الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




غنائم الأيام - الميرزا القمي ج 5

غنائم الأيام

الميرزا القمي ج 5


[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 3 ]

غنائم الايام في مسائل الحلال والحرام للفقيه المحقق الميرزا أبو القاسم القمي (1152 - 1231 ه‍) الجزء الخامس كتاب الصوم تحقيق مكتب الاعلام الاسلامي - فرع خراسان مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم / 1378

[ 4 ]

فهرست نويسى پيش از انتشارات: مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي الميرزا القمي، أبو القاسم بن محمد حسن، 1152 - 1221 ق. غنائم الايام في مسائل الحلال والحرام / للميرزا أبو القاسم القمي، حققه مكتب الإعلام الإسلامي، فرع خراسان - قم دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم، مركز انتشارات، 1378. 000 / 19 ريال. - شابك: 3 - 590 - 424 - 964 ج. - (دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم، مركز انتشارات، 704: مسلسل انتشار، 1331، آثار دفتر تبليغات اسلامي شعبه خراسان، 7.) مندرجات: ج. 1. كتاب الطهارة. - ج. -. 2. كتاب الصلاة. - ج. 3. كتاب الصلاة. - ج. 4. كتاب الزكاة والخمس. - ج. 5. كتاب الصوم. - 1. فقه جعفرى - قرن 13. الف. دفتر تبليقات اسلامي حوزه علميه قم، شعبه خراسان، محقق. ب. دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم، مركز انتشارات. ج. عنوان. 9 غ 9 م / 183 342 / 297 غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام / ج 5 المؤلف: الميرزا أبو القاسم القمي التحقيق: مكتب الإيام الإسلامي - فرع خراسان المحقق: عباس تبريزيان المساعدان: عبد الحليم الحلي، الشيخ باسم الحلي، على رضا اردشيري الناشر: مركز انتشارات دفتر تبليقات اسلامي (مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي) المطبعة: مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي الطبعة: الاولى / 1420 ق، 1378 ش العدد: 1000 نسخه السعر: تومان حقوق الطبع محفوظة للناشر عنوان: قم، شارع شهداء (صفائيه)، مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي، ص ب: هاتف: 7 - 742155، غابر: 742154، توزيع: 743426 شبكه اينترنت: شبكه شارح: (تلفن 4 - 744153)

[ 21 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي الحمدلله رب العالمين والصلاة على محمد وآله اجمعين

[ 23 ]

كتاب الصوم وفيه مقاصد:

[ 25 ]

المقصد الأول في ذكر ما فيه من الفضائل وفيه مباحث: المبحث الأول: الصوم من أفضل الطاعات وأهمها، والأخبار الواردة في ذلك في غاية الكثرة. منها: ما رواه في الكافي في الحسن - لأجل إبراهيم بن هاشم - عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية " وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الصوم جنة من النار " (1). وعن إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأصحابه: " ألا اخبركم بشئ إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب ؟ " قالوا: بلى، قال: " الصوم يسود وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله والمؤازرة على العمل الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه، ولكل


1 - الكافي 4: 62 ح 1، ورواه الفقيه 2: 44 ح 196، والوسائل 1: 7 أبواب مقدمة العبادات ب 1 ح 2، وج 7: 289 أبواب الصوم المندوب ب 1 ح 1.

[ 26 ]

شئ زكاة، وزكاة الأبدان الصيام " (1). وعن يونس بن ظبيان قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " من صام لله عزوجل يوما في شدة الحر فأصابه ظمأ، وكل الله به ألف ملك يمسحون وجهه ويبشرونه، حتى إذا أفطر قال الله عزوجل: ما أطيب ريحك وروحك ; ملائكتي اشهدوا أني قد غفرت له " (2). وعن عبد الله بن طلحة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الصائم في عبادة وإن كان على فراشه، ما لم يغتب مسلما " (3). وعن أبي الصباح عنه عليه السلام، قال: " إن الله تبارك وتعالى يقول: الصوم لي وأنا أجزي عليه " (4). وقد ذكروا في وجه اختصاصه به تعالى وجوها لا يجتمع جميعها في غير الصوم: وهي أنه موجب لترك الشهوات واللذات في الفرج والبطن، الموجبة لارتقاء النفس عن حضيض البهيمية إلى ذروة التشبه بالملائكة الروحانية. ويوجب صفاء العقل والفكر بسبب ضعف القوى الشهوية، الموجب لحصول المعارف الحقة التي هي أشرف أحوال النفس. وأنه أمر خفي يصعب الاطلاع عليه، فيكمل فيه الإخلاص، بخلاف سائر الأعمال البدنية. الثاني: روى في الكافي عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام: " من كتم صومه


1. الكافي 4: 62 ح 2، ورواه في الفقيه 2: 45 ح 199، والتهذيب 4: 191 ح 542، والوسائل 7: 289 أبواب الصوم المندوب ب 1 ح 2. 2 - الكافي 4: 65 ح 17، وص 64 ح 8، وفي ح 17 بكر بن صالح بتوسط سهل بن زياد ومحمد بن سنان، وفي ح 8 يروي سهل بن زياد عن محمد بن سنان بدون توسط أحد، ورواه في الفقيه 2: 45 ح 205، والوسائل 7: 299 أبواب الصوم المندوب ب 3 ح 1. 3 - الكافي 4: 64 ح 9، ورواه في الفقيه 2: 44 ح 197، والتهذيب 4: 190 ح 538، والوسائل 7: 291 أبواب الصوم المندوب ب 1 ح 12. 4 - الكافي 4: 63 ح 6، الوسائل 7: 290 أبواب الصوم المندوب ب 1 ح 7.

[ 27 ]

قال الله عزوجل لملائكته: عبدي استجار من عذابي فأجيروه، ووكل الله تعالى ملائكته بالدعاء للصائمين، ولم يأمرهم بالدعاء لأحد إلا استجاب لهم فيه " (1). الثالث: روى في الكافي أيضا في الحسن، عن ابن أبي عمير، عن سليمان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام: في قول الله عزوجل: * (واستعينوا بالصبر) * قال: " الصبر الصيام، وقال: إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فإن الله عزوجل يقول: * (واستعينوا بالصبر) * يعني الصيام " (2). الرابع: وروى الصدوق في الصحيح، عن هشام بن الحكم: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن علة الصيام، فقال: " إنما فرض الله عزوجل الصيام ليستوي به الغني والفقير ; وذلك أن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير ; لأن الغني كلما أراد شيئا قدر عليه، فأراد الله عزوجل أن يسوي بين خلقه، وأن يذيق الغني مس الجوع والألم، فيرق على الضعيف، ويرحم الجائع " (3). قال الصدوق: وكتب أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام إلى محمد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله: " علة الصوم لعرفان مس الجوع والعطش، ليكون العبد ذليلا مستكينا مأجورا محتسبا صابرا، ويكون ذلك دليلا له على شدائد الآخرة، مع ما فيه من الانكسار له عن الشهوات، واعظا له في العاجل، دليلا على الآجل ; ليعلم شدة مبلغ ذلك من أهل الفقر والمسكنة في الدنيا والآخرة " (4).


1. الكافي 4: 64 ح 10، وعنه في الوسائل 7: 289 أبواب آداب الصائم ب 1 ح 1. 2 - الكافي 4: 63 ح 7، ورواه في الفقيه 2: 45 ح 201، والوسائل 7: 298 أبواب الصوم المندوب ب 2 ح 1، والآية في سورة البقرة: 45. 3 - الفقيه 2: 43 ح 192، الوسائل 7: 2 أبواب وجوب الصوم ب 1 ح 1. 4 - الفقيه 2: 43 ح 193، علل الشرائع: 378 ح 1، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 91 ح 1، الوسائل 7: 3 أبواب وجوب الصوم ب 1 ح 3.

[ 28 ]

وروى في الفقيه أيضمرسلا، عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، أنه قال: " جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله أعلمهم عن مسائل، فكان فيما سأله أنه قال له: لأي شئ فرض الله عزوجل الصوم على امتك بالنهار ثلاثين يوما، وفرض على الامم أكثر من ذلك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن آدم عليه‌ا لسلام لما أكل من الشجرة بقي في بطنه ثلاثين يوما، ففرض الله على ذريته ثلاثين يوما الجوع والعطش، والذي يأكلونه بالليل تفضل من الله عزوجل عليهم، وكذلك كان على آدم عليه السلام، ففرض الله ذلك على امتي، ثم تلا هذه الآية * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات) *. (1) قال اليهودي: صدقت يا محمد، فما جزاء من صامها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: مامن مؤمن يصوم شهر رمضان احتسابا إلا أوجب الله تبارك وتعالى له سبع خصال: أولها يذوب الحرام في جسده، والثانية يقرب من رحمة الله عزوجل، والثالثة يكون قد كفر خطيئة آدم أبيه، والرابعة يهون الله عليه سكرات الموت، والخامسة أمان من الجوع والعطش يوم القيامة، والسادسة يعطيه الله براءة من النار، والسابعة يطعمه الله من طيبات الجنة. قال: صدقت يا محمد " (2). الخامس: في فضل شهر رمضان وأفضلية صيامه، والأخبار فيه في غاية الكثرة. فروى في الكافي، عن عبد الله بن عبد الله، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لما حضر شهر رمضان، وذلك في ثلاث بقين من شعبان، قال


1. البقرة: 183 - 184. 2 - الفقيه 2: 43 ح 195، علل الشرائع: 378 ح 1، أمالي الصدوق: 162 ح 1، الخصال: 530 ح 6، الوسائل 7: 172 أبواب أحكام شهر رمضان ب 1 ح 4.

[ 29 ]

لبلال: ناد في الناس، فجمع الناس، ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن هذا الشهر قد خصكم الله به، وحضركم، وهو سيد الشهور، فيه ليلة خير من ألف شهر، تغلق فيه أبواب النار، وتفتح فيه أبواب الجنان، فمن أدركه ولم يغفر له فأبعده الله، ومن أدرك والديه ولم يغفر له فأبعده الله، ومن ذكرت عنده فلم يصل علي فلم يغفر الله له فأبعده الله " (1). وعن أبي الورد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " خطب رسول الله صلى الله عليه وآله في آخر جمعة من شعبان، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه قد أظلكم شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، وهو شهر رمضا، فرض الله صيامه، وجعل قيام ليلة فيه بتطوع صلاة كتطوع صلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشهور، وجعل لمن تطوع فيه بخصلة من خصال الخير والبر كأجر من أدى فريضة من فرائض الله عزوجل، ومن أدى فيه فريضة من فرائض الله، كان كمن أدى سبعين فريضة من فرائض الله فيما سواه من الشهور " (2) الحديث. وعن مجالس الصدوق، عن العلاء بن يزيد القرشي قال، قال الصادق عليه السلام: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث، قال: " من صام شهر رمضان، وحفظ فرجه ولسانه، وكف أذاه عن الناس، غفر الله له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر، وأعتقه من النار، وأحله دار القرار، وقبل شفاعته بعدد رمل عالج من مذنبي أهل التوحيد " (3) إلى غير ذلك مما هو من الكثرة بمكان.


1. الكافي 4: 67 ح 5. 2 - الكافي 4: 66 ح 4، ورواه في الفقيه 2: 58 ح 254، والتهذيب 3: 57 ح 198، وج 4: 152 ح 423، الوسائل 7: 171 أبواب أحكام شهر رمضان ب 1 ح 2. 3 - أمالي الصدوق: 26 ح 1، وعالج: جبال متواصلة يتصل أعلاها بالدهناء بقرب اليمامة، وأسفلها بنجد، وتتسع اتساعا كثيرا، المصباح المنير 1: 425.

[ 30 ]

المقصد الثاني في مهيته وفيه مباحث: المبحث الأول: الصوم في اللغة: مطلق الإمساك، سواء كان عن الحركة أو الأكل أو السير أو غير ذلك. وقد استعمله الشارع في معنى أخص من ذلك. والكلام في صيرورته حقيقة في الشرع فيه أو لا هو الكلام المعروف في الحقيقة الشرعية. والأظهر ثبوتها فيه. وأما صيروته حقيقة فيه عند الفقهاء والمتشرعة فلا كلام فيه. ولهم في تعريفه عبارات: فقيل: إنه الكف عن المفطرات مع النية (1). وقيل: إنه توطين النفس لله تعالى على ترك الثمانية - الأكل والشرب إلى آخرها - من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، من المكلف أو المميز المسلم الخالي عن


1. الشرائع 1: 168.

[ 31 ]

السفر والمر ض وغيره من الموانع التي عدها (1). وقيل: إنه إمساك مخصوص يأتي بيانه (2). وقيل: إنه إمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص (3). والحق ; أن حقيقة الصوم تختلف باختلاف آراء المجتهدين، فعند كل مجتهد هو الإمساك الخاص في الوقت الخاص على الوجه الذي يبينه في كتاب الصوم. وهم مجمعون على أن الإمساك في مجموع النهار عن كل ما اتفق عليه أو اختلف فيه صوم. والإشكال فيما يحصل فيه بعض المناقض ; كالمسافر الناوي له قبل الزوال إذا عن له (4) التوطن أو دخول داره بعد الصبح أنه من قبيل البدل الاضطراري أو أن مهية الصوم هي ماتشمل مثل ذلك أيضا. وكيف كان فتحديد الصوم بتعريف يكون جامعا ومانعا في غاية الصعوبة، إلا بجعل ما يذكر في كتاب الصوم حدا للصوم عند كل من يكتب كتابا، ولذلك اكتفى العومة في المنتهى بأنه إمساك مخصوص يأتي بيانه. فالتوجه إلى تصحيح الحدود وطردها وعكسها لا طائل فيه، ويشغلنا عنه الأهم. والتزام بعضهم " اعتبار أمر وجودي كالتوطين في الإمساك، حتى لم يكتف بالكف مع أنه لا ينفك عن التوطين، مع أنهم جعلوه في الكتب الاصولية من الامور الوجودية، ومناصا عن ارتكاب كون مطلق الترك متعلقا للتكليف بالنهي " لاداعي إليه ; لأن التحقيق أن الأعدام تصير متعلقة للقدرة باعتبار الإبقاء، واستمرار الحكم كاف،


1. الدروس 1: 266. 2 - المعتبر 2: 643، المنتهى 2: 556. 3 - المبسوط 1: 265، التذكرة 6: 5. 4 - عن له: عرض له. لسان العرب 13: 290.

[ 32 ]

فلا يضر الذهول عن الإمساك والغفلة عنه. المبحث الثاني: قد عرفت حقيقة النية في كتاب الطهارة وغيرها، وأنها القصد إلى الفعل المعين تقربا إلى الله، وأنه لا يعتبر قصد شئ من مشخصات الفعل ووجهه وصفاته إلا ما احتاج تعين الفعل إليه في نظر المكلف وتميزه، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيها وفي معنى التقرب وغيره. وكذلك لا فائدة مهمة في اختلافهم في كون النية جزءا للعبادة أو شرطا بعد اتفاقهم على توقف صحة العبادة عليها. والأظهر كونها شرطا ; لما يظهر من الأخبار، مثل قولهم: " لاعمل إلا بالنية " و " نية المؤمن خير من عمله " ومثل قولهم عليهم السلام: " افتتاح الصلاة التكبير "، و " تحريمها التكبير " ونحو ذلك مما يدل على المغايرة، سيما في الصوم ; لتقدمها على طلوع الفجر، سيما على اعتبار الإخطار. وأما إطلاق الركن عليها بمعنى أنه يبطل بتركها عمدا وسهوا فلا نمنعه، وهذا ليس بمعنى الجزئية. ويتفرع على ما حققناه من أمر النية: أنه يكفي في رمضان أن يصوم تقربا إلى الله، ولا حاجة إلى تعيين أنه صوم رمضان، بل ولا إلى وجوبه كما هو المشهور، ويظهر من المنتهى أن المخالف فيه إنما هو بعض العامة، وكذلك من التذكرة (1). ووجهه: أن الفعل متميز بالفرض، والذي ثبت من الدليل في أمر النية هو قصد الامتثال بالفعل المتميز عما سواه. ولكن هذا إنما يتم مع التفطن والعلم بالشهر ووجوب صومه عليه وعدم


1. كالشافعي ومالك كما في المهذب للشيرازي 1: 188، والمجموع للنووي 6: 294 و 302، وبداية المجتهد لابن رشد 1: 292، وانظر المنتهى 2: 557، والتذكرة 6: 8.

[ 33 ]

قصده لغيره. وعلى هذا لابد أن ينزل استدلال الجماعة بأنه لا يقع في رمضان غير صوم رمضان، وإلا فيمكن المناقشة بأن ذلك لا يستلزم الصحة مطلقا، كما لو قصد صوم غير رمضان عمدا، أو قصد صوم رمضان آخر، فإن الظاهر أنه باطل، وإن اشتمل على نية الصوم قربة إلى الله ; لأنه قصد غير المأمور به، وهذا ليس محض تصور الغير حتى يقال: إنه لا ينافي تصديقه بأنه هو نفس المأمور به. والحاصل أن القصد إلى نفس المأمور به مما لابد منه في الامتثال. ومن ذلك يظهر الكلام في النذر المعين، والمشهور فيه وجوب التعيين، خلافا للسيد (1) وجماعة (2). فالتحقيق: أنه مع التفطن والاستحضار لا يحتاج إلى التعيين، وبدونه يحتاج كما ذكرنا. وتمسك الأولين في الفرق بينه وبين رمضان " بأن رمضان لا يقع فيه غيره فلا يحتاج، بخلافه " ضعيف ; لأنه مع أنه لايتم لما مر، لا يصلح فارقا ; لأن المفروض عدم وقوع الغير أيضا في النذر المعين. والفرق بالأصالة والعرضية غير مجد، مع إمكان المناقشة في الأصالة بالنسبة إلى رمضان أيضا ; إذ المتعين فيه إنما هو للحاضر الصحيح الجامع للشرائط، لا مطلقا، قال الله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (3). ومن ذلك يظهر الكلام فيما لو نذر تعيين النذر المطلق أيضا، وأنه لا يجدي في إسقاط قصد التعيين - مع عدم التميز إلا به - تعينه في نفس الأمر، ولا يضر في عدم


1. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 53. 2 - كابن إدريس في السرائر 1: 370، والعلامة في المنتهى 2: 557، والقواعد 1: 63، والشهيد الثاني في الروضة 2: 108، وصاحب المدارك 6: 18. 3 - البقرة: 185.

[ 34 ]

الاحتياج إلى التعيين مع التفطن له كون غيره من الأزمنة صالحا لوقوعه فيه، وأنه إنما أفاد فوريته خاصة، وأن وجوبه باق بعده و (1) إن لم يأت به، وكذلك الكلام لو تضيق القضاء بتضيق شهر رمضان ونحو ذلك. وأما النذر المطلق والكفارات والقضاء وصوم النفل فلابد فيها من نية التعيين ; لما مر من لزوم تعيين المأمور به في تحقق الامتثال عرفا. فما يتردد بين امور لا يتميز إلا بالقصد، فلابد من تمييزه به، والظاهر أنه إجماعي، قال في المنتهى: وهو قول علمائنا وكافة الجمهور إلا النافلة (2)، ومثله في التذكرة (3)، وقال في المعتبر: وعلى ذلك فتوى الأصحاب (4). نعم قال الشهيد في البيان: وكذا تكفي القربة في الندب إذا تعين كأيام البيض (5). بل ونقل عنه في الروضة إلحاق مطلق المندوب لتعينه شرعا في جميع الأيام إلا ما استثني، وحسنه (6). أقول: والوجه في الكل يظهر مما مر. والتحقيق: ما ذكرنا من أن المعيار لزوم القصد إلى الفعل المتعين المتميز تقربا إلى الله، ويكفي فيه الداعي، ولا حاجة إلى الإخطار كما مر مرارا، فإن تميز في نظر المكلف فلا حاجة إلى قصد تعيينه، وإن لم يكن متميزا أو كان مترددا بين امور فيلزم القصد إلى المعين. والحق أن نية التعيين لا تكفي عن التقرب ; تمسكا بعدم الانفكاك عنه كما نقل عن المبسوط ; لتغايرهما بالذات كما لا يخفى.


1. الواو ليست في " م ". 2. المنتهى 2: 557. 3 - التذكرة 6: 9. 4 - المعتبر 2: 644. 5 - البيان: 357. 6 - الروضة البهية 2: 108.

[ 35 ]

المبحث الثالث: وقت النية على التحقيق هو حال الدخول في الفجر، بمعنى وجوب استصحابه للداعي على الإمساك المخصوص في الوقت المخصوص لله تعالى في وقت دخول الفجر. وأما على ما ذهب إليه المتأخرون من اعتبار الإخطار بالبال، فيلزمهم تحري الوقت المقارن لدخول الفجر بحسب المقدور ; لتحقيق النية المقارنة. وهو قريب من المحال، ولاريب في تعسره جدا لو لم يتعذر. ولكنهم ذكروا هنا أنه لابد من حضورها عند أول جزء من الصوم، أو تبييتها بمعنى إيقاعها في جزء من الليل مع استمرار حكمها. والاكتفاء بمطلق التبييت إنما يناسب القول بكفاية الداعي، لا وجوب الإخطار، مع أن حصول الداعي لابد من مقارنته، وهو نفس استمرار الحكم، فلا معنى لجعل النية شيئا ; واستمرارها شيئا آخر. وعلى القول باعتبار الإخطار في النية فالاستمرار الحكمي إنما ينوب عن النية في أثناء العبادة كالصلاة ; لامتناع الإخطار دائما، فلا وجه لنيابته في مثل ما نحن فيه. فجمع الأصحاب بين القول بالإخطار والاكتفاء بمطلق التبييت مع استمرار الحكم مشكل، إلا أن يجعل ذلك أصلا آخر وتخصص به قاعدتهم لأجل العسر، بل وتكليف مالا يطاق ; ولمثل قوله عليه السلام: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " (1) ونحوه (2). ثم إن اعتبار الاستمرار على حكم النية على قول المتأخرين إلى الفجر وحصول


1. عوالي اللآلي 3: 132 ح 5، مستدرك الوسائل 7: 316 أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 1. 2 - انظر مستدرك الوسائل 7: 316 أبواب وجوب الصوم ب 2، وسنن الدار قطني 2: 172 ح 1، وسنن الدارمي 2: 7، وسنن النسائي 4: 196، وسنن البيهقي 4: 202 بتفاوت.

[ 36 ]

الداعي عند الدخول في الفجر على ما حققنا لا يبطل بالنوم والغفلة. فلو نام بعد حصول ذلك ولم ينتبه حتى طلعت الشمس، فالظاهر كفاية ذلك في النية الإخطارية ; إذ المراد بالداعي واستمرار الحكم هو عدم نية الخلاف، وهو متحقق هنا. وكذلك لو نسي بعد النية كونها ليلة الصيام أو شهر رمضان، واعتقد أنه غيره حتى أصبح، أما لو عدل عن النية عمدا حتى أصبح فصومه باطل، وسيجئ التفصيل. وعن ظاهر ابن أبي عقيل: تحتم التبييت، بمعنى أن يعين لها وقتا يعلم أنه لايفاجئه الفجر (1)، ولعله لأن العلم بالفجر لا يحصل إلا بعد الطلوع، فتتعذر المقارنة، فلابد من ترك اعتبارها. وكيف كان، فلو لم تحصل النية حتى دخل الفجر عمدا فلا يصح الصوم ; للزوم إخلاء جزء من الصوم من النية، ولقوله عليه السلام: " من لم يبيت نية الصيام من الليل فلاصيام له " (2). ويجب عليه القضاء. وفي وجوب الكفارة قولان، ولعل الأقوى العدم ; للأصل. وهناك قولان آخران، أحدهما: جواز النية بعد الزوال فرضا كان أو نفلا، لابن الجنيد (3). وثانيهما: أن وقتها قبل الفجر إلى قبل زوال الشمس، للسيد رحمه الله (4). وكلاهما ضعيفان. ولا تبطل النية بفعل ما ينافي الصوم قبل الفجر ; للأصل، والإطلاقات. وتردد الشهيد في البيان في الجماع وما يبطل الغسل ; نظرا إلى أنه يصير غير قابل


1. حكاه عنه في المختلف 3: 365. 2 - عوالي اللآلي 3: 133 ح 6، مستدرك الوسائل 7: 316 أبواب وجوب الصوم ب 2 ذ. ح 1. 3 - حكاه عنه العلامة في المختلف 3: 365. 4 - جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 53.

[ 37 ]

للصوم فيزول حكم النية (1)، ضعيف، فلاتجب إعادة النية، كما لا تجب لو حصل المنافي في النهار أيضا. هذا الكلام في حالة الاختيار وفي الصوم المعين الواجب كرمضان والنذر المعين. وأما في حال الاضطرار، كالجاهل بكونه اليوم الذي يجب فيه الصوم والناسي له، فالمشهور المدعى عليه الإجماع من الفاضلين في المعتبر والمنتهى والتذكرة امتداد وقتها إلى الزوال (2) ; لما روي أن ليلة الشك أصبح الناس فجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله فشهد برؤية الهلال، فأمر النبي صلى الله عليه وآله مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك (3). ولفحوى مادل على انعقاد الصوم من المريض والمسافر إذا زال عذرهما قبل الزوال. ومخالفة ابن أبي عقيل في ذلك حيث عم البطلان بالنسبة إلى الناسي (4). ولعله نظر إلى عموم الشرطية، والرواية لا يلتفت غيره إليها ; لشذوذها. واعلم أنه تجب المبادرة بعد الذكر والعلم بحيث لا يخلو جزء من الصوم عنها وإلا لبطل. وأما غير الصوم المعين الواجب، كالنذر المطلق، وقضاء شهر رمضان والنافلة، فأما الواجب فالمشهور المقطوع به في كلماتهم أنه يستمر وقتها إلى الزوال إذا لم يفعل المنافي ; للأخبار الكثيرة الصحيحة وغيرها الدالة بالإطلاق على الكل، وبالخصوص في قضاء شهر رمضان وفي النذر المطلق أيضا. وقول ابن الجنيد بجواز تجديدها بعد الزوال (5) ضعيف، فإن دل عليه إطلاق صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال، قال علي عليه السلام: " إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب شرابا ولم يفطر، فهو


1. البيان: 362. 2 - المعتبر 2: 646، المنتهى 2: 558، التذكرة 6: 10. 3 - سنن الترمذي 3: 74 ح 691، سنن النسائي 4: 132، سنن الدارمي 2: 5، سنن البيهقي 4: 211. 4 - نقله عنه في المختلف 3: 367. 5 - نقله عنه في المختلف 3: 368.

[ 38 ]

بالخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر " (1). والظاهر أن المراد من قوله عليه السلام " إذا لم يفرض " إلى آخره هو النذر المعين. وصحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: الرجل يصبح ولا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم، فقال: " إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى فيه " (2). وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الرجل يصبح ولم يطعم ولم يشرب ولم ينو صوما وكان عليه يوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار ؟ قال: " نعم، له أن يصومه ويعتد به من شهر رمضان " (3). ومرسلة البزنطي، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان ويصبح فلا يأكل إلى العصر، أيجوز له أن يجعله قضاءا من شهر رمضان ؟ قال: " نعم " (4). فإن صحيحة محمد بن قيس محمولة على ما قبل الزوال، كما تدل عليه موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: الرجل تكون عليه أيام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها، متى ينوي الصيام ؟ قال: " هو بالخيار إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فإن كان قد نوى الصوم فليصم، وإن كان نوى الإفطار فليفطر " فسئل: فإن كان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد مازالت الشمس ؟ قال: " لا " سئل: فإن نوى ثم أفطر بعد مازالت الشمس ؟ قال: " قد أساء وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم


1. التهذيب 4: 187 ح 525، الوسائل 7: 5 أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 5. 2. التهذيب 4: 188 ح 528، الوسائل 7: 6 أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 8. 3. التهذيب 4: 187 ح 526، وص 188 ح 530، الوسائل 7: 5 أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 6. 4. التهذيب 4: 188 ح 529، وص 315 ح 956، الاستبصار 2: 118 ح 385، الوسائل 7: 6 أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 9.

[ 39 ]

الذي أراد أن يقضيه " (1). فإن هذه الموثقة مع اشتهار العمل بها، بل ظاهر السيد الإجماع، وكونها أوفق بالأصل والعمومات، أقوى من إطلاق الصحيحة. وأما صحيحة هشام فهي ظاهرة في المندوب. وأما صحيحة عبد الرحمن فمحمولة على ما قبل الزوال، فإنه بملاحظة طلوع الفجر قد يكون أكثر اليوم. وأما المرسلة فهي لا تقاوم الموثقة المعمول بها المعتضدة بما مر. وأما الصوم المندوب فلا إشكال في تجديد نيته قبل الزوال، كما هو المشهور المدلول عليه بالأخبار المتقدمة وغيرها. وأما بعد الزوال فعن الشيخ في المبسوط (2) وأكثر القدماء (3) امتداد وقتها إلى الغروب، وادعى عليه المرتضى (4) وابن زهرة (5) وابن إدريس (6) الإجماع. وقال الشيخ رحمه الله: وتحقيق ذلك أن يبقى بعد النية من الزمان ما يمكن صومه، لا بأن تنتهي النية مع انتهاء النهار (7). ويدل عليه مضافا إلى ما تقدم من الأخبار موثقة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة، قال: " هو بالخيار ما بينه وبين العصر، وإن مكث حتى العصر ثم بدا له أن يصوم ولم يكن نوى ذلك فله إن يصوم ذلك اليوم إن شاء " (8). وذهب جماعة إلى خلافه، منهم الشيخ في الخلاف ; تمسكا بأنه لم يعرف فيه


1. التهذيب 4: 280 ح 847، الاستبصار 2: 121 ح 394، الوسائل 7: 6 أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 10. 2. المبسوط 1: 278. 3. نقله عن ابن أبي عقيل وابن الجنيد في المختلف 3: 370. 4. الانتصار: 60. 5. الغنية (الجوامع الفقهية): 568. 6. السرائر 1: 373. 7. المبسوط 1: 278. 8. الكافي 4: 122 ح 2، الفقيه 2: 55 ح 242، الوسائل 7: 7 أبواب وجوب الصوم ب 3 ح 1.

[ 40 ]

نصا (1)، وهو ضعيف ; لوجود النصوص كما عرفت والإجماعات المنقولة. وقدح العومة في المختلف في رواية أبي بصير بالضعف (2)، ولاوجه له ; لأنه ليس فيها من يتأمل فيه إلا الحسين بن عثمان وسماعة وأبا بصير، والظاهر أن كلهم ثقات. وكذلك القدح في دلالتها بأن المفروض أنه في الصائم لامن لم ينو الصوم ; لعموم اللفظ، وصريح قوله عليه السلام " ولم يكن نوى ". ويظهر من المحقق في النافع (3) والشهيد الثاني في المسالك (4) أن في الروايات ما يدل على أن النافلة كالفريضة لا يتعدى وقت نيتها عن الزوال. ولم نقف على شئ من ذلك إلا رواية عمار المتقدمة، وصحيحة هشام بن سالم إن قلنا إن معناها أنه ليس بصوم، بل إنما يؤجر على إمساك ما أمسكه من بعد الزوال، ولكن عبد الله بن سنان روى في الصحيح عنه عليه السلام في جملة حديث: " إن بدا له أن يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم، فإنه يحسب له من الساعة التي نوى فيها " (5) وهو مناف لما ذكر، فلابد أن يقال: المراد أن الصوم صوم صحيح ولكن ثوابه أقل. ويظهر من ذلك إشكال فيما ذكره في المدارك، حيث قال: لو جدد النية في أثناء النهار فهل يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية أو من ابتداء النهار، أويفرق بين ما إذا وقعت النية بعد الزوال أو قبله ؟ أوجه، أجودها الأخير ; لقوله عليه السلام في صحيحة هشام بن سالم المتقدمة " إن هو نوى " (6) الحديث. أقول: والتحقيق أن يقال: إن مقتضى الأدلة في الواجب والمندوب أنه يحكم بكونه صوما صحيحا تاما كلما رخص فيه بتجديد النية، فيتفرع عليه بر يمين من أوجب


1. الخلاف 2: 167 مسألة 6. 2. المختلف 3: 373. 3. المختصر النافع: 65. 4. المسالك 2: 9. 5. التهذيب 4: 187 ح 524، الوسائل 7: 5 أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 3. 6. المدارك 6: 26.

[ 41 ]

على نفسه صدقة على من صام يومامثلا. ولكن الإشكال في حصول الثواب بمقدار الصوم التام، ومقتضى العدل والاعتبار التفاوت مطلقا كما دلت عليه صحيحة عبد الله بن سنان، فتحمل صحيحة هشام عليأن المراد حسبان شطري اليوم له في الجملة وإن لم يحسب له يوما تاما فيمن نوى قبل الزوال دون من نوى بعده، أو تخرج صحيحة عبد الله بن سنان إلى نوع من الإطلاق لتشمل ما بعد الزوال، فتكون المزية الواردة في صحيحة هشام من باب التفضل. تذنيبان: الأول: قال الشيخ في الخلاف: وأجاز أصحابنا في نية القربة في شهر رمضان خاصة أن تتقدم على الشهر بيوم وأيام (1)، وكذلك اختار جواز التقديم في النهاية والمبسوط (2). وقال في المبسوط: إن ذلك إذا لحقه سهو أونوم أو إغماء عند دخول الشهر ومنعه عن تجديد النية، وإن كان ذاكرا فلابد من تجديدها. والظاهر أن مراده في الخلاف أيضا ذلك. ومنع المتأخرون كفاية التقديم (3)، وادعى في المختلف الإجماع على البطلان إذا لم يجدد مع التذكر (4)، وكذلك يظهر الإجماع من الشهيد في البيان (5). أقول: ولم نقف في تفصيل الشيخ وتحديده باليوم والأيام على مستند، إلا أن يكون هناك إجماع اطلع عليه كما يظهر من لفظه، وهو مشكل.


1. الخلاف 2: 166 مسألة 5. 2. النهاية: 152، المبسوط 1: 276. 3. السرائر 1: 372، المنتهى 2: 560. 4. المختلف 3: 375. 5. البيان: 359.

[ 42 ]

ويمكن توجيهه: بأن يكون المراد من السهو، السهو عن إخطار النية، فإنه لا ينافي استمرار الحكم الذي اعتبروه في صورة التبييت، وكذلك النوم والإغماء لا ينافيان الداعي واستمرار الحكم ; لأن المنافي إنما هو نية الخلاف كما أشرنا إليه سابقا. ولا ينافي ذلك قوله عليه السلام: " لا صيام لمن لم يبيت بالصيام " (1) ; لأنه حصر إضافي بالنسبة إلى النهار، فلا يجوز تركها عمدا حتى يدخل النهار، لاأنه لا يجوز الاكتفاء بالداعي والاستمرار السابق على دخول الشهر مع عدم حصول نية الخلاف. نعم إذا حصل السهو عن الشهر والصيام، مثل أن يعتقد أن الشهر الآتي شهر شعبان مثلا، أو قصد الأكل والضيافة في أول الشهر مثلا سهوا، ويبقى على هذه الحالة حتى يذهب شئ من النهار، فيرد على الشيخ أنه لادليل على كفاية ذلك ; لعدم بقاء استمرار الحكم حين الدخول في الشهر، وسيجئ الكلام فيما لو حصل ذلك بعد تبييت النية. وأما قوله بلزوم التجديد لو كان ذاكرا فيبقى غير ظاهر الوجه إلا مع اشتراط الإخطار بالبال، ولا دليل على أصله، فضلا عن هذا المورد الخاص. ولعل دعوى الإجماع من العلامة أيضا لم تكن مبنية على خصوصية اخرى غير لزوم الإخطار، بل ادعاه في اعتقاده أن النية إنما هي الإخطار، ولما كان خلاف الشيخ إنما هو في صورة السهو، فتبقى صورة الذكر تحت قاعدة النية متفقا عليها عند القائلين بالإخطار. وعلى ما حققناه من كفاية الداعي، فيكفيه الداعي عند التذكر، ولايحتاج إلى التجديد ; إذ هو عين النية. الثاني: المشهور بين الأصحاب سيما المتقدمين تجويز أن ينوي من أول شهر رمضان صومه أجمع، ولايحتاج إلى تجديدها في كل ليلة، وادعى عليه الإجماع


1. عوالي اللآلي 3: 132 ح 5، مستدرك الوسائل 7: 316 أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 1، سنن البيهقي 4: 213.

[ 43 ]

الشيخ بل الشيخان (1) كما يظهر من المختلف (2)، والسيد في الانتصار والمسائل الرسية (3)، ونقل عن ابن زهرة أيضا (4). وأسنده في المنتهى إلى أصحابنا، وكذلك في التذكرة (5). وذهب العومة في المختلف والتذكرة إلى وجوبها في كل ليلة (6) وكذلك الشهيد في الدروس والبيان (7). ويظهر من النافع اختيار الأول (8). وأما في سائر كتب المحقق (9) وبعض كتب العومة كالتحرير والمنتهى، فيظهر منهما نوع تردد وميل إلى الجواز مع أولوية تجديدها كل يوم (10)، كالشهيد في اللمعة (11)، وصريح ابن إدريس (12) أيضا الجواز، مع أفضلية الثاني. واحتج الأولون: بأنه عبادة واحدة، فيكفي فيه نية واحدة، فتؤثر فيه النية الواحدة كما أثرت في اليوم الواحد إذا وقعت في ابتدائه. والآخرون: بأنها عبادات منفصلة، ولهذا لا يبطل البعض بفساد الآخر. أقول: والأظهر ما اختاره الأكثر ; للإجماعات المنقولة، فإن مثل هذه الإجماعات مع العمل المعروف سيما من القدماء يكفي في إثبات الحكم الشرعي.


1. المقنعة: 302، الخلاف 2: 164 مسألة 3. 2. المختلف 3: 373. 3. الانتصار: 61، المسائل الرسية (رسائل الشريف المرتضى) 2: 355. 4. الغنية (الجوامع الفقهية): 571 5. المنتهى 2: 560، التذكرة 6: 16 مسألة 7. 6. المختلف 3: 373، التذكرة 6: 16. 7. الدروس 1: 266، البيان: 227. 8. المختصر النافع 1: 65. 9. المعتبر 2: 649، الشرائع 1: 168. 10. التحرير 1: 76، المنتهى 2: 560. 11. اللمعة (الروضة البهية) 2: 106. 12. السرائر 1: 384.

[ 44 ]

ويكفي في النية استمرار حكمها كما يكفي ذلك في نية الليلة بالنسبة إلى تمام اليوم. وذكر تأثير النية في الشهر تشبيها باليوم ليس من باب القياس، بل هو تنظير لبيان عدم منافاة الغفلة عن نية كل يوم لحكم النية السابقة، وأن استمرار حكم نية أول الشهر ينوب عن نية كل ليلة، واستمرار حكمها لذلك اليوم، فالمهم حينئذ بيان ما ينافي استمرار حكم النية وما لا ينافي. والظاهر أنه لا يتفاوت الحال بينه وبين نية الليلة، وسيجئ الكلام فيه. فالإجماع مخصص لأدلة وجوب تبييت النية، أو مبين لأن المراد من النية أعم من نفس النية واستمرار حكمها الحاصل منها في الليلة، أو ما قبلها. وأما الاستدلال بأنها عبادة واحدة فهو مشكل ; لأن الظاهر أنها عبادات متعددة ; لعدم بطلان بعضها ببطلان الآخر، بخلاف الصلاة الواحدة وصوم اليوم الواحد. وقد أورد الشهيد الثاني - رحمه الله - أيضا عليه بأن من شأن العبادة الواحدة عدم جواز تفريق النية على أجزائها (1)، وهؤلاء يقولون بجواز الاكتفاء بالنية لكل يوم، بل يقولون بأفضليته وأولويته وكونه أحوط، ومن فرق بين العبادات، وجعل بعضها مما يقبل التعدد والاتحاد كالوضوء والغسل بالنسبة إلى الأعضاء، حيث جوز بعضهم تفريق نية رفع الحدث على الأعضاء، دون مثل الصلاة وصوم اليوم الواحد، فإنه وإن كان يتم فيه تفريق النية، ولكن لا تتم الأولوية والأحوطية ; لأنه إنما تتم إذا جمع بين نية الكل والتفريق، فالاحتياط فيما نحن فيه هو الجمع لا الاكتفاء بنية كل واحد، وكذلك الكلام في غسل الأموات. أقول: الظاهر أن مراده متفريق النية على أجزائها الاكتفاء بنية الأجزاء عن نية المجموع.


1. البيان: 227.

[ 45 ]

فإن أراد من النية هو القصد إلى الفعل الخاص لله تعالى، فلا دليل على عدم جواز تفريقها وتكريرها وبسطها في الأجزاء والاكتفاء بها، بل هو مطلوب يقينا، إلا أنه يكتفي فيما لو نوى أولا للكل باستمرار الحكم، ولافرق في ذلك بين مثل الصلاة، ومثل الوضوء وغيرهما، فالاكتفاء بالنية لكل واحد واحد من أجزاء الصلاة تقربا إلى الله لادليل على عدم جوازه، وكذلك الكلام في غسل كل من الأعضاء في الوضوء والغسل وقصد الوقوف في عرفات والمشعر ونحو ذلك. وإن أراد من النية هي ملاحظة الغاية أيضا من مثل رفع الحدث واستباحة الصلاة وأمثال ذلك، فلاريب أن القصد إلى كل جزء من الأجزاء باعتقاد أن له مدخلية في تلك الغاية أيضا مما لاغائلة فيه. نعم لم يقل أحد بوجوبه. وأما قصد رفع الحدث والاستباحة رأسا لذلك الجزء فهو مما لامسرح له ; لأن الشارع إنما وضع المجموع لرفع مجموع الحدث والاستباحة، ولا يستقل البعض في الجميع ولافي البعض المعين - أعني: الحدث المتعلق بذلك العضو مثلا - فقصد ذلك خلاف موضوع الشارع، فلاوجه للتفريق بهذا المعنى أصلا، ولا تخفى سخافة قول من ذهب إليه، والظاهر أن مراد القائل أيضا هو في الجملة، وهو ما أشرنا إليه. وبالجملة نية العبادة إما تلاحظ بالنسبة إلى أصل العبادة، أو إلى أجزائها من حيث إنها أجزاؤها، ولاريب أن أصل العبادة لابد فيه من النية، وكون الباعث عليها هو القصد إليها مميزا عن غيرها من العبادات والعادات تقربا إلى الله تعالى. فالإشكال إنما هو في أنه هل تجب النية أولا للمجموع ثم يكفي في الأجزاء استمرار النية الحكمية، بمعنى عدم قصد المنافي، أو يجوز أن ينوي في كل واحد واحد ذلك الواحد بالخصوص ثم يكتفي بمجموع النيات عن نية المجموع ؟ وقد عرفت أنه لادليل على تعين الأول. وأما العبادات المتغايرة المتمايزة بهيئاتها وتراكيبها فلاريب في لزوم النية في كل



[ 46 ]

منها، فارتباط الامور التي من قبيل العبادات بعضها ببعض يتصور على وجوه، ويختلف إطلاق الاتحاد والتعدد عليها وحكمهما بحسب اختلاف الموارد. فقد يكون من باب ارتباط الجزء بالكل كالركوع بالنسبة إلى الصلاة، والوقوف بالنسبة، إلى الحج. وقد يكون من باب ارتباط الشرط والمشروط، كالوضوء مع الصلاة، والحج مع العمرة، وصلاة الميت مع غسله. وقد يكون من باب ارتباط جزئيات الماهية بعضها مع بعض، والغالب في ذلك في الأفراد المجتمعة تحت صنف كالصلوات الخمس، وصوم أيام شهر رمضان، ولاحكم لارتباط أجزاء هذا القسم في التصحيح والتركيب. فالقاعدة تقتضي في القسمين الأخيرين استقلال كل منها بالنية. وأما مثل غسل الأموات فيحتمل كون الأغسال الثلاثة فيه من باب أعضاء الغسل، ويحتمل أن يكون من باب الشرط والمشروط، فتأثير كل منها موقوف على وجود الآخر وإن استقل كل برأسه. فحينئذ نقول: صوم أيام رمضان إن كان عند هؤلاء من باب تركب الأجزاء، بأن يقال: وضع الشارع عبادة مركبة، وهو وجوب إمساك الأيام وإفطار الليالي في هذا الشهر بأجمعه، فالمجموع المركب مثل الصلاة، فلاريب أن النية التي جعلوها لكل يوم أفضل وأولى إنما هو مثل نية كل واحد من أجزاء الصلاة، ومثل وقوف عرفات، فينوي أنه يمسك هذا اليوم قربة إلى الله، وهكذا سائر الأيام. ولا دليل على منافاة جواز ذلك للوحدة، وليس هذا معنى تفريق النية التي لا يجوز جزما، وكذلك إن كان من باب الشرط ولم يقل به أحد. وأما الوجه الثالث فلم يقل أحد بأن الاتحاد بهذا المعنى يوجب عدم صحة تفريق النية وتعديدها. نعم لو قيل لا يجوز في كل من الأيام نية صوم جميع رمضان فله وجه، ولكنه



[ 47 ]

خلاف الفرض. وحينئذ فلو فرضنا كون صوم رمضان من باب الصلاة عند هؤلاء فلا مانع من جواز تعديد النية بهذا المعنى بلا إشكال. وأما حديث الأولوية والأفضلية، فأما عند القدماء فيحتمل أن يكون مرادهم أفضلية النية في كل يوم بعد الإتيان بالنية الواحدة للمجموع كما هو ظاهر المقنعة (1)، ولا ينافي قولهم في هذا المقام: يجوز الاكتفاء بنية واحدة، أو تكفي نية واحدة، فإن معناه أنه لا يجب تجديد النية بعده وإن كان أفضل، لاأنه يجوز الاكتفاء ويجوز تركه والاكتفاء بنية كل فرد فرد، والثاني أفضل. ويمكن أن يكون مبنى كلامهم على منع لزوم نية واحدة في الأول للعبادة الواحدة مطلقا، بل يقولون: مقتضى العبادة الواحدة جواز النية الواحدة لها وإمكانها بالإمكان العام المشتمل على الوجوب والإمكان الخاص. ففي مثل الصلاة يجب استقلالها بالنية في أولها بالنسبة إلى مجموع المركب، وفي مثل الحج والغسل والوضوء يجوز الاكتفاء بنية جزء ثم جزء إليأن يتم، فمجموع النيات فيه هي نية المجموع. فيجعلون صوم شهر رمضان من قبيل الحج وأمثاله، فلا مانع من جواز الاكتفاء بنية واحدة في الأول للمجموع، كما أنه يجوز الاكتفاء بنية كل واحد واحد إلى آخر الشهر، فيكون مجموع النيات نية المجموع. ومع هذا فيكون ذلك أفضل من النية الواحدة لدليل آخر، وقد لا تكون هناك أفضلية كالوضوء والغسل. هذا للمستدلين في الاكتفاء بأنها عبادة واحدة، وأما لو بنى الأمر على الإجماع فلا إشكال ; إذ لامانع من ثبوت الإجماع على جواز الكفاية وجواز التجديد مع أفضلية


1. المقنعة: 302.

[ 48 ]

التكرير والتجديد، بل الإجماع عليه كما يظهر من المنتهى، حيث قال بعد الإشكافي المسألة، واختيار أولوية التعدد: إن قلنا بالاكتفاء بالواحدة فإن الأولى تجديدها بلا خلاف فتأمل (1). وأما المتأخرون المستشكلون، سيما الجماعة الذين وقع الخلاف في المسألة قبل زمانهم، فمرادهم أن ذلك أقرب، فيكون من باب * (واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) * كما هو ظاهر اللمعة (2). ويحتمل أن يكونوا متوقفين في المسألة ويرون التخيير، لكن يجعلون التعديد أرجح وأفضل. أو مرادهم أن مقتضى فتوى القدماء جواز الوحدة لا تعينها، ومقتضى قول من خالفهم في وجوب التعدد عدم جواز الاكتفاء، فالأحوط الأخذ بمجمع القولين وبناء العمل عليه وهو التجديد. تنبيهات: الأول: إن قلنا بعدم جواز النية الواحدة، فلو فعل كذلك فيكفي عن اليوم الأول ; لتضمنها ذلك كما صرح به في المسالك (3). الثاني: قال في المنتهى: لو نذر شهرا معينا أو أياما معينة متتابعة لم يكتف فيها بالنية الواحدة، أما عندنا فلعدم النص، وأما عندهم فللفرق بين صوم لا يقع فيه غيره وبين صوم يجوز أن يقع فيه سواه (4). أقول: ولعل مراده من النص الإجماع، ولو كان المعيار في الجواز ثمة كونها عبادة


1. المنتهى 2: 560. 2. اللمعة (الروضة البهية) 2: 107. 3. المسالك 2: 10. 4. المنتهى 2: 560.

[ 49 ]

واحدة لقوي القول بالجواز هنا ; لأن الظاهر هنا أيضا الوحدة، ولو كان المعيار هو الإجماع فلا يتعدى لعدمه، بل الظاهر أن عدمه إجماعي كما يظهر من الدروس (1). الثالث: الأظهر إلحاق مالو فاته بعض الشهر في جواز الاكتفاء بنية واحدة للباقي، بل قيل بأولويته، وقيل بعدم الاكتفاء ; لأن شهر رمضان إما عبادة واحدة أو ثلاثون عبادة، فلا وجه لإخراجه إلى ثالث. ورد: بأن العبادة الواحدة لا تسقط بفوات بعضها لعذر، وهو كذلك. الرابع: لا ينعقد صوم في شهر رمضان غير ما فرض الله فيه، لافرض ولاندب ; لعدم التوظيف، فيكون بدعة، أما في الحضر فواضح. وأما في السفر فلعين ما ذكر أيضا، ومنع انصراف عمومات النافلة إليه، وكذلك مادل على جواز المنذور لو قيد النذر بالسفر والحضر، سيما بعد ملاحظة الأخبار الواردة بوجوب الإفطار في السفر (2) ; وحملها على الإفطار عن الصوم المعهود بعيد، وكذلك الأخبار الكثيرة الدالة على المنع عن الصوم في السفر وخصوصا على القول بعدم جواز النافلة مطلقا في السفر كما هو الأشهر الأظهر، وسيجئ، وسيما بعد ملاحظة مرسلتي إسماعيل بن سهل (3) والحسن بن بسام الجمال (4). وقول الشيخ في المبسوط بجواز النافلة فيه في السفر بناءا على جواز مطلقها في السفر (5) ضعيف، وسيجئ تمام الكلام.


1. الدروس 1: 267. 2. الوسائل 7: 123 أبواب من يصح منه الصوم ب 1. 3. الكافي 4: 130 ح 1، التهذيب 4: 236 ح 692، الاستبصار 2: 102 ح 334، الوسائل 7: 144 أبواب من يصح منه الصوم ب 12 ح 4. قال أبو عبد الله (ع) في صوم السفر: شعبان إلي إن صمت وإن شئت لا، وشهر رمضان عزم من الله على الإفطار. 4. الكافي 4: 131 ح 5، التهذيب 4: 236 ح 693، الاستبصار 2: 103 ح 335، الوسائل 7: 145 أبواب من يصح منه الصوم ب 12 ح 5. كان الصادق (ع) قد صام شعبان في سفره وأفطر حين رأى هلال رمضان، فقال: إن ذاك تطوع ولنا أن نفعل ما شئنا، وهذا فرض فليس لنا أن نفعل إلا ما امرنا. 5. المبسوط 1: 277.

[ 50 ]

وهل يقع عن رمضان مانواه عن غيره في الحضر ؟ الأقرب التفصيل بالعمد وغيره، والبطلان في صورة العمد دون الجهل والنسيان، وفاقا لجماعة من المتأخرين، منهم ابن إدريس (1) والعومة في المختلف (2)، ومقتضى إطلاق كلام الشيخ في المبسوط (3) والسيد (4) وابن زهرة (5) وابن حمزة (6) والمحقق في الشرائع (7) وقوعه عنه، وصرح في المعتبر بوقوعه عنه ولو كان عمدا (8)، وتوقف في المنتهى (9) والقواعد (10) وأطلق نفي الإجزاء في الإرشاد (11)، وحمله الشهيد في الشرح على العمد (12). لنا على البطلان في صورة العمد: أنه لاعمل إلا بنية، وهو لم ينو صوم رمضان ; للمنافاة بين قصده وقصدغيره، ولأن قصد الغير حرام فمفسد. وأما في صورة الجهل والنسيان ; فظاهرهم الاتفاق على وقوعه كما صرح به في المدارك (13)، وقال في المسالك: لا قائل بفساد الصوم مطلقا، فكان التفصيل أوجه (14). ويدل عليه: ما ورد في صوم يوم الشك - وسيجئ الكلام - وظاهرهم عدم الفرق ;


1. السرائر 1: 372. 2. المختلف 3: 376. 3. المبسوط 1: 276. 4. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 53. 5. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 6. الوسيلة: 139. 7. شرائع الإسلام 1: 169. 8. المعتبر 2: 645. 9. المنتهى 2: 558. 10. القواعد 1: 63. 11. إرشاد الأذهان 1: 300. 12. غاية المراد 1: 322. 13. المدارك 6: 31. 14. المسالك 2: 12.

[ 51 ]

مع إشعار بعض الأخبار الواردة فيه بما يفيد الاطراد ويؤيده ما ورد في رفع الخطأ والجهل والنسيان ومعذوريتها. وإنما جعلناه مؤيدا مع أن بعضهم استدل به لأن غايته سقوط الإثم، وهو لا يستلزم الصحة، فالاعتماد على الإجماع وإشارات الأخبار، وإلا فيرد عليه حديث عدم النية الواقعية. وقال المفيد في المقنعة: ثبت عن الصادقين عليهما السلام أنه لو أن رجلا تطوع شهرا وهو لا يعلم أنه شهر رمضان ثم تبين له بعد صيامه أنه كان شهر رمضان، لأجزأه ذلك عن فرض الصيام (1). أقول: وستجئ رواية الزهري أيضا، وفيها إشارة إليه. احتجوا: بأن نية رمضان يكفي فيها قصد الصوم قربة إلى الله كما مر، وهو حاصل فيما نحن فيه، وما زاد لغو. وفيه: أن المقيد لا ينوب عن المطلق، وكفاية المطلق إنما هي لانصرافه إليه والقيد مانع عنه، فما نواه لم يقع، وما وقع لم ينو. ويمكن أن يوجه كلامهم: بأن مرادهم أن العالم العامد مع علمه بأنه لا يقع غيره عنه فقد لغى في القصد إلى التعيين، فكأنه لم ينو غيره ; إذ النية تصديق لفعل المنوي لاتصوره، والمفروض فيما نحن فيه هو تصور الغير ; لعدم إمكان التصديق به. ويدفعه: أن ذلك لا ينفع في تصحيح نية رمضان ; إذ انتفاء الغير لا يوجب حصولها، فيكون خاليا عن نية رمضان، فالمفيد فيها إنما هو قصده بعينه. بل التحقيق أن كفاية الإطلاق إنما هي لأجل عدم اعتبار الإخطار في النية، وإلا فلابد من أن يكون الداعي إليه هو قصد صوم رمضان، وإنما خرجت صورة الجهل والنسيان بالدليل، وإلا لقلنا فيها بالبطلان أيضا ; لعدم النية المعتبرة.


1. المقنعة: 302، الوسائل 7: 15 أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 13.

[ 52 ]

الخامس: يستحب صوم يوم الشك، وهو الثلاثون من شعبان إذا تحدث الناس بالرؤية ولم يشهد بها أحد، أو شهد من لا يثبت بقوله، أو دل عليه اعتبار رصدي مع الصحو والاجتهاد، بل ومطلق الثلاثين على المشهور الأقوى ; للإجماعات المنقولة عن الخلاف والانتصار والناصرية والغنية (1)، وهو ظاهر الروضة (2). وعن المفيد في العزية: يكره صوم يوم الشك إذا لم يكن هناك عارض، وتيقن أول الشهر، وكان الجو سليما عن العوارض، وتفقد الهلال ولم ير مع اجتهادهم في الطلب، ولايكون هناك شك ; يكره صومه حينئذ، إلا لمن كان صائما قبله شعبان أو أياما تقدمته من شعبان، بذلك جاءت الآثار عن آل محمد صلوات الله عليهم (3). وقال ابن الجنيد: لاأستحب الابتداء بصيام يوم الشك إلا إذا كان في السماء علة تمنع من الرؤية استظهارا (4). ولهما شواهد من الأخبار (5). ولكن الأقوى المشهور ; للأخبار المستفيضة (6) المعتبرة المعتضدة بالعمل والإجماعا ت. وكيف كان ; فإذا نوى يوم الشك ندبا أجزأ عن رمضان إذا انكشف أنه منه بإجماعنا، بل إجماع المسلمين كما يظهر من الفاضلين (7)، والأخبار المعتبرة به مستفيضة لا حاجة إلى ذكرها، وسيجئ بعضها. وألحق جماعة بذلك كل واجب معين فعل بنية الندب مع عدم العلم، مثل مالو نذر


1. الخلاف 3: 171، الانتصار: 62، المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 206 مسألة 128، الغنية (الجوامع الفقهية): 570. 2. الروضة البهية 2: 139. 3. نقله في المعتبر 2: 650، والمختلف 3: 503. 4. نقله عنه في المختلف 3: 503. 5 و 6. الوسائل 7: 12 أبواب وجوب الصوم ب 5. 7. المعتبر 2: 651، المنتهى 2: 593.

[ 53 ]

صوم أول يوم من رجب واشتبه عليه، أو نسي ونواه ندبا، ولا يخلو من إشكال ; لعدم الاكتفاء بنية القربة مطلقا كما مر، ولعدم ثبوت الأولوية. نعم يمكن أن يقال: إن القضاء إنما هو بفرض جديد، ولم يثبت، فيسقط التكليف بذلك. وهل يتأدى رمضان بواجب آخر حينئذ أم لا ؟ الأظهر نعم، بل يظهر من الشهيد في الدروس الأولوية وطرد الحكم في كل معين، قال في الدروس: ويتأدي رمضان وكل معين بنية فرض غيره بطريق الأولى (1). والاعتماد على الأولوية مشكل، ولكنه مقتضى إطلاقات الأخبار الواردة في إجزاء صوم يوم الشك عن رمضان. ولامانع من صومه بنية الوجوب. وما ورد من الأخبار الدالة على أنا مأمورون بصومه عن شعبان ومنهيون عن صومه عن رمضان فلا ينافي ذلك ; إذ المراد من صومه عن شعبان أن لانصومه عن رمضان، لا وجوب صومه بنية الندب إن صمناه ; إذ صوم شعبان يشمل صومه وجوبا وندبا وقضاءا وأداءا. وهل يجزئ ذلك عن الواجب أيضا لو انكشف كونه عن رمضان ؟ الأظهر لا ; لأصالة عدم التداخل إلا ما ثبت بالدليل. واحتمل في المدارك إجزاءه عما نواه ; لأن الأمر يقتضي الإجزاء (2). وهو مشكل ; لما ذكرنا، ولدلالة الأخبار على ذلك ظاهرا، مثل ما رواه الكليني، عن الزهري، عن علي بن الحسين عليه السلام، في حديث طويل، قال: " وصوم يوم الشك امرنا به ونهينا عنه، امرنا أن نصومه مع صيام شعبان، ونهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس ".


1. الدروس 1: 268. 2. المدارك 6: 36.

[ 54 ]

فقلت له: جعلت فداك فإن لم يكن صام من شعبان شيئا، كيف يصنع ؟ قال: " ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه، وإن كان من شعبان لم يضره ". فقلت: وكيف يجزئ صوم تطوع عن فريضة ؟ ! فقال: " لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا وهو لا يعلم أنه من شهر رمضان ثم علم بذلك لأجزأ عنه ; لأن الفرض إنما وقع على اليوم بعينه " (1) الحديث. ورواه الشيخ أيضا والصدوق أيضا عنه (2). وروى أيضا عن محمد بن حكيم، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن اليوم الذي يشك فيه، فإن الناس يزعمون أن من صامه بمنزلة من أفطر في شهر رمضان، فقال: " كذبوا، إن كان من شهر رمضان فهو يوم وفق له، وإن كان من غيره فهو بمنزلة ما مضى من الأيام " (3). وعن بشير النبال، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن صوم يوم الشك، فقال: " صمه، فإن يك من شعبان كان تطوعا، وإن يك من شهر رمضان فيوم وفقت له " (4) فإنها تدل على أنه لا يحسب عن غير رمضان إذا انكشف كونه منه. وأما لو نواه عن رمضان فالمشهور أنه لا يجزي (5)، وعن الشيخ في الخلاف (6)


1. الكافي 4: 85 ح 1، الوسائل 7: 14 أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 8. 2. التهذيب 4: 296 ح 895، الفقيه 2: 79 ح 348. 3. الكافي 4: 83 ح 8، التهذيب 4: 181 ح 502، الاستبصار 2: 77 ح 234، الوسائل 7: 13 أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 7. 4. الكافي 4: 82 ح 5، الفقيه 2: 79 ح 350، التهذيب 4: 181 ح 504، الاستبصار 2: 78 ح 236، الوسائل 7: 12 أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 3. 5. الفقيه 2: 79، الانتصار: 62، جوابات المسائل الرسية الاولى (رسائل الشريف المرتضى) 2: 354، الجمل والعقود: 120، النهاية: 151، التهذيب 4: 182، الاستبصار 2: 79، المهذب 1: 189، المراسم: 96، السرائر 1: 384، الوسيلة: 148. 6. الخلاف 2: 180 مسألة 23.

[ 55 ]

وابن الجنيد (1) وابن أبي عقيل الإجزاء (2). لنا: أنه تشريع، فيكون باطلا، والأخبار المستفيضة، منها رواية الزهري المتقدمة. وصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام: في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان، فقال عليه السلام: " عليه قضاؤه وإن كان كذلك " (3). وعن قتيبة الأعشى قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن صوم ستة أيام: العيدين، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان " (4). ومنها قوية سماعة الآتية، ومنها غير ذلك (5). واحتج الشيخ بإجماع الفرقة وأخبارهم على أن من صام يوم الشك أجزأه عن رمضان ولم يفرقوا (6). واجيب بالمنع عن عدم الفرق ; لوجوده في كلام الأصحاب، وأخبارهم. وقد يستدل له بموثقة سماعة، قال: سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان لا يدري أهو من شعبان أو من رمضان، فصامه من شهر رمضان، قال: " هو يوم وفق له، ولاقضاء عليه " (7). وفيه: أنه معارض بروايته الآتية المعتضدة بالأخبار الكثيرة المعتبرة، منها ما تقدم. مع أنه في الكافي " فصامه فكان من شهر رمضان ". والظاهر أن السقط وقع من قلم الشيخ، مع أنه يحتمل أن يكون الظرف حالا من الضمير المنصوب كما احتمله


1 و 2. المختلف 3: 380. 3. التهذيب 4: 182 ح 507، الوسائل 7: 15 أبواب وجوب الصوم ب 6 ح 1. 4. التهذيب 4: 183 ح 509، الوسائل 7: 16 أبواب وجوب الصوم ب 6 ح 2. 5. الوسائل 7: 15 أبواب وجوب الصوم ب 6. 6. الخلاف 2: 180 مسألة 23. 7. الكافي 4: 81 ح 2، التهذيب 4: 181 ح 503، الاستبصار 2: 78 ح 235، الوسائل 7: 13 أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 6.

[ 56 ]

في المختلف (1). وكيف كان ; فالمذهب هو المشهور. ثم إن هذه المسألة في الجاهل بالحكم الغافل الذي يحسب وجوبه عليه لشبهة مبتنية على كون المنع من باب التنبيه وتعليم الجاهل وتنبيه الغافل، فلزوم القضاء إنما هو بفرض جديد دلت عليه الروايات، مثل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة. وأما العالم بالمسألة الذي يعلم بالانتفاء شرعا، فقال في المدارك: ولا يخفى أن نية الوجوب مع الشك إنما تتصور من الجاهل الذي يعتقد الوجوب لشبهة، أما العالم بانتفائه شرعا فلا يتصور منه ملاحظة الوجوب إلا على سبيل التصور، وهو غير النية، فإنها إنما تتحقق مع الاعتقاد (2). فإن أراد أنه لا يضر ذلك لأنه لا ينفك حينئذ عن نية الندب أو الصوم المطلق فيكون صحيحا فهو ممنوع، فإن غاية ذلك عدم نية الوجوب، وهو لا يستلزم نية الندب أو المطلق بدون القيد. وإن أراد بيان نفس الأمر في نية الوجوب فهو كما ذكره. ويرد عليه أيضا: أنه استدل أولا على البطلان بأنه تشريع فيكون حراما، وذلك لا يجامع انحصار النية في الجاهل، فإن التحريم لا يتعلق بالجاهل، ويمكن أن يكون مراده الجاهل بالتفصيل وإن كان عالما بوجوب تحصيل المسائل إجمالا وكان مقصرا في التحصيل. فحاصل الكلام في البطلان يؤول إما إلى عدم الإتيان بالمأمور به وثبوت القضاء بالفرض الجديد فقط، أو إلى كون تلك العبادة حراما منهيا عنها أيضا، فتكون باطلة ; لدلالة النهي على الفساد. وأما لو ردد نيته بأن ينوي " أنه إن كان من شهر رمضان كان واجبا، وإلا كان ندبا "


1. المختلف 3: 383. 2. المدارك 6: 34.

[ 57 ]

أو (1) ينوي " أني أصوم غدا لوجوبه أو لندبه، أو أصوم إما واجبا وإماندبا "، فعن الشيخ في الخلاف والمبسوط (2) وابن حمزة (3) والعومة في المختلف (4) وابن أبي عقيل الإجزاء (5). وعن الشيخ في سائر كتبه (6) وابن إدريس (7) والمحقق (8) والعومة في سائر كتبه (9) وأكثر المتأخرين (10) العدم. وهو أقرب ; لأنه عبادة، ولم يوظف كذلك، فيكون تشريعا ; لأن العبادة إما واجبة، وإما مندوبة، ولا ثالث لهما، وقد أثبتنا استحبابه بالإجماعات والأخبار الكثيرة (سيما المفصلة) (11) بأنا امرنا أن نصومه من شعبان، ونهينا أن نصومه من رمضان، منها ما مر. ومنها: موثقة سماعة، عن الصادق عليه السلام، قال: " إنما يصام يوم الشك من شعبان، ولانصومه من شهر رمضان ; لأنه قد نهي أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك، وإنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل الله سبحانه " (12). ومنها: الأخبار الناهية عن صوم يوم الشك على الإطلاق (13)، خرج صومه بنية


1. في " ح ": أي. 2. الخلاف 2: 179 مسألة 21، المبسوط 1: 277. 3. الوسيلة: 140. 4. المختلف 3: 383. 5. نقله عنه في المختلف 3: 383. 6. النهاية: 151، التهذيب 4: 184، الاستبصار 2: 80. 7. السرائر 1: 384. 8. المعتبر 2: 651، الشرائع 1: 187، النافع 1: 65، النهاية ونكتها 1: 391. 9. القواعد 1: 63، الإرشاد 1: 300. 10. المسالك 2: 13، المدارك 6: 37، الرياض 5: 307. 11. مابين القوسين ليس في " م ". 12. الكافي 4: 82 ح 6، التهذيب 4: 182 ح 508، الاستبصار 2: 79 ح 240، الوسائل 7: 13 أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 4. 13. الوسائل 7: 16 أبواب وجوب الصوم ب 6.

[ 58 ]

الندب بالدليل، وبقي الباقي. ومنها: صحيحة هشام بن سالم، وفي آخرها: " إن السنة جاءت في صيامه على أنه من شعبان، ومن خالفها كان عليه القضاء " (1). ومنها: مادل على حرمة الانفراد بصيام يوم الشك، مثل رواية الزهري المتقدمة وغيرها (2)، فإن الظاهر من الانفراد إخراجه عن صوم شعبان، وهذا كذلك. احتجوا بوجوه ضعيفة، أقواها أمران: الأول: كفاية نية القربة وقد حصلت، والتردد إنما هو في أمر خارج فيكون لغوا. والثاني: أنه نوى الواقع، ونوى العبادة على وجهها ; لأنه إن كان من شهر رمضان كان واجبا، وإن كان من شعبان كان نفلا ; فيجزئ. ويرد على الأول: أن المسلم في كفاية قصد القربة وعدم اشتراط التعيين في شهر رمضان هو إذا تفطن له وعلم بأنه شهر رمضان كما مر، وأنه يكفي قصد مطلق الصوم حينئذ ; لانصرافه إليه، والمفروض عدم العلم، وعدم قصد المطلق، بل هو مقيد بهذا الترديد، والحصة الموجودة بشرط فرد ليست نفس الماهية المطلقة، سيما إذا كانت منهيا عنها. وعلى الثاني: أن الوجو ب في نفس الأمر لا معنى له، والمفروض أن تعلقه بالمكلف إنما هو إذا علم دخول الشهر، ومع عدم العلم فليس إلا مندوبا، فالمطابق للواقع إنما هو قصد الندب، هذا. ولاتنافي ما اخترناه نية الاحتياط لرمضان، بمعنى أن يقصد في الإتيان بذلك المستحب عدم الإفطار في شهر رمضان في الواقع أيضا كما صرح به في المعتبر (3).


1. التهذيب 4: 162 ح 457، الوسائل 7: 16 أبواب وجوب الصوم ب 6 ح 5. 2. الوسائل 7: 16 أبواب وجوب الصوم ب 6. 3. المعتبر 2: 650.

[ 59 ]

وهو المستفاد من الأخبار الكثيرة (1)، مثل رواية بشير النبا المتقدمة (2) وما في معناها، فيصح أن ينوي: " أني أصوم غدا ندبا، فإن كان من رمضان مجزيا عني ومسقطا عنه، وكنت غير مفطر له في نفس الأمر، وإلا فكان لي أجر المندوب ". ومن هذا القبيل مالو احتمل زكاة كانت واجبة عليه في ذمته فيتصدق بشئ، وينوي أنه إن كانت زكاة في ذمته فكان مسقطا عنها، وإلا كانت مستحبة، هذا فيما يمكن أن يكون من هذا القبيل. وأما فيما لا يمكن مثل المردد بين الزكاة والخمس في غير الصورة التي كان الآخذ والمعطي كلاهما هاشميين، فالحكم فيه مشكل. ويحتمل التخيير والقرعة وكونه من باب المجهول المالك، ويحتمل التنصيف ; لعدم المرجح. ثم إن ما ذكر في يوم الشك يجري في سائر أيام الشهر، بل وفي غير شهر رمضان أيضا. والأظهر في الكل عدم جواز الترديد، بل يراعى في الكل استصحاب الحال السابق، سواء كان واجبا معينا عليه أو ندبا، كما لو كان نذر صوم آخر يوم من شعبان، ففي النذر المعين يجب قصده ويجزي عن رمضان لو انكشف كونه منه. واعلم أن الكلام السابق في حكم الجاهل والعالم يجري هنا أيضا. تنبيه: لو أصبح يوم الشك بنية الإفطار، وظهر كونه من الشهر قبل الزوال ولما يأت بمايفسد الصوم ; جدد النية، وأجزأه. والظاهر عدم الخلاف فيه، وتظهر دعوى


1. الوسائل 7: 12 أبواب وجوب الصوم ب 5. 2. الكافي 4: 82 ح 5، الفقيه 2: 79 ح 350، التهذيب 4: 181 ح 504، الاستبصار 2: 78 ح 236، الوسائل 7: 12 أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 3.

[ 60 ]

الإجماع من الفاضلين (1)، وتدل عليه رواية الأعرابي المتقدمة (2). وأما لو ظهر بعد الزوال فيجب عليه الإمساك والقضاء، ولا يجزي تجديد الن حينئذ على الأشهر الأظهر، وقد عرفت قول ابن الجنيد وضعفه (3). قال في المسالك: ولو أفطره وجبت عليه الكفارة ; إذ لا منافاة بين وجوبها وعدم صحة الصوم بمعنى إسقاط القضاء (4). أقول: سيظهر الكلام فيه فيما بعد. وأما لو نوى ندبا وظهر كونه من الشهر فيجدد النية ويجزيه مطلقا. السادس: لو عقد نية الصوم وغفل عنه في النهار أو نام أو نسي فلا شئ عليه بلا خلاف. وأما لو نوى فعل المفطر في أثناء النهار ولم يفطر ففيه خلاف، المشهور أنه أيضا كذلك. وقيده المحقق بما إذا جدد نية الصوم بعد ذلك (5)، وكذلك العومة في بعض كتبه (6). وعن أبي الصلاح (7) وفخر المحققين في شرح الإرشاد (8): أنه يفسد ويجب عليه القضاء والكفارة. وقال في المختلف بالفساد دون الكفارة (9).


1. المعتبر 2: 652، المنتهى 2: 561. 2. في ص 37. 3. نقل عنه في المختلف 3: 368 القول بجواز تجديد النية بعد الزوال، وقد تقدم في ص 41. 4. المسالك 2: 14. 5. الشرائع 1: 169. 6. المنتهى 2: 569. 7. الكافي في الفقه: 182. 8. الكتاب مخطوط. 9. المختلف 3: 385.

[ 61 ]

وفي الدروس والبيان والإرشاد والإيضاح والمسالك حكموا بالإفساد ساكتين عن الكفارة (1)، والأقرب الأول. والمسألة من مشكلات الفن، وقد أطال الكلام في المقال السيد في بعض مسائله (2)، والعومة في المختلف (3)، والشهيد في غاية المراد (4)، وذكروا أدلة من الطرفين لا يخلو شئ منها من شئ. لنا: أنه يصدق عليه أنه صائم شرعا صوما صحيحا قبل تلك النية، فيحتاج رفعه إلى دليل، والاستصحاب حجة شرعية، وذلك نظير قولهم عليهم السلام: " الصلاة على ما افتتحت عليه " (5). والأخبار الكثيرة الحاصرة للمفطرات، وليس فيها ذكر هذه، مثل صحيحة محمد ابن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام: يقول: " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء " (6). ومثل ما رواه في الخصال عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " خمسة أشياء تفطر الصائم: الأكل، والشرب، والجماع، والارتماس في الماء، والكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة " (7). والاستدلال بها من وجهين، الأول: أنها تفيد الحصر، فينتفي كون غير المذكورات مفطرا. والثاني: أن قصد الإفطار لو كان مفطرا لما كان نفس تلك الأشياء مفطرة ; لمسبوقية


1. الدروس 1: 267، البيان: 359، الإرشاد 1: 300، الإيضاح 1: 223، المسالك 2: 15. 2. جوابات المسائل الرسية الاولى (رسائل الشريف المرتضى) 2: 356. 3. المختلف 3: 385. 4. غاية المراد 1: 324. 5. عوالي اللآلي 1: 205 ح 34. 6. الفقيه 2: 67 ح 276، التهذيب 4: 189 ح 535، وص 202 ح 584، وص 318 ح 971، الاستبصار 2: 80 ح 244، الوسائل 7: 19 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1. 7. الخصال: 286 ح 39، الوسائل 7: 21 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 6.

[ 62 ]

الفعل الاختياري بالقصد، فلا يبقى بعد القصد صوم حتى تكون هذه الأشياء مفطرة. ويؤيده امور: منها: أن هذا مما تعم به البلوى، وعدم التعرض له في الأخبار وكلام جمهور الأصحاب مع اهتمامهم بذكر المنافيات والمكروهات والمندوبات أعظم شاهد على أنه لاأصل له. ومنها: أنه لو ارتد بعدعقد الصوم ثم عاد لم يفسد صومه كما ذكره (1)، ويظهر من المنتهى أنه لا خلاف فيه (2). ومنها: أن قصد الإفطار قبل النية لا يضر كما في يوم الشك وقضاء رمضان وغيره، فكذلك فيما بعدها. ومنها: أنه لا يبطل الإحرام بقصد فعل المنافي جزما، بل بفعله أيضا. ومنها: أن الامتثال في التروك يحصل بدون النية، كترك الزنا وشرب الخمر وغيرهما، فكذلك الصوم، غاية الأمر ثبوت الإجماع على الاحتياج إليها في الصوم، وهو إنما ثبت في الجملة، وهو في الأول. احتج القائل بالفساد ونفي الكفارة: أما في الثاني فبالأصل، وأما في الأول فبأنه عبادة مشروطة بالنية ; لأنه لاعمل إلا بنية، وقد فات شرطها فتبطل، واعتبار الاستدامة الحكمية ; لعدم إمكان اعتبار النية في جميع الأجزاء أو تعسرها إنما يتم إذا لم ينو ما يخالفها، فإذا نوى القطع أو فعل المنافي فلا تبقى نية ولاحكمها. وفيه: أنا نمنع وجوب النية إلا في الجملة، وهو يتحقق (3) بدخوله معها فيه إذا كان المجموع عبادة واحدة، سيما مع تعسر استحضارها إلى الآخر، أو تعذره ; لعدم دليل على استحالة التكليف بمثله عقلا ونقلا، والأصل عدم زيادة التكليف.


1. كذا. 2. المنتهى 2: 602. 3. في " ح ": وهو لا يتحقق، وفي نسخة في " ح ": ويتعلق.

[ 63 ]

وتوهم عدم جريان الأصل في العبادات ضعيف كما حققناه في الاصول، سيما على القول بأنها أسام للأعم كما هو المختار (1). وأما استمرارها حكما بمعنى عدم قصد ما ينافيها فهو وإن كان واجبا كما في أصل الإيمان، فإن العقد الخاص بالقلب لا يجب استحضاره دائما، بل يكفي فيه عدم العقد على خلافه والتردد، لكنا نمنع شرطيتها كما في المعتبر (2). سلمنا شرطيتها، لكنا نمنع منافاتها لقصد الإفطار. والظاهر أن القصد إلى فعل المنافي لا يبطل الصلاة أيضا، بل الظاهر أنها لا تبطل بقصد الخروج وإخراج نفسه من الصلاة أيضا إذا عاد إليها قبل تحقق ما يبطل الصلاة من المنافيات كما عليه الأكثر، وكما أفتى الأصحاب بعدم بطلان الوضوء بقصد الخروج في الأثناء. نعم هناك دقيقة تظهر من كلام المحقق الأردبيلي - رحمه الله - وهي الفرق مابين قصد المفطر وبين قصد الرياء بجزء من الصوم، بل وقصد عدم الإمساك، أو قصد غير الصوم المنوي (3)، بمعنى إنشاء الرياء في جزء منه، أو جعل ذلك الجزء غير ممسك فيه أو غير المنوي، فإن ذلك بمنزلة نفس الإفطار لاقصده، فيفوت بعض اليوم، والصوم لا يتبعض، ولذلك جعلوا موضوع المسألة قصد المفطر لاالرياء ونظراءه. أقول: والفرق حينئذ بين الصو والصلاة منع كون أكوان المصلي في حال الصلاة من أجزاء الصلاة، بل الصلاة إنما هي الأفعال المعهودة، فإذا جعل نفسه في الصلاة خارجا عنها وعاد إليها قبل فعل المنافي لا يلزم تفويت شئ منها إذا لم يحصل الإخلال بشئ من أفعالها الواجبة، بخلاف الصوم، فإن جميع الآنات من اليوم جزء منه، وبتفويت بعضها يتبعض الصوم.


1. القوانين: 44. 2. المعتبر 2: 652. 3. مجمع الفائدة والبرهان 5: 173.

[ 64 ]

والحاصل: أن القصد إلى فعل المفطر ليس نفس تبعيض الصوم، إلا أن ينوي " أني الآن أخرجت نفسي عن الصوم، وأنشأت إخراج نفسي عن الطاعة " وأكل الطعام في ثاني الحال بالنسبة إلى هذا القصد، فحينئذ يكون باطلا. وذلك لأن الكف عن المفطرات وتأديب النفس بهذا العمل مكلف به، إما بإيجاد فعل وجودي من توطين النفس وإكراهها، أو باستمرار العدم الأزلي وإبقائه على حاله باختياره في غير حال الغفلة والنوم، ولم يتحقق منه شئ من ذلك فيما نحن فيه، فالقصد إلى عدم الإمساك أو إيجاد الرياء ونظرائه مفوت لهذا المعنى فيبطل. فإن قلت: مع القصد إلى الإفطار في ثاني الحال لا يبقى شئ من الامور الوجودية، التي ذكرتها أيضا. قلت: نعم، ولكن لم يحصل ما يرفع حكم النية السابقة، المجعولة بجعل الشارع، المؤثرة في الصحة حال الغفلة والنوم والإغماء أيضا، الثابتة قسرا من قبل الشارع، المانعة عن ارتفاعها إلا بجعل من الشارع. ولكن يمكن (1) إجراء هذا الإشكال في الصورة التي أشار إليها المحقق الأردبيلي - رحمه الله - أيضا (2)، فإن انتفاء هذا الحكم القسري في أمثال ذلك أيضا غير معلوم ; إذ لامانع من حكم الشارع بصحة عمل شرع فيه بنية صحيحة وإن طرأ في بعض أجزائه الفعل المنهي عنه كالرياء ونحوه، سيما إذا كان من قبيل التروك. ولكن الظاهر أن ضرر قصد الخلاف بنفس الفعل إجماعي كما ادعاه غير واحد منهم في الصلاة، بل وفي الصوم أيضا كما يظهر من غاية المراد (3). واعلم أنهم جعلوا الخلاف في هذه المسألة متفرع على مسألتين: إحداهما: شرطية استمرار النية الحكمية وعدمها، بعد الاعتراف بكون وجوبه


1. في " م ": ولا يمكن. 2. مجمع الفائدة والبرهان 5: 173. 3. غاية المراد 1: 324.

[ 65 ]

مما لا نزاع فيه. فوجه الشرطية: أنه بدل عن النية ; لتعسر استحضارها في الجميع أو تعذره، فكما أن النية في الابتداء شرط، فكذلك بدلها. ووجه العدم: تحقق العبادة وانعقادها بالنية ابتداءا، والأصل عدم شرطية استمرار الحكم، وإن كان وجوب العزم على البقاء مستفادا من أحكام الإيمان. وثانيتهما: أن إرادتي الضدين متضادتان بالذات أو بالعرض أو لا، فيبطل على الأول دون الثاني. فقيل بالأول ; لأن إرادة أحدهما مستلزمة لكراهة الآخر أو نفسها، ولا تجامع كراهة الشئ مع إرادته، فتتنافى الإرادتان. وقيل بمنع ذلك ; ولو سلم فهو الضد العقلي دون الشرعي. أقول: أما المسألة الاولى: فقد عرفت أن التحقيق عدم ثبوت الشرطية ; لمنع البدلية أولا، بل هو واجب على حدة، ومنع لزوم مساواة البدل للمبدل في جميع الأحكام، ومنع منافاة قصد الإفطار للاستمرار، إنما المنافي هو جعل نفسه خارجا عن العبادات، وإيجاد جزء منها بقصد الغير، هذا كله مع المعارضة بالاستصحاب والأخبار المتقدمة. وقد أورد في المختلف: بأنه لو لم تكن المنافاة ثابتة، يلزم أن يكون من أصبح في اليوم الثاني بنية الإفطار ورفض الصوم صومه صحيحا من أجل نية أول الليلة من الشهر على القول بإجزائه (1). ورده الشهيد - رحمه الله - بأن الخصم يلتزمه ; إذ لا يجب عنده تجديد النية لكل يوم ; لأن النية السابقة للصوم بأجمعه (2). أقول: وهو حسن إن لم يجعل نفسه في الصبح غير صائم، أو أمسك مرائيا كما تقدم ذكره.


1. المختلف 3: 395. 2. غاية المراد 1: 326.

[ 66 ]

والحاصل: أنه كما أن التشكيك في تحقق الاستدامة الحكمية يوجب الشك في تحقق مجموع الصوم، فالتشكيك في زوال حكم القطعة الصحيحة من الصوم يقينا يوجب الحكم ببقاء حكمه. فتأمل في ذلك حتى تعرف أن مراد بعضهم حيث حكم بأن قصد الإفطار وإن نافى النية لكن لا ينافي حكمها، لعله كان ذلك يعني العمل على حكم اليقين كما يستفاد من الأخبار الدالة على عدم جواز نقض اليقين بالشك، فإن المراد فيها حكم اليقين ; لبداهة استحالة اجتماع نفس اليقين والشك، وليس مراده الاستدامة الحكمية حتى يصير موردا للاعتراض بثبوت التنافي، مع أنك قد عرفت إمكان الدفع على ذلك أيضا. وأما المسألة الثانية: فالظاهر أنه لا يمكن القول بجواز اجتماع إرادة الضدين للعاقل العارف المتفطن لكونهما ضدين، عقليين كانا أو شرعيين، بل إنما يمكن مع الجهل والغفلة، أو بأن يراد من إرادة أحدهما الشهوة (1)، ومن الاخرى الإرادة الحقيقية، وكلاهما خارجان عن موضوع المسألة، فإن الكلام فيمن يعلم أنه صائم وينوي الإفطار، ويعلم تضاد الإفطار وعدم الصوم معه. فالمراد أنه إذا ارتفع الجزم السابق الذي تحقق بالنية بسبب العزم على الإفطار فهل يبطل أم لا ؟ وهذا ليس من الاجتماع في شئ حتى يتفرع على جواز اجتماع الإرادتين. وأما صدور الإرادتين منه في الوقتين فحصوله بديهي، فلا معنى للخلاف فيه، إنما الكلام في أن أثر الإرادة الأولى (2) وحكمها هل يرتفع بالثانية أم لا، وهذا لادخل له في اجتماع الإرادتين وعدمه، وقد عرفت التفصيل. إذا عرفت هذا ظهر لك الفرق بين العبادات في نية الخروج وقصد المبطل، ففي شئ منها لا يضر قصد الخروج والمبطل في ثاني الحال.


1. في " م ": الشهرة. 2. في " م ": الأول.

[ 67 ]

وأما الخروج بالفعل أو فعل بعض الأجزاء بقصد الرياءأو غير المنوي، ففي مثل الصوم يكون مبطلا ; لتفويته جزءا منه مع عدم إمكان التدارك. وفي الوضوء والغسل مثلا يمكن العود بالنية، ويمكن التدارك لما فعل بقصد الغير بإعادة ذلك الجزء بعينه. وفي الصلاة يمكن العود إلى النية في الخروج المحض، وبالتدارك لماغير نيته فيه إذا لم يتحقق به مبطل كزيادة الركن، أو الفعل الكثير ; مع احتمال البطلان بمطلق الزيادة إذا كان من الواجبات، سيما إذا كانت ركنا، والتفصيل في المندوب بالكثرة وعدمها. ثم إن ما ذكره الفاضلان من التقييد بتجديد النية بعد قصد الإفطار (1) لم أتحقق وجهه، فإن قصد الإفطار والخروج إن لم يكن مضرا بالاستمرار فلافرق، وكذا لو كان مضرا. تنبيه: قد بينا سابقا أن المتعمد في ترك النية من الليل حتى أصبح يبطل صومه، وأولى به الناوي للإفطار، وهو المعروف من مذهب الأصحاب، إلا أن المحقق مال إلى انعقاد الصوم لو جدد النية قبل الزوال (2)، وهو مقتضى إطلاق كلام السيد كما نقلنا عنه سابقا (3). ومقتضى القول بكفاية النية الواحدة لتمام الشهر أيضا صحة ذلك إذا كان في غير اليوم الأول ; لتقدم النية وعدم إبطال قصد الإفطار كما بينا، فلابد أن تقيد فتوى القائلين بالكفاية هنا بما لو لم تسبق النية أول الشهر. وقد أشرنا آنفا أيضا إلى أن ذلك إنما يتم إذا لم يصبح خارجا عن الإمساك،


1. المعتبر 2: 652، المنتهى 2: 562. 2. المعتبر 2: 652. 3. جوابات المسائل الرسية الاولى (رسائل الشريف المرتضى) 2: 356.

[ 68 ]

موجدا (1) لاعتقاد عدم الصوم أو الرياء، وإلا فلا وجه للصحة، كما ذكرنا ذلك في إيجاد هذا المعنى في أثناء النهار مع سبق النية في الليل. السابع: نية الصبي المميز صحيحة وصومه شرعي. ولو كان صائما وبلغ قبل الزوال فيجدد النية فيجزئه عن رمضان، بخلاف ما بعد الزوال. واعلم أن الكلام في هذه المسألة في مقامين: أحدهما: كون عباداته شرعية أم لا، بل تكون تمرينية، والثاني: أنه على تقدير كونها تمرينية هل تتصف بالصحة أم لا، بعد اتفاقهم على الاتصاف بها على تقدير كونها شرعية. أما المقام الأول: فالأقوى عندي كونها شرعية، وفاقا للشيخ (2) وجماعة، منهم المحقق في صريح كتاب الصوم من الشرائع، في غير موضع، ومن النافع (3)، والعومة في المنتهى والتذكرة والإرشاد في كتاب الصوم (4)، والشهيد في الدروس واللمعة (5)، والمحقق الأردبيلي رحمه الله (6)، وصاحب المدارك (7). وذهب جماعة منهم العلامة في المختلف (8 والمحقق الثاني في حاشية الإرشاد والشهيد الثاني (9) إليأنها ليست بشرعية.


1. في " م ": موجبا. 2. المبسوط 1: 278. 3. الشرائع 1: 269، المختصر النافع 1: 67. 4. المنتهى 2: 584، التذكرة 6: 20، الإرشاد 1: 303. 5. الدروس 1: 268، اللمعة (الروضة البهية) 2: 101. 6. مجمع الفائدة والبرهان 5: 282. 7. المدارك 6: 42. 8. المختلف 3: 386. 9. المسالك 2: 49.

[ 69 ]

ومرادهم بالشرعية: أنها مستندة إلى أمر الشارع ومطلوبة له، فتكون مندوبة، وبالتمرين: حمل الولي للصبي على العبادة ليعتادها لئلا يجد بها مشقة بعد البلوغ. وتظهر ثمرة النزاع في ترتب الثواب، وفي مثل ما تقدم في الصوم. وفي ظهور علامة البلوغ الغير المبطلة في أثناء الصلاة إذا جوزنا العدول بالنية. ومثل جواز الصلاة بعد البلوغ بالطهارة الحاصلة قبله. وفي النذور والأوقات وأمثالها إذا تعلق بمن فعل عبادة شرعية أو مندوبة. وربما يذكر في الثمرات: أن الصلاة التمرينية مثلا ليست بصلاة حقيقة، فيحتاج إلزام الصبي بإتيان الشروط وترك المنافيات إلى دليل آخر، بخلاف مالو كانت شرعية، فإن ثبوتها كاف في إثبات شرائطها وترك موانعها. وفيه: أن الأمر التمريني إنما هو بالعبادة الجامعة للشرائط أيضا فلا ثمرة. لنا: عموم الأوامر، مثل الأخبار الكثيرة الدالة على وجوب الصوم على الصبي إذا أطاق الصوم، أو إذا راهق الحلم، أو إذا أطاق ثلاثة أيام متتابعة، فإن أقرب مجازاتها الاستحباب. والأخبار الدالة على أمرهم بالعبادات في الصوم والصلاة، مثل قوله عليه السلام: " مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع " (1) فإن الأمر بالأمر أمر كما حققناه في الاصول (2)، والوجوب منفي بالإجماع، فيبقى الرجحان. والقول " بأن الحكم هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، والصبي ليس بمكلف فلاحكم بالنسبة إليه، فلاخطاب، فلا امتثال، فلم تثبت الشرعية " مدفوع بأن نظرهم في الحد إلى الغالب، ولذلك بدله بعضهم بالعباد. مع أن التعريف منقوض بالأحكام الوضعية التي لا تختص بأفعال المكلفين، كضمان الصبي في ماله، وتأثير الحدث الحاصل قبل البلوغ في وجوب الوضوء بعده،


1. الوسائل 3: 11 أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 3. 2. القوانين: 135.

[ 70 ]

وغير ذلك. والاعتذار " بأن التكليف في الأول بالولي، فلم يتعلق بالصبي، وفي الثاني بأنه مأمور بالوضوء ; لأنه فاقد للطهور، لالأنه محد ث " تكلف، والمندوب ليس بتكليف حتى لا يمكن تعلقه بغير المكلف. ولنا أيضا لزوم الظلم عليه تعالى لو خلا عمله عن الثواب. وبيانه: أنا قد حققنا في الاصول أن المكلف تابع لمايؤديه إليه عقله وفطنته (1)، فإذا كان غافلا أو جاهلارأسا، ولم يتفطن لأنه يجب عليه التفحص عن المجتهد وتقليده، واعتقد أن الدين والمذهب هو ما علمه أبواه أو معلمه، فلا يؤاخذ على فعله ; لأنه منتهى طاقته * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * فيجب عليه أن يعطيه الأجر على ما فعله ; إذ هو طاعته على مقتضى طاقته. فالطفل أيضا إذا فهم أن الله تعالى يطلب منه هذا الفعل الذي مرنه عليه أبواه وعلماه النية فيه، وذكرا له أن ذلك طاعة الله وعبادته، فيفهم من ذلك أن الله يريد منه هذه العبادة، ويفعله إما خوفا منه أورجاءا للثواب ; لأن الولي لا يقول له: إني اريد منك محض التمرين، وأن مطلوبي منك محض صورة العبادة والله تعالى لا يريده منك. فالحكم بحصول الثواب والأجر للأول دون الثاني تحكم، أو ترجيح مرجوح، وإيثار الله تعالى طاعة الأول على الثاني في بذل الثواب ظلم عليه. مع أن المستبعد الذي قد يحكم العقل باستحالته أن يحصل الفرق بين لمحتين من الآنات من أواخر الصبا وأوائل البلوغ مع عدم تفاوت حال العبد فيهما أصلا بحسب العقل والكمال والمعرفة، فيثاب على ما فعله في الآن الثاني دون الأول مع اعتقاده في كلا الآنين أن الله تعالى أراد منه، غاية الأمر أنه يعتقد المؤاخذة على الترك في الآن


1. في " م ": مظنته.

