصدق والصحة في المسلم، ولزوم العسر والحرج كما قدمناه. ويشكل مع الاتهام ; لضعف الظاهر حينئذ، ولكن مدار الأصحاب في فعل المسلم في غالب المسائل وقوله الحمل على الصحة ما لم يعلم خلافه، وجعلوا الاجتناب عن المتهم مستحبا، ولعله هو الوجه. فائدة: إذا مات المملوك الذي يشترى من الزكاة ولا وارث له فالمشهور أنه يرثه أرباب الزكاة، ويظهر من المعتبر دعوى الإجماع عليه (4). ونقل في الشرائع قولا بأن وارثه الإمام (5)، واختاره العومة في القواعد (6)، وولده في الشرح (7). والأول أقوى لظاهر الإجماع، وموثقة أيوب بن الحر المتقدمة في الرقاب، وفي آخرها قلت فإن هو مات وترك مالا ؟ قال، فقال: " ميراثه لأهل الزكاة ; لأنه اشتري بسهمهم " (8).


(1) منهم المحقق في المعتبر 2: 568، والعومة في المنتهى 1: 526. (2) الشرائع 1: 149. (3) المدارك 5: 222. (4) المعتبر 2: 589. (5) الشرائع 1: 154. (6). القواعد 1: 355. (7) إيضاح الفوائد 1: 207. (8) علل الشرائع: 372 ح 1، الوسائل 6: 203 أبواب المستحقين للزكاة ب 43 ح 3 .

[ 146 ]

وموثقة عبيد بن زرارة المتقدمة ثمة، وفي آخرها قلت: فإنه لما اعتق وصار حرا اتجر واحترف، فأصاب مالا، ثم مات وليس له وارث، فمن يرثه إذا لم يكن له وارث ؟ قال: " يرثه فقراء المؤمنين الذين يستحقون الزكاة ; لأنه إنما اشتري بمالهم " (1). ولا يضر التخصيص بالفقراء ; لعدم القول بالفرق كما صرح في المسالك (2)، ولأن الظاهر حمل الرواية على الغالب، فالمراد بقوله عليه السلام: " اشتري بمالهم " اشتري بالمال الذي يصرف فيهم. وقال في الدروس: إن في التعليل إيماءا إلى أنه لو اشتري من سهم الرقاب لم يطرد الحكم ; لأنه اشتري بنصيبه لابمال غيره (3). وفيه: أن ظاهر الرواية أن الاشتراء وقع بمجموع الزكاة، لابسهم الفقراء، وآخر الرواية محمول على ما ذكرنا. وكأنه أشار إلى دفع ذلك في المسالك، حيث قال: وأما التفصيل بأنه إن اشتري من سهم الرقاب فميراثه للإمام، وإلا فلأرباب الزكاة، فلا أصل له في المذهب (4). وحجة القول بأن وارثه الإمام عليه السلام: أن ولاء العتق مشروط بتبرع المعتق به، وعدم التبري من ضمان جريرته، وعدمه مناسبا، والشرط مفقود فيما نحن فيه ; لأن الرقاب أحد مصارف الزكاة، فيكون سائبة، والمراد بالسائبة هو الذي لاعقل بينه وبين معتقه ولا ميراث، ولاوجه لهذا القول مع ورود الروايتين المعتبرتين المعمولتين كما لا يخفى. قال في المدارك: الأحوط صرف ذلك في الفقراء خاصة ; لأنهم من أرباب الزكاة، وفي حال الغيبة يستحقون ما يرثه الإمام عليه السلام ممن لا وارث له غيره، فيكون الصرف


(1) التهذيب 4: 100 ح 281، الوسائل 6: 203 أبواب المستحقين للزكاة ب 43 ح 2. (2) المسالك 1: 430. (3) الدروس 1: 244. (4) المسالك 1: 431 .

[ 147 ]

إليهم مجزيا على القولين (1). العاشر: من مصارف الزكاة الغارمون، أي المدينون، ولاريب في كونهم مصرفا، للكتاب والسنة والإجماع. لكنهم اشترطوا فيه أن لا يكون الدين في معصية، وهو إجماع أصحابنا كما في المنتهى والتذكرة (2). واستدلوا عليه: بأن في قضاء دين الغريم في معصية حمله على المعصية، وهو قبيح عقلا، فلا يجوز التعبد به شرعا (3). وبما رواه الشيخ في كتاب الديون، عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا محمد، عن الرضا عليه السلام في جملة حديث أنه قال: " يقضى ما عليه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله، وإذا كان أنفقه في معصية الله تعالى فلا شئ له على الإمام " (4). وربما يقدح في الأول: بأنه إنما يتم مع عدم التوبة، والثاني: بالقدح في السند، وأنها غير مذكورة في شئ من الاصول مسندة (5). أقول: الرواية لا يضر ضعفها مع روايتها في الكافي والتهذيب وعمل الأصحاب عليها وتلقيها بالقبول. مع أن ههنا روايات اخر دالة عليه، مثل ما رواه علي بن إبراهيم في التفسير عن العالم عليه السلام: " إن الغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف فيجب على الإمام أن يقضي عنهم ويكفيهم من مال الصدقات " (6).


(1) المدارك 5: 278. (2) المنتهى 1: 521، التذكرة 5: 257 مسألة 172. (3) نقل استدلال الأصحاب صاحب المدارك 5: 223. (4) التهذيب 6: 185 ح 385، وأورده في الكافي 5: 93 ح 5، والوسائل 13: 91 أبواب الدين والقرض ب 9 ح 3. (5) كما في المدارك 5: 224. (6) تفسير القمي 1: 299، وأورده في التهذيب 4: 49 ح 129، والوسائل 6: 145 أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 7 عن العالم.

[ 148 ]

وما رواه في قرب الإسناد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام: " إن عليا عليه السلام كان يقول: يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كله ما بلغ، إذا استدانوا في غير إسراف " (1) وفي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الآتية أيضا إيماء إليه (2). ونقل في آخر السرائر من كتاب محمد بن علي بن محبوب بسند معتبر ما يدل عليه، وفي آخرها المنع من أداء دين الغارمين من مهور النساء (3)، وبمضمونه روايات اخر (4)، ولم أقف على مصرح بمضمونها، نعم نقل في المختلف عن ابن الجنيد المنع في مهر النساء اللواتي استغني عنهن ; لأن فيه نوع إسراف (5). أقول: وإن فرض تحقق الإسراف في ذلك فهو محمل حسن لتلك الأخبار. ثم إن ظاهر أكثر الأخبار وكلام الأصحاب أن الاستدانة لابد أن لا تكون للمعصية، وذلك لا يستلزم عدم الجواز إذا كانت الاستدانة لابد أن لا تكون للمعصية، وذلك لا يستلزم عدم الجواز إذا كانت الاستدانة على وجه الصحة لكن وقع في المعصية من باب الاتفاق، ولم أقف على من صرح بالفرق، ولكن إطلاق رواية الرضا عليه السلام ورواية التفسير (6) يفيد المنع عن ذلك أيضا، وكذلك الحكمة تقتضيه. ومقتضى ذلك: أن التوبة لا تفيد في جواز الإعطاء إذا صرفه في معصية. وقال المحقق: إن تاب صرف إليه من سهم الفقراء، وهو إنما يتم مع الإعراض عن الروايات، وهو مشكل، وأيضا يتم ذلك مع كونه فقيرا غير مالك لمؤونة السنة، فلابد من التقييد، ولا ينافيه حينئذ صرفه في الدين ; لأن الفقير يملك المال ويصرفه حيث شاء، وأيضا يتم اشتراط التوبة حينئذ على القول باشتراط العدالة.


(1) قرب الإسناد: 146، الوسائل 6: 206 أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 4. (2) الوسائل 6: 205 أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 1، قال: سألت أبا الحسن عن رجل عارف فاضل توفي وترك عليه دينا قد ابتلى بهث هل يقضى عنه من الزكاة ؟ قال: نعم. (3) السرائر 3: 607. (4). انظر الوسائل 6: 207 أبواب المستحقين للزكاة ب 46. (5) المختلف 3: 213. (6) وهما رواية أبي محمد عن الرضا عليه السلام، ورواية علي بن إبراهيم المتقدمتان.

[ 149 ]

ولو جهل بالحال، فعن الأكثر الجواز ; حملا لفعل المسلم على الصحة، وقال الشيخ: لا يجوز (1) ; لتتمة رواية أبي محمد السابقة (2)، ولظاهر رواية التفسير. والتحقيق: أن الصرف في المعصية مانع ; لأن الصرف في الطاعة شرط، وملاحظة عموم الآية والأخبار وخصوص بعضها أيضا يقتضي ذلك، وهذه العمومات والإطلاقات وبعض الخصوصات، مع اعتضادها بالأصل ونفي العسر والحرج وأصالة صحة فعل المسلم وعمل الأكثر لا تعارض بها رواية ضعيفة. ثم إنهم اشترطوا في الغارمين العجز عن الأداء ; لأن الزكاة إنما شرعت لسد الخلة ورفع الحاجة، ولو تمكن من البعض يعطى ما لا يتمكن منها. والظاهر أن اشتراط العجز عنه في الجملة مما لاإشكال فيه، ويستفاد ذلك من تتبع الأخبار الواردة في هذا الباب، ومنها رواية عبد الرحمن العرزمي، عن الصادق عليه السلام أن الحسنين عليهما السلام قالا: " إن الصدقة لا تحل إلا في دين موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع " (3). لكن الإشكال في أنه إذا كان له المال بقدر مؤونة سنته أو بعض السنة، فهل يجب عليه الوفاء منه ثم أخذ الزكاة لأجل فقره، أو يجوز أداء دينه أولا من الزكاة وصرف مال نفسه في مؤونة عياله ؟. ويظهر من ابن إدريس: وجوب الأداء من ماله ثم أخذ الزكاة ; لأنه حينئذ غني، والزكاة لا تجوز للغني (4). واختار العومة في جملة من كتبه العدم ; لانتفاء الحكمة في أن يدفع ماله ثم يأخذ الزكاة (5)، وظاهره أنه يعطى من سهم الغارمين حينئذ.


(1) النهاية: 306. (2) قال: لا تعطين من سهم الغارمين الذين ينادونث ولا الذين يغرمون من مهور النساء. السرائر 3: 607، الوسائل 6: 207 أبواب المستحقين للزكاة ب 48 ح 1. (3) الكافي 4: 47 ح 7، الوسائل 6: 145 أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 6. (4) السرائر 1: 455. (5) نهاية الإحكام 2: 391.

[ 150 ]

أقول: وما ذكره ليس ببعيد، وإن قلنا بوجوب أداء الدين من الفاضل من مستثنياته ; لعدم المنافاة بين وجوب الأداء من ماله وجواز أخذ الزكاة لأدائه، وهو المطابق لظاهر الآية. ولقائل أن يقول بجواز الأداء من سهم الفقراء أيضا ; لأنه يصدق على من يجب شرعا صرف بعض ما يملكه من قوت السنة في دينه وهو عازم على الأداء، أنه غير واجد لقوت السنة، فهو فقير. وأما ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر، عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب، عن أبي أيوب، عن سماعة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل منا يكون عنده الشئ يتبلغ به، وعليه دين، أيطعمه عياله حتى يأتيه الله تعالى الميسرة فيقضي دينه، أو يستقرض على ظهره في جدب الزمان وشدة المكاسب، أو يقضي بما عنده دينه ويقبل الصدقة ؟ قال: " يقضي بما عنده ويقبل الصدقة " (1)، الحديث، فلا ينافي ما ذكرناه ; إذ ترجيح الإمام أحد مسئولات السائل المتوهم حظر أخذ الزكاة إذا كانت عنده بلغة لا يفيد إلا جواز أخذ الزكاة، وتقديم قضاء الدين على أخذ الزكاة المطابق لسؤال السائل، مع أن فورية وجوب الأداء مع التمكن بالفعل، وتوقف أخذ الزكاة على زمان لا يستلزم عدم جواز أخذ الزكاة قبل أداء الدين، سيما مع عدم المطابقة، وهذا واضح. وكيف كان فلا ريب في رجحان تقديم أداء الدين، خروجا عن الخلاف، وموافقته مع الرواية على بعض وجوهها. ثم إن العلامة - رحمه الله - ذكر في جملة من كتبه أنه لا يشترط العجز والفقر إذا كانت الاستدانة لأجل مصلحة ذات البين، وإطفاء نائرة الفساد، بسبب تشاجر في قتل أو إتلاف مال (2) ; لإطلاق الآية، ولقوله عليه السلام: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة " وذكر رجلا تحمل حمالة (3).


(1) السرائر 3: 590، الوسائل 6: 207 أبواب المستحقين للزكاة ب 47 ح 1. (2) نهاية الإحكام 2: 392. (3) سنن أبي داود 2: 119 ح 1635، سنن ابن ماجة 1: 590 ح 1841 .

[ 151 ]

وقال المحقق الأردبيلي: إذ هو في الحقيقة في سبيل الله (1). وفي إطلاق ما ذكره تأمل ; إذ قضاء دين الغني المالك للآلاف، سيما إذا لم يكن وقت الاستدانة قصده التقرب، ولم يكن له حاجة في ذلك ; مشكل. نعم يجوز الصرف أولافي إصلاح ذات البين كما ذكره في البيان (2) وهو وجه من وجوه السبيل. ثم إن الصرف في دين الحي لا يحتاج إلى إذنه، فيجوز أداء دينه من دون اطلاعه أيضا ; للعموم. ولو كان للمالك دين على الغريم يجوز أن يحتسب به عنها، ويكفي في ذلك أن يسقط ما في ذمته عوضا، سواء كان وافق عين الزكاة أو ساواها في القيمة. والظاهر أن أصل بالحكم إجماعي كما يظهر من جماعة من الأصحاب (3)، وتدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (4)، وموثقة سماعة (5)، وما رواه في الكافي في باب القرض من كتاب الزكاة من رواية عقبة بن خالد (6). وكذلك الكلام لو كان الغارم ميتا، فيجوز أداء دينه ومقاصته لو كان للمالك عليه دين، والظاهر أنه أيضا إجماعي كما يظهر من غير واحد. وتدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل


(1) مجمع الفائدة - والبرهان 4: 164. (2) البيان: 318. (3) كالمحقق في المعتبر 2: 576، والعلامة في المنتهى 1: 521، وصاحب المدارك 5: 226. (4) الكافي 3: 558 ح 1، الوسائل 6: 206 أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 2 عن دين لي على قوم طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه وهم مستوجبون للزكاة، هل لي أن أدعه وأحتسب به عليهم من الزكاة ؟ قال: نعم. (5) الكافي 3: 558 ح 2، الوسائل 6: 206 أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 3. سألته عن الرجل يكون له الدين رجل فقير يريد أن يعطيه من الزكاة، فقال: ث فلا بأس أن يقاصه. (6) الكافي 4: 34 ح 4، الوسائل 6: 208 أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 2. عن عقبة قالث فقال له عثمان: ويجئ الرجل فيسألني الشئ وليس هو إبان زكاتي، فقال أبو عبد الله عليه السلام: وماذا عليك إذا أعطيته، فإذا كان إبان زكاتك احتسبت بها من الزكاة.

[ 152 ]

عارف فاضل توفي، وترك عليه دينا قد ابتلى به، لم يكن بمفسد ولامسرف، ولا معروف بالمسألة، هل يقضى عنه من الزكاة الألف والألفان ؟ قال: " نعم " (1). ورواية إبراهيم بن السندي في الكافي في باب القرض (2)، ورواية يونس بن عمار في باب أن القرض حمى الزكاة الدالتين على المقاصة (3). وحسنة زرارة في باب نادر قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل حلت عليه الزكاة، ومات أبوه وعليه دين، أيؤدي زكاته في دين أبيه وللابن مال كثير ؟ فقال: " إن كان أبوه أورثه مالا ثم ظهر عليه دين، ولم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث ولم يقضه من زكاته، وإن لم يكن أورثه مالا لم يكن أحد أحق بزكاته من دين أبيه، فإذا أداها في دين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه " (4). ومقتضى هذه الرواية اعتبار قصور التركة عن الدين كالحي، وهو الحق، وفاقا لجماعة (5). ولم يعتبره في المختلف (6) ; للعموم، ولانتقال المال إلى الورثة، فهو كالفاقد، والعموم مخصص بالحسنة وغيرها، وانتقال المال إلى الورثة ممنوع، بل هو في حكم مال الميت ; لظاهر الآية وبعض الأخبار، وقد حققناه في رسالة مفردة. ثم إن مقتضى الحسنة جواز أداء دين الأب، وهو المعروف من المذهب، بل أداء دين كل من تجب نفقته عليه، حيا كان أو ميتا، وكذلك مقاصته.


(1) الكافي 3: 549 ح 2، الوسائل 6: 205 أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 1. (2) الكافي 3: 558 ح 1 والرواية فيه عن إبراهيم السندي وفي بعض النسخ عن يونس بن عمار، الفقيه 2: 32 ح 127، الوسائل 6: 208 أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 1. عن أبي عبد الله عليه السلام يقول: قرض المؤمن غنيمة وتعجيل أجر، إن أيسر قضاك، وإن مات قبل ذلك احتسبت له من الزكاة. (3) الكافي 3: 558 ح 1، الفقيه 2: 32 ح 127، الوسائل 6: 208 أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 1. (4) الكافي 3: 553 ح 3، الوسائل 6: 172 أبواب المستحقين للزكاة ب 18 ح 1. (5) نقله عن ابن الجنيد في المختلف 3: 212، والبيان: 314، وصرح به في المبسوط 1: 229، واختاره في المدارك 5: 228. (6) المختلف 3: 212 .

[ 153 ]

ويدل على هذه الأحكام مضافا إلى عدم ظهور الخلاف فيها: العمومات، وحسنة زرارة المتقدمة، وصحيحة إسحاق بن عمار (1). وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، المانعة عن إعطاء الزكاة إياهم معللا بأنهم عياله لازمون له (2)، لا يعارض بها ما قدمناه ; لأن المراد لزوم الإنفاق ; لعدم وجوب قضاء الدين على المكلف بالإنفاق، كما صرح به في المدارك (3). ولو صرف الغارم ما دفع إليه من سهم الغارمين في غير قضاء الدين، ففيه الخلاف السابق في جواز الارتجاع ; لأنه أعطاه ليصرفه في وجه مخصوص، فلا يسوغ له غيره. وعدمه ; لأنه ملكه بقبضه، فلا يحتكم عليه. ونحن وإن رجحنا في المكاتب الارتجاع، لكنا نقول الآن: إن في الحكم بالارتجاع مطلقا إشكالا ; لأن الأصل، كما أنه يقتضي عدم استحقاقهم إلا من أجل ذلك، وعدم جواز تصرفهم إلا في ذلك، وبعد الإعطاء المأمور به أيضا الأصل عدم وجوب الارتجاع للمالك، وعدم وجوب الرد للغارم، فإن جواز الارتجاع هنا بالمعنى الأعم ; واريد منه الوجوب لو لم يبدله المالك بشئ آخر من قبل نفسه، ولم يعطه فقيرا آخر، والجواز الأخص لو فعل ذلك، فهذا الأصل متأخر عن الأصلين الأولين، والعمل عليه يقتضي هجرهما. مع أنا نقول: إن إعطاء الزكاة لهذه المصارف لأجل أن يصرف فيها يكفي فيه قصد ذلك حين الإعطاء وتحققه حينئذ، فكونه مصرفا حين الإعطاء كاف، فهو يعطيه لأجل أن يصرف في هذا المصرف ; لا بشرط أن يصرف في هذا المصرف، ومن البين جواز


(1) الكافي 3: 553 ح 2، الوسائل 6: 172 أبواب المستحقين للزكاة ب 18 ح 2 عن رجل على أبيه دين ولابنه مؤونة، أيعطي أباه من زكاته يقضي دينه ؟ قال: نعم، من أحق من أبيه ؟ (2) الكافي 3: 552 ح 5، التهذيب 4: 56 ح 150، الاستبصار 2: 33 ح 101، الوسائل 6: 165 أبواب للزكاة ب 13 ح 1 قال: خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا: الأب والام والولد والمملوك والمرأة، وذلك أنهم عياله لازمون له. (3) المدارك 5: 229.

[ 154 ]

انفكاك كل منهما عن الآخر. فإذا كان رجل غارما عاجزا عن الأداء أو مكاتبا عاجزا عن الوفاء فهو مستحق لسهم من الزكاة في هذا الحال، لأجل دفع هذا الغرم، لاأنه مستحق له بشرط أن يرفع به هذا الغرم. نعم: لو أخذه مع احتياجه من جهة الغرم لأجل صرفه في غيره فهو لا يجوز، فلو أخذ المال على هذا الحال لأجل أنه غريم ولأداء غرمه، ثم أبرأه الغريم أو أعتقه المولى أو تطوع متطوع بالأداء، فالحكم بوجوب الرد وجواز ارتجاع المالك مشكل. غاية الأمر أن يقال: المفهوم من ذكر المصرف لزوم الصرف فيه مادام المصرف باقيا، وبعد سقوط الغرم أو تبرع المولى فلا يبقى المصرف حتى يقال: يجب الصرف فيه لاغير، والأصل عدم وجوب الرد كما بينا. وأبعد من ذلك: أن نقول بلزوم صرف عين ما يأخذه في تلك المصارف، حتى لا يجوز صرفه في نفقته وأداء الدين من ماله، سيما إذا كان ذلك أوفق لأداء الدين، أو لا تجوز المعاملة به قبل أداء الدين إذا أمهله الغريم ليعامل به، ويؤدي بربحه دينه، أو يؤدي دينه من نتاجه لو كان حيوانا ويصرف أصل الحيوان في مصرف آخر، وذلك كله مستبعد. فقول الشيخ بعدم الارتجاع قوي (1)، وتؤيده إطلاقات بعض الأخبار أيضا (2). ويؤيد ذلك عدم الاحتكام على الفقير من أجل سهم الفقراء مطلقا، حتى أنه لو أخذ الفقير آلافا كثيرة من الزكاة اليوم لأجل فقره وصار غدا مالكا لآلاف كثيرة من أجل ميراث أو غيره لا يرتجع منه. والذي دعاهم إلى الفرق والخلاف في غيره هو تغيير اسلوب الآية باللام، ففهموا الملك والاختصاص ثمة، المقتضي للتصرف على أي نحو شاؤا، بخلاف مدخولات " في "، فإن المراد بها الصرف في تلك المصارف الخاصة.


(1) حكاه عنه المحقق في المعتبر 2: 576، وانظر المبسوط 1: 251. (2) الوسائل 6: 147 أبواب المستحقين للزكاة ب 2 .

[ 155 ]

ويمكن دفعه: بأن التغيير في الاسلوب لعله من جهة أن هؤلاء - الأولين - حقيقون بالملك بأجمعهم، فناسبهم اللام، بخلاف الباقين، فإن الرقاب ليسوا بأهل للملك على المشهور، وكذلك تخليص المكاتب، فإنه لا يجب أن تعطى بيد المكاتب، وليس المولى بنفسه محلا لذلك، وكذلك الغريم قد يكون ميتا ليس له أهلية للملك، وكذلك أنواع سبيل الله كالقناطر والمساجد وغيرها. بقي الكلام فيما لو شرط المالك صرفه في المصرف الخاص، وصرح بعدم الجواز في الغير، والأحوط هنا متابعة الشرط، ولا يبعد تنزيل كلام المحقق على ذلك. ثم إذا ادعى أحد أن عليه دينا قبل قوله مع تصديق الغريم بلا إشكال منا، وكذا لوتجردت دعواه عن التصديق والتكذيب. ونقل المحقق قولا بعدم القبول (1)، ولعل مراده إلا بالبينة أو اليمين، وهذا القول نقله في التذكرة عن الشافعي (2)، ولم ينسبه إلى أحد من أصحابنا. والأظهر القبول مطلقا، لما مر من حمل قول المسلم على الصحة، سيما إذا كان عادلا، ولزوم العسر والحرج إن أوجبنا البينة أو اليمين، سيما والغالب عدم التمكن من الحاكم لإجراء ذلك. قال في المدارك: وموضع الخلاف لمصلحة نفسه، أما الغارم لمصلحة ذات البين فلا تقبل دعواه إلا بالبينة قولا واحدا (3). الحادي عشر: من مصارف الزكاة سبيل الله بلا خلاف، والأكثرون على أن المراد به كل ما هو وسيلة إلى الخير، كمعونة الغزاة، والحجيج، والزوار، وبناء القناطر والمساجد، والإعانة في تحصيل العلم الشرعي، وغير ذلك.


(1) الشرائع 1: 150. (2) التذكرة 5: 282. (3) المدارك 5: 230 .

[ 156 ]

وخصه الشيخ في بعض أقواله بالجهاد، وقال: يصرف إلى الغزاة الذين يغزون إذا نشطوا، وهم غير الجند المقررين الذين هم أهل الفئ (1). وقال في الدروس: هو الجهاد، سواء كان الغازي متطوعا أو مرتزقا مع قصور الرزق، ثم استقرب إلحاق سائر القرب (2). والتخصيص بالجهاد تقييد للآية من غير دليل، واستعماله في القرآن في مواضع فيه كقوله تعالى: * (يقاتلون في سبيل الله) * (3) لا يدل على صيرورته حقيقة فيه. ويدل على العموم: مضافا إلى ظاهر إطلاق اللفظ، ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره، وهو مذكور في التهذيب (4)، وكذلك صحيحة علي بن يقطين (5) وغيرها من الأخبار الكثيرة الدالة على جواز الحج بها (6). وقال الشهيد الثاني في الروضة: وينبغي تقييده بما لا يكون فيه معونة لغني لايدخل في الأصناف (7)، ومقتضاه لزوم أن يكون الزائر مثلا فقيرا، أو ابن سبيل كما صرح به في المسالك (8). واستشكل في التذكرة في اعتبار الحاجة من أجل اندراج إعانة الغني تحت سبيل الخير، ومن أجل ملاحظة غيره من أهل السهمان المعتبرة حاجتهم (9). والأوسط أن يقال باعتبار العجز عن تلك القرب، وإن كان غنيا من غير جهتها ; لأن الزكاة إنما شرعت لدفع الحاجة.


(1) النهاية: 184. (2) الدروس 1: 241. (3) النساء: 76. (4) تفسير القمي 1: 299، التهذيب 4: 49 ح 129، الوسائل 6: 145 أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 7. (5) الفقيه 2: 19 ح 61، الوسائل 6: 201 أبواب المستحقين للزكاة ب 42 ح يكون عندي المال من الزكاة فأحج به موالي وأقاربي ؟ قال: نعم لا بأس. (6) الوسائل 6: 201 أبواب المستحقين للزكاة ب 42. (7) الروضة البهية 2: 49. (8) المسالك 1: 420. (9) التذكرة 5: 282 مسألة 197 .

[ 157 ]

ويؤيده ما في صحيحة معاوية بن وهب: " لا تصلح الصدقة لغني " (1) وما في معناه من الأخبار الخاصة (2)، وما رواه علي بن إبراهيم في التفسير أيضا (3). وما روي عنه عليه السلام: " إن الصدقة لا تحل لغني إلا لثلاثة، وعد منها الغازي " نقله الفاضلان وغيرهما (4). وهذه الرواية تدل على عدم اعتبار الحاجة والفقر في الغازي، وأفتى به الجماعة من الأصحاب (5)، ولم أقف على مخالف فيه، واحتجوا عليه بالرواية، وبإطلاق الآية، وبأنه كالاجرة، فلا يعتبر فيه وصف آخر. ولايسترجع منه ما فضل من مؤونة الغزو، والظاهر أنه لا خلاف فيه، ويسترجع إذا لم يغز، قال في التذكرة: وهو اختيار الشيخ أيضا (6)، وكذلك لو رجع من الطريق قبل الغزو. الثاني عشر: من الأصناف ابن السبيل، واختلفوا في تفسيره، فقال المفيد: إنهم المنقطع بهم في الأسفار، وقد جاءت رواية أنهم الأضياف (7) ; يراد بهم من اضيف لحاجته إلى ذلك، وإن كان له في موضع آخر غناء ويسار، وذلك راجع إلى ما قدمناه (8)، وعن الشيخ في المبسوط والنهاية (9) وابن زهرة (10) مثله.


(1) الكافي 3: 562 ح 12، الوسائل 6: 159 أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 3. (2) الوسائل 6: 159 أبواب المستحقين للزكاة ب 8. (3) المتقدمة، وفيها: وفي سبيل الله قوم يخرجون إلى الجهاد وليس عندهم ما يتقوون به، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجون به، وفي جميع سبل الخير. (4) المعتبر 2: 578، التذكرة 5: 281 مسألة 194، سنن ابن ماجة 1: 590 ح 1841 إلا أن فيه: لا تحل لغني ايلخمسة، سنن أبي داود 2: 119 ح 1635. (5) كالمعتبر 2: 578، والتذكرة 5: 281 مسألة 194، والمدارك 5: 232. (6) التذكرة 5: 285 مسألة 202. (7) المقنعة: 241، الوسائل 6: 146 أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 9. (8) المقنعة: 241. (9) المبسوط 1: 252، النهاية: 184. (10) الغنية (الجوامع الفقهية): 506 .

[ 158 ]

وقال ابن الجنيد: وأما سهم ابن السبيل فإلى المسافرين في طاعة الله، والمريدين لذلك، وليس في أيديهم ما يكفيهم لسفرهم ورجوعهم إلى منازلهم إذا كان قصدهم في سفرهم قضاء فرض، أو قياما بسنة، هكذا نقله في المختلف (1)، ولا يبعد أن يكون مراد ابن الجنيد صدقه على ذلك، لا الاختصاص ; لكمال بعده. وقال ابن حمزة: وابن السبيل المجتاز بغير بلده، المنقطع به غير منشئ للسفر (2). أقول والكلام في مقامات: الأول: أن الأظهر مختار المشهور في عدم دخول المنشئ للسفر في ذلك، بل هو داخل في سبيل الله إذا كان طاعة، فإن المتبادر من اللفظ هو الملازم للطريق الذي وضعه الطريق على الأرض ; لعجزه عن السفر بسبب فقد النفقة، فكأن الطريق ولده، ويدل عليه تفسير العالم عليه السلام فيما رواه علي بن إبراهيم (3). وما نقل عن ابن الجنيد في الحجة هو صدق ابن السبيل على مريد السفر ومنشئ الطريق (4)، وهو ضعيف ; لتبادر غيره من اللفظ. والقياس على من أقام فيما بين السفر ثم أراد الخروج، فإنه يعطى الزكاة مع أنه منشئ للسفر (5). وفيه: أولا أنه قياس، وثانيا بمنع الأصل كما اختاره الشيخ. والتحقيق أنه يعطى لالأجل أنه منشئ للسفر، بل لأنه منقطع به في السبيل، فإن ما ينقطع بالإقامة هو السفر الشرعي، والسبيل في الآية يحمل على العرف، فهو مسافر


(1) المختلف 3: 205. (2) الوسيلة: 128. (3) تفسير القمي 1: 299، وانظر التهذيب 4: 49 ح 129، والوسائل 6: 145 أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 7. قال: وابن السبيل أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة الله فيقطع عليهم ويذهب مالهم، فعلى الإمام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات. (4 و 5) نقله في المختلف 3: 205 .

[ 159 ]

عرفا وابن سبيل. الثاني: ما ذكره الشيخان من الرواية في الضيف لم نقف عليه في شئ من الاصول، واعترف بذلك جماعة من الأصحاب (1). ويظهر من جماعة من الأصحاب أنه داخل في ابن السبيل (2)، فالمراد به المنقطع به في السبيل المحتاج إلى الضيافة. ويظهر من البعض مغايرته له (3). وقيل بانحصاره فيه إذا كان نائيا عن بلده مع حاجته إلى الضيافة (4). والحق أنه إن كان ابن السبيل محتاجا إلى الضيافة فهو داخل، كما اختاره العلامة في المختلف (5)، ويظهر ذلك من جماعة من الأصحاب (6)، وإلا فلا يدخل. وحينئذ فوجه ذكره على حدة الرخصة في الاحتساب من وجه الزكاة على هذا الطريق الذي هو في صورة الإباحة لا التمليك، وعدم الإشعار بأنه من وجه الزكاة، وعدم مضرة الجهالة فيه إن لم يأكل تمام ما هيى له. قال الشهيد الثاني - رحمه الله - في الروضة: والنية عند شروعه في الأكل، ولا يحتسب عليه إلا ما أكل وإن كان مجهولا (7)، انتهى. والظاهر أنه أراد (8) المتيقن، وإلا فلا يمكن حصول البراءة. وأما دخول الضيف من دون اعتبار السفر مطلقا والحاجة كما نقل عن بعض


(1) كصاحب المدارك 5: 235. (2) كالعومة في المختلف 3: 204. (3) كالكركي في جامع المقاصد 3: 33. (4) القائل هو المفيد في المقنعة: 241، والطوسي في المبسوط 1: 253. (5) المختلف 3: 204. (6). كالشهيد الثاني في المسالك 1: 420، والسبزواري في الذخيرة: 457. (7) الروضة البهية 2: 50. (8) في " م " زيادة: اعتبار .

[ 160 ]

الفقهاء (1) فلاوجه له. الثالث: يشترط في ابن السبيل كون سفره مباحا بالإجماع، وظاهر ابن الجنيد اشتراط كونه راجحا، (2) والأظهر كفاية إباحته ; لإطلاق الآية. ورواية علي بن إبراهيم في تفسيره (3) الدالة على أنهم أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة الله تعالى، فينقطع عليهم ويذهب مالهم، فعلى الإمام عليه السلام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات، لا يعارض بها ظاهر الآية مع جهالة سندها، ويمكن أن يكون المراد بها المثال، وإلا فليس ذهاب المال من جهة التغليب شرطا في ابن السبيل المطلوب، بل يكفي إعواز المؤونة، بسبب طول زمان السفر ونحوه. ويمكن أن يراد بالطاعة عدم المعصية، فإنه يصدق على من ترك المعصية أنه في طاعة ; إذ الأقوى أن المطلوب بالنهي هو نفس أن لا يفعل، فترك المنهي عنه طاعة، أو المراد بالطاعة عدم الخروج عن كونه مطيعا بمعنى الملكة. وأما ما أجاب به في المختلف بأن اعتقاد الإباحة إطاعة (4) فهو بعيد. الرابع: يشترط في ابن السبيل الحاجة في السفر وإن كان غنيا في بلده، فإن عجز حتى عن بعض بيع أمواله المتمكن من التصرف فيها بحيث لم يلزم عليه حرج وضرر، وعن الاستدانة كذلك، فلاريب في شموله. وأما لو لم يعجز عن شئ منها، فظاهر المعتبر (5) والمسالك (6) أنه أيضا داخل فيه،


(1) المبسوط 1: 252 قال: وقد روي أن الضيف داخل فيه، وحكاه سور في المراسم: 133، والمحقق في الشرائع 1: 150. (2) حكاه عنه العومة في المختلف 3: 205. (3) تفسير القمي 1: 299. (4) المختلف 3: 206. (5) المعتبر 2: 578. (6) مسالك الأفهام 1: 420.

[ 161 ]

وهو مشكل ; لعدم صدق العجز والاحتياج عليه حينئذ عرفا. وأما لو عجز عن البيع دون الاستدانة، فلا يبعد أن يقال بعدم وجوب الاستدانة عليه كما اختاره في المدارك (1) ; إذ الأصل عدم وجوب جعل ذمته مشغولة بمال الغير، والأحوط اعتبار العجز عنه أيضا. الخامس: يدفع إليه بقدر ما يبلغه إلى بلده مع ملاحظة قضاء وطره في ذلك السفر، ولا تجب المبادرة إلى العود، ويلاحظ في ذلك ما يليق بحاله من المأكول والملبوس والمركوب. فإن فضل منه شئ، ففي وجوب الإعادة إلى المالك أو من يقوم مقامه من الوكيل أو الحاكم قولان، ولا يبعد القول بعدمه كما مر، وكذلك الكلام فيما لو صرفه في غيره، وللشيخ هنا أيضا قولان (2)، ومختار المحقق هو اعتبار القصد كما مر (3)، والتحقيق فيه ما مر من أن الأظهر عدم الارتجاع، مع إشكال في شرط المالك، لافي مطلق قصده.


(1) المدارك 5: 234. (2) المبسوط 1: 254. (3) المعتبر 2: 578.

[ 162 ]

المقصد الرابع في أوصاف المستحقين للزكاة وفيه مباحث: الأول: يشترط فيهم الإيمان إلا المؤلفة قلوبهم كما مر. ويمكن أن يجعل بعض أفراد سبيل الله مما يعطى منه بالمكلفين داخلا في الاستثناء كالغازي ; إذ غزو الكافر لا يستلزم التأليف، ولاالإعطاء للاستمالة والتأليف عدم الإعطاء للغزو. والمراد بالإيمان: هو الإسلام مع القول بالأئمة الاثنى عشر عليهم السلام بدليل إجمالي تطمئن إليه النفس. ويدل على اعتباره بعد الإجماع الأخبار الكثيرة، منها صحيحة الفضلاء (1)، وصحيحة بريد بن معاوية العجلي (2)، وصحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري


(1) الكافي 2: 545 ح 1، التهذيب 4: 54 ح 143، الوسائل 6: 148 أبواب المستحقين للزكاة ب 3 ح 2، في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحرورية والمرجئة والعثمانية والقدرية ثم يتوب ويعرف هذا الأمر ويحسن رأيه، أيعيد كل صلاة صوها أو صوم أو زكاة أو حج، أو ليس عليه إعادة شئ من ذلك ؟ قال: ليس عليه إعادة شئ من ذلك غير الزكاة، ولابد أن يؤديها ; لأنه وضع الزكاة في غير موضعها، وإنما موضعها أهل الولاية. (2) التهذيب 5: 9 ح 23، الوسائل 6: 148 أبواب المستحقين للزكاة ب 3 ح 1، وفيها: كل عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثم من الله عليه وعرفه الولاية فإنه يؤجر عليه إلا الزكاة ; لأنه يضعها في غير مواضعها، لأنها لأهل الولاية ث .

[ 163 ]

المصرحة باشتراطه في زكاة الفطرة أيضا (1). وفي العيون رواية عن الصادق عليه السلام في المنع عن إعطاء المجبرة والقائلين بأن الله يكلف عباده مالا يطيقون (2). وفي كتاب التوحيد رواية تدل على منعها عن المجسمة (3). وفي رجال الكشي ما يدل على منعها عن الواقفية (4). وفي التهذيب ما يدل على منعها عن الزيدية (5). ثم إن في صحيحة الفضلاء وصحيحة بريد أن المخالف إذا استبصر وحسن رأيه لا يعيد شيئا من عباداته إلا الزكاة ; لأنه وضعها في غير موضعها، وإنما موضعها أهل الولاية، والظاهر أن وجوب إعادة الزكاة عليه حينئذ يكون إجماعيا. والمستفاد منهما ومن غيرهما أنه لو كان أعطاها أهل الولاية لا تجب عليه الإعادة، وهو كذلك. وأما عدم لزوم إعادة سائر طاعاتهم ; فهو أيضا كذلك، على التفصيل الذي مر في كتاب الصلاة، وسيجئ في الحج وغيره إن شاء الله تعالى. وإذا لم يوجد المؤمن هل تصرف إلى غيرهم ؟ قال في المعتبر: فيه قولان


(1) الكافي 3: 547 ح 6، التهذيب 4: 52 ح 137، الوسائل 6: 152 أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 1، عن الزكاة هل توضع فيمن لا يعرف ؟ قال: لا ولا زكاة الفطرة. (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 124 ح 17، الوسائل 6: 156 أبواب المستحقين للزكاة ب 7 ح 1، وفيها: من زعم أن الله يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم ما لا يطيقون فلا تعطوه من الزكاة شيئا. (3) التوحيد: 101 ح 11، الوسائل 6: 156 أبواب المستحقين للزكاة ب 7 ح 2، ورواه الشيخ في التهذيب 3: 283 ح 840 عن الهادي والجواد عليهما السلام، وفيه: من قال بالجسم فلا تعطوه من الزكاة ولا تصلوا وراءه. (4) اختيار معرفة الرجال 2: 756 رقم 862. (5) التهذيب 4: 53 ح 141، وانظر الوسائل 6: 152 أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 5، وفيها عن الصدقة على النصاب وعلى الزيدية، قال: لا تصدق عليهم بشئ، ولا تسقهم من الماء إن استطعت، وقال: الزيدية هم النصاب .

[ 164 ]

أشبههما أن زكاة المال لا تدفع إلى غير أهل الولاية (1)، ثم ذكر رواية يعقوب بن شعيب الدالة على أنه يعطيها حينئذ من لا ينصب، ثم حكم بندرتها، وضعف طريقها (2). وفي التضعيف تأمل، لكن الأقوى المنع كما اختاره. والأظهر الأشهر مساواة الفطرة للزكاة في اعتبار الإيمان ; للعمومات، وخصوص صحيحة إسماعيل بن سعد المتقدمة. وذهب الشيخ (3) وجماعة (4) إلى جواز دفعها إلى المستضعف إذا عدم المؤمن - ومرادهم منه: من لايعاند أهل الحق من المخالفين - لروايات، منها موثقة فضيل في التهذيب (5)، ورواية مالك الجهني في الكافي (6)، وصحيحة علي بن يقطين في الفقيه (7)، وغيرها (8). والأولى حملها على التقية، كما تشعر به موثقة إسحاق بن عمار، إن حملناها على المستضعف، أو جعلناها أعم، قال: سألته عن صدقة الفطرة اعطيها غير أهل ولايتي من فقراء جيراني ؟ قال: " نعم، الجيران أحق بها ; لمكان الشهرة " (9).


(1) المعتبر 2: 580. (2) المعتبر 2: 580، الوسائل 6: 153 أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 7. (3). التهذيب 4: 88، النهاية: 192، المبسوط 1: 242. (4) الشرائع 1: 151، الحدائق 12: 317. (5) التهذيب 4: 88 ح 260، الوسائل 6: 250 أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 3، عن أبي عبد الله عليه السلام: كان جدي عليه السلام يعطي فطرته الضعفة ومن لا يجد ومن لا يتولى قال، وقال أبو عبد الله عليه السلام: هي لأهلها، إلا أن لا تجدهم، فإن لم تجدهم فلمن لا ينصبث. (6) الكافي 4: 173 ح 18، التهذيب 4: 87 ح 255، الوسائل 6: 250 أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 1، سألت أبا جعفر عليه السلام عن زكاة الفطرة، فقال: تعطيها المسلمين، فإن لم تجد مسلما فمستضعفا، واعط قرابتك منها إن شئت. (7) الفقيه 2: 118 ح 507، الوسائل 6: 251 أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 6، عن زكاة الفطرة، أيصلح أن تعطى الجيران والظؤرة ممن لا يعرف ولا ينصب ؟ فقال: لا بأس بذلك إذا كان محتاجا. (8) الوسائل 6: 250 أبواب زكاة الفطرة ب 15. (9) الكافي 4: 174 ح 19 التهذيب 4: 88 ح 259، الاستبصار 2: 51 ح 173، علل الشرائع: 391 ح 1، الوسائل 6: 250 أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 2 .

[ 165 ]

ويجوز أن تعطى الزكاة أطفال المؤمنين، يتيما كان أو غيره، دون غيرهم ; للإجماع، والكتاب، والسنة، مثل حسنة أبي بصير (1)، ورواية أبي خديجة (2). وما رواه في قرب الإسناد، عن محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب، عن الصادق عليه السلام قال، قلت له: عيال المسلمين اعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا وطعاما، وأرى أن ذلك خير لهم، قال، فقال: " لا بأس " (3). وظاهرهم عدم الفرق بين أن يكون آباؤهم فساقا أولا، وصرح بعدم الفرق جماعة منهم (4)، وهو الحق ; لإطلاق الأدلة. وقد يقال: بلزوم معرفة حال آبائهم بأنهم أخذوا اصول دينهم بالدليل ولو كان إجماليا. وظاهر أنه لا يجب ذلك، بل يكفي ثبوت كونهم مقرين بدين التشيع ومظهرين له ولو بالإجمال، ويحمل طريق الآخذ على الوجه الصحيح، فإن إقرارهم بذلك قول مسلم يجب حمله على الصحة، وكيفية الأخذ من أفعالهم، وهي أيضا محمولة على الصحة، ويكفي في حمل القول والفعل على الصحة ظهور الإسلام والإيمان مع عدم العلم بالباطن. ويظهر مما ذكرنا الكلام في البلغ أيضا، وعدم وجوب التفحص وإن كان ذلك أحوط، سيما مع اعتبار العدالة لو اعتبرت. وأما عدم جواز إعطاء أولاد غيرهم فالظاهر أنه أيضا مما لا خلاف فيه بينهم


(1) التهذيب 4: 102 ح 287، الوسائل 6: 155 أبواب المستحقين للزكاة ب 6 ح 1، وفيها: الرجل يموت ويترك العيال، أيعطون من الزكاة ؟ قال: نعم، حتى ينشأوا ويبلغوا ويسألوا من أين كانوا يعيشون إذا قطع ذلك عنهم، فقلت: إنهم لا يعرفون، قال: يحفظ فيهم ميتهم، ويحبب إليهم دين أبيهم، فلا يلبثون أن يهتموا بدين أبيهم، فإذا بلغوا وعدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم. (2) الكافي 3: 549 ح 3، الوسائل 6: 156 أبواب المستحقين للزكاة ب 6 ح 2، وفيها: ذرية الرجل المسلم إذا مات يعطون من الزكاة والفطرة كما يعطى أبوهم حتى يبلغوا فإذا بلغوا وعرفوا ما كان أبوهم يعرف أعطوا، وإن نصبوا لم يعطوا. (3) قرب الإسناد: 24، الوسائل 6: 156 أبواب المستحقين للزكاة ب 6 ح 3. (4) السرائر 1: 460، المنتهى 1: 523، المدارك 5: 241 .

[ 166 ]

لتبعيتهم لهم في الإيمان والكفر، وهو ظاهر الأخبار أيضا (1). وقال المحقق الأردبيلي رحمه الله: ولا يبعد الإعطاء على تقدير تعذر الغير من سهم سبيل الله (2). ثم إن الزكاة تعطى إلى وليهم ليصرفها فيهم، سواء كان الطفل رضيعا أو غيره ; لاحتياج الرضيع أيضا إلى اجرة الرضاع والكسوة ونحوها. ومع تعذر الولي يتولى أمره آحاد عدول المؤمنين، فتعتبر النية عند قبض الثقة، ويمكن الاكتفاء بحصول الاعتماد على ملاحظة صلاحه لمن يتويه وإن لم يكن عدلا، أو تعذر العدل أيضا. بل يجوز إعطاء الطفل مع الاعتماد، إن علم من حاله أنه يصرف على وجه يسوغه الولي لو كان كما صرح به جماعة (3). ولو أطعمه من الزكاة فلا يحتاج إلى الولي والقابض، فينوي عند الأكل كالكفارة، ويحسب ما أكله عنها. وقال في التذكرة: حكم المجنون حكم الصبي الغير المميز، أما السفيه فإنه يجوز الدفع إليه، لكن يحجر عليه الحاكم (4). ثم لو كان أحد الأبوين كافرا لحق بالمؤمن. والظاهر أنه كذلك لو كان أحدهما مخالفا ; للعموم، وعدم ظهور الأخبار في إخراج ذلك. الثاني: العدالة، اعتبرها السيد (5) وجماعة (6)، واشترط المفيد أن يكون عارفا


(1) الوسائل 6: 151 أبواب المستحقين للزكاة ب 5. (2) مجمع الفائدة 4: 176. (3) المدارك 5: 242. (4). التذكرة 5: 280. (5) الانتصار: 82. (6) المبسوط 1: 247، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 206، الوسيلة: 129، المهذب 1: 169، الكافي في الفقه: 172 .

[ 167 ]

تقيا (1)، وفي الرسالة العزية: عارفا عفيفا (2). وعن ابن الجنيد: المنع من إعطاء شارب خمر أو مقيم على الكبيرة (3)، وعن جماعة مجانبة الكبائر دون الصغائر. ونقل في المعتبر عن قوم من أصحابنا عدم اعتبار العدالة وارتضاه (4)، وهو مختار العومة (5) وجمهور المتأخرين (6)، وهو الأقرب. لنا: عموم الآيات والأخبار، وإطلاقاتها، وترك الاستفصال الموجود فيها - لا حاجة إلى ذكرها -، ولزوم العسر والحرج غالبا، والعلل الواردة في الأخبار في مقدار الزكاة، وملاحظة الفقير والغني في هذا التحديد، الظاهر في أن المعيار إنما هو الفقر والحاجة. بل وروى الصدوق في العلل، عن بشير بن بشار قال: قلت للرجل، يعني أبا الحسن عليه السلام: ما حد المؤمن الذي يعطى من الزكاة ؟ قال: " يعطى المؤمن ثلاثة آلاف "، ثم قال: " أو عشرة آلاف، ويعطى الفاجر بقدر ; لأن المؤمن ينفقها في طاعة الله، والفاجر ينفقها في معصية الله " (7). ويؤيده ما رواه في المقنعة: أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وآله، أي الصدقة أفضل ؟ فقال: " على ذي الرحم الكاشح " (8). احتج السيد بالإجماع، وبالاحتياط، وبكل ما دل على حرمة معونة الفساق (9).


(1) المقنعة: 242. (2 و 3) نقله عنه في المختلف 3: 207. (4) المعتبر 2: 580. (5) المختلف 3: 208. (6) الشرائع 1: 151، المدارك 5: 243. (7) علل الشرائع: 372 ح 1 ب 98، الوسائل 6: 171 أبواب المستحقين للزكاة ب 17 ح 2، وفيه: والفاجر في معصية الله. (8) المقنعة: 261، الوسائل 6: 170 أبواب المستحقين للزكاة ب 15 ح 5، ورواه الصدوق في الفقيه 2: 38 ح 165. (9) الانتصار: 82.

[ 168 ]

وزاد الشهيد لهم بما دل على أن موضعها أهل الولاية، منضما إلى ما روي عنهم: " لن تنال ولايتنا إلا بورع واجتهاد " (1). وبأن الفاسق محاد لله ولرسوله، وإعطاء الزكاة موادة. والإجماع لا نعرفه، خصوصا مع عدم اشتراط جماعة من أعيان من تقدمه ذلك، كالصدوقين (2) وابن أبي عقيل (3) وكثير ممن تأخر عنه (4)، ولو فرض كونه إجماعا منقولا فلا يعارض به ما قدمناه. والاحيتاط ليس بدليل شرعي. وما دل على حرمة إعانة الفساق لو ثبتت فإنما تسلم في فسقهم، أو من حيث إنهم فاسقون. وانحصار الولاية في العدالة واضح البطلان، فهي محمولة على كمالها. وكون الفسق محادة ممنوع وكذا كون إعطاء الزكاة موادة. ولعل ابن الجنيد تمسك برواية داود الصرمي في منع شارب الخمر (5)، منضما إلى ادعاء عدم القول بالفرق، وهي ضعيفة مضمرة لا تقاوم ما ذكرنا، هذا. وعرف الشهيد في غاية المراد العدالة هنا: بأنها هيئة راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى، بحيث لا تقع منه كبيرة، ولايصر على صغيرة، فإن وقعت استدركت بالتوبة (6)، ولعله أراد أنه لا يشترط هنا اجتناب منافيات المروءة ; ولعل ذلك لعدم إفادة دليلهم إلا وجوب اجتناب المعاصي، وترك المروءة ليس بمعصية كما أشار إليه في المسالك (7).


(1) البحار 75: 281 ب 24 ح 1. (2) نقله عن علي بن بابويه في المختلف 3: 208، المقنع: 52. (3) نقله عنه في غاية المراد 1: 262. (4) المراسم: 133، السرائر 1: 459 قال (قال في السرائر: والذي يفرق فيهم الزكاة اليوم ينبغي أن يحصل فيهم مع أحد الصفات الأصلية وهيث وأن يضاف خمس صفات اخر: وهي الإيمان والعدالة وحكمهما. (5) الكافي 3: 563 ح 15، التهذيب 4: 52 ح 138، الوسائل 6: 171 أبواب المستحقين للزكاة ب 17 ح 1. (6) غاية المراد 1: 261. (7) مسالك الأفهام 1: 423.

[ 169 ]

وعلى هذا فالظاهر أن المقتصرين على وجوب اجتناب الكبائر لا يقدح عندهم في الجواز الإصرار على الصغائر، وإن كان ذلك أيضا من جملة الكبائر، وإلا فلم يبق الفرق بين هذا القول والقول بالعدالة. وكيف كان، فالأظهر عدم اشتراط العدالة، وإن كان أولى وأحوط. وآكد منها اجتناب الكبائر، سيما الخمر. ثم إن ظاهر الفقهاء في هذا المقام هو الكلام في المكلفين، وأن القائل باشتراط العدالة أو اجتناب الكبائر إنما هو فيهم، فتفريع عدم جواز إعطاء أطفال المؤمنين على اشتراط العدالة لاوجه له، مع أن الدليل على الجواز قائم كما حققناه، وفي المسالك: هنا موارد أنظار، لانطيل بذكرها. ثم إن ظاهر كلام السيد (1) وغيره (2) من مشترطي العدالة تعميم الاشتراط كما هو مقتضى أدلتهم أيضا، ونفي المعتبر أيضا عن الشيخ التعميم، واستثنى عنه المؤلفة فقط (3). وكيف كان فاشتراط العدالة في العاملين مخرج عن المسألة كما مر. الثالث: أن لا يكون ممن تجب نفقته على المعطي، كالآباء والأولاد والزوجة والمملوك ; بالإجماع، والأخبار المعتبرة. وما خالفها من الأخبار شاذ مؤول. وفي جواز أخذ من تجب نفقته على أحد الزكاة من غيره مع تمكن من يجب عليه وبذله قولان، أظهرهما العدم ; لعدم صدق الفقير عليه عرفا، فإنه مالك لمؤونة السنة بالقوة، إذ لم يعتبروا في الغني تحقق المؤونة بالفعل، فهو كصاحب الصنعة، أو كصاحب العقار الذي يستعين باجرته على المؤونة، وهو مختار التذكرة (4)


(1) الانتصار: 82. (2) المبسوط 1: 251. (3) المعتبر 2: 579. (4) التذكرة 5: 265.

[ 170 ]

والمحقق الأردبيلي (1) قدس سرهما. وعن المنتهى (2) والدروس (3): الجواز في غير الزوجة ; لأن نفقتها كالعوض، ونفقتهم من باب المواساة وسد الخلة، لاعلى وجه التمليك، ولذلك لا يستقر في الذمة، ولا يجب قضاؤه وإن أثم بالترك، بخلاف نفقة الزوجة، فيصدق عليهم الفقير بمعنى أنهم ليسوا مالكين للمؤونة. واختاره في المدارك (4)، واستدل عليه بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي الحسن الأول عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمه أو أخوه يكفيه مؤونته، أيأخذ من الزكاة فيتوسع به إذا كانوا لا يوسعون عليه في كل ما يحتاج إليه ؟ إ قال: " لا بأس " (5). وفيه نظر ; إذ هو إنما يدل على جواز الأخذ للتوسيع، والتوسيع ليس بواجب على المنفق، بل الواجب إنما هو قدر الكفاية الوئقة بالحال. وصرح بجواز التوسيع في التذكرة، واستدل عليه بهذه الرواية أيضا (6)، وصرح به في المسالك أيضا (7)، وهو ظاهر الدروس (8)، وتدل عليه روايات اخر (9). هذا كله إذا كان المنفق موسرا باذلا، وإلا فيجوز الأخذ في الجميع بلا خلاف ظاهر. والظاهر أن إمكان الأخذ بالرجوع إلى الحاكم في قوة التمكن من النفقة. ويجوز للمالك أن يصرف فيمن تجب عليه نفقتهم في غير النفقة اللائقة من المأكول


(1) مجمع الفائدة والبرهان 4: 191. (2) المنتهى 1: 519. (3) الدروس 1: 242. (4) المدارك 5: 247. (5) التهذيب 4: 108 ح 310، الوسائل 6: 163 أبواب المستحقين للزكاة ب 11 ح 1. (6) التذكرة 5: 276 مسألة 190. (7) المسالك 1: 423. (8) الدروس 1: 242. (9) الوسائل 6: 166 أبواب المستحقين للزكاة ب 14.

[ 171 ]

والملبوس ونحوهما، مثل نفقة زوجتهم ومملوكهم، وأداء ديونهم، وكذلك يجوز لهم أن يأخذوا من غيره ; للعمومات، وإشارة التعليل في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في مبحث الغارمين إلى ذلك. وأما الأقارب الذين لا يجب الإنفاق عليهم كالأخ والاخت والعم والخال فيجوز إعطاؤهم من الزكاة بلا خلاف، وهو مقتضى العمومات، وخصوص بعض الأخبار المعتبرة (1). وهل يجوز دفع الزكاة إلى الزوجة الناشزة الفقيرة ؟ الأظهر العدم ; لتمكنها من الإطاعة وأخذ النفقة، وإن لم نقل باشتراط العدالة، وكذلك المعقود عليها الغير الباذلة للتمكين. ويجوز للزوجة دفع زكاتها إلى زوجها وإن كان ينفق منها عليها ; للعمومات، وعن الصدوق المنع مطلقا (2)، وعن ابن الجنيد الجواز بشرط أن لا ينفقها عليها وعلى ولدها (3). ويجوز دفع الزكاة إلى المتمتعة ; لعدوجوب الإنفاق عليها. والقول بالمنع لأنها زوجة لاوجه له. وقال في التذكرة العيلولة من دون القرابة غير مانعة من الإعطاء عند علمائنا أجمع، وهو قول أكثر العلماء، فلو كان في عائلته من لا يجب الانفاق عليه كيتيم أجنبي - جاز أن يدفع زكاته إليه ; لأنه داخل في الأصناف المستحقين للزكاة، ولم يرد في منعه نص: لاإجماع، ولاقياس، ثم نقل الخلاف عن بعض العامة (4). والظاهر أنه لافرق بين الأجنبي والقريب بشرط وجوب النفقة، وادعى عليه


(1) الكافي 3: 552 ح 7، التهذيب 4: 54 ح 144، 149، الاستبصار 2: 35 ح 104، الوسائل 6: 169 أبواب المستحقين للزكاة ب 15 ح 1، 2. (2) المقنع (الجوامع الفقهية): 14. (3) نقله عنه في المختلف 3: 212. (4) التذكرة 5: 268 مسألة 179.

[ 172 ]

الإجماع في المدارك (1). ثم إن ما ذكرنا من منع إعطاء من يجب الإنفاق عليه إنما هو من وجه الفقراء وفي نفقته اللازمة، فأما من وجه الغارمين إذا كان عليه دين، أو الرقاب في تخليصه إن كان مكاتبا، أو شرائه إن كان رقا، أو إعطائه المحمولة، وما زاد على نفقة الحضر من سهم ابن السبيل إن كان ابن سبيل، أو للعمل إن كان عاملا، أو من سبيل الله للغزو إن كان غازيا، أو للحج أو الزيارة فلا مانع منه ; للعمومات، وخصوص ما مر في أداء الدين، وخصوص ما دل على شراء الأب، وهي قوية أبي محمد الوابشي (2)، ولأن ما يعطى العامل كالاجرة وكذا الغازي. الرابع: أن لا يكون هاشميا، فلا تحل له زكاة غير الهاشمي، بالإجماع، والأخبار المعتبرة المستفيضة (3). ويحل أخذها من مثله في كونه هاشميا، وإن لم يكونا متحدين في الأب الخاص، والظاهر أن هذا أيضا إجماعي، كما يظهر من التذكرة (4) وغيرها (5)، والأخبار الدالة عليه بمكان من الكثرة، ولا إشكال في المسألة. ويتخير حينئذ بين أخذها وأخذ الخمس، والخمس أفضل. وكذلك يجوز للهاشمي أخذها من غير الهاشمي إذا لم يتمكن من الكفاية من الخمس أو زكاة قبيله بلا خلاف ظاهر، ونسبه في المنتهى إلى فتوى علمائنا أجمع (6)، وفي التذكرة والمعتبر إلى علمائنا ونقل الوفاق عن الاصطخري من الشافعية


(1) المدارك 5: 248. (2) الكافي 3: 552 ح 1، الوسائل 6: 173 أبواب المستحقين للزكاة ب 19 ح 1. (3) الوسائل 6: 185 أبواب المستحقين للزكاة ب 29. (4) التذكرة 5: 268 مسألة 180. (5) المنتهى 1: 524، المدارك. 5: 250. (6) المنتهى 1: 526.

[ 173 ]

ومخالفة الباقين (1). واختلف الأصحاب في تقدير الأخذ، فظاهر الأكثر - كما نقل القول به عنهم ونسبه إليهم في المختلف أيضا (2) - جواز أخذ الكفاف. وقيل: لا يجوز الأخذ فوق الضرورة (3)، واختاره جماعة من متأخري المتأخرين (4)، وربما فسر بقوت يوم وليلة، ويظهر من بعضهم الميل إلى الأقل من ذلك. وقال في المسالك بعد اختياره القول بعدم جواز الأخذ فوق الضرورة وتفسيرها بقوت يوم وليلة: نعم لو لم تندفع الضرورة بدفع قوت اليوم بأن لا يجد في اليوم الثاني ما يدفع به الضرورة عادة جاز له أخذ ما تندفع به (5). واستدل في التذكرة للأول: بأن المنع إنما كان لاستغنائهم بالخمس، وحرمت عليهم الصدقة، وجعل لهم الخمس في مقابلة ذلك، فإذا لم يحصل لهم الخمس حلت لهم الصدقة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله للفضل بن عباس: " ليس في خمس الخمس ما يكفيكم عن أوساخ الناس " ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " اعطوا من الزكاة من بني هاشم من أرادها، فإنها تحل لهم، وإنما تحرم على النبي صلى الله عليه وآله وعلى الإمام الذي يكون بعده، وعلى الأئمة عليهم السلام ". وليس المراد بذلك حالة الاستغناء بالخمس ; لتحريمها عليهم إجماعا، فتعين أن يكون حال الضرورة، وفارقوا النبي صلى الله عليه وآله والأئمة لعلو منصبهم وزيادة شرفهم، فلا يحل لهم حال الضرورة (6)، انتهى.


(1) التذكرة 5: 273 مسألة 286، المعتبر 2: 586. (2) المختلف 3: 220 (3) شرائع الإسلام 1: 163. (4) المنتهى 1: 526، المدارك 5: 254. (5) المسالك 1: 424. (6) التذكرة 5: 273.

[ 174 ]

والرواية المذكورة هي رواية أبي خديجة (1)، وقال الشيخ بعد حملها على حال الضرورة في وجه اختصاص النبي صله الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام بالذكر: أنهم لا يضطرون إلى أكل الزكاة (2). وما أشار إليه في التذكرة أولا هو المستفاد من الروايات، مثل ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا رفعه، قال: " الخمس من خمسة أشياء - إلى أن قال - والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمدي، الذين لا تحل لهم الصدقة ولاالزكاة، عوضهم الله مكان ذلك الخمس " (3) الحديث. وما رواه في الكافي في الحسن، عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح في حديث طويل، قال: " وإنما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم - يعني بني عبد المطلب - عوضا لهم من صدقات الناس ; تنزيها من الله لهم، ولا بأس بصدقات بعضهم على بعض " (4). واحتج المحقق الأردبيلي (5) - رحمه الله - وبعض من تأخر عنه (6) بموثقة زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: " لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولامطلبي إلى صدقة، إن الله تعالى جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم " ثم قال: " إن الرجل إذا لم يجد شيئا حلت له الميتة، والصدقة لا تحل لأحد منهم إلا أن لا يجد شيئا، ويكون ممن تحل له الميتة " (7). وفي الرواية شئ، من حيث اشتمالها على تسوية المطلبي للهاشمي، وردها


(1) الكافي 4: 59 ح 6، الفقيه 2: 19 ح 65، التهذيب 4: 60 ح 161، الوسائل 6: 186 أبواب المستحقين للزكاة ب 29 ح 5. (2) التهذيب 4: 60. (3) التهذيب 4: 126 ح 366، الوسائل 6: 359 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 9. (4) الكافي 1: 453 ح 4، الوسائل 6: 358 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 8. (5) مجمع الفائدة والبرهان 4: 186. (6) كالمحقق السبزواري في الذخيرة: 461. (7) الوسائل 6: 191 أبواب المستحقين للزكاة ب 33 ح 1.

[ 175 ]

العومة في التذكرة في مسألة حلية الزكاة للمطلبي بأنه خبر واحد ترك العمل به أكثر الأصحاب، فلا يخص به العموم المقطوع (1). وقال في المعتبر: أصلها واحد نادر، فلا يخص بها عموم القرآن (2). ولعله لذلك لم يتعرض لها العومة في الاستدلال هنا، لافي المختلف ولا في التذكرة. وما يضعفه أن القائلين بالاكتفاء بالضرورة فسروها بقوت يوم وليلة، وهو ليس معنى التحديد بسد الرمق كما أرادوها في الميتة، وهو ظاهر الرواية. بل لم أقف على مصرح، بذلك إلا ما يظهر من المدارك ومن تبعه، والعجب أنه مع أنه لا يعمل بالأخبار الموثقة استدل بها هنا، ثم ردها في حكم بني المطلب بأن في طريقها علي بن الحسن بن فضال، ولا تعويل على ما ينفرد به. وظاهر الإجماع المنقول في المنتهى وغيره أيضا هو قول الأكثر، ويؤيده إطلاقهم تجويز عمالتهم إذا لم يجدوا من الخمس. قال في التذكرة: لو كان فقيرا لا يصل إليه من الخمس شئ، جاز أن يكون عاملا عندنا، ويأخذ النصيب (3). ومما يؤيده أيضا: أن الإجماع في أصل المسألة كأنه لاإشكال في ثبوته وتحققه في الجملة، وهو كاشف عن رأي المعصوم. ومن البعيد أن يكون تأسيس هذا الأساس وتبعية كل العلماء لإمامهم في مسألة لا يحتاج إليها أصلا ; إذ جواز أكل الحرام في حال الاضطرار كفى وضوحه عن التصدي لبيانه في بعض أفراد الحرام بخصوصه، وكذلك كون المراد برواية زرارة أيضا ذلك بعيد، فلابد أن نحملها على إرادة محض المشابهة في الرخصة، لا في كيفية الرخصة


(1) التذكرة 5: 273. (2) المعتبر 2: 586. (3) التذكرة 5: 278.

[ 176 ]

ومقدارها أيضا. ويشبه أن تكون الرواية واردة على ما هو أقرب إلى طريقة العامة من باب التقية، فيظهر فيها ضعف آخر. وكيف كان فالمسألة مشكلة، ولقول الأكثر قوة، والأحوط الاجتناب عن فوق قدر الضرورة ومقدار الضرورة، وتحديد زمانها يختلف باختلاف الأوقات والأحوال والأشخاص. ولو وجد الخمس أو غيره بعدما أخذ الزكاة وبقي عنده منها شئ، ففي وجوب الرد إشكال، والأحوط الاجتناب، ولم يثبت الوجوب. والمشهور أن الصدقة المفروضة إنما تحرم على أولاد هاشم، وعن المفيد في المسائل العزية تحريمها على بني المطلب أيضا (1)، وهو أخو هاشم، وهو المنقول عن ابن الجنيد أيضا (2). والأقوى الأول ; لعموم الآيات، والأخبار، خرج منها الهاشمي بالإجماع والأخبار. وفي الأخبار أيضا إشعار بالاختصاص، مثل صحيحة عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا تحل الصدقة لولد العباس، ولا لنظرائهم من بني هاشم " (3). وفي صحيحة العيص أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " يا بني عبد المطلب، إن الصدقة لا تحل لي ولالكم، ولكني قد وعدت الشفاعة " (4) الحديث وفي معناها حسنة زرارة ومحمد بن مسلم (5).


(1) نقله عنه في المعتبر 2: 585، والمختلف 3: 218. (2) نقله عنه في المختلف 3: 217. (3) التهذيب 4: 59 ح 158، الاستبصار 2: 35 ح 109، الوسائل 6: 186 أبواب المستحقين للزكاة ب 29 ح 3. (4) التهذيب 4: 58 ح 154، الوسائل 6: 185 أبواب المستحقين للزكاة ب 29 ح 1. (5) الكافي 4: 58 ح 2، التهذيب 4: 58 ح 155، الاستبصار 2: 35 ح 106، الوسائل 6: 186 أبواب المستحقين للزكاة ب 29 ح 1.

[ 177 ]

وحجة المفيد: موثقة زرارة المتقدمة، وقد عرفت ما فيها ولا يعارض بها تلك الأدلة. وأولاد هاشم الآن منحصرون في أولاد أبي طالب من العلويين، ومن ولد جعفر وعقيل، وأولاد العباس، والحارث وأبي لهب أولاد عبد المطلب، وإنما قلنا الآن ; لأنهم كانوا أكثر من ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وآله، فإن حمزة كان من ولد هاشم، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وأولاده الصلبية. وما ذكرنا من حرمة الصدقات عليهم مما لاريب فيه في زكاة المال الواجبة والفطرة. وفي الصدقات الواجبة من المنذورات والكفارات قولان، أظهرهما الجواز ; للأخبار الكثيرة المصرحة بعضها بأنها إنما هي الزكاة المفروضة، مثل صحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي (1)، ورواية إسماعيل بن فضل الهاشمي (2)، ورواية زيد الشحام (3). وأما الصدقات المندوبة فيجوز تناولها لهم على المعروف من المذهب، ويظهر من المنتهى الإجماع، حيث أسنده إلى علمائنا (4)، وكذلك في المدارك (5)، وهو ظاهر المعتبر (6) وغيره (7)، ولكنه في التذكرة جعله مشهورا (8). وكيف كان فلا إشكال في الجواز ; لظاهر الإجماع والأخبار المستفيضة، منها ما أشرنا إليها. واستثنى في التذكرة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ; لمنافاته شرفهم ورفعتهم (9)، وتبعه في


(1) الكافي 4: 59 ح 3، التهذيب 4: 62 ح 166، الوسائل 6: 189 أبواب المستحقين للزكاة ب 31 (2) الكافي 4: 59 ح 5، التهذيب 4: 58 ح 156، الاستبصار 2: 35 ح 107، الوسائل 6: 190 أبواب المستحقين للزكاة ب 32 ح 5. (3) التهذيب 4: 59 ح 157، الاستبصار 2: 35 ح 108، الوسائل 6: 190 أبواب المستحقين للزكاة ب 32 ح 4. (4) المنتهى 1: 525. (5) المدارك 5: 255. (6) المعتبر 2: 584. (7). مسالك الأفهام 1: 424، شرائع الإسلام 1: 152. (8) التذكرة 5: 270. (9) التذكرة 5: 269.

[ 178 ]

المسالك (1)، والمشهور خلافه، بل قال في المعتبر: وهل تحرم المندوبة على النبي صلى الله عليه وآله، قال علماؤنا: لا تحرم، وعلى ذلك أكثر أهل العلم (2)، انتهى ما أردناه. ويدل على الجواز الأخبار الكثيرة، وإشباع الكلام في المسألة ليس بمهم.


(1) مسالك الأفهام 1: 424. (2) المعتبر 2: 584.

[ 179 ]

المقصد الخامس فيمن يتولى الإخراج وكيفيته وفيه مباحث: الأول: المتولي لذلك هو المالك ووكيله، والإمام وعامله. والفقيه العادل قائم مقام الإمام في زمن الغيبة. أما تولي المالك له ; فلا إشكال ولا خلاف فيه، والأخبار به ناطقة، والآيات فيه ظاهرة. وأما وكيله ; فللإجماع على قبول هذا الفعل للنيابة، والأخبار المستفيضة، مثل صحيحة جميل بن دراج، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يعطي غيره الدراهم يقسمها، قال: " يجري له مثل ما يجري للمعطي، ولا ينقص المعطي من أجره شيئا " (1). وصحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عمن يلي صدقة العشر على من لا بأس به، فقال: " إن كان ثقة، فمره يضعها في مواضعها، وإن لم يكن ثقة فخذها منه وضعها في مواضعها " (2).


(1) الكافي 4: 18 ح 3، الوسائل 6: 193 أبواب المستحقين للزكاة ب 35 ح 2. (2) الكافي 3: 539 ح 6، الوسائل 6: 193 أبواب المستحقين للزكاة ب 35 ح 1.

[ 180 ]

ورواية صالح بن رزين قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني إذا وجدت زكاتي اخرجها فأدفع منها إلى من أثق به يقسمها، قال: " نعم، لا بأس بذلك، أما إنه أحد المعطين " (1)، إلى غير ذلك من الأخبار التي يجئ بعضها في مواضعها في مسألة نقل الزكاة إلى بلد آخر وغيرها. وتعتبر عدالة الوكيل ; ليكتفي بقوله " إني أديت " أو بمحض توكيله ; لتحصيل البراءة، ودلالة الصحيحة المتقدمة عليه، وإشارة الرواية الاخرى إليه. واما جواز إخراج الإمام وعامله مع إذنه ; فهو أيضا مما لاإشكال فيه ; لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، بل لاريب في استحباب الحمل إليه أولا ورجحانه ; لأنه أبصر وأعرف بكيفية الإخراج والمستحق. ويتأكد في الأموال الظاهرة كالمواشي، والغوت كما قالوه، ولعله لإزالة التهمة، والإعلان بشرائع الإسلام. بل ذهب جماعة من الأصحاب إلى وجوب حمل الزكاة أو لا إلى الإمام، ومع غيبته فإلى الفقيه المأمون (2). وربما يستدل لهم بقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * (3) بتقريب أن وجوب الأخذ يستلزم وجوب الدفع. ورد: بأن المتنازع الحمل أولا ; لابعد الطلب، والاستلزام إنما هو في الثاني. وفيه: أنه لعل مراده أن ما يتعلق به وجوب الأخذ فهو مما يجب إعطاؤه مطلقا. والأولى منع دلالة الآية على وجوب الأخذ مطلقا، بل إنما هي مقصورة على شأن النزول، أو على الممتنعين، أو هو إنشاء حكم وتسنين شرع، فلا يعم بعد تسنينه والتشرع به.


(1) الكافي 4: 17 ح 1، وفي الوسائل 6: 194 أبواب المستحقين للزكاة ب 35 ح 4 إني إذا وجبت زكاتي أخرجتها. (2) كالمفيد في المقنعة: 252، وأبي الصلاح في الكافي في الفقه: 172، والقاضي في المهذب 1: 171، 175. (3) التوبة: 103.

[ 181 ]

وكيف كان ; فلو طلبها الإمام فيجب الدفع إليه إذا كان طلبه إلزاميا حتميا ; لوجوب إطاعته. ولو فرقها المالك والحال هذه ففي الإجزاء وعدمه قولان، ناظران إلى أن الأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده، ولاريب أن عدم الدفع ضد المأمور به، وهو قد يتحقق في ضمن الدفع إلى الفقير. وإلى أن المقصود وصولها إلى المستحق كالدين، وقد وصلت، وإن حصل الإثم. وهذا النزاع، إنما يتمشى إذا لم يظهر من حال الإمام عليه السلام عدم الإعطاء بالغير، وإلا فيشكل الحكم بالصحة على القول بدلالة النهي على الفساد في العبادات كما هو الأصح، وإن لم نقل بدلالة الأمر بالشئ على النهي عن الضد الخاص، أو قلنا به بدلالة تبعية، وإن لم (1) نقل بدلالتها على الفساد حينئذ. ويؤيد الصحة ما سيجئ من الإجماع على الصحة لو نقل الزكاة إلى بلد آخر مع وجود المستحق على القول بتحريمه. وهذا النزاع لا فائدة فيه في زماننا، إيأن نقول بجريان الحكم في الفقيه، وقلنا بوجوب إطاعته كالإمام إذا طلبها ; كما هو مقتضى عمومات ما دل على نيابته عن الإمام، ولا يحضرني التصريح به في كلامهم. وقالوا: إن المراد بالفقيه في هذا المقام وأمثاله هو الجامع لشرائط الفتوى، وقيدوه هنا بالمأمون، وفسروه بمن لا يتوصل إلى أخذ الحقوق مع غنائه عنها بالحيل الشرعية، فإن فيه انحطاطا عما نصبه الشارع له، وإضرارا بالمستحقين، ونقضا للحكمة الباعثة على تشريع الزكاة ; وإن حلت له بذلك. ثم إن ادعى المالك إخراج الزكاة يقبل قوله، ولا يكلف بينة ولا يمينا ; لحمل قوله على الصحة، ولدلالة الأخبار عليه، مثل حسنة بريد بن معاوية الواردة في آداب


(1) في " م ": ولم.

[ 182 ]

المصدق (1)، ورواية غياث بن إبراهيم (2). الثاني: لا يجب بسطها على الأصناف، فيجوز إعطاؤها ولو واحدا من واحد منها. ولكن يستحب البسط، بل وإعطاؤها جماعة من كل صنف. ويدل على الأول - بعد الإجماع ظاهرا كما ادعاه في التذكرة - (3) الأخبار المعتبرة المستفيضة جدا، منها ما مر في مسألة الغارمين والرقاب وسبيل الله. ومنها: صحيحة أحمد بن حمزة (4)، وحسنة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، وفي آخرها: وقال: " ليس في ذلك شئ موقت " (5). ومنها: الأخبار الدالة على استحباب إعطاء الفقير من زكاة النقد ما يجب في النصاب الأول (6). ومنها: ما دل على رجحان أن يعطي الفقير غناه (7). ومنها: غير ذلك. والمخالف في المسألة إنما هو بعض العامة (8)، خلافا لأكثرهم (9)، تمسكا بظاهر


(1) الكافي 3: 536 ح 1، التهذيب 4: 96 ح 274، الوسائل 6: 88 أبواب زكاة الأنعام ب 14 ح 1. (2). الكافي 3: 538 ح 4، الوسائل 6: 90 أبواب زكاة الأنعام ب 14 ح 5، وفيها: كان علي صلوات الله عليه إذا بعث مصدقه قال له: إذا أتيت على رب المال فقل: تصدق رحمك الله مما أعطاك الله، فإن ولى عنك فلا تراجعه. (3) تذكرة الفقهاء 5: 336 مسألة 248. (4) الكافي 3: 552 ح 7، التهذيب 4: 54 ح 144، الاستبصار 2: 35 ح 104، الوسائل 6: 169 أبواب المستحقين للزكاة ب 15 ح 1، قلت لأبي الحسن عليه السلام: رجل من مواليك له قرابة كلهم يقول بك، وله زكاة، أيجوز له أن يعطيهم جميع زكاته ؟ قال: نعم. (5) الكافي 3: 554 ح 8، الفقيه 2: 16 ح 48، التهذيب 4: 103 ح 292، الوسائل 6: 183 أبواب المستحقين للزكاة ب 28 ح 1. (6) الوسائل 6: 177 أبواب المستحقين للزكاة ب 23. (7) الوسائل 6: 178 أبواب المستحقين للزكاة ب 24. (8) انظر المهذب للشيرازي 1: 178 و 180، والمجموع 6: 186 و 188، والمغني 2: 528، والشرح الكبير 2: 705، وبداية المجتهد 1: 275. (9) المغني 2: 528، الشرح الكبير 2: 705، المجموع 6: 186، المبسوط للسرخسي 3: 10، الهداية للمرغيناني 1: 113، شرح فتح القدير 2: 205.

[ 183 ]

الآية، لكون اللام للملك، وإفادة الواو التشريك. واجيب عنه بوجوه، أوجهها: أن اللام هنا للاستحقاق، والآية مسوقة لبيان المصرف. ويؤيده الحصر ب‍ " إنما "، وقوله تعالى: * (ومنهم من يلمزك في الصدقات) * (1) فالمراد أنه لا يصرف إلى غير هؤلاء. لا أنه يجب الصرف في جميع هؤلاء، ولو سلم الظهور فالإجماع والأخبار قرينة على خلافه، وهو ما ذكرنا. وأما استحباب البسط فذكره جماعة من الأصحاب، واستدلوا عليه بالخروج عن الخلاف، وشمول النفع. ولعل مرادهم بالخروج عن الخلاف في فهم اللفظ بمقتضى اللغة والعرف، وإلا فالخلاف ليس إلا من بعض العامة. ويشكل الحكم بالاستحباب فيما إذا كان قليلا بحيث لا ينتفع بما يصل إلى كل واحد. ويشكل أيضا بما ورد من فضيلة الإغناء، وما دل على لزوم أن لا يعطى الفقير أقل من خمسة دراهم أو رجحانه كما سيجئ. ثم لا يجب التسوية بين أشخاص الأصناف أيضا بلا خلاف، ولكن الأولى أن لا يخص بعض المستحقين بالإعطاء دون بعض بلا عذر، وكذا التفاضل إذا تساووا. ومع التفاوت فلا بأس، مثل كون بعضهم من أهل الفضل فيزاد نصيبه ; لقوية عبد الله بن عجلان السكوني (2). أو كونه ممن لا يسأل فيفضل على من يسأل ; لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (3). وصرف صدقات المواشي الى المتجملين ومن لاعادة له


(1) التوبة: 58. (2) الكافي 3: 549 ح 1، الفقيه 2: 18 ح 59، التهذيب 4: 101 ح 285، الوسائل 6: 181 أبواب المستحقين للزكاة ب 25 ح 2، وفيها: إني ربما قسمت الشئ بين أصحابي أصلهم به، فكيف أعطيهم ؟ قال: أعطهم على الهجرة في الدين والفقه والعقل. (3) الكافي 3: 550 ح 2، التهذيب 4: 101 ح 284، الوسائل 6: 181 أبواب المستحقين للزكاة ب 25 ح 1، عن الزكاة =

[ 184 ]

له بالسؤال، وغيرها إلى الفقراء المدقعين ; لرواية عبد الله بن سنان (1)، ورواية عبد الكريم بن عتبة الهاشمي رواها في المقنعة (2). ولعل العلة في رواية ابن سنان مقصورة على ذلك الزمان وأمثاله، إذ قد يستجمل من أخذ المواشي، ولايستجمل من أخذ النقد، فيختلف الحال باختلاف الأزمان. الثالث: قد عرفت وقت وجوب إخراج الزكاة سابقا، واختلف الأصحاب في أنه على الفور أو يجوز التأخير، فالمشهور بينهم تحريم التأخير إلا لمانع ; كعدم التمكن من المال، أو الخوف من المتغلب، أو عدم المستحق. وكذلك كل من في يده مال لغيره فطالبه فامتنع أو أوصى إليه شئ فلم يصرفه فيه، أو دفع إليه ما يصرفه إلى غيره، ويترتب عليه الضمان. ولم ينقل في التذكرة في أصل المسألة خلافا عن أحد من أصحابنا. ونسب القول بالتراخي إلى أبي بكر الرازي من العامة، وأبي حنيفة ما لم يطالب بها، وصرح فيها بالإثم والضمان، وقال: لو أخر مع إمكان الأداء كان عاصيا ولاتقبل منه صلاته في أول الوقت، وكذا جميع العبادات الموسعة (3). وجوز في الدروس التأخير لانتظار الأفضل والتعميم (4).


= يفضل بعض من يعطى ممن لا يسأل على غيره ؟ فقال: نعم، يفضل الذي لا يسأل على الذي يسأل. (1) الكافي 3: 550 ح 3، التهذيب 4: 101 ح 286، الوسائل 6: 182 أبواب المستحقين للزكاة ب 26 ح 1، وفيها: إن صدقة الخف والظلف تدفع إلى المتجملين من المسلمين، وأما صدقة الذهب والفضة وما كيل بالقفيز مما أخرجت الأرض فللفقراء المدقعين، قال ابن سنان، قلت: وكيف صار هذا هكذا ؟ فقال: لأن هؤلاء متجملون يستحيون من الناس، فيدفع إليهم أجمل الأمرين عند الناس، وكل صدقة. (2) المقنعة: 260، وانظر الكافي 5: 26 ح 1، والفقيه 2: 16 ح 48، والتهذيب 6: 148 ح 261، والوسائل 6: 183 أبواب المستحقين للزكاة ب 28 ح 1، وفيها: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم صدقة البوادي في أهل البوادي، وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر، ولا يقسمها بينهم بالسوية. (3) التذكرة 5: 290 مسألة 204، 205. (4) الدروس 1: 245.

[ 185 ]

وزاد في البيان: تأخيرها لمعتاد الطلب منه بما لايؤدي إلى الإهمال (1). وقال في التذكرة: لو أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها من ذي قرابة أو حاجة شديدة فالأقرب المنع وإن كان يسيرا، وقال أحمد: يجوز اليسير دون العكس (2). وجوز ذلك في التحرير مع قصر الزمان، ولكنه قال: يضمن مع وجود المستحق (3). وفي التذكرة: أن التأخير لطلب بسطها على الأصناف الثمانية أو الموجودين عذر مع دفع نصيب الموجودين (4)، وكذلك في التحرير قال: فيه وفي الضمان حينئذ إشكال (5). وذهب ابن إدريس إلى عدم الإثم بسبب التأخير، وإن حضر المستحق (6)، ولكنه قال بالضمان حينئذ. ولكن لا يعطي كلامه أزيد من جواز التأخير إذا أراد إيثار مستحق آخر لها، لا مطلقا. وقال الشيخان: بجواز التأخير بدون العذر مع العزل شهرا أو شهرين (7). وقال في المسالك: يجوز التأخير شهرا أو شهرين، خصوصا إذا أخرها للبسط ولذي المزية (8)، ويظهر من الروضة أنه مذهب جماعة (9). والظاهر من ذلك: جواز التأخير مطلقا إلى هذه المدة، وقد استدل على ذلك بصحيحة معاوية بن عمار، وهي تدل على الجواز إلى ثلاثة أشهر وأكثر (10). واختار في المدارك مختار جده، بل جوز التأخير ثلاثة أشهر، بل وأربعة كما هو


(1) البيان: 324. (2) التذكرة 5: 292 مسألة 205. (3) التحرير 1: 66. (4) التذكرة 5: 292 مسألة 205. (5) التحرير 1: 66. (6) السرائر 1: 454. (7) الشيخ المفيد في المقنعة: 240، والطوسي في المبسوط 1: 227. (8) المسالك 1: 428. (9) الروضة البهية 2: 39. (10) التهذيب 4: 44 ح 112، الاستبصار 2: 32 ح 94، الوسائل 6: 210 أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 9، الرجل تحل عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخرها إلى المحرم، قال: لا بأس.

[ 186 ]

مقتضى صحيحة معاوية بن عمار، وصرح بالضمان مع التلف مع تجويزه للتأخير في غير صورة العذر (1)، وأما في صورة العذر فلا ضمان عندهم. نعم قد يقع الإشكال والاختلاف في حقيقة العذر. وكيف كان، فكلمات الأكثرين متفقة في عدم جواز التأخير بلا عذر، وليس من باب صلاة الظهر وسائر الواجبات الموسعة، ويلزمه الضمان. ويدل على الفور: أن المستحق مطالب بشاهد الحال، فيجب التعجيل، كالوديعة والدين، وقول الصادق عليه السلام في حسنة محمد بن مسلم: " إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن حتى يدفعها " (2) الحديث ; وكذلك ما في معناها مثل حسنة زرارة الآتية (3)، سيما على نسخة التهذيب وغيرها. والتقريب: أن الضمان ظاهر في الإثم ; لأنه مقتضى التفريط في حقوق الناس من الأمانات، والزكاة من جملتها. وقد استدل بها في التذكرة أيضا للإثم والضمان معا (4)، فليتأمل في ذلك، فسنشير إلى منع الملازمة بين الضمان والإثم. وصحيحة سعد بن سعد الأشعري، قال: سألته عن الرجل تحل عليه الزكاة في السنة في ثلاثة أوقات، أيؤخرها حتى يدفعها في وقت واحد ؟ فقال: " متى حلت أخرجها " (5). ورواية أبي بصير قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا أردت أن تعطي زكاتك قبل حلها بشهر أو شهرين فلا بأس، وليس لك أن تؤخرها بعد حلها ". رواها في آخر السرائر عن كتاب محمد بن علي بن محبوب (6)، وسيجئ وجه أول الرواية.


(1) المدارك 5: 289. (2) الكافي 3: 553 ح 1، التهذيب 4: 47 ح 125، الوسائل 6: 198 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 1. (3) الكافي 3: 553 ح 4، التهذيب 4: 48 ح 126، الوسائل 6: 198 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 2. (4) التذكرة 5: 291. (5) الكافي 3: 523 ح 4، الوسائل 6: 213 أبواب المستحقين للزكاة ب 52 ح 1. (6) السرائر 3: 606.

[ 187 ]

وصحيحة علي بن الحكم، عن محمد بن يحيى - وقد يقال: إنه الخثعمي - عن أبي بصير عنه عليه السلام: أنه سأله عن رجل حال عليه الحول، وحل الشهر الذي كان يزكي فيه، وقد أتى لنصف ماله سنة، ولنصف الآخر ستة أشهر، قال: " يزكي الذي مرت عليه سنة ; ويدع الآخر حتى تمر عليه سنته " (1). وأما الأخبار الدالة على جواز التأخير، فهي صحيحة حماد بن عثمان، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين، وتأخيرها شهرين " (2). وصحيحة معاوية بن عمار، عنه عليه السلام قال، قلت له: الرجل تحل عليه الزكاة في شهر رمضان، فيؤخرها إلى المحرم، قال: " لا بأس "، قلت: فإنها لا تحل عليه إلا في المحرم فيعجلها في شهر رمضان ؟ قال: " لا بأس " (3). وصحيحة عبد الله بن سنان عنه عليه السلام، أنه قال في الرجل يخرج زكاته فيقسم بعضها ويبقي بعضها يلتمس لها المواضع، فيكون بين أوله وآخره ثلاثة أشهر، قال: " لا بأس " (4). وموثقة يونس بن يعقوب قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: زكاتي تحل علي في شهر، أيصلح لي أن أحبس منها شيئا مخافة أن يجيئني من يسألني ؟ فقال: " إذا حال الحول فأخرجها من مالك لا تخلطها بشئ، ثم أعطها كيف شئت "، قال، قلت: فإن أنا كتبتها وأثبتها يستقيم لي ؟ قال: " لا يضرك " (5). ويضعف الأولين: اشتمالهما على تعجيل الزكاة، وهو ضعيف كما سيجئ، وموافق لأكثر العامة، وهو المنقول عن غير مالك من الفقهاء الأربعة (6)، فالأولى


(1) الكافي 3: 523 ح 6، الوسائل 6: 209 أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 4. (2) التهذيب 4: 44 ح 114، الاستبصار 2: 32 ح 96، الوسائل 6: 210 أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 11. (3) التهذيب 4: 44 ح 112، الاستبصار 2: 32 ح 94، الوسائل 6: 210 أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 9. (4) الكافي 3: 523 ح 7، التهذيب 4: 45 ح 118، الوسائل 6: 214 أبواب المستحقين للزكاة ب 53 ح 1 بتفاوت بين المصادر. (5) الكافي 3: 522 ح 3، التهذيب 4: 45 ح 119، الوسائل 6: 213 أبواب المستحقين للزكاة ب 52 ح 2. (6) الام 2: 52، المغني 2: 542، الشرح الكبير 2: 667، وانظر التذكرة 5: 293.

[ 188 ]

حملها في التأخير على العذر كما فعله الأصحاب. وأما صحيحة عبد الله بن سنان، فنقول بموجبها، فإن طلب الموضع شاهد على فقده. وأما موثقة يونس فهي أيضا لاتدل على الجواز بلا عذر، إنما الكلام في تحقيق العذر. ويظهر من الموثقة أن انتظار معتاد الطلب منه عذر، وكذلك كون الشخص مظنة لتردد المستحقين إليه في عرض السنة. ومقتضى هذه الموثقة - تصريحا وتنبيها - مع ملاحظة الجمع بين مادل على منع التأخير وما دل على استحباب التعميم وإيثار الأفضل من جهة الفقه أو القرابة أو شدة الحاجة، فإن النسبة بينها وبينه عموم من وجه مع ملاحظة العسر والحرج، والأصل هو المصير إلى توسعة في العذر. والحاصل: أن الظاهر حرمة التأخير من جهة التهاون، والتكاهل، وبلا عذر، سيما إذا كانت الزكاة مظنة للتلف. وأما مع الأعذار المذكورة فالحكم بحرمة التأخير مشكل لو لم نقل برجحانه في البعض، كما هو المستفاد من القول بجوازه لإيثار الأفضل، فإنه ليس إلا لأجل امتثال الأمر به، وترجيح جانب ذلك الأمر، فيكون راجحا. وأما الضمان في صورة الجواز، كما يظهر من السرائر (1) والمدارك (2)، فهو مشكل. واستدل عليه في المدارك بحسنة محمد بن مسلم (3) وحسنة زرارة (4) الآتيتين. وفي الاستدلال بهما إشكال، لكن الظاهر عدم الفرق في صور التأخير، وسيجئ أن التأخير بسبب النقل من بلد المال موجب للضمان مع وجود المستحق ; لظاهر


(1) السرائر 1: 454. (2) المدارك 5: 291. (3) الكافي 3: 553 ح 1، الفقيه 2: 15 ح 46، التهذيب 4: 47 ح 125، الوسائل 6: 198 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 1. (4) الكافي 3: 553 ح 4، التهذيب 4: 48 ح 126، الوسائل 6: 198 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 2.

[ 189 ]

الحسنتين وغيرهما، فالأظهر حينئذ الضمان. بقي الكلام فيما ذهب إليه الشيخان (1)، وقد ظهر لك مما ذكرنا ضعفه، وسيجئ أن العزل مستحب، لكن جواز التأخير وعدمه في صورة العزل وعدمه سيان، وجوازه تابع للعذر باق ببقائه ولا تحديد فيه. الرابع: اختلف الأصحاب في جواز العدول بالزكاة إلى غير أهل بلد المال مع وجود المستحق، بمعنى إخراجه عنه إلى غيره، لاإعطائه لغير أهل البلد إذا كان حينئذ في ذلك البلد أيضا، فإنه لاإشكال فيه. قال العومة في التذكرة: لا يجوز نقل الزكاة عن بلدها مع وجود المستحق فيه عند علمائنا أجمع (2)، ثم نقله عن جماعة من العامة (3). فظهر منه أن المسألة إجماعية، مانه نسب القول بالحرمة في المنتهى إلى علمائنا (4)، والجواز إلى المفيد (5) والشيخ في بعض كتبه (6)، واستقرب هو الجواز فيه مع كون المالك ضامنا، ونسبه إلى صاحب الوسيلة (7)، وكذلك قال بالجواز في المختلف والتحرير على كراهية (8). وعن المبسوط: عدم الجواز إلا بشرط الضمان (9) وقواه الشهيد في الدروس (10).


(1) راجع هامش (13) صفحة 69. (2) التذكرة 5: 341 مسألة 252. (3) كعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير وطاووس والنخعي ومالك والثوري وأحمد. انظر المغني 2: 530، والشرح الكبير 2: 676، وتفسير القرطبي 8: 175، والتذكرة 5: 241 مسألة 252. (4) المنتهى 1: 225. (5) المقنعة: 240. (6) النهاية: 183. (7) الوسيلة: 130. (8) المختلف 3: 247، التحرير 1: 70. (9) المبسوط 1: 234. (10) الدروس 1: 246.

[ 190 ]

ولعل مراد من اعتبر شرط الضمان في الجواز أن الزكاة متعلقة بالعين، ولايجوز التصرف فيها إلا مع الضمان والأخذ في الذمة، ولما كان ممنوعا من النقل ; لأنه نوع تصرف في العين، فلا يجوز إلا مع الضمان والأخذ في الذمة (1). وكيف كان، فالأخبار الدالة على جواز النقل على الإطلاق كثيرة جدا، مثل صحيحة هشام [ بن ] الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يعطى الزكاة يقسمها، أله أن يخرج الشئ منها من البلد الذي هو به إلى غيره ؟ قال: " لا بأس " (2). وصحيحة بكير بن أعين، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يبعث زكاته فتسرق، أو تضيع، قال: " ليس عليه شئ " (3). وصحيحة أحمد بن حمزة - والظاهر أنه ابن اليسع القمي الثقة - قال: سألت أبا الحسن الثالث عليه السلام عن الرجل يخرج زكاته من بلد إلى بلد آخر ويصرفها في إخوانه، فهل يجوز ذلك ؟ فقال: " نعم " (4). وحسنة أبي بصير (5)، وقوية درست، عن رجل، عن الصادق عليه السلام، (6) وغير ذلك. احتج المانع: بأنه تعريض لإتلافها وتغرير بها، وأنه مناف للفور. واجيب عن الأول: بأنه يندفع بالضمان، وهو يصح على القول باشتراط الضمان كما بيناه لا مطلقا. وعن الثاني: بالمنع عن الفور، وقد مر الكلام فيه.


(1) وفي ذلك تعريض إلى ما ذكره المحقق الأردبيلي - رحمه الله - من أنه لا معنى لاشتراط الضمان، ولعله ناظر إلى أن الضمان ثابت، اشترط أو لم يشترط فتدبر (منه رحمه الله). (2) الكافي 3: 554 ح 7، الفقيه 2: 16 ح 50، الوسائل 6: 195 أبواب المستحقين للزكاة ب 37 ح 1. (3) الكافي 3: 554 ح 5، التهذيب 4: 47 ح 124، الوسائل 6: 209 أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 5. (4) التهذيب 4: 46 ح 122، الوسائل 6: 196 أبواب المستحقين للزكاة ب 37 ح 4. (5) الكافي 3: 553 ح 2، التهذيب 4: 47 ح 123، الوسائل 6: 198 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 3، وفيها: إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثم سماها لقوم فضاعت، أو أرسل بها إليهم فضاعت ; فلا شئ عليه. (6) الكافي 3: 554 ح 6، الفقيه 2: 16 ح 49، التهذيب 4: 46 ح 120، الوسائل 6: 196 أبواب المستحقين للزكاة ب 37 ح 2، في الزكاة يبعث بها الرجل إلى بلد غير بلده، قال: لا بأس أن يبعث الثلث أو الربع (شك أبو أحمد).

[ 191 ]

نعم يمكن أن يقال: إنه شروع في الإخراج، فلا يعد تأخيرا عرفا. ويمكن أن يستدل له بصحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا تحل صدقة المهاجرين للأعراب، ولا صدقة الأعراب في المهاجرين " (1) سيما مع ملاحظة ما في حسنة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي من أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي، وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر (2)، وفيه تأمل. وأما الضمان مع وجود المستحق ; فعلى القول بعدم الجواز، فلأنه تفريط موجب للضمان، وللإجماع، نقله في المنتهى (3). وأما على القول بالجواز، فيدل عليه - مضافا إلى ظاهر الإجماع المنقول في المنتهى (4) - حسنة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بعث رجل بزكاة ماله لتقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم ؟ فقال: " إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتى يدفعها، وإن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان ; لأنها قد خرجت من يده، وكذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربه الذي أمر بدفعه إليه، وإن لم يجد فليس عليه ضمان " (5). وحسنة زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بعث إليه أخ له بزكاته ليقسمها فضاعت، قال: " ليس على الرسول ولا على المؤدي ضمان "، قلت: فإنه لم يجد لها أهلا ففسدت وتغيرت، أيضمنها ؟ قال: " لا، ولكن إن عرف لها أهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يخرجها "، وفي التهذيب " ضامن من حين أخرها " (6).


(1) الكافي 3: 554 ح 10، التهذيب 4: 108 ح 309، الوسائل 6: 197 أبواب المستحقين للزكاة ب (2) الكافي 3: 554 ح 8، الفقيه 2: 16 ح 48 مرسلا، التهذيب 4: 103 ح 292، وفي الوسائل 6: 197 أبواب المستحقين للزكاة ب 38 ح 2. عبد الملك بن عتبة الهاشمي، فتنبه. (3 و 4) المنتهى 1: 529. (5) الكافي 3: 553 ح 1، الفقيه 2: 15 ح 46، التهذيب 4: 47 ح 125، الوسائل 6: 198 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 1. (6) الكافي 3: 553 ح 4، التهذيب 4: 48 ح 126 بتفاوت يسير، الوسائل 6: 198 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 2.

[ 192 ]

ووجه هذا القول حينئذ: أن الضمان لا يستلزم التحريم، فلا ينافي ثبوت الضمان جواز النقل مع وجود المستحق، فإن كثيرا من موارد الضمانات غير مجامع للإثم كما لا يخفى على المطلع. ولو لااشتهار الضمان ودعوى الإجماع في المنتهى لقلنا بعدم الضمان إن قلنا بجواز النقل، سيما مع طلب الأفضل ; لغلبة انتفاء الضمان مع الرخص الشرعية، والأخبار النافية للضمان في صورة النقل بإطلاقها، مثل صحيحة بكير بن أعين، وصحيحة أبي بصير (1) وغيرهما (2). نعم لاريب في رجحان الإعادة ; لما دلت عليه حسنة أبي بصير ; ففي آخر: فقلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك، الرجل يبعث بزكاته من أرض إلى أرض فيقطع عليه الطريق فقال: " قد أجزأته، ولو كنت أنا لأعدتها " (3). هذا الكلام مع وجود المستحق في البلد، وأما مع عدمه فيجوز النقل بالإجماع، بل قد يجب ; لأنه مقدمة للواجب، وحينئذ فلاضمان بلا إشكال، والأخبار ناطقة بها خصوصا وعموما كما مر. ففذلكة المختار في هذا المبحث وسابقه، على ما يظهر لي من مجموع الأدلة، حرمة التأخير بلا عذر، مثل طلب الأفضل، أو انتظار معتاد الطلب ولو بكونه معرضا للواردين، المستلزم تركه للعسر والحرج، أو للتقسيم والتعميم، والحاصل الحرمة تكاهلا وتكاسلا. والظاهر أن النقل من بلد المال إلى غيره لا يعد تأخيرا عرفا، فيجوز، سيما إذا طلب بها الأفضل، مع الكراهة في غير طلب الأفضل، وثبوت الضمان مع التلف في صورة التأخير تكاهلا إجماعا، وفي صورة التأخير للأعذار المذكورة، ومنها النقل مع وجود


(1) الكافي 3: 553 ح 2، التهذيب 4: 47 ح 123، الوسائل 6: 198 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 3. (2) الوسائل 6: 197 أبواب المستحقين للزكاة ب 39. (3) الكافي 3: 554 ح 9، الوسائل 6: 199 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 6.

[ 193 ]

المستحق على الأظهر المعروف المشهور بين الأصحاب، وادعى عليه الإجماع في المنتهى في صورة النقل (1)، وعدم الضمان بالتلف مع التأخير والنقل مع العذر وعدم المستحق بلا خلاف وإشكال. ثم إن ههنا فوائد: الأولى: لو أخر الزكاة عصيانا ثم أداها يجزيه، وإن أثم بالتأخير، بلا خلاف بين أصحابنا. وكذلك لو نقل الزكاة إلى غير بلد المال ووصلت إلى مصرفها، فيجزي وإن قلنا بتحريم النقل ; للإجماع المنقول في المنتهى وغيره، ولأن الأمر يقتضي الإجزاء. واحتمل في الروضة العدم على القول بالتحريم للنهي. وهو في غاية الضعف ; لأن النهي - على فرض تسليمه وتسليم دلالته على الفساد - إنما تعلق هنا بأمر خارج. وكون الحكمة في النهي انتفاع مستحقي البلد - لو سلم - لا يقتضي حرمتها على غيرهم، وحرمة إعطائها لهم بعد النقل. ويتفرع على ذلك: جواز بيعها في ذمته وإعطاء القيمة في بلد آخر، وأخذها في الذمة وإتلافها وإعطاء مثلها في بلد آخر. الثانية: قال في المنتهى: إذا نقلها اقتصر على أقرب الأماكن التي يوجد فيها المستحق استحبابا عندنا، ووجوبا عند القائل بتحريم النقل (2). الثالثة: يضمن بالنقل لو تلفت، وإن قلنا بجوازه إذا لم يكن الطريق آمنا ; لأنه تفريط. الرابعة: يستحب أن تصرف زكاة المال في بلد المال، وهو مذهب العلماء كافة،


(1 و 2) المنتهى 1: 529.

[ 194 ]

كما في المدارك (1)، وتدل عليه حسنة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي المتقدمة (2). ويجوز أن يدفع عوضها في بلد المالك وغيره بلا إشكال. فلو نقلها من بلدها إلى بلده وغيره مع وجود المستحق في بلدها ضمن. وقد يستشكل في صدق نقل الزكاة مع وجود المستحق ; بناءا على أن عزل المال بقصد الزكاة لا يصح مع وجود المستحق كما سيجئ. ويدفع: بأن المراد لو وجد المستحق بعد العزل حين عدم المستحق ثم نقل، أو المراد من الزكاة هو مماثلها في القدر والوصف، وبضمانها بقاؤها في ذمته. أقول: وقد يصدق نقل الزكاة بنقل عين المال الزكوي من دون معاملة في الذمة، وضمان أدائه من غيره ; بناءا على تعلق الزكاة بالعين كما هو الحق، سيما على القول بأن التعلق من باب الاشتراك كما هو الأظهر، فالمراد نقل مال الفقراء وإن كان بالإشاعة في عين المال، وكيف كان فالأمر في ذلك هين. وأما الفطرة ; فالأفضل أداؤها في بلده لابلد المال. ولو عينها في بلد المال فيضمن بالنقل مع وجود المستحق، وسيجئ الكلام فيه. الخامسة: إذا لم يجد المالك لها مصرفا يستحب عزلها، يعني تعيينها في مال خاص مع النية. أما جواز العزل مع عدم المستحق ; فالظاهر أنه لا خلاف فيه، ويدل عليه لزوم العسر والضرر العظيم بالمنع عن التصرف في المال. ويدل على الجواز والاستحباب أخبار كثيرة، منها صحيحة عبد الله بن سنان (3)، وموثقة يونس بن يعقوب (4) المتقدمتان.


(1) المدارك 5: 271. (2) الكافي 3: 554 ح 8، الفقيه 2: 16 ح 48، التهذيب 4: 103 ح 292، الوسائل 6: 197 أبواب المستحقين للزكاة ب 38 ح 2. (3) الكافي 3: 523 ح 7، التهذيب 4: 45 ح 118، الوسائل 6: 214 أبواب المستحقين للزكاة ب 53 ح 1. (4) الكافي 3: 522 ح 3، التهذيب 4: 45 ح 119، الوسائل 6: 213 أبواب المستحقين للزكاة ب 52 ح 2.

[ 195 ]

وحسنة عبيد بن زرارة، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا أخرجها من ماله فذهبت ولم يسمها لأحد فقد برئ منها " (1) ورواية أبي بصير (2) وغيرها (3). وأما جوازه مع وجوده بل استحبابه أيضا ; فتدل عليه الأدلة المتقدمة. لكن فيه خلاف، فذهب في المسالك إلى عدم تحققه معه (4). ووجهه في الروضة: بأن الدين لا يتعين بدون قبض مالكه أو ما في حكمه ; مع الإمكان (5). وتدفعه - بعد تسليم كونها كالدين - الأخبار المتقدمة. ثم بعد العزل فهي أمانة لا يجوز التصرف فيها بالإبدال، ولا يضمنها إلا بالتفريط أو تأخير الدفع مع التمكن. ويتبعها النماء متصلا ومنفصلا، خلافا للدروس في المنفصل (6). والأظهر التبعية مطلقا ; لأنه تابع للملك، ولخصوص رواية علي بن أبي حمزة عن أبيه المتقدمة في مسألة تعلق الزكاة بالعين (7). وإذا أدركه الموت ولم يجد المصرف، تجب الوصية بحيث يحصل بها الثبوت الشرعي ; لتوقف الواجب عليه، وعموم الأمر بالوصية. والظاهر أنه إجماعي كسائر حقوق الناس الواجبة. وأوجب في الدروس العزل مع ذلك أيضا (8). والأصل يدفعه، وفي صحيحة


(1) الكافي 3: 552 ح 3، الوسائل 6: 199 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 4. (2) الكافي 3: 553 ح 2، التهذيب 4: 47 ح 123، وفيه حماد بن عثمان بدل حماد بن عيسى، الوسائل 6: 198 أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 3. (3) الوسائل 6: 198 أبواب المستحقين للزكاة ب 39. (4) المسالك 1: 428. (5) الروضة البهية 2: 40. (6) الدروس 1: 245. (7) الكافي 4: 60 ح 3، الوسائل 6: 214 أبواب المستحقين للزكاة ب 52 ح 3. (8) الدروس 1: 245.

[ 196 ]

علي بن يقطين إيماء إلى عدم الوجوب (1). السادسة: إذا قبض الإمام أو العامل الزكاة برئت ذمة المالك، ولاضمان عليه لو تلفت بعده بلا خلاف، ولأنهما كالوكيل للفقراء، وتنبه عليه حسنة عبيد بن زرارة المتقدمة. وكذلك الفقيه الشرعي ; لعموم نيابته عن الإمام. وأما لو قبضها وكيل المالك فلا تبرأ ذمة المالك حتى يؤديها، فإن تلفت في يده ; فإن كان بدون تفريط من أحدهما فتبرأ ذمتهما، وإن كان ذلك بعد تأخير المالك بما لا يجوز فلا تبرأ ذمته. وإن لم يقصر المالك وحسبه أمينا وأداه إليه، وفرط الوكيل بالتأخير أو غيره، فالظاهر أنه لا ضمان عليه، والضمان على الوكيل، كما ذكرناه سابقا. الخامس: المشهور عدم جواز تقديم الزكاة قبل وقت الوجوب. وعن ابن أبي عقيل (2) وسور (3) جواز التقديم بقصد الزكاة، والأقرب الأول. لنا: أصالة عدم الصحة ووجوب الزكاة مشروط بحؤول الحول، وخصوص حسنة زرارة (4) وحسنة عمر بن يزيد (5) المعللتين بعدم جواز أداء الفرض قبل وقته كالصلاة والصوم وغيرهما. وحجة الجواز: صحيحة حماد بن عثمان، وصحيحة معاوية بن عمار المتقدمتان في


(1) الكافي 3: 547 ح 5، الفقيه 2: 20 ح 69، الوسائل 6: 168 أبواب المستحقين للزكاة ب 14 ح 5. (2) حكاه عنه في المختلف 3: 237. (3) المراسم: 128. (4) الكافي 3: 524 ح 9، التهذيب 4: 43 ح 111، الاستبصار 2: 32 ح 93، الوسائل 6: 212 أبواب المستحقين للزكاة ب 51 ح 3. (5) الكافي 3: 523 ح 8، التهذيب 4: 43 ح 110، الاستبصار 2: 31 ح 92، الوسائل 6: 212 أبواب المستحقين للزكاة ب 51 ح 2.

[ 197 ]

المبحث الثالث (1). وهما لا تقاومان ما ذكرناه من الأدلة، ويمكن حملهما على القرض، فيدفع إلى الفقير مثل الزكاة قرضا ويحتسبها من الزكاة إذا جاء وقت الوجوب إن بقت شرائطها، من بقاء المستحق على وصف الاستحقاق، وعدم انثلام النصاب قبل حؤول الحول. ويدل على رجحان ذلك أخبار كثيرة، منها رواية عقبة بن خالد: أن عثمان بن عمران دخل على أبي عبد الله عليه السلام، إلى أن قال، قال: ويجئ الرجل فيسألني الشئ وليس هو إبان زكاتي، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: " القرض عندنا بثمانية عشر والصدقة بعشر، وماذا عليك إذا كنت موسرا كما تقول أعطيته، فإذا كان إبان زكاتك احتسبت بها من الزكاة " (2). وتجوز الاستعادة منه مع بقائه على صفة الاستحقاق أيضا. والحاصل: أن ذلك قرض تجوز استعادته، والزكاة واجبة عليه ; له الخيرة في إعطائها من يريد. وليس للمالك إلزامه بإعادة العين لو كانت باقية ; لأن القرض يصير بالقبض ملكا للمقترض على الأصح، فيجوز للمقترض رد المثل أو القيمة. ولو تعذرت استعادتها غرم المالك الزكاة، ولو تم النصاب بالعين المقروضة وكانت باقية عند المقترض حتى حال الحول، ولا تجب الزكاة لما ذكرنا. ولافرق في عدم جواز الاحتساب من الزكاة مع الغنى بين ما حصل الغنى من الخارج أو من منافع القرض. وأما الغنى الحاصل بنفس القرض، بحيث لو اخذ منه صار فقيرا ; فلا يمنع عن الاحتساب من الزكاة على الأصح ; لصدق الفقير عليه عرفا، وعدم الفائدة في الأخذ


(1) التهذيب 4: 44 ح 114 و 112، الاستبصار 2: 32 ح 94 و 96، الوسائل 6: 210 أبواب ح 11 و 9. (2) الكافي 4: 34 ح 4، الوسائل 6: 208 أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 2.

[ 198 ]

ثم الرد. وأما الاحتساب من سهم الغارمين مع العجز عنه فلا إشكال. وعلى القول بجواز التعجيل أيضا يراعى بقاء الفقير على صفة الاستحقاق، وبقاء الوجوب في المال. السادس: أداء الزكاة مشروط بالنية ; للإجماع، نقله غير واحد (1). بل نقله في المعتبر عن العلماء كافة، إلا الأوزاعي ; متمسكا بأنها دين، فلا تجب فيه النية كسائر الديون، ولهذا يخرجها ولي اليتيم ويأخذها السلطان من الممتنع (2). وفيه: أنه قياس ; لانحصار المستحق في الدين، ولهذا يسقط بإسقاطه، بخلافه هنا، ونيابة الولي والسلطان إنما ثبتت من باب الاضطرار. والحاصل: أنها من العبادات التوقيفية ; لكونها محدودة بالقدر والوقت والنصاب وسائر الشرائط والكيفيات التي لاتعلم مصلحتها، كالواجبات التوصلية، فلا يحصل الا متثال عرفا إلا بقصد الامتثال. ويدل عليه أيضا: عموم ما دل على اشتراط النية، مثل قوله عليه السلام: " لاعمل إلا بالنية " (3). و " إنما الأعمال بالنيات " (4). وخصوص ما رواه في قه قيه في وصيته صلى الله عليه وآله: " يا علي لاخير في القول إلا مع الفعل، ولافي الصدقة إلا مع النية " (5). واعلم: أن العمل الذي تجب فيه النية هنا هو إيصال المال المعهود إلى من يجب الإيصال إليه، فالإفراز والإخراج من المال من مقدماته.


(1) كالعلامة في المنتهى 1: 529. (2) المعتبر 2: 559. (3) أمالي الطوسي 2: 202، الوسائل 1: 34 أبواب مقدمة العبادات ب 5 ح 9. (4) التهذيب 1: 83 ح 218، وج 4: 186 ح 519، الوسائل 1: 34 أبواب مقدمة العبادات ب 5 ح 7. (5) الفقيه 4: 267 ح 824، الوسائل 6: 217 أبواب المستحقين للزكاة ب 56 ح 1.

[ 199 ]

فلو فرض أن يكون الإخراج من دون النية - كما لو قصد به الرياء - ولكن أخلص النية عند الدفع فيصح. وكون المال مال المخرج من مقوماته، فإخراج الإمام والساعي والوكيل والوصي والولي كلها إما من باب النيابة، أو من باب الاضطرار، أو حكم على حدة. ثم إن الإيصال هو تحصيل الوصول إلى من يجب الإيصال إليه، ولا توظيف في كيفيته، فيمكن حصوله، ولو بأن يأخذ طفل أو مجنون من ماله بمقدار الزكاة ويعطي المستحق لاعن قصد، ونوى المالك الزكاة حين الوصول إلى يده قربة إلى الله، فالأصل اعتبار قصد المالك ونيته حين الوصول كيف ما كان. وقد عرفت مرارا أن حقيقة النية هي الداعي إلى الفعل، ولا يجب الإخطار، فالمقارنة اللازمة في النية - هنا وفي جميع العبادات - عبارة عن استمرار الداعي وعدم نية الخلاف مع بقاء الداعي في مخزن الخيال. فعلى هذا فلو قال المالك لعبده أو غيره: أخرج هذا القدر من البيدر وأعط فلانا، وأراد بذلك في قصده الزكاة التي أوجبها الله عليه، فهذه هي النية، فما لم تحصل له ندامة حتى وصلت إلى يد المستحق، فيصدق حصول النية ومقارنتها مع الوصول إلى المستحق، وبعد الوصول إليه يصدق أن المالك أوصل القدر المعهود من المال إلى المستحق امتثالا لأمر الله تعالى. نعم، تظهر الثمرة لو ارتد المالك قبل الوصول إلى المستحق، أو غفل ونسي ما فعله بحيث لو سئل عن ذك أنكره وقال: لا يجب علي شئ، وقال: لا تعطوه وردوا المال إلي فحينئذ لو أعطاه الواسطة المستحق فلا يجزي. هذا حال المباشرة. وأما لو وكل أحدا في الإخراج فكلام الأصحاب في تحقيق النية هنا غير محرر. وقد عرفت أن هذا الفعل مما يقبل النيابة عندهم، ولكن في معنى النيابة في الزكاة إشكالا ; لأن الزكاة هي إخراج المقدار المعين من المال إلى مصرفه تقربا إلى الله، وامتثالا لأمره. والقصد إلى ذلك من النائب - مع أنه ليس من ماله، وليس ذلك امتثالا للأمر

[ 200 ]

بالنسبة إليه ; إذ الأمر إنما يتعلق بالمالك - مشكل. وتصوير النيابة مع النية في الصلاة وغيرها من العبادات: أنه يقصد بفعله والصلاة التي يصليها مثلا أني أفعل فعلي هذا تقربا إلى الله وامتثالا لطلبه الندبي في المتبرع، وامتثالا لطلبه الإيجابي في المستأجر ; نيابة عن فلان. فالتقرب والامتثال إنما يحصلان للفاعل، لكن ينفع ذلك للمنوب عنه، ويحصل له الثواب، إلا أن ذلك تقرب وامتثال من المنوب عنه. ولما كان المال الذي كونه من مال المزكي من مقومات الزكاة ليس للوكيل، فيشكل تصوير النيابة فيها، فإنه كان يفعل في الصلاة صلاة نفسه نيابة عن الغير، ولا يعطي هنا مقدارا معينا من ماله نيابة عن الغير، بل يعطي مال الغير نيابة عنه، فهو نيابة عن إتيان بعض أجزاء ماهية الزكاة. إلا أن يقال: إن الإجماع والأخبار لما دلت على صحة النيابة هي التوكيل في إخراج زكاة الغير إلى مصرفها، فالمراد من النيابة هي النيابة في نفس الإيصال وإن كان مال الغير، فهو يعطي زكاة غيره نيابة عنه في الإعطاء، لاأنه يزكي نيابة عن الغير، وذلك كالوكالة في البيع والتزويج وغيرهما. ولما كان إعطاء المالك ماله في وجه الزكاة لم يكن يصح إلا مع قصد التقرب والامتثال، فلابد للوكيل أيضا أن يقصد إلى الفعل المذكور ويصله بقصد التقرب والامتثال، يعني (1) التقرب والامتثال لنفسه. أما التقرب بمعنى حصول القرب المعنوي فواضح. وأما الامتثال فالمراد به الامتثال للأمر الندبي الوارد في التوسط للخير. وأما الاستئجار في ذلك حتى يمكن الامتثال الوجوبي ففيه إشكال ; لعدم وضوح الدليل عليه، فإن الدليل على جواز الاستئجار في الصوم والصلاة إنما هو الإجماع


(1) في " م ": بمعنى.

[ 201 ]

وعمل السلف، وهو هنا غير معلوم. وما استدلوا به في جوازه من جهة عمومات الإجارة مستلزم للدور كما أشرنا سابقا، فإن صحة الإجارة موقوفة على إباحة المنفعة، والمفروض أن العبادات لا تصير مباحة إلا بالرجحان، وإثبات إباحتها ورجحانها من عمومات الإجارة دور. فالحاصل أنا نقول: إذا ثبت من الأدلة وجوب النية في الزكاة، فإذا كان المؤدي هو المالك، فإما أن يباشرها بنفسه في الإخراج والإيصال كليهما فالأمر واضح، وتجب عليه النية مقارنة للدفع. وإذا لم يباشرها بنفسه، ولكن يحضر الإخراج والدفع ويخرجها غيره ويدفعها، وإن لم يعلم ذلك الغير أن هذا المال أي شئ هو، سواء كان عاقلا بالغا، أو صبيا أو مجنونا، فيكفي أيضا قصده مقارنا للدفع، والمجنون والصبي حينئذ في حكم الآلة للإخراج والدفع، ويد العاقل البالغ أيضا كعدمها. ولو فرض عدم الاطلاع حينئذ حتى حصل الدفع فلا يكفي، إلا أن تلحقه النية بعده على تفصيل يأتي. وإذا كان المؤدي هو الوكيل ; فهو إما بأن يخرجها بنفسه من ماله مباشرة، أوبوساطة غيره، ثم يدفعها إلى من وكله في الإيصال إلى المصرف على وجه الزكاة، أو لا يخرجها بنفسه، بل يوكل غيره في الإخراج والإيصال معا. وحينئذ ; فإما أن يستحضر المالك حال الدفع إلى المصرف ويطلع عليه ويقصد وينوي هو، فيكفي أيضا، ولا حاجة إلى نية الوكيل. وإن لم يحضره ولم يستحضره، فحينئذ تجب النية على الوكيل، ولا تصح الزكاة إلا مع النية، بأن يقصد إخراج زكاة الموكل نيابة عنه تقربا إلى الله، فإن الفعل الذي هو مشروط بالنية إنما صدر منه، فلا تكفي نية الموكل حين الإخراج في ذلك ; لوجوب المقارنة. ولا تقاس عليه الكفاية حين العزل مع النية، بتقريب أنه لا ضمان عليه مع التلف إذا لم يفرط بعد العزل، فلو لم يكن ذلك زكاة ولم تكف نية المالك حينئذ لما برئت ذمته. لأنا نقول: إن العزل ليس معناه التزكية وأداء الزكاة، بل هو أمر آخر أوجب سقوط

[ 202 ]

الزكاة عن المكلف، لاأنه تزكية، والنية المعتبرة فيه هي القصد إلى كونه مال الزكاة الذي يجب أن يخرجه ويضعه إلى أن يتمكن من الأداء ويؤديه، ثم يقال: إنه زكى ماله، وقبل حصول التمكن لم يزك، ولكن تسقط عنه الزكاة لو تلفت من دون تفريط. نعم، تكفي نية الموكل حينئذ، بمعنى أنه لو لم يقصر بالتأخير وتلفت في يد الوكيل من دون تقصير تسقط عنه. وهذا أيضا ليس معناه أنه زكى ماله، بل إنه شئ آخر مسقط للزكاة. وأما لو لم ينو الموكل ونوى الوكيل - ولا يمكن فرض ذلك إلا مع قصد الموكل الرياء أو غيره، وإلا فلا ينفك التوكيل عن القصد، والظاهر أن التوكيل في إعطاء ماله في الزكاة هو معنى النية كما صرح به بعض الأصحاب أيضا كما نقله الشيخ ابن مفلح - رحمه الله -، فحينئذ يقع الإشكال في الكفاية، وظاهر كثير من المتأخرين الإجزاء (1)، خلافا للشيخ (2) والمحقق (3) والعلامة في التذكرة (4). ووجه الإشكال: من أن المكلف مأمور بالزكاة محضا لله تعالى، فالزكاة هي إيصال المال المعهود من ماله إلى المصرف، وهو قد يكون بالمباشرة، وقد يكون بالتسبيب والتوكيل، فيصدق على من وكل غيره في أداء زكاته بعد أداء الوكيل أنه زكى ماله وامتثل، فإذا كان ذلك امتثالا للأمر فيلزمه لزوم النية للموكل، ولا تكفي نية الوكيل، بل المعتبرة إنما هي نيته، والوكيل كالآلة. ومن أن المكلف مكلف بالمباشرة. ونعني بالمباشرة: ما يعم أمر عبده أو صبي أو مجنون أو غيرهم، بإعطائه في حضوره، ولو من غير علم منهم بأنه أي شئ، وهو غير التوكيل، إذ هو ظاهر الأوامر


(1) كالعلامة في المختلف 3: 255، والشهيد في الدروس 1: 247. (2) المبسوط 1: 233. (3) المعتبر 2: 559. (4) التذكرة 5: 329 مسألة 240.

[ 203 ]

كما لا يخفى. ولذلك يحتاج في إثبات صحة التوكيل في المقامات إلى الدليل، فالموكل حينئذ ليس بمزك حقيقة، بل المزكي في صورة التوكيل إنما هو الوكيل. ولعله لأجل ذلك الإشكال ذهب المحقق والعومة في المعتبر والتذكرة كالشيخ قبلهما إلى اعتبار نيتهما معا. ولا يبعد ترجيح مختار الشيخ ; لأن الخطاب بالزكاة متعلق بالمالك، ولم يظهر من الأمر إلا لزوم إخراج القدر المعين من المال، وأما خصوص المباشرة فلا. فإذا لم ينو الموكل الزكاة، ولم يقصد التقرب في التوكيل أيضا، أو قصد خلافه ; لم يأت بالمأمور به، بخلاف ما لو نوى الامتثال ووكل، فإن مآل التوكيل حينئذ يرجع إلى التوكيل في الإخراج والإيصال وغيره، وهذه أفعال إذا اجتمعت مع قصد المالك ونيته تصير تزكية، فما فعله الوكيل لا يسمى تزكية، فلا يصدق على المالك إذا لم يقصد التوكيل في إخراج الزكاة لله تعالى أنه زكى. فمعنى قولهم: يخرج الزكاة بنفسه أو بوكيله، هو تلك الأفعال، لانفس التزكية، فكيف يصح أن يطلق على المالك أنه امتثل إذا لم يباشر بنفسه ولم ينو الزكاة لله في توكيله، بل مقتضى ذلك كفاية نية المالك عند الدفع إلى الوكيل وبقاء حكمها إلى حين الوصول إلى الفقير ولو بعدم حصول البداء والمبطل كالارتداد وغيره أيضا، وإن لم ينو الوكيل التقرب والامتثال، ولو لم تكن شبهة الإجماع في كلام العومة في التذكرة لاكتفينا بذلك. ولعل كلام العومة وغيره مبتن على جعل النية هي المخطر بالبال، وإن كان خطر ببالهم اعتبار الداعي واستمرار حكمه فلعلهم لم يحكموا أيضا بالبطلان مع عدم نية الوكيل أيضا. وإن اعتمدنا على ظاهر الإجماع المستفاد من كلام التذكرة (1) فلابد أن نقف مع


(1) التذكرة 5: 329 مسألة 240.

[ 204 ]

المحقق والتذكرة من اعتبار نيتهما معا، ويكفي في النية الداعي على دفع المال المعهود عن الزكاة التي أوجبها الله تعالى. وكيف كان ; فالقصد إلى كونه ذلك المال لازم من الوكيل وإن لم ينو التقرب، بل ذلك واجب في الواجبات التوصلية كأداء الدين أيضا، فإنه لا يتشخص إلا بالقصد وتعيين المال. إذا تحقق هذا فلنذكر بعض عبارات الأصحاب: فقال المحقق في المعتبر: لو دفع الموكل إلى الوكيل لم يجز عن نية الوكيل حالة الدفع، ولو نوى الوكيل عند الدفع لم تجز عن نية الموكل حال التسليم إلى الوكيل، ولو دفع المالك إلى الساعي لم يحتج الساعي إلى نية عند الدفع ; لأن الساعي كالوكيل لأهل السهمان (1). وقال العلامة في التذكرة: الزكاة إن فرقها المالك تولى النية حالة الدفع، وإن دفعها إلى وكيله ليفرقها، فإن نوى الموكل حالة الدفع إلى الوكيل ونوى الوكيل حالة دفعه إلى الفقراء، أجزأ إجماعا، وإن لم ينويا معا، بأن ينويا الصدقة دون الزكاة لم يجزئ، وإن نوى المزكي حالة دفعه إلى الوكيل ولم ينو الوكيل حالة الدفع إلى الفقراء لم يجزئ عندنا. ثم قال: ولو نوى الوكيل حالة الدفع إلى الفقراء، ولم ينو الموكل حال الدفع إلى الوكيل لم يجزئه (2). وقال في الدروس: ويجب على الوكيل النية عند الدفع إلى المستحق، والأقرب وجوبها على الموكل عند الدفع إلى الوكيل، فإن فقدت إحداهما فالأقرب إجزاء نية الوكيل. وقال الشيخ: لاتجزئ إلا نيتهما (3).


(1) المعتبر 2: 559. (2) التذكرة 5: 329 مسألة 240. (3) الدروس 1: 247.