[ 71 ]

الثاني دون الأول، وذلك لا ينافي كونه مثابا في الآن الأول أيضا. هذا مع ملاحظة تفاوت علامات التكليف في التقدم والتأخر، فمن كانت علامة بلوغه السن ; لعدم سبق الإنبات أو الاحتلام، كيف يقال: إنه ليس في أواخر السنة الخامسة عشر مستعدا للأوامر والخطاب، وهذا الشخص بعينه لو فرض أنه مع هذه المرتبة من الفهم لو احتلم أو أنبت قبل ذلك بسنين كان قابلا للتكليف ومستعدا للخطاب ؟ ! فإن قلت: المفروض في هذا الاستدلال قطع النظر عن الأوامر والتمسك بلزوم الظلم، والثواب لا يتحقق إلا بالأمر. قلت: لا ينحصر الأمر في الأمر النفس الأمري، بل الظن به أيضا في حكمه كما هو كذلك في المجتهد ; يذعن بأن الأمر الفلاني مطلوب منه ويفعله رجاءا للثواب، فكذلك الطفل بمحض تعليم الولي نية العبادة يذعن بأن هذا مطلوب الشارع، ويفعله رجاءا للثواب، هذا. مع أنا لا نمنع من حصول الثواب بمقدمة الواجب، وإن قلنا إن وجوبها تبعي، وإن لم نقل بلزوم العقاب على تركه كما نقل عن الغزالي (1)، ولاريب أن ذلك مقدمة لطاعته بعد البلوغ، ودل عليه الشارع، وأمر به بسبب تسبيبه لفعله من جهة الأمر بالولي بخطاب تبعي. وإن أبيت عن ذلك وصعب عليك فهمه كفاك سائر الأدلة، منها ما مر. ومنها: ما يقتضيه تتبع الأخبار في باب صحة أذان الصبي المميز (2)، وجواز إمامته (3)، وانعقاد الجماعة بصلاته إذا ائتم (4)، وإجزاء حجه إذا كمل قبل المشعر


1. المستصفى 1: 84. 2. الوسائل 4: 661 أبواب الأذان والإقامة ب 32. 3. الوسائل 5: 397 أبواب صلاة الجماعة ب 14. 4. الوسائل 5: 411 أبواب صلاة الجماعة ب 23.

[ 72 ]

وغيرها، فإنها تشهد بكون عبادته شرعية، هذا. مع أنه لا منافاة بين كون الخطاب من الله، وكونه تمرينيا ; بمعنى أنه بعد تعلم العبادة تستحب مداومته عليها، وفعلها مستمرا ; ليحصل له الاعتياد الموجب لتسهيل الأمر عليه. وليس ذلك من باب أمر المولى عبده بترييض الدابة وتعويدها العدو ; لوجود الفهم والقابلية فيما نحن فيه. والحاصل: أن الفهم والإدراك الذي هو شرط في تعلق الخطاب موجود فيه بالفرض، بل قد يوجد في بعض الصبيان أزيد مما يوجد في كثير من المشايخ. ولامانع منه إلا الأخبار التي وردت في رفع القلم عنهم (1)، وهي لا تفيد إلا نفي العذاب. ويؤيد ما ذكرنا أيضا: بعض الأخبار الواردة في صلاة الميت، وتحديد سن الصبي الذي تجب الصلاة عليه، فلاحظ الأخبار وتأملها (2). والحاصل: أن كونها شرعية واضح عندي، والله العالم بحقائق أحكامه. وأما المقام الثاني: فاتصافها بالصحة بناءا على كونها شرعية واضح ; لأن الصحة هي موافقة الأمر على قول المتكلمين، والمفروض كونه مأمورا. وأما بمعنى إسقاط القضاء فهو أيضا يصح، وإن صعب فهمه على بعضهم، لعدم لزوم القضاء. ووجه الصحة: أنه مسقط للقضاء التمريني على القول به، فإنه كما نقول بأنه مأمور ندبا بالفعل نقول بكونه مأمورا بالقضاء ندبا إذا فات عنه. وأما على القول بالتمرين فيظهر من كلماتهم عدم الاتصاف ; لأنه ملزوم الأمر.


1. الوسائل 1: 32 أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 10. 2. الوسائل 2: 787 أبواب صلاة الجنازة ب 13.

[ 73 ]

وذهب الشهيد الثاني - رحمه الله - إلى جواز الاتصاف (1) ; لأنه من أحكام الوضع، ولا يختص بأفعال المكلفين. وذلك لايتم مطلوبه إلا أن يقول: إن المراد موافقة الأمر التمريني الصادر من الولي، وهو تكلف واضح، وخلاف مصطلحهم في الصحة. وإن أراد موافقة الأمر النفس الأمري المتعلق بالمكلفين، يعني ما يفعله الصبي موافقا لذلك الأمر فهو صحيح، فمع أن الموافقة له لا تتم إلا بقصد القربة، فإنه مأخوذ في الأمر النفس الأمري، ومعتبر في الصحة على مصطلحهم. وإن قلنا بأن النية خارجة وشرط لاجزء ; خلاف المتبادر من اصطلاحهم في الصحة، فإن مرادهم في الاصطلاح موافقة الأمر المتعلق بفاعل الصحيح، لاالأمر المتعلق بالغير. ثم إن بعض الاصوليين ذهب إلى أن الصحة والبطلان بمعنى موافقة الأمر ومخالفته حكم عقلي محض، وليس بوضعي ; لأن الحاكم بذلك إنما هو العقل، ولايحتاج إلى توقيف الشارع. قلت: قد يبتدئ الشارع بحكم الصحة من دون مسبوقية ببيان وجه الصحة من الأمر به، فيقول: " إذا فعل كذا كان صحيحا " فهذا كاشف عن الأمر والخطاب الذي هو مخفي على المكلف، فلا يطلع عليه إلا بوضع الشارع، فيكون حكما وضعيا.


1. تمهيد القواعد: 31، 37.

[ 74 ]

المقصد الثالث فيما يمسك عنه الصائم وفيه مباحث: المبحث الأول يجب الإمساك عن الأكل والشرب من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس بإجماع العلماء، وبالكتاب، والسنة. أما الكتاب ; فقوله تعالى: * (فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) * إلى قوله تعالى: * (أتموا الصيام إلى الليل) * (1). وأما السنة ; فكثيرة، منها ما مر، ومنها ما سيأتي. ولا إشكال في أكل المأكول المعتاد، والمشروب كذلك. وأما غير المعتاد كالحصى والبرد ومياه الأنوار () وعصارة الأشجار، فالمعروف من مذهب الأصحاب فيه أيضا ذلك، وادعى عليه الإجماع جماعة، منهم العلامة في


1. البقرة: 187. 2. البرد: شئ ينزل من السحاب يشبه الحصى ويسمى حب الغمام وحب المزن، المصباح المنير: 43، والأنوار: الأزهار، المصباح المنير: 629.

[ 75 ]

التذكرة، حيث نسبه إلى علمائنا (1). وقال في المنتهى: إنه قول عامة أهل الإسلام إلا من نستثنيه، ثم نسب الخلاف إلى الحسن بن صالح بن الحي، وأبي طلحة الأنصاري، فإنه كان يأكل البرد في الصوم وكان يقول: إنه ليس بطعام ولا شراب (2) و (3). وادعى الإجماع أيضا السيد في المسائل الناصرية، ونقل الخلاف عنهما وقال: إن الإجماع متقدم ومتأخر عن هذا الخلاف (4)، وكذلك ابن حمزة نقل إجماع الطائفة (5). وعن الشيخ في الخلاف: إجماع المسلمين أن أكل البرد مفطر، وحكم بانقراض خلاف أبي طلحة (6). ونقل عن ابن الجنيد القول بعدم الإفطار بغير المعتاد (7)، وعن السيد في الجمل: أنه أشبه (8). لنا: الإجماع المستفيض وعموم الآية والأخبار. واستدل في المختلف لهذا القول: بأن المنع عن الأكل والشرب إنما ينصرف إلى المعتاد (9). ويدفعه: أن النهي عن الأكل والشرب والأمر بالتجنب عنهما بدون ذكر المفعول يفيد منع إيجاد طبيعة الأكل في ضمن جميع الأفراد، ولا يحصل الامتثال في النهي إلا بترك جميع الأفراد، وهو من باب العموم، لاالإطلاق حتى ينصرف إلى المأكولات


1. التذكرة 6: 21. 2. المغني 3: 37، الشرح الكبير 3: 38، حلية العلماء 3: 195، المجموع 6: 317، مسند أحمد 3: 279. 3. المنتهى 2: 563. 4. المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 206 مسألة 129. 5. الوسيلة: 142. 6. الخلاف 2: 213 مسألة 72. 7. المختلف 3: 387. 8. الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 9. المختلف 3: 387.

[ 76 ]

المعتاد أكلها عند أغلب النا س. سلمنا، لكنه معارض بالإجماع المستفيض. وقد يستدل عليه برواية مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام: " أن عليا عليه السلام سئل عن الذباب يدخل في حلق الصائم قال: ليس عليه قضاء ; لأنه ليس بطعام " (1). وهو مع سلامة سنده مدفوع بأن المراد أنه ليس من أكل الطعام، فإن ذلك من دون الاختيار، أو أن ذلك ليس أكلا إن جعلنا الطعام مصدرا كما ذهب إليه في القاموس (2)، وهو بعيد. وكيف كان ; فلا يعارض بها ما تقدم من الأدلة، سيما والمستفاد من العلة والحمكة الباعثة على الصوم تحمل الجوع والعطش، وعلى هذا فيمكن الفرار عن ذلك بالأكل والشرب الغير المعتادين. وأما الأكل الغير المتعارف، وإن كان المأكول متعارفا، كابتلاع بقايا الغذاء المتخلفة في الأسنان وغيرها، فظاهر المنتهى (3) وغيره (4) أيضا أنه إجماعي، وتشمله العمومات. وابتلاع الريق على مجرى العادة ليس بمفطر إجماعا. ولو جمعه في فيه ثم ابتلعه فكذلك، خلافا للشافعي في أحد قوليه (5). وأما إذا خرج من الفم ثم ابتلعه فقالوا: إنه مفطر ; لصدق الأكل. ويحتمل إيجاب كفارة الحرام ; لأنهم يقولون بالحرمة إذا خرج من الفم، وإن لم نقف على دليل سوى ادعاء الاستخباث. بل هناك أخبار كثيرة دالة على الحل، مثل ما رواه الكليني في الصحيح، عن


1. الكافي 4: 115 ح 2، التهذيب 4: 323 ح 994، الوسائل 7: 77 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 39 ح 2. 2. القاموس المحيط 4: 145. 3. المنتهى 2: 563. 4. الخلاف 2: 176. 5. فتح العزيز 6: 389، المجموع 6: 317.

[ 77 ]

الحسن بن زياد الصيقل، وفي جملتها: أن النبي صلى الله عليه وآله أخرج اللقمه من فيه وأعطاها امرأة سألته أياها فأكلتها (1). وأيضا روى الكليني في باب النص على أبي جعفر الجواد عليه السلام، وفي جملتها: أن علي بن جعفر مص ريق أبي جعفر بحضرة الرضا عليه السلام ولم ينكره (2). ويمكن المناقشة بعدم ملازمته للبلع وإن كان بعيدا. وعن كتاب الملهوف لابن طاوس: أن زين العابدين كان يبل طعامه وش " رابه بدموعه حتى لحق بالله عزوجل (3)، وستأتي صحيحة أبي ويد وغيرها. والظاهر كما ذكره المحقق الأردبيلي - رحمه الله - أنه لا يصدق ذلك على مثل مالووضع في فمه حصاة أو درهما وابتل وأخرجها ثم وضعها ثانيا في فمه، فلا يحصل الإفطار بذلك (") كما أفتى به في المنتهى (5). ويؤيده تجويزهم الأكل بالقاشوقة، وكذا أكل الفواكه بالعض مع عدم الانفكاك عن بلة الريق، فتجويزهم ذلك مع قولهم بتحريم الخارج، يستلزم عدم كون ذلك أكلا للريق الخارج، فكذلك الأمر في الحصاة والدرهم المذكورين. وأما ريق الغير فيعلم حكمه من السابق في الإفطار وعدمه، والحكم بالتحريم هنا أيضا مشكل، وكذلك حصول الإفطار بمحض البلة. ويشكل فيما ابتلعه بسبب تقبيل الفم ومص اللسان، وحكم في المنتهى بالبطلان (6)، وأول الروايات الواردة في الجواز، وهي صحيحة أبي ويد الحناط قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أقبل بنتا لي صغيرة وأنا صائم، فيدخل من ريقها في


1. الكافي 6: 271 ح 2، الوسائل 17: 173 أبواب الأطمعة المباحة ب 131 ح 1. 2. الكافي 1: 323 ح 14، الوسائل 17: 174 أبواب الأطعمة المباحة ب 131 ح 4. 3. اللهوف في قتلى الطفوف: 52، ويسمى الكتاب الملهوف على قتلى الطفوف أيضا. 4. مجمع الفائدة والبرهان 5: 28. 5 و 6. المنتهى 2: 563.

[ 78 ]

جوفي شئ، فقال: " لا بأس، ليس عليك شئ " (1). وموثقة سماعة، عن أبي بصير قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الصائم يقبل ؟ قال: " نعم، ويعطيها لسانه تمصه " (2). ورواية علي بن جعفر - ووصفها في المنتهى بالحسن (3)، وقال في الخلاصة: إن سند الشيخ إليه صحيح (4) فلا يضر وجود محمد بن أحمد العلوي في سنده - عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال: سألته عن الرجل الصائم أله أن يمص لسان المرأة أو تفعل المرأة كذلك ؟ قال: " لا بأس " (5) فإن وصول الريق إلى الجوف في الاولى لم يظهر أنه كان من الفعل الاختياري. والثانية يمكن دفعها بأن المص لا يستلزم الابتلاع، مع أنه لادلالة فيها على كون المرأة صائمة، وانجذاب لعاب المرأة بمصها لسانه غير معلوم، مع أن كون البلة مبطلة ممنوع كما تقدم، ويشكل بترك الاستفصال. وكيف كان فالأظهر وجوب الاجتناب عن إدخال اللعاب في الجوف اختيارا. فروع: الأول: لا بأس بمص الخاتم لرفع العطش وغيره ; للأصل، ولصحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يعطش في شهر رمضان، قال: " لا بأس بأن يمص الخاتم " (6). وصحيحة منصور بن حازم أنه قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يجعل النواة


1. التهذيب 4: 319 ح 976، الوسائل 7: 71 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 34 ح 1. 2. التهذيب 4: 319 ح 974، الوسائل 7: 72 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 34 ح 2. 3. المنتهى 2: 365. 4. الخلاصة: 276. 5. التهذيب 4: 320 ح 978، الوسائل 7: 72 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 34 ح 3. 6. الكافي 4: 115 ح 1، التهذيب 4: 324 ح 1001، الوسائل 7: 77 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 40 ح 1.

[ 79 ]

في فيه وهو صائم ؟ قال: " لا " قلت: فيجعل الخاتم ؟ قال: " نعم " (1) وتؤدي مؤداها رواية يونس بن يعقوب (2). ولعل المنع في النواة إذا كان فيها شئ من تمر أو نحوه مما يدخل في الجوف. الثاني: لا بأس بمضغ الطعام للصبي وزق الطائر من غير ابتلاع، وكذلك أمثاله مما يدخل في الفم ولا يحصل البلع، ومنه ذوق الطعام والمرق ; للأصل، والأخبار الكثيرة الصحيحة وغيرها. ومنها: رواية مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن فاطمة كانت تمضغ للحسن ثم للحسين عليهما السلام وهي صائمة في شهر رمضان " (3). وأما صحيحة سعيد الأعرج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم، أيذوق الشئ ولا يبلعه ؟ قال: " لا " (4) فحملها الشيخ على المنع وعدم الجواز إذا لم يحتج إلى الذوق (5)، والأخبار المجوزة على صورة الاحتياج، مثل خوف فساد الطعام وهلاك الطائر، والأولى حملها على الكراهة والتنزيه في صورة عدم الضرر، أو يكون المراد أنه لايبلعه. ثم إذا فعل ذلك وسبق منه شئ إلى حلقه بغير اختياره فالأظهر عدم وجوب القضاء ; للأصل، والإذن في الفعل، وعدم تعمد الازدراد. وقال في المنتهى: لو أدخل في فيه شيئا وابتلعه سهوا، فإن كان لغرض صحيح


1. الفقيه 2: 70 ح 293، الوسائل 7: 78 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 40 ح 3. 2. الكافي 4: 115 ح 2، الوسائل 7: 77 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 40 ح 2، وفيها: الخاتم في فم الصائم ليس به بأس. 3. الكافي 4: 114 ح 3، الوسائل 7: 76 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 38 ح 2. 4. التهذيب 4: 312 ح 943، الاستبصار 2: 95 ح 309، الكافي 4: 115 ح 4، الوسائل 7: 74 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 37 ح 2. 5. التهذيب 4: 312.

[ 80 ]

فلا قضاء عليه، وإلا وجب (1). وتنظر في المدارك في الوجو ب حينئذ (2)، وهو في محله. ولعل العلامة - رحمه الله - نظر إلى فحوى ما يدل عليه في المضمضة لغير الصلاة، وهو مشكل. الثالث: لا بأس بالاستياك بالرط ب واليابس، بل هو مستحب، وهو المشهور. وعن الشيخ (3) وابن أبي عقيل (4 كراهة السواك بالرطب ; لصحيحة عبد الله ابن سنان (5)، وحسنة الحلبي (6)، ورواية أبي بصير (7)، ورواية محمد بن مسلم (8)، وموثقة عمار (9). ويدل على الجواز: صحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السلام: أيستاك الصائم بالماء وبالعود الرطب يجد طعمه ؟ فقال: " لا بأس به " (10).


1. المنتهى 2: 568. 2. المدارك 6: 72. 3. التهذيب 4: 263. 4. نقله عنه في المختلف 3: 426. 5. التهذيب 4: 262 ح 787، الوسائل 7: 59 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 11، عن أبي عبد الله (ع): أنه كره للصائم أن يستاك بسواك رطب. 6. الكافي 4: 112 ح 2، التهذيب 4: 323 ح 992، الوسائل 7: 59 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 10، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يستاك، قال: لا بأس به، وقال: لا يستاك بسواك رطب. 7. التهذيب 4: 261 ح 786، الوسائل 7: 58 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 7، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا يستاك الصائم بعود رطب. 8. التهذيب 4: 261 ح 785، الوسائل 7: 59 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 8، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: يستاك الصائم أي النهار شاء، ولا يستاك بعود رطب. 9. الكافي 4: 112 ح 4، الوسائل 7: 59 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 12، عن أبي عبد الله عليه السلام في الصائم ينزع ضرسه ؟ قال: لا، ولا يدمي فاه، ولا يستاك بعود رطب. 10. التهذيب 4: 262 ح 782، وص 323 ح 993، الاستبصار 2: 91 ح 291، الوسائل 7: 58 أبواب ما يمسك الصائم ب 28 ح 3.

[ 81 ]

وتدل عليه روايتان اخريان دالتان على أن الرطوبة لا تضر ; لأن المضمضة بالماء أرطب (1)، والخبر المعلل مع اعتضاده بالشهرة والأخبار المطلقة في مطلق السواك وفي خصوص الصائم المستفيضة جدا أقوى. الرابع: تجوز المضمضة للصائم مطلقا على الأصح الأشهر المعروف من مذهب الأصحاب كما في المدارك (2)، وفي التذكرة والمنتهى الإجماع على عدم كونها مفطرة مع التحفظ (3). ويدل عليه بعد الأصل: ظاهر الإجماع، وصحيحة حماد الآتية في المضمضة للصلاة. وصحيحته الاخرى، عمن ذكره، عن الصادق عليه السلام: في الصائم يتمضمض ويستنشق ؟ قال: " نعم، ولكن لا يبالغ " (4). ونفي المبالغة محمول على الكراهة. وتؤيده رواية يونس، قال: " الصائم في شهر رمضان يستاك متى شاء، وإن تمضمض في وقت فريضة فدخل الماء حلقه فلا شئ عليه وقد تم صومه، وإن تمضمض في غير وقت فريضة ودخل الماء حلقه فعليه الإعادة، والأفضل للصائم أن لا يتمضمض " (5).


1. إحداهما في التهذيب 4: 263 ح 788، والاستبصار 2: 92 ح 295، والوسائل 7: 58 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 4، والاخرى في الكافي 4: 112 ح 3، والتهذيب 4: 263 ح 787، والاستبصار 2: 92 ح 294، والوسائل 7: 59 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 11. 2. المدارك 6: 101. 3. التذكرة 6: 67، 79، المنتهى 2: 579. 4. الكافي 4: 107 ح 3، الوسائل 7: 49 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 23 ح 2. 5. الكافي 4: 107 ح 4، التهذيب 4: 205 ح 593، الاستبصار 2: 94 ح 304، الوسائل 7: 49 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 23 ح 3.

[ 82 ]

ويظهر من عبارة المنتهى الآتية التحريم لغير الوضوء (1)، ومن الاستبصار التحريم للتبرد (2)، ولا دليل لهما يعتد به. وينبغي أن تحمل أفضلية الترك والكراهة على مالو كان لغير الصلاة ; لأن عمومات الاستحباب وخصوصاته لهما في الصائم أقوى. وفي رواية زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الصائم يتمضمض، قال: " لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات " (3). والأولى حملها على الاستحباب ; لعدم مقاومتها للمطلقات المرخصة للمضمضة، سيما ما ورد للصلاة من دون اشتراط ذلك. ووقع الخلاف بينهم في صورة دخول الماء إلى الحلق من دون اختيار، بعد اتفاقهم على أنه لو أدخله عمدا أثم ووجب عليه القضاء والكفارة، فالظاهر أنه لا خلاف بينهم في عدم لزوم شئ عليه إذا كان في وضوء الصلاة الفريضة. ويظهر من التذكرة الإجماع في مطلق الصلاة (4). ونقل عن طائفة من الأصحاب الميل إلى أن ذلك للفريضة، فإذا كان للنافلة فهو مفطر (5)، ونقله في التذكرة عن ابن عباس (6)، وحسن ذلك في المسالك (7). دليل الأول: بعد ظاهر الإجماع ; موثقة سماعة، قال: سألته عن رجل عبث بالماء يتمضمض به من عطش فدخل حلقه، قال: " عليه القضاء، وإن كان في وضوء فلا بأس " (8).


1. المنتهى 2: 579. 2. الاستبصار 2: 94. 3. الاستبصار 2: 94 ح 303، الوسائل 7: 64 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 31 ح 1. 4. التذكرة 6: 67. 5. كالشهيد في الدروس 1: 274، وصاحب الحدائق 13: 90. 6. التذكرة 6: 67، 80. 7. المسالك 2: 31. 8. الفقيه 2: 69 ح 290، التهذيب 4: 322 ح 991، الوسائل 7: 50 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 23 ح 4

[ 83 ]

ودليل الثاني: رواية يونس المتقدمة، وصحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: في الصائم يتوضأ للصلاة فيدخل الماء حلقه، فقال: " إن كان وضوؤه لصلاة فريضة فليس عليه شئ، وإن كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء " (1). ورواها الكليني، في الحسن، عن حماد، عنه عليه السلام (2). ولا يبعد ترجيحه ; لتقديم المفصل على المجمل، وعدم القطع بأن ناقل الإجماع أراد العموم. ولا يبعد أن يقال: مرادهم من إطلاق الوضوء أن هذا الحكم ثابت في الوضوء دون العبث والتبرد، ولا التفات فيه إلى أقسام الوضوء. أما لو كان لأجل التبرد والعبث فيبطل صومه ويجب عليه القضاء، وادعى عليه الإجماع في المنتهى والتذكرة (3) ويدل عليه فحوى صحيحة الحلبي، وموثقة سماعة، ورواية يونس المتقدمات. وأما المضمضة للتداوي أو لإزالة النجاسة إذا دخلت في الحلق من دون اختيار، فعن ظاهر جماعة من الأصحاب أنه كوضوء الفريضة لا يوجب القضاء (4). وفي المسالك: ينبغي إلحاق إزالة النجاسة بالصلاة الواجبة (5)، وقطع به في الدروس (6). وزاد في التذكرة: غسله من أكل الطعام (7). وربما يستشكل بفحوى صحيحة الحلبي، وعموم رواية يونس، والأولوية ممنوعة، والرواية ضعيفة. وإذا وضع في فمه شيئا مثل خرز لغرض صحيح فسبق إلى حلقه من دون تعمد


1. التهذيب 4: 324 ح 999، الوسائل 7: 49 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 23 ح 1. 2. الكافي 4: 107 ح 1. 3. المنتهى 2: 579، التذكرة 6: 79 مسألة 43. 4. كالمحقق في الشرائع 1: 174، وصاحب المدارك 6: 101. 5. المسالك 2: 32. 6. الدروس 1: 274. 7. التذكرة 6: 68.

[ 84 ]

فالظاهر عدم الإبطال ; للأصل مع كونه مجوزا شرعا. وأما لو كان عبثاففيه قولان: من جهة فحوى مادل على لزوم القضاء في التبرد والعبث، ومن جهة الأصل. ورواية يونس بعمومها تدل على الأول. ثم إن صاحب المدارك قال: ولا يلحق بالمضمضة الاستنشاق قطعا، فلا يجب مما سبق منه قضاء ولا كفارة، بل لو قيل بأن تعمد إدخال الماء من الأنف غير مفسد للصوم، لم يكن بعيدا (1). وعن ظاهر جماعة من الأصحاب الإلحاق (2)، ولم نقف على دليله. الخامس: اختلف كلام الأصحاب في ابتلاع النخامة. والمراد بالنخامة مشتبه في كلام أهل اللغة وفي كلام الفقهاء أنها هل هي مايخرج من الصدر والحلق، أو هي مايجذب من الرأس إلى الحلق من الخيشوم، أو مشترك بينهما لفظا أو معنى ؟ ويظهر من الشرائع: أنها مايخرج من الصدر، لاما يجذب من الدماغ، حيث عطف حكم المسترسل من الدماغ على النخامة المشعر بالمغايرة ; وفرق بينهما في الحكم، (3) كالعومة في الإرشاد (4). ويظهر من التذكرة عكس ذلك، حيث أطلق على مايجذب من الرأس النخامة، وعلى مايخرج من الصدر النخاعة (5). ويظهر من موضع آخر فيها الاتحاد، فقال: لو ابتلع النخامة المجتلبة من صدره أو


1. المدارك 6: 101. 2. كالعلامة في التذكرة 6: 67، والشهيد في الدروس 1: 274. 3. شرائع الإسلام 1: 174. 4. إرشاد الأذهان 1: 298. 5. التذكرة 6: 66.

[ 85 ]

رأسه لم يفطر (1)، واستدل برواية غياث (2)، ونسب الخلاف إلى الشافعي، وإلى أحمد في إحدى الروايتين (3). والظاهر من الشهيد في الدروس أيضا كونها مشتركة معنوية بينهما، حيث قال: والفضلات المسترسلة من الدماغ إذا لم تصر في فضاء الفم لابأ س بابتلاعها ; للرواية، ولو قدر على إخراجها ولو صارت في الفضاء أفطر لو ابتلعها، وفي وجوب الكفارات الثلاث هنا نظر، وتجب لو كانت نخامة غيره (4) انتهى. فإن الظاهر من مجموع هذا الكلام أن النخامة هي القدر المشترك بينهما والمتحصل مما يخرج من الرأس، سواء خرج تدريجا واجتمع في الحلق والصدر، أو دفعة بجذبه بقوة، وإلا لتعرض لحكم الخارج من الصدر، وهذا هو الذي يترجح في النظر بالنظر إلى الاعتبار، وبالنظر إلى تردد كلام أهل اللغة وترديدهم، مع أن الاشتراك مرجوح مثل المجاز. ومرجع الخلاف في كلام الأصحاب الذي وصل إلينا إلى ثلاثة: الأول: ما ذهب إليه في الشرائع من الفرق بينهما بجواز ابتلاع مايخرج من الصدر ما لم ينفصل عن الفم، والمنع عن ازدراد الثانية وإن لم تصل إلى الفم (5). والثاني: ما ظهر من كلام الشهيد في الدروس من التسوية بينهما في جواز الابتلاع ما لم تصل إلى فضاء الفم (6)، وارتضاه في المسالك (7). والثالث: مساواتهما في عدم الإفطار ما لم ينفصلا عن الفم، واختاره صاحب


1. التذكرة 6: 23. 2. الكافي 4: 115 ح 1، الوسائل 7: 77 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 39 ح 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته. 3. المغني 3: 41، الشرح الكبير 3: 74. 4. الدروس 1: 278. 5. شرائع الإسلام 1: 174. 6. الدروس 1: 278. 7. المسالك 2: 34.

[ 86 ]

المدارك (1) تبعا للمحقق في المعتبر (2) والعلامة في المنتهى والتذكرة (3)، وهو الأقرب عندي ; للأصل، وعدم صدق الأكل والشرب، واستصحاب الصوم، وخصوص رواية غيا ث بن إبراهيم القوية - لأن الراوي عنه في الكافي عبد الله بن المغيرة، وفي التهذيب صفوان بواسطة سعد بن أبي خلف، مع أن العومة وثقه في الخلاصة، وإن روى فيه أنه تبري طائفة من الزيدية، فغاية الأمر كونه موثقا - عن الصادق عليه السلام، قال: " لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته " (4). وقد يؤيد بفحوى صحيحة عبد الله بن سنان الآتية في القئ والقلس، ويظهر ضعفه مما سنذكره. فالمختار في المسألة عدم إفساد الصوم، وعدم وجوب القضاء والكفارة بابتلاعهما ما لم تنفصلا عن الفم، وأما لو انفصلتا عن الفم ثم ابتلعهما فيفسد الصوم ويجب القضاء والكفارة. وهل تجب عليه كفارة واحدة أو كفارة الجمع ؟ قطع في المسالك بوجوب كفارة الجمع ; لأنه إفطار بالحرام (5)، وهو مبني على القول بحرمة فضلا ت الإنسان، من ريقه وعرقه ونحوهما إذا انفصلت، ولم نقف على دليله إلا الاستخبا ث في بعضها كما مر. وأما الازدراد من داخل الفم، فلا تتطرق فيه شائبة الاستخبا ث، فالحكم بتحريمه لغير الصائم حتى يكون إفطارا بالحرام للصائم في غاية البعد، فالقول بكفارة الجمع فيه‌على القول بإفساده للصائم أيضا في غاية البعد، سيما وفي رواية عبد الله ابن سنان، عن الصادق عليه السلام: " من تنخع في المسجد ثم ردها في جوفه لم تمر بداء في


1. المدارك 6: 106. 2. المعتبر 2: 653. 3. المنتهى 2: 563، التذكرة 6: 23. 4. الكافي 4: 115 ح 1، التهذيب 4: 323 ح 995، الوسائل 7: 77 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 39 ح 1. 5. المسالك 2: 34.

[ 87 ]

جوفه إلا أبرأته " (1). وإطلاق هذه الرواية أيضا يدل على جواز ازدراد النخاعة في الصوم فتأمل. السادس: قال في التذكرة: بقايا الغذاء المتخلفة بين أسنانه إن ابتلعها عامدا نهارا فسد صومه، سواء أخرجها من فمه أو لا ; لأنه ابتلع طعاما عامدا فأفطر كما لو أكل (2)، ثم نقل خلاف أحمد (3) والشافعي (4) وأبي حنيفة (5) على اختلافهم في المذهب، والظاهر منه عدم الخلاف. واختار المحقق وجوب الكفارة عليه أيضا (6)، وعن بعض الأصحاب أنه المشهور بينهم (7). وقال في المسالك: إن الخلاف فيما لو ابتلعه جاهلا بحرمته، وإلا وجبت الكفارة قطعا (8). وهذا أيضا يشعر بعدم الخلاف فيه حينئذ، وقال: ولكن الشيخ في الخلاف أطلق القضاء (9)، فكان قولا وإن ضعف. ومن ذلك كله يظهر أن مناقشة صاحب المدارك في أصل الإفساد ; لعدم تسميته أكلا، ولصحيحة عبد الله بن سنان الآتية في القلس (10) ضعيفة، غاية الأمر أن يكو هذا من باب الأكل الغير المعتاد، وقد قدمنا أنه مفطر.


1. التهذيب 3: 256 ح 714، الاستبصار 1: 442 ح 1706، الوسائل 3: 500 أبواب أحكام المساجد ب 20 ح 1. 2. التذكرة 6: 22. 3. المغني 3: 46، الشرح الكبير 3: 49. 4. المجموع 6: 317، فتح العزيز 6: 394، حلية العلماء 3: 194. 5. المبسوط للسرخسي 3: 93، المغني 3: 46، الشرح الكبير 3: 50، المجموع 6: 317. 6. شرائع الإسلام 1: 174. 7. كصاحب الذخيرة: 506. 8. المسالك 2: 33. 9. الخلاف 2: 176 مسألة 16. 10. المدارك 6: 103.

[ 88 ]

وسيما المستفاد من الأدلة والأقوال لزوم الاجتناب عن إدخال الطعام في الجوف من الحلق، إلا ما أخرجه الدليل، مثل الريق والنخامة، هذا الكلام في صورة العمد. وأما لو كان سهوا فأطلق المحقق بأنه لا شئ عليه (1)، ونقل في المسالك عن بعضهم التفصيل، فمن قصر في التخليل فيجب عليه القضاء ; لتفريطه وتعريضه للإفطار، دون غيره، وقال: لا بأس به (2). وضعفه في المدارك (3)، وهو جيد ; للأصل، وعدم الدليل على كون مطلق التعريض مفطرا، خرجنا عنه في مثل المضمضة عبثا ونحوه بالدليل، وبقي الباقي تحت الأصل، والقياس باطل. السابع: كلما له طعم يتغير الريق بطعمه كالعلك والكندر ونحوهما فإن تفتت ودخل شئ من أجزائها في حلقه عامدا أفطر، وأما لو لم يدخل شئ من أجزائها ولم يتغير الريق بطعمها فلا شئ عليه، وكذا لو تغير ولم يدخل في حلقه. وأما لو دخل في حلقه ففيه خلاف، والظاهر أن الأكثرين على الكراهة، وهو قول الشيخ في المبسوط (4). وصرح في النهاية بعدم الجواز (5)، وهو ظاهر كلام ابن الجنيد (6)، والأول أقرب. لنا: الأصل، والاستصحاب، والأخبار الحاصرة للمفطرات في غير ذلك، كصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة وغيرها. وخصوص رواية أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يمضغ


1. شرائع الإسلام 1: 174. 2. المسالك 2: 33. 3. المدارك 6: 104. 4. المبسوط 1: 273. 5. النهاية: 157. 6. المختلف 3: 418.

[ 89 ]

العلك ؟ قال: " نعم إن شاء " (1). والعجب أن الشيخ قال في التهذيب: إنه غير معمول به (2)، مع أنه عمل به في المبسوط (3)، ولعله أراد أن إطلاق قوله عليه السلام " نعم " ينافي الكراهة، ولم يقل أحد بنفي الكراهة ; لاأنه حرام (4)، والعمل عليه. ورواية محمد بن مسلم المروية في الكافي قال، قال أبو جعفر عليه السلام: " يا محمد إياك أن تمضغ علكا، فإني مضغت اليوم علكا وأنا صائم فوجدت في نفسي منه شيئا " (5). والظاهر أن مراده عليه السلام من قوله عليه السلام: " وجدت في نفسي منه شيئا " مظنة دخول بعض أجزائه في الحلق، وفعله عليه السلام مع أن الغالب فيه حصول التغير في الريق والدخول في الحلق دل على الجواز. حجة المنع: امتناع انتقال الأعراض، فحصول الطعم مستلزم لحصول جزء منه في الريق الذي يدخل في الحلق، وخصوص حسنة الحلبي عنه عليه السلام قال، قلت: الصائم يمضغ العلك ؟ قال: " لا " (6). وتؤيده صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه، عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يذوق الشرا ب والطعام يجد طعمه في حلقه، قال: " لا يفعل " قلت: فإن فعل فما عليه ؟ قال: " لا شئ عليه، ولا يعود " (7) وصحيحة الحلبي المتقدمة في السواك. والجواب عن الأول بالمنع عن استحالة انتقال الأعراض، وقد يحصل التغير بالمجاورة كما في الماء والهواء بمجاورة الميتة وغيرها، فعن المنتهى أنه قال: وقد قيل إن


1. التهذيب 4: 324 ح 1002، الوسائل 7: 74 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 36 ح 3. 2. التهذيب 4: 324 ح 1002. 3. المبسوط 1: 273. 4. في " ح ": لأنه حرام. 5. الكافي 4: 114 ح 2، الوسائل 7: 73 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 36 ح 1. 6. الكافي 4: 114 ح 1، الوسائل 7: 74 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 36 ح 2. 7. التهذيب 4: 325 ح 1004، الوسائل 7: 75 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 37 ح 5.

[ 90 ]

من لطخ باطن قدميه بالحنظل وجد طعمه ولا يفطر إجماعا (1). أقول: والأولى أن يقال على فرض تسليم عدم انتقال الأعراض نمنع انصراف أدلة الإفطار بمثل بلع هذه الأجزاء الصغار التي لا يدركها البصر. وأما الحسنة فلا تقاوم ما ذكرناه، فتحمل على الكراهة، مع أن دلالة النهي على الفساد ووجوب القضاء محل المنع. هذا كله‌إذا لم يتحلل منه شئ، فإن علم ذلك وابتلعه عمدا فهو مفسد للصوم موجب للقضاءبل الكفارة أيضا. الثامن: ذهب الشيخ في المبسوط (2) والعومة في المختلف (3) إلى أن صب الدواء في الإحليل حتى يصل إلى الجوف مفسد للصوم، واستدل عليه في المختلف بما يرجع إلى القياس بالحقنة. وذهب الشيخ في الخلاف (4) والمحقق في المعتبر (5) إلى العدم. وتردد في الشرائع (6)، والأقرب الأول ; للأصل، وبطلان القياس. وكذلك ذهب في المختلف تبعا للشيخ في المبسوط إلى أنه إذا أمر غيره بإدخال مثل طعنة الرمح في جوفه أو فعل هو بنفسه أفسد صومه (7)، والأقوى عدمه، تبعا للشيخ في الخلاف (8) وابن إدريس (9)، وكذلك فيما لو داوى جرحه بما وصل إلى جوفه.


1. المنتهى 2: 568. 2. المبسوط 1: 273. 3. المختلف 3: 415. 4. الخلاف 2: 214. 5. المعتبر 2: 659. 6. الشرائع 1: 174. 7. المختلف 3: 415. 8. الخلاف 2: 214. 9. السرائر 1: 378.

[ 91 ]

المبحث الثاني يجب الإمساك عن الجماع في قبل المرأة، ويفسد الصوم للواطئ والموطوءة بالإجماع والآية والأخبار المستفيضة، قد مر بعضها وسيجئ بعضها. وفي دبرها كذلك على الأظهر الأشهر ; لعموم الآية (1)، فإن المباشرة أعم، وإذا ثبتت الحرمة فيثبت البطلان بالإجماع المركب كما صرح به في المدارك (2). وكذلك عموم الأخبار الدالة على وجوب الاجتناب عن جماع النساء وإتيانهن (3)، سيما وورد أنه أحد المأتيين، وفيها دلالة على البطلان أيضا. ويدل عليه أيضا: الإجماع، نقله الشيخ في الخلاف (4) وابن حمزة في الوسيلة (5) على استواء فرجي الآدمي. ويدل عليه أيضا: أن الأخبار الواردة في حرمة التعمد على الجنابة إلى الصباح منبهة على أن الجنابة مضرة بالصوم (6)، وهو مشروط بعدمها، خرج الإنزال نهارا من دون اختيار، وكذلك المباشرة سهوا بدليل الإجماع، والجماع في الدبر موجب للجنابة ; لأنه يوجب الغسل كما بيناه في كتاب الطهارة. وبهذا يظهر فساد صوم الموطوءة أيضا ; لما بيناه ثمة من وجوب الغسل عليها، ويظهر من المبسوط نوع تردد في كونه ناقضا (7). وتدل على عدم البطلان به روايتان ضعيفتان دالتان على أنه لا ينقض الصوم،


1. البقرة: 187. 2. المدارك 6: 44. 3. الوسائل 7: 24 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4. 4. الخلاف 2: 181. 5. الوسيلة: 142. 6. الوسائل 7: 42 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16. 7. المبسوط 1: 270.

[ 92 ]

ولا يوجب الغسل عليهما (1). وهما مع منافاتهما لما أثبتنا من وجوب الغسل به لا يعارض بهما ما تقدم. وقال الشيخ في التهذيب: هذا خبر غير معمول به، وهو مقطوع الإسناد (2). وأما دبر الغلام فالمشهور فيه أيضا الإفساد، وتردد فيه في النافع (3). وجعله العومة في المختلف (4) والمحقق في الشرائع (5) بعد التردد تابعا لوجوب الغسل، يعني: إن قيل بوجوب الغسل فيكون جنابة، والجنابة مبطلة للصوم بناءا على ما أشرنا إليه، وإلا فلا. أقول: والأظهر أنه مبطل ; لأنه موجب للغسل كما حققناه في كتاب الطهارة، ويظهر التقريب في نقض الصوم مما مر. مع أنه المناسب لوضع الصوم، بل يدل إبطال الجماع في الفرج الحلال على إبطاله بطريق أولى. مع أنه يمكن الاستدلال عليه بلفظ النكاح الوارد في الأخبار، بل الجماع أيضا، مثل ما رواه الصدوق في العلل، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لأي علة لا يفطر الاحتلام الصائم والنكاح يفطر الصائم ؟ قال: " لأن النكاح فعله، والاحتلام مفعول به " (6). وظاهر ابن حمزة في الوسيلة أيضا الإجماع حيث سوى بين فرجي


1. الاولى في التهذيب 4: 319 ح 977، والوسائل 1: 481 أبواب الجنابة ب 12 ح 3، عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا أتى الرجل المرأة في الدبر وهي صائمة لم ينقض صومها وليس عليها غسل، والثانية في التهذيب 4: 319 ح 975 في رجل أتى امرأة في دبرها وهي صائمة، قال: لا ينقض صومها، وليس عليها غسل. أقول: الاولى مرسلة، والثانية مرفوعة. 2. التهذيب 4: 320. 3. المختصر النافع 1: 66. 4. المختلف 3: 389. 5. الشرائع 1: 170. 6. علل الشرائع: 379 ح 1، الوسائل 7: 73 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 35 ح 4.

[ 93 ]

الآدمي (1)، وهو المنقول عن الشيخ في الخلاف (2) وظاهر المبسوط (3). ودليل العدم: الأصل، وصحيحة محمد بن مسلم السابقة. والأصل لا يعارض الدليل، والصحيحة غير باقية على ظاهرها كما لا يخفى. ويظهر مما تقدم أن حكم الموطوء كحكم الواطئ. وأما البهيمة ; فالظاهر أن المشهور فيه أيضا الإبطال، وظاهر الشيخ في الخلاف أنه لا خلاف فيه (4)، وإن كان يظهر منه نوع اضطراب، وذهب ابن إدريس (5) والفاضلان إلى العدم (6). ويمكن أن يستدل عليه: بأنه موجب للغسل على الأظهر كما بيناه، اتكالا على فحوى قول علي عليه السلام: " أتوجبون عليه الجلد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من ماء ؟ ! " (7) منضما إلى اشتراط الخلو عن الجنابة عمدا في الصوم كما أشرنا. قالوا: ولافرق في الموطوء بين الحي والميت. هذا كله مع عدم الإنزال، وأما مع الإنزال فلا إشكال في الإفساد بالأخبار والإجماع. الثالث: اختلف الأصحاب في كون الكذب على الله ورسوله والأئمة متعمدا مفطرا موجبا للقضاء والكفارة، أو القضاء فقط، أو عدمهما - بعد اتفاقهم على عدم كون مطلق الكذب ناقضا، وإن حرم الجميع على تفاوت في مراتبه في القوة والضعف بالذات وبحسب الزمان - على أقوال.


1. الوسيلة: 142. 2. الخلاف 2: 190. 3. المبسوط 1: 270. 4. الخلاف 2: 191. 5. السرائر 1: 380. 6. المعتبر 2: 654، المختلف 3: 390. 7. التهذيب 1: 119 ح 314، الوسائل 1: 470 أبواب الجنابة ب 6 ح 5.

[ 94 ]

فأكثر القدماء على الأول، منهم الشيخان (1)، والسيد في الانتصار (2)، وأبو الصلاح (3)، وابن البراج (4)، ونسبه في الدروس إلى المشهور (5). وقال السيد في الجمل: الأشبه أنه ينقض الصوم وإن لم يبطله (6)، واختاره ابن إدريس (7) والعلامة (8) وأكثر المتأخرين (9). وظاهر المحقق في النافع أنه موجب للقضاء فقط (10). والأقوى الأول ; للإجماع المنقول في الانتصار (11)، وعن ابن زهرة أيضا أنه ادعاه (12). وقال في المنتهى بعد أن نسب هذا القول إلى الشيخين: احتجوا بالإجماع، ويظهر منه أنهما أيضا ادعيا الإجماع (13). ولخصوص موثقة أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم " قال، قلت له: هلكنا ! قال: " ليس حيث تذهب، إنما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة عليهم السلام " (14). وطعنوا عليها بضعف السند ; بأن في طريقها منصور بن يونس بن بزرج، وقال


1. الشيخ المفيد في المقنعة: 344، والشيخ الطوسي في النهاية: 153. 2. الانتصار: 62. 3. الكافي في الفقه: 179. 4. المهذب 1: 192. 5. الدروس 1: 274. 6. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 7. السرائر 1: 376. 8. المختلف 3: 397. 9. المدارك 6: 46. 10. المختصر النافع 1: 66. 11. الانتصار: 62. 12. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 13. المنتهى 2: 564، وانظر المقنعة: 345، والمبسوط 1: 270. 14. التهذيب 4: 203 ح 585، الوسائل 7: 20 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 2.

[ 95 ]

الشيخ: إنه واقفي (1)، ونقل الكشي رواية تدل على أنه جحد النص على الرضا عليه السلام لأموال كانت في يده (2). وفيه: أن النجاشي وثقه من دون ذكر الوقف (3)، ولو ثبت فالخبر موثق، وهو حجة، سيما مع اعتضادها بعمل القدماء، وخصوصا مع أن الراوي عنه ابن أبي عمير، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، ولا يروي إلا عن ثقة كما ذكروه، وفي طريق الرواية جهالة. وبأن أبا بصير مشترك بين الثقة والضعيف. وفيه: أن التحقيق أنه لااشتراك فيه بينهما، بل الظاهر أنه الثقة، سيما إذا كان راويا عن أبي عبد الله عليه السلام. ووصف العومة في المختلف هذه الرواية بالموثقة أيضا (4). وبأنها مشتملة على مالا يقول به الأصحاب من كونه ناقضا للوضوء. وفيه: أن الحق أنه لا يخرج الخبر بذلك عن الحجية في سائر أجزائه، مع أن الكليني رواها في كتاب الإيمان والكفر في الحسن لإبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن منصور، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إن الكذبة لتفطر الصائم " قلت: وأينا لا يكون ذلك منه ؟ قال: " ليس حيث ذهبت " (5) إلى آخر الحديث. وكذلك الصدوق رواها في الفقيه بسنده عن منصور - وهو صحيح كما في الخلاصة (6) - عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام: " إن الكذبة على الله وعلى رسوله


1. رجال الشيخ الطوسي: 360 رقم 21. 2. رجال الكشي 2: 768 رقم 893. 3. رجال النجاشي: 413 رقم 1100. 4. المختلف 3: 399. 5. الكافي 2: 254 ح 9، وج 4: 89 ح 10. 6. الخلاصة: 277.

[ 96 ]

وعلى الأئمة عليهم السلام تفطر الصائم " (1) وليس فيهما نقض الوضوء. فهذه الرواية، مع عمل القدماء، وورودها في الكتب الثلاثة، يكفي في إثبات المطلب. ودلالتها أيضا واضحة، فإن الإفطار إما من باب الحقيقة الشرعية، أو التشبيه بالإفطار، فتعم أحكامه، سيما الشائعة منها، ومنها القضاء والكفارة. والدليل على أن المفطر في شهر رمضان يجب عليه القضاء والكفارة الأخبار الكثيرة، وسيجئ شطر منها. وموثقة سماعة - وفي طريقها عثمان بن عيسى، وهو غير مضر - قال: سألته عن رجل كذب في شهر رمضان، فقال: " قد أفطر وعليه قضاؤه " فقلت: ما كذبته ؟ فقال: " يكذب على الله وعلى رسوله " (2)، رواها في باب ماهية الصيام، وإضمار سماعة غير مضر كما حقق في محله. وروى في باب ما يفسد الصيام أيضا في الموثق عنه، قال: سألته عن رجل كذب في شهر رمضان قال: " قد أفطر وعليه قضاؤه وهو صائم يقضي صومه ووضوءه إذا تعمد " (3) ولا يضر اشتمالها على قضاء الوضوء كما مر، وحمله الشيخ في الوضوء على الاستحباب (4). والعجب أن العومة وغيره من المتأخرين اكتفوا في هذا المقام بهذه الرواية ورواية منصور على ما في التهذيب، وقدحوا فيهما بما قدحوا، مع ما عرفت من وجود غيرهما من دون ورود ماأوردوا. وههنا روايات اخر أيضا: مثل ما رواه في الخصال مرفوعا، عن أبي عبد الله عليه السلام،


1. الفقيه 2: 67 ح 277، الوسائل 7: 21 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 4. 2. التهذيب 4: 189 ح 536، الوسائل 7: 20 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 1. 3. التهذيب 4: 203 ح 586، الوسائل 7: 20 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 3. 4. التهذيب 4: 203.

[ 97 ]

قال: " خمسة أشياء تفطر الصائم: الأكل والشرب، والجماع، والارتماس في الماء، والكذب على الله وعلى رسوله‌صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الأئمة عليهم السلام " (1)، وفي كتاب الإقبال أيضا ما يدل عليه (2). واحتج المتأخرون ; بالأصل، وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (3). والأصل مخرج عنه بما ذكرنا، والصحيحة مع أنها ليست باقية على ظاهرها لا تقاوم ما ذكرنا من الأدلة. ثم إن ظاهر هذا الكلام - يعني أن الكذب على الله مفطر - أنه يعتقد أنه كذب ويقول، لاأن يقول شيئا هو غير مطابق للواقع مع اعتقاد المطابقة، وإن كان الكذب على التحقيق هو المخالف للواقع كما صرح به جماعة (4). وعلى هذا فلو اعتقد المخالفة وقال فهو داخل في المسألة، وإن كان في الواقع موافقا للواقع، فإنه لاريب أن التكاليف منوطة بالعلم. وقال المحقق الأردبيلي رحمه الله: الظاهر أن منه بيان المسائل الدينية على خلاف ماهي عليه (5). أقول: إن أراد أنه إذا اعتقد أنه خلاف حكم الله الواقعي والظاهري كليهما ونسبه إلى الله تعالى فهو كما ذكره، وأما في مثل بعض القاصرين من العلماء والعوام، حيث ينسب القول إلى الله تعالى بمجرد فتوى رآها في كتاب، ولم يكن تكليفه الاقتصار عليه، أو بتقليد من ليس تكليفه تقليده، فهو مشكل، من أنه ليس بحكم الله الواقعي في اعتقاده، ولا الظاهري، ونسب إليه تعالى، ومن أنه لم يعتقد أنه كذب، غاية الأمر عدم اعتقاده للصدق.


1. الخصال: 286 ح 39، الوسائل 7: 21 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 6. 2. الإقبال: 87، الوسائل 7: 21 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 9. 3. المنتهى 2: 565، المختلف 3: 398. 4. الانتصار: 62، النهاية: 153، المهذب 1: 192، المختلف 3: 397. 5. مجمع الفائدة والبرهان 5: 97.

[ 98 ]

وأما لو قال: الحكم هكذا والصلاة هكذا، والصوم هكذا من دون نسبة إلى الله والقصد إلى ذلك أيضا، وإن كان ربما دل (1) على ذلك دلالة تبعية غير مقصودة، فالحكم بالإفساد أشد إشكالا، بل الظاهر عدم الإشكال في العدم. الرابع: الارتماس متعمدا واختلفوا فيه، فأكثر القدماء على أنه مفسد وموجب للكفارة، ونسبه في الدروس إلى المشهور، واختاره هو (2)، وهو مذهب الشيخين في غير التهذيب والاستبصار (3)، وجعله في المبسوط أظهر الروايات (4)، وادعى عليه في الانتصار الإجماع (5)، وهو المنقول عن ابن زهرة (6)، وكذا ظاهر الشيخ في الخلاف (7). وعن أبي الصلاح: وجوب القضاء خاصة (8)، وهو المنقول عن العومة في التلخيص، وظاهر النافع (9). وذهب الشيخ في الاستبصار (10)، وابن إدريس (11)، والفاضلان في جملة من كتبهما (12)، وجماعة ممن تأخر عنهما ; إلى الحرمة (13)، وعدم الإفساد والكفارة.


1. في " م "، " ح " زيادة: نسبته. 2. الدروس 1: 274. 3. المقنعة: 344، النهاية: 153. 4. المبسوط 1: 270. 5. الانتصار: 62. 6. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 7. الخلاف 2: 221 مسألة 85. 8. الكافي في الفقه: 183. 9. المختصر النافع 1: 66. 10. الاستبصار 2: 85. 11. السرائر 1: 376، 386. 12. المختلف 3: 400. 13. المسالك 2: 16، المدارك 6: 48، 88.

[ 99 ]

وعن السيد في الجمل أيضا: التنصيص بعدم الإفساد (1). وعن ابن أبي عقيل: أنه مكروه (2)، وكذا الشيخ في التهذيب (3). والأقوى الأول ; للإجماعات المنقولة، وخصوص رواية الخصال المتقدمة، ومثل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة حيث ذكر فيها الارتماس مع الأكل والشرب وما في معناهما، الظاهرة في تساويه معها. وفي الفقه الرضوي: " واتق في صومك خمسة أشياء تفطرك: الأكل، والشرب، والجماع، والارتماس في الماء، والكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة " (4). وأما الأخبار الدالة على التحريم فهي كثيرة معتبرة، مثل صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " الصائم يستنقع في الماء ولا يرمس رأسه " (5). وصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " الصائم يستنقع في الماء ويصب على رأسه، ويتبرد بالثوب، وينضح المروحة، وينضح البوريا تحته، ولا يغمس رأسه في الماء " (6). وهذه الأخبار مع الأصل، وخصوص رواية إسحاق بن عمار - ووصفها في المنتهى بالموثقة - قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا، أعليه قضاء ذلك اليوم ؟ قال: " ليس عليه قضاؤه ولا يعودن " (7) دليل التحريم وعدم الإفساد. والأصل لا يقاوم الدليل. وكذلك هذه الرواية - مع سلامة سندها - لا تقاوم الإجماعات المنقولة والروايات المتقدمة، سيما مع ما ذكره في المبسوط من كون ذلك


1. الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 2. نقله عنه في المختلف 3: 400. 3. التهذيب 4: 209. 4. فقه الرضا عليه السلام: 207، مستدرك الوسائل 7: 321 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1. 5. التهذيب 4: 203 ح 587، الاستبصار 2: 84 ح 258، الوسائل 7: 24 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 7. 6. الكافي 4: 106 ح 3، التهذيب 4: 204 ح 591، الاستبصار 2: 84 ح 240، الوسائل 7: 22 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 2. 7. التهذيب 4: 209 ح 607، الاستبصار 2: 84 ح 263، الوسائل 7: 27 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 6 ح 1.

[ 100 ]

أظهر الروايات (1)، فإنه يظهر منه أنه كان بخصوص القضاء والكفارة معا رواية. وأما حجة ابن أبي عقيل فهي رواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " يكره للصائم أن يرتمس في الماء " (2). وهي مع سلامة سندها ممنوعة الدلالة ; لمنع الحقيقة الشرعية في الكراهة. تنبيهات: الأول: ذكر جماعة أن المراد هنا بالارتماس غمس الرأس في الماء وإن بقي البدن خارج الماء (3) ; لإطلاق الأخبار. والتأمل فيها يفيد أن المراد به غمسه بعد الاستنقاع أو الارتماس بتمام البدن، ولكن الأحوط، بل الأظهر الوقوف معهم. وقال الشهيد الثاني رحمه الله: المراد به غمس الرأس في الماء دفعة واحدة عرفية (4)، ويشكل بأنه لادليل على إخراج مالو غمسه تدريجا ; لصدق الارتماس عليه. وأما لو أحاطه ماء غامر بعنوان الصب دفعة، فالظاهر أنه خارج عن مورد الأخبار. ويشكل بما لو غمس جميع المنافذ وبقيت منابت الشعر، نظرا إلى أن الرأس حقيقة في المجموع، وإلى أن الحكمة لعلها دخول الماء في الجوف من المنافذ، وهي موجودة فيما نحن فيه، وكذلك الإشكال لو بقي بعض المنافذ كالعين والاذن. الثاني: إطلاق النص وكلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين النافلة والفريضة، فمن قال بالإفساد يقول به فيهما، ومن يقول بالتحريم فقط فالأظهر فيها أيضا التحريم كالتكفير في الصلاة، هذا إذا اريد بقاء الصوم، وإلا فيجوز قولا واحدا.


1. المبسوط 1: 270. 2. التهذيب 4: 209 ح 606، الاستبصار 2: 84 ح 262، الوسائل 7: 24 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 9. 3. غاية المراد 1: 305، مجمع الفائدة والبرهان 5: 103، كفاية الأحكام: 47. 4. الروضة البهية 2: 92، المسالك 2: 16.

[ 101 ]

الثالث: إن قلنا بالتحريم فقط ; فالثمرة حصول العقاب ونقص الكمال. وجعل في المسالك من ثمراتها بطلان الفعل الارتماسي حينئذ ; لأن النهي تعلق بجزء العبادة (1). وفيه إشكال من وجهين: الأول: إن النسبة بين حرمة الارتماس ودليل الغسل عموم من وجه، ولا دليل على استحالة اجتماعهما حينئذ كما حققناه في الاصول (2). والثاني: منع كون رمس الرأس جزءا، بل إنما هو إيصال الماء إلى كل جزء جزء من الرأس، ورمسه في الماء مباح، والحرام إنما هو جمع الكل فيه، وكونه جزء الغسل ممنوع، كذا ذكره بعض الأفاضل (3). وقال في المدارك: يتم البطلان إذا وقع الغسل حال الارتماس وحال الاستقرار، وأما لو وقع في حال الأخذ في رفع الرأس من الماء، فإنه يجب الحكم بصحته ; لأن ذلك واجب محض لم يتعلق به نهي أصلا، فينتفي المقتضي للفساد (4). أقول: ويشكل إذا تعمد الارتماس عالما بحرمته ; لصيرورته بنفسه سببا لذلك، فلا يستحيل التكليف بما لا يطاق، وإن قيل: إن هذا ليس بارتماس، فيخرج عن المسألة. وأما الناسي ; فلا إشكال في صحة غسله، كما لاإشكال في صحة صومه على القول بالإفساد. وأما الجاهل ; فإن كان غافلا عن المسألة وعن وجوب تحصيلها إجمالا وتفصيلا فكذلك، وإلا فالظاهر أنه كالعامد، كما حققناه في الاصول، مع إشكال في الكفارة على القول بها.


1. المسالك 2: 17. 2. القوانين 1: 153. 3. الحدائق 13: 140. 4. المدارك 6: 51.

[ 102 ]

الخامس: يجب الإمساك عن إيصال الغبار إلى الحلق عمدا، سواء كان بقصد ذلك بالذات، أو بأن يقوم في مقام يوجب ذلك من دون اضطرار. وقيده الأكثر بالغليظ، والمستند أعم. وحد الحلق: مخرج الخاء المعجمة. وهو مفسد للصوم عند أكثر الأصحاب، بل يظهر من التذكرة أنه مذهب علمائنا، حيث نسب الخلاف إلى الجمهور (1)، وعن ابن زهرة أنه ادعى عليه الإجماع، إلا أنه عبر بالشم الموجب لوصول شئ إلى الجوف (2)، وكذلك عن ابن إدريس في القضاء (3). قال في المنتهى: وعلى قول السيد المرتضى - رضي الله عنه - ينبغي عدم الإفساد بذلك (4). والظاهر أن مراده من قوله هو عدم الإفساد بأكل غير المعتاد كما اختاره في الجمل (5). والحق أنه على قول المشهور من إفساد غير المعتاد لا يندرج ذلك فيه، فإنه أكل غير معتاد ; لأن المأكول غير معتاد، فالتمسك بأنه نوع من المتناولات فيفطر ضعيف، وإن كان يمكن التأييد به. فحجة المشهور: هي رواية سليمان بن جعفر المروزي، قال: سمعته يقول: " إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان، أو استنشق متعمدا، أوشم رائحة غليظة، أو كنس بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن ذلك له مفطر كالأكل


1. التذكرة 6: 25، وانظر المجموع 6: 327، والمبسوط للسرخسي 3: 98، والمهذب للشيرازي 1: 190، والمغني 3: 40، والشرح الكبير 3: 48. 2. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 3. السرائر 1: 377. 4. المنتهى 2: 565. 5. الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54.

[ 103 ]

والشرب والنكاح " (1). ويظهر من المحقق في المعتبر التوقف ; لإضمار الرواية (2). والأقوى هو المشهور ; لانجبار ضعف الرواية بعملهم، ولا يضر ضعف الرواية ولا إضمارها، بل كلما كانت الرواية أضعف يصير الاعتماد عليها مع العمل أقوى، وكذلك لا يضر اشتمالها على مالا يقول به الأصحاب من حكاية المضمضة والاستنشاق. وأما شم الرائحة الغليظة فهو مما ليس مهجورا عندهم، بل جعله الشيخ في النهاية (3) وابن البراج (4) مما يوجب القضاء والكفارة إذا وصلت إلى الجوف، مع أن الشيخ في المبسوط جعل ذلك مقتضى الروايات (5)، وهو مشعر بكثرتها. وأما ما يدل على المنع (6) ; فهو الأصل، وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة، فإن الغبار ليس بطعام ولاشراب. وموثقة عمرو بن سعيد، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه، قال: " جائز لا بأس به " قال: وسألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه، قال: " لا بأس به " (7). وفيه: أن الأصل لا يقاوم الدليل، والصحيحة ليست باقية على عمومها كما مر، والموثقة لم تدل على تعمد الإيصال، بل هي ظاهرة في دخوله من دون الاختيار. ومع التسليم فهجر الأصحاب هذه مع كونها أوضح سندا وأسلم من كثير مما في


1. التهذيب 4: 214 ح 621، الاستبصار 2: 94 ح 305، الوسائل 7: 48 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 22 ح 1. 2. المعتبر 2: 654. 3. النهاية: 154. 4. المهذب 1: 192. 5. المبسوط 1: 271. 6. يعني: منع الإفساد للصوم. 7. التهذيب 4: 324 ح 1003، الوسائل 7: 48 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 22 ح 2.

[ 104 ]

مستندهم أدل دليل على عدم اعتبارها. وأما الكفارة ; فظاهر الأكثر وجوبها (1)، وبعضهم اكتفى بذكر القضاء (2)، وبعضهم صرح بعدمها كابن إدريس، قال: وأما غبار النفض، فالذي يقوى في نفسي أنه يوجب القضاء دون الكفارة إذا تعمد الكون في تلك البقعة من غير ضرورة، فأما إذا كان مضطرا إلى الكون في تلك البقعة وتحفظ واحتاط في التحفظ ; فلاشئ عليه من قضاء وغيره (3)، انتهى. ولما كان المستند هو رواية سليمان فالأظهر الوقوف مع الأكثر. ثم إن ظاهرهم عدم الفرق بين مالو كان الغبار من حلال كالدقيق، أو غيره كالتراب. وتقييدهم بالغليظ إن كان غرضهم الاحتراز عما لا يحس حصوله في الحلق فلا بأس به، وأما مع حصوله في الحلق سيما بحيث يخرج شئ محسوس منه بالتنحنح فلا فرق بين الغليظ وغيره. ثم إنه يشكل الأمر في مثل الحصاد المستلزم لذلك غالبا، فإن تركه مستلزم للضرر العظيم، وارتكابه في الليل موجب لذلك والعسر الشديد، والظاهر أنه مع التحفظ مهما أمكن غير مضر وإن وصل إلى حلقه شئ. وألحق جماعة من المتأخرين الدخان الغليظ الذي فيه أجزاء تتعدى إلى الحلق (4)، وهو أحوط. السادس: يجب الإمساك عن البقاء على الجنابة عمدا إلى الصباح، سواء نوى


1. المبسوط 1: 271، الاقتصاد: 287، الخلاف 2: 177 مسألة 17، المختلف 3: 404. 2. المقنعة: 359، الكافي في الفقه: 183، المدارك 6: 78. 3. السرائر 1: 377. 4. نسبه إلى المتأخرين في المدارك 6: 52، وانظر المعتبر 2: 654، والذخيرة: 499.

[ 105 ]

أن يغتسل بعد الفجر أو نوى أن يشرع في الغسل في وقت لا يقع تمامه قبل الفجر أو لا ; فإن كل ذلك في معنى تعمد البقاء على الجنابة، ومفسد للصوم، وموجب للكفارة، وهو المشهور المعروف من مذهب الأصحاب، وفي الانتصار والوسيلة والسرائر أنه إجماعي (1)، ونقل ذلك عن الخلاف والغنية وكشف الرموز أيضا (2)، وهو الظاهر من العومة في التذكرة والمنتهى في الإفساد (3). وعن الصدوق في المقنع: القول بعدم الوجوب، حيث قال: سأل حماد بن عثمان أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل، وأخر الغسل إلى أن يطلع الفجر، فقال له: " قد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجامع نساءه من أول الليل، ويؤخر الغسل حتى يطلع الفجر، لاأقول كما يقول هؤلاء الأقشاب: يقضي يوما مكانه " (4). ونقل عنه - رحمه الله - أن عادته في هذا الكتاب نقل متون الأخبار والإفتاء بها. ومال إليه المحقق الأردبيلي رحمه الله (5). وذهب ابن أبي عقيل إلى وجوب القضاء فقط (6)، والأقوى الأول. لنا: الإجماعات المنقولة، والأخبار المعتبرة المستفيضة جدا، مثل صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال في رجل احتلم أول الليلة أو أصاب من أهله ثم نام متعمدا في شهر رمضان حتى أصبح قال: " يتم صومه ذلك ثم يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان ويستغفر ربه " (7).


1. الانتصار: 63، الوسيلة: 142، السرائر 1: 377. 2. الخلاف 2: 174، الغنية (الجوامع الفقهية): 570، كشف الرموز 1: 284. 3. التذكرة 6: 49، المنتهى 2: 565. 4. المقنع (الجوامع الفقهية): 16، الوسائل 7: 38 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 3، أقشاب جمع قشب، وهو من لا خير فيه من الرجال (مجمع البحرين 2: 143). 5. مجمع الفائدة والبرهان 5: 35. 6. نقله عنه في المختلف 3: 407. 7. الكافي 4: 105 ح 1، الوسائل 7: 43 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 1.

[ 106 ]

وصحيحة عبد الله بن أبي يعفور قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح، قال: " يتم يومه ويقضي يوما، وإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم يومه وجاز له " (1). وصحيحة معاوية بن عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يجنب في أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان، قال: " ليس عليه شئ " قلت: فإنه استيقظ ثم نام حتى أصبح، قال: " يقضي ذلك اليوم عقوبة " (2). وصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في شهر رمضان ثم ينام قبل أن يغتسل، قال: " يتم صومه ويقضي ذلك اليوم، إلا أن يستيقظ قبل الفجر، فإن انتظر ماءا يسخن أو يستقى فطلع الفجر فلا يقضي يومه " (3). وصحيحة أحمد بن محمد، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان، أو أصابته جنابة، ثم ينام حتى يصبح متعمدا، قال: " يتم ذلك اليوم وعليه قضاؤه " (4). وموثقة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح، قال: " يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا " قال، وقال: " إنه حقيق أن لاأراه يدركه أبدا " (5).


1. في الفقيه 2: 75 ح 323، والتهذيب 4: 211 ح 612 صومه بدل يومه، الاستبصار 2: 86 ح 269، وفي الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 2، ثم يستيقظ ثم ينام ثم يستيقظ ثم ينام. 2. التهذيب 4: 212 ح 615، الاستبصار 2: 87 ح 271، الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 1، وفيها: فليقض. 3. الكافي 4: 105 ح 2 وفيه: يصيب الجارية، التهذيب 4: 211 ح 613، الاستبصار 2: 86 ح 270، الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 3. 4. التهذيب 4: 211 ح 614، الاستبصار 2: 86 ح 268، الوسائل 7: 42 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 4. 5. التهذيب 4: 212 ح 616، الاستبصار 2: 87 ح 272، الوسائل 7: 43 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 2. وفي بعضها: لخليق، بدل حقيق.

[ 107 ]

وموثقة سماعة، قال: سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان، فنام وقد علم بها ولم يستيقظ حتى أدرك الفجر، قال: " عليه أن يتم صومه، ويقضي يوما آخر " فقلت: إذا كان ذلك من الرجل وهو يقضي رمضان ؟ قال: " فليأكل يومه ذلك وليقض، فإنه لا يشبه رمضان شئ من الشهور " (1). ورواية إبراهيم بن عبد الحميد، عن بعض مواليه، قال: سألته عن احتلام الصائم قال، فقال: " إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلايتم (2) حتى يغتسل، وإن أجنب ليلا في شهر رمضان، فليس له أن ينام إلا ساعة حتى يغتسل، فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا وقضاء ذلك اليوم ويتم صيامه، ولن يدركه أبدا " (3). ورواية سليمان بن جعفر (4) المروزي، عن الفقيه عليه السلام، قال: " إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولم يغتسل حتى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم " (5) إلى غير ذلك من الأخبار. حجة القول الآخر: الأصل، وقوله تعالى: * (حتى يتبين) * (6) فإنه غاية للأمور الثلاثة، والأخبار المعتبرة، مثل صحيحة العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان في أول الليل وأخر الغسل حتى يطلع الفجر، قال: " يتم صومه ولاقضاء عليه " (7).


1. التهذيب 4: 211 ح 611، الاستبصار 2: 86 ح 267، الوسائل 7: 42 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 5، بتفاوت يسير. 2. في التهذيب والوسائل: فلاينم، وفي الاستبصار: فليس له أن ينام. 3. التهذيب 4: 212 ح 618، وص 320 ح 982، الاستبصار 2: 87 ح 274، الوسائل 7: 43 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 4. 4. في التهذيب وبعض نسخ الاستبصار حفص، وهو الأصوب، انظر معجم رجال الحديث رقم 5418. 5. التهذيب 4: 212 ح 617، الاستبصار 2: 87 ح 273، الوسائل 7: 43 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 3. 6. البقرة: 187. 7. التهذيب 4: 210 ح 608، الاستبصار 2: 85 ح 264، الوسائل 7: 39 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 4.

[ 108 ]

وصحيحته الاخرى، عنه عليه السلام: عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ، ثم ينام قبل أن يغتسل، قال: " لا بأس " (1). وصحيحة حبيب الخثعمي، عنه عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي صلاة الليل في شهر رمضان ثم يجنب ثم يوخر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر " (2). ورواية إسماعيل بن عيسى، قال: سألت الرضا عليه السلام عن رجل أصابته جنابة فنام عمدا حتى يصبح، أي شئ عليه ؟ قال: " لا يضره ولايبالي، فإن أبي عليه السلام قال، قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أصبح جنبا من جماع من غير احتلام قال: لا يفطر ولايبالي " (3) الحديث، إلى غير ذلك من الأخبار. والجواب عن الأصل ; أنه مخرج عنه بالدليل. وعن الآية، أنه لادليل على لزوم إرجاع المخصص المتعقب للجمل إلى الجميع، وإنما يضم الأكل إلى الشرب للإجماع، ولا إطلاق في الآية بحيث يعتمد عليه، مع أنه رفع للسلب الكلي السابق، وهو حرمة الجماع في تمام الليل، ويحصل بالإيجاب الجزئي وإرجاع الإطلاق إلى العموم للخروج عن اللغوية، وهو يتم بحمله على مقدار يمكن بعده الغسل، فلا ضرورة إلى الأزيد. سلمنا، لكنها مخرج عنها بالأخبار المستفيضة المعتبرة الموافقة لجمهور الأصحاب والإجماعات المنقولة. وأما الأخبار فهي محمولة على التقية ; لموافقتها للعامة، كما ينادي به سياق بعضها، حيث نسب ذلك إلى عائشة، وإلى فعل رسول الله صلى الله عليه وآله على سبيل الاستمرار، مع كونه مرجوحا اتفاقا.


1. الفقيه 2: 75 ح 325، الوسائل 7: 38 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 2. 2. التهذيب 4: 213 ح 620، الاستبصار 2: 88 ح 276، الوسائل 7: 44 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 5. 3. التهذيب 4: 210 ح 610، الاستبصار 2: 85 ح 266، وص 88 ح 275، الوسائل 7: 39 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 6، بتفاوت بين المصادر.

[ 109 ]

ويمكن حمل بعضها على صورة العزم على الغسل، كصحيحة العيص وما في معناها. وبالجملة المسألة واضحة. وينبغي التنبيه لأمور: الأول: إن ظاهر كلام الأصحاب في بيان ماهية الصوم " أنه هو الإمساك عن الامور المحصورة التي منها البقاء على الجنابة متعمدا " يقتضي التعميم في كل صوم، ولكن الأخبار كما ترى واردة في شهر رمضان، ولذلك تردد العومة في المنتهى (1). وقال في المعتبر: ولقائل أن يخص هذا الحكم برمضان (2). أقول: والأظهر إلحاق قضاء شهر رمضان به في الإفساد ; لصحيحة عبد الله بن سنان: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب في أول الليل، ولا يغتسل حتى يجئ آخر الليل، وهو يرى أن الفجر قد طلع، قال: " لا يصوم ذلك اليوم، ويصوم غيره " (3). وصحيحته الاخرى، قال: كتب أبي إلى أبي عبد الله عليه السلام وكان يقضي شهر رمضان، وقال: إني أصبحت بالغسل وأصابتني جنابة فلم اغتسل حتى طلع الفجر، فأجابه: " لاتصم، هذا اليوم، وصم غدا " (4) وقد مرت موثقة سماعة أيضا. ويظهر من هذه الأخبار: أن المجنب لا يصح منه القضاء وإن كان أصبح جنبا سهوا، أو من غير علم كما لو احتلم ولم يعلم حتى أصبح. واحتمل الشهيد الجواز مع التضيق إن لم يعلم الجنابة حتى أصبح (5)، وكذلك


1. المنتهى 2: 566. 2. المعتبر 2: 656. 3. التهذيب 4: 277 ح 837، الوسائل 7: 46 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 1. 4. الكافي 4: 105 ح 4، الوسائل 7: 46 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 2. 5. الدروس 1: 271.

[ 110 ]

احتمله في المسالك (1). أقول: ويؤيده أن ظاهر الأخبار أيضا صورة التوسعة. وأما الصوم المندوب، فجوزه بعضهم (2)، ومنعه بعضهم (3)، وتردد بعضهم (4)، والأقرب الجواز ; لصحيحة حبيب الخثعمي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن التطوع وعن صوم هذه الثلاثة الأيام، إذا أجنبت من أول الليل فأعلم أني قد أجنبت فأنام متعمدا حتى ينفجر الفجر، أصوم أو لاأصوم ؟ قال: " صم " (5). وموثقة ابن بكير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب ثم ينام حتى يصبح، أيصوم ذلك اليوم تطوعا ؟ فقال: " أليس هو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار " (6) وله رواية اخرى تدل عليه أيضا (7). وأما سائر أفراد الصيام ; فالأصل يقتضي عدم اشتراطها بذلك. وإطلاق الأصحاب - سيما مع إشكالهم في قضاء رمضان وصيام الندب - لا يبقى معه اعتماد عليه، وخصوصا مع ملاحظة موثقة سماعة المتقدمة المنبهة على أن شهر رمضان مخالف لغيره، وكذلك مفهوم قوله عليه السلام: " إذا أفطر من شهر رمضان " في صحيحة الحلبي المتقدمة، وسبيل الاحتياط واضح. وقال في المسالك: وفي حكم القضاء النذر المطلق، والكفارة قبل التلبس بها، ولو كان في الأثناء حيث يشترط التتابع أو في أثناء صوم يشترط تتابعه وجهان، أجودهما


1. المسالك 2: 47. 2. كالشهيد في الدروس 1: 271، وصاحب المدارك 6: 56. 3. كالمفيد في المقنعة: 360، والعلامة في المختلف 3: 575. 4. كالشهيد الثاني في المسالك 2: 48. 5. الفقيه 2: 49 ح 212، الوسائل 7: 47 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 20 ح 1 وكلمة " صوم " ليست في نسخة " م " وكذا بعض نسخ الوسائل والكافي. 6. الكافي 4: 105 ح 3، الوسائل 7: 47 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 20 ح 2. 7. التهذيب 4: 322 ح 989، الوسائل 7: 47 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 20 ح 3.

[ 111 ]

عدم صحة الصوم، ولا يقطع التتابع ; لعدم التقصير (1). وناقشه في المدارك: بمنع الدليل على الإلحاق، وبمنع عدم انقطاع التتابع، وعدم لزوم الإثم لا يستلزم حصول الامتثال (2)، وهو كما ذكره. الثاني: قال في المنتهى: لم أجد لأصحابنا نصا صريحا في حكم الحيض في ذلك، يعني أنها إذا انقطع دمها قبل الفجر هل يجب عليها الاغتسال ويبطل الصوم لو أخلت به حتى يطلع الفجر ؟ الأقرب ذلك ; لأن حدث الحيض يمنع الصوم، فكان أقوى من الجنابة (3)، وهو مختار جماعة من الأصحاب، منهم ابن أبي عقيل (4). وعن النهاية الجزم بالعدم (5)، وهو قضية كلام من ذكر المفطرات ولم يذكر ذلك كالشيخ في الجمل والمبسوط (6) وابن حمزة (7) كما نقل عنهما، ومال إليه في المدارك (8). وتوقف المحقق في المعتبر (9). والأول أقوى ; لموثقة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن طهرت بليل من حيضها ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت كان عليها قضاء ذلك اليوم " (10). والظاهر عدم وجوب الكفارة كما صرح به جماعة (11) ; للأصل، وجعلها العلامة في المختلف كالجنب (12)، وهو ضعيف.


1. المسالك 2: 47. 2. المدارك 6: 154. 3. المنتهى 2: 566. 4. حكاه في المنتهى 2: 566. 5. نهاية الإحكام: 119. 6. الجمل والعقود (الرسائل العشر): 212، المبسوط 1: 269. 7. الوسيلة: 142. 8. المدارك 6: 57. 9. المعتبر 1: 226. 10. التهذيب 1: 393 ح 1213، الوسائل 7: 48 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 21 ح 1. 11. حكاه عن ابن أبي عقيل في المنتهى 2: 566، وصرح به في الحدائق 13: 123، والرياض 5: 319. 12. المختلف 3: 410.

[ 112 ]

ثم إن الظاهر أن الحكم مختص برمضان ; للأصل، وعدم الدليل في غيره. وأما دم النفاس ; فالأظهر أنه كالحيض كما اختاره جماعة من الأصحاب (1)، ويدل عليه ما يفهم من الأخبار من مساواة النفساء مع الحائض وإجماعهم على أنه يحرم عليها ما يحرم عليها، بل قال في المعتبر: إنه مذهب أهل العلم كافة (2). وأما غسل مس الميت ; فالأصل يقتضي عدم وجوبه له، ولم أقف فيه على قول بالوجوب، وصرح المحقق الأردبيلي - رحمه الله - بعدمه (3). وأما غسل الاستحاضة، فالمشهور بين الأصحاب بطلان الصوم بالإخلال بالأغسال التي تجب عليها (4)، بل قال في المدارك: هذا مذهب الأصحاب (5)، وربما يدعى اتفاقهم عليه. والأصل في المسألة صحيحة علي بن مهزيار، قال: كتبت إليه: امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان، ثم استحاضت فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، هل يجوز صومها وصلاتها أم لا ؟ قال: " تقضي صومها، ولا تقضي صلاتها ; لأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر فاطمة والمؤمنات من نسائه بذلك " (6). والمناقشة فيها بالإضمار مع كون المكاتب هو الثقة الجليل لا يضر، مع أن في الكافي: كتبت إليه عليه السلام، وفي الفقيه: فكتب عليه السلام. وكذلك الطعن فيها باشتمالها على خلاف ما عليه الأصحاب من عدم وجوب


1. منهم ابن إدريس في السرائر 1: 154، والشهيد في روض الجنان: 90، والمقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 1: 170. 2. المعتبر 1: 257. 3. مجمع الفائدة والبرهان 5: 47. 4. كما في الحدائق 13: 135. 5. المدارك 2: 38. 6. الكافي 4: 36 ح 6، الفقيه 2: 94 ح 419، التهذيب 4: 310 ح 937، الوسائل 7: 45 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 18 ح 1.

[ 113 ]

القضاء كما مر مرارا. وقد توجه بتوجيهات، أوجهها: أن كلمة " لا " من توهم الراوي، أو تصحيف كلمة " ولاء " بالمد ردا على توهم أنها تفرق في قضاء الصوم، للفرق بين القضاء والأداء، فلعله عليه السلام كتب تحت قوله: " صومها " تقضي صومها ولاءا، وتحت قوله: " صلاتها " تقضي صلاتها. وربما يؤيد ذلك بمكاتبة الصفار التي وردت في قضاء صوم الولي، ففي جملتها: أنه يقضي عشرة أيام، ولكن يقدح فيها ما ذكره بعض المحققين (1) من عدم ارتباط السؤال بالجواب فإن مورد السؤال من الامور النادرة، والجواب يشعر بكثرة الوقوع من جهة قوله عليه السلام " كان يأمر " فلعل ذلك كان جواب السؤال عن الحيض، فإن هذه العبارة وردت في بعض أخبار الحيض بعينها. ولعل ذلك حصل من جهة غفلة الناقل، فإن من شأن المكاتبة الجمع بين السؤالات المختلفة، وبأدنى غفلة تلتبس أوضاع السؤال والجواب، ولذلك يظهر من بعضهم التوقف كالشيخ في المبسوط حيث أسندها إلى رواية الأصحاب (2). وكيف كان ; فهذه الرواية مع عمل الأصحاب يكفي في إثبات هذا الحكم. ولكن الإشكال في تحقيق الشرط أنه أي شئ هو، فهل هو جميع الأغسال أو بعضها، أو هي مع ضمائمها كالوضوء لكل صلاة، أو ذلك مع تغيير القطنة والخرقة أيضا ؟ فقد اختلف كلام الأصحاب فيه، وقد حصرها بعض الأفاضل في وجوه ستة (3): الأول: اشتراط صومها بكل ما عليها كما هو ظاهر الشيخ في النهاية (4) وابن إدريس (5).


1. منتقى الجمان 2: 502. 2. المبسوط 1: 68، وانظر المدارك 6: 39. 3. انظر الذخيرة: 76، ومشارق الشموس: 385. 4. النهاية: 165. 5. السرائر 1: 153.

[ 114 ]

والثاني: عدم اشتراطه بشئ منها كما يظهر من المبسوط والمنتهى، حيث أشعر كلامهما بالتوقف في القضاء إن أخلت بالأغسال (1). والثالث: اشتراطه بالغسل النهاري خاصة، وهو اختيار الشهيد في الدروس والبيان (2). والرابع: اشتراطه بالغسل الفجري، وعدم اشتراطه بالغسل للظهرين إن تجددت الكثرة في اليوم، وهو الذي احتمله العلامة في التذكرة (3). والخامس: اشتراطه بالغسل الفجري خاصة، وهو الذي احتمله العلامة في النهاية (4) مع وجوب تقديمه على الصوم، بناءا على أنه لا يكون مشروطا إلا بما تقدمه. والسادس: اشتراطه بما قارنه أو تقدم عليه، لا بما تأخر عنه، وهو الذي اختاره الشهيد الثاني في الروضة، قال: وربما يحتمل وجوب القضاء عليها مع صحة صومها ; لأن القضاء بأمر جديد، ورد به النص وأفتى به الأصحاب، ولم يقم على الفساد دليل، وإيجاب القضاء لا يدل عليه (5). أقول: ولا ينبغي التأمل بناءا على العمل بالرواية كما هو الوجه في بطلان الصوم ووجوب القضاء لمن تركت جميع ما عليها بناءا على حمل سؤال الراوي على السالبة الكلية بالنسبة إلى جميع ما يجب عليها، وأما على حمله على السلب الجزئي كما هو الظاهر في رفع الإيجاب الكلي فالظاهر اختصاص اشتراطه بالأغسال النهارية، وتخصيص الغسل لكل صلاتين إما من باب المثال، أو اريد جمع صلاة الليل مع الغداة أيضا، والقيد بقوله " لكل صلاتين " وارد مورد الغالب، لكون المتوسطة من الأفراد النادرة، ولا حجة في القيد إذا ورد مورد الغالب، مع أن الظاهر


1. المبسوط 1: 68، المنتهى 1: 121. 2. الدروس 1: 271، البيان: 66. 3. التذكرة 1: 292. 4. نهاية الإحكام 1: 127. 5. الروضة البهية 2: 103.

[ 115 ]

عدم القول بالفصل. وأما الوضوء وتغيير القطنة والخرقة فليست من متممات الغسل كما حققناه في محله، بل الظاهر أنها لتصحيح الصلاة، مع أنه إنما سئل عن الغسل. وكذلك الظاهر عدم اشتراط تقديم الغسل الفجري على الفجر ; لعدم اشتراطه في غسل المستحاضة، ولا استبعاد في تأثير ذلك في تصحيح ما تقدمه من الزمان، بخلاف الغسل الليلي الآتي. وأما اشتراط الغسل الليلي للصوم الآتي فلا يبعد اشتراطه، إلا أن يداخله في الفجري الآتي، أو برئت في الليل واغتسلت للبرء. تنبيهات: الأول: لو استحاضت بعد صلاة الغداة أو صلاة الظهر والعصر، فالظاهر عدم وجوب الغسل، حتى يأتي وقت الصلاة الاخرى ; لأن المستفاد من الرواية إنما هو اشتراطه بالغسل الواجب للصلاة، والمفروض عدمه. الثاني: هذا الحكم مختص بشهر رمضان لاغير، اقتصارا فيما خالف الأصل على مورد النص. الثالث: لو لم يتمكن الجنب وأخواته من الغسل، ففي وجوب التيمم عليهم قولان، أصحهما الوجوب ; لما مر في مبحث التيمم ; من أنه يجب لكل ما تجب له المائية (1)، ويلزمه القول بوجوب القضاء والكفارة مع تعمد الترك. وحينئذ فهل يجب البقاء عليه إلى الفجر ؟ فيه أيضا قولان، وما ذكروه في وجه القولين لا يخلو عن ضعف، والأولى أن يبنى ذلك على أن التيمم هل هو رافع لوصف الحالة المانعة إلى زمان التمكن من الغسل، أو إلى أحد الأمرين من ذلك، أو


1. الجزء الأول: 213.

[ 116 ]

حصول ناقض له. ويتفرع على ذلك: أن الجنب إذا تيمم ثم أحدث بحدث أصغر، هل يجب عليه الوضوء أو التيمم بدلا عن الغسل إلى أن يتمكن من الغسل ؟ وقد ذكرنا في مبحث التيمم أن المشهور الثاني (1) ; لاستصحاب الحالة المانعة، فإن لم يعلم ارتفاعه، إلا إلى أحد الأمرين، فلا يمكن استصحاب حالة ارتفاع المانع إلى زمان التمكن من الغسل، فإنه إنما يصح إذا ثبت الارتفاع على الإطلاق، وهو ممنوع، واستصحاب المحدود في نفس الأمر مع جهالة الحد غير معقول. وكذلك لا يمكن استصحاب حالة التيمم ; لأنها أيضا غايتها محدودة في نفس الأمر، وجهالة الحد يورث الإجمال في زمان تأثيره، فيسقط عن درجة الاعتماد. ومقتضى ذلك لزوم البقاء على التيمم، ولزوم الإعادة لو حصل حدث، وعدم جواز النوم إلا مع إمكان الانتباه أو الاعتياد عليه ليعيد التيمم بدلا. ولكن يمكن منع عموم مادل على كون التعمد على الجنابة إلى الفجر مبطلا (2) لمثل هذه الجنابة التي عاد أثرها بعد التيمم، فيشكل الحكم بوجوب القضاء، وأبعد منه الحكم بوجوب الكفارة. الرابع: إذا نام غير ناو للغسل حتى أصبح يجب عليه القضاء والكفارة، هكذا ذكره المحقق (3) والعومة (4)، مستدلين بأنه مع العزم على ترك الاغتسال يسقط اعتبار النوم ويعود كالمتعمد للبقاء على الجنابة. وجعل صاحب المدارك مراد المحقق من النوم غير ناو للغسل ; هو عدم العزم على الغسل، لا العزم على عدمه، فرقا بينه وبين المسألة المذكورة قبله، وهي تعمد البقاء


1. الجزء الأول: 375. 2. الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15. 3. المعتبر 2: 672. 4. المنتهى 2: 573.

[ 117 ]

على الجنابة، حتى يطلع الفجر (1) ; تبعا لجده في المسالك (2)، وأورد على استدلاله في المعتبر بما نقلنا أن عدم نية الغسل أعم من العزم على ترك الاغتسال. وأنت خبير بما فيه، إذ مراد الفاضلين من هذا الكلام هو النوم بعد العزم على عدم الغسل، وبيان أنه لافرق بين مالو بقي متعمدا الجنابة مستيقظا متذكرا لوجوب الغسل من دون نية، أو نام على هذه الحالة، فلاحظ المنتهى والمعتبر والشرائع في غير موضع (3). ومما يوضح ذلك استدلالهما في المعتبر والمنتهى بالدليل المتقدم، وذلك واضح. والحاصل: أن للتعمد على الجنابة صورا، منها: العزم على البقاء مستيقظا متذكرا إلى الصبح. ومنها: النوم على تلك الحالة سواء اعتاد الانتباه ولم يعد إلى القصد أو لا. ومنها: التردد في الغسل وعدمه إلى الصباح، فإن الظاهر أنه أيضا يصدق عليه أنه بقي على الجنابة متعمدا سواء بقي مستيقظا أو نام على هذا الحال. وأما لو غفل وذهل عن الجنابة، أو عن الغسل قبل الصبح، أو عن كون الليل ليلة الصيام فالحكم بوجوب القضاء مشكل، فضلا عن الكفارة. وإدراجها في مسألة نسيان الغسل الآتية في محلها بعيد ; لعدم انصرافه من الأخبار. ويشكل الكلام فيما لو طرأ النسيان بعد العزم على عدم الغسل أو التردد، والحكم بعدم الفرق بين النوم والنسيان مشكل. الخامس: إذا نوى الاغتسال ونام ولم يستيقظ حتى طلع الفجر، فقال في موضع


1. المدارك 6: 59. 2. المسالك 2: 18. 3. المنتهى 2: 665، 573، المعتبر 2: 672، الشرائع 1: 171.

[ 118 ]

من المعتبر: إنه يفسد صومه ذلك اليوم، وعليه قضاؤه، وهذا قول أكثر علمائنا (1). وقال في موضع آخر منه: إنه لا شئ عليه (2)، وكذلك في الشرائع (3). والحق أن هذا هو المشهور بين الأصحاب، بل هو مذهب الأصحاب كما في المدارك (4)، وعليه عمل الأصحاب كما في المنتهى (5)، بل لافرق بين النوم واليقظة في صورة العزم على الغسل، فلا يجب عليه شئ. وتدل عليه صحيحة العيص بن القاسم المتقدمة (6)، فإن تأخير الغسل ظاهر في إرادة الفعل، مع أن الإطلاق يكفي. وصحيحته الاخرى: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام شهر رمضان قبل أن يغتسل، قال: " لا بأس " (7). وقوية سليمان بن أبي زينبة، قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام أسأله عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل فأخر الغسل حتى طلع الفجر، فكتب إلي بخطه أعرفه مع مصادف: " يغتسل من جنابته، ويتم صومه، ولا شئ عليه " (8). وصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (9). وصحيحة عبد الله بن أبي يعفور الآتية (10).


1. المعتبر 2: 674. 2. المعتبر 2: 671. 3. الشرائع 1: 171، وص 173. 4. المدارك 6: 60. 5. المنتهى 2: 566. 6. التهذيب 4: 210 ح 608، الاستبصار 2: 85 ح 264، الوسائل 7: 39 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 4. 7. الفقيه 2: 75 ح 325، الوسائل 7: 38 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 2. 8. التهذيب 4: 210 ح 609، الاستبصار 2: 85 ح 265، الوسائل 7: 39 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 5. 9. التهذيب 4: 212 ح 615، الاستبصار 2: 87 ح 271، الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 1. 10. الفقيه 2: 75 ح 323، التهذيب 4: 211 ح 612، الاستبصار 2: 86 ح 269، الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 2.