[ 205 ]

وقال في المدارك: واجتزأ العومة ومن تأخر عنه بنية الوكيل حال التسليم إلى الفقير، وهو غير بعيد (1). أقول: قد عرفت كلامه في التذكرة. نعم ذهب في المختلف إلى كفاية نية الوكيل عند الدفع وإن لم ينو المالك ; استنادا إلى أنها عبادة تقبل النيابة (2). أقول: قد ظهر لك مما حققناه وجه هذه الأقوال، وأن الأظهر عدم كفاية نية الوكيل، إذا لم ينو المالك أصلا، وكفاية نية المالك إذا استمر حكمها إلى حين الدفع إلى المصرف ولم يطرأ شئ ينافيها، ولا ينفعها لحوق نية الوكيل حين الدفع إذا لم يستمر حكمها، ولابد أن لا تعرضها مبطلات الوكالة، كموت الموكل أو جنونه أيضا ; هذا كله فيما لو عين المال وأفرزه ووكله في الدفع ظاهر. وأما لو وكله في الإفراز والدفع، بل في الحساب والإفراز والدفع كلها أيضا، فالظاهر أن ذلك أيضا يكفي في نية المالك، فكأن المالك يقصد بينه وبين الله إعطاء ما يجب عليه في هذا البيدر أو في هذه الصرة من باب الزكاة، ويوكل الوكيل في إخراجه وإيصاله إلى المستحق. ومما ذكرنا اتضح لك: أن النيابة هنا إنما هي في الإخراج والإيصال، ونية الوكيل هي القصد إلى ما أراده الموكل، وهو دفع المال المعهود لأجل الامتثال، فلا دليل على وجوب قصد الامتثال والتقرب للوكيل. نعم، يستحب له ذلك، لأجل أن ذلك وساطة في الخير، وحصول الثواب فيه موقوف على قصد التقرب بتلك الوساطة، فالاعتماد في قصد التقرب في الزكاة على فعل الموكل لاغير. ويؤيده عدم وجوب قصد التقرب على الإمام والساعي أيضا. نعم، يجب على الوكيل التعيين حال الدفع، كما كان يجب على المالك، وأن يقصد


(1) المدارك 5: 300. (2) المختلف 3: 255.

[ 206 ]

بأنه هو المال والذي وكمه الموكل في إخراجه، وأنه يعطيه على هذا الوجه، فلو ظهر أن الوكيل لم يقصد ذلك الزكاة لم يجز، كأن يوكله الموكل في إيصال الزكاة بعد إخراجها وإفرازها إلى المستحق، فذهب بها وأعطاها إياه عوضا عن دين نفسه إليه، وكذا لو وكله في مجموع الإفراز والإخراج والإيصال، فذهب وأخرج ذلك المقدار بنية الغصب والتملك، وذهب بها وأعطاها الفقير لأداء دينه، أو ليأخذ منه في عوضه شيئا آخر، فلو لحقته نية المالك عند الوصول أو بعده مع بقائها أو تلفها على وجه يصح قصد الزكاة به كما سيجئ فهو، وإلا فلا يجزي. فالواجب على الوكيل إنما هو قصد إخراج ما وكله فيه موكله وتعيين كون ذلك هو الزكاة الواجبة، وهذا القصد مما يجب اعتباره في غير الزكاة أيضا من الحقوق المالية المحضة، فإن أداء الدين أيضا يحتاج إلى النية بهذا المعنى. وظني أن مراد الأوزاعي من عدم اشتراط النية أيضا هو قصد التقرب، وإلا فلاريب في لزوم قصد التعيين في أداء الدين أيضا، فإذا أعطى أحد ما يساوي دينه إلى الدائن بقصد الصدقة أو غيره فلا يحسب عن دينه ويبقى في ذمته حتى يعطي مساويه بقصد أداء الدين. اللهم إلا أن يكون الوكيل ثقة عادلا عنده، وقلنا بعدم وجوب تحصيل العلم بإيصال الوكيل إلى المستحق، وكفاية الوصول إلى يد الوكيل العدل كما هو ظاهر الأخبار المتقدمة، وما سيجئ من الأخبار الواردة فيمن يبعث زكاته إلى ثقة ليصرفها في المصارف، فحينئذ تبرأ ذمته وإن ظهر بعد ذلك فسقه، وأنه أعطاها إياه على غير وجه الزكاة ; لأن الأمر يقتضي الإجزاء، كما لو بان الفقير غنيا. وأما لو ظهر أنه لم يخرجها من ماله ولم يعطها الفقير، فالظاهر أنه لا يجزي ويجب أن يخرجها. وأما ولي الطفل، سيما غير المميز - على القول باستحباب الزكاة في غوته ومواشيه - فهو حكم عليحدة، لولا النصوص واشتهار العمل عليها، لقلنا ببطلانه، فبهذه الأخبار ثبتت عبادة مستقلة للولي، فليس هذه زكاة الطفل، بل هي زكاة الولي

[ 207 ]

من مال الطفل، وتصح نية التقرب معه، ولامانع من القول باشتراطها أيضا. وأما الوصي فيمكن جعله من باب الولي، ويمكن الاكتفاء بنية الموصي حيث أمره بإخراج الزكاة من ماله. وينبغي التنبيه على امور: الأول: إنك قد عرفت أن معنى المقارنة هو كون الدفع إلى المستحق ناشئا عن نية المالك أو الوكيل ولو ببقاء الداعي في مخزن الخيال، فلا يكفي تقديم النية مع زوال حكمها عند الدفع. وأما لو أعطاها بدون النية، مثل: إن كان غرضه حين الدفع الرياء، ثم أراد الإخراج في وجه الزكاة ; فالظاهر إجزاء النية بعد الدفع مع بقاء العين ; لبقائها على ملكه، لعدم تحقق الناقل الشرعي. وكذا مع التلف إن كان القابض عالما بالحال ; لاشتغال ذمته بها حينئذ، فتحسب من الزكاة كسائر الديون. وأما مع جهله فلا دليل على الضمان، فلا وجه لنيته الزكاة حينئذ. الثاني: إنك قد عرفت سابقا جواز التوكيل في إخراج الزكاة، وأن الظاهر أنه إجماعي، ولا إشكال فيه. فاعلم أن ظاهر أكثر كلماتهم أنه يجوز للمستحق أيضا التوكيل في الأخذ، وأن ذلك يقبل التوكيل، ولكن ابن إدريس منعها (1) تبعا لابن البراج (2)، واختاره في المدارك تمسكا بأن إقامة الوكيل مقام الموكل يحتاج إلى دليل (3).


(1) السرائر 2: 82. (2) المهذب 1: 171. (3) المدارك 5: 301.

[ 208 ]

وتمسك ابن إدريس بمثل ذلك، وبأن التوكيل إنما ثبت فيما يستحق الموكل المطالبة به، والزكاة لا يستحقها واحد بعينه ولا يملكها إلا بعد القبض. أقول: عمومات الوكالة تشمله. نعم، لما ذكروا أن شرط صحة التوكيل تملك الموكل لذلك الفعل وتسلطه عليه من حين عقد الوكالة إلى حين الفعل، وادعى عليه بعضهم الاتفاق، فيمكن الخدش فيما لو وكله لأن يأخذ الزكاة بمعنى أن يطلب الزكاة وكالة عنه من شخص خاص أو حيث ما وجد يأخذ ; فإن ذلك لايتم له إلا مع إعطاء المالك ; لعدم استحقاق شخص خاص لزكاة شخص خاص. والقول " بأنه يوكله في أنه لو أعطاه أحد زكاته فيأخذ نيابة عنه، وهذا مما يملكه ويتسلط عليه " يمكن دفعه بأنه يستلزم تعليق الوكالة، وقد ذكروا اشتراط التنجيز فيها، وادعى بعضهم الإجماع عليه أيضا. إلا أن يقال: التعليق هنا في الموكل فيه لا الوكالة، وذلك من باب أنت وكيل في بيع عبدي إذا قدم الحاج، بأن يكون الشرط قيدا للبيع لا الوكالة، وادعى العومة على صحته الإجماع، وليس من باب قول الموكل: إن لم أجئ من سفري هذا بعد سنة فأنت وكيل في تطليق زوجتي، أو إن كانت زوجتي فعلت كذا فأنت وكيلي في تطليقها. وكيف كان، فالظاهر أنه لاإشكال في التوكيل فيما لو وعد أحد الفقير أن يعطيه الزكاة فيوكل غيره في أخذها. ولابد من ثبوت الوكالة بالإقرار أو البينة أو غيرهما، والظاهر عدم الاحتياج إلى الحاكم في البينة. والظاهر جواز الإعطاء بدون الثبوت أيضا، لكن براءة الذمة حينئذ مراعاة بحصول العلم بالوصول إلى الفقير ظاهرا، وفي نفس الأمر. وأما وكيل المالك فلا يحتاج جواز الأخذ من يده إلى الإثبات للفقير، بل يكفي كونه في يده وتصرفه فيه كسائر المعاملات مثل البيع والطلاق وغيره، غاية الأمر بقاء

[ 209 ]

صاحب المال على حقه لو ثبت خلافه بعد انكاره. الثالث: قد عرفت مرارا أن ا لنية في العبادات هي القصد إلى الفعل المعهود تقربا إلى الله تعالى، ولا يجب قصد شئ من الوجوب والندب وغيرهما إلا إذا توقف تميز المكلف به عليه، فلا يجب في الزكاة قصد الوجوب والندب، ولاالجنس الذي تخرج منه. بل الظاهر عدم وجوب قصد الفطرة والزكاة فيما لا يتوقف التميز عليه، كما لو كان في ذمته صاعان من الزكاة وصاعان من الفطرة فيعطي أربع أصوع عما في الذمة، أو يعطي صاعين إلى فقير بقصد ما في الذمة، ثم صاعين إلى آخر كذلك. ويظهر من ذلك بطريق الأولى أن الأمر كذلك في بيدرين (1) من الحنطة في مزرعتين أو قطيعين من الغنم. بل والنصاب الأول من الغنم والأول من الإبل أيضا كذلك. بل وكذلك المتخالفان في جنس الواجب، كالغلة والنقدين، أو النقد والأنعام إذا أخرج القيمة، والظاهر أن المسألة إجماعية كما نقل عن المنتهى (2). ولو أخرج بعض ما في الذمة تبرأ ذمته عنه ويبقى الباقي. وحينئذ فهل يتخير المالك في صرفه إلى أيهما شاء أو يوزع ؟ وتظهر الثمرة فيما لو لم يتمكن من إخراج الباقي لعدم المستحق حتى تلف أحد النصابين، فعلى الأول - كما اختاره في التذكرة (3) - إن صرفه إلى الباقي برئت ذمته عن زكاة التالف، وإن صرفه إلى التالف أخرج للباقي. وعلى الثاني كما اختاره في البيان (4) يسقط عنه مما أداه بالنسبة إلى الباقي بمقدار


(1) البيدر: الموضع الذي يداس فيه الطعام. الصحاح 2: 587 " بدر ". (2) المنتهى 1: 516. (3) التذكرة 5: 332 مسألة 242. (4) البيان: 201.

[ 210 ]

ما يصير سهما له، ويجب عليه الباقي، والقول الثاني أظهر. الرابع: لا يضر الترديد في النية مع الجزم في القصد، والمضر إنما هو التردد في القصد، فلو كان شاكا في وجوب الزكاة على السلت والعلس مثلا أو ندبها، فأعطى الزكاة وقال: إن كان واجبا فهو واجب وإلا فندب، فلا يضر. وكذا لو كان الأمر مرددا بين ثبوت الزكاة وعدمه، كما لو شك في بقاء ماله الغائب فنوى الزكاة إن كان سالما، والصدقة إن كان تالفا. ونظير ذلك كثير، كصوم يوم الشك، وصلاة الصبح للشاك في طلوع الشمس إذا ضاق الوقت عن الفحص. وأما على القول بعدم وجوب اعتبار الوجه في النية - كما هو الأظهر - فالأمر أظهر. ولو أخرج ونوى عن ماله الغائب إن كان سالما، فإن ظهرت السلامة فيصح وتقع زكاة. وإن ظهر تلفه، ففي جواز نقلها إلى غيره خلاف، منعه الشيخ ; لفوات محل النية (1)، واختاره الفاضلان (2)، ولعلهما نظرا إلى بقاء الملك للمالك ; لظهور انتفاء الزكاة، ولاناقل آخر يوجب خروجها عن ملكه. ويظهر مما قدمنا من جواز لحوق النية للدفع ضعف الأول. وأما القول الآخر، فالأمر فيما لو كانت العين باقية واضح، فيجوز نقلها إلى غيره، وأما في صورة التلف ففصل في المسالك وقال: إن القابض إن علم بذلك حين القبض جاز النقل لتبين عدم الانتقال، بخلاف ما لو لم يعلم ; لأنه سلطه على ماله وأتلفه فلاضمان (3).


(1) المبسوط 1: 232. (2) المحقق في الشرائع 1: 157، والعلامة في التذكرة 5: 334 مسألة 245. (3) المسالك 1: 442.

[ 211 ]

وقال في المدارك: بل لا يبعد الجواز مطلقا ; لفساد الدفع في نفس الأمر وإن لم يعلم به المستحق (1). وفيه تأمل ; لعدم دليل على الضمان، فكما لا يجوز استرداده لا يجوز نقله إلى غيره من الحقوق اللازمة أيضا ; لأنها لا تصح إلا في ماله، وإذا لم يثبت الضمان فليس ما أتلفه الفقير مالا للمالك. نعم لايمنع احتسابه عند الله، وحصول الثواب له موافقا لثواب الصدقة، بل الزكاة أيضا لتنبيه قوله عليه السلام: " لكل امرئ ما نوى " (2) و " نية المؤمن خير من عمله " (3) هذا مع الذهول عن التعليق حين الإعطاء. وأما مع التذكر وعدم التعليق في نفسه وعدم الإعلام للفقير وقصد الزكاة معا فالظاهر عدم الاحتساب عن شئ، ولاحصول الثواب لو لم نقل بلزوم العقاب. الخامس: إذا دفعها المالك إلى الإمام أو الساعي ولم ينو المالك، فإن دفعها كرها أجزأه ذلك ; لأنه كالولي للممتنع ; كالطفل، فتكفي نيته عن نيته كولي الطفل، ولأنها تصير مباحة لمستحقها، والمفروض أنه ليس حقا له من غير وجه الزكاة، ولكن لاثواب له فيه. والظاهر أنه يكفي أن يوصل الإمام أو نائبه إلى المستحق بقصد أنه هو مقدار المال الذي تعلق بالمالك بعنوان الزكاة وإن غفل عن قصد التقرب. ويمكن أن يقال: قصد الزكاة في النية مع عدم قصد ما ينافي التقرب كالرياء متضمن لذلك القصد وكاف في النية، فيكون إعطاء الإمام ومن في حكمه معناه بقصد أنه هو المال المخصوص إلى المستحق نيته.


(1) المدارك 5: 304. (2) عوالي اللآلي 1: 11، وص 191. (3) عوالي اللآلي 1: 37.

[ 212 ]

وإن دفعها إليهم طوعا - ويمكن (1) فرض عدم النية حينئذ مع ما أشرنا إليه من سهولة تحققها بأن ينوي الرياء حين الدفع أو شيئا آخر. وعلى القول بوجوب الإخطار مقارنا له ففرضه واضح - ففيه قولان، فعن الشيخ أنه لا يجزئ فيما بينه وبين الله، غير أنه ليس للإمام مطالبته بها دفعة ثانية (2)، ووجهه: أنها عبادة تفتقر إلى النية، والإمام ونائبه وكيل عن الفقراء، فتلزم النية حين الدفع إليهم. وذهب الفاضلان إلى الإجزاء (3)، ووجهه أن الإمام ونائبه نواب عن المالك أيضا، ويجوز في هذا الفعل النيابة، فتكفي نيتهم عنه، وهذا النزاع في الإمام قليل الجدوى. وأما لو أخذها الفقيه أو ساعيه أو آحاد من العدول من المؤمنين، فالظاهر أنهم إذا علموا بعدم نية المالك فيجب عليهم إعلام المالك وأمره بالنية ونهيه عما يخالفها، حتى تصدر الزكاة عنه مع النية. ويقع الإشكال فيما لو كلف الفقيه المالك بالزكاة وأعطاها طوعا باسم الزكاة لكن علم الفقيه من حاله أنه يقصد به الرياء أو شيئا آخر، ولا ينفعه الإعلام والنصح والوعظ، ولا يبعد القول بالإجزاء بمعنى أنه لا يكلف بإعطائها ثانيا وإن لم يحصل للمالك ثواب فيه، بل يعاقب على نيته، فيكون في حكم المأخوذ كرها، بخلاف مالو أعطاها بنفسه المستحق رياءا، فإنه لا يجزيه وتجب عليه إعادتها. تنبيه: يجب على الإمام والفقيه إجبار الممتنع على الزكاة والأخذ منه كرها، إقامة للمعروف، وإزاحة للمنكر. وهل يجوز ذلك لآحاد المؤمنين ؟ الظاهر ذلك ; لعين ما ذكر.


(1) في " م " زيادة: عدم. (2) المبسوط 1: 233. (3) المحقق في الشرائع 1: 157، والعلامة في التذكرة 5: 332، والمنتهى 1: 516.

[ 213 ]

وكذلك غير الزكاة من الخمس وسائر الوجوه الواجبة لعين ما ذكر. وصرح به الشهيد - رحمه الله - في القواعد (1).


(1) القواعد 1: 356.

[ 214 ]

المقصد السادس في اللواحق وفيه مباحث: الأول: إذا اجتمع للمستحق سببان أو أكثر - كالغرم والعمالة والغزو - جاز أن يعطى بكل سبب نصيبا بحسب كل من الوجوه المذكورة. ولو كان أحد الوجوه هو الفقر فلا يتقدر الإعطاء بقدر كما مر. الثاني: ذهب الأكثر إلى أن أقل ما يعطى الفقير ما يجب في النصاب الأول، نصف دينار أو خمسة دراهم، ومنهم السيد في الانتصار مدعيا عليه الإجماع (1). وقيل: ما يجب في النصاب الثاني، عشر دينار أو درهم، وهو قول ابن الجنيد (2). واختلف النقل عن سور (3)، ففي المختلف نقل عنه الأول (4)، وفي المعتبر الثاني (5)،


(1) الانتصار: 82. (2) نقله عنه المحقق في المعتبر 2: 590، والعلامة في التذكرة 5: 340. (3) الموجود في المراسم: 133 اختيار القول الأول. (4) المختلف 3: 227. (5) المعتبر 2: 590.

[ 215 ]

وتبعه في المدارك (1). وعن السيد في الجمل: أنه لاحد في ذلك (2)، وتبعه ابن إدريس (3) وجماعة (4). وعن السيد في المسائل المصرية: أقل ما يجزئ من الزكاة درهم (5)، ولعله موافق لابن الجنيد. ولم نقف على ما يدل على قول ابن الجنيد في الأخبار. واحتج الأولون بصحيحة أبي ويد الحناط، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: " لا يعطى أحد من الزكاة أقل من خمسة دراهم، وهو أقل ما فرض الله تعالى من الزكاة في أموال المسلمين، فلا تعطوا أحدا أقل من خمسة دراهم فصاعدا " (6)، وبمضمونها رواية معاوية بن عمار وعبد الله بن بكير (7). والأظهر مختار الجمل، للأصل، وإطلاق الآية والأخبار، وخصوص صحيحتي محمد بن عبد الجبار (8)، وخصوص حسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: قلت له: ما يعطي المصدق ؟ قال: " ما يرى الإمام، لا يقدر له شيئا " (9)، وحسنة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي المتقدمة في مسألة البسط على الأصناف (10) وغيرها (11). والإجماع المنقول في الانتصار ممنوع، سيما مع مخالفته له في كتابيه.


(1) المدارك 5: 279. (2) جمل العلم والعمل (رسائل السيد المرتضى) 3: 79. (3) السرائر 1: 464. (4) كالديلمي في المراسم: 134، والعلامة في المختلف 3: 227، والعاملي في المدارك 5: 279. (5) حكاه عنه في المختلف 3: 226. (6) الكافي 3: 548 ح 1، التهذيب 4: 62 ح 167، الاستبصار 2: 38 ح 116، الوسائل 6: 127 أبواب المستحقين للزكاة ب 23 ح 2. (7) التهذيب 4: 62 ح 168، الاستبصار 2: 38 ح 117، الوسائل 6: 128 أبواب المستحقين للزكاة ب 23 ح 4. (8) الفقيه 2: 10 ح 28، الوسائل 6: 177 أبواب المستحقين للزكاة ب 23 ح 1. (9) الكافي 3: 563 ح 13، الوسائل 6: 178 أبواب المستحقين للزكاة ب 23 ح 3. (10) الكافي 5: 26 ح 1، الوسائل 6: 183 أبواب المستحقين للزكاة ب 28 ح 1. (11) الوسائل 6: 183 أبواب المستحقين للزكاة ب 28.

[ 216 ]

والمشهور أن هذه التقديرات على سبيل الاستحباب، كما صرح به في المسالك (1)، بل ادعى عليه الإجماع في التذكرة (2). ولكن يظهر من جماعة من الأصحاب أنه على الوجوب، بل هو كالصريح في كلام كثير منهم (3). وشهرة الاستحباب ونقل الإجماع عليه أيضا مما يؤيد ما اخترناه في أصل المسألة، فالأقوى حمل النهي على الكراهة، والقول بالاستحباب في التحديد بالمشهور. ثم إن المذكور في الأخبار هو الدرهم، وليس لحكم الدينار فيها أثر فيما نعلم، ولا لغير النقدين من الغوت والمواشي، والظاهر أنه لا قائل بالفرق بين الدرهم والدينار. وأما غيرهما ففيما يتعدد فيه النصاب كغير الغوت يمكن عدم التعدي إليه، ويمكن اعتبار النصاب الأول أو الثاني منها كما ذهب إليه بعضهم، ويمكن اعتبار بلوغ قيمة المدفوع ذلك كما اختاره في المسالك (4). وأما الغوت ففيها احتمالان: لزوم ما يجب في أول بلوغ النصاب، واعتبار ما يساوي خمسة دراهم. أقول: والظاهر من صحيحة أبي ويد وما في معناها أنه لا يعطى أقل من أقل ما يجب في أموال المسلمين في الزكاة في أول الإعطاء، ولعل الأقل كان في زمان الصادق عليه السلام حين إفادة هذا الحكم هو خسمة دراهم بالنسبة إلى جميع أصناف ما تجب فيه الزكاة، بمعنى أن قيمة زكاة النصاب الأول في الفضة كان يومئذ أقل من قيمة زكاة النصاب الأول في سائر الأصناف، فيلاحظ سائر الأصناف مع زكاة الفضة، ويعتبر عدم كونها أقل منها. أو نقول: إن الظاهر من الصحيحة اعتبار أقل ما يخرج المكلف مما كلف به، فإن كان


(1) المسالك 1: 431. (2) التذكرة 5: 340 مسألة 251. (3) كابن البراج في المهذب 1: 172، وحكاه عن علي بن بابويه في الفقيه 2: 17. (4) المسالك 1: 432.

[ 217 ]

ماله درهم فخمسة دراهم، وإن كان غنما فشاة، وهكذا. ويؤيده ما سيجئ في الفطرة من أنه لا يعطى أقل من صاع، فذكر الدراهم في الحديث بعنوان المثال. وكيف كان، فلو لم يجب على المالك إلا شاة، وكانت قيمتها حين وجوبها أقل من خمسة دراهم، فلا ريب في كفايتها. وكذلك لو تحقق له النصابان، وأعطى زكاة النصاب الأول لفقير، يجوز إعطاء الآخر لآخر على القول المشهور أيضا. وربما احتمل العدم ; لعدم الامتثال، فيلزم أن تعطى زكاة النصاب الثاني إن لم يمكن استتمامها بما يساوي زكاة النصاب الأول من النصب الباقية الفقير الأول، وهو في غاية البعد. وعلى ما اخترناه من الاستحباب فالأمر هين، هذا الكلام في الأقل. وأما الأكثر فلا حد له، بل يجوز إعطاء الفقير فوق الغنى ; للأخبار المستفيضة، والظاهر أنه إجماعي، وصرح به في المنتهى (1). ولو تعاقب عليه الإعطاء حتى بلغت مؤونة السنة حرم عليه الزائد ; لأنه غني حينئذ، وقد مر الكلام في ذلك، وفي جواز إعطاء ذي الكسب القاصر أيضا حد الغنى وفوقه. ولا يقتصر على المتمم كالفقير الواجد لبعض المؤونة. الثالث: قيل: يجب على الإمام الدعاء لصاحب الزكاة إذا أخذها (2) ; لقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) * (3). وروى العياشي، عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن هذه الآية ; أجارية هي في الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: " نعم " (4). وقيل: يستحب، والنزاع في ذلك قليل الجدوى.


(1) المنتهى 1: 528. (2). كالمحقق في المعتبر 2: 592. (3) التوبة: 103. (4) تفسير العياشي 2: 160 ح 111.

[ 218 ]

وأما الساعي والفقيه ; فالأظهر عدم الوجوب ; لأن الخطاب مختص قه صلى الله عليه وآله، فيحتاج التعدي إلى دليل، مع أنها وردت في أبي لبابة وأصحابه حين أطلق به من سارية المسجد وعرض ماله للتصدق، وقصته مشهورة (1)، وليس ذلك في الزكاة، بل إنما عرض جميع ماله للتصدق لتطهر نفسه. مع أن في التعليل إشعارا قه صالاستحباب له صلى الله عليه وآله أيضا كما لا يخفى. وربما يستدل بالعلة على عدم الوجوب على صلى الله عليه وآله ; لأن المراد بالسكن ما تسكن إليه النفس وتطمئن، وإنما هو فيه صلى الله عليه وآله ومن غيره صلى الله عليه يليه، لاستجابة دعائه جزما. ويمكن القدح بأن السكون ربما يحصل في غيره أيضا، فالعله تقتضي التعدية. ويدفعه: أن مقتضى هذا التعليل وجوب كل ما يكون سكنا قه صا عليه صلى الله عليه وآله، مثل الرواح إلى بيتهم، وإظهار مودتهم، لاأن الدعاء يجب على غيره لأنه سكن. ويؤيد عدم الوجوب حسنة بريد بن معاوية المتقدمة في العاملين، فإن أمير المؤمنين عليه السلام لم يأمر فيها بذلك مع اشتمالها على جل الآداب والسنن (2). قال في المدارك: أما المستحق فقيل: إنه لا يجب عليه الدعاء إجماعا، ولاريب في استحباب الدعاء للجميع (3). أقول: وعدم الوجوب على المستحق أيضا يؤيد عدم الوجوب على الساعي والفقيه بالفحوى. ويكفي الدعاء بأي لفظ يكون. وقال في التذكرة: يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورا، وبارك الله لك فيما أبقيت (4).


(1) حكاه الزمخشري في الكشاف 2: 306. (2) الكافي 3: 536 ح 1، التهذيب 4: 96 ح 274، الوسائل 6: 88 أبواب زكاة الأنعام ب 14 ح 1. (3) المدارك 5: 284. (4) التذكرة 5: 361.

[ 219 ]

ولا يجب الدعاء بلفظ الصلاة، وقيل: قه صا ع (1) ; لظاهر الآية والتأسي به صلى الله عليه وآله حيث قال: " اللهم صل على آل أبي أوفى يجب " لما جاءته زكاتهم (2). وفي مجمع البيان عن النبي صلى الله عليه وآله: كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: " اللهم صل عليهم " (3). وهو ضعيف ; لأن ظاهر الآية مطلق الدعاء، والتأسي ليس بواجب مطلقا كما حقق في الاصول (4). ومنع هذا الشافعية (5) بالخصوص ; لأنه مخصوص بالأنبياء والملائكة. وظاهر الآية، وحكاية آل أبي أوفى، وكذلك قوله تعالى: * (أولئك عليهم صلوات من ربهم) * (6) وقوله تعالى: * (وهو الذي يصلي عليكم) * (6) ويدل على جواز الصلاة على غيره صلى الله عليه وآله. قال في الكشاف بعد تسليم الدلالة: إن للعلماء تفصيلا، وهو جوازه بتبع النبي صلى الله عليه وآله، كقولك صلى الله على النبي وآله، وأما إذا افرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروه ; لأن ذلك صار شعارا لذكر رسول الله صلى الله عليه وآله، ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض (8)، وفيه ما ترى من الغرابة. الرابع: يكره تملك ما أخرجه من الصدقة - واجبة كانت أو مندوبة - اختيارا،


(1) المسالك 1: 432. (2) صحيح البخاري 2: 159 ح 2، صحيح مسلم 2: 756 ح 1078، سنن أبي داود 2: 106 ح 1590، وانظر التذكرة 5: 362. (3) مجمع البيان 3: 68. (4) القوانين 1: 490. (5) انظر المجموع 6: 171، وفتح العزيز 5: 529. (6) البقرة: 157. (7) الأحزاب: 43. (8) الكشاف 3: 558 تفسير الآية 56 من سورة الأحزاب.

[ 220 ]

وادعى عليه الإجماع غير واحد من الأصحاب، وهو موافق للاعتبار (1)، وليس بحرام ; للإجماع ظاهرا، وصرح به في التذكرة (2) وغيرها (3)، وللعمومات، ولخصوص رواية محمد بن خالد (4) وغيرها (5). قال في التذكرة: لو دعت الحاجة إلى الشراء - بأن يكون الفرض جزءا من حيوان لا يمكن الفقير الانتفاع بعينه ولا يجد من يشتريه سوى المالك، ولو اشتراه غيره تضرر المالك بالمشاركة والفقير بقلة الثمن - زالت الكراهة والتحريم إجماعا، وكذا كل موضع دعت الحاجة إلى البيع (6). وهو كما ذكره - رحمه الله - وصرح به غيره أيضا (7). وأما التمك بدون الاختيار، كأن يعود عليه بميراث وشبهه، كأن يشتريه وكيله المطلق من دون إطلاعه، أو استوفاها من الفقير عن دين المالك ونحو ذلك فلا كراهة فيه، يعني لا يستحب له إخراجه عن ملكه حينئذ. الخامس: قالوا: يستحب أن توسم نعم الصدقة في أقوى مواضعها وأكشفه، كآذان الغنم، وأفخاذ الإبل والبقر (8). ونقله الجمهور عن فعل النبي صلى الله عليه وآله (9)، والظاهر أنه إجماعي. ويعاضده الاعتبار من عدم الاشتباه، وإفادته اجتناب المالك عن إعادته في ملكه


(1) العلامة في المنتهى 1: 530، والسيد في المدارك 5: 285. (2) التذكرة 5: 324 مسألة 236، المنتهى 1: 530. (3) كصاحبي المعتبر 2: 591، والمدارك 5: 285. (4) التهذيب 4: 98 ح 276، الوسائل 6: 89 أبواب زكاة الأنعام ب 14 ح 3. (5) الوسائل 6: 294 أبواب الصدقة ب 24. (6) التذكرة 5: 326 مسألة 236. (7) كالأردبيلي في مجمع الفائدة 4: 227. (8) كالعلامة في التذكرة 5: 320 مسألة 232، والعاملي في المدارك 5: 286، والشافعي في الام 2: 79، والفيروز آبادي في المهذب 1: 169. (9) صحيح البخاري 7: 126، سنن أبي داود 3: 26 ح 2563، سنن البيهقي 7: 36.

[ 221 ]

في الجملة. قال في التذكرة: لو كتب عليه - أي الميسم - لله كان أبرك وأولى (1). السادس: إذا دفع الزكاة أو غيرها من الأموال إلى من يفرقها في مصارفها وهو متصف بصفة المصارف، فإن علم رضا الدافع بأخذه فلا إشكال في الجواز ; كعدمه لو علم عدمه، بلا خلاف معروف في ذلك. وإن لم يعلم الحال، ففيه قولان، أقوى أدلة المجوزين روايات معتبرة، منها الصحيح (2). وأقوى أدلة المانعين: الأصل، وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (3)، مؤيدا بما ورد من عدم جواز شراء الوكيل مال نفسه لموكله (4)، وعدم صحة تزويج الموكلة لنفسه (5). وتحقيق المقام: أن الاستدلال بالأخبار إما مبتن على سؤال انفهام الدخول في قول الموكل: ادفع إلى الفقراء، مثلا، أم لا، فيكون سؤالا عن اللغة لا الحكم. وإما مبتن على أن ما لو لم يعلم الدخول من اللفظ أو لم يظن به فهل يثبت جواز الأخذ أم لا ؟ فيكون سؤالا عن الحكم. والأول بعيد عن شأن المروي عنه والراوي، والثاني هو الظاهر من الأخبار. فإن بني على الأول فالمتبع هو دلالة اللفظ، ويتفاوت بتفاوت المواضع، ويقوى القول بالمنع ; لأنه الأصل. وإن بني على الثاني فالأقوى الجواز، وخبر النهي هنا وفي البيع يحمل على الكراهة، أو على مظنة التهمة والرزالة، وهو الذي يقوى في نفسي، فإن مورد بعض


(1) التذكرة 5: 321 مسألة 232. (2) الوسائل 6: 199 أبواب المستحقين للزكاة ب 40. (3) التهذيب 4: 104 ح 296، الوسائل 6: 200 أبواب المستحقين للزكاة ب 40 ح 3. (4) الوسائل 12: 288 أبواب آداب التجارة ب 5. (5) الوسائل 13: 29 كتاب الوكالة ب 6.

[ 222 ]

الأخبار المجوزة غير ظاهر في الدخول، مثل رواية سعيد بن يسار الصحيحة أو الموثقة قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يعطى الزكاة يقسمها في أصحابه، أيأخذ منها شيئا ؟ قال: " نعم " (1). والصحيحة المانعة ظاهرة في العدم، قال: سألته عن رجل أعطاه رجل مالا لتقسيمه في محاويج أو في مساكين وهو محتاج، أيأخذ منه لنفسه ولا يعلمه ؟ قال: " لا يأخذ منه شيئا حتى يأذن له صاحبه " (2). وظاهر أكثر كلام المجوزين وصريح بعضهم أنه لا يأخذ أزيد مما يعطي غيره كما صرح به في بعض الأخبار، والأولى اعتبار التسوية إذا كانوا محصورين، وصرح في التحرير (3) بجواز التفاضل حينئذ أيضا. وكيف كان، فالظاهر أن المراد بها اعتبار الحال بحسب الاحتياج، لا مطلق التسوية، وإن كان الأحوط أن لا يأخذ لنفسه أزيد من غيره مطلقا. وظاهر بعض الأصحاب عدم الخلاف في جواز الإعطاء للأهل والعيال والأقارب الموصوفين بصفة المدفوع إليهم، ولا بأس به، سيما مع ما بنينا عليه الأمر، ونص على جواز الإعطاء للعيال المحتاجين في خبر صحيح، وهو أيضا مؤيد لأصل المسألة.


(1) الكافي 3: 555 ح 1، الوسائل 6: 199 أبواب المستحقين للزكاة ب 40 ح 1. (2) التهذيب 6: 352 ح 1000، الاستبصار 3: 54 ح 176، الوسائل 13: 206 أبواب ما يكتسب به ب 84 ح 3. (3) التحرير 1: 70.

[ 223 ]

الباب الثاني زكاة الفطرة

[ 225 ]

زكاة الفطرة يعني: زكاة الخلقة والبدن، كما يستفاد من تنبيه بعض الأخبار (1)، ومنه قوله تعالى: * (فاطر السموات) * (2). أو زكاة الدين والإسلام ; لسبب قبول الصوم والصلاة، ولذلك تصح ممن أسلم قبل الهلال، ولا تجب على من أسلم بعده، ومنه قوله تعالى: * (فطرت الله التي فطر الناس عليها) * (3). أو زكاة الفطر من الصوم بمناسبة أنه فدية عنه وصدقة عوضا عنه. ووجوبها إجماع أهل الإسلام (4) إلا من شذ (5)، ويدل عليه الكتاب والسنة. أما الكتاب، فعموم * (وآتوا الزكاة) * (6)، ففي بعض الأخبار أنها داخلة فيها (7)، وفي بعضها في تفسير * (أوصاني بالصلاة والزكاة) * (8) أنها هي.


(1) الكافي 4: 174 ح 21، الفقيه 2: 118 ح 508، الوسائل 6: 228 أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 5. (2) فاطر: 1. (3) الروم: 30. (4) نقله في التذكرة 5: 366، والمدارك 5: 306، ونقله من العامة ابن المنذر وإسحاق، كما في المغني والشرح الكبير 2: 646. (5) نقل ابن عبد البر أن بعض المتأخرين من أصحاب مالك وداود يقولون هي سنة مؤكدة، راجع المغني والشرح الكبير 2: 646. (6) البقرة: 110. (7) التهذيب 4: 89 ح 262، الاستبصار 2: 52 ح 175، الوسائل 6: 222 أبواب زكاة الفطرة ب 1 ح 9. (8) مريم: 31.

[ 226 ]

وخصوص قوله تعالى: * (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) * (1) ففي صحيحة أبي بصير وزرارة قالا، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إن من تمام الصوم إعطاء الزكاة، يعني الفطرة، كما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله من تمام الصلاة ; لأنه من صام ولم يؤد الزكاة فلا صوم له إذا تركها متعمدا، ولا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، إن الله عزوجل قد بدأ بها قبل الصلاة فقال: * (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) * (2) " (3). وأما السنة فالأخبار فيها كثيرة جدا: وبيان أحكامها يستدعي رسم مقاصد:


(1 و 2) الأعلى: 14 - 15. (3) الفقيه 2: 119 ح 515، المقنعة: 246، الوسائل 6: 221 أبواب زكاة الفطرة ب 1 ح 5.

[ 227 ]

المقصد الأول فيمن تجب عليه ومن لا تجب عليه وفيه مباحث:: يشترط فيه العقل والبلوغ والحرية، فلاتجب على الصبي والمجنون، ويدل عليه العقل والنقل من الإجماع ; نقله الفاضلان في المعتبر والمنتهى (1)، والسنة مثل عموم ما ورد من نفي الزكاة في مال اليتيم، وقد مر في زكاة المال. وخصوص صحيحة محمد بن القاسم بن الفضل البصري، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن الوصي أيزكي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال ؟ قال: فكتب عليه السلام: " لا زكاة على يتيم "، هكذا نقله الكليني في باب زكاة مال اليتيم، ونقلها في باب الفطرة وزاد: عن المملوك يموت مولاه وهو عنه غائب في بلد آخر، وفي يده مال لمولاه، ويحضر الفطر، يزكي عن نفسه من مال مولاه وقد صار لليتامى ؟ قال: " نعم " (2) وهو مشكل من وجهين، وربما يحمل على موت المولى بعد الهلال.


(1) المعتبر 2: 593، المنتهى 1: 531. (2) الكافي 4: 172 ح 13، المقنع (الجوامع الفقهية): 18، الوسائل 6: 55 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 4، وص 226 أبواب زكاة الفطرة ب 4 ح 3.

[ 228 ]

ومن ذلك ظهر أنه لا يجب على وليه الإخراج من ماله أيضا، ولا استحبابه، مع أن الأصل عدمه أيضا. وذكر الأكثرون: أنه لا يجب على من أهل شوال وهو مغمى عليه، قال في المدارك: وهو مشكل على إطلاقه، نعم لو كان الإغماء مستوعبا لوقت الوجوب اتجه ذلك (1). أقول: والظاهر من كلمات بعضهم أنه لا خلاف فيه بينهم، ولعل دليله بعد ذلك أنه غير مكلف حين تعلق وقت الوجوب، ولا دليل على تعلقه بعده. ويوضح ذلك: تصريحهم بعدم الوجوب على من أسلم بعد الهلال، أو صار غنيا بعد الهلال، أو تولد، وهكذا. وأما اشتراط الحرية ; فالظاهر أنه في القن والمدبر وام الولد إجماعي، وعن المنتهى أنه مذهب أهل العلم كافة إلا داود (2)، ولم يفرقوا في ذلك بين القول بتملك العبد وعدمه. ويدل عليه: مضافا إلى الإجماع الأخبار الدالة على أن فطرة المملوك على مالكه على الإطلاق (3)، وعموم ما دل على أنه لا زكاة في مال المملوك كما مر في زكاة المال (4). وقال في التذكرة: لا تجب على المملوك إخراج الفطرة عن نفسه، ولا عن زوجته وإن قلنا: إنه يملك (5). ولا بأس به ; لعموم ما مر في باب الزكاة من عدم الزكاة في مال المملوك مع مطابقته للأصل. ومن ذلك يظهر: أنه لو فرض أن تملك المملوك مملوكا أنه لا تجب عليه فطرته ولا على مولاه كما اختاره في البيان (6)، وأوجبها في المنتهى على مولاه (7)، وهو مشكل.


(1) المدارك 5: 308. (2) المنتهى 1: 532. (3) انظر الوسائل 6: 227 أبواب زكاة الفطرة ب 5. (4) انظر الوسائل 6: 59 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4. (5) التذكرة 5: 248. (6) البيان: 277. (7) المنتهى 1: 534.

[ 229 ]

وأما المكاتب المشروط أو المطلق الذي لم يتحرر منه شئ، فقال في المدارك (1): إن عدم الوجوب عليهما مذهب الأصحاب لاأعلم فيه مخالفا سوى الصدوق في الفقيه، فإنه قال بعد أن روى في الصحيح عن علي بن جعفر: أنه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن المكاتب هل عليه فطرة شهر رمضان أو على من كاتبه، وتجوز شهادته ؟ قال: " الفطرة عليه، ولا تجوز شهادته ". (2) قال مصنف هذا الكتاب: وهذا على الإنكار، لاعلى الإخبار، يريد بذلك كيف تجب عليه الفطرة ولا تجوز شهادته، أي شهادته جائزة كما أن الفطرة عليه واجبة، ومقتضى ذلك وجوب الفطرة عليه، وهو جيد ; لدلالة الرواية عليه سواء حملت على الإخبار أو الإنكار. أقول: وهذه الرواية معللة يشكل الاعتماد عليها، والأولى حملها على التقية كما فعله في باب الشهادة، مع أن الكليني روى في باب زكاة المملوك والمكاتب عن أبي البختري، عن الصادق عليه السلام، قال: " ليس في مال المكاتب زكاة " (3). وروى في باب الفطرة، عن محمد بن أحمد رفعه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " يؤدي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه، ورقيق امرأته، وعبده النصراني والمجوسي وماأغلق عليه بابه " (4) ويظهر من التذكرة أن مضمونه مجمع عليه (5). وروى المفيد في المقنعة، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق عليه السلام، قال: " تجب الفطرة على من تجب عليه الزكاة " (6).


(1) المدارك 5: 309. (2) الفقيه 2: 117 ح 502، الوسائل 6: 253 أبواب زكاة الفطرة ب 17 ح 3. (3) الكافي 3: 542 ح 4. (4) الكافي 4: 174 ح 19. (5) التذكرة 5: 375. (6) المقنعة: 248، الوسائل 6: 226 أبواب زكاة الفطرة ب 4 ح 1.

[ 230 ]

وهذه الأخبار، مع عمل الأصحاب، وعمومات ما دل على أن فطرة المملوك على مولاه، وعموم ما دل على أنه لا زكاة في مال المملوك معتضدة بالأصل، لا تعارض بمثل هذه الرواية الشاذة المعللة. وكما ثبت من ذلك عدم الوجوب على المكاتب ثبت الوجوب على مولاه، مضافا إلى الاستحباب. هذا كله إذا لم يكن عيالا للمولى أو لغيره، وإلا فالزكاة على من عاله كما سيجئ. وأما لو تحرر منه شئ، فإن عاله المولى أو غيره فالزكاة على من عاله كما سيجئ، وإلا فقيل: إن الفطرة عليه وعلى المولى بالنسبة (1)، ووجهه ظاهر. وقيل بسقوطها عنهما (2) ; لأنه ليس بمملوك حتى تجب على المولى، ولابحر طلق فيلزمه حكم نفسه، والمفروض أنه ليس عيالا لمولاه أيضا حتى يلزمه. ويلزم على قول الصدوق السابق لزومها عليه هنا بطريق الأولى. أقول: الأقوى الوسط، وهو قول المبسوط (3)، وقواه في المدارك (4). ويمكن الاستدلال عليه، أما على سقوطه عن المكاتب ; فلعموم ما دل على أن في مال المكاتب ليس زكاة. وأما على عدم لزومه على المولى ; فلما رواه الصدوق، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي آخرها: " وإن كان لكل إنسان منهم أقل من رأس فلا شئ عليهم " (5) ففيه تنبيه على عدم الوجوب على الإنسان لجزء العبد. لكن سيجئ الكلام في العبد المشترك، وأن فطرته تتجزأ على المشهور، وخلاف الصدوق فيه من جهة هذه الرواية، فقال: إنه لا تجب الفطرة إلا أن يكون لكل إنسان


(1) كالعلامة في المنتهى 1: 534. (2) كالشيخ في المبسوط 1: 239. (3) المبسوط 1: 239. (4) المدارك 5: 310. (5) الفقيه 2: 119 ح 22.

[ 231 ]

رأس تام، ولا يخلو من قوة ; لعدم انصراف الأخبار المطلقة إلى أقل من رأس، فالرواية مطابقة للأصل، ولكن مقتضاها كفاية تركب رأس من رأسين، وهو أيضا مشكل. وكيف كان فوجه الانتفاء عن المكاتب ظاهر، إنما الخفاء في سقوطه عن المولى. الثاني: يشترط في وجوبها الغنى على المشهور، بل ادعى العومة عليه الإجماع إلا من ابن الجنيد (1). ونقل في المبسوط قولا بوجوبها على الفقير (2). ونقل في الخلاف عن الشافعي وجماعة من العامة أنه إذا فضل صاع عن قوته وقوت عياله ومن يمونه يوما وليلة وجب عليه ذلك، قال: وذهب إليه كثير من أصحابنا (3). وعن ابن الجنيد: وعلى الفقير إذا تصدق عليه بما يتجاوز قوت يومه أن يخرج ذلك عنه إلى غيره (4). لنا: الأخبار الكثيرة جدا المعتبرة كثير منها، منها صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن رجل يأخذ من الزكاة، عليه صدقة الفطرة ؟ قال: " لا " (5)، فإن الظاهر أن المراد أخذ الزكاة لأجل فقره. ويعضدها الأصل، والحكمة الباعثة على الزكاة من دفع الخلة. ويدل على ما نقله في المبسوط: مضافا إلى العمومات، صحيحة زرارة على الأظهر قال، قلت: الفقير الذي يتصدق عليه، هل عليه صدقة الفطرة ؟ قال: " نعم، يعطي مما يتصدق به عليه " (6).


(1) المنتهى 1: 532. (2) المبسوط 1: 240. (3) الخلاف 2: 146 مسألة 183. (4) نقله عنه في المختلف 3: 261. (5) التهذيب 4: 73 ح 201، الاستبصار 2: 40 ح 125، الوسائل 6: 223 أبواب زكاة الفطرة ب 2 ح 1. (6) الكافي 4: 172 ح 11، التهذيب 4: 74 ح 208، الاستبصار 2: 41 ح 132، الوسائل 6: 225 أبواب زكاة الفطرة ب 3 ح 2، وفي طريقها محمد بن عيسى عن يونس، وفيه كلام مشهور.

[ 232 ]

وما رواه علي بن إبراهيم في التفسير، عن الصادق عليه السلام: في قوله تعالى: * (وأوصاني بالصلاة والزكاة) *، قال: " زكاة الرؤوس ; لأن كل الناس ليست لهم أموال، وإنما الفطرة على الفقير والغني والصغير والكبير " (1). وفي صحيحة هشام بن الحكم عنه عليه السلام قال، وقال: " نزلت الزكاة وليس للناس أموال، وإنما كانت الفطرة " (2). والجواب عن العمومات بتقديم الخاص على العام، وعن الصحيحة وغيرها بعدم المقاومة لما ذكرنا، فتحمل على الاستحباب ; إذ لاريب في الاستحباب، أو على من استغنى بما يتصدق به عليه. وأما المذهبان الآخران - ولعلهما واحد - فلم نقف في الأخبار على ما يدل عليهما بالخصوص. وأما موثقة إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل لا يكون عنده شئ من الفطرة إلا ما يؤديه عن نفسه وحدها، أيعطيه غريبا أو يأكل هو وعياله ؟ قال: " يعطي بعض عياله، ثم يعطي الآخر عن نفسه يرددونها، فيكون عنهم جميعا فطرة واحدة " (3) فلا دلالة فيها عليه. نعم حكم الأصحاب باستحباب العمل بمضمونها، قال في الشرائع: ويستحب للفقير إخراجها، وأقل ذلك أن يدير صاعا على عياله ثم يتصدق به (4). وقال في التذكرة: يستحب للفقير إخراجها عن نفسه وعياله، ولو استحق أخذها، أخذها ودفعها مستحبا. ولو ضاق عليه، أدار صاعا على عياله ثم يتصدق به على الغير للرواية (5).


(1) تفسير القمي 2: 50، مريم: 31. (2) الكافي 4: 171 ح 3. (3) الكافي 4: 172 ح 10، الفقيه 2: 115 ح 496، التهذيب 4: 74 ح 209، الاستبصار 2: 42 ح 133، الوسائل 6: 225 أبواب زكاة الفطرة ب 3 ح 3. (4) الشرائع 1: 158. (5) التذكرة 5: 371.

[ 233 ]

ومثله قال في المعتبر (1)، وتقرب منه عبارة التحرير (2). وقال في الدروس: ويستحب للفقير إخراجها ولو بصاع يديره على عياله بنية الفطرة من كل واحد، ثم يتصدق به على غيرهم (3). وأنت خبير بأن مقتضى الرواية إخراج الزكاة كذلك إذا عجز عن أكثر من صاع، وفتواهم أعم. ثم إن ظاهر أكثر هذه الكلمات أن المتصدق هو المعيل، وعن البيان: أن الأخير منهم يدفعه إلى الأجنبي (4). ويمكن أن نبني هذين القولين على أن ذلك هل هو فطرة واحدة وعبادة مستقلة، وتكفي فيها نية واحدة، فينوي المعيل أني ادير هذا الصاع على عيالي واخرجها قربة إلى الله، أو هي فطرات متعددة، فيصير كل واحد من عياله آخذا من وجه ومعطيا من وجه، وهذا أنسب بلفظ الحديث. وقوله عليه السلام: " فيكون عنهم جميعا فطرة واحدة " يحتمل الوجهين، بإرادة المعنى المصدري أو الاسمي. وذكر في المسالك ما يشعر باختيار التعدد ثم قال: ولو دفعه الأخير إلى أحدهم جاز أيضا (5). أقول: ولا بأس به. ثم لفظ الإدارة المذكور في بعض كلماتهم اريد به إتمام الدور، ولا يستلزم ذلك العود إلى أولهم أو إلى واحد منهم كما يفهم من المسالك. قال في المسالك: ولو كانوا غير مكلفين أو بعضهم تولى الولي ذلك عنه،


(1) المعتبر 2: 604. (2) التحرير 1: 72. (3) الدروس 1: 250. (4) البيان: 332. (5) المسالك 1: 445.

[ 234 ]

ولا يشكل إخراج ما صار ملكه عنه بعد النص وثبوت مثله في الزكاة المالية (1). وهو كما ذكره رحمه الله. والغنى يتحقق - على الأشهر الأقوى - بأن يملك قوت السنة لنفسه وعياله فعلا أو قوة كما مر بيانه في الزكاة. ووجهه: أن من لا يملك قوت سنة تحل له الزكاة كما مر في باب الزكاة، ومن تحل له الزكاة لا تجب عليه الفطرة بمقتضى الأخبار الكثيرة المتقدمة، هكذا قيل (2). وأنت خبير بأن هذا إنما يفيد أن من لا يملك قوت السنة تحل له الفطرة، لاأن من يملكه فهو غني تجب عليه الفطرة، إلا من جهة المفهوم، أو لبقائه تحت العموم بعد إخراج الفقير. نعم روى المفيد في المقنعة، عن يونس بن عمار، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: " تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، وتجب الفطرة على من عنده قوت السنة. " (3) ثم هل يعتبر في الغنى ملك مقدار الفطرة مضافا إلى قوت السنة، أو لا ؟ قولان، ولعل الأظهر الأول. وذهب الشيخ في الخلاف إلى حصول الغنى بملك نصاب تجب فيه الزكاة أو قيمته (4)، وابن إدريس إلى حصوله بملك عين النصاب مدعيا عليه الإجماع (5). وأنكر المحقق قول الشيخ وقال: إنه لادليل عليه، ولا قائل به من قدماء الأصحاب، وكذلك قول ابن إدريس، ونسب دعواه إلى الوهم (6). الثالث: تجب على الكافر ولا تصح منه، وقد مر وجهه في الصلاة.


(1) المسالك 1: 445. (2) المدارك 5: 313، والأخبار في الوسائل 6: 223 أبواب زكاة الفطرة ب 2. (3) المقنعة: 248، الوسائل 6: 224 أبواب زكاة الفطرة ب 2 ح 11. (4) الخلاف 2: 146 مسألة 183. (5) السرائر 1: 462. (6) المعتبر 2: 594.

[ 235 ]

ولو أسلم سقطت عنه، وتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار الآتية في المقصد الرابع (1). نعم لو أسلم قبل دخول ليلة الفطر تجب عليه، وكذا من بلغ قبله أو أفاق من جنونه أو حصل له الغنى، وكذلك تجب عن مملوك ملكه قبله، أو ولد ولد له، وتدل عليه الصحيحة المذكورة. ولو حصلت الشروط المذكورة بعد دخول ليلة العيد إلى ما قبل صلاة العيد يستحب الإخراج ; لما رواه الشيخ مرسلا: " أن من ولد له ولد قبل الزوال يخرج عنه الفطرة، وكذلك من أسلم قبل الزوال " (2). ورواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال فيها: " يصدق عن جميع من يعول من حر أو عبد، صغير أو كبير، من أدرك منهم الصلاة " (3)، وحملا على الاستحباب.


(1) التهذيب 4: 72 ح 197، الوسائل 6: 245 أبواب زكاة الفطرة ب 11 ح 2. (2) التهذيب 4: 72 ح 198، الوافي 2: 32 كتاب الزكاة، المنتهى 1: 539، الوسائل 6: 245 أبواب زكاة الفطرة ب 11 ح 3. (3) الفقيه 2: 118 ح 511، الوسائل 6: 228 أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 6.

[ 236 ]

المقصد الثاني فيمن تخرج عنه وفيه مباحث: الأول: يجب الإخراج عن نفسه، وعن كل من يعوله، أي يمونه وينفق عليه فرضا ; كالزوجة والعمودين والمملوك، أو نفلا ; كسائر الأقارب والأجانب، صغيرا كان أو كبيرا، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا. ويدل عليه: بعد الإجماع، ظاهر الأخبار الصحيحة وغيرها المستفيضة جدا عموما وخصوصا. منها: صحيحة عمر بن يزيد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه فيحضر يوم الفطر، يؤدي عنه الفطرة ؟ قال: " نعم، الفطرة واجبة على كل من يعول من ذكر وانثى، صغير أو كبير، حر أو مملوك " (1). ومنها: مرفوعة محمد بن أحمد المتقدمة في المكاتب (2). ولا تعارض بها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن


(1) الفقيه 2: 116 ح 497، الوسائل 6: 227 أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 2. (2) التهذيب 4: 72 ح 195، الوسائل 6: 229 أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 9.

[ 237 ]

رجل ينفق على رجل ليس من عياله إلا أنه يتكلف له نفقته وكسوته، أتكون عليه فطرته ؟ قال: " لا، إنما تكون فطرته على عياله صدقة دونه " وقال: " العيال: الولد، والمملوك، والزوجة، وام الولد " (1) لمتروكيتها، والظاهر منها إرادة التمثيل، مع أن مطلق الإنفاق ليس معنى العيلولة، فلعله اريد به الإهداء إليه، لا بأن يكون في داره وينفق عليه كما هو الغالب، فلا تنافي. ثم إنهم بعد اتفاقهم على وجوب الفطرة عن الزوجة التي تجب نفقتها على الزوج، إذا أعالها، بل المعالة المتبرع بإنفاقها وإن لم تجب نفقتها كالناشزة وغيرها، اختلفوا في الزوجة الواجبة النفقة الغير المعالة، وغير الواجبة النفقة الغير المعالة إذا لم يعلهما غير الزوج أيضا، فذهب الأكثر إلى وجوبها عن الأولى، ولم نقف لهم على دليل ; إذ لم يرد وجوب الزكاة عن الزوجة من حيث إنها زوجة، بل إنما يستفاد من الأخبار اعتبارها من حيث إنها عياله. نعم في حسنة صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام، قال: " الواجب عليك أن تعطي عن نفسك وأبيك وامك وولدك وامرأتك وخادمك " (2)، وهي منزلة على الغالب. ونقل في الشرائع قولا بأنها لا تجب إلا مع العيلولة (3)، واختاره في المدارك (4)، ودليله مفهوم الأخبار المستفيضة المتقدمة الدالة على أنها إنما تجب عمن يعوله، فإن معناه من ينفق عليه، لامن تجب عليه نفقته. وقال ابن إدريس بوجوبها عن الزوجة مطلقا، دائمة كانت أو منقطعة، مدخول بها كانت أو غير مدخول بها، مطيعة كانت أو ناشزة، وبالجملة من صدق عليها اسم


(1) الفقيه 2: 118 ح 509، الوسائل 6: 227 أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 3. (2) التهذيب 4: 74 ح 209، الاستبصار 2: 42 ح 133، الوسائل 6: 225 أبواب زكاة الفطرة ب 3 ح 3. (3) الشرائع 1: 159. (4) المدارك 5: 315.

[ 238 ]

الزوجة ; تمسكا بالعموم والإجماع (1)، واستغربه الفاضلان وأنكراه (2)، بل قال في المعتبر: ما عرفنا أحدا من علماء الإسلام فضلا عن الإمامية أوجب الفطرة عن الزوجة من حيث هي، بل ليس تجب الفطرة، إلا عمن تجب مؤونته أو تبرع بها عليه، فدعواه إذن عرية عن الفتوى والأخبار. أقول: إن جعلنا حسنة صفوان مطلقة كما هو الظاهر فهي مع ابن إدريس، وإن قلنا: إن المراد منها المعالة كما هو الغالب فلا يوافق المحقق، وإن قيدناها بواجبة النفقة فما الدليل، بل التقييد بالمعالة أظهر. إلا أن يقال: إن الغالب هو حصول القيدين معا، فتحمل عليهما، وهو لا ينفعه أيضا إن لم يضره. والحاصل: أن المحقق إن اعتمد على الزوجية المستفادة من الخبر ; فهو لا يقول بأن الزوجية من حيث هي تكفي. وإن اعتمد على قيد وجوب نفقتها ; فلاقيد في الرواية يرجع الحكم إليه، وإرادة المقيدة بالقيدين من الرواية نظرا إلى الغالب لو سلم، فلا يفيد تعلق الحكم على القيد، وهو وجوب النفقة كما لا يخفى. وإن اعتمد على الإجماع على وجوب فطرة الواجبة النفقة وإن لم تكن معالة فهو ممنوع، كيف وهو في الشرائع قال: وقيل: لا تجب إلا مع العيلولة وفيه تردد (3)، فكيف يقول: إنه إجماعي ومقطوع به، فتبقى (4) فتوى المحقق أيضا والأكثر عارية عن الدليل. اللهم إلا أن يقال: ظهر عليه الإجماع بعد تأليف الشرائع، وهو أيضا مشكل كما يظهر من الكلمات الآتية في المملوك أيضا.


(1) السرائر 1: 466. (2) المعتبر 2: 601. (3) الشرائع 1: 159. (4) في " ح ": فبقى مطلق.

[ 239 ]

فالأظهر إذن: القول المنقول في الشرائع، وهو اعتبار العيلولة في الزوجة مطلقا. وظاهرهم الاتفاق على أن المعتدة الرجعية في حكم الزوجة. ثم إن الإشكال الذي ذكرنا آت في المملوك أيضا، فإن الأكثرين أفتوا بوجوب فطرته على المولى إن لم يعله غيره، وإن كان غائبا علم حياته، أو آبقا، أو مرهونا، أو مغصوبا، وادعى عليه الإجماع في المنتهى (1)، وتظهر دعواه من المحقق في المعتبر أيضا (2)، فاكتفوا بوجوب النفقة ولم يعتبروا العيلولة بالفعل. ولكن يظهر من المحقق في الشرائع التردد فيه، ونقل فيه قولا بعدم الوجوب إلا مع العيلولة كالزوجة كما ذكرنا (3). وكذلك يظهر وجود القول به من الدروس حيث قال: ولو غصب العبد وعاله الغاصب وجبت عليه، وإلا فعلى المالك، إلا أن تجعل الزكاة تابعة للعيلولة (4). واختار ذلك صاحب المدارك وصاحب الكفاية (5). ونقل في المختلف عن المبسوط أيضا القول بالعدم في المغصوب (6)، وهو قوي ; للأصل، وظاهر الأخبار. وأما سائر من تجب نفقته من الأقارب إذا لم يعلهم غير من تجب عليه نفقتهم، فمقتضى ما ذكرنا من ظاهر الأخبار هو توقف الوجوب على العيلولة بالفعل، ولا يكفي مجرد وجوب النفقة ; إذ الفطرة تابعة للنفقة لالوجوبها كما صرح به في المختلف، ورد بذلك قول الشيخ، حيث أوجبها عليه لوجوب النفقة (7).


(1) المنتهى 1: 534. (2) المعتبر 2: 598. (3) الشرائع 1: 159. (4) الدروس 1: 249. (5) المدارك 5: 223، الكفاية: 41. (6) المختلف 3: 273، المبسوط 1: 240. (7) المختلف 3: 272.

[ 240 ]

أقول: ويعود ما أورده على الشيخ عليه في مسألة الزوجة الواجبة النفقة الغير المعالة كما قدمناه. والظاهر أنه لافرق في القريب بين الصغير والكبير، وقول الشيخ بوجوب نفقة الصغير الموسر في ماله وفطرته على أبيه ضعيف، فالأظهر فيه سقوط الفطرة، إلا أن يكون عيالا لأبيه وهو ينفق عليه ; لعدم العيلولة للغير بالفرض، ولسقوطها عنه بالصغر. الثاني: المعروف من مذهب الأصحاب وجوب الفطرة عن الضيف، وادعى عليه الإجماع غير واحد من الأصحاب (1). ولكنهم اختلفوا في قدر الضيافة الموجبة لذلك: فقال السيد في الانتصار: مما انفردت به الإمامية القول بأن من أضاف غيره طول شهر رمضان يجب عليه إخراج الفطرة عنه، والحجة فيه الإجماع المتردد (2). وقال الشيخ في الخلاف: روى أصحابنا أن من أضاف إنسانا طول شهر رمضان وتكفل بعيلولته لزمته فطرته (3). وكلامهما يشعر باشتراط الضيافة طول الشهر. وعن المفيد ما يشعر باشتراط النصف الآخر (4). وعن ابن إدريس الاكتفاء بليلتين في آخره (5). وذهب العومة في المنتهى إلى إجزاء الليلة الأخيرة بحيث يهل هلال شوال وهو في ضيافته (6)، وكذا في التذكرة (7).


(1) كالعلامة في التذكرة 5: 380. (1) الانتصار: 88. (3) الخلاف 2: 133 مسألة 162. (4) المقنعة: 265. (5) السرائر 1: 466. (6) المنتهى 1: 536. (7) التذكرة 5: 380.

[ 241 ]

ونقل في المعتبر عن جماعة اعتبار العشر الأواخر، وعن آخرين آخر جزء من الشهر، بحيث يهل الهلال وهو في ضيافته، واختاره هو رحمه الله (1). واكتفى في المسالك بنزوله عليه قبل دخول شوال وبقائه عنده إلى أن يدخل، ويظهر منه أنه لا يشترط فيه الأكل أيضا (2)، فإن أراد عدم حصول الأكل قبل هلال شوال وإن استعد هو للأكل والمضيف للإطعام في ليلة العيد فليس ببعيد. وإن أراد عدم مدخلية الأكل أصلا فهو بعيد ; لمنع صدق الضيف عليه. فالأقوى صدق اسم الضيف عليه عرفا، وإدراك جزء من الشهر حتى يصدق عليه أنه ممن ينفق عليه ويطعمه، مع أن العول معناه الإنفاق، والصحيحة الدالة على حكم الضيف معللة بأنه ممن يعول. وفي رواية سلمة أبي حفص، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه أيضا تفسير من يعول بمن ينفق عليه (3). والظاهر كفاية الأكل في اليوم الآخر إذا جاز شرعا، أو في ليلة العيد إذا أدرك آخر الشهر أيضا. أما لو نزل عليه ضيفا في اليوم الآخر ولم يأكل شيئا واتفق أكله في الليلة عند آخر فيشكل الحكم بالوجوب. لنا: رواية عمر بن يزيد الصحيحة في الفقيه، المروية في التهذيب والكافي أيضا، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه فيحضر يوم الفطر، يؤدي عنه الفطرة ؟ قال: " نعم، الفطرة واجبة على كل من يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حر أو مملوك " (4).


(1) المعتبر 2: 603. (2) المسالك 1: 446. (3) التهذيب 4: 82 ح 237، الاستبصار 2: 48 ح 157، الوسائل 6: 232 أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 9. (4) الفقيه 2: 116 ح 497، الكافي 4: 173 ح 16، التهذيب 4: 72 ح 196.

[ 242 ]

وصحيحة عبد الله بن سنان، قال: " كل من ضممت إلى عيالك من حر أو مملوك، فعليك أن تؤدي الفطرة عنه " (1) الحديث. وجه الاستدلال: أن ترك الاستفصال يفيد العموم، ولاريب أن الضيف يصدق على من اضيف في يوم واحد، بل أقل. وما يتصور من الإشكال في الدلالة إنما هو في كلمة " من يعول " بناءا على أن الظاهر منها الاستمرار وطول الزمان. وهو مدفوع: بأن المضارع قد يستعمل في الحال، وقد يستعمل في الاستقبال، وقد يستعمل في الملكة، وهو المعبر عنه بالاستمرار التجددي، وقد يستعمل في الحال المقابل للملكة. فعلى فرض الاشتراك فالمقام قرينة لإرادة الحال ; لأن قوله عليه السلام: " نعم، الفطرة واجبة على كل من يعول " بمنزلة كبرى لقياس اضمرت صغراه، وتقديره: أن الضيف ممن يعول، وكل من يعول تجب عنه الفطرة، وحينئذ فلابد من إرادة الحال مقابل الاستقبال، وإلا للزم القول بكون الضيف ممن يعول بمعنى الملكة، وهو باطل جزما. ولو قيل: إنه قرينة لإرادة الضيف المستمر، ففيه: أنه يوجب عدم مطابقة السؤال للجواب، إذ الجواب لابد أن يكون مساويا للسؤال أو أعم، أو لابد من الاستفصال حتى يتطابق مع السؤال. وأيضا لو لم يكن المراد بالضيف أعم من المستمر للزم بطلان إدعائهم الإجماع على وجوب الفطرة عن الضيف من حيث إنه ضيف في الجملة، إلا بإرادة أن الإجماع إنما هو على عدم كون الضيافة مانعة، لكونها سببا. مع أن المعنى الاستمراري للمضارع إنما هو بالنسبة إلى المستقبل كما في الزوجة والولد وغيرهما، ولم يقل به أحد في الضيف، بل اعتبر من اعتبر الاستمرار في سابق الزمان.


(1) الكافي 4: 170 ح 1، التهذيب 4: 71 ح 193، الوسائل 6: 229 أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 8.

[ 243 ]

وأيضا لفظ عال يعول بمعنى قات وأنفق مبني على الواو، والعيال مأخوذ من عال يمن العالة بمعنى الفاقة. وإن فرض انفهام الاستمرار من العيال والعيلولة المأخوذة منه فلا نسلم الانفهام من العول بمعنى الإنفاق. قال في الصحاح: يقال قد علته شهرا إذا كفيته معاشه (1)، ومن هذا يظهر أنه يضاف إلى أقل من الشهر، إلى يومين ويوم أيضا. والحاصل: أن الظاهر من قوله عليه السلام " من يعول " مع ذكر الضيف هو إرادة أن من كانت نفقته في عهدة غيره بالفعل، بمعنى أنه حضر حين تعلق خطاب الفطر ووجوبه ملتزم لنفقته ويصدق عليه أنه منفق عليه ففطرته عليه. وإلى ذلك يشير كلام الفاضلين، قال في التذكرة في الاستدلال بقوله صلى الله عليه وآله: " صدقة الفطرة عن كل صغير وكبير حر وعبد ممن تمونون " (2) أنه صالح للحال والاستقبال، وحمله على الحال أولى ; لأنه وقت الوجوب، وإذا علق الحكم على وصف ثبت مع ثبوته لاقبله ولابعده (3). ومثله قال في المعتبر (4). والإجماع المدعى في الانتصار لا يثبت اشتراط الشهر، وإن كان لا يخلو عن إشعار، مع أنه قال فيه ردا على العامة: وليس لهم أن يقولوا الضيف لا تجب عليه نفقته، فلاتجب فطرته، لأنا لسنا نراعي في وجوب الفطرة وجوب النفقة، بل نراعي من يعوله، سواء كان ذلك وجوبا أو تطوعا. ومن ذلك يظهر أن مستند الوجوب عنده في الضيف هو العيلولة، وهو لا يوجب تعين خصوص الشهر، والإجماع منعقد عليه عنده ; لأجل حصول العيلولة فيه،


(1) الصحاح 5: 1776. (2) سنن البيهقي 4: 161، سنن الدار قطني 2: 141 ح 12، الشرح الكبير 2: 649. (3) التذكرة 5: 380. (4) المعتبر 1: 604.

[ 244 ]

لالأجل حصولها في تمام الشهر، فلابد من بيان اشتراط الشهر من إبداء دليل آخر، ولم نقف عليه. ومما ذكرنا تعرف الحال في غير الضيف ; إذ يظهر من الأخبار المتضافرة جدا أن المعيار في وجوب الفطرة هو الإنفاق والعول (1)، وإذا أمكن تحققه في الضيف بالتقريب الذي ذكرنا بمجرد ليلة أو أقل، فكذلك في غيره ممن تجب فطرته عليه. وفي معنى الضيف كل متبرع بنفقته، ولو في ليلة العيد إذا أدرك عنده جزء من الشهر. وأما الأجير الذي عاله، فقال في المسالك: إن شرط النفقة أو قلنا بأنها على المستأجر فلا يجب عليه، وإلا كان بحكم الضيف (2). ولعل وجهه: أن النفقة حينئذ من الاجرة، وليس إنفاقا من المستأجر، والأحوط أن لا يترك. ثم قال: وإنما تجب الفطرة على المضيف مع يساره، ومع الإعسار تجب على الضيف الموسر. فلو تبرع المعسر بإخراجها عنه ففي الإجزاء قولان، جزم الشهيد بعدمه (3)، وهو حسن مع عدم إذن الضيف، وإلا فالإجزاء أحسن. والظاهر أن موضع الإشكال ما لو كان الإخراج بغير إذنه. ولو تبرع الضيف بإخراجها عن الموسر توقف الإجزاء على إذنه، وكذا القول في الزوجة وغيرها، انتهى كلامه. أقول: وما ذكره من الوجوب على الضيف الموسر مقتضى العمومات، ولكن لابد من أن يقيد بما لو لم يتحملها المعسر، فإنه لاريب في استحبابها على الفقير، ولايثنا في


(1) الوسائل 6: 227 أبواب زكاة الفطرة ب 5. (2) المسالك 1: 446. (3) البيان: 332.

[ 245 ]

صدقة، وبعد التحمل فلا دليل على الوجوب عليه. وحينئذ فلاوجه للقول بعدم الإجزاء مطلقا، كما أنه لاوجه لمدخلية الإذن في سقوط التكليف عن أحد وإثباته للغير لو لم يكن مستحبا للمعسر أيضا. وقياسه على الدين كما ترى ; إذ هي عبادة توقيفية. فينقدح من هذا وجوبها على الضيف الموسر، وسقوطها بتكلف المضيف المعسر ; فإن عمومات ما دل على وجوب الفطرة على المكلفين عن أنفسهم وعمن يعولون مخصصة باشتراط الغنى في المكلف والمعيل، وبعدم كون المكلف عيالا لمن تجب عليه أداء الفطرة لا مطلقا، فيبقى الضيف الموسر تحت عموم الوجوب، إذ الذي أسقط التكليف عن المعال إنما هو الأخبار الدالة على الوجوب على المعيل كما سيجئ، فإذا خصصنا الوجوب في تلك الأخبار بالموسر، فلم يبق مسقط عن الضيف ومخصص لعمومات وجوب الفطرة على الموسر (1). ويمكن توجيه مدخلية الإذن بجعله من باب التوكيل، فيكون من باب أعتق عبدك عني، أي ملكه إياي وأعتقه بالوكالة عني. ثم أقول: يمكن أن يقال: استحباب الزكاة على المعسر اتفاقي، ولا يصح توجه الخطابين إلى الضيف والمضيف في آن واحد، فإذا كان مستحبا للمضيف المعسر يسقط التكليف عن الضيف الموسر، فيكفي في إسقاطها عن الضيف مطلق تعلق الخطاب بالمضيف إيجابا كان أو ندبا. ولذلك ذهب بعضهم إلى سقوطه عنهما، أما عن المضيف فلإعساره فلا يجب عليه، وأما عن الضيف فلعيلولته للغير، وعدم الوجوب على الغير لإعساره لا يوجب تعلقها به. نعم، يمكن فرض ذلك فيما لو لم يقدر المعسر ولو على الاستقراض، فيمكن القول


(1) الوسائل 6: 227 أبواب زكاة الفطرة ب 5.

[ 246 ]

بانتفاء الخطاب حينئذ رأسا، فيجب حينئذ على الضيف ; لدخوله تحت العمومات، ولا مخصص لها حينئذ. ويظهر من الشهيد في البيان (1) احتمال منع الاستحباب للمعسر في الضيف ; لأن المنصوص استحباب إخراجها عن عياله ونفسه، والمفهوم من عياله الفقير. ثم قال: سلمنا، لكن الندب قاصر عن الوجوب في المصلحة الراجحة، فلا يساويه في الإجزاء، ولعله لذلك منع الإجزاء كما نقله في المسالك. وكيف كان، فلا ريب أن إخراج الضيف الموسر عن نفسه أولى وأحوط. ثم إن الشهيد الثاني قال في المسالك: ولو تعدد المضيف، وجبت عليهم بالنسبة (2). وفيه الإشكال المتقدم في العبد المشترك. والظاهر أنه لافرق في سقوط التكليف عنه بين علمه بإخراج المضيف عنه وعدمه، وربما احتمل الوجوب لو علم بعدم الإخراج، والأول أظهر ; لأن المسقط إنما هو توجه الخطاب إلى الغير، لاأداؤه، فإن التوجه إلى الغير ينفي التوجه إليه، فإذا لاخطاب فلا امتثال، فمن أين يثبت الوجوب ؟ ثم من جميع ما ذكرنا يظهر أنه لاوجه للإجزاء إذا تبرع الضيف بإخراجها عن الموسر ولو بإذنه إلا على التوجيه الذي ذكرناه في الإذن، فيجزي. الثالث: كل من تجب فطرته على غيره تسقط عن نفسه ; وإن كان ممن تجب عليه لو انفرد، مثل الضيف الغني، والقريب الكامل الغني، والزوجة ; للأصل، وظاهر الأخبار الدالة على قه صا ع وب الزكاة على المعيل (3)، وقوله صلى الله عليه وآله: " لايثنا في صدقة " (4).


(1) البيان: 332. (2) المسالك 1: 446. (3) الوسائل 6: 227 أبواب زكاة الفطرة ب 5. (4) الصحاح 6: 2294، النهاية لابن الأثير 1: 224، المغني والشرح الكبير 2: 627.

[ 247 ]

وعن ظاهر ابن إدريس الوجوب على الضيف والمضيف (1)، ولا يخفى ما فيه، وقد مر الكلام في صورة إعسار المضيف وحكم الضيف. وأما الزوجة ; فالكلام فيها نظير الكلام في الضيف، فإذا كان زوجها معسرا فقيل: يجب أن تخرجها عن نفسها إذا كانت موسرة، اختاره ابن إدريس (2) والمحقق (3) وصاحب المدارك (4)، ويظهر دليلهم مما مر في الضيف، وهو الاعتماد على العمومات، وخروج التي كانت تحت موسر بالدليل. وعن الشيخ في المبسوط: لافطرة عليها ولا على زوجها ; لأن الإعسار أسقطها عن الزوج، ولا دليل على وجوبها على الزوجة (5)، وعن فخر المحققين أنه قواه (6). وقال في المختلف: إن بلغ الإعسار بالزوج إلى حد تسقط عنه نفقة الزوجة، بأن لا يفضل معه شئ البتة، فالحق ما قاله ابن إدريس، وإن لم ينته الحال إلى ذلك، بل كان الزوج ينفق عليها مع إعساره فلا فطرة هنا، والحق ما قاله الشيخ (7). ودليله على الجزء الأول: ما مر في قول ابن إدريس، وعلى الجزء الثاني: أنها في عائلة الزوج ولا تجب عليها، وهو معسر فلاتجب عليه. ورد: بأن النفقة لا تسقط الفطرة إلا إذا تحملها. ثم قال: والتحقيق أن الفطرة إن كانت بالأصالة على الزوج، سقطت لإعساره عنه وعنها، وإن كانت بالأصالة على الزوجة، وإنما يتحملها الزوج، سقطت عنه لفقره ووجبت عليها عملا بالأصل (8).


(1 و 2) السرائر 1: 468 (3) المعتبر 2: 602. (4) المدارك 5: 326. (5) المبسوط 1: 241. (6) إيضاح الفوائد 1: 211. (7) المختلف 2: 277. (8) المختلف 3: 278.

[ 248 ]

ورد: بأن ظاهر الأخبار (1) وكلام الأصحاب وإن اقتضى وجوب الفطرة بالأصالة على الزوج مع يساره، ولكن ذلك لا يوجب سقوطها عن الموسرة مع إعساره. أقول: ويظهر التحقيق في المسألة مما قدمناه في الضيف، فالأقوى سقوطها عنهما معا مطلقا ; إلا أن يتمكن الزوج من الفطرة ولو بالاستقراض، فحينئذ تجب على الزوجة ; للعمومات. ثم إن الكلام في تبرع الزوجة عن الموسر ومدخلية الإذن في الأداء وعدمها أيضا كما تقدم. وصرح الشيخ هنا في الخلاف أيضا باعتبار الإذن، قال: إذا أخرجت المرأة الزكاة عن نفسها بإذن زوجها أجزأت عنها، وإن لم يأذن لم تجز عنها (2). وحسنه في المعتبر (3) ; لأنه إذا أذن لها كان المخرج لها كما لو أمرها بأداء الدين عنه أوالعتق. وقد مر ما فيه وتوجيهه. هذا كله إذا كانت في عيلولة الزوج، أما لو عالت نفسها مع إعسار الزوج فإنما تجب عليها. الرابع: لاريب في عدم اشتراط الحضور في الفطرة، فإذا غاب الرجل عن عياله فلا تسقط فطرتهم عنه، وتدل عليه العمومات، وخصوص صحيحة جميل أيضا (4). وهذا فيمن علم خبرهم وحياتهم ولو بالاستصحاب، مع الشرائط المقررة من عدم عيلولتهم للغير مطلقا، أو عدم عيلولة واجب النفقة منهم للغير ولأنفسهم على


(1) الوسائل 6: 227 أبواب زكاة الفطرة ب 5. (2) الخلاف 2: 138. (3) المعتبر 2: 602. (4) الكافي 4: 171 ح 7، التهذيب 4: 331 ح 1038، الوسائل 6: 254 أبواب زكاة الفطرة ب 19 ح 1.

[ 249 ]

المختار، ولو كان العلم بهذا الشرط أيضا من جهة الاستصحاب المفيد للظن. وأما لو جهل حال الشرط، ولو من جهة الاستصحاب أيضا، مثل أنه كان لعياله نفقة وعلم أنها تمت، واحتمل كونهم حينئذ معالين للغير أو لأنفسهم، فحينئذ يشكل الأمر، والظاهر عدم الوجوب مطلقا على المختار، وعن غير الواجب النفقة على المشهور ; للأصل ; والشك في سبب الوجوب، واستصحاب عصمة المال عن استحقاق الغير فيه، هذا كله إذا كان الغائب معلوم الخبر والحياة ولو من جهة الاستصحاب. وأما إذا لم يعرف خبره ; فقد ذكروا في المملوك الغائب قولين، فذهب جماعة من الأصحاب إلى السقوط ; للأصل، وعدم العلم بوجود الغائب، واستصحاب عصمة المال (1). وذهب ابن إدريس إلى الوجوب ; للاستصحاب، ولجواز عتق العبد الآبق في الكفارة كما دلت عليه صحيحة أبي هاشم الجعفري (2)، وادعى عليه هو أيضا الإجماع (3). ورد: بأن الاستصحاب معارض بأصالة البراءة، وأن قياسه على العتق باطل، سيما وهو من حقوق الله ويبنى على التخفيف، بخلاف الفطرة فإن إيجابها على المكلف يحتاج إلى سبب، ولكن كلامهم هذا مطلق بالنسبة الى منقطع الخبر وغيره. والتحقيق: أن الكلام إن كان فيمن علم خبره سواء علمت حياته أو لم تعلم، وعلم حال الشرط أيضا أو جهل، فحكمه ما قدمناه، وإن كان فيمن انقطع خبره فعلى المختار، فمن انقطع خبره فهو أولى بانقطاع الخبر عن شرط الوجوب أيضا، إلا مع فرض تحقق استصحاب يفيد ذلك أيضا، ومع عدم العلم بالشرط ولو من جهة الاستصحاب فينتفي الوجوب مطلقا، أي عن واجب النفقة وغيره، فلا يجري فيه القولان ; لعدم إفادة استصحاب الحياة شيئا ما لم يعلم الشرط، فالحكم إنما يستند إلى جهالة الشرط.


(1) كالشيخ في الخلاف 2: 136 مسألة 168، والمحقق في المعتبر 2: 598، والعلامة في المنتهى 1: 598. (2) الكافي 6: 199 ح 3، الوسائل 16: 62 أبواب العتق ب 48 ح 1. (3) السرائر 1: 467، قال: يجب عليه إخراج الفطرة... ولهذا يعتقه في الكفارة بلا خلاف.

[ 250 ]

وعلى المشهور، من أصالة وجوب الفطرة على واجب النفقة ما لم يكن عيالا للغير، فيمكن إجراء القولين وإفادة الاستصحاب وجوبها عن واجب النفقة وإن لم يحصل العلم بالشرط، فليتأمل. فلعل المشهور أيضا يشترطون عدم إعالة الغير لهم، فتنحصر ثمرة القولين بالنظر إلى ملاحظة الموت والحياة فيما علم عدم إعالة الغير لهم وجهل حالهم في كونهم معالين له أو لأنفسهم، فينفع الاعتماد على استصحاب الحياة. ويظهر من الكلام في المملوك حكم غيره أيضا. ففذلكة المختار: تقديم الاستصحاب على أصل البراءة، سواء كان استصحاب الشرط على المختار، أو استصحاب الحياة فقط أيضا على المشهور في واجب النفقة. الخامس: من كان له عبد ومات بعد دخول ليلة العيد فتجب فطرته في تركته. وإن كان له دين مستوعب يقسم ماله على الدين والفطرة بالنسبة. ولو مات قبله فلا يجب شئ على الميت، فإن لم يكن عليه دين ولاوصية فتجب فطرته على الوارث، إن لم يعله غيره. وإن كان عليه دين ; فإن عاله أحد فتجب عليه، وإلا - فإن قلنا بعدم انتقال المال إلى الوارث إذا كان الدين مستوعبا على الأشهر أو مطلقا على المختار كما هو ظاهر المحقق في مباحث الفطرة من الشرائع (1) ونقله فخر المحققين عن بعض الأصحاب (2) واختاره المحقق الأردبيلي رحمه الله (3) وبعض من تأخر عنه (4) وبقاؤه على حكم مال الميت - فتسقط الفطرة رأسا ; لعدم كون الميت مكلفا، وعدم ملك الوارث.


(1) الشرائع 1: 160. (2) إيضاح الفوائد 1: 210. (3) مجمع الفائدة والبرهان 4: 280. (4) الذخيرة: 474.

[ 251 ]

وإن قلنا بانتقاله إلى الوارث مطلقا، ومنعه عن التصرف حتى يؤدي دينه ; فاختار في المدارك أن الزكاة على الوارث (1). ويشكل ذلك من جهة عدم استقلال الملك، وهو المتبادر منه، بل احتمل سقوط الوجوب - على تقدير جواز التصرف مع ضمان الدين أيضا - المحقق الأردبيلي رحمه الله (2) ; لعدم الاستقلال من جهة تعلق الدين بها، ولكنه بعيد، بل الأظهر حينئذ وجوبه على الوارث من عين ماله، لامن التركة. ولو أوصى به لأحد، فإن قبلها قبل دخول ليلة العيد فلا إشكال في وجوب الفطرة على الموصى له. وإن قبلها بعده، فإن قلنا بأن القبول جزء سبب للنقل فتسقط عن الوارث ; لعدم الانتقال إليه مع الوصية كما اخترناه، وعن الموصى له ; لعدم حصول الملك بعد. وعلى القول بانتقاله إلى الوارث فالأظهر أيضا العدم ; لعدم استقلال الملك وتماميته. وإن قلنا بأنه كاشف عن الملك فيحتمل وجوبه على الموصى له ; لحصول الملك حين الوجوب، وعدم الوجوب عليه ; لاستحالة تكليف الغافل، والوجوب على الوارث ; لكونه ملكه ظاهرا، بناءا على القول بالانتقال، مع إمكان رد الموصى له الوصية. واختار الشهيد الثاني - رحمه الله - الأول (3)، بناءا على أن القبول كاشف، وأنه لا يضر عدم العلم حين الوجوب ; كما لو ولد له ولد ولم يعلم به حتى دخل شوال. أقول: والأظهر السقوط عنهما جميعا حينئذ أيضا، أما عن الوارث ; فلعدم الانتقال إليه، سيما مع تعقبه بقبول الموصى له في نفس الأمر ; ولعدم استقلال الملك وتماميته على القول بالانتقال أيضا.


(1) المدارك 5: 331. (2) مجمع الفائدة والبرهان 4: 281. (3) المسالك 1: 449.

[ 252 ]

وأما عن الموصى له ; فلعدم تماميته أيضا، سيما مع فرض الغفلة والجهالة. وقياسه على الولد غير صحيح ; لأن مجرد إعلام التولد كاف في العلم، بخلاف إعلام الوصية، والمتبادر من المملوك هو المعلوم المملوكية، وإن صدق اسم المملوك على ما هو كذلك في نفس الأمر. ولو رد الوصية ; فإن قلنا بالانتقال إلى الوارث فتجب عليه على إشكال، من جهة عدم الاستقلال، وإلا فلا فطرة كما بيناه.

[ 253 ]

المقصد الثالث في جنسها ومقدارها وفيه مباحث: الأول: قال المفيد: ماهية زكاة الفطرة، وهي فضلة أقوات أهل الأمصار، على اختلاف أقواتهم في النوع، من التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير، والأرز، والإقط، واللبن (1). ومثله قال السيد بدون ذكر الأرز (2). وعن الصدوقين (3) و (4) وابن أبي عقيل (5): أنها صاع من حنطة، أو صاع من شعير، أو صاع من تمر، أو صاع من زبيب. وعن الشيخ في المبسوط: يجب صاع من التمر، أو الزبيب، أو الحنطة، أو الشعير، أو الارز، أو الإقط، أو اللبن (6).


(1) المقنعة: 249. (2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 80. (3) حكاه العلامة في المختلف 3: 281 عن علي بن بابويه في الرسالة. (4) المقنع (الجوامع الفقهية): 18، الهداية (الجوامع الفقهية): 56. (5) حكاه العلامة في المختلف 3: 281 عن ابن أبي عقيل. (6) المبسوط 1: 241.

[ 254 ]

وعن الخلاف: يجوز إخراج صاع من الأجناس السبعة المذكورة ; للإجماع على إجزاء هذه، وما عداها ليس على جوازه دليل (1). وعن ابن الجنيد: ويخرجها من وجبت عليه من أغلب الأشياء على قوته ; حنطة، أو شعير، أو تمر، أو زبيب، أو سلت، أو ذرة (2)، وبه قال أبو الصلاح (3) وابن إدريس (4)، وهو مختار الفاضلين (5) والمتأخرين (6)، بل نسبه جماعة إلى المشهور (7). وظني أن مختار المفيد - رحمه الله - أيضا هو ذلك، وذكر المذكورات في كلامه بعنوان المثال، ومراده من الأمصار: الأقطار لاالبلدان فقط، فيشمل البوادي ; لأنا لا نعلم مصرا يكون غالب قوتهم الإقط أو اللبن، ويشهد بذلك أنه ذكر بعد ذلك حديث الهمداني في تحديد القوت الغالب (8). وكذلك الظاهر من السيد هو أيضا هذا القول. وأما الصدوقان ; فلعلهما اقتصرا عليذكر الأربع تبعا للأخبار، وما سنذكر في تأويل تلك الأخبار من أن المراد منها بيان المقدار، وذكر الغوت الأربع أو أزيد أو أقل من باب المثال جار في كلام الصدوقين أيضا، فالقائل بالاقتصار على قوت دون قوت نادر. نعم يظهر من الخلاف الاقتصار (9)، ولعله أيضا أراد الاحتراز عن مثل الخل والدبس ونحوهما، لامثل الذرة والدخن ونحوهما، ولكنه خلاف الظاهر. وكيف كان، فالأقوى كفاية القوت الغالب، ولو كان عدسا أو دخنا أو حمصا أو


(1) الخلاف 2: 150. (2) حكاه عنه في المختلف 3: 282. (3) الكافي في الفقه: 169. (4) السرائر 1: 468. (5) المحقق في المعتبر 2: 605، والعلامة في المختلف 3: 282. (6) كالشهيدين في اللمعة والروضة 2: 59. (7) كالعلامة في المعتبر 2: 605. (8) التهذيب 4: 79 ح 226، الاستبصار 2: 44 ح 140، الوسائل 6: 238 أبواب زكاة الفطرة ب 8 ح 2. (9) الخلاف 2: 150 مسألة 188.

[ 255 ]

غيرها، ويظهر من العومة في المنتهى (1) والتذكرة (3) والمحقق في المعتبر (3) الإجماع عليه من علمائنا، وكذلك الشيخ في الخلاف، حيث ادعى إجماع الطائفة على العمل برواية الهمداني الآتية (4). وقال في المعتبر: الضابط إخراج ما كان قوتا غالبا، كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والارز والإقط واللبن، وهو مذهب علمائنا. ومثله قال في التذكرة، وذكر فيها بالخصوص في الارز واللبن أيضا أنه يجوز إخراجهما عند علمائنا ; لأنهما يقتات بهما، ونسب الخلاف فيهما إلى بعض العامة. ثم إن في معنى ما كان قوتا غالبا اشتباه، والذي أفهمه أن المراد أنه يجوز أن يخرج الفطرة عما هو قوت الإنسان غالبا وإن كانت طوائف الناس مختلفة في غلبة التقوت بها، لاأنه يجب لكل طائفة إخراجها عما هو غالب عندها، ولايجوز غيرها، فيجوز على أهل الأمصار العظيمة إخراج الإقط واللبن، وإن كانا قوتين لأهل البوادي غالبا. وصرح بذلك في التذكرة، بل قال في التذكرة: وأما اللبن فيجوز إخراجه عند علمائنا أجمع لكل أحد، سواء قدر على غيره من الأجناس أو لا (5). فالمراد من تحديد القوت الغالب في رواية الهمداني الآتية هو إما بيان أنه لا يجب عليهم تحصيل الأعلى، أو يستحب لهم الإخراج منه وترك الأدون. وأما وجوب الإخراج من القوت الغالب للبلد أو للشخص، فلم نقف على قائل به، ولا على دليل يدل عليه. وما يظهر من الأخبار الآتية من الوجوب فهو لو سلمت الدلالة فيها فلابد أن ينزل على أحد الأمرين ; لعدم القول به من أحد من حيث إنه قوت غالب.


(1) المنتهى 1: 536. (2) التذكرة 5: 383 مسألة 289. (3) المعتبر 2: 605. (4) الخلاف 2: 151. (5) التذكرة 5: 382 مسألة 288.

[ 256 ]

فالغلبة في كلامهم قد تلاحظ بالنسبة إلى نوع الإنسان، فيحصل الاحتراز عن مثل السلق والشلغم والجزر والخس وغير ذلك، فإن اقتيات الإنسان بها في غاية الندرة، ولا ينصرف القوت في الأخبار إلى أمثال ذلك. وإلى هذا ينظر كلام المحقق في المعتبر والعومة في التذكرة وغيرهما (1)، فذكر الحنطة والشعير وغيرهما من الأجناس للمثال، لاللتعيين كما هو واضح. وقد يلاحظ بالنسبة إلى البلاد والأقطار، يعني كل قطر يخرج من القوت الغالب عندهم، كالارز عند أهل طبرستان، واللبن عند أهل البوادي، وهذا الاحتراز ليس على حذو الاحتراز السابق كما بيناه، بل مرادهم من هذه الملاحظة والتقييد هو إما بيان نفس الجواز وعدم وجوب تحصيل الأعلى، لاعدم جواز الأدون، أو بيان الاستحباب كما سيجئ في تأويل خبر الهمداني (2). وقد يلاحظ بالنسبة إلى الشخص المعطى، وهو أيضا إنما يثمر في أحد المعنيين الأخيرين، فلو كان أهل بلد مقتاتين بالحنطة وواحد منهم يقتات بالارز مثلا نقول: يجوز عليه إخراج الحنطة أو الشعير إن كان أدون، ولا يجب عليه إخراج التمر والزبيب، إن كانا أعلى. ويستحب عليه إخراج الارز - لا الأدون ولا الأعلى - على ظاهر رواية الهمداني بناءا على إطلاق حمل الشيخ إياها على الاستحباب (3)، فقولهم في مقام بيان الجنس وتحديد ماهية الفطرة حيث يعبرون به بأنه يخرج غالب قوته أو غالب قوت بلده، لا بد أن يحمل على ما ذكرناه في معنى كلام المحقق، وهو أن المراد عدم وجوب تحصيل الأعلى وكفاية ما يقتات. وحيث يعبرون بأنه يخرج ما كان قوتا غالبا أنه لا يجوز إخراج ما هو غير غالب


(1) المعتبر 2: 605، المنتهى 1: 536، التذكرة 5: 283 مسألة 289. (2) التهذيب 4: 79 ح 226، الاستبصار 2: 44 ح 140، الوسائل 6: 238 أبواب زكاة الفطرة ب 8 ح 2. (3) الخلاف 2: 150 مسألة 189.

[ 257 ]

قوت الإنسان، وأما غلبة أحد الغالبات على الآخر، كغلبة الحنطة والشعير على الارز والحمص فهو غير مضر. نعم لو فرض قوت يندر للإنسان التقوت به فهو يخرج ; لعدم الانصراف إليه كما ذكرناه سابقا. فلنرجع إلى ذكر أدلة الأقوال، ونقول: يدل على المختار - مضافا إلى ظاهر الإجماع - أخبار كثيرة، مثل صحيحة زرارة وابن مسكان جميعا، عن الصادق عليه السلام، قال: " الفطرة على كل قوم مما يغذون عيالهم من لبن أو زبيب أو غيره " (1). وما رواه الكليني - رحمه الله - في الصحيح، عن يونس، عمن ذكره، عنه عليه السلام قال، قلت له: جعلت فداك، هل على أهل البوادي الفطرة ؟ قال: " الفطرة على كل من اقتات قوتا فعليه أن يؤدي من ذلك القوت " (2). وصحيحة معاوية بن عمار، عنه عليه السلام، قال: " يعطي أصحاب الإبل والبقر والغنم في الفطرة من الإقط صاعا " (3) إلى غير ذلك من الأخبار التي ذكر في بعضها الذرة بالخصوص، وفي بعضها الذرة والسلت، وفي بعضها العدس والسلت والذرة وغير ذلك (4)، وستجئ رواية الهمداني أيضا. وأما دليل سائر الأقوال فهو الأخبار المذكورة فيها هذه الأجناس، فحسبوا أن ذكر تلك الأشياء للتعبد، وليس كذلك، بل إنما هو بعنوان المثال، ولذلك اختلفت الأخبار في ذكر المثال في الاقتصار على البعض، وذكر البعض في بعضها، والبعض الآخر في آخر. وأغرب صاحب المدارك حيث اقتصر على الغوت الأربع والإقط (5)، مع أنا


(1) التهذيب 4: 78 ح 221، الاستبصار 2: 43 ح 137، الوسائل 6: 238 أبواب زكاة الفطرة ب 8 ح 1. (2) الكافي 4: 173 ح 14، الوسائل 6: 239 أبواب زكاة الفطرة ب 8 ح 4. (3) التهذيب 4: 80 ح 230، الاستبصار 2: 46 ح 151، الوسائل 6: 231 أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 2. (4) الوسائل 6: 231 أبواب زكاة الفطرة ب 6. (5) المدارك 5: 335.

[ 258 ]

لم نجد من يوافقه، واستدل بصحيحة صفوان الجمال، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة فقال: " على الصغير والكبير والحر والعبد، عن كل إنسان منهم صاع من حنطة، أو صاع من تمر، أو صاع من زبيب " (1). وصحيحة سعد بن سعد الأشعري، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الفطرة كم يدفع عن كل رأس من الحنطة والشعير والتمر والزبيب ؟ قال: " صاع بصاع النبي صلى الله عليه وآله " (2). وبصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (3) وذلك لما هو عليه من عدم الاعتماد، إلا على ما يعتمد عليه من الأخبار الصحيحة. وأنت خبير بأن سؤال الراوي غير مخصص، وصحيحة معاوية تدل على أن اعتبار الإقط لأجل تقوت أرباب المواشي به، وصحيحة صفوان منزلة على بيان المقدار لاا لأجناس، كما تشهد به ملاحظة سائر الأخبار واختلافها في ذكر الأجناس نوعا وعددا. تنبيهان: الأول: في إجزاء الدقيق والسويق عن الحنطة والشعير على الأصل، قولان، ناظران إلى عدم صدق الحنطة والشعير عليهما. وإلى رواية حماد وبريد ومحمد بن مسلم، عن الصادقين عليهما السلام، قالوا: سألناهما عليهما السلام عن زكاة الفطرة، قالا: " صاع من تمر أو زبيب أو شعير، أو نصف ذلك كله حنطة أو دقيق أو سويق أو ذرة أو سلت " (4) الحديث، وأنه حب تفتت. والتحقيق أن يقال: إن كان ذلك قوتهم، كما لو كان بلد لا يجلب إليهم إلا الطحين أو


(1) التهذيب 4: 71 ح 194، الاستبصار 2: 46 ح 149، الوسائل 6: 227 أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 1. (2) الكافي 4: 171 ح 5، الفقيه 2: 115 ح 492، التهذيب 4: 80 ح 227، الاستبصار 2: 46 ح 148، الوسائل 6: 231 أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 1. (3) التهذيب 4: 80 ح 220، الاستبصار 2: 46 ح 151، الوسائل 2: 231 أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 2. (4) التهذيب 4: 82 ح 236، الاستبصار 2: 43 ح 139، الوسائل 6: 234 أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 17.

[ 259 ]

السويق، فلا إشكال في إخراجهما على الأصل، وإلا فلا يبعد أيضا الجواز ; حملا للأخبار الناصة على الحبوب على الغالب، سيما مع التأييد بالأصل ونفي الحرج والإعسار. والرواية أيضا مؤيدة، فلا يضر ضعفها ولا اشتمالها على تنصيف الحنطة، فإن خروج بعض أجزاء الرواية مورد التقية أو غيره من المخالفات لا يضر بالباقي. وفي الخبز أيضا قولان، والأحوط الاقتصار على الحب، والإخراج على القيمة لاعلى الأصل. الثاني: لا يجزي إخراج صاع مركب من جنسين أو أزيد على ما صرح به جماعة (1)، وذهب في المختلف إلى الإجزاء (2)، وهو ضعيف مخالف لظاهر النصوص. وذكر الشهيدان في مسألة العبد المشترك بين جماعة: أنه لو أخرج كل واحد من جنس يجزي وإن اتفقت أقواتهم (3). وقد مر الإشكال في لزوم الفطرة عن الأقل من رأس، فهذا إشكال على إشكال. وأما لو أعطى المعيل عن كل واحد من عياله من جنس على حدة فلا إشكال في الإجزاء ; لصدق الأخبار، وظهور الإجماع من المنتهى (4). الثاني: الأفضل إخراج التمر عند جماعة (5)، وثم الزبيب، وثم ما يغلب على قوته عند آخرين (6)، وهما معا عند بعضهم (7)، والأرفع قيمة عند بعضهم (8)، وعن


(1) كالشيخ في المبسوط 1: 241. (2) المختلف 3: 294. (3) الدروس 1: 251، البيان: 330، المسالك 1: 488. (4) المنتهى 1: 538. (5) كالصدوق في الفقيه 2: 117، والمقنع (الجوامع الفقهية): 18، والشيخ المفيد في المقنعة: 250، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 242، والنهاية: 190، وحكاه عن علي بن بابويه والعماني في المختلف 3: 285. (6) مجمع الفائدة والبرهان 4: 246. (7) المهذب 1: 175. (8) المراسم: 135.

[ 260 ]

الشيخ في الخلاف المستحب ما يغلب على قوت البلد (1)، واختاره في المعتبر (2). حجة الأول: أخبار كثيرة معتبرة لانطيل بذكرها، منها صحيحة هشام بن الحكم، عن الصادق عليه السلام، قال: " التمر في الفطرة أفضل من غيره ; لأنه أسرع منفعة، وذلك لأنه إذا وقع في يد صاحبه أكل منه " (3). وهو يدل على مساواة الزبيب له، لكن ههنا أخبار كثيرة مصرحة بأن التمر أفضل بل وأحب، إما بالإطلاق، أو مع ذكر الزبيب في جملة الأجناس، ثم إطلاق أن التمر أحب. وفي رواية زيد الشحام، عن الصادق عليه السلام: " لأن أعطي صاعا من تمر أحب إلي من أن اعطي صاعا من ذهب في الفطرة " (4). واحتج الشيخ بما رواه إبراهيم بن محمد الهمداني، قال: اختلفت الروايات في الفطرة، فكتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام أسأله عن ذلك، فكتب: " إن الفطرة صاع من قوت بلدك، على أهل مكة واليمن والطائف وأطراف الشام واليمامة والبحرين والعراقين وفارس والأهواز وكرمان تمر. وعلى أهل أوساط الشام زبيب. وعلى أهل الجزيرة والموصل والجبال كلها بر أو شعير. وعلى أهل طبرستان الارز. وعلى أهل خراسان البر، إلا أهل مرو والري فعليهم الزبيب. وعلى أهل مصر البر، ومن سوى ذلك فعليهم ما غلبت قوتهم. ومن سكن البوادي من الأعراب فعليهم الإقط. والفطرة عليك وعلى الناس كلهم ومن يعول من ذكر أو انثى، صغير أو كبير،


(1) الخلاف 2: 150 مسألة 189. (2) المعتبر 2: 606. (3) التهذيب 4: 85 ح 248، الوسائل 6: 244 أبواب زكاة الفطرة ب 10 ح 8. (4) التهذيب 4: 85 ح 249، الوسائل 6: 244 أبواب زكاة الفطرة ب 10 ح 6.

[ 261 ]

حر أو عبد، فطيم أو رضيع، يدفعه وزنا ستة أرطال من رطل المدينة، والرطل مائة وخمسة وتسعون درهما، تكون الفطرة ألفا ومائة وسبعين درهما " (1). ولما كان ظاهر هذه الرواية تعيين الأجناس المذكورة لأهل كل قطر، وهو خلاف الإجماع ظاهرا، فحملها على الاستحباب. أقول: ومن البعيد غاية البعد أفضلية الذرة من التمر، أو غير ذلك مما تضمنته الرواية، بل المراد - والله يعلم - إما بيان عدم وجوب تحصيل الأرفع قيمة، وإجزاء ماكان قوتا لهم، أو استحباب عدم العدول إلى الأدون مع كون القوت هو الأعلى، أو هو لبيان نفس القوت الغالب بعنوان التمثيل، وإن لم تحصل الإحاطة عليه بالخصوص في جميع الأفراد. وقد يتوهم أن من المشاهد عدم اعتياد قوت بعض البلاد فيما ذكر في الرواية وإن وجد فيه. وفيه: أن المعتبر زمان صدور الرواية، فلعله في ذلك الوقت لم يكن في أوساط الشام مثلا إلا الزبيب، أو كان قوتهم الغالب مركبا منه ومن غيره، فيصدق عليه أيضا أنه الغالب بالنسبة إلى الغير، وهكذا. الثالث: لا يتعين إعطاء العين، بل يجوز إخراج القيمة أيضا بلا خلاف ظاهر، وادعى عليه الإجماع غير واحد (2)، والظاهر عدم الفرق بين الواجد والفاقد كما نص عليه غير واحد (3). ويدل على المسألة - بعد الإجماع - أخبار كثيرة، مثل موثقة إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا بأس بالقيمة في الفطرة " (4).


(1) التهذيب 4: 79 ح 226، الاستبصار 2: 44 ح 140، الوسائل 6: 238 أبواب زكاة الفطرة ب 8 ح 3. (2) كالشيخ الطوسي في الخلاف 2: 150 مسألة 188، والعلامة في التذكرة 5: 386، والعاملي في المدارك 5: 336. (3) كالمحقق في المعتبر 2: 608. (4) التهذيب 4: 86 ح 252، الاستبصار 2: 50 ح 167، الوسائل 6: 241 أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 9.

[ 262 ]

وموثقته الاخرى قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، ما تقول في الفطرة، يجوز أن اؤديها فضة بقيمة هذه الأشياء التي سميتها ؟ قال: " نعم، إن ذلك أنفع له، يشتري ما يريد " (1). وإطلاق الأول وتعليل الثاني يقتضي جواز أداء القيمة من النقدين وغيرهما من الأمتعة والحبوب. ولا ينافي ذلك الأخبار الكثيرة الصحيحة وغير الصحيحة التي ذكر فيها الدرهم والفضة، مثل صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (2)، وصحيحة أيوب بن نوح (3) وغيرها، فإن الدرهم إما في سؤال السائل، أو مذكور بعنوان المثال، أو محمول على الغالب، فتوهم الاقتصار على الدراهم - مع أنا لم نقف على مصرح به من الأصحاب - ضعيف. نعم يمكن الإشكال بأن القيمة تنصرف إلى النقدين كما يظهر من المحقق الأردبيلي رحمه الله (4). ويدفعه: أن الأخبار مع كثرتها قد اقتصر فيها على ذكر الدرهم أو الفضة، مع أن الفلوس أيضا مما تصدق عليها القيمة غالبا، ولكن الظاهر أنه لا خلاف بينهم في كفاية النقدين. وكيف كان فالأظهر التعميم في القيمة كما هو ظاهر الأكثر. ثم إن قلنا بتعميم القيمة فهل يجزي نصف صاع من أحد الأجناس قيمة عن صاع أدون منه ؟ فيه قولان، اختار الجواز في المختلف (5)، والتذكرة (6)، وأنكره الشهيد في


(1) التهذيب 4: 86 ح 251، الاستبصار 2: 50 ح 166، الوسائل 6: 241 أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 6. (2) التهذيب 4: 91 ح 266، الوسائل 6: 239 أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 1. (3) الكافي 4: 174 ح 24، التهذيب 4: 91 ح 265، الوسائل 6: 240 أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 3. (4) مجمع الفائدة 4: 259، قال: ثم الظاهر الاقتصار في القيمة على النقد. (5) المختلف 3: 293. (6) التذكرة 5: 390 مسألة 295.

[ 263 ]

البيان (1)، وتبعه في المدارك (2)، والأحوط الثاني. والمشهور أنه لا تحديد في القيمة، بل يرجع إلى قيمة السوق، ونقل المحقق قولا بتقديره بدرهم، وآخر بتقديره بأربعة دوانيق (3)، وذكر جماعة أن القولين مجهولا القائل (4). ولعل مستندهما هو ما رواه المفيد في المقنعة مرسلا، قال: وسئل - يعني الصادق عليه السلام - عن مقدار القيمة، فقال: " درهم في الغلاء والرخص " وروي: أن أقل القيمة في الرخص ثلثا درهم، ثم قال: وذلك متعلق بقيمة الصاع في وقت المسألة عنه، والأصل إخراج القيمة عنهما بسعر الوقت الذي تجب فيه (5). وكيف كان، فالمتعين هو الرجوع إلى القيمة السوقية ; لإطلاق الأخبار الكثيرة (6)، والعمل المقارب للإجماع، بل قال في المختلف: لا خلاف في جواز إخراج القيمة بسعر الوقت (7). الرابع: مقدار الفطرة صاع من جميع الأقوات ; للأخبار الصحيحة المستفيضة جدا وغيرها (8). وما ورد في بعض الأخبار الصحيحة وغيرها من إجزاء نصف صاع من حنطة (9) محمول على التقية كما ذكره الشيخ (10) وغيره (11)، وقال: إنها من بدع عثمان


(1) البيان: 337. (2) المدارك 5: 341. (3) الشرائع 1: 160، المعتبر 2: 609. (4) كما في المسالك 1: 451، والمدارك 5: 343. (5) المقنعة: 251. (6) الوسائل 6: 239 أبواب زكاة الفطرة ب 9. (7) المختلف 3: 290. (8) الوسائل 6: 227 أبواب زكاة الفطرة ب 5، 6. (9) الوسائل 6: 233 أبواب زكاة الفطرة ب 6. (10) التهذيب 4: 82، الاستبصار 2: 48. (11) كالعلامة في المنتهى 1: 537.

[ 264 ]

ومعاوية، فتابعهم الناس، وخرجت تلك الأخبار وفاقا لهم، وصرح بذلك في طائفة من الأخبار. وربما تحمل على التقية كما يظهر من التذكرة (1). وقد مضى في باب الزكاة مقدار الصاع، وأنه أربعة أمداد وتسعة أرطال بالعراقي، وستة بالمدني. واختلفوا في خصوص اللبن، فالمشهور فيه أيضا أنه صاع، تسعة أرطال بالعراقي، وقال الشيخ في النهاية: إنه أربعة أرطال (2)، وفي المبسوط قيدها بالمدني (3)، وكذلك في كتابي الأخبار (4)، وضم إليه الإقط أيضا، وتبع الشيخ أيضا غيره في التفسير بالمدني. والأقوى الأول ; للعمومات، والخصوصات الكثيرة. ويدل على الثاني رواية القاسم بن الحسن رفعها، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن رجل في البادية لا يمكنه الفطرة، قال: " يتصدق بأربعة أرطال من لبن " (5). واحتجوا على تفسيره بالمدني بصحيحة محمد بن الريان، قال: كتبت إلى الرجل أسأله عن الفطرة وزكاتها كم تؤدى ؟ فكتب: " أربعة أرطال بالمدني " (6). والرواية الاولى ضعيفة، وظاهر الثانية متروك، وحملها الشيخ على تصحيف الأمداد بالأرطال، أو على تخصيصها باللبن والإقط للخبر السابق (7). ثم قد مر الكلام في جواز إخراج صاع من جنسين، والأظهر عدم الإجزاء إلا على


(1) التذكرة 5: 388 مسألة 293. (2) النهاية: 191. (3) المبسوط 1: 241. (4) التهذيب 4: 84، الاستبصار 2: 49. (5) التهذيب 4: 84 ح 245، الاستبصار 2: 50 ح 165، الوسائل 6: 236 أبواب زكاة الفطرة ب 7 ح 3. (6) التهذيب 4: 84 ح 244، الاستبصار 2: 49 ح 164، الوسائل 6: 237 أبواب زكاة الفطرة ب 7 ح 5. (7) التهذيب 4: 84.

[ 265 ]

وجه القيمة لو جوزناه ; لظاهر الأخبار، بل بعضها كالصريح (1). وأجازه العلامة (2) على الأصل ; لوجوه اعتبارية لا تعارض بها ظواهر الأخبار.


(1) التهذيب 4: 86 ح 251، الاستبصار 2: 50 ح 166، الوسائل 6: 241 أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 6. (2) المختلف 3: 294.

[ 266 ]

المقصد الرابع في وقت الإخراج وكيفيته وفيه مباحث: الأول: الأقرب أنه تجب الفطرة بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان، وفاقا للشيخ في الجمل والاقتصاد (1)، بل جميع كتبه على ما يظهر من المختلف (2)، وابن حمزة (3)، وابن إدريس (4)، وأكثر المتأخرين ; لصحيحة معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة ؟ قال: " لا، قد خرج الشهر "، وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر، عليه فطرة ؟ قال: " لا " (5). ورواه الصدوق بسنده، عن علي بن حمزة، عن معاوية بن عمار بأدنى تفاوت، وزاد في آخره: " وليس الفطرة إلا على من أدرك الشهر " (6)، فإن مفهومها وجوب الفطرة عليهم وعنهم بمحض انتقالهم متلبسا بالولادة والإسلام من الشهر، ولا ينتظر بهم


(1) الجمل والعقود: 292، الاقتصاد: 284. (2) المختلف 3: 396. (3) الوسيلة: 131. (4) السرائر 1: 469. (5) التهذيب 4: 72 ح 197، الوسائل 6: 245 أبواب زكاة الفطرة ب 11 ح 2. (6) الفقيه 2: 116 ح 500، الوسائل 6: 245 أبواب زكاة الفطرة ب 11 ح 1.

[ 267 ]

طلوع الفجر. ويؤيده كونها متممة للصوم، ومشبهة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله في التشهد، وكونها مضافة إلى الإفطار ; إذ هو الإفطار، وهو الذي لا يتعقبه صوم، وهذه تقتضي الاتصال بالصوم. وعن ابن الجنيد (1) والمفيد في المقنعة (2) والرسالة العزية (3) والسيد (4) وأبي الصلاح (5) وسور (6) وابن البراج (7) وابن زهرة (8)، أنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر. واختاره في المدارك (9) ; تمسكا بأن الوجوب في هذا الوقت متحقق، وقبله مشكوك فيه، فيقتصر على المتيقن. وبصحيحة العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة متى هي ؟ فقال: " قبل الصلاة يوم الفطر " قلت: فإن بقي منه شئ بعد الصلاة ؟ قال: " لا بأس، نحن نعطي عيالنا منه، ثم يبقى فنقسمه " (10). ورواية إبراهيم بن ميمون قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " الفطرة إن أعطيت قبل أن تخرج إلى العيد فهي فطرة، وإن كانت بعد ما تخرج إلى العيد فهي صدقة " (11). أقول: الذي هو متحقق هو القدر المشترك من بقاء الوجوب وتعلق الوجوب،


(1) نقله عنه المحقق في المعتبر 2: 611. (2) المقنعة: 249. (3) نقله عنه العلامة في المختلف 3: 295. (4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 80. (5) الكافي في الفقه: 169. (6) المراسم: 134. (7) المهذب 1: 176. (8) الغنية (الجوامع الفقهية): 507. (9) المدارك 5: 344. (10) التهذيب 4: 75 ح 212، الاستبصار 2: 44 ح 141، الوسائل 6: 246 أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 5. (11) الكافي 4: 171 ح 4، التهذيب 4: 76 ح 214، الاستبصار 2: 44 ح 143، الوسائل 6: 246 أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 2.

[ 268 ]

لانفس التعلق، إلا أن يكون مراده استصحاب عدم الوجوب، فنقول: إنه مدفوع ; لظاهر الرواية المتقدمة. وأما صحيحة العيص فالظاهر منها بيان زمان الدفع ; لا تعلق الوجوب. وبعبارة اخرى: بيان آخر الوقت، لاأوله، أو بيان الأفضل ; لعدم منافاته لتوسعة وقته من أول الليل ; إذ كثيرا ما يستحب تأخير الموسع عن وقت الفضيلة، فضلا عن غيره، كما قدمناه في أوقات الصلاة، هذا مع أن الرواية معللة. وربما يوجه: بأن المراد من العيال من ضمه عليه السلام إلى عياله من الفقراء، وربما يوجه بإرادة صورة العزل. وأما الرواية الاخرى فضعيفة، ولا دلالة فيها على المطلوب، إذ المراد منها وأمثالها عدم جواز التأخير عن الصلاة، أو عن الزوال، لاأن أول وقت الوجوب ما قبل الصلاة في نهار الفطر. وبملاحظة هذه الرواية ونظائرها يظهر ضعف دلالة الصحيحة أيضا. ثم إن المشهور عدم جواز تقديمها على وقت الوجوب ; للأصل والأخبار الصحيحة المتقدمة في الزكاة المالية المتضمنة، لعدم جواز تقديم الفرض على وقته. وذهب جماعة من الأصحاب إلى جوازه (1) ; لصحيحة الفضلاء عن الصادقين عليهما السلام، أنهما قالا: " على الرجل أن يعطي عن كل من يعول من حر وعبد وصغير وكبير، يعطي يوم الفطر ; فهو أفضل، وهو في سعة أن يعطيها من أول يوم يدخل من شهر رمضان " (2) الحديث. وموثقة إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن تعجيل الفطرة بيوم، فقال: " لا بأس به " (3) الحديث.


(1) كالشيخ في النهاية: 191، والمبسوط 1: 242، والخلاف 1: 372، والمحقق في المعتبر 2: 613. (2) التهذيب 4: 76 ح 215، الاستبصار 2: 45 ح 147، الوسائل 6: 246 أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 4. (3) الكافي 4: 171 ح 6، الوسائل 6: 246 أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 3.

[ 269 ]

وهما محمولتان على القرض، إذ لاريب في استحباب القرض ; والاحتساب به حين دخول لوقت مع بقاء المستحق على صفة الاستحقاق ; للأخبار المتقدمة في الزكاة. مع أن الصحيحة مشتملة على ما لا يقول به الأصحاب من كفاية نصف صاع من بر، وما لا يقول به مسلم من كفاية نصف صاع من شعير. وكيف كان، فلو أعطاها بقصد الفطرة أيضا فهو مراعى ببقائه على صفة الاستحقاق كما مر في المالية. الثاني: اختلفوا في نهاية وقتها، فالأكثر على أنه صلاة العيد، بل ظاهر العومة في التذكرة (1)، وصريحه في المنتهى (2) الإجماع على أنه يأثم بالتأخير عنها. وذهب ابن الجنيد إلى أنه زوال الشمس (3)، واختاره في المختلف، وقال: لو أخرها عن الزوال لغير عذر أثم بالإجماع (4). وذهب في المنتهى - بعد ما ادعى الإجماع المذكور بقليل - إلى جواز التأخير عن الصلاة، وحرمته عن يوم العيد (5). لنا: رواية إبراهيم بن ميمون المتقدمة (6)، ويؤدي قه صا ع داها ما رواه في الإقبال (7)، وبمضمونها روى العامة أيضا عنه صلى الله عليه وآله (8). مؤ


(1) التذكرة 5: 395. (2) المنتهى 1: 541. (3) نقله عنه العلامة في المختلف 3: 298. (4) المختلف 3: 298. (5) المنتهى 1: 541. (6) الكافي 4: 171 ح 4، التهذيب 4: 76 ح 214، الاستبصار 2: 44 ح 143، الوسائل 6: 246 أبواب زكاة ب 12 ح 2. (7) الإقبال: 274. (8) سنن أبي داود 2: 111 ح 1609، سنن ابن ماجة 1: 585 ح 1827، مستدرك الحاكم 1: 409.

[ 270 ]

وموثقة إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة، قال: " إذا عزلتها فلا يضرك متى ما أعطيتها ; قبل الصلاة، أو بعد الصلاة " (1). ورواية سليمان بن جعفر المروزي، قال: سمعته يقول: " إن لم تجد من تضع الفطرة فيه، فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة " (2) الحديث. ورواية أبي بكر الحضرمي، عن الصادق عليه السلام: في قوله تعالى: * (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) * قال: " تروح إلى جبانة فتصلي " (3). وفي الفقيه مرسلا، إلا أنه قال: " قد أفلح من أخرج الفطرة " وذكر بقية الحديث (4)، وصحيحة عبد الله بن سنان الآتية (5). وحجة القول الثاني: أن وجوبها قبل الصلاة يقتضي امتدادها بامتداد وقتها وهو الزوال، ولا يخفى ضعفه. وحجة المنتهى: صحيحة العيص المتقدمة (6). ويدفعها: أن الظاهر منها صورة العزل. وصحيحة الفضلاء المتقدمة (7). ويدفعها - مضافا إلى ما مر من اشتمالها على مخالفة الإجماع - أن الظاهر منها بيان أفضلية يوم الفطر من التقديم، فلا التفات فيها إلى إطلاق اليوم وتقييده، مع أن المروي في الاستبصار هو يوم الفطر قبل الصلاة (8)، ونقلها في المسالك أيضا كذلك (9)، فالرواية


(1) التهذيب 4: 77 ح 218، الاستبصار 2: 45 ح 146، الوسائل 6: 248 أبواب زكاة الفطرة ب 13 ح 4. (2) التهذيب 4: 87 ح 256، الاستبصار 2: 50 ح 169، وفي الوسائل 6: 247 أبواب زكاة الفطرة ب 13 ح 1 سليمان بن حفص المروزي، وهو الأصح. (3) التهذيب 4: 76 ح 213، الاستبصار 2: 44 ح 142، الوسائل 6: 247 أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 6. (4) الفقيه 1: 323 ح 1478. (5) الكافي 4: 170 ح 1، التهذيب 4: 71 ح 193، الوسائل 6: 245 أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 1. (6) التهذيب 4: 75 ح 212، الاستبصار 2: 44 ح 141، الوسائل 6: 246 أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 5. (7) التهذيب 4: 76 ح 215، الاستبصار 2: 45 ح 147، الوسائل 6: 246 أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 4. (8) الاستبصار 2: 45 ح 147. (9) المسالك 1: 452.

[ 271 ]

مضطربة، والأرجح أن السهو حصل في التهذيب بالسقط. وكيف كان ; فلاريب أن إخراجها في النهار قريبا من الصلاة أفضل ; لظاهر اتفاقهم، وخصوص صحيحة الفضلاء المتقدمة، وصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال فيها: " وإعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل، وبعد الصلاة صدقة " (1). ثم إن مقتضى رواية إبراهيم بن ميمون وما في معناها سقوط الفطرة بخروج وقت الفطرة أداءا وقضاءا، سيما والقضاء إنما يثبت بفرض جديد على الأصح، وهو مذهب جماعة من الأصحاب، منهم ابن زهرة مدعيا عليه الإجماع (2). وذهب جماعة منهم إلى كونه قضاءا بعد خروج وقتها ووجوبها عليه بعده (3) ; لعدم الخروج عن عهدة التكليف، وخروج الوقت لا يسقط الحق، كالدين والزكاة وغيرهما. ولصحيحة زرارة عن الصادق عليه السلام: في رجل أخرج فطرته فعزلها حتى يجد لها أهلا، فقال: " إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ، وإلا فهو ضامن لها حتى يؤديها إلى أربابها " (4). بتقريب أن المراد: إذا أخرج الزكاة عن ضمانه، وإن يعزلها فهو ضامن لها حتى يؤديها، وإن خرج وقتها. والكل ضعيف ; لأن عدم الخروج عن عهدة التكليف، وإن كان بسبب التقصير، لا يوجب القضاء في الموقت لما قلنا، وذلك ليس من باب الدين ونظائره ; لأنها غيرموقتة. والصحيحة متشابهة الدلالة، والأظهر من سياقها أن بعد العزل إن أخرجها فقد برئ،


(1) الكافي 4: 170 ح 1، التهذيب 4: 71 ح 93، الوسائل 6: 245 أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 1. (2) الغنية (الجوامع الفقهية): 569، المهذب 1: 176. (3) كالشيخ الطوسي في الخلاف 1: 372، والاقتصاد: 285، والعلامة في التذكرة 5: 396. (4) التهذيب 4: 77 ح 219، الوسائل 6: 248 أبواب زكاة الفطرة ب 13 ح 2.

[ 272 ]

وإن لم يخرجها فهو ضامن حتى يؤديها، لاأنه ضامن ولو تلفت من دون تقصير، لأنها حينئذ أمانة في يده. وهناك قول آخر لابن إدريس، وهو كونها أداءا أبدا (1)، وهو ناظر إلى أن وجوبها كوجوب صلاة الزلزلة لاحد لآخر وقتها، ويظهر ضعفه مما مر. والأحوط أنه إذا صلى صلاة العيد ولم يعطها أخرجها تقربا إلى الله إلى الفقير، وقصد أنه إن كان فطرة أداءا فأداء، أو قضاءا فقضاء، وإن لم يكن شيئا منهما فصدقة مستحبة. الثالث: ظاهر كلماتهم ومقتضى ما قدمناه في الزكاة جواز العزل مع وجود المستحق وعدمه، وتدل عليه موثقة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام: " في الفطرة إذا عزلتها وأنت تطلب بها الموضع، أو تنتظر رجلا فلا بأس به " (2). وهل يجب العزل مع عدم وجود المستحق، أو عدم التمكن منه ؟ ظاهر المعتبر الإجماع على عدم الوجوب، فإنه قال فيه: فإن أخرها عن صلاة العيد أثم. ثم قال: ولا يأثم لو أخر لعذر أو عدم المستحق إجماعا، فإن كان عزلها أخرجها مع الإمكان، وإن لم يكن عزلها، قال الشيخان: يكون قضاءا (3)، إلى آخر ما ذكره. فعلى هذا تحمل خصوص رواية سليمان بن جعفر المروزي المتقدمة على الاستحباب، ولاريب فيه. وبعد العزل يجب إخراجها أداءا وإن تأخر الإخراج بكثير، وتدل عليه موثقة إسحاق بن عمار، وصحيحة زرارة المتقدمتان. وتوهم أن توقيت الفطرة ينافي ذلك، يندفع بأن هذه الأخبار توقيت آخر لصورة


(1) السرائر 1: 469. (2) التهذيب 4: 77 ح 217، الاستبصار 2: 45 ح 145، الوسائل 6: 248 أبواب زكاة الفطرة ب 13 ح 5. (3) المعتبر 2: 613.

[ 273 ]

العزل، والأمر فيه سهل. ثم إذا عزلها فالظاهر عدم وجوب فورية الأداء، كما هو ظاهر الأخبار (1)، لكن لايؤخرها على وجه التهاون والتكاسل. ثم إن تلفت قبل الإيصال، فإن كان التأخير مع إمكان الدفع فيضمن، وإلا فلا. ويشكل فيما لو كان التأخير من جهة طلب الأفضل أو التعميم، ومقتضى كلام المعتبر عدم الضمان حيث قال: ثم إن وجد مستحقا ولم يدفعها مع زوال العذر ضمن ; لتفريطه في التسليم، ومع العذر لا يضمن لو تلفت ; خلافا لأحمد (2). إلا أن يقال: مراده بالعذر عدم التمكن لا مطلق العذر. وكلام التذكرة يشمل ما ذكرنا حيث قال: فإن عزلها ولم يخرجها مع القدرة ضمن، وإن لم يتمكن ; فلاضمان، وقال أحمد: يضمنها مطلقا (3)، ومثله عبارة الشرائع (4)، وهو مقتضى كلماتهم في الزكاة المالية. وقال في المدارك: الوجه في ذلك أن الزكاة بعد العزل تصير أمانة في يد المالك، فلا يضمنها إلا بالتعدي أو التفريط المتحقق بتأخير الدفع إلى المستحق مع القدرة عليه ; لأن المستحق مطالب بشاهد الحال، فيجب التعجيل مع التمكن منه (5). وفيه: أن ذلك إنما يتم على القول بوجوب الفور وعدم جواز التأخير لطلب الأفضل ونحوه، وهو مع أنه خلاف مختاره في المالية غير واضح الدليل. ثم إن المراد بالعزل تعيينها في مال خاص بقدرها في وقتها بالنية كما مر. قال في المسالك: وفي تحقق العزل مع زيادته عنها احتمال، ويضعف بتحقق الشركة، وأن ذلك يوجب جواز عزلها في جميع ماله، وهو غير المعروف من العزل،


(1) الوسائل 6: 247 أبواب زكاة الفطرة ب 13. (2) المعتبر 2: 614. (3) التذكرة 5: 397. (4) الشرائع 1: 161. (5) المدارك 5: 351.