[ 119 ]

وصحيحة ابن أبي نصر عن أبي سعيد القماط: أنه سئل أبو عبد الله عليه السلام عمن أجنب في أول الليل في شهر رمضان فنام حتى أصبح، قال: " لا شئ عليه ; وذلك أن جنابته كانت في وقت حلال " (1) وذلك إذا لم يكن مقصرا. وأما مع التقصير بأن يؤخر ويتراخى إلى زمان لا يسع الغسل بدون عذر، فلا يبعد وجوب القضاء عليه، وإن كان عازما كما نبهت عليه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (2)، وغيرها، فلابد من ملاحظة عدم تفويت الوقت من باب المقدمة، ولكن استفادة لزوم القضاء من الأدلة مشكل، فإن القضاء بفرض جديد، ولا يصدق على هذا تعمد البقاء على الجنابة، وهذا أظهر، وإن كان القضاء أحوط. ثم إن المستفاد من الأصل وظواهر الأخبار (3) جواز النوم، ولكن لابد أن يقيد بما لو احتمل الانتباه، وإلا لدخل في المتعمد على البقاء على الجنابة، بل ربما اعتبر بعض الأصحاب اعتياد الانتباه، وليس ببعيد. والحاصل: أن البقاء على الجنابة، إما يحصل بنفسه وبالذات، أو بفعل ما يستلزمه وإن لم يرد البقاء عليها، وذلك نظير ما ذكروه في كفاية قصد ما يستلزم إقامة العشرة في السفر، وما يستلزم المسافة. والاستشكال في عدم جواز النوم حينئذ سيما على القول بكون وجوب الغسل لغيره وكون التكليف ساقطا مع النوم ضعيف ; لوجوب التهيؤ للغير مع ظن السلامة وإدراك الغير كالحج، وكون مقدمات النوم اختيارية، ولو فرض غلبة النوم بحيث أخرجه عن الاختيار فهو خارج عن المفروض. ثم إذا انتبه ونام ثانيا بنية الغسل ولم يستيقظ حتى الصباح فالمشهور بل الظاهر عدم


1. الفقيه 2: 74 ح 322، الوسائل 7: 38 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 1. 2. الكافي 4: 105 ح 2، التهذيب 4: 211 ح 613، الاستبصار 2: 86 ح 270، الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 3. 3. الوسائل 7: 38 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13.

[ 120 ]

الخلاف أنه يجب عليه القضاء ولا كفارة عليه، أما الثاني فللأصل. وأما الأول فلصحيحة معاوية بن عمار (1)، وصحيحة عبد الله بن أبي يعفور قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يجنب في شهر رمضان ثم ينام، ثم يستيقظ، ثم ينام حتى يصبح، قال: " يتم يومه ويقضي يوما آخر، وإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم يومه وجاز له " (2). والظاهر أن النومة الثانية مباحة مع نية الاغتسال ; للأصل. وقال في المسالك بحرمتها وإن عزم على الغسل واعتاد الانتباه (3)، وهو مشكل ; لعدم الدليل. ولا يدل عليه قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمار: " ويقضي ذلك اليوم عقوبة " (4) فإن ذلك لا يدل على الإثم، ولعله من باب لزوم الإعادة لناسي إزالة النجاسة وإن كان عازما عليها ; لأجل أن يهتم فلا ينساه. وكذلك قوله عليه السلام في رواية إبراهيم بن عبد الحميد: " ليس له أن ينام " (5) فإنها مع ضعفها (6) ممنوعة الدلالة على الحرمة، سيما مع ورود النهي عنه في اليوم فيها مع عدم الدليل على حرمته، بل كون الحرمة فيه خلاف الإجماع، مع أنه - رحمه الله - غير قائل بالتفصيل المذكور فيها. ثم إذا انتبه ونام ثالثا مع العزم على الغسل مع احتمال الانتباه واعتياده ولم ينتبه


1. التهذيب 4: 212 ح 615، الاستبصار 2: 87 ح 271، الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 1. 2. الفقيه 2: 75 ح 323، التهذيب 4: 211 ح 612، الاستبصار 2: 86 ح 269، الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 2، وفيه: يتم يومه، وفي هامشه: يتم صومه. 3. المسالك 2: 18. 4. التهذيب 4: 212 ح 615، الاستبصار 2: 87 ح 271، الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 1. 5. التهذيب 4: 212 ح 618، وص 320 ح 982، الاستبصار 2: 87 ح 274، الوسائل 7: 43 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 4. 6. لعل ضعفها من ناحيتين الأولى: كونها مرسلة، والثانية: لوقوع عبد الرحمن بن حماد في طريقها وقد قال النجاشي فيه: رمي بالضعف والغلو، وقال ابن الغضائري: ضعيف وفي مذهبه غلو، انظر معجم رجال الحديث رقم 6361.

[ 121 ]

حتى الصباح فالمشهور وجوب القضاء والكفارة (1)، ولم نقف على ما يدل عليه من الأخبار. وقد يستدل عليه بأنه متعمد للبقاء على الجنابة حتى الصباح، وهو ممنوع، وبالأخبار الثلاثة المتقدمة الموجبة للكفارة، وهي أيضا ممنوعة الدلالة، ولكن الشيخ ادعى عليه الإجماع في الخلاف (2)، وكذلك ابن حمزة (3) وابن زهرة (4)، وهذا يكفي في إثبات الحكم. وقد يخرج هنا وجه عقلي، وهو أنه يلزم فيه زيادة على المسألة السابقة مع وجوب القضاء فيها، وهو ضعيف. والظاهر أن النوم الثالث مع العزم أيضا مباح، ويجئ على قول الشهيد الثاني أيضا الحرمة هنا بطريق الأولى، وهو ضعيف. السادس: لافرق بين الاحتلام والجماع ; للإطلاق، ولخصوص بعض الأخبار المتقدمة. السابع: يجب الإمساك عن الاستمناء، وهو طلب الإمناء من غير جماع، سواء كان باليد أو بالملاعبة والملامسة، ويفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة بالإجماع، بل نقل على إفساده إجماع العلماء كافة (5)، وذلك إذا أمنى، وإن لم يمن فلا يفسد وإن فعل حراما.


1. منهم المفيد في المقنعة: 347، والشيخ في المبسوط 1: 271، والخلاف 2: 222 مسألة 87، والحلي في السرائر 1: 374، والعلامة في الإرشاد 1: 296، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 3: 70، والسيد في المدارك 6: 89. 2. الخلاف 2: 222 مسألة 87. 3. الوسيلة: 142. 4. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 5. كما في الانتصار: 64، والغنية (الجوامع الفقهية): 571، والمعتبر 2: 654.

[ 122 ]

ويدل عليه مضافا إلى الإجماع الأخبار، مثل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني، قال: " عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع " (1). وحسنة ابن أبي عمير، عن حفص بن سوقة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يلاعب أهله أو جاريته في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء، فينزل، قال: " عليه من الكفارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان " (2). ورواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وضع يده على شئ من جسد امرأته فأدفق، فقال: " كفارته أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، أو يعتق رقبة " (3). والظاهر أن قصد الفعل الذي يوجب الإنزال عادة في حكم القصد إلى الإنزال، وإن لم يقصد الإنزال. واعلم أن صاحب المدارك قال في شرح قول المحقق: " ولو استمنى أو لمس امرأة فأمنى فسد صومه " فقد أطلق المصنف هنا وفي المعتبر كون الإمناء الواقع عقيب اللمس مثل الاستمناء، وهو مشكل، خصوصا إذا كانت الملموسة محللة ولم يقصد بذلك الإمناء، ولاكان من عادته ذلك (4). وقال صاحب الكفاية (5): وقد أطلق الفاضلان (6) وغيرهما أن الإمناء الحاصل عقيب الملامسة مفسد للصوم، واستشكله بعض المتأخرين (7)، ثم قال: والوجه ما ذكره الأصحاب ; لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، إذ لااختصاص


1. التهذيب 4: 206 ح 597، الاستبصار 2: 81 ح 247، الوسائل 7: 25 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 1. 2. الكافي 4: 103 ح 7، التهذيب 4: 321 ح 983، الوسائل 7: 25 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 2. 3. التهذيب 4: 320 ح 981، الوسائل 7: 26 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 5. 4. المدارك 6: 61، وانظر الشرائع 1: 171، والمعتبر 2: 670. 5. كفاية الأحكام: 46. 6. المعتبر 2: 670، المنتهى 2: 564. 7. كصاحب المدارك 6: 61.

[ 123 ]

لها بالاستمناء. أقول: كلما وقفت عليه من كلام الأصحاب صريح أو ظاهر في قصد الإنزال أو قصد الفعل مع الاعتياد به، وليس فيه إطلاق إلا ظاهر عبارة الشرائع هذه وعبارة القواعد، حيث قال: ولو أمنى عقيب الاستمناء أو لمس امرأة فأمنى فسد صومه (1). وعن أبي الصلاح: لو أصغى إلى حديث أو ضم أو قبل فأمنى فعليه القضاء (2). وأما غيرها فقال في المعتبر: ويفطر بإنزال الماء بالاستمناء والملامسة والقبلة اتفاقا (3)، فإن الظاهر أن مراده من الإنزال القصد إلى الإنزال، ومراده بالاستمناء هو المعالجة باليد ونحوها، وبالملامسة والقبلة هو جعلهما وسيلة للإنزال قصدا. وفي موضع آخر: من أمنى بالملاعبة والملامسة أو استمنى ولو بيده لزمته الكفارة، ثم نقل الخلاف عن بعض العامة، ثم قال: لنا أنه أجنب مختارا متعمدا وكان كالمجامع، ولأنه أفطر بإنزاله عمدا فلزمته الكفارة. ثم قال: ويؤيد ذلك ماروي من طريق أهل البيت عليه السلام، ثم نقل رواية عبد الرحمن بن الحجاج، ورواية أبي بصير المتقدمتين (4). فظهر أنه حمل رواية أبي بصير على إرادة القصد بالإنزال، أو مع اعتياده بذلك. وقال في المنتهى: الإنزال نهارا مفطر مفسد للصوم مع العمد، سواء أنزل بالاستمناء أو ملامسة وقبلة بلا خلاف (5)، واستدل بالروايات الثلاث، وقال في موضع آخر ما يؤدي مؤدى العبارة الثانية من المعتبر (6).


1. قواعد الأحكام 1: 373. 2. الكافي في الفقه: 183. 3. المعتبر 2: 654. 4. المعتبر 2: 670. 5. المنتهى 2: 564. 6. المنتهى 2: 571، وانظر المعتبر 2: 670.

[ 124 ]

وقال في التحرير: كل من أنزل نهارا عمدا أفسد صومه، سواء كان باستمناء أو ملامسة أو ملاعبة أو قبلة أو مباشرة أو غير ذلك من أنواع ما يوجب الإنزال (1). وقال في موضع: لو استمنى بيده فأنزل أو أنزل عقيب الملاعبة أو الملامسة أو التقبيل والوطء في غير الفرجين وجب عليه القضاء والكفارة (2). وأنت خبير بأن موضع المسألة في الموضعين من كل من الكتب الثلاثة واحد، والمقصود في أولهما بيان الإفساد، وفي الثاني وجوب القضاء والكفارة، وكلها صريحة أو ظاهرة في القصد إلى الإمناء بالذات أو بما يستلزمه عالما بالاستلزام عادة. فليس في شئ منها أنه لو أمنى بمجرد الملامسة وإن لم يقصد الإنزال ولم يكن معتادا له أنه يجب عليه القضاء والكفارة مع كمال بعد لزوم الكفارة التي هي ناشئة من الإثم غالبا في مثل ذلك مطلقا. وأما في التذكرة فقد ذكر أولا أن الإنزال نهارا عمدا مفسد، سواء كان باستمناء أو ملامسة أو ملاعبة أو قبلة إجماعا، واستدل برواية أبي بصير (3). ثم ذكر الموضع الثاني - أعني وجوب القضاء والكفارة - وقال (4): لو أنزل عند الملامسة أو الملاعبة أو التقبيل أو استمنى بيده، لزمه القضاء والكفارة، وبه قال مالك وأبو ثور (5) ; لأنه أجنب مختارا متعمدا، فكان كالمجامع. ثم استدل بالروايات الثلاث المتقدمة (6)، ثم قال: وقال الشافعي وأبو حنيفة: عليه


1. تحرير الأحكام 1: 77. 2. تحرير الأحكام 1: 79. 2. التذكرة 6: 24. 4. التذكرة 6: 44. 5. الكافي في فقه أهل المدينة: 124، المغني 3: 59، الشرح الكبير 3: 62، المجموع 6: 342، حلية العلماء 3: 204. 6. وهي رواية عبد الرحمن بن الحجاج، ورواية حفص بن سوقة، ورواية أبي بصير، انظر الوسائل 7: 25 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 1، 2، 5.

[ 125 ]

القضاء دون الكفارة (1)، وقال أحمد: تجب الكفارة في الوطء فيما دون الفرج مع الإنزال (2)، وعنه في القبلة واللمس روايتان (3). ثم ذكر في الفصل الرابع كراهة مباشرة النساء تقبيلا ولمسا وملاعبة ; حذرا من الوقوع في الوطء، إلى أن قال: إذا عرفت، فلو قبل لم يفطر إجماعا، فإن أنزل وجب القضاء والكفارة عند علمائنا، وبه قال أحمد ومالك، خلافا للشافعي، وقد سلف (4) و (5). وهذه العبارة، وإن كانت توهم ما فهمه صاحب الكفاية (6)، لكن الحوالة على ما سلف مع التأمل الصادق يكشف عن كون مراده ما ذكرنا. وقال ابن فهد في المهذب: الفصل الثاني، الملاعبة والملامسة، فإن كان مع قصد الإنزال كفر قطعا، وإن كان لامعه فكذلك على المشهور، وقال أبو علي يجب القضاء خاصة، احتج الأولون بأنه أنزل في نهار رمضان عقيب فعل معد للإنزال فكانت عليه الكفارة (7)، إلى آخر ما ذكره. فإن ذكر الاحتجاج على هذا السياق يدل على أن مراد المشهور ليس إطلاق المس كما لا يخفى. وكلام العلامة في المختلف أيضا مثل كلام ابن فهد في النسبة إلى المشهور والاحتجاج بأنه قصد فعلا يحصل معه الإمناء فكان كالمجامع (8).


1. المجموع 6: 341، فتح العزيز 6: 446، حلية العلماء 3: 204، المغني 3: 59، الشرح الكبير 3: 62، بدائع الصنائع 2: 100، المبسوط للسرخسي 3: 65. 2. المغني 3: 59، الشرح الكبير 3: 62، المجموع 6: 342، حلية العلماء 3: 204. 3. الشرح الكبير 3: 63، حلية العلماء 3: 204، المجموع 6: 342. 4. انظر المغني 3: 47، والشرح الكبير 3: 63، والكافي في فقه أهل المدينة: 124،، وفتح العزيز 6: 447، والمجموع 6: 341. 5. التذكرة 6: 91. 6. كفاية الأحكام: 46. 7. المهذب البارع 2: 43. 8. المختلف 3: 435.

[ 126 ]

نعم في عبارة المسالك تصريح بالتعميم (1)، ولكنه في الروضة اعتبر شرط الاعتياد (2). وكذلك الشهيد في الدروس حيث قال: وفي حكم الاستمناء النظر المعتاد والاستمتاع والملاعبة والتخيل إذا قصده (3). وكذلك المحقق الأردبيلي - رحمه الله - قال بعدم وجوب شئ مع عدم القصد والاعتياد، واحتمل القضاء كما في المضمضة لغير الصلاة (4). وقال في المدارك: بعد تضعيف إطلاق القول بالإفساد باللمس: والأصح أن ذلك إنما يفسد الصوم إذا تعمد الإنزال بذلك (5). ومما يؤيد ما ذكرنا: أن المحقق في الشرائع ذكر بعد العبارة المتقدمة في مسألة لزوم الكفارة لفظ الاستمناء فقط، ولم يذكر حكاية اللمس (6)، مع أنه ذكرهما معا في المعتبر في الموضعين (7)، وكذلك العلامة في كتبه (8)، فظهر أن مراده في العبارة المتقدمة الاستمناء باللمس، سواء كان بقصد الإمناء أو قصد اللمس مع اعتياد الإنزال. وذكر ابن حمزة في الوسيلة من جملة ما يوجب القضاء والكفارة إجماعا إنزال المني عمدا، وإن كان بالملاعبة والملامسة (9). وقال السيد في الانتصار: ومما انفردت الإمامية به القول بإيجاب القضاء والكفارة على من اعتمد استنزال الماء الدافق بغير جماع (10).


1. المسالك 2: 18. 2. الروضة البهية 2: 98. 3. الدروس 1: 273. 4. مجمع الفائدة والبرهان 5: 35. 5. المدارك 6: 62. 6. الشرائع 1: 171. 7. المعتبر 2: 671، وص 674. 8. المنتهى 2: 577. 9. الوسيلة: 142. 10. الانتصار: 64.

[ 127 ]

ويؤيد ذلك أن السيد في الناصريات ادعى الإجماع عليأن النظر إذا أوجب الإمناء لا يفطر إذا لم يستدع الإنزال (1). والحاصل: أنه إن فرض إطلاق في كلمات بعضهم فلابد أن يحمل على مالو عمد إلى الإنزال أو فعل ما يعلم بعادته إيجابه له كما تدل عليه سائر كلماتهم. وكذلك الأخبار المطلقة، مثل رواية أبي بصير (2) وغيرها (3)، فإن الظاهر منها ; أنها وردت فيمن لا يثق بنفسه، وإلا فمن كان ممن يثق بنفسه واتفق أن يدفق بمجرد اللمس في غاية الندرة، سيما مع كون نزول المني غالبا مسبوقا بحالات ومقدمات يفهم صاحبه النزول، فتكون هذه الأخبار واردة في المقصر، سواء كان من جهة عدم الوثوق أو من جهة الإصرار على الدواعي إلى الإنزال حتى ينزل. مع أن المتبادر من قولهم عليه السلام " وضع يده على شئ من جسد امرأته فأدفق ورجل لزق بأهله فأنزل " (4) - مع قطع النظر عن حمل باب الإفعال على التعدية كما هو ظاهرها - السببية التامة في نظر العرف والعادة، لامحض التعقيب. ولاريب أن الإنزال على غير المعتاد ليس مسببا عن اللمس واللزوق، بل هو إنما صار سببا بضميمة عرض للمزاح (5) أو شئ آخر. وبالجملة الظاهر من قولنا " إذا صار اللمس سببا للإنزال يفسد " هو ما يفهم المكلف أنه سبب وأتى به، لا مجرد كونه سببا في نفس الأمر، فإن الألفاظ وإن كانت أسامي للامور النفس الأمرية، لكن تتبع الأخبار وكلام الأخيار يقتضي أن المراد منها في التكاليف ما يعلم المكلف أنه هو المسمى، لاما كان هو في نفس الأمر، هذا مع ما سيجئ من الأخبار الدالة على عدم كراهة التقبيل والملامسة والملاعبة مع الوثوق


1. المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 207. 2. التهذيب 4: 320 ح 981، الوسائل 7: 25 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 5. 3. الوسائل 7: 24 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4. 4. التهذيب 4: 320 ح 981، الوسائل 7: 26 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 5. 5. في نسخة " ح ": للمزاج.

[ 128 ]

بعدم الإنزال ولو ظنا، فإن تلك الرخصة مع استعقابها للكفارة في غاية البعد. وأما ما ذكره صاحب الكفاية من عدم اختصاص الصحيحة بالاستمناء (1) إن أراد أنها شاملة لماأمنى بمحض الاتفاق وإن لم يكن من قصده الإمناء أو من عادته أيضا، فهو بعيد. وإن أراد أنها لاتدل على اشتراط القصد بالإمناء فلانمنعه ; لأنا نقول: إن القصد إلى الفعل المستلزم للإمناء عادة قصد إلى نفسه، وكلمة " حتى " يمكن أن تكون داخلة على العلة الغائية وعلى الغاية، وعلى الوجهين يتم الاستدلال، ويختص بما ذكرنا، ولا يعم ما ذكره. والحاصل: أن المسلم في الإفساد هو تعمد إنزال المني، والعمد إنما يتحقق بقصد الإنزال، غاية الأمر دخول القصد إلى مامن شأنه ذلك، وهو اللمس وأشباهه إذا كان معدا لذلك، نظير ما ذكروه في شبه العمد، وإلحاقه بالعمد في القتل إذا كان بآلة قتالة وإن لم يقصد القتل، ومع اللمس القليل أو القبلة مع عدم اعتياده الإنزال بذلك وعدم قصده إليه، فلا يصدق عليه انه إفطار بالإمناء قصدا. وأما الأخبار الدالة على الإطلاق، فقد عرفت أن ظاهر صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) هو التعمد بأحد المعنيين المتقدمين. وكذلك مرسلة حفص بن سوقة (3)، فمع أنه لا يعلم عمل الأصحاب على إطلاقها ليجبرها ظاهرة في التعمد بأحد الوجهين كما يشعر به المضارع التجددي الظاهر في أن السبق والإنزال إنما نشأ منه استشعاره بذلك. وأما رواية أبي بصير فهي ضعيفة (4)، ويمكن حملها على التعمد بأحد الوجهين.


1. كفاية الأحكام: 46. 2. التهذيب 4: 206 ح 597، الاستبصار 2: 18 ح 247، الوسائل 7: 25 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 1. 3. الكافي 4: 103، التهذيب 4: 321 ح 983، الوسائل 7: 25 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 2. 4. التهذيب 4: 320 ح 981، الوسائل 7: 26 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 5، ولعل وجه الضعف وقوع علي بن أبي حمزة البطائني والقاسم في طريقها، والأول أصل الوقف ومن عمد الواقفة، والثاني لم يثبت توثيقه.

[ 129 ]

وكذلك مضمرة عثمان بن عيسى، قال: سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: " عليه إطعام ستين مسكينا، مد لكل مسكين " (1) مع ظهور اللزوق والإنزال في التعمد كما أشرنا إليه. وروى في الفقيه مرسلا قال، قال أمير المؤمنين: " أما يستحيي أحدكم أن لا يصبر يوما إلى الليل، إنه كان يقال: إن بدو القتال اللطام، ولو أن رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأدفق، كان عليه عتق رقبة " (2). وفيه: مع الإرسال ; وما ذكرنا من إرادة العمد أنه رواه في المقنع أيضا، وقال: " فأدفق لم يكن عليه شئ " (3). وأما مثل ما رواه محمد بن مسلم وزرارة في الموثق بأبان، عن أبي جعفر عليه السلام: أنه سئل هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان ؟ فقال: " إني أخاف عليه، فليتنزه من ذلك، إلا أن يثق أن لا يسبقه منيه " (4). وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن الرجل يمس من المرأة شيئا، أيفسد ذلك صومه أو ينقضه ؟ فقال: " إن ذلك ليكره للرجل الشاب، مخافة أن يسبقه المني " (5). وصحيحة منصور بن حازم، قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في الصائم يقبل الجارية والمرأة ؟ فقال: " أما الشيخ الكبير مثلي ومثلك فلا بأس، وأما الشاب الشبق فلا ; لأنه لا يؤمن، والقبلة إحدى الشهوتين " (6) فلا يمكن أن يستدل بها على أن مطلق الإنزال بعد اللمس وشبهه مفسد، بتقريب أنه عليه السلام علل المنع بخوف سبق المني،


1. التهذيب 4: 320 ح 980، الوسائل 7: 25 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 4 وفيه: عن عثمان بن عيسى عن سماعة. 2. الفقيه 2: 70 ح 298، الوسائل 7: 69 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 5. 3. المقنع (الجوامع الفقهية): 16. 4. التهذيب 4: 271 ح 821، الاستبصار 2: 82 ح 251، الوسائل 7: 70 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 13. 5. الكافي 4: 104 ح 1، الوسائل 7: 68 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 1. 6. الكافي 4: 104 ح 3، الوسائل 7: 68 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 3.

[ 130 ]

فيظهر منه أن مطلق سبق المني مفسد، وذلك لأن مطلق خروج المني في اليوم غير مبطل جزما، مثل مالو كان من دون الاختيار في النوم واليقظة. والقول بأن مراده عليه السلام أن السبق الذي يحصل عقيب اللمس وأشباهه مفسد من جهة أنه عقيب اللمس، يدفعه إطلاق التعليل، فلابد أن يكون المراد من التعليل الأمر بالتحرز عن الإمناء على سبيل العمد. والمراد بسبق المني غلبة الطبع والهوى على الإنسان بحيث يخفى عليه الأمر، فيستمر اللمس وأشباهه إلى أن يخرج عن الحالة المعتادة، فيفعل مالا ينفك عنه الإمناء، فيصير من باب شبه العمد، بل ربما ينجر إلى الجماع، كما يشير إليه إطلاق صحيحة منصور. وبالجملة المفسد هو القصد إلى الإمناء، أو إلى فعل مامن شأنه ذلك غالبا، فالمنع عنه للشاب الشبق أو من لا يثق بنفسه لأجل فتور في جسده ; لأن ذلك فعل يشبه العمد. ويؤيد ما ذكرنا، بل يدل عليه الأخبار المستفيضة جدا، الدالة على وجوب القضاء والكفارة على المتعمد للإفطار (1)، فإنها بمفهومها تدل على عدم شئ على غير المتعمد. وتؤيده أيضا رواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كلم امرأته في شهر رمضان وهو صائم فأمنى، قال: " لا بأس " (2). ومع ذلك كله فالأحوط القضاء، بل الكفارة أيضا، أما الوجوب فلم يثبت. ثم إنهم اختلفوا في الإمناء بالنظر، فأطلق جماعة من الأصحاب عدم وجوب شئ عليه، من غير فرق بين المحلل والمحرم، وما كان مع القصد والاعتياد وما بغيرهما (3).


1. الوسائل 7: 93 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 56. 2. التهذيب 4: 273 ح 827، الوافي 11: 216 ح 10726. 3. منهم ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 571، والقاضي في المهذب 1: 193، والحلي في السرائر 1: 389، والمحقق في المعتبر 2: 670، والعلامة في الإرشاد 1: 297، والشهيد الثاني في المسالك 2: 19، وسبطه في المدارك 6: 63.

[ 131 ]

وزاد في الخلاف: أنه إذا كرر النظر حتى أمنى كان كذلك، ونقل عليه إجماع الفرقة (1). وعن الشيخين في المقنعة والمبسوط (2) وسور (3) وابن حمزة (4) والعومة في التحرير (5) وجوب القضاء بالنظر إلى المحرمة دون المحللة، وهو ظاهر اللمعة، ولكنه قال: لو قصد - يعني الإمناء - فالأقرب الكفارة (6)، وهو مقتضى كلام كل من قال بأن الاستمناء من غير جماع كذلك ولم يستثن هذا الموضع. وألحق الشهيد الثاني - رحمه الله - بالقصد فعل المعتاد أيضا (7)، وهو ظاهر الدروس (8). وذهب العومة في المختلف إلى أنه إن قصد الإنزال فأنزل وجب عليه القضاء والكفارة، سواء فيه المحللة والمحرمة، فإن لم يقصد فاتفق الإنزال لتكرر النظر فيجب القضاء خاصة مطلقا (9). وكذلك اختلفوا في الإمناء بالسماع، فذهب الجماعة الأولون إلى أنه ليس عليه شئ مطلقا، وأطلق المفيد (10) وأبو الصلاح (11) وجوب القضاء، وذهب في المختلف إلى وجوب القضاء والكفارة مع قصد الإنزال والقضاء خاصة لامعه إن كرر ذلك حتى أنزل (12).


1. الخلاف 2: 198 مسألة 50. 2. المقنعة: 359، المبسوط 1: 272. 3. المراسم: 98. 4. الوسيلة: 143. 5. التحرير 1: 80. 6. اللمعة (الروضة البهية) 2: 98. 7. المسالك 2: 19. 8. الدروس 1: 274. 9. المختلف 3: 425. 10. المقنعة: 359. 11. الكافي في الفقه: 183. 12. المختلف 3: 425.

[ 132 ]

أقول: وما ذكروه من الأدلة في هذه الأقوال لا يرجع إلى طائل يعتمد عليه، والحق القول بأنه إن قصد الإمناء أو فعل ما يعتاد به الإمناء قضى وكفر، وإلا فلا شئ عليه ; للأصل. ولافرق في ذلك بين المحلل والمحرم، ويظهر وجهه مما تقدم. تنبيهات: الأول: قد عرفت حكم الإفساد والكفارة وعدمهما، وأما الحرمة والكراهة، فلاريب في حرمة نفس الاستمناء المقصود فيه الإمناء باليد ونحوها من غير أعضاء المحللة، والظاهر جوازه بمثل التفخيذ والملاعبة المحللة. ولاريب في حرمة الجميع في الصوم ; لأنه تعمد إلى إبطال الصوم المحرم. وأما مطلق الملامسة وملاعبة المحللة إن لم يقصد به الإمناء، فإن علم من حاله وجزم بأنه موجب له، فالظاهر أيضا أنه حرام ; وإن لم يعلم من حاله ذلك، فإن علم من حاله عدمه وأنه لا تتحرك به شهوته، فلا ريب في جوازه، والمشهور الأصح الأقوى عدم الكراهة أيضا. وإن كان ممن يحرك ذلك شهوته، فهو مكروه إجماعا، بل الظاهر أنه إجماع العلماء كافة، كما صرح به في المنتهى في القبلة لذي الشهوة (1). وتدل عليه الأخبار المستفيضة جدا وقد تقدمت طائفة منها (2). وربما يعلل بأنه تعريض للإمناء المفسد، وهو مشكل في معتاد العدم. ثم إن الكراهة هل هي فيمن لا يغلب على ظنه الإنزال ويحرم على غيره، أو تعم ؟. قال في المنتهى: الأكثر على أن القبلة مكروهة وإن غلب على ظنه الإنزال، ونقل عن بعض الشافعية التحريم، واستدل بالأخبار، وبأن إفضاءه إلى الإفساد مشكوك فيه


1. المنتهى 2: 564. 2. الوسائل 7: 68 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33.

[ 133 ]

فلا يثبت التحريم بالشك (1). ثم إنه يشكل المقام بتجويزهم هنا الملاعبة واللمس مع ظن حصول الإمناء، وحكمهم ثمة بالإفساد، مستدلين بأنه يصدق عليه أنه أجنب متعمدا فيفسد صومه، مع أن الجنابة عمدا في الصوم حرام ; لأنه إفساد للصوم الواجب، فهذا من أعظم الشواهد على أنهم أرادوا ثمة من الملامسة وأشباهها ماكان بقصد الإنزال، أو ماكان معتادا فيها الإنزال. فلم يظهر كون فتوى جمهور الأصحاب في مثل ما لم يكن أحد الأمرين - وإن كان مع غلبة الظن بالحصول - الإفساد ولزوم الكفارة ; لأنه ليس بجنابة عمدا في نهار رمضان. ويؤيده ماسننقل عن المنتهى في مسألة الاحتلام (2). وعلى هذا فيبقى الإشكال في الحكم بالكراهة ; إذ الغالب الوقوع في الأخبار وكلام الأصحاب أن الحكم بالكراهة لخوف العاقبة إنما يكون فيما كانت العاقبة محرمة، كالصيرفة وبيع الأكفان وغير ذلك، فإذا لم يكن الإنزال على غير وجه الاستمناء والاعتياد حراما مفسدا فلا يناسب الحكم بالكراهة. ويمكن دفعه: بأنه لخوف الوقوع في العمد ولو بغلبة الهوى والشهوة بحيث يخفى عليه الأمر في أن الملاعبة في الآن الأخير مما يعتاد الإنزال عقيبها حتى يمسك عنه، أو لخوف الوقوع في الوطء وذلك لا يخرجه عن التعمد ; إذ هو بنفسه صار باعثا للاختفاء، فلا منافاة بين جواز المقدمات وحرمة العاقبة، كما لا منافاة بين عدم وجوب مقدمة الواجب ووجوب نفس الواجب. وقولهم " بأن تجويز الترك في المقدمة يستلزم خروج الواجب عن الوجوب، أو لزوم تكليف مالا يطاق " في غاية الضعف ; إذ تجويز الترك لا يخرج الواجب عن المقدورية، فهو قادر على أن لا يترك فيأتي بالواجب، غاية الأمر أن الآمر سهل مؤونة المأمور في


1. المنتهى 2: 564، وانظر المجموع 6: 355، وفتح العزيز 6: 397، وحلية العلماء 3: 196. 2. المنتهى 2: 567.

[ 134 ]

المؤاخذة، وخص المؤاخذة بنفس الواجب. فالذي يمكن بارتكابه الجمع بين كلمات الأصحاب في هذا المقام حيث استدلوا على إبطال الصوم بإنزال المني عقيب الملامسة ونحوها مطلقا بأنه تعمد للجنابة، وهو مفسد للصوم وموجب للقضاء والكفارة وحيث ذكروا أنه لا تجوز الملامسة في الصوم، إما مع الكراهة في صورة غلبة الظن بالحصول، أو عدمها في غيرها أن يقال: تعمد الجنابة مفسد مطلقا، وليس بحرام مطلقا، وأن هذا الفرد من التعمد ليس بحرام وإن كان مفسدا، وهو كما ترى ; لكمال بعد إطلاق التعمد على مثله، وبعد إطلاق الكفارة فيما ليس فيه إثم. أو يقال: إن تجويز فعل مقدمة الحرام وترك مقدمة الواجب إنما يقبح فيما علم كونه مقدمة، لامايحتمل أن يصير مقدمة أو يظن، فلا يضر القول بجواز المقدمة مع كون ذي المقدمة حراما أيضا في مثله، وإن قلنا بقبح القول بجواز فعلها من الحكيم فيما علم كونها مقدمة للحرام، كقبح تجويز ترك ما علم كونها مقدمة للواجب. وإن قلنا بعدم كون مقدمة الواجب واجبة ومقدمة الحرام حراما، فإن مرادنا من نفي القول بالوجوب والحرمة في المقدمة هو عدم عقاب على حدة، لاأنه يصح من الآمر الحكيم أن يرخص في فعل هذه وترك هذه، وهذا كله تكليف، وإن كان ولابد فالأنسب هو التمسك بإطلاق الأخبار إن سلم وضوح دلالتها، والاحتياط واضح. الثاني: لو تخيل قاصدا الإمناء، أو كان من عادته ; فحكمه ما تقدم من الإفساد والقضاء والكفارة. وأما لو خطر بباله أو أمنى ولم يكن معتادا فلاشئ عليه. الثالث: قال العومة وغيره: لو تساحقت امرأتان، فإن لم تنزلا فلاشئ عليهما سوى الإثم، وإن أنزلتا فعليهما القضاء والكفارة، ولو أنزلت إحداهما اختصت بالحكم، وكذلك المجبوب لو تساحق (1).


1. المنتهى 2: 572، التحرير 1: 77، وكابن فهد في المهذب البارع 2: 45.

[ 135 ]

الرابع: لو احتلم بعد نية الصوم نهارا لم يفسد صومه ; للأخبار الكثيرة، مثل صحيحة القداح (1)، وصحيحة العيص (2)، وموثقة ابن بكير (3)، ورواية عمربن يزيد المذكورة في العلل (4)، وادعى عليه الإجماع في التذكرة (5). وقال في المنتهى: لو احتلم نهارا في رمضان نائما أو من غير قصد لم يفسد صومه ويجوز له تأخير الغسل، ولا نعلم فيه خلافا (6). ورواية إبراهيم بن عبد الحميد المتقدمة في البحث السابق محمولة على الكراهة (7). ويدل على عدم الإبطال وجواز النوم بعده صحيحة العيص بن القاسم (8). الثامن: اختلف الأصحاب في الحقنة بالمائع بدون ضرورة، والمشهور فيها الحرمة، فعن الأكثر أنها مفسدة للصوم موجبة للقضاء (9)، وادعى على كونها مفطرة السيد في المسائل الناصرية الإجماع (10)، وهو منقول عن الشيخ في الخلاف أيضا (11)، ولعل الإجماعين المنقولين مع عمل الأكثر يكفي في ذلك. وتؤيده صحيحة البزنطي، عن أبي الحسن عليه السلام: أنه سأله عن الرجل يكون به العلة،


1. التهذيب 4: 260 ح 775، الاستبصار 2: 90 ح 288، الوسائل 7: 72 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 35 ح 1. في الوسائل عبد الله بن ميمون وهو نفس القداح. 2. الفقيه 2: 75 ح 325، الوسائل 7: 73 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 35 ح 3. 3. الكافي 4: 105 ح 3، قرب الإسناد: 78، الوسائل 7: 72 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 35 ح 1. 4. علل الشرائع: 379 ح 1، الوسائل 7: 73 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 35 ح 4. 5. التذكرة 6: 28. 6. المنتهى 2: 567. 7. التهذيب 4: 212 ح 618، وص 320 ح 982، الاستبصار 2: 87 ح 274، الوسائل 7: 43 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 4. 8. الفقيه 2: 75 ح 325، الوسائل 7: 73 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 35 ح 3. 9. منهم الشيخ في الخلاف 2: 213، والمبسوط 1: 272، والقاضي في المهذب 1: 192، وأبو الصلاح في الكافي في الفقه: 183، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 571، والعلامة في التحرير 1: 80، والإرشاد 1: 296. 10. المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 207. 11. الخلاف 2: 213 مسألة 73.

[ 136 ]

يحتقن في شهر رمضان ؟ فقال: " الصائم لا يجوز له أن يحتقن " (1). والتقريب: أن احتمال إرادة التعبد وحصول النقص من غير جهة الإفساد في غاية البعد، فإن المناهي التحريمية في الصوم جلها أو كلها اريد بها الإفساد، فتصير الرواية بذلك ظاهرة في الإفساد. مع أن السؤال مشتمل على وجود العلة، والعلة التي تضطره إلى الاحتقان مجوزة له إجماعا، فالجواب بعدم الجواز مع ترك الاستفصال يعني إرادة الإفساد من عدم الجواز يعني أنه لا يجوز أن يعتقد الصائم كونه صائما مع الاحتقان، وحمل العلة على غير التي تضطره، أو تأويل الرواية بما أمكن رفع الاضطرار بالاحتقان في الليل ليس بأولى مما ذكرنا. ثم إذا ثبت الإفساد فيجب عليه القضاء ; لعموم مادل على لزوم القضاء بالإفطار عمدا (2). وقيل: يجب القضاء والكفارة، ونسبه السيد إلى قوم من أصحابنا في الجمل (3). وقيل: بأنه حرام ولا يوجب شيئا، وهو قول الشيخ في جملة من كتبه (4)، وابن إدريس (5)، وبعض المتأخرين (6). وقيل: يكره، وهو قول السيد في الجمل (7). وقيل: يستحب تركه، وهو قول ابن الجنيد (8).


1. الكافي 4: 110 ح 3، الفقيه 2: 69 ح 292، التهذيب 4: 204 ح 589، الاستبصار 2: 83 ح 256، الوسائل 7: 27 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 5 ح 4، بتفاوت في ترتيب الكلمات. 2. الوسائل 7: 28 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8. 3. الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 4. الاستبصار 2: 84 ذ. ح 257، النهاية: 156. 5. السرائر 1: 378. 6. كالمحقق في المعتبر 2: 679، والشهيد الثاني في المسالك 2: 19، والسيد في المدارك 6: 64. 7. الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 8. نقله عنه في المختلف 3: 413.

[ 137 ]

ولعل دليل من أوجب الكفارة عمومات الأخبار الدالة على أن من تعمد الإفطار تجب عليه الكفارة (1). وفي تبادره منها إشكال، والأصل عدمها. ومن ذلك يظهر الإشكال في انصراف دليل القضاء أيضا، إلا أن تدعى الملازمة بين القول بالإفطار والقضاء، فتشمله دعوى الإجماع، بل ذكر بعض الأصحاب أن في كلام جماعة الإجماع المنقول على وجوب القضاء (2). مع أنه يمكن أن يقال: إن الإفطار في الأخبار وكلام الأصحاب حقيقة فيما يفسد الصوم، أكلا كان أو جماعا أو غيرهما، فإذا ثبت كون الحقنة بالمائع مفطرة بما مر، فلاوجه لمنع شمول الأخبار له. وحينئذ فيلزمه القول بلزوم الكفارة أيضا، لذكرهما معا في بعض الأخبار، واستلزام الكفارة أيضا وجوب القضاء، فتشملهما الأخبار القائلة بأن من تعمد الإفطار وجبت عليه الكفارة، والقائلة بأن من تعمد تجب عليه الكفارة والقضاء معا، وستجئ الأخبار في محلها. وحينئذ فإما لابد من القول بعدم إفساد الاحتقان، أو القول بلزوم القضاء والكفارة معا، ولعل الثاني أظهر. وحجة القول بالتحريم دون الإفساد: الأصل، وخصوص صحيحة البزنطي (3)، فإن التحريم لا يستلزم الإفساد، وقد مر الكلام فيه. وحجة القول بالاستحباب: لعله الجمع بين هذه الصحيحة وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل والمرأة هل يصلح لهما أن يستدخلا الدواء وهما صائمان ؟ فقال: " لا بأس " (4).


1. الوسائل 7: 93 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 56. 2. الخلاف 2: 213، الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 3. الكافي 4: 110 ح 3، الفقيه 2: 69 ح 292، التهذيب 4: 204 ح 589، الاستبصار 2: 83 ح 256، الوسائل 7: 26 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 5 ح 4. 4. الكافي 4: 110 ح 5، التهذيب 4: 325 ح 1005، الوسائل 7: 26 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 5 ح 1.

[ 138 ]

ومنه يظهر وجه القول بالكراهة أيضا. وفيه: أن الجمع إنما يصح مع المقاومة، وهذه الصحيحة لا تقاوم ما تقدم، سيما مع هجر أكثر الأصحاب لها، ويمكن حملها على الجواز مع الضرورة كما يشعر به لفظ الدواء، وهو لا ينافي الإفساد. أو على الجامد كما هو ظاهرها، وتدل عليه موثقة الحسن بن فضال، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: ما تقول في اللطف يستدخله الإنسان وهو صائم ؟ فكتب عليه السلام: " لا بأس بالجامد " (1) وفي التهذيب: " ما تقول في التلطف من الأشياف " (2). وأما الجامد: فالأكثر على أنه غير محرم، بل نقل عن كشف الرموز نفي الخلاف (3)، وعن ظاهر الغنية الإجماع (4)، لكن صريح المعتبر التحريم في الحقنتين (5)، وهو مقتضى إطلاق الصدوقين (6). ومقتضى إطلاق ما نقله السيد عن قوم من أصحابنا كونها موجبة للقضاء والكفارة (7). ومقتضى ما اختاره في الجمل الكراهة (8)، وكذلك الشيخ في النهاية (9). ومقتضى إطلاق السيد في الناصريات كونه مفسدا (10)، وكذلك المفيد (11)


1. الكافي 4: 110 ح 6، الوسائل 7: 26 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 5 ح 2، وفيه: عن محمد بن الحسن عن أبيه. واللطف ما صغر ودق (القاموس المحيط 3: 195). 2. التهذيب 4: 204 ح 590. 3. كشف الرموز 1: 281. 4. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 5. المعتبر 2: 679. 6. نقله عن علي بن بابويه في المختلف 3: 412. 7. الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 8. الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 9. النهاية: 155. 10. الناصريات (الجوامع الفقهية): 207. 11. المقنعة: 344.

[ 139 ]

وأبو الصلاح (1) وصريح العومة في المختلف (2). والأظهر المشهور ; للأصل، وخصوص صحيحة علي بن جعفر (3)، وموثقة ابن فضال (4). وأما صحيحة البزنطي فظاهرها الاحتقان بالمائع (5)، فإنه المتبادر من اللفظ، والمناسب للاشتقاقات اللغوية. ومن ذلك يظهر أن دعوى الإجماع في الناصرية على كون الحقنة مفطرة، لا يثبت الإجماع في الجامد، وكذلك يشكل صرف إطلاق الفقهاء إليه. نعم لا نمنع الكراهة بدون الاضطرار ; لاحتمال الإطلاق مسامحة. واعلم أنه لادليل على إلحاق مالو داوى جرحه فوصل الدواء إلى الجوف بالحقنة، كما صرح به الشيخ في الخلاف (6)، وذهب في المختلف إلى كونه مفطرا لاعتبار ضعيف (7). وكذلك تقطير الدهن في الأذن كما صرح به جماعة من الأصحاب (8)، ونقل عن أبي الصلاح أنه مفطر (9)، وهو ضعيف ; للأصل، وصحيحة حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يشتكي اذنه، يصب فيها الدواء ؟ قال: " لا بأس " (10) وفي معناها غيرها أيضا.


1. الكافي في الفقه: 183. 2. المختلف 3: 413. 3. الكافي 4: 110 ح 5، التهذيب 4: 325 ح 1005، الوسائل 7: 26 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 5 ح 1. 4. الكافي 4: 110 ح 6، الوسائل 7: 26 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 5 ح 2. 5. الكافي 4: 110 ح 3، الفقيه 2: 69 ح 292، التهذيب 4: 204 ح 589، الاستبصار 2: 83 ح 256، الوسائل 7: 26 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 5 ح 4. 6. الخلاف 2: 314 مسألة 73. 7. المختلف 3: 414. 8. كالشيخ في المبسوط 1: 272، والنهاية ونكتها 1: 398، والحلي في السرائر 1: 378، والعلامة في المختلف 3: 416. 9. الكافي في الفقه: 183. 10. التهذيب 4: 258 ح 763، الوسائل 7: 50 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 24 ح 2.

[ 140 ]

التاسع: المشهور أن تعمد القئ مفسد للصوم، موجب للقضاء (1). وفي المختلف: نقل السيد المرتضى عن بعض علمائنا أنه يوجب القضاء والكفارة، وعن بعضهم أنه يوجب القضاء، وعن بعضهم أنه ينقص الصوم ولا يبطله (2)، قال: وهو الأشبه (3)، انتهى. وفيه أيضا عن ابن الجنيد: وجوبهما معا إذا كان من حرام (4). وعن ابن إدريس: أنه يكون مخطأ ولا يجب عليه شئ (5). والأقوى الأول ; للأخبار المستفيضة، منها صحيحة الحلبي المروية عن الصادق عليه السلام: " إذا تقيأ الصائم فعليه قضاء ذلك اليوم، فإن ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه " (6). وفي صحيحته الاخرى: " إذا تقيأ الصائم فقد أفطر " (7). وموثقة سماعة (8)، وموثقة عبد الله بن بكير (9) وغيرها. والاكتفاء بالقضاء في هذه الروايات ظاهر في نفي الكفارة. نعم يشكل الأمر بصحيحة الحلبي الثانية مع ملاحظة مادل على أن متعمد الإفطار تجب عليه الكفارة، ولكن ترك ذكرها في هذه الأخبار الكثيرة في مقام البيان أقوى من هذا الإشعار، سيما مع عمل الأكثر بخلافها.


1. منهم الشيخ الطوسي في النهاية: 155، والمبسوط 1: 271، وأبو الصلاح في الكافي في الفقه: ابن البراج في المهذب 1: 192، والعلامة في التذكرة 6: 75 مسألة 41. 2. جمل العمل والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 3. المختلف 3: 42. 4. نقله عنه في المختلف 3: 421. 5. السرائر 1: 387. 6. الكافي 3: 108 ح 2، التهذيب 4: 264 ح 790، الوسائل 7: 61 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 3 ذرعه القئ: غلبه وسبقه (القاموس المحيط 3: 1210). 7. الكافي 3: 108 ح 2، التهذيب 4: 264 ح 791، الوسائل 7: 60 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 1. 8. الفقيه 2: 69 ح 291، التهذيب 4: 322 ح 991، الوسائل 7: 61 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 5. 9. التهذيب 4: 294 ح 793، الوسائل 7: 62 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 7.

[ 141 ]

وتمسك صاحب المدارك بما حاصله أن المتبادر من الإفطار هو ماكان بالأكل والشرب (1) قد مر مايضعفه آنفا. واحتج النافي لهما بالأصل، وصحيحة عبد الله بن ميمون، عن الصادق عليه السلام، قال: " ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ والاحتلام والحجامة " (2). وصحيحة محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام، قال: " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الأكل والشرب والنساء والارتماس " (3). والأصل لا يعارض الدليل، ورواية القداح مع عدم المقاومة محمولة على الناسي أو على ما ذرعه، وصحيحة ابن مسلم مخصصة بهذه الأخبار وغيرها مما مر في غير ما نحن فيه. ولم نقف لابن الجنيد على ما يعتمد عليه. هذا كله إذا تعمد، وأما لو ذرعه - أي جاءه من غير اختيار - فالظاهر عدم الخلاف في أنه لا شئ عليه، ويظهر من المدارك الاتفاق عليه (4)، وصحيحة الحلبي (5) وغيرها (6) ناطقة به. ولكن نقل في المختلف عن ابن الجنيد أنه إذا كان من محرم يجب عليه القضاء (7)، ولم نقف على مأخذه. وأما القلس (8) والجشاء - أي ما يرتفع من المعدة إلى الحلق ثم يرجع - فلا يضر ;


1. المدارك 6: 99. 2. التهذيب 4: 260 ح 775، الاستبصار 2: 90 ح 288، الوسائل 7: 56 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26 ح 11 وب 29 ح 8. 3. التهذيب 4: 202 ح 584، وص 318 ح 971، الاستبصار 2: 80 ح 244، وص 84 ح 261، الوسائل 7: 18 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1. 4. المدارك 6: 98. 5. الكافي 3: 108 ح 2، التهذيب 4: 264 ح 790، الوسائل 7: 61 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 3. 6. الوسائل 7: 60 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29. 7. المختلف 3: 421. 8. القلس: ما يخرج من الحلق تلو الفم أو دونه وليس بقئ، فإن عاد فهو قئ (الصحاح 3: 965).

[ 142 ]

للأصل، وخصوص موثقة عمار (1)، وموثقة سماعة (2). ويظهر من موثقة عمار اتحاد القلس والجشاء، ولكن يظهر من كلام الفقهاء وأهل اللغة المخالفة، فيفهم منهم أن القلس مايخرج إلى فضاء الفم. والكلام فيه أنه إذا خرج إلى فضاء الفم وازدرده ثانيا متعمدا فيجب عليه القضاء والكفارة كما ذهب إليه الشيخ في التهذيب (3) وابن إدريس (4) والعومة في المختلف (5)، وهو ظاهر المبسوط (6) وابن الجنيد (7). وعن ابن البراج: أن عليه القضاء فقط (8)، وهو قول الشيخ في النهاية (9)، تمسكا بأن القلس مايخرج إلى الفم، فإذا عاد فهو القئ كما ذكره الجوهري (10)، فعليه القضاء خاصة ; لما مر، ولصحيحة عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام: عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشئ من الطعام، أيفطره ذلك ؟ قال: " لا " قلت: فإن ازدرده بعد أن صار على لسانه ؟ قال: " لا يفطره " (11). والجواب عن الأول: أن المستفاد من غير الصحاح أن القئ هو مايخرج إلى الفم، والعود ثانيا إلى المعدة لامدخلية له في صيرورته قيئا، فهذا الازدراد شئ زائد على القئ مندرج تحت أكل الطعام. وأما الصحيحة ; فمحمولة على الناسي ; لعدم المقاومة.


1. الكافي 4: 108 ح 4، الوسائل 7: 63 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 30 ح 2. 2. الكافي 4: 108 ح 6، التهذيب 4: 264 ح 794، الوسائل 7: 63 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 30 ح 3. 3. التهذيب 4: 265 ذ. ح 796. 4. السرائر 1: 387. 5. المختلف 3: 423. 6. المبسوط 1: 272. 7. نقله عنه في المختلف 3: 423. 8. المهذب 1: 192. 9. النهاية: 155. 10. الصحاح 3: 1210. 11. التهذيب 4: 265 ح 796، الوسائل 7: 62 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 9.

[ 143 ]

والأخبار الدالة على أن القلس ليس فيه شئ محمولة على مالو لم يزدرد عمدا. العاشر: كلما ذكرناه من المفطرات، إنما يفسده إذا وقع عمدا اختيارا، فما لاعمد ولاقصد فيه أصلا لا يفسد بلا خلاف، كما لو طارت ذبابة ودخلت في حلقه، أو دخل الغبار الغليظ في حلقه حيث لا يتمكن الاحتراز عنه. وكذلك إذا وجر في حلقه شئ. وكذلك من اكره بالضرب والشتم، بحيث ارتفع قصده في الفعل. ويدل عليه مضافا إلى الإجماع: أنه لا يصدق عليه أنه أفطر، ويشمله قوله عليه السلام: " رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (1). واختلفوا فيمن لم يبلغ إكراهه إلى هذا الحد، مثل من خوف وهدد بما يكون مضراله في نفسه، أو من يقوم مقامه بحيث لا يليق بحاله، مع قدرة المتوعد وشهادة القرائن بأنه يفعله لو لم يفطر إلى أن أكل، فالأكثر على أنه غير مفسد (2) ; للأصل، ولعموم " استكرهوا ". وذهب الشيخ في المبسوط (3) والعومة في التذكرة (4)، والشهيد الثاني في المسالك (5) إلى أنه يفطر ; لصدق العمومات والإطلاقات، فيكون كالمريض المجوز له الإفطار، فيجب عليه القضاء. والمراد بحديث ما استكرهوا كما هو المتبادر هو رفع المؤاخذة لا جميع الأحكام. ويدفعه: أن القضاء بفرض جديد، والقول ببطلان الصوم لو سلمناه لا يستلزم القول بوجوب القضاء، غاية الأمر أن الأخبار الواردة في بيان المفطرات مثل صحيحة


1. الكافي 2: 462 باب ما رفع عن الامة، الفقيه 1: 36 ح 132، الوسائل 11: 295 أبواب جهاد النفس ب 56. 2. كالمحقق في المعتبر 2: 662، والسيد في المدارك 6: 70. 3. المبسوط 1: 273. 4. التذكرة 6: 37. 5. المسالك 2: 20.

[ 144 ]

محمد بن مسلم القائلة أن الصائم لا يضره ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال (1) تقتضي أن هذا الشخص مفطر، لكن الأخبار الدالة على أن من أفطر يوما من رمضان متعمدا يقضي (2) لا يشمل ذلك ; لعدم صدقه عليه، وكذلك سائر إطلاقات القضاء ; لعدم تبادره منها. والمريض مخرج بالدليل، والقياس باطل. نعم يمكن الاستدلال بفحوى مادل على القضاء في الإفطار للتقية كما يأتي (3). وفيه أيضا إشكال. وثمرة القول بالإفساد مع عدم وجوب القضاء تظهر فيمن نذر شيئا للصائم ونحوه. وذكر جماعة من الأصحاب أن معنى الإكراه الإفطار في يوم وجب صومه للتقية، أو التناول قبل الغروب لأجل التقية (4). وفرق في الدروس فنفى تعلق شئ به في صورة التخويف وحكم بالقضاء في التقية، وكذلك أطلق التخويف في الإكراه، وقيده بخوف التلف في التقية (5). أما الثاني فلا وجه له، بل يكفي فيه ظن الضرر كما يستفاد من الأخبار الواردة في التقية (6)، ولا دلالة في الرواية الآتية وما في معناها من الأخبار الكثيرة عليه. وأما الأول فلعله لأجل ما تقدم في الإكراه من عدم الدليل، ولخصوص رواية رفاعة، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " دخلت على أبي العباس بالحيرة، فقال: يا أبا عبد الله عليه السلام ما تقول في الصيام اليوم ؟ فقلت: ذاك إلى الإمام، إن صمت صمنا، وإن أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام علي بالمائدة، فأكلت معه وأنا أعلم والله


1. التهذيب 4: 189 ح 565، وص 202 ح 584، وص 318 ح 971، الاستبصار 2: 80 ح 244، الوسائل 7: 18 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1. 2. الوسائل 7: 28 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8. 3. الوسائل 7: 94 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 57. 4. كصاحب المدارك 6: 70. 5. الدروس 1: 273. 6. الوسائل 11: 468 أبواب الأمر والنهي ب 25.

[ 145 ]

أنه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوما وقضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله " (1). وقال في المسالك: وحيث ساغ الإفطار للإكراه والتقية يجب الإفطار على ما تندفع به الحاجة، فلو زاد عليه كفر، ومثله مالو تأدت بالأكل فشرب معه أو بالعكس (2)، انتهى. وهو حسن، ويدل عليه ما في رسالة المحكم والمتشابة للسيد - رضي الله عنه - من قول علي عليه السلام في آخر كلام له عليه السلام: " وعليه أن يدين الله في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين " (3) لكن في وجوب الكفارة على ما اختاره من إفساد الصوم إشكال. وسيجئ الكلام في نظيره، ولعل العدم أظهر. وأما الناسي - أعني من نسي الصيام - فلا يفسد صومه، وليس عليه شئ إجماعا، وهو مقتضى الأصل والعمومات والأخبار المعتبرة المستفيضة جدا الواردة فيه بالخصوص، مثل صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن رجل نسي فأكل وشرب ثم ذكر، قال: " لا يفطر، إنما هو شئ رزقه الله تعالى فليتم صومه " (4). وفي معناها صحيحة محمد بن قيس (5)، وموثقة عمار الواردة في الجماع نسيانا (6)، وسيجئ بعضها أيضا. وإطلاق الأدلة والفتاوى يقتضي عدم الفرق بين الصوم الواجب والمندوب، والأداء والقضاء، والمعين وغير المعين ; ولكنه قيده في التذكرة بتعين الزمان (7).


1. الكافي 4: 73 ح 7، الوسائل 7: 95 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 57 ح 5. 2. المسالك 2: 20. 3. رسالة المحكم والمتشابه: 36، الوسائل 7: 96 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 57 ح 8. 4. الكافي 4: 101 ح 1، الوسائل 7: 33 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 1. 5. التهذيب 4: 268 ح 809، الوسائل 7: 34 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 9. 6. الفقيه 2: 74 ح 319، الوسائل 7: 33 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 2. 7. التذكرة 6: 62.

[ 146 ]

وربما نقل عن بعض الأصحاب أنه قال (1): لا يصح صيام ذلك اليوم ندبا ولا واجبا غير معين ; للرواية عن الصادق عليه السلام، وكذا في القضاء بعد الزوال ; قال: وعندي فيه إشكال، والأقرب المنع أيضا ; لأنه عبارة عن الإمساك، ولم يتحقق مع السهو. وعن الشهيد - رحمه الله - في حواشي القواعد: أن المراد بالرواية لعله ما رواه العلاء في كتابه، عن محمد بن مسلم، قال: سألته فيمن شرب بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم، قال: " يتم صومه في شهر رمضان وقضاءه، وإن كان متطوعا فليفطر " (2). أقول: ويدل على عدم الفرق رواية أبي بصير قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل صام يوما نافلة فأكل وشرب ناسيا، قال: " يتم صومه ذلك وليس عليه شئ " (3). وروى الصدوق في الفقيه في الموثقة عن عمار: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ينسى وهو صائم، فجامع أهله، قال: " يغتسل ولا شئ عليه " (3). ثم قال: وروي عن الأئمة عليهم السلام أن هذا في شهر رمضان وغيره، ولا يجب منه القضاء (5). وأما ما أشار إليه الشهيد - رحمه الله - من الرواية فلا دلالة فيها على المطلوب، وبمضمونها أخبار كثيرة وردت في أن من تسحر مصبحا وأكل وشرب الفجر لا يجوز له أن يصوم ذلك اليوم في غير شهر رمضان (6). واعلم أن ظاهر الأخبار والفتاوى هو حكم نسيان الصوم. وأما لو نسى كون المفطر مفطرا فلا يظهر منها، والظاهر أن حكمه حكم الناسي


1. نقله عن المدنيات الاولى في المستند 10: 318. 2. انظر المستند 10: 319. 3. التهذيب 4: 277 ح 840، الوسائل 7: 34 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 10. 4. الفقيه 2: 74 ح 319، الوسائل 7: 33 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 2. 5. الفقيه 2: 74 ذ. ح 319، الوسائل 7: 33 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 3. 6. الوسائل 7: 83 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 45.

[ 147 ]

للصوم ; للأصل، وعموم قوله: عليه السلام: " رفع عن امتي الخطأ والنسيان " (1). وأما لو حصل له الشك والتردد في حكم المفطر ولم يمكنه الاستعلام، فيمكن الحكم بوجوب الاجتناب، نظرا إلى وجوب الاجتناب عن امور ثابتة في نفس الأمر غير مشروطة بحضورها في ذهنه. والعدم ; للأصل، وعموم قوله عليه السلام: " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " (2). وكيف كان ; فلو ارتكبه فالظاهر عدم وجوب القضاء والكفارة ; للأصل، وعدم تبادر حكمه من الأدلة. ولو أمكن التحصيل وقصر فلا يبعد الحكم بوجوبهما معا، سيما مع القضاء. وأما الجاهل بالحكم فالأكثر على أنه كالعالم العامد في إفساد الصوم (3)، وهم بين قائل بوجوب القضاء والكفارة (4)، وقائل بوجوب القضاء فقط (5). وذهب ابن إدريس إلى أنه لا شئ عليه (6)، واحتمله الشيخ في كتابي الأخبار (7)، وكذا العومة في المنتهى، ولكنه استوجه بعد ذلك الإفساد وجزم في موضع آخر بتعلقهما معا (8). أقول: لا ينبغي النزاع في الغافل و (9) الجاهل رأسا الغير المقصر في التحصيل في أنه لاإثم عليه ; لحكم العقل بذلك، ودلالة الكتاب والسنة على ذلك عموما، فإنه تكليف بما لا يطاق، وداخل فيما رفع عن الامة مما لا يعلم الوارد في الأخبار الكثيرة.


1. الكافي 2: 462 باب ما رفع عن الامة، الفقيه 1: 36 ح 132، الوسائل 11: 295 أبواب جهاد النفس ب 56. 2. المحاسن: 495. 3. كالمحقق في المعتبر 2: 662، والعلامة في التذكرة 6: 62، والشهيد الثاني في المسالك 2: 19، والسيد في المدارك 6: 66. 4. كالعلامة في التذكرة 6: 62. 5. كالمحقق في المعتبر 2: 662، والشهيد في المسالك 2: 19، والسيد في المدارك 6: 66. 6. السرائر 1: 386. 7. التهذيب 4: 208، الاستبصار 2: 81. 8. المنتهى 2: 569، 577. 9. الواو ليست في " م ".

[ 148 ]

وخصوص موثقة زرارة، وأبي بصير قالا جميعا: سألنا أبا جعفر عليه السلام عن رجل أتى أهله في شهر رمضان، وأتى أهله وهو محرم وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له، قال: " ليس عليه شئ " (1). وهذه الأدلة كما تدل على نفي الإثم تدل على نفي الكفارة أيضا، سيما وهو مسبب عن الإثم غالبا، فالإطلاقات الدالة على ثبوت الكفارة مثل ما ورد في حكم الملامسة أيضا (2) منزلة على غير الجاهل. وأما القضاء فيمكن القول بثبوته من وجهين، الأول: إطلاق الأخبار الواردة في أن من فعل كذا يقضي، ومن فعل كذا يقضي، مثل ما ورد فيمن نام ثانيا بعد الجنابة (3)، ومن نام متعمدا حتى الصباح (4)، وفي امرأة تركت غسل الاستحاضة (5) وغسل الحيض (6)، والقئ (7). والثاني: الأخبار الدالة على حصر المفطرات، مثل صحيحة محمد بن مسلم القائلة أنه لا يضر الصائم إذا اجتنب ثلاث خصال (8)، فإن مفهومها أنه يضره إذا لم يجتنب، وعمومها شامل للجاهل. ويمكن دفع الأول بمنع تبادر الجاهل رأسا منها. والثاني: بذلك، وبأنه يمكن أن يقال: الظاهر من الصائم هو الصوم الصحيح، وإن قلنا بكون الألفاظ أسامي للأعم، فإن المراد بيان مايفطره، وهو لايتم إلا مع كونه


1. التهذيب 4: 208 ح 603، الوسائل 7: 35 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 12. 2. الوسائل 7: 68 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33. 3. الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15. 4. الوسائل 7: 40 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13، 14. 5. الوسائل 7: 47 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 21. 6. الوسائل 7: 45 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 18. 7. الوسائل 7: 32 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9. 8. التهذيب 4: 189 ح 535، وص 202 ح 584، وص 318 ح 971، الاستبصار 2: 80 ح 244، وص 84 ح الوسائل 7: 19 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1. 6

[ 149 ]

صحيحا بدونه، وصحته إنما تكون إذا نوى الكف عن المفطرات، والمفروض أن الجاهل لا يمكن منه تحقق ذلك ; لعدم علمه به، فكيف ينوي الكف عنه، فهو مفطر قبل ذلك الفعل أيضا، غاية الأمر عدم العقاب عليه. ولكن يدفعه: أن عدم العلم بالفساد كاف على هذا القول، ولا حاجة إلى اعتبار الصحة، مع أن الصوم ليس محض نية الإمساك عن المفطرات، بل هي مع الاستدامة عليها، فالعالم المرتكب أيضا ليس بصائم. إلا أن يقال: الغرض من الرواية بيان حكم مباشر الصوم ومايفطره، لابيان ماهية الصوم، ومباشرته لا تستلزم تحقق تمام ماهيته، فالمناط حينئذ إنما هو النية، والكلام إنما يتم حينئذ في الجاهل، فانحصر الدفع في منع اعتبار الصحة، بل يكفي إطلاق الصوم عليه. نعم يمكن أن يقال: إن غاية الأمر ثبوت الضرر للجاهل، وثبوت الضرر غايته الفساد، وهو لا يستلزم القضاء مطلقا، فيحتاج ثبوته إلى فرض جديد كما هو التحقيق. هذا كله مع أن الموثقة عامة في نفي القضاء والكفارة، فلا ينافي ذلك كون الإفطار من أحكام الوضع أيضا، ويقيد إطلاق الأخبار - لو سلم ظهورها لاعتبار سندها واعتضادها - بما دل على أنه لا شئ على الجاهل، مثل ما ورد في صحيحة عبد الصمد بن بشير: " أي رجل ركب أمرا بجهالة فلاشئ عليه " (1) وبالأصل والاعتبار. وأما العالم بوجوب المعرفة، وأن للشرع أحكاما كثيرة لابد من تحصيلها، وخصوصا في الصوم، إذا قصر في التحصيل، وصار تقصيره سببا لجهالة كون شئ مفطرا، فالأظهر فيه الإفساد، سيما في الإجماعيات والضروريات، كالأكل والشرب المعتادين، بل القضاء والكفارة أيضا، فتشمله الإطلاقات المتقدمة، بل الأخبار المستفيضة المعتبرة الواردة في أن من تعمد الإفطار في شهر رمضان يجب عليه الكفارة


1. التهذيب 5: 72 ح 239، الوسائل 9: 125 أبواب أبواب تروك الإحرام ب 45 ح 3.

[ 150 ]

والقضاء (1)، فإن ذلك أيضا من باب العمد. فرع: لو أكل أو جامع ناسيا فظن أن صومه فسد فتعمد المفطر بعد ذلك، فذهب الشيخ في الخلاف والمبسوط (2) والفاضلان (3) إلى أن عليه القضاء والكفارة. ونقل في المبسوط عن بعض أصحابنا أنه يقضي ولا يكفر (4)، واختاره الشهيد في الدروس (5) وصاحب المدارك (6)، وهو ظاهر المسالك (7). وفرعه جماعة من الأصحاب على حكم الجاهل، فإنه جاهل بتحريم الأكل (8)، وعلى هذا فيلزم أن يقول القائل بعدم وجوب شئ على الجاهل عدم وجوب القضاء عليه، وهو مشكل ; لأن في مسألة الجاهل بكون شئ مفطرا كان الجاهل صائما على معتقده، وفيما نحن فيه لم يصم، لافي نفس الأمر، ولافي معتقده. فالتحقيق أن يقال: إن كان مقصرا في تحصيل المسألة فيجب عليه القضاء والكفارة، وإن لم يكن مقصرا فلا تجب عليه الكفارة. ونفي القضاء عنه في غاية الإشكال ; لعدم دلالة الموثقة (9) عليه كما لا يخفى، وعدم انصراف أخبار وجوب القضاء على المتعمد أيضا له ; لأنه وإن كان متعمدا للأكل، لكنه ليس بمتعمد للإفطار عرفا، فإن الظاهر منها المتعمد للإفطار فيما اعتقده


1. الوسائل 7: 27 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8. 2. الخلاف 2: 190، المبسوط 1: 273. 3. المعتبر 2: 663، التذكرة 6: 37. 4. المبسوط 1: 273. 5. الدروس 1: 272. 6. المدارك 6: 81. 7. المسالك 2: 22. 8. كالشهيد الثاني في المسالك 2: 22، والسيد في المدارك 6: 81. 9. التهذيب 4: 208 ح 603، الوسائل 7: 34 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 12.

[ 151 ]

صوما، وهو غير صائم في معتقده. وبالجملة فالأحوط بل الأظهر القضاء، وإن لم تجب الكفارة، وظاهر العلامة في المنتهى تخصيص الحكم بمن قصر في التعلم مع إمكانه (1). الحادي عشر: إنما يجب القضاء في الواجب المعين، كشهر رمضان والنذر المعين، وأما غيره مثل قضاء شهر رمضان والنذر المطلق، فإذا أفطره فإن ذلك وإن وجب الإتيان بيوم آخر بدله لكنه لا يسمى قضاءا، وقد مر الكلام في شهر رمضان. والحكم في الواجب المعين أيضا مقطوع به في كلام الأصحاب، مدعى عليه الإجماع كما صرح به في الانتصار (2)، ومدلول عليه بالأخبار الكثيرة، منها صحيحة علي بن مهزيار (3)، وستأتي جملة منها عن قريب. ولاوجه لإشكال صاحب المدارك في صحيحة علي بن مهزيار مع كثرة الروايات وعمل الأصحاب (4). وأما الكفارة، فالظاهر أنه لا خلاف بينهم في وجوبها في شهر رمضان والنذر المعين وصوم الاعتكاف إذا وجب، ونسبه الفاضلان في المعتبر والمنتهى إلى علمائنا (5)، كما أن ظاهرهما الاتفاق على عدمها في مثل صوم الكفارات والنذر الغير المعين والمندوب، ونقل الوفاق فيه غير واحد (6). ونقل الفاضلان أن الجمهور أطبقوا على أنه لا كفارة إلا في صوم شهر رمضان (7).


1. المنتهى 2: 577. 2. الانتصار: 70. 3. التهذيب 8: 305 ح 1135، الاستبصار 2: 101 ح 328، الوسائل 7: 139 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 2. 4. المدارك 6: 85. 5. المعتبر 2: 668، المنتهى 2: 620. 6. كالعلامة في المنتهى 2: 576، وصاحب المدارك 6: 80. 7. المعتبر 2: 668، المنتهى 2: 620.

[ 152 ]

واختلف الأصحاب في قضاء شهر رمضان بعد الزوال، بعد اتفاقهم ظاهرا على حرمة الإفطار حينئذ كما في الخلاف والانتصار والغنية (1)، وإن كان يظهر من الشيخ في تأويل موثقة عمار الجواز (2)، وهو في غاية البعد مع إيجابه الكفارة، فالمشهور فيه وجوب الكفارة، وفي الكتب الثلاثة ادعاء الإجماع عليه، ونسبه في المعتبر إلى علمائنا (3). وخالف فيه ابن أبي عقيل بأنه قال: من جامع أو أكل أو شرب في قضاء شهر رمضان أو صوم كفارة أو نذر فقد أثم وعليه القضاء ولا كفارة عليه، وأطلق (4). والأول أقوى. لنا: رواية بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام: في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال: " إن كان أتى أهله قبل الزوال فلاشئ عليه إلا يوما مكان يوم، وإن كان أتى أهله بعد الزوال، فإن عليه أن يتصدق على عشرة مساكين، لكل مسكين مد، فإن لم يقدر عليه صام يوما مكان يوم، وصام ثلاثة أيام كفارة لما صنع " (5). وصحيحة هشام بن سالم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان، فقال: " إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلاشئ عليه، يصوم يوما بدل يوم، وإن فعل بعد العصر صام ذلك اليوم وأطعم عشرة مساكين، فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك " (6). وربما يقدح في سند الأولى من جهة الحارث بن محمد (7)، ولاوجه له ; لأن


1. الخلاف 2: 221 مسألة 86، الانتصار: 69، الغنية (الجوامع الفقهية): 572. 2. التهذيب 4: 280 ذ. ح 847. 3. المعتبر 2: 704. 4. نقله عنه في المختلف 3: 453. 5. الكافي 4: 122 ح 5، الفقيه 2: 96 ح 430، الوسائل 7: 8 أبواب وجوب الصوم ونيته ب 4 ح 1. 6. التهذيب 4: 279 ح 845، الاستبصار 2: 120 ح 392، الوسائل 7: 254 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 2. 7. قدح فيها في المدارك 6: 79.

[ 153 ]

الظاهر أنه هو البجلي، ولا يخلو عن مدح (1)، مع أن الراوي عنه ابن محبوب، والظاهر أنه الحسن بن محبوب، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه على قول (2)، مع أن العلامة وصفها بالصحة في المنتهى (3)، ولو سلم فعمل الأصحاب يجبرها، وكذلك مخالفتها للعامة. وفي متن الثانية بأنه خلاف مذهبهم، وربما وجهها الشيخ بأن المراد بما قبل صلاة العصر هو ما قبل الزوال (4)، وهو بعيد، ولكن يمكن الدفع بأن منطوق الشرطية الثانية يكفي في الاحتجاج، وخروج سائر أجزائها عن الظاهر لا يخرجها عن الحجية، فيتم الاستدلال بعدم القول بالفصل. حجة القول الآخر: الأصل، وموثقة عمار المتقدمة في باب النية، حيث قال في آخرها: سئل فإن نوى الصوم ثم أفطر بعد مازالت الشمس، قال: " قد أساء، وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه " (5). وفيه: أن الأصل لا يقاوم الدليل، وكذلك الموثقة ما قدمناه لما ذكرنا، وسيجئ تمام الكلام في بيان الكفارة وتحقيقها. وقد ذكر المحقق (6) وغيره (7) أن من أخر صيام الثلاثة أيام من الشهر استحب له قضاؤه، فيلزمه استحباب القضاء بجميع المفطرات المتقدمة عدا ما استثني، مثل التعمد على الجنابة إلى الصباح وما سنذكره. وقد ذكر الأصحاب في المفطرات الموجبة للقضاء مضافا إلى ما سبق امورا: منها: فعل المفطر قبل مراعاة الفجر مع القدرة عليه، سواء كان ظانا ببقاء الليل


1. انظر معجم رجال الحديث رقم: 2444 و 2505. 2. انظر معجم رجال الحديث رقم: 3070. 3. المنتهى 2: 605. 4. التهذيب 4: 188 ذ. ح 529، وص 315 ذ. ح 956. 5. التهذيب 4: 280 ح 847، الاستبصار 2: 121 ح 394، الوسائل 7: 6 أبواب وجوب الصوم ونيته ب 2 ح 10. 6. المعتبر 2: 705. 7. كالشهيد الثاني في المسالك 2: 76، والمحقق السبزواري في الكفاية: 49، وصاحب الحدائق 13: 351.

[ 154 ]

كما عبر به جماعة (1)، أو شاكا كما صرح به آخرون (2). والظاهر عدم الخلاف في جواز الإتيان بالمفطر ما لم يحصل اليقين بالفجر، وتدل عليه رواية إسحاق بن عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: آكل في شهر رمضان بالليل حتى أشك، قال: " كل حتى لا تشك " (3) ورواه الصدوق أيضا مرسلا (4). وتدل عليه قوية زرارة لموسى بن بكر (5)، وكذلك ما رواه العياشي في تفسيره (6). ولكن لو صادف المفطر طلوع الفجر فيترتب عليه لزوم القضاء مع ترك مراعاة القادر، ولا كفارة ; للأصل، وعدم الإثم، وأما مع المراعاة فلا قضاء ولا كفارة. والظاهر أن هذا التفصيل إجماعي كما يظهر من المنتهى (7) وغيره (8)، وتدل عليه أيضا الأخبار مثل صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن رجل تسحر ثم خرج من بيته وقد طلع الفجر وتبين، فقال " يتم صومه ذلك ثم ليقضه، وإن تسحر في غير شهر رمضان بعد الفجر أفطر ". ثم قال: " إن أبي كان ليلة يصلي وأنا آكل، فانصرف فقال: يا جعفر فقد أكلت وشربت بعد الفجر، فأمرني فأفطرت ذلك اليوم في غير شهر رمضان " (9). وتؤدي مؤداها في وجوب القضاء لشهر رمضان صحيحة إبراهيم بن مهزيار (10)،


1. كالشهيد في الدروس 1: 273. 2. كصاحب المدارك 6: 91. 3. التهذيب 4: 318 ح 969، الوسائل 7: 86 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 49 ح 1. 4. الفقيه 2: 87 ح 390. 5. الكافي 4: 98 ح 1، الوسائل 7: 86 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 49 ح 3. 6. تفسير العياشي 1: 83 ح 198، الوسائل 7: 86 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 49 ح 4. 7. المنتهى 2: 579. 8. الانتصار: 65، الخلاف 2: 175. 9. التهذيب 4: 269 ح 812، الاستبصار 2: 16 ح 379، الوسائل 7: 83 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 45 ح 1 بتفاوت يسير. 10. التهذيب 4: 318 ح 970، الوسائل 7: 82 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 44 ح 2.

[ 155 ]

ورواية علي بن أبي حمزة (1). وتدل على التفصيل صريحا موثقة سماعة، قال: سألته عن رجل أكل أو شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان، فقال: " إن كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثم عاد فرأى الفجر فليتم صومه ولا إعادة عليه، وإن كان قام وأكل وشرب ثم نظر إلى الفجر فرأى أنه قد طلع فليتم صومه ويقضي يوما آخر ; لأنه بدأ بالأكل قبل النظر، فعليه الإعادة " (2). وسيجئ أيضا ما يدل عليه. وقد ظهر من تلك الأخبار وجوب القضاء على غير المراعي بنفسه، وعدمه على المراعي كذلك. وأما انتفاء الكفارة فيهما فيدل عليه الأصل، وعدم الإثم على الإفطار. ومنها: وجوب القضاء على من أخلد إلى قول غيره في عدم الفجر وصادف الفجر مفطرا وإن حصل له الظن، وتدل عليه أيضا صحيحة معاوية بن عمار قال، قلت: لأبي عبد الله عليه السلام: آمر الجارية أن تنظر طلع الفجر أم لا، فتقول: لم يطلع، فآكل ثم أنظر فأجده قد كان طلع حين نظرت، قال: " تتم يومك ثم تقضيه، أما أنك لو كنت أنت الذي نظرت ماكان عليك قضاؤه " (3). وقال جماعة من الأصحاب: لو كان المخبر عدلين فلا قضاء عليه (4)، وهو لا يخلو عن قوة، وإن كان في حجية العدلين هنا إشكال ; لأن المفروض أن الرواية ظاهرة في وحدة المخبر، والقضاء بفرض جديد، ولا إطلاق في النصوص المتقدمة يشمل مالو أخبره العدلان أيضا.


1. الكافي 4: 97 ح 6، الوسائل 7: 83 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 45 ح 3. 2. الكافي 4: 96 ح 2، الفقيه 2: 82 ح 366، التهذيب 4: 269 ح 811، الاستبصار 2: 116 ح 378، الوسائل 7: 82 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 44 ح 3. 3. الكافي 4: 97 ح 3، الفقيه 2: 83 ح 368، التهذيب 4: 269 ح 813، الوسائل 7: 84 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 46 ح 1. 4. جامع المقاصد 3: 66، المسالك 2: 25.

[ 156 ]

ومنها: وجوب القضاء على من ترك قول المخبر بالفجر ظانا كذبه فصادف الفجر مفطرا، ولا كفارة عليه. أما الثاني ; فللأصل. وأما الأول ; فلصحيحة العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل خرج في شهر رمضان وأصحابه يتسحرون في بيت، فنظر إلى الفجر فناداهم، فكف بعضهم وظن بعضهم أنه يسخر فأكل، فقال: " يتم صومه ويقضي " (1) وفي الفقيه وناداهم: أنه قد طلع (2). لا يقال: مقتضى ما مر من الأخبار الدالة على سقوط القضاء عن المراعي عدم القضاء، فالنسبة بينهما عموم من وجه، فما وجه الترجيح ؟ ! لأنا نقول: ما مر كالصريح في عدم إخبار الغير، فهذا كالأخص مطلقا فيقدم عليه. ومنها: مالو أفطر تقليدا للغير أن الليل قد دخل، ثم ظهر فساد الخبر، فقد ذكروا أنه مما يوجب القضاء فقط. وهذا الحكم بإطلاقه مشكل، فإن الذي ثبت من الأدلة في جواز العمل بالظن في الوقت هو مالو كان للمكلف مانع عن تحصيل العلم، مثل الغيم والغبار، ولعل انعكاس نور القمر في الآفاق في بعض الليالي أيضا من هذا القبيل، وقد بينا ذلك في كتاب الصلاة، وكذلك يجوز العمل به للأعمى والمحبوس، وكل عاجز عن الاستعلام. وأما العمل بالظن في الوقت كيف ماكان ليكون إخبار واحد ولو كان فاسقا داخلافيه فكذلك، وكذلك أذان الموذن على الأصح كما مر في محله. وعلى هذا فلو كان هذا الصائم ممن لا يتمكن من تحصيل العلم ويجوز له التقليد والعمل بالظن الحاصل من قول الغير فتكليفه جواز الإفطار، وحينئذ فلا يجب


1. التهذيب 4: 270 ح 814، الوسائل 7: 84 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 47 ح 1. 2. الفقيه 2: 83 ح 367.

[ 157 ]

قضاؤه، ولا كفارة ; لكونه مأذونا فيه. وثبوت القضاء فيما لو أكل باستصحاب الليل واتفق كونه في النهار لخصوص دليل لا يستلزم الحكم بثبوته هنا أيضا، إذ لادليل هنا بالخصوص. وإن كان يتمكن من تحصيل العلم، بل الظن بالمراعاة والملاحظة فلا يجوز له العمل بمجرد قول الغير وإن لم يكن حجة شرعية به، فتجب عليه الكفارة أيضا. وما ذكرنا من الإشكال يظهر من كلام صاحب المدارك أيضا (1) بعد جده - رحمه الله - في الروضة (2). وقال صاحب الكفاية: ولا يبعد أن يقال إن حصل الظن بإخبار المخبر اتجه سقوط القضاء والكفارة ; لصحيحة زرارة، ولا يبعد انتفاء الإثم أيضا، وإلا فالظاهر ترتب الإثم، فإن مقتضى الأمر بالصيام إلى الليل وجوب تحصيل العلم أو الظن بالامتثال، وهو منتف في الفرض المذكور، وأما وجوب القضاء ففيه تأمل أيضا (3)، انتهى. والظاهر أن مراده بصحيحة زرارة ما رواه الشيخ عنه، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن وقت إفطار الصائم، قال: " حين تبدو ثلاثة أنجم " وقال لرجل ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ثم أبصر الشمس بعد ذلك، قال: " ليس عليه قضاء " (4). ويحتمل ما رواه الشيخ والصدوق عنه قال، قال أبو جعفر عليه السلام: " وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيته بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة، ومضى صومك، وتكف عن الطعام إن كنت قد أصبت منه شيئا " (5). وأنت خبير بأن الروايتين غير ظاهرتين في حصول الظن من إخبار المخبر، بل الظاهر


1. المدارك 6: 94. 2. الروضة البهية 2: 96 - 97. 3. كفاية الأحكام: 47. 4. التهذيب 4: 318 ح 968، الوسائل 7: 88 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 51 ح 2 وأورد صدوره في ب 52 ح 3. 5. الفقيه 2: 75 ح 327، التهذيب 4: 271 ح 818، الوسائل 7: 87 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 51 ح 1.

[ 158 ]

منهما خلافه، ومنزلتان على ماكان هناك مانع من غيم أو غبار ونحو ذلك، أو على من لا يتمكن من المراعاة أيضا، ولم يقل أحد من الفقهاء بجواز العمل بالظن على أي وجه كان، وقد مر الكلام في مباحث أوقات الصلاة. ثم قوله: " ولا يبعد انتفاء الإثم فيه " أنه لو كان دليل جواز العمل بالظن شاملا لما نحن فيه فانتفاء الإثم متعين، فلا معنى لقوله " ولا يبعد ". إلا أن يقال: بناؤه هنا ليس على مسألة الاكتفاء بالظن في الوقت مع العجز عن تحصيل العلم في الصلاة والصوم، بل مبنى كلامه هنا في خصوص الصوم الاكتفاء بالظن مطلقا ; لخصوص صحيحة زرارة. فيرد عليه حينئذ: أن الظاهر أنه لا قائل بالفصل بين الصوم والصلاة في جواز العمل بالظن، وعدم انصراف الرواية إلى الظن الحاصل من قول المخبر. وأما قوله: " وإلا فالظاهر " إلى آخره الأحسن القطع بترتب الإثم. وأما وجه تأمله في وجوب القضاء، فلعله لتأمله في صدق تعمد الإفطار عليه حينئذ، وليس بجيد ; إذ الجزم بترتب الإثم أو ظهوره إنما هو للإفطار عمدا، وهو مستلزم للقضاء. ثم إن إطلاق كلمات الأكثر يشمل مالو كان المخبر فاسقا أو عادلا واحدا أو متعددا. وعن المحقق الشيخ علي: الجزم بأنه لو شهد بالغروب عدلان ثم بان كذبهما فلاشئ على المفطر وإن كان ممن لا يجوز له تقليد الغير ; لأن شهادتهما حجة شرعية (1). واستشكله في المدارك ; لعدم ما يدل على الحجية عموما، سيما فيما يجب فيه تحصيل اليقين (2). قال في الكفاية: وهو حسن، إلا أن في جعل محل البحث مما يجب فيه تحصيل


1. جامع المقاصد 3: 66. 2. المدارك 6: 95.

[ 159 ]

اليقين تأملا ; لصحيحة زرارة الدالة على الاكتفاء بالظن (1)، وحينئذ فالظاهر التعويل على شهادتهما، إلا مع عدم الظن بشهادتهما (2). أقول: قد عرفت ما فيه، واستشكال المدارك في محله، إلا أن لزوم القضاء في مثل ذلك أيضا غير معلوم ; لعدم ظهور اندراجه فيمن أفطر الصوم عمدا. وأما ما قد يتوهم من أن المستفاد من الأخبار أنه يكفي العدل الواحد في المقامات التي يحتاج إلى العلم فكيف بالعدلين، فهو ضعيف. ومن جملة ما ذكره من المقامات ما رواه الشيخ، عن إسحاق بن عمار، قال: سألته‌عن رجل كانت له عندي دنانير وكان مريضا، فقال لي: إن حدث بي حدث فأعط فلانا عشرين دينارا، وأعط أخي بقية الدنانير، فمات ولم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي: إنه أمرني أن أقول لك انظر إلى الدنانير التي أمرتك أن تدفعها إلى أخي فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها في المسلمين ولم يعلم أخوه أن عندي شيئا، فقال: " تصدق منها بعشرة دنانير كما قال " (3) فدلت على ثبوت الوصية بقول الثقة. ومنها: ما رواه بسند فيه العبيدي، والصدوق بسنده عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الصادق عليه السلام: في حديث، قال عليه السلام فيه: " إن الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبدا، والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه، أو يشافهه العزل عن الوكالة " (4)، وصرح الأصحاب بأنه لا ينعزل إلا مع العلم (5)، فظهر أن الثقة يقوم مقام العلم.


1. التهذيب 4: 318 ح 968، الوسائل 7: 88 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 51 ح 2. 2. كفاية الأحكام: 47. 3. الكافي 7: 64 ح 27، الفقيه 4: 175 ح 614، التهذيب 9: 237 ح 923، الوسائل 13: 482 كتاب الوصايا ب 97 ح 1. 4. الوسائل 13: 287 كتاب الوكالة ب 2. 5. منهم الشيخ الخلاف 3: 342 مسألة 3، والمحقق في الشرائع 3: 193.

[ 160 ]

ومن ذلك ما ورد من كفاية إخبار المالك العدل باستبراء الأمة (1). ووجه الضعف: أن خبر الواحد حجة شرعية ظنية يجوز الاعتماد عليه، فهذه الأخبار الآحاد التي وردت في تلك الموارد في سماع قول الثقة في موضوعات الأحكام، فلو عملنا على مقتضاها فإنما هو لأنه مقتضى تلك الأحاديث، لالأنه مجرد خبر ثقة في موضوع الحكم، فيقتصر على مواردها، مع أن كون المذكورات مما يجب فيه العلم ممنوع. وما ذكره من تصريح الأصحاب في مسألة العزل ممنوع، بل اختلفوا، فقيل: بوجوب العلم (2)، وقيل: بكفاية إخبار الثقة (3)، فمن يشترط العلم لا يعمل بالرواية، ومن لا يشترط يعمل. وبالجملة ظاهر مطمح نظر المتوهم إثبات قطعية الأخبار، وادعاء أن خبر الثقة مفيد للقطع، واين هذا مما رامه، وأنى له إثبات هذا. والحاصل: إن فرض حصول الجزم للمفطر فلا مانع من الإفطار، وإن كان خبر فاسق، والظاهر عدم وجوب القضاء حينئذ لو بان فساده، وبدونه مشكل وإن كان خبر عدلين، ولكن لا يحكم بوجوب القضاء لو فعل وبان فساده، هذا كله فيما لو بان الفساد. وأما لو لم يظهر الحال حتى تيقن الليل، ففيه إشكال، ويظهر من المحقق (4) والشهيد (5) وغيرهما - حيث قيدوه بما لو تبين الفساد - عدم القضاء لو لم يتبين الفساد، والاصول الشرعية تقتضي الفساد والقضاء، بل الكفارة ما لم تظهر الموافقة. ومنها: مالو ظن دخول الليل لظلمة عرضت، إما لغيم أو غيره، فأفطر ثم تبين


1. الوسائل 13: 38 أبواب بيع الحيوان ب 11. 2. الخلاف 3: 342 مسألة 3. 3. جامع المقاصد 8: 279. 4. المعتبر 2: 677. 5. اللمعة (الروضة البهية): 2: 97.

[ 161 ]

فساد ظنه، أتم صومه، ووجب عليه القضاء عند أكثر علمائنا (1)، وهو قول العامة، هكذا قال في التذكرة، ثم قال: وللشيخ قول آخر أنه يمسك ولاقضاء عليه (2) و (3). أقول: ونقل هذا القول في المدارك عن الصدوق في الفقيه وجمع من الأصحاب، واختاره هو - رحمه الله (4) - وبعض من تأخر عنه (5). وعن ابن إدريس أنه قال: من ظن أن الشمس قد غابت لعارض يعرض في السماء من ظلمة أو قتام ولم يغلب على ظنه ذلك ثم تبين الشمس بعد ذلك ; فالواجب عليه القضاء دون الكفارة، وإن كان مع ظنه غلبة قوية فلاشئ عليه من قضاء ولا كفارة ; لأن ذلك فرضه ; لأن الدليل قد فقد، فصار تكليفه في عباداته غلبة ظنه، فإن أفطر لاعن أمارة وظن فيجب عليه القضاء والكفارة (6). وفي المختلف مال إلى القول الأول بعد توقفه أولا (7). ويظهر من المسالك: أن هنا قولا آخر حصل من الجمع بين الأخبار، وهو وجوب القضاء على من تمكن من المراعاة ولم يراع (8). وهو قول الشهيد في اللمعة، فإنه قال فيها بوجوب القضاء إذا حصل له الظن بدخول الليل مع ترك المراعاة مع إمكانها، ولاقضاء عليه مع المراعاة في صورة الإمكان، ولامع عدمها في صورة عدم الإمكان، ونسب القول بعدم القضاء في صورة حصول الظن لظلمة موهمة مع عدم المراعاة إلى القيل مشعرا بتمريضه (9).


1. كالصدوق في الفقيه 2: 75، والمفيد في المقنعة: 358، والشيخ في النهاية: 155، والمبسوط 1: 272، والعلامة في المنتهى 2: 578، وأبي الصلاح في الكافي في الفقه: 183. 2. التهذيب 4: 270 ذ. ح 815، الاستبصار 2: 116. 3. التذكرة 6: 72. 4. المدارك 6: 95 وانظر الفقيه 2: 75. 5. كصاحب الذخيرة: 502. 6. السرائر 1: 377. 7. المختلف 3: 432. 8. المسالك 2: 28. 9. اللمعة (الروضة البهية) 2: 93.

[ 162 ]

وجعل في المسالك أيضا قول ابن إدريس أيضا من مقتضى الجمع بينهما، بحمل مادل على لزوم القضاء على ماكان الظن ضعيفا، والآخر على ماكان قويا (1). أقول: ولا يخفى بعد التأمل في الأخبار، والإنصاف أن كلها من باب واحد، وهو ما حصل الظن بسبب العارض، وأن فرض التمكن من المراعاة وتركه في صورة حصول الظن من غشيان السحاب وحصول الغيم الذي أظلم حتى حصل الظن بالليل نادر لا تنصرف إليه الإطلاقات. فيكون مورد الأخبار هو عدم التقصير في المراعاة، أو ما يشمل صورة التقصير أيضا. ولا استبعاد في وجوب القضاء لو انكشف الفساد حينئذ إذا قام الدليل، فالشأن في إقامة الدليل، والكلام في ترجيح الأدلة. فما يدل من الأخبار على القول الأول هو ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح على الأظهر، عن أبي بصير وسماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام: في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس فرأوا أنه الليل، فأفطر بعضهم، ثم إن السحاب قد انجلى، فإذا الشمس، فقال: " على الذي أفطر صيام ذلك اليوم، إن الله عزوجل يقول: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه ; لأنه أكل متعمدا " (3). وأما ما يدل على القول الثاني فكثير، منها صحيحتا زرارة المتقدمتان (4). ومنها رواية أبي الصباح الكناني - وكثيرا ما يصف هذا السند بالصحة


1. انظر المسالك 2: 28، والسرائر 2: 377. 2. البقرة: 187. 3. الكافي 4: 100 ح 2، التهذيب 4: 270 ح 815، الوسائل 7: 87 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 50 ح 1. 4. الاولى في التهذيب 4: 318 ح 968، والوسائل 7: 88 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 51 ح 2، والثانية في الفقيه 2: 75 ح 327، والتهذيب 4: 271 ح 818، والاستبصار 2: 115 ح 376، والوسائل 7: 87 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 51 ح 1.