[ 274 ]

ولو عزل أقل منها اختص الحكم به (1)، انتهى. وهو جيد. والكلام في عدم جواز النقل إلى بلد آخر مع وجود المستحق وجوازه بدونه والضمان وعدمه كما مر في المالية. وقد أشرنا سابقا إلى أن الأفضل صرف الفطرة في بلد المالك، ولو عينها في غير بلده فيجوز، ولايجوز نقلها منه إلى بلده مع وجود المستحق، ويضمن تلفها، وتدل على منع النقل رواية فضيل (2) وصحيحة علي بن بلال (3). الرابع: تعتبر فيها النية كالمالية ; لعين ما ذكرنا في المالية. والكلام في جواز إخراجها بنفسه وبوكيله والمباشر للنية، مثل ما مر. ويدل على جواز التوكيل مضافا إلى الإجماع ظاهرا موثقة معتب (4). وكذلك الكلام في أن الأفضل نقلها إلى الإمام أو نائبه الخاص، ومع تعذرهما فإلى فقهاء الشيعة ; لأنهم أبصر بمواقعها كما مر، وتدل عليه رواية الفضيل أيضا (5). وقال في المنتهى: يجوز للمالك تفريقها بنفسه بغير خلاف بين العلماء كافة (6).


(1) المسالك 1: 452. (2) التهذيب 4: 88 ح 260، الاستبصار 2: 51 ح 173، الوسائل 6: 250 أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 3، وفيها: و لا تنقل من أرض إلى أرض. (3) التهذيب 4: 88 ح 258، الاستبصار 2: 51 ح 71، الوسائل 6: 251 أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 4، وفيها: كتبت إليه: هل يجوز أن يكون الرجل في بلدة ورجل من إخوانه في بلدة اخرى يحتاج أن يوجه له فطرة أم لا ؟ فكتب: تقسم الفطرة على من حضرها، ولا يوجه ذلك إلى بلدة اخرى وإن لم يجد موافقا. (4) الكافي 4: 174 ح 21، الفقيه 2: 118 ح 508، الوسائل 6: 228 أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 5. معتب عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال: اذهب فأعط عيالنا الفطرة، وأعط عن الرقيق واجمعهم ولا تدع منهم أحدا، فإنك إن تركت منهم إنسانا تخوفت عليه الفوت. (5) التهذيب 4: 88 ح 260، الاستبصار 2: 51 ح 173، الوسائل 6: 250 أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 3، وفيها: هي لأهلها إلا أن لا تجدهم، فإن لم تجدهم فلمن لا ينصب، ولا تنقل من أرض إلى أرض، وقال: والإمام أعلم يضعها حيث يشاء، ويضع فيها ما يرى. (6) المنتهى 1: 542.

[ 275 ]

المقصد الخامس في مستحق الفطرة وفيه مباحث: الأول: المشهور أن مستحق الفطرة هو مستحق الزكاة، بل الظاهر عدم الخلاف ; لقوله تعالى: * (إنما الصدقات) * (1) الى آخره. وما يوجد في كلمات بعض فقهائنا من ترك العاملين والمؤلفة، فلعله مبني على سقوط حقهما في أمثال زماننا، كما هو أحد القولين في الزكاة، وقد تقدم الكلام فيه. نعم اختلفوا في اشتراط الإيمان، وقد مر أن الأقوى فيه أيضا الاشتراط. وأما الروايات الكثيرة الدالة على أن محلها الفقراء والمساكين ومن لا يجد شيئا فهي لا تنفي استحقاق سائر الأصناف، ولا اشتراط سائر الشرائط كما لا يخفى على من تأملها. ويعطى أطفال المؤمنين، وإن كان آباؤهم فساقا. الثاني: المشهور عدم جواز إعطاء الفقير أقل من صاع، بل ادعى السيد عليه الإجماع


(1) التوبة: 60.

[ 276 ]

في الانتصار (1). وقال في المختلف: لم أجد لأحد من علمائنا السابقين قولا بخلاف ذلك سوى قول شاذ للشيخ في التهذيب أن ذلك على سبيل الاستحباب، حيث تأول حديث إسحاق ابن المبارك فقال: المعنى أنه إذا كان هناك جماعة محتاجون كان التفريق عليهم أفضل من إعطائه واحدا، فأما إذا لم يكن هناك ضرورة فالأفضل إعطاء رأس لرأس (2). والمعتمد الأول. لنا: أنه قول فقهائنا، ولم نقف لهم على مخالف، فوجب المصير إليه، وما رواه أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تعط أحدا أقل من رأس " (3). لا يقال: هذا الحديث مرسل فلا يعمل عليه. لأنا نقول: الحجة في قول الفقهاء، فإنه يجري مجرى الإجماع، وإذا تلقت الامة الخبر بالقبول لم يحتج إلى سند (4)، انتهى. أقول: قال الصدوق أيضا: وفي خبر آخر: " ولايجوز أن يدفع ما يلزم واحد إلى نفسين " (5) وحمل المرسلة في المعتبر أيضا على الاستحباب لأجل الإرسال (6)، وتبعه بعض المتأخرين أيضا (7). والأقوى المشهور ; لما ذكرناه من الإجماع المنقول والرواية المنجبرة بالعمل. وأما التقييد بما لو لم يجتمع جماعة لاتسع لهم كما ذكروه فلا بأس به ; لعدم اتفاق عملهم في هذه المادة، بل المشهور التقييد.


(1) الانتصار: 88. (2) التهذيب 4: 89 ذ. ح 262. (3) التهذيب 4: 89 ح 261، الوسائل 6: 252 أبواب زكاة الفطرة ب 16 ح 2. (4) المختلف 3: 311. (5) الفقيه 2: 116 ح 499. (6) المعتبر 2: 616. (7) كصاحب لمدارك 5: 355.

[ 277 ]

ويؤيده أنه تعميم للنفع، وتخلص عن إيذاء المؤمن ومواساته بينهم. وأما رواية إسحاق بن المبارك عن أبي إبراهيم عليه السلام: حيث سأله عن صدقة الفطرة نعطيها رجلا واحدا أو اثنين، فقال: " تفرقها أحب إلي " (1) الحديث، فليست بظاهرة في ذلك. وأما جواز إعطاء الواحد أزيد من رأس فلا خلاف فيه، وتدل عليه أخبار كثيرة (2)، بل يجوز إعطاء الواحد ما يغنيه ما لم تصل إليه كفاية سنته كما مر في الزكاة. ولا يتفاوت الحال بين إعطائه دفعة أو دفعات ما لم يصل إلى الحد المذكور، ولا بين أن يكون المعطي واحدا أو أكثر. الثالث: يستحب تخصيص الأقارب بها، ثم الجيران مع الاستحقاق ; لما رواه في الفقيه، عن علي عليه السلام، قال: " لاصدقة وذو رحم محتاج " (3). وما رواه في المقنعة عن قوله صلى الله عليه وآله حيث سئل أي الصدقة أفضل ؟ فقال: " على ذي الرحم الكاشح " (4). وفي موثقة إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: " هم - يعني القرابة - أفضل من غيرهم " (5) ولكن الرواية ظاهرة في زكاة المال. وروى الصدوق في الصحيح عن إسحاق بن عمار أنه سأل أبا الحسن عليه السلام عن الفطرة، فقال: " الجيران أحق بها، ولا بأس أن يعطي قيمة ذلك فضة " (6).


(1) التهذيب 4: 89 ح 262، الاستبصار 2: 52 ح 175، الوسائل 6: 222 أبواب زكاة الفطرة ب 2 ح 9. (2) الوسائل 6: 252 أبواب زكاة الفطرة ب 16. (3) الفقيه 2: 38 ح 13، الوسائل 6: 286 أبواب زكاة الفطرة ب 20 ح 4. (4) المقنعة: 261، الوسائل 6: 170 أبواب المستحقين للزكاة ب 15 ح 5. (5) الكافي 3: 551 ح 1، التهذيب 4: 56 ح 149، الاستبصار 2: 33 ح 100، الوسائل 6: 169 أبواب المستحقين للزكاة ب 15 ح 2. (6) الفقيه 2: 117 ح 506، التهذيب 4: 78 ح 224، الوسائل 6: 241 أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 10.

[ 278 ]

ويستحب تقديم أهل الفضل في الدين والعلم ; لقوية عبد الله بن عجلان السكوني قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: إني ربما قسمت الشئ بين أصحابي أصلهم به، فكيف اعطيهم ؟ قال: " أعطهم على الهجرة في الدين والفقه والعقل " (1). ولم أقف في الروايات على ما يدل على الترتيب في الفضل، ولكن قوة دلالة الأدلة وضعفها يقتضي الترتيب بتقديم الرحم، ثم الجيران، ثم الأفضل والأحوج، وقد يتجامع فيلاحظ المجموع، فذو الرحم الأفضل مقدم على غيره وهكذا. (1) التهذيب 4: 101 ح 285، الوسائل 6: 181 أبواب المستحقين للزكاة ب 25 ح 2.

[ 279 ]

كتاب الخمس وهو حق مالي ثبت لبني هاشم بالأصالة عوض الزكاة، ويدل على ثبوته الإجماع والكتاب (1) والسنة (2). وفيه مباحث:


(1) الأنفال: 41. (2) الوسائل 6: 355 أبواب قسمة الخمس ب 1.

[ 281 ]

المبحث الأول فيما يجب فيه وفيه مطالب: الأول: المشهور الأقوى أنه سبعة كما يستفاد من الأدلة الآتية. وهي: غنائم دار الحرب، وأرباح التجارات والزراعات والصناعات والاكتسابات، والمعادن، والكنوز، وما يخرج بالغوص، والحلال المختلط بالحرام مع جهل القدر والمالك، وأرض اشتراها الذمي من مسلم. وزاد الشيخ: العسل الجبلي والمن (1)، وأبو الصلاح الميراث والهبة والصدقة (2). وسيجئ الإشكال والكلام فيهما، وفي أن المراد بالإثبات والنفي في هذه المذكورات هل هو الخصوصية أو الماهية، فلعل من ينفيه في العسل والمن ينفيه من حيث الخصوص، وإن أثبته فيه من حيث الاكتساب، أو لعل من ينفي في الأخير يمنعه من جهة عدم الإدراج في المنافع والأرباح، ومن يثبته فيها يدرجه فيها أو يدعي الثبوت بالخصوص.


(1) المبسوط 1: 237. (2) الكافي في الفقه: 170.

[ 282 ]

وإطلاق الآية (1) وإن اشتمل على أزيد من ذلك إن جعلنا الغنيمة مطلق الفائدة، ولكن الظاهر أنه لم يذهب إليه أحد من علمائنا. بل ربما يدعى ظهورها في غنائم دار الحرب بملاحظة تفسير المفسرين (2)، وبقرينة نقل الحرب فيما قبل الآية، وفيما بعدها وفيها (3). فإن المراد بيوم الفرقان يوم التقى الجمعان واقعة بدر، حيث حصل الفرق بين الحق والباطل، والتقى المسلمون والكفار. مؤيدا بملاحظة سائر النظائر، فإن ذكر العام وإرادة بعض أفراده، والمطلق وإرادة بعض المقيدات كثير جدا. فالأصل وعدم وجود القائل من الأصحاب وتفسير المفسرين يرجح تخصيصها بغنائم دار الحرب، ولكن ظاهر الأصحاب كالأخبار التعميم، فلاحظ الأخبار (4) وكلماتهم، وسيجئ كثير منها. وأما صحيحة عبد الله بن سنان فلابد من تأويلها، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة " (5). وأولها الشيخ: بأن الخمس بظاهر القرآن ليس إلا في الغنائم، وفي غيرها إنما ثبت بالسنة. أو أن المراد من الغنائم كل ما وجب فيها الخمس (6). ويمكن إرادة الحصر الإضافي بالنسبة إلى ما يسرق من الكفار أو يأخذ على وجه


(1) الأنفال: 41، قال تعالى: واعلموا أنما غنتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير. (2) كما في التبيان 5: 122، ومجمع البيان 2: 543. (3) قال تعالى قبلها: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ث، وقال تعالى بعدها: إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم.... (4) الوسائل 6: 348 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8. (5) الفقيه 2: 21 ح 74، التهذيب 4: 124 ح 359، الاستبصار 2: 56 ح 184، الوسائل 6: 338 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 1. (6) التهذيب 4: 124 ذ. ح 359.

[ 283 ]

الغيلة كما سيجئ، بأن يراد من الغنائم هو ما يؤخذ قهرا بالسيف بإذن الإمام. الثاني: يجب الخمس في غنائم دار الحرب مما حواه العسكر وما لم يحوه، منقولا كان أو غير منقول، مما يصح تملكه للمسلمين، مما كان مباحا في أيديهم، لامغصوبا. قال في المنتهى: وهذه الغنائم لم تكن محلة لاحد من الأنبياء، وإنما حلت لرسول الله صلى الله عليه وآله ; لقوله صلى الله عليه وآله: " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من قبلي " (1) وذكر فيها " واحلت لي الغنائم " وكانت في بدو الإسلام لرسول الله صلى الله عليه وآله يصنع بها ما شاء، ثم نسخ ذلك فصار أربعة أخماس للمجاهدين، والخمس الباقي لأصناف المستحقين (2)، انتهى. ويدل على الوجوب في هذا الصنف الإجماع والكتاب (3) والسنة (4). والإجماع إنما هو فيما أخذه المسلمون بالحرب بإذن الإمام. وإن كان بغير إذنه فنقل في المنتهى (5) عن الشيخين (6) والسيد (7) وأتباعهم (8) أنه للإمام، واختاره المحقق في الشرائع (9) والشهيد في الدروس (10)، وربما نقل عن ابن إدريس دعوى الإجماع عليه (11)، ويشعر به كلام ابن فهد أيضا (12).


(1) أمالي الصدوق: 180 ح 6، مستدرك الوسائل 2: 529 أبواب التيمم ب 5 ح 4 وذكر فيه " وأحل لي المغنم ". (2) المنتهى 1: 544. (3) الأنفال: 41. (4) الوسائل 6: 338 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2. (5) المنتهى 1: 553. (6) المقنعة: 279، النهاية: 200، المبسوط 1: 263، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 208. (7) حكاه عنه في المعتبر 2: 635. (8) كالقاضي في المهذب 1: 186. (9) الشرائع 1: 166. (10) الدروس 1: 258. (11) السرائر 1: 497. (12) المهذب البارع 1: 567.

[ 284 ]

وقال في المنتهى: وقال الشافعي: حكمها حكم الغنيمة مع إذن الإمام، لكنه مكروه. وقال أبو حنيفة: هي لهم ولاخمس. ولأحمد ثلاثة أقوال، كقولي الشافعي وأبي حنيفة، وثالثها: لا شئ لهم، ثم قوى قول الشافعي (1). واستجوده في المدارك (2)، وهو الظاهر من المحقق الأردبيلي رحمه الله (3)، ويظهر من المحقق أيضا ميل إلى ذلك في المعتبر (4)، وتوقف في النافع (5). وتدل على قول الأكثر: رواية العباس الوراق، عن رجل سماه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا غزى قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام عليه السلام، فإذا غزوا بإذن الإمام عليه السلام فغنموا كان للإمام الخمس " (6). قال في المهذب: وعليها عمل الأصحاب (7). ودليل الآخر: عموم الآية (8)، وخصوص حسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يكون من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم، فيصيب غنيمة، فقال: " يؤدي خمسا ويطيب له " (9). وهذا القول لا يخلو من قوة ; فإن تخصيص الكتاب بمثل تلك الرواية مشكل. وتؤيده الأخبار الواردة في حصر الأنفال (10)، وليس ذلك فيها كما سيجئ، وكذلك ما يدل على جواز تملك ملك من لاحرمة لماله (11).


(1) المنتهى 1: 554، وانظر المغني 10: 522، والشرح الكبير 10: 457، وبدائع الصنائع 7: 118. (2) المدارك 5: 418. (3) مجمع الفائدة والبرهان 4: 344. (4) المعتبر 2: 635. (5) المختصر النافع: 64. (6) التهذيب 4: 135 ح 378، الوسائل 6: 369 أبواب الأنفال ب 1 ح 16. (7) المهذب 1: 186. (8) الأنفال: 41. (9) التهذيب 4: 124 ح 357، الوسائل 6: 340 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 8. (10) الوسائل 6: 364 أبواب الأنفال ب 1. (11) الوسائل 6: 373 أبواب الأنفال ب 2.

[ 285 ]

ولكن القول الأول أقوى ; لشهرته بين الأصحاب كما ادعاها جماعة (1)، والإجماع المنقول الذي هو بمنزلة خبر صحيح، فينجبر ضعف الرواية. وأما الحسنة ; فلا تدل على أن ذلك كان من باب غنائم دار الحرب، فيمكن أن يقال: إنه كان من باب سائر الفوائد والغنائم التي فيها الخمس من المكاسب والحرف، سيما مع أن في بعض النسخ موضع لوائهم " أوانهم " وفي بعضها " ديوانهم ". ويمكن أن تخص رواية المشهور بزمان إمكان حصول الإذن كما هو المتبادر من اللفظ، وعلى سبيل الجهاد والدعوة إلى الإسلام، فأما في حال الغيبة أو الغزو لمجرد النهب وجمع المال فيكون من باب سائر الفوائد والأرباح، لامن باب غنائم دار الحرب، ولامن باب الأنفال. ويمكن حمل الحسنة على الاستحباب كما في جوائز الظالمين. وقد يتوهم أن حسنة معاوية بن وهب تدل على المشهور قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: السرية يبعثها الإمام فيصيبون غنائم، كيف تقسم ؟ قال: " إن قاتلوا عليها مع أمير أمره الإمام عليهم اخرج منها الخمس لله وللرسول وقسم بينهم ثلاثة أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للإمام، يجعله حيث أحب " رواها في الكافي في كتاب الجهاد في باب قسمة الغنائم (2). وفيه: - مع ما فيه من حكاية التقسيم ومخالفته للإجماع - أن ظاهر الفقرة الثانية حصول الغنيمة بلا مقاتلة، لابدون إذن الإمام أو الأمير المأذون من قبله، وهو كذلك، ولا إشكال فيه، وتقدير كلمة " مع أمير " هنا خلاف الأصل. وكيف كان فالظاهر أن الكلام فيما لو كان الأخذ على سبيل الحرب والغزو باسم الجهاد والدعوة إلى الإسلام. وأما مطلق الأخذ قهرا وغلبة ولو على سبيل النهب والغارة فلا يفهم من الرواية،


(1) كالشهيد الثاني في المسالك 1: 474، والروضة البهية 2: 85. (2) الكافي 5: 43 ح 1، الوسائل 6: 365 أبواب الأنفال ب 1 ح 3.

[ 286 ]

ولاهو ظاهر كلامهم، فيكون داخلا في مثل السرقة والخدعة. وفيما يسرق من أموال أهل الحرب أو يؤخذ غيلة قولان، فقال الشهيد في الدروس: إنه لآخذه، ولا يجب فيه الخمس ; لأنه لا يسمى غنيمة (1). وذهب الشهيد الثاني إلى وجوب الخمس فيه وإن لم يدخل في اسم الغنيمة بالمعنى المشهور حتى يجب تقسيمه على الوجه المذكور في كتاب الجهاد بين الغزاة، بل هو مختص بآخذه (2). وهو أقرب ; لاندراجه حينئذ تحت المكاسب والأرباح، ويشمله عموم الآية (3) كما سنحققه. ولعل مراد الشهيد أيضا نفي الخمس من حيث كونها غنيمة بالمعنى المشهور، لا مطلقا. وتظهر الثمرة في إخراج مؤونة السنة وعدمه. وربما يستدل عليه بفحوى صحيحة حفص بن البختري (4) وما في معناها (5) الآمرة بأخذ مال الناصب حيث ما وجد، ودفع الخمس إليهم عليهم السلام. وفيه إشكال، مع أن هذه الصحيحة وما في معناها لا قائل من الأصحاب بظاهرها، ومخالفة لقواعدهم. وأولها ابن إدريس بالناصب للحرب (6). والظاهر أنه لافرق بين كون الآخذ في بلادهم أو بلاد المسلمين إذا لم يكن في أمان. وأما فداء المشركين وما صولحوا عليه فالظاهر دخولهما في الغنيمة ووجوب الخمس، كما صرح به الشهيدان رحمهما الله (7).


(1) الدروس 1: 258. (2) الروضة البهية 2: 65. (3) الأنفال: 41. (4) التهذيب 4: 122 ح 350، الوسائل 6: 340 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 6. (5) الوسائل 6: 340 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2. (6) السرائر 3: 606. (7) الدروس 1: 258، الروضة البهية 2: 65.

[ 287 ]

ثم إن الخمس في الغنيمة بعد وضع المؤن بعد التحصيل، مثل مؤونة حفظها ونقلها وتحويلها إلى موضع القسمة، ومؤونة البهائم التي من جملتها، والظاهر عدم الخلاف فيه، وهو مقتضى الشركة وتعلق حق أرباب الخمس به حين التحصيل، وكذلك يقدم عليه وضع الجعالة وما في معناها. والمشهور أنه لانصاب فيها ; للإطلاق، وعن المفيد في المسائل العزية أنه اعتبر بلوغها عشرين دينارا (1)، ولم نقف على مستنده. والأكثر على أن ما حواه العسكر من مال البغاة في حكم غنيمة دار الحرب (2)، مستدلا بسيرة علي عليه السلام مع أصحاب الجمل، حيث قسمها بين المقاتلين ثم ردها على أصحابها (3). وذهب آخرون إلى المنع، منهم السيد (4) وابن إدريس (5)، محتجا عليه بسيرة علي عليه السلام مع أصحاب الجمل أيضا، فإنه أمر برد أموالهم، فأخذت حتى القدر كفأها صاحبها لما عرفها ولم يصبر على أربابها، كما في رواية مروان (6). ويظهر من السيد في المسائل الناصرية عدم الخلاف في المسألة (7)، وادعى ابن إدريس أيضا الإجماع (8)، ومن أدلتهم قوله عليه السلام: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا من طيب نفسه " (9). وقال في المسالك: الظاهر من الأخبار أن رد الأموال كان بطريق المن،


(1) نقله عنه في المختلف 3: 320. (2) كالشهيد الأول في الدروس 1: 258، والشهيد الثاني في الروضة البهية 2: 65، والسيد في المدارك 5: 361، والبحراني في الحدائق 12: 324. (3) الوسائل 11: 56 أبواب جهاد العدو وما يناسبه ب 25. (4) المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 225 مسألة 206. (5) السرائر 2: 19. (6) التهذيب 6: 155 ح 273، الوسائل 11: 58 أبواب جهاد العدو وما يناسبه ب 25 ح 5. (7) المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 225 مسألة 206. (8) السرائر 2: 19. (9) عوالي اللآلي 1: 113 ح 309، وج 2: 240 ح 6، وج 3: 473 ح 3.

[ 288 ]

لاالاستحقاق (1). وما ذكره يجمع بين ما دل على القسمة والرد، وتفصيل هذا المطلب محله كتاب الجهاد. الثالث: يجب الخمس في المعادن، وهو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة، سواء كان منطبعا بانفراده، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والصفر، أو مع غيره كالزئبق، أو لا، كالياقوت والفيروز ج والبلور والعقيق والبلخش (2) والسبج (3) والكحل والزرنيخ والزاج والملح والمغرة (4)، أو كان مائعا، كالقير والنفط والكبريت. والظاهر أن النباتات خارجة وإن كانت لها قيمة كالعود، ولا يطلق عليها المعدن عرفا أيضا. وتوقف جماعة في مثل الجص والنورة وطين الغسل وحجارة الرحى (5)، وجزم الشهيدان (6) وغيرهما بدخولها فيها. ولا تخلو المذكورات من الإشكال ; للإشكال في صدق التعريف اللغوي ; لمنع مغايرة المذكورات للأرض، وعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، واضطراب العرف العام فيها، فالأصل عدم اللحوق فيما شك فيه. نعم يمكن الإلحاق من باب الفوائد والغنائم، فإن استخراجها نوع تكسب، وتظهر الفائدة في اعتبار مؤونة السنة وعدمه. والدليل في المعادن هو الإجماع، نقله غير واحد من علمائنا (7)، والأخبار المستفيضة


(1) المسالك 3: 94. (2) البلخش: لعل، ضرب من الياقوت - ملحقات لسان العرب: 68. (3) السبج: الخرز الأسود - راجع الصحاح 1: 321. (4) المغرة: الطين الأحمر، لسان العرب 5: 181، المصباح المنير 2: 576، مختار الصحاح: 629. (5) المدارك 5: 364. (6) الدروس 1: 260، الروضة البهية 2: 66، المسالك 1: 458. (7) التذكرة 5: 409.

[ 289 ]

جدا عموما وخصوصا، مثل صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن معادن الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص، فقال: " عليها الخمس جميعا " (1). وصحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الكنز كم فيه ؟ قال: " الخمس " وعن المعادن كم فيها ؟ قال: " الخمس " وعن الرصاص والصفر والحديد وما كان من المعادن كم فيها ؟ قال: " يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن الذهب والفضة " (2). وصحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام، عن الموحة فقال: " وما الموحة ؟ " فقلت: أرض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحا، فقال: " هذا المعدن فيه الخمس " فقلت له: فالكبريت والنفط يخرج من الأرض، قال، فقال: " هذا وأشباهه فيه الخمس " (3). والدلالة موقوفة على ثبوت الحقيقة الشرعية في الخمس كما هو الظاهر، ولكن في دلالة مثل صحيحة الحلبي خفاء، ولكن لاإشكال في المسألة. ولا يعتبر فيه الحول إجماعا منا. وفي اعتبار النصاب أقوال ثلاثة، فأكثر القدماء بل وأكثر الأصحاب (4) كما نسب إليهم الشهيد في البيان (5) والدروس (6) على عدمه، وهو مذهب ابن إدريس مدعيا


(1) الكافي 1: 544 ح 8، التهذيب 4: 121 ح 345، الوسائل 6: 342 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 1. (2) الكافي 1: 546 ح 19، الفقيه 2: 21 ح 73، التهذيب 4: 121 ح 346، الوسائل 6: 342 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 2. (3) التهذيب 4: 122 ح 349، الوسائل 6: 343 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 4. (4) منهم الشيخ في الخلاف 2: 119 مسألة 142، والحلي في السرائر 1: 488، وابن الجنيد وابن أبي عقيل كما حكاه عنهما في المختلف 3: 319، والمرتضى في الانتصار: 86، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 569، وسور في المراسم: 139. (5) البيان: 342. (6) الدروس 1: 260.

[ 290 ]

عليه الإجماع (1). وعامة المتأخرين على اعتبار بلوغه عشرين دينارا (2). وأبو الصلاح على اعتبار بلوغه دينارا (3). للأول: الإجماع المنقول (4)، مع العمومات والإجماعات المطلقة في المعادن. وللمتأخرين: صحيحة البزنطي، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عما أخرج المعدن من قليل أو كثير، هل فيه شئ ؟ قال: " ليس فيه شئ حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا " (5). ولأبي الصلاح: ما رواه البزنطي في الصحيح، عن محمد بن علي بن أبي عبد الله، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضة ما فيه ؟ قال: " إذا بلغ ثمنه دينارا ففيه الخمس " (6). أقول: إجماع ابن إدريس بمنزلة خبر صحيح (7)، ويزيد عليه إطلاقات سائر الإجماعات (8) مع عمومات الأخبار (9)، وعمل أكثر القدماء (10)، وموافقتها للاحتياط. ويحتمل بعيدا حمل الصحيحة على التقية وإرادة الزكاة ; لعدم التصريح فيها بذكر الخمس، وكون وجوب الزكاة فيها قولا لبعض العامة. وأما رواية أبي الصلاح فمع ضعفها وشذوذها لا يعارض بها ما تقدم. هذا كله بالنسبة إلى وصف المعدنية، وأما بالنسبة إلى أنه من المكاسب فلا يعتبر فيه


(1) السرائر 1: 489. (2) منهم العلامة في التحرير 1: 73، والسبزواري في الكفاية: 42، والأردبيلي في مجمع الفائدة 4: 295. (3) الكافي في الفقه: 170. (4) نقله الشيخ في الخلاف 2: 119 مسألة 142، وابن إدريس في السرائر 1: 489. (5) التهذيب 4: 138 ح 391، الوسائل 6: 344 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 4 ح 1. (6) التهذيب 4: 139 ح 392، الوسائل 6: 343 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 5، وفيهما: إذا بلغ قيمته. (7) السرائر 1: 489. (8) كما في الخلاف 2: 119 مسألة 142. (9) الوسائل 6: 342 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3. (10) المتقدم بعضهم في ه‍ 5 ص 280.

[ 291 ]

نصاب بلاشبهة. وينبغي التنبيه لامور: الأول: مقتضى الصحيحة المتقدمة اعتبار عشرين دينارا، ولكن الظاهر كفاية مائتي درهم أيضا كما ذكره جماعة منهم الشهيد رحمه الله (1) ; لأن الظاهر أن في صدر الإسلام كانا متساويين، ونسبه في البيان إلى ظاهر الأصحاب (2). وقد تقدمت الإشارة إلى مثل ذلك في أقل ما يعطى فقير من الزكاة وغيره (3)، مع أن الصحيحة مصرحة بما يكون في مثله الزكاة، فذكر عشرين دينارا إنما هو من باب المثال، وهذا واضح خصوصا في معدن الفضة. وأما سائر المعادن، فالظاهر كفاية كون قيمتها مائتي درهم، كما مر نظيره في أقل ما يعطى الفقير من الغوت والأنعام، وتشير إليه صحيحة الحلبي المتقدمة. والظاهر أن ما زاد على النصاب يجب فيه الخمس، قليلا كان أو كثيرا، وليس مثل الزكاة كما صرح به العومة (4). الثاني: الخمس بعد وضع مؤونة الإخراج، وظاهر العومة عدم الخلاف في المسألة. قال في التذكرة (5): يعتبر النصاب، بعد المؤونة ; لأنها وصلة إلى تحصيله، وطريق إلى تناوله، فكانت منهما كالشريكين، وقال الشافعي وأحمد: المؤونة على المخرج، إلى آخر ما ذكره (6). ومثله قال في المنتهى (7)، فلعله هو الدليل، والأصل، ونفي


(1 و 2) البيان: 342. (3) ص 216. (4) المنتهى 1: 549. (5) التذكرة 5: 427 مسألة 317. (6) المجموع 6: 91، حلية العلماء 3: 113، المغني 2: 619، الشرح الكبير 2: 586، وحكى قولهما أيضا المعتبر 2: 626. (7) المنتهى 1: 549.

[ 292 ]

العسر والحرج، وظاهر الآية (1)، فإن الغنيمة هي الفائدة المكتسبة، والفائدة إنما هي بعد وضع المؤونة كما مر في الزكاة (2). وتؤيده صحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن المعادن ما فيها ؟ فقال: " كل ما كان ركازا ففيه الخمس " وقال: " ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج الله سبحانه منه من حجارته مصفى الخمس " (3). ولأن الخمس متعلق بالعين كالزكاة، فصاحب الخمس شريك، والمؤونة توزع على الشركاء. أما أنه متعلق بالعين فلظاهر الأدلة، وكذلك سائر ما فيه الخمس ; فإن مقتضى لزوم الخمس في شئ تعلقه بعينه، ولعله لا خلاف فيه أيضا. قال في التذكرة (4): الخمس يجب في المخرج من المعدن والباقي يملكه المخرج، إلى أن قال: وقال الشافعي يملك الجميع وتجب عليه الزكاة (5). وقال في المنتهى: الواجب خمس المعدن، لا خمس الثمن ; لأن الخمس يتعلق بعين المعدن لا بقيمته (6)، انتهى. ومثله قال في التذكرة (7). ومقتضى ذلك: عدم التصرف أي بعد إخراج الخمس، ويحتمل القول بجواز الإخراج من غيره، وكذا إخراج القيمة كالزكاة، وتأمل فيه المحقق الأردبيلي رحمه الله ; لكونه قياسا (8). وأما أن المؤونة توزع على الشركاء فقد مر في كتاب الزكاة (9)، ولكن يشكل ذلك


(1) الأنفال: 41. (2) ص 99. (3) التهذيب 4: 122 ح 347، الوسائل 6: 343 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 3. (4) التذكرة 5: 412. (5) حكاه عنه المحقق في المعتبر 2: 626. (6) المنتهى 1: 546. (7) التذكرة 5: 413. (8) مجمع الفائدة والبرهان 4: 297. (9) ص 102.

[ 293 ]

بأن ذلك إنما يتم في الإخراجات بعد تعلق الخمس، وإنما هو بعد الإخراج، فتبقى الإخراجات السابقة بلا دليل، فعمدة الإشكال على ظاهر الإجماع، وتخرج باقي الامور مؤيدة للمطلب. الثالث: لاإشكال فيما خرج من المعدن دفعة، أما لو خرج دفعات فقيل: إذا حصل المجموع قدر النصاب فصاعدا يجب الخمس من الجميع، وإليه ذهب الشهيدان (1) وصاحب المدارك (2) ; لإطلاق الروايات (3). وقال العومة في المنتهى والتذكرة: يجب أن يتخلل بينها إعراض، ولا بأس بالترك لأجل الاستراحة أو إصلاح الآلة ونحو ذلك، فلو لم يصل كل واحد من الدفعات مع تخلل الإعراض قدر النصاب، فلاشئ عليه وإن زاد المجموع عن النصاب (4). ولا يخلو من قوة ; فإن مقتضى صحيحة البزنطي (5) سقوط الزكاة عنه حين الإعراض، وفي حال الإعراض، لا بشرط الإعراض، وليس السقوط مشروطا بعدم العود فيستصحب. مع أن هذا مقتضى منطوق الرواية، وذلك مقتضى مفهومها، مع أنه معتضد بالأصل، مضافا إلى عدم انصراف الرواية إلا إلى غير صورة الإعراض. وكيف كان فالأول أحوط. الرابع: قال في التذكرة (6): ويعتبر النصاب في الذهب، وما عداه قيمته، ولو اشتمل على جنسين كذهب وفضة أو غيرهما ضم أحدهما إلى الآخر، خلافا لبعض


(1) الدروس 1: 260، المسالك 1: 459، الروضة البهية 1: 71. (2) المدارك 5: 367. (3) الوسائل 6: 342 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3، 4. (4) المنتهى 1: 549، التذكرة 5: 428. (5) التهذيب 4: 138 ح 391، الوسائل 6: 344 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 4 ح 1. (6) التذكرة 5: 428.

[ 294 ]

الجمهور حيث قال: لا يضم مطلقا (1)، وقال بعضهم: لا يضم في الذهب والفضة ويضم في غيرهما (2). ومثله قال في المنتهى، وظاهره الإجماع (3)، وهو مقتضى الإطلاقات. ويشكل الأمر في المركب من الذهب والفضة، فيمكن اعتبار النصابين فيهما، كما أشرنا سابقا إلى تساويهما في صدر الإسلام، فلو فرض كون المخرج عشر دنانير من الذهب ومائة درهم من الفضة، فيجب فيه الخمس ديناران وعشرون درهما، هذا. وأما لو اختلفت بقاع المعادن، سواء اتحدت أو اختلفت، فظاهر الشهيد وغيره عدم الفرق، قال في الدروس: ولافرق بين أن يكون الإخراج دفعة أو دفعات كالكنز، وإن تعددت بقاعها وأنواعها، ولابين كون المخرج مسلما أو كافرا بإذن الإمام، أو صبيا أو عبدا (4). وقال في الروضة (5): وفي اعتبار اتحاد النوع وجهان، أجودهما اعتباره في الكنز والمعدن، دون الغوص، وفاقا للعومة (6). وقال في البيان (7): وفي اشتراط اتحاد المعدن في النوع نظر، فإن قلنا به لم يضم الذهب إلى الحديد والمغرة، وإلا ضم، وهو قوله - رحمه الله - في التحرير (8)، انتهى. أقول: قد عرفت أن كلامه في التذكرة والمنتهى ظاهر في حال المعدن الواحد المشتمل على الجنسين، لا مطلق المعادن، وضم المعادن المختلفة البقاع مع اختلاف النوع لا يخلو عن إشكال، والمتبادر من الأخبار هو المتفق النوع (9).


(1) المغني 2: 618، الشرح الكبير 2: 585. (2) انظر المغني 2: 618، والشرح الكبير 2: 585. (3) المنتهى 1: 549. (4) الدروس 1: 260. (5) الروضة البهية 1: 72. (6) التحرير 1: 73. (7) البيان: 343. (8) التحرير 1: 73. (9) الوسائل 6: 342 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3.

[ 295 ]

نعم لو اشتمل المعدن على جنسين فالظاهر ما ذكره العومة رحمه الله (1)، ويظهر منه عدم الخلاف فيه إلا عن العامة (2). ويظهر من المدارك (3) أنه فهم من كلام المنتهى (4) أنه لم يعتبر الاتحاد مطلقا حتى يدعى أن ظاهر العلامة الإجماع على عدم اعتبار الاتحاد في النوع مطلقا. وأنت خبير بأنه ليس كذلك، وقد عرفت الإشكال من الشهيدين (5). وصرح في التحرير بعدم انضمام أحد الكنزين إلى الآخر (6)، ولعله لافرق بينهما. الخامس: لو اشترك جماعة في استخراجه (7) اشترط بلوغ نصيب كل واحد النصاب، قال في البيان: وظاهر الرواية قد يفهم منه عدم الاشتراط (8). أقول: ويدفعه اعتبار المماثلة مع الزكاة. قال: ونعني بالشركة الاجتماع على الحفر والحيازة، فلو اشترك قوم فصدر من بعضهم الحفر، ومن آخرين النقل، ومن قوم السبك، احتمل كونه للحافر، وعليه اجرة الناقل والسابك، واحتمل كونه بينهم أثلاثا، ويرجع كل واحد منهم على الأخرين بثلث اجرة عمله بناءا على أن نية الحافر تؤثر في ملك غيره (9). أقول: يعني إن نوى الحافر الشركة بينهم، فالاحتمال الأول مبني على نية الانفراد أو عدم تأثيرها في ملك الغير. السادس: قال فيه أيضا: لو استأجر على إخراج المعدن فالخارج للمستأجر، ولو نوى


(1) التذكرة 5: 428. (2) المغني 2: 618، والشرح الكبير 2: 585. (3) المدارك 5: 367. (4) المنتهى 1: 549. (5) الدروس 1: 260، البيان: 343، المسالك 1: 459، الروضة البهية 1: 71. (6) التحرير 1: 73. (7) في " م ": إخراجه. (8) البيان: 343. (9) البيان: 343.

[ 296 ]

الأجير التملك لنفسه لم يملك (1). وهو كذلك. السابع: قال في التذكرة (2): الذمي يجب عليه الخمس فيه، وبه قال أبو حنيفة (3) - إلى أن قال - وقال الشيخ: يمنع الذمي من العمل في المعدن، وإن أخرج منه شيئا ملكه وأخرج منه الخمس (4)، وأفتى بمنع الذمي عن العمل في البيان أيضا (5)، ونسب التملك والتخميس إذا خالف وفعل إلى الشيخ في الخلاف (6). الثامن: المعادن تبع الأرض يملك من يملكها ; لأنها من أجزائها، فإن كان في ملكه فهو له يصرف خمسه إلى أربابه والباقي له وإن أخرجه غيره بدون إذنه، ولا شئ للمخرج، ولكن لاتعد هذه مؤونة بالنسبة إلى المالك. وإن كان في مباح فهو لواجده ويعطي خمسه. التاسع: قال في البيان: لو أخرج خمس تراب المعدن ففي إجزائه عندي نظر، من اختلافه في الجوهر. ولو اتخذ منه دراهم أو دنانير أو حليا، فالظاهر أن الخمس في السبائك لاغير (7). أقول: ولو علم التساوي فلا إشكال في الجواز، والمعتبر في الحلي هو نفس الجوهر من حيث المعدنية، ويعتبر الزائد من حيث كونه من فائدة الكسب كما لو اتجر به. العاشر: قال في المنتهى: الخمس يجب في نفس المخرج من المعدن، ويملك المخرج الباقي، ثم قال: ويستوي في ذلك الصغير والكبير عملا بالعموم، هذا إذا كان المعدن في موضع مباح، فأما إذا كان في الملك فالخمس لأهله والباقي لمالكه (8).


(1) البيان: 343. (2) التذكرة 5: 413. (3) بدائع الصنائع 2: 65، المجموع 6: 91. (4) الخلاف 2: 120 مسألة 144. (5) البيان: 342. (6) الخلاف 2: 120 مسألة 144. (7) البيان: 343. (8) المنتهى 1: 546.

[ 297 ]

ومثله قال في التذكرة (1) والتحرير (2)، وبمضمونه ذكر المحقق في المعتبر (3)، وقد عرفت عبارة الدروس (4). ويظهر منهم أن تعلق الخمس بما أخرجه الصبي إجماعي، وكذلك العبد. نعم الإشكال فيما استخرجه العبد، فإن كان للمولى بإذنه فهو للمولى، وكذا لو استخرجه لنفسه إن قلنا بعدم مالكيته. قال في المنتهى (5): أما إذا استخرجه لنفسه بإذن المولى وقلنا إن العبد يملك فالصحيح أنه كذلك ; للعموم، خلافا للشافعي (6). وفيه تأمل ظاهر، ويمكن أن يكون مراده أن وجوب الخمس متعلق بالمولى ; لأنه محجور عليه كالصغير بالنسبة إلى الولي (7). الرابع: يجب الخمس في الكنز، وهو المال المدفون تحت الأرض للادخار، لا لمجرد المحافظة عليه في مدة قليلة، سواء كان نقدا أو متاعا، ومع الاشتباه يرجع إلى القرائن كالمحل، والوعاء. والدليل عليه الإجماع من العلماء والأخبار المستفيضة (8)، منها: صحيحة الحلبي المتقدمة (9)، وسيجئ بعضها. ويعتبر فيه النصاب ; لصحيحة البزنطي، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عما


(1) التذكرة 5: 412. (2) التحرير 1: 73. (3) المعتبر 2: 621. (4) الدروس 1: 260. (5) المنتهى 1: 546. (6) حكاه عنه المحقق في المعتبر 2: 621. (7) في " م ": المولى. (8) الوسائل 6: 345 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 5. (9) التهذيب 4: 121 ح 346، الوسائل 6: 347 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 7 ح 1.

[ 298 ]

يجب فيه الخمس من الكنز ؟ قال: " ما تجب الزكاة في مثله ففيه الخمس " (1). ومقتضى الرواية كفاية بلوغه مائتي درهم أيضا أو قيمة أحدهما في غير الذهب والفضة أيضا. وحكم الشهيد في البيان (2) بكفاية مائتي درهم في المعدن، ونسبة ذلك إلى ظاهر الأصحاب، وتوقفه هنا مع كون الرواية هنا أدل، غريب. ووضع مؤونة الإخراج هنا أيضا مقطوع به في كلامهم، وهو مقتضى الأصل، لكن يعتبر ذلك إذا كان لإخراج الكنز، ولو كان الحفر لغيره فاتفق خروجه فلاتحسب المؤونة حينئذ. ولا يعتبر فيه الحول إجماعا. قال في التذكرة (3): ويجب على كل من وجده من مسلم وكافر، وحر وعبد، وصغير وكبير، وذكرو انثى، وعاقل ومجنون، إلا أن العبد إذا وجده كان لسيده، وهو قول عامة العلماء (4) إلا الشافعي، فإنه قال: لا يجب إلا على من تجب عليه الزكاة ; لأنه زكاة (5)، وهو ممنوع، والعموم حجة عليه. ومثله قال في المنتهى (6). أقول: إن لم يثبت الإجماع في المسألة ففي شمول العموم لغير المكلفين إشكال، وتعميم الخطاب لهم وللأولياء بعيد، إلا أن الظاهر عدم الخلاف في المسألة، وكذلك في المعدن. ثم إن الكنز إن وجد في دار الحرب فهو لواجده، ويجب عليه الخمس إذا بلغ النصاب، سواء كان في موات أو عامر، وجد فيه أثر الإسلام كاسم النبي صلى الله عليه وآله أو أحد


(1) الفقيه 2: 21 ح 75، الوسائل 6: 345 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 5 ح 2. (2) البيان: 342. (3) التذكرة 5: 418. (4) المغني 2: 614، الشرح الكبير 2: 590. (5) المهذب للشيرازي 1: 169، المجموع 6: 91، المغني 2: 615، الشرح الكبير 2: 590. (6) المنتهى 1: 547.

[ 299 ]

ولاة الإسلام أم لا. أما أنه لواجده فللأصل، وظاهر الأخبار الواردة في وجوب الخمس (1)، ولا دليل على حرمة التصرف في ملك الغير ما لم يعلم كونه ملك من لماله احترام. وأما وجوب الخمس فللإجماع، وعموم الأخبار. وإن وجد في دار الإسلام، فإما أن يوجد في أرض موات أو خربة لامالك لها، أو يوجد في أرض لها مالك. فأما الصورة الاولى، فإن لم يكن عليها أثر الإسلام فكذلك أيضا ; لما مر، وخصوص صحيحتي محمد بن مسلم الآتيتين (2). وأما لو وجد عليه أثر الإسلام ففيه قولان، أقواهما أنه كالأول ; للأصل، وعموم الأخبار (3)، وخصوص الصحيحتين، وتؤيده صحيحة الحميري الآتية (4). والآخر: أنه في حكم اللقطة، فيعامل به معاملتها ; لعموم أدلة اللقطة (5)، وهو ممنوع ; لأن الظاهر من أدلتها هو المال الضائع على وجه الأرض التقطه إنسان، والكنز ليس منه. واحتجوا أيضا: بأن الأثر يدل على سبق يد مسلم، فحكمه مستصحب. وفيه: منع الدلالة كما فيما لو وجد الأثر في دار الحرب، لإمكان صدوره من غير محترم. وبموثقة محمد بن قيس، عن الباقر عليه السلام، قال: " قضيعلي عليه السلام في رجل وجد ورقا في خربة أن يعرفها، فإن وجد من يعرفها وإلا تمتع بها " (6).


(1) الوسائل 17: 354 أبواب اللقطة ب 5 ح 2. (2) الكافي 5: 138 ح 5، التهذيب 6: 390 ح 1169 و 1165، الوسائل 17: 354 أبواب اللقطة ب 5 ح 1 و 2. (3) الوسائل 17: 354 أبواب اللقطة ب 5. (4) الفقيه 3: 189 ح 853، الوسائل 17: 359 أبواب اللقطة ب 9 ح 2. (5) الوسائل 17: 354 أبواب اللقطة ب 5. (6) التهذيب 6: 398 ح 1199، الوسائل 17: 355 أبواب اللقطة ب 5 ح 5.

[ 300 ]

وفيه: مع أنها معارضة بصحيحتي محمد بن مسلم الآتيتين، أنها ظاهرة في اللقطة لاالكنز لواجده، مع أن ترك الاستفصال يقتضي عمومها لما لاأثر عليه أيضا، فلا وجه لتخصيص عموم ما دل على أن الكنز لواجده (1)، ويجب فيه الخمس من جهة هذه الرواية. وأما الصورة الثانية، فإما أن يكون في أرض مملوكة لغير الواجد أو للواجد، أما الأول فالمشهور وجوب تعريف المالك، فإن عرفه فهو له، ولا يطالب ببينة ولا بذكر علامة موجبة للعلم أو الظن بصدقه، وإن أنكره فيعرف مالكه السابق عليه كذلك وهكذا، ولا يلتفت إلى الأبعد مع ادعاء الأقرب إلا بالبينة. وإن أنكره كلهم فهو مثل ما وجد في المباح، وفيه القولان المتقدمان، وقد عرفت أقواهما. واستشكل العومة في القواعد في وجوب تعريف الموك السابقين على من في يده، واكتفى بتعريف ذي اليد (2)، وتؤيده صحيحة الحميري الآتية (3) إلا أن يحمل البائع فيها على الجنس، وهو بعيد. ويظهر من المدارك التأمل في وجوب تعريف الملاك مطلقا إذا احتمل عدم جريان يدهم عليه ; لأصل البراءة من هذا التكليف، فلو علم انتفاؤه عن بعضهم فينبغي القطع حينئذ بسقوط تعريفه ; لعدم الفائدة (4). أقول: والتأمل، في محله مع أن الأصل التأخر. ونقل بعض المحققين - ممن تأخر عنه - عن بعض المحققين من المتأخرين أنه لا يجب الإعلام للمالك إلا إذا علم أنه دفنه (5)، ويظهر من قرائن كلامه أنه أراد به


(1) الوسائل 6: 345 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 5. (2) قواعد الأحكام 1: 199. (3) الفقيه 3: 189 ح 853، الوسائل 17: 359 أبواب اللقطة ب 9 ح 2، عن رجل اشترى جزورا أو بقرة أو شاة أو غيرها فلما ذبحها وجد في جوفها صرة، لمن تكون ؟ فوقع عليه السلام: عرفها البائع، فإن لم يعرفها فالشئ لك. (4) المدارك 5: 371. (5) احتمله في شرح اللمعة للآقا جمال: 304، ولم نعثر على الناقل، وعلى أي حال يحتمل قويا إرادته من بعض المحققين هو المحقق الآقا جمال وليس صاحب المدارك أو صاحب الذخيرة.

[ 301 ]

صاحب المدارك وصاحب الذخيرة (1). وأنت خبير بأنه خلاف ما ذكره في المدارك ; إذ مراده عدم جريان اليد على الكنز ولو على سبيل عدم العلم بالكنز. والحاصل أنه إذا علم أن الكنز كان مدفونا في الأرض في حال تملكه للأرض فيجب التعريف، وإلا فلا. أقول: يمكن الإشكال في الحكم بثبوت اليد على الكنز بمحض ثبوتها على الأرض المشتملة عليه أيضا، غاية الأمر التردد في كونه يدا، والذي يكون قاطعا لأصالة البراءة هو اليد الثابتة، فليس لاعتبار اليد هنا دليل واضح. فمقتضى ذلك أنه يملكه بعد تخميسه مع الشرائط، سواء وجد عليه أثر الإسلام أم لا، ولا حاجة إلى تعريف المالك. والدليل على ذلك الأخبار الواردة في الكنز (2)، وظاهرها أنه لواجده، وليس في مقابل ذلك إلا اليد الدالة على الملك، وما دل على حكم اللقطة، وقد عرفت ضعف اليد، ومنع شمول أدلة اللقطة لذلك، منضما إلى أصالة البراءة عن وجوب التعريف للمالك، والتعريف من باب اللقطة أيضا. نعم روى إسحاق بن عمار في الموثق، قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيه نحوا من سبعين درهما مدفونة، فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة، كيف يصنع ؟ قال: " يسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها " قلت: فإن لم يعرفوها ؟ قال: " يتصدق بها " (3). ولعل هذه الرواية هي مستند الأصحاب في وجوب تعريف المالك، ويكون التصدق في آخر الرواية محمولا على الاستحباب، ولا ينافي استحباب التصدق


(1) انظر المدارك 5: 371، والذخيرة: 479. (2) الوسائل 6: 345 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 5. (3) التهذيب 6: 391 ح 1171، الوسائل 17: 355 أبواب اللقطة ب 5 ح 3.

[ 302 ]

بالجميع وجوب الخمس ; لعدم بلوغ النصاب في السبعين، ولا يضر خروج بعض أجزاء الرواية عن الحجية، حجية باقيها. فعمل الأصحاب مع هذه الرواية المعتبرة الإسناد، منضما إلى المؤيدات السابقة يكفي في وجوب التعريف، ويبقى الإشكال في دلالتها على تعريف سائر الموك. ولعل نظرهم إلى العلة المستفادة، وهو أن الظاهر أنه من إحدى الأيدي المتعاقبة لاغيرها، واحتمال إرادة الجنس في أهل المنزل في الرواية ليشمل الموك السابقة بعيد. وأما بعد إنكار الكل فالأقوى هو تملك الواجد بعد التخميس كما مر، لاكونه كاللقطة لما مر. ثم إن المحقق المذكور استشكل في وجوب تعريف المالك على الوجه الذي ذكره الفقهاء من أنه لأجل أنه لو عرفه كان له، ولو لم يعرفه يعمل به على مقتضاه من القولين. وقال (1): إن مقتضى صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أن ما وجد في ملك أحد فهو له، وإطلاقه يقتضي ملكيته وإن لم يعرفه، قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق، فقال: " إن كانت معمورة فيها أهلها فهو لهم، وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحق به " (2). ومثلها صحيحته الاخرى، عن أحدهما عليهما السلام، قال: وسألته عن الورق يوجد في دار فقال: " إن كانت الدار معمورة فهي لأهلها، وإن كانت خربة فأنت أحق بما وجدت " (3). قال: ولاا ستبعاد في هذا الحكم من الله تعالى، ويكون ذلك من منافع الدار، بأن يجعل من خواص الدار أن ما يوجد فيها ولم يعلم كونه ملكا لشخص معين أن يكون


(1) شرح اللمعة للآقا جمال: 304. (2) الكافي 5: 138 ح 5، التهذيب 6: 390 ح 1169، الوسائل 6: 354 أبواب اللقطة ب 5 ح 1. (3) التهذيب 6: 390 ح 1165، الوسائل 17: 354 أبواب اللقطة ب 5 ح 2.

[ 303 ]

لصاحب الدار، مع أن الأخبار الواردة في الكنز (1) ليس فيها، إلا وجوب الخمس، وليس فيها أن ما وجد فهو لواجده، ويجب عليه الخمس، فلا مانع أن يكون الكنز لمالك الدار، ويجب عليه الخمس. أقول: الظاهر أن هذا القول مخالف لإجماعهم ; إذ لم نقف على قول من أحد من العلماء يوافقه، وما ذكروه في كتاب اللقطة في مسألة من وجد في داره شيئا أو في صندوقه ولا يعرفه، من أنه إذا كان يدخل الدار غيره أويتصرف في الصندوق غيره فهو لقطة، وإلا فهو له ; لصحيحة جميل بن صالح قال، قلت لأبي عبد الله: رجل وجد في بيته دينارا، قال: " يدخل منزله غيره ؟ " قال: نعم كثير، قال: " هذه لقطة ". قلت: فرجل وجد في صندوقه دينارا، قال: " يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئا ؟ قلت: لا، قال: " فهو له " (2) فهو أيضا ظاهر فيما لا يعلم عدم كونه منه. وصرح باشتراط ذلك فيه بعضهم أيضا (3)، والرواية أيضا منزلة على ذلك، بل هي ظاهرة في ذلك. وكيف كان فحكم الكنز هو ما ذكروه ; بملاحظة موثقة إسحاق بن عمار (4) وغيرها من المؤيدات السابقة، فلابد أن تحمل الصحيحتان في الكنز (5) على أنه لأهلها إن عرفوه بعد التعريف، وفي اللقطة أن أمرها إلى أهلها في كيفية العمل على ما هو مقتضى صحيحة جميل بن صالح. وأما ما ذكره من أن الأخبار لاتدل على أن ما وجده لواجده ويجب عليه الخمس،


(1) الوسائل 6: 345 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 5. (2) الكافي 5: 137 ح 3، الفقيه 3: 187 ح 841، التهذيب 6: 390 ح 1168، الوسائل 17: 353 أبواب اللقطة ب 3 ح 1. (3) المسالك (الطبعة الحجرية) 2: 293، المفاتيح: 180. (4) التهذيب 6: 391 ح 1171، الوسائل 17: 355 أبواب اللقطة ب 5 ح 3. قال: سألت أبا إبراهيم عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيها نحوا من سبعين درهما مدفونة، قال: يسأل عنها أهل المنزل، فإن لم يعرفوها يتصدق بها. 5. ص 302.

[ 304 ]

ففيه: أن المتبادر منها هو ذلك، سيما ما رواه في الفقيه في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام قال: " يا علي إن عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن أجراها الله في الإسلام " إلى أن قال: " ووجد كنزنا فأخرج منه الخمس وتصدق به، فأنزل الله: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) * (1) الآية " (2) ومثله روى في الخصال (3) وفي العيون (4). والظاهر منها أنه لواجده بعد التصدق بخمسه، سيما بملاحظة الاستشهاد بالآية، وليس في العيون كلمة و " تصدق به ". ثم لما أشكل الأمر على هذا المحقق في تملك المالك أو الواجد، وحكم بعدم الفرق بين ما فيه أثر الإسلام وغيره جعل الاحتياط في أنه إن بلغ النصاب فيخرج الخمس ويهب الباقي أحدهما للآخر، أو يتصالحان، وفيما لم يبلغ الاحتياط في تمامه بأحد الأمرين. أقول: لو عرفه المالك وادعى أنه هو الذي كنزه ففي وجوب الخمس نظر ; لأن غاية ما تدل الأدلة وجوب الخمس على ما يوجد بعد الجهل أصلا لاغير، ولعل مراده أيضا هذه الصورة. وأما الثاني - أعني ما كان ملكا للواجد - فإما أن يكون من جهة الإحياء أو غيره. أما الأول فهو مثل ما لو وجده في مباح وقد مر. وأما الثاني فإما أن يكون من جهة الإرث أو الابتياع ونحوه، فإن كان من جهة الإرث واحتمل أنه من مورثه فهو له، كذا قالوه، والظاهر أن مرادهم صورة الجزم بأنه كان مدفونا فيه حين تصرف المورث في الملك، وإن احتمل كونه من غيره. وأما لو احتمل تأخر الدفن فلايتم الاعتماد على هذا الاحتمال. والظاهر أن ما ذكره صاحب المدارك (5) ونقلناه عنه سابقا، هو مراد الفقهاء أيضا،


(1) الأنفال: 41. (2) الفقيه 4: 264 ح 823، الوسائل 6: 345 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 5 ح 3. (3) الخصال: 312 ح 90. (4) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 212 ب 18. (5) المدارك 5: 372.

[ 305 ]

فلا يلزم تعريف المالك إذا احتمل عدم كون الكنز في ملكه حين التصرف واحتمل التأخر. وموثقة إسحاق بن عمار التي يمكن أن تكون دليلا لهم أيضا إنما تفيد في هذه الصورة، والتمسك باليد أيضا لايتم إلا في هذه الصورة. ثم إنه لا يجب على الوارث الخمس في الصورة المفروضة، كما لو ادعاه أحد الموك في المسألة السابقة ; فإن الخمس إنما هو في الكنز الذي يوجد ولا معرفة بصاحبه، وهنا ليس كذلك ; لأن الأول ميراث والثاني ملك لمدعيه، ومحكوم بكونه أودعه لأجل ادعائه، وتجب القسمة بين الوراث إن تعددت، ولا يختص بالواجد. وإن لم يحتمل كونه من المورث، فيرجع إلى المالك السابق، وهكذا إلى آخر ما في المسألة السابقة. وإن احتمل بعض الوراث كونه من مورثه دون الباقين يأخذ من احتمل بقدر حصته، والباقون يعملون على مقتضى ما مر. وإن كان الانتقال من جهة الابتياع أو نحوه من صلح أو هبة أو غير ذلك فقالوا: يجب إعلام المالك، فإن لم يعرفه فالسابق عليه، وهكذا إلى آخر ما في المسألة السابقة. ويعرف تفصيل الحال والأقوال في المسألة بملاحظة المسألة السابقة، فلا حاجة إلى الإعادة. وعلى ما ذكره المحقق المتقدم والعمل على الصحيحتين المتقدمتين فيكون الكنز للمالك الأول وإن لم يعرفه، وإن كان هو الوارث ولا يعلم حال مورثه، والتحقيق خلافه، سيما والصحيحتان ظاهرهما ما لو وجد أحد في ملك غيره شيئا لافي ملك نفسه. فرع: لو تداعى مالك الدار ومستأجرها في كنز وجد فيه، فالأكثر على تقديم قول المالك

[ 306 ]

مع يمينه ; لأن له اليد الأصلية على الدار وكل ما فيها (1). وذهب الشيخ في الخلاف (2) وجماعة (3) منهم العومة في المختلف (4) إلى أن القول قول المستأجر مع يمينه ; لأن له اليد الفعلية، ولأن المالك يدعي خلاف الظاهر، وهو إكراء الدار التي فيها دفين، فإنه بعيد، وإن وقع فهو نادر، ولأصالة تأخر دفن الكنز عن الإجارة. وفيه: أن المستأجر لم يثبت يده شرعا إلا على المنافع المباحة استيفاؤها من جانب المالك عرفا، وليس وضع الكنز منها، ووضع المستأجر كنزه في دار الغير أيضا خلاف الظاهر. وأصالة تأخر وضع الكنز معارضة بأصالة تأخر الإجارة، ولا معنى للأصل هنا، هذا كله إذا انتفت القرائن على أحد الأمرين، وإلا فهو المتبع. ولو اختلفا في القدر فالقول قول منكر الزيادة مع يمينه. تتميم: قالوا: لو اشترى دابة ووجد في جوفها شيئا له قيمة يجب تعريفه البائع، فإن عرفه فهو له، وإلا فهو للواجد وعليه الخمس ; لصحيحة عبد الله بن جعفر قال: كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للأضاحي، فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جوهر، لمن يكون ذلك ؟ قال، فوقع: عليه السلام " عرفها البائع، فإن لم يكن يعرفها فالشئ لك رزقك الله تعالى إياه " (5). وظاهر الرواية الاكتفاء بتعريف المالك، وعدم لزوم تتبع من قبله مطلقا، والقول


(1) كالشيخ في المبسوط 1: 237، والمحقق في المعتبر 2: 621، والشرائع 1: 164. (2) الخلاف 2: 123 مسألة 151. (3) كالشهيد في البيان: 344. (4) المختلف 3: 323. (5) الكافي 5: 139 ح 9، التهذيب 6: 392 ح 1174، الوسائل 17: 358 أبواب اللقطة ب 9 ح 1.

[ 307 ]

بلزومه، كما ذهب إليه جماعة (1)، بعيد ; لبعد إرادة جنس البائع من اللفظ، وعدم الفرق بين ما كان عليها أثر الإسلام وما لم يكن، بل الظاهر أنها كان عليها أثر الإسلام بقرينة زمان السؤال، فلا يجب التعريف من باب اللقطة بعد إنكار الموك أيضا مطلقا. والقول به - كما قيل - حملا للرواية على ما لم يكن فيها أثر الإسلام، مع أن الشائع من الدراهم في ذلك الزمان ما كانت بسكة الإسلام بعيد ; لعدم انصراف أخبار اللقطة إلى ذلك، وظهور الصحيحة في الحكم بالتملك مطلقا. نعم وتعريفه أحوط، ولم نقف على ما يدل على وجوب الخمس فيه، إلا أنه مشهور، ولاوجه لإلحاقه بالكنز، ويمكن إدراجه في الأرباح كما سيجئ (2). وذكر جماعة من الأصحاب أنه لو ابتاع سمكة فوجد في جوفها شيئا فهو له، ولا يعرفه البائع، وعليه الخمس (3) ; ولم نقف فيه على نص. وذكروا في وجه الفرق بينه وبين سابقه: أن الظاهر في الدابة مع كون يد المالك عليها أنها منه، بخلاف السمكة، فإنها في الأصل من المباحات التي تملك بالحيازة، والصياد إنما حاز السمكة دون ما في بطنها، وهذا مبني على اشتراط حصول الملك في الحيازة بالعلم والنية كما هو الأظهر، وهما مفقودان هنا. وقد يستشكل في إطلاق الحكم في المسألتين ; لأن الدابة قد تكون محازة كالغزال المصطاد من الصحراء إذا باعه بدون أن يذهب به إلى بيته، والسمكة قد تكون مملوكة كالواقعة في ماء محصور مملوك للبائع، ولعل نظرهم في الإطلاق إلى الغالب. ثم قد يستشكل في أن إطلاقهم يقتضي عدم كونه لقطة وإن وجد فيه أثر الإسلام، وخصوص الرواية كان يرفع الإشكال في الدابة مطلقا، مع منع شمول أدلة اللقطة له. وأما في السمكة ; فإذا كان ذلك الشئ مما لم يعلم جريان يد عليه أصلا - كاللؤلؤ


(1) كالشهيد الثاني في الروضة البهية 2: 69. (2) ص 316 و 325. (3) كالمحقق في الشرائع 1: 163، والسيد في المدارك 5: 373.