[ 163 ]

في المختلف - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صام ثم ظن أن الشمس قد غابت وفي السماء غيم فأفطر، ثم إن السحاب قد انجلى، فإذا الشمس لم تغب، فقال: " قد تم صومه ولا يقضيه " (1). ورواية زيد الشحام عنه عليه السلام: في رجل صائم ظن أن الليل قد كان، وأن الشمس قد غابت، وكان في السماء سحاب، فأفطر، ثم إن السحاب انجلى، فإذا الشمس لم تغب، فقال: " تم صومه ولا يقضيه " (2). والصدوق - رحمه الله - أخذ بهذه الأخبار، ورد رواية سماعة ; لأنه واقفي (3). والشيخ في الاستبصار حمل الرواية الاولى على صورة الشك (4)، وربما قدح بعضهم في سندها ; لمكان العبيدي (5). وربما قدح بعضهم في دلالة صحيحة زرارة الثانية على عدم وجوب القضاء ; بأن قوله عليه السلام " مضى " بمعنى سقط وتلف، يعني مضى من يده (6). والحق ; أن هذه الإشكالات كلها ضعيفة، ودلالة الأخبار على الطرفين واضحة، ولا يخلو كل من الطرفين من أسناد معتبرة. وكون سماعة واقفيا مع تسليمه غير مضر ; لحجية الموثق، مع أن في الكافي والتهذيب رواه عن أبي بصير أيضا (7)، والأظهر فيه الصحة كما وصفه به في المختلف أيضا (8).


1. الفقيه 2: 75 ح 326، التهذيب 4: 270 ح 816، الاستبصار 2: 115 ح 374، الوسائل 7: 88 عنه الصائم ب 51 ح 3. 2. التهذيب 4: 271 ح 817، الاستبصار 2: 115 ح 375، الوسائل 7: 88 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 51 ح 4. 3. الفقيه 2: 75 ذ. ح 328. 4. الاستبصار 2: 116. 5. المدارك 6: 96. 6. المدارك 3: 99، وانظر الحدائق 13: 106. 7. الكافي 4: 100 ح 2، التهذيب 4: 270 ح 815. 8. المختلف 3: 432.

[ 164 ]

وقوله عليه السلام: " فرأوا أنه الليل " ظاهر في الظن، مع أن في بعض النسخ فظنوا. وكذا العبيدي أظهره الصحة (1)، فلابد من الرجوع إلى الترجيح. فما يرجح القول الأول أكثرية القائلين به، وأشهريته، وكون روايته معللة، لكن التعليل بكونه أكل متعمدا لا يخلو من شئ، سيما ولو كان كذلك للزمت الكفارة أيضا، وهم لا يقولون به، بل ظاهرهما الاتفاق كما يظهر من المسالك (2). ويضعفه أيضا كونه موافقا للعامة كما نقله في التذكرة (3)، ونقل فيها روايتهم عن حنظلة قال: كنا في شهر رمضان وفي السماء سحاب، فظننا أن الشمس قد غابت، فأفطر بعضنا، فأمر من كان أفطر أن يصوم مكانه (4). ومما يرجح القول الآخر كثرة الأخبار، واعتبار أسنادها، وموافقتها للأصل، والاعتبار، والموافقة لنفي الحرج والعسر والملة السمحة السهلة، ومخالفتها للعامة، فلم يبق في الطرف الأول إلا أكثرية القائل، وليس ذلك بحد يغلب على تلك المرجحات القوية، مع أن هذا القول ليس بشاذ، بل القائل به أيضا كثير، فلا يبعد حمل رواية الأولين على التقية. والأقوى عدم وجوب القضاء. وأما الكفارة فلا دليل عليها إلا إشعار قوله عليه السلام: " لأنه أكل متعمدا " (5) وقد عرفت ضعفه. بقي الكلام فيما ذهب إليه ابن إدريس من الفرق بين مراتب الظنون (6)، وهو غير ظاهر الوجه ; لعدم انضباط مراتب الظن حتى يجعل بعضها غالبا وبعضها غير ذلك،


1. انظر معجم رجال الحديث رقم 11508 و 15390. 2. المسالك 2: 29. 3. التذكرة 6: 72. 4. سنن البيهقي 4: 217، وانظر التذكرة 6: 72. 5. الوارد في خبر أبي بصير وسماعة المتقدم. 6. السرائر 1: 377.

[ 165 ]

بل الظن كله غالب كما أشار إليه في المسالك (1)، مع أن المذكور في الأخبار هو مطلق الظن. وقال في المختلف: ومنشأ خياله هذا ما وجده في كلام شيخنا أبي جعفر أنه متى غلب على ظنه لم يكن عليه شئ، فتوهم أن غلبة الظن مرتبة اخرى راجحة على الظن، ولم يقصد الشيخ ذلك، فإن الظن هو رجحان أحد الاعتقادين، وليس للرجحان مرتبة مخصوصة محدودة تكون ظنا واخرى تكون غلبة الظن. ثم قوله: " إن أفطر لاعن أمارة ولاظن وجب عليه القضاء والكفارة " خطأ ; لأنه لو أفطر مع الشك لوجب عليه القضاء خاصة، فهذا كله كلام من لا يحقق شيئا (2)، انتهى. أقول: وهذه العبارة الموهمة موجودة في كلام غير ابن إدريس أيضا، مثل عبارة المحقق في الشرائع، فإنه عد امورا يجب فيها القضاء فقط، وقال في آخرها: والإفطار للظلمة الموهمة دخول الليل، فإن غلب على ظنه لم يفطر (3). وقد جعل في المسالك أحد معاني العبارة التفاوت بين مراتب الظن كما ذكره ابن إدريس بإرادة الظن من الوهم كما هو أحد معانيه لغة (4). والأظهر عندي أن مراده - رحمه الله - من الإفطار للظلمة الموهمة هو ما لم يحصل معه الظن، فيكون الوهم في كلامه بمعنى الغلط كما هو أحد معانيه اللغوية أيضا (5). فاتباع الظلمة المغلطة موجب للإفطار الموجب للقضاء، وما حصل منه الظن مستثنى من أقسامه بسبب النصوص، ولذلك قال: فإن غلب على ظنه لم يفطر، يعني لم يحكم بكونه مفطرا، وإن استبان خطأه، فيكون مختاره - رحمه الله - في


1. المسالك 2: 28. 2. المختلف 3: 434، وانظر الاستبصار 2: 116. 3. الشرائع 1: 173. 4. المسالك 2: 28، وانظر الصحاح 5: 2054، والمصباح المنير: 674. 5. المصباح المنير: 674.

[ 166 ]

المسألة عدم وجوب القضاء، بخلاف مختاره في المعتبر (1). وعلى ذلك تنزل عبارة التذكرة (2) وغيرها. وأصرح العبارات في ذلك عبارة اللمعة، حيث قال: وقيل لو أفطر لظلمة موهمة ظانا فلا قضاء (3). والكلام في العبارات سهل، وإنما المهم تحقيق أصل المسألة، فأما الكلام في صورة حصول الظن فقد عرفته. وأما في صورة الوهم والشك المصطلحين ; فلم نقف في الأخبار على ما يدل عليه، ومقتضى العمومات لزوم القضاء عليه ; لأنه غير مأذون فيه. بل وهو كذلك لو لم ينكشف كونه في النهار، كما ذكره في المسالك (4)، واختاره في التذكرة (5). بل لزوم الكفارة أيضا كما أشار إليه أيضا في المسالك (6). وإن كان لجهل بالحرمة، فقد مر حكم الجاهل. وأما لو انكشف كونه في الليل ففيه إشكال، والظاهر عدم وجوب القضاء كما صرح به في التذكرة ; لصحته في الأصل وعدم طروء المفسد (7). وأما الكفارة ; ففي سقوطها حينئذ إشكال، من جهة هتك الحرمة، وعدم صدق الإفطار، وسيجئ الكلام فيه. ثم إن الظاهر أن الكلام فيمن ظن الدخول في الليل، وله طريق إلى العلم كذلك،


1. المعتبر 2: 678. 2. التذكرة 6: 72. 3. اللمعة الدمشقية (الروضة البهية) 2: 93 والقائل هو الشيخ في التهذيب 4: 270، والاستبصار 2: 116، والنهاية: 155، والمحقق في الشرائع 1: 173، والعلامة في الإرشاد 1: 297. 4. المسالك 2: 30. 5. التذكرة 6: 73. 6. المسالك 2: 30. 7. التذكرة 6: 73.

[ 167 ]

كما ذكره في المسالك أيضا، قال: ويظهر من المتأخرين أنه لا كفارة في هذه الصورة، وقد عرفت ما فيه، والوجهان آتيان فيمن أفطر في يوم يعتقده من شهر رمضان، ثم تبين أنه العيد، أو أفطر المسافر قبل تحقق بلوغ الترخص، ثم ظهر له أنه في محله، أو ظن أن سفره بعد الزوال فأفطر ثم تبين أنها لم تزل، وعدم الكفارة في الجميع متوجه وإن حصل له الإثم (1)، انتهى، وتمام الكلام فيه سيجئ بعد ذلك. الثاني عشر: كفارة شهر رمضان: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا. واختلفوا في أنه مخير فيها، أو مرتبة على الترتيب المذكور، فتتعين الاولى مع القدرة، ثم الثانية مع العجز عن الاولى، ثم الثالثة هكذا. والأشهر الأظهر المدعى عليه الإجماع من السيد في الانتصار (2) وابن زهرة (3) هو الأول ; للأصل ; والأخبار المستفيضة، منها موثقة أبي بصير المتقدمة في مسألة من أصبح جنبا متعمدا (4). ومنها: روايته الاخرى المتقدمة في مسألة الاستمناء (5). ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال: " يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر على ذلك تصدق بما يطيق " (6). وموثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن معتكف واقع أهله، قال:


1. المسالك 2: 30. 2. الانتصار: 69. 3. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 4. التهذيب 4: 212 ح 616، الاستبصار 2: 87 ح 272، الوسائل 7: 43 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 2. 5. التهذيب 4: 320 ح 981، الوسائل 7: 26 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 5. 6. التهذيب 4: 205 ح 594، الوسائل 7: 28 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 1.

[ 168 ]

" عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا: عتق رقبة، أو صوم شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا " (1). وهناك روايات كثيرة اكتفي فيها بإحدى الخصال، وهي لا تلائم الترتيب، بل هي أوفق بالتخيير، فلاحظها (2). وذهب ابن أبي عقيل إلى الترتيب (3). وعن الشيخ في الخلاف أنه حكاهما روايتين، إلا أنه قال: وخبر الأعرابي يقوي الترتيب (4)، والظاهر أنه أراد بخبر الأعرابي رواية عبد المؤمن الآتية. وذكروا في دليله الاحتياط، ورواية عبد المؤمن بن الهيثم الأنصاري، عن أبي جعفر عليه السلام: " إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: هلكت وأهلكت، فقال صلى الله عليه وآله: ماأهلكك ؟ فقال: أتيت امرأتي في شهر رمضان وأنا صائم، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أعتق رقبة، قال: لاأجد، قال: فصم في شهرين متتابعين، فقال: لااطيق، قال: تصدق على ستين مسكينا، قال: لاأجد، فأتى النبي صلى الله عليه وآله بعذق في مكتل فيه خمسة عشر صاعا، من تمر، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: خذها وتصدق بها، فقال: والذي بعثك بالحق، مابين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فقال: خذه وكله أنت وأهلك، فإنه كفارة لك " (5). وحسنة جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، فقال: " إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: هلكت يا رسول الله، فقال: مالك ؟ فقال: النار يا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: ومالك ؟ قال: وقعت على أهلي،


1. التهذيب 4: 292 ح 888، الاستبصار 2: 130 ح 425، الوسائل 7: 407 أبواب الاعتكاف ب 6 ح 5. 2. الوسائل 7: 28 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8. 3. نقله عنه في المختلف 3: 438، والتذكرة 6: 52. 4. الخلاف 2: 186 مسألة 32. 5. الفقيه 2: 72 ح 309، الوسائل 7: 30 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 5. المكتل: الزنبيل الكبير، مجمع البحرين 5: 460 مادة كتل. لابتيها يعني المدينة المنورة، ولابتاها: الحرتان اللتان تحيطان بها. مجمع البحرين 2: 168 مادة لوب.

[ 169 ]

قال: تصدق واستغفر ربك، فقال الرجل: فوالذي عظم حقك ما تركت في البيت شيئا لا قليلا ولا كثيرا، قال: فدخل رجل من الناس بمكتل تمر فيه عشرون صاعا يكون عشرة أصوع بصاعنا، فقاله له رسول الله: خذ هذا التمر فتصدق به، فقال يا رسول الله: على من أتصدق به وقد أخبرتك أنه ليس في بيتي قليل ولا كثير، قال: فخذه وأطعمه عيالك واستغفر الله عزوجل " قال: فلما رجعنا قال أصحابنا: إنه بدأ بالعتق، قال: " أعتق، أو صم، أو تصدق " (1). ورواية المشرقي، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن رجل أفطر من شهر رمضان أياما متعمدا، ما عليه من الكفارة ؟ فكتب: " من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة، ويصوم يوما بدل يوم " (2) فإنها تدل على تعينه عليه. والجواب عن الرواية الاولى: بعد ضعفها، أنها ليست بنص في الترتيب في التكليف، بل إنما هو ترتيب في إلقاء الحكم، ولعله عليه السلام ابتدأ بما ابتدأ لأجل الأفضلية. سلمنا الدلالة، لكنها لا يعارض بها ما قدمناه من الأخبار المعتبرة الصريحة في التخيير (3) ; لموافقتها لجمهور الأصحاب، ومخالفتها لأكثر العامة (4)، ووافقنا في التخيير ; مالك (5)، ورووا رواية دالة عليه عن أبي هريرة (6)، وأما أبو حنيفة والشافعي وغيرهما فذهبوا إلى الترتيب، واستدلوا بحكاية الأعرابي المتقدمة،


1. الكافي 4: 102 ح 2، التهذيب 4: 206 ح 595، الاستبصار 2: 80 ح 245، الوسائل 7: 29 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 2. 2. التهذيب 4: 207 ح 600، الاستبصار 2: 96 ح 311، الوسائل 7: 31 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 11. 3. الوسائل 7: 28 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8. 4. كأبي حنيفة والثوري والشافعي والأوزاعي، انظر بدائع الصنائع 5: 96، والمبسوط للسرخسي 3: 71، والمغني 3: 66، والشرح الكبير 3: 69، والمجموع 6: 333 و 345، حلية العلماء 3: 201، وفتح العزيز 6: 452، وبداية المجتهد 1: 305، والتذكرة 6: 52. 5. الكافي في فقه أهل المدينة: 124، بداية المجتهد 1: 305، المغني 3: 66، الشرح الكبير 3: 69، المجموع 6: 345، حلية العلماء 3: 201، المبسوط للسرخسي 3: 71، فتح العزيز 6: 452. 6. صحيح مسلم 2: 782 ح 83، 84، سنن البيهقي 4: 225.

[ 170 ]

ولموافقتها للأصل ونفي العسر والحرج، وأكثريتها وأصحيتها وأوضحيتها، فنحملها على الاستحباب. وأما الرواية الثانية: فالأمر بالتصدق يدل على وجوب الابتداء بالعتق، وحملها على أنه صلى الله عليه وآله كان يعلم عجزه عن الآخرين تأويل، وليس بأولى من إرادة ذكر أحد أفراد الواجب المخير. وأما آخر الرواية ; فنقل حكاية جميل قول أصحابه في معنى حديث مرسل، ولا حجية فيه، وكانه أراد أني لم أسمع إلا حكاية التصدق، ولكن أصحابنا قالوا: إنه بدأ بالعتق إلى آخره. مع أنه لادلالة في الابتداء بالعتق على تعينه، فلعله للفضيلة، مضافا إلى أن كلمة " أو " ظاهرة في التخيير. وأما الثالثة: فمع تسليم سندها، فهو أعم من التعيين، فلعله في الأفضلية. سلمنا ; لكنها معارضة بالأخبار الكثيرة التي عين فيها غيره (1)، مع أن بعضها لا يقبل التأويل بأنه من جهة أن الإمام كان يعلم عجزه عن غيره، مثل أن الراوي سأل عن رجل فعل كذا ; فقال: يكفر كذا ; لأن ذلك سؤال عن صورة فرضه. هذا كله مع ما عرفت من أن التوجيه والتأويل في هذه الأخبار ألصق وأنسب وأولى من جهة قربه هنا دون أخبارنا، ومن جهة أن إرجاع الأضعف إلى الأقوى متعين، ولايجوز العكس. ثم إنهم اختلفوا في ثبوت الفرق بين الإفطار بالمحرم والمحلل، وعدمه، فظاهر إطلاق الأكثر عدم الفرق، ونسبه العومة إلى المشهور في المختلف (2). وذهب جماعة من الأصحاب إلى الفرق، وهو مذهب الصدوق (3) والشيخ


1. الوسائل 7: 28 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8. 2. المختلف 3: 448. 3. الفقيه 2: 73 ح 317.

[ 171 ]

في كتابي الأخبار (1) وابن حمزة (2) والعومة في الإرشاد والقواعد (3)، وولده في شرحه (4)، وفي جواب مسائل المهنا بن سنان، ويحيى بن سعيد في الجامع (5)، والشهيد في الدروس واللمعة (6)، والشهيد الثاني في المسالك والروضة (7)، ونسبه الفاضل المتقي في شرحه على الفقيه إلى المشهور بين المتأخرين، واختاره (8)، وهذا أقوى. لنا: ما رواه الصدوق، عن عبد الواحد بن عبدوس النيسابوري، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن الرضا عليه السلام، قال، قلت له: يابن رسول الله عليه السلام قد روي عن آبائك عليهم السلام فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفارات، وروي عنهم أيضا كفارة واحدة، فبأي الحديثين نأخذ ؟ قال: " بهما جميعا، متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناو قضاء ذلك اليوم، وإن كان نكح حلالا فعليه كفارة واحدة " رواه في باب الكفارات من الفقيه وفي العيون ومعاني الأخبار (9). وقال في كتاب الصوم من الفقيه: وأما الخبر الذي روي فيمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا أن عليه ثلاث كفارات فإني أفتي به فيمن أفطر بجماع محرم عليه ; أو بطعام محرم عليه، لوجود ذلك في روايات أبي الحسين الأسدي - رضي الله عنه -


1. التهذيب 4: 208 ذ. ح 604، الاستبصار 2: 97 ذ. ح 315. 2. الوسيلة: 146. 3. الإرشاد 1: 298، القواعد 1: 378. 4. إيضاح الفوائد 1: 233. 5. الجامع للشرائع: 156. 6. الدروس 1: 273، اللمعة (الروضة البهية) 2: 120. 7. المسالك 2: 23، الروضة البهية 2: 120. 8. روضة المتقين 3: 326. 9. الفقيه 3: 238 ح 1128، عيون أخبار الرضا (ع) 1: 314 ح 88، معاني الأخبار: 389 ح 27.

[ 172 ]

فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه (1). وهذا يشهد بأن هنا رواية اخرى عن صاحب الزمان ظاهرة الصحة، والرواية الأولى أيضا ظاهرة الصحة كما وصفها بها العومة في كفارات التحرير (2)، والشهيد الثاني في المسالك والروضة (3). والتأمل في عبد الواحد كما قال في المختلف أنه لا يحضره الآن حاله، ولو كان ثقة لكانت الرواية صحيحة يتعين العمل بها (4)، لاوجه له، مع ملاحظة كونه معتمد الصدوق وشيخه، وروى عنه بلا واسطة، وقال بعد ذكره " رضوان الله تعالى عليه " (5) إذ لا يحصل الظن بالتوثيق من عدل أزيد مما يحصل من ذلك. وأما علي بن محمد بن قتيبة، فيظهر من العومة في هذه العبارة من المختلف توثيقه (6)، وكذلك من الشهيد الثاني (7) وغيره (8)، مع أنه ممن اعتمد عليه الكشي كما صرح به النجاشي (9). وأما عبد السلام فهو أبو الصلت الهروي، ولاريب في توثيقه (10). وما يظهر من العومة في باب الكنى من أنه عامي ينافي ذكره في باب المعتمدين بلا إشكال (11).


1. الفقيه 2: 73 ح 317. 2. تحرير الأحكام 2: 110. 3. المسالك 2: 23، الروضة البهية 2: 120. 4. المختلف 3: 448. 5. الفقيه 3: 238 ح 1128، التوحيد: 242 ح 4، وص 269 ح 4، وص 416 ح 16، عيون أخبار الرضا (ع) 2: 121 ح 1. 6. المختلف 3: 448. 7. المسالك 2: 23، وانظر " الطبعة الحجرية " ج 2: 78. 8. نقل العلامة الرواية في التحرير 2: 110 وعبر عنها بالصحيحة، ويظهر منه التوثيق. 9. رجال النجاشي: 259. 10. انظر معجم رجال الحديث رقم 6504 و 6496. 11. رجال العلامة الحلي: 267.

[ 173 ]

مع أنه يظهر من الروايات التي نقلها الكشي أن العامة وثقوه ولم يعيبوا عليه بشئ إلا التشيع ومحبة آل الرسول الله صلى الله عليه وآله (1). فلعل غفلة من غفل مثل ابن داود في أواخر كتابه مع تصحيحه قبل ذلك في موضعين (2) إنما كان لأجل كونه متقيا، وهذا الجمع أولى من الجمع بكونه عاميا ثقة حتى يكون موثقا، مع أن الموثق أيضا حجة. ولعل مراد الصدوق - رحمه الله - بالخبر الذي ذكره هو موثقة سماعة، قال: سألته عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمدا فقال: " عليه عتق رقبة، وإطعام ستين مسكينا، وصيام شهرين متتابعين، وقضاء ذلك اليوم، وأنى له مثل ذلك اليوم " (3). ورواه الشيخ في التهذيب وأوله بتأويلين، أحدهما: كون " الواو " بمعنى " أو " كما في مثنى وثلاث ورباع. والثاني: بإتيان أهله في حال تحريم الوطء كحال الحيض، وحال الظهار قبل الكفارة، واستشهد عليه برواية الهروي (4). فطرح هذه الروايات الثلاث المفصلة أو إخراجها من الظاهر وحملها على الاستحباب مع اعتبارها وموافقتها للاعتبار وعمل كثير من الأصحاب، مع أنه ليس في طرف الخلاف إلا الأصل والإطلاقات وترك الاستفصال في غاية الإشكال، فالأظهر العمل على التفصيل. وأما رواية الفتح بن يزيد الجرجاني المروية في العيون والخصال (5)، وستأتي في مسألة وجوب تكرر الكفارة بتكرر المفطر، فهي لا تنافي ما ذكرنا كما يظهر بالتأمل.


1. اختيار معرفة الرجال 2: 872 ح 1148 و 1149. 2. رجال ابن داود: 129 / 957، وص 257 / 306 / وص 219 / 55، وص 313 / 15. 3. التهذيب 4: 208 ح 604، الاستبصار 2: 97 ح 315، الوسائل 7: 36 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10 ح 2. 4. التهذيب 4: 208 ح 604، وقوله " مثنى وثلاث ورباع " إشارة إلى الآية 4 من سورة النساء. 5. عيون أخبار الرضا (ع) 1: 254 ح 3، الخصال: 450 ح 54، الوسائل 7: 36 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 11 ح 1.

[ 174 ]

ثم إنه لافرق في المحرم بين الأصلي كأكل الميتة، ولحم الخنزير، والزنا، والاستمناء المحرم، وغبار مالايجوز تناوله كالتراب، أو العارضي كوطء الزوجة في حال الحيض أو حال الظهار قبل الكفارة ونحوها. ويشكل الكلام في الغبار ; لأن المذكور في الرواية أن كفارته صيام شهرين، والتمسك بعدم القول بالفصل مشكل. وقد يعد من تناول المحرم ابتلاع نخامة الرأس إذا صارت في فضاء الفم، وهو ضعيف، وسيجئ الكلام فيه. الثالث عشر: قد عرفت أنه لا خلاف في وجوب الكفارة في النذر المعين، واختلفوا في قدرها ولما كانت الأقوال متواردة على مطلق النذر، فلنتكلم على مطلقه، ففيه أقوال عديدة: فالمشهور أن كفارة خلف النذر والعهد كفارة شهر رمضان مخيرة، سواء كان المنذور صوما أو غيره، وادعى السيد في الانتصار الإجماع على وجوب القضاء وما يجب على من أفطر يوما من شهر رمضان من الكفارة على من أفطر صوم النذر المعين (1). وذهب الصدوق إلى أنها كفارة يمين (2). ونقل ابن إدريس عن السيد في المسائل الموصليات التفصيل بأنه إن كان المنذور صوما معينا فأفطره فكفارة رمضان، وإلا فكفارة يمين (3)، وارتضاه جماعة من الأصحاب (4).


1. الانتصار: 69. 2. الفقيه 3: 232 ذ. ح 1095. 3. السرائر 3: 74. 4. كالعلامة في التحرير 2: 109.

[ 175 ]

وقال في الإرشاد: الأقرب أن خلف نذر الصوم كرمضان، وخلف نذر غيره كاليمين، وكذا العهد (1). والفرق بين التفصيلين ظاهر. وعن الكرخي وسور أن كفارة خلف النذر هي كفارة ظهار (2)، وهو يقتضي الترتيب. وقال السيد في الانتصار: ومما انفردت به الإمامية أن من خالف النذر حتى فات فعليه كفارة، وهي عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، وهو مخير في ذلك، فإن تعذر عليه الجميع كان عليه كفارة يمين (3). والأقوى قول المشهور ; لما رواه الشيخ، عن عبد الملك بن عمرو، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من جعل لله عليه أن لا يركب محرما سماه فركبه، قال: ولا أعلم إلا قال: فليعتق رقبة، أو ليصم شهرين متتابعين، أو ليطعم ستين مسكينا " (4). والظاهر أن الرواية صحيحة ; لأنه ليس فيها من يتأمل فيه أي عبد الملك بن عمرو (5)، والظاهر عدم الإشكال فيه لوجوه: منها: أن الكشي روى في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن عبد الملك بن عمرو قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إني لأدعو لك حتى اسمي دابتك، أو قال: أدعو لدابتك " (6). والقدح في ذلك بأن ذلك شهادة لنفسه فلا تسمع، يدفعه أن رواية ابن أبي عمير عنه


1. الإرشاد 2: 97. 2. المراسم: 187 ونقله عنهما في المسالك 10: 22. 3. الانتصار: 64. 4. التهذيب 8: 314 ح 1165، الاستبصار 4: 54 ح 188، الوسائل 15: 575 أبواب الكفارات ب 23 ح 7 بتفاوت. 5. انظر معجم رجال الحديث رقم 7305 و 7306. 6. اختيار معرفة الرجال 2: 687 رقم 730.

[ 176 ]

تشهد بصدق الحديث فيكون الحديث معتبرا، وهذا المدح مع صحته لا يقصر عن التوثيق، بل أكبر منه. ومنها: أن جماعة من الفضلاء المحققين وصفوا هذه الرواية بالصحة، مثل العلامة - رحمه الله - في المختلف (1)، وولده (2)، والشهيد الأول في غاية المراد والدروس (3) وغيرهما، والمحقق ابن فهد في المهذب (4)، وبعض من تأخر عنهم (5)، فهذا في معنى التوثيق من هؤلاء، فلاوجه للتأمل. ومنها: أن الراوي عنه في هذا السند ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، وهما ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، وقد قالوا في شأن ابن أبي عمير ما قالوا (6). فهذه الرواية مع عمل جمهور الأصحاب، بل ادعاء الإجماع عليه من السيد في أول الأمر يعين العمل عليها. وحجة الصدوق: روايات، منها صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يجعل عليه نذرا ولا يسميه، قال: " إن سميت فهو ما سميت، وإن لم تسم شيئا فليس بشئ، فإن قلت: لله علي، فكفارة يمين " (7). ورواية حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن كفارة النذر، قال: " كفارة النذر كفارة اليمين " (8). وأما دليل التفصيل: فهو الجمع بين الأخبار، بحمل صحيحة ابن عمرو على


1. المختلف (طبعة مركز الإعلام الإسلامي) 8: 235. 2. إيضاح الفوائد 4: 78. 3. غاية المراد (الطبعة الحجرية): 261، الدروس 2: 2: 177. 4. المهذب البارع 3: 555. 5. كالشهيد الثاني في المسالك 10: 17. 6. انظر معجم رجال الحديث رقم: 14996 و 10016. 7. الفقيه 3: 230 ح 1087، الوسائل 16: 185 أبواب النذر والعهد ب 2 ح 5. 8. الكافي 7: 457 ح 13، الوسائل 15: 575 أبواب الكفارات ب 23 ح 4.

[ 177 ]

الصوم، وحمل صحيحة الحلبي على غيره، مؤيدا بمناسبة الصوم للصوم، وبروايات وردت في خصوص الصوم، مثل رواية القاسم بن الفضيل، أنه كتب إليه: يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما لله تعالى، فوقع في ذلك اليوم على أهله، ما عليه من الكفارة ؟ فأجابه: " يصوم يوما بدل يوم، وتحرير رقبة مؤمنة " (1) ومثل رواية علي بن مهزيار (2)، ورواية الحسين بن عبيدة (3). وفيه: مع أن تلك الأخبار ضعيفة لادليل فيها على ذلك ; إذ تحرير الرقبة موجود في كلتي الكفارتين. مع أنه تضعفه صحيحة علي بن مهزيار، قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي إني نذرت أن أصوم كل يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة ؟ فكتب وقرأته: " لا تتركه إلا من علة، وليس عليك صومه في سفر ولامرض، إلا أن تكون نويت ذلك، وإن كنت أفطرت فيه من غير علة فتصدق بعدد كل يوم على سبعة مساكين، نسأل الله التوفيق لمايحب ويرضى " (4). فإن هذا الخبر يدل على أن كفارة الصوم ليست كفارة رمضان، بل الظاهر أنها كفارة يمين، والظاهر أن السبعة تصحيف عشرة، ويشهد له أن الصدوق في المقنع ذكر لفظ عشرة بدل سبعة (5)، ومن دأبه ذكر متون الأخبار والإفتاء بمضمونها. والحاصل: أن التفصيل ضعيف ; لأن مطلق الجمع بين الأخبار لادليل عليه، وليس في الأخبار ما يدل عليه. فبقي الكلام في الترجيح بين قول الصدوق والمشهور، ولاريب أن الترجيح مع


1. التهذيب 4: 286 ح 865، الاستبصار 2: 125 ح 406، الوسائل 7: 277 أبواب بقية الصوم الواجب ب 7 ح 3 عن القاسم الصيقل بدل عن القاسم بن الفضيل. 2. الكافي 7: 456 ح 12، التهذيب 4: 286 ح 866، الاستبصار 2: 125 ح 407، الوسائل 7: 277 أبواب بقية الصوم الواجب ب 7 ح 1. 3. التهذيب 4: 330 ح 1029، الوسائل 7: 277 أبواب بقية الصوم الواجب ب 7 ح 2. 4. التهذيب 4: 286 ح 867، الاستبصار 2: 125 ح 408، الوسائل 7: 277 أبواب بقية الصوم الواجب ب 7 ح 4. 5. المقنع (الجوامع الفقهية): 16.

[ 178 ]

المشهور، فإن كثرة الأخبار الدالة على كفارة اليمين، مع انفراد الصدوق، وهجر أكثر الأصحاب العمل عليها مما يضعفها، ويظهر من الانتصار أن ذلك مذهب الإمامية (1)، ولا يبعد أن يكون مخالفه مما ورد من باب التقية. ومن الغريب أن الشهيد الثاني - رحمه الله - قوى رواية الحلبي بتأيدها برواية حفص بن غياث، وقال: وهو وإن كان عاميا إلا أن الشيخ قال: إن كتابه معتمد، وباتفاق روايات العامة التي صححوها عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: وهي وإن لم تكن حجة إلا أنها لا تقصر عن أن تكون مرجحة (2)، انتهى. وأنت تعلم أن هذا مؤيد لما ذكرنا، وهو من المضعفات لقول الصدوق، وبالجملة الكلام في الخلف في الصوم الذي هو مما نحن فيه، سيما في إفطار اليوم المعين نذره ظاهر. ولا ينبغي التأمل في أن الأقوى قول المشهور، سيما مع ملاحظة الإجماعين المذكورين في الانتصار، وكذلك في غير الصوم، وفي الصوم مع التخلف عنه بغير الإفطار الأقوى قول المشهور ; لأنه لا يقاوم صحيحة الحلبي، ورواية غياث لصحيحة ابن عمرو مع اشتهار العمل بها، ولا يضرها إشعار لفظها بالتردد مع ملاحظة فهم الأصحاب. وأما دليل التفصيل الأخير، فهو الإجماع الذي نقله المرتضى، وهو مقتضى حسنة جميل بن صالح، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: " كل من عجز عن نذر نذره فكفارته كفارة يمين " (3)، وحمل في المختلف صحيحة الحلبي وما في معناها على ذلك (4)، وكذلك غيره (5)، ولا بأس به.


1. الانتصار: 64. 2. المسالك (الطبعة الحجرية) 2: 78. 3. الاستبصار 4: 55 ب 35 ح 7. 4. المختلف (طبعة مركز الإعلام الإسلامي) 8: 236. 5. كالشيخ في التهذيب 8: 306 ذ. ح 1136، والاستبصار 4: 455 ذ. ح 194.

[ 179 ]

وأما كفارة العهد، فهو أيضا مثل النذر عند المشهور ; لرواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال: سألته عن رجل عاهد الله في غير معصية، ما عليه إن لم يف بعهده ؟ قال: " يعتق رقبة، أو يتصدق بصدقة، أو يصوم شهرين متتابعين " (1). ورواية أبي بصير، عن أحدهما عليه السلام، أنه قال: " من جعل عليه عهد الله وميثاقه في أمر لله طاعة فحنث فعليه عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا " (2). الرابع عشر: تتكرر الكفارة إذا تكرر الموجب في يومين أو أكثر، سواء كفر عن الأول أم لا، بإجماع علمائنا، كما نقله في التذكرة والمنتهى (3)، ونفى عنه الخلاف في المبسوط (4) كما نقله في المختلف (5). واختلفوا في تكررها بتكرره في يوم واحد، فعن الشيخ في المبسوط أنه قال: ليس لأصحابنا فيه نص، والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا تتكرر الكفارة (6)، وهو المنقول عن ابن حمزة (7) وجماعة من الأصحاب (8)، واختاره المحقق (9)، وهو المنقول عن أبي حنيفة والشافعي ومالك (10).


1. التهذيب 8: 309 ح 1148، الاستبصار 4: 55 ح 189، الوسائل 15: 576 أبواب الكفارات ب 24 ح 1. 2. التهذيب 8: 315 ح 1170، الاستبصار 4: 54 ح 187، الوسائل 15: 576 أبواب الكفارات ب 24 ح 2 3. التذكرة 6: 84 مسألة 48، المنتهى 2: 580. 4. المبسوط 1: 274. 5. المختلف 3: 449. 6. المبسوط 1: 274. 7. الوسيلة: 146. 8. التذكرة 6: 84. 9. المعتبر 2: 680. 10. المبسوط للسرخسي 3: 74، بداية المجتهد 1: 306، المدونة الكبرى 1: 218، المجموع 6: 337، حلية العلماء 3: 201، المغني 3: 73، الشرح الكبير 3: 65.

[ 180 ]

وعن السيد - رحمه الله - أنها تتكرر بتكرر الوطء (1). وعن ابن الجنيد: أنه إن كفر عن الأول كفر ثانيا، وإلا فتكفيه كفارة (2)، ونقله في التذكرة عن أحمد بن حنبل، وقال: لا بأس به، وتوقف فيما لو اختلف جنس المفطر كالوطء والأكل (3). وقال في المختلف: قال ابن أبي عقيل: ذكر أبو الحسن زكريا بن يحيى صاحب كتاب شمس المذهب عنهم عليه السلام: أن الرجل إذا جامع في شهر رمضان عامدا فعليه القضاء والكفارة، فإن عاود إلى المجامعة في يوم ذلك مرة اخرى فعليه في كل مرة كفارة. ثم قال فيه: والأقرب عندي أنه إن تغاير جنس المفطر تعددت الكفارة سواء اتحد الزمان أو لا، كفر عن الأول أو لا، وإن اتحد جنس المفطر في يوم واحد ; فإن كفر عن الأول تعددت الكفارة، وإلا فلا (4). وقال في المسالك: لاريب في تكررها مع اختلاف الأيام مطلقا، وأما في اليوم الواحد فالأصح تكررها بتكرر الجماع، ومع تخلل التكفير، ومع اختلاف نوع الموجب، وأما مع اتفاقه فقال في الدروس: لا يتكرر قطعا (5)، وفي المهذب إجماعا (6)، واختار المحقق الشيخ علي تكررها مطلقا (7)، وهو الأصح إن لم يكن قد سبق الإجماع على خلافه، والأكل والشرب مختلفان ويتعددان بالازدراد، والجماع بالعود بعد النزع (8)، انتهى كلامه رحمه الله. ولم نقف في هذا الباب على نص سوى ما نقله في المختلف عن ابن أبي عقيل أنه نقله


1. حكاه عنه الطوسي في الخلاف 2: 189 مسألة 38، والمحقق في المعتبر 2: 680. 2. نقله عنه في المعتبر 2: 680، والتذكرة 6: 86. 3. التذكرة 6: 86، وانظر المغني 3: 73، والشرح الكبير 3: 64، والمجموع 6: 337، وحلية العلماء 3: 202. 4. المختلف 3: 450. 5. الدروس 1: 275. 6. المهذب البارع 2: 46. 7. جامع المقاصد 3: 70. 8. المسالك 2: 36.

[ 181 ]

عن زكريا بن يحيى. وفيه وفي التذكرة: أنه مروي عن الرضا عليه السلام (1)، ولعله هو ما رواه الصدوق في العيون والخصال بسنده، عن الفتح بن يزيد الجرجاني، أنه كتب إلى أبي الحسن عليه السلام ليسأله عن رجل واقع امرأة في شهر رمضان من حلال أو حرام في يوم عشر مرات، قال: " عليه عشر كفارات، لكل مرة كفارة، فإن أكل أو شرب فكفارة يوم واحد " (2). وهذه الرواية وإن لم تكن صحيحة السند إلا أن الظاهر أن السيد عمل بها، وهو مؤيد للعمل بها، ولا معارض لها بالخصوص في الأخبار، ولكن تصريح الشيخ بأنه لانص فيه لأصحابنا وهجر سائر الأصحاب إياها وعدم الاستدلال بها يضعفها غاية الضعف، خصوصا مع ملاحظة نقل ابن أبي عقيل إياها والسكوت عنها، وخصوصا مع ملاحظة الإجماع المنقول عن المهذب صريحا وعن المبسوط ظاهرا. وأما القدح فيها بمنافاتها لما دل على وجوب كفارة الجمع للإفطار بالمحرم (3)، فلاوجه له ظاهرا ; لعدم المنافاة، إذ ظاهر الرواية بيان تعدد الكفارة بسبب تعدد الوطء سواء كانت كفارة الجمع أو غيرها. وكيف كان فالأحوط ملاحظة العمل بها، وإن كان الأظهر ما اختاره الشيخ في المبسوط. لنا: الأصل، وضعف تمسك القائلين بالتعدد مطلقا بمثل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في الاستمناء (4) وغيرها (5) ; لعدم العموم، وتبادر ما يفسد الصوم


1. المختلف 3: 450، التذكرة 6: 86، الوسائل 7: 37 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 11 ح 2، 3. 2. عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 254 ح 3، الخصال: 450 ح 54، الوسائل 7: 36 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 11 ح 1. 3. الوسائل 7: 35 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10. 4. الكافي 4: 102 ح 4، التهذيب 4: 206 ح 597، الاستبصار 2: 81 ح 247، الوسائل 7: 25 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 1. 5. الوسائل 7: 25 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4.

[ 182 ]

منها، يعني: إذا وقع في حال يكون المكلف صائما. ولاريب أن الفعل الحاصل بعد فساد الصوم لا يصدق أنه مفسد للصوم، وأصالة عدم تداخل الأسباب إنما يحسن التمسك بها لو سلمت السببية، وإنما المسلم من السبب ما وقع في حال الصوم، لابعد فساده. وأما الجواب بأن الأسباب الشرعية من قبيل المعرفات، ولابعد في اجتماعها على سبب واحد كما في تداخل الأغسال ; فهو ضعيف ; لمنافاته لفهم العرف في الامتثال وإن أمكن اجتماعها عقلا، والمسلم في مثل تداخل الأغسال إنما هو المنصوص عليه، كما لو كان عليه غسل الجنابة، وهو مفقود فيما نحن فيه. وقد يؤيد ذلك بمثل صحيحة عبد الله بن سنان، حيث قال عليه السلام في جواب سؤاله عن رجل أفطر في شهر رمضان: " يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا " (1) من دون استفصال، ولا بأس به. ومما ذكرنا يظهر ضعف التمسك في الأجناس المختلفة بالأخبار الواردة فيها، بتقريب أن مقتضى " ما دل على أن الأكل يوجب الكفارة " وجوبها له، ومقتضى مادل على أن الجماع يوجبها وجوبها له، فيجب العمل عليهما ; لما ذكرنا من أن المتبادر إنما هو ما وقع في حال يوجب فساد الصوم. وبعد وقوع أحدهما لا يبقى صوم حتى يوجب الآخر فساده. وكذلك يظهر ضعف الفرق بما وقع المفطر ثانيا بعد الكفارة عن الأول، فيجب، دون ما لم يقع ; تمسكا في الأول بأن الثاني مفطر وقع في نهار رمضان، فيوجب الكفارة، ولا ترفعه الكفارة الاولى، بخلاف مالو لم يكفر، فإنه حصلت منه مهية المفطر، وهو شئ واحد فعليه كفارة واحدة. ومن أبعد الأقوال وأضعف المتمسكات ما اختاره في المسالك من حصول التعدد


1. الكافي 4: 101 ح 1، الفقيه 2: 72 ح 308، التهذيب 4: 321 ح 984، الوسائل 7: 28 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 1.

[ 183 ]

بتعدد الازدراد ; لصدق الإفطار لكل منها. الخامس عشر: لو أوجد موجب الكفارة ثم حصل مسقط الصوم كالمرض والحيض وغيرهما ; فعن الأكثر ومنهم الشيخ في الخلاف مدعيا عليه الإجماع (1) والعومة في التحرير عدم سقوط الكفارة (2). وقيل: تسقط (3)، واختاره العومة في القواعد والتذكرة والإرشاد والمختلف (4)، وولده في الإيضاح (5)، والأول أقرب. لنا: الإجماع المنقول، وأنه يصدق عليه أنه أفسد صوم يوم من رمضان، فتجب عليه الكفارة، مضافا إلى أن العلة في الوجوب هي هتك حرمة الشهر ظاهرا وقد حصل. واحتجوا: بأن صوم هذا اليوم غير واجب في علم الله، وقد انكشف لنا بتجدد العذر، فلاتجب الكفارة كما لو انكشف بالبينة أنه من شوال. وفيه: أن التحقيق وإن كانت الألفاظ أسامي للامور النفس الأمرية، ولكنا نقول: إن التكاليف متعلقة بما هو في نفس الأمر في نظر المكلف - وإن كان بظنه المتبع في هذه المقامات مع تعذر العلم - لافي نفس الأمر، والمفروض أنه حين الإفطار مكلف في اعتقاده بالصوم، فيصدق عليه أنه أفطر ما هو صوم في نفس الأمر بحسب اعتقاده، فتتعلق به الكفارة، ويستصحب وجوبها بعد انكشاف فساد اعتقاده، والقضية مطلقة، وليست مقيدة بما لم ينكشف فساد ظنه، وهي قابلة للاستصحاب. واحتجاجهم بأن صوم هذا اليوم غير واجب في علم الله، إنما يتم إذا سلمنا أن


1. الخلاف 2: 219. 2. التحرير 1: 81. 3. حكاه المحقق في الشرائع 1: 175. 4. القواعد 1: 378، التذكرة 6: 83، الإرشاد 1: 298، المختلف 3: 452. 5. إيضاح الفوائد 1: 230.

[ 184 ]

الكفارة إنما تجب على إفطار ما هو صوم في علم الله، فالإجماع المنقول والاستصحاب يكفي مضافا إلى الشهرة. بل العومة - رحمه الله - في التذكرة بعد أن نقل مختاره عن بعض علمائنا، قال: والقول الثاني لعلمائنا (1). ثم إن العومة ومن تأخر عنه فرعوا هذه المسألة على القاعدة الاصولية، وهي أن الحكيم هل يصح منه الأمر بشئ مع علمه بانتفاء شرطه في نفس الأمر أم لا، فعلى الأول تجب الكفارة ; لأنه مكلف بالصوم وأفسده، بخلاف الثاني ; لعدم التكليف، فلم يفسد صوما (2). وهذا التفريع فاسد، خصوصا على مذهب جمهور علمائنا ; لأنه لادليل على استحالة وجوب الكفارة على من أكل أو جامع في نهار رمضان إذا كان يعتقد على الظاهر بوجوب صيامه، وإن لم يكن مكلفا به في نفس الأمر. مع أنه كيف يتمشى من العلامة ومن وافقه من الأصحاب في المسألة أن يكون بناؤهم في السقوط على أنه ليس بمكلف، وأن يكون بناء سائر الأصحاب في عدم السقوط على أنه مكلف بالصوم، مع أنهم لا يقولون به جزما، إلا ما نقل فخر المحققين في الإيضاح عن الشيخ موافقته للأشاعرة في المسألة (3). والظاهر أن مراد الشيخ أيضا ليس ذلك كما سنشير إليه، بل ظاهر بعض الأصحاب أن جمهور الأشاعرة مع قولهم بجواز تكليف مالا يطاق (4) لا يقولون بوقوع هذا التكليف. فيؤول النزاع، إلى أنه تعالى هل يجوز أن يأمر العباد ويواجههم بالأمر وإن لم يرد


1. التذكرة 6: 83 مسألة 46. 2. التذكرة 6: 83، المختلف 3: 452، القواعد 1: 378، إيضاح الفوائد 1: 233، المسالك 2: 37. 3. إيضاح الفوائد 1: 230. 4. لاحظ اللمع لأبي الحسن الأشعري: 99 و 113، والمواقف: 113، وشرحه 8: 204.

[ 185 ]

منهم وقوع المأمور به في الخارج، إذا علم انتفاء شرط الوقوع، بأن يكون مراده نفس التوطين على الامتثال، أو امتحانهم، أو غير ذلك، ويترتب عليه الثواب والعقاب وسائر الفوائد على نفس ذلك الأمر من حيث هو، أم لا ؟ فكان عدم كون نفس الصوم فيما نحن فيه مطلوبا بنفسه مفروغ عنه عندهم، وخلافهم في سائر فوائد لفظ الأمر. ولذلك قال فخر المحققين في الإيضاح بعد ذكر أن هذه المسألة فرع مسألة اصولية، هي أنه إذا علم المكلف انتفاء شرط التكليف عن المكلف في وقت الفعل، هل يحسن منه تكليفه أم لا ؟ الشيخ والأشاعرة على الأول (1)، والمصنف والمعتزلة على الثاني (2): إن هذه أيضا - يعني هذه المسألة الاصولية - متفرعة على مسألة اخرى اصولية، وهي أنه‌هل يحسن الأمر لمصلحة ناشئة من نفس الأمر، لامن نفس المأمور به في وقته، أم لا يحسن إلا مع مصلحة ناشئة منهما ؟ الشيخ وابن الجنيد والأشاعرة على الأول لحصول الثواب بعزم المكلف على الفعل، والمصنف والمعتزلة على الثاني (3)، انتهى. ولازم هذا البناء: أن العلامة ومن وافقه لا يقولون بإثم هذا المكلف المفطر في نهار رمضان إذا انكشف أنه لم يكن مكلفا بالصوم في نفس الأمر ; لأنه لم يتوجه إليه خطاب أصلا، أما بالنسبة إلى الصوم نفسه فواضح، وأما بالنسبة إلى التوطين وما في معناه فلأن كلامهم مبني على عدم صحة الأمر بمجرد مصلحة ناشئة عن نفس الأمر، لاالمأمور به كما بنيت عليه المسألة، وهو كما ترى ; إذ الظاهر اتفاق كلماتهم على الإثم حينئذ. وينبغي التنبيه على امور: الأول: أن تشبيه المستدلين على سقوط الكفارة فيما نحن فيه بصورة انكشاف كون


1. انظر اللمع لأبي الحسن الأشعري: 99، والمواقف 233، وشرحه 8: 204. 2. القواعد 1: 377. 3. إيضاح الفوائد 1: 231.

[ 186 ]

الأيام من شوال يشعر بعدم الإشكال في سقوطها فيها، ولذلك قطع به في المدارك، وقال: إن ظاهرهم أن الحكم فيها مفروغ عنه ومسلم عند الطرفين، فيكون وفاقيا، وعلله بأن الكفارة إنما تتعلق بمن أفطر في نهار رمضان، والمفروض خلافه (1). أقول: ولم يظهر لي إجماعهم على ذلك، فإن ثبت فهو، وإلا فيشكل بأنه إذا اكتفينا في الخطاب بما هو عند المخاطب، فلا ريب في أنه معتقد حينئذ بكونه من رمضان، وأنه أفطر صوم رمضان في اعتقاده، فكما يكتفي بكونه صوما في اعتقاده، يكتفي بكونه يوما يجب فيه الصوم لرمضان. وكيف كان فالأصل وظاهر اتفاقهم يكفي في دفع الوجوب. الثاني: لم يفرق الأكثرون بين الحيض والمرض والسفر الضروري مما لا يتمكن المكلف من دفعه عقلا أو شرعا، وبين السفر الاختياري. وقال العلامة في القواعد بعد اختياره سقوط الكفارة بالمرض والحيض ونحوهما: لو جامع ثم أنشأ سفرا اختيارا لم تسقط الكفارة، ولو كان اضطرارا سقطت على رأي (2). أقول: إذا كان بناؤه في سقوط الكفارة على عدم كونه مكلفا بالصوم، فمع تجويز الشارع له السفر الاختياري واختيار المكلف إياه يكشف ذلك عن عدم كونه مكلفا. وأما ظهور تردد مامنه في الاضطراري مع كونه مثل الحيض والمرض في إسقاط التكليف، فقال في الإيضاح في وجهه: إن الحيض ليس له عليه قدرة بوجه ما، بخلاف السفر، فإنه إن الجئ بحيث ارتفعت قدرته وقصده لم يجز الإفطار، وإلا ففيه اختيار ما، فعلى تقدير السقوط هناك يحتمل عدمه هنا، قال: والأقوى عندي السقوط (3)، انتهى.


1. المدارك 6: 115. 2. القواعد 1: 378. 3. إيضاح الفوائد 1: 234.

[ 187 ]

وأما في التذكرة فجعل السفر الاختياري كالحيض (1)، وكذلك في المختلف (2). نعم قال بعدم السقوط إذا قصد بالسفر محض إسقاط الكفارة، قال في التذكرة: وإلا لزم إسقاط الكفارة عن كل مفطر باختياره والإقدام على المحرمات. ويظهر من المدارك أنه لا خلاف في ذلك (3). وتدل عليه حسنة حريز، عن زرارة ومحمد بن مسلم - لإبراهيم بن هاشم - رواها في الكافي، وهي طويلة، وموضع الحاجة هذا قال، وقال زرارة ومحمد بن مسلم، قال أبو عبد الله عليه السلام: " أيما رجل كان له مال وحال عليه الحول فإنه يزكيه " فقلت له: فإن وهبه قبل حله بشهر أو يوم ؟ قال: " ليس عليه شئ أبدا " قال، فقال زرارة عنه أنه قال: " إنما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في إقامته ثم خرج في آخر النهار في سفر، فأراد بسفره ذلك إبطال الكفارة التي وجبت عليه، وقال: إنه حين رأى الهلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، ولكنه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز ولم يكن عليه شئ، بمنزلة من خرج ثم أفطر " (4). أقول: والرواية لا تخلو عن إغلاق، سيما على ما في الفقيه، فإنه لم يذكر فيه إلا قوله: وروى زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " أيما رجل كان له مال وحال عليه الحول فإنه يزكيه، قيل: فإن وهبه قبل حوله بشهر أو بيوم ؟ فقال: " ليس عليه شئ أبدا "، وروى زرارة عنه عليه السلام أنه قال: " إنما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في إقامته، ثم يخرج في آخر النهار في سفر وأراد بسفره ذلك إبطال الكفارة التي وجبت " (5) انتهى. والظاهر أن قوله: " وقال إنه حين رأى الهلال " إلى آخره في حديث الكافي يبين


1. التذكرة 6: 84. 2. المختلف 3: 452. 3. المدارك 6: 114. 4. الكافي 3: 525 ح 4، الوسائل 6: 111 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 12 ح 2. 5. الفقيه 2: 17 ح 54.

[ 188 ]

ما سبقه، فلابد من حمل ما سبقه على أن المراد مما رواه الراويان معا أداء الزكاة قبل حلول الحول، والمراد مما ذكره زرارة وحده بيان حكم مطلق إخراج الزكاة. وحاصله بملاحظة قوله " وقال إنه حين رأى الهلال " إلى آخره أنه إذا كانت الهبة بعد حلول الحول فهو بمنزلة من أفطر وفر بسفره عن الكفارة، فلا ينفعه، وإذا كان قبل حلول الحول فيجوز ولا شئ عليه، بمنزلة من خرج إلى السفر ثم أفطر. الثالث: إن بعض الذين جعلوا هذه المسألة مبتنية على المسألة الاصولية كصاحب المسالك ذكر في جملة أدلة القائلين بعدم سقوط الكفارة أن العلة في الوجوب هتك حرمة الشهر، وقد وجد، فيترتب عليه معلوله (1)، ولا يخفى ما بينهما من التنافي. وأيضا ما ذكره فخر المحققين من ابتناء إحدى المسألتين الاصوليتين على الاخرى على الإطلاق (2)، منظور فيه، كما تشهد به كلماتهم في كتب الاصول، وكلامه هذا يدل على أنه لا خلاف بينهم في عدم تعلق التكليف بنفس المأمور به. والظاهر أنه ليس كذلك ; إذ من الأشاعرة من يقول بوقوعه مضافا إلى الجواز، كما يظهر من استدلالاتهم في المسألة (3). اللهم إلا أن يكون نظره إلى أقوال أصحابنا فقط، وفيه أيضا ما مر من أنه مستلزم لعدم حصول الإثم أيضا على قول من يقول بسقوط الكفارة وهو كما ترى. السادس عشر: من أفطر في شهر رمضان عامدا مستحلا للإفطار، وكان إفطاره بما علم تحريمه من دين الإسلام ضرورة، كالأكل والشرب والجماع، فهو مرتد. وإن كان فطريا ولم يكن في حقه شبهة يستحق القتل ولاتقبل توبته ظاهرا، بمعنى أنه لا يسقط الحد بها عنه.


1. المسالك 2: 36. 2. إيضاح الفوائد 1: 230. 3. انظر المواقف: 233، وشرح المواقف 8: 204.

[ 189 ]

وإن أمكن في حقه الشبهة وادعاها تقبل منه. ولو نشأ في برية ولم يعرف قواعد الإسلام ولا موجبات الإفطار يعرف ويعامل بعد ذلك معاملة المرتد الفطري. ونقل في المختلف عن أبي الصلاح القول بتكفير من أفطر بغير ما علم تحريمه ضرورة (1)، وهو ضعيف. وإن كان عن غير فطرة فيستتاب، وتقبل توبته، هذا إذا استحله. وأما معتقد العصيان فيعزر، وإن عاد فيعزر ثانيا، وإن عاد فيقتل في الثالثة على قول (2)، وفي الرابعة على آخر (3). والظاهر أن الأول قول الأكثر ; لرواية سماعة، قال: سألته عن رجل أخذ في شهر رمضان وقد أفطر ثلاث مرات، وقد رفع إلى الإمام ثلاث مرات، قال: " فليقتل في الثالثة " (4). وتدل عليه أيضا صحيحة يونس عن الكاظم عليه السلام: " إن أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة " (5). وأما دليل القول الآخر: فقال في المدارك: هو ما رواه الشيخ مرسلا عنهم " أن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة " (6) و (7). أقول: بعد تتبع المسائل في الزنا واللواط وشرب الخمر وغيرها يظهر أن ثبوت


1. الكافي في الفقه: 183، وانظر المختلف 3: 453. 2. المدارك 6: 116. 3. المسالك 2: 37، المعتبر 2: 681. 4. الكافي 4: 103 ح 6، الفقيه 2: 73 ح 315، التهذيب 4: 207 ح 598، الوسائل 7: 179 أبواب أحكام شهر رمضان ب 2 ح 2. 5. الكافي 7: 191 ح 2، الفقيه 4: 51 ح 182، التهذيب 10: 95 ح 369، الاستبصار 4: 212 ح 791، الوسائل 18: 313 أبواب مقدمات الحدود وأحكامها ب 5 ح 1. 6. المبسوط 1: 129. 7. المدارك 6: 116.

[ 190 ]

القتل في المرتبة الثالثة ليس إجماعيا، وإن عمل به الأكثر في أكثر الكبائر، ووردت الأخبار على خلافها، خاصة في الرابعة في بعضها، وفي بعضها نقل الإجماع عليه أيضا، مثل الزنا واللواط، حيث ادعى السيد المرتضى (1) وابن زهرة (2) الإجماع على أنه في الرابعة. وكيف كان فملاحظة خطر قتل النفس وعظم أمر التهجم على الدماء يحجبنا عن العمل بالثالثة، سيما مع ملاحظة خصوصية الأخبار في سائر الموارد، وعمومية ما ورد في أصحاب الكبائر، فالعمل على القول الثاني. قال في التذكرة: إذا ثبت هذا فإنما يقتل في الثالثة أو الرابعة على الخلاف لو رفع في كل مرة إلى الإمام وعزر، أما لو لم يرفع فإنه يجب عليه التعزير خاصة ولو زاد على الأربع (3)، انتهى، وهو كما ذكره ; للرواية المتقدمة، وللاحتياط في الدماء. ومن الأخبار المناسبة للمسألة: ما رواه الكليني في الصحيح، عن بريد بن معاوية العجلي، قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل شهد عليه شهود أنه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيام، قال: " يسأل هل عليك في إفطارك إثم ؟ فإن قال: لا، فإن على الإمام إن يقتله، وإن قال: نعم، على الإمام أن ينهكه ضربا " (4). السابع عشر: روى الكليني، عن مفضل بن عمر، عن الصادق عليه السلام: في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة، فقال: " إن استكرهها فعليه كفارتان، وإن كانت طاوعته فعليه كفارة، وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد، وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطا، وضربت خمسة وعشرين


1. الانتصار: 256. 2. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 3. التذكرة 6: 88. 4. الكافي 4: 103 ح 5، التهذيب 4: 215 ح 624 وج 10: 141 ح 558، الفقيه 2: 73 ح 314، الوسائل 7: 178 أبواب أحكام شهر رمضان ب 2 ح 1.

[ 191 ]

سوطا " (1)، وبمضمونها عمل الأصحاب. ولا يضر ضعفها ; لانجبارها بالشهرة، بل الإجماع كما ادعاه الفاضلان، بل قال المحقق: إن علمائنا ادعوا على ذلك إجماع الإمامية (2). نعم نقل في المختلف عن ابن أبي عقيل أنه ليس على الزوج المكره إلا كفارة واحدة (3)، وهو غير مضر ; لندرته، وتردد هو في المنتهى (4)، ويظهر من الصدوق أيضا التوقف، حيث أورد الرواية (5). وكيف كان فالمذهب هو المشهور. ولافرق بين الدائمة والمنقطعة، للإطلاق. والأصح عدم إلحاق الأمة ; للأصل، خلافا للعلامة في القواعد (6)، وولده في الشرح (7)، وجزم به في المختلف مستدلا بشمول امرأته لها (8)، وتبعه ولده والسيد عميد الدين (9) رحمهما الله، وهو كما ترى. وكذا النائمة، خلافا للشيخ (10) ; للأصل، وبطلان القياس، سيما مع الفارق ; لأن في المكرهة نوعا من التهجم ليس فيها، كما صرح به في المعتبر (11). وكذا لا يثبت الحكم في الأجنبي المكره لهما ; لما ذكرنا، وكذا للزوجة المكرهة للزوج.


1. الكافي 4: 103 ح 9، الوسائل 7: 37 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 12 ح 1. 2. المعتبر 2: 681، المنتهى 2: 581. 3. المختلف 3: 428. 4. المنتهى 2: 571. 5. الفقيه 2: 73 ح 313. 6. القواعد 1: 376. 7. إيضاح الفوائد 1: 229. 8. المختلف 3: 428. 9. كنز الفوائد في حل مشكلات القواعد 1: 217. 10. الخلاف 2: 183 مسألة 27. 11. المعتبر 2: 682.

[ 192 ]

وأما إكراه الأجنبية على ذلك فقيل: يلحق به ; لأن تحمل الكفارة إنما هو لأجل تغليظ العقوبة، وهو أولى في المحرم (1). ورد: بأن الكفارة مسقطة للذنب، أو مخففة له غالبا، ولذلك سميت كفارة، فجاز اختصاصها بالأخف، ويكون الأثقل مما ينتقم الله به كما قيل في الصيد عمدا مع وجوبها في الخطأ (2). قال في المسالك: ومن هنا يعلم أن الكفارة عن العبادة لاتدل على عظم شأنها على غيرها، فإن الصلاة أفضل من الصوم، ولا كفارة في إفسادها (3). واعلم أنه لافرق بين الإجبار الرافع للتمكن عن الدفع، وبين ما حصل من جهة التهديد والتخويف أو الضرب المضر الموجب لتمكنها ; لإطلاق الرواية. وقد مر خلاف الشيخ في بطلان الصوم ولزوم القضاء في الصورة الأخيرة، فأوجبه كما في المريض (4)، وقد بينا أن الأظهر عدم البطلان، وعلى فرض البطلان الأظهر عدم القضاء. وقال في المسالك: وقد يجتمع في الحالة الواحدة الإكراه والمطاوعة، كما لو أكرهها ابتداءا ثم طاوعته بعد ذلك، فيلزمه حكم الإكراه ويلزمها حكم المطاوعة (5). وهذا في مجرد الاستمرار على الإيلاج الأول مشكل ; لعدم تبادر ذلك من الرواية، إلا أن يكون إجماعا كما ادعوه فيمن طلع الفجر وهو مجامع فاستمر، أنه يجب عليه القضاء والكفارة. نعم لو نزع بعد الإكراه، ثم لم تمنع عن الثاني، فيجري فيه ما ذكر. ويظهر من جميع ما ذكرنا حكم مالو أكره المجنون زوجته فلا يجب عليهما شئ ;


1. المختلف 3: 430. 2. المسالك 2: 38، المدارك 6: 119. 3. المسالك 2: 38. 4. الخلاف 2: 183 مسألة 27. 5. المسالك 2: 37.

[ 193 ]

لعدم التكليف في الزوج، وعدم الاختيار في الزوجة، ولو طاوعته فعليها الكفارة. بقي الكلام في المسافر لو أكره زوجته الصائمة، قال في القواعد: وجبت الكفارة عليه عنها لاعنه. ويحتمل السقوط ; لكونه مباحا له غير مفطر لها (1). وقال ولده في الشرح: وجه الأول أنه لو فعلته مختارة وجبت عليها الكفارة، والإكراه يقتضي تحمل ما يجب على المكره لو فعله طوعا في كل موضع يتحقق الإكراه، والأقوى عندي الثاني ; لأنه لم يفطر أحدهما، فلا يوجب كفارة (2)، انتهى. وما اختاره ولده أرجح في النظر ; للأصل، وعدم دلالة الرواية، وضعف التمسك بالعلة، لكن الإشكال فيما يستفاد من كلام العلامة من إباحة الإكراه حينئذ. قال في المدارك: الأصح التحريم ; لأصالة عدم جواز إجبار المسلم على غير الحق الواجب عليه (3)، وهو حسن، وكيف كان فهو لا ينافي عدم ثبوت الكفارة. الثامن عشر: لو عجز عن الخصال الثلاث وجب عليه صوم ثمانية عشر يوما، وإن عجز استغفر الله، ذكره ابن حمزة (4) وأكثر المتأخرين (5)، وهو مذهب المفيد (6) والمرتضى (7) وابن إدريس (8)، ونسبه في المسالك في الكفارات إلى المشهور بين الأصحاب (9)، والمحقق الأردبيلي - رحمه الله - إلى المشهور بين المتأخرين (10).


1. القواعد 1: 378. 2. إيضاح الفوائد 1: 234. 3. المدارك 6: 119. 4. الوسيلة: 147. 5. المذكور في الكتب لو عجز عن صيام الشهرين، انظر شرائع الإسلام 1: 176، والقواعد 1: 377. 6. المقنعة: 345. 7. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 55. 8. السرائر 1: 379. 9. المسالك 10: 119. 10. مجمع الفائدة والبرهان 5: 76.

[ 194 ]

وقال الصدوق في المقنع (1) وابن الجنيد (2): إنه يتصدق بما يطيق. وذهب العلامة في المختلف (3) والشهيدان إلى التخيير بينهما (4)، وههنا مذاهب اخر سنذكرها. احتج الأولون: برواية أبي بصير وسماعة: أنهما سألا أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام، ولم يقدر على العتق، ولم يقدر على الصدقة، قال: " فليصم ثمانية عشر يوما، عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام " (5). ويدل على القول الثاني: ما رواه الكليني - رحمه الله - في الصحيح، عن عبد الله ابن سنان، عنه عليه السلام: في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال: " يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر يتصدق بما يطيق " (6) وتؤدي مؤداه حسنته (7). وربما يحتج له بقاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور، وهو كما ترى ; إذ لاريب أن ذلك بعد العجز عن الجميع، فلا يصح أن يقال: إذا كان مخيرا بين الجميع فله اختيار أحدهما، وهو الصدقة والعمل فيه بها ; لأن مقتضى التخيير والعمل بالقاعدة معا التخيير في الإتيان بأيهما أراد حسب المقدور، لاتعيين الإتيان بالصدقة حسب المقدور كما هو مذهب القائل، مع أن الصحيحة إنما تفيد البت والتعيين.


1. المقنع (الجوامع الفقهية): 16. 2. نقله عنه في المختلف 3: 444. 3. المختلف 3: 444. 4. الدروس 1: 277، المسالك 2: 39. 5. التهذيب 4: 207 ح 601، وص 312 ح 944، الاستبصار 2: 97 ح 314، المقنعة: 380، الوسائل 7: 279 بقية الصوم الواجب ب 9 ح 1 عن أبي بصير فقط. 6. التهذيب 4: 205 ح 594، الوسائل 7: 28 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 1. 7. الكافي 4: 102 ح 3، التهذيب 4: 206 ح 596، الاستبصار 2: 81 ح 246، وص 96 ح 313، الوسائل 7: 29 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 3.

[ 195 ]

واحتج المخيرون بالجمع بينهما، والحمل على التخيير، وله وجه، إن لم يرجح خبر الثمانية عشر، وإلا فالترجيح معها بشهرة العمل واعتضادها بما ورد في الظهار كما سنشير إليه. واعلم أن كلماتهم هنا في غاية الاضطراب، ولم أجد تنقيحا للمطلب في كلامهم، فإن المحقق في الشرائع والنافع ذكر في باب الكفارات أن كل من وجب عليه صوم شهرين متتابعين فعجز عنهما صام ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر تصدق عن كل يوم بمد من الطعام، وإن لم يستطع استغفر الله (1)، وكذلك العلامة في القواعد في كتاب الكفارات (2)، وكذلك الشهيد في اللمعة (3)، وابن إدريس في الكفارات (4)، بل نسبه في المسالك إلى المشهور (5). وقيل: بوجوب الإتيان بالممكن من الشهرين، حتى لو أمكن صومهما متفرقين (6). وعن العلامة القول بوجوب الإتيان بالممكن من الصوم والصدقة وإن تجاوز الثمانية عشر ; لعموم " إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم " (7). (8) وقال المحقق في الشرائع في كتاب الصوم: كل من وجب عليه شهران متتابعان فعجز صام ثمانية عشر يوما، فإن عجز عن الصوم أصلا استغفر الله، فهو كفارة (9). ومثله عبارة القواعد والإرشاد (10)، وظاهر المحقق الأردبيلي - رحمه الله - أنه المشهور


1. الشرائع 3: 61، المختصر النافع: 210. 2. القواعد (الطبعة الحجرية) 2: 149. 3. اللمعة (الروضة البهية) 3: 30. 4. السرائر 3: 76. 5. المسالك 10: 119. 6. القواعد 1: 377، وانظر كنز الفوائد في حل مشكلات القواعد 1: 219. 7. عوالي اللآلي 4: 58 ح 206. 8. التحرير 1: 80. 9. الشرائع 1: 176. 10. القواعد 1: 377، الإرشاد 1: 304.

[ 196 ]

بين المتأخرين (1). وقال العومة في المختلف في كتاب الصوم: لو عجز عن هذه الثلاث - يعني الخصال الثلاث - فوجب عليه صوم ثمانية عشر يوما، قاله المفيد (2) والسيد المرتضى (3) وابن إدريس (4)، وقال ابن الجنيد والصدوق محمد بن بابويه في المقنع (5) يتصدق بما يطيق، والأقرب عندي التخيير، ثم شرع في الاستدلال على مذهبه (6). وتبعه جماعة من المتأخرين، منهم الشهيدان في الدروس والمسالك (7). وقال الشيخ في النهاية في كتاب الصوم بعد ذكر الخصال الثلاث المخير فيها: فإن لم يتمكن فليتصدق بما تمكن منه، فإن لم يتمكن من الصدقة صام ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر صام ما تمكن منه، فإن لم يستطع قضى ذلك اليوم واستغفر الله (8) ومقتضاه جعل صوم ثمانية عشر مرتبة متوسطة بين الصدقة بالمقدور وبين صوم ما تمكن. وعن المنتهى: يصوم ثمانية عشر يوما، وإن لم يقدر تصدق بما وجد أو صام ما استطاع، فإن لم يتمكن استغفر الله ولا شئ عليه، ونسبه إلى علمائنا (9). وليس عندي المنتهى، ولعل مراده بالنسبة إلى علمائنا هو عدم لزوم شئ بعد العجز عن الخصال والإتيان بالبدل، وإلا فليس مجموع ما ذكره مشهورا بين العلماء، فضلا عن كونه قولهم جميعا، كما تشعر به عبارة التذكرة، قال فيها: لو عجز عن الأصناف الثلاثة صام ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر تصدق بما وجد أو صام ما استطاع،


1. مجمع الفائدة والبرهان 5: 76، 318. 2. المقنعة: 345. 3. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 55. 4. السرائر 1: 379. 5. المقنع (الجوامع الفقهية): 16. 6. المختلف 3: 444. 7. الدروس 1: 277، المسالك 2: 39. 8. النهاية: 154. 9. المنتهى 2: 575.

[ 197 ]

فإن لم يتمكن استغفر الله تعالى ولا شئ عليه، قاله علماؤنا ; لما رواه العامة أن النبي صلى الله عليه وآله قال للمجامع: " اذهب فكله أنت وعيالك " (1) ولم يأمره بالكفارة في ثاني الحال، ولو كان الوجوب ثابتا في ذمته لأمره بالخروج عنه عند قدرته. إلى أن قال: وقال الزهري والثوري وأبو ثور: إذا لم يتمكن من الأصناف الثلاثة كانت الكفارة في ذمته (2). إلى أن قال: اختلفت عبارة الشيخين هنا، فقال المفيد رحمه الله: لو عجز عن الأصناف الثلاثة صام ثمانية عشر يوما متتابعات، فإن لم يقدر تصدق بما أطاق، أو فليصم ما استطاع، فجعل الصدقة مترتبة على العجز عن صوم ثمانية عشر (3) والشيخ - رحمه الله - عكس، فقال: إن لم يتمكن، إلى آخر ما نقلنا عنه سابقا (4). فظهر أن مراده من النسبة إلى علمائنا هو أن لا يبقى في ذمته شئ بعد العمل بما هو بدل عن الخصال، وإن كان نفس البدل مختلفا فيه، خلافا لغيرهم، حيث يقولون: بعد العجز عن الخصال تبقى الكفارة في الذمة. واختار ابن إدريس أيضا هذا القول، ولم يذكر الاستغفار (5)، ثم قال في كفارة صوم النذر بعد ما اختار أنه مثل كفارة رمضان: فإن لم يتمكن منه صام ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر تصدق بما يتمكن منه، فإن لم يستطع استغفر الله وليس عليه شئ (6). وقال ابن حمزة في الوسيلة: وإن عجز عن الكفارات الثلاث - والظاهر أن مراده كفارة رمضان - إن أمكنه صيام ثمانية عشر يوما صام، وإن لم يمكنه استغفر ولم يعد،


1. صحيح مسلم 2: 781، سنن البيهقي 4: 221. 2. انظر المغني 3: 72، والشرح الكبير 3: 72. 3. المقنعة: 345. 4. انتهى المنقول من التذكرة 6: 56. 5. السرائر 1: 379. 6. السرائر 1: 413.

[ 198 ]

وإن عجز في كفارة النذر عن صيام شهرين، وعن بدله، وعن صيام ثمانية عشر يوما صام ثلاثة أيام، وإن عجز استغفر (1). هذا ذكر الأقوال إجمالا، وقبل الخوض في المقصود لابد من بيان معنى العجز عن الكفارة، ومعنى قولهم " من وجب عليه صيام شهرين وعجز عنه صام ثمانية عشر يوما "، والتفرقة بين مواضعه. فنقول: العجز عن الكفارة إما بعدم الاستطاعة ابتداءا، أو بفقدها بعد الاستطاعة. والظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في أن العبرة في الكفارة بحال الأداء، لا الوجوب، وإنما المخالف فيه بعض العامة، فلو قدر على العتق أولا ثم عجز فلا يبقى في ذمته، بل ينتقل تكليفه إلى صيام الشهرين، وهكذا إذا قدر على صيام الشهرين ثم عجز عنه ينتقل فرضه إلى الإطعام، فيصدق على من عجز عن صيام الشهرين وقدر على الإطعام ثم عجز عنه أنه ممن عجز عن صيام شهرين. والمراد بقولهم " من وجب عليه صيام شهرين " أنه كان ممن يكون من شأنه الخطاب بالصيام لو كان واجدا لشرطه وتعلق به في الجملة، لا خصوص الوجوب المطلق البت، فقوله تعالى في كفارة الظهار: * (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) * (2) يعني: إن وجدها، ثم قوله تعالى: * (فمن لم يستطع فصيام شهرين) * (3) يعني: إن استطاعه، وهكذا، فليس المراد الواجب المطلق، وهذا المعنى الذي ذكرناه موجود في المرتبة والمخيرة وكفارة الجمع. ولكن في تصوير ذلك في الجميع غموض، فلنبين أولا معنى قول الجماعة في باب الكفارات ووجه ما ذكروه، واستشكله جماعة من المتأخرين مثل الشهيد الثاني في


1. الوسيلة: 146. 2. المجادلة: 3. 3. المجادلة: 4.

[ 199 ]

المسالك (1) وصاحب الكفاية (2) وغيرهما (3) أنه لادليل على ذلك ولامستند له. أقول: الظاهر أن مراد الجماعة من هذه العبارة أن من تعلق به وجوب صيام الشهرين، وكان من شأنه ذلك بالمعنى الذي قدمناه، ولم يمكنه الإتيان به، ولابالبدل الأولي التخييري فيما له بدل تخييري أو ترتيبي أولي، وبنفسه فقط فيما لم يكن له بدل أولي، كما في كفارة الجمع فيصوم ثمانية عشر يوما، وليس المراد أنه إذا عجز عن صيام الشهرين يلزمه ذلك وإن قدر على العتق أو الإطعام في المرتبة والمخيرة. نعم مقتضى قولهم ثبوته في كفارة الجمع مع القدرة عليهما، وذلك لا ينافي ما ذكرنا ; إذ هما ليسا فيه بدلين عن الصيام، وإطلاقهم الكلام في هذا المقام لأجل الاعتماد على ما ثبت بالأدلة. مع أن مع العجز عنه ينتقل إلى البدل الأولي لاغير - وخصوصا مع ملاحظة رواية أبي بصير (4) - لاكون الثمانية عشر بدلا عن الشهرين مطلقا، بل هو مصرح به في كلام بعضهم (5)، ومنه عبارة التحرير الآتية في كفارة رمضان (6). والظاهر أن مستند الجماعة هو رواية أبي بصير، ومقصودهم الإطلاق. ويتطرق الإشكال في الاستدلال بها بعد تسليم سندها من وجوه: الأول: جعل الثمانية عشر بدلا عن صيام الشهرين مع منافاته لآخر الرواية، حيث قال: " عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام ". والثاني: أنه لو فرض تمكنه من الصيام ثم عجزه عنه، وتمكنه من الإطعام وعجزه عنه بعد ذلك، فبملاحظة أن العبرة في الكفارة بحال الأداء، وقد انتقل فرضه إلى


1. المسالك 12: 119. 2. الكفاية: 218. 3. كالأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 5: 76. 4. التهذيب 8: 16 ح 50، الاستبصار 4: 56 ح 195، الوسائل 15: 554 أبواب الكفارات ب 6 ح 1. 5. كالشهيد في الدروس 1: 277. 6. تحرير الأحكام 1: 80.

[ 200 ]

الإطعام، فالذي فات عنه هو الإطعام، فلابد أن تكون الثمانية عشر بدلا عنه دون الصيام. سلمنا الإمكان فما وجه الترجيح ؟ والثالث: أنه لادلالة في الرواية على أنه إن عجز عن الثمانية عشر تصدق عن كل يوم بمد. والرابع: أنه ليس فيها دلالة على أنه يستغفر ولا شئ عليه. والخامس: أن الرواية لادلالة فيها على حكم الشهرين الواجبين بالنذر وشبهه، وعلى حكم كفارة الجمع إذا عجز عن الشهرين وقدر على الآخرين، وكلامهم يفيد (1) الإطلاق. ويمكن أن يذب عن الأول بأن الظاهر أن الجماعة ذهبوا في هذا الكلام على ممشى الرواية، حيث عنونت الرواية بالسؤال عن العاجز عن الصيام، فليس مرادهم أن من عجز عن صيام شهرين متتابعين أنه يصوم ثمانية عشر يوما بدلا عن صيام الشهرين من حيث إنه بدل عنه، بل المراد أنه يجب على من عجز عن الشهر صوم ثمانية عشر يوما وإن كان ذلك بدلا عن جميع الخصال ; إذ قد بينا أنه لم يقل أحد بلزوم صيام ثمانية عشر يوما مع التمكن من العتق والإطعام، بل المراد صورة العجز عنه وعن غيره، ولذلك جعل العومة في المختلف وغيره عنوان المسألة " من عجز عن الخصال الثلاث " (2). وأما الرواية فهي أيضا ليست بصريحة في اختصاص صوم ثمانية عشر يوما ببدلية الصيام، بل قوله عليه السلام في آخرها: " عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام " ظاهر في خلافه. وإنما اقتصر الراوي على السؤال عنه ; لأجل أنه كان يتوهم أن العجز عن العتق والإطعام لا حيلة فيه، ولكن يمكن المناص في صيام الشهرين المتتابعين بإسقاط التتابع مثلا أو تقليل العدد، وإن كان توهمه ضعيفا ; لإمكان تقليل العدد في الإطعام أيضا بل


1. في " م "، " ح ": يقيد. 2. المختلف 3: 444.

[ 201 ]

في العتق أيضا بالتجزئة، وهذا مما يؤيد القول باشتراط التتابع في الثمانية عشر كماسنشير إليه. وبذلك يندفع الإشكال الثاني أيضا ; إذ لم نقل بالاختصاص حتى يرد ذلك، مع أنا ذكرنا أن المراد بوجوب الشهرين هو مجرد تعلقه، وكون المكلف من جملة من يكون من شأنه ذلك، فلاعبرة بالانتقال إلى الإطعام في ذلك. وأما الإشكال الثالث، فيندفع بأنه لا يجب أن يكون دليلهم في لزوم التصدق المذكور هو هذه الرواية، بل هو مقتضى تتبع النظائر، وملاحظة الأخبار المستفيضة جدا، المستفاد منها أن بدل كل يوم من الصيام مد من الطعام في مواضع كثيرة من مواضع العجز: منها: مادل على بدلية إطعام ستين مسكينا عن صيام شهرين في الترتيبي، مع ملاحظة أن الأشهر الأظهر كفاية مد في كل مسكين. ومنها: ما ورد في إفطار الشيخ الكبير وذي العطاش والحامل المقرب والمرضعة القليلة اللبن (1)، ويؤيده لزوم الكفارة بمد إذا أخر قضاء رمضان إلى القابل بلا عذر. ومنها: ما ورد في فدية صوم النذر. بل منها ما يدل بعمومه على ما نحن فيه، وهي صحيحة البزنطي، عن الرضا عليه السلام: في رجل نذر على نفسه إن هو سلم من مرض أو تخلص من حبس أن يصوم كل يوم أربعاء، وهو اليوم الذي تخلص فيه، فعجز عن الصوم لعلة أصابته أو غير ذلك، فمد الله للرجل في عمره، واجتمع عليه صوم كثير، ما كفارة ذلك ؟ قال: " تصدق لكل يوم مدا من حنطة أو تمر " (2) قال: الظاهر أن المراد بقوله عليه السلام " أو غير ذلك " من الصيام الواجب. ويوضحه ما رواه الصدوق في الحسن، عن إدريس بن زيد وعلي بن إدريس،


1. الوسائل 7: 149 أبواب من يصح منه الصوم ب 15، 16. 2. الكافي 4: 144 ح 3، الوسائل 7: 286 أبواب بقية الصوم الواجب ب 15 ح 3 بتفاوت.

[ 202 ]

قالا: سألنا الرضا عليه السلام عن رجل نذر نذرا إن هو تخلص عن الحبس أن يصوم كل يوم يتخلص فيه، فعجز عن الصوم أو غير ذلك فمد له في العمر، إلى آخر ما مر بأدنى تفاوت (1). ثم إن بعضهم فهم من هذه العبارة المشهورة أن مرادهم أن بعد العجز عن الثمانية عشر يوما يتصدق عن كل يوم من الستين يوما بمد (2). وهو مع أنه خلاف المتبادر من العبارة لا يصح ; لسقوط حكم الستين قبل ذلك، فإن من أقسام المسألة الكفارة المخيرة، ولاريب أنه لا ينقل فيها من صيام شهرين إلى الثمانية عشر مع التمكن من إطعام ستين مدا، وبعد فرض العجز عنه لا معنى للعود إليه، مع أنه أصل لابدل. بل لايتم في المرتبة أيضا ; لأن إطعام الستين إنما هو بعد العجز عن صيام الستين بلا واسطة، فلا معنى لتوسيط الثمانية عشر. وأما الإشكال الرابع ; فيندفع أيضا بأنه لا يلزم أن تدل عليه هذه الرواية، بل هو مستفاد من غيرها، مثل رواية أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال: " كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه من صوم أو عتق أو صدقة في يمين أو نذر أو قتل أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة فالاستغفار له كفارة، ماخلا يمين الظهار، فإنه إذا لم يجد ما يكفر به حرمت عليه أن يجامعها، وفرق بينهما إلى أن ترضى المرأة أن يكون معها ولا يجامعها " (3). وأما الإشكال الخامس ; فلا مسرح لدفعه في النذر وشبهه ; لكونه قياسا، ولمنع اتحاد الطريق.


1. الفقيه 2: 99 ح 443، الوسائل 7: 285 أبواب بقية الصوم الواجب ب 15 ح 1. 2. حكاه في المسالك 10: 120. 3. التهذيب 8: 16 ح 50، وص 320 ح 1189، الاستبصار 4: 56 ح 195، الوسائل 15: 554 أبواب الكفارات ب 16 ح 1.

[ 203 ]

وأما كفارة الجمع ; فيشكل دفعه أيضا ; إذ السؤال في الرواية إنما هو عن العجز عن الصيام مع العجز عن الإطعام والعتق أيضا، ولابد من حملها على الإطعام والعتق المعهودين، وإلا فلا يصح السؤال والجواب. وحينئذ فنقول: مع أن المتبادر منه هو العتق والصدقة اللذان وجوبهما من باب البدل تخييرا أو ترتيبا لاعينا، أن إرادتهما معا توجب استعمال اللفظ في المعنيين المختلفين، وهو خلاف التحقيق. مع أن مرادهم إطلاق الوجوب عند العجز عن الصيام، ولا تشمل الرواية لو قدر عليهما في كفارة الجمع. وإن قيل: إن مرادهم العجز عن بدل الصيام المتصور في الأصل: يعني أن ذلك الصيام المطلوب في كفارة الجمع هو الصيام الذي له بدل في الأصل قد جمع هنا مع الآخرين، فالمراد العجز عنه وعن بدليه. وإن قدر على العتق والصدقة المتعينين في كفارة الجمع يلزمه الجمع، أو يلزمه أحد البدلين الآخرين عوضا عنه أيضا. وإن قدر على المتعينين عليه فالمراد أنه إذا عجز عن الصيام في كفارة الجمع وعجز عن بدله الأصلي فيصوم ثمانية عشر يوما. وإن قدر على العتق والصدقة المتعينين، فمع أنه لم يدل دليل على ملاحظة البدل الأصلي هنا يلزم استعمال اللفظ في ثلاث معان مختلفة، أحدها: العجز عن الصوم وبدلية الترتيبيين أو التخييريين. والثاني: العجز عنه وعن صاحبه المتعينين. والثالث: العجز عنه وعن بدليه المتصورين في أصل وضع الكفارة. وقد عرفت فيما ذكرنا أن ظاهر الرواية هو الكفارة المخيرة أو المرتبة المشتملة على صيام الشهرين، وأما كفارة الجمع فلا تدل عليها الرواية. وقد وجدت في حواشي نسخة من القواعد حاشية منسوبة إلى فخر المحققين على

[ 204 ]

هذه العبارة في باب الكفارات، قال محمد بن المطهر: هذه فيمن عليه الشهران ولايكون لها بدل، وأما في المرتبة فإذا عجز عن الصوم وجب الإطعام، فإذا عجز عنه يستغفر الله تعالى ولم يجب الثمانية عشر. ورأيت في هذه النسخة أيضا في كتاب الظهار مكتوب على قول المصنف: " ولو عجز عن الكفارة وما يقوم مقامها كفاه الاستغفار " حاشية منقولة من خطه - رحمه الله - وهذه صورتها: واعلم أن الكفارة هي الخصال الثلاث، وما يقوم مقام الكفارة ثمانية عشر يوما، وتقدير ذلك أن نقول: إن عجز عن العتق والصيام والإطعام ابتداءا كفاه الاستغفار، وهو ظاهر ; لأن الثمانية عشر يوما بدل الشهرين. وإذا عجز عن الشهرين انتقل إلى الإطعام. ولو عجز عن الشهرين وتمكن من الإطعام ثم عجز عنه فإنه يكفيه الاستغفار. وأما إذا عجز ابتداءا عن العتق والإطعام وقدر على الصيام تعين الصيام للشهرين، ثم بعد تعين الصوم عجز عنه تعين صيام ثمانية عشر يوما، هذا في المرتبة. وأما في كفارة الجمع ; فإنه يجب عليه إذا عجز عن الصوم وغيره صيام ثمانية عشر يوما عن الصوم، واستغفر الله تعالى عن الباقي. ولو قدر على غير الصوم من الخصال الثلاث وجب. والعبد كفارته الصوم لاغير، أي يصوم شهرا، فإن عجز عنه صام تسعة على الأقوى، وفي معناه الكفارة المخيرة إذا عجز عن الخصلتين غير الصوم تعين الصوم، فإذا عرض له العجز بعد القدرة صام الثمانية عشر يوما. وأما إذا عجز عن الكل دفعة واحدة ابتداءا، وجب الثمانية عشر يوما، بخلاف المرتبة. والفرق بينهما: أن المرتبة الواجب منها واحدة دائما، وأما الواجبة على التخيير فاختيارنا في اصول الفقه وجوب الكل، وبفعل البعض يسقط، هذا هو الذي استقر عليه رأينا، ورأي والدي، ولهذا لو ترك الكل استحق العقاب على ترك الكل، بمعنى

[ 205 ]

أنه يستحق العقاب على ترك امور يجزئ بعضها عن بعض، فكل واحد من خصال المخيرة يوصف بالوجوب دفعة ; وأما المرتبة فلا. ويجب الاستغفار هنا مع صوم الثمانية عشر يوما، وكذا في كل موضع ينتقل إلى الثمانية عشر يوما توبة لا كفارة. والفرق بين الاستغفار الذي هو توبة والذي هو كفارة: أن الاستغفار الذي هو كفارة يجوز أن يكون عن بعض الامور دون البعض إجماعا، وأما التوبة ففيها الخلاف، وكتب محمد بن المطهر، انتهت الحاشية. أقول: قد ظهر مما بيناه أن مراد الفقهاء من هذه العبارة موافقا لما ورد في الكتاب والسنة هو مطلق الوجوب، الأعم من المطلق والمشروط، والعيني والتخييري، والترتيبي، وليس المراد بالعجز العجز بعد القدرة، بل الأعم كما مر. فنقول: إن فاقد جميع الخصال والعاجز عنها يصدق عليه أنه وجب عليه الصيام وعجز عنه، سيما بملاحظة رواية أبي بصير. فقوله رحمه الله: " وإذا عجز عن الشهرين انتقل إلى الإطعام "، مراده أنه حينئذ ليس مكلفا بالصيام، إذ هو سقط بسبب العجز وانتقل إلى الإطعام. ويرد عليه: أن الانتقال إلى الإطعام إنما هو إذا استمر عدم القدرة على الصيام وقدر على الإطعام، وأما إذا لم يقدر على الإطعام فانتقاله إليه ممنوع، وإلا لما وجب عليه الصيام بعد حصول القدرة عليه أيضا إذا كان التكليف قد انتقل إلى الإطعام، فحين العجز عن الكل يتساوى الكل في صدق العجز عنها، ولا يختص بالإطعام ; بتقريب أنه آخر المراتب، فيصدق عليه أنه تعلق به حكم وجوب الصيام في الجملة، وأنه عجز عنه، فيتم كون الثمانية عشر بدلا عن الصيام حينئذ. قوله رحمه الله: " ولو عجز عن الشهرين وتمكن من الإطعام ثم عجز عنه " إلى آخره، مراده أنه حينئذ استقر عليه الإطعام ويتعين عليه، فإذا عجز عنه بعد القدرة فهذاعاجز عما وجب عليه من الإطعام ; لعدم وجوب الصيام عليه حتى يكون

[ 206 ]

الثمانية عشر عوضا عنه. أقول: إن كان مراده استقرار الإطعام عليه وتعينه عليه مادام موجودا فهو كذلك، ولكنه خلاف المفروض، وإن كان مراده الاستقرار عليه وتعينه عليه بعد التلف أيضا فهو ممنوع، بل هو حينئذ كفاقد الجميع ابتداءا، وقد مر أن العبرة في الكفارة بحال الأداء لا الوجوب، بلا خلاف، والمفروض أن حالة الوجوب قد انمحت، والمعتبر إنما هو هذه الحالة التي يريد إبراء ذمته فيها، فالظاهر أن الثمانية عشر تتعلق به أيضا. قوله: " تعين صيام ثمانية عشر يوما " إن أراد من جهة تعين الصيام عليه ففيه المنع المتقدم، وإن أراد أنه حينئذ فاقد للجميع وعاجز عن الجميع الذي من جملته صيام الشهرين فهو حسن. قوله: " وأما في كفارة الجمع " إلى آخره، قد عرفت أن الرواية لاتدل على حكم كفارة الجمع بوجه من الوجوه، فلا دلالة فيها على وجوب الثمانية عشر، سواء قدر على الآخرين أم لا. قوله: " بخلاف المرتبة "، قد عرفت أن المرتبة أيضا كذلك. قوله: " الواجب منها واحد دائما " أقول: نعم، ولكن لا يتعين إلا بالعجز عن سابقه والتمكن منه، والمفروض عدم التمكن من المرتبتين الأخيرتين أيضا، فإنما يبقى تعلق الوجوب في الجملة بالنسبة إلى الجميع والعجز عن الجميع، فيصح أنه عجز عن الصوم المتعلق به في الجملة مع العجز عن الآخرين كما هو مدلول الرواية. قوله: " فاختيارنا في اصول الفقه " إلى آخره، أقول: لا يخفى أنه يتم على القول بكون كل واحد منها واجبا بالأصالة ولكن على البدل، بمعنى أنه لا يجب فعل الجميع ولايجوز الإخلال بالجميع أيضا، وذلك يكفي في صدق تعلق التكليف بالصوم بشرط التمكن في الجملة، ويصدق عليه أنه عاجز عنه مع العجز عن الآخرين. ومن جميع ما ذكرنا في معنى الحديث والإشكالات، وتفاوت الحكم بتفاوت معاني الرواية، وتفاوت حال الكفارات بتفاوت الموجبات لها، ظهر وجه اختلاف

[ 207 ]

الأصحاب في التعبير عن عنوان المسألة، فلنفصل الكلام في مقامات، وننقل الخلاف، ونذكرما هو الحري بالاختيار بذكر مباحث: الأول: كفارة شهر رمضان واختلف فيها الأصحاب، فذهب المفيد (1) والمرتضى (2) وابن إدريس (3) والعلامة في القواعد والإرشاد والمنتهى والتذكرة (4) - بل الظاهر أنه المشهور - إلى أن من عجز عن الكفارات الثلاث يصوم ثمانية عشر يوما. وذهب الصدوق في المقنع (5) وابن الجنيد (6) وصاحب المدارك (7) وبعض من تأخر عنه (8) إلى أنه يتصدق بما يطيق، وهو ظاهر الشيخ في كتابي الأخبار (9). وذهب العومة في المختلف (10) والشهيد في الدروس (11) إلى التخيير بينهما، وكذلك الشهيد الثاني في المسالك (12). وقال في التحرير: لو عجز عن صيام شهرين متتابعين وتمكن من صيامها متفرقة ولم يقدر على العتق ولا الإطعام فالوجه وجوب الشهرين متفرقة، ولو عجز صام ثمانية عشر يوما.


1. المقنعة: 345، 569. 2. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 55. 3. السرائر 1: 379. 4. القواعد 1: 377، الإرشاد 1: 304، المنتهى 2: 575، التذكرة 6: 56. 5. المقنع (الجوامع الفقهية): 16. 6. نقله عنه في المختلف 3: 444. 7. المدارك 6: 121. 8. كصاحب الذخيرة: 508. 9. التهذيب 4: 205 ح 594، الاستبصار 2: 95 ح 310. 10. المختلف 3: 444. 11. الدروس 1: 277. 12. المسالك 2: 39.

[ 208 ]

ثم قال: لو عجز عن الشهرين وقدر على شهر فالوجه وجوبه، ولا ينتقل إلى ثمانية عشر، وكذا لو قدر على عشرين يوما على إشكال في ذلك، ولو عجز عن إطعام ستين وتمكن من إطعام ثلاثين وجب، ولو تمكن من صيام شهر والصدقة على ثلاثين فالأقرب وجوبهما معا (1). وعن المنتهى أنه جعل التصدق بالممكن بعد ثمانية عشر يوما (2). وقال الشيخ في النهاية: إن لم يتمكن من الكفارات الثلاث فليتصدق بما تمكن منه، فإن لم يتمكن من الصدقة صام ثمانية عشر يوما، وإن لم يقدر صام ما تمكن منه، وإن لم يتمكن من ذلك قضى واستغفر الله، وليس عليه شئ (3). وعن السيد: لو عجز عن الثلاثة صام ثمانية عشر يوما متتابعات، فإن لم يقدر تصدق بما وجد وصام ما استطاع (4). حجة الأول: رواية أبي بصير المتقدمة (5). وحجة الثاني: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال: " يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر تصدق بما يطيق " (6). وحسنته لإبراهيم بن هاشم، عنه عليه السلام: في رجل وقع على أهله في شهر رمضان فلم يجد ما يتصدق به على ستين مسكينا، قال: " يتصدق بقدر ما يطيق " (7) والظاهر أن


1. التحرير 1: 80. 2. المنتهى 2: 575. 3. النهاية: 155. 4. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 55. 5. التهذيب 4: 312 ح 944، الاستبصار 2: 97 ح 314، المقنعة: 380، الوسائل 7: 279 أبواب بقية الصوم الواجب ب 9 ح 1. 6. التهذيب 4: 205 ح 594، الوسائل 7: 28 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 1. 7. الكافي 4: 102 ح 3، التهذيب 4: 206 ح 596، الاستبصار 2: 81 ح 246، الوسائل 7: 29 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 3.

[ 209 ]

المراد العجز عن الخصال الثلاث. وحجة الثالث: الجمع بين الروايتين. والأظهر العمل على الأول. والقدح في سند الرواية من جهة إسماعيل بن مرار وعبد الجبار بن مبارك (1) مع عمل المشهور عليها لاوجه له. مع أن إسماعيل بن مرار ممن يروي عنه إبراهيم بن هاشم في غاية الكثرة (2)، وهو مؤيد قوي. وروى الكشي عن عبد الجبار أيضا خبرا دالا على مدحه (3)، ولكن سنده ضعيف، والناقل للرواية هو عبد الجبار. وكيف كان فالشهرة تجبره، ولاتترجح عليه الصحيحة مع كون العامل بها شاذا، والجمع إنما يتم إذا حصل التكافؤ وهو مفقود. وأما قول التحرير ; فلعله مستند إلى عموم قوله عليه السلام: " إذا أمرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم " (4) ونحوه من الأخبار. وفيه: أن رواية الثمانية عشر يوما بل وصحيحة عبد الله بن سنان أخص من تلك القاعدة، والخاص مقدم على العام، ومع هذا فلا دليل على الجمع بينه وبين رواية الثمانية عشر بجعلها متأخرة عنه. وأبعد من ذلك ما نقل عن المنتهى. وأما دليل الشيخ والسيد، فلعله الجمع بين الأخبار وقاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور وما في معناه، ولكنه بالتفصيل الذي ذكراه لم يدل عليه دليل.


1. لعل أحد القادحين هو صاحب المدارك 6: 120. 2. انظر معجم رجال الحديث رقم: 1430. 3. اختيار معرفة الرجال 2: 839. 4. عوالي اللآلي 4: 58 ح 206.

[ 210 ]

وربما بني الإتيان بحسب المقدور على أن وجوب الجزء هل هو تابع للكل أو بالعكس، أو كل واحد منهما مستقل، والأظهر أن وجوب الجزء تابع، والدلالة عليه تبعية. وربما يؤيد الاستقلال: بأن الأصل عدم اشتراط وجوب بعض الأجزاء بالقدرة على الآخر، وإلا لزم إما الترجيح بلا مرجح أو الدور. وفيه: أن الحكم متعلق بالكل، وهو وإن استلزم الأمر بالجزء، لكنه من باب وجوب المقدمة، وليس وجوبه أصليا، بل تبعي، فلا يحتاج إلى التمسك بالأصل في عدم اشتراط وجوب بعضها ببعض، مع أن الدور المتوهم ليس من باب الدور التوقيفي، بل هو معي، ولا استحالة فيه. ثم على القول بلزوم الثمانية عشر يوما ففي وجوب التتابع وعدمه قولان (1)، ناظران إلى إطلاق الرواية منضما إلى الأصل، وإلى اقتضاء البدلية ذلك، وفي عمومه منع، نعم يؤيده ما قدمناه سابقا مع كونه أحوط. ويؤيد الأول: رواية سليمان بن جعفر الجعفري، عن أبي الحسن عليه السلام: " إنما الصيام الذي لا يفرق: كفارة الظهار، وكفارة الدم، وكفارة اليمين " (2) ولعله أظهر. ولو فعل البدل ثم قدر على المبدل فلا يجب المبدل ; لأن الأمر يقتضي الإجزاء، ورواية مؤمن الطاق الواردة في الظهار المخالفة لذلك محمولة على الاستحباب (3).


1. القول بوجوب التتابع للمفيد في المقنعة: 345، والسيد في جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 55، والشهيد في الدروس 1: 277، والقول بعدمه للشيخ في النهاية: 154، والعلامة في المختلف 3: 446، والشهيد الثاني في المسالك 2: 39. 2. الكافي 4: 120 ح 1، التهذيب 4: 274 ح 830، الاستبصار 2: 117 ح 382، الوسائل 7: 280 أبواب بقية الصوم الواجب ب 10 ح 3. 3. التهذيب 8: 17 ح 54، الاستبصا ر 3: 268 ح 958، الوسائل 15: 553 أبواب الكفارات ب 5 ح 2 في رجل شهرا من كفارة رمضان ثم وجد نسمة، قال: يعتقها ولا يعتد بالصوم.

[ 211 ]

ولو حصل العجز بعد صوم شهر فيحتمل وجوب الثمانية عشر ; لصدق العجز عن صيام شهرين، ووجوب تسعة (1) ; لأن الثمانية عشر بدل عن الشهرين، فيكون نصفها بدلا عن نصفه، والسقوط رأسا ; لصدق صيام الثمانية عشر في ضمن الشهر، والأول أظهر. ثم بعد البناء على صيام الثمانية عشر لو عجز عنه، فربما يظهر من المحقق في الشرائع أنه يأتي بما تمكن منه، ولعله للعمل بأن الميسور لا يسقط بالمعسور، قال: وإن عجز استغفر الله فهي كفارته (2). قال في المدارك (3): إن هذا الحكم - يعني الانتقال من الصوم إلى الاستغفار - مقطوع به في كلام الأصحاب، بل ظاهرهم أنه موضع وفاق، وتدل عليه روايات، منها رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه، صوم أو صدقة أو عتق في يمين أو نذر أو قتل أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة، فالاستغفار له كفارة ماخلا يمين الظهار " (4). وأما حد العجز ومعناه: ففي العتق والصوم ظاهر ; إذ عتق بعض الرقبة لا يسمى عتق رقبة، وكذا صيام الأقل من الشهرين، وأما الصدقة فحددوه بأن لا يجد ما يصرفه في الكفارة فاضلا عن قوته وقوت عياله في ذلك اليوم، وكذلك غيره من مستثنيات الدين. قال المحقق الأردبيلي رحمه الله: وكذا العجز عن قيمة الرقبة مع وجودها بها، فكأنهم أخذوه من كون ذلك في الدين ونحوه، قال: فلو خالف وتصدق به فلا يبعد الإجزاء ; لاحتمال كون ذلك للرخصة (5).


1. يعني: ويحتمل وجوب تسعة. 2. الشرائع 1: 176. 3. المدارك 6: 122. 4. التهذيب 8: 16 ح 50، الاستبصار 4: 56 ح 195، الوسائل 15: 554 أبواب الكفارات ب 6 ح 1. 5. مجمع الفائدة والبرهان 5: 77.

[ 212 ]

الثاني: كفارة الظهار فذهب المفيد (1) وابن الجنيد (2) فيما لو عجز عن الخصال الثلاث إلى أنه لابدل لها، بل يحرم عليه وطؤها إلى أن يؤدي الواجب. والشيخ في النهاية حكم بأنه يفرق بينهما الحاكم ولا يقربها إلى أن يؤدي الكفارة، ولكنه قال بعد ذلك: إذا عجز عن إطعام الستين صام ثمانية عشر يوما، فإن عجز عن ذلك أيضا، كان حكمه ما قدمناه من أنه يحرم وطؤها إلى أن يكفر (3). وقال ابن البراج مثل ما قال الشيخ أخيرا (4). وقال ابن حمزة: إذا عجز عن صوم شهرين متتابعين صام ثمانية عشر يوما، وإن عجز تصدق عن كل يوم بمد من طعام، فإن عجز استغفر الله ولم يعد (5)، ولعل مراده أيضا، بعد العجز عن الخصال الثلاث. وقد تقدم قول العومة في القواعد أنه لو عجز عن الكفارة وما يقوم مقامها كفاه الاستغفار وحل الوطء (6). وقال ابن إدريس بعد نقل عبارة النهاية الاولى: والأولى أنه يستغفر الله بدلا عن الكفارة، ولا يفرق الحاكم بينهما ; لعدم الدليل. وقال: إن الشيخ رجع عما قاله في الاستبصار، وقال: إنه يطأ زوجته بعد الاستغفار، وتكون الكفارة في ذمته إلى أن يقدر عليها (7). وهو مختار العلامة في المختلف (8).


1. المقنعة: 524. 2. نقله عنه في المختلف (طبعة مركز الإعلام الإسلامي) 7: 421. 3. النهاية: 526. 4. المهذب 2: 300. 5. الوسيلة: 354. 6. القواعد (الطبعة الحجرية) 2: 149. 7. السرائر 2: 713، وانظر النهاية 526، والاستبصار 4: 56. 8. المختلف (طبعة مركز الإعلام الإسلامي) 7: 422.

[ 213 ]

وذهب الصدوقان إلى أن بدل الكفارة هو التصدق بما يطيق (1)، وقال الصدوق في المقنع بعد ذلك: وروي في حديث آخر أنه إذا لم يطق إطعام ستين مسكينا صام ثمانية عشر يوما (2). حجة المفيد وابن الجنيد: الأصل، وأن نص القرآن إنما جاء على هذه الخصال الثلاث، فلا يجزئ غيرها، ورواية أبي بصير المتقدمة في الجواب عن الإشكال الرابع (3). وفيه: أن الأصل مخرج عنه بالدليل. وكذلك الآية تخصص به، ولا يستلزم ذلك النسخ كما توهم، والرواية معارضة بأقوى منها، مع أنها لا تنفي لزوم الثمانية عشر أو التصدق إذا أمكن كما لا يخفى، بل إنما تدل على أن الاستغفار بعد العجز عما يجب عليه لا يوجب الحل، وسيجئ ما يعارض ذلك أيضا. وحجة القول بوجوب الثمانية عشر يوما: عموم رواية أبي بصير المتقدمة في أول الباب بالتقريب الذي بيناه، وخصوص موثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ظاهر من امرأته، فلم يجد ما يعتق ولاما يتصدق، ولا يقوى على الصيام قال: " يصوم ثمانية عشر يوما، لكل عشرة مساكين ثلاثة أيام " (4). وهذا هو الدليل الذي ذكرنا أنه مخرج عن الأصل ومخصص للآية ; لجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، سيما إذا اشتهر العمل به. وأما حجة جواز الوطء بعد حصول ما يقوم مقام الكفارة، فهو ظاهر إطلاق هاتين الروايتين في مقام الحاجة، وخصوص موثقة إسحاق بن عمار - بل حسنته لإبراهيم بن هاشم أو صحيحته ; لمنع كون إسحاق هذا واقفيا (5)، وكون مدح إبراهيم بمنزلة التوثيق -


1. نقله عنهما في المختلف (طبعة مركز الإعلام الإسلامي) 7: 422. 2. المقنع (الجوامع الفقهية): 34. 3. الكافي 7: 461 ح 5، التهذيب 8: 16 ح 50، الاستبصار 4: 56 ح 195. 4. التهذيب 8: 23 ح 74. 5. انظر معجم رجال الحديث رقم 1157 - 1160.

[ 214 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " الظهار إذا عجز صاحبه عن الكفارة فليستغفر ربه وينوي أن لا يعود قبل أن يواقع، ثم ليواقع، وقد أجزأ عنه ذلك من الكفارة، فإذا وجد السبيل إلى ما يكفر يوما من الأيام فليكفر، وإن تصدق وأطعم نفسه وعياله فإنه يجزئه إذا كان محتاجا، وإن لم يجد ذلك فليستغفر ربه وينوي أن لا يعود، فحسبه ذلك والله كفارة " (1). وأما حجة الصدوقين ; فلم أقف لهما على شئ، ولا دلالة في صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (2) على حكم الظهار، ولا يمكن التمسك بقاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور، ولجريانها في الصوم أيضا، وتعين الإطعام عليه بعد العجز عن الصيام إنما يسلم إذا تمكن من تمامه، مع أن القاعدة عامة، والموثقة خاصة، فهي أحرى بالعمل. واعلم أن المراد بالاستغفار - في هذا الباب وغيره مما ورد فيه - التوبة، ولكن مع التكلم بقوله " أستغفر الله " فهو كاشف عن التوبة، كما أن كلمة الشهادة كاشفة عن الإسلام، فلا ينفع إذا لم يكن تائبا بينه وبين الله، وإن حكم بسقوط الكفارة عنه وحل الوطء ظاهرا. ويستفاد ذلك من روايات كثيرة، منها الروايات المتقدمة، ومنها رواية داود بن فرقد الواردة في وطء الطامث، ففي آخرها: " إن الاستغفار توبة وكفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شئ من الكفارة " (3). ولابد فيه من النية ; لأنه عبادة موقوفة عليها. ومقتضى كونه بدلا سقوط الكفارة، فما اشتملت عليه موثقة إسحاق بن عمار من لزوم الكفارة إذا وجد إليها السبيل بعد ذلك (4) محمول على الاستحباب.


1. الكافي 7: 461 ح 6، التهذيب 8: 320 ح 1190، الاستبصار 4: 56 ح 196. 2. التهذيب 4: 205 ح 594، الوسائل 7: 28 أبواب ما يمسك عنه الصائم 8 ح 1. 3. التهذيب 8: 320 ح 1188، الوسائل 15: 555 أبواب الكفارات ب 6 ح 3. 4. الكافي 7: 461 ح 6، التهذيب 8: 320 ح 1190، الاستبصار 4: 56 ح 196، الوسائل 15: 555 أبواب الكفارات ب 6 ح 4، إن الظهار إذا عجز صاحبه عن الكفارة، فليستغفر ربه ولينو أن لا يعود قبل أن يواقع، ثم ليواقع وقد أجزأ عنه، فإذا وجد السبيل إلى ما يكفر به يوما من الأيام فليكفر.

[ 215 ]

الثالث: كفارة النذر وقد مر ماقاله فيها ابن حمزة (1) وابن إدريس (2)، وقد عرفت مقتضى عموم عبارتهم المذكورة في كتاب الكفارات، وأنه يشمله على المختار من كون كفارة النذر هي كفارة شهر رمضان، وقد ذكرنا أن عموم رواية أبي بصير (3) يشمله، فيجب عليه صيام ثمانية عشر يوما بعد العجز عن الآخرين أيضا. وأما الإطعام عن كل يوم بمد ; فلم نقف على دليله، إلا ما أشرنا إليه سابقا. وأما الاستغفار ; فلا إشكال فيه كما تقدم ودلت عليه رواية أبي بصير المتقدمة في الإشكال الرابع (4). وأما قول العومة بلزوم الإتيان بما قدر عليه من أصل الكفارة نظرا إلى قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور (5)، فتدفعه الروايات كما مر. الرابع: صيام النذر وما في معناه فمن نذر صيام شهرين وعجز عنه فلا دليل على وجوب ثمانية عشر يوما عليه، ولاالتصدق عوضا عن الثمانية عشر يوما عليه ولاغيره. نعم تجري فيه قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور، وهو أيضا مشكل، فلا يبقى إلا ما ورد من التصدق عن كل يوم بمد في كفارة صوم النذر بعد العجز عنه (6) كما مرت الإشارة إليه.


1. الوسيلة: 147. 2. السرائر 3: 74. 3. التهذيب 4: 312 ح 944، الاستبصار 2: 97 ح 314، الوسائل 7: 279 أبواب بقية الصوم الواجب ب 19 ح 1. 4. التهذيب 8: 16 ح 50، وص 320 ح 1189، الاستبصار 4: 56 ح 195، الوسائل 15: 554 أبواب الكفارات ب 16 ح 1. 5. التحرير 1: 80. 6. الوسائل 15: 564 أبواب الكفارات ب 14.

[ 216 ]

وسيجئ الكلام والخلاف في وجوب فدية صيام النذر وفي مقدار كفارته، وكيف كان فلا دليل على التفصيل المذكور فيه. فحاصل المختار في المسألة: إن كان من كان عليه الكفارات الثلاث مرتبة أو مخيرة عجز عن الجميع فيجب عليه صيام ثمانية عشر يوما مطلقا على الأظهر، وإن كان التتابع أحوط، وإن عجز عنه فإطعام ثمانية عشر مسكينا بمد من طعام على ما تردد فيه، مع رجحان ما للوجوب من جهة الشهرة وتتبع النظائر، وظاهر الروايتين المتقدمتين. ومع العجز عنه فكفارته الاستغفار، بمعنى سقوط الكفارة عنه، وإن كان في الظهار فيحل له الجماع، وأما كفارة الجمع والشهران المنذوران فلم نقف فيهما على دليل يفيد هذا التفصيل. التاسع عشر: لو تبرع متبرع عمن تجب عليه الكفارة، فإن كان ميتا فالأصح جوازه مطلقا ; لعموم الروايات المستفيضة جدا الدالة بعمومها على أن كل من عمل عملا صالحا عن الميت ينفعه (1)، وقد مر بعضها في كتاب الصلاة. ويؤيده جواز أداء الدين، بل الكفارة أيضا دين. ويؤيده ما مر في الزكاة للغارمين، وكذلك مادل على جواز فعل الولي عن الميت وغير ذلك. ويظهر من العومة في المختلف حيث اكتفى بذكر الخلاف في الحي كون المسألة إجماعية (2)، ولكن يظهر من المسالك وجود الخلاف حيث جعله أصح القولين (3)،


1. الوسائل 5: 365 أبواب قضاء الصلاة ب 12. 2. المختلف 3: 452. 3. المسالك 2: 39.

[ 217 ]

ومن الدروس حيث جعله أقوى القولين (1). وأما الحي فنقل في المختلف عن المبسوط أنه كالميت (2) قال، وقال بعض أصحابنا: لا يجزئ، والوجه عندي الأول، واحتج عليه بأنه كوفاء الدين (3). وحجة المنع: الأصل، وأنه عبادة مشروطة بالنية، ومن شأنها أن لاتقبل النيابة * (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) * (4). وهناك قول ثالث اختاره في الشرائع، وهو الجواز في غير الصوم (5)، واختار في المسالك هذا القول لكن مع الإذن (6)، والظاهر أنه مختار المحقق الشيخ علي رحمه الله (7). ووجهه أما في الصوم فالأصل، وكونه عبادة توقيفية، والقياس على الميت باطل، وأما في غير الصوم فلأنه مما يقبل النيابة، ويؤيده ما تقدم من أداء الدين وغيره، وأما قوله تعالى: * (ليس للإنسان إلا ما سعى) * (8) ففيه: أن الإيمان هو سعي المؤمن، وهذا من ثمراته، فالأظهر مختار المسالك.


1. الدروس 1: 278. 2. المبسوط 1: 276. 3. المختلف 3: 452، والقائل بعدم الإجزاء هو المحقق في الشرائع 1: 176. 4. النجم: 39. 5. الشرائع 1: 176. 6. المسالك 2: 39. 7. جامع المقاصد 3: 71. 8. النجم: 39.

[ 218 ]

المقصد الرابع فيما يكره للصائم وهو امور: منها: النساء تقبيلا ولمسا وملاعبة. والأظهر أنه لمن يحرك ذلك شهوته، سواء كان شيخا أو شابا، فالإطلاق كما يظهر من بعض العبارات (1) ليس بجيد، وكذلك التفصيل بالشيخ والشاب كما يظهر من الخلاف ; لأنه جعل ذلك قولا في مقابل من فصل بتحريك الشهوة وعدمه (2)، ودليل المسألة وتحقيق الحال قد مر في مسألة الاستمناء فلا نعيد. ومنها: الاكتحال بما فيه صبر (3) أو مسك كما نقل عن الشيخ وجماعة (4). وعن ابن حمزة زيادة العنبر (5). وفي المعتبر اقتصر على المسك (6). وعن ابن زهرة بما فيه صبر وما أشبهه (7). ولعل المراد ب‍ " ما أشبهه " ماله طعم يصل إلى الحلق كما في


1. كعبارة المحقق في الشرائع 1: 176. 2. الخلاف 2: 197 المسألة 48. 3. الصبر: عصارة شجر مر، لسان العرب 4: 442. 4. المبسوط 1: 272، التذكرة 6: 930، المنتهى 2: 582. 5. الوسيلة: 147. 6. المعتبر 2: 664. 7. الغنية (الجوامع الفقهية): 572.

[ 219 ]

التحرير والتذكرة (1). ولعل مراد من اقتصر بالبعض المثال. وقد اختلفت الأخبار في ذلك، فمنها: ما يدل على المنع من الاكتحال مطلقا، كصحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن الرجل يكتحل وهو صائم، فقال: " لا، إني أتخوف أن يدخل رأسه " (2). وصحيحة سعد بن سعد الأشعري، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عليه السلام عمن يصيبه الرمد في شهر رمضان هل يذر عينه بالنهار وهو صائم ؟ قال: " يذرها إذا أفطر، ولا يذرها وهو صائم " (3). ومنها: ما يدل على الجواز مطلقا، كصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في الصائم يكتحل، قال: " لا بأس به، ليس بطعام ولاشراب " (4). وصحيحة عبد الحميد بن أبي العلاء، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا بأس بالكحل للصائم " (5). ومنها: ما يدل على التقييد، كصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام: أنه سئل عن المرأة تكتحل وهي صائمة فقال: " إذا لم يكن كحل تجد له طعما في حلقها فلا بأس " (6). وقوية سماعة - لعثمان بن عيسى - قال: سألته عن الكحل للصائم فقال: " إذا كان كحلا ليس فيه مسك وليس له طعم في الحلق فلا بأس به " (7). ومنها: ما يدل على أنه لا يضر مع وجود ما فيه طعم أيضا، كرواية الحسن بن


1. التحرير 1: 79، التذكرة 6: 93. 2. التهذيب 4: 259 ح 769، الاستبصار 2: 89 ح 282، الوسائل 7: 53 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 9. 3. الكافي 4: 111 ح 2، الوسائل 7: 52 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 3. 4. التهذيب 4: 258 ح 765، الاستبصار 2: 89 ح 278، الوسائل 7: 51 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 1. 5. التهذيب 4: 259 ح 767، الاستبصار 2: 89 ح 280، الوسائل 7: 53 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 7. 6. التهذيب 4: 259 ح 771، الاستبصار 2: 90 ح 284، الوسائل 7: 52 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 5. 7. الكافي 4: 111 ح 3، التهذيب 4: 259 ح 770، الاستبصار 2: 90 ح 283، الوسائل 7: 52 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 2.

[ 220 ]

أبي غندر قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أكتحل بكحل فيه مسك وأنا صائم ؟ فقال: " لا بأس " (1). وتؤيده صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يذوق الشراب والطعام يجد طعمه في حلقه، قال: " لا يفعله " قلت: فإن فعل ؟ قال: " لا شئ عليه ولا يعود " (2). قيل: ومما يدل على عدم الإفساد، وإن وجد طعمه في حلقه بخصوصه: أن الحنظل إذا اطلي به أسفل الرجل وجد طعمه في الحلق، مع أنه لا يفطر إجماعا. فالأظهر كراهة كل ماله طعم يصل إلى الحلق مطلقا، وربما احتمل الكراهة مطلقا ; لإطلاق مثل صحيحة سعد بن سعد الأشعري (3). ومنها: إخراج الدم المضعف، والظاهر عدم الفرق بين الحجامة والفصد وغيرهما، كما صرح به الفاضلان (4)، لاستفادة ذلك من العلة المستفادة من الأخبار، مثل صحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الصائم أيحتجم ؟ قال: " إني أتخوف عليه، أما يتخوف على نفسه " قلت: ماذا يتخوف ؟ قال: " الغشيان، أو تثور به مرة " قلت: أرأيت إن قوي على ذلك ولم يخش شيئا ؟ قال: " نعم إن شاء الله تعالى " (5). وصحيحة سعيد الأعرج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم يحتجم ؟ قال: " لا بأس، إلا أن يتخوف على نفسه الضعف " (6). وصحيحة عبد الله بن سنان، عنه عليه السلام، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس


1. التهذيب 4: 260 ح 772، الاستبصار 2: 90 ح 285، الوسائل 7: 53 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 11. 2. التهذيب 4: 325 ح 1004، قرب الإسناد: 103، الوسائل 7: 75 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 37 ح 5. 3. الكافي 4: 111 ح 2، الوسائل 7: 52 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 3 عمن يصيبه الرمد في شهر رمضان هل يذر عينه في النهار وهو صائم ؟ قال: يذرها إذا أفطر، ولا يذرها وهو صائم. 4. المعتبر 2: 664، المنتهى 2: 582. 5. الكافي 4: 109 ح 1، التهذيب 4: 261 ح 777، الاستبصار 2: 91 ح 290، االوسائل 7: 54 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26 ح 1. 6. التهذيب 4: 260 ح 774، الاستبصار 2: 90 ح 287، الوسائل 7: 56 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26 ح 10.

[ 221 ]

بأن يحتجم الصائم إلا في رمضان، فإني أكره أن يضر بنفسه، إلا أن لا يخاف على نفسه، وإنا إذا أردنا الحجامة في رمضان احتجمنا ليلا " (1) إلى غير ذلك من الأخبار (2). ويدل على عدم الحرمة والإفساد الأصل والإجماع، كما في المنتهى والتذكرة (3)، وهذه الروايات وغيرها، مثل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (4) في الاكتحال في جهة التعليل بأنه ليس بطعام ولاشراب. ورواية عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ، والاحتلام، والحجامة، وقداحتجم النبي صلى الله عليه وآله وهو صائم " (5). وأما ماروى العامة عن النبي صلى الله عليه وآله، وكذا الخاصة عن الصادق عليه السلام: " أفطر الحاجم والمحجوم " (6) فقيل: إنه صلى الله عليه وآله قال ذلك لأجل اغتيابهما مسلما. وعن الصدوق في معاني الأخبار: احتمال أن يكون المراد أن من احتجم فقد عرض بنفسه للاحتياج إلى الإفطار بسبب احتمال الضعف (7)، وهو بعيد في الحاجم، إلا أن يقال: إن تعريضه المحجوم لذلك إفطار له، ونقل عن بعض مشايخه أن المراد الدخول في فطرة النبي صلى الله عليه وآله وسنته. ومنها: دخول الحمام المضعف ; لصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام: أنه سئل عن الرجل يدخل الحمام وهو صائم، فقال: " لا بأس به، ما لم يخش ضعفا " (8).


1. التهذيب 4: 260 ح 776، الاستبصار 2: 91 ح 289، الوسائل 7: 56 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26 ح 12. 2. الوسائل 7: 54 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26. 3. المنتهى 2: 582، التذكرة 6: 94. 4. التهذيب 4: 259 ح 771، الاستبصار 2: 90 ح 284، الوسائل 7: 52 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 5. 5. التهذيب 4: 260 ح 775، الاستبصار 2: 90 ح 288، الوسائل 7: 56 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26 ح 11. 6. سنن أبي داود 2: 14، معاني الأخبار: 319 ح 1، الوسائل 7: 55 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26 ح 9. 7. معاني الأخبار: 319. 8. الكافي 4: 109 ح 3، الفقيه 2: 70 ح 296، التهذيب 4: 261 ح 779، الوسائل 7: 57 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 27 ح 1.

[ 222 ]

ومنها: السعوط بما لا يتعدى إلى الحلق، وهو - بفتح السين وضم العين - ما يصل إلى الدماغ من الأنف على الأشهر الأظهر. وقال الصدوق في الفقيه: ولايجوز للصائم أن يتسعط (1). وعن المفيد (2) وسور (3) أنهما أوجبا به القضاء والكفارة. ونقل في المختلف (4) عن السيد - رحمه الله - نقل ذلك القول عن قوم من أصحابنا (5). وعن ابن إدريس أنه لا يوجب شيئا منهما (6). وعن أبي الصلاح (7) وابن البراج (8) أنه يوجب القضاء فقط، ونقل عن السيد أيضا نقل هذا القول عن قوم من أصحابنا (9). والأظهر الأول ; للأصل، ورواية ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم يحتجم ويصب في اذنه الدهن، قال: " لا بأس، إلا السعوط فإنه يكره " (10). ورواية غياث بن إبراهيم، عنه، عن أبيه عليه السلام قال، قال: " لا بأس بالكحل للصائم، وكره السعوط للصائم " (11). ولاتنهضان حجة لابن بابويه. واحتج في المختلف للآخرين: بأنه لو أوصل المفطر إلى الدماغ فكان عليه القضاء والكفارة، أو القضاء خاصة ; لأن الدماغ جوف، وأجاب عنه بالمنع، بل الممنوع إنما


1. الفقيه 2: 69. 2. المقنعة: 344. 3. المراسم: 98. 4. المختلف 3: 417. 5. الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 6. السرائر 1: 378. 7. الكافي في الفقه: 183. 8. القاضي في المهذب 1: 192. 9. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 10. الكافي 4: 110 ح 4، التهذيب 4: 204 ح 592، الوسائل 7: 50 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 24 ح 3. 11. التهذيب 4: 214 ح 622، الوسائل 7: 128 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 7 ح 3.

[ 223 ]

هو الإيصال إلى المعدة (1). وأما في المتعدي إلى الحلق فذهب جماعة ممن لم يمنعه في غير المتعدي إلى المنع هنا، وقالوا بوجوب القضاء والكفارة (2)، وهو مختار العومة في المختلف (3). واكتفى في التذكرة بالقضاء (4) تبعا للشيخ في المبسوط (5)، واحتج عليه: أنه أوصل إلى حلقه المفطر متعمدا، فكان عليه القضاء والكفارة كما لو أوصل إلى حلقه لقمة. وفيه: منع كلية الكبرى وبطلان القياس، فالأظهر إذن عدم الحرمة وعدم لزوم شئ ; للأصل. ويؤيده ما مر في الاكتحال. ومنها: شم الرياحين، قال في المدارك (6): وهو كل نبت طيب الريح كما نص عليه أهل اللغة (7)، وليس عندي من كتب اللغة الآن إلا الصحاح، وفيه أنه نبت معروف (8). وكراهته إجماع علمائنا كما في المنتهى والتذكرة (9)، مدلول عليه بالأخبار، كرواية الحسن بن راشد قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الصائم يشم الريحان ؟ فقال: " لا ; لأنه لذة، ويكره أن يتلذذ " (10). ورواية الحسن بن الصيقل، عنه عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول ؟


1. المختلف 3: 417. 2. كالشهيد في الدروس 1: 275. 3. المختلف 3: 417. 4. التذكرة 6: 34. 5. المبسوط 1: 273. 6. المدارك 6: 129. 7. كالفيروزآبادي في القاموس المحيط 1: 232، وابن الأثير في النهاية 2: 288، والفيومي في المصباح المنير: 243، وابن منظور في لسان العرب 2: 458. 8. الصحاح 1: 371. 9. المنتهى 2: 583، التذكرة 6: 94. 10. التهذيب 4: 267 ح 807، الاستبصار 2: 93 ح 301، الوسائل 7: 65 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 7.

[ 224 ]

قال: " لا، ولا يشم الريحان " (1). وتتأكد الكراهة في النرجس ; لما رواه الكليني، عن محمد بن الفيض، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام ينهى عن النرجس فقلت: جعلت فداك لم ذلك ؟ قال: " لأنه ريحان الأعاجم " (2) وهذه الرواية تفيد كراهته مطلقا، ولكن الظاهر أن المراد في حال الصوم كما فهمه الأصحاب. قال الكليني رحمه الله: وأخبرني بعض أصحابنا أن الأعاجم كانت تشمه إذا صاموا وقالوا: إنه يمسك الجوع (3). وقال المفيد: ولا بأس بشم الريحان كله، ويكره شم النرجس خاصة للصائم، وذلك أن ملوك الفرس كان لهم يوم في السنة يصومونه، وكانوا في ذلك اليوم يعدون النرجس ويكثرون من شمه ; ليذهب عنهم العطش، فصار كالسنة لهم، فنهى آل الرسول صلوات الله عليهم أجمعين عن شمه، خلافا على القوم، وإن كان شمه لا يفسد الصيام (4) و (5). ولعل وجه التأكيد هو كونه منصوصا عليه، مع احتمال إرادة النرجس من الريحان المذكور في الأخبار، ولعله معلل بأنه ريحان الأعاجم، ولأنه بالخاصية - أعني رفع الجوع والعطش - مخالف لوضع الصوم المطلوب منه ذلك. وأما الاخبار الدالة على جواز شم الرياحين فهي كثيرة لا حاجة إلى ذكرها (6). وعن الشيخين (7) والاكثر إلحاق المسك بالنرجس، لشدة رائحته، ولما رواه


1. التهذيب 4: 267 ح 806، الاستبصار 2: 93 ح 300، الوسائل 7: 66 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 13. 2. الكافي 4: 112 ح 2، الوسائل 7: 65 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 4. 3. الكافي 4: 113 ذ. ح 2، الوسائل 7: 65 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 5. 4. الوسائل 7: 64 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32. 5. المقنعة: 357. 6. الوسائل 7: 64 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32. 7. المقنعة: 356، النهاية: 156. 8. كابن إدريس في السرائر 1: 388، والعلامة في المنتهى 2: 583.

[ 225 ]

الكليني، عن غياث، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام: " أن عليا عليه السلام: كره المسك أن يتطيب به الصائم " (1). وأما سائر الطيب ; فلا يكره للصائم جزما، بل هو مستحب. وعن الشيخ (2) وابن حمزة (2) وابن إدريس (4) زيادة ما يجري مجراه على المسك، وعن المفيد (5) وابن زهرة (6) زيادة الزعفران خاصة، وعلله المفيد بأن المسك والزعفران يصلان إلى الحلق ويجد شامهما طعمهما. وكيف كان فلاريب في عدم كراهة غير المذكورات، ففي رواية الحسن بن راشد، أنه قال: كان أبو عبد الله عليه السلام إذا صام تطيب، ويقول: " الطيب تحفة الصائم " (7). وفي الفقيه روى: " أن من تطيب بطيب أول النهار وهو صائم لم يكد يفقد عقله " (8). وفيه أيضا: وسئل الصادق عليه السلام عن المحرم يشم الريحان، قال: " لا " قيل: والصائم ؟ قال: " لا " قيل: يشم الصائم الغالية والدخنة ؟ قال: " نعم " قيل: كيف حل له أن يشم الطيب ولا يشم الريحان ؟ ! قال: " لأن الطيب سنة، والريحان بدعة للصائم " (9) إلى غير ذلك من الأخبار، هذا. وأما العلة المستفادة من رواية الحسن بن راشد بأنه لذة، ويكره التلذذ، يفيد الكراهة مطلقا.


1. الكافي 4: 112 ح 1، التهذيب 4: 266 ح 801، الوسائل 7: 65 أبواب ما يمسك عنه الصائم 32 ح 6. 2. النهاية: 156. 3. الوسيلة: 144. 4. السرائر 1: 388. 5. المقنعة: 356. 6. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 7. الكافي 4: 113 ح 3، الوسائل 7: 64 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 3. 8. الفقيه 2: 52 ح 228، وص 71 ح 304، وفيه: من تطيب بطيب أول النهار. 9. الفقيه 2: 71 ح 302، الوسائل 7: 66 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 14.

[ 226 ]

وكذلك يستفاد من روايته الاخرى قال: كان أبو عبد الله عليه السلام إذا صام لا يشم الريحان، فسألته عن ذلك، فقال: " أكره أن أخلط صومي بلذة " (1) فيمكن أن يجاب عنه بأن المرغوب تركه هو التطيب بقصد التلذذ، وأما بقصد السنة وملاحظة تحصيل موافقة الملائكة وموافقة المؤمنين كما يستفاد من المنع عن البصل والثوم لمن دخل المسجد فلا بأس به، بل هو سنة. وأما الريحان سيما النرجس فلعل العلة فيه هي مخالفة طريقة الأعاجم والمجانبة عنها، وإن لم يقصد بها التلذذ، حماية للحمى، ولعله لذلك خص المفيد الكراهة بالنرجس (2). وحاصل المقام أن هنا امورا ثلاثة هي مظنة الكراهة: أحدها: الاجتناب عن وصول شئ إلى الحلق. والثاني: التلذذ ورفع الجوع والعطش. والثالث: موافقة الكفار، إذ المراد بالأعاجم هم المجوس، فيحسن الاجتناب عن موافقتهم ولو من باب حماية الحمى، فيمكن القول بالكراهة فيما وجد فيه شئ من ذلك، وعدمها في غيره، والله العالم. ومنها: استنقاع المرأة في الماء على المشهور بين الأصحاب ; لرواية حنان بن سدير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم يستنقع في الماء، قال: " لا بأس، ولكن لا ينغمس فيه، والمرأة لاتستنقع في الماء ; لأنها تحمل الماء بفرجها " (3) المحمولة على الكراهة ; لعدم مقاومتها للأصل والأخبار الحاصرة للمفطرات، وليس هذا من جملتها.


1. الفقيه 2: 71 ح 303، علل الشرائع: 383 ح 2 ب 114، الوسائل 7: 66 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 15. 2. المقنعة: 356. 3. التهذيب 4: 264 ح 789، الوسائل 7: 23 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 6 بتفاوت.

[ 227 ]

وتؤيده صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في الاكتحال المعللة بأنه ليس بطعام ولاشراب (1). وعن سور (2) وأبي الصلاح (3) وابن زهرة (4) وابن البراج (5) التحريم، وكذا عن ظاهر المقنع (6) والمقنعة (7)، وعن الأولين النص على وجوب القضاء أيضا، وعن الثانيين لزوم الكفارة أيضا، وعن ابن زهرة التمسك بالإجماع والاحتياط (8). ولعل حجة المحرمين رواية حنان (9)، وحجة الموجبين للقضاء العلة الواردة فيها بأنها تحمل الماء بقبلها، وظاهر تعليل صحيحة محمد بن مسلم، فإنه داخل في الشراب (10). وفيه: منع مقاومة الرواية لأدلة المشهور، سيما مع هجرهم ظاهرها، ومنع كون جذب الماء إلى الجوف موجبا للقضاء مطلقا، ومنع إطلاق الشرب عليه حقيقة وإن كان شرابا. وأما الإجماع المدعى على وجوب الكفارة فهو غريب، مع أن القول به لم يعهد ; إلا ممن يدعيه وسور (11)، والأصل عدم وجوبها وهو مدافع للاحتياط. ثم إن العومة في القواعد والشهيد في اللمعة ألحقا الخنثى بالمرأة، ولعله من جهة العلة (12).


1. الكافي 4: 111 ح 1، الوسائل 7: 51 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 1. 2. المراسم: 98. 3. الكافي في الفقه: 183. 4. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 5. المهذب 1: 192. 6. المقنع (الجوامع الفقهية): 16. 7. المقنعة: 356. 8. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 9. التهذيب 4: 264 ح 789، الوسائل 7: 23 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 6. 10. الكافي 4: 111 ح 1، الوسائل 7: 51 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 1. 11. المراسم: 98. 12. قواعد الأحكام 1: 373، اللمعة (الروضة البهية) 2: 133.

[ 228 ]

والظاهر عدم الفرق بين المشكلة وغيرها إذا كان لها فرج يحمل الماء. وزاد الشهيد الخصي الممسوح (1)، والظاهر أن مجبوب الذكر خاصة أيضا كذلك، بل الظاهر أن مجبوب الخصيتين فقط لايدخل فيه ; لعدم العلة. لا يقال: إن الجامع مفقود ; لوسعة منفذ المرأة، لما يقال: بمنع ذلك مطلقا حتى في البكر. ومنها: بل الثوب على الجسد ; لروايات، منها رواية الحسن الصيقل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول، فقال: " لا " (2). ورواية عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لاتلزق ثوبك وهو رطب وأنت صائم حتى تعصره " (3) ومنها ما سيجئ. ويدل على الجواز خصوص رواية محمد بن مسلم، عنه عليه السلام، قال: " الصائم يستنقع في الماء، ويصب على رأسه، ويتبرد بالثوب، وينضح المروحة، وينضح البوريا تحته، ولا يغمس رأسه في الماء " (4). ولا يضر بل الجسد وجلوس الرجل في الماء وإن كان أقوى تبريدا كما في الروضة (5) ; للأصل، وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة، ورواية الحسن بن راشد قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الحائض تقضي الصلاة ؟ قال: " لا "، قلت: تقضي الصوم ؟ قال: " نعم " قلت: من أين جاء هذا ؟ قال: " أول من قاس إبليس ". قال، قلت: فالصائم يستنقع في الماء ؟ قال: " نعم " قلت: فيبل ثوبا على جسده ؟ قال: " لا " قلت: من أين جاء هذا ؟ قال: " من ذاك " (6).


1. اللمعة (الروضة البهية) 2: 133. 2. التهذيب 4: 267 ح 806، الاستبصار 2: 93 ح 300، الوسائل 7: 66 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 13. 3. الكافي 4: 106 ح 4، الوسائل 7: 23 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 3. 4. التهذيب 4: 262 ح 785، الاستبصار 2: 91 ح 291، الوسائل 7: 22 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 2. 5. الروضة البهية 2: 133. 6. التهذيب 4: 267 ح 807، الاستبصار 2: 93 ح 301، الوسائل 7: 23 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 5.

[ 229 ]

ومنها: الهذر واستماعه، والمراد به الكلام الذي لا يعبأ به لعدم فائدة دينية، بل ينبغي أن تصوم جميع جوارحه عما لا ينبغي، ولا يشتغل إلا بطاعة الله، ففي حسنة محمد بن مسلم قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك، وعد أشياء غير هذا، وقال: لا يكون يوم صومك كيوم فطرك " (1). وعن سيد العابدين عليه السلام: أنه إذا كان شهر رمضان لم يتكلم إلا بالدعاء والتسبيح والاستغفار والتكبير (2). وروى جراح المدائني، عن الصادق عليه السلام، قال: " إن الصيام ليس من الطعام والشراب وحده، ثم قال: قالت مريم: * (إني نذرت للرحمن صوما) * (3) أي صمتا، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم، وغضوا أبصاركم، ولا تنازعوا ولا تحاسدوا ". قال، وقال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من الحرام والقبيح، ودع المراء وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصيام، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك " (4).


1. التهذيب 4: 194 ح 554، الفقيه 2: 67 ح 278، المقنعة: 310، الوسائل 7: 116 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 11 ح 1. 2. الكافي 4: 88 ح 8، الوسائل 7: 223 أبواب أحكام شهر رمضان ب 18 ح 12. 3. مريم: 26. 4. الكافي 4: 87 ح 3، مصباح المتهجد: 569، الوسائل 7: 116 أبواب آداب الصائم ب 11 ح 3.

[ 230 ]

المقصد الخامس فيمن يصح منه الصوم وفيه مباحث: الأول: لا يصح الصوم إلا من العاقل، المسلم، بل المؤمن، فلا يصح من المجنون، ولا الكافر، بل المخالف. أما الأول، فلا إشكال فيه ; لعدم التكليف المقتضي لتعلق الأمر، المقتضي لحصول الامتثال وموافقة الأمر الذي هو معنى الصحة. وفيما لو عرض في أثناء النهار مع سبق النية وزال ; إشكال، وسيجئ الكلام فيه. وأما الثاني، فلا إشكال فيه أيضا ; لاشتراط نية التقرب وإطاعة اولي الأمر منا، وهي لا تحصل من الكافر، منكرا للصانع كان، أو مشركا، أو أهل ملة، وهو لا ينافي كونه مكلفا ; للتمكن من الإيمان الذي هو مقدمة الواجب، لأنه مقدور له، فبطلت شبهة المنكر، وهو لزوم التكليف بما لا يطاق، إذ التكليف إنما هو في حال الكفر، لا بشرط الكفر. وأما الثالث، فقد مر في كتاب الصلاة وغيره ; أن الأصح عدم صحة عباداتهم، وأن

[ 231 ]

ما يلحقهم بعد الاستبصار إنما هو تفضل من الله سبحانه وتعالى. وأما الصبي المميز ; فالأظهر صحة صومه ; لأن الأظهر كون عباداته شرعية لاكما توهمه الشهيد الثاني من القول بها مع نفي شرعيتها أيضا ; لأنه من باب الوضع (1)، وقد مر تحقيق ذلك أيضا في مباحث النية. وأما المغمى عليه ; فعن الأكثر أنه يفسد بحصول الإغماء ولو في جزء من أجزاء النهار كالجنون (2). وقال المفيد في المقنعة: وإذا اغمي على المكلف للصيام قبل استهلال الشهر ومضى عليه أيام ثم أفاق كان عليه قضاءما فاته من الأيام، فإن استهل عليه الشهر وهو يعقل فنوى صيامه وعزم عليه ثم اغمي عليه وقد صام شيئا منه أو لم يصم ثم أفاق بعد ذلك فلا قضاء عليه ; لأنه في حكم الصائم بالنية والعزيمة على أداء الفرض (3). وفي المختلف (4) عن الخلاف: إذا نوى ليلا وأصبح مغمى عليه حتى ذهب اليوم صح صومه، وإذا نوى الصوم من الليل وأصبح مغمى عليه يوما أو يومين وما زاد عليه كان صومه صحيحا، وكذلك إن بقي نائما يوما أو أياما، وكذلك إذا أصبح صائما ثم جن في بعضه، أو مجنونا فأفاق في بعضه ونوى، فلا قضاء عليه (5). ويظهر منهما أن المغمى عليه إذا سبقته النية فيصح صومه، وإن أطبق الإغماء يومه بل وأكثر من يومه. حجة الأكثر: أن التكليف يسقط بزوال العقل وجوبا وندبا، فلا يصح ; لعدم الأمر الموجب للصحة، وأن كل ما أفسد الصوم إذا وجد في جميعه أفسده إذا وجد في


1. الروضة البهية 2: 101. 2. كالشيخ في المبسوط 1: 266، والمحقق في المعتبر 2: 696، والعلامة في التذكرة 6: 103، والمنتهى 2: 585، والفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 291. 3. المقنعة: 352. 4. المختلف 3: 456. 5. الخلاف 2: 198 مسألة 51.

[ 232 ]

بعضه كالجنون والحيض، وأن القضاء ساقط عن المغمى عليه، وهو مستلزم لسقوط الأداء. والجواب عن الأول: النقض بالنوم. وعن الثاني: بالمنع، وقياسه بالحيض باطل، وكذا الجنون، مع أن الحكم فيه أيضا ممنوع على إطلاقه. وعن الثالث: أن القضاء فرض جديد، ويجتمع مع سقوط الأداء - كصوم الحائض - وثبوته، وكذلك سقوطه مع ثبوت الأداء - كالجمعة - وعدم ثبوته كصلاة الحائض. قال في المدارك ونعم ما قال: الحق أن الصوم إن كان عبارة عن مجرد الإمساك عن الامور المخصوصة مع النية كما هو المستفاد من العمومات وجب الحكم بصحة صوم المغمى عليه إذا سبقت منه النية كما اختاره الشيخان (1)، وإن اعتبر مع ذلك وقوعه بجميع أجزائه على وجه الوجوب أو الندب بحيث يكون كل جزء من أجزائه موصوفا بذلك، اتجه القول بفساد ذلك الجزء الواقع في حال الإغماء ; لأنه لا يوصف بوجوب ولاندب، ويلزم من فساده فساد الكل ; لأن الصوم لا يتبعض إلا أن ذلك ينتفي بالأصل، ومنقوض بالنائم، فإنه غير مكلف قطعا، مع أن صومه لا يفسد بذلك إجماعا (2)، انتهى. والحاصل: أنا لاننكر سقوط التكليف بالاستمرار في حال الإغماء، ولكن نمنع مدخلية استمرار التوطين على الصيام في مهية الصوم، فيكفي صدق الصوم عليه في عرف المتشرعة ; إذ من المشاهد أن المتشرعة يحتاطون عن صب الدواء في حلقه تمسكا بأنه صائم، والأصل عدم النقل، فكذلك عند الشارع، فتتم بذلك ماهية الصوم، سيما على القول بكون العبادات أسامي للأعم من الصحيحة كما هو الأظهر.


1. المقنعة: 352، المبسوط 1: 285. 2. المدارك 6: 140.

[ 233 ]

بقي هنا شئ: وهو أن المستفاد من كلام الشيخين أن ذلك يجري في المغمى عليه أزيد من يوم (1)، ولعله مبني على اكتفائهم بنية واحدة لتمام الشهر كما هو الأشهر الأظهر. ولكنه مشكل فيما نحن فيه ; للشك في صدق الصائم عليه في اليوم الثاني فصاعدا، سيما ومعتمدنا في مسألة كفاية النية الواحدة للشهر هو استمرار الداعي، وهو مفقود هنا بالنسبة إلى اليوم الثاني والثالث، بل بالنسبة إلى الأول أيضا، بل بالنسبة إلى جزئه أيضا ; إذ المفروض أنه لم يتسبب بشئ عند الإغماء، لاالكف ولا التوطين، ولا استمرار العدم الأزلي، بخلاف المفيق المكتفي بالداعي إلى أيام، والنوم إنما خرج بالنص والإجماع والأصل، مع صدق الصوم عليه في عرف المتشرعة، وهذا يشمل الإغماء في بعض اليوم بل في تمام اليوم الأول أيضا. ولو لم تكن هذه المذكورات يجري الكلام في النوم أيضا، ولكن النص والإجماع وصدق الاسم إنما يثبت فيما لو سبقته النية بالنسبة إلى هذا اليوم الخاص. بقي الكلام فيما ذكره في الخلاف من ذكر النوم والجنون وأنهما أيضا لا يضران (2)، فأما مسألة النوم، فأما فيما استمر عليه النوم ما فوق يوم إذا سبقته النية فالإشكال المتقدم في المغمى عليه آت فيه، وأما في يوم واحد أو جزء يوم فلاريب في أنه غير مضر، وعليه اتفاق العلماء، وتدل عليه الضرورة والأخبار، بل فيها ما يدل على رجحانه وأنه بمنزلة العبادة، وكذلك لا خلاف فيه ظاهرا إذا استوعب اليوم مع سبق النية. والأولى الاكتفاء في الاستدلال بذلك، لا بتحقق الصوم الذي هو عبارة عن الإمساك المخصوص مع النية، فإن إجزاءه في المستوعب أو فيمن نام قبل الفجر إلى ما بعد الزوال مشكل، فإن قصارى ما يكتفى به في الصوم هو استمرار الترك، وإلا فعلى القول باعتبار الكف أو التوطين فالأمر أصعب، ولكن يشكل بذلك الأمر في


1. المذكور في المقنعة: 352، والمبسوط 1: 285. 2. الخلاف 2: 198.

[ 234 ]

الإغماء المستوعب ; لعدم دعوى الاتفاق عليه، بل المشهور خلافه. ثم إن الشهيد الثاني - رحمه الله - قال: ونقل عن ابن إدريس أن النائم غير مكلف بالصوم، وليس صومه شرعيا (1). والظاهر أن مراده من الناقل العومة في المختلف (2)، ونقله عنه صاحب المدارك أيضا صريحا (3)، ولم نقف على هذا الإطلاق في كتابه السرائر. وما وجدته فيه هو أنه بعد ما نقل عبارة المبسوط المشتملة على أن من جملة من حصل له حكم النية ولم يفعل النية بالفعل النائم طول شهر رمضان والمغمى عليه، فإنه لانية لهما، ومع ذلك يصح صومهما (4)، قال: والذي يلوح لي ويقوى في نفسي أن النائم الذي ذكره والمغمى عليه غير مكلفين بالصيام، ولاهما صائمان صياما شرعيا، فذكره لهما غير واضح (5). أقول: وظاهر العبارة تخصيص الكلام بالنائم الذي ذكره الشيخ، لا مطلق النوم، ولا حاجة إلى ما وجه كلامه به في المدارك من أن مراده أن الإمساك في حال النوم لا يوصف بوجوب ولاندب، فلا يوصف بالصحة ولكنه بحكم الصحيح في استحقاق الثواب عليه ; للإجماع القطعي على أن النوم لا يبطل الصوم (6). بل ليس مراده ذلك جزما، بل مراده أن صوم النائم المذكور باطل كما يظهر من كلامه بعد ذلك في المغمى عليه والنائم طول الشهر. والظاهر أن نظر ابن إدريس أيضا إلى ما ذكرنا من عدم بقاء الداعي في المفروض، وإلا فهو أيضا ممن يكتفي بنية واحدة لتمام الشهر. وقال في المختلف بعد نقله عنه: وهو غلط ; لأنه بحكم الصائم، ولا يسقط عنه


1. المسالك 2: 43، وانظر السرائر 1: 365. 2. المختلف 3: 458. 3. المدارك 6: 141. 4. المبسوط 1: 285. 5. السرائر 1: 365، وانظر المبسوط 1: 285. 6. المدارك 6: 141.

[ 235 ]

التكليف بنومه ; لزوال عذره سريعا (1). وتبعه الشهيد الثاني - رحمه الله - في المسالك (2)، وفصله، وفرق بين النوم والإغماء والسكر والجنون، بأن النوم من الجبلة والعادة يزول سريعا ولا يزيل العقل، بل إنما هو يغطي الحواس، ولا يخرج عن أهلية التكليف، ولذلك يتنبه إذا نبه، بخلاف الجنون والسكر، بل الإغماء على الأصح، فلذلك لا تبطل العبادات التي ليست مشروطة بالطهارة الصغرى، كالإحرام والاعتكاف وغيرها. ثم قال: فإن قيل: النائم غير مكلف ; لأنه غافل، ولقوله صلى الله عليه وآله: " رفع القلم عن ثلاثة " (3) وعد منهم النائم حتى يستيقظ، وقد أطبق المحققون في الاصول على استحالة تكليفه، وذلك يقتضي عدم وقوع الجزء الحاصل وقت النوم شرعيا ; لأنه غير مكلف به، ويلحقه باقي النهار ; لأن الصوم لا يقبل التجزئة في اليوم الواحد، وأولى منه مالو نوى ليلا ثم نام مجموع النهار، وهذا يؤيد ما ذكره ابن إدريس، بل يقتضي عدم جواز النوم اختيارا على الوجه المذكور. قلنا: تكليف النائم والغافل وغيرهما ممن يفقد شروط التكليف ; فقد ينظر فيه من حيث الابتداء به، بمعنى توجه الخطاب إلى المكلف بالفعل وأمره بإيقاعه على الوجه المأمور به بعد الخطاب، وقد ينظر فيه من حيث الاستدامة، بمعنى أنه لو شرع في الفعل قبل النوم والغفلة وغيرهما ثم عرض له ذلك في الأثناء. والقسم الأول لاإشكال في امتناع التكليف به عند المانع من تكليف مالا يطاق، من غير فرق فيه بين أنواع الغفلة، وهذا هو المعنى الذي أطلق الأكثر من الاصوليين وغيرهم امتناعه كما يرشد إلى ذلك دليلهم عليه، وإن أطلقوا الكلام فيه ; لأنهم احتجوا عليه بأن الإتيان بالفعل المعين لغرض امتثال الأمر يقتضي العلم به، المستلزم


1. المختلف 3: 458. 2. المسالك 2: 43. 3. الفقيه 2: 46 ح 207، ثواب الأعمال: 75 ح 2، الوسائل 7: 292 أبواب الصوم المندوب ب 1 ح 17.

[ 236 ]

للعلم بتوجه الأمر نحوه، فإن هذا الدليل غير قائم في أثناء العبادة في كثير من الموارد إجماعا ; إذ لا تتوقف صحتها على توجه الذهن إليها، فضلا عن إيقاعها على الوجه المطلوب، كما سنبينه. وأما الثاني، فالعارض قد يكون مخرجا عن أهلية الخطاب والتهيؤ له أصلا، كالجنون والإغماء، على أصح القولين، وهذا يمنع استدامة التكليف، كما يمنع ابتداءه. وقد لا يخرج عن ذلك كالنوم والسهو والنسيان مع بقاء العقل، وهذه المعاني وإن منعت من ابتداء التكليف بالفعل، لكن لا تمنع من استدامته، إذا وقع على وجهه وإن استلزمت إبطاله من حيثية اخرى، كالنوم المبطل للصلاة لامن حيث هو غفلة ونقص عن فهم الخطاب، بل من حيث نقضه للطهارة التي هي شرط للصلاة، ومن ثم لو ابتدأ الصلاة على وجهها ثم عرض له في أثنائها ذهول عنها بحيث أكملها وهو لايشعر بها، أو نسي وفعل منها أشياء على غير وجهها، أو ترك بعضها مما هو ليس بركن ونحو ذلك لم تبطل الصلاة إجماعا، مع أنه يصدق عليه أنه في حالة النسيان والغفلة غير مكلف. وكذا القول في الصوم كما لو ذهل عن كونه صائما في مجموع النهار مع نية الصوم، بل لو أكل وشرب وجامع ذاهلا عن الصوم وغير ذلك من المنافيات لم يبطل الصوم إجماعا، وهي مع مشاركتها للنوم في عدم التكليف حالتها أعظم منافاة للصوم منه (1)، إلى آخر ما ذكره، ومن هذا النمط لانطيل بذكره. أقول: ولا يخفى ما في هذا الكلام من التكلف الظاهر، وفيه مواضع تأمل ونظر، أما أولا فقوله: " إنه لا يزيل العقل " إن أراد أن القوة العاقلة القائمة بالنفس لاتزول، فهو مسلم، ولكنه لا ينفع في شئ مما يتعلق بفعلية التكليف، مع أنه أيضا قابل للمنع، وتؤيده صحيحة عبد الله بن المغيرة، عن الرضا عليه السلام: " إذا ذهب النوم بالعقل فليعد


1. انتهى المنقول من المسالك 2: 43.

[ 237 ]

الوضوء " (1) وفي معناها حسنة زرارة (2) وغيرها (3). وإن اريد أن الإدراك الذي هو مناط التكليف لا يزول فهو غريب، وكون النوم جبلة وعادة وسريع الزوال وغير ذلك مما ذكره لا ينفع في صحة الخطاب والتكليف في هذا الحين. قوله: " فإن هذا الدليل غير قائم في أثناء العبادة " إلى آخره، فيه: أن حاصل دليلهم أن العبادة مشروطة بالنية، أي القصد إلى الفعل المعين امتثالا لأمر الله، فإن طاعة المولى لا تحصل إلا بقصد طاعته عرفا، وهذا هو معنى النية، والإتيان بالفعل لغرض امتثال الأمر يقتضي العلم بتوجه الأمر إليه، وهو لا يتصور من الغافل الذاهل، فلا يصح تكليفه، بل يقبح ; لأنه بمنزلة خطاب الجماد، فما ذكره من أن هذا الدليل غير قائم في أثناء العبادة في كثير من الموارد بمنزلة التصريح منه - رحمه الله - بعدم اشتراط جميع أجزاء العبادة بالنية، والظاهر أنه خلاف إجماعهم، بل هم متفقون على اشتراطها، ولكن لما لم يمكن إخطار النية في الأثناء دائما ولم يتيسر أقاموا الاستدامة الحكمية مقامها، بل هي عين النية، فإن التحقيق أن النية هي الداعي إلى الفعل، لاالمخطر بالبال، وهو الذي يحركه إلى جانب الحركات والسكنات المخصوصة التي هي أجزاء العبادات مع ذهوله وغفلته عن إخطارها بالبال، فكل من يفعل الفعل على حسب الداعي فهو ما لم يتوجه الأمر إليه إجمالا وعلى وجه من وجوه الالتفات، وهذا القدر كاف في الخروج عن الغفلة والذهول. وأما لو تحرى عن ذلك أيضا، بأن نوى شيئا مخالفا للطاعة ومنافيا لها، فلاريب أنه فاقد للداعي، وليست عبادته صحيحة، واشتباهه - رحمه الله - إنما نشأ من الغفلة عن


1. التهذيب 1: 6 ح 4، الاستبصار 1: 79 ح 245، الوسائل 1: 180 أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 2. 2. الكافي 3: 36 ح 6، التهذيب 1: 8 ح 12، الوسائل 1: 177 أبواب نواقض الوضوء ب 2 ح 2. قال: والنوم حتى يذهب بالعقل. 3. الوسائل 1: 180 أبواب نواقض الوضوء ب 3.

[ 238 ]

تحقيق النية وكفاية الاستدامة الحكمية فيها. فالتحقيق: أن الغفلة والذهول في الأثناء أيضا مضر، ولاوجه لما ذكره من التفصيل، وإنما خرج مثل النوم والإغماء أيضا - إن جعلناه مثل النوم كما هو الأظهر في مثل الصوم - بالدليل، بمعنى أن الله تعالى يقبل مثل ذلك عن صوم اليوم، بل هو صوم، كما فيمن عن له الصيام وقت ارتفاع النهار، لاأنه في هذا الآن مكلف ومخاطب باستمرار الصوم واستدامته، ولا أنه يمكن أن تتحقق بعض العبادات بلا نية وبدون قصد الامتثال. قوله رحمه الله: " وهذا يمنع استدامة التكليف كما يمنع ابتداءه " فيه: أنا وإن سلمنا ذلك في استدامته، لكن الحكم ببطلان صوم من جن لحظة في أثناء اليوم ثم أفاق مع سبق النية ممنوع، وقد عرفت ذهاب الشيخ إلى صحته في الخلاف (1)، وكذلك الإغماء كما مر. قوله: " وقدلايخرج عن ذلك كالنوم " فيه: أنه أول الكلام، وهل ذلك إلا محل النزاع ; إذ المعتبر هو قابلية التكليف بالفعل، وهو ممنوع في النائم، ولافرق في الغفلة حال النوم بينه وبين المغمى عليه، والقول بأنه غير مضر من جهة النص والإجماع معنى آخر، وليس مراده - رحمه الله - جزما، فهذا عدول منه عن أول كلامه، والتحقيق ما مر من الاعتماد على النص والإجماع وصدق الصائم عليه مضافا إلى الأصل. قوله رحمه الله: " وإن استلزمت إبطاله من حيثية اخرى " فيه: أن قولك بأن النائم قابل للتكليف في الصلاة واتصاف صلاته بالصحة، ولكن النص دل على أن النوم من نواقض الطهارة، والصلاة مشروطة بها، فبطلت من هذه الجهة، ليس بأحرى من قولنا الصائم النائم غير مكلف في حال النوم، وغير قابل لمخاطبته باستمرار الصوم، ولكن


1. الخلاف 2: 198 مسألة 51.

[ 239 ]

النص دل على أن مثل هذا الانقطاع في الأثناء غير مضر. قوله رحمه الله: " ثم عرض له في أثنائها ذهول عنها ". فيه: أن هذا قياس مع الفارق ; إذ ذلك إنما هو لأجل الداعي ومصاحبته له إجمالا، وإن لم يخطره بالبال تفصيلا، ولذلك يجئ بالأفعال على وجهها، وليس ذلك موجودا في حال النوم جزما، وهذا واضح. قوله: " وترك بعضها مما هو ليس بركن " هذا من أجل النص والدليل والخارج، وإلا فمن البين الواضح أن من لم يأت بجزء من المركب لم يأت بنفس المركب. قوله: " إنه في حالة النسيان والغفلة غير مكلف " لا يخفى أن الغفلة عن إخطار النية بالبال ليست غفلة عن الصلاة، وكذلك الغفلة عن جزء منها ليست غفلة عنها، مع أن عدم البطلان حينئذ إنما هو بالنص والدليل الخارجي. قوله: " بل لو أكل أو شرب " إلى أخره، كل ذلك إنما هو بالنص والدليل الخارجي، فهو بمنزلة التخصيص، ولا كلام فيه. إذا عرفت هذا: فظهر أن النوم في بعض اليوم مع سبق النية غير مضر إجماعا، وكذلك إذا نام تمام اليوم كما صرح في المدارك بأنه اتفاقي (1)، والأصل وصدق الصوم والإطلاق يعضده، وأنه إذا نام أياما مع سبق النية لا يصح في غير اليوم الأول على الأظهر ; لأن الذي نعتبره من نية تمام الشهر في أوله هو ما إذا استمر الداعي ولا يتم ذلك إلا مع الإفاقة، ومنه يظهر حال الإغماء المطبق عليه أياما. وأما الإغماء في بعض اليوم ; فالأظهر أنه غير مضر، وكذا ما إذا أحاط اليوم على إشكال فيه. وأما الجنون إذا سبقته النية وأفاق في ذلك اليوم سواء أصبح مجنونا أو طرأه في الأثناء، فلا يبعد القول بصحته أيضا كما ذهب إليه في الخلاف (2)، واستقربه في المدارك


1. المدارك 6: 141. 2. الخلاف 2: 198 مسألة 51.

[ 240 ]

أيضا (1)، هذا كله مع سبق النية. وأما لو لم تسبقه النية وأصبح نائما حتى زالت الشمس فلا يصح، ويجب عليه القضاء، وفي وجوب الكفارة إذا تعمد تركها قولان، أظهرهما العدم ; للأصل، والقول بالوجوب - كما نقله الشهيد في البيان عن بعض مشايخه، نظرا إلى أن ترك الشرط أقوى من فعل المفطر كالأكل والشرب (2) - ضعيف، ويظهر منه الكلام في الإغماء، وسيجئ الكلام في لزوم القضاء وعدمه، وأما المجنون فلاريب في بطلانه إذا لم يفق قبل الزوال ويجدد النية. وأما فعل ما يوجب السكر والإغماء إن أمكن بدون إفطار فلعله أيضا لا يوجب البطلان إن سبقته النية. وأما السكران في الليل فلا يسقط عنه التكليف ; لأنه أوجبه بنفسه. ولا يبعد وصفه بالصحة مع سبق النية على إشكال تقدم في المغمى عليه. وأما بدون سبق النية فلا يصح منه جزما، ولكن الظاهر أنه مكلف، ولاقبح في مثله ; لكونه هو الباعث على فقد الشرط، ويؤيده ماروي عن علي عليه السلام: " أن الرجل إذا شرب الخمر سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجلدوه حد المفتري " (3). وكذا الأخبار الواردة في أن حرمته لتأديته إلى المعاصي والآثام (4)، ولعل ذلك يكون كافيا في إيجاب القضاء عليه بل الكفارة أيضا على إشكال ; للأصل، ولأنه كالعامد في ترك الصيام. الثاني: لا يصح الصوم من الحائض والنفساء وإن حصل العذر قبيل غروب الشمس أو زال بعيد طلوع الفجر بلا خلاف فيه، بل الظاهر أنه إجماع العلماء كافة،


1. المدارك 6: 141. 2. البيان: 360. 3. الكافي 7: 215 ح 7، التهذيب 10: 90 ح 346، الوسائل 18: 467 أبواب حد المسكر ب 3 ح 4. 4. الوسائل 17: 237 أبواب الأشربة المحرمة ب 9.

[ 241 ]

كما يظهر من الفاضلين في المعتبر والتذكرة (1). وتدل عليه الأخبار، مثل ما رواه الصدوق في الصحيح عن العيص بن القاسم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن المرأة تطمث في شهر رمضان قبل أن تغيب الشمس، قال: " تفطر حين تطمث " (2). وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج: أنه سأل أبا الحسن عليه السلام عن المرأة تلد بعد العصر أتتم ذلك اليوم أم تفطر ؟ فقال: " تفطر ثم تقضي ذلك اليوم " (3). وعن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام: في امرأة أصبحت صائمة، فلما ارتفع النهار أو كان العشاء حاضت، أتفطر ؟ قال: " نعم، وإن كان قبل المغرب فلتفطر "، وعن امرأة ترى الطهر في أول النهار في شهر رمضان ولم تغتسل ولم تطعم، كيف تصنع بذلك اليوم ؟ قال: " إنما فطرها من الدم " (4). وأما المستحاضة فيصح منها الصوم إذا أتت بما يجب عليها من الأعمال بلا خلاف، وأما بدونه فلا يصح بل يجب عليها قضاؤه، وهو مذهب الأصحاب كما في المدارك (5)، بل ادعى في المسالك الإجماع عليه (6). ولكن الإشكال في أن العمل الذي يوجب تركه القضاء أي شئ هو ؟ فعن ظاهر الشيخ في النهاية (7) وابن إدريس (8) وصريح المبسوط (9) اعتبار الجميع حتى الوضوء وتجديد القطنة والخرقة، فبترك شئ منها يجب القضاء.


1. المعتبر 2: 683، التذكرة 6: 102. 2. التهذيب 1: 393 ح 1215، الاستبصار 1: 145 ح 498، الوسائل 7: 163 أبواب من يصح منه الصوم ب 25 ح 2. 3. الكافي 4: 135 ح 4، الفقيه 2: 94 ح 421، الوسائل 7: 164 أبواب من يصح منه الصوم ب 26 ح 1. 4. الفقيه 2: 94 ح 418، الوسائل 7: 162 أبواب من يصح منه الصوم ب 25 ح 1. 5. المدارك 2: 38. 6. المسالك 2: 46. 7. النهاية: 29. 8. السرائر 1: 407. 9. المبسوط 1: 288.

[ 242 ]

وعن ظاهر المبسوط في كتاب الحيض التوقف في الحكم (1) كما أشار إليه في الذكرى (2)، وكذلك عن العلامة في المنتهى (3). ومقتضى ذلك: أنه لا يجب القضاء بترك شئ منها. وقيل باشتراطه بالغسل النهاري خاصة، وهو مختار جماعة، منهم العلامة في التذكرة في كتاب الصوم (4)، والشهيدان في المسالك والدروس والبيان (5)، ولا مدخلية لغسل العشاءين في الصوم الحاضر، بل الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين. قال في التذكرة: إذ غسل الليل لا يؤثر في صوم النهار، ولم يذكره علماؤنا (6). ويظهر من هذه العبارة: أنه حمل عبارة النهاية وما في معناها على لزوم الأغسال النهارية من الامور المذكورة، لا مطلق الأعمال مطلقا، فهذه أقوال ثلاثة. وهناك قول رابع: وهو اشتراطه بما قارنه أو تقدم عليه من الأغسال، لا بما تأخر عنه، وهو مختار الشهيد الثاني في روض الجنان والروضة والمسالك حيث نفى مدخلية غسل العشاءين في الصوم الحاضر وقال: إن له مدخلية في المقبل، فإن لم تفعله في محله فلابد من الغسل قبل الفجر للحدث السابق إن لم يجب عليها غسل آخر للمقبل، وإلا تداخلا (7). وهناك احتمال خامس: وهو اشتراطه بالغسل الفجري خاصة، مع وجوب تقديمه على الصوم، بناءا على أنه لا يكون مشروطا إلا بما تقدمه، وهو احتمال نقله بعض الأصحاب عن العومة في النهاية، فإنه قال فيها: وهل يشترط في الصوم غسل


1. المبسوط 1: 68. 2. الذكرى: 31. 3. المنتهى 1: 586. 4. التذكرة 6: 205. 5. المسالك 2: 45، الدروس 1: 99، البيان: 66. 6. التذكرة 6: 206. 7. روض الجنان: 87، الروضة البهية 2: 103، وج 1: 391، المسالك 1: 75.

[ 243 ]

العشاءين أو الظهرين أو تقديم غسل الغداة على الفجر إشكال (1). قيل: يعني أن التوقف على غسل الفجر معلوم، وفي توقفه على غسل العشاءين وكذا غسل الظهرين إشكال، ويحتمل التوقف على الجميع وعلى الثاني دون الأول، وعدم التوقف على شئ منهما، وفي التوقف على تقديم غسل الفجر عليه أيضا إشكال. واحتمال سادس: وهو اشتراطه بالغسل الفجري، وعدم اشتراطه بالغسل للظهرين إن تجددت الكثرة في اليوم، وهو الذي احتمله في التذكرة، قال فيها: لو كان الدم قليلا وأخلت بالوضوء، أو فعلته وصامت، ثم كثر في أثناء النهار، فإن كان قبل الزوال وجب الغسل عنده للصلاة والصوم، وإن أخلت به احتمل بطلان الصوم إذ لم تفعل ما هو شرطه، والصحة لانعقاده فلا يؤثر فيه عدم الطهارة كالجنابة المتجددة، وإن كان بعد أن صلت لم يجب للصلاة، إذ قد فعلتها، وفي وجوبه للصوم إشكال (2). وقال في التحرير بعد ذكر وجوب الأغسال المتوسطة والكثيرة: إذا فعلت هذه الأغسال صارت طاهرا، إلى أن قال: ولو لم تفعل الأغسال كان حدثها باقيا ولا يصح صومها (3). وظاهره اشتراط الغسل مطلقا في الصوم مطلقا، ولكن ظاهر قوله " كان حدثها باقيا " إنما هو تأثير غسل العشاءين في الصوم المقبل. والأصل في المسألة هو صحيحة علي بن مهزيار، قال: كتبت إليه: امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول شهر رمضان ثم استحاضت وصلت وصامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، هل يجوز صومها وصلاتها أم لا ؟ قال: " تقضي صومها ولا تقضي صلاتها ; لأن رسول الله صلى الله عليه وآله،


1. نهاية الإحكام 1: 127. 2. التذكرة 1: 292. 3. التحرير 1: 16.

[ 244 ]

كان يأمر فاطمة والمؤمنات من نسائه بذلك " (1). وقد نوقش فيها بالإضمار (2). وفيه: أنه لا يضر من مثل هذا الثقة الجليل الوكيل، وأن ذلك إنما صار من جهة تقطيع الأخبار من الاصول، وكان المرجع مذكورا في الأصل، مع كونه مذكورا في كتب المشايخ الثلاثة. ومع ذلك ففي الكافي: كتبت إليه عليه السلام، وفي الفقيه: فكتب عليه السلام. وبأنه مشتمل على مالا يقول به الأصحاب، من عدم وجوب القضاء للصلاة. وفيه: أن ذلك لا يخرج الخبر عن الحجية، وقلما وجد خبر لا يخلو عن توجيه أو خروج عن الظاهر في بعض أجزائه. وقد يوجه: بأن كلمة " لا " توهم أو تصحيف كلمة " ولاء " الممدودة، ردا على من توهم لزوم التفريق في قضاء الصوم فرقا بينه وبين الأداء، فلعله كتب تحت قول السائل صومها " تقضي صومها ولاء " وتحت قوله صلاتها " تقضي صلاتها "، وتؤيده مكاتبة الصفار، فإن في جملتها " تقضي عشرة أيام ولاء " وهي وردت في قضاء صوم الولي. نعم يخدش فيها ما أفاده بعض المحققين من أن الجواب غير مربوط بالسؤال (3)، ولعله من جهة عدم إمعان نظر الناقل، فإن المكاتبة من شأنها جمع الأسئلة والأجوبة المتعددة، فبأدنى غفلة تلتبس أوضاع السؤال والجواب، وذلك لأن هذه العبارة - يعني قوله عليه السلام " كان يأمر " إلى آخره - تستعمل فيما يكثر وقوعه ويتكرر، وهذا ليس منه، ولأن هذه العبارة بعينها اريد بها في خبر من أحاديث الحيض قضاء الحائض الصوم دون الصلاة. ولا يخفى على الذوق السليم مناسبتها لحكم الحيض ; لتكرره وكثرة السؤال عنه.


1. الكافي 4: 136 ح 6، الفقيه 2: 94 ح 419، التهذيب 4: 310 ح 937، الوسائل 2: 590 أبواب الحيض ب 41 ح 7. 2. كصاحب المدارك 2: 39. 3. المنتقى 2: 502.

[ 245 ]

وعلى هذا فيشكل الاعتماد على هذه الرواية، فإن ثبت الإجماع فهو، وإلا لكان للتوقف في هذا الحكم مجال، كما فعله الشيخ في المبسوط، حيث أسنده إلى رواية الأصحاب (1). ثم إن أراد الشيخ من رواية الأصحاب هذه فقد عرفت الحال، وإلا فيمكن التعويل عليها بمعونة عملهم واشتهاره بينهم، بل وإجماعهم عليه كما ادعاه في المسالك (2). بقي الكلام في تطبيق الرواية على الأقوال المتقدمة، فيمكن أن يكون المراد بطلان الصوم بترك جميع الأغسال، ويكون ذكر الغسل لكل صلاتين بعنوان المثال. وأما سائر الأعمال فلعلها من لوازم الغسل أو المراد فيهما تشريك صلاة الليل مع الغداة. وحينئذ فعدم استنباط حكم المتوسطة غير مضر ; لعدم القول بالفصل، مع أن القيد وارد مورد الغالب ; لندرة المتوسطة. وإن جعلنا الغسل لكل صلاتين من باب المثال الأعم حتى يشمل ما يجب فيه غسل واحد أيضا ; فيجزي فيه ترك الاستفصال أيضا ويشمل المتوسطة. ويمكن أن يكون المراد بطلانه بترك بعض عمل المستحاضة. ووجهه: أن غاية ما يستفاد من سؤال الراوي هو السلب الجزئي ; إذ هو الأصل في رفع الإيجاب الكلي، فترك الغسل لكل صلاتين لا يستلزم عدم الغسل رأسا. أو نقول: إن عمل المستحاضة هو المجموع، وهو ينتفي بانتفاء البعض، أو هو الغسل لكل صلاتين، ومجموع الغسل الثابت لكل صلاتين ينتفي بانتفاء جزئه. وكيف كان فالمتبادر من الرواية منضما إلى كمال بعد تأثير الشرط المتأخر في الصوم المتقدم هو عدم تأثير غسل العشاءين في الصوم المتقدم، وظهور تأثيره في المتأخر، وظهور الرواية فيه أيضا، كما هو المشهور.


1. المبسوط 1: 68. 2. المسالك 2: 46.

[ 246 ]

ولو تركته في محله فلابد أن تغتسل قبل الفجر غسلا لرفع ذلك الحدث، وإن لم يجب عليها غسل للمقبل، وإلا تداخلا كما ذهب إليه الشهيد الثاني رحمه الله (1). وانقدح من هذا وجوب غسل الاستحاضة للصوم المقبل إذا حصل موجبه ولم تفعله في محله قبل الفجر، كالحائض والنفساء إذا طهرتا قبل الفجر، كما تقدم في كتاب الطهارة مع دليله، وأنه يجب التيمم بدلا عنه مع العجز كالجنب العاجز عنه (2). وأما الكفارة ; فالأظهر عدم وجوبها، لافي ترك الغسل، ولا في ترك التيمم، مع الأولوية في ترك التيمم في بدل غسل الجنابة، ولكن احتمال وجوبها هنا أقوى ; لثبوته في ترك غسله، واحتمال مساواة البدل للمبدل منه. تنبيهان: الأول: أنه هل يجب عليها غسل للبرء أم لا ؟ وهل تتوقف عليه صحة الصوم أم لا ؟ قال العلامة في التحرير: قال الشيخ: إذا انقطع دمها أينقض وضوءها ؟ والوجه ذلك إن كان للبرء، وإلا فلا، والمراد بالبرء هو الشفاء (3). قال في المدارك: وهو حسن، لكن لا يخفى أن الموجب له في الحقيقة هو الدم السابق على الانقطاع، لانفس الانقطاع، فإن دم الاستحاضة يوجب الوضوء تارة والغسل اخرى، وإسناد الإيجاب إلى الانقطاع والاقتصار على إيجاب الوضوء خاصة لا يستقيم. وقال في الذكرى: وهذه المسألة لم نظفر فيها بنص من قبل أهل البيت عليهم السلام، ولكن ما أفتى به الشيخ هو قول العامة بناءا منهم على أن حدث الاستحاضة يوجب الوضوء


1. المسالك 2: 46. 2. الغنائم 1: 213. 3. التحرير 1: 1: 16، وانظر المبسوط 1: 68.

[ 247 ]

لاغير، فإذا انقطع بقي على ماكان عليه، ولما كان الأصحاب يوجبون به الغسل فليكن مستمرا (1)، هذا كلامه رحمه الله. ومحصله: أن الحدث هو دم الاستحاضة، فينبغي أن يترتب عليه مسببه، وضوءا كان أو غسلا، ولو قلنا: إن المعتبر فيه وقوعه في أوقات الصلاة وجب اعتباره هنا، انتهت عبارة المدارك (2). أقول: وفي هذا الكلام يحصل التنبيه لمسألتين: الاولى: أن الاستحاضة يجب فيها غسل للبرء، مضافا إلى الأغسال الواجبة فيها للصلاة والصوم، وإن كان وجوبه أيضا للغير من صلاة أو صوم لا لنفسه. وتظهر الثمرة فيما لو رأت كثيرا واغتسلت غسل الصلاة، إما لصلاة الفجر أو لصلاتين وصلت، ولم تر بعد الصلاة دما كثيرا أو لم ينقطع الدم بالمرة، ثم انقطع وحصل البرء قبل الصلاة الآتية، فهل يجب عليها غسل البرء أو لا ؟ وكذلك الكلام في الوضوء في القليلة، وإن لم نقل بوجوب الغسل عند البرء، وكذا الوضوء، فيجوز لها الدخول في كل مشروط بالطهارة إن لم يحصل حدث آخر لها، وإلا فيجب الغسل أو الوضوء. ويظهر من التذكرة عدم الوجوب، قال فيها: فروع، الأول: لو كان الدم كثيرا فاغتسلت أول النهار وصامت ثم انقطع قبل الزوال لم يجب غسل آخر عند الزوال، لاللصوم، ولاللصلاة إن كان للبرء، ولو كان لاله وجب، ولو كانت تعلم عوده ليلا أو قبل الفجر وجبت الأغسال الثلاثة (3). ويظهر من هذا الكلام أن التلطخ كاف في استمرار حكم كثيرة الدم ما لم تبرأ بالمرة، فإذا كان الدم قبل صلاة الفجر كثيرا واغتسلت لها وصلت ولم تر بعد الصلاة إلا قليلا


1. الذكرى: 31. 2. المدارك 2: 40. 3. التذكرة 1: 292.

[ 248 ]

فاستمر حتى دخل الظهر، فيجب عليها الغسل لكل صلاتين، وهكذا. وعلى هذا فلعل قوله رحمه الله: " لو كانت تعلم " إلى آخره لبيان حكم مالو انقطع بالمرة بحيث لم يبق التلطخ أيضا، ولكن تعلم بحسب عادتها عوده ليلا فهو أيضا في حكم المستمر. ويظهر من الفاضل الإصبهاني في شرح الروضة ثبوته في شرح قول الشارح: " نعم هو شرطه في اليوم الآتي ويدخل في غسل الصبح لو اجتمعا " حيث قال: بمعنى أنها لو تركته كفاها للصوم غسل الصبح، وكذا يدخل في غسل البرء لو تركته وبرأت في الليل، انتهى. والأظهر عدم وجوب غسل للبرء ولاوضوء ; إذ الذي يستفاد من الأخبار هو الأغسال المعهودة في أوقات الصلوات، والوضوءات والمعهودة. نعم يمكن التمسك بالاستصحاب فيما فرضه الفاضل، فإن المفروض ثبوت الحدث الموجب للغسل، والمفروض عدم تحققه، ولكن هذا ليس بغسل على حدة من جهة البرء، والظاهر من الذكرى القول بثبوته (1) كظاهر التحرير (2)، بل المدارك أيضا (3). المسألة الثانية: هي أن مطلق حصول هذا الدم كاف، أو يعتبر حصوله في أوقات الصلاة، وهو أيضا خلافي كما ظهر من عبارة المدارك السابقة (4). وقال في المسالك: فيجب الغسل للصوم متى حصل الغمس قبل صلاة الفجر، وتتوقف عليه صحة الصوم، ولو كان بعد الصلاة لم يجب إلا مع الكثرة، فيتوقف صوم اليوم على غسل مثل الظهرين وإن لم تستمر الكثرة إلى وقتها (5)، وقيل: يعتبر حصولها وقت الصلاة (6).


1. الذكرى: 31. 2. التحرير 1: 16. 3 و 4. المدارك 2: 40. 5. المسالك 1: 74. 6. الحدائق 3: 301.

[ 249 ]

أقول: والظاهر من أخبار المستحاضة أن حصول الحالة موجبة لمسبباتها وإن لم تقترن بأوقات الصلاة. الثاني: إن الأصل في غسل الاستحاضة أنه للصلاة، والرواية التي هي دليل الصوم إنما دلت على اعتبار تلك الأغسال الثلاثة الثابتة للمستحاضة في صحة الصوم، وكما لا يشترط تقديم غسل الغداة على الفجر في الصلاة، فلا يعتبر في الصوم أيضا. نعم ذكر الشهيد الثاني في روض الجنان بعد ما استقرب توقف الصوم المقبل على غسل الليلة الماضية أن الحق أنها إن قدمت غسل الفجر ليلا أجزأها عن غسل العشاءين إذا تركته بالنسبة إلى الصوم، وإن أخرته إلى الفجر بطل الصوم هنا، وإن كان تقديم الغسل على الفجر غير واجب لولا ذلك (1)، وهو مختاره في المسالك والروضة كمانقلنا عنه سابقا (2). وليس ببعيد بناءا على ما ذكرنا أن ظاهر الرواية أن ترك مجموع الأغسال الحاصل بترك بعضها مبطل، وإنما نقول بصحة ذلك بدليل التداخل، وإلا لكان في الصحة إشكال. ومما ذكرنا من أن الأصل مراعاة أغسال الصلاة ظهر أنه لا يجب الغسل للصوم إذا طرأت الكثرة بعد صلاة الغداة إلى أن يدخل الزوال، وكذا بعد صلاة العصر إلى أن يدخل المغرب. الثالث: إن الصوم لا يصح من مسافر يجب عليه التقصير، بأن لا يكون مقيما عشرة أيام أو مترددا ثلاثين يوما، أو عاصيا بسفره، أو كثير السفر أو نحو ذلك إلا في مواضع.


1. روض الجنان: 87. 2. المسالك 1: 75، الروضة البهية 2: 103،، وانظر ج 1: 391.

[ 250 ]

أما عدم صحة الصوم من المسافر في الجملة فهو إجماع أصحابنا، مدلول عليه بالآيات (1) والأخبار المعتبرة المستفيضة جدا (2) لا حاجة إلى ذكرها، وقد مر بعضها في كتاب الصلاة. ومن جملتها صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه السلام: أنه سئل عن الرجل يسافر في شهر رمضان فيصوم، فقال " ليس من البر الصيام في السفر " (3) والسؤال ليس بمخصص للجواب فيعم. ومن جملتها مادل على تلازم القصر والإفطار (4). ومن جملتها رواية محمد بن حكيم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: " لو أن رجلا مات صائما في السفر ما صليت عليه " (5) وسيجئ بعضها. وأما استثناء بعض المواضع ; فالأكثر على استثناء ثلاثة أيام في بدل الهدي، والثمانية عشر بدل البدنة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا، والنذر المشترط سفرا وحضرا (6). أما الأول ; فيدل عليه مضافا إلى قوله تعالى: * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) * (7) أخبار كثيرة، منها: ما رواه الكليني في الصحيح، عن رفاعة بن موسى، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن المتمتع لا يجد الهدي، قال: " يصوم ثلاثة: قبل التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة " قلت: فإنه قدم يوم التروية ؟ قال: " يصوم


1. البقرة: 185 " ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام اخر ". 2. الوسائل 7: 124 أبواب من يصح منه الصوم ب 1. 3. التهذيب 4: 217 ح 632، الوسائل 7: 125 أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 10. 4. مثل صحيحة عمار بن مروان وهي في الكافي 4: 129 ح 3، والتهذيب 4: 219 ح 640، والوسائل 5: 509 أبواب صلاة المسافر ب 8 ح 3. ورواية أبان بن تغلب وفيها: خيار امتي الذين إذا سافروا أفطروا وقصروا. الكافي 4: 127 ح 4، الفقيه 2: 91 ح 408، الوسائل 7: 124 أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 6. 5. الكافي 4: 128 ح 7، الفقيه 2: 91 ح 405، التهذيب 4: 217 ح 629، الوسائل 7: 125 أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 9. 6. كالمفيد في المقنعة: 350، والشيخ في المبسوط 1: 284، وابن حمزة في الوسيلة: 148. 7. البقرة: 196.

[ 251 ]

ثلاثة أيام بعد التشريق " قلت: لم يقم عليه جماله، قال: " يصوم يوم الحصبة وبعده يومين " قال، قلت: وما الحصبة ؟ قال: " يوم نفره ". قلت: يصوم وهو مسافر ؟ ! قال: " نعم، أليس هو يوم عرفة مسافرا، إنا أهل بيت نقول ذلك ; لقول الله عزوجل * (فصيام ثلاثة أيام في الحج) * (1) يقول في ذي الحجة " (2). وأما صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: " الصوم الثلاثة الأيام إن صامها فآخرها يوم عرفة، وإن لم يقدر على ذلك فليؤخرها حتى يصومها في أهله ولا يصومها في السفر " (3) فقد حملها الشيخ على أنه لا يجوز صومها معتقدا لأنه لا يسوغ له غير ذلك، بل يعتقد أنه مخير بين أن يصومها في السفر وبين أن يصومها إذا رجع إلى أهله (4). ويؤيده ما رواه المفيد في المقنعة مرسلا، عن الصادق عليه السلام في آخر باب الزيادات قال: وسئل عمن لم يجد هديا وجهل أن يصوم الثلاثة الأيام، كيف يصنع ؟ فقال عليه السلام: " أما إنني لا آمره بالرجوع إلى مكة، ولا أشق عليه، ولا آمره بالصيام في السفر، ولكن يصوم إذا رجع إلى أهله " (5) فإن قوله عليه السلام: " لا آمره " مشعر بالتخيير كما يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار (6). وأما الثاني ; فهو فتوى كثير من الأصحاب، ويظهر من كثير منهم عدمه ; لأنهم حصروا الصوم المرخص فيه في غيره ولم يذكروه، كسور (7)، والسيد في


1. البقرة: 196. 2. الكافي 4: 506 ح 1، التهذيب 5: 38 ح 114، الوسائل 10: 155 أبواب الذبح ب 46 ح 1. 3. التهذيب 5: 234 ح 791، الاستبصار 2: 283 ح 1003، الوسائل 10: 157 أبواب الذبح ب 46 ح 10. 4. التهذيب 5: 234 ذ. ح 791. 5. المقنعة: 450. 6. الكافي 4: 507 ح 3، التهذيب 5: 39 ح 115، الوسائل 10: 154 أبواب الذبح ب 46 ح 4. متمتع لم يجد هديا، قال: يصوم ثلاثة أيام في الحج، فإن لم يقم عليه جماله أيصومها في الطريق ؟ قال: إن شاء صامها في الطريق، وإن شاء إذا رجع إلى أهله. 7. انظر المراسم: 97.

[ 252 ]

الجمل (1)، والراوندي في فقه القرآن (2)، والشيخ في الاقتصاد (3)، وابن حمزة (4)، وابن زهرة (5). وكيف كان فالمذهب هو الأول ; لما رواه الكليني صحيحا، عن ضريس الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس، قال: " عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة، أو في الطريق، أو في أهله " (6). وأما الثالث ; فهو المشهور بين الأصحاب، بل وعن المنتهى أنه لا يعلم فيه مخالفا (7)، وتدل عليه صحيحة علي بن مهزيار، قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة ؟ فكتب عليه السلام وقرأته: " لا تتركه إلا من علة، وليس عليك صومه في سفر ولامرض، إلا أن تكون نويت ذلك، وإن كنت أفطرت فيه من غير علة فتصدق بقدر كل يوم على سبعة مساكين، نسأل الله التوفيق لمايحب ويرضى " (8). قال في المسالك: إنه خبر مقطوع ضعيف، لكن العمل به متعين ; لعدم القائل بخلافه، قال العلامة في المنتهى بعد حكايته عن الشيخين (9): لا نعلم لهما مخالفا في ذلك (10).