[ 308 ]

الغير المثقوب - فالأمر فيه واضح إذا حيزت من البحر أو الشطوط المنتهية إليه. وبذلك يتضح عدم وجوب تعريف المالك أيضا من جهة اليد مع قطع النظر عن دخوله في المحاز من جهة احتمال عدم اشتراط العلم والنية، كما مال إليه في التذكرة (1). وإذا كان مما جرت عليه يد كالدراهم والدنانير واللؤلؤ المثقوب، فلعل عدم حكمهم بوجوب التعريف من باب اللقطة هو كونه من باب ما وقع في البحر من السفينة المنكسرة فيه، فالأكثرون على أنه للغواص (2)، ومقتضاه خروجه عن ملك مالكه، ووردت بقولهم رواية (3). وذهب آخرون إلى أنه له لو أعرض المالك عنه (4)، وحينئذ فلعلهم يكتفون بظهور الإعراض بالقرائن، ولا يوجبون الفحص عن ذلك. وهذا مع عدم ظهور ذلك من أدلة اللقطة يقوي جواز تملكه مطلقا في مثل البحر والأنهار العظيمة المتصلة به، وبعد تعريفه للمالك في مثل المياه المملوكة. وأما مثل الأنهار العظيمة والشطوط التي لا تنتهي إلى البحر، فالأظهر أيضا أنه لا يجب التعريف للمالك، ولا يجب التعريف من باب اللقطة، وينبه عليه ما ورد في الدابة ; لأن الأمر فيما نحن فيه أهون. وأما ما ذكروه من وجوب الخمس فالكلام فيه مثل ما مر. ثم إن هنا رواية رواها الصدوق في الأمالي في حكاية علي بن الحسين عليهما السلام مع واحد من أصحابه شكا إليه الفاقة، وأعطاه قرصيه اللذين أعدهما لفطوره وسحوره، واشترائه بهما سمكة وقليلا من الملح، ووجد انه لؤلؤتين غاليتين في بطن السمكة


(1) التذكرة (الطبعة الحجرية) 2: 265 كتاب اللقطة. (2) التحرير 2: 129، البيان: 345. (3) التهذيب 6: 295 ح 822، الوسائل 17: 362 أبواب اللقطة ب 11 ح 2. (4) شرح اللمعة للآقا جمال: 290، الحدائق 12: 345.

[ 309 ]

وحصول الغناء له بهما واسترداده عليه السلام قرصيه عنه بعد ذلك لعجز غيره عن أكلهما من أجل اليبس والجشب، وتقرير الإمام عليه السلام إلاماه على ذلك، والرواية طويلة (1). وهي تدل على عدم وجوب تعريف المالك أصلا، ولعل ذلك هو مستند المشهور في عدم وجوب تعريف المالك، مضافا إلى ما مر من الاعتبار، ولكن لم يذكر فيها حكاية الخمس، وإن كان يمكن القدح من جهة علم الإمام عليه السلام بحقيقة الحال كما يستفاد من الرواية، فتكون واقعة حال، ولاعموم في وقائع الأحوال كما حققناه في محله. الخامس: يجب الخمس فيما يخرج من البحر بالغوص، كاللؤلؤ والمرجان والجواهر والذهب والفضة. ويدل عليه بعد الإجماع - كما نقله في المنتهى (2) - الأخبار المستفيضة، منها: رواية محمد بن علي التي نقلناها في نصاب المعدن (3). ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن العنبر وغوص اللؤلؤ قال: " عليه الخمس " (4). وصحيحة عمار بن مروان المروية في الخصال قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس " (5). وحسنة ابن أبي عمير - لإبراهيم بن هاشم المروية فيه أيضا - عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الخمس على خمسة أشياء: على الكنوز والمعادن والغوص


(1) الأمالي: 367 ح 3، الوسائل 17: 360 أبواب اللقطة ب 10 ح 4. (2) المنتهى 1: 547. (3) الفقيه 2: 21 ح 72، التهذيب 4: 124 ح 356، الوسائل 6: 343 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 5. سألته يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، فقال: إذا بلغت قيمته دينارا ففيه الخمس. (4) التهذيب 4: 121 ح 346، الوسائل 6: 347 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 7 ح 1. (5) الخصال: 290 ح 51، الوسائل 6: 344 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 6.

[ 310 ]

والغنيمة " ونسي ابن أبي عمير الخامس (1). وفي كتاب صفات الشيعة أيضا رواية تدل على وجوبه في الغوص (2)، وفي التهذيب أيضا روايتان تدين عليه عموما (3). فهذه الأخبار الكثيرة المعتبر كثير منها يكفي. فلا وجه لتمسك صاحب المدارك في التعميم بعدم القول بالفصل (4)، لاقتصاره على ذكر صحيحة الحلبي، وتضعيفه لرواية محمد بن علي. ويعتبر فيه النصاب، والظاهر أنه إجماعي كما يظهر من المنتهى (5). والمشهور أنه دينار ; لرواية محمد بن علي المنجبرة بعملهم، المتممة بعدم القول بالفصل. وعن المفيد في المسائل العزية: أنه عشرون دينارا (6)، ومأخذه غير معلوم. وما زاد على النصاب يجب فيه وإن قل، والظاهر أنه إجماعي، وهو مقتضى الإطلاقات. ولو اشترك جماعة في الغوص اعتبر نصيب كل منهم على حدة. والخمس في الغوص أيضا بعد وضع مؤونة الغوص. ويعتبر النصاب بعد المؤونة على الأظهر، وأسنده في الروضة إلى ظاهر الأصحاب (7) وكذلك في المعدن والكنز.


(1) الخصال: 291 ح 53، الوسائل 6: 344 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 7. (2) صفات الشيعة: 9 ح 17. (3) التهذيب 4: 128 ح 366، وص 126 ح 364، عن أبي الحسن عليه السلام قال: الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم، ومن الغوص، والكنوز، ومن المعادن، والملاحة. وعن بعض الأصحاب: الخمس من خمسة أشياء: من الكنوز والمعادن والغوصث. (4) المدارك 5: 375. (5) المنتهى 1: 550 (6) نقله عنه في المختلف 3: 320. (7) الروضة البهية 2: 71.

[ 311 ]

والظاهر تعلقه بالعين كنظائره، وأنه يجوز إخراج القيمة أيضا كما صرح به في البيان (1). والمراد بالغوص: ما يخرج من البحر بالنزول فيه والإخراج من تحت الماء، وألحق به بعض المحققين ما يخرج منه بآلة كالكوب ونحوه (2)، ولابعد فيه ; لصحيحة عمار بن مروان، ورواية محمد بن علي، مع استفادة العلة من الأخبار. وأما ما يؤخذ من وجه الماء أو الساحل فالظاهر عدم دخوله في ذلك، وسيما ما يوجد في الساحل. وقيل بالدخول (3)، وهو ضعيف ; لعدم دلالة العمومات عليه، وعدم انصراف صحيحة عمار أيضا إليه. ثم المتبادر من الأخبار هو إخراج ما يتعارف الغوص له، فلو أخرج سمكة من تحت الماء فلايفهم دخوله في الأخبار، وقول الشيخ بدخوله فيه (4) ضعيف، وكذلك حيوان آخر، نعم لا بأس بإدراجه تحت الأرباح كما سيجئ (5)، وكذا ما يوجد في وجه الماء أو الساحل مما من شأنه أن يخرج بالغوص. والحاصل أن ما جعله الشارع مورد الخمس من الامور المذكورة يعتبر فيه الوصول إليه على وجه خاص متداول في ذلك الشئ، فلزوم الخمس في المعدن إنما هو بإخراجه من المعدن، الا بمطلق تملكه، وكذلك الكنز والغوص وغيرهما. وتظهر الثمرة في الشرائط وكونه بعد مؤونة السنة وعدمه كما سيجئ (6). ويشكل الكلام فيما لو اجتمع أحد الامور المذكورة مع الآخر في المصداق،


(1) البيان: 346. (2) كالشهيد الثاني في المسالك 1: 463 (3) الذخيرة: 480. (4) المبسوط 1: 238. (5) ص 325. (6) ص 312.

[ 312 ]

كما لو أخرج بالغوص ما هو معدن، بأن يكون تحت الماء معدن الذهب مثلا أو معدن الجواهر وأخرجه بالغوص، أو غنم من دار الحرب معدنا وهكذا، فيحتمل وجوب الإخراج عن الجميع، وملاحظة غبطة أهل الخمس فيما يختلف باعتبار النصاب وعدمه أو اختلافه، والتخيير بين العمل على مقتضى كل منها، ولعل الأخير أوجه. وكيف كان فلا يتعدد الخمس كما مر في الزكاة. ويدل عليه ما نقل عن تحف العقول عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون، قال: " والخمس من جميع المال مرة واحدة " (1). ويبقى الإشكال في ملاحظة سائر الأقسام مع الأرباح، يعني: أنه إذا خمس المعدن والغوص وغيرهما وبقي في يده شئ يصرفه في مؤونة السنة، ثم فضل له شئ من تلك الأرباح أو منها ومن غيرها جميعا، والأظهر فيها أيضا عدم التعدد. والظاهر أن الأجناس المختلفة كالجوهر واللؤلؤ والمرجان تجتمع ويحسب النصاب من الجميع، سواء تعددت البقاع أو اختلفت، وفاقا للعومة (2) والشهيد الثاني (3) رحمهما الله. والكلام في الدفعة والدفعات كما مر. تتميم يجب الخمس في العنبر بإجماع أصحابنا كما نقله غير واحد (4)، وتدل عليه صحيحة الحلبي المتقدمة (5).


(1) تحف العقول: 418، الوسائل 6: 341 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 13. (2) المنتهى 1: 549، التذكرة 5: 428. (3) الروضة البهية 2: 72. (4) التذكرة 5: 419، المدارك 5: 377. (5) التهذيب 4: 121 ح 346، الوسائل 6: 347 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 7 ح 1.

[ 313 ]

والمشهور فيه اعتبار النصاب، وظاهر الشيخ في النهاية عدمه (1)، وقواه في المدارك (2). ثم الأكثر على أنه إن اخرج بالغوص فهو دينار، وإن جني من وجه الماء أو من الساحل كان له حكم المعدن (3)، وعن المفيد في العزية أن نصابه عشرون دينارا (4). والمسألة لا تخلو عن إشكال، لأجل جهالة حقيقة العنبر، ولحوقه بالمعادن حتى فيما لو جني من وجه الماء وعدمه، ثم تقديم وصف الغوص على المعدنية إن حصل بالغوص. نعم لتفصيلهم وجه بناءا على عدم اعتبار النصاب في المعدن، ففيما لم يحصل بالغوص لم يعتبر النصاب، سواء كان في نفس الأمر معدنا أم لا، ولكن لايتم على مذهب من اعتبر فيه عشرين دينارا، إلا إذا ثبت كونه معدنا حينئذ. وكيف كان فالأحوط، بل الأظهر عدم اعتبار النصاب فيما لو اخذ من غير جهة الغوص وما في معناه من الإخراج بالآلة، وفيما يخرج بالغوص يعتبر كونه بمقدار دينار ; لعدم ثبوت معدنيته ; لأن الظاهر عدم القول بالفصل، فلا يضر عدم اشتمال الرواية عليه. واختلف كلام أهل اللغة فيه، قال في الصحاح: إنه نوع من الطيب (5). وفي القاموس: روث دابة بحرية، أو نبع عين فيه (6). وعن جماعة من الأطباء: أنه جماجم تخرج من عين في البحر أكثرها وزنه ألف مثقال (7).


(1) النهاية: 197. (2) المدارك 5: 378. (3) كالعلامة في التذكرة 5: 420، والشهيد في الدروس 1: 261. (4) نقله عنه في المختلف 3: 320. (5) الصحاح 2: 759. (6) القاموس المحيط 2: 96. (7) نقله في البيان: 345.

[ 314 ]

وقيل: إنه نبات ينبت في البحر، نقله ابن إدريس (1) عن اقتصاد الشيخ (2) ومبسوطه (3). وعن الجاحظ في كتاب الحيوان: العنبر يقذفه البحر إلى جزيرة، فلا يأكل منه شئ إلا مات، ولاينقره طائر بمنقاره إلا نصل فيه منقاره، وإذا وضع رجليه عليه نصلت أظفاره، فإن كان قد أكل منه قتله ما أكل، وإن لم يكن أكل منه، فإنه ميت لا محالة ; لأنه إذا بقي بغير منقار ولم يكن للطائر شئ يأكل به مات، والعطارون يخبرون بأنهم ربما وجدوا [ فيه ] المنقار والظفر (4). ونقل أيضا عن المسعودي في كتاب مروج الذهب ومعادن الجواهر: أصل الطيب خمسة أصناف: المسك والكافور والعود والعنبر والزعفران، كلها يحمل من أرض الهند إلا الزعفران والعنبر، فإنه يوجد بأرض الزنج والأندلس (5). وكيف كان فالأظهر في المسألة ما ذكرنا. السادس: أرباح التجارات والزراعات والصنائع وجميع أنواع الاكتسابات وفواضل الأقوات من الغوت والزراعات عن مؤونة السنة على الاقتصاد، وهو قول علمائنا أجمع، وقد خالف فيه الجمهور كافة، هذه عبارة المنتهى (6). وكذلك في التذكرة نسبه إلى علمائنا كافة (7)، ومنعه إلى الجمهور كافة، وتظهر دعوى الإجماع عليه من غيره أيضا (8).


(1) السرائر 1: 486. (2) انظر الاقتصاد: 283، وليس فيه أنه نبات في البحر. (3) انظر المبسوط 1: 236، وليس فيه أنه نبات في البحر. (4) الحيوان 5: 362، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر. (5) نقله عنه في السرائر 1: 486. (6) المنتهى 1: 548. (7) التذكرة 5: 421. (8) كالشيخ في الخلاف 2: 118 مسألة 139، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 569، والشهيد في البيان: 348.

[ 315 ]

قال الشهيد في البيان: وظاهر ابن الجنيد وابن أبي عقيل العفو عن هذا النوع، وأنه لا خمس فيه، والأكثر على وجوبه، وهو المعتمد ; لانعقاد الإجماع عليه في الأزمنة التابعة لزمانهما واشتهار الروايات فيه (1)، انتهى. والحاصل أن رجحانه إجماعي، ووجوبه مشهور مدعى عليه الإجماع من غير واحد من العلماء (2)، وهو الحق. لنا: قوله تعالى * (واعلموا أنما غنمتم من شئ) * (3) الآية استدل الأصحاب بها. ويظهر منهم هنا وفي جميع أقسام ما فيه الخمس حيث استدلوا بالآية أن بناءهم على أن الآية غير مختصة بغنائم دار الحرب، فما يوهمه قول المحقق الطبرسي، في أول كلامه (4) - أن المراد بالغنيمة هي غنيمة دار الحرب وأنه مروي عن أئمتنا عليهم السلام - من أن الآية مختصة بها، ليس كذلك ; لأن مراده هنا بيان الفرق بين الغنيمة والفئ، يعني: أن الغنيمة وإن كانت من حيث اللغة عامة، ولكن اريد من الآية هنا بيان حكم ما اخذ من أهل الحرب بالقتال، لا بأن يكون اللفظ معناه ذلك فقط، بل اريد أن هذه الفائدة هي التي أراد الله تعالى بيان حكمها، وهوما اخذ في القتال، بقرينة ما قبل الآية وما بعدها، لاما يسمى فيئا من أفراد الغنيمة، خلافا لقوم من الجمهور حيث جعلوهما واحدا، ولم يفرقوا بين الفئ والغنيمة، وادعوا نسخ آية الفئ التي هي مذكورة في سورة الحشر وآية الأنفال بهذه. والحاصل أن مراد الطبرسي أن آية الفئ والأنفال لم تنسخ، والذي يقسم على الأصناف هو ما اخذ بالقتال، وهذا لا ينافي عموم الآية لكل ما يسمى غنيمة وفائدة. ولعله أراد بما هو مروي عن أئمتنا عليهم السلام مثل ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان، عن


(1) البيان: 348. (2) كالشيخ في الخلاف 2: 118 مسألة 139، والعلامة في المنتهى 1: 548، والتذكرة 5: 421، والشهيد في البيان: 348. (3) الأنفال: 41. (4) مجمع البيان 2: 543.

[ 316 ]

الصادق عليه السلام: في الغنيمة قال: " يخرج منها الخمس، ويقسم ما بقي بين من قاتل عليه وولي ذلك، وأما الفئ والأنفال فهو خالص لرسول الله صلى الله عليه وآله " (1) وما في معناه. ويشهد بما ذكرنا من مراده ما ذكره في أواخر كلامه، قال: وقال أصحابنا إن الخمس واجب في كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب وأرباح التجارات، وفي الكنوز والمعادن والغوص وغير ذلك مما هو مذكور في الكتب، ويمكن أن يستدل على ذلك بهذه الآية، فإن في عرف اللغة يطلق على جميع ذلك اسم الغنم والغنيمة (2)، انتهى. وظاهره أيضا دعوى الإجماع على المسألة. ويشهد بما ذكرنا من بيان مراد المحقق الطبرسي - رحمه الله - عبارة المنتهى في كتاب الجهاد، قال: المقصد الرابع في الغنائم، الغنيمة هي الفائدة المكتسبة، سواء اكتسبت برأس مال، كأرباح التجارات والزراعات وغيرهما، أو اكتسبت بالقتال والمحاربة، والقسم الأول مضى البحث فيه، والكلام هنا يقع في القسم الثاني. ومراده بما مضى هو ما مضى في كتاب الخمس. ثم قال: مسألة، قد بينا أن الغنيمة شاملة لما يغنم بالقهر والغلبة من أموال المشركين، ولما يغنم بالمعاش والربح، وعند الجمهور الغنيمة اسم للمعنى الأول، والوضع يساعدنا على الشمول للمعنيين معا، وأما الفئ فهو مشتق من فاء يفئ إذا رجع، والمراد به في قوله تعالى * (وما أفاء الله على رسوله) * (3) الآية ; ما حصل ورجع إليه من غير قتال ولاإيجاف بخيل ولاركاب، وما هذا حكمه فهو للرسول خاصة، ثم قال: والغنيمة مشتق من الغنم وهو المستفاد مطلقا على ما بينا (4). أقول: ومراده - رحمه الله - من المستفاد مطلقا أعم مما استفيد بالقتال أو بغيره.


(1) التهذيب 4: 132 ح 369، الوسائل 6: 339 أبواب الأنفال ب 2 ح 3. (2) مجمع البيان 2: 544. (3) الحشر: 6. (4) المنتهى 2: 921.

[ 317 ]

والحاصل أن ظهور الآية في عموم الفائدة ظاهر، ولا يضر ظهور بعض أجزاء الآية وما قبلها وما بعدها في إرادة غنيمة دار الحرب ; إذ ذلك لا يقتضي كون معنى الغنيمة ذلك فقط، فكأن الله تعالى يحكم على جزئي بسبب ثبوت حكمه تعالى في كليه، وهذا ما يقال: إن السبب لا يخصص العام، والعبرة بعموم اللفظ، سيما مع ملاحظة لفظ " من شئ " بعده. واستدلال الأصحاب في جميع موارد الخمس من المعادن والكنوز وغيرهما وفي خصوص هذه المسألة بعموم الآية يعين ذلك. وكذلك الأخبار المستفيضة جدا تدل على إرادة العموم، وقد مر بعضها، وسيجئ بعض آخر. لكن يبقى الإشكال في معنى الفائدة، والظاهر منها مطلق النفع الحاصل للإنسان كما يظهر من اللغة. قال الجوهري: الفائدة ما استفدت من علم أو مال (1)، وكذلك في القاموس (2). ولا يطلق على نفس المتاع، ولا على نفس البذر الحاصل من الزرع مثلا، أو هو مع شئ زائد من البذر بحيث لم يزد على ما اغترمه فيه. وأما الغنيمة ; فظاهرهم أنها الفائدة المكتسبة كما صرح به العومة في المنتهى (3) والمقداد في كنز العرفان (4) وصاحب مجمع البحرين (5). والاكتساب طلب الرزق كما صرح به الجوهري (6) والفيروز آبادي (7)، وعلى هذا


(1) الصحاح 2: 521. (2) القاموس 1: 325 - 337. (3) المنتهى 2: 921. (4) كنز العرفان 1: 249. (5) مجمع البحرين 2: 333. (6) الصحاح 1: 212. (7) القاموس المحيط 1: 128.

[ 318 ]

فلا يدخل فيه كل ما حصل للإنسان بدون الكسب، كالميراث، وطير وقع في كفه من الهواء، أو صيد دخل داره مخافة ذئب، أو كلب، أو نحو ذلك، وسيجئ تمام الكلام. فلنرجع إلى ذكر الأدلة، فنقول: يدل على المسألة بعد الإجماعات المتعددة وعموم الآية: الروايات المستفيضة، مثل ما رواه الكليني - رحمه الله - عن حكيم مؤذن بني عبيس (1)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * فقال أبو عبد الله عليه السلام، بمرفقيه على ركبتيه ثم أشار بيده ثم قال: " هي والله الإفادة يوما بيوم، إلا أن أبي جعل شيعته في حل ليزكوا " (2). وعن سماعة في الموثق، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس فقال: " في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير " (3). ثم روى بعدهما عن أحمد بن محمد بن عيسى عن يزيد - وفي نسختين من الكافي ابن يزيد - قال: كتبت جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة وما حدها ؟ رأيك أبقاك الله تعالى أن تمن علي ببيان ذلك لكيلا أكون مقيما على حرام لاصلاة لي ولاصوم ؟ فكتب: " الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها، وحرث بعد الغرام أو جائزة " (4). ويظهر منه - رضي الله عنه - أن هذا الحديث بيان للفائدة المذكورة في السابقين، ويظهر منه شمول للجائزة من أقسام غير المكتسب. وروى الشيخ في الصحيح، عن علي بن مهزيار قال، قال: أبو علي ابن راشد، قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأي شئ حقه ؟ فلم أدر ما أجيبه، فقال: " يجب عليهم الخمس " فقلت: ففي أي


(1) في " ح ": عميس، وفي الكافي: ابن عيسى. (2) الكافي 1: 544 ح 10، الوسائل 6: 380 أبواب الأنفال ب 4 ح 8. (3) الكافي 1: 545 ح 11، الوسائل 6: 350 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 6. (4) الكافي 1: 545 ح 12، الوسائل 6: 350 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 7.

[ 319 ]

شئ ؟ فقال: " في أمتعتهم وضياعهم " قلت: فالتاجر عليه والصانع بيده ؟ فقال: " ذلك إذا أمكنهم بعد مؤونتهم " (1). وعن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " على كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس مما أصاب لفاطمة، ولمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس، فذاك لهم خاصة يضعونه حيث شاؤوا، وحرم عليهم الصدقة، حتى الخياط يخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق، إلا من أحللناه من شيعتنا لتطيب لهم به الولادة، إنه ليس شئ عند الله يوم القيامة أعظم من الزنا، إنه ليقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب سل هؤلاء بما ابيحوا " (2). وعن علي بن مهزيار، عن محمد بن الحسن الأشعري - ووصفه في المنتهى بالصحة - قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الضياع، وكيف ذلك ؟ فكتب بخطه: " الخمس بعد المؤونة " (3). وفي بعض النسخ " الصناع " بالصاد المهملة والنون، إلى غير ذلك من الأخبار المستفيضة، بل المتواترة على ما ادعاه العومة في المنتهى والتذكرة (4). ولا يحسن القدح في سند بعضها ; لانجبارها بالشهرة العظيمة، بل الإجماع. ولافي دلالتها ; لوضوح دلالتها في الجملة في الجميع، وعدم الإشكال في الدلالة في البعض، ولافي اشتمال بعضها على ما لا يقول به الأصحاب ; لأنه لا يضر في الاستدلال كما مر مرارا. والحاصل أن أصل المسألة مما لاإشكال فيه.


(1) التهذيب 4: 123 ح 353، الاستبصار 2: 55 ح 182، الوسائل 6: 348 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 3. (2) التهذيب 4: 122 ح 348، الاستبصار 2: 55 ح 180، الوسائل 6: 351 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 8. (3) التهذيب 4: 123 ح 352، الاستبصار 2: 55 ح 181، الوسائل 6: 348 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 1. (4) المنتهى 1: 548، التذكرة 5: 421.

[ 320 ]

ويبقى الكلام في مقامات: الأول: إن المراد من الفوائد هل هو كل فائدة أم لا ؟ فالمشهور أن الميراث والصدقة والهبة غير داخلة فيه، وذهب أبو الصلاح إلى وجوبه فيها (1)، واستحسنه الشهيد في اللمعة (2)، ومال إليه شارحها (3)، وكذلك المحقق في المعتبر (4) كما يظهر من ملاحظة كلامه في المال المختلط بالحرام. وأنكره ابن إدريس وقال: لم يذكره أحد من أصحابنا إلا أبو الصلاح، ولو كان صحيحا لنقل نقل أمثاله متواترا (5). وذهب الناصر إلى أن في قليل العسل وكثيره الخمس (6)، ونفاه السيد في المسائل الناصرية (7) ; للأصل والإجماع. وعن الشيخ في المبسوط: العسل الذي يؤخذ من الجبل، وكذلك المن فيه الخمس (8). والمن على ما ذكره أهل اللغة: هو طل يقع على أوراق الأشجار. وقال في القاموس: المن كل طل ينزل من السماء على حجر أو شجر ويحلو وينعقد عسلا ويجف جفاف الصمغ، كالشير خشت والترنجبين، والمعروف بالمن ما وقع على شجر البلوط (9)، وكذلك يظهر من الصحاح (10). أقول: فعلى هذا فالكزنكبين الذي يحصل في بلدة خونسار ونواحيها ليس بالمن،


(1) الكافي في الفقه: 170. (2) اللمعة: 55، الروضة البهية 2: 74. (3) الروضة البهية 2: 74. (4) المعتبر 2: 624. (5) السرائر 1: 490. (6) نقله عنه السيد في المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 205 مسألة 121. (7) المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 205 مسألة 121. (8) المبسوط 1: 237. (9) القاموس 4: 274. (10) الصحاح 6: 2207

[ 321 ]

بل هو من الصمغ ; لأنه صمغ شوكة. ويحتمل أن يراد بالعسل الجبلي أيضا العسل المنعقد على الحجر من الطل، لالعاب النحل المعهود إذا اتخذت في الجبال مسكنا، كما يظهر من ح القاموس أنه أحد معاني العسل (1). وكيف كان فوجوب الخمس في المن والعسل الجبلي مذهب الشيخ (2) وابن إدريس (3) وابن حمزة (4) والكيدري (5) والعومة في المختلف (6). ومن هذه الاختلافات يقع الإشكال العظيم، فإنهم إن جعلوا المراد من الغنيمة في الآية مطلق الفائدة سواء كانت مكتسبة ومحصلة بالاختيار أو بدونه فيشكل بما ذكره جماعة في معنى الغنيمة أنه الفائدة المكتسبة (7)، وبأنه لاوجه لإخراج الميراث والهبة والصدقة، فإخراجها يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه ظاهرا، فمقتضى الآية وإطلاق بعض الروايات يشملها، وقد عرفت أن ظاهر الأصحاب حيث يستدلون بالآية في جميع الأقسام السبعة أنهم لايخصونها بغنيمة دار الحرب. وإن جعلنا المراد بالغنيمة هو الفائدة المكتسبة المحصلة بكسب، فحينئذ وإن كان يظهر خروج الميراث في كمال الوضوح، وكذلك الهبة والصدقة ; لبعد إطلاق الكسب على مثل قبول الهبة والصدقة، وأن مراد الفقهاء من إطلاق الكسب عليه في باب الحج - حيث ذكروا أن قبول الهبة فيما يستطاع به نوع كسب فلا يجب ; لأن الواجب مشروط عدم وجوب مطلق التحصيل، ولكن يشكل الأمر في مخالفتهم في وجوبه في العسل والمن، فإن تحصيلهما من المكاسب.


(1) القاموس المحيط 4: 15. (2) المبسوط 1: 237. (3) السرائر 1: 488. (4) الوسيلة: 136. (5) نقله عنه في المختلف 3: 315. (6) المختلف 3: 315. (7). مجمع البحرين 6: 129، معجم مقاييس اللغة 4: 397، الخلاف 2: 118، البيان: 341 .

[ 322 ]

ولذلك قال في المختلف: لاوجه لتخصيص العسل والمن، بل كل ما يجتنى كالترنجبين والشيرخشت والصمغ وغير ذلك ; لأن ذلك كله اكتساب (1). ومثله قال المحقق في المعتبر (2). فإن قيل: لعل مراد هؤلاء أن تلك الامور من باب المعدن والكنز وغيرهما، فلاتعتبر فيها مؤونة السنة، ويجب الخمس فيها من حيث الخصوصية، لامن حيث عموم المكاسب. قلنا: مع أنه لادليل على ذلك ظاهرا، ينافي احتجاجهم في المذكورات بأنها من المستفادات والمكتسبات. وبالجملة: كلماتهم في هذا المقام غير محررة، ولم نقف على تصريح في بيان ذلك، إلا أنه يظهر من ذكرهم الميراث والهبة والصدقة في فروع الأرباح والاكتسابات أن القائل يدخلها فيها، والمانع يمنع دخولها. وأما العسل والمن ; فيظهر من ابن إدريس (3) والعومة في المختلف (4) والمحقق في المعتبر (5) إدراجهما في الاكتساب. ومراد الشيخ غير معلوم، ولذلك استشكل الشهيد - رحمه الله - في البيان (6)، فإنه بعدما ذكر الأقسام السبعة قال: وثامنها العسل المأخوذ من الجبال، والمن، وذكره الشيخ (7) رحمه الله، وابن إدريس (8)، وجماعة (9) رضوان الله عليهم، وهل هو قسم


(1) المختلف 3: 316. (2) المعتبر 2: 635. (3) السرائر 1: 488. (4) المختلف 3: 316. (5) المعتبر 2: 624. (6) البيان: 349. (7) المبسوط 1: 237. (8) السرائر 1: 488. (9) منهم ابن حمزة في الوسيلة: 136، ونقله عن الكيدري في المختلف 3: 315 .

[ 323 ]

برأسه أو من قبيل المعادن، أو من قبيل الأرباح ؟ ظاهر الفاضل أنه من قبيل الأرباح (1) وقال السيد المرتضى: لا خمس فيه (2)، فيحتمل نفي الماهية ويحتمل نفي الخصوصية. ثم قال: ونفى بعض الأصحاب الخمس عن المسك (3)، والاحتمالان فيه قائمان، والظاهر أنه من المكاسب. وقال في فروع مسألة جميع أنواع التكسب: أوجب أبو الصلاح في الميراث والهدية والهبة الخمس (4)، ونفاه ابن إدريس (5) والفاضل (6) - رحمهما الله - للأصل، فلا يثبت الوجوب مع الشك في سببه، نعم لو نما ذلك بنفسه أو باكتساب الحق بالأرباح (7). ثم أقول: والتحقيق في المسألة إبقاء الآية على العموم، ولكن ظهورها في الغنيمة المكتسبة أو ترددها بينها وبين مطلق الفائدة يثبطنا عن تعميمها لمثل الميراث والهدية والهبة والمهر وعوض الخلع وحصول صيد في داره بلا تعب ونحو ذلك، ومن ذلك الصدقات والأخماس. وفي رواية الحسين بن عبد ربه تصريح بعدمه في الخمس (8). وكذلك الأخبار الواردة في المسألة لا يستفاد منها إلا الفائدة المكتسبة. ولفظ الإفادة في بعضها بمعنى الاستفادة، وهو ظاهر في الطلب والتحصيل. والأصل - مع ضعف كثير من الروايات وعدم ظهور دلالة كثير منها في مثل ذلك، وترك الجمهور العمل على العموم في أمثالها - يرجح عدم الدخول.


(1) المختلف 3: 316. (2) المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 205 مسألة 121. (3) العلامة في المنتهى 1: 547. (4) الكافي في الفقه: 170. (5) السرائر 1: 490. (6) المختلف 3: 315. (7) البيان: 348. (8). الكافي 1: 547 ح 3، الوسائل 6: 354 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 11 ح 2، قال: سرح الرضا عليه السلام إلى أبي بصلة وكتب عليه السلام: لا خمس عليك فيما سرح به صاحب الخمس .

[ 324 ]

وأما في مثل العسل والمن والصمغ بأقسامه فالأظهر وجوب الخمس فيها من باب الكسب والاستفادة، لامن حيث الخصوص. نعم يظهر من صحيحة علي بن مهزيار (1)، دخول الجائزة التي فيها خطر، والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن في الغنائم والفوائد التي فيها الخمس. وهذه الصحيحة مع أنها مضطربة مشتملة على امور كثيرة لا يقول بها أحد من الأصحاب، غير منطبقة على مذهب أبي الصلاح، وكذلك رواية يزيد المتقدمة الدالة على ثبوته في الجائزة (2) لا تبلغ حد الحجية في المقام متنا وسندا، ولا يبعد حملهما على الاستحباب. ويؤيده أن المشهور حكموا باستحباب تخميس جوائز الظلمة إذا كانت مشتبهة لتزول الكراهة (3). وربما استدل بعضهم بالأولوية بالنسبة إلى المال المختلط بالحرام (4)، وهو كما ترى. وربما استند بموثقة عمار (5)، ولا دلالة فيها ظاهرا، ولم يقل فيه أحدهم بأنه فائدة وغنيمة ويجب فيه الخمس. وكذلك ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر، عن كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقل أو أكثر، هل عليه فيها الخمس ؟


(1) التهذيب 4: 141 ح 398، الاستبصار 2: 60 ح 198، الوسائل 6: 349 أبواب ما يجب فيه الخمس، ب 8 ح 5، عن أبي جعفر قال: وإنما أوجبت عليهم الخمسث والغنائم والفوائد - يرحمك الله - فهي الغنيمة يغتنمها المرء والفائدة يفيدها والجائزة من الإنسان إلى الإنسان التي لها خطر عظيم والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن. (2) ص 318. (3) كابن إدريس في السرائر 2: 302، والعلامة في المنتهى 2: 1025. (4) المنتهى 2: 1025. (5) التهذيب 6: 330 ح 915، الوسائل 12: 146 أبواب ما يكتسب به ب 48 ح 3، عن أبي عبد الله عليه السلام سئل عن أعمال السلطان يخرج فيه الرجل، قال: لا، إلا أن لا يقدر على شئ يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى أهل البيت .

[ 325 ]

فكتب عليه السلام: " الخمس في ذلك بمائة درهم أو خمسين " (1) الحديث. لا يعتمد عليه ; لأن في طريقها أحمد بن هلال. والأحوط أن لا يترك الخمس في شئ من الفوائد ; لهذه الروايات، واحتمال عموم سائر الأخبار، بل ظهور بعضها كما ذكرنا. ومن أراد الاحتياط فينبغي أن يعتبر الخصوصية في خمس العسل الجبلي والمن، ولا يعتبر فيها مؤونة السنة، ويخرجه حين حصولها من دون اعتبار نصاب ولامؤونة سنة. وإن فعل ذلك في الميراث والهبة والصدقة أيضا فأولى وأحسن، ولكن لم يقم دليل على وجوب ذلك، فالمعيار هو الإدخال في أرباح المكاسب، فيلحق بها فيما ظهر دخوله، دون ما لم يظهر كما بينا. ومما يدخل في هذا الصنف الاصطياد والاحتطاب والاحتشاش والاستقاء والإجارات، وتعليم الأطفال في الدرس والمشق، والمجتنيات كالترنجبين والكزانكبين (2) والكمأة وغير ذلك ما لا يعد ولا يحصى، سواء جعل أحد الامور المذكورة حرفة لنفسه، أم وقع على سبيل الاتفاق. وفي صحيحة علي بن مهزيار في الكافي، قال: كتبت إليه يا سيدي رجل دفع إليه مال ليحج به، هل عليه في ذلك المال حين يصير إليه الخمس، أو على ما فضل في يده بعد الحج ؟ فكتب عليه السلام: " ليس عليه الخمس " (3). ورأيت في بعض أجوبة المسائل عن فخر المحققين أنه لا خمس في وجه اجرة الحج والزيارة، وضم إلى ذلك الصداق والميراث والهبة والجعالة والزكاة والخمس.


(1) السرائر 3: 606، الوسائل 6: 351 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 10. (2) الكزانكبين: مادة حلوة مستساغة تحتوي على أنواع السكر والكحول تسيل من شجرة الكز على أثر خراش تحدثه حشرة الكوكوس. فرهنك معين 3: 3299. (3) الكافي 1: 547 ح 22، الوسائل 6: 354 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 11 ح 1 .

[ 326 ]

والأمر في الجعالة والحج والزيارة مشكل. وتحتمل فتواه نفي الخصوصية لاالماهية، وأما الحديث فهو أيضا يحتملها، فيشكل الاعتماد عليه ; إذ ليس في الحديث ذكر الفضل بعد المؤونة، فالظاهر أن الجعالة ومطلق استيجار العبادات داخلة في الأرباح، وحكمها حكمها. وكذلك يجب في الزوائد المتصلة والمنفصلة في المال الذي لا خمس فيه، كالميراث أو ما اخرج منه الخمس كاللبن والصوف والنتاج والسمن وغير ذلك، سواء اخرج في الخمس من عين المال أو من قيمته. فلو اخرج لخمس مائة نعجة قيمة عشرين منها ثم حصل النماء للجميع أو لنفس العشرين فقط فيجب فيه الخمس ; لأنه نماء ماله، والنماء فائدة حصلت له. وفيما لو زاد بارتفاع القيم السوقية إشكال، من جهة الإشكال في صدق الإفادة والاستفادة عرفا، وجزم في التحرير بعدمه (1)، وليس ببعيد. وقال في الدروس: ولو وهب المال في أثناء الحول أو اشترى بغبن حيلة لم يسقط ما وجب (2). وهو كذلك ; لأنه ليس من المؤونة. وهل يكفي ظهور الربح في متاع مال التجارة، أو يحتاج إلى البيع والإنضاض ؟ فيه وجهان، استقرب في الكفاية الثاني (3). الثاني: إنما يجب الخمس في هذا القسم بعد وضع مؤونة المالك، والدليل على ذلك الإجماع، نقله جماعة من الأصحاب (4)، والأخبار المستفيضة جدا، منها: روايتا أبي علي ومحمد بن الحسن المتقدمتان (5).


(1) التحرير 1: 74. (2) الدروس 1: 259. (3) الكفاية: 43. (4) كالعلامة في المنتهى 1: 548، والتذكرة 5: 428 مسألة 319، والشهيد في البيان: 348. (5) 1. ص 318 - 319، وهما في التهذيب 4: 123 ح 352 و 353، والاستبصار 2: 55 ح 181 و 182، والوسائل 6: 348 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 1 و 3 .

[ 327 ]

ومنها: صحيحة البزنطي قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام: الخمس اخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة ؟ فكتب عليه السلام: " بعد المؤونة " (1). ورواية إبراهيم بن محمد الهمداني، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أقرأني علي بن مهزيار كتاب أبيك عليه السلام فيما أوجبه على أصحاب الضياع نصف السدس بعد المؤونة، وأنه ليس على من لم تقم ضيعته بمؤونته نصف السدس ولاغير ذلك فاختلف من قبلنا في ذلك، فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد المؤونة، مؤونة الضيعة وخراجها، لا مؤونة الرجل وعياله، فكتب عليه السلام وقرأه علي بن مهزيار: " الخمس بعد مؤونته، ومؤونة عياله، وبعد خراج السلطان " (2). ولعل ذكر نصف السدس مبني على أن أباه عليه السلام قد وهب ما سواه. ورواية علي بن محمد بن شجاع النيشابوري: أنه سأل أبا الحسن الثالث عليه السلام، عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كر ما يزكى، فأخذ منه العشر عشرة أكرار، وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرا وبقي في يده ستون كرا، ما الذي يجب لك من ذلك، وهل لأصحابه من ذلك شئ ؟ فوقع: " لي منه الخمس مما يفضل من مؤونته " (3). والظاهر من هذه الأخبار مؤونة السنة، وكذلك مؤونة سنة الرجل وعياله كما صرح به في رواية الهمداني، ونص عليه الأصحاب، وادعوا عليه الإجماع (4)، فلاوجه للإشكال فيه. ويبقى الإشكال في أن المؤونة توضع من أي شئ، ولا إشكال في أن رأس المال وما لا يعد للصرف ويدخر للقنية كالفرش والظروف ونفس الضيعة التي هي مستغل لها وأمثال ذلك لا يحسب منها المؤونة، إنما الإشكال فيما لو كان عنده مال مستعد للصرف،


(1) الكافي 1: 545 ح 13، الوسائل 6: 354 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 12 ح 1. (2) التهذيب 4: 123 ح 354، الاستبصار 2: 55 ح 183، الوسائل 6: 349 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 4. (3) التهذيب 4: 16 ح 39، الاستبصار 2: 17 ح 48، الوسائل 6: 348 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 2. (4) كالشيخ في الخلاف 2: 118، والعلامة في المنتهى 1: 550، والتذكرة 5: 428 .

[ 328 ]

مثل دراهم مخمسة، أو غلة مورثة، أو نحو ذلك، فهل تحسب المؤونة من ذلك المال أو من الأرباح أو منهما معا بالنسبة ؟ كما لو كانت مؤونته مائة وأرباحه مائتين وماله الآخر مائتين، فإذا وزع المؤونة على المالين بالمناصفة فيخمس مائة وخمسين من الأرباح، ذكر جماعة من الأصحاب فيه الوجوه الثلاثة (")، ويظهر من جماعة أن الأوسط أظهر، والأول أحوط، والآخر أعدل (")، ورجح المحقق الأردبيلي - رحمه الله - الأول ("). أقول: والأخبار وإن كانت ظاهرة في إخراج المؤونة من الأرباح، سيما رواية الهمداني ورواية النيشابوري، ورواية محمد بن الحسن الأشعري، لكن الظاهر منها أيضا انحصار المستغل فيما حصل منه الربح، فلا دلالة فيها على الوضع من الربح وإن كان له ما يصرفه في المؤونة، ولايحتاج إلى صرف الربح فيها. وادعى المحقق الأردبيلي - رحمه الله - تبادر صورة الاحتياج من قوله عليه السلام: " الخمس بعد المؤونة " يعني إذا احتاج الرجل في مؤونته إلى صرف الأرباح فلاخمس عليه فيما يحتاج إليه من ذلك، وأما مع عدم الاحتياج لوجود مال آخر يصرفه في المؤونة فيجب الخمس. واستدل أيضا بعموم أدلة الخمس وعدم وضوح صحة دليل المؤونة، وأن الإجماع ونفي الضرر إنما يثبتان ما لو احتاج في المؤونة إلى إنفاق الأرباح، وبأن ذلك يؤول إلى عدم الخمس في أموال كثيرة مع عدم الاحتياج إلى صرفها في المؤونة، مثل أرباح تجارات السلاطين وزراعتهم، وأكابر الزراع والتجار، وهو مناف لحكمة تشريع الخمس في الجملة. أقول: ويمكن أن يكون نظر من يرجح الأوسط - بعد ادعاء التبادر من اللفظ كما ذكرنا - إلى أن فتاوى العلماء مجملة، وكذلك إجماعاتهم المنقولة، ومع ملاحظة


(1) الدروس 1: 259، الروضة البهية 2: 77، المدارك 5: 385. (2) كالشهيد الثاني في المسالك 1: 465، والروضة البهية 2: 77. (3) مجمع الفائدة والبرهان 4: 318 .

[ 329 ]

تصادم ذينك الظهورين من حيث اللفظ، ومن حيث الحكمة، وقطع النظر عن الظهور اللفظي، فلا أقل من حصول الشك، والأصل براءة الذمة عن التكليف الزائد، مع أن العام المخصص بالمجمل لاحجية فيه في قدر الإجمال، سيما وفي الآية وعمومها إشكال قد مر وجهه. وفي الأخبار إشكالات من حيث السند والدلالة وغيرهما، فلم تثبت حجية العام فيما يساوي المؤونة من الأرباح مع وجود ما يكفيها أو بعضها من غيرها. وأما قوله: إن ذلك يؤول إلى عدم الخمس الى آخره، فهو محض استبعاد، ومنقوض بسقوط الزكاة عن زراعات السلاطين إذا كانت في غاية الكثرة إذا صارت بسبب كثرة المؤونة أو قلة نمو الزرع بحيث لو وضع مؤونة الزرع عنها لا يبقى إلا قليل بالنسبة إلى ما كان يعتاد حصوله وإن كان كثيرا في نفسه فتسقط الزكاة عن أموال كثيرة مع عدم الاحتياج إليها، مع أنه - رحمه الله - يقول بوضع مؤن الزراعة في الزكاة، هذا. ولكن الانصاف بعد التأمل التام ظهور ما ذكره المحقق الأردبيلي - رحمه الله - سيما بملاحظة رواية أبي علي بن راشد، فإن قوله عليه السلام " بعد مؤونتهم " (1) بيان لقوله " إن أمكنهم " أو بدل، وهي مع أنها لا يبعد أن تلحق بالصحاح منضمة إلى ملاحظة الحكمة واستبعاد أن يجعل ذلك شرطا مطردا فيما لا يحتاج إليه أصلا، بل وظهور سائر الأخبار بعد التأمل، وكذلك إطلاقات كلام السابقين ودعوى إجماعاتهم تكفي في خروج المبين عن الإجمال، فتبقى عمومات الخمس بحالها. فالأظهر أن تلاحظ المؤونة من ذلك المال ويتمم نقصه - إن فرض النقص - من الأرباح، فإن فضل بعد ذلك شئ ففيه الخمس. وأما دليل التقسيط ; فلعله تعارض دليلي المالين وتساويهما، ولا ترجيح، فيقسم بينهما بالنسبة، وقد عرفت الترجيح. ثم إن الوجوه الثلاثة مفروضة في كلام الشهيد في الدروس في الطارف


(1) التهذيب 4: 123 ح 353، الاستبصار 2: 55 ح 182، الوسائل 6: 348 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 3 قلت: الخمس في أي شئ ؟ فقال: في أمتعتهم وضياعهم والتاجر عليه والصانع بيده .

[ 330 ]

والتلاد (1)، ولم أعرف وجه الاختصاص، وكلام غيره أعم من أن يحصل المال الآخر في عامه أو قبله (2)، بل يظهر من بعضهم اختصاصه بالطارف (3)، وهو أيضا مشكل. الثالث: المراد بالمؤونة ما يصرفه لنفسه وعياله الواجبي النفقة وغيرهم، ومؤونة التزويج، واشتراء الأمة أو العبد أو الدابة، والضيافة، والهدية الائقات بحاله، فلوأسرف حسب عليه ما زاد، وإن قتر حسب له (4) ما نقص، والأحوط عدم احتساب الأخيرة. ومنها ما يلزمه بنذر أو كفارة ومؤونة الحج الذي وجب عليه في هذا العام. وكل ذلك يستثنى من ربح عامه، فلو استقر الخمس في مال في العام السابق فلايحسب منه ما يتجدد من المؤن، فلو حصلت الاستطاعة في الحج من فضلات سنوات متعددة فيجب الخمس فيما قبل عام كمال الاستطاعة، ولا يجب في متممها في عامه إذا صادف كمالها في هذا العام سير القافلة، وإن تأخر المسير فهو كالأعوام المتقدمة، وكذلك لو تعذر الحج في هذا العام. ولو ترك الحج بلا عذر فيحسب من المؤونة - كما لو قتر في الإنفاق - وإن كان آثما، ونجيز على القول بوضع جميع المؤونة من الأرباح وضع جميع مؤونة الحج عن أرباح عام كمالها وإن بقي لأجل الكمال مقدار قليل في عامه، وعلى ما اخترنا فالأمر واضح. والدين الذي يلزمه في عامه من أجل المؤونة أو الغرامة فهو من المؤونة، وأما الدين السابق على العام فليس منها إذا كان له في عام حصول الدين ما يفي به من غير المستثنيات في الدين وإن قلنا بوضع المؤونة عن الأرباح ; لأن الدليل مقتضاه وضع مؤونة العام من أرباح العام، وهذا ليس من مؤونة العام وسوانحه.


(1) الدروس 1: 258. قال في المصباح المنير 1: 76 ويقال: التالد والتليد والتلاد كل مال قديم، وخلافه الطارف والطريف. وقال في ج 1: 371 والطريف المال المستحدث، وهو خلاف التليد. (2) الروضة البهية 2: 77، المدارك 5: 385. (3) شرح اللمعة للآقا جمال: 314. (4) في " ح ": حسب عليه .

[ 331 ]

واحتساب المؤونة من الربح أو من المال المعد للصرف - على اختلاف الأقوال بالنسبة إلى لزوم الخمس في أرباح السنوات الماضية وعدمه - لا ينافي وجوب وفاء الدين من غير المستثنيات فيه. نعم لو لم يكن عنده شئ سوى المستثنيات فيوضع منها ; لتعلق التكليف به حينئذ في هذا العام بما ملكه فيه ; لأنه لم يكن قادرا على الأداء في الأعوام السابقة وحصلت القدرة في عام الربح، وكذلك الكلام في الحج السابق. ومن جملة المؤن: الصدقات والخيرات وأسفار الطاعات من الزيارات والحج المندوب، ولا يعتبر فيها الاقتصاد ; إذ لاسرف في الخير، نعم يعتبر في مؤونة الأسفار ذلك. ومنها: ما يأخذه الظالم قهرا أو يصانعه به اختيارا. ويجبر خسران التجارة والزراعة ونحوهما بالربح في الحول، ولا يجبر مطلق التالف. والظاهر أن تتميم رأس المال لمن احتاج إليه في المعاش من المؤونة كاشتراء الضيعة لأجل المستغل. الرابع: الظاهر من الأدلة هنا أيضا تعلق الخمس بعين الفاضل لا بذمة المالك، والظاهر التعلق بالمجموع، فلو كان فاضل المؤونة خمسة خرفان مثلا تتفاوت قيمتها فلا يكفي إخراج أقلها قيمة. والظاهر جواز إخراج القيمة عن العين كالزكاة، سيما إذا كان الفاضل من الأمتعة والأقمشة، والظاهر أن المعتبر إخراج القيمة السوقية حين الإخراج، لاما اشتراه به، وصرح به بعض المحققين أيضا (3). الخامس: مصرف هذا القسم هو مصرف سائر الأقسام على المشهور عند الأصحاب (2).


(1) شرح اللمعة للآقا جمال: 315. (1) المبسوط 1: 262، الوسيلة: 137، الشرائع 1: 164.

[ 332 ]

وما يتوهم خلافه بملاحظة بعض الأخبار مثل رواية عبد الله بن سنان المتقدمة (1) فمؤول. وظاهرهم عدم الخلاف في المسألة، وعموم الآية يدل عليه (2)، مضافا إلى إطلاق بعض الأخبار (3). وقد استشكل في الكفاية في مستحق المعدن والكنز والغوص أيضا، واستقرب القول بكون جميع المذكورات له عليه السلام (4). ولاوجه له ; لعموم الآية (5)، وخصوص رواية أحمد بن محمد (6)، ومرسلة حماد (7) الآتيتين في تقسيم الخمس، المعتضدتين بالشهرة. بل ظاهر العومة في التذكرة والمنتهى الإجماع على أن مصرف الخمس في جميع ما يجب فيه الخمس هو مصرف خمس الغنائم (8). السادس: الأرض التي اشتراها الذمي من مسلم يجب فيها الخمس، ولم يذكره كثير من الأصحاب المتقدمين (9)، وذهب إليه الشيخ (10) ومن تأخر عنه (11)، وادعى


(1) التهذيب 4: 122 ح 348، الاستبصار 2: 55 ح 180، الوسائل 6: 351 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 8، قال: على كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس مما أصاب لفاطمة ولمن يلي أمرها بعدها من ذريتها، حتى الخياط ليخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منها دانق، إلا من أحللنا من شيعتنا. (2) الأنفال: 41. (3) الوسائل 6: 355 أبواب قسمة الخمس ب 1. (4) كفاية الأحكام: 44. (5) الأنفال: 41. (6) التهذيب 4: 126 ح 364، الوسائل 6: 359 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 9. قال: الخمس من خمسة أشياء: من الكنوز والمعادن والغوص والمغنم الذي يقاتل عليه ث. (7) الكافي 1: 539 ح 4، التهذيب 4: 128 ح 366، الاستبصار 2: 56 ح 185، الوسائل 6: 358 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 8، الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم ومن الغوص والكنوز ومن المعادن والملاحة. (8) التذكرة 5: 436، المنتهى 1: 552. (9) المختلف 3: 317. (10) النهاية: 197، المبسوط 1: 237، النهاية ونكتها 1: 488. (11) كالقاضي في المهذب 1: 177، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 569، وابن حمزة في الوسيلة: 137، وابن ادريس في السرائر 1: 488 .

[ 333 ]

عليه الإجماع ابن زهرة (1)، وهو ظاهر التذكرة (2)، وفي المنتهى نسبه إلى علمائنا (3). وتدل عليه رواية أبي عبيدة الحذاء، عن الباقر عليه السلام رواها الشيخ والصدوق (4)، ورواها في المقنعة مرسلة عن الصادق عليه السلام (5). وعن الشهيد الثاني - رحمه الله - في فوائد القواعد الميل إلى عدم الوجوب، استضعافا للرواية (6)، ووصفها في الروضة بالموثقة (7)، ولاوجه له ظاهرا ; لأن سندها في التهذيب صحيح ليس فيه من يتأمل فيه، رواها في موضعين منه قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " أيما ذمي اشترى من مسلم أرضا فإن عليه الخمس " (8) وفي المقنعة " فعليه فيها الخمس " (9). وربما يتوقف في الاستدلال من جهة الإشكال في الدلالة بمنع كون الخمس في الرواية هو المصطلح ; استنادا إلى أن مذهب مالك من العامة وجوب منع الذمي عن اشتراء الأراضي العشرية (10) يعني ما كانت زكاته العشر، مثل ما سقي بالسيح والبعل، ولو فرض أنه اشترى يضاعف عليه العشر ويؤخذ منه الخمس لمستحق الزكاة، فلعل المراد من الحديث هو هذا، أو لعله ورد مورد التقية موافقا لمالك ; لاشتهار فتاويه في زمان الباقر عليه السلام، وهو بعيد ; لإطلاق الرواية وشمولها العشرية وغيرها، وما يزرع وما لا يزرع، وما يبلغ زرعه النصاب وما لا يبلغه.


(1) الغنية (الجوامع الفقهية): 569. (2) التذكرة 5: 422. (3) المنتهى 1: 549. (4) الفقيه 2: 22 ح 81، التهذيب 4: 123 ح 355، وص 139 ح 393، الوسائل 6: 352 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 9 ح 1. أيما ذمي اشترى من مسلم أرضا فعليه الخمس. (5) المقنعة: 283. (6) نقله عنه في المدارك 5: 386. (7) الروضة البهية 2: 73. (8) التهذيب 4: 123 ح 355، وص 139 ح 393. (9) المقنعة: 283. (10) المغني 2: 590، الشرح الكبير 2: 579

[ 334 ]

وبالجملة لاوجه للإشكال في الرواية مع الصحة والظهور والاعتضاد. ولا تعارضها صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة القائلة أنه ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة (1)، بتقريب عدم تسمية ذلك غنيمة ; لأنها مخصصة بهذه الرواية. والظاهر أن مصرف هذا القسم هو مصرف سائر الأقسام كما سيظهر لك وجهه. ثم إن مقتضى إطلاق الرواية كفتاوي الجماعة وصريح الشهيدين (2) شمول الأرض لما كانت مشغولة ببناء أو شجر وغيره. ولكن المحقق في المعتبر قال: والظاهر أن مراد الأصحاب أرض الزراعة لاالمساكن (3)، وكذلك قال العلامة في المنتهى (4)، واستجوده في المدارك (5) ; لأنه المتبادر، وضعف قول جده - رحمه الله - بالتعميم (6). وقد يستشكل بأن عدم تبادر أرض الدار والبستان من الأرض إنما هو إذا اعتبرت الدار من حيث إنها دار، وكذا البستان، وأما لو اعتبر أرض الدار والبستان من حيث هي أرض فينصرف إليها. وفيه: أن ذلك إنما يتم في لفظ الأرض مفردة عن كلمة البيع والاشتراء، ومراد من يدعي الظهور من اللفظ في غير الدار والبستان إنما هو من المركب، يعني مجموع قولك: اشترى أرضا، فالأصل مع هذا الظهور، ودعوى الفاضلين أن ذلك ظاهر الأصحاب (7) يثبطنا عن التعميم. نعم يتم الإشكال لو صرح ببيع أرض البستان مثلا، بأن تكون هي المقصودة بالذات،


(1) الفقيه 2: 21 ح 74، التهذيب 4: 124 ح 359، الاستبصار 2: 56 ح 184، الوسائل 6: 338 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 1. (2) البيان: 346، المسالك 1: 466، حاشية الإرشاد للشهيد الثاني 1: 289. (3) المعتبر 2: 624. (4) المنتهى 1: 549. (5) المدارك 5: 386. (6) المسالك 1: 466. (7) المعتبر 2: 624، المنتهى 1: 549 .

[ 335 ]

مثل أنه يريد اشتراء البستان ليقطع أشجاره ويزرع فيه. فإن قيل: إن الأرض جزء للدار والبستان، فيدل بيعهما على بيعها بالتضمن والتبع. قلنا: من يدعي التبادر يدعي أن المتبادر من اللفظ في الحديث الاشتراء بالاستقلال وقصدا بالذات، لا بالتبع، وإن كانت أجزاء المبيع داخلة فيه ضمنا. وظاهر الرواية (1) وفتاوى الأكثرين (2) ; الاختصاص بالاشتراء، وهو مقتضى الأصل. وألحق الشهيد مطلق الانتقال كالهبة وغيرها (3)، وهو مشكل. وقد يقال: الأحوط أن يشترط الخمس في ضمن عقد الانتقال، بل في البيع أيضا ; ليندفع الإشكال بالمرة. وذكر الشهيدان - رحمهما الله - أن الإمام أو الحاكم يتخير بين أخذ خمس العين أو خمس الانتفاع (4). ولعل المراد أنه ليس للذمي أن يمتنع من العين ويقبل الانتفاع، وللإمام أن يلزمه بإعطاء العين وأن يقبل الانتفاع لو رضي به الذمي، لاأن له إلزامه بالانتفاع إذ لم يدل الحديث إلا على تعلق الخمس بالعين. وهنا احتمال ضعيف، وهو أن يكون تمام الأرض للذمي وعليه خمس منافعها، كما في قولهم: من زرع الأرض الفلانية فعليه العشر، ولا يستفاد من الرواية (ولعل وجهه قابلية الحديث لكليهما) (5). وأما أخذ قيمة العين فلا دليل عليه، إلا أن يرى الحاكم الصلاح فيه إذا رضي به


(1) مرت في ص 333، وفيها: أيما ذمي اشترى من مسلم أرضا فإن عليه الخمس. (2) كالشيخ في النهاية: 197، والمبسوط 1: 237، والقاضي في المهذب 1: 177، وابن حمزة في الوسيلة: 137، وابن ادريس في السرائر 1: 488، والمحقق في الشرائع 1: 163، والعلامة في المنتهى 1: 549، والتذكرة 5: 422. (3) البيان: 346. (4). البيان: 346، المسالك 1: 466، حاشية الإرشاد للشهيد الثاني 1: 289. (5) مابين القوسين ليس في " م " .

[ 336 ]

الذمي، ولا دليل على جواز إلزامه بها، ولو فرض أخذ القيمة فيجئ على أصل المسألة وجوب الخمس عليه في ذلك الخمس ; لأنه أيضا ملك اشتراه من صاحب الخمس، وهكذا إلى أن لا يبقى شئ. والمراد بخمس الانتفاع ينبغي أن يكون خمس اجرة المثل، لا خمس ما ينتفع به الذمي ; إذ قد يتفاوت بالوجود والعدم والقلة والكثرة بسبب ترك الزرع وإساءته ونحو ذلك، فيؤخذ منه ذلك في كل عام. وعلى القول بشمول الأرض المشغولة بالبناء والأشجار فتقدر الأرض المشغولة بكون الشاغل مستحقا للبقاء باجرة لصاحب الأرض، ويؤخذ منه خمس اجرة مثل تلك الأرض. وقد يحتمل هنا تقدير الأرض خالية عن الشاغل وأخذ خمس اجرتها كذلك. وهو بعيد ; لعدم تعلق حق الخمس بها خالية، بل كان مقارنا بالشاغل. وأما لو اريد أخذ العين على هذا التقدير فعلى فرض (إفراز) خمس العين فلا مناص عن أخذ اجرة مثل الخمس ; لعدم التسلط على منع الذمي عن التصرف في الشواغل. ولو باع الذمي هذه الأرض لذمي آخر لا يسقط خمسه، بل ولا يسقط لو باعها لمسلم أيضا ; فيبطل البيع في مقدار الخمس، ويتخير المشتري مع الجهل لتبعض الصفقة. وكذلك لا يسقط بإقالة المسلم له في البيع، فيسترد الذمي من الثمن ما قابل غير خمس الأرض، فهي في الحقيقة إقالة في بعض المبيع ; لخروج الخمس عن ملكه قسرا وإن لم يسلمه إلى المستحق بعد، ولا يعود إلى البائع بالإقالة. ولا فرق في ذلك بين ما لو قاطعه على المنفعة أم لا. وأما على الاحتمال الضعيف المتقدم فيصح التراد في الكل، لكن على الذمي أرش عين الخمس، وصيرورتها معينة بسبب تعلق وجوب خمس المنفعة، ويتعلق حينئذ بالبائع لتبعيته للعين. وربما احتمل سقوطه هنا ; لأن الإقالة فسخ للبيع، فكأن البيع لم يقع من المسلم أصلا.

[ 337 ]

ويضعف بأن الفسخ إنما هو من حين الإقالة، لامن حين العقد. ولافرق بين أن تكون الأرض مما يتعلق بها الخمس كالمفتوحة عنوة أو لا ; لإطلاق النص والفتوى. ويتصور ذلك بأن نقول بجواز بيعها تبعا للآثار كما هو التحقيق، أو يكون المبيع هو حصة الخمس من تلك الأراضي، أو بأن يبيعها الحاكم لأجل مصالح العسكر مثلا، لإطلاق النص والفتوى. السابع: إذا اختلط الحلال بالحرام، ولم يتميز مقدار أحدهما من الآخر ولامستحقه، فالمشهور بين الأصحاب، سيما المتأخرين وجوب إخراج الخمس (1). ونسبه في المنتهى إلى أكثر علمائنا (2)، وفي المعتبر إلى كثير من علمائنا (3)، وفي المختلف إلى الشيخ (4) وأبي الصلاح (5)، وابن إدريس (6)، قال: ولم يذكره ابن الجنيد، ولا ابن أبي عقيل، ولاالمفيد (7). أقول: وروى المفيد في باب الزيادات، عن الصادق عليه السلام: عن رجل اكتسب مالا من حلال وحرام، ثم أراد التوبة عن ذلك، ولم يتميز له الحلال بعينه من الحرام، فقال: " يخرج منه الخمس وقد طاب، إن الله تعالى طهر الأموال بالخمس " (8) وظاهره العمل عليه، وعن ابن زهرة دعوى الإجماع عليه (9).


(1) كابن سعيد في الجامع للشرائع: 148، والفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 337، والشهيدين في البيان: 346، والمسالك 1: 467. (2) المنتهى 1: 548. (3) المعتبر 2: 624. (4). النهاية: 197، المبسوط 1: 236، النهاية ونكتها 1: 488. (5) الكافي في الفقه: 170. (6) السرائر 1: 487. (7) المختلف 3: 317. (8) المقنعة: 283. (9) الغنية (الجوامع الفقهية): 569 .

[ 338 ]

وتأمل فيه جماعة من محققي المتأخرين، كالمحقق الأردبيلي (1) رحمه الله وصاحب المدارك (2)، وصاحب الكفاية (3)، وغيرهم (4). ويظهر من الشهيد في البيان التوقف في كون ذلك هو الخمس المصطلح (5)، وسيجئ كلامه. قال في المدارك بعد القدح في الروايتين الآتيتين من حيث السند وعدم ذكر المصرف فيه: إن المطابق للاصول وجوب عزل ما يتيقن انتفاؤه عنه والتفحص عن مالكه إلى أن يحصل اليأس من العلم به، فيتصدق به على الفقراء، كما في غيره من الأموال المجهولة المالك. وقد وردت بالتصدق بما هذا شأنه روايات كثيرة (6) مؤيدة بالإطلاقات المعلومة وبالاعتبارات العقلية، فلا بأس بالعمل بها إن شاء الله تعالى (7)، انتهى. حجة المشهور: ما رواه الشيخ، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن رجلا أتى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إني أصبت مالا لاأعرف حلاله من حرامه، فقال له: أخرج الخمس من ذلك المال، فإن الله عزوجل قد رضي من المال بالخمس، واجتنب ما كان صاحبه يعلم " (8). وما رواه في الكافي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: إني اكتسبت مالا أغمضت في مطالبه حلالا وحراما، وقد أردت التوبة، ولا أدري الحلال منه من الحرام، وقد اختلط علي، فقال أمير المؤمنين عليه السلام:


(1) مجمع الفائدة والبرهان 4: 320. (2) المدارك 5: 387. (3) الكفاية: 43. (4) كالكاشاني في مفاتيح الشرائع 1: 227. (5) البيان: 347، وسيجئ كلامه في ص 341. (6) المدارك 5: 388. (7) الوسائل 6: 352 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 10 ح 4. (8) التهذيب 4: 124 ح 358 وص 138 ح 390، الوسائل 6: 352 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 10 ح 1 .