1. انظر الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 56. 2. فقه القرآن 1: 200. 3. انظر الاقتصاد: 294. 4. انظر الوسيلة: 148. 5. الغنية (الجوامع الفقهية): 570. 6. الكافي 4: 467 ح 4، الوسائل 10: 30 أبواب إحرام الحج ب 23 ح 3. 7. المنتهى 2: 586. 8. التهذيب 4: 235 ح 689، الاستبصار 2: 102 ح 331، الوسائل 7: 139 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 1. 9. المفيد في المقنعة: 350، والشيخ في النهاية: 163. 10. المسالك 2: 46، وانظر المنتهى 2: 586.

[ 253 ]

أقول: لاوجه لتضعيف السند ; لأنه ليس فيه من يتأمل فيه إلا بندار، فإنه مجهول (1)، ولكنه غير مضر ; لأن الاعتماد على قراءة علي بن مهزيار كتابه. والظاهر أن مراده من القطع هو الإضمار وجهالة المكتوب إليه، وهو أيضا غير مضر ; لأن مثل هذا الثقة الجليل الوكيل لا يروي ما لم يكن المكتوب إليه إماما. وكذلك المحقق في المعتبر قال: ولمكان ضعف هذه الرواية جعلناه قولا مشهورا (2). قيل: ولعل وجه تضعيفها الإضمار، واشتمالها على ما لم يقل به أحد من وجوب الصوم في المرض إذا قيد الناذر به، واشتمالها على التصدق على سبعة مساكين لكفارة خلف النذر (3). وفيه: أن خروج بعض أجزاء الرواية عن الحجية لا يوجب سقوطها رأسا، مع أن الصدوق ذكر متن الرواية كما هي في الفقيه (4)، وظاهره أنه فتواه، فالرواية مع عمل الأصحاب كافية في تمام المطلب. واعلم أن تعلق النذر بالسفر يتصور على وجوه: أحدها: ما ذكرنا، والظاهر أنه لافرق فيه بين أن ينذر فعله في السفر خاصة، أو ينذر فعله سفرا وحضرا ; لشمول الصحيحة لهما. والثاني: أن ينذر صوم يوم بعينه فاتفق كونه مسافرا في ذلك اليوم، مثل أن ينذر صوم كل خميس، فاتفق الخميس في السفر، فالأشهر الأظهر عدم جواز الصوم. وعن المرتضى (5) والمفيد (6) وسور (7) لزوم صومه ; لعموم * (أوفوا بالعهد) * (8) *


1. انظر معجم رجال الحديث رقم 1892، 1894. 2. المعتبر 2: 684. 3. المدارك 6: 149. 4. الفقيه 3: 232 ذ. ح 1095. 5. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 6. المقنعة: 350. 7. المراسم: 97. 8. الإسراء: 34.

[ 254 ]

(ويوفون بالنذر) * (1) وخصوص رواية إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يجعل لله عليه صوم يوم مسمى، قال: " يصومه أبدا في الحضر والسفر " (2). والجواب عن الأولين: أن المراد النذر والعهد الشرعيان، وهو فيما نحن فيه أول الكلام ; إذ النسبة بين مادل على المنع من الصوم سفرا وما دل على رجحان الوفاء بالنذر عموم من وجه، والرجحان في متعلق النذر معتبر، والشك في الشرط يستلزم الشك في المشروط. وإنما قلنا بالصحة في الصورة الاولى لأجل الصحيحة المتقدمة، فالرجحان لمتعلق النذر إنما ثبت بها، فالرجحان والصحة حصلا بجعل واحد، فلا يرد أن صحة النذر هناك أيضا موقوفة على ثبوت الرجحان، وعمومات المنع عن الصوم في السفر تنفيه. وعن الثاني: أنها مع ضعفها مؤولة بما دلت عليه صحيحة علي بن مهزيار (3) معارضة بروايات كثيرة، منها حسنة كرام - لإبراهيم بن هاشم، والظاهر أن كراما هذا هو عبد الكريم بن عمر ووثقه النجاشي مرتين (4)، لكنه واقفي، فالحديث موثق، مع أن الراوي عنه ابن أبي عمير، وقد يروي عنه البزنطي أيضا - قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم عليه السلام، فقال: " صم، ولا تصم في السفر " (5) الحديث. وموثقة زرارة، قال: " إن امي كانت جعلت على نفسها لله


1. الإنسان: 7. 2. التهذيب 4: 235 ح 688، الوسائل 7: 141 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 7. 3. التهذيب 4: 235 ح 689، الاستبصار 2: 102 ح 331، الوسائل 7: 139 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 1. قال: نذرت أن أصوم كل سبت، فكتب (ع): ليس عليك صومه في سفر ولامرض، إلا أن تكون نويت ذلك. 4. رجال النجاشي: 245 رقم 645. 5. الكافي 4: 141 ح 1، التهذيب 4: 233 ح 683، الاستبصار 2: 100 ح 325 الوسائل 7: 141، أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 9.

[ 255 ]

عليها نذرا ; إن الله رد عليها بعض ولدها من شئ كانت تخاف عليه فيه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلى مكة، فأشكل علينا (لمكان النذر) (1) أتصوم أم تفطر ؟ فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك، وأخبرته بما جعلت على نفسها، فقال: " لا تصوم في السفر، قد وضع الله عنها حقه، وتصوم هي ما جعلت على نفسها " قلت: ما ترى إذا هي قدمت وتركت ذلك ؟ قال: " إني أخاف أن ترى في الذي نذرت فيه ما تكره " (2). وحسنته أيضا عن أبي جعفر عليه السلام بهذا المضمون (3)، ورواية القاسم ابن أبي القاسم الصيقل (4). والثالث: أن ينذر صوم أيام معدودة، مثل شهر مثلا، فلايصومه في السفر. ومقتضى بعض الأخبار المتقدمة عدم جوازه في السفر، وكذا موثقة عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقول: لله علي أن أصوم شهرا، أو أكثر من ذلك أو أقل، فعرض له أمر لابد له من أن يسافر، أيصوم وهو مسافر ؟ قال: " إذا سافر فليفطر ; لأنه لا يحل له الصوم في السفر، فريضة كان أو غيره، والصوم في السفر معصية " (5). وعبارة السيد (6) وسور (7) لا تشمل هذه الصورة. وكيف كان فالمذهب عدم الجواز.


1. في " ح ": لمكان النذر أن، وفي نسخة فيه والكافي: لم ندر. 2. التهذيب 4: 234 ح 687، الاستبصار 2: 101 ح 329، الوسائل 7: 139 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 3، بتفاوت بين المصادر. 3. الكافي 4: 143 ح 10، الوسائل 7: 139 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ذ. ح 3. 4. التهذيب 4: 234 ح 686، الاستبصار 2: 101 ح 328، الوسائل 7: 139 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 2. 5. التهذيب 4: 328 ح 1022، الوسائل 7: 141 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 8 بتفاوت. 6. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 7. المراسم: 97.

[ 256 ]

ثم إنا قد ذكرنا أن الأكثر على الاقتصار في الاستثناء على الثلاثة المذكورة (1)، وهنا قولان آخران: أحدهما: للمفيد - قد نسبه إليه الفاضلان في المعتبر والمختلف والشهيد الثاني رحمه الله في الروضة (2) -، وهو جواز الصوم الواجب مطلقا عدا شهر رمضان (3). وربما استدل له بالأصل، وبما يستفاد من الأخبار أن الإفطار في السفر إنما هو رخصة من الله وهدية منه لعباده فيما أوجبه عليهم (4)، ولايعجب (5) أحد أن ترد هديته، وأما الصوم الذي يوجبه العبد من نفسه على نفسه فلا يجري فيه ذلك. وفيه: أن ما ذكر لا يعارض به ما تقدم من الأدلة عموما وخصوصا. والثاني: للصدوقين، وهو جواز صوم جزاء الصيد للمحرم (6)، ولم نقف على مستنده. والتمسك بأنه " بدل عن جبران وجب في الحرم فجاز صومه في السفر كصوم دم المتعة الثلاثة الأيام " قياس منقوض بالسبعة. هذا الكلام في الصوم الواجب. وأما المندوب ; فاختلف فيه كلام الأصحاب، فالصدوق في الفقيه والمقنع ذهب إلى الحرمة (7)، وهو المنقول عن ابن البراج (8) وابن إدريس (9)، وذهب ابن حمزة إلى الجواز (10)،


1. منهم المفيد في المقنعة: 350، والشيخ في النهاية: 163، وابن البراج في المهذب 1: 194، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 572، والشهيد الثاني في المسالك 2: 46، والسيد في المدارك 6: 148. 2. المعتبر 2: 684، المختلف 3: 462.، الروضة البهية 2: 104. 3. المقنعة: 362. 4. الوسائل 7: 124 أبواب من يصح منه الصوم ب 1. 5. في " م ": ولا يحب. 6. نقله عن ابن بابويه في السرائر 1: 415. 7. الفقيه 2: 92 ح 411، المقنع (الجوامع الفقهية): 16. 8. المهذب 1: 194. 9. السرائر 1: 393. 10. الوسيلة: 149.

[ 257 ]

والأكثر على الكراهة (1). ولعل الأقوى الحرمة، كما ذهب إليه صاحب المدارك (2) وبعض من تأخر عنه أيضا (3) ; للأخبار الكثيرة المعتبرة عموما وخصوصا، وقد مر كثير منها (4). ومن جملتها صحيحة البزنطي، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصيام بمكة والمدينة ونحن في سفر، قال: " فريضة ؟ " فقلت: لا، ولكن تطوع كما يتطوع بالصلاة، فقال: " تقول: اليوم وغدا ؟ " قلت: نعم، فقال: " لاتصم " (5) وسيأتي بعضها أيضا. ولعل دليل ابن حمزة هو رواية إسماعيل بن سهل، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: خرج أبو عبد الله عليه السلام من المدينة في أيام بقين من شعبان، فكان يصوم، ثم دخل عليه شهر رمضان وهو في السفر فأفطر، فقيل له: أتصوم شعبان وتفطر شهر رمضان ؟ ! فقال: " نعم، شعبان إلي إن شئت صمته وإن شئت لا، وشهر رمضان عزم من الله عزوجل على الإفطار " (6). ورواية الحسن بن بسام الجمال، عن رجل، قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم، ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر، فقلت له: جعلت فداك أمس كان من شعبان وأنت صائم، واليوم من شهر رمضان وأنت مفطر ؟ ! فقال: " إن ذلك تطوع، ولنا أن نفعل ما شئنا، وهذا فرض فليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا " (7). وأنت خبير بأنه لا يجوز تخصيص الأخبار المعتبرة بمثل هذين الخبرين الضعيفين


1. الشيخ في النهاية: 163، والتهذيب 4: 236، والاستبصار 2: 103، المحقق في الشرائع 1: 178 والشهيد في الدروس 1: 270. 2. المدارك 6: 150. 3. كصاحب الذخيرة: 524. 4. الوسائل 7: 144 أبواب من يصح منه الصوم ب 12. 5. التهذيب 4: 235 ح 690، الاستبصار 2: 102 ح 332، الوسائل 7: 143 أبواب من يصح منه الصوم ب 12 ح 2. 6. التهذيب 4: 236 ح 692، الوسائل 7: 144 أبواب من يصح منه الصوم ب 12 ح 4. 7. التهذيب 4: 236 ح 693، الوسائل 7: 145 أبواب من يصح منه الصوم ب 12 ح 5.

[ 258 ]

القابلين للتأويل، مثل أن يكون عليه السلام أوجبه على نفسه بالنذر المقيد بالسفر، فيكون مراده عليه السلام: لنا أن نفعل ما شئنا من جعله منذورا مقيدا بالسفر. وأما دليل الأكثر فهوالجمع بين الأخبار بحمل المنع على الكراهة في خصوص المندوب (1)، وهو أيضا غير جيد ; إذ لادليل على مطلق الجمع، مع أنه يستلزم استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي، وإن أردنا من المنع فيها المرجوحية على سبيل عموم المجاز فمع أنه مجاز لادليل عليه يسقط الاحتجاج بها في جانب الصوم الواجب، مع أنهم استدلوا بها عليه. وهذا كله مع أنه يمكن توجيه الكراهة بأن يقال: إن المتبادر من كثير من الأخبار هو شهر رمضان والاعتماد في غير الواجبات من مثل النذر وغيره على الأخبار الخاصة بها، ويحمل ما ورد في خصوص التطوع - كصحيحة البزنطي السابقة - على الكراهة، ويؤيده استفصاله عليه السلام فيها أولا، فهاتان الروايتان مع المسامحة في أدلة السنن والشهرة بين الأصحاب وفهمهم للأخبار يقرب هذا القول. وكيف كان فالأحوط الترك ; لدوران الأمر بين الحرمة والاستحباب. ثم على القول بالحرمة فيستثنى منه الصوم ثلاثة أيام للحاجة بالمدينة ; للأخبار المستفيضة، منها صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قال: " إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت أول يوم الأربعاء، وتصلي ليلة الأربعاء عند اسطوانة أبي لبابة، وهي أسطوانة التوبة التي كان ربط إليها نفسه حتى نزل عذره من السماء،، تقعد عندها يوم الأربعاء. ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها مما يلي مقام النبي صلى الله عليه وآله ليلتك ويومك، وتصوم يوم الخميس. ثم تأتي الأسطوانة التي تلي مقام النبي صلى الله عليه وآله ومصوه ليلة الجمعة فتصلي عندها


1. من القائلين بالكراهة الشيخ في النهاية: 162، والتهذيب 4: 236، والاستبصار 2: 103، والمحقق في الشرائع 1: 178، والشهيد في الدروس 1: 270.

[ 259 ]

ليلتك ويومك، وتصوم يوم الجمعة. وإن استطعت أن لا تتكلم بشئ منه في هذا الأيام إلا مالابد لك منه، ولا تخرج من المسجد إلا لحاجة، ولا تنام في ليل ولا نهار فافعل، فإن ذلك مما يعد فيه الفضل. ثم احمد الله في يوم الجمعة واثن عليه، وصل على النبي صلى الله عليه وآله، وسل حاجتك، وليكن فيما تقول: اللهم ما كانت لي إليك من حاجة شرعت أنا في طلبها أو لم أشرع سألتكها أو لم أسألكها فإني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة في قضاء حوائجي صغيرها وكبيرها، فإنك حري أن تقضى حاجتك إن شاء الله تعالى " (1). وألحق المفيد - رحمه الله - مشاهد الأئمة عليهم السلام (2). ولم أعرف دليله. وعن الصدوقين: إلحاق صوم الاعتكاف في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، أو مسجد الكوفة، أو مسجد المدائن (3). وكذلك ابن إدريس (4). الرابع: يصح الصوم من المريض، إن لم يتضرر به. أما الأول: فللعمومات (5) وإطلاق الآية الدالة على لزوم الإفطار للمريض (6) مقيدا بالأخبار والإجماع ظاهرا. بل المتبادر من الآية إنما هو المرض المضر، فنفس المرض من حيث هو مرض لا يوجب الإفطار وإن كان شديدا، بل قد ينفعه الصوم. وعلى ذلك تحمل موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: عن الرجل يجد في رأسه وجعا من صداع شديد، هل يجوز له الإفطار ؟ قال: " إذا صدع صداعا شديدا، وإذا


1. التهذيب 4: 232 ح 682، الوسائل 7: 143 أبواب من يصح منه الصوم ب 12 ح 1. 2. المقنعة: 350. 3. المقنع (الجوامع الفقهية): 16، ونقله عنهما في المختلف 3: 465. 4. السرائر 1: 394. 5. الوسائل 7: 155 أبواب من يصح منه الصوم ب 18. 6. البقرة: 185.

[ 260 ]

حم حمى شديدة، وإذا رمدت عيناه رمدا شديدا، فقد حل له الإفطار " (1) فلاعبرة بمجرد الشدة. وأما الثاني: فلعموم نفي الضرر والعسر والحرج، ولما رواه الصدوق في الصحيح، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر " (2). وقال عليه السلام: " كل ما أضر به الصوم فالإفطار له واجب " (3). وفي الصحيح عن الوليد بن صبيح، قال: حممت بالمدينة يوما في شهر رمضان، فبعث إلي أبو عبد الله عليه السلام، بقصعة فيها خل وزيت، قال لي: " افطر وصل وأنت قاعد " (4). ويتحقق الضرر بخوف زيادة المرض كيفا، بأن يشتد الألم، وكمالو يبطؤ البرء أو يتجدد مرض آخر، أو بحصول نفس المشقة، كزيادة العطش والتضجر الشديد من الحرارة، وفي كثير من العبارات تحديده بما لا يتحمل عادة، والأولى التعبير بما يشق تحمله عادة. ومن جملة ذلك: حصول الضعف كما دلت عليه موثقة سماعة، قال: سألته ماحد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الإفطار، كما يجب عليه في السفر * (من كان مريضا أو على سفر) * ؟ قال: " هو مؤتمن عليه، مفوض إليه، فإن وجد ضعفا فليفطر، وإن وجد قوة فليصمه، كان المرض ماكان " (5). ويمكن القدح فيه: بأن المراد بالضعف العجز عنه بسبب المرض، لا مطلق الضعف.


1. الكافي 4: 118 ح 5، الوسائل 7: 157 أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 6. 2. الفقيه 2: 84 ح 373، الوسائل 7: 155 أبواب من يصح منه الصوم ب 19 ح 1. 3. الفقيه 2: 84 ح 374، الوسائل 7: 156 أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 2. 4. الكافي 4: 118 ح 1، الفقيه 2: 83 ح 370، الوسائل 7: 155 أبواب من يصح منه الصوم ب 18 ح 2. 5. الكافي 4: 118 ح 3، التهذيب 4: 256 ح 759، الاستبصار 2: 114 ح 372، الوسائل 7: 157 أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 4، البقرة: 185.

[ 261 ]

نعم روى في الكافي في الحسن، عن يونس، عن شعيب، عن محمد بن مسلم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ماحد المريض إذا نقه في الصيام ؟ قال: " ذلك إليه، هو أعلم بنفسه، إذا قوي فليصم " (1). ثم الإشكال في صورة العلم بحصول الضرر، والظاهر عدم الإشكال في حصول الظن به، وفي الاكتفاء بالاحتمال وجه قوي، بل ظاهر كثير من إطلاقاتهم ذلك، حيث عبروا بخوف الضرر. وربما يستدل عليه بصحيحة حريز المتقدمة، وهو مشكل بملاحظة تتمة الرواية. نعم رواها في الكافي في الحسن بدون التتمة (2)، وللاستدلال به وجه. ويؤيده ما اخترناه في التيمم من الاجتزاء باحتمال الضرر. وربما يستدل على وجوب الصوم بثبوته في الذمة، فيستصحب حتى يظهر المسقط، وليس إلا العلم أو الظن، وهو ممنوع ; لأصالة البراءة، لتجدد الخطاب كل يوم، والأصل عدمه. فالأولى الاستدلال بالعمومات والإطلاقات إن قاومت ما ذكرنا. والمرجع في الظن إلى ما يحصل به من أمارة أو تجربة، أو قول من يفيد قوله الظن ولو كان كافرا، وقد يجد الإنسان من نفسه ذلك. ويجوز اتباع كل ذلك كما يستفاد من الأخبار، ففي صحيحة ابن اذينة قال: كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام أسأله ماحد المرض الذي يفطر صاحبه، والمرض الذي يدع صاحبه الصلاة من قيام ؟ فقال: " بل الإنسان على نفسه بصيرة، وقال: ذاك إليه، وهو أعلم بنفسه " (3). وفي معناها موثقة ابن بكير (4) وغيرها (5)، وفي آخرها: " هو أعلم بما يطيقه ".


1. الكافي 4: 119 ح 8، الوسائل 7: 156 أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 3. 2. الكافي 4: 118 ح 4، قال: الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر. 3. الكافي 4: 118 ح 2، التهذيب 4: 256 ح 758، الاستبصار 2: 114 ح 371، الوسائل 7: 157 أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 5. 4. الفقيه 2: 83 ح 369، الوسائل 7: 157 أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 5. 5. الوسائل 7: 156 أبواب من يصح منه الصوم ب 20.

[ 262 ]

وفي الصحيح، عن بكر بن محمد الأزدي، عنه عليه السلام، قال: سأله أبي وأنا أسمع عن حد المرض الذي يترك الإنسان فيه الصوم، قال: " إذا لم يستطع أن يتسحر " (1). وروى الصدوق في الفقيه، عن سليمان بن عمرو، عنه عليه السلام، قال: " اشتكت ام سلمة عينها في شهر رمضان، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تفطر، وقال: عشاء الليل لعينك ردي " (2). ثم إن الصحيح إذا خاف حدوث المرض بالصوم، هل يجوز له الإفطار أم لا ؟ فيه إشكال، من جهة العمومات والإطلاقات وعدم دخوله تحت قوله: * (ومن كان مريضا) * (3)، ومن جهة نفي الضرر والحرج، وعموم قوله عليه السلام: " كلما أضر به الصوم فالإفطار له واجب " (4). وقد يستدل عليه بصحيحة حريز المتقدمة، وفيه إشكال ; للزوم استعمال اللفظ في معنيين، وحمله على القدر المشترك بعيد. ولا يبعد ترجيح إلحاقه بالمرض، ومال إليه في المدارك (5). ثم إن كلما ثبت الضرر وجب الإفطار، وإذا وجب الإفطار يبطل الصوم ويجب عليه القضاء وإن كان تكلفه. وأما رواية عقبة بن خالد، عن الصادق عليه السلام: في رجل صام رمضان وهو مريض، قال: " يتم صومه ولا يعيد، يجزيه " (6) فمع أنها ضعيفة (7) محمولة على المرض الذي


1. الكافي 4: 118 ح 6، الفقيه 2: 83 ح 371، الوسائل 7: 156 أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 1. 2. الفقيه 2: 84 ح 372، ورواه في الكافي 4: 119 ح 7، والعلل: 382 ح 2، والوسائل 7: 155 أبواب من يصح الصوم ب 19 ح 2، والردي من الردى وهو الهلاك. المصباح المنير 1: 224. 3. البقرة: 185. 4. الفقيه 2: 84 ح 374، الوسائل 7: 156 أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 2. 5. المدارك 6: 157. 6. التهذيب 4: 257 ح 762، االوسائل 7: 160 أبواب من يصح منه الصوم ب 22 ح 2. 7. فإن راويها والراوي عنه وهو " محمد بن عبد الله بن هلال " لم يوثقا (انظر معجم رجال الحديث رقم 7720، 11126).

[ 263 ]

لا يضر معه الصوم كما فعله الشيخ (1)، أو على الجاهل كما نقل عن بعض الأصحاب القول بإجزائه عنه (2). الخامس: قد عرفت أن الأقوى أن الصوم يصح من الصبي المميز وأن عباداته شرعية (3). وأما الحد الذي يجب فيه الصوم وسائر العبادات فيعرف بامور: منها: خروج المني من قبله، ذكرا كان أو انثى، نائما كان أو مستيقظا، خرج بشهوة أم لا، يكون منه الولد أم لا. وما ورد في بعض العبارات من تقييد المني بما كان منه الولد فهو مسامحة، بل هذا التقييد إنما يصح للماء كما وقع في آخر. وربما فرق بينهما: بالرسوب في الماء فيكون منه الولد، بخلاف ما بقي عليه، والإجماع والنصوص به من الكتاب والسنة مستفيضة لا حاجة إلى ذكرها، وسيجئ بعضها. أما الخنثى المشكل فلا يعلم إلا بخروجه من قبليه ; للشك في قبله، لاحتمال كون ما خرج منه المني عضوا زائدا، فيحصل الشك في الخروج منه، كما ذكره الشيخ (4) والفاضلان (5). وتوقف في التحرير (6). وعن المحقق الثاني (7) والشهيد الثاني (8) بلوغه إذا أمنى من الذكر بعد مضي


1. التهذيب 4: 257. 2. الحدائق 13: 398. 3. تقدم الكلام في المجلد الأول صفحة 63. 4. المبسوط 2: 282. 5. المحقق في الشرائع 2: 85، والعلامة في التذكرة (الطبعة الحجرية) 2: 74. 6. التحرير 1: 218. 7. جامع المقاصد 5: 183. 8. المسالك 4: 147.

[ 264 ]

تسع سنين إن أمكن إمناء الذكر فيه ; لبلوغه إن كان ذكرا بالإمناء، وبتسع سنين إن كان انثى. وقد يقال: إن خروج المني من مخرج الذكر موجب للحكم بكونه ذكرا كما إذا بال منه فقط، فيتعين كونه رجلا إذا أنزل منه، وكذا الإنزال من مخرج الانثى. وهو قياس مع الفارق، ولا يجدي مجرد ذلك في الحكم بالبلوغ. نعم لو اعتاد بأحدهما لكان للإلحاق وجه لو لم تعارضه علامة أقوى. والمعتبر في الإمناء الموضع المعتاد ; لحمل إطلاق الشارع على المتعارف، فلاعبرة بغيره. ويؤيده تحديده ببلوغ النكاح في بعض النصوص. ويشكل بما لو اعتاد بغيره، والظاهر الاكتفاء به. وعن التذكرة: أن الحد الذي يمكن أن يكون الخارج منيا استكمال تسع سنين مطلقا عند الشافعي، وفي المرأة خاصة عندنا، ولم يذكر لحده في الذكر عندنا شيئا (1). وفي كتاب حجر المسالك: ما وقفت له على حد يعتد به (2). وفي التذكرة: فيه للشافعية وجهان آخران، ذكرهما الجويني أحدهما: مضي ستة أشهر من العاشرة، والثاني: تمامها (3). ثم قال في المسالك: ولا يبعد أنه ما بعد العاشرة محتمل (4)، وأفتى به المحقق في كتاب اللعان من الشرائع (5)، وأسنده في المسالك إلى العلامة (6) والشيخ أيضا (7). ثم إن الاستعداد فقط لا يكفي، بل لابد من الفعلية.


1. التذكرة (الطبعة الحجرية) 2: 74. 2. المسالك 4: 143. 3. التذكرة (الطبعة الحجرية) 2: 74. 4. المسالك 4: 143. 5. الشرائع 3: 70. 6. التذكرة (الطبعة الحجرية) 2: 74. 7. المبسوط 2: 283.

[ 265 ]

قال في المسالك: ولا يجب التعريض للجماع لو ظن أنه يمني به، نعم لو وجد على بدنه أو ثوبه المختص به منيا حكم ببلوغه، ولو كان مشتركا فلا (1)، وهو كما ذكره. ومنها: الإنبات، يعني خروج الشعر الخشن على العانة، وفي بعض العبارات حول الفرج، وهو أشمل، وهذا أيضا إجماعي كما عن الخلاف والغنية والتذكرة (2)، ومصرح به في الأخبار (3). ولافرق بين الذكر والانثى والخنثى، ولابين المسلم والكافر عندنا إجماعا، كما عن الخلاف والتذكرة (4). وربما نسب القول باختصاصه بالكافر إلى الشيخ (5)، كما ذهب إليه بعض العامة (6) ; لعدم إمكان الاعتماد على قولهم في الاحتلام والسن، ولأنه مورد تهمة في المسلمين ; لأن به يحصل الاستقلال في التصرفات، فقد يستعجلون فيه بالعلاج دون الكفار، فإن فيه ثبوت قتلهم وجزيتهم، فلا يستعجلون فيه. ولاعبرة بالزغب، وهو الشعر الضعيف الذي ينبت قبل الخشن ثم يتساقط. والمشهور أنه (7) علامة لسبق البلوغ، لاأنه نفس البلوغ، وإلا لما كانت الغاية في قوله تعالى: * (حتى إذا بلغوا النكاح) * (8) و * (إذا بلغ الأطفال منكم الحلم) * (9) غاية. ولأن الإنبات قد يكتسب بالدواء، ولا يكتسب البلوغ. ولأنه تدريجي، والبلوغ ليس كذلك.


1. المسالك 2: 49. 2. الخلاف 3: 281، الغنية (الجوامع الفقهية): 594، التذكرة (الطبعة الحجرية) 2: 73. 3. الوسائل 1: 30 أبواب مقدمة العبادات ب 4. 4. الخلاف 3: 281، التذكرة (الطبعة الحجرية) 2: 73. 5. كما في المسالك 4: 142. 6. المجموع 13: 364، الوجيز 1: 176، مغني المحتاج 2: 167، المغني لابن قدامة 4: 556، الشرح الكبير 4: 557، عمدة القاري 13: 239، فتح العزيز 10: 277. 7. يعني: الإنبات. 8. النساء: 6. 9. النور: 59.

[ 266 ]

ويخدش في الأول: النقض بالسن، فإنه تيقن البلوغ، لا علامة سبقه. والقول بأنه مخرج بالأخبار والإجماع يجري في الإنبات أيضا، فإن الأخبار فيه أيضا موجودة، سيما ما ورد مع السن بسياق واحد. وأيضا لو فرض العلم بعدم بلوغه السن، وحصل الإنبات، ولم يحصل الحلم قبله، سيما إذا جرب الجماع، فكيف يقال: هذا المنبت قد بلغ قبل ذلك، فإن المراد بالبلوغ حقيقة وإن كان هو المرتبة التي يستعد المكلف بسببها لإفاضة التكليف عليه من جهة الفهم والإدراك والقابلية، ولكنه لما كان مختلفا بحسب الأشخاص والأحوال، فجعل الشارع لذلك حدا محدودا لا يتجاوز عنه، وإن كان قد تكون مرتبة فهم من هو دون هذه العلامة مساوية لمن هو فوقه ; لأن بناء الشارع على حماية الحمى وسد الطرق. فالمعتبر في البلوغ هو فعلية الاحتلام، لا الاستعداد، وإلا لجرى القول بكونه علامة للسبق في الاحتلام أيضا، مع أنه ليس كذلك جزما، بل المراد من النكاح والحلم هو ماكان يحصل منه الولد كما هو مقصود الشارع، وإلا فمن المشاهد أن الصبي قبل البلوغ قادر على الجماع وإزالة البكارة بحيث لا مجال للشك في بلوغه النكاح والمراد منه الفعلية ; لعدم الانضباط بدونه، وهو خلاف الحكمة، إلا أن يقال: المخبر الصادق لما أخبر بأن غاية اليتم والصغر هو الاحتلام، وحكم بأن الأحكام تتعلق به مع الإنبات فيحصل لنا الجزم بفعلية الاحتلام قبل ذلك، بأن يكون ذلك واقعا في النوم من دون إطلاعه، وهو بعيد، وهذا الحمل والتوجيه ليس بأولى من تخصيص عام الكتاب، سيما مع أنه مخصص قبل ذلك بالسن جزما. وأما قولهم: إن الإنبات مكتسب، ففيه: أنه لا يخدش فيما ليس بمكتسب منه، وتحمل الأخبار على المعتاد التابع للطبيعة. وأما قولهم: إنه تدريجي، ففيه: أن نموه وتكثره تدريجي، لانفس خروجه، والأصل أيضا يقتضي كونه نفس البلوغ.

[ 267 ]

نعم لما كان الاطلاع على أول ظهور الشعر من الجلد في غاية الندرة ونهاية الغرابة، وأن الغالب أنه لا يطلع عليه إلا بعد طوله، سيما إذا خرج حول المقعد وتحت الخصية، فلم يعتنوا بالنادر، ولاريب أن الغالب أن الاطلاع بعد سبق البلوغ الذي هو أول الشروع في الخروج من الجلد، فيكون النزاع لفظيا. ثم إن المشهور عدم اعتبار غير شعر العانة وما حول الفرج، مثل الإبط والفخذ وغيرهما، بل ظاهرهم الإجماع في غير شعر اللحية. قال في المسالك في كتاب الحجر: لا عبرة بغير شعر العانة عندنا، وإن كان الأغلب تأخرها عن البلوغ إذا لم يثبت كون ذلك دليلا شرعيا، خلافا لبعض العامة (1) و (2). وقال في الروضة: وفي إلحاق اخضرار الشارب ونبات اللحية بالعانة قول قوي (3). وعن المبسوط أنه قال: ولا خلاف أن إنبات اللحية لا يحكم بمجرده بالبلوغ، وكذا سائر الشعور، وفي الناس من قال: إنه علم على البلوغ، وهو الأولى ; لأنه لم تجر العادة بخروج لحيته من غير بلوغ (4). وفي التحرير: والأقرب أن إنبات اللحية دليل على البلوغ، أما باقي الشعور فلا (5). وعن االتذكرة: ولا اعتبار بشعر الإبط عندنا، وللشافعي وجهان هذا أصحهما ; إذ لو كان معتبرا في البلوغ لماكشفوا عن المؤتزر ; لحصول الغرض من دون كشف العورة، والثاني أن نباته كنبات شعر العانة ; لأن إنبات العانة يقع في أول تحريك الطبيعة في أول الشهوة، ونبات الإبط يتراخى عن البلوغ في الغالب، فكان أولى بالدلالة على حصول


1. المجموع 10: 281. 2. المسالك 4: 141. 3. الروضة البهية 2: 145. 4. المبسوط 2: 283. 5. التحرير 1: 218.

[ 268 ]

البلوغ، وأما نبات اللحية والشارب فإنه أيضا لاأثر لهما في البلوغ وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: أنهما يلحقان بشعر العانة، وبعض الشافعية ألحق شعر الإبط بشعر العانة، ولم يلحق اللحية والشارب بالعانة، وأما ثقل الصوت ونهود الثدي ونتوء طرف الحلقوم وانفراق الأرنبة فلا أثر له، كما لاأثر لاخضرار الشارب، وهو أحد قولي الشافعية، والثاني: أنه يلحق بشعر العانة، ولا بأس به عندي بناءا على العادة القاضية بتأخر ذلك عن البلوغ (1)، انتهى. وفي صلاة كتاب التهذيب: البلوغ يعتبر في أشياء، منها: الاحتلام، فمن تأخر احتلامه اعتبر بما سواه من الإشعار والإنبات وما جرى مجراهما، أو كمال العقل وإن خلا عن جميع ذلك (2). أقول: ونفي الخلاف الذي نقلناه عن المبسوط إنما هو في عدم كونه نفس البلوغ، بحيث إذا فرض حصوله قبل السنة العاشرة مثلا فلا يحكم بالبلوغ، وأما لو فرض حصوله لمن يحتمل وصوله في السن إلى حد البلوغ، أو في استعداد الإنزال والإنبات، فالظاهر أنه علامة السبق بملاحظة الغلبة. وكذلك عبارة المسالك، سيما بملاحظة فتاويهم المذكورة في شعر الإبط واللحية وكمال العقل وغيرها مما نقلنا، فلم يعلم الإجماع على عدم كونها علامة لسبق البلوغ. وكيف كان فالأصل دليل قوي لا يجوز الخروج منه إلا فيما دل الدليل، ولم يدل في أكثر المذكورات. نعم لا يبعد إلحاق شعر اللحية والشارب من جهة رواية الكناسي وحمران الآتيتين إذا لم يكن مخالفا للمعتاد. ثم هل يجب على الصبي التفحص عن الإنبات مع احتماله أم لا ؟ لم أقف على من تعرض للمسألة، ومقتضى اشتراط التكليف بالبلوغ عدمه ; إذ وجوب الفحص حكم


1. التذكرة 2: 73. 2. التهذيب 3: 30.

[ 269 ]

شرعي يتوقف تعلقه بالإنسان على البلوغ مثل سائر الواجبات، فهو يشتمل على نوع من الدور، فلا بد أن يقال: إنما يتعلق التكليف على من ظهر عليه الإنبات، لاعلى من أنبت في نفس الأمر مطلقا. ويمكن أن يقال: هذا التكليف مستثنى من مطلق التكليف، وإنما هو مشروط بالفهم لابالبلوغ، فكما أن البلغ مكلفون في الواجبات المشروطة بالتفحص عن الشرط كما حققناه في غير موضع من تأليفاتنا، ولا يتوقف وجوبها على العلم بالشرط، بل منشأ الوجوب إنما هو وجوب الشرط، وقد أشرنا إليه في كتاب الزكاة من هذا الكتاب أيضا في معرفة النصاب ومقدار ما تعلقت به الزكاة في الدراهم المغشوشة، وفروعه في الفقه في غاية الكثرة، فكذلك الفاهمون أيضا في بعض التكاليف. ومنه معرفة أنه هل بلغ أم لا، وتعلق به التكليف أم لا ؟ ولعل الفقهاء كان ذلك مفروغا عنه عندهم، ولذلك لم يتوجهوا إليه. وكذلك الكلام في الفحص عن السن. وأما التفاتهم إلى مسألة لزوم التعرض للإجماع أم لا، فلعله لأجل الإشكال في أنه هل المعيار في استعداد الحلم وزمانه كما يظهر من الراغب في مفرداته (1)، حيث فسر الحلم كما في الآية بذلك، أو فعليته. فالحق أن المعتبر فيه الفعلية كما بينا. ومنها: السن، وهو بلوغ خمس عشرة سنة في الذكر وتسع في الانثى على المشهور، بل قال في المسالك في الأول: كاد أن يكون إجماعا (2) وعن صريح الغنية دعوى الإجماع (3)، وكذا عن ظاهر الخلاف والتذكرة (4). وقال في كنز العرفان: في قوله تعالى: * (حتى إذا بلغوا النكاح) * (5) إنه أشار إلى


1. مفردات غريب القرآن: 129. 2. المسالك 4: 144. 3. الغنية (الجوامع الفقهية): 594. 4. الخلاف 3: 283، التذكرة (الطبعة الحجرية) 2: 74. 5. النساء: 6.

[ 270 ]

غاية الحجر بقوله تعالى: * (حتى إذا بلغوا النكاح) * وهو حال البلوغ، أي أوان يصلح له أن ينكح، بأن يحتلم، أو يبلغ خمس عشرة سنة عندنا وعند الشافعية (1) ; لقوله صلى الله عليه وآله: " إذا بلغ المولود خمس عشرة سنة، كتب ماله وما عليه، واقيمت عليه الحدود " (2). ثم قال: وأما الانثى فعندنا تسع سنين. ثم قال: ورواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه رده عن الجهاد عام بدر وله ثلاث عشرة سنة، ثم رده في احد وله أربع عشرة سنة، وعرض عليه في الخندق وله خمس عشرة سنة (3)، يدل على قولنا (4)، انتهى. وقيل: ببلوغ أربع عشرة سنة (5). وقيل: بكمال ثلاث عشرة سنة، والدخول في الرابعة عشرة (6). والأقوى الأول ; للأصل، ولظاهر الإجماعات، ولخصوص الرواية السابقة المنجبرة بالعمل. وصحيحة معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام في كم يؤخذ الصبي بالصيام ؟ فقال: " ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة، فإن هو صام قبل ذلك فدعه، ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته " (7). وجه الدلالة: أن الظاهر من الرواية أنه يؤخذ الصبي الذي هو بهذا السن وهذا السن، ولا معنى للتخيير في الزائد والناقص في مثل هذا المقام في الحتم، فلابد من حمل الأربع عشرة على التمرين كما يقتضيه السياق أيضا، ولا معنى لحمل الخمس


1. الام 3: 215، مختصر المزني: 105، المجموع 13: 361، فتح العزيز 1: 277. 2. نيل الأوطار 5: 263. 3. السنن الكبرى 6: 55، تلخيص التحبير 3: 41 ح 1240. 4. كنز العرفان 2: 102. 5. حكاه عن ابن الجنيد في المختلف 5: 431. 6. الفقيه 4: 164 ح 571. 7. الكافي 4: 125 ح 2، الوسائل 7: 167 أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 1.

[ 271 ]

عشرة على الاستحباب وغيره، هذا على ما في الكافي والفقيه (1). وأما التهذيب فقال: " مابين خمس عشرة أو أربع عشرة " (2) فدلالتها ضعيفة، ولكن الإسقاط أظهر من الزيادة، والكليني أضبط من الشيخ. وما رواه الشيخ بسند صحيح إلى أبي أيوب الخزاز، عن يزيد الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل قال: " نعم، إذا أدخلت على زوجها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، واقيمت الحدود التامة عليها ولها " قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية ؟ فقال: " يا أبا خالد، إن الغلام إذا زوجه أبوه ولم يدرك كان له الخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة، أو يشعر في وجهه، أو ينبت في عانته قبل ذلك " (3). وليس في السند من يتأمل فيه إلا يزيد الكناسي، وقد قال الصدوق: إن كتابه موضوع، وغلطه ابن الغضائري - مع أنه لا يسلم عن قدحه كثير من الأكابر - وقال: إني أعلم أن كتابه مسموع من ابن أبي عمير، مع أن الكليني والشيخ كثيرا مايرويان عنه، وقال الشيخ أيضا: يروي عنه ابن أبي عمير، وقال الشيخ في شأنه: لا يروي إلا عن ثقة (4). وما رواه أيضا عنه، عن عبد العزيز العبدي، عن حمزة بن حمران، عن حمران - وعبد العزيز له كتاب يرويه عنه جماعة، منهم الحسن بن محبوب كما ذكره النجاشي، وكذلك ذكر في حمزة أن له كتابا يرويه عنه صفوان بن يحيى (5)، فالسند لا يخلو من اعتبار - قال: سألت أبا جعفر عليه السلام قلت له: متى يجب على الغلام أن يؤخذ


1. الكافي 4: 125 ح 2، الفقيه 2: 76 ح 336، الصوم للرؤية والفطر للرؤية، وليس الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ولاخمسون. 2. التهذيب 2: 381 ح 1590، وج 4: 326 ح 1012. 3. التهذيب 7: 382 ح 1544، وص 383، الاستبصار 3: 237 ح 855، الوسائل 14: 209 أبواب عقد النكاح ب 6 ح 9. 4. عدة الاصول 1: 386. 5. رجال النجاشي: 244 رقم 641.

[ 272 ]

بالحدود التامة وتقام عليه ويؤخذ بها ؟ فقال: " إذا خرج عنه اليتم وأدرك " قلت: فلذلك حد يعرف ؟ فقال: " إذا احتلم، أو بلغ خمس عشرة سنة، أو أشعر، أو أنبت قبل ذلك، اقيمت عليه الحدود التامة، واخذ بها، واخذت له " قلت: فالجارية متى تجب عليها الحدود واخذت بها واخذت لها ؟ قال: " إن الجارية ليست مثل الغلام، إن الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في الشراء والبيع، واقيمت عليها الحدود التامة " (1) الحديث. وبهذا الأسناد رواه في الكافي أيضا (2). وما رواه الكليني والشيخ بالإسناد المتقدم، عن أبي أيوب، عن يزيد الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم، وزوجت، واقيمت عليها الحدود التامة، إلى أن قال: أما الحدود الكاملة التي يؤخذ بها الرجال فلا، ولكن يجلد في الحدود كلها على مبلغ سنه، فيؤخذ بذلك ما بينه وبين خمس عشرة سنة " (3). وروى الصدوق في الخصال عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " يؤدب الصبي على الصوم مابين خمس عشرة إلى ست عشرة " (4). وأما ما يدل على اعتبار بلوغ أربع عشرة سنة، فلعله ما رواه الشيخ، عن عيسى بن زيد، عن جعفر بن محمد عليه السلام، قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: " يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهي طوله لإحدى وعشرين، وينتهى عقله لثمان وعشرين إلا التجارب " (5) وهي مع ضعفها سندا ودلالة - لأن حصول الاحتلام فيه لا يثبت البلوغ لمن لم يحتلم بعد - لاتقاو


1. التهذيب 10: 38 ح 132. 2. الكافي 7: 197 ح 1، وانظر الوسائل 18: 314 أبواب مقدمات الحدود ب 6 ح 1. 3. الكافي 7: 198 ح 2، الوسائل 1: 31 أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 3. 4. الخصال: 501 ح 3، الوسائل 7: 170 أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 13. 5. الكافي 7: 69 ح 8، التهذيب 9: 183 ح 738، الوسائل 13: 430 أبواب أحكام الوصايا ب 44 ح 10.

[ 273 ]

أدلة المشهور. وأما مادل على بلوغ ثلاث عشرة سنة صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا بلغ أشده ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين، احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات، وكتبت له الحسنات، وجاز له كل شئ، إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا " (1). وعنه في الموثق، عنه عليه السلام، قال: سأله أبي وأنا حاضر عن قول الله عزوجل: * (إذا بلغ أشده) * (2) قال: " الاحتلام " فقال: يحتلم في ست عشرة سنة سبع عشرة سنة ونحوهما ؟ فقال: " لا، إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة، كتبت له الحسنات، وكتبت عليه السيئات، وجاز أمره، إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا " (3). ولا يبعد حملهما على إرادة أنه يمكن أن يحتلم في هذا السن. وأيضا في الموثق، عن آدم بياع اللؤلؤ، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة، كتبت له الحسنة، وكتبت عليه السيئة، وعوقب، وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك " (4). وتدل عليه رواية أبي حمزة، عن الباقر عليه السلام (5)، وموثقة عمار الساباطي عن الصادق عليه السلام أيضا (6). وهذه الأخبار وإن كانت كثيرة معتبرة الأسناد، لكنها لا تقاوم أدلة المشهور ; لمخالفتها للاصول وعمل الأصحاب، وموافقة أدلة المشهور - مع اعتبار سند بعضها وانجبار ضعف


1. الكافي 7: 69 ح 7، الفقيه 4: 164 ح 571، التهذيب 9: 183 ح 739، الوسائل 13: 430 أبواب أحكام الوصايا ب 44 ح 11. 2. الأحقاف: 15. 3. التهذيب 9: 182 ح 731، الوسائل 13: 430 أحكام الوصايا ب 44 ح 8. 4. الكافي 7: 68 ح 6، التهذيب 9: 184 ح 741، الوسائل 13: 431 أبواب أحكام الوصايا ب 44 ح 12. 5. التهذيب 6: 310 ح 856، الوسائل 13: 432 أبواب أحكام الوصايا ب 45 ح 3. 6. التهذيب 2: 380 ح 1588، الوسائل 1: 32 أبواب مقدمة العبادة ب 4 ح 12.

[ 274 ]

الباقي بالشهرة - للعمل، والاصول، ونفي العسر والحرج، وظاهر الإجماعات المنقولة. وأما بلوغ التسع للمرأة، فقد نقل الخلاف فيه عن كتاب صوم المبسوط (1) وابن حمزة (2) حيث جعلاه بلوغ العشر، وعن كتاب حجر المبسوط موافقة المشهور، وجعل العشر رواية (3). وقد يؤول بأن مراده بلوغ رأس العاشرة. والأقوى المشهور، وادعى عليه ابن إدريس الإجماع (4)، وكلام المقداد أيضا ظاهر فيه كما مر (5). ويدل عليه ما مر من الأخبار. ولعل حجة القول الآخر: رواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام: " لا توطأ جارية لأقل من عشر سنين، فإن فعلت فغيبت فقد ضمنت " (6) ولا دلالة فيها على المطلوب. وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " لايدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين " (7). وروى محمد بن مسلم، قال: سألته عن الجارية يتمتع بها الرجل، قال: " نعم، إلا أن تكون صبية تخدع " قال: قلت: أصلحك الله، فكم الحد الذي إذا بلغته لم تخدع ؟ قال: " بنت عشر سنين " (8).


1. المبسوط 1: 266. 2. الوسيلة: 57. 3. المبسوط 2: 286. 4. السرائر 1: 367. 5. التنقيح الرائع 2: 179. 6. التهذيب 7: 410 ح 1640، الوسائل 14: 71 أبواب مقدمات النكاح ب 45 ح 7، وفيهما: فإن فعل فعيبت فقد ضمن. 7. الكافي 5: 398 ح 3، الفقيه 3: 261 ح 1240، التهذيب 7: 451 ح 1806، الخصال: 420 ح 15، الوسائل 14: 70 أبواب مقدمات النكاح ب 45 ح 2. 8. الفقيه 3: 293 ح 1392، التهذيب 7: 255 ح 1100، الاستبصار 3: 145 ح 528، الوسائل 14: 461 أبواب المتعة ب 12 ح 4.

[ 275 ]

ولا دلالة في هذه الأخبار على المطلوب، ولعلها لبيان الحد الذي يجوز الدخول ; لاختلافهن في صغر الجثة وكبرها، وهذا ليس معنى البلوغ، على أن الظاهر من رواية محمد بن مسلم بيان الرشد لاالبلوغ. وكيف كان، فهذه الروايات مع ضعفها سندا ودلالة لا تقاوم أدلة المشهور، فلتطرح، أو تؤول بما ذكرنا. وأما الأخبار الدالة على اعتبار سبع سنين وثلاث عشرة سنة فهي مهجورة لا يلتفت إليها. ثم اعلم أن مرادهم من بلوغ الخمس عشرة سنة في الرجل والتسع في الانثى إكمالها، لاالدخول فيها كما هو ظاهر الروايات ; لأن الخمس عشرة مثلا اسم لمجموع العدد. نعم لو قيل: بلوغ الخامسة عشرة، لكان الإشكال متجها كما لا يخفى، بل الظاهر أنه لا خلاف في ذلك، كما يظهر من كلمات جماعة، منهم الشهيد الثاني، حيث نسبه إلى فتوى الأصحاب (1) وهو منقول عن الخلاف والغنية والوسيلة والتذكرة (2) والظاهر كونه إجماعيا، وهو موافق للأصل أيضا. والمعتبر الهلالية كما في سائر النظائر، وهو المعهود في شرعنا كما نص عليه في المسالك (3) وغيره (4). وأما بلوغ الخنثى المشكل بحسب السن، فهو أيضا بلوغ خمس عشرة ; للأصل، ولم نقف على مخالف فيه. ومنها: الحيض والحمل، ولم نقف في كونهما علامة للبلوغ على خلاف، ولكن


1. المسالك 4: 144. 2. الخلاف 3: 283، الغنية (الجوامع الفقهية): 594، الوسيلة: 137، التذكرة 2: 74. 3. المسالك 4: 144. 4. الخلاف 3: 283، الغنية (الجوامع الفقهية): 594، التذكرة 2: 74.

[ 276 ]

الإشكال في أنهما نفس البلوغ أو علامة لسبقه، فالظاهر أن المشهور هو الثاني، بل ادعى في المسالك عليه الإجماع (1). وظاهر التحرير أيضا عدم الخلاف، حيث قال في كتاب الحجر: السن يتحصل منه البلوغ، إلى أن قال: الحيض دلالة على البلوغ بلا خلاف، وكذا الحمل (2)، وكذا يظهر ذلك من ابن إدريس (3). وعن ظاهر المبسوط: أن الحيض نفس البلوغ (4). وأما الحمل فلم يذكروا فيه خلافا. والذي ذكروه في وجهه: أن الحيض لا يكون إلا مع كمال التسع إجماعا، فلا يتحقق الحيض إلا بعد كماله، فظهر أنها بالغة قبل الحيض. وفي الحمل أنه مسبوق بإنزال الماء ; لقوله تعالى: * (أمشاج نبتليه) * (5) و * (يخرج من بين الصلب والترائب) * (6) وهو نفس البلوغ. وربما يورد على الأول بالدور ; لأن معرفة كون الدم حيضا موقوف على معرفة كمال التسع الذي هو نفس البلوغ، فإذا عرف البلوغ به لزم الدور. ويندفع: بأن ذلك في مجهولة السن التي يمكن أن يكون دمها حيضا فبالإمكان يحكم بكونه حيضا، وبعد ذلك يحكم بكونها بالغة بالتسع كمالا. ويرد على الأول: إمكان المقارنة دفعة، فلا يثبت السبق، والسبق الذاتي من جهة العلية - كسبق حركة اليد على المفتاح - لو سلم فلا يثمر في الفروع الفقهية، والذي ذكروه من الفروع هو صحة العقد الذي وقع مقارنا لمبدأ الحيض أو انعقاد النطفة،


1. المسالك 4: 145. 2. التحرير 1: 218. 3. السرائر 1: 367. 4. المبسوط 2: 282. 5. الإنسان: 2. 6. الطارق: 7.

[ 277 ]

وهومع ندرته وندرة الإطلاع عليه خصوصا في انعقاد النطفة يشكل باحتمال وقوع أول الصيغة قبل البلوغ، إلا أن يكون نظرهم إلى تقديم الظاهر على الأصل، وله وجه. وأما الكلام في الحمل ; فقد ذكر فيه أنه مسبوق بالإنزال من المرأة، وأن عادة الله جرت على أن المرأة لا تحبل حتى يتقدم منها حيض. وفيه: مع ما تقدم من إمكان المقارنة أن المعتبر من الحيض والمني مايخرج من المخرج، لاما ينزل في الرحم وتخلق فيه. وكيف كان فالنزاع في المسألة قليل الفائدة. وأما الخنثى المشكل فتحيضها بمجرده لا يدل على البلوغ، إلا إذا أمنى من مخرج الذكر كما عن الأكثر (1)، وهو كما ذكروه. وقد يقال هنا بطريق نظير ما تقدم في الإنزال من أن خروج الحيض من مخرج الانثى دليل على كونها انثى، كما إذا بالت منه، وأن خروج الحيض من الرجل محال، فكان دليلا على التعيين، ومتى ثبت التعيين، كان دليلا على البلوغ، كما أن خروج المني من مخرج الذكر من الانثى محال، فيكون دليلا على رجولية الخنثى. أقول: أما الأول فهو قياس. وأما الثاني فهو استبعاد يدفعه وقوع أعجب منه، وهو الإيلاد لآخر مع إيلاد الآخر منها كما في قصة شريح، وهذا القول منسوب إلى بعض العامة (2)، وارتضاه في المسالك (3)، وهو غير جيد، نعم لو اعتاد بذلك فيمكن الاعتماد. وأما ما قيل من أن خروج الحيض والمني من المخرجين يوجب التعارض والتساقط ففاسد ; إذ لا يخرج الشخص في نفس الأمر عن الرجل والمرأة عند الشارع، فما لا يلتبس من أجله الحكم، فلا وجه لعدم اعتباره من أجله.


1. المبسوط 2: 283، التذكرة (الطبعة الحجرية) 2: 74. 2. فتح العزيز 10: 282. 3. المسالك 4: 147.

[ 278 ]

تذنيبان الأول: طريق معرفة البلوغ بالسن لمن لم يضبطه البينة أو الشياع. وأما ادعاء الصبي ذلك أو إقراره فقال في القواعد: ولو ادعى أنه بلغ بالاحتلام في وقت إمكانه صدق من غير يمين، وإلا دار، ولو ادعاه بالسن طولب بالبينة (1)، ومثله قال في التحرير (2). وقال في الشرائع: ولا يقبل إقرار الصبي بالبلوغ حتى يبلغ الحد الذي يحتمل البلوغ (3). وظاهر إطلاقه يشمل إقراره بالسن. وفي التذكرة: ولو ادعى البلوغ بالسن طولب بالبينة لإمكانها، ولو كان غريبا أو خامل الذكر الحق بدعوى الاحتلام، يعني يسمع ; لعسر إقامته البينة عليه كالمني (4). ونقله في الدروس ساكتا عليه مشعرا بالتوقف (5 "). وفي الروضة: أنه تقبل دعواه، وأطلق (6). وفي المسالك بعد نقل كلام التذكرة: والأظهر أنه لا يقبل بدون البينة ; لإمكان إقامتها عليه في جنس المدعى، ولا ينظر إلى حال المدعي وعجزه مع كون الجنس في ذاته مقدورا. قال: ويمكن حمل كلام المصنف على دعوى البلوغ، ووجه قبوله أن طريقه مما يرجع إليه في الجملة، وهذا متجه.


1. القواعد (الطبعة الحجرية) 1: 277. 2. التحرير 2: 114. 3. الشرائع 3: 119. 4. التذكرة 2: 124. 5. الدروس 3: 127. 6. الروضة البهية 6: 385.

[ 279 ]

ثم قال وفاقا للتذكرة: وفي الحقيقة دعوى الصبي البلوغ بالاحتلام وغيره أو مطلقا ليس إقرارا ; لأن الإقرار إخبار عن ثبوت حق عليه للغير، ونفس البلوغ ليس كذلك، ولهذا يطالب مدعي البلوغ في السن بالبينة، واختلفوا في تحليف مدعيه بالاحتلام، والمقر لا يكلف البينة ولااليمين. نعم قد يتضمن الإقرار من حيث إنه يستلزم الاعتراف بالحقوق المنوطة بالبلوغ، وذلك لا يقتضي كونه بنفسه إقرارا. ثم قال أيضا موافقا للتذكرة: وأيضا فإنه على تقدير قبول قوله يحكم ببلوغه سابقا على قوله، فلا يكون إقراره إقرار الصبي إلا من حيث الظاهر، ولكن الأمر هنا سهل ; لجواز وصفه بالصبي من هذا الوجه، فإنه حال الإقرار كان محكوما بصباه، وإنما كشف تمام إقراره عن عدم صباه، وذلك حكم متأخر عن حالة الإقرار (1). أقول: الصبي المذكور حين الإقرار صبي، وثبوت كون إقراره في حال البلوغ بقول نفسه موقوف على كون قوله مقبولا حين الإقرار، وهو أول الكلام. والظاهر عدم الفرق بين كون إخباره من باب الدعوى أو الإقرار أو مطلق الإخبار، وكلها مشروطة بالكمال. والقول " بأن الصبي إذا كان عاقلا يشمله عموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، فإن العقل قد ينفك عن البلوغ " مما لاأجد له مسرحا في النظر السليم ; إذ هو مستلزم للتخصيص الذي لا يرضى به المحققون بالنسبة إلى هذا النوع من أنواع العام ; إذ لاريب في عدم سماع إقرار الصبي إلا في مثل الوصية بالمعروف عند من جوزها له. فالأظهر عدم قبول قوله، إلا بالبينة أو الشياع ; لأن الأصل عدم ثبوت حق عليغيره في صورة كون إخباره من باب الدعوى، وكون غرضه إثبات حق على الغير. وتقديم قول أحد المتداعيين إذا كان قوله مما لا يطلع عليه أحد غيره، إنما يعتبر فيما


1. المسالك 11: 100.

[ 280 ]

كان جنسه كذلك، لتكون القاعدة مطردة، فلاعبرة بكونه غريبا أو خامل الذكر. ولا يحسن القول بأن هذا أيضا كلي مطرد، وليس بجزئي حتى لا يعتبر ; لأن لكل جزئي من جزئيات الدعوى يمكن اعتبار أمر كلي، مثل أن يقال: من لم يكن غريبا ولاخامل الذكر ولكن مات شهوده أو خاف شهوده يجري فيه ذلك، فيقال: كل من مات شهوده أو خاف فلا يمكن الاطلاع على قوله إلا من جهته، وهكذا. وأما إن تضمن إخباره إقرارا على نفسه ; فلما ذكرنا أن إقرار الصبي لا يسمع على نفسه، وإنما اختلفوا فيه مع إذن الولي، والمفروض أنه حال الإقرار محكوم بكونه صبيا. وأما الإخبار المطلق فهو أيضا مشروط بالبلوغ. وأما بالنسبة إلى معرفة حال نفسه بالنسبة إلى التكاليف فهو أمر بينه وبين الله، وعليه اتباعه، فتجب عليه العبادات مثلا بإقراره بينه وبين الله. ولكن لا يثبت وجوب الأمر والنهي للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بمجرد ذلك. وكذلك لا يجب على وليه لو مات قبل ثبوت بلوغه بالبينة قضاء صلاته الفائتة على القول بعدم اختصاص الولاية بابنه الأكبر أو مطلقا إذا فرض اطلاع ابنه الأكبر على إقراره كذلك ; إذ هو بالنسبة إليه إقرار على الغير فلا يسمع. ثم إن الشهيد الثاني - رحمه الله - قال في الروضة: وفي قبول قول الأبوين أوالأب في السن وجه (1)، ولعل وجهه أنه لايعرف إلا من قبلهما - كما قيل - كالاحتلام منه. وفيه نظر، ولو قبل فالام أولبا لقبول، فالصواب جعلهما من باب الشاهد لواتصفا أو اتصف أحدهما بصفته. وأما الاحتلام فيثبت بالبينة والشياع أيضا ; لإمكان حصول العلم للغير به، وبقوله


1. الروضة البهية 2: 145.

[ 281 ]

مع الإمكان، كما اختاره الفاضلان (1) والشهيدان (2)، لأنه أمر لايعرف غالبا إلا من قبله. ثم اختلفوا في تحليفه، فذكر العومة (3) وغيره (4) أنه لا يحلف، وإلا دار ; لأن صحة اليمين مشروطة بكون الحالف بالغا ; لرفع القلم عن الصبي، فيتوقف على الحكم بالبلوغ، ولو توقف الحكم البلوغ على اليمين لزم الدور. وما ذكره الشهيد - رحمه الله - في الدروس في دفعه " بأن اليمين موقوفة على إمكان البلوغ، والموقوف على اليمين هو البلوغ فتتغاير الجهة " (5) فهو مدفوع بمنع كفاية إمكان البلوغ في اليمين. أقول: ويمكن أن يكون نظره - رحمه الله - إلى صورة الدعوى ووجود المزاحم، فحينئذ معنى قبول قوله أنه يصير من قبيل المنكر، وكلما يقال في المنكر " القول قوله " فالمراد مع اليمين ; لعموم قوله عليه السلام: " البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه " إذ من المواضع التي يجعل أحد المتداعيين منكرا هو ماكان الفعل فعله، وكان مما لا يطلع عليه غيره غالبا. فالأولى منع قبول قوله لما دل على رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، وعدم كفاية الإمكان والاحتمال، وبعد قبول قوله فالأظهر الاحتياج إلى اليمين. وكذلك الكلام في دعوى الصبية الحيض مع الإمكان على الوجه الذي حققناه سابقا من اعتبار ذلك في مجهولة السن، لئلا يلزم الدور. والكلام في التحليف أيضا كما تقدم، والوجه عدم القبول ; لعموم رفع القلم، وما دل من الأخبار على أن الحيض والعدة إلى النساء إنما هو فيمن بلغت.


1. المحقق في الشرائع 3: 119، والعلامة في التحرير 2: 114. 2. الشهيد الأول في الدروس 3: 126، والشهيد الثاني في الروضة 6: 385. 3. التذكرة (الطبعة الحجرية) 2: 144. 4. الدروس 2: 93. 5. الدروس 3: 126، الروضة البهية 6: 385.

[ 282 ]

وأما الإنبات فلا يثبت بقوله ; لإمكان المعرفة بالاختيار للاضطرار، بل اختيارا على المشهور من عدم كون محله عورة، ولم نقف على مخالف فيه، ويثبت بالبينة والشياع. الثاني: يستحب تمرين الصبي والصبية على العبادات استحبابا، والمراد به حمله على العبادات قبل البلوغ ليعتاد عليها، ويقوى عليها، حتى يسهل عليه الأمر بعد البلوغ، ويصلب عليها. وهو مأخوذ من المرانة بمعنى العادة، أو من قولهم: مرنت يده على العمل، إذا صلبت، والأصل الاستحباب مما لاإشكال فيه. إنما الخلاف في مبدأه، وقد أشرنا في أول الكتاب إلى اختلاف الأخبار في مبدأ الصلاة. وأما الصوم فذكر جماعة أن مبدأه سبع سنين مع الطاقة، ولكن جعلها جملة منهم مبدأ التشديد. وذهب جماعة إلى أن مبدأه التسع. وقال المفيد: ويؤخذ الصبي بالصيام إذا بلغ الحلم أو قدر على صيام ثلاثة أيام متتابعات قبل أن يبلغ الحلم، بذلك جاءت الآثار (1). حجة الأولين: حسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: " إنا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فإن كان إلى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقل، فإذا غلبهم العطش والغرث أفطروا، حتى يتعودوا الصيام ويطيقوه، فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين ماأطاقوا من صيام، فإذا غلبهم العطش أفطروا " (2).


1. المقنعة: 360، الوسائل 7: 167 أبواب من يصح منه الصوم ب 29. 2. الكافي 4: 124 ح 1، التهذيب 4: 282 ح 853، الاستبصار 2: 123 ح 400، الوسائل 7: 167 أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3 بتفاوت، والغرث: الجوع. مجمع البحرين 2: 260.

[ 283 ]

وهذه الرواية تدل على أفضلية السبع، لاعلى اختصاصه بأولادهم عليهم السلام، حتى أنه لا يستحب لغيرهم، كما فهمه الآخرون. ويدل على الرجحان قبل السبع أيضا وإن لم يكن مشددا مضافا إلى إطلاق صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة سابقا (1)، وصحيحة زرارة والحلبي، وحسنتهما، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن الصلاة على الصبي متى يصلى عليه ؟ فقال: " إذا عقل الصلاة " قلت: متى تجب الصلاة عليه ؟ قال: " إذا كان ابن ست سنين، والصيام إذا أطاقه " (2). وقوية عثمان بن عيسى، عن سماعة، قال: سألته عن الصبي متى يصوم ؟ قال: " إذا قوي على الصيام " (3). والمستفاد من الخبرين وغيرهما (4) أن المعيار هو الطاقة، وأن ذكر السبع مثلا قد ورد مورد الغالب، وقد عرفت أن الطاقة لبعض اليوم أيضا تكفي في استحبابه صريحا من الحسنة المتقدمة. وأما دليل المفيد فرواية السكوني، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا أطاق الغلام صوم ثلاثة أيام متتابعة، فقد وجب عليه صيام شهر رمضان " (5). وعن الصدوق: أنه فهم من ذلك أنه إذا أطاق ذلك اخذ بصيام كل الشهر (6)، وكذا المفيد في موضع من المقنعة (7)، وهو بعيد. وأما القول باستحباب أخذ الصبي بالصيام إذا كان ابن ست سنين بالخصوص كما


1. الكافي 4: 125 ح 2، الفقيه 2: 76 ح 332، الوسائل 7: 167 أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 1. 2. الكافي 3: 206 ح 2، الفقيه 1: 104 ح 486، التهذيب 3: 198 ح 456، الاستبصار 1: 479 ح 1855، الوسائل 2: 787 أبواب صلاة الجنازة ب 13 ح 1. 3. الكافي 4: 125 ح 3، الوسائل 7: 167 أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 2. 4. الوسائل 7: 167 أبواب من يصح منه الصوم ب 29. 5. الكافي 4: 125 ح 4، التهذيب 4: 326 ح 1013، الوسائل 7: 168 أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 5. 6. الفقيه 2: 76 ح 330. 7. المقنعة: 360.

[ 284 ]

في المعتبر (1)، لعله فهم ذلك من صحيحة زرارة والحلبي المتقدمة: " إذا كان ابن ست سنين تجب الصلاة عليه والصيام "، فهو معطوف على الصلاة المقدرة بقرينة المقام، ولكنه مقيد بالطاقة، وليس بذلك البعيد، فليس ذلك من باب القياس على الصلاة كما قد يتوهم، والمراد من وجوب الصلاة الثبوت، فهو بيان لتعقله للصلاة، وأول الرواية سؤال عن صلاة الميت. تنبيهات: الأول: لا يحضرني كلام منهم في تمرين المجنون، وقال في الروضة: وأما المجنون فينتفيان في حقه - يعني شرعية عبادتهم وصحتها - لانتفاء التمييز، والتمرين فرعه، قال: ويشكل ذلك في بعض المجانين ; لوجود التمييز فيهم (2). أقول: والعلة المستفادة من بعض الأخبار المتقدمة وكلماتهم من حصول التسهيل عليهم بعد البلوغ يشعر بعدمه فيهم، إلا أن يكون جنونهم دوريا، فيمكن حصول الثمرة فيهم وقت الإفاقة، فيمكن القول برجحان تمرينهم في حال الجنون لحال الإفاقة، ولكن المقام لايصفو عن شوب الإشكال. الثاني: اختلفت كلماتهم في نية الصبي في الواجبات، اختار العلامة في التذكرة والتحرير نية الندب ; لأنه الوجه الذي يقع عليه فعله، فلاينوي غيره (3). وقال الشهيد في الذكرى: وهل ينوي الوجوب أو الندب ؟ الأجود الأول ; ليقع التمرين موقعه، قال: ويكون المراد بالوجوب في حقه مالابد منه، يعني ولو تمرينا، أو المراد به الواجب على المكلف، ويمكن الثاني ; لعدم وجه الوجوب في حقه (4).


1. المعتبر 2: 685. 2. الروضة البهية 2: 102. 3. التذكرة 6: 101، التحرير 1: 81. 4. الذكرى: 82، وفيه: ويكون المراد بالوجوب في حقه ما لابد منه إذ المراد به....

[ 285 ]

وفي البيان قال: وينوي الصبي الوجوب، ولو نوى الندب جاز (1). وقال الشهيد الثاني في الروضة: ويتخير بين نية الوجوب والندب ; لأن الغرض التمرين على فعل الواجب، ذكره المصنف وغيره وإن كان الندب أولى (2). أقول: والتحقيق أن يفصل ويقال: لا معنى للوجوب الحقيقي ولاللندب الحقيقي على القول بعدم كون عباداته شرعية ; إذ لاخطاب، فلا ندب ولا إيجاب. وأما على القول بكونها شرعية - كما هو المختار - فعباداته مندوبة لها ثواب، فيتعين قصد الندب. ويمكن أن يقال حينئذ: المطلوب منه بعنوان الندب إيقاعها مع تصوير قصد الوجوب ندبا. يعني يستحب أن يأتي بصورة العبادة التي تجب على المكلفين هيئة ونية، فنية الوجوب ليست نفس نية العبادة، بل هي تصور هنا، وحقيقة النية تصديق، فيستحب له تصور الوجوب الذي هو ثابت على المكلفين، فنية الفعل حقيقة هو الندب، وقصد الوجوب إنما هو محض التصور لأجل الاعتياد، ولاغائلة في ذلك. وما يقال: إن التمرين في النية غير محتاج إليه لكمال سهولة تغييرها عند البلوغ، فهو كما ترى، إذ في ممارسة ذلك كمال التسهيل، سيما فيمن قد تطرؤه الوسوسة في النية والتشكيك، وذلك نظير نية الأجير للحج المندوب ينوي وجوب ما هو مندوب على المستأجر على نفسه. الثالث: مقتضى اشتراط صحة النية بالإخلاص خلوصها عن شوب سائر الدواعي، والعادة من أعظم الدواعي على الأفعال العادية، فكيف يجتمع هذا مع رجحان تسهيل العبادات على العباد من جهة الاعتياد، وتكليفه بعد البلوغ بتصفية نيته عن شوب داعية العادة من أشق التكاليف، فهذا التسهيل مما يوجب عدم التسهيل،


1. البيان: 149. 2. الروضة البهية 2: 105.

[ 286 ]

فترتفع فائدة التمرين، وهو التسهيل، وما يوجب وجوده عدمه فهو محال. ويمكن دفع هذا الإشكال: بأن الحكمة في ذلك لعلها جعل العمل بحيث لا تكرهه النفس، وإلا فهو مكلف بعد البلوغ بإزالة داعي العادة وتصفيتها عنها، فإنا قد نجد من أنفسنا بعد إخلاص النية عن كل شوب مشقة العبادة ومنافرة النفس وتضجرها منها، لكونها شاقة في نفسها. فالمطلوب من الاعتياد هو صيرورة العمل بحيث لاتتضجر منه النفس، ولذلك أمرونا بالاقتصاد، بل وترك المندوب حين الألم واشتغال القلب بالغموم وغير ذلك، وعدم تحميلها فوق وسعها، وكفاك قوله تعالى: * (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) * (1) فتأمل تفهم الفرق بين ملائمة النفس وبين كون الداعي على العمل هو الاعتياد، والله أعلم بالرشاد.


1. طه: 1.

[ 287 ]

المقصد السادس في أقسام الصوم وهو ينقسم إلى ما عدا المباح من الأحكام الأربعة. وفيه فصول: الفصل الأول: في الصوم الواجب فالواجب منه ستة: صوم شهر رمضان، والكفارات، والنذر وما أشبهه، وقضاء الواجب، ودم المتعة، والاعتكاف منذورا أو بعد يومين، وسيجئ الكلام في النذر وشبهه ودم المتعة في محالها، ونقتصر هنا على ذكر قسمين: القسم الأول: في صوم شهر رمضان وفيه مباحث: الأول: فيما يعلم به دخول الشهر، ووقت وجوب الإمساك والإفطار. أما علامة دخول الشهر فامور:

[ 288 ]

الأول: الرؤية فيجب على من رأى الهلال متيقنا ولو انفرد، وكذا لو شهد فردت شهادته، بإجماع علمائنا كما في التذكرة (1) والمدارك (2)، خلافا لعطاء، والحسن، وابن سيرين، وإسحاق (3). وكذلك الحكم في إفطار أول شوال، وادعى عليه الإجماع أيضا في المدارك (4). ويدل عليه قولهم عليهم السلام: " إذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فافطر " (5) ونحوه مماسيجئ. وخصوص صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، له‌أن يصوم ؟ قال: " إذا لم يشك فيه فليصم، وإلا فليصم مع الناس " (6). ولاتنافيه مثل صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: " والرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد: هو ذا هو، فينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحدرآه عشرة وألف " (7) إذ لعل المراد أنه لا تعتبر شهادة مثل هذا الواحد ; لأنه مورد التهمة. ولو أفطر هذا المنفرد، تجب عليه الكفارة عند علمائنا أجمع، كما في التذكرة (8). وينبغي التنبيه لامور:


1. التذكرة 6: 118. 2. المدارك 6: 164. 3. انظر المغني 3: 96، والشرح الكبير 3: 11، والمجموع 6: 280، وبداية المجتهد 1: 285. 4. المدارك 6: 165. 5. الكافي 4: 76 ح 1، التهذيب 4: 155 ح 430، الاستبصار 2: 62 ح 200، الوسائل 7: 182 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 1 و 3 و 27. 6. التهذيب 4: 317 ح 964، الوسائل 7: 188 أبواب أحكام شهر رمضان ب 4 ح 1، وفي الفقيه 2: 77 ح 341، وعنه في الوسائل: إذا لم يشك فليقض وإلا فليصمه مع الناس. 7. التهذيب 4: 156 ح 433، الاستبصار 2: 63 ح 203، الوسائل 7: 209 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 11. 8. التذكرة 6: 119.

[ 289 ]

الأول: إذا رؤي الهلال في بلد دون آخر، فإن كانت البلدان متقاربة كان حكمها واحدا في الصوم والإفطار، وإن تباعدت فلكل منهما حكمه. والمراد بالتباعد: أن يكون بحيث تختلف المطالع، كالحجاز والعراق، وبغداد وخراسان، بخلاف المتقاربة كبغداد والعراق. واختلف العامة في معنى التباعد، فبعضهم اعتبر مسافة القصر، وبعضهم مسافة يظهر في مثلها تفاوت في المناظر بسبب الارتفاع والانخفاض وإن كان أقل من مسافة القصر، وبعضهم اتحاد الإقليم واختلافه، وبعضهم ما اعتبرناه (1). ووجهه: أن اختلاف المطالع إنما هو الموجب لاختلاف الرؤية بناءا على أن الأرض كروية كما هو الأصح، فتختلف المطالع، فتطلع الكواكب على جهاتها الشرقية قبل طلوعها على الغربية، وكذلك في الغروب، فيمكن أن لا يرى الهلال قبل الغروب في الشرقية ; لقربه من الشمس، ثم يرى في تلك الليلة في الغربية ; لتأخر غروبها، فيحصل التباعد بينهما الموجب للرؤية. قال فخر المحققين: وكل بلد غرببعيد عن الشرقي بألف ميل يتأخر غروبه عن غروب الشرقي ساعة واحدة (2). واستدل عليه أيضا في التذكرة بما رواه كريب أن ام الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: قدمت الشام فقضيت بها حاجتي، واستهل علي رمضان فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس وذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال ؟ فقلت: ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته ؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلانزال نصوم حتى تكمل العدة أو نراه، فقلت أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ قال: " لا، هكذا أمرنا


1. فتح العزيز 6: 273 - 275، المجموع 6: 273. 2. إيضاح الفوائد 1: 252.

[ 290 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله " (1) و (2). وربما يستدل بمثل آخر رواية زيد الشحام، قال: صعدت مرة جبل أبي قبيس واليصلون المغرب، فرأيت الشمس لم تغب، إنما توارت خلف الجبل عن الناس، فلقيت أبا عبد الله عليه السلام فأخبرته بذلك، فقال: " فلم فعلت ذلك، بئس ما صنعت، إنما تصليها إذا لم ترها خلف الجبل، غابت أو غارت، ما لم يتجللها سحاب أو ظلمة تظلها، فإنما عليك مشرقك ومغربك، وليس على الناس أن يبحثوا " (3). وفيه: منع الدلالة، إذ مع قطع النظر عن اختصاص ذلك بوقت المغرب على القول بكفاية ذهاب الشعاع عن الأشجار والمباني العالية، لا زوال الحمرة المشرقية، لابد على أن بعد البحث لا يجب العمل بمقتضاه. ثم نقل فيها عن بعض الشافعية (4) أن حكم البلدان كلها واحد، فمتى رؤي في بلد حكم بأنه أول الشهر في جميع أقطار الأرض، تباعدت البلاد أو تقاربت، اختلفت مطالعها أو لا، وبه قال أحمد وليث، وبعض علمائنا ; لأنه يوم من شهر رمضان في بعض البلاد للرؤية، وفي الباقي بالشهادة، فيجب صومه ; لقوله تعالى: * (ومن شهد منكم الشهر فليصمه) * (5) ولأن الأرض مسطحة، فإذا اختلفت البلاد في الرؤية فإنما هو لأمر عارضي. وبقول الصادق عليه السلام في صحيحة هشام بن الحكم: فيمن صام تسعة وعشرين يوما: " إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية الهلال


1. صحيح مسلم 2: 765 ح 1087، سنن الترمذي 3: 76 ح 693، سنن أبي داود 2: 299 ح 2332، سنن النسائي 4: 131، سنن الدار قطني 2: 171 ح 21، سنن البيهقي 4: 251. 2. التذكرة 6: 122. 3. الفقيه 1: 142 ح 661، التهذيب 2: 264 ح 1053، الاستبصار 1: 266 ح 961، الوسائل 3: 145 أبواب المواقيت ب 20 ح 2. 4. التذكرة 6: 123، وانظر فتح العزيز 6: 272، والمجموع 6: 273 و 274، وحلية العلماء 3: 181، والمغني 3: 10، والشرح الكبير 3: 7. 5. البقرة: 185.

[ 291 ]

قضييوما " (1). ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله عنه عليه السلام، وفي آخرها: " فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه " (2). ويرد عليه: المنع بثبوته بمثل هذه الشهادة، وبمنع تسطيح الأرض كما حقق في محله، وتشهد به التجربة، فإنا نشاهد أن من يسير على خط من خطوط نصف النهار إلى سمت الشمال يرتفع القط ب الشمالي، وكذلك بالعكس. وأما الآية (3) ; فظاهرها فيمن شهد في البلد الذي رأوه فيه، ولو منع الظهور فلابد من تأويلها به لئلا يلزم جواز جعل شهر رمضان ثمانية وعشرين في بعض الأوقات، وهو غير جائز إجماعا. وأما الأخبار ; فليس فيها عموم يشمل البلاد المتباعدة، بل هي ظاهرة في المتقاربة. وأما منع الجبال والتلال للرؤية وتفاوت الأمكنة بسبب ذلك كما يظهر من كلام بعض العامة اعتباره (4) فضعيف جدا ; إذ لو اعتبر ذلك اعتبر حيطان الدار وسور البلد ونحو ذلك، وليحصل الفرق بين من كان في سفح الجبل ومن كان في قلته في بعض البلاد الواقعة في سفحه. وبالجملة فلا قائل به من الأصحاب، وخلاف مقتضى إجماعهم ظاهرا. إذا عرفت هذا فلو شرع في الصوم في بلد ثم سافر إلى آخر لم ير الهلال فيه في اليوم الأول، فعلى القول بالتعميم يلزم أهل البلد الآخر موافقته لو ثبت عندهم بشهادته إذا كان عدلا وقلنا به أو بطريق آخر، فيقضون اليوم الأول، وفي العكس هو يقضي. وعلى القول المختار قال في التذكرة: وجهان، أحدهما: أنه يصوم معهم، وهو قول


1. التهذيب 4: 158 ح 443، الوسائل 7: 192 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 13. 2. التهذيب 4: 157 ح 439، الاستبصار 2: 64 ح 206، الوسائل 7: 212 أبواب أحكام شهر رمضان ب 12 ح 2. 3. البقرة: 185. 4. انظر فتح العزيز 6: 272، والمجموع 6: 273، وحلية العلماء 3: 181، والمغني 3: 10، والشرح الكبير 3: 7.

[ 292 ]

بعض الشافعية ; لأنه بالانتقال إلى بلدهم أخذ حكمهم وصار من جملتهم، والثاني: أنه يفطر ; لأنه التزم حكم البلدة الأولى، فيستمر عليه، وشبه ذلك بمن اكترى دابة لزمه الكراء بنقد البلد المنتقل عنه (1). أ قول: فقد يلزمه على الأول صوم أحد وثلاثين يوما بناءا على التعميم، وفي العكس الإفطار على ثمانية وعشرين يوما. ولو أصبح معيدا ثم انتقل ليومه ووصل قبل الزوال، أمسك بالنية وأجزأ، وبعده أمسك مع القضاء، ولو انعكس أفطر. وههنا فروع كثيرة لانص فيها، فالأولى العمل بالاحتياط فيها. الثاني: قال في التذكرة: يجب الترائي للهلال ليلة الثلاثين من شعبان ورمضان وتطلبه ; ليحتاطوا بذلك لصيامهم ويسلموا من الاختلاف. واستدل عليه بأن الصوم واجب في أول رمضان، وكذا الإفطار في العيد، فيجب التوصل إلى معرفة وقتهما ; لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب (2). أقول: وفيه نظر ; إذ الأصل دليل قوي لا يخرج عنه إلا بدليل، وبراءة الذمة عن التكليف لا ترتفع إلا بما يثبته، ونحن نمنع وجو ب الصوم إلا لمن عرف دخول الشهر، وإن قلنا بأن الألفاظ أسام لما هو في نفس الأمر. وبذلك ندفع ما احتج به الأصحاب في وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة، حيث استدلوا على وجوب الاجتناب عن المشتبه بالنجسن بأن الاجتناب عن النجس أو الحرام واجب، ولا يتم إلا بالاجتناب عن الجميع، ونقول: إن المسلم وجوبه هو الاجتناب عما علمت نجاسته أو حرمته، لاعما هو نجس أو حرام في الواقع كما حققناه في القوانين.


1. التذكرة 6: 124. 2. التذكرة 6: 120، والموجود فيه " يستحب " بدل " يجب " وهو خطأ من المحقق كما يظهر من الأدلة.

[ 293 ]

ولهذه المسألة فروع كثيرة في الفقه، منها: لزوم إذابة النقد المغشوش إذا جهل بلوغه حد النصاب لمعرفة ذلك. ومنها: تعريض الأموال للبيع، حتى يعرف الاستطاعة للحج. ومنها: وجوب التفحص عن المسافة لمن يريد السفر. ومن هذا الباب: جواز الأكل والشرب في السحر مع عدم التفحص عن الفجر. والحاصل: أنا لانقول إن مائتي درهم وعشرين دينارا مثلا اسم لما علم أنه مائتا درهم وعشرون دينارا، وكذا في نظائره، لكنا نقول: ظاهر متعارف أهل اللسان أنهم يريدون ذلك، وكذلك غالب استعمالات الشرع، مضافا إلى الأصل، فالأصل والظاهر هنا متطابقان. وقد يقال: إن المولى إذا قال لعبيده كل من كان عنده عشرون دينارا فليتصدق بدينار، ومن لم يبلغ ما عنده إليه فلاشئ عليه، فالعرف والعادة ووجوب الامتثال يقتضي أن يحسب كل منهم ما عنده حتى يعرف الحال، وأنه من أي الصنفين. وفيه: أنا نمنع ذلك إلا إذا علموا أن مراده لزوم التفحص عن ذلك. سلمنا اللزوم ; ولكنه فيما لم يكن بأيدينا ما هو عذر لترك التفتيش، والمفروض أن لنا عذرا في تركه، وهو استصحاب شعبان. لا يقال: إن هذا الكلام يمكن إجراؤه في كل موضع ; لأن أصل البراءة عذر في كل موضع، لأنا نفرض الكلام في الحكمين المتعارضين من الشارع مع قطع النظر عن الأصل. الثالث: يستحب لمن رأى الهلال الدعاء. وعن ابن أبي عقيل: أنه يجب أن يدعو بهذا الدعاء عند رؤية هلال شهر رمضان: " الحمد لله الذي خلقني وخلقك، وقدر منازلك، وجعلك مواقيت للناس، اللهم أهله علينا إهلالا مباركا، اللهم أدخله علينا بالسلامة والإسلام، واليقين والإيمان،

[ 294 ]

والبر والتقوى، والتوفيق لما تحب وترضى " (1). وروى الكليني، عن جابر، عن الباقر عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أهل هلال شهر رمضان استقبل القبلة ورفع يديه فقال: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والعافية المجللة، والرزق الواسع، ودفع الأسقام، اللهم ارزقنا صيامه وقيامه وتلاوة القرآن فيه، اللهم سلمه لنا، وتسلمه منا، وسلمنا فيه " (2). وعن الحسين بن المختار رفعه قال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " إذا رأيت الهلال فلاتبرح، وقل: اللهم إني أسألك خير هذا الشهر وفتحه ونوره ونصره وبركته وطهوره ورزقه، وأسالك خير ما فيه وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده، اللهم أدخله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والبركة والتقوى والتوفيق لما تحب وترضى " (3) إلى غير ذلك من الأدعية التي وردت في خصوص هلال شهر رمضان ومطلق الهلال، وسيما دعاء الهلال لمولانا سيد الساجدين عليه السلام في الصحيفة المباركة (4). الثاني: أن يمضي من شعبان ثلاثون يوما بإجماع المسلمين، بل هو من ضروريات الدين كما في المدارك (5). وتدل عليه الأخبار (6) أيضا، وكذلك الكلام في هلال شوال، فيعلم بمضي ثلاثين من رمضان.


1. نقله عنه في المختلف 3: 501. 2. الكافي 4: 70 ح 1، التهذيب 4: 196 ح 562، الوسائل 7: 233 أبواب أحكام شهر رمضان ب 20 ح 1. 3. الكافي 4: 76 ح 9، الوسائل 7: 234 أبواب أحكام شهر رمضان ب 20 ح 6. 4. الصحيفة السجادية: 140 " الدعاء رقم 43 ". 5. المدارك 6: 165. 6. الوسائل 7: 182 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3.

[ 295 ]

الثالث: الشياع وهو في اللغة بمعنى الانتشار، قال الجوهري: شاع الخبر أي ذاع، وفسر ذا في محله بانتشر (1). وهو لا يستلزم العلم كما لا يخفى، وكذا لا يفهم منه العلم في العرف. وفسره في الروضة هنا بإخبار جماعة به تأمن النفس من تواطؤهم على الكذب، ويحصل بخبرهم الظن المتاخم للعلم (2). وادعى على ثبوت الرؤية بالشياع الإجماع في المعتبر، قال: وكذا لو رؤي شائعا، ولا خلاف بين العلماء في ذلك (3). وقال في التحرير: ولو رؤي في البلد رؤية شائعة وجب الصيام إجماعا (4). ولكنه قال في التذكرة: ولو رؤي الهلال في البلد رؤية شائعة واشتهر وذاع بين الناس الهلال وجب الصيام إجماعا ; لأنه نوع تواتر يفيد العلم، ولو لم يحصل العلم بل حصل ظن غالب بالرؤية فالأقوى التعويل عليه كالشاهدين، فإن الظن الحاصل بشهادتهما حاصل مع الشياع (5). وحكى عن المنتهى (6) في المدارك الاستدلال بأنه نوع تواتر يفيد العلم، ثم حكى عبارة التذكرة، ثم قال: الأصح اعتبار العلم كما اختاره العلامة في المنتهى، وصرح به المصنف - رحمه الله - في كتاب الشهادات من هذا الكتاب (7) و (8).


1. الصحاح 3: 1240 مادة شيع. 2. الروضة البهية 2: 109. 3. المعتبر 2: 686. 4. التحرير 1: 82. 5. التذكرة 6: 136. 6. المنتهى 2: 590. 7. الشرائع 4: 121. 8. انتهى كلام المدارك 6: 166.

[ 296 ]

أقول: ويظهر من ذلك أنهم لم يفرقوا بين ما يمكن كونه مستند الشهادة وغيره، فحينئذ لابد أن يجعل العلم الذي اعتبروه في الشهادة أعم مما حصل الجزم الواقعي بموردها أو العلم الشرعي. فمن يكتفي في ثبوت النسب أو النكاح ونحوهما بالاستفاضة الظنية يشهد بأني عالم بأن فلانا ولد فلان، أو فلانة زوجة فلان ; لأن الشارع حكم بوجوب اعتقاد ذلك حين حصول هذا الظن. ولذلك يستندون في الشهادة إلى الاستصحاب وإلى اليد مع التصرف المتكرر، بل ومطلق اليد على المشهور إذا لم تزاحمه قرينة العارية أو الإجارة ونحوهما. وحينئذ فلابد للجماعة المشترطين للعلم في الاستفاضة التي تبنى عليها الشهادة، إما أن لايكتفوا في الشهادة بالظنون التي تصير مناطا للأحكام الشرعية التي يجب العمل عليها ويخصصوا العلم الذي اشترطوه في الشهادة بالعلم القطعي، ولاتنافي عندهم بين قولهم ذلك وقولهم بثبوت الأحكام الشرعية بالاستفاضة الظنية وسائر الظنون. وإما القول بعدم إمكان ثبوت شئ بالاستفاضة الظنية، وقولهم في مقام الاستدلال على اشتراط قطعية الاستفاضة بأن الشهادة مما يجب فيها العلم، دون أن يقولوا: إن الاستفاضة الظنية لا تثبت شيئا علينا من جانب الشارع، لتكون محصلة لعلم شرعي، حتى يمكن أن يصير موردا للشهادة، أعظم شاهد على الفرق بين المقامين، فمسألة حجية الاستفاضة الظنية في الأحكام الشرعية مسألة، ومسألة جواز بناء الشهادة عليها مسألة اخرى. ويظهر من المدارك الخلط بينهما، حيث نقل فتوى المصنف في الشهادات باشتراط العلم، والكلام فيما نحن فيه إنما هو في ثبوت الرؤية بالشياع الظني، لافي قبول الشهادة المبتنية عليه. والذي يشهد بذلك: أن المحقق اختار اعتبار الجزم في تحمل الشهادة بالاستفاضة وتردد فيما حصل به الظن المتاخم، ثم ذكر ثبوت الوقف والنكاح بالاستفاضة الظنية،

[ 297 ]

وقال: ولعل هذا أشبه بالصواب (1). بل لم يظهر منه - رحمه الله - اشتراط القطع في الشهادة أيضا ; لمنافاته التردد في اعتبار الظن المتاخم للعلم، بل مراده كفاية القطع الحاصل بالاستفاضة لااشتراطه. وأما كلامه في أول كتاب القضاء في ولاية القاضي (2)، فليس بنص في اعتبار اليقين، بل أطلق الشياع، وما ذكره في آخر كلامه من اعتبار اليقين إنما هو في اعتبار الأمارات الحاصلة بصدق الوالي بخبره. ويدل عليه حصر الحكم بثبوت الاستفاضة بالامور المعينة، وإلا فلا ينبغي التخصيص فيما يفيد العلم. وقد غفل في المسالك ونسب إليه اعتبار العلم مع تنبهه ; لأنه لاوجه للتخصيص في صورة اعتبار العلم (3). فههنا مقامان من الكلام: الأول: أنه هل يكفي في الشهادة الاعتقاد الظني الذي أجاز الشارع العمل به أم لا ؟ وهو محله في كتاب الشهادات، والظاهر جوازه كالاستصحاب واليد وغيرهما. والثاني: أن هذا الظن الحاصل بالاستفاضة هل هو من باب تلك الظنون التي أجاز الشارع العمل بها أم لا ؟ ومحله محل آخر، ومنه ما ذكره المحقق في أول كتاب القضاء من أن ولاية القاضي تثبت بالاستفاضة، وكذا النسب والملك المطلق والمو ت والنكاح والوقف والعتق (4). ونقل الشهيد في القواعد عن بعضهم أنه يثبت بالاستفاضة اثنان وعشرون: النسب إلى الأبوين، والموت، والنكاح، والولاية، والعزل، والولاء، والرضاع، وتضرر


1. الشرائع 4: 123. 2. الشرائع 4: 62. 3. المسالك 2: 51. 4. الشرائع 4: 62.

[ 298 ]

الزوجة، والوقوف، والصدقات، والملك المطلق، والتعديل، والجرح، والإسلام، والكفر، والرشد، والسفه، والحمل، والولادة، والوصاية، والحرية، واللوث، قيل: والغصب، والدين، والعتق، والإعسار (1). أقول: فالعمدة بيان الأقوال والأدلة في مسألة حجية الاستفاضة، واعتبار الجزم والظن ; لينفعنا في مسألة رؤية الهلال، والأقوال في المسألة ثلاثة: أحدها: اعتبار العلم، والمصرح به في مسألة الشهادة جماعة (2)، ولكن في أصل ثبوت شئ به وحجيته في إثبات المطالب مطلقا فلا يحضرني مصرح به. نعم يظهر من الذين حصروا إثبات المطالب بالاستفاضة في امور معينة أنهم يعتبرون العلم في غير الصور المعدودة، ويكتفون بالظن فيها، وإلا فلاوجه للحصر في الامور المعدودة لمايفيد العلم، إذ هو حجة مطلقا، إلا أن يقال بإمكان إجراء النزاع في حجية العلم في بعض المواضع أيضا كما ذكروه في مسألة عمل الحاكم بعلمه. ويظهر من الأصحا ب: عدم كفاية مطلق العلم في أداء الشهادة، بل يعتبرون العلم المستند إلى الحس. وخالفهم المحقق الأردبيلي رحمه الله (3)، وصاحب الكفاية (4)، فاكتفيا بمطلق حصول العلم للشاهد، ولا يخلو عن قوة، بل هو الظاهر من المسالك (5) وغيره. قال في المسالك في مسألة تحمل الشهادة بما يكفي فيه السماع: وقد اختلف فيما به يصير الشاهد شاهدا بالاستفاضة، فقيل: إن تكثر السماع من جماعة حتى يبلغ حد


1. القواعد والفوائد 1: 221. فائدة: نقل السيوطي عن الصدر موهوب الجزري هذه الموارد إلا في اثنين منها وهما: الولاء والملك المطلق، فقد نقل عنه بدلهما ولاية الولي والأشربة القديمة، انظر الأشباه والنظائر: 520. كما عد القرافي خمسة وعشرين موضعا تثبت بالاستفاضة، انظر الفروق: 540. 2. كالعلامة في التحرير 2: 211، وانظر مهذب الشيرازي 2: 335 نقلا عن الماوردي. 3. مجمع الفائدة والبرهان 12: 451. 4. كفاية الأحكام: 283. 5. المسالك (الطبعة الحجرية) 2: 415.

[ 299 ]

العلم بالمخبر عنه، وعلى هذا فلا تكون هذه الأشياء خارجة عن أصل الشهادة، وقيل: يكفي بلوغه حدا يوجب الظن الغالب المقارب للعلم، إلى آخر ما ذكره. لا يقال: هذا أيضا استناد إلى الحس. لأنا نقول: مرادهم بالحس سماع نفس المشهود عليه، كلفظ الإقرار وغيره، والمشهود عليه هنا ليس بمسموع، بل هو من قبيل النسب أو الموت أو غيرهما، بل هذا مستند إلى الحدس المستفاد من الحس، مع انضمام القرائن، ويلزم عليهم حينئذ أن يقبلوا الشهادة المنوطة بخبر واحد محفوف بالقرينة، أو برؤية امور يحصل بالحدس الجزم بوقوع شئ، والظاهر أنهم لم يقولوا به. وكيف كان فلاينبغي الإشكال فيما حصل العلم من الاستفاضة في إثبات الامور التي ذكروها من الوقف والنكاح وغيرهما، وإنما الإشكال فيما لو حصل الظن بها فيها وفي غيرها، فيمكن حينئذ للقائل باشتراط العلم في الاستفاضة التخصيص والاكتفاء بالظن المتاخم في موارد خاصة بسبب دليل خارجي. وأما القائل بكفاية الظن المتاخم فلاوجه له للتفصيل، كما أنه لاوجه للتفصيل في الاستفاضة المفيدة للقطع بقبولها في بعض دون بعض آخر إلا على التوجيه الذي مر. وإلى ما ذكرنا تشير عبارة المسالك في مسألة ولاية القاضي بعد ذكر وجه قبول الاستفاضة في الامور السبعة المتقدمة، قال: وزاد بعضهم في هذه الأسباب ونقص آخرون، وقد ظهر من تعليلها أنها لا تستند إلى نص خاص، بل إلى اعتبار، فكان الوجه فيها أن يقال: إن اعتبرنا اليقين في المستند كما اعتبره المصنف بقوله " ما لم يحصل اليقين " فلا وجه للحصر في هذه، وإن كانت أمس حاجة من غيرها إلى الاكتفاء بالسماع دون المشاهدة ; لما أشرنا إليه من أن العلم القطعي أقوى من البينة، بل لا يقبل الخلاف، فمتى حصل ذلك في الملاك المسبب وغيره من الحقوق بالتسامع كفى، وإن اكتفينا في الاستفاضة بالظن الغالب المتاخم للعلم احتمل اختصاصه بهذه، والقدح في بعضها حيث لانص.

[ 300 ]

ويمكن القول بالتعميم أيضا ; لأن أدنى مراتب البينة الشرعية لا يحصل بها الظن المتاخم للعلم، فيكون ما أفاده أمما وقع النص والإجماع على ثبوته به، فكان أولى أيضا، وإن كان مساويا لبعض مراتب البينة أو قاصرا عن بعضها ; لأن مفهوم الموافقة يكفي في المرتبة الدنيا بالقياس إلى ذلك الفرد المتنازع فيه لو اقيمت عليه بينة كذلك أو حصل به تسامع يفيد مرتبة أقوى، وسيأتي رجوع المصنف عن الجزم باعتبار العلم إلى الاكتفاء بمتاخمته على تردد فيه. وإن اكتفينا فيها بمطلق الظن كما يظهر من كلام الشيخ قوي جانب الحصر لما ذكروه من الوجوه (1)، انتهى. وظهر من ذلك: أن الأقوال في المسألة ثلاثة: اعتبار العلم في الاستفاضة إلا فيما استثني من الامور المذكورة على خلاف فيها وفي عددها ليس ههنا محل بسط الكلام فيها. والثاني: كفاية الظن مطلقا كما نسب إلى الشيخ (2). والثالث: اعتبار الظن المتاخم للعلم. دليل القول الأول: أن الأصل عدم الثبوت، وأصالة حرمة العمل بالظن، ولا دليل على اعتبار هذا الظن. ولا ينافي ذلك ما حققناه في الاصول من أن مطلق ظن المجتهد حجة ; لابتنائه على الدليل العقلي الذي لا يقبل التخصيص، وهو انسداد با ب العلم، وقبح تكليف مالا يطاق مع بقاء التكليف (3) ; لأن ذلك إنما ذكرناه في نفس الأحكام الشرعية، ومثل مباحث الألفاظ من متعلقات الأحكام، ومثل ماهيات الموضوعات التي تحول إلى أهل خبرتها، كالعيب والأرش والقبض وأمثالها.


1. المسالك (الطبعة الحجرية) 2: 415، وانظر الشرائع 4: 62. 2. انظر الخلاف كتاب الشهادات مسألة 15. 3. القوانين 1: 440، وج 2: 267 و 269.

[ 301 ]

والأسباب الشرعية ; وإن كانت من الأحكام الشرعية الوضعية، لكن الذي يكتفى فيها بالظن هو إثبات سببية السبب وشرطية الشرط ومانعية المانع، لا وجود السبب وتحققه في الخارج، ووجود المانع وتحققه، ونحو ذلك. والكلام في هذه المسألة إنما هو في ذلك، فإن سببية الرؤية للصوم والفطر قد ثبتت من الشرع، لكن حصولهافي الخارج موضوع هذه المسألة. فمسائل النكاح والوقف وغيرهما، وإن كانت تثبت بالظن، فيكتفى في سببية بعض أفراد النكاح مثلا للزوجية والميراث بالظن الشرعي، لكن لا يكتفي في تحققه في الخارج بكل ظن، فلابد من الدليل على حجية ما يثبت به النكاح مثلا، وقد ثبت أنه يثبت بشهادة العدلين، واختلف في الاستفاضة الظنية، وهكذا. وأما الدليل على الاكتفاء بالظن في الاستفاضة، فربما يذكر مما يناسب المقام ما ذكره الفاضلان (1) وغيرهما (2): أنا نقضي أن خديجة زوجها النبي صلى الله عليه وآله، كما نقضي بأنها ام فاطمة، وليس ذلك من باب التواتر ; لأن شرطه استواء الطرفين والواسطة والطبقات الوسطى، والمتصلة بنا وإن بلغت التواتر، ولكن الأولى غير متواترة ; لأن شرط التواتر الاستناد إلى الحس، والظاهر أن المخبرين أولا لم يخبروا عن مشاهدة العقد، ولاعن إقرار النبي صلى الله عليه وآله، بل نقل الطبقات متصل إلى الاستفاضة التي هي الطبقة الاولى. ورده في المسالك: بأن الطبقة الاولى السامعين للعقد المشاهدين للمتعاقدين بالغون حد التواتر وزيادة ; لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان ذلك الوقت أعلى قريش، وعمه أبو طالب المتولي لتزويجه كان يومئذ رئيس بني هاشم وشيخهم، ومن إليه مرجع قريش، وخديجة كانت من أجوء بيوتات قريش، والقصة في تزويجها مشهورة، وخطبة أبي طالب - رضي الله عنه - في المسجد الحرام بمجمع من قريش ممن يزيد عن


1. الشرائع 4: 123، قواعد الأحكام (الطبعة الحجرية): 239. 2. كالشيخ في الخلاف كتاب الشهادات مسألة 15.

[ 302 ]

العدد المعتنى في التواتر، فدعوى معلومية عدم استناد الطبقة الأولى إلى مشاهدة العقد وسماعه ظاهرة المنع، وإنما الظاهر كون ذلك معلوما بالتواتر لاجتماع شرائطه، فلا يتم الاستدلال به على المطلوب (1)، انتهى. أقول: ولا ينبغي الاستدلال بذلك على مطلق الاستفاضة الظنية، بل هو إنما يثبت الثبوت في النكاح، ولا ينافي عدم الثبوت في غيره، فإن القائلين باشتراط القطع فيها اكتفوا في النكاح ونظائره بالظن. والأولى الاستدلال بالعلة المنصوصة في قوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ) * (2) الآية، فإنها تقتضي الاكتفاء بالظن الحاصل بمقدار الظن الحاصل من خبر العدل، وأنه خبر مما يؤمن معه إصابة قوم بجهالة وحصول الندامة، فالعمل بقول الفاسق مع التثبت المانع عن حصول الندامة جائز. وبملاحظة تجويز العمل بخبر العدل معللا بأنه ليس فيه ندامة بحسب المفهوم ولا يفيد إلا الظن تظهر كفاية حصول الظن، ولا ريب أن الاستفاضة نوع من التثبت للخبر، فإذا بلغ حد الأمن الحاصل من خبر العدل فيكتفى به. وإن أبيت عن إطلاق التثبت عليه فيكفي حصول العلة الحاصلة من التثبت في هذا الخبر أيضا. وأما القدح بأنه يلزم منه جواز العمل بخبر عدل واحد ولم يقل به الأكثر، وبخبر فاسق أو فاسقين أو نحوهما إذا حصل منه الظن الموجب للأمن المعهود، وهو باطل اتفاقا، فهو مدفوع بأنها مخرجة بالدليل، فكما أن القائل باشتراط القطع يخصص دليله بالمواضع المستثنيات من جهة دليل خارجي كالعسر والضرر وغير ذلك، فيخصص القائل بكفاية الظن دليله بما لا يثبت به جزما كالزنا والقتل وغيرهما. وأما الدليل على اعتبار الظن المتاخم للعلم، فهو ماأشعرت به عبارة المسالك


1. المسالك (الطبعة لحجرية) 2: 415. 2. الحجرات: 6.

[ 303 ]

السابقة من أنه أقوى من الظن الحاصل من البينة، فكان العمل به أولى، مضافا إلى أصالة عدم الثبوت، وأصالة حرمة العمل بالظن. وقد نوقش فيه: بأن الأولوية إنما تصير حجة لو ثبت أن علة حجية البينة إنما هي حصول الظن، بل إنما هي تعبد محض، مع أنه لو سلم ذلك فلا دليل على اعتبار المتاخمة للعلم، بل يكفي كونه أقوى، مع أنه يلزم منه جواز العمل بقول فاسقين أو فاسق أو غيرهما إذا أفاد ظنا أقوى من العدلين، وهو باطل اتفاقا. ويمكن دفعه: بأن الاتفاق ونحوه مخصص له. ويشعر باعتبار المتاخمة ما نفي اعتبار الخمسين في آخر صحيحة محمد بن مسلم الآتية (1)، ومثلها رواية أبي العباس (2). قال المحقق الأردبيلي رحمه الله (3): إن صحيحة العيص أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الهلال إذا رآه القوم جميعا فاتفقوا أنه لليلتين، أيجوز ذلك ؟ قال: " نعم " (4) يشعر باعتبار الظن المتاخم للعلم، ومال إليه ووجهه بأنه دل ثبوت دخول الشهر من غير اشتراط العدالة في القوم وحصول العلم بخبرهم، بل اكتفى برؤية القوم وقال: إن ظاهر نسبة الرؤية إلى القوم في العرف هو حصول الظن المتاخم للعلم، وقال: إنه ليس المراد تجويز كونه لليلتين، بل المراد أنه يجوز الاعتماد عليه في دخول الشهر. إذا عرفت هذا فنرجع إلى الكلام في مسألة رؤية الهلال، ونقول: إن بنينا على أصالة حرمة الاكتفاء بالظن فيمكن الخروج عنه في رؤية الهلال بمقتضى الإجماع المنقول في المعتبر والتحرير، فإنهما ادعياه على مطلق لفظ الشياع الأعم من القطعي


1. التهذيب 4: 156 ح 433، الاستبصار 2: 63 ح 203، الوسائل 7: 209 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 11. 2. الفقيه 2: 77 ح 336، التهذيب 4: 156 ح 431، الاستبصار 2: 63 ح 201، الوسائل 7: 210 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 12. 3. مجمع الفائدة والبرهان 5: 287. 4. الفقيه 2: 78 ح 347، التهذيب 4: 157 ح 437، الوسائل 7: 212 أبواب أحكام شهر رمضان ب 12 ح 5.

[ 304 ]

والظني (1)، وتؤيده الروايتان الآتيتان في اعتبار الخمسين. وأما على القول بكفاية الظن فهو مندرج تحته، ولا يبعد ترجيحه تمسكا بالعلة المنصوصة في الآية، مقتصرا على ما أفاد الأمن من الخطر. وأما ما ورد في الأخبار من عدم جواز العمل بالتظني، وأنه لايدخل الشك في اليقين ونحو ذلك (2)، فالظاهر أن المراد به المنع عن العمل بالظن بالأمارات النجومية والحسابية وغيرها. وكذلك الأخبار المتواترة الدالة على أن الصوم والفطر بالرؤية (3) هو عدم جواز الاعتماد على الرأي والتخمين والظنون المذكورة، لاأن يكون المراد رؤية نفس المكلف ; للإجماع على عدم اشتراطه، بل يلزم الاستناد إلى الرؤية أعم من رؤية نفسه ومن عدلين ومن الشياع، وهو المستفاد من تتبع الأخبار. نعم يظهر منها أنه لابد من عدم الاتهام وحصول الاطمئنان، ففي صحيحة محمد ابن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، وليس بالرأي ولا بالتظني، ولكن بالرؤية، قال: والرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد هو ذا هو وينظتسعة فلا يرونه، لكن إذا رآه واحد رآه عشرة وألف، وإذا كانت علة فأتم شعبا ثلاثين ". وزاد حماد فيه: " وليس أن يقول رجل هو ذا هو " لاأعلم إلا قال: " ولاخمسون " (4). وفي رواية عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " صم للرؤية، وافطر للرؤية، وليس رؤية الهلال أن يجئ الرجل والرجلان فيقولان: رأينا، إنما الرؤية أن يقول القائل رأيت، فيقول القوم: صدقت " (5) إلى غير ذلك من الأخبار (6)،


1. المعتبر 2: 686، التحرير 1: 82. 2. الوسائل 7: 215 أبواب أحكام شهر رمضان ب 15. 3. الوسائل 7: 182 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3. 4. التهذيب 4: 156 ح 433، الاستبصار 2: 63 ح 203، الوسائل 7: 209 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 11. 5. التهذيب 4: 164 ح 464، الوسائل 7: 210 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 14. 6. الوسائل 7: 207 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11.

[ 305 ]

وسيجئ بعضها. ولعل نظر من يعتبر الظن المتاخم إلى ذلك، فإن الأمن من الخطر إنما يتحصل منه، وتؤيده الأخبار الدالة على متابعة أهل الأمصار في الصوم (1)، وأنه إذا كان في قرية خمسمائة من الناس فصم لصيامهم وافطر لفطرهم، سيما بانضمام ما رواه أبو الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " صم حين يصوم الناس، وافطر حين يفطر الناس، فإن الله عزوجل جعل الأهلة مواقيت " (2). وسماعة، عن الصادق عليه السلام: عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه ؟ قال: " إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل المصر خمسمائة إنسان " (3). الرابع: شهادة العدل وفيه خمسة أقوال نقلها في المهذب (4). الأول: قبول العدلين من خارج البلد، وعدد القسامة منه مع العلة، ولا معها لابد من القسامة من خارج، وأولى منه إذا كانوا من البلد، وهو مذهب القاضي (5) والشيخ في النهاية (6). الثاني: قبول العدلين مع العلة من البلد وخارجه، والقسامة مع عدمها من البلد وخارجه، وهو مذهب التقي (7) والشيخ في المبسوط (8). الثالث: قبول العدلين من خارج أو مع العلة، وإلا فلابد من القسامة، وهو مذهب


1. الوسائل 7: 211 أبواب أحكام شهر رمضان ب 12. 2. التهذيب 4: 164 ح 462، الوسائل 7: 212 أبواب أحكام شهر رمضان ب 12 ح 4. 3. الفقيه 2: 77 ح 339، الوسائل 7: 212 أبواب أحكام شهر رمضان ب 12 ح 6. 4. المهذب البارع 2: 54. 5. المهذب 1: 189. 6. النهاية: 150. 7. الكافي في الفقه: 181. 8. المبسوط 1: 267.

[ 306 ]

الصدوق في المقنع (1). أقول: وهو المطابق لما نقل عن الشيخ في الخلاف (2)، ولكن الفاضل في شرح اقال: إن مقتضى ما عنده من نسخ المقنع أنه مطابق للنهاية، لاللخلاف، ولكن العومة وغيره نقلوه هكذا (3). الرابع: قبول العدلين كيف كان، مع العلة وعدمها من البلد وخارجه، وهو مختار السيد (4) وابن الجنيد (5) وابن إدريس (6) والفاضلين (7). الخامس: قبول الواحد في هلال شهر رمضان دون غيره من الأهلة، احتياطا للصوم، وهو مذهب سور (8). أقول: الأقوى القول الرابع، وهو مذهب أكثر الأصحاب. لنا: الأخبار الصحيحة المستفيضة جدا (9) وغيرها لا حاجة إلى ذكرها. ولنكتف بذكر صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: " صم للرؤية وافطر للرؤية، فإن شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه " (10). وصحيحته الاخرى، عن أبي عبد الله عليه السلام: " إن عليا عليه السلام كان يقول: لااجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين " (11). والحصر فيه إضافي بالنسبة إلى شهادة النساء ونحوها، ففي صحيحة عبيد الله


1. المقنع (الجوامع الفقهية): 16. 2. الخلاف 2: 172. 3. انظر المقنع (الجوامع الفقهية): 16، والنهاية: 150، والخلاف 2: 172، والمختلف 3: 489. 4. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 5. نقله عنه في المختلف 3: 488. 6. السرائر 1: 380. 7. المعتبر 2: 686، المنتهى 2: 589. 8. المراسم: 96. 9. الوسائل 7: 207 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11. 10. التهذيب 4: 157 ح 436، الاستبصار 2: 63 ح 205، الوسائل 7: 183 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 8. 11. الكافي 4: 76 ح 2، الفقيه 2: 77 ح 338، الوسائل 7: 207 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 1.

[ 307 ]

ابن علي الحلبي قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " لاتقبل شهادة النساء في رؤية الهلال، إيشهاد رجلين عدلين " (1) مضافا إلى أن الأصل قبول شهادة العدلين إلا ما ثبت خلافه. وأما دليل النهاية والصدوق على ما نقل الفاضل (2) هو رواية حبيب الجماعي قال ، قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا يجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من أهل خارج المصر وكان بالمصر علة، فأخبرا أنهما رأياه، وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية " (3). وأما دليل المبسوط فهو الجمع بين مادل على قبول العدلين مطلقا (4)، ومثل صحيحة محمد بن مسلم (5)، ورواية ابن بكير (6) المتقدمتين، وما في معناهما (7)، مضافا إلى رواية أبي أيوب الآتية (8). وأما دليل الخلاف وما نسبه العومة وغيره إلى الصدوق فهو رواية أبي أيوب الخزاز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: كم يجزئ في رؤية الهلال ؟ فقال: " إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله، فلا تؤدوا بالتظني، وليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته ويقول الآخرون: لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة، وإذ رآه مائة رآه ألف، ولا يجزئ في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان


1. التهذيب 4: 180 ح 498، الوسائل 7: 208 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 7. 2. المختلف 3: 492. 3. التهذيب 4: 159 ح 448، الاستبصار 2: 74 ح 227، الوسائل 7: 210 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 13. 4. الوسائل 7: 207 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11. 5. التهذيب 4: 156 ح 433، الاستبصار 2: 2: 63 ح 203، الوسائل 7: 209 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 11، إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا،... وإذا رآه واحد رآه عشرة وألف. 6. التهذيب 4: 164 ح 464، الوسائل 7: 210 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 14. 7. الوسائل 7: 207 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11. 8. التهذيب 4: 160 ح 451، الوسائل 7: 209 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 10.

[ 308 ]

ويخرجان من مصر " (1). وظني أن هذا الخبر ألصق بمذهب المبسوط من مذهب الخلاف، وتطبيقه على مذهب الخلاف في غاية الصعوبة ; إذ لا دلالة فيه على قبول العدلين من الخارج مع الصحو، ولا قبولهما من الداخل مع العلة صريحا. وأجاب المحقق عن الروايتين: بأن اشتراط الخمسين لم يوجد في حكم سوى قسامة الدم، ثم لا يفيد اليقين، بل قوة الظن، وهو يحصل بشهادة العدلين (2). وبالجملة هو مناف لما عليه عمل المسلمين كافة، فكان ساقطا، هذا. مع أن حبيبا مجهول (3)، وفي سند رواية أبي أيوب أيضا كلام وإن لم يكن تماما ; فلا تعارض بهما الأخبار الصحيحة المستفيضة جدا وغيرها من الخصوصات والعمومات المعمولة عند أكثر الأصحاب. مع أن لهما محملا سديدا، وهو أن اعتبار الخمسين فيما توقف الشياع المعتبر عليه لأجل التهمة، كما يظهر من الروايات المتقدمة القائلة إذا رآه واحد رآه جماعة، وفيما لم تثبت عدالتهم ولاعدالة اثنين منهم. وأما دليل مذهب سور، فوجوه: الأول: الاحتياط للصوم. وفيه: أن الاحتياط إنما هو إذا صام ندبا لابنية رمضان، فإنه تشريع، مع أنه ربما يستلزم إفطار آخره، وهو خلاف الاحتياط، وإن احتاط في الآخر بزيادة يوم فصام أحدا وثلاثين فهو تشريع آخر. والثاني: بأنه يفيد الرجحان، وتركه إلى المرجوح قبيح. وفيه: منع الرجحان مع عدم ثبوت مشروعيته، مع معارضته باستصحاب رجحان


1. التهذيب 4: 160 ح 451، الوسائل 7: 209 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 10. 2. المعتبر 2: 686. 3. انظر معجم رجال الحديث رقم 2550، 2579، 2580.

[ 309 ]

شعبان، سيما إذا ساواه المشهود له في قوة البصر. والثالث: ارتفاع التهمة بسبب أنه أمر ديني يشترك فيه المخبر والمخبر، فيجب قبوله كالرواية. وفيه: منع ارتفاع التهمة مطلقا أولا، وعدم استلزام ارتفاعها القبول ثانيا، وبطلان القياس سيما مع الفارق ثالثا. والرابع: الروايات، فمنها: صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " إذا رأيتم الهلال فافطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين، وإن لم تروا الهلال إلا من وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام إلى الليل، وإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم افطروا " (1). ورد: بأن الرواية بهذا اللفظ إنما هو في المختلف (2)، والذي في الاصول " أو شهد عليه بينة عدل " وهذا لا يكفي لسلار. أقول: ومنع ذلك لا يناسب وجودها في الاستبصار كذلك، ولكن فيه أيضا بطريق آخر " بينة عدل " (3) وفي التهذيب أيضاعدول من المسلمين (4). هذا مع أن لفظ العدل مصدر يطلق على الجمع كما ذكر جماعة (5) ونقلوه عن أهل اللغة (6)، مضافا إلى أن الرواية إنما تدل على جواز الإفطار لاالصوم، والظاهر أن سور لا يقول به أصالة. وأما القدح في السند باشتراك محمد بن قيس (7) فليس بذلك ; إذ الظاهر أنه البجلي


1. الفقيه 2: 77 ح 337، التهذيب 4: 158 ح 440، الاستبصار 2: 73 ح 222، الوسائل 7: 191 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 11. 2. أقول: الموجود في المصادر المطبوعة: أو شهد عليه عدل من المسلمين، وانظر المختلف 3: 491. 3. الاستبصار 2: 64 ح 207، وفيه: بينة عدول من المسلمين. 4. التهذيب 4: 177، وفيه: وأشهدوا عليه عدولا من المسلمين. 5. كالعلامة في المختلف 3: 491. 6. انظر العين 1: 38. 7. كما في المختلف 3: 491.

[ 310 ]

الثقة صاحب كتاب القضايا الذي يروي عنه عاصم بن حميد ويوسف بن عقيل بقرينة رواية يوسف عنه هنا (1). ومنها: رواية داود بن الحصين، عن الصادق عليه السلام: " لا بأس في الصوم بشهادة النساء ولو امرأة واحدة " (2). وهي مع سلامة سندها مخالفة للإجماع ظاهرا على عدم قبول شهادة النساء منفردات ومنضمات، كما ادعاه المرتضى (3) وابن زهرة (4) وصاحب المدارك (5)، والأخبار النافية لقبول شهادتهن (6). ومنها: رواية يونس بن يعقوب، عنه عليه السلام قال، وقال له غلام وهو معتب: إني قد رأيت الهلال، قال: " اذهب فأعلمهم " (7). وفيه: مع سلامة السند منع الدلالة، إذ لعله لأجل أن يضم إليه آخر لو وجد، أو لأجل تواعي القوم فيروا معه. ومنها: ما رواه العامة عن ابن عباس: أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: إني رأيت الهلال يعني رمضان، قال: " تشهد أن لاإله إلا الله ؟ " قال: نعم، قال: " تشهد أن محمدا رسول الله " قال: نعم، قال: " يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا " (8). ورواية ابن عمر قال: يتراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله إني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه (9).


1. انظر معجم رجال الحديث الترجمة 11622. 2. التهذيب 6: 269 ح 726، الاستبصار 3: 30 ح 98، الوسائل 7: 211 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 15. 3. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 54. 4. الغنية (الجوامع الفقهية): 569. 5. المدارك 6: 175. 6. الوسائل 7: 207 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11. 7. التهذيب 4: 161 ح 453، الوسائل 7: 192 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 15. 8. سنن أبي داود 2: 302 ح 2340، سنن الترمذي 3: 74 ح 691، سنن النسائي 4: 132، سنن الدارمي 2: 5، المستدرك للحاكم 1: 424، سنن البيهقي 4: 211. 9. سنن أبي داود 2: 302 ح 2342.

[ 311 ]

وفيهما: مع ضعفهما أنه لعله رآه غيرهما أيضا، فالصيام والأمر به إنما كانا لذلك. وهذه الأدلة مع ضعفها كما عرفت لا تعارض بها أدلة المختار مع كثرتها واعتبارها وشهرتها واعتضادها بالأصل والاستصحاب، وهجر هذه عندهم وشذوذها، بل مخالفتها للإجماع كما ادعاه في المسالك (1)، ونقل عن الشيخ في الخلاف (2). ثم إن سور إنما يجيز قبول الواحد في هلال رمضان لأجل الصوم خاصة (3)، فلا يثبت لو كان منتهى أجل دين أو عدة أو نحو ذلك. وأما ثبوت هلال شوال بمضي ثلاثين يوما منه، فإنما هو ثبوت بالتبع لا بالأصالة، وذلك لأنا لو لم نحكم بالتبعية للزم وجوب صوم أحد وثلاثين يوما، لأجل صوم رمضان لو غم آخر الشهر. ويتم المقام بذكر امور: الأول: قالوا: لا يتوقف جواز الإفطار بالشاهدين على حكم الحاكم، ولا نعرف فيه خلافا، وكذا لو رد الحاكم شهادتهما لجهله بحالهما كما صرح به في التذكرة (4)، وهو مقتضى الأخبار الصحيحة وغيرها الناطقة بأنهما، إذا شهدا عندك فاقضه ونحو ذلك (5). الثاني: لابد من موافقتهما في الشهادة، فلو اختلفا في وصف الهلال بالانحراف والاستقامة والعظم والصغر، وكونه جنوبيا أو شماليا، فلا يسمع، بخلاف مالو اختلفا في زمانها في الليلة الواحدة، بأن يراه أحدهما عند الغروب مثلا والآخر بعد صلاة المغرب. وفيما لو شهد أحدهما برؤية هلال شعبان ليلة الجمعة، والآخر برؤية هلال رمضان


1. المسالك 2: 52. 2. الخلاف 2: 172. 3. المراسم: 96. 4. التذكرة 6: 135. 5. الوسائل 7: 207 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11.

[ 312 ]

ليلة الأحد وجهان، من اتفاقهما في المعنى، ومن مخالفة كل للآخر في شهادته. ولعل الثاني أوجه ; للأصل، وعدم انصراف الأدلة، إلى مثله، ولأن في اجتماعهما في مورد الشهادة مدخلية تامة في الظن بالصدق يمكن كونه حكمة في القبول. الثالث: قال في المدارك: لو استند الشاهدان إلى الشياع المفيد للعلم وجب القبول قطعا (1). أقول: وما ذكره العلماء في كتاب الشهادة في مسألة جواز بناء الشهادة على الاستفاضة واقتصارهم في ذلك على مواضع مخصوصة يفيد اكتفاؤهم بالظن أيضا، فإن ظاهر من خص بتلك الامور هو أنه لا يثبت عنده شئ بالاستفاضة الظنية إلا هذه الامور، كما هو مقتضى الاستثناء. ثم إن كلامهم هذا مع اشتراطهم الحس في الشهادة وعدم اكتفائهم بالعلم الحاصل من غير الحس إما مبني على أن المراد بالحس أعم مما كان مبدأ للعلم الحاصل للشاهد وإن كان بانضمام القرائن، وإلا فالعلم هنا لم يحصل من الحس أولا وبالذات، وإما مبني على تخصيص قاعدتهم بما ذكر. وعلى اعتبار الحس في الشهادة ; فلا تقبل شهادة من شهد بأن اليوم أول رمضان أو أول شوال ; لأنه مسألة اجتهادية تختلف باختلاف الآراء والأسباب، بخلاف الرؤية، اللهم إلا إذا علم اتفاق الشاهد والمشهود له في السبب كما في الجرح والتعديل، فيلزم الاستفصال إذا جهل الحال. الرابع: قال في المسالك: ولو شهد الشاهدان على مثلهما أو على الشياع قبل أيضا (2)، ومال إليه في المدارك (3).


1. المدارك 6: 170. 2. المسالك 2: 51. 3. المدارك 6: 170.

[ 313 ]

ولكن العومة قال في التذكرة: لا يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة عند علمائنا ; لأصالة البراءة، واختصاص ورود القبول بالأموال وحقوق الآدميين، وللشافعية طريقان، إلى آخر ما ذكره (1)، وظاهره الإجماع، ولعله الأقوى. الخامس: هل يكفي قول الحاكم في ثبوت الهلال أم لا ؟ قال في المدارك: فيه وجهان، أحدهما: نعم، وهو خيرة الدروس (2) ; لعموم مادل على أن الحاكم يحكم بعلمه (3)، ولأنه لو قامت عنده البينة فحكم بذلك، وجب الرجوع إلى حكمه كغيره من الأحكام، والعلم أقوى من البينة، ولأن المرجع في الاكتفاء بشهادة العدلين وماتتحقق به العدالة إلى قوله، فيكون مقبولا في جميع الموارد. ويحتمل العدم ; لإطلاق قوله عليه السلام: " لا اجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين " (4). (5) أقول: وما ذكره في التعليل لمختار الدروس إنما يناسب كلامه الآخر بعد ذلك، قال: ولو قال: اليوم الصوم أو الفطر ففي وجوب استفساره على السامع ثلاثة أوجه، ثالثها إن كان السامع مجتهدا (6)، انتهى. وحاصل المقام: أن مرجع المسألة الاولى إلى قبول شهادة الحاكم وحده في ثبوت الهلال، والأظهر فيها عدم القبول ; لأنها شهادة وليست بحكم. ومرجع المسألة الثانية إلى حكم الحاكم بثبوت أول الشهر، وأنه يوم الفطر أو الصوم، والأوجه فيه القبول لرعيته، دون مجتهد آخر أو مقلد مجتهد آخر، إلا مع


1. التذكرة 6: 135. 2. الدروس 1: 286. 3. الوسائل 18: 200 أبواب كيفية الحكم ب 18. 4. الكافي 4: 76 ح 2، الفقيه 2: 77 ح 338، الوسائل 7: 207 أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 1. 5. انتهى كلام المدارك 6: 170. 6. الدروس 1: 286.

[ 314 ]

الاستفسار والرجوع إلى مقتضاه. ويمكن أن يوجه كلامهما في المسألة الاولى بتضمنها للحكم، فإن مراد الحاكم من شهادته بالهلال " أني أحكم بأن اليوم أول الشهر بسبب رؤيتي للهلال " فهو حكم مستند إلى علمه مع بيان سبب العلم، والمراد في المسألة الثانية حكمه بكون اليوم يوم الصوم من دون ذكر سبب العلم، فيجري (تعليل) (1) المدارك في الأول أيضا. ويشكل ذلك أيضا بما عرفوا الحكم بأنه إلزام خاص أو إطلاق خاص في واقعة خاصة متعلقة بأمر المعاش فيما تقع فيه الخصومة بين العباد، مطابقة لحكم الله تعالى في نظر المجتهد في هذه الواقعة وغيرها مما يندرج تحت كلي، كما ذكره الشهيد في القواعد (2)، فإنه من امور المعاد لا المعاش، وليس فيه رفع خصومة غالبا. ويمكن توجيهه: بأن يراد بأمر المعاش ما لا اختصاص له بالشارع وإن كان من موضوعات حكمه، فيرجع إلى أنه هل تحققت الرؤية أم لا، وهل تم عدد الشهر أم لا، ولا مدخل له في الحكم الشرعي، وإن كان يرجع إليه باعتبار قطع النزاع ويتضمن أن الشارع حكم بأن يحكم الحاكم أن هذا اليوم يوم الفطر. ومن فروع كونه من الحكم: ثبوت حلول الآجال فيما تنازع فيه الخصمان في مثل البيع المشروط فيه الخيار إلى أول الشهر الفلاني، الذي يترتب عليه اللزوم بانتفاء الشرط في أول الشهر، ثم وقع بينهما النزاع في اليوم الخاص أنه أول الشهر أم لا، فيكفي في ذلك الحكم بأنه أول الشهر، فيترتب عليه اللزوم وعدمه، ولايحتاج إلى الحكم باللزوم وعدم اللزوم، فالحكم بأنه أول الشهر حكم، وحكمه باللزوم أو عدمه حكم آخر. فالمناص في تعميم الحكم لذلك هو ضم قصد الحاكم بحكمه رفع ما عسى أن يتصور من الخصومة والمخالفة أيضا وإن لم يكن بالفعل هناك خصومة.


1. في " م ": سبب. 2. القواعد والفوائد 1: 320.

[ 315 ]

الخامس: الجدول وهو حساب مخصوص مأخوذ من سير القمر واجتماعه مع الشمس، ومرجعه إلى عد شهر تاما وشهر ناقصا، إلى تمام السنة، فيجعل محرم تاما وصفر ناقصا وهكذا إلى آخر السنة كما يفعله المنجمون، أو يجعل رمضان تاما وشوال ناقصا وهكذا ; لما ورد في الأخبار أنه أول السنة (1). وكيف كان فهو يتضمن كون رمضان تاما أبدا وشعبان ناقصا. قال في المسالك: وهذا الحساب قريب من كلام أهل التقويم، فإنهم يجعلون الأشهر كذلك في غير السنة الكبيسية، وفيها يجعلون ذا الحجة تاما بعد أن كان تسعة وعشرين في غيرها (2). أقول: وتوضيحه على ما ذكره بعض الأصحاب أنهم لما اعتبروا في الشهر اجتماع النيرين في درجة واحدة من تلك البروج إلى اجتماع آخر، وكان مابين الاجتماعين تسعة وعشرين يوما واثنتي عشرة ساعة وأربعا وأربعين دقيقة، وكان الكسر زائدا على نصف اليوم، جعلوا الشهر الأول ثلاثين يوما ; لأن الكسر يقوم عندهم مقام الواحد إذا زاد على النصف. ثم جعلوا الشهر الثاني تسعة وعشرين جبرا لنقصان الشهر الأول، فصارت الشهور الأوتار كلها ثلاثين ثلاثين، والأشفاع كلها تسعة وعشرين تسعة وعشرين، حتى إذا كملت السنة اجتمع من الكسر الزائد على نصف اليوم الذي أهملوه من كل شهر - و هو أربع وأربعون دقيقة - ثمان ساعات وثمان وأربعون دقيقة، وهو خمس يوم وسدسه، فاجتمع في كل ثلاثين سنة أحد عشر يوما، وكبسوها أي أدرجوها في إحدى عشر سنة من كل ثلاثين سنة: هي الثانية، والخامسة، والسابعة، والعاشرة، والثالثة


1. أوردها ابن طاووس في الإقبال: 4. 2. المسالك 2: 53.

[ 316 ]

عشرة، والخامسة عشرة، والسادسة عشرة، والثامنة عشرة، والحادية والعشرون، والرابعة والعشرون، والسادسة والعشرون، والتاسعة والعشرون ; فسموها لذلك السنين الكبيسة، وجعلوا ذا الحجة في كل منها ثلاثين يوما، فتوالت فيها ثلاثة أشهر، كل منها ثلاثون يوما. أقول: ولا فرق بين السنين الكبيسة وغيرها في أن رمضان تام وشعبان ناقص، ويظهر من جماعة من الأصحاب أنه لا خلاف بينهم في عدم اعتبار الجداول (1). نعم نسبه الشيخ في الخلاف إلى شاذ منا (2). وكلام ابن زهرة في الغنية أيضا مشعر بأن فيهم من يعتبره، قال: وعلامة دخوله أي الشهر رؤية الهلال، وبها يعلم انقضاؤه، بدليل إجماع الامة بأسرها من الشيعة وغيرها على ذلك، وعملهم به في زمن النبي صلى الله عليه وآله ومابعده إلى أن حدث خلاف قوم من أصحابنا فاعتبروا العدد دون الرؤية (3)، وتركوا ظواهر القرآن والمتواتر من روايات أصحابنا، وعولوا على مالايجوز الاعتماد عليه من أخبار آحاد شاذة، ومن الجدول الذي وضعه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ونسبه إلى الصادق عليه السلام، والخلاف الحادث لا يوثر في دلالة الإجماع السابق، وكما لا يؤثر حدوث خلاف الخوارج في رجم الزاني المحصن في دلالة الإجماع على ذلك، فكذلك حدوث خلا ف هؤلاء، وهذا عبد الله بن معاوية مقدوح في عدالته بما هو مشهور من سوء طريقته، مطعون في جدوله بما تضمنه من قبيح مناقضته، ولو سلم من ذلك كله لكان واحدا لا يجوز في الشرع العمل بروايته (4)، انتهى. وكيف كان فلا ريب في بطلانه وعدم جواز الاعتماد عليه ; لمخالفته للشرع، لقوله


1. الخلاف 2: 169 مسألة 8. 2. الغنية (الجوامع الفقهية): 569. 3. منهم الصدوق في الفقيه 2: 111، وقد ألف المفيد رسالة في رد القائلين بالعدد وإبطال أخبارهم. 4. الغنية (الجوامع الفقهية): 569.

[ 317 ]

تعالى: * (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس) * (1). وقوله عليه السلام: " من صدق كاهنا أو منجما فهو كافر بما نزل على محمد صلى الله عليه وآله " (2) والأخبار المتواترة الدالة على توقيت الصيام والفطر بالرؤية لا حاجة إلى ذكرها (3). وكذلك ما يدل على عد شعبان ثلاثين إذا غم الشهر، والأخبار الناصة على كون رمضان تسعة وعشرين، وهي أيضا كثيرة (4)، إلى غير ذلك من الأخبار. مع أن أهل التقويم لا يثبتون أول الشهر بمعنى جواز الرؤية، بل بمعنى تأخر القمر عن محاذاة الشمس، ليرتبوا عليه مطالبهم من حركات الكواكب وغيرها، ويعترفون بأنه قد لاتمكن رؤيته، بل يقولون: إن الأغلب عدم إمكان رؤيته تلك الليلة، وقد لا يمكن في الثانية أيضا، ويتفق نادرا أن لاتمكن في الثالثة أيضا، والشارع علق الأحكام الشرعية على الرؤية، لاعلى التأخير المذكور، هكذا قاله في المسالك (5). السادس: العدد المشهور في تفسيره: عد شعبان ناقصا أبدا، وشهر رمضان تاما أبدا. وقد يطلق على ما ذكرناه في تفسير الجدول وعلى ما سيجئ من عد خمسة من هلال السنة الماضية وغيره أيضا. والمشهور عدم اعتباره، بل ادعى عليه الإجماع في المسائل الناصرية قال: وإليه يذهب جميع أصحابنا، وهو مذهب جميع الفقهاء من أهل السنة (6) وهو الظاهر من كلام ابن زهرة المتقدم ذكره (7).


1. البقرة: 189. 2. المعتبر 2: 688، الوسائل 7: 215 أبواب أحكام شهر رمضان ب 15 ح 2، عوالي اللآلي 3: 140 ح 30. 3 و 4. الوسائل 7: 189 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5. 5. المسالك 2: 54. 6. المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 206. 7. الغنية (الجوامع الفقهية): 569.

[ 318 ]

والقول به نقله في المعتبر عن قوم من الحشوية (1)، والمرتضى عن شذاذ من أصحابنا لااعتبار بقولهم (2). وهو مذهب الصدوق، فإنه قال في الفقيه بعد ذكر الأخبار الدالة على أن رمضان تام أبدا وشعبان لايتم أبدا: من خالف هذه الأخبار وذهب إلى الأخبار الموافقة للعامة في ضدها اتقي كما تتقى العامة، ولا يكلم إلا بالتقية كائنا من كان، إلا أن يكون مسترشدا فيرشد ويبين له، فإن البدعة إنما تماث وتبطل بترك ذكرها، ولاقوة إلا بالله (3). وقال في الخصال: مذهب خواص الشيعة وأهل الاستبصار منهم في شهر رمضان أنه لا ينقص عن ثلاثين يوما أبدا، والأخبار في ذلك موافقة للكتاب ومخالفة للعامة، فمن ذهب من ضعفة الشيعة إلى الأخبار التي وردت للتقية في أنه ينقص ويصيبه ما يصيب الشهور من النقصان والتمام اتقي كما تتقى العامة، ولم يكلم إلا بما يكلم به العامة، ولاقوة إلا بالله (4). لنا: أن لفظ شهر رمضان الذي ورد في القرآن والسنة يرجع في معناه إلى العرف، والمعروف في معناه ماكان محدودا بالرؤية في أوله وآخره، ولاعبرة عند أهل (العلم) (5) بما يعتبره المنجمون من التأخر عن محاذاة الشمس وغيره. ويدل عليه أيضا: أن الأهلة مواقيت للناس والحج والطريقة المستمرة من زمان الشارع إلى الآن بكمال الاعتناء في الاستهلال، ولو كان يكفي محض العدد لما احتاجوا إلى ذلك، والاستصحاب في خصوص شعبان، والأخبار المتواترة الدالة على أن الصوم للرؤية والفطر للرؤية (6)، وخصوص ما ورد في شهر رمضان وشعبان


1. المعتبر 2: 688. 2. المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 206. 3. الفقيه 2: 111. 4. الخصال: 530. 5. في " م " ونسخة في " ح ": العرف. 6. الوسائل 7: 189 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5.

[ 319 ]

وهي كثيرة جدا نكتفي بذكر بعضها. وهي صحيحة حماد بن عثمان، عن الصادق عليه السلام، أنه قال في شهر رمضان: " هو من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان " (1). وصحيحة الحلبي عنه عليه السلام في حديث قال، قلت: أرأيت إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما أقضي ذلك اليوم ؟ فقال: " لا، إلا أن يشهد لك بينة عدول، فإن شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك اليوم فاقض ذلك اليوم " (2). وصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: " وإذا كانت علة فأتم شعبان ثلاثين " (3) إلى غير ذلك من الأخبار، وقد مرت صحيحة هشام بن الحكم في مسألة رؤية الهلال في البلدان المتقاربة (4). احتج الصدوق بما رواه، عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص أبدا " (5)، قال: وفي رواية حذيفة بن منصور عن معاذ بن كثير - ويقال له: معاذ بن مسلم الهواء - عنه عليه السلام، قال: " شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص والله أبدا " (6). وفي رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن يعقوب، عن شعيب - وفي نسخة عن محمد بن يعقوب بن شعيب - عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت: إن الناس يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما صام من شهر رمضان تسعة وعشرين يوما أكثر مماصام ثلاثين، قال: " كذبوا، ما صام رسول الله صلى الله عليه وآله إلا تاما، ولا تكون الفرائض ناقصة، إن الله تبارك وتعالى خلق السنة ثلاثمائة وستين يوما، وخلق السماوات


1. التهذيب 4: 160 ح 452، الوسائل 7: 190 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 3. 2. التهذيب 4: 161 ح 455، الوسائل 7: 193 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 17، وفيهما: بذلك، بدل لك. 3. التهذيب 4: 156 ح 433، الاستبصار 2: 63 ح 203، الوسائل 7: 190 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 5. 4. التهذيب 4: 158 ح 443، الوسائل 7: 192 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 13. 5. الفقيه 2: 110 ح 470، الوسائل 7: 195 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 26. 6. الفقيه 2: 110 ح 471، الوسائل 7: 195 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 27.

[ 320 ]

والأرض في ستة أيام، فحجزها من ثلاثمائة وستين يوما، فالسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما، وشهر رمضان ثلاثون يوما ; لقول الله عزوجل: * (ولتكملوا العدة) * (1) والكامل تام، وشوال تسعة وعشرون يوما، وذو القعدة ثلاثون يوما ; لقول الله عزوجل: * (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) * (2) والشهر هكذا ثم هكذا، أي شهر تام وشهر ناقص، وشهر رمضان لا ينقص أبدا، وشعبان لايتم أبدا " (3). وسأل أبو بصير أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: * (ولتكملوا العدة) * قال: " ثلاثين يوما " (4). وعن ياسر الخادم قال، قلت للرضا عليه السلام: هل يكون شهر رمضان تسعة وعشرين يوما ؟ فقال: " إن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين أبدا " (5). هذا ما ذكره في الفقيه من الأخبار، وفي معناها روايات اخر مذكورة في التهذيب والكافي والخصال ومعاني الأخبار (6)، وكثير منها يرجع إلى حذيفة بن منصور. قال الشيخ (7): إن هذا الخبر شاذ لا يوجد في شئ من الاصول، ولافي كتاب حذيفة، وهو مختلف الألفاظ مضطرب المعاني ; لأنه تارة يرويه عن الصادق عليه السلام، وتارة يفتيه من قبل نفسه، وتارة يرويه عن الإمام بواسطة، وتارة بلا واسطة، فلا يعارض به المتواتر من الأخبار، والقرآن العزيز، وعمل جميع المسلمين. وذكر لها توجيهات: منها: أن من تلك الأخبار ما يدل على نفي كون صوم الرسول صلى الله عليه وآله تسعة وعشرين


1. البقرة: 185. 2. الأعراف: 142. 3. الفقيه 2: 110 ح 472، التهذيب 4: 171 ح 484، الاستبصار 2: 68 ح 217، معاني الأخبار: 382 ح 14، الوسائل 7: 196 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 33. 4. الفقيه 2: 111 ح 473، الخصال: 531 ح 7، الوسائل 7: 197 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 35. 5. الفقيه 2: 111 ح 474، الخصال: 530 ح 5، الوسائل 7: 197 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 36. 6. التهذيب 4: 168، الكافي 4: 79، الخصال: 529، معاني الأخبار: 382. 7. التهذيب 4: 169.

[ 321 ]

أكثر من كونه ثلاثين، وتكذيب الراوي من العامة لذلك، وأن منها ما يدل على الإخبار عما اتفق في زمان الرسول من عدم النقص، وهو لا يستلزم تمامه أبدا، وأن كلمة " أبدا " في كثير منها يرجع إلى المنفي لاإلى النفي، يعني نقصه ليس دائما، لاأنه دائما لا ينقص. وقد توجه أيضا بأن المراد أن ثوابه ثواب ثلاثين يوما، ولا ينقص بنقص يوم منه، وبأنه لا يجوز أن يقال ناقص ; لأنه صفة ذم. ومنها: أن المراد الحث على صوم آخر شعبان. أقول: وقد يختلج بالبال أن يقال: لما كان من المسلمات أن الشهور قد تكمل وقد تنقص، وأن الكمال بتمام الثلاثين والنقص بتسعة وعشرين فلا يوجد شهر يتم بثمانية وعشرين حتى يكون كماله بتسعة وعشرين، وكثيرا مايعيد العامة بعد ثمانية وعشرين كما رأيناه مكررا في زماننا وإن كان بسبب وضع الشاهدين على الرؤية في أول الشهر، فيكون هذا ردا عليهم، يعني أصل رمضان ليس تسعة وعشرين حتى يكون الناقص منه ثمانية وعشرين، بل لا ينقص الأصل من ثلاثين أبدا، فيكون الناقص تسعة وعشرين. وتؤيده بعض الأخبار، مثل صحيحة عبد الله بن سنان - وفي طريقه حماد بن عيسى - عن رجل نسي حماد بن عيسى اسمه، قال: " صام علي عليه السلام بالكوفة ثمانية وعشرين يوما شهر رمضان، فرأوا الهلال، فأمر مناديا ينادي: اقضوا يوما، فإن الشهر تسعة وعشرو يوما " (1). وكيف كان فهذه الأخبار مما لا يمكن التعويل عليها من وجوه شتى، وتلوح منها رائحة الوضع ; لاشتمالها على الأيمان المغلظة التي هي شأن من يريد ترويج كلامه. ومنها: مخالفتها للحس والاعتبار. ومنها: اشتمالها على مضامين لا ترجع بظاهرها إلى محصل، وتعليلات غير


1. التهذيب 4: 158 ح 444، الوسائل 7: 214 أبواب أحكام شهر رمضان ب 14 ح 1.

[ 322 ]

منطبقة على معلولاتها، فلاحظ رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع إلى آخرها تقف على ما ذكرنا. والتوجه إلى كل واحد من الأخبار وذكر ما فيها وتأويلها تطويل بلاطائل لا يفي الوقت بها، مع عدم الاحتياج إليها ; إذ الظاهر أن هذا القول مسبوق بالإجماع على خلافه، وملحوق به كما يظهر من الأصحاب. ونقل عن ابن طاوس: أن جماعة من الذين انتصروا لهذا القول قد رجعوا عنه وألفوا كتابا في رده (1). والإنصاف: أن التوجيهات التي ذكروها لهذه الأخبار أكثرها في غاية البعد منها، ولا تتم في كثير منها، وما ذكر في بعضها لا يجامع ما يدل عليه بعض آخر منها، فالأولى طرح هذه الأخبار، ووكول أمرها إلى الصادع بها إن كان هو الإمام ; لمخالفتها للحس والعقل والكتاب والسنة والإجماعات المنقولة. وأما ما قد يستدل على هذا القول بقوله تعالى: * (أياما معدودات) * و * (ولتكملوا العدة) *. فأما الآية الأولى ففيها: أن كونها معدودة لا خلاف فيه، وإنما الاختلاف فيما يعرف به أول هذا العدد وآخره، وليس في الآية ما يدل عليه. وقيل: إن المراد بالمعدودات الإشارة إلى القلة تسهيلا للأمر كما في دراهم معدودة، مع أن أيام الحيض أيضا معدودة بمعنى أن لها حدين لا تتجاوزها قلة وكثرة وإن اختلفت بنفسها. مع أنه قيل: إنها أيام عاشوراء، وقد نسخت بشهر رمضان (2). وأما الثانية ففيها: أن إكمال كل واحد من الأقل والأكثر إكمال له، وأن المراد بإكمالها إكمال عملها، فكما أن المعتدة تكمل عدتها بثلاثة أشهر، وقد يكون بعضها


1. الإقبال: 6. 2. حكاه عن قتادة في مجمع البيان 2: 273.

[ 323 ]

ناقصا ولا ينافي الإكمال، فكذا ما نحن فيه، وكذا إتمام حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، فإنه قد يتحقق الإكمال مع كون أحدهما زائدا على الآخر، كما لو كانت السنة كبيسة. وقد يقال: إن المراد بالعدة هو قضاء ما فاته في المرض أو في السفر كما يرشد إليه سياق الآية. السابع: رؤية الهلال قبل الزوال والمشهور المعروف أنه لا عبرة بها، وادعى عليه الإجماع ابن زهرة (1) والعلامة في التذكرة (2)، بل لم يذكر الخلاف فيه إلا عن الثوري وأبي يوسف من العامة (3)، ونقل عن الآخرين الموافقة لنا (4)، وعن أحمد القول بالتفصيل (5). وعن المنتهى: أنه مذهب أكثر علمائنا إلا من شذ منهم لا نعرفه (6)، وهو ظاهر الشيخ في الخلاف أيضا (7). وذهب المرتضى في المسائل الناصرية إلى أنه إذا رؤي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وقال: دليلنا إجماع الفرقة المحقة، وأيضا ماروي عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وأنس أنهم قالوا بذلك ولا مخالف لهم (8).


1. الغنية (الجوامع الفقهية): 569. 2. التذكرة 6: 126 مسألة 77. 3. انظر المغني 3: 108، والشرح الكبير 3: 7، والمجموع 6: 272، وحلية العلماء 3: 180، وفتح العزيز 6: 286، وبداية المجتهد 1: 285، وشرح فتح القدير 2: 243. 4. الكافي في فقه أهل المدينة: 120، المنتقى للباجي 2: 39، المجموع 6: 272، فتح العزيز 6: 286، حلية العلماء 3: 180، بدائع الصنائع 2: 82، المغني 3: 108، الشرح الكبير 3: 7. 5. المغني 3: 108، الشرح الكبير 3: 7، فتح العزيز 6: 287، حلية العلماء 3: 180، وانظر التذكرة 6: 126 مسألة 77. 6. المنتهى 2: 592. 7. الخلاف 2: 172. 8. المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 206.

[ 324 ]

وهو معارض بما ذكره الشيخ في الخلاف: أنه روي عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عمر وأنس أنهم قالوا كلهم لليلة القابلة، ولا مخالف لهم، فدل على أنه إجماع الصحابة (1). وربما نسب إلى الصدوق في المقنع حيث روى الرواية الدالة عليه (2)، وربما يظهر من المحقق الأردبيلي - رحمه الله - الميل إليه (3). ونسب إلى العومة في المختلف القول بالتفصيل، فيعتبر في الصوم دون الفطر (4). وفي التذكرة بعد ما نسب إلى الثوري وأبي يوسف القول بالاعتبار مطلقا، نقل عن أحمد أنه قال: إن كان في أول شهر رمضان فهو للماضية، وإن كان في هلال شوال فروايتان، إحداهما: أنه كذلك، والثانية: للمستقبلة، ثم غلطهما (5)، والظاهر أنه في المختلف أيضا موافق للمشهور كما سنشير إليه. لنا: الاستصحاب، وعدم جواز نقض اليقين بالشك المدلول عليه بالأخبار المعتبرة (6)، خصوصا ما ورد في شهر رمضان أنه لا يعمل فيه بالتظني ولا بد من اليقين (7)، والإجماعات المنقولة، والأخبار المتواترة القائلة " صم للرؤية وافطر للرؤية " فإن الظاهر أنها على نسق واحد في الجميع، وهي ظاهرة في وجوب الصوم والفطر غدا، لابعدهما بلا فاصلة. لا يقال: إن الغالب المتعارف في الرؤية إنما هو في أول الليلة، فلا تنصرف تلك الأخبار إلى الرؤية قبل الزوال فدلالة الأخبار على وجوب الصوم والفطر غدا إذا رؤي في الليل لا تنافي وجوب الصوم والفطر إذا رؤي قبل الزوال.


1. الخلاف 2: 171. 2. المقنع (الجوامع الفقهية): 16. 3. مجمع الفائدة والبرهان 5: 300. 4. المختلف 3: 493. 5. التذكرة 6: 127. 6 و 7. الوسائل 7: 182 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3.

[ 325 ]

لأنا نقول: هذا يستلزم منع دخول الرؤية بعد الزوال في مصداق الأخبار أيضا، سيما ما قرب من الغروب، وهو بعيد. سلمنا عدم الدخول، لكنا نقول: ظاهر تلك الأخبار تعيين العلامة، يعني أن الرؤية في الليل علامة لوجوب الفطر والصوم غدا، وعدمها فيها علامة لعدمه، فدلت تلك الأخبار على عدم الوجوب وإن رؤي قبل الزوال. وذلك أيضا يكفي في الاستدلال ; لصدق عدم الرؤية في الليلة الماضية. ورؤيته قبل الزوال لا تصير موجبا لصيرورته هلالا في الليلة الماضية، إذ اتصاف القمر بكونه هلالا إنما هو بإمكان الرؤية، بل فعليتها، لا مجرد الخروج من تحت الشعاع، وقد يخرج ولا تمكن رؤيته في تلك الليلة، بل وما بعدها أيضا. وصحيحة محمد بن قيس المتقدمة في دليل مذهب سور (1). وجه الدلالة: مفهوم قوله عليه السلام: " وإن لم تروا الهلال إلا من وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام " فإن وسط النهار شامل لما قبل الزوال ; إذ ليس المراد هو ركود الشمس في دائرة نصف النهار ; لاستحالته، وعدم انصراف فهم العوام إليه الذي هو المعيار في فهم الأخبار، سيما والأظهر الأشهر أن النهار اسم لما بين طلوع الفجر إلى الغروب، لامابين طلوع الشمس إلى غروبها. وعلى هذا فالمنتصف إنما هو قبل الزوال، مع أنه هو المحتاج إليه في سؤال الرواة وجوابهم عليهم السلام، فكيف يطوي عن الاعتناء بحاله بالمرة، وعدم التعرض لذكر أول النهار لندرته جدا. وما رواه الشيخ في التهذيب، عن علي بن حاتم، عن محمد بن جعفر، عن محمد ابن أحمد بن يحيى، عن محمد بن عيسى، قال: كتبت إليه عليه السلام: جعلت فداك ربما غم علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال، وربما رأيناه بعد الزوال،


1. ص 307، وهي في الفقيه 2: 77 ح 337، والتهذيب 4: 158 ح 440، والاستبصار 2: 64 ح 206، والوسائل 7: 201 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 1.

[ 326 ]

فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا ؟ وكيف تأمر في ذلك ؟ فكتب عليه السلام: " تتم إلى الليل، فإنه إذا كان تاما رؤي قبل الزوال " (1). ومحمد بن جعفر وإن كان مشتركا بين الثقة وغيره (2)، ولكن استاذنا - طاب ثراه - قال في بعض تحقيقاته: ما رواه الشيخ عن كتاب علي بن حاتم الثقة الجليل بسنده الصحيح عن محمد بن عيسى، ومع ذلك فالضعف منجبر بالشهرة التي كادت أن تكون إجماعا. وجه الدلالة: أن الظاهر أن المراد من هلال شهر رمضان هو هلال شوال كما يتسامح فيه في المتعارف، بقرينة قول السائل: " فترى أن نفطر " إذ هو المناسب للصوم اللازم، دون صوم آخر شعبان، وقوله عليه السلام في الجوا ب: " تتم إلى الليل " دون أن يقول: اعدل بنيتك إلى صوم رمضان، وبالعلة المنصوصة يتم الحكم في أول شهر رمضان أيضا، بل القول بعدم الفصل لماسنذكر من موافقة المختلف للمشهور. وفي شرح الروضة للفاضل الإصفهاني " غم علينا الهلال " معرفا باللام، فلا إشكال. وعن جراح المدائني قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " من رأى هلال شوال بنهار في رمضان فليتم صيامه " (3) ولاوجه لحملها على ما بعد الزوال، سيما والمحتاج إليه هو بيان ما قبل الزوال كما ظهر من مخالفة الثوري في زمانه عليه السلام وأبي يوسف (4)، ولم يعهد خلاف من أحدهما في بعد الزوال حتى يكون الحديث رفعا له. وموثقة إسحاق بن عمار أو صحيحته، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن


1. التهذيب 4: 177 ح 490، الاستبصار 2: 73 ح 221، الوسائل 7: 201 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 4. وغم الهلال على الناس: إذ استره عنهم غيم أو غيره فلم ير، الصحاح 5: 1998. 2. انظر معجم رجال الحديث رقم 10358. 3. التهذيب 4: 4: 178 ح 492، الاستبصار 2: 73 ح 223، الوسائل 7: 201 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 2. 4. انظر المغني 3: 108، والشرح الكبير 3: 7، والمجموع 6: 272، وحلية العلماء 3: 180، وفتح العزيز 6: 286، وبداية المجتهد 1: 285، وشرح فتح القدير 2: 243، والتذكرة 6: 127.

[ 327 ]

هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: " لا تصمه، إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه، وإذا رأيته في وسط النهار فأتم صومه إلى الليل " (1). يعني بقوله عليه السلام: " أتم صومه إلى الليل " على أنه من شعبان، دون أن ينوي أنه من رمضان (2). فإن اعتبرنا تفسير الراوي فالأمر واضح. وإن لم نعتبره فيمكن القول: بأن المراد من قوله عليه السلام: " وإذا رأيته في وسط النهار " إلى آخره أنه حكم هلال شوال ; لأن بعد مانهاه عن الصوم بدون رؤيته في الليل فلا صوم ههنا متحقق الوقوع حتى يقال: أتمه. وكذلك أمره بالقضاء لو رآه أهل بلد آخر يشهد بعدم كونه صائما. وروى الفاضل الإصفهاني، عن بعض الكتب، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: " إذا رأيتم الهلال أو رآه ذوا عدل منكم نهارا فلا تفطروا حتى تغر ب الشمس، كان ذلك في أول النهار أو في آخره، وقال: لا تفطروا إلا لتمام ثلاثين مرؤية الهلال أو بشهادة شاهدين عدلين أنهما رأياه " (3). حجة القول الآخر: حسنة حماد بن عثمان - لإبراهيم بن هاشم - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة " (4). وموثقة عبيد بن زرارة وعبد الله بن بكير قالا، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا رؤي


1. التهذيب 4: 178 ح 493، الاستبصار 2: 73 ح 224، الوسائل 7: 201 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 3. 2. التهذيب 4: 178 ح 493، الاستبصار 2: 73 ح 224، وفي الوسائل 7: 201 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 3، جعل قوله يعني... من توجيه الشيخ، والظاهر أنه من الراوي. 3. دعائم الإسلام 1: 280، وقطعة منه في المستدرك 7: 404 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 5. 4. الكافي 4: 78 ح 10، التهذيب 4: 176 ح 488، الاستبصار 2: 73 ح 225، الوسائل 7: 202 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 6.

[ 328 ]

الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، وإذا رؤي بعد الزوال فذلك من شهر رمضان " (1). وردهما الشيخ بالشذوذ، وكونهما غير معلومين، وبمخالفتهما للكتاب والأخبار المتواترة معنى ; الدالة على وجوب الصوم للرؤية والفطر للرؤية (2). وتردد بعض الأصحاب مثل المحقق في المعتبر والنافع (3)، وكذا يظهر من صاحب المدارك (4) بسبب اعتبار سند الروايتين. وليس في محله ; إذ كلما كان السند أصح والدلالة أوضح والعدد أكثر والقائل أقل، وكان الطرف المخالف أضعف سندا ودلالة والقائل بها أكثر، يقوى الظن باعتبار ااشتهر العمل به، ويضعف الشاذ. واحتج العلامة في المختلف (5) - مضافا إلى هاتين الروايتين، وما نقل في المسائل الناصرية من قول أمير المؤمنين عليه السلام والصحابة (6) - بأنه أحوط للعبادة، وبالأخبار الدالة على وجوب الصوم للرؤية (7) بناءا على أنه إذا رؤي قبل الزوال كان وقت الصوم باقيا فيجب ابتداؤه حينئذ. وفيه: مع بعده بالنسبة إلى الرواية الثانية ; أنه لا معنى للاحتياط إلا بنية شعبان، لئو يكون مفطرا يوما من رمضان لو كان في نفس الأمر منه، وهو ليس معنى صومه من رمضان، مع أنه لايتم في آخر الشهر ; لتردده بين الحرام والواجب. ثم إنه قال في آخر كلامه: إذا عرفت هذا فنقول: لو رؤي في أول الشهر قبل الزوال ولم ير ليلة إحدى وثلاثين هلال شوال وجب صومه إن كان هذا الفرض ممكنا إذا


1. التهذيب 4: 176 ح 489، الاستبصار 2: 74 ح 226، الوسائل 7: 202 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 5. 2. التهذيب 4: 176، وانظر الوسائل 7: 182 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3. 3. المعتبر 2: 689، المختصر النافع 1: 69. 4. المدارك 6: 181. 5. المختلف 3: 496. 6. المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 206. 7. الوسائل 7: 200 أبواب أحكام شهر رمضان ب 8.

[ 329 ]

حصلت علة ; لأن الاحتياط للصوم متعين، فلا يجوز الإقدام على الإفطار بمثل هذه الروايات المفيدة للظن المعارضة بمثلها (1). وأنت خبيبأن الاحتياط لا يصير دليلا شرعيا، ولا دليل على وجوبه، ولاوجه للفرق بين الواجب والحرام. وهذا الكلام منه يشعر بأن مراده الصيام في الأول من شعبان احتياطا، وكذا في الآخر لا بقصد أنه من شوال، فلا مخالفة له مع المشهور. الثامن: عد خمسة أيام من أول شهر رمضان في السنة الماضية، وجعل الخامس أول السنة الآتية، فإذا كان أول الأول جمعة يكون أول الثاني الثلاثاء. ولا اعتبار به عند الأصحاب، وإن وردت به روايات، مثل ما رواه عمران الزعفراني، قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن السماء تطبق علينا بالعراق اليوم واليومين والثلاثة، فأي يوم نصوم ؟ قال: " انظر اليوم الذي صمته من السنة الماضية، وصم يوم الخامس " (2). وروايته الاخرى أيضا قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنما نمكث في الشتاء اليوم واليومين لا نرى شمسا ولا نجما، فأي يوم نصوم ؟ قال: " انظر اليوم الذي صمته من السنة الماضية، وعد خمسة أيام، وصم اليوم الخامس " (3). وما رواه الصدوق مرسلا عنه عليه السلام قال: " إذا صمت شهر رمضان في العام الماضي في يوم معلوم، فعد في العام المستقبل من ذلك اليوم خمسة أيام، وصم


1. المختلف 3: 496. 2. الكافي 4: 80 ح 1، التهذيب 4: 179 ح 496، الاستبصار 2: 76 ح 230، الوسائل 7: 205 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 ح 3. 3. الكافي 4: 81 ح 4، التهذيب 4: 179 ح 497، الاستبصار 2: 76 ح 231، الوسائل 7: 205 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 هامش 3.

[ 330 ]

يوم الخامس " (1). ورواية محمد بن عثمان الخدري، عن بعض مشايخه، عنه عليه السلام، قال: " صم في العام المستقبل يوم الخامس من يوم صمت عام أول " (2). ونزلها الشيخ على أن السماء إذا كانت مغيمة فعلى الإنسان أن يصوم اليوم الخامس احتياطا لرمضان من قبيل يوم الشك، لاعلى أنه من رمضان (3). نعم عمل بتلك الروايات جماعة من الأصحاب إذا غمت شهور السنة كلها، وأما لو غم شعبان فقط أو أزيد منه فيجب إكمال شعبان ثلاثين يوما، ثم يصام وجوبا (4)، وظاهر التذكرة الإجماع على ذلك (5). وبالجملة هذه الروايات مع ضعفها وشذوذها وعدم العامل بها على الإطلاق لا تقاوم مادل على اعتبار الرؤية وإتمام ثلاثين من شعبان (6). مع أنها لا تتم في السنة الكبيسة، كما صرح به جماعة من الأصحاب (7)، ففيها لابد من جعله السادس أولاللسنة الآتية. ووردت بذلك أيضا رواية، وهي ما رواه السياري، قال: كتب محمد بن الفرج إلى العسكري عليه السلام يسأله عما روي عن الحساب في الصوم عن آبائك في عد خمسة أيام بين أول السنة الماضية والسنة الثانية التي تأتي، فكتب: " صحيح، ولكن عد في كل أربع سنين خمسا، وفي السنة الخامسة ستا فيما بين الأول والحادث، وما سوى ذلك، فإنما هو خمسة خمسة ". قال السياري: وهذه من جهة الكبيسية، قال: وقد حسبه أصحابنا فوجدوه


1. الفقيه 2: 78 ح 345، الوسائل 7: 206 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 ح 4. 2. الكافي 4: 81 ح 2، الوسائل 7: 204 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 ح 1. 3. التهذيب 4: 179 ذ. ح 497. 4. منهم الشيخ في المبسوط 1: 268. 5. التذكرة 6: 141. 6. الوسائل 7: 182 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3. 7. حكاه في المدارك 6: 183.

[ 331 ]

صحيحا. قال: وكتب إليه محمد بن الفرج في سنة ثمان وثلاثين ومائتين: هذا الحساب لا يتهيأ لكل إنسان أن يعمل عليه، إنما هذا لمن يعر ف السنين، ومن يعلم متى كانت السنة الكبيسية ثم يصح له هلال شهر رمضان أول ليلة فإذا صح الهلال لليلته وعرف السنين، صح له ذلك إن شاء الله (1). ثم إالمشهور أنه فيما لو غمت شهور السنة العمل على عدها ثلاثين ثلاثين، وذهب جماعة من الأصحاب إلى اعتبار عد خمسة أيام ; لموافقته للعادة (2)، حتى أنه نقل عن صاحب عجائب المخلوقات أنه قال: قد امتحنوا ذلك خمسين سنة فكان صحيحا، ولكن مع التقييد بغير السنة الكبيسية (3). ويظهر من المختلف أن اعتماده إنما هو على العادة دون الروايات ; لضعفها (4). وتوجيهه: أن المتبادر مما دل على اعتبار إتمام الثلاثين إنما هو فيما لم تغم جميع الشهور، فإن العرف والعادة إنما جريا على كون شطر الشهور ناقصة، فلابد من اعتبارها. وأما تعيينه على هذا الوجه - يعني بعنوان عد خمسة أيام - فلغلبة وقوعه أيضا في العادة. ومرجع هذا الاستدلال العمل بالظن وتقديم الظاهر على الأصل، وأن (5) التكليف بالصوم باق والعلم بأول الشهر متعذر ; إذ المفروض انعدام جميع العلامات من الرؤية والبينة والاستفاضة، ولم يبق إلا استصحاب عدم دخول الشهر، واستصحاب عدم تمام الشهر السابق، وهما لا يقاومان هذا الظهور ; إذ المناط في حجية الاستصحاب هو حصول الظن، والمفروض فقده، بل خلافه مظنون.


1. الكافي 4: 81 ح 3، الوسائل 7: 205 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 ح 2. 2. المبسوط 1: 268، التذكرة 6: 141. 3. عجائب المخلوقات (حياة الحيوان للدميري) 2: 54. 4. المختلف 3: 499. 5.. في " م ": فإن.

[ 332 ]

وما دل على عدم جواز العمل بالتظني خصوصا في شهر رمضان (1) إنما ينصرف إلى ماكان يقين ثابت حتى يستصحب حكمه، وهو في كل شهر شهر مفقود ; لعدم معلومية أولها. وأما بالنسبة إلى مجموع الستة أشهر أو تمام السنة مثلا فلا يعارض الظن الحاصل من الأخبار الدالة على عدم جواز نقض اليقين بالشك، الظن الحاصل من هذا الظاهر، فإنا قد حققنا في الاصول أن الظاهر أيضا من القواعد المعتبرة كقاعدة اليقين وقاعدة نفي الضرر والحرج وغير ذلك، ولابد فيما لو تعارضا من الرجوع إلى المرجحات، والرجحان هنا مع الظاهر، سيما مع اعتضاده بالروايات المستفيضة مع عمل جماعة بها فيما لو غمت الشهور. ثم إن ما ذكر يجري فيما لو غم أكثر من ثلاثة أشهر أيضا، وإن لم يغم تمام السنة ; لأن كون أزيد منها تماما بعنوان التوالي أيضا نادر، بخلاف الشهرين والثلاثة، فإن الأصل حينئذ أقوى من الظاهر. لا يقال: إنك قلت بأن العمل بأمثال هذه الظنون لايتم إلا في نفس الأحكام، وأما في إثبات الموضوعات فلابد من الوقوف على ما ثبت من الشرع. لأنا نقول: المفروض انتفاء ما ثبت من الشرع هنا، ولا سبيل إليه مع ثبوت التكليف الموقوف على معرفة أول الشهر إلا العمل بأحد هذين الأمرين، ولمالم يتم الدليل على العمل بالاستصحاب وعد ثلاثين ثلاثين تاما، فانحصر الرجوع إلى هذا الظن. التاسع: لا عبرة بغيبوبة الهلال بعد الشفق، واعتبره الصدوق في المقنع، قال: واعلم أن الهلال إذا غاب قبل الشفق فهو لليلة، وإن غاب بعد الشفق فهو لليلتين، وإن رؤي فيه ظل الرأس فهو لثلاث ليال (2)، ونسب هذا القول في التذكرة إلى بعض من


1. الوسائل 7: 182 أبواب أحكام شهر رمضان ب 3. 2. المقنع (الجوامع الفقهية): 7.

[ 333 ]

لا يعتد به (1). ولعل دليله رواية إسماعيل بن الحر - وفي بعض النسخ إسماعيل بن الحسن - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين " (2) وهي مع ضعفها (3) لا تقاوم مادل على انحصار معرفة الشهر بالرؤية أو إتمام ثلاثين أو نحو ذلك. ويعارضها صريح (4) ما رواه الشيخ عن أبي علي بن راشد، قال: كتبت إلى أبي الحسن العسكري عليه السلام كتابا وأرخته يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، وذلك في سنة اثنين وثلاثين ومائتين، وكان يوم الأربعاء يوم الشك، وصام أهل بغداد يوم الخميس وأخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس ولم يغب إلا بعد الشفق بزمان طويل، قال: فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس، وأن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء، قال: فكتب إلي: " زادك الله توفيقا، فقد صمت بصيامنا " قال: ثم لقيته بعد ذلك فسألته عما كتبت به إليه فقال لي: " أو لم أكتب إليك إنما صمت الخميس، فلا تصم إلا للرؤية " (5). أما رؤية رأس الظل - والمراد به ظل الرأس، فإن رأس ظل الإنسان هو ظل رأسه - فاعتباره هو الظاهر من الصدوقين حيث ذكراه في المقنع (6) والرسالة (7)، خلافا للأكثر. وتدل عليه صحيحة مرازم، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا تطوق


1. التذكرة 6: 140. 2. الفقيه 2: 78 ح 343، الوسائل 7: 204 أبواب أحكام شهر رمضان ب 9 ح 3. 3. لعل وجه الضعف هو إهمال أو جهالة الراوي، انظر معجم رجال الحديث رقم 1316، 1318. 4. في " م ": صريحا. 5. التهذيب 4: 167 ح 475، الوسائل 7: 203 أبواب أحكام شهر رمضان ب 9 ح 1، وفيهما: قال كتب إلي أبو الحسن كتابا وأرخه.... 6. المقنع (الجوامع الفقهية): 16. 7. نقله عنه في المختلف 3: 496.

[ 334 ]

الهلال فهو لليلتين، وإذا رأيت ظل رأسك فيه فهو لثلاث ليال " (1). وهي وإن كانت صحيحة لكنها لا تقاوم العمومات والإطلاقات المعتضد بالأصل والعمل القريب من الإجماع. ويظهر من الصدوق أيضا اعتبار التطوق لهذه الرواية (2) وجمهور الأصحاب على خلافه (3). وقد حكم في التذكرة بضعف الرواية (4)، ولعله أراد الشذوذ. وحكم المحقق في المعتبر - بعد ذكر الأخبا الواردة في هذه الامور المهجورة عند الأصحاب - أن هذه الروايات شاذة، والعامل بها نادر (5)، وكذلك غيره (6). العاشر: نقل عن ابن أبي عقيل أنه قال: قد جاءت الآثار عنهم عليهم السلام: أن صوموا رمضان للرؤية، وأفطروا للرؤية، فإن غم عليكم، فأكملوا العدة من رجب تسعة وخمسين يوما، ثم الصيام من الغد (7). ويدل عليه ما رواه المفيد في المقنعة، عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلا: " إذا أهل هلال رجب، فعد تسعة وخمسين يوما ثم صم " (8). وما رواه في الكافي، عن محمد بن الحسن بن أبي خالد يرفعه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا صح هلال شهر رجب، فعد تسعة وخمسين يوما وصم يوم الستين " (9).


1. التهذيب 4: 178 ح 495، الاستبصار 2: 75 ح 229، الوسائل 7: 203 أبواب أحكام شهر رمضان ب 9 ح 2. 2. المقنع (الجوامع الفقهية): 16. 3. المبسوط 1: 267، القواعد 1: 69، اللمعة (الروضة البهية) 2: 110، المدارك 6: 182. 4. التذكرة 6: 141. 5. المعتبر 2: 689 6. كصاحب المسالك 2: 54. 7. نقله عنه في المختلف 3: 499. 8. المقنعة: 298، الوسائل 7: 217 أبواب أحكام شهر رمضان ب 16 ح 5. 9. الكافي 4: 77 ح 8، التهذيب 4: 180 ح 500، الاستبصار 2: 77 ح 232، الوسائل 7: 216 أبواب أحكام شهر رمضان ب 16 ح 3.

[ 335 ]

وما رواه الصدوق أيضا مرسلا (1). وهذه الرواية أيضا ضعيفة شاذة لا يعارض بها ما تقدم من الأخبار، والأدلة الحاصرة لعلامة الشهر. ثم إن ههنا مسألتين: الاولى: المشهور بين الأصحاب استحباب صوم يوم الشك (2)، وعن جماعة من الأصحاب الإجماع عليه، مثل السيد في الانتصار والمسائل الناصرية (3)، وابن زهرة في الغنية (4)، والشيخ في الخلاف (5)، وهو ظاهر الروضة (6). ويدل عليه مضافا إلى العمومات عموم ما ورد في صوم شعبان، وخصوصا في الثلاثة الأخيرة، وخصوصا ما ورد في يوم الشك، وهو كثير جدا، مثل صحيحة سعيد الأعرج قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني صمت اليوم الذي يشك فيه، وكان من شهر رمضان، أفأقضيه ؟ قال: " لا، هو يوم وفقت له " (7). وما رواه سهل بن سعد، عن الرضا عليه السلام، وفي جملتها قال، قلت له: يابن رسول الله صلى الله عليه وآله، فما ترى في صوم يوم الشك ؟ فقال: " حدثني أبي، عن جدي، عن آبائي عليهم السلام قال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أفطر يوما من شهر رمضان " (8). ورواية بشير النبال، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن صوم يوم الشك، فقال:


1. الفقيه 2: 78 ح 344. 2. المعتبر 2: 651، المنتهى 2: 561، التذكرة 6: 17، المسالك 2: 55، المدارك 6: 36. 3. الانتصار: 62، المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 206. 4. الغنية (الجوامع الفقهية): 570. 5. الخلاف 2: 179. 6. الروضة البهية 2: 139. 7. التهذيب 4: 182 ح 506، الاستبصار 2: 78 ح 238، الوسائل 7: 12 أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 2. 8. الفقيه 2: 80 ح 355، الوسائل 7: 17 أبواب وجوب الصوم ونيته ب 6 ح 9.

[ 336 ]

" صمه، فإن يك من شعبان كان تطوعا، وإن يك من رمضان فيوم وفقت له " (1). ورواية أبي الصلت عبد السلام بن صالح - رواها في المقنعة - عن الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من صام يوم الشك فرارا بدينه فكأنما صام ألف يوم من أيام الآخرة غراء زهراء، لاتشاكلن أيام الدنيا " (2). وعن أبي خالد، عن زيد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " صوموا سر الله " قالوا: يارسول الله، وماسر الله ؟ قال: " يوم الشك " (3) إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة (4) التي لا حاجة إلى ذكرها، وقد مر بعضها في مسائل النية. وعن ابن الجنيد أنه قال: لااستحب الابتداء بصيام يوم الشك إلا إذا كان في السماء علة تمنع من الرؤية استظهارا (5). وعن المفيد في العزية أنه قال: يكره صوم يوم الشك إذا لم يكن هناك عارض وتيقن أول الشهر وكان الجو سليما عن العوارض وتفقد الهلال ولم ير مع اجتهادهم في الطلب، ولايكون هناك شك حينئذ، ويكره صومه حينئذ إلا لمن كان صائما قبله شعبان أو أياما تقدمته من شعبان، بذلك جاءت الآثار عن آل محمد عليهم السلام (6). وتحقيق المقام يقتضي ذكر امور: الأول: في موضوع المسألة، أعني يوم الشك، فقال الشهيد الثاني في الروضة: وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناس برؤية الهلال، أو شهد به من لا يثبت بقوله (7).


1. التهذيب 4: 181 ح 504، الاستبصار 2: 78 ح 236، الوسائل 7: 12 أبواب وجوب الصوم ونيته ب 5 ح 3. 2. المقنعة: 298، الوسائل 7: 217 أبواب أحكام شهر رمضان ب 16 ح 6. 3. المقنعة: 299، الوسائل 7: 217 أبواب أحكام شهر رمضان ب 16 ح 7. 4. الوسائل 7: 215 أبواب أحكام شهر رمضان ب 16، وص 12 أبواب وجوب الصوم ب 5. 5. نقله عنه في المختلف 3: 503. 6. نقله عنه في المعتبر 2: 650، والمختلف 3: 503. 7. الروضة 2: 139.

[ 337 ]

وتقرب منه عبارته في المسالك، قال: واعلم أن موضع الخلاف إنما هو مع تحقق كونه شكا، لا مطلق يوم الثلاثين، ولا يتحقق كونه شكا إلا مع تحدث الناس برؤيته على وجه لا يثبت، أو بشهادة الواحد ونحوه، وبدون ذلك لا يكون شكا، فلا يتعلق به حكمه من كراهة صومه ولا استحبابه على الوجه الوارد (1). وأنت خبير بأن عبارة المفيد السابقة صريحة في أن الكراهة إنما هي في صورة عدم الشك (2)، والمشهور عدمها، وهوموضع الخلاف. وأيضا ظاهر التذكرة والمنتهى والدروس والشرائع أن محل النزاع مطلق الثلاثين وأنه يسمى يوم الشك مطلقا (3). قال في التذكرة: يستحب صيام يوم الشك من شعبان إذا لم ير الهلال، ولايكره صومه، سواء كان هناك مانع من الرؤية كالغيم وشبهه أو لم يكن، وبه قال أبو حنيفة ومالك (4). إلى أن قال: وقال شيخنا المفيد رحمه الله: إنما يستحب مع الشك في الهلال لامع الصحو وارتفاع الموانع، ويكره مع الصحو وارتفاع الموانع إلا لمن كان صائما قبله، وبه قال الشافعي والأوزاعي (5) و (6). أقول: والتحقيق أن يقال: المراد بيوم الشك يوم من شأنه الشك بعنوان القاعدة الكلية كما هو الغالب في التسميات، ولما كان الشهر دائما مرددا بين أمرين ثلاثين يوما وتسعة وعشرين يوما، فيوم الثلاثين محل الشك، ولا ضرورة إلى فعلية الشك في التسمية.


1. المسالك 2: 55. 2. نقله عنه المحقق في المعتبر 2: 650، ولكنه في المقنعة: 298 صرح باستحبابه، وأورد في ذلك عدة روايات فلعله حكم بالكراهة المذكورة في غيرها. 3. التذكرة 6: 17، المنتهى 2: 561، الدروس 1: 284، الشرائع 1: 181. 4. الهداية للمرغيناني 1: 119، المجموع 6: 404، 421، حلية العلماء 3: 213. 5. المجموع 6: 404، حلية العلماء 3: 213. 6. انتهت عبارة التذكرة 6: 17.

[ 338 ]

مع أنه قلما يوجد ارتفاع الشك ; إذ عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، سيما بعد ملاحظة هجر القواعد الرصدية في الشرع، وهذا هو الظاهر من كلمات الأصحاب. الثاني: الظاهر من الأخبار الواردة في استحباب صوم الشك أن العلة فيها إدراك صوم رمضان والتوفيق له في نفس الأمر، فيستحب الصوم لأجل أن لا يفوت هذا اليوم منه في نفس الأمر، فلاحظ الأخبار، فإنها منادية بذلك. فمراد أكثر الأصحا ب من استحبابه بعد ما أجمعوا على استحباب صوم شعبان، وذكروا استحباب صوم الثلاثة الأيام في آخره، ووصل شعبان برمضان، ونقلوا الأخبار الدالة على ذلك، ثم عنونوا الكلام في صوم يوم الشك، ينبغي أن تكون الحكمة في استحبابه بالخصوص هو استحبابه لأجل إدراك صوم رمضان والتوفيق له، ولامانع في العقل والشرع أن يكون لشئ واحد فضيلتان من جهتين. فنظر المشهور إلى أن احتمال كونه من رمضان لا ينتفي بسبب الصحو وعدم الرؤية وعدم الأمارات الرصدية، ونظر المفيد إلى عدم الاعتداد بالاحتمال الضعيف، ولذلك قال: " حينئذ ليس هناك شك ". فينبغي أن لايمنع المفيد استحبابه من جهة أنه آخر شعبان شرعا، بل إنما يقول بالكراهة لأجل أن الاعتداد بالاحتمال الضعيف في إدراك التوفيق لصوم رمضان ليس مما يستند إليه في الحكم الشرعي ; لأنه حينئذ متشبه بمن يعتد بغير أمارة شرعية، ولذلك اشترط عدم تقدم الصيام، فإن من كان يصوم قبل ذلك ويستمر فيه إلى الآخر لا يتوهم فيه أنه صام لأجل الاعتماد على مالايجوز الاعتماد عليه، ويضمحل هذا الاحتمال في جنب داعية الاستمرار على العمل، وعلى هذا فيشبه أن يكون النزاع لفظيا. وكيف كان فالمذهب هو المشهور، فالأحسن على ما ذكرنا الاستدلال بخصوص ما ورد في يوم الشك، وأنه لأجل التوفيق لصوم رمضان، ولأنه فرار بدينه ونحو ذلك

[ 339 ]

مما ذكر في الأخبار، لابإطلاق مادل على استحباب صوم شعبان أو الثلاثة الأيام من آخره ونحو ذلك. الثالث: في ذكر الآثار التي ذكرها المفيد، ولعله أراد بها مثل رواية معمر بن خلاد، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: كنت جالسا عنده آخر يوم من شعبان، فلم أره صائما، فأتوه بمائدة، فقال: " ادن " وكان ذلك بعد العصر، قلت له: جعلت فداك صمت اليوم، فقال لي: " ولم ؟ " قلت: جاء عن أبي عبد الله عليه السلام في اليوم الذي يشك فيه أنه قال: " يوم وفق له " قال: " أليس تدرون إنما ذلك إذا كان لا يعلم أهو من شعبان أم من شهر رمضان فصامه الرجل وكان من شهر رمضان كان يوما وفق له، فأما وليس علة ولا شبهة فلا " فقلت: أفطر الآن ؟ فقال: " لا " فقلت: وكذلك في النوافل ليس لي أن أفطر بعد الظهر ؟ قال: " نعم " (1). ورواية هارون بن خارجة قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " عد شعبان تسعة وعشرين يوما، فإن كانت مغيمة فأصبح صائما، وإن كان مصحية وتبصرت فلم تر شيئا فأصبح مفطرا " (2). ورواية الربيع بن ويد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا رأيت هلال شعبان فعد تسعة وعشرين ليلة، فإن صحت فلم تره فلا تصم، وإن تغيمت فصم " (3). وأنت خبير بأن هذه الأخبار مع سلامتها لا تعارض بها الأخبار المتواترة المعتبرة، فلعل المراد بها المنع عن صيامها لقصد احتياط إدراك رمضان لكمال بعده، ولكن يلزمه بقاء الاستحباب لأجل أنه من شعبان أو آخر شعبان، ولا أقل من أجل أنه صوم ; لعدم المنافاة، فلا وجه للإفطار والأمر بالإفطار كما يستفاد من تلك الأخبار.


1. التهذيب 4: 166 ح 473، الوسائل 7: 18 أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 12. 2. الكافي 4: 77 ح 9، الوسائل 7: 216 أبواب أحكام شهر رمضان ب 16 ح 4. 3. التهذيب 4: 165 ح 469، الوسائل 7: 216 أبواب أحكام شهر رمضان ب 16 ح 2.

[ 340 ]

الرابع: لو صامه ندبا وظهر كونه من رمضان أجزأ عنه اتفاقا، وهو مدلول الأخبار الكثيرة جدا (1). بل قال المفيد في المقنعة: ثبت عن الصادقين عليهما السلام لو أن رجلا تطوع شهرا وهو لا يعلم أنه شهر رمضان ثم تبين له بعد صيامه أنه كان شهر رمضان لأجزأ ذلك عن فرض الصيام (2). وقد تقدم الكلام في ذلك وسائر ما يتعلق به في مباحث النية. الخامس: لو أفطره وأهل شوال في ليلة التاسع والعشرين من رمضان قضاه، وكذا لو قامت بينة برؤيته ليلة الثلاثين من شعبان بلا خلاف أعرفه، وتدل عليهما الأخبار، ومر بعضها مثل صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة في مسألة العدد (3)، وصحيحة هشام بن الحكم المتقدمة في مسألة رؤية الهلال (4). قال المحقق: وكل شهر تشتبه رؤيته يعد ما قبله ثلاثين (5). ولم يذكر في المدارك ولافي المسالك خلافا فيه (6)، وإنما ذكر المحقق (7) وغيره (8) الخلاف فيما لو غمت شهور السنة، فذهب الأكثر إلى أنه يعد الكل ثلاثين (9). وقيل: ينقص منها ; لقضاء العادة بالنقيصة (10). وقيل: يعمل بعد الخمسة من السنة الماضية (11). أقول: أما في خصوص شعبان فلا إشكال فيه ; للإجماع والأخبار، وأما في كل


1. الوسائل 7: 12 أبواب وجوب الصوم ب 5. 2. المقنعة: 302، الوسائل 7: 15 أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 13. 3. التهذيب 4: 158 ح 444، الوسائل 7: 214 أبواب أحكام شهر رمضان ب 14 ح 1. 4. التهذيب 4: 158 ح 443، الوسائل 7: 192 أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 13. 5. الشرائع 1: 181. 6. انظر المدارك 6: 186، والمسالك 2: 56. 7. الشرائع 1: 181. 8. المختلف 3: 497. 9. منهم الشيخ في المبسوط 1: 268، والمحقق في الشرائع 1: 181. 10. منهم العلامة في المختلف 3: 498. 11. المبسوط 1: 268، التذكرة 6:، المنتهى 2: 593، التحرير 1: 82.

[ 341 ]

شهر غير شعبان فإن كان إجماع فهو، وإلا فهو مشكل. وأما في غم الجميع ; فالأظهر فيه البناء على النقيصة، بل بخصوص عد الخمسة. والتحقيق أن يقال: إن ترك العمل على عد ثلاثين في الجميع كما اخترناه ليس لأجل ترجيح الظاهر على الأصل فقط كما يظهر من المسالك (1)، بل لأنه لا يمكن إجراء الاستصحاب أصلا فيه، بل ولا في صورة غم الكل، ولافي البعض، وإنما قلنا بذلك في خصوص شعبان للدليل. ووجهه: أنا نعلم بالعيان أنه ليس للشهور حد لا تتجاوزه، فقد يكون الشهر ثلاثين، وقد يكون تسعة وعشرين، وتعيين خصوص الثلاثين بسبب الاستصحاب بناءا على أن الاستصحاب قد يثبت حكما جديدا كما في حكاية استصحاب الطهارة في مادة عدم ناقضية المذي إنما يتم لو صح إجراء الاستصحاب. ولا يمكن فيما نحن فيه ; إذ معنى الاستصحاب إجراء ما ثبت في الزمان الأول في الزمان الثاني على مقتضى جري عادة الله على بقاء الحكم الأول، فمرجعه إلى حصول الظن بسبب العادة، فإذا كانت العادة مختلفة في أفرادكلي، فلا يمكن تسوية جميع أفراد الكلي، بل إنما يقتصر على ما هو ثابت في الأقل استمرارا. ولاريب أن تفاوت الشهور في العدد يبنى على تفاوت أوضاع سير القمر، والقمر في كل قطعة من الأيام والأزمان يختلف بسبب اختلاف أوضاعه بالنسبة إلى الشمس، فوضعه في هذا الزمان على خلاف وضعه في الزمان الآخر، وعادة الله إنما جرت في هذه على خلاف هذه. فالتمسك باستصحاب عدم تأخر القمر عن الشمس، وانسحاب مقتضى حالة اجتماعه معها في كل قطعة من تلك الأزمنة التي هي شهر على حدة، تقتضي بقاءه على حاله إلى هذه الساعة التي خرجت من الظلمة إلى النور، وهو قد يكون نهاية تسع


1. المسالك 2: 56.