[ 339 ]

تصدق بخمس مالك، فإن الله قد رضي من الأشياء بالخمس، وسائر المال لك حلال " (1). وروى الصدوق في الفقيه مرسلا قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين أصبت مالا أغمضت فيه، أفلي توبة ؟ قال: " ايتني بخسمه " فأتاه بخمسه فقال: " هو لك، إن الرجل إذا تاب، تاب ماله معه " (2). ولا ينبغي القدح في سندها مع ورودها في الاصول المعتمدة، سيما الكافي والفقيه، وعمل كثير من الأصحاب، بل أكثرهم (3)، مع الإجماع المنقول (4)، وسنذكر الخبر الصحيح أيضا (5) وإن لم يذكروه في مقام الاستدلال. لكن الإشكال إنما هو في دلالة الروايات المذكورة، وأن المراد بها هل هو الخمس المصطلح، أو المعنى اللغوي، فيمكن القدح بأن الأظهر وإن كان ثبوت الحقيقة الشرعية، لكن ثبوتها حتى في زمان أمير المؤمنين عليه السلام في محل المنع. سلمنا، لكن الخمس ليس من باب سائر الألفاظ مثل الصلاة والصوم والزكاة، فإن هذا اللفظ اسم مرتبة من مراتب الكسور، وهو باق على حقيقته جزما في العرف واللغة والشرع، فغاية الأمر ثبوت الاشتراك اللفظي، فيرجع في تعيين المراد إلى القرينة. ولاريب أن التصدق في الرواية الثانية قرينة على إرادة الوضع اللغوي، سيما على ما هو المشهور بينهم من حرمة مطلق الصدقات الواجبة على بني هاشم (6)، وإن كان الأقوى خلافه. وإطلاق الصدقة على الخمس أحيانا لا يقتضي كونها حقيقة فيه ; لأن الاستعمال


(1) الكافي 5: 125 ح 5، الوسائل 6: 353 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 10 ح 4. (2) الفقيه 2: 22 ح 83، الوسائل 6: 353 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 10 ح 3. (3) كالعلامة في المنتهى 1: 548، والتذكرة 5: 422، والتحرير 1: 74، والشهيدين في الدروس 1: 259، والمسالك 1: 467، والروضة البهية 2: 67، والطباطبائي في الرياض 5: 247. (4) الغنية (الجوامع الفقهية): 569. (5) سيأتي في ص 341. (6) كالشيخ في الخلاف 2: 227 مسألة 5، والسيد في الانتصار: 84، والمحقق في الشرائع 1: 151، والعلامة في المنتهى 1: 524، والإرشاد 1: 287، والسيد في المدارك 5: 250 .

[ 340 ]

أعم، مع أن ظهور كون الصدقة والتصدق حقيقة في غير الخمس ليس بأقل من دعوى الحقيقة الشرعية في الخمس، بل هو أظهر. فإن قلت: إن الأمر بإخراج الخمس بدون ذكر المصرف ولاذكر لفظ يدل على المصرف كالتصدق في الحديث الثاني أيضا قرينة على إرادة الخمس المصطلح المعهود. قلت: إن أردت من المعهود هو المذكور في الآية المنقسم على الأقسام الستة، فيلزم منه دخول الميراث في الغنائم، والمال المختلط قد يكون ميراثا وهم قد أخرجوه، مع أنهم قد يستشكلون في المصرف في غير ذلك أيضا كالأرباح، فإن بعضهم يخصونه بالإمام مع أنه خمس عندهم، فإن كان هؤلاء يحملون الخمس الوارد في الأخبار في باب الأرباح على ما هو المذكور في الآية فما وجه الإشكال ؟ وإن كانوا يحملونه على الأعم كما يستفاد من بعض الأخبار الدالة على حكم الأرباح، فيمكن أن يكون هذا الخمس أيضا مصرفه غير ما هو المذكور في الآية وفي تلك الأخبار، وهو غير معلوم لنا. سلمنا، ظهور ما في الرواية الاولى في الخمس المصطلح، لكن ظهور الرواية الاخرى يدفعه وتغلب عليها أو تتساقطان. فالأصل وكل ما دل على أن مجهول المالك يتصدق به على الفقراء يرجح الحمل على المعنى اللغوي، فالأصل أن إخراج الخمس واجب، لكن لا يتعين إيصاله إلى مصرف خمس الغنائم، بل يجوز دفعه إلى مطلق الفقراء. ولكن الأحوط أن يصرف إلى فقراء بني هاشم، فإنه إن كان من باب مجهول المالك فالأظهر جواز صرفه إليهم، لما مر في كتاب الزكاة (1) من عدم ثبوت الدليل على حرمة غير الزكاة والفطرة الواجبتين على بني هاشم، سواء كانت واجبة أو مستحبة، زكاة كانت أو غيرها. وإن كان من باب الخمس فقد وصل إلى مصرفه، فإن حصة الإمام عليه السلام يجوز


تقدم في ص 177.

[ 341 ]

صرفها إلى فقراء بني هاشم في حال غيبته أيضا على الأظهر كما سيجئ تحقيقه (1). وقال الشهيد في البيان: ظاهر الأصحاب أن مصرف هذا الخمس أهل الخمس، وفي رواية " تصدق بخمس مالك، فإن الله رضي من الأموال بالخمس " (2) وهذه تؤذن أنه في مصارف الصدقات ; لأن الصدقة الواجبة محرمة على مستحق الخمس (3). هذا، ولكن الصدوق في الخصال روى في الصحيح عن عمار بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس " (4). ثم قال في الخصال: وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الخمس على خمسة أشياء: على الكنوز والمعادن والغوص والغنيمة " ونسي ابن أبي عمير الخامس (5)، قال مصنف هذا الكتاب: أظن الخامس الذي نسيه ابن أبي عمير مالا يرثه الرجل وهو يعلم أن فيه من الحلال والحرام ولا يعرف أصحاب الحرام فيؤديه إليهم، أو لايعرف منه بعينه فيجتنبه، فيخرج منه الخمس، انتهى كلامه رحمه الله. وسوق الرواية دليل على إرادة الخمس المصطلح، فهذه الرواية، مع ظهور عمل جمهور الأصحاب، وظاهر الإجماع المنقول يكفي في ذلك، فالمختار وجوب إيصال ما لم يعرف صاحبه والقدر إلى أرباب الخمس المصطلح، ومصرفه مصرف سائر الأقسام وإن لم نقل بدخوله في الآية، إذا كان من باب الميراث ; لظاهر الصحيحة المذكورة، وإطلاق مرسلة حماد بن عيسى (6)، ومرسلة أحمد بن محمد (7) الآتيتين في


(1) في ص 385. (2) الكافي 5: 125 ح 5، الوسائل 6: 353 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 10 ح 4. (3) البيان: 348. (4) الخصال: 290 ح 51، الوسائل 6: 344 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 6. (5) الخصال: 291 ح 53، الوسائل 6: 344 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 7. (6) الكافي 1: 539 ح 4، التهذيب 4: 128 ح 366، الاستبصار 2: 56 ح 185، الوسائل 6: 358 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 8. قال: الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم ومن الغوص والكنوز ومن المعادن والملاحة. (7) التهذيب 4: 126 ح 364، الوسائل 6: 359 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 9 الخمس من خمسة أشياء: من الكنوز، والمعادن، والغوص، والمغنم الذي يقاتل عليه .

[ 342 ]

تقسيم الخمس. وقد مر أن ظاهر العومة أيضا دعوى الإجماع على أن مصرف الخمس في كل ما يجب فيه الخمس هو مصرف خمس الغنائم. وقد يستدل على وجوب الخمس في هذا القسم بحسنة الحلبي المتقدمة في خمس الغنائم (1)، وقد عرفت ضعف العمل عليها إن اريد بها الغنيمة الحاصلة من حرب الكفار بدون إذن الإمام، مع أنه غير ما نحن فيه، وإن اريد بها ما يحصل من عمالتهم وولايتهم، كما يشعر به لفظ الديوان أو الأوان في موضع اللواء في بعض النسخ، فلا دلالة فيه على ما نحن فيه. وفي معناها موثقة عمار أيضا، عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن أعمال السلطان يخرج فيها الرجل، قال: " لا، إلا أن لا يقدر على شئ يأكل ولا يشرب، ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى أهل البيت " (2). ورواية الحكم بن علباء الأسدي، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت له: إني وليت البحرين فأصبت بها مالا كثيرا، واشتريت متاعا، واشتريت رقيقا، واشتريت امهات أولاد، وأنفقت، وهذا خمس ذلك المال، وهؤلاء امهات أولادي ونسائي وقد أتيتك به، فقال: " أما إنه كله لنا، وقد قبلت ما جئت به، وقد حللتك من امهات أولادك، ونسائك وما أنفقت، وضمنت لك عليه وعلى أبي الجنة " (3). فالأولى حمل تلك الأخبار على الاستحباب فيما يحصل من ولاية الظالمين إذا لم يكن حراما، وإلا فيجب رده إلى أربابه، وربما يستدل بموثقة عمار على استحباب تخميس جوائز الظالم إذا كانت مشتبهة لتزول الكراهة.


(1) التهذيب 4: 124 ح 357، الوسائل 6: 340 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 8 في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمة، قال: يؤدي خمسها. (2) التهذيب 6: 330 ح 915، الوسائل 6: 353 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 10 ح 2. (3) التهذيب 4: 137 ح 285، الاستبصار 2: 58 ح 190، الوسائل 6: 368 أبواب الأنفال ب 1 ح 13 .

[ 343 ]

ويحتمل أن يكون كل ما يحصل من عمالتهم من باب الأنفال، كما مر فيما يغنم في عسكرهم من دار الحرب، فيكون اكتفاء الإمام بالخمس من باب العفو والتحليل عن الباقي، كما تدل عليه الرواية الأخيرة. مع أن الرواية الأخيرة ربما كانت مبتنية على أن البحرين كانت من الأنفال ; لكون أرضه مما انجلى أهلها، وكذلك البحر كما يستفاد من بعض الأخبار، وكان حكم الأنفال في زمن الإمام أنه لو تصرف فيه متصرف بإذن الإمام كان خمسه للإمام، ولكن الإمام كان يتعامل معه معاملة الخمس كما يظهر من الكليني في الكافي (1)، وإذا كان بغير إذن الإمام فالجميع للإمام، وما ذكره - رحمه الله - مطابق للرواية وغيرها من الروايات (2)، وسيجئ تمام الكلام في الأنفال. والحاصل: أن ما يمكن به الاستدلال في المسألة من الأخبار هو ما قدمناه أولا. هذا كله إذا جهل مقدار الحرام رأسا وصاحبه قطعا، وهو المتبادر من الروايتين أيضا ; إذ الظاهر من الفعل المنفي هو العموم، فالمراد عدم المعرفة من جميع الوجوه. ولكن كلمات كثير من علمائنا (3) كظاهر صحيحة عمار المتقدمة (4) مطلقة تقتضي وجوب الخمس وإن علم زيادة الحرام على الخمس، أو على صورة غلبته على الحرام، بل صرح بعضهم بذلك كالمحقق في المعتبر (5) ; فإنه قال: ولا يعتبر في غنائم دار الحرب ولافي الأرض التي ابتاعها الذمي من المسلم، ولافي المال المختلط حرامه بحلاله مقدار، بل يجب فيه الخمس مطلقا من غير تقدير. قال الشيخ: إذا اختلط الحلال بالحرام حكم بالأغلب، فإن كان الأغلب حراما


(1) الكافي 1: 538، قال: الآجام والمعادن والبحار والمفاوز هي للإمام خاصة، فإن عمل فيها قوم بإذن الإمام فلهم أربعة أخماس، وللإمام خمس. (2) الوسائل 6: 364 أبواب الأنفال ب 1. (3) الشرائع 1: 164. (4) الخصال: 290 ح 51، الوسائل 6: 344 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 6. (5) المعتبر 2: 627 .

[ 344 ]

احتاط في إخراج الحرام، وكذا لو ورث ما لم يعلم أن المورث جمعه من محظور ومحلل بأن غلب على ظنه أو علم أن الأكثر حرام ; احتاط في إخراج الحرام منه، وإن لم يتميز له أخرج الخمس وصار الباقي حلالا (1). وما ذكره الشيخ تفصيل لم تدل عليه الرواية، فإن كانت عنده ثابتة فتفصيله غير لازم. أقول: ويقرب من كلام الشيخ كلام ابن إدريس (2)، وكلامهما في التفصيل وإن كان أحسن من الإطلاق مطلقا كما يظهر من المحقق، إلا أن الأولى ما ذكره جماعة من المحققين في التفصيل (3)، وهو أن وجوب إخراج الخمس إنما هو إذا جهل القدر والمستحق من جميع الوجوه، كما هو ظاهر الروايتين، ولا يبعد تنزيل إطلاق الصحيحة على ذلك أيضا. أما إذا علم المالك والمقدار، فلاريب في وجوب الإيصال إليه. وإن علم القدر معينا دون المالك، فالأقوى وجوب التصدق به عن المالك مع اليأس من المالك، مساويا كان لخمسه أو أزيد أو أنقص ; لعدم اندراجه في مدلول هذه الأخبار، فيكون من باب المال المجهول المالك. ومقتضى إطلاق فتاويهم والأخبار الواردة فيه التصدق به، ومقتضى بعض الأخبار الواردة فيها أنها من باب الأنفال، والظاهر في مثلها أيضا في أمثال هذا الزمان جواز التصدق. ولا بأس بذكر بعض الأخبار، وهو ما رواه في الكافي في الصحيح، عن يونس، قال: سألت عبدا صالحا عليه السلام، فقلت: جعلت فداك كنا مرافقين القوم بمكة وارتحلنا عنهم وحملنا بعض متاعهم بغير علم وقد ذهب القوم ولانعرفهم ولا نعرف أوطانهم وقد بقي المتاع عندنا، فما نصنع به ؟ قال: فقال: " تحملونه حتى تلحقوهم بالكوفة ".


(1) المبسوط 1: 237. (1) السرائر 1: 487. (1) المسالك 1: 466، الرياض 5: 247.

[ 345 ]

قال يونس، فقلت له: لست أعرفهم، ولا ندري كيف نسأل عنهم قال، فقال: " بعه وأعط ثمنه أصحابك " قال، فقلت: جعلت فداك أهل الولاية ؟ فقال: " نعم " (1). وقريبا منه روى الشيخ في الصحيح عن الرضا عليه السلام (2). ورويا أيضا، عن يونس، عن نصربن حبيب صاحب الخان، قال: كتبت إلى عبد صالح: قد وقعت عندي مائة درهم وأربعة دراهم وأنا صاحب فندق، فمات صاحبها ولم أعرف له ورثة، فرأيك في إعلامي حالها، وما أصنع بها، ضقت بها ذرعا ؟ فكتب: " اعمل فيها وأخرجها صدقة قليلا قليلا حتى تخرج " (3). قال المحقق الأردبيلي - رحمه الله - في كتاب اللقطة: إن هذا هو المشهور برد المظالم (4). وقال العلامة المجلسين رحمه الله - ووالده الفاضل المتقي - رحمه الله -: إن هذا والقسم الأول، يعني مالا يعلم القدر والمالك هما المشهوران برد المظالم، وجوزا إعطاءهما السادات وغيرهم. وكيف كان فلاريب في تفاوت الحال في المصرف من حيث الدليل، فإن الأول مما وقع فيه النزاع العظيم، والمشهور أن مصرفه مصرف الخمس، وقد عرفت أنه الأقوى، بخلاف هذه، فإن المشهور جواز التصدق به، ولم يشترطوا فيه إذن الحاكم، ولاعدالة المتصرف، ولاعدالة المستحق. وجوز المحقق الأردبيلي أيضا التصدق به على السادات (5)، وهو على الأظهر كما مرت الإشارة إليه سابقا، وعلى القول بتحريم مطلق الصدقة الواجبة على السادات يجئ القول بالعدم


(1) الكافي 5: 309 ح 22. (2) التهذيب 6: 395 ح 1189، الوسائل 17: 357 أبواب اللقطة ب 7 ح 2 بتفاوت. سئل عليه السلام عن رفيق كان مع جماعة أصابوا متاعه ولا يعرفونه، فقال عليه السلام: فبعه وتصدق بثمنه على أهل الولاية. (3) الكافي 7: 153 ح 3، التهذيب 6: 389 ح 1389، الاستبصار 4: 197 ح 740، الوسائل 17: 583 أبواب ميراث الخنثى ب 6 ح 3. (4 و 5). مجمع الفائدة والبرهان 10: 460 .

[ 346 ]

وبذلك صرح في المسالك حيث قال: ولو علم القدر خاصة وجبت الصدقة به على مستحق الزكاة لحاجته (1)، وكذا الشهيد في البيان (2). وذهب جماعة منهم العومة في التذكرة (3) في صورة الزيادة عن الخمس إلى وجوب إخراج الخمس ثم التصدق بالزائد، ووجهه غير ظاهر. وإن علم القدر مجملا، مثل أنه يعلم أنه يزيد على الخمس ولا يعرف قدر الزيادة، قال العلامة: يجب إخراج الخمس ثم ما يغلب على الظن في الزائد (4). ولعله أراد الصدقة كما اختاره في المسالك وصرح به. واحتمل في المسالك كون المجموع صدقة، وكون المجموع خمسا (5)، والأخير في غاية البعد. وأما لو علم أنه أقل من الخمس ولم يعرف قدره قال في المسالك: اقتصر على إخراج ما تتحقق معه براءة الذمة، ويحتمل الاكتفاء بالظن، وهل هو خمس أو صدقة ؟ وجهان، ولاريب أن جعله خمسا أحوط (6). أقول: لاوجه لجعله خمسا، بل هو صدقة يجوز إعطاؤها الفريقين، وأما الاقتصار على إخراج ما تتحقق به البراءة أو الظن وإن كان لكل وجه، ولكن الاقتصار على إخراج ما يتيقن انتفاؤه عنه كما احتمله في المدارك قويا أيضا (7) وجه، وهو موافق لأصالة البراءة. ويجري هذا الكلام في تعيين الزائد عن الخمس في الصورة المتقدمة. ويجري في كل نظائره، مثل أنه يعلم اشتغال ذمته بالخمس أو بالزكاة ولا يعرف القدر، فإن أصالة البراءة تقتضي عدم اشتغال الذمة إلا بالمتيقن، والقول باستصحاب شغل الذمة والاعتماد عليه إنما يتم في القدر الثابت من الاشتغال.


(1) المسالك 1: 467. (2) البيان: 347. (3) نقله عن التذكرة في المدارك 5: 389، وذهب إليه الشهيد الثاني في الروضة البهية 2: 67. (4) التذكرة 5: 422. (5 و 6). المسالك 1: 467. (7) المدارك 5: 389.

[ 347 ]

فإن قلت: إن الغاصب المصر على الظلم إذا غصب مال أحد ونسي مقداره واريد الانتزاع منه، فكيف يكتفى بأخذ ما يتيقن من المقدار مع أنه حين الغصب صار ضامنا لما أخذه في الواقع ؟ فلو أراد الخلاص عما كتبه الكرام الكاتبين حين الأخذ في زبر أعماله فكيف يعتمد على أصالة البراءة عن الزائد ؟ وكذلك إذا غصب صرة من دنانير لايعرف قدرها وأخرجها تدريجا في معيشته. نعم قد لا يمكن للحاكم إجباره على الزائد إن لم يقدر المدعي على الإثبات مثلا، وعدم ثبوت التكليف حينئذ على الزائد ظاهرا لا ينفي كونه مكلفا بإزاحة ما في كتاب عمله. فإن قيل: التكليف به تكليف بما لا يطاق، حيث إنه جاهل به. قلنا: إنه مقدور بإتيان مقدمته، وهو الإتيان بما يتيقن معه البراءة، مع أنه هو الباعث على هذا التكليف، ولامانع عقلا عندنا أيضا. نعم لو تاب وندم وأراد الخلاص فلعله يمكن القول بعدم جواز التكليف بما لا يطاق، ولكن المفروض أنه ليس فوق طاقته، فلا يجدي هذا الكلام في شئ. نعم هذا الكلام يجري في قضاء الفوائت مع التوبة ; إذ المعيار هنا هو الفرض الجديد على التحقيق، واشتغال الذمة بشئ في الوقت لا يثبت وجوب رفعه في خارج الوقت، ولا ينصرف عموم " فليقض ما فاتته " إلى المجهول كما لا يخفى، وهذا أيضا إنما يجري فيما نسي الفائت من الأصل، وأما لو كان متذكرا له بعد الوقت ثم نسي فيجري فيه الكلام السابق. وبالجملة: الذي ثبت من الحديث النبوي صلى الله عليه وآله عدم المؤاخذة على المعصية نسيانا، لاأن نسيان المعصية يمحوها عن كتاب الأعمال، فلا يمكن أن يقال: الآن نحن مكلفون بتدارك المعصية، ولم يثبت هذا التكليف إلا بما يتيقن الاشتغال به الآن. قلت: إن استصحاب اشتغال الذمة إنما يدل على وجوب رد العين المغصوبة مهما أمكن، وإذا تلفت العين أو اختلطت بحيث لم تتميز، فالتكليف إنما هو التوبة ورد المثل أو القيمة، وهذا التكليف تكليف جديد، وإن كان منشؤه سبب التكليف القديم،

[ 348 ]

فيحتاج في إثبات هذا التكليف وتجديده إلى دليل شرعي، وأصل البراءة وأصل العدم من الأدلة الشرعية. وحيث يحتاج في تحديد (1) المثل إلى تحديد مقدار العين، ولا يمكن إلا بذلك بالفرض، فنقول: إذ التكليف بمثل ما في نفس الأمر غير متيقن، ولاظني، بل مرجوح ; لأن ظاهر الأمر بإعطاء المثل إنما هو فيما علمت حقيقة المثل، ولو قلنا بإرادة نفس الأمر للزم في مثل قوله تعالى: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (2) أن المعتدى عليه إذا كان جاهلا بالمقدار لجاز له الأخذ بالمثل النفس الأمري، وهو غير ممكن في حقه، فالأصل يقتضي كون التالف هو الأقل، فيجب علينا إخراج مثله، كما في استصحاب النجاسة والرجوع في المطهر إلى أقل الأمرين بسبب الرجحان الظني في أحدهما بحسب الدليل الشرعي أو التخيير واختيار الأقل لأصل البراءة، كما لو تردد مطهر البئر بين نزح ثلاثين دلوا أو أربعين، وفي الولوغ بين الثلاث والسبع، وقد بينا ذلك في القوانين. فنقول: الأصل عدم زيادة المال الحرام في نفس الأمر عن الأقل، ويلزمه عدم اشتغال الذمة بالزائد، وهذا الكلام في المال الذي وصل إليه من الغير أوضح، سيما إذا كان الغير حيا. وأوضح منه: ما لو استقرض أحد تدريجا وشك في الزائد ; لعدم تيقن الاشتغال حينئذ، ولو ثبت فالظاهر أن النسيان يمحوه مع عدم التقصير وصدق النية. هذا كله إذا جهل المالك، فإن علم المالك، وجهل المقدار، فقيل: تجب مصالحته إن كان حيا، أو وارثه إن كان ميتا، وإن لم يكن له وارث فهو من الأنفال، وسيجئ مصرفها (3).


(1) في " ح ": تجديد. (2) البقرة: 194. (3) المنتهى 1: 548، الروضة البهية 2: 67 .

[ 349 ]

وقال في التذكرة: إن عرف صاحبه وجهل قدره صالحه أو أخرج ما يغلب على ظنه، وإن لم يصالحه مالكه أخرج خمسه إليه ; لأن هذا القدر جعله الله تعالى مطهرا للمال، هذه عبارة التذكرة (1). ولكنه في المسالك ذكر هكذا: ولو علم المالك خاصة صالحه، وإن أبى قال في التذكرة دفع إليه خمسه مع الجهل المحض بقدره أو ما يغلب على الظن وإن علم زيادته عنه أو نقصه ; لأن هذا القدر جعله الله مطهرا للمال (2). ولعله نقل بالمعنى على ما فهمه، وليس ببعيد من كلامه. وقال في المدارك: الاحتياط يقتضي وجوب دفع ما يحصل به يقين البراءة، ولا يبعد الاكتفاء بدفع ما يتيقن انتفاؤه عنه (3). وتبعه بعض محققي من تأخر عنه (4)، ويجئ فيه الإشكال السابق ودفعه. ولو علم أنه أحد جماعة محصورين، قال في المدارك: وجب التخلص من الجميع بالصلح (5). أقول: ويمكن القول بعدم وجوب دفعه إلى أحدهم، ولا وجوب مصالحتهم، فيكون من باب الدرهم الحرام المجهول في صرة من الدراهم، فإن الأوفق بالأصل والدليل هو جواز إخراج كل واحد واحد منها حتى يتم الجميع، ولكنه تشتغل ذمته بالدرهم فيجب رده إلى صاحبه، أو العمل على مقتضاه، إن لم يعرفه كما حققناه في القوانين، وهو أحد الأقوال في مسألة الشبهة المحصورة، وليس من متفرداتي. فنقول فيما نحن فيه: إنه لا يجب دفعه إلى أحد من هؤلاء ; لعدم علمه بكونه منه، فلا يجب دفعه إلى هذا ولا إلى هذا، وهكذا إلى آخرهم، ولم يشتركوا فيه جميعا


(1) التذكرة 5: 422. (2) المسالك 1: 467. (3) المدارك 5: 388. (4) شرح اللمعة للآقا جمال: 299. (4) المدارك 5: 388 .

[ 350 ]

بالفرض حتى يلزم استرضاؤهم، فيصير من باب المجهول المالك، فيصرف إلى الفقراء. وهذا أظهر دليلا وأوضح سبيلا من الصلح، مع أنهم قد لا يرضون به، والإجبار عليه لادليل عليه بالخصوص، والرجوع إلى القرعة أيضا كما هو أحد الأقوال في الشبهة المحصورة احتمال. فروع: الأول: إذا تلف المال المذكور فيجب مساوي الخمس منه أو ما يقوم مقامه ; للاستصحاب، ولأن ذلك للتطهير ورفع اشتغال الذمة كما يظهر من الرواية، وأن ذلك جزء التوبة. وأما لو مات من كان عنده مثل ذلك المال وكانت ذمته مشتغلة بهذا الخمس أو ما يقوم مقامه، فإن حصل العلم للوارث أو الوصي ببقائه في ذمته فيجب عليهم الأداء، وإن لم يكن وارث أو وصي، فالحاكم يقوم مقامهما، وإن فقد فعدول المؤمنين، ولا يكفي استصحاب الحال السابق هنا. وكذلك الكلام في الزكاة والخمس وغيرهما، ولذلك لا يكتفون في إخراج الدين من مال الميت بالإثبات الشرعي حتى يضم إليه اليمين الاستظهاري، فإذا رفع النصاب ولم يؤد الزكاة، بل وإن لم يرض البيدر فيما احتمل إخراجه بالخرص أو غيره أيضا ومات، فلا يحكم بإخراج الزكاة من ماله ; لاحتمال إبراء ذمة فقير غريم له بما يساوي زكاته ونحو ذلك، وهكذا في رد المظالم. الثاني: ظاهر الأخبار تعلق الخمس وما يقوم مقامه بعين المال، ولكن إطلاقها يقتضي التخيير بين إخراج الخمس من أي نوع منه شاء، ولا يدل على لزوم الإخراج من الجميع، ولا يبعد الاكتفاء بالبدل من أمثال المال بالقيمة أيضا كما في الزكاة، ولم أجد تصريحا في المسألة في كلامهم.

[ 351 ]

الثالث: لو أخرج الخمس ثم ظهرت الزيادة المعلومة أو المجهولة ; فعلى مختار صاحب المدارك (1) ونظرائه (2) فالجميع صدقة، وعلى كون المخرج خمسا فيحتمل إخراج الزائد صدقة، ويحتمل استدراك الصدقة في الجميع بالاسترجاع إن أمكن، وإلا فيجزئ فيه ويتصدق بالزائد. الرابع: لو تبين المالك بعد الإخراج ففي الضمان وعدمه وجهان، بل قولان، أولهما للشهيدين (3)، وقوى الأخير صاحب المدارك (4)، وهو أوفق بالاصول. الخامس: إذا كان الحرام مختلطا في بعض ماله فيعتبر الخمس في المختلط لاالمتميز، ولو كان خليط الحرام مما يجب فيه الخمس كالمعادن والغوص والأرباح فقال في البيان: لم يكف خمس واحد ; لأنه ربما يكون بإزاء الحرام، بل يجب الاحتياط هنا بمايغلب على الظن من خمس الحلال، ثم خمس الباقي بعد الحلال المظنون، ولوتساوى الاحتمالان في المقدار احتمل إجزاء خمس واحد ; لأنه يأتي على الجميع (5). وقال في المسالك: ولو كان الخليط مما يجب فيه الخمس لم يكن هذا الخمس كافيا عن خمسه، بل يخرج الخمس لأجل الحرام أولا أو ما يقوم مقامه، ثم يخمس الباقي بحسبه من غوص أو مكسب (6). أقول: والأقرب ما في المسالك ; لأن رفع نكاية الحرام إنما هو بدفع خمس المجموع المركب من الحلال والحرام، وبعد وضع خمس الحلال يصير خمس المختلط أقل،


(1) المدارك 5: 389. (2) شرح اللمعة: 229. (3) البيان: 347، المسالك 1: 467. (4) المدارك 5: 389. (5) البيان: 347. (6) المسالك 1: 467

[ 352 ]

وقدلايرفع ذلك نكاية الحرام الواقعي، وكذلك إذا كان التكليف التصدق بالزائد على الخمس أو الأقل فيخرج ذلك ثم يخمس الحلال بحسبه، يعني بحسب ما يعلم من حاله من كونه أكثر من الحرام أو أقل بحسب الظن، أو البناء على المبرئ للذمة يقينا، أو على ما يتيقن أنه ليس أقل منه فيخمس على مقتضاه. وذلك لا يستلزم تكرار الخمس في مال واحد، فخمس مال الحلال إنما يتعلق بذات المال الحلال، وخمس المختلط إنما يتعلق بالحرام، يعني هذا القدر من مجموع المالين هو عوض نفس الحرام والرافع لنكايته، سواء كان مساويا له في الواقع أو أزيد أو أنقص، وإن كان ولابد فليخمس ما بقي من بعد خمس الحلال. وأما تخميس الباقي بعد الحلال المظنون كما ذكره - رحمه الله - فليس تخميسا لمجموع المال المختلط كما هو واضح. وبالجملة: ما يتوهم من بعض الأخبار، أو ملاحظة ما ورد في الزكاة من عدم تعدد الحق في المال (1) ليس دلالته فيما نحن فيه بأقوى من دلالة الأخبار على وجوب تخميس المجموع لأجل المختلط بالحرام، بل الثاني أقوى. نعم لو كان يقول: خمس الباقي بعد خمس الحلال المظنون، لكان له وجه، وإن كان الأوجه ما ذكرنا. تنبيهان: الأول: قال المحقق في الشرائع: الخمس يجب في الكنز، سواء كان الواجد له حرا أو عبدا، صغيرا أو كبيرا، وكذا المعادن والغوص (2). ومثل ذلك ذكر العومة في الإرشاد (3). ويظهر منهما أنه لا خمس على مال العبد والصغير بل والمجنون في غير الأصناف


(1) النهاية لابن الأثير 1: 224، الوسائل 6: 67 أبواب من تجب عليه الزكاة ب 7 ح 1. (2) الشرائع 1: 164. (3) الإرشاد 1: 293.

[ 353 ]

الثلاثة، وقد عرفت سابقا الكلام في المعدن والكنز والاستدلال بالعمومات (1). وأقول هنا: إن أرادوا من العموم عموم الآية فمع أن المتبادر منها - بعد وضوح كون المخاطب بها المكلفين - أن الخمس في أموال نفس المكلفين لاالمولى عليهم أيضا، أنه يتم في الأرباح والفوائد أيضا، فلاوجه للتخصيص، بل وفي المال المختلط بالحرام أيضا على وجه. وإن أرادوا مثل قولهم عليهم السلام في المعادن: " عليها الخمس " أو " فيه الخمس " وكذلك: " الكنز فيه الخمس " ففيه: أن هذه الأخبار إن جعلت من باب الأحكام الطلبية كما هو الظاهر من الجملة الخبرية ; فيرد عليه ما يرد على الآية من أن المتبادر إرادة مال نفس المكلف كما في قولهم عليهم السلام " فيما سقت السماء العشر " (2) و " في خمس من الإبل شاة " (3) ونحوهما. وإن جعلت من باب حكم الوضع، وبيان أن حق أرباب الخمس ثابت في هذه الأموال بعد إخراجها، فمع أنه يحتاج في إثبات الوجوب منها على المكلفين إما إلى التمسك بدليل من الخارج، أو ارتكاب المحذور السابق في دلالة اللفظ، على أن ذلك واجب على جنس المكلفين وإن كان يحتاج إلى التفصيل، فيخرج المكلف من مال نفسه، وإن منع فالحاكم يخرجه، والولي يخرج عن الصغير، ونحو ذلك. فنقول: إن مثل ذلك موجود في الأرباح مثل موثقة سماعة القائلة بأن الخمس في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير (4)، بل وفي المال المختلط بالحرام أيضا مثل صحيحة عمار بن مروان المتقدمة (5)، فإما يعتمد على الأصل وعدم تكليف غير المكلفين ويدعى ثبوت الحكم في المعدن والكنز والغوص بالإجماع كما ظهر من العومة في التذكرة


(1) الوسائل 6: 342 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3. (2) انظر الوسائل 6: 124 أبواب زكاة الغلات ب 4. (3) الوسائل 6: 72 أبواب زكاة الأنعام ب 2. (4) الكافي 1: 545 ح 11، الوسائل 6: 350 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 6. (5) الخصال: 290 ح 51، الوسائل 6: 344 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 6 .

[ 354 ]

في الكنز (1)، بل في المنتهى: في المعدن أيضا (2). أو يدعى العموم ويثبت ويدعى إخراج الأرباح والمال المختلط بالإجماع، والأمر في المال المختلط أصعب، سيما في كثير من شقوقه ; إذ لاوجه لتحليل مال الغير لأجل الصغر، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا من طيب نفسه. وبالجملة: فالأظهر أنه لا يجب الخمس على مال غير المكلف في الأرباح والمكاسب ; للأصل، وعدم ظهور العموم، وكذا في المال المختلط مما جهل قدره وصاحبه مطلقا، بل وفيما جهل صاحبه فقط أيضا لا يجب عليه شئ. ثم إن بقي المال على حاله حتى يحصل مناط التكليف فالظاهر عدم تعلق التكليف حينئذ أيضا ; فإن ظاهر الأخبار أن الخمس على ما يستفيده البالغ من الأرباح، لاأنه يجب على البالغ وإن استفاد المال في حال عدم التكليف، فكذلك الكلام في إصابة المال المختلط. وأما المعادن والكنز والغوص فمقتضى الأصل ومنع العموم وإن كان عدم التعلق، ولكن ظاهرهم عدم الخلاف، فلعله هو الحجة. الثاني: لاريب في عدم اعتبار النصاب في الأقسام الثلاثة الأخيرة، وكذا الحول في غير الفوائد والأرباح، وأما فيها فالمشهور أيضا عدم الاعتبار لا بمعنى وجوبه مضيقا حين حصول النفع بمقدار يفضل عن المؤونة في نظر المكتسب، بل بمعنى أنه يتعلق به الوجوب حينئذ موسعا مراعى لتمام الحول، فيجوز التأخير إلى تمام الحول احتياطا للمكتسب ; لاحتمال زيادة مؤونة بتجدد سبب، كتلف مال وهدم دار وتزويج وشراء عبد أو أمة أو حصول خسارة في التجارة ونحو ذلك. ويجوز التعجيل، بل يستحب ; للإطلاقات، وللمسارعة في الخيرات،


(1) التذكرة 5: 413. (2) المنتهى 1: 546 .

[ 355 ]

والإرفاق بالفقير، ودفع الموانع المحتملة من وساوس النفس، وتسويل الشيطان، وصلة الذرية الطيبة، وغير ذلك. وبالجملة: فالظاهر من الروايات (1) بعد التأمل التام أن الخمس إنما يجب بعد ملاحظة المؤونة ووضعها في النظر، ووسعة المال لذلك في الظاهر، لاأن الخمس يجب بعد صرف مؤونة العام. ثم إن ظهرت زيادة الخمس على ما أعطاه بعد تمام الحول أتمه ; لأن ما أعطاه أولا تخميني، وإن ظهر عدم لزومه عليه لحصول نقصان أو زيادة مؤونة فإن تلفت العين مع جهل المستحق بالحال فلاضمان، وأما مع علمه بالحال أو بقاء العين فيأتي عليه ما مر في الزكاة (2). ونسب العومة في المختلف (3) والشهيد في الدروس (4) وصاحب المدارك (5)، إلى ابن إدريس (6) عدم مشروعية الخمس قبل الحول، وكلامه وإن كان لا يخلو عن تشابه، لكنه لا يخلو عن ظهور فيما ذكروه. وكيف كان فهو ضعيف ; لأنه مخالف لإطلاق الأدلة. ولا ينافيها قولهم عليهم السلام: " بعد المؤونة " كما ذكرنا، مع أنه يستلزم أنه لو تلف الربح قبل تمام الحول وكان فاضلا على المؤونة لم يكن عليه شئ، وهو كما ترى. ثم إن الإشكال في تعيين مبدأ الحول فقال الشهيد في الدروس: ولا يعتبر الحول في كل مكتسب، بل يبتدئ الحول من حين الشروع في التكسب بأنواعه، فإذا تم خمس ما فضل (7). (1) الوسائل 6: 354 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 12. (2) ص 130. (3) المختلف 3: 324. (4) الدروس 1: 259. (5) المدارك 5: 391. (6) السرائر 1: 489. (7) الدروس 1: 259 .

[ 356 ]

وقال الشهيد الثاني: مبدؤه ظهور الربح (1). وتبعه صاحب المدارك (2). وتظهر الثمرة فيما لو تفاوتت مؤونة العامين، فأول الشتاء مثلا إذا كان مبدأ حول الزرع وأول الصيف كان مبدأ ظهور نفعه، فعلى القول الثاني تعتبر مؤونة أول الصيف إلى الصيف الآخر، وعلى الأول تعتبر مؤونة ما تقدم من أول الشتاء إلى الشتاء الآخر، وهكذا الكلام في الشروع في التجارة والكسب. والأقرب القول الأول، سيما على ما اخترناه سابقا (3) من مختار المحقق الأردبيلي (4) - رحمه الله - من الوجوه الثلاثة في محل صرف المؤونة، مع أن القول الثاني يوجب الحرج والضيق ; لجهالة وقت ظهور الربح غالبا، وسيما مع اعتبار الانضاض في الأمتعة. ثم إن الشهيد الثاني قال في المسالك: وإنما يعتبر الحول بسبب الربح، فأوله ظهور الربح، فيعتبر فيه مؤونة السنة المستقبلة، ولو تجدد ربح آخر في أثناء الحول كانت مؤونة بقية الحول الأول معتبرة منهما، وله تأخير إخراج خمس الربح الثاني إلى آخر حوله، ويختص بمؤونة بقية حوله بعد انقضاء حول الأول، وهكذا، فإن المراد بالسنة هنا ما تجددت بعد الربح، لا بحسب اختيار المكتسب (5). قال في المدارك: وفي استفادة ما ذكره من الأخبار نظر، ولو قيل باعتبار الحول من حين ظهور شئ من الربح ثم احتساب الأرباح الحاصلة بعد ذلك إلى تمام الحول وإخراج الخمس من الفاضل عن مؤونة ذلك الحول كان حسنا (6). أقول: وهو ظاهر ما ذكره في الدروس (7)، لكن مع اعتبار مبدأ السنة من أول الشروع


(1) المسالك 1: 468. (2) المدارك 5: 391. (3) ص 328. (4) مجمع الفائدة والبرهان 4: 318. (5) المسالك 1: 468. (6) المدارك 5: 391. (7) الدروس 1: 259 .

[ 357 ]

في الكسب، وهو الأنسب بظواهر الأخبار وإطلاق فتاوي الأصحاب ; فإن ظاهر مرادهم من اعتبار مؤونة السنة وإجماعهم عليه هو مؤونة سنة الرجل المتداولة بين الناس، لا مؤونة كل ربح ربح، مع أنه مما لا يمكن ضبطه غالبا، إلا بعسر شديد وحرج وكيد. واعلم أن المراد بالحول هنا هو السنة الكاملة، ولا يجزئ الطعن في الثاني عشر كما صرح به ابن إدريس (1)، واستقربه في الدروس (2).


(1) السرائر 1: 489. (2) الدروس 1: 259 .

[ 358 ]

المبحث الثاني في مستحق الخمس وكيفية تقسيمه وفيه مطالب: الأول: المشهور بين الأصحاب (1) أنه يقسم ستة أقسام: ثلاثة للنبي صلى الله عليه وآله: وهي سهم الله، وسهم رسوله، وسهم ذي القربى، وهذه الأقسام بعده للإمام القائم مقامه صلى الله عليه وآله. والثلاثة الاخر: لليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل ونقل الفاضلان عن بعض الأصحاب: أنه يقسم خمسة أقسام: سهم للرسول صلى الله عليه وآله، وسهم لذي القربى يقسم فيهم، والباقي لليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل (2). واختلف العامة، فعن أبي العالية الرياحي موافقة الأول (3)، وعن الشافعي قه صاعدا أو أبي حنيفة موافقة الثاني، وقالا: إن سهما للرسول صلى الله عليه وآله، ومصرفه المصالح، وسهما


(1) كالمحقق في المعتبر 2: 627، والعلامة في التذكرة 5: 431، والإرشاد 1: 392، والشهيد الثاني في الروضة 2: 78، والسيد في المدارك 5: 393. (2) الشرائع 1: 182، المنتهى 1: 55، التذكرة 5: 431. (3) حكاه الشيخ الطوسي في الخلاف، كتاب الفئ وقسمة الغنائم مسألة 37، والمحقق في المعتبر 2: 627، وانظر المغني 7: 300، والشرح الكبير 10: 486 .

[ 359 ]

لذي القربى، ومصرفه فيهم، والثلاثة الاخر لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من المسلمين كافة (1). وعن مالك: خمس الغنيمة مفوض إلى اجتهاد الإمام يصرفه فيمن شاء (2). وعن أبي حنيفة: يسقط بفوت النبي صلى الله عليه وآله سهمه وسهم ذي القربى، وتبقى الثلاثة الاخر تقسم فيهم (3). ويدل على الأول مضافا إلى الإجماع - كما هو ظاهر الطبرسي (4) وصريح السيد (5) وابن زهرة (6)، بل وابن إدريس (7) - ظاهر الآية الشريفة (8) ; فإن اللام للملك أو الاختصاص، والعطف بالواو يقتضي التشريك. والأخبار المستفيضة عن أهل البيت عليهم السلام، مثل مرسلة عبد الله بن بكير (9)، ومرسلة، حماد بن عيسى (10)، ومرسلة أحمد بن محمد (11) الآتيات عن قريب. وما رواه السيد - رضي الله عنه - في رسالة المحكم والمتشابه نقلا عن تفسير النعماني (12). ومع ظهور الآية والإجماع وعمل الأصحاب لاوجه للقدح في أسناد الروايات،


(1) انظر المهذب للشيرازي 2: 247، وحلية العلماء 2: 687، والمغني 7: 300، والشرح الكبير 10: 486، والهداية للمرغيناني 2: 148، وبدائع الصنائع 2: 147، والمبسوط للسرخسي 3: 17. (2) انظر المهذب للشيرازي 2: 247، وحلية العلماء 2: 687، والمغني 7: 300، والشرح الكبير 10: 486، والهداية للمرغيناني 2: 148، وبدائع الصنائع 2: 147، والمبسوط للسرخسي 3: 17. (3) الهداية للمرغيناني 2: 148، المبسوط للسرخسي 3: 17، بدائع الصنائع 7: 125، المغني 7: 301، الشرح الكبير 10: 486، حلية العلماء 7: 687. (4) مجمع البيان 2: 543. (5) الانتصار: 82. (6) الغنية (الجوامع الفقهية): 569. (7) السرائر 1: 493. (8) الأنفال: 41. (9) التهذيب 4: 125 ح 361 وفيه: لقرابة الرسول والإمامث، الوسائل 6: 356 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 2. (10) التهذيب 4: 128 ح 366، الاستبصار 2: 56 ح 185، الوسائل 6: 358 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 8. (11) التهذيب 4: 126 ح 364، الوسائل 6: 359 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 9. (12) المحكم والمتشابه: 57، الوسائل 6: 360 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 12.

[ 360 ]

مع أنها في نفسها قوية معتبرة لا يخفى على المطلع بأحوال الرجال. وحجة القول الثاني من طريقنا: صحيحة ربعي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتاه المغنم أخذ صفوه، وكان ذلك له، ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس، ويأخذ خمسه، ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثم يقسم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس، ثم يأخذ خمس الله عزوجل لنفسه، ثم يقسم الأربعة أخماس بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل ; يعطي كل واحد منهم حقا، وكذلك إلامام يأخذ كما يأخذ الرسول صلى الله عليه وآله " (1) ولا يعارض بذلك ما تقدم من الأدلة. وربما يجاب بأن ذلك نقل فعله صلى الله عليه وآله، ولعله أعطى بعض حقه لغيره توفيرا لهم (2) ور. واستبعده بعضهم بملاحظة آخر الرواية (3)، والأولى حملها على التقية. وقد يوجه ظاهر الآية على قولهم: بأن الافتتاح باسم الله على جهة التيمن ; لأن الأشياء كلها لله (4)، وأنه من قبيل: * (والله ورسوله أحق أن يرضوه) * والمراد: أنه لرسوله، أو أن ذكر الرسول وما بعده من باب التخصيص بعد التعميم، بتقريب أن المراد: الخمس لابد أن يكون متقربا به إلى الله، وتخصيص المذكورين بالذكر لأجل التفضيل، كقوله تعالى: * (وملائكته ورسله وجبريل وميكال) * (5) وهذا (6) يناسب تفويض أمر الخمس إلى الإمام، كما هو أحد أقوالهم. ثم إن المرتضى - رضي الله عنه - نقل عن بعض علمائنا أن سهم ذوي القربى لا يختص بالإمام، بل هو لجميع قرابة الرسول صلى الله عليه وآله من بني هاشم (7). (1) التهذيب 4: 128 ح 365، الاستبصار 2: 56 ح 186، الوسائل 6: 356 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 3. (2) الاستبصار 2: 57. (3) المدارك 5: 397. (4) منهم الفخر الرازي في التفسير الكبير 15: 16، وابنا قدامة في المغني والشرح الكبير 7: 301. (5) حكاه عن الزمخشري في البحر المحيط 4: 497. (6) البقرة: 98. (7) الانتصار: 87 .

[ 361 ]

قال في المختلف (1): ورواه ابن بابويه في كتاب المقنع (2)، وكتاب من لا يحضره الفقيه (3)، وهو اختيار ابن الجنيد (4)، وتدل عليه رواية زكريا بن مالك الجعفي، عن الصادق عليه السلام: عن قول الله عزوجل: * (واعلموا أنما غنمتم) * إلى آخره، فقال: " أما خمس الله عزوجل فللرسول صلى الله عليه وآله يضعه في سبيل الله،) وأما خمس الرسول فلأقاربه، وخمس ذوي القربى فهم أقرباؤه، واليتامى يتامى أهل بيته، فجعل هذه الأربعة الأسهم فيهم، وأما المساكين وأبناء السبيل فقد عرفت أنا لا نأكل الصدقة، فلا تحل لنا، فهي للمساكين وأبناء السبيل " (5). وهذه الرواية - مع ضعفها وعدم مقاومتها للأخبار المستفيضة المتقدمة وغيرها - محمولة على التقية. وأجاب العومة عنها: بأنا نقول بموجبه، فإن الإمام من الأقرباء بل هو أقرب إليه من غيره. الثاني: إطلاق الآية (6) وإن كان يقتضي عدم اشتراط انتساب الفرق الثلاثة إلى عبد المطلب كما نقل عن ابن الجنيد (7)، وكذلك إطلاق رواية ربعي المتقدمة، ولكن جمهور أصحابنا اشترطوا ذلك ; للأخبار المستفيضة، مثل موثقة عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام في قول الله عزوجل: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ) * قال: " خمس الله عزوجل للإمام عليه السلام، وخمس الرسول للإمام، وخمس ذوي القربى لقرابة الرسول الإمام عليه السلام، واليتامى يتامى الرسول صلى الله عليه وآله، والمساكين


(1) المختلف 3: 327. (2) المقنع (الجوامع الفقهية): 15. (3) الفقيه 2: 22 ح 8، الوسائل 6: 355 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 1. (4) المختلف 3: 327. (5) الفقيه 2: 22 ح 8، الوسائل 6: 355 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 1. (6) الأنفال: 41. (7) نقله عنه في المختلف 3: 330 .

[ 362 ]

منهم، وأبناء السبيل منهم، فلا يخرج منهم إلى غيرهم " (1). ورواية أحمد بن محمد قال: حدثنا بعض أصحابنا رفع الحديث قال: " الخمس من خمسة أشياء: الكنز والمعادن والغوص والمغنم الذي يقاتل عليه " ولم يحفظ الخامس، إلى أن قال: " فأما الخمس فيقسم على ستة أسهم: سهم لله، وسهم للرسول صلى الله عليه وآله، وسهم لذوي القربى، إوسهم لليتامى وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل ; فالذي لله فرسول الله صلى الله عليه وآله أحق فهو له خاصة، والذي للرسول صلى الله عليه وآله فهو لذي القربى والحجة في زمانه فالنصف له خاصة، والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمدي الذين لا تحل لهم الصدقة، ولاالزكاة، عوضهم الله تعالى مكان ذلك بالخمس، فهو يعطيهم على قدر كفايتهم، فإن فضل شئ فهو له، وإن نقص عنهم ولم يكفهم أتمه لهم من عنده، كما صار له الفضل كذلك يلزمه النقصان " (2). وحسنة حماد بن عيسى على ما في الكافي، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح عليه السلام، قال: " الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم، والغوص، ومن الكنوز، ومن المعادن والموحة، يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس، فيجعل لمن جعله الله له، ويقسم الأربعة الأخماس بين من قاتل عليه وولي ذلك، ويقسم بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم لله، وسهم لرسول الله صلى الله عليه وآله، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فسهم الله وسهم رسول الله لأولي الأمر من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وراثة، وله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة، وسهم مقسوم له من الله، وله نصف الخمس كملا، ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شئ فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وإنما صار عليه أن يمونهم ; لأن له


(1) التهذيب 4: 125 ح 361 وفيه: لقرابة الرسول والإمام، الوسائل 6: 356 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 2. (2) التهذيب 4: 126 ح 364، الوسائل 6: 359 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 9 .

[ 363 ]

ما فضل عنهم، وإنما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضا لهم من صدقات الناس تنزيها من الله لهم ". إلى أن قال: " وهم بنو عبد المطلب أنفسهم، الذكر منهم والأنثى، ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولامن العرب أحد ". إلى أن قال: " ومن كانت امه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإن الصدقات تحل له، وليس له من الخمس شئ ; لأن الله يقول: * (ادعوهم لآبائهم) * (1) " (2) الحديث. إلى غير ذلك من الأخبار (3). وهذه الأخبار مع اعتبار سندها معتضدة بعمل الأصحاب، فلا وجه للقدح في أسنادها، فيجوز تخصيص الكتاب بها، ولا يعارضها مثل صحيحة ربعي القابلة للتقييد الموافقة للعامة (4). والمشهور بين الأصحاب أيضا اشتراط الانتساب إلى عبد المطلب بالأب، ولا يكفي الانتساب بالام، فلا يجوز إعطاء الخمس إن انتسب إليه بالام، ويجوز إعطاؤهم الزكاة من غير المنتسب إليه مطلقا ; لأن الانتساب في اللغة (5) والعرف إنما هو حقيقة في المنتسب بالأب، ولخصوص حسنة حماد بن عيسى المتقدمة، ولا يضر الإرسال، سيما من مثل حماد، مع اعتضادها بالشهرة العظيمة. وخالف في ذلك المرتضى (6) وابن حمزة (7)، محتجا باستعمال لفظ الابن والبنت في المنتسب بالام، كما في تسمية الحسنين عليهما السلام ب‍ " ابني رسول الله صلى الله عليه وآله " وأنهما يمدحان (1) الأحزاب: 5. (2) الكافي 1: 539 ح 4، التهذيب 4: 128 ح 366، الاستبصار 2: 56 ح 185، الوسائل 6: 358 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 8. (3) الوسائل 6: 356 أبواب قسمة الخمس ب 1. (4) التهذيب 4: 128 ح 365، الاستبصار 2: 56 ح 186، الوسائل 6: 356 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 3. (5) انظر المصباح المنير 2: 602. (6) رسائل الشريف المرتضى 4: 328 مسألة 5، ونقله عنه في المختلف 3: 332. (7) الوسيلة: 137.

[ 364 ]

بذلك ويفضلان به، ولامدح في وصف مجازي. وكان يقال للصادق عليه السلام " ابن الصديق " لأن امه كانت بنت قاسم بن محمد بن أبي بكر. ولاستدلالهم بقوله تعالى: * (حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم) * (1) على تحريم بنت البنت، ولأن عيسى من بني آدم بلا خلاف. والجواب عليه: أن أكثر ما ذكر مبني على كون الأصل في الاستعمال الحقيقة، وقد أبطلناه في الاصول (2) ; لأن الاستعمال أعم من الحقيقة، سيما إذا كان المستعمل فيه متعددا، فإن المجاز خير من الاشتراك. وعدم جواز المدح بالمجاز ممنوع. والاستدلال بالآية لو لم يثبت الإجماع على إرادتها من الآية ببيان الشرع غير مسلم، ومع الظهور من الخارج فهو مجاز مع القرينة. وببالي أن في رواية: سأل هارون من الكاظم عليه السلام في وجه تسميتهم بابن رسول الله، وأجاب عليه السلام بأنه لأجل الافتخار (3)، فالسؤال والجواب كلاهما يدين على ما ذكرنا. واستدل صاحب المدارك (4) للسيد أيضا بصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام أنه قال: " لو لم يحرم على الناس أزواج النبي صلى الله عليه وآله بقوله عزوجل: * (ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) * (5) حرمن على الحسن والحسين عليهما السلام ; لقول الله عزوجل: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * (6) " (7) فإن الرواية دلت على أن أب الام أب حقيقة، وإلا لما صح الاستدلال بالآية على تحريم


(1) النساء: 23. (2) القوانين: 29. (3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 83 ضمن ح 9. (4) المدارك 5: 402. (5) الأحزاب: 53. (6) النساء: 22. (7) التهذيب 7: 281 ح 1190، الاستبصار 3: 155 ح 566، الوسائل 14: 312 أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها ب 2 ح 1.

[ 365 ]

زوجة الجد على ولد البنت. فإذا ثبت أنه أب حقيقة فيثبت أن ابن البنت ابن كذلك ; لمكان التضايف. وفيه: أنه - رحمه الله - أجاب عن الاستدلال السابق للسيد - باستدلال العلماء على تحريم بنت البنت بآية التحريم على أنها بنت حقيقة - بأن الاستعمال أعم من الحقيقة، فكما أن هناك يكون الاستعمال مجازا، والاستدلال بالآية لعله من جهة ظهور القرينة من إجماع أو خبر على أن المراد من البنات أعم من الحقيقة، فكذلك الكلام هنا في الآباء. مع أن هذا الحديث على فرض التسليم لا يدل على جواز إعطائه الخمس صريحا، وحسنة حماد (2) تدل على المنع عنه صريحا. ثم قد عرفت في كتاب الزكاة أن أولاد عبد المطلب الآن منحصرون في أولاد أبي طالب والعباس والحارث وأبي لهب. واختلف الأصحاب في بني المطلب وهو أخو هاشم، وقد عرفت التحقيق، وأن الأقوى منعهم عن الخمس، وإعطاؤهم الزكاة. الثالث: المشهور جواز تخصيص بعض الطوائف الثلاث بالخمس ; لأن الآية مسوقة لبيان المصرف كالزكاة، ولخصوص صحيحة ابن أبي نصر البزنطي، عن الرضا عليه السلام، قال: سئل عن قول الله عزوجل: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * (2) فقيل له: فما كان لله فلمن هو ؟ فقال: " لرسول الله، وما كان لرسول الله فهو للإمام ". فقيل: أفرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر وصنف أقل، ما يصنع به ؟ قال: " ذلك إلى الإمام، أرأيت رسول الله كيف يصنع، أليس إنما كان يعطي على ما يرى،


(1) الكافي 1: 539 ح 4، التهذيب 4: 128 ح 366، الاستبصار 2: 56 ح 185، الوسائل 6: 358 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 8. وقد تقدمت في ص 362. (2) الأنفال: 41 .

[ 366 ]

كذلك الإمام " (1). وفي رواية أبي خالد الكابلي قال، قال: " إن رأيت صاحب هذا الأمر يعطي كل ما في بيت المال رجلا واحدا فلا يدخلن في قلبك شئ، فإنه إنما يعمل بأمر الله " (2) وفي دلالتها خفاء. وعن الشيخ (3) وأبي الصلاح (4) المنع من التخصص ; لظاهر الآية، لأن اللام للملك، والواو تقتضي التشريك. وفيه: أن الملكية مستلزمة للتسوية والمشاركة وعدم جواز التصرف لأحدهم بدون إذن الآخر، وغير ذلك مما هو من توابع الملك، واللوازم منتفية، والظاهر أنه لبيان المصرف، وأن المستحقين لذلك الذين يجوز الصرف إليهم هؤلاء. ويدل عليه: كونه كذلك في آية الزكاة (5)، مضافا إلى أن الخمس عوض عن الزكاة لهؤلاء كما يستفاد من الأخبار، فيكون مساويا لها، وإنما خرج النصف بدليل خارجي، وكذلك الأخبار الدالة على تقسيمها ستة أسهم (6) تنزل على المصارف والمستحقين، لا الملك. وبالجملة: الأصل وملاحظة آية الزكاة وكون الخمس عوضا عنها ولزوم العسر والحرج وما يترتب من المفاسد على جعل اللام للملك وعمل جمهور الأصحاب يرجح عدم وجوب البسط، ولكنه أحوط وأفضل. وأما البسط على الأشخاص فهو مما لا ينبغي التأمل في عدم وجوبه كعدم وجوب


(1) الكافي 1: 544 ح 7، التهذيب 4: 126 ح 363، الوسائل 6: 357 أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 6، وب 2 ح 1، مع تفاوت في ألفاظ الحديث بين التهذيب والكافي. (2) التهذيب 4: 148 ح 412، الوسائل 6: 363 أبواب قسمة الخمس ب 2 ح 3. (3) المبسوط 1: 262. قال: ينبغي أن يقسمه ستة أقسام، سهم لله ولرسوله وسهم لذي القربى، الثلاثة أقسام للإمام القائم مقام النبي صلى الله عليه وآله يصرفها فيما شاء. (4) الكافي فهذ في الفقه: 173. (5) التوبة: 60. (6) الوسائل 6: 355 أبواب قسمة الخمس ب 1 .

[ 367 ]

التسوية بينهم ; لما تقدم من الأدلة، والزيادة عليه بأشدية الضيق والعسر، وعدم ظهور خلاف في المسألة إلا ما توهمه عبارة الدروس في تعميم حاضري البلد حيث قال بعد أن تأمل في اعتبار تعميم الأصناف: أما الأشخاص فيعم الحاضر، ولايجوز النقل إلى بلد آخر إلا مع عدم المستحق (1)، انتهى. ولم نقف على دليله إن أراد الوجوب. ولاريب أن البسط على الحاضرين أفضل، بل أحوط مع الإمكان وعدم الحرج. الرابع: المشهور أن الإمام يقسم الخمس على الأصناف على قدر كفايتهم مقتصدا، فإن أعوز أتمه من نصيبه، وإن فضل كان له، بل تظهر من المعتبر دعوى الإجماع عليه (2). وتدل عليه مرسلة حماد (3)، ورواية أحمد بن محمد (4) المتقدمتين. ولا وجه للقدح في سندهما ; لأن الأول حسن لإبراهيم بن هاشم إلى حماد، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، مع ورودها في الكافي (5) والتهذيب (6)، واشتمالها على أحكام كثيرة إجماعية ومشهورة، وتلقي الأصحاب إياهما والعمل بهما يجبر ضعفهما لو كان. ولقد أفرط ابن إدريس في إنكار الحكم ورد الحديثين وتضعيفهما، وقال: لا يجوز له أخذ فاضل نصيبهم، ولا يجب عليه إتمام ما نقص ; لأنه " لا يحل مال امرئ مسلم إلا من طيب نفسه " وهو مال الأصناف، ولأن ذلك يجعل التقدير والتقسيم بلا فائدة، ويوجب صيرورة هؤلاء ممن تجب نفقتهم على الإمام، مع أن الواجبي النفقة


(1) الدروس 1: 262 وقال: كالزكاة. (2) المعتبر 2: 639. (3) الكافي 1: 539 ح 4، التهذيب 4: 128 ح 366، الوسائل 6: 363 أبواب قسمة الخمس ب 3 ح 1. (4). التهذيب 4: 126 ح 364، الوسائل 6: 364 أبواب قسمة الخمس ب 3 ح 2. (5) 1. الكافي 1: 539 ح 4. (6) التهذيب 4: 128 ح 366.

[ 368 ]

محصورون ليس ذلك واحدا منهم (1). ويظهر لك ضعفها مما مر ; لمنع الملك، ولمنع كون الاستحقاق أيضا مطلقا، بل لقدر الكفاية وسد الخلة كما هو مقتضى وضع الخمس ; ولأن الفائدة في التقدير والقسمة بيان المصرف لابيان مقدار الحق، ولمنع استلزام الإتمام وجوب النفقة. وتوقف العومة في المختلف (2)، وتبعه في المدارك (3). والأقوى ما عليه المشهور، ولا ينبغي التأمل فيه ; لوضوح المأخذ. وهذه المسألة وإن كانت كما ترى قليلة الجدوى، لكنها ليست كذلك ; لما سيظهر لك في المسائل الآتية من معرفة حال نصيب الإمام في حال غيبته وغير ذلك. ثم هل يجوز إعطاء ما فوق مؤونة السنة دفعة كالزكاة، أو لا يجوز التجاوز ؟ الأظهر عدم الجواز، وفاقا للشهيدين (4)، وتدل عليه مرسلة حماد (5) وغيرها (6). والظاهر أن سنة الفقير لا تحديد فيها، فتتبع وقت حاجته، فإذا اعطي بقدر مؤونة سنة وذهب من السنة ستة أشهر فيجوز حينئذ الإعطاء بقدر ستة أشهر اخرى، وكذلك الكلام في الزكاة. الخامس: قد عرفت في الزكاة معنى المسكين، وادعى بعضهم أنه لا خلاف في عدم الفرق في الحكم بينه وبين الفقير كلما ذكر أحدهما وحده كما صرح به الشهيد الثاني (7). وكذلك قد عرفت معنى ابن السبيل، وأنه لا يشترط الفقر فيه، بل المعتبر هو الحاجة


(1) السرائر 1: 496. (2) المختلف 3: 337. (3) المدارك 5: 409. (4) البيان: 351، المسالك 1: 471. (5) الكافي 1: 539 ح 4، التهذيب 4: 128 ح 366، الوسائل 6: 363 أبواب قسمة الخمس ب 3 ح 1. (6) الوسائل 6: 363 أبواب قسمة الخمس ب 3. (7) المسالك 1: 409 .