[ 342 ]

وعشرين، وقد يكون نهاية ثلاثين، فكيف يحكم بأنه هو هذا دون ذاك تمسكا بمطلق استصحاب عدم التأخر ؟ ! نعم الاستصحاب يتم في حصول مراتب التأخر في كل منها على حدة، فإذا علمنا أن لزيد مثلا مسكنا في موضع، ولكن لا نعلم أن بناءه من الآجر أو الحجر أو من القصب والسعف، فلا يمكننا إجراء استصحاب بقائه بعد مائة سنة لأجل وجوده في الزمان الأول، بل الاستصحاب إنما يجري على أقلهما مكثا في الدنيا. فبقاء القمر بلا نور قد تقصر مدته وقد تطول، ويختلف بالنسبة إلى الأهلة، فاستصحاب مطلق المكث الذي هو معيار الكلام هنا ليثبت الحكم في الجميع أو في كل واحد لايتم إلا في القدر المتيقن. فالاستصحاب لا يقتضي إلا الحكم بعدم الخروج إلى مقدار زمان التسع والعشرين، وأما انقطاعه حينئذ أو استمراره إلى الثلاثين فلا يفيده الاستصحاب، فيبقى المقام مبهما لانحكم عليه بشئ منهما. وليس هنا مجال أن يتوهم أن الاستصحاب إلى أقل الأزمان إن سلم لتيقنه، لكن الخروج عن الاجتماع أمر وجودي والأصل عدمه، وهو يقتضي تمام الثلاثين ; لأنالم نرد باعتبار استصحاب الأقل نفي الحكم عن الزائد والاستدلال به على الحكم بتسع وعشرين حتى يعارض بأصالة عدم سرعة السير وعدم خروج القمر عن الاجتماع، بل المراد أن الثابت بالاستصحاب إنما هو هذا المقدار المشترك بينهما، وهو لا يثبت شيئا منها، فما ذكره في المسالك من ترجيح العمل برواية الخمسة في صورة غم الجميع لترجيح الظاهر بحسب العادة والغلبة، وترجيح العمل بعد ثلاثين في الشهرين والثلاثة للاستصحاب والتردد في أزيد من ثلاثة لا يرتبط بالدليل. نعم يظهر من المدارك أن الحكم في الشهرين والثلاثة أيضا إجماعي، قال وموضع الخلاف ما إذا غمت شهور السنة أو أكثرها، وأما الشهران والثلاثة فينبغي

[ 343 ]

القطع بعدها ثلاثين لما ذكرناه من امتناع الحكم بدخول الشهر بمجرد الاحتمال (1)، وهو مشكل. ويظهر من الروضة والمسالك وقوع الخلاف فيه حيث جعله أقوى (2)، وقد ظهر مما ذكرنا خلافه. ثم إنه - رحمه الله - وجه الاستصحاب هنا بطريقين: الأول: أن يقال إن الشهر المعين مثل شعبان واقع ثابت، والأصل استمراره، إلى أن يتحقق الزوال، وليس إلا بمضي ثلاثين، وكذا في غيره. والثاني أن يقال: إذا حصلت الخفية للهلال وهو المحاق فالأصل بقاؤها وعدم إمكان الرؤية، إلى أن يتحقق خلافه بمضي ثلاثين (3). أقول: قد عرفت عدم إمكان التمسك بالاستصحاب على الوجه الثاني. وأما الوجه الأول ; فإن كان مراده من قوله " الشهر المعين ثابت واقع " ثبوته ووقوعه بما هو شهر فهو أيضا يرجع إلى الثاني ; إذ لا تتم حقيقة الشهر إلا بانقضاء زمان خفاء الهلال في آخره، وقد عرفت عدم جريان الاستصحاب فيه. وإن أراد منه استصحاب الأحكام الواردة فيها مثل وجوب الصوم في رمضان وتأكد استحبابه في شعبان، وتأكد استحباب التعزية في المحرم ونحو ذلك، ففيه: أنه إنما يتم إذا كان الواجب في رمضان مثلا هو الصوم، والمستحب الموكد في شعبان هو الصوم لاصوم رمضان وشعبان، وكذلك المحرم في السفر هو صوم رمضان، لاالصوم في رمضان، وهو في محل المنع، والفرق بينهما واضح. ويتفرع على هذا الأصل فروع منها: جواز الصوم المندوب في شهر رمضان في السفر على القول بجوازه، وكذا


1. المدارك 6: 187. 2. الروضة البهية 2: 113، المسالك 2: 56. 3. المسالك 2: 56.

[ 344 ]

الصوم المنذور تفريعا على أن الحرام هو صوم رمضان في السفر، لاالصوم في رمضان. والأظهر بالنظر إلى تتبع النظائر هو الثاني، فإنه يفيد أن ظرف الزمان من مميزات المهية، كما نشاهد في غسل الجمعة وغسل العيد وغير ذلك، بل وكذلك ظرف المكان والأفعال، كغسل الإحرام والتوبة ودخول مكة والمدينة ونحو ذلك. وعلى هذا فيدخل في مهية تلك الأحكام المستصحبة تعلقها بالشهر بما هو شهر ويعود المحذور. ثم إنك قد عرفت دليل الرجوع إلى عد الخمسة بأنه روايتا عمران الزعفراني (1) وغيرهما (2)، وهي مع ضعفها (3) لادلالة فيها على صورة غمة الشهور كلها كما لا يخفى، ولاغمة أكثر من شهر، ولابد من تقييدها بغير السنة الكبيسية كما عرفت. وأما القول بالنقيصة مطلقا فقال في المسالك: فليس فيه بيان الناقص، ولكن إحالته على العادة يقربه من رواية الخمسة (4). أقول: والظاهر أن مراد القائل: " إن العادة تقتضي البناء على النقيصة ونقصان ستة أيام " من كل السنة، وإذ لا مرجح في تعينها في بعض الشهور دون بعض، فمقتضى الأصل وعدم جواز الترجيح بلا مرجح وبقاء التكليف تخيير المكلف في جعل النقيصة في أي شهر أراد، لا بمعنى جعل الجميع في شهر مثلا، بل جعل كل يوم في شهر حتى يكمل العدد. والأولى أن لا يجعل شهرين متواليين ناقصا - وإن كان قد يتفق ذلك، بل قد رأينا


1. الكافي 4: 80 ح 1، 4، التهذيب 4: 179 ح 496، 497، الاستبصار 2: 76 ح 230، 231، الوسائل 7: أبواب أحكام شهر رمضان ب 10 ح 3 وذيله، قال: انظر اليوم الذي صمت فيه من السنة الماضية، وعد خمسة أيام وصم اليوم الخامس. 2. الوسائل 7: 205 أبواب أحكام شهر رمضان ب 10. 3. لأن عمران مجهول، انظر معجم رجال الحديث رقم 9068. 4. المسالك 2: 57.

[ 345 ]

مرة اتفق نقصان ثلاثة أشهر متواليات - بل يجعل شهر تاماو شهر ناقصا. فلعل العمل برواية الخمسة في غير الكبيسية أحسن ; جمعا بين العمل بالروايات المعمولة عند جماعة، وبين مقتضى العمل بالنقيصة، فهو أفضل الأفراد المخير فيها إذا لم نقل بتعينه. المسألة الثانية: المحبوس الذي لايعرف الأهلة، والأسير الذي لايعرف الشهور وجب عليه الاجتهاد، والظاهر عدم الخلاف فيه ; لأنه مكلف بصوم رمضان إجماعا كما صرح به في التذكرة (1). ومع اعتقاده إمكان المعرفة به يجب الطلب من باب مقدمة الواجب. فإن اجتهد وغلب على ظنه أن هذا الشهر هو شهر رمضان فيبني عليه. والظاهر أن وجوب البناء عليه أيضا إجماعي، وادعاه بعض الأصحاب صريحا (2)، ولأنه إذا تعذر عليه العلم يرجع إلى الظن ; لأن ترجيح المرجوح قبيح. ولا ينوي الأداء والقضاء كما ذكره الفاضلان في المعتبر والمنتهى (3). ثم إن استمر الاشتباه أجزأ إجماعا إلا عن الحسن بن صالح بن حي كما في التذكرة (4). وحكي عن المنتهى أيضا (5)، ولأن الأمر يقتضي الإجزاء. ولو ظهرت الموافقة أو تأخره عن شهر رمضان بأجمعه أو ببعضه فيجزي أيضا إجماعا كما في التذكرة، إلا عن الحسن بن صالح (6).


1. التذكرة 6: 142. 2. التذكرة 6: 142، المنتهى 2: 593، المدارك 6: 187. 3. المعتبر 2: 690، المنتهى 2: 593. 4. التذكرة 6: 142، وانظر المغني 3: 101، والشرح الكبير 3: 12. 5. المنتهى 2: 593. 6. التذكرة 6: 142، وانظر المغني 3: 101، والشرح الكبير 3: 12.

[ 346 ]

وإن اتفق كونه‌قبل رمضان فلا يجزيه بإجماع علمائنا كما في التذكرة، بل إنما نقل الخلاف عن أحد قولي الشافعي قياسا على إجزاء وقوف عرفات قبل عرفة بيوم في حال الاشتباه (1)، والقياس مع أصله باطلان. والظاهر أن بطلان البعض في صورة تقدمه خاصة أيضا إجماعي، وهو ظاهر التذكرة (2) والمحكي عن المنتهى (3). ويدل على أكثر ما تقدم ما رواه الكليني والشيخ - رحمه الله - عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: رجل أسرته الروم ولم يصم شهر رمضان، ولم يدر أي شهر هو، قال: " يصوم شهرا يتوخاه ويحتسب، فإن كان الشهر الذي صامه‌قبل شهر رمضان لم يجزئه، وإن كان بعد شهر رمضان أجزأه " (4). ولاوجه للقد في سنده بسبب عبيس بن هشام كما وقع في المدارك لجهالته (5)، فإن الظاهر أنه هو عباس بن هشام الثقة، كما يظهر من النجاشي والخلاصة (6). مع أن الراوي عنه عبد الله بن المغيرة في سند الشيخ. مع أن الصدوق رواه بسنده عن أبان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، وفي بعض النسخ عبد الرحمن بن أبي العلاء، ولعله مصحف. وكيف كان فالسند معتبر جدا، بل صحيح على الأظهر. وفي الفقيه موضع لم يصم " لم يصح "، وموضع يحسب " يحتبس "، وموضع يتوخاه " يتوخى " (7).


1. التذكرة 6: 142، وانظر المهذب للشيرازي 1: 187، والمجموع 6: 286، وحلية العلماء 3: 183، وفتح العزيز 6: 338، والمغني 3: 102، والشرح الكبير 3: 12. 2. التذكرة 6: 142. 3. المنتهى 2: 593. 4. الكافي 4: 180 ح 1، التهذيب 4: 310 ح 935، الوسائل 7: 200 أبواب أحكام شهر رمضان ب 7 ح 1. 5. المدارك 6: 188. 6. رجال النجاشي: 280، الخلاصة: 118. 7. الفقيه 2: 78 ح 346.

[ 347 ]

ورواه المفيد في المقنعة أيضا وسننقل عبارته. ثم إن الشهيد الثاني وغيره ذكروا أنه يلحقه حكم الشهر في وجوب المتابعة، وإكمال ثلاثين لو لم ير الهلال في الطرفين، فلو رآه فيهما فليس عليه إلا شهر هلالي. نعم لو ظهرت المخالفة وكان رمضان تاما وهذا ناقصا فعليه قضاء يوم إن لم يكن شوالا ولاذا الحجة، وإلا فيومين أو أكثر، لمكان العيدين وأيام التشريق، فلو توافقا في النقصان وكان شوالا قضى يوما، وإن كان ذا الحجة قضى يوما أو أكثر، وإن كان رمضان ناقصا وشوال تاما فلا قضاء، ويلحقه أحكام العيد بعده من الصلاة والفطرة وحرمة الصوم. وكذا لزوم الكفارة بإفساد يوم منه إن لم يتبين تقدمه على رمضان، وإلا ففيه الوجهان المتقدمان في مثل الحائض إذا أفطرت أول النهار وحاضت في وسطه، وكذا المسافر. وكذا لو تبين التأخر عن رمضان ; ففي لزوم كفارة رمضان بالإفساد، أو كفارة قضاء رمضان وجهان. وناقش صاحب المدارك في الإلحاق في تلك الأحكام ; لأصالة البراءة عن جميع ذلك، واختصاص النص بالصوم. أقول: إشكاله وجيه، إلا في اعتبار التتابع وإكمال ثلاثين إن لم ير الهلال. ولو لم يغلب على ظنه شئ فقالوا: إنه يتخير في كل سنة شهر، أيا منها أراد ; لأنه مكلف بالصوم، ولا سبيل له إلى العلم بالشهر ولا الظن به، فيثبت التخيير. قال في المدارك: قد قطع به الأصحاب (1). ويظهر من التذكرة أن المخالف فيه إنما هو بعض الشافعية (2) ; لأنه لم يعلم دخول الشهر ولاظنه فلا يلزمه، كما لو شك في دخول وقت الصلاة (3)، واحتمله


1. المدارك 6: 189. 2. المجموع 6: 287، حلية العلماء 3: 184. 3. التذكرة 6: 144.

[ 348 ]

في المدارك (1). وهو ضعيف ; لشمول الرواية له، بل الظاهر منها ذلك، فإن التوخي مطلق القصد إلى الشئ. قال في الصحاح: وخيت وخيك ; أي قصدت قصدك، ثم قال: توخيت مرضاتك ; أي تحريت وقصدت (2). ولكن قال في التحري: إنه طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن كالتقمن، قال: وفلان يتحرى الأمر ; أي يتوخاه ويقصده، وتحرى فلان بالمكان أي تمكث (3). وعلى هذا فشمول الرواية لهذه مشكل، إلا أن يقال: إن المعيار هو قوله عليه السلام: " يصوم شهرا " والتوخي أمر آخر غير الأمر بصوم شهر، وهو دائر مدار الإمكان وحصول الفائدة، فإن انتفى إمكانه أو لم تحصل منه فائدة فيبقى الأمر بصيام شهر مخيرا فيه بدليل العقل، وبالجملة فالرواية مع فتواهم تكفي في ذلك. ثم إنه يظهر من المحقق الأردبيلي عدم وجوب التفتيش في صورة استمرار الاشتباه (4)، ولكن ظاهر الرواية لزومه سيما على ما في الفقيه من لفظ " يحسب " على زنة يضرب. وقال المفيد في المقنعة في باب الزيادات: وسئل يعني الصادق عليه السلام عن رجل أسرته الروم فحبس ولم ير أحدا يسأله، فاشتبهت عليه امور الشهور، كيف يصنع في صوم شهر رمضان ؟ فقال: " يتحرى شهرا فيصومه - يعني: يصوم ثلاثين يوما - ثم يحفظ ذلك، فمتى خرج أو تمكن من السؤال من أحد ; نظر فإن كان الذي صامه كان قبل شهر


1. المدارك 6: 189. 2. الصحاح 6: 2520. 3. الصحاح 6: 2311. 4. مجمع الفائدة والبرهان 5: 154، 162.

[ 349 ]

رمضان لم يجز عنه، وإن كان هو هو فقد وفق له، وإن كان بعده أجزأه " (1). ولابد من مراعاة المطابقة بين الشهرين في سنتين، بأن يكون بينهما أحد عشر شهرا، وإلا كان أحد الشهرين غير رمضان على اليقين. قيل: وتجري فيه الأحكام المتقدمة في الشهر المظنون، إلا أنه يجوز له ترك ما اختاره أولا واختيار شهر آخر في أثنائه، ولا كفارة في الإفطار حينئذ ; لعدم الدليل على التعين عليه بسبب اختياره ذلك (2). ويظهر من التذكرة عدم وجوب التتابع هنا، بل جعله أولى (3)، وهو مشكل، بل الظاهر الوجوب. قال في المسالك: ولو اتفق للأسير صيام شهر رمضان تطوعا فالأقرب الإجزاء عنه (4). وقد صرح به‌في التذكرة أيضا (5)، وهو منقول عن المنتهى (6) تمسكا بظاهر قوله عليه السلام في صيام يوم الشك بنية الندب: " هو يوم وفقت له " (7). أقول: وقد نقلنا عن المفيد في صوم المقنعة في صوم يوم الشك ما يدل صريحا على ذلك (8). وأما وقت وجوب الإمساك فهو طلوع الفجر الثاني بإجماع العلماء والآية (9) والأخبار، إلا في الجماع، فيجب


1. المقنعة: 379، الوسائل 7: 200 أبواب أحكام شهر رمضان ب 7 ح 2. 2. المسالك 2: 57. 3. التذكرة 6: 144. 4. المسالك 2: 58. 5. التذكرة 6: 145. 6. المنتهى 2: 594. 7. الكافي 4: 82 ح 4، الوسائل 7: 12 أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 2. 8. المقنعة: 298. 9. البقرة: 187.

[ 350 ]

قبله بقدر الغسل ; لحرمة تعمد البقاء على الجنابة إلى الفجر على الأشهر الأقوى كما مر. وقد مر بيان حقيقة الفجر في كتاب الصلاة (1). ووقت الإفطار غروب الشمس، والمشهور تحديده بذهاب الحمرة المشرقية (2)، وذهب جماعة إلى أن حده استتار القرص (3)، ولا يخلو من قوة وإن كان الأول أحوط، وقد مر الكلام في ذلك أيضا. قالوا: ويستحب تقديم الصلاة على الإفطار إلا أن يكون هناك من ينتظره للإفطار فتقديمه أفضل ; لما رواه الصدوق في الصحيح، والكليني في الحسن، عن الحلبي، عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن الإفطار قبل الصلاة أو بعدها ؟ فقال: " إن كان معه قوم يخشى أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم، وإن كان غير ذلك فليصل ثم ليفطر " (4). وما رواه الكليني، والشيخ في الموثق، عن زرارة وفضيل، عن الباقر عليه السلام: " في رمضان تصلي ثم تفطر، إلا أن تكون مع قوم ينتظرون الإفطار، فإن كنت معهم، فلا تخالف عليهم وأفطر ثم صل، وإلا فابدأ بالصلاة ". قلت: ولم ذاك ؟ قال: " لأنه قد حضرك فرضان: الإفطار والصلاة، فابدأ بأفضلهما، وأفضلهما الصلاة ". ثم قال: " تصلي وأنت صائم فتكتب صلاتك تلك فتختم بالصوم أحب إلي " (5).


1. الغنائم 2: 146. 2. الشرائع 1: 51. 3. علل الشرائع: 350 ح 4. 4. الفقيه 2: 81 ح 360، الكافي 4: 101 ح 3، الوسائل 7: 107 أبواب آداب الصائم ب 7 ح 1. 5. التهذيب 4: 198 ح 570، مصباح المتهجد: 569، الوسائل 7: 108 أبواب آداب الصائم ب 7 ح 2.

[ 351 ]

يدل عليه الإجماع والأخبار الدالة على أن الصلاة في أول الوقت أفضل، خصوصا المغرب ; لقلة وقت فضيلته، ولما ورد في استجابة دعاء الصائم (1)، والصلا مشتملة عليه. ويظهر من ذلك استحباب تأخيره عن العشاء، ولكن العومة في التذكرة قال: ويستحب تعجيل الإفطار بعد صلاة المغرب إن لم يكن من ينتظره للإفطار، ولو كان استحب تقديمه على الصلاة، روى العامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: " يقول الله تعالى: أحب عبادي إلي أسرعهم فطرا " (2) و (3). وعن المنتهى: أنهم رووه عن أبي هريرة عنه عليه السلام (4)، وعن نهاية ابن الأثير: ومنه الحديث: " إذا حضر العشاء فابدؤا بالعشاء " العشاء بالفتح الطعام الذي يؤكل عند العشاء، وأراد بالعشاء صلاة المغرب (5)، انتهى. وأنت خبير بأنه لاحجة فيما ذكر علينا، فالاستباق إلى العبادة والدعاء أفضل. و ما تشعر به رواية زرارة والفضيل من أنه أحد الفرضين على فرض تسليمه لا يوجب أفضليته ; إذ لاريب أن الإفطار إن سلم وجوبه فليس بفوري، وإلا فالمراد بكونه فرضا النهي عن الوصال وعدم نقض الصيام في الليل. ويدل على أفضلية تقديم الصلاة أيضا: أن صفاء الخواطر في حال الجوع أكثر، وتوجه النفس إلى الله أسهل إن لم يكن بحد لا يحفظ نفسه ولا يقوى على ضبطها، وأيضا فيه مخالفة النفس التي جزاؤها كون الجنة هي المأوى. ويدل على استحباب التأخير لرفع انتظار المنتظر مضافا إلى الروايات عمومات مادل على فضيلة إجابة دعوة المؤمن، وإدخال السرور في قلبه، ودفع الأذى عنه، فإنه


1. الوسائل 7: 105 أبواب آداب الصائم ب 6. 2. التذكرة 6: 232. 3. المغني 3: 110، الشرح الكبير 3: 81، سنن الترمذي 3: 83 ح 700، مسند أحمد 2: 237. 4. المنتهى 2: 624. 5. نهاية ابن الأثير 3: 242.

[ 352 ]

قلما يوازنه شئ من الأعمال في الثواب. ثم إن الإفطار قد يطلق على مجرد ما يبطل الصوم ولو بحب من التمر أو الزبيب، وقد يطلق على أكل ما يعتاد أكله من الغذاء. والأدلة المذكورة منها ما يدل على الأول مثل استجابة دعاء الصائم، ومنها ما يدل على الثاني كالروايات المتقدمة. فالأولى تقديم الصلاة عليهما جميعا. ثم إن المحقق (1) وغيره (2) ذكروا استحباب تأخير الصلاة إذا نازعته نفسه في تقديم الصلاة. قال في المدارك: ولم أقف على رواية تدل عليه، وربما كان وجهه استلزام تقديم الصلاة على هذا الوجه فوات الخشوع والإقبال المطلوب في العبادة (3). أقول: قال المفيد في المقنعة بعد ما نقل رواية الفضيل وزرارة: وروي أيضا في ذلك: " أنك إذا كنت تتمكن من الصلاة وتعقلها وتأتي بها على جميع حدودها قبل أن تفطر فالأفضل أن تصلي قبل الإفطار، وإن كنت ممن تنازعك نفسك للإفطار فتشغلك شهوتك عن الصلاة فابدأ بالإفطار ; ليذهب عنك وسواس النفس اللوامة، غير أن ذلك مشروط بأنه لا يشتغل بالإفطار قبل الصلاة إلى أن يخرج وقت الصلاة " (4). وروى الشيخ في الموثق، عن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " يستحب للصائم إن قوي على ذلك أن يصلي قبل أن يفطر " (5).


1. الشرائع 1: 182. 2. السرائر 1: 385، القواعد 1: 388. 3. المدارك 6: 191. 4. المقنعة: 318، الوسائل 7: 108 أبواب آداب الصائم ب 7 ح 5. 5. التهذيب 4: 199 ح 575، الوسائل 7: 108 أبواب آداب الصائم ب 7 ح 3.

[ 353 ]

وعن كتاب الإقبال أيضامثله (1)، هذا. ولكن ينبغي للإنسان أن لا يجعل هذا مخيلة للشيطان ومضمار للنفس الأمارة، فإنهما معتادان لماعودا، فليجاهد نفسه ليذهب عنه هذا الخاطر، وقد أشرنا إلى نظيره في تأخير الصلاة عن وقت الفضيلة لأجل الحر ونحوه. مع أنه كما يمنع الجوع عن الحضور والتوجه، فالشبع أيضا قد يمنعه وإن لم يكن بحد الامتلاء، سيما في شدة الحر والبرد، فإنا نشاهد الكسل والرغبة عن الصلاة بعد الإفطار كثيرا. وأما الجمع بينهما: بأن يأكل قليلا ثم يصلي ثم يتم الشبع، فإنا قد جربنا مرارا أنه يحرك الشهوة ولا يسكن الهمة، ويصعد البخار إلى الدماغ، وبسببه يختل الحال ويشوش النفس، وربما يضر من جهة التداخل. فالأولى اعتياد النفس بتقديم الصلاة ; ليصير عادة لها، إلا أن يكون بحيث لا يتحمل الصبر ويتضرر به، فقد يجب حينئذ تقديم الإفطار. والظاهر أن السنة تتأدى بتقديم المغرب على الإفطار وإن وقع الإفطار أيضا في وقت فضيلة المغرب. ولكن الأولى تأخيره عن التعقيب، بل وصلاة العشاء، بل الظاهر من الروايات وبعض الأدلة المتقدمة رجحان التقديم، وإن خرج وقت الفضيلة أيضا.


1. الإقبال: 112.

[ 354 ]

المبحث الثاني في شرائطه والكلام فيها إما في شرط الوجوب أو القضاء، وأما الصحة فقد تقدم الكلام فيها. فهناك مطلبان: المطلب الأول: في شرائط الوجوب وهي امور: منها: البلوغ والعقل، فلا يجب على الصبي والمجنون إجماعا، إلا أن يكملا قبل طلوع الفجر، فيكونان مثل سائر المكلفين. ولو كملا بعد الفجر، فعن الأكثر عدم الوجوب مطلقا (1)، والظاهر من ابن إدريس بل صريحه دعوى الإجماع (2). وعن الشيخ في كتاب صوم الخلاف: أن الصبي إذا نوى الصوم أول النهار ولم يفطر، فبلغ، وجب عليه الإتمام (3).


1. المعتبر 2: 711، ونقله عن الأكثر في المدارك 6: 192، 160. 2. السرائر 1: 403. 3. الخلاف 2: 203.

[ 355 ]

وعن المبسوط في كتاب الصوم: إذا بلغ حال الصوم جدد النية وكان صوما صحيحا (1)، وعن ابن إدريس: أنه خلا ف إجماع أصحابنا، وأنه من فروع المخالفين لا يلتفت إليه ; لمخالفته لاصول مذهبنا (2). وعن ابن حمزة: الصبي إن لم يفطر وبلغ صام واجبا، ولم يقيد بالنية (3)، وقواه المحقق في المعتبر (4)، وارتضاه صاحب المدارك (5). لنا: أن الأصل عدم الصحة، وأن الصوم لا يتبعض إلا فيما قام عليه الدليل، والقياس بالمسافر باطل. احتج في المعتبر في باب شرائط القضاء: بأن الصوم ممكن في حقه، ووقت النية باق. لا يقال: لم يكن الصبي مخاطبا لأنا نقول: لكنه الآن صار مخاطبا. ولو قيل: لا يجب صوم بعض اليوم. قلنا: متى، إذا يتمكن من نية تسري حكمها إلى أول النهار أو إذا لم يتمكن ؟ وهو ههنا متمكن من نية تسري حكمها إلى أوله، قال: وكذا البحث في المغمى عليه (6). وفيه: أولا أنا نمنع سراية مثل هذه النية إلى أول النهار ; لعدم الدليل عليها بالخصوص. وثانيا: أنا نمنع وجوبه عليه، والقياس باطل. مع أنه - رحمه الله - قال قبل ذلك بوريقات في مبحث شرائط الوجوب: فلو بلغ الغلام قبل الفجر وجب عليه الصوم


1. المبسوط 1: 286. 2. السرائر 1: 403. 3. الوسيلة: 147. 4. المعتبر 2: 711. 5. المدارك 6: 193. 6. المعتبر 2: 711.

[ 356 ]

إجماعا، وإن كان بعد الفجر لم يجب، واستحب له الإمساك سواء كان مفطرا أو صائما. ثم نقل عن أبي حنيفة الوجوب قياسا على من قام عليه بنية الهلال في أثناء النهار، وعن الشافعي التفصيل فقال: إن أفطر استحب الإمساك، وفي القضاء قولان، وإن كان صائما فوجهان، أحدهما يتمه استحبابا ويقضيه وجوبا، والثاني بالعكس. ثم قال: لنا أن الصبي ليس من أهل الخطاب. ثم قال: وإذا لم يصح خطابه في بعض النهار، لم يصح في باقيه ; لأن صوم البعض لا يصح (1). وحجة الشيخ: أنه إذا نوى الصوم انعقد صحيحا شرعيا فوجب إتمامه ; لعدم عروض مسقط له بل مؤكد. وفيه: إنا وإن صححناه كما مر، لكنا نمنع وجوب الاتمام. وشمول قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * له أول الكلام ; لظهوره في المكلفين بالصوم في الليل، كما لا يخفى على من لاحظ ما قبله وما بعده (2). مع أن كون الصوم المبعض ولو بحسب النية صوما أو لكل أحد أول الكلام. ومما ذكرنا يظهر الكلام في المجنون، وأن الأصح عدم الوجوب عليه، كما هو المشهور، وقد مر الكلام في الصحة والبطلان. وكذا المغمى عليه ; لعدم كونه مكلفا حال الإغماء. ولو أفاق قبل الفجر فلا إشكال في الوجوب. وأما بعد الفجر، فظاهر المتأخرين عدم الوجوب، والدليل عليه ما مر من الأصل، وعدم تعلق الخطاب أولا، وعدم تبعض الصوم. ويظهر من المحقق في مبحث شرائط الوجوب عدم الوجوب بل عدم


1. انتهت عبارة المعتبر 2: 693. 2. في " م ": لا ما.

[ 357 ]

الصحة (1)، ومن كلامه الذي نقلناه عنه في باب شرائط القضاء صحته (2)، وهو ضعيف. وعن ابن الجنيد: إن أفاق في بعض اليوم ولم يكن فعل مابمثله يفطر الصائم صام ذلك اليوم وأجزأه (3). وقد مر الكلام في المغمى عليه مع سبق النية. ومنها: الصحة من المرض، فلا يجب على المريض المتضرر بالصوم بالإجماع والكتاب (4) والسنة (5). ولا يصح منه كما مر. وأما لو برأ قبل الفجر فلا إشكال في صحته أيضا، بل هو ليس بمريض حينئذ. ولو برأ بعد الفجر ; فإن أفطر قبل البرء فلا يجب عليه الصوم ولا يصح منه بإجماعنا، بل يستحب له الإمساك. وإن لم يفطر ; فيظهر من المعتبر والتذكرة (6) وغيرهما (7) عدم الخلاف في وجوب الصوم وسقوط القضاء به، بل نسبه في التذكرة إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع. وربما يستدل عليه بفحوى ما يدل على حكم المسافر، ; لأن المريض أعذر. وفيه تأمل. واستدل في التذكرة والمعتبر بمثل ما نقلناه سابقا من المعتبر في الصبي، وقد عرفت ضعفه.


1. الشرائع 1: 182. 2. الشرائع 1: 183. 3. نقله في المختلف 3: 455. 4. البقرة: 184. 5. الوسائل 7: 217 أبواب من يصح منه الصوم ب 18. 6. المعتبر 2: 693، التذكرة 6: 164. 7. المدارك 6: 195.

[ 358 ]

فالعمدة هي فتوى الجماعة وظهور عدم الخلاف، إلا أنه ربما يظهر من بعض الأصحاب أن المسألة خلافية، فقال: إن ابن حمزة عد من الصوم المندوب صوم المريض إذا برأ وأطلق (1). أقول: والذي رأيته في الوسيلة أنه عد صوم المريض من باب صوم الأدب، لا مطلق المندوب، وإن جعل صوم الأدب من أفراد الصوم المندوب توسعا، فلعله أراد منه إذا أفطر لا مطلقا. وقال أيضا: وقال ابن زهرة: ويستحب للكافر إذا أسلم في يوم من شهر رمضان وللمريض إذا برأ، وللمسافر إذا قدم، وللغلام إذا بلغ، وللمرأة إذا طهرت من الحيض والنفاس أن يمسكوا بقية ذلك اليوم، وهذا هو صوم التأديب، وأطلق (2). وإطلاق كلامه يشمل مالو صح المريض ولم يفطر. أقول: والتمسك بهذا الإطلاق أيضا ضعيف، إذ لعل مراد ابن زهرة في هذا المقام عد ما يمكن أن يتحقق فيه صوم الأدب، لاأن كل ما ذكر صومهم صوم الأدب كما لا يخفى. ومنها: كونه حاضرا، أو بحكمه، كالمقيم عشرة أيام في السفر، والكثير السفر، والعاصي بسفره وغير ذلك مما مر في الصلاة ; فلا يجب على المسافر، بل ولايجوز له، ولا يصح منه بإجماعنا، والآية (3) والأخبار (4). ووجه دلالة الآية التفصيل الموجب للتعين. ومن كان فرضه القضاء يسقط عنه الأداء، ولو فعل كان بدعة، وفي الأخبار تهديد شديد ووعيد أكيد، ففي بعضها أن الإمام عليه السلام قال: " لو مات من صام في السفر


1. الوسيلة: 147. 2. الغنية (الجوامع الفقهية): 573. 3. البقرة: 185. 4. الوسائل 7: 123 أبواب من يصح منه الصوم ب 1.

[ 359 ]

ما صليت عليه " (1)، وفي بعضها: " أن رسول الله صلى الله عليه وآله سمى اناسا صاموا في السفر عصاة " (2) هذا إذا كان عالما عامدا. وأما الجاهل فهو معذور عندهم ويصح صومه. ولعل استثناؤهم هذا مع ما أطلقوا القول بعدم معذورية الجاهل لكونه عالما بالإجمال أن في الشريعة أحكاما كثيرة فهومقصر، مبني على أن هذا التقصير في مثل ذلك معذور ; لما ورد في الأخبار، وهي كثيرة لا حاجة إلى ذكرها، نكتفي بما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر، فقال: إن كان لم يبلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك فليس عليه القضاء وقد أجزأ عنه الصوم " (3). والعيص بن القاسم في الصحيح، عنه عليه السلام، قال: " من صام في السفر بجهالة لم يقضه " (4). وابن أبي شعبة، يعني عبيد الله بن علي الحلبي قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل صام في السفر فقال: " إن كان بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك فعليه القضاء، وإن لم يكن بلغه فلاشئ عليه " (5) هذا إذا لم يعلم بالحرمة حتى خرج الوقت. ولو علم في أثناء النهار فيفطر ويقضي جزما. وأما الناسي، فإذا تذكر في الأثناء فكذلك أيضا، وأما لو خرج الوقت فيجب عليه القضاء أيضا على الأصح، فإن الجاهل إنما خرج بالدليل، ولا دليل هنا.


1. الكافي 4: 128 ح 7، الفقيه 2: 91 ح 405، التهذيب 4: 217 ح 629، الوسائل 7: 125 أبواب من يصح منه الصوم ب 4 ح 9. 2. التهذيب 4: 230 ح 677، الوسائل 7: 124 أبواب من يصح منه الصوم ب 4 ح 3 3. التهذيب 4: 221 ح 646، الوسائل 7: 127 أبواب من يصح منه الصوم ب 2 ح 2. 4. الكافي 4: 128 ح 2، الوسائل 7: 128 أبواب من يصح منه الصوم ب 2 ح 5. 5. الكافي 4: 128 ح 1، الفقيه 2: 93 ح 417، التهذيب 4: 221 ح 644، الوسائل 7: 127 أبواب من يصح منه الصوم ب 2 ح 3.

[ 360 ]

وقيل بإلحاقه بالجاهل ; لاشتراكهما في العذر (1)، وهو ضعيف، وقياسه على الصلاة مع عدم إمكانه باطل. والظاهر أن المراد بمعذورية الجاهل إنما هو في أصل مسألة القصر، وأما في فروعها فلا، فلو علم أنه يجب عليه الإفطار في السفر ولم يعلم بأن في الأربعة فراسخ التي يرجع فيها ليومه أو قبل العشرة حكمه كذا وصامه فيشكل فيه اطراد الحكم ; اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن، والأخبار المخصصة أيضا ظاهرة في ذلك. ولا يقاس على المسافر المريض ولاغيره، فلو صام جاهلا بوجوب الإفطار يجب عليه القضاء. ثم إن المسافر إذا علم أنه يصل إلى منزله أو بلد يريد الإقامة فيه قبل الزوال جاز له الإفطار، ولكن الإمساك أفضل. أما أفضلية الإمساك ; فلاحترام اليوم والمسارعة إلى الخير. وأما ثبوت الخيرة له في السفر ; فلوجود مبيح الإفطار وعدم المانع، ولخصوص الروايات الكثيرة، مثل ما رواه الصدوق في الصحيح، عن رفاعة بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتى يرى أنه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار، قال: " إذا طلع الفجر وهو خارج لم يدخل فهو بالخيار، إن شاء صام، وإن شاء أفطر " (2) ورواه الكليني (3) والشيخ (4) أيضا بعدة طرق منها الصحيح ومنها الحسن. وما روياه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يقدم من السفر في شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أوارتفاع النهار، قال:


1. المسالك 2: 58. 2. الفقيه 2: 93 ح 414، الوسائل 7: 135 أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 2. 3. الكافي 4: 132 ح 5 عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن رفاعة. 4. التهذيب 4: 255 ح 756 رواه الشيخ عن محمد بن يعقوب، وفي ص 228 ح 668، والاستبصار 2: 98 ح 318 أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي عن رفاعة.

[ 361 ]

" إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل أهله فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر " (1). ذكر هذا الحكم الفاضلان في المعتبر والتذكرة (2)، وكذا غيرهما (3) من دون نقل خلاف، وظاهرهما أنه إجماعي. وقال في المدارك: ربما ظهر من إطلاق الروايتين تخير المسافر بعد الدخول أيضا إذا طلع الفجر عليه وهو داخل البلد. وأظهر منهما في الدلالة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا سافر الرجل في شهر رمضان، فخرج بعد نصف النهار، فعليه صيام ذلك اليوم، ويعتد به من شهر رمضان، فإذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر وهو يريد الإقامة بها، فعليه صوم ذلك اليوم، وإن دخل بعد طلوع الفجر فلاصيام عليه، وإن شاء صام " (4) و (5). أقول: وتؤدي مؤداه رواية سماعة، قال: سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر، إلى أن قال: " إن قدم بعد زوال الشمس، أفطر ولا يأكل ظاهرا، وإن قدم من سفره قبل زوال الشمس، فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء " (6). ثم قال: والمسألة محل إشكال (7). وكيف كان فالمعتمد ما عليه الأصحاب. أقول: ولا ينبغي الإشكال ; لأن الظاهر أن الروايتين مخالفتان لإجماعهم كما يظهر منه أيضا، والأولى حملهما على أن له الخيار قبل القدوم إذا عرف أنه يقدم قبل الزوال.


1. التهذيب 4: 256 ح 757، الوسائل 7: 135 أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 3. 2. المعتبر 2: 695. 3. التذكرة 6: 164 مسألة 101. 4. الكافي 4: 131 ح 4، الفقيه 2: 92 ح 413، التهذيب 4: 229 ح 672، الاستبصار 2: 99 ح 322، الوسائل 7: 134 أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 1. 5. انتهى المنقول عن المدارك 6: 199. 6. التهذيب 4: 327 ح 1020، الوسائل 7: 136 أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 7. 7. المدارك 6: 199.

[ 362 ]

ثم إذا قدم المسافر بلده أوبلدا يعزم الإقامة فيه قبل الزوال، فإن أفطر فيمسك استحبابا كما سيجئ، وإن لم يفطر فالأكثر على أنه يصوم ولا يجب عليه القضاء (1)، بل ظاهر التذكرة الإجماع حيث نسبه إلى علمائنا (2). وقد مرت عبارة ابن زهرة الموهمة للاستحباب (3)، ولاعبرة به. ويدل على الوجوب: ما رواه الكليني، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل قدم من سفره في شهر رمضان ولم يطعم شيئا قبل الزوال، قال: " يصوم " (4). وموثقة أبي بصير بسماعة بن مهران، قال: سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان، فقال: " إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ويعتد به " (5). وما رواه الصدوق في الصحيح، عن يونس بن عبد الرحمن، عن موسى بن جعفر عليه السلام، أنه قال في المسافر يدخل أهله وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل فعليه أن يتم صومه ولاقضاء عليه، قال: " يعني إذا كانت جنابته من احتلام " (6). ورواه الشيخ والكليني أيضا (7). وربما يستدل عليه بمثل ما مر من المعتبر (8)، وهو ضعيف، ولا حاجة إليه. وأما لو وصل بعد الزوال فلا يجب عليه الصوم ولا يجزيه، ويجب عليه القضاء سواء فعل المفسد أم لا ; لزوال وقت النية، ولمفهوم موثقة سماعة المتقدمة (9)،


1. الشرائع 1: 182، القواعد 1: 380، المدارك 6: 198. 2. التذكرة 6: 164 مسألة 100. 3. الغنية (الجوامع الفقهية): 573. 4. الكافي 4: 132 ح 7، التهذيب 4: 255 ح 755، الوسائل 7: 135 أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 4. 5. التهذيب 4: 255 ح 754، الوسائل 7: 136 أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 6. 6. الفقيه 2: 93 ح 415، الوسائل 7: 135 أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 5. 7. التهذيب 4: 254 ح 752، الاستبصار 2: 113 ح 369، الكافي 4: 132 ح 9. 8. المعتبر 2: 695. 9. التهذيب 4: 255 ح 754، الوسائل 7: 136 أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 6.

[ 363 ]

وروايته الاخرى (1). وقوية محمد بن مسلم بعثمان بن عيسى، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض، أيواقعها ؟ قال: " لا بأس " (2). وربما يوهم إطلاق كلام الشيخ في النهاية وجوب الصوم عليه وعلى المريض إذا ارتفع عذرهما بعد الزوال ولم يفعلا ما يفسد الصوم أيضا (3). واعترض عليه ابن إدريس بأنه مخالف للإجماع (4). والظاهر أن مراد الشيخ أيضا ما قبل الزوال كما يظهر من لفظ وسط النهار في قوله: " إذا برأ المريض وسط النهار " على التقريب الذي مر من كون النهار حقيقة فيما أوله الفجر. وأما استحباب الإمساك في بقية النهار ولو حصل المفطر في المسافر والمريض وغيرهما ; فهو لاحترام الشهر والتشبه بالصائمين، وخصوص رواية سماعة المتقدمة (5). وحسنة يونس قال، قال في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان وقد أكل قبل دخوله، قال: " يكف عن الأكل بقية يومه، وعليه القضاء " (6). ورواية الزهري، عن علي بن الحسين عليهما السلام، في حديث قال: في جملته: " وكذلك


1. التهذيب 4: 327 ح 1020، الوسائل 7: 136 أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 7. 2. التهذيب 4: 242 ح 710، وص 254 ح 753، الاستبصار 2: 106 ح 347، وص 113 ح 370، الوسائل 7: 137 أبواب من يصح منه الصوم ب 7 ح 4. 3. النهاية: 160. 4. السرائر 1: 391 - 395. 5. الكافي 4: 132 ح 8، التهذيب 4: 253 ح 751، الاستبصار 2: 113 ح 368، الوسائل 7: 136 أبواب من منه الصوم ب 7 ح 1. 6. الكافي 4: 132 ح 9، التهذيب 4: 254 ح 752، الاستبصار 2: 113 ح 369، الوسائل 7: 136 أبواب من يصح منه الصوم ب 7 ح 2.

[ 364 ]

المسافر إذا أكل أول النهار ثم قدم أهله أمر بالإمساك بقية يومه تأديبا وليس بفرض " (1). ومنها: الخلو عن الحيض والنفاس بالإجماع والأخبار (2)، وقد تقدمت طائفة منها. وربما نقل عن شاذ من العامة القول بوجوب الصوم عليهما وإن وجب عليهما الإفطار ; لوجوب القضاء عليهما (3). وهو خطأ فاحش، ووجوب القضاء لا يستلزم وجوب الأداء. الثاني: في شرائط القضاء وهي امور: منها: البلوغ والعقل فلا يجب القضاء على الصبي والمجنون بعد البلوغ والإفاقة إجماعا كما ادعاه الشهيد الثاني رحمه الله (4)، وصاحب المدارك (5). والمحقق في المعتبر (6)، والعلامة في التذكرة (7). واستدل في المدارك بحديث " رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقض " (8) وهو غفلة، سيما مع ملاحظة وجوب قضاء الصلاة


1. الكافي 4: 86 ح 1، الفقيه 2: 48 ح 208، التهذيب 4: 296، الوسائل 7: 136 أبواب من يصح منه الصوم ب 7 ح 3. 2. الوسائل 7: 162 أبواب من يصح منه الصوم ب 25. 3. التذكرة 6: 165، وانظر المجموع 2: 355، وفتح العزيز 2: 420. 4. الروضة البهية 2: 115. 5. المدارك 6: 201. 6. المعتبر 2: 696. 7. التذكرة 6: 165. 8. الخصال: 93 ح 40، عوالي اللآلي 1: 209 ح 48، الوسائل 1: 32 أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11.

[ 365 ]

على النائم. وأما المغمى عليه فاختلف الأصحاب في وجوب القضاء عليه بعد الإفاقة، فعن الشيخ في النهاية والمبسوط (1) وعامة المتأخرين (2) عدم الوجوب. وعن فقه القرآن للراوندي: أنه لاقضاء عليه عندنا، مشعرا بدعوى الإجماع، وحمل كلام من خالف من الأصحاب على الاستحباب (3). وعن الشيخ في الخلاف (4) والمفيد (5) والسيد (6) وسلار (7) وابن البراج (8): أنه لا يقضي إن سبقت منه النية، ويقضي إن لم ينو. واختار في المبسوط أيضا عدم وجوب القضاء مع سبق النية، ولم يفرق بين من أغمي عليه قبل الشهر أو بعده، فيكتفي بالنية المتقدمة على الشهر وإن كان بأيام كما نقلنا مذهبه في مباحث النية (9). ولكن المفيد لم يعتبر النية المتقدمة، وكذلك هو الظاهر من الخلاف. وعن ابن الجنيد: أن المغمى عليه والمغلوب على عقله من غير سبب أدخله على نفسه لاقضاء عليه إذا لم يفق في اليوم كله، وإن أفاق في بعض اليوم ولم يكن فعل مابمثله يفطر الصائم، صام ذلك اليوم وأجزأه، وإن كان من محرم، قضى كل ماغم عليه فيه. ويظهر منه أنه إذا كان الجنون بفعل محرم يجب عليه القضاء.


1. النهاية: 165، المبسوط 1: 285. 2. كصاحب المدارك 6: 194. 3. فقه القرآن 1: 182. 4. الخلاف 2: 198. 5. المقنعة: 352. 6. الجمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 57. 7. المراسم: 98. 8. المهذب 1: 196. 9. المبسوط 1: 266.

[ 366 ]

وعن ابن أبي عقيل أنه قال: القضاء أحب إلي وأحوط إذا فات منه الشهر أو بعض يوم منه (1). أقول: وتفصيل ابن الجنيد لا بأس به ; لأنه الذي فوت على نفسه، لكن القضاء فرض جديد يحتاج إلى الدليل، وانصراف عمومات القضاء إليه محل إشكال. والأول أظهر ; للأصل، وخصوص صحيحة أيوب بن نوح، قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر، هل يقضي ما فاته أم لا ؟ فكتب: " لا يقضي الصوم، ولا يقضي الصلاة " (2). ومثلها صحيحة علي بن مهزيار قال: سألته عن المغمى عليه (3) الحديث. وصحيحة علي بن مهزيار أيضا رواها في الفقيه في كتاب الصلاة: سأله - يعني أبا الحسن الثالث عليه السلام - عن هذه المسألة، يعني مسألة المغمى عليه، فقال: " لا يقضي الصوم ولا الصلاة، وكلما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر " (4). وروى الشيخ في الصحيح، عن الصفار، عن علي بن محمد القاساني، قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر، هل يقضي ما فاته ؟ فكتب عليه السلام: " لا يقضي الصوم " (5) إلى غير ذلك من الأخبار (6). وأما الاستدلال " بأنه غير مخاطب بالأداء لعدم الفهم فلا يخاطب بالقضاء " فهو فاسد ; لمنع الملازمة كما في النائم في الصلاة. ومما ذكرنا يظهر أن حكم نية العدم حكم عدم النية، كما لو كانت نيته الإفطار ففاجأه الإغماء حين يطلع الفجر ; لشمول الأخبار له، ولأنه غير مكلف حين الإغماء،


1. نقله عنه في المختلف 3: 455. 2. الفقيه 1: 237 ح 1041، التهذيب 4: 243 ح 711، الاستبصار 1: 458 ح 1775، الوسائل 7: 161 أبواب من يصح منه الصوم ب 24 ح 1. 3. التهذيب 4: 243 ح 714، الوسائل 7: 161 أبواب من يصح منه الصوم ب 24 ح 2. 4. الفقيه 1: 237 ح 1042، الوسائل 7: 162 أبواب من يصح منه الصوم ب 24 ح 6. 5. التهذيب 4: 243 ح 712، الوسائل 7: 161 أبواب من يصح منه الصوم ب 24 ح 2. 6. الوسائل 7: 162 أبواب من يصح منه الصوم ب 24.

[ 367 ]

فكان فاقدا للشرط، والأمر مع العلم بانتفاء الشرط قبيح. ويمكن منع انصراف الأخبار إليه. وكيف كان فالأصل يكفي في نفي القضاء خاصة. حجة الآخرين: قوله تعالى: * (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام اخر) * (1). وهو مدفوع بمنع كونه مريضا. سلمنا، لكنه مخصص بالمرض المضر بالصوم، وليس كل إغماء يضر بصاحبه الصوم، ولا قائل بالفرق ; مع أن العموم لو سلم فمخصوص بما سبق من الأدلة. وما رواه الشيخ بسنده، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " يقضي المغمى عليه ما فاته " (2). وهو مع القدح في السند لا يعارض ما تقدم، فيحمل على الاستحباب، كالأخبار الواردة في الصلاة (3)، وقد تقدم ذكرها في الصلاة. وبالأخبار الواردة في قضاء الصلاة (4) ; فإنها تدل على كونه مكلفا بها، ويلزم منه كونه مكلفا بالصوم، إذ لا قائل بالفرق. وهو مدفوع بمنع مخاطبته رأسا أولا، وبمنع الوجوب في الصلاة ثانيا كما مر، وبمنع استلزام وجوب الأداء لوجوب القضاء ثالثا، وبمنع كون وجوب القضاء ناشئا عن وجوب الأداء رابعا كالحائض والنفساء، وبمنع عدم القول بالفرق خامسا. وأما دليل تفصيل ابن الجنيد فقد أشرنا إليه، ولكن الإشكال في الفرق بين المحرم وغيره، فإنه إذا علم أنه يفضي إلى الإغماء يوم الصوم فلا ينبغي الفرق بينهما في لزوم


1. البقرة: 185. 2. التهذيب 4: 243 ح 716، الوسائل 7: 162 أبواب من يصح منه الصوم ب 24 ح 5. 3. انظر الغنائم 3: 337، والوسائل 5: 352 أبواب قضاء الصلوات ب 3. 4. الوسائل 5: 356 أبواب قضاء الصلوات ب 4.

[ 368 ]

القضاء، وكذا في عدم اللزوم مطلقا لو لم يعلم ذلك. ويمكن دفعه أولا: بأن مراده لعله من المحرم هو فعل ما يوجب الإغماء بنفسه، لامن قبل الله تعالى، بقرينة المقابلة. ولو سلمنا إرادة خصوص الحرام به، فيمكن الفرق أيضا، وإن لم يعلم بالإفضاء إلى الإغماء يوم الصوم عقوبة لفعل الحرام، سيما مع إيجابه ترك الواجبات، ولكنه لا يصيره دليلا على خصوص القضاء، بل يمكن حصوله بالعذاب على ترك العبادة الواجبة. وأما النائم تمام النهار إذا لم تسبق منه النية، والناسي للصوم، فيجب عليهما القضاء، وإن لم يكونا مكلفين حال النوم والنسيان ; للعمومات، والظاهر عدم الخلاف فيه. قال في المعتبر: من غلب على عقله بشئ من قبله كشرب المسكر والمرقد يلزمه القضاء ; لأنه سبب الإخلال، ولاكذا لو كان من قبل الله تعالى أو من قبل غيره، والنائم إذا سبقت منه النية كان صومه صحيحا ; لأنه أمر معتاد لا يبطل به الصوم (1). ومنها: الإسلام فيسقط القضاء عن الكافر بعد الإسلام، وهو إجماعي، كما نقله جماعة من الأصحاب (2). ويدل عليه بعد الأصل: قوله عليه السلام: " الإسلام يجب ما قبله " (3) ويظهر من بعض الأصحاب أنه متواتر رواه الخاصة والعامة.


1. المعتبر 2: 698. 2. كالعلامة في التذكرة 6: 169، والسيد في المدارك 6: 201. 3. غوالي اللآلي 2: 224 ح 38، مسند أحمد 4: 199، 204، 205، مشكل الآثار 1: 211 بتفاوت يسير، وانظر التذكرة 6: 169.

[ 369 ]

ولاوجه للقدح في الدلالة بأن المراد منه سقوط العذاب عنه، بل يدل على سقوط اعتبار كل ما يوجب عليه كلفة ; للعموم. وصحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن رجل أسلم في النصف من شهر رمضان، ما عليه من صيامه ؟ قال: " ليس عليه إلا ما أسلم فيه " رواها الكليني والشيخ (1). ورواها الصدوق مرسلة وزاد في آخرها: " وليس عليه أن يقضي ما مضى منه " (2) ولابد من حملها على من أسلم ليلا لما سيجئ. ورواه الكليني في الصحيح، عن عيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام، هل عليهم أن يصوموا ما مضى منه أويومهم الذي أسلموا فيه ؟ فقال: " ليس عليهم قضاء، ولا يومهم الذي أسلموا فيه، إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر " (3). ورواه الصدوق بسنده، عن صفوان بن يحيى، عن العيص (4)، وهو حسن لإبراهيم بن هاشم، كما في الخلاصة (5)، ورواه الشيخ في الصحيح أيضا (6). ورواية مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام: إن عليا عليه السلام كان يقول في رجل أسلم في نصف شهر رمضان: " إنه ليس عليه إلا ما يستقبل " (7). وعن ابن أبي عقيل أنه قال: لو قضى يومه الذي أسلم فيه وما مضى أحب


1. الكافي 4: 125 ح 1، التهذيب 4: 245 ح 727، الاستبصار 2: 107 ح 348، الوسائل 7: 239 أبواب أحكام شهر رمضان ب 22 ح 2. 2. الفقيه 2: 80 ح 356، الوسائل 7: 239 أبواب أحكام شهر رمضان ب 22 ح 3. 3. الكافي 4: 125 ح 3. 4. الفقيه 2: 80 ح 357. 5. الخلاصة: 4. 6. التهذيب 4: 245 ح 728، الاستبصار 2: 107 ح 349، الوسائل 7: 238 أبواب أحكام شهر رمضان ب 22 ح 1. 7. الكافي 4: 125 ح 2، التهذيب 4: 246 ح 729، الاستبصار 2: 107 ح 350، الوسائل 7: 239 أبواب أحكام شهر رمضان ب 22 ح 4.

[ 370 ]

إلي وأحوط (1). ولعل نظره إلى ما رواه الشيخ عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أسلم بعد مادخل من شهر رمضان أيام، فقال: " ليقض ما فاته " (2). وحملها الشيخ على من أسلم وفاته ذلك لعارض من مرض ونحوه، أو من أسلم ولم يعلم أنه يجب عليه الصوم فأفطر ثم علم وجوبه. وذهب الأكثرون إلى أنه لو أسلم قبل الزوال ولم يفطر لا يجب عليه الصوم ولاقضاؤه (3)، ; لصحيحة العيص المتقدمة (4). وعن الشيخ في المبسوط: وجوبه عليه، فيجدد النية، ويكون صومه صحيحا، ولا يجب عليه القضاء (5). وقواه في المعتبر مستدلا عليه بما مر في الصبي من اقتداره على نية تسري إلى ما قبلها، ويزيد هنا أنه مكلف (6). وقال في المدارك: وهو جيد لولا الرواية الصحيحة (7). وقد عرفت تطرق المنع إلى هذا الدليل. وربما يستدل له بصحيحة الحلبي المتقدمة، فإن اليوم الأول أول ما أسلم فيه. ولاتنافيه صحيحة العيص ; لأنها تنفي قضاء ذلك اليوم، لا وجوب صومه، فلعلها لرفع توهم وجوب القضاء من أجل نقص اليوم. وفيه: مع أنه لا يوافق قوله عليه السلام: " إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر " يقتضي أن يكون نفي وجوب قضاء ذلك اليوم إذا لم يفطر فيه، وهو يوجب تقييد


1. نقله عن ابن الجنيد في المختلف 3: 516. 2. التهذيب 4: 246 ح 730، الاستبصار 2: 107 ح 351، الوسائل 7: 239 أبواب أحكام شهر رمضان ب 22 ح 5. 3. كالعلامة في التذكرة 6: 169، وانظر المدارك 6: 203. 4. الكافي 4: 125 ح 3، الفقيه 2: 80 ح 357،، التهذيب 4: 245 ح 728، الاستبصار 2: 107 ح 349، 7: 238 أبواب أحكام شهر رمضان ب 22 ح 1. 5. المبسوط 1: 286. 6. المعتبر 2: 711. 7. المدارك 6: 204.

[ 371 ]

الرواية بلا دليل، فيحمل قوله عليه السلام: " ليس عليه إلا ما أسلم فيه " على إرادة اليوم الذي صار مسلما في تمامه، وهو لا يكون إلا ما قبل الفجر، فالمراد وجوب الأيام المستقبلة للإسلام، لاالماضية. ويؤيد ضعف هذا القول قوله عليه السلام: " الإسلام يجب ما قبله " (1) فإن الجزء الماضي من اليوم أيضا مما جب حكمه الإسلام، فلا يجب عليه بسببه شئ، هذا الكلام في الكافر الأصلي. وأما المرتد فقالوا: يجب عليه القضاء، سواء كان فطريا أو مليا، وسواء كان اليوم الذي رجع فيه إلى الإسلام قبل الزوال أو غيره (2) ; لعموم مادل على وجوب القضاء (3). وقيل: هذا إن كان إجماعيا كما هو ظاهرهم، وإلا فيمكن القول بشمول الأخبار السابقة له (4). أقول: الأخبار السابقة لا تنصرف إلى المرتد، بل هي ظاهرة في غيره، ولكن ربما (يمكن القدح) (5) في شمول أدلة القضاء للمرتد الذي صام ولم يفطر، فالعمدة في الفرق هو ظاهر إجماعهم. ثم إن ههنا إشكالا آخر، وهو أن جمهور علمائنا قالوا بعدم قبول توبة المرتد الفطري ظاهرا وباطنا، ولا يجامع هذا قولهم بوجوب القضاء عليه ; لأنه لا يصح القضاء إلا مع الإسلام، فكيف يكون مكلفا بما لا يمكنه، وهذا تكليف بما لا يطاق، وكذا تكليفه بالإسلام مع عدم قبوله منه، فلابد إما من القول بقبول التوبة باطنا،


1. عوالي اللآلي 2: 224 ح 38، مسند أحمد 4: 199 ح 204 و 205. 2. كالعلامة في التذكرة 6: 170، والسيد في المدارك 6: 202، والسبزواري في الذخيرة: 526، وصاحب الرياض 1: 322. 3. الوسائل 7: 248 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26، 27 4. انظر مجمع الفائدة والبرهان 5: 253. 5. بدل مابين القوسين في " م ": يقدح القول.

[ 372 ]

أو بعدم وجوب القضاء. وربما يدفع ذلك: بأنه تكليف صار هو بنفسه سببا له، ولاقبح في التكليف بالمحال الذي صار المكلف بنفسه سببا له، كمن دخل دار قوم غصبا عالما بالحرمة فهو مكلف بالخروج وعدم الخروج. ولعل المراد بالتكليف حينئذ - مع قبحه عن الحكيم من جهة لغويته لكونه طلب إيجاد مالا يوجد أبدا - هو كونه معاقبا في الآخرة في أداء مالايتمكن من إيجاده توسعا. أقول: الأظهر قبول توبته باطنا ; لعموم الآيات والأخبار الواردة في التوبة، خصوصا قوله تعالى: * (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) * (1) الآية، منضما إلى قوله تعالى: * (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) * (2) فإنها تدل على قبولها، وأنهم منصورون إذا أنابوا وأسلموا. وأما الأخبار الواردة في عدم قبول توبة المرتد الفطري، فلا يستفاد منها أكثر من عدم صيرورتها دارءة للحد، دافعة للقتل ونحوه ; إذ أظهرها دلالة صحيحة محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام: في المرتد، فقال: " من رغب عن الإسلام وكفر بما انزل على محمد صلى الله عليه وآله بعد إسلامه، فلا توبة له، وقد وجب قتله، وبانت منه امرأته، ويقسم ما ترك على ولده " (3). وهي صحيحة على ما رواه الشيخ في ميراث المرتد وفي طريقها على ما في أول باب حد المرتد سهل بن زياد، وهو سهل (4). وفي طرق متعددة في الكافي والتهذيب مروية عن أبي عبد الله عليه السلام وفي سندها سهل أيضا (5). فإن ظاهر نفي جنس التوبة العموم ظاهرا وباطنا، فيحمل على أنه لا توبة له توجب


1. الزمر: 53. 2. الزمر: 54. 3. التهذيب 10: 136 ح 540، الاستبصار 4: 252 ح 956، الوسائل 18: 544 أبواب حد المرتد ب 1 ح 2. 4. انظر معجم رجال الحديث رقم 5629. 5. الكافي 7: 256 ح 1، التهذيب 10: 138 ح 546.

[ 373 ]

سقوط القتل ومابعده، كما يشعر به عطف ما بعده عليه. والمراد أنه لا يستتاب وإن قبلت توبته لو تاب، كما دلت عليه موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام وجحد محمدا صلى الله عليه وآله نبوته وكذبه، فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه، وامرأته بائنة منه يوم ارتد فلا تقربه، ويقسم ماله على ورثته، وتعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها، وعلى الإمام أن يقتله ولا يستتيبه " (1) فإن عدم الاستتابة لا يستلزم عدم قبول التوبة لو تاب. والحاصل: أن ظاهر هذه الرواية لا يقاوم مادلت عليه أدلة التوبة مع قطعيتها وتضافرها في الكتاب والسنة (2)، سيما مع ما هو المعهود من كرم الله ووسعة رحمته، وسبقها غضبه، ونفي العسر والحرج، وكون الملة سمحة سهلة. وأما القتل وما يتبعه فلا ينافي ما ذكر ; لكونها من باب الأحكام الوضعية المقوية (3) للدين، السادة لخلل شبه أهل الجحود، وتطرق الإضلال. إذا عرفت هذا، فنقول: التحقيق القول بقبول توبته باطنا كما قواه جماعة منهم الشهيد الثاني (4) والمحقق الشيخ علي (5) وصاحب المدارك (6) وغيرهم (7). وما ذكروه من جواز التكليف بما لا يطاق إذا كان المكلف هو الذي صار باعثا له، فإنما يسلم إذا لم يتب. وأما بعد التوبة الصحيحة فنحن نحكم بقبحه كسائر التكاليف التي لا تطاق، ونحن إذا صححنا التوبة بما ذكرنا فلا يرد علينا شئ. وأما ظاهر جمهور الأصحاب فإن كان مرادهم هو ما ظهر منهم من عدم القبول


1. الكافي 7: 257 ح 11، الوسائل 18: 545 أبواب حد المرتد ب 1 ح 3. 2. الوسائل 18: 545 أبواب حد المرتد ب 3. 3. في " م ": المقومة. 4. المسالك 2: 60. 5. رسائل المحقق الكركي 3: 350. 6. المدارك 2: 205. 7. الحدائق 13: 298.

[ 374 ]

أصلا مع كونهم مكلفين بالإجماع، فلا مناص لهم عن القول بجواز مثل هذا التكليف بما لا يطاق، وهو بعيد. وكيف كان، فالأظهر قبول توبته باطنا، وصحة عباداته وطهارة بدنه، وصحة معاملاته التي منها حل ذبيحته ومنها جواز تملكه، وتزويجه، ولو كان بامرأته السابقة بعقد جديد. وأما عدم سقوط قتله وعدم رجوع ماله إليه وزوجته بالعقد السابق فلا نمنعه ; للاستصحاب، وعدم منافاته لوسعة رحمة الله وكرمه ; لأن فيها فوائد جمة في حراسة الدين وردع المبطلين، ولعله يوجب حصول الأجر مضافا إلى رفع العقوبة لنفس المرتد، فلا غائلة أصلا فيه. ثم إنه لو صام المسلم فارتد في أثنائه ثم رجع ففي صحته قولان، فعن الشيخ (1) وابن إدريس (2) وجماعة منهم المحقق في المعتبر (3) الصحة. وذهب العلامة (4) والشهيد (5) إلى البطلان، وقواه في المدارك (6) ; لأن الإسلام شرط الصحة، وبفوته في جزء من الصوم يفسد ذلك الجزء، والصوم لا يتبعض. ويؤيده قوله تعالى: * (ولقد اوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك) * (7). وأجاب المحقق بأن شرط الإحباط أن يموت على الشرك (8)، وهو تقييد لادليل عليه. نعم ما ذكره له وجه بالنسبة إلى الأعمال الآتية إذا تاب.


1. المبسوط 1: 266. 2. السرائر 1: 366. 3. المعتبر 2: 697. 4. المنتهى 2: 580، المختلف 3: 458. 5. الدروس 1: 269. 6. المدارك 6: 205. 7. الزمر: 65. 8. المعتبر 2: 679.

[ 375 ]

وبالجملة وإن كان القول بالبطلان قويا، لكن الحكم بوجوب القضاء مشكل ; لأنه فرض جديد على الأصح، هذا الكلام في الكافر والمرتد. وأما المخالفون ; فقد مر أنهم إذا استبصروا يسقط عنهم قضاء ما فعلوه صحيحا عندهم عدا الزكاة، تفضلا من الله تعالى، لاما لم يفعلوه كذلك، فيجب عليهم القضاء ; لعموم الأدلة. وأما كفار المسلمين، كالخوارج والغلاة، فقال في المدارك: يجب عليهم القضاء قطعا (1)، وهو كما ذكره ; للعمومات (2)، ولعدم انصراف ما مر من الأخبار في الكافر إليهم. ثم إن ههنا مسائل: الأولى: لا يجب التتابع في قضاء شهر رمضان على المشهور، بل لم نقف على مخالف صريح، وعن المسائل الناصرية والخلاف والمختلف دعوى الإجماع عليه (3). وربما يقال: يظهر من إيجاب أبي الصلاح فورية القضاء أنه يقول بوجوب التتابع، فإنه قال: يلزم من تعين عليه فرض القضاء بشئ من رمضان أن يبادر في أول أحوال الإمكان (4). وكيف كان فالمذهب عدم الوجوب ; للأصل، وإطلاق الآية (5)، ومنع كون الأمر للفور، وإطلاق الأخبار (6)، وخصوص كثير منها لا حاجة إلى ذكرها. نعم المشهور الاستحباب ; للمسارعة إلى الخير وسبب المغفرة، ولخصوص صحيحة


1. المدارك 6: 202. 2. الوسائل 7: 2 أبواب وجوب الصوم ب 1. 3. المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 206، الخلاف 2: 210، المختلف 3: 550. 4. الكافي في الفقه: 184. 5. البقرة: 184. 6. الوسائل 7: 248 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26.

[ 376 ]

عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام، قال: " من أفطر شيئا من رمضان في عذر، فإن قضاه متتابعا فهو أفضل، وإن قضاه متفرقا فحسن " (1). وصحيحة الحلبي عنه عليه السلام، قال: " إذا كان على الرجل شئ من صوم شهر رمضان فليقضه في أي الشهور شاء أياما متتابعة، فإن لم يستطع فليقضه كيف شاء، وليحص الأيام، فإن فرق فحسن، وإن تابع فحسن " (2). وتدل عليه رواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: " قال علي عليه السلام في قضاء شهر رمضان: إن كان لا يقدر على سرده فرقه، وقال: لا يقضى شهر رمضان في عشرة ذي الحجة " (3). وحملها الشيخ على من كان حاجافإنه مسافر. ويحتمل أن يكون المنع لفقد التتابع لمكان العيد. وكيف كان فالظاهر عدم الخلاف في عدم الكراهة في عشر ذي الحجة، ونسبه في التذكرة إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع (4). مع أن الحلبي روى في الصحيح في جملة حديث قال، قلت: أرأيت إن بقي علي شئ من صوم شهر رمضان، أقضيه في ذي الحجة ؟ قال: " نعم " (5). وروى عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عنه عليه السلام: في قضاء شهر رمضان في شهر ذي الحجة وقطعه، فقال: " اقضه في ذي الحجة واقطعه إن شئت " (6).


1. الكافي 4: 120 ح 3، التهذيب 4: 274 ح 829، الاستبصار 2: 117 ح 381، الوسائل 7: 249 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 4. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أفطر شيئا من رمضان في عذر، فإن قضاه متتابعا أفضل، وإن قضاه متفرقا فحسن. 2. التهذيب 4: 274 ح 828، الاستبصار 2: 117 ح 380، الوسائل 7: 249 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 5 3. التهذيب 4: 275 ح 833، الاستبصار 2: 119 ح 387، الوسائل 7: 252 أبواب أحكام شهر رمضان ب 27 ح 3. 4. التذكرة 6: 185. 5. التهذيب 4: 274 ح 828، الاستبصار 2: 117 ح 380، الوسائل 7: 251 أبواب أحكام شهر رمضان ب 27 ذ. ح 1. 6. الفقيه 2: 95 ح 426، التهذيب 4: 275 ح 832، الاستبصار 2: 119 ح 386، الوسائل 7: 251 أبواب أحكام شهر رمضان ب 27 ح 2.

[ 377 ]

نعم هو مذهب أحمد من العامة (1). ونقل ابن إدريس عن بعض الأصحاب قولا بأن من فاته عشرة أيام أو ثمانية فليتابع بين ثمانية أو بين ستة ويفرق الباقي (2)، وهو قول ابن حمزة في الوسيلة (3). وعن المبسوط: أن مالا يراعى فيه التتابع أربعة مواضع، إلى أن قال: وصوم قضاء شهر رمضان لمن أفطر لعذر وإن كان التتابع فيه أفضل، فإن أراد الفضل فليصم ستة أيام متعاقبات ثم يفرق الباقي (4). ونحوه عن النهاية، إلا أن فيها: فإن لم يتمكن من سرده (5). ونقل ابن إدريس أيضا قولا باستحباب التفريق للفرق بين القضاء والأداء (6). وهو ظاهر المفيد في المقنعة قال: ومن فاته شئ من شهر رمضان، فإن شاء قضى متتابعا، وإن شاء قضى متفرقا، على أي الوجهين قضى فقد أجزأه، وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " إذا كان عليه يومان فصل بينهما بيوم، وكذلك إذا كان عليه خمسة أيام وما زاد، فإن كان عليه عشرة أيام أو أكثر من ذلك تابع بين الثمانية الأيام إن شاء، ثم فرق الباقي " (7) والوجه في ذلك أنه إن تابع بين الصيام في القضاء لم يكن فرق بين الشهر في وضعه وبين القضاء، فأوجبت السنة الفصل بين الأيام بالإفطار ليقع الفرق بين الأمرين كما وصفناه، والذي قدمناه من التخيير بين المتابعة والتفصيل على حسب ما يلائم ما ذكرناه في هذا الشرح الذي بيناه (8). ولعل مستند الجميع موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل تكون


1. انظر التذكرة 6: 185، والمجموع 6: 367، والمغني 3: 87، والشرح الكبير 3: 91. 2. السرائر 1: 406. 3. الوسيلة: 150. 4. المبسوط 1: 280، وفيه: فليصم ستة أيام أو ثمانية أيام متتابعات ثم يفرق الباقي. 5. النهاية: 163. 6. السرائر 1: 406. 7. انظر الوسائل 7: 248 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26. 8. المقنعة: 359.

[ 378 ]

عليه أيام من شهر رمضان، كيف يقضيها ؟ فقال: " إن كان عليه يومان فليفطر بينهما يوما، وإن كان عليه خمسة فليفطر بينهما أياما، وليس له أن يصوم أكثر من ستة أيام متوالية، وإن كان عليه ثمانية أيام أو عشرة أفطر بينها يوما " (1). وفي الاستبصار موضع ستة " ثمانية ". فبعضهم أخذ برواية التهذيب، وبعضهم برواية الاستبصار، وبعضهم جمع بينهما بالتخيير. ولعل مراد المفيد - رحمه الله - من الرواية هو أيضا رواية عمار، ولكن ما ذكره من التعليل بالفرق بين الأداء والقضاء لا يستفاد من الرواية. وعن المرتضى في الجمل: القاضي مخير بين المتابعة والتفريق، وقد روي: أنه إن كان عليه عشرة أيام أو أكثر منها كان مخيرا في الثمانية الاول بين المتابعة والتفريق، ثم يفرق ما بقي ليقع الفصل بين الأداء والقضاء (2). وبالجملة أكثر الأصحاب تعرضوا لهذه الرواية بعباراتهم المختلفة، فربما حمل على أنه لدفع توهم وجوب المتابعة لا وجوب التفريق ولاندبيته، كما يظهر من الشيخ، وربما حمل على ندب المتابعة في الستة والتفريق في الباقي إن كان عليه فوق الستة. ويظهر من بعضهم التخيير بين الثمانية والستة في هذه الفضيلة، ولعله ناظر إلى نسختي التهذيب والاستبصار، فطرح هذه الرواية رأسا في غاية الإشكال. ولعل الأظهر العمل على مقتضى صحيحة ابن سنان (3) وصحيحة الحلبي (4)


1. التهذيب 4: 275 ح 831، الاستبصار 2: 118 ح 383، الوسائل 7: 249 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 6. 2. جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 57. 3. الكافي 4: 120 ح 3، التهذيب 4: 274 ح 829، الاستبصار 2: 117 ح 381، الوسائل 7: 249 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 4 عن الصادق عليه السلام: من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر، فإن قضاه متتابعا فهو أفضل، وإن قضاه متفرقا فحسن. 4. التهذيب 4: 274 ح 828، الاستبصار 2: 117 ح 380، الوسائل 7: 249 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 5، وعنه عليه السلام إذا كان على الرجل شئ من صوم شهر رمضان فليقضه في أي الشهور شاء أياما متتابعة، فإن لم يستطع فليقضه كيف شاء، فإن فرق فحسن، وإن تابع فحسن.

[ 379 ]

وغيرهما (1) ; لصحتها، وكثرتها، واعتضادها بالعمل. وتؤيده صحيحة محمد بن الحسن الصفار الآتية في قضاء الولي (2). ويمكن حملها على تأكد الاستحباب في الستة ثم الثمانية، ولكن لا يلائمه ظاهر الرواية، فإن ظاهرها رجحان التفريق، وحملها على مطلق الرخصة أو على من يضعف عن المتابعة بعيد. ثم إن ههنا وجها آخر لم يذكروه، وهو أن يكون المطلوب بالذات التتابع، لكنه لا يمكن الاكتفاء بتتابع بعضها، ككفارة صوم شهر رمضان بالنسبة إلى شهرين متتابعين، فيكتفي بشهر ويوم، فيكتفي هنا بتتابع الستة أو الثمانية. وعن المقنع: روي عن أبي عبد الله عليه السلام في قضاء رمضان أنه قال: " تصوم ثلاثة أيام ثم تفطر " (3) ولكنه لا يلائم أول الرواية. ويمكن أن يكون ذلك في الثلاثة وما فوقها، ويشعر به ما رواه في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عمن كان عليه يومان من شهر رمضان، كيف يقضيهما ؟ قال: " يفصل بينهما بيوم، وإن كان أكثر من ذلك فليقضها متوالية، فقد يكتفى بالثلاثة، وقد يكتفى بالستة، وقد يكتفى بالثمانية " (4) وهذا أيضا بعيد. الثانية: المشهور عدم وجوب الفور في قضاء رمضان، وفي المدارك: أنه المعروف من مذهب الأصحاب (5) ; للأصل، وعموم الآية (6) والأخبار (7)، وخصوص صحيحة


1. الوسائل 7: 249 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26. 2. الكافي 4: 124 ح 5، الفقيه 2: 98 ح 441، التهذيب 4: 247 ح 732، الاستبصار 2: 108 ح 355، الوسائل 7: 240 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 3. 3. المقنع (الجوامع الفقهية): 17، الوسائل 7: 250 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 10. 4. قرب الإسناد: 103، الوسائل 7: 250 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 12. 5. المدارك 6: 208. 6. البقرة: 184. 7. الوسائل 7: 251 أبواب أحكام شهر رمضان ب 27.

[ 380 ]

عبد الله بن سنان (1)، وصحيحة الحلبي (2) المتقدمتين. وصحيحة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " كن نساء النبي صلى الله عليه وآله إذا كان عليهن الصيام أخرن ذلك إلى شعبان ; كراهة أن يمنعن النبي صلى الله عليه وآله، فإذا كان شعبان صمن، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: شعبان شهري " (3) إلى غير ذلك. وكلام أبي الصلاح المتقدم يشعر بلزومه، ولا حجة عليه. الثالثة: لا يجب الترتيب في قضاء شهر رمضان كما نص عليه جماعة من الأصحاب (4)، ولم نقف فيه على ذكر خلاف، فيجوز القضاء بدون قصد الأول ثم الثاني ثم الثالث، بل يجوز قصد الآخر أولا ثم ما قبله إلى الأول. وقال في المسالك: إنه أفضل (5)، ولعل وجهه الاحتياط. واستشكله في الدروس (6)، ولعل وجهه النظر إلى تساوي الأيام في التعلق بالذمة، وأن تقدم بعضها على بعض ليس من باب جعل الشارع - كالظهر والعصر والمغرب والعشاء - بل من باب الاتفاق، كتقدم صلاة الصبح على الظهرين، وهما على العشاءين، وقد أشرنا إلى ذلك في كتاب الصلاة، وإلى تقدم اشتغال الذمة بالأول، فهو أحق. وهو ضعيف كما ترى في الديون المتعاقبة. وكيف كان فلا ريب أن الترتيب أحوط، ثم الاقتصار بمطلقه من دون تقييد. وأما الترتيب بينه وبين سائر الواجبات وبين نفس السائر، كالقضاء والكفارة والنذر والكفارة من حيث هي، فالأظهر أنه ليس بواجب ; للأصل.


1. الكافي 4: 120 ح 3، التهذيب 4: 274 ح 829، الاستبصار 2: 117 ح 381، الوسائل 7: 249 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 4. 2. التهذيب 4: 274 ح 828، الاستبصار 2: 117 ح 380، الوسائل 7: 249 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 5. 3. التهذيب 4: 316 ح 960، الوسائل 7: 360 أبواب الصوم المندوب ب 28 ح 2. 4. كما في التذكرة 6: 181 مسألة 116، والمدارك 6: 209، والذخيرة: 530، ومشارق الشموس: 428. 5. المسالك 2: 61. 6. الدروس 1: 277.

[ 381 ]

وعن ابن أبي عقيل: لا يجوز صومه عن نذر أو كفارة لمن عليه قضاء شهر رمضان حتى يقضيه. وفي المختلف: الأولى التفصيل، فإن كان نذرا معينا فيقدم، وإلا فإن تضيق وقت القضاء فيقدم، وإلا فيختار ; للأصل وعدم المرجح. واحتج لابن أبي عقيل بأنه كالأصل، وبأنه وجب بأصل الشرع فيقدم، ثم منع أنه كالأصل، وكذا الملازمة في الثاني (1)، وما ذكره جيد. الرابعة: اختلف في جواز صوم التطوع لمن عليه فرض، فعن الأكثر المنع. ولم يذكر في التذكرة (2) الخلاف، إلا عن أحد روايتي أحمد من العامة (3)، وتمسك للمنع بحسنة الحلبي الآتية (4)، وهو مشعر بعدم القول بالفرق، وإلا لماتم الاستدلال. وعن السيد (5) وجماعة (6) الجواز. وقال في المدارك: ربما ظهر من الكليني اختصاص المنع بما إذا كان الواجب من قضاء رمضان، قال: وهو المعتمد، وتمسك للجواز في غيره بالأصل، وللمنع فيه بحسنة الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة، أيتطوع ؟ فقال: " لا، حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان " (7). ورواية أبي الصباح الكناني التي ليس في سندها إلا محمد بن الفضيل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل عليه من شهر رمضان أيام، أيتطوع ؟ قال: " لا حتى


1. المختلف 3: 560. 2. التذكرة 6: 183 مسألة 117. 3. المغني 3: 86، الشرح الكبير 3: 90. 4. الكافي 4: 123 ح 2، التهذيب 4: 276 ح 835. 5. جوابات المسائل الرسية (رسائل الشريف المرتضى) 2: 366. 6. كالعلامة في القواعد 1: 384، وقال الخونساري في مشارق الشموس: 1459 والأصل يقتضي الجواز... إلى أن قال: ولكن لا ريب في أن الأحوط الأولى العمل بالمشهور. 7. الكافي 4: 123 ح 2، الوسائل 7: 253 أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 5.

[ 382 ]

يقضي ما عليه من شهر رمضان " (1) و (2). أقول: ويدل على قول الأكثر ما رواه الصدوق بسنده عن الحلبي (3)، وما رواه عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام (4). قال في الفقيه: باب الرجل يتطوع بالصيام وعليه شئ من الفرض: وردت الأخبار والآثار عن الأئمة عليه السلام أنه لا يجوز أن يتطوع الرجل وعليه شئ من الفرض، وممن روى ذلك الحلبي وأبو الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام (5). وعن كتابه المقنع: اعلم أنه لا يجوز أن يتطوع الرجل وعليه شئ من الفرض، كذلك وجدته في كل الأحاديث (6). وروى الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن ركعتي الفجر، قال: " قبل الفجر " إلى أن قال: " أتريد أن تقايس، لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوع ؟ ! إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة " (7) وهذه الرواية تفيد العموم من جهة العلة التي أشار إليها الإمام عليه السلام. الخامسة: من فاته شهر رمضان أو بعضه لمرض ; فإن مات في مرضه لم يجب القضاء عنه، ونقل الإجماع مذكور في كلامهم (8)، بل عن المنتهى إجماع العلماء (9). والأخبار بذلك متضافرة، مثل صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن رجل أدرك شهر رمضان وهو مريض فتوفي قبل أن يبرأ، قال: " ليس عليه


1. الكافي 4: 123 ح 1، الوسائل 7: 253 أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 6. 2. المدارك 6: 210. 3 و 4. الفقيه 2: 87 ح 392، الوسائل 7: 252 أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 2. 5. الفقيه 2: 87 ح 392. 6. المقنع (الجوامع الفقهية): 17. 7. التهذيب 2: 133 ح 513، الاستبصار 1: 283 ح 1031، الوسائل 7: 252 أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 1. 8. الخلاف 2: 206 مسألة 63. 9. المنتهى 2: 605.

[ 383 ]

شئ، ولكن يقضي عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضي " (1). وقوية سماعة - لعثمان بن عيسى - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل دخل عليه شهر رمضان وهو مريض لا يقدر على الصيام فمات في شهر رمضان أو في شهر شوال، قال: " لا صيام عليه ولا يقضى عنه " قلت: فامرأة نفساء دخل عليها شهر رمضان ولم تقدر على الصوم فماتت في شهر رمضان أو شوال ؟ فقال: " لا يقضى عنها " (2). ورواية منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المريض في شهر رمضان فلا يصح حتى يموت في شهر رمضان، قال: " لا يقضى عنه " والحائض تموت في شهر رمضان، قال: " لا يقضى عنها " (3). وذهب جماعة من الأصحاب إلى استحبابه (4)، بل نسبه في المنتهى إلى أصحابنا (5)، واستحسنه ; لأنه طاعة فعلت عن الميت، فوصل إليه ثوابها. ولعله نظر إلى الأخبار المستفيضة جدا القريبة حد التواتر " أن من فعل عبادة لميت يصل ثوابه إليه ويدخل عليه السرور والفرج وينتفع به " (6). وأنت خبير بأنها غير ما نحن فيه ; إذ المطلوب استحباب فعلها على أنها قضاء عنه، لافعل المكلف عبادة نفسه وإهداء ثوابه إليه، وقد أبطلنا في كتاب الصلاة استدلال بعضهم بها في مسألة الاستئجار للعبادات بما لا مزيد عليه (7)، وحمل كلام الأصحاب على ذلك بعيد. فلم يبق إلا الاعتماد على فتواهم، للمسامحة في أدلة السنن، وإلا فلم نقف على


1. التهذيب 4: 248 ح 738، الاستبصار 2: 110 ح 359، الوسائل 7: 240 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 2. 2. التهذيب 4: 247 ح 733، الاستبصار 2: 108 ح 352، الوسائل 7: 242 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 10. 3. التهذيب 4: 247 ح 734، الاستبصار 2: 108 ح 353، الوسائل 7: 242 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 9. 4. كابن حمزة في الوسيلة: 150، والمحقق في المعتبر 2: 700، والعاملي في المدارك 6: 211. 5. المنتهى 2: 603. 6. الذكرى: 138. 7. غنائم الأيام 2: 75.

[ 384 ]

ما يدل على ذلك، بل الأخبار الصحيحة المصرحة بنفي القضاء ظاهرة في عدم مشروعيتها كما مرت. بل صحيحة أبي بصير، عن الصادق عليه السلام مصرحة به، قال: سألته عن امرأة مرضت في رمضان وماتت في شوال، فأوصتني أن أقضي عنها، قال: " هل برأت من مرضها ؟ " قلت: لا، ماتت فيه، قال " لا يقضى عنها، فإن الله لم يجعله عليها " قلت: فإني أشتهي أن أقضي عنها وقد أوصتني بذلك، قال: " فكيف تقضي شيئا لم يجعله الله عليها ؟ ! فإن اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم " (1) ويحتمل أن يكون المراد منها إهداء ما فعل لنفسه إليها. وإن استمر المرض عليه إلى رمضان آخر فلا قضاء عليه، ويفدي عن يوم بمد من الطعام على المشهور بين الأصحاب. وعن الصدوق (2) وابن أبي عقيل (3) والشيخ في الخلاف (4) وابن زهرة (5) وابن إدريس (6) وأبي الصلاح (7) والعومة في المنتهى والتحرير (8) وجوب القضاء لاغير. وعن ابن الجنيد الجمع بينهما احتياطا (9). لنا: الأصل، والأخبار المستفيضة جدا، مثل صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان، ويخرج عنه وهو مريض، فلا يصح حتى يدركه شهر رمضان آخر، قال: " يتصدق عن الأول، ويصوم الثاني، فإن كان صح فيما بينهما


1. الكافي 4: 137 ح 8، الوسائل 7: 242 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 12. 2. حكاه عنه المحقق في المعتبر 2: 699، والعلامة في المنتهى 2: 603، والتحرير 1: 83. 3. حكاه عنه العلامة في المختلف 3: 518. 4. الخلاف 2: 206 مسألة 63. 5. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 6. السرائر 1: 396. 7. الكافي في الفقه: 184. 8. المنتهى 2: 603، التحرير 1: 83. 9. حكاه عنه الشهيد في الدروس 1: 287، حيث قال: واحتاط ابن الجنيد بالجمع بين القضاء والصدقة.

[ 385 ]

ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر، صامهما جميعا وتصدق عن الأول " (1). وحسنة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، قال: سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر، فقالا: " إن كان برأ ثم توانى قبل أن يدركه الشهر الآخر، صام الذي أدركه وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين، وعليه قضاؤه، وإن كان لم يزل مريضا حتى أدركه شهر رمضان، صام الذي أدركه وتصدق عن الأول عن كل يوم مد على مسكين، وليس عليه قضاؤه " (2). ورواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا مرض الرجل من رمضان إلى رمضان، ثم صح، فإنما عليه لكل يوم أفطر فدية طعام، وهو مد لكل مسكين " قال: " وكذلك أيضا في كفارة اليمين وكفارة الظهار مدا مدا، وإن صح فيما بين الرمضانين، فإنما عليه أن يقضي الصيام، فإن تهاون به وقد صح، فعليه الصدقة والصيام جميعا، لكل يوم مدإذا فرغ من ذلك الرمضان " (3) إلى غير ذلك من الأخبار. وربما يستدل باستيعاب العدد لوقت الأداء والقضاء معا، فيسقط التكليف رأسا، كالإغماء المستوعب لوقت الصلاة ; وذلك لأن وقت القضاء إنما هو مابين الرمضانين. وفيه: منع ظاهر ; لأن وجوب المبادرة بينهما لا يستلزم انحصار الوقت فيه، وهو مقتضى إطلاق الآية، ولكن هذا الاستدلال قد تكرر في كلامهم، ويبعد أن لا يكون له وجه. ويمكن أن يكون نظرهم إلى ماسننقله عن العلل والعيون، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام (4).


1. الكافي 4: 119 ح 2، التهذيب 4: 250 ح 744، الاستبصار 2: 111 ح 362، الوسائل 7: 245 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 2. 2. الكافي 4: 119 ح 1، التهذيب 4: 250 ح 743، الاستبصار 2: 110 ح 361، الوسائل 7: 244 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 1. 3. التهذيب 4: 251 ح 746، الاستبصار 2: 111 ح 364، الوسائل 7: 246 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 6. 4. علل الشرائع: 271 ح 9، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 117 ح 1، الوسائل 7: 246 أبواب أحكام شهر ح 8.

[ 386 ]

واحتج الآخرون: بعموم الآية، ورواية أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كان عليه من شهر رمضان طائفة ثم أدركه رمضان قابل فقال: " إن كان صح فيما بين ذلك ثم لم يقضه حتى أدركه شهر رمضان قابل، فإن عليه أن يصوم ويطعم لكل يوم مسكينا، وإن كان مريضا فيما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه إلا الصيام إن صح، فإن تتابع المرض عليه فعليه أن يطعم كل يوم مسكينا " (1). والجواب عن الآية: بأنها مخصصة بالأخبار (2) المستفيضة جدا، المعتضدة بعمل الأصحاب، قال في المعتبر: ومع ظهور هذه الأخبار واشتهارها وسلامتها عن المعارض يجب العمل بها (3). والعجب من العومة حيث قال تقوية لهذا القول: بأنها أخبار آحاد لا تعارض الآية (4)، مع أنه خلاف مذهبه في الاصول (5). وأما الرواية - فمع القدح في سندها بمحمد بن فضيل المشترك بين الثقة والضعيف (6)، وإن كان العومة كثيرا ما يصحح سندا هو فيه - لا يعارض بها ما تقدم من الأدلة، مع أن دلالتها ممنوعة، بل هي دليل المشهور كما يظهر من المحقق حيث لم يجعلها معارضة للأخبار، بل جعلها من جملة أدلة المشهور (7)، وكذلك الشيخ في التهذيب


1. الكافي 4: 120 ح 3، التهذيب 4: 251 ح 745، الاستبصار 2: 111 ح 363، الوسائل 7: 245 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 3. تنبيه: المتن أعلاه ليس كله لرواية أبي الصباح الكناني، فبعضه من صحيحة زرارة المتقدمة ب 25 ح 2 وهو قوله عليه السلام: " إن كان صح فيما بين ذلك " فلا تغفل ! 2. في " م " زيادة: المعتبرة. 3. المعتبر 2: 700. 4. المنتهى 2: 602. 5. حيث بنى العومة على أن خبر الواحد يخصص عمومات القرآن، انظر مبادئ الوصول: 143، والمدارك 6: 214. 6. انظر معجم رجال الحديث 18: 146 - 155. 7. المعتبر 2: 700.

[ 387 ]

ذكرها في عداد الأخبار الأدلة. بيان ذلك: أن قوله عليه السلام " فإن تتابع المرض " إلى آخره هو موافق للمشهور، وهؤلاء إنما احتجوا بقوله عليه السلام قبل ذلك: " وإن كان مريضا " إلى آخره، فإن قلنا: إن المراد به هو صورة الاستمرار أيضا فتتناقض العبارتان ; إذ الظاهر من الأخيرة إطعام المسكين فقط، فالأولى أن يجعل المراد بها حصول الصحة والمرض معا، وعدم ترك الصوم تهاونا. وهو أحد الأقوال في المسألة الآتية. وأشهرها في أصل الرواية ينبغي أن يكون وجوب الصوم والإطعام معا إن حصلت الصحة، وتقرر وجوب الصوم فقط إن حصلت الصحة ولم يقصر، ووجوب الإطعام فقط إن تتابع المرض. أو يكون الحصر في الفقرة الثانية إضافيا بالنسبة إلى ترك الصوم، لئلا ينافي لزوم الفدية على ما سنختاره في المسألة الآتية من عدم التفصيل بين التهاون وغيره. ولو سلم دلالتها أيضا فلا تقاوم ما ذكرنا ; لضعفها، وموافقتها لمذهب العامة، ومخالفتها للمشهور. وأما حجة ابن الجنيد: فهي ما رواه الشيخ بسنده، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان ابن عيسى، عن سماعة، قال: سألته عن رجل أدركه رمضان وعليه رمضان قبل ذلك لم يصمه فقال: " يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي كان عليه بمد من طعام، وليصم هذا الذي أدرك، فإذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فإني كنت مريضا فمر علي ثلاث رمضانات لم أصح فيهن، ثم أدركت رمضان آخر، فتصدقت بدل كل يوم مما مضى بمد من طعام، ثم عافاني الله وصمتهن " (1). واجيب عنه - بعد القدح في السند، والإضمار، وعدم المقاومة لما مضى من الأخبار - بحملها على الاستحباب.


1. التهذيب 4: 251 ح 747، الاستبصار 2: 112 ح 366، الوسائل 7: 245 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 5.

[ 388 ]