[ 369 ]

في بلد التسليم. وفي اشتراطه في اليتامى قولان، أظهرهما نعم ; لأنه لرفع الحاجة وسد الخلة، ولأنه عوض الزكاة لغير بني هاشم كما يستفادان من الأخبار، ولدلالة ما تقدم من أن الإمام إنما يعطي كفايتهم، ويأخذ فضلهم كمايتم نقصهم، كما دلت عليه الروايات، بل في رواية حماد مواضع دلالة على اعتبار الفقر ظاهرة وصريحة، كما لا يخفى على من لاحظها لانطيل بذكرها، فلاحظها في الكافي والتهذيب. وذهب الشيخ في المبسوط (1) وابن إدريس (2) إلى العدم ; لعموم الآية، ولأنه لواعتبر فيه الفقر لتداخلت الأقسام، فلا يصح جعله قسيما للمسكين. وفيه: أن العموم مخصص بما تقدم، كما خصصناهم ببني هاشم لما تقدم، ويكفي مطلق المغايرة في جعل الشئ قسيما، ولايحتاج إلى المباينة، مع أنه على قولهم لاتباين أيضا، بل بينهما عموم من وجه، وإرادة الغنى فقط منها في غاية الغرابة. وبالجملة: لا يضر اجتماع السببين، فيستحق بكل جهة سهمه كما قلنا في أصناف الزكاة، ويلزمهم التزام ذلك فيما لو كان اليتيم مسكينا ; إذ هؤلاء أيضا لايتحاشون عن الإطلاق، ولايخصصون بالغنى، فهذه زيادة اهتمام بشأن مساكين الأيتام، وهو يصح على القول بالاشتراط. وأما اشتراط الإيمان في مستحق الخمس ; فتردد فيه المحقق في الشرائع نظرا إلى العموم (3)، وجزم بالاشتراط في المعتبر (4) ; لأنه موادة لمن حاد الله لو جوزنا للمخالف، مضافا إلى أنه عوض الزكاة، فهو شرط فيها إجماعا، وهذا أظهر. وأما العدالة ; فالمعروف من مذهب الأصحاب عدمه، ويظهر من الشرائع وجود


(1) المبسوط 1: 246. (2) السرائر 1: 494. (3) الشرائع 1: 166. (4) المعتبر 2: 632

[ 370 ]

الخلاف فيه (1)، وقائله غير معلوم. والحق العدم ; لإطلاق الآية والأخبار. السادس: يجوز نقل الخمس من البلد مع عدم وجود المستحق بلا إشكال ; لأن إيصال الحق لايتم إلا به. وأما مع وجوده فقيل: لا يجوز (2)، وقيل يجوز مع الضمان، خصوصا مع طلب الأفضل (3)، وهذا أقوى، وقد مر في الزكاة ما يرشدك إلى حقيقة الحال (4).


(1) الشرائع 1: 166 قال: والعدالة لا تعتبر على الأظهر. (2) المعتبر 2: 632، الشرائع 1: 166. (3) المدارك 5: 410. (4) ص 189 .

[ 371 ]

المبحث الثالث في اللواحق وفيه مطالب: الأول: في الأنفال وهي جمع نفل بالسكون أو بالتحريك، بمعنى الزيادة، ومنه سمي التطوع نافلة ; لزيادته على الفريضة. والمراد بها هنا: ما يختص به الإمام زائدا على قبيله، وقد يطلق الفئ أيضا على الأنفال، ومنه قوله تعالى في سورة الحشر: * (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولاركاب) * (1). ويدل على هذه المرادفة حسنة محمد بن مسلم الآتية (2). وقد يطلقان على ما يرادف الغنيمة العسكرية، ومنه قوله تعالى في سورة الحشر أيضا: * (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) * (3) الآية، ويدل عليه بعض الأخبار أيضا (4).


(1) الحشر: 6. (2) ص 373، وانظر التهذيب 4: 133 ح 370، والوسائل 6: 367 أبواب الأنفال ب 1 ح 10. (3) الحشر: 7. (4) الوسائل 6: 364 أبواب الأنفال ب 1 .

[ 372 ]

والأمر في ذلك سهل ; إذ المعيار هو الفرق بين الامور المعدودة في الأنفال والغنائم العسكرية. فمنها: ما يغنمه الغانمون بغير إذن الإمام، وقد مر الكلام فيه، وأن الأشهر الأقوى هو كونه من الأنفال (1). ومنها: ما كان لسلطان دار الحرب من القطائع والصفايا. قال في المعتبر: ومعنى ذلك إذا فتحت أرض من أهل الحرب فما كان يختص به ملكهم مما ليس بغصب من مسلم يكون للاامام عليه السلام كما كان للنبي صلى الله عليه وآله (2). وزاد في الشرائع: أو معاهد (3)، ومثله قال في المنتهى (4). وقد تفسر القطائع بالأرض، والصفايا بما ينقل ويحول. وتدل على ذلك أخبار كثيرة، منها مرسلة حماد الطويلة (5)، وفيها تصريح بكونه على غير وجه الغصب ; لأن الغصب كله مردود. وصحيحة داود بن فرقد قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " قطائع الملوك كلها للإمام " (6). وموثقة إسحاق بن عمار المذكورة في تفسير علي بن إبراهيم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأنفال فقال: " هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها فهي لله وللرسول، وما كان للملوك فهو للإمام، وما كان من الأرض الخربة لم يوجف عليه بخيل ولاركاب، وكل أرض لارب لها، والمعادن منها، ومن مات وليس له مولى فماله من الأنفال " (7) إلى غير ذلك من الأخبار (8).


(1) ص 283. (2) المعتبر 2: 633. (3) الشرائع 1: 166. (4) المنتهى 1: 554. (5) الكافي 1: 539 ح 4، التهذيب 4: 128 ح 366، الوسائل 6: 365 أبواب الأنفال ب 1 ح 4. (6) التهذيب 4: 134 ح 377، الوسائل 6: 366 أبواب الأنفال ب 1 ح 6. (7) تفسير القمي 1: 254، الوسائل 6: 371 أبواب الأنفال ب 1 ح 20. (8) الوسائل 6: 364 أبواب الأنفال ب 1 .

[ 373 ]

وكذلك يصطفي الإمام من الغنيمة ما شاء قبل القسمة من فرس أو جارية أو ثوب أو سلاح أو نحو ذلك. وتدل عليه أيضا أخبار كثيرة (1) لا حاجة إلى ذكرها. ومنها: كل أرض اخذت من الكفار من غير قتال، سواء انجلى عنها أهلها وتركوها للمسلمين، أو سلموها طوعا بتمكينهم المسلمين عليها مع بقائهم فيها ; لأخبار كثيرة (2) لا حاجة إلى ذكرها ; لعدم الإشكال في المسألة. ومنها: الأرض الموات التي ليس لها مالك معروف، سواء جرى عليها الملك ثم باد أهلها وماتت، أو لم يجر عليها ملك أصلا، فإذا كان لها مالك معروف فليست من الأنفال. وإذا كانت الأرض حية ولم يعرف لها صاحب، فهي من باب مجهول المالك. وإذا كانت خربة بعد الملك وعلم أنها لامالك لها حينئذ أصلا، بمعنى أنه يعلم أنها كانت لفلان ولم يبق منه وارث ; فهي أيضا من الأنفال، وداخلة في ميراث من لا وارث له كما سيجئ. وتدل عليه أخبار كثيرة، مثل موثقة سماعة، قال: سألته عن الأنفال، فقال: " كل أرض خربة أو شئ يكون للملوك فهو خالص للإمام، وليس للناس فيها سهم " قال: " ومنها البحرين، ولم يوجف عليها بخيل ولاركاب " (3). وحسنة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه سمعه يقول: " إن الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم، أو قوم صولحوا وأعطوا بأيديهم، وما كان من أرض خربة، أو شئ طون أودية، فهذا كله من الفئ والأنفال لله وللرسول صلى الله عليه وآله، فما كان لله فهو أ للرسول يضعه حيث يحب " (4).


(1 و 2) الوسائل 6: 364 أبواب الأنفال ب 1. (3) التهذيب 4: 133 ح 373، وفي الوسائل 6: 367 أبواب الأنفال ب 1 ح 8 أو شئ يكون للملوك ث (4) التهذيب 4: 133 ح 370، وص 149 ح 416، الوسائل 6: 367 أبواب الأنفال ب 1 ح 10 .

[ 374 ]

وفي مرسلة حماد الطويلة: " كل أرض خربة قد باد أهلها، وكل أرض ميتة لارب لها " (1). وحسنة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولاركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، وكل أرض خربة، وبطون الأودية، فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله، وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء " (2) إلى غير ذلك من الأخبار (3). وأنت خبير بأن هذه الأخبار بين ما هو أعم من المطلوب، مثل ما اشتمل على كل أرض خربة، وما هو أخص منه، مثل قوله عليه السلام: " كل أرض ميتة لارب لها " فإنه ظاهر فيما لامالك له أصلا، لامن لايعرف له مالك، إلا أن يقال: المتبادر منه الرب المعروف. وعلى هذا فيشكل إخراج ذلك من حكم مجهول المالك، إلا أن يقال: بأن تلك الأخبار مخرج لأصل الأرض الغير المعروف مالكها من حكم المجهول المالك. أو يقال: إن مجهول المالك ما علمنا أن له مالكا، ولكن لا نعرفه، وما لم يعرف مالكه أعم من ذلك، فإنه يحتمل كونه بلا مالك أصلا. وهو بعيد، فإن الأخبار الواردة بالتصدق بعضها ظاهر فيما لم يعرف المالك كما مر بعضها (4)، ويظهر من بعضها أن مطلق ما لم يعرف مالكه - يعني حتى غير الأرض - من الأنفال (5). وكيف كان ففي غير الأرض إذا اعطي الفقراء يحصل الامتثال وإن كان من جملة الأنفال أيضا. ومنها: رؤوس الجبال، وما يكون بها، وبطون الأودية، والآجام ; لأخبار كثيرة،


(1) الكافي 1: 539 ح 4، الوسائل 6: 365 أبواب الأنفال ب 1 ح 4. (2) الكافي 1: 539 ح 3، الوسائل 6: 364 أبواب الأنفال ب 1 ح 1. (3) الوسائل 6: 364 أبواب الأنفال ب 1. (4) ص 344، وانظر الوسائل 17: 357 أبواب اللقطة ب 7، وص 583 أبواب ميراث الخنثى ب 6 ح 3. (5) الوسائل 6: 364 أبواب الأنفال ب 1 .

[ 375 ]

منها حسنة حماد الطويلة المرسلة، ففيها: " وبطون الأودية، ورؤوس الجبال، والموات كلها له " (1). وحسنة حفص بن البختري، وحسنة محمد بن مسلم المتقدمتين، ومرسلة أحمد بن محمد، وما رواه المفيد في المقنعة عن محمد بن مسلم (2). وإطلاق الأخبار وكلام الأصحاب يقتضي العموم، وقيده ابن إدريس بما كانت المذكورات في الموات أو الأرضين المملوكة للإمام (3)، وارتضاه صاحب المدارك استضعافا للأخبار، واقتصارا في خلاف الأصل على موضع الوفاق (4). وأنت خبير بأن الأخبار معتبرة، ولاوجه للقدح فيها سيما مع عمل الأصحاب، وأيضا أن ما ذكره يفضي إلى التداخل وعدم الفائدة في ذكر اختصاصه بما ذكر كما نبه عليه الشهيد في البيان (5). ومنها: المعادن، والمشهور أنها من المشتركات بين الناس. وذهب الشيخان (6) والكليني (7) وشيخه علي بن إبراهيم (8) وسور (9) وابن البراج (10)، إلى أنها من الأنفال، وفي كلام بعض هؤلاء البحار أيضا (11). وقال في المعتبر بعد نقله عن الشيخين: إن كانا يريدان ما يكون في الأرض المختصة به أمكن، أما ما يكون في أرض لا تختص بالإمام فالوجه أنه لا يختص به ; لأنها أموال


(1) الكافي 1: 539 ح 4، الوسائل 6: 365 أبواب الأنفال ب 1 ح 4. (2) المقنعة: 290. (3) السرائر 1: 497. (4) المدارك 5: 416. (5) البيان: 352. (6) المقنعة: 278، النهاية: 419. (7). الكافي 1: 538. (8) تفسير القمي 1: 254. (9) المراسم: 140. (10) المهذب 1: 186. (11) كالكليني في الكافي 1: 538، والمفيد في المقنعة: 278، وسلار في المراسم: 140 .

[ 376 ]

مباحة تستحق بالسبق إليها والإخراج لها، والشيخان يطالبان بدليل ما أطلقاه (1). وخصها ابن إدريس أيضا بما كانت في أرضه عليه السلام (2)، واستحسنه العلامة - رحمه الله - وقال: لم نقف للشيخين على حجة في ذلك (3). أقول: وتدل عليه موثقة إسحاق بن عمار المتقدمة (4)، وما رواه العياشي عن الباقر عليه السلام قال: " لنا الأنفال " قيل: وما الأنفال ؟ قال: " منها المعادن والآجام، وكل أرض لارب لها، وكل أرض باد أهلها فهو لنا " قال: " ما كان للملوك فهو من الأنفال " (5). وهذان الخبران مع عمل جماعة من القدماء عليه، وسائر العمومات مثل صحيحة الكناني قال، قال لي أبو عبد الله عليه السلام: " نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الأموال، ولنا صفو المال " (6) الحديث. ومثل صحيحة أبي خالد الكابلي الدالة على أن الأرض كلها لهم (7)، وفي معناها روايات اخر تكفي في ثبوت الحكم. ولا ينافي ذلك ما تقدم من ثبوت الخمس في المعادن، ولاما قدمناه من أن كل معدن يكون في ملك أحد فهو له ويجب عليه الخمس. أما في زمان الحضور ; فلأن الظاهر أن ما كانوا يأذنون في التصرف فيه من الأنفال كان لهم خمسه، ومصرفه كان مصرف الخمس، وهو صريح كلام الكليني، حيث قال بعد كلام في ذكر الأنفال: وكذلك الآجام والمعادن والبحار والمفاوز هي للإمام خاصة، فإن عمل فيها قوم بإذن الإمام فلهم أربعة أخماس وللإمام خمس، والذي


(1) المعتبر 2: 635. (2) السرائر 1: 497. (3) التذكرة 5: 439. (4) تفسير القمي 1: 254، الوسائل 6: 371 أبواب الأنفال ب 1 ح 20. (5) تفسير العياشي 2: 48 ح 11 و 17، الوسائل 6: 372 أبواب الأنفال ب 1 ح 28، وص 372 أبواب الأنفال ب 1 ح 31. (6) الكافي 1: 186 ح 6، وص 546 ح 17، التهذيب 4: 132 ح 367، الوسائل 6: 373 أبواب الأنفال ب 2 ح 2. (7) الكافي 1: 407 ح 1، وج 5: 279 ح 5، التهذيب 7: 152 ح 674، الاستبصار 3: 108 ح 383، الوسائل 17: 329 أبواب إحياء الموات ب 3 ح 2، في كتاب علي: أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض، ونحن المتقون، والأرض كلها لنا، فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الإمام.

[ 377 ]

للإمام يجري مجرى الخمس، ومن عمل فيها بغير إذن الإمام فالإمام يأخذه كله ليس لأحد فيه شئ، وكذلك من عمر شيئا أو أجرى قناة أو عمل في أرض خراب بغير إذن صاحب الأرض فليس له ذلك، فإن شاء أخذها منه كلها، وإن شاء تركها في يده (1)، انتهى. وصرح بكون خمس الأنفال للإمام إذا تصرف فيه بإذنه سور أيضا (2). وتدل على ما ذكره أيضا رواية حكم بن علباء الأسدي المتقدمة في المال المختلط بالحرام (3). وصحيحة عمر بن يزيد قال: رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك بالمدينة وقد كان حمل إلى أبي عبد الله عليه السلام تلك السنة مالا فرده أبو عبد الله عليه السلام، فقلت له: لم رد عليك أبو عبد الله عليه السلام المال الذي حملت إليه ؟ فقال: إني قلت له حين حملت إليه المال: إني كنت وليت الغوص فأصبت أربع مائة ألف درهم، وقد جئتك بخمسها ثمانين ألف درهم، وكرهت أن أحبسها عنك وأعرض لها وهي حقك الذي جعل الله تعالى لك في أموالنا، فقال: " ومالنا في الأرض وما أخرج الله تعالى منها إلا الخمس ؟ ! يا أباسيار: الأرض كلها لنا، فما أخرج الله تعالى منها من شئ فهو لنا ". قال، قلت له: أنا أحمل إليك المال كله، فقال لي: " يا أبا سيار قد طيبناه لك وحللناك منه، فضم إليك مالك، وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون، كل ذلك لهم حتى يقوم قائمنا " (4) الحديث. وأما في زمان الغيبة ; فقد جوز لنا التصرف في الأنفال، والأخبار الدالة على ثبوت الخمس في المعادن تشملها، وكذلك الغوص. وأما عدم ثبوت الخمس في مثل الأرض الموات بعد الإحياء في زمان الغيبة فلعدم


(1) الكافي 1: 538 باب الفئ والأنفال. (2) المراسم: 140. (3) التهذيب 4: 137 ح 385، الاستبصار 2: 58 ح 190، الوسائل 6: 367 أبواب الأنفال ب 1 ح 13. (4) التهذيب 4: 144 ح 403، الوسائل 6: 382 أبواب الأنفال ب 4 ح 12 .

[ 378 ]

الثبوت، فإن ثبوت الخمس على النهج السابق فيها في حال الحضور لو ثبت فلا يثبت ذلك في حال الغيبة بالإذن العام، خرجنا عنه في مثل المعادن بالدليل الخاص، وهو عمومات الأخبار الناصة عليها، وبقي الباقي. وإن شئت فقل: إن المراد بتلك الأخبار هو وجوب الخمس المعهود فيها في حال الغيبة وإن كانت هذه المذكورات كلها مختصة به حال الحضور ; لرفع المنافاة بين إيجاب الخمس وكونها أنفالا، ولكنه بعيد، للإشكال في ثبوت المخصص. ثم إن الشهيد الثاني في شرح قول الشهيد - رحمه الله - في اللمعة: " وأما المعادن فالناس فيها شرع " قال: على الأصح ; لأصالة عدم الاختصاص، وقيل: هي من الأنفال أيضا. أما الأرض المختصة به فما فيها من معدن تابع لها ; لأنه من جملتها، وأطلق جماعة كون المعادن للناس من غير تفصيل، والتفصيل حسن، هذا كله في غير المعادن المملوكة تبعا للأرض أو بالإحياء، فإنها مختصة لمالكها. (1) انتهى. وقد ذكرنا أيضا في خمس المعادن ; أنهم ذكروا أن المعدن الذي يكون في ملك أحد أنه تابع لملكه، وعلى ما ذكره - رحمه الله - وعلى ما ذكرنا فلا يبقى إلا الأراضي المفتوحة عنوة. ويشكل بأن مقتضى ما ذكروه من تبعية المعدن للأرض كون حكم المعدن الواقع فيها حكم تلك الأراضي، فتكون موقوفة على مصالح العامة كنفسها، فلا يبقى شئ يكون شرعا بين الناس، إلا ما وجد في الموات، بناءا على رخصتهم عليهم السلام لنا في أمثالها، فهم شرع في المعادن الظاهرة قبل الحيازة، وفي الباطنة قبل الإحياء، وتستعمل فيها قاعدة حيازة المباحات، وذلك لأنه مباح بالأصل، بل من أجل رخصتهم عليهم السلام في ذلك، وتمام الكلام في هذه المسألة ومسألة الأرض يجئ في كتاب إحياء الموات إن شاء الله تعالى. ومنها: ميراث من لا وارث له، ذهب إليه علماؤنا أجمع كما صرح به في المنتهى (2)،


(1) الروضة البهية 2: 86. (2) المنتهى 1: 555.

[ 379 ]

وخالف فيه الجمهور كافة على اختلاف مذاهبهم (1). ويدل عليه مضافا إلى الإجماع حسنة حماد الطويلة، ففيها " وهو وارث من لا وارث له، يعول من لا حيلة له " (2). وموثقة إسحاق بن عمار أو صحيحته التي قدمناها (3)، ورواية أبان بن تغلب (4)، ومرسلة أحمد بن محمد (5)، وغيرها من الأخبار الكثيرة الصحيحة وغيرها. وسيجئ الكلام في مصرفه في حال الغيبة، وتمام الكلام وظيفة كتاب الميراث. الثاني: لا يجوز التصرف في الأنفال، ولافي حصته من الخمس حال حضور الإمام إلا بإذنه كسائر أمواله ; للكتاب والسنة والإجماع والعقل. وأما في حال الغيبة، فمذهب الأصحاب في بعضها كأرض الموات جواز التملك بالإحياء، وظاهر جماعة منهم أن كل الأنفال مباحة ; من الأراضي وغيرها. ومنهم الشهيد قال في البيان بعد ذكر الأنفال: ومع غيبة الإمام فالظاهر إباحة تلك لشيعته، قال: وهل يشترط في المباح له الفقر ؟ ذكره الأصحاب في ميراث فاقد الوارث، أما غيره فلا (6). وأما حصة غيره من الخمس فالأظهر جواز مباشرة المالك لصرفها في الأصناف، إلا مع مطالبته عليه السلام، فيجب دفعها إليه. وقيل بوجوب دفع الكل إليه (7).، ولا فائدة لنا


(1) انظر المهذب للشيرازي 2: 32، والمجموع 16: 54، والهداية للمرغيناني 3: 274، والنتف 2: 842، والاختيار لتعليل المختار 4: 69. (2) الكافي 1: 539 ح 4، الوسائل 6: 378 أبواب الأنفال ب 1 ح 4. (3) تفسير القمي 1: 254 عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ومن مات وليس له مولى فماله من الأنفال. (4) الكافي 1: 546 ح 18، الفقيه 2: 23 ح 89، التهذيب 4: 134 ح 374، الوسائل 6: 383 أبواب الأنفال ب 1 ح 14، الرجل يموت ولا وارث له ولا مولى، فقال عليه السلام: هو من هذه الآية * (يسألونك عن الأنفال) *. (5) التهذيب 4: 126 ح 364، الوسائل 6: 384 أبواب الأنفال ب 1 ح 17 قال: وميراث من لا وارث له فهو له خاصة. (6) البيان: 352. (7) الشرائع 1: 167

[ 380 ]

مهمة في ذلك، وسيجئ الكلام في حال الغيبة. الثالث: المشهور بين الأصحاب استثناء المناكح والمساكن والمتاجر من الأنفال وفيما فيه الخمس للشيعة الاثنى عشرية. ويظهر من العومة في المنتهى أن استثناء المناكح إجماعي في حال الحضور والغيبة، قال: وقد أباح الأئمة عليهم السلام المناكح في حالتي ظهور الإمام وغيبته، وعليه علماؤنا أجمع (1)، لكنه نقل في المختلف (2) ما ظاهره المخالفة فيه عن أبي الصلاح مطلقا (3). وعن المفيد: اختصاصه بالمناكح (4). وعن ابن الجنيد: أن تحليل ما لا يملك جميعه عندي غير مبرئ من وجب عليه حق منه لغير المحلل ; لأن التحليل إنما هو مما يملكه المحلل، لامما لاملك له، وإنما إليه ولاية قبضه وصرفه في أهله الذين سماه الله لهم (5). وعن سور: إباحة جميع الأنفال في حال الغيبة للشيعة من دون تخصيص (6). ورد الشهيد في البيان قوله بأن الروايات ظاهرها العموم، وعليه إطباق الإمامية (7). وفسروا المناكح: بالسراري المغنومة من دار الحرب، فيجوز شراؤها ووطؤها وإن كانت بأجمعها للإمام فيما لو كان بغير إذنه، أو بعضها إذا كان بإذنه، وليس ذلك من باب تبعيض التحليل، بل تمليك للحصة أو الجميع من الإمام كما ذكره في الدروس (8). والظاهر عدم الفرق بين ما لوسباها أو انتقلت إليه بشراء أو هبة.


(1) المنتهى 1: 555. (2) المختلف 3: 340. (3) الكافي في الفقه: 174. (4) المقنعة: 285. (5) نقله عنه في المختلف 3: 340. (6) المراسم: 140. (7) البيان: 352. (8) الدروس 1: 263 .

[ 381 ]

وقد تفسر بالجواري التي ثمنها من ماله الذي فيه الخمس، والزوجة التي مهرها من ذلك. واورد عليه: بأنها داخلة في مستثنيات المؤن. واجيب: بأنه قد يكون من غير ما تخرج منه مؤونة السنة، كالمعادن والغوص، وعمومات الأخبار الآتية تشمله، ولا مخصص لها، وبأنه قد يكون زائدا على حاجته على سبيل الاقتصاد، وقد يكون بعد عام الوجوب. وفسرت المساكن: بما يبنى في الأراضي المختصة به، أو بما يشترى من مال فيه الخمس. ويرد على الأول: أنه داخل في الأراضي المجوزة لنا في حال الغيبة، فلا معنى للتخصيص بالمسكن. وعلى الثاني: أنها من المؤن المستثنيات. ويدفعه ما تقدم. والمتاجر: بما يشترى من الأموال التي فيها الخمس ممن لا يخمس للتجارة. وقال ابن إدريس: ولا يتوهم متوهم أنه إذا ربح في ذلك المتجر لا يخرج منه الخمس، فليحصل ما قلناه، فربما اشتبه (1). وبما يشترى من الغنائم المغنومة بغير إذن الإمام أيضا. ثم إن الوجه في استثنائهم المذكورات هو الاعتماد على الأخبار الكثيرة الواردة عن أئمتنا عليهم السلام، فمنها ما مر مثل رواية حكيم مؤذن بني عيس (2)، ورواية عبد الله بن سنان (3) المتقدمتين في الأرباح. ورواية حكم بن علباء المتقدمة في المختلط بالحرام (4).


(1) السرائر 1: 498. (2) الكافي 1: 544 ح 10 وفيه: ابن عيس، التهذيب 4: 121 ح 344، الاستبصار 2: 54 ح 179، الوسائل 6: 380 أبواب الأنفال ب 4 ح 8، قال: سألته عن آية الخمس، فقال: هي والله الإفادة يوما بيوم، إلا أن أبي جعل شيعته في حل. (3) التهذيب 4: 122 ح 348، الاستبصار 2: 55 ح 180، قال: حتى الخياط ليخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق. (4) ص 342، وهي في التهذيب 4: 137 ح 385، والاستبصار 2: 58 ح 190، والوسائل 6: 368 أبواب الأنفال ب 1 ح 13 .

[ 382 ]

ورواية مسمع بن عبد الملك (1). وصحيحة أبي بصير وزرارة ومحمد بن مسلم كلهم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: " هلك الناس في بطونهم وفروجهم ; لأنهم لم يردوا إلينا حقنا، ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل " (2). وصحيحة علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر عليه السلام: عن رجل يسأله أن يجعله في حل من مأكله ومشربه من الخمس، فكتب بخطه عليه السلام: " من أعوزه شئ إمن حقي فهو في حل " (4). وصحيحة ضريس الكناسي قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " أتدري من أين دخل على الناس الزنا ؟ " فقلت: لاأدري، فقال: " من قبل خمسنا أهل البيت إلا لشيعتنا الأطيبين، فإنه محلل لهم ولميلادهم " (4). ورواية محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: " إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول يا رب خمسي، وقد طيبنا ذلك لشيعتنا ; لتطيب ولادتهم، ولتزكوا أولادهم " (5). ورواية أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رجل وأنا حاضر: حلل لي الفروج، ففزع أبو عبد الله عليه السلام، فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق، إنما يسألك خادما يشتريها، أو امرأة يتزوجها، أو ميراثا يصيبه، أو تجارة أو شيئا اعطيه،


(1) الكافي 1: 408 ح 3، التهذيب 4: 144 ح 403، الوسائل 6: 383 أبواب الأنفال ب 4 ح 12. قال: إن الأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شئ فهو لناث وكل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون حتى يقوم قائمنا. (2) التهذيب 4: 137 ح 386، الاستبصار 2: 58 ح 191، علل الشرائع: 377 ب 106 ح 2، الوسائل 6: 378 أبواب الأنفال ب 4 ح 1. (3) الفقيه 2: 23 ح 88، التهذيب 4: 143 ح 400، الوسائل 6: 379 أبواب الأنفال ب 4 ح 2. (4) الكافي 1: 546 ح 16، التهذيب 4: 136 ح 383، الاستبصار 2: 57 ح 188، الوسائل 6: 379 أبواب الأنفال ب 4 ح 3. (5) الكافي 1: 546 ح 20، الفقيه 2: 22 ح 82، التهذيب 4: 136 ح 382، الاستبصار 2: 57 ح 187، الوسائل 6: 380 أبواب الأنفال ب 4 ح 5 .

[ 383 ]

فقال: " هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب، والميت منهم والحي، وما يولد منهم إلى يوم القيامة، فهو لهم حلال، أما والله لا يحل إلا لمن أحللنا له، ولا والله ما أعطينا أحدا ذمة، وما لأحد عندنا عهد، ولالأحد عندنا ميثاق " (1). ورواية يونس بن يعقوب - ووصفها بالموثقة في المختلف وفي طريقها محمد بن سنان أو محمد بن سالم على اختلاف النسخ - قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه رجل من القماطين، فقال: جعلت فداك يقع في أيدينا الأموال والأرباح وتجارات نعرف أن حقك فيها ثابت، وإنا عن ذلك مقصرون، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم " (2). ورواية داود بن كثير الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال سمعته يقول: " الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا، إلا أنا أحللنا شيعتنا من ذلك " (3). وصحيحة حارث بن المغيرة النصري عنه عليه السلام قال، قلت له: إن لنا أموالا من غوت وتجارات ونحو ذلك، وقد علمت أن لك فيها حقا، قال: " فلم أحللنا إذن لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، وكل من والى آبائي فهو في حل مما في أيديهم من حقنا، فليبلغ الشاهد الغائب " (4). ورواية الفضيل - ولا يبعد القول بصحتها، كما نبه عليه المحقق الأردبيلي - رحمه الله - أيضا (5)، ولعله لكون الظاهر أن الفضيل هو ابن يسار بقرينة الراوي عنه، وهو القاسم ابن بريد، والظاهر أنه العجلي الثقة، وليس فيه بعدهما إلا الوشاء،


(1) التهذيب 4: 137 ح 384، الاستبصار 2: 58 ح 189، الوسائل 6: 379 أبواب الأنفال ب 4 ح 4. (2) الفقيه 2: 23 ح 87، التهذيب 4: 138 ح 389، الاستبصار 2: 59 ح 194، الوسائل 6: 380 أبواب الأنفال ب 4 ح 6. (3) الفقيه 2: 24 ح 90، علل الشرائع: 377 ح 3، التهذيب 4: 138 ح 388، الوسائل 6: 380 أبواب الأنفال ب (4) التهذيب 4: 143 ح 399، الوسائل 6: 381 أبواب الأنفال ب 4 ح 9. (5) مجمع الفائدة 4: 353 .

[ 384 ]

وحاله معلوم - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من وجد برد حبنا في كبده فليحمد الله على أول النعم " قال، قلت: جعلت فداك ما أول النعم ؟ قال: " طيب الولادة " ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: " قال أمير المؤمنين عليه السلام لفاطمة: أحلي نصيبك من الفئ لآباء شيعتنا ليطيبوا " ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: " إنا أحللنا امهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا " (1). ورواية الحارث [ بن المغيرة ] النصري قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فجلست إعنده فإذا نجية قد استأذن عليه - إلى أن قال نجية - جعلت فداك ما تقول في فلان وفلان ؟ قال: " يا نجية إن لنا الخمس في كتاب الله، ولنا الأنفال، ولنا صفو المال، وهما والله أول من ظلمنا حقنا - إلى أن قال في آخر دعائه - اللهم إنا قد أحللنا لشيعتنا " (2). وصحيحة زرارة في العلل، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " إن أمير المؤمنين عليه السلام حللهم من الخمس - يعني الشيعة - ليطيب مولدهم " (3). وفي كتاب إكمال الدين، عن محمد بن يعقوب فيما ورد من التوقيعات بخط صاحب الزمان عليه السلام: " أما ما سألت عنه من أمر المنكرين لي - إلى أن قال - وأما الخمس فقد ابيح لشيعتنا، وجعلوا منه في حل إلى أن يظهر أمرنا ; لتطيب به ولادتهم " (4) إلى غير ذلك من الأخبار (5). أقول: ويشكل العمل بظواهر أكثر هذه الأخبار ; لأن مقتضى بعضها تحليل مطلق الخمس حتى حصة غير الإمام وحصة الإمام اللاحق وفي حال الحضور، فضلا عن الغيبة، وكذلك الأنفال، ويفيد كثير منها عدم تخصيص الاستثناء بما ذكر، وذلك يوجب جواز التصرف في مال الغير. وهذا وإن كان يمكن دفعه بأن إخبار المعصوم عن ذلك كاشف عن صحته، بمعنى


(1) التهذيب 4: 143 ح 401، الوسائل 6: 381 أبواب الأنفال ب 4 ح 10. (2) التهذيب 4: 145 ح 405، الوسائل 6: 382 أبواب الأنفال ب 4 ح 14. (3) علل الشرائع: 377 ح 1، الوسائل 6: 383 أبواب الأنفال ب 4 ح 15. (4) إكمال الدين: 485 ب 45، الوسائل 6: 383 أبواب الأنفال ب 4 ح 16. (5) الوسائل 6: 378 أبواب الأنفال ب 4 .

[ 385 ]

أنه إخبار عن عدم الوجوب، ولكن يدفعه التأمل في الحكمة الباعثة على وضع الخمس، وما دل من الأخبار على أن الله تعالى حرم الزكاة على بني هاشم تشريفا لهم، وتنزيها إياهم عن أوساخ الناس، وتوفيرا لحقهم على غيرهم من جهة المقدار والمحل كليهما (1). فإذا كان ذلك ساقطا عن الشيعة، فيبقى فقراء بني هاشم أسوأ حالا من سائر الخلق ; لأن المخالفين مع قلة ما يتعلق به الخمس عندهم - لأنهم لا يقولون بخمس الأرباح ; وهو الغالب النافع في الغالب، ولاالمال المختلط، ولا في أرض الذمي التي اشتراها من مسلم - الغالب أنهم لا يعطون خمسهم للشيعة، وسيما من كان منهم في بلاد التشيع، مع ما ثبت من شرف بني هاشم، وكثرة اهتمام النبي صلى الله عليه وآله بحالهم، وجعل الموادة معهم أجر الرسالة، وما ورد من الأخبار الكثيرة في صلة الذرية الطيبة، فكيف يمكن القول بسقوط حقوقهم بالمرة أو في الأغلب، مع أن الأصل الثابت بالكتاب والسنة المتواترة والإجماع كيف يخرج عنه بمثل هذه الأخبار، وسيما الأصل عدم السقوط. فيشبه أن يكون الباعث لصدور هذه الأخبار، هو طغيان أهل الجور، واغتيال السلطان لأموالهم، وتصرف الظلمة في الأنفال والأخماس. فالعفو إما لأجل أن المخالفين إذا كانوا يأخذون منهم فلا يجب عليهم ثانيا كما في الخراج والزكاة، وإما لأجل أن ما يعاملون معهم في تلك الأموال ويصل إليهم لاغائلة فيه كما في شراء الزكاة والخراج. مع أن الظاهر من بعض تلك الأخبار أن ذلك التحليل كان منهم عليهم السلام عند إعواز المال وعدم الاقتدار، وأن العفو من صاحب الحق من حقه، مع احتمال حق غيره أيضا حينئذ. ويظهر من بعضها: أنه كان للخوف والتقية، ومن بعضها: أن ذلك كان عفوا من صاحب الحق عليه السلام في ماله الذي أتلفه السائل، وعدم تمكنه من الإيصال.


(1) الوسائل 6: 188 أبواب المستحقين للزكاة ب 31 .

[ 386 ]

مع أن في مقابل هذه الأخبار أخبارا مشددة لوجوب إيصال حقوقهم والاهتمام في ذلك، مثل حسنة إبراهيم بن هاشم، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل وكان يتولى له الوقف بقم فقال: يا سيدي اجعلني من عشرة آلاف درهم في حل، فإني قد أنفقتها، فقال له: " أنت في حل ". فلما خرج صالح قال أبو جعفر عليه السلام: " أحدهم يثب على أموال آل محمدي وأيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم فيأخذها ثم يجئ فيقول: اجعلني في حل، أتراه ظن أني أقول: لاأفعل، والله ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثا " (1). أقول: لا ينافي تحليله عليه السلام من ماله سؤاله تعالى منه يوم القيامة عن سوء فعله إذا لم يتب عن ذلك وكان مقصرا. ولاوجه للقدح في دلالة الرواية بأن السائل لعله لم يكن من الشيعة، وأن المال مال الوقف، لامما نحن فيه، فإنه يدفعه الظهور في الأول، وعموم قوله عليه السلام بعد خروج السائل. وما رواه الكليني، عن محمد بن يزيد الطبري، قال: كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا عليه السلام يسأله الإذن في الخمس فكتب إليه: " بسم الله الرحمن الرحيم إن الله واسع كريم، ضمن على العمل الثواب، وعلى الضيق الهم، لا يحل مال إلا من وجه أحله الله، إن الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالاتنا وعلى موالينا، وما نبذله وما نشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته، فلا تزووه عنا، ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا " (2) الحديث. وأيضا عنه قال: قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا عليه السلام فسألوه أن


(1) الكافي 1: 548 ح 27، التهذيب 4: 140 ح 397، الاستبصار 2: 60 ح 197، الوسائل 6: 375 أبواب الأنفال ب 3 ح 1. (2) الكافي 1: 547 ح 25، التهذيب 4: 139 ح 395، الاستبصار 2: 59 ح 195، الوسائل 6: 375 أبواب الأنفال ب 3 ح 2، في الكافي والوسائل: محمد بن زيد الطبري .

[ 387 ]

يجعلهم في حل من الخمس، فقال: " ما أمحل هذا، تمحضونا المودة بألسنتكم وتزوون عنا حقا جعله الله لنا وجعلنا له، وهو الخمس، لا نجعل، لا نجعل، لا نجعل لأحد منكم في حل " (1). إلى غير ذلك من الأخبار المؤكدة في أمر الخمس وإيجاب دفعه، وأنه موجب لتزكية المال وتطهيره، مثل رواية أبي بصير قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما أيسر ما يدخل به العبد النار ؟ قال، قال: " من أكل من مال اليتيم درهما، ونحن اليتيم " (2). وموثقة ابن بكير عن الصادق عليه السلام قال: " إني لآخذ الدرهم، وإني لمن أكثر أهل المدينة مالا، ما اريد بذلك إلا أن تطهروا " (3). ورواية أبي بصير عن الباقر عليه السلام في حديث قال: " لا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا " (4) إلى غير ذلك من الأخبار. وفي كتاب إكمال الدين توقيعان عن صاحب الأمر عليه السلام ; يدين على ذلك (5)، وكذلك في كتاب الخرائج والجرائح ما يدل عليه (6)، نقلها في الوسائل. فحاصل الكلام في هذا المقام: أن ثبوت الخمس والأنفال لأربابهما من القطعيات التي لاشبهة فيها، وهذه الأخبار لا يحصل منها شئ موجب للقطع يمكن تخصيص القطعي به ; لتشابهها في الدلالة، فيمكن أن يراد بها أن ما يحصل من المكاسب فيه


(1) الكافي 1: 548 ح 26، التهذيب 4: 140 ح 396، الاستبصار 2: 60 ح 196، الوسائل 6: 376 أبواب الأنفال ب 3 ح 3. (2) الفقيه 2: 22 ح 78، الوسائل 6: 337 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 ح 1. (3) الكافي 1: 538 ح 7، علل الشرائع: 377 ح 1، الفقيه 2: 23 ح 86، الوسائل 6: 337 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 ح 3. (4) الكافي 1: 545 ح 14، الوسائل 6: 337 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 ح 4. (5) إكمال الدين: 520 ح 49 وص 522 ح 51، الوسائل 6: 377 أبواب الأنفال ب 3 ح 6 و 7، قال: لا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحل في مالنا ؟ ! وقال: لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من أكل من مالنا درهما حراما. (6) الخرائج والجرائح: 125، الوسائل 6: 378 أبواب الأنفال ب 3 ح 9 .

[ 388 ]

الخمس يوما فيوما، كما صرح به في رواية حكيم (1) ورواية عبد الله بن سنان (2)، إلا أنهم جعلونا في حل في المنكح والمسكن والمتجر، يعني في المؤن المحتاج إليها في السنة كما يستفاد ذلك من الأخبار الواردة في الأرباح، وهذا لاكلام فيه. ويمكن أن يراد بها أن أخذ الظلمة للخمس مسقط عنهم، كالزكاة والخراج وغيره، ويجوز التصرف فيه لهم إذا اختلطت المذكورات بسائر الأموال ترفيقا منهم عليهم السلام، كما دلت عليه رواية أمرأمير المؤمنين عليه السلام فاطمة عليه السلام بتحليل الفئ، ويحتمل غير ذلك. فالأخبار متشابهة الدلالة، وآحاد منها تدل على أزيد من ذلك مما لا يمكن الاعتماد عليها بحيث تخصص العموم القطعي، فيقتصر على ما يمكن التخصيص به. فنقول: أما زمان الحضور فلا يهمنا التكلم فيه. وأما زمان الغيبة ; فالظاهر حلية المناكح من الأنفال، سواء كانت عين الجارية، أو ثمنها، أو مهر الزوجة. وأما من الخمس فيقصر على ما هو داخل في المؤن، وهذا لا ينحصر في خصوص حقه عليه السلام، بل يشمل حقوق سائر الأصناف. وأما حلية حقوق سائر الأصناف منه فيما زاد على المؤن أو في مثل المعادن والغوص فليس ما يمكن أن يستدل به من تلك الأخبار في الكثرة والاعتبار بحيث يقاوم الأصل الثابت بالكتاب (3) والسنة (4) والإجماع والاعتبار، سيما بملاحظة أن مطلق صرف الخمس في المنكح لا يوجب حرمة المنكح والخلل في الميلاد، كما لو اشترى الجارية في ذمته وأدى ثمنها من الخمس، أو جعله مهر الزوجة. (1) الكافي 1: 544 ح 10، التهذيب 4: 121 ح 344، الاستبصار 2: 54 ح 179، الوسائل 6: 380 أبواب الأنفال ب 4 ح 8. عن آية الأنفال، قال: هي والله الإفادة يوما بيوم، إلا أن أبي جعل شيعتنا في حل ليزكوا. (2) التهذيب 4: 122 ح 348، الاستبصار 2: 55 ح 180. قال: حتى الخياط ليخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منها دانق، إلا من أحللنا من شيعتنا لتطيب لهم به الولادة. (3) الأنفال: 41. (4) الوسائل 6: 337 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 .

[ 389 ]

وبملاحظة أن فساق الشيعة الذين لا يحترزون عن أغلب المحرمات في المناكح، بل عن الزنا، وهم الأغلبون منهم لا ينفعهم ذلك، ولايوازي تحليل الإمام حصة خمس فقراء بني هاشم وصلحائهم لأجل أن تطيب ولادتهم مع عدم تجنبهم عما يوجب عدم الطيب ; لما يستلزمه من حرمان هؤلاء وعسرهم وشدتهم. ولذلك ربما يحتمل أن يكون المراد في تلك الأخبار من الشيعة خلصهم وخواصهم، كما يظهر من خصوص بعض الأخبار (1)، ونحن لانجتزئ بذلك التخصيص في الخلص أيضا ; للأصل الثابت. والظاهر دخول وطء الجارية المشتراة ممن لا يخرج خمس ماله وإن تعلق الخمس بنفس الجارية أيضا، وكذلك ما اشترى من مال انتقل إليه ممن لا يخمس ; لعدم مقاومة تعلق الخمس بالعين دون الذمة ; لإطلاقات الأخبار المخصصة. والأمر في مال من لا يعتقد الخمس كالمخالف أظهر. وأما خصوص حقه عليه السلام من الخمس من مال نفس المكلف فسيجئ الكلام فيه. ويظهر من ذلك الكلام في المتاجر، فالظاهر صحة استثناء ما يشترى من الغنائم المأخوذة من دار الحرب بدون الإذن، بل واشتراء متعلق الخمس ممن لا يخمس - لما أشرنا - إلى أن يتجر فيربح فيجب فيه، كما نقلناه عن ابن إدريس (2). والدليل على ذلك أيضا بعض العمومات المتقدمة، كصحيحة الفضلاء (3) وغيرها، ولزوم العسر والحرج. ويظهر من ذلك الكلام في المساكن أيضا، فلا إشكال فيما هو من جملة المؤن، وكذلك فيما زاد عليها إذا كان من الأراضي المختصة بهم عليهم السلام ; للاتفاق، وكذلك إذا اشتراه ممن لا يخمس كما أشرنا.


(1) الوسائل 6: 378 أبواب الأنفال ب 4. (2) السرائر 1: 497. (3) التهذيب 4: 137 ح 386، الاستبصار 2: 58 ح 191، علل الشرائع: 377 ح 2، الوسائل 6: 378 أبواب الأنفال ب 4 ح 1 .

[ 390 ]

الرابع: قيل: يجب صرف الخمس بأجمعه في زمان الحضور إلى الإمام (1)، وقد يستشكل في إطلاق هذا الحكم، ولا فائدة لنا مهمة في تحقيقه. وأما في زمان الغيبة، فقد اختلف فيه كلام الأصحاب اختلافا شديدا، قال المفيد - رحمه الله - في المقنعة: فمنهم من يسقط فرض إخراجه ; لغيبة الإمام وما تقدم من الرخص فيه من الأخبار. وبعضهم يوجب كنزه ويتأول خبرا ورد أن الأرض تظهر كنوزها عند ظهور القائم مهدي الأنام، وأنه عليه السلام إذا قام دله الله سبحانه على الكنوز، فيأخذها من كل مكان. وبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على طريق الاستحباب، وليس أدفع قرب هذا القول من الصواب. وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر عليه السلام، فإن خشي إدراك المنية قبل ظهوره وصى به إلى من يثق به في عقله وديانته وتسليمه إلى الإمام عليه السلام إن أدرك قيامه، وإلا وصى به إلى من يقوم مقامه في الثقة والديانة، ثم على هذا الشرط إلى أن يظهر إمام الزمان عليه السلام. وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم ; لأن الخمس حق وجب لغائب لم يرسم فيه قبل غيبته رسما يجب الانتهاء إليه، فوجب حفظه عليه إلى وقت إيابه، أو التمكن من إيصاله إليه، أو وجود من انتقل بالحق إليه، وجرى أيضا مجرى الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقا فلا يجب عند عدمه سقوطها، ولا يحل التصرف فيها على حسب التصرف في الأملاك، ويجب حفظها بالنفس والوصية بها إلى من يقوم بإيصالها إلى مستحقها من أهل الزكاة من الأصناف. وإن ذهب ذاهب إلى منع ما وصفناه في شطر الخمس الذي هو خالص للإمام عليه السلام،


(1) الشرائع 1: 167.

[ 391 ]

وجعل الشطر الآخر في يتامى آل الرسول وأبناء سبيلهم ومساكينهم على ما جاء في القرآن لم نبعد إصابته الحق في ذلك، بل كان على صواب. وإنما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما يلجأ إليه فيه من صريح الألفاظ، وإنما عدم ذلك لوضع تغليظ المحنة، مع إقامة الدليل بمقتضى العقل والأثر من لزوم الاصول في خطر التصرف في غير المملوك إلا بإذن المالك، وحفظ الودائع لأهلها ; ورد الحقوق (1)، انتهى كلامه. والمشهور بين محققيهم صرف حصة الأصناف إليهم وهو نصفه، وأما النصف الآخر فاختلفوا فيه، فبعضهم أوجب ضبطه له عليه السلام (2). وبعضهم صرح بتحريم صرفه إلى الأصناف وأكد فيه غاية التأكيد، مثل ابن إدريس (3)، وادعى فيه تطابق الأدلة العقلية والنقلية وفتاوى المحصلين من الأصحاب. وأكثرهم خيروا بين الدفن، أو الضبط والإيصاء، أوالصرف في سائر الأصناف (4)، وظاهر كثير منهم ترجيح الأخير على غيره (5). (وظاهر بعضهم وجوب الصرف إليهم معينا (6). وظاهر بعضهم تعميم الإعطاء لصلحاء الشيعة وفقرائهم) (7) و (8). وقيد جماعة من المحققين المجوزين لإعطاء سائر الأصناف بأن يكون على سبيل التتمة، بمعنى أنه لو لم تف حصتهم بمؤونة سنتهم، فتعطى تتمة المؤونة


(1) المقنعة: 285 - 287. (2) كالمفيد في المقنعة: 286، والقاضي في المهذب 1: 181، وأبي الصلاح في الكافي في الفقه: 173. (3) السرائر 1: 497. (4). المقنعة: 286، المبسوط 1: 264. (5) المقنعة: 286. (6) الشرائع 1: 167، المهذب البارع 1: 571، ونسبه في الروضة 2: 80 إلى المشهور بين المتأخرين. (7) حكاه في المقنعة: 286، واختاره ابن حمزة في الوسيلة: 137. (8) مابين القوسين ليس في " م " .

[ 392 ]

من حصته عليه السلام (1). هذه الأقوال المنقولة من أصحابنا - رضوان الله عليهم -. والأظهر في النظر القاصر هو ترجيح القول بجواز صرف جميع الخمس إلى فقراءبني هاشم تبعا للمفيد - رحمه الله - في الرسالة العزية (2) والفاضلين (3)، ومن تأخر عنهما من المتأخرين (4). والأظهر أنه بعنوان الوجوب كما هو ظاهر المفيد - رحمه الله - وجماعة. أما في حصتهم فواضح، وأما في حصته عليه السلام فلأن الظاهر من حاله بل المعلوم من سيرتهم صلوات الله عليهم، ورأفتهم وشفقتهم على شيعتهم، سيما ذريتهم، واهتمامهم في شأنهم، ووصيتهم في صلتهم والإحسان إليهم ; أنهم راضون بإعطاء نصيبهم لهم، سيما في مثل هذا الزمان الذي لا يحتاج إليه، ولا يمكن الإيصال إليه عليه السلام. ولاريب أن ذلك أولى من الاستيداع والإيداع والإيصاء في الحفظ، سيما في أمثال الأزمان التي يغلب فيه المتغلبون، ويكثرفيه التغلب (5) والاضطراب، وتسلط الظلمة والنهب، وإتلاف الأموال والنفوس، ويحصل فيه تلف الأموال في قليل من الأوقات، فضلا عن تمادي الأعوام والشهور. وكذلك أولى من الدفن، فإنه مع ما قد يصيبه من التلف في كثير من الأوقات لا يكون فيه كثير فائدة إن بقي ووصل إليه عليه السلام في زمان تسلطه الذي لا يكاد يظهر احتياجه إليه حينئذ. ومع ملاحظة ما ذكر، وملاحظة كمال احتياج العلويين والفاطميين سيما صلحائهم وضعفائهم وأيتامهم وأراملهم الذين لا يجدون حيلة ولا معينا ولا نصيرا، وملاحظة


(1) منهم المحقق الحلي في المختصر النافع 1: 64، والمعتبر 2: 641، والعلامة في المنتهى 1: 555. (2) نقله في المعتبر 2: 641. (3) الشرائع 1: 167، التحرير 1: 75. (4) كابن فهد في المهذب البارع 1: 571، والعاملي في الوسائل 6: 378. (5) في " م ": التقليب.

[ 393 ]

الأخبار الدالة على تحليلهم الخمس عموما (1)، قد يحكم العقل السليم بعنوان القطع بأنهم راضون بذلك، بل لا يبعد القول بحكم العقل بوجوب الدفع إليهم حينئذ. هذا كله وبعد ملاحظة الروايتين اللتين ذكرناهما في إتمام الإمام نقص مؤونة الأصناف من حصته عليه السلام، وقلنا: إن الظاهر أن ذلك على سبيل الوجوب، فيتضح ذلك غاية الوضوح. فالأظهر القول بوجوب ذلك، وأنه تدفع حصة الإمام إلى فقراء بني هاشم الذين لم تف حصتهم من الخمس بمؤونة سنتهم بمقدار النقص، بل يجوز الإعطاء وإن لم يعط قبله شئ بمقدار مؤونة السنة. وربما قيل: الأحوط إعطاؤهم على التدريج في كل وقت بقدر ما يحتاجون إليه حينئذ، ولا دليل على لزوم ذلك. والمشهور بين من جوز إعطاء نصيبه عليه السلام إلى شركائه ; أنه لابد أن يتولاه الفقيه الجامع لشرائط الفتوى ; لعموم نيابته عنه عليه السلام، فلو أعطاه المالك أو غيره ضمن. بل قال في المسالك: ولو تولى غيره كان ضامنا عند كل من أوجب صرفه إلى الأصناف (2). وظاهر إطلاق المفيد في المسائل العزية عدم وجوب ذلك (3). ويظهر من الشهيد في الدروس أن إذن الفقيه كافية ولا حاجة إلى توليه (4). ولاريب أن توليه مع الإمكان أحوط، أو إذنه الخاص (مع عدم إمكانه، أو إذنه العام للمالك مع عدم إمكان الخاص) (5) أيضا. وأما فعل المالك ذلك أو غيره من غير إذن أصلا، فمشكل.


(1) الوسائل 6: 378 أبواب الأنفال ب 4. (2) المسالك 1: 476. (3) نقل عنه في المعتبر 2: 641. (4) الدروس 1: 262. (5) 1. مابين القوسين ليس في " م ".

[ 394 ]

نعم لو لم يمكنه الإذن العام أيضا، ودار الأمر بين صرفه إليهم، أوالأداء إلى الإتلاف، أو ما هو مظنته، فالظاهر جواز مباشرة المالك، سيما لو أمكن استصواب عدول المؤمنين، سيما طلبة العلوم منهم.

[ 395 ]

المبحث (1) الرابع في سائر الصدقات وفيه مباحث: الأول: قد عرفت أنه لاحق مالي واجب بالذات إلا الزكاة والفطرة والخمس، وقد يجب بالنذر وشبهه وبالكفارة، وستجئ في مواضعها، وقد مر الكلام في حق الحصاد والجذاذ أيضا. ولكن يستحب التصدق بقدر المقدور مؤكدا بالإجماع، بل الضرورة والكتاب والسنة المتواترة، وحكم العقل بحسنه. والأخبار في ذلك فوق حد الإحصاء، ونكتفي بذكر ما رواه في الكافي في الحسن، عن أبي بصير، قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام ومعنا بعض أصحاب الأموال، فذكروا الزكاة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " إن الزكاة ليس يحمد بها صاحبها، وإنما هو شئ ظاهر، إنما حقن بها دمه، وبها سمي مسلما، ولو لم يؤدها لم تقبل له صلاة، وإن عليكم في أموالكم غير الزكاة ". فقلت: أصلحك الله، وما علينا في أموالنا غير الزكاة ؟ فقال: " سبحان الله، أما


(1) في " ح ": الباب.

[ 396 ]

تسمع الله عزوجل يقول في كتابه: * (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) * (1)، قال، قلت: ماذا الحق المعلوم الذي علينا ؟ قال: " هو الشئ يعمله الرجل في ماله يعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قل أو كثر غير أنه يدوم عليه. وقوله عزوجل: * (ويمنعون الماعون) * (2) قال: " هو القرض يقرضه، والمعروف يصطنعه، ومتاع البيت يعيره، ومنه الزكاة ". فقلت: إن لنا جيرانا إذا أعرناهم متاعا كسروه وأفسدوه، فعلينا جناح أن نمنعهم ؟ فقال: " لا، ليس عليكم جناح أن تمنعوهم إذا كانوا كذلك ". قال، قلت له: * (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) * (3) قال: " ليس من الزكاة ". قال، قلت: قوله عزوجل: * (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية) * (4) قال: " ليس من الزكاة ". قال، قلت: قوله عزوجل: * (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) * (5) قال: " ليس من الزكاة، وصلتك قرابتك ليس من الزكاة " (6) وتؤدي موداها أخبار كثيرة. ونتبع ذلك بذكر ما ذكره العومة في التذكرة (7)، ونقتصر عليه ; إذ ذكر الأخبار وما ورد في الصدقة مما لا يسعه هذا الكتاب، قال: صدقة التطوع مستحبة في جميع الأوقات ; للآيات الدالة على الحث على الصدقة (8).


(1) المعارج: 24. (2) الماعون: 7. (3) الإنسان: 8. (4) البقرة: 274. (5) 1. البقرة: 271. (6) الكافي 3: 499 ح 9، الوسائل 6: 28 أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 7 ح 3. (7) التذكرة 5: 403 مسألة 308. (8) البقرة 245، 254، 261، آل عمران: 134، الحديد: 18، التغابن: 17، وغيرها .

[ 397 ]

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل " (1). وقال عليه السلام: " أرض القيامة نار ماخلا ظل المؤمن، فإن صدقته تظله " (2). وقال الباقر عليه السلام: " البر والصدقة ينفيان الفقر، ويزيدان في العمر، ويدفعان عن سبعين ميتة سوء " (3). وصدقة السر أفضل ; للآية (4)، إلا أن يتهم بترك المواساة. ويستحب الإكثار منها وقت الحاجة ; لقوله تعالى: * (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) * (5) وفي شهر رمضان ; لتضاعف الحسنات فيه. وعلى القرابة ; لقوله تعالى: * (يتيما ذا مقربة) * (6) وقال عليه السلام: " الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة " (7). والأولى الصدقة من الفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام، قال عليه السلام: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول " (8). وتستحب الصدقة أول النهار، وأول الليل، قال الصادق عليه السلام: " باكروا بالصدقة، فإن البلايا لاتتخطاها، ومن تصدق بصدقة أول النهار دفع الله عنه ما ينزل من السماء في ذلك اليوم، فإن تصدق أول الليل دفع الله عنه شر ما ينزل من السماء في تلك الليلة " (9).


(1) صحيح البخاري 2: 134، مسند أحمد 2: 331، سنن البيهقي 4: 176. (2) الفقيه 2: 37 ح 155، ثواب الأعمال: 169 ح 9. (3) الفقيه 2: 37 ذ. ح 155، ثواب الأعمال: 166 ح 11. (4) البقرة: 271. (5) البلد: 14. (6) البلد: 15 (7) سنن الترمذي 3: 47، سنن النسائي 5: 92، سنن الدارمي 1: 397، سنن البيهقي 4: 174، مسند أحمد 4: 17، 214. (8) صحيح البخاري 2: 139 وج 7: 481. (9) الفقيه 2: 37 ح 159 .

[ 398 ]

ويكره السؤال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " اتبعوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله، من فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر " (1). ويكره رد السائل، قال الباقر عليه السلام: " كان فيما ناجى الله عزوجل به موسى عليه السلام، أن قال: يا موسى أكرم السائل ببذل يسير أو برد جميل، إنك يأتيك من ليس بإنس ولاجان ملائكة من ملائكة الرحمن يسألونك فيما خولتك، ويسألونك مما نولتك، فانظر كيف أنت صانع يابن عمران " (2). والصدقة المندوبة على بني هاشم أفضل، خصوصا العلويون، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إني شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذريتي، ورجل بذل ماله لذريتي عند الضيق، ورجل أحب ذريتي باللسان والقلب، ورجل سعى في حوائج ذريتي إذا طردوا وشردوا " (3). وقال عليه السلام: " من صنع إلى أحد من أهل بيتي يدا كافيته يوم القيامة " (4) و (5) انتهى كلامه رحمه الله. قوله رحمه الله: الأولى الصدقة من الفاضل عن كفايته، إلى آخره. يشكل بما ورد من فضل الإيثار في الكتاب والسنة. وقد جمع في الدروس بينهما بحمل ما ورد في الإيثار على الإيثار على النفس لاعلى العيال (6). ويمكن حمل الإيثار على مالا يتضرر به في بدنه وإن كان شاقا عليه، والمنع على ما كان مضرا. (1) الكافي 4: 19 ح 2، الفقيه 2: 40 ح 179. (2) الكافي 4: 15 ح 3، الفقيه 2: 39 ح 170، الوسائل 6: 291 أبواب الصدقة ب 22 ح 7. (3) الكافي 4: 60 ح 9، الفقيه 2: 36 ح 153. (4) الفقيه 2: 36 ح 152. (5) هذا آخر عبارة التذكرة 5: 405. (6) الدروس 1: 255 .

[ 399 ]

الثاني: يشترط فيها أهلية المصدق للتصرف، وكذا الإيجاب والقبول والقبض برضا المالك بلا خلاف ظاهر، وظاهرهم الاجماع عليه. والظاهر كفاية الإيجاب والقبول الفعليين. وتشترط نية التقرب أيضا، والظاهر أنه أيضا وفاقي كما يظهر من المسالك (1) وغيره (2). ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في رواية هشام وحماد وابن اذينة وابن بكير وغير واحد أنه " لاصدقة ولاعتق إلا ما اريد به الله تعالى " (3). ولايجوز الرجوع فيها بعد القبض على المشهور ; لصحيحة عبد الله بن سنان وفيها قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنما مثل الذي يتصدق بالصدقة ثم يعود فيها مثل الذي يقئ ثم يعود في قيئه " (4). وعن الشيخ: أن صدقة التطوع كالهبة عندنا في كل شئ، فيجوز الرجوع في كل ما يجوز الرجوع فيه في الهبة (5). ورده المحقق - رحمه الله - بأن المقصود منها الثواب وقد حصل، فتكون كالمعوضة، فلا يجوز الرجوع فيها كالهبة المعوضة (6). الثالث: قد ذكرنا في كتاب الزكاة جواز الصدقة المندوبة لبني هاشم، وأن الأظهر جواز المفروضة أيضا غير الزكاة كالنذور والكفارات ونحوهما.


(1) المسالك 5: 408. (2). الحدائق 22: 261. (3) الكافي 7: 30 ح 2، التهذيب 9: 151 ح 620، الوسائل 13: 320 كتاب الوقوف والصدقات ب 13 ح 3. (4) التهذيب 9: 151 ح 618، الوسائل 13: 316 كتاب الوقوف والصدقات ب 11 ح 2. (5) المبسوط 3: 314. (6) الشرائع 2: 176، وانظر المسالك 5: 409.

[ 400 ]

وتجوز الصدقة على الذمي وإن كان أجنبيا على المشهور الأقوى ; للعموم، ولقوله صلى الله عليه وآله: " اللكل كبد حراء أجر " (1). ولقوله تعالى: * (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) * (2). وتدل عليه الأخبار أيضا، مثل رواية مصادف الدالة على سقي الصادق عليه السلام نصرانيا عند عطشه في باب سقي الماء في الكافي (3)، ورواية عمرو بن أبي نصر الدالة على جواز التصدق على اليهود والنصارى والمجوس في الكافي في باب الصدقة على أهل البوادي (4). وقيل: لا تجوز إلا على المؤمن (5). ويدفعه: ما ذكرنا، ورواية معلى بن خنيس في حكاية صدقة الصادق عليه السلام على إأهل ظلة بني ساعدة (6) وغير ذلك. نعم يستفاد من الأخبار منعها عن النصاب وأمثالهم (7). وفي حسنة سدير الصيرفي قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: اطعم سائلا لاأعرفه مسلما ؟ قال: " نعم، أعط من لا تعرفه بولاية ولا عداوة للحق، إن الله عزوجل يقول: * (وقولوا للناس حسنا) * ولا تطعم من نصب بشئ من الحق أو دعا إلى شئ من الباطل " (8) تمت.


(1) مسند أحمد 2: 222، 375، 517، وج 4: 175، البحار 71: 370 . (2) الممتحنة: 8. (3) الكافي 4: 57 ح 4، الوسائل 6: 288 أبواب الصدقة ب 19 ح 3. (4) الكافي 4: 14 ح 3، الوسائل 6: 289 أبواب الصدقة ب 21 ح 7. (5) هذا منقول عن ابن أبي عقيل، انظر الدروس 1: 255 ه‍ 3، والمسالك 5: 412، والحدائق 22: 271. (6) الكافي 4: 8 ح 3، التهذيب 4: 105 ح 300، ثواب الأعمال: 173 ح 2، الوسائل 6: 284 أبواب الصدقة ب 19 ح 1. (7) انظر الوسائل 6: 287 أبواب الصدقة ب 21 ح 2. (8) الكافي 4: 13 ح 1، التهذيب 4: 107 ح 306، الوسائل 6: 288 أبواب الصدقة ب 21 ح 3. البقره: 83. مسلما ؟ قال: " نعم، أعط من لا تعرفه بولاية ولا عداوة للحق، إن الله عزوجل يقول: * (وقولوا للناس حسنا) * ولا تطعم من نصب بشئ من الحق أو دعا إلى شئ من الباطل " (8) تمت.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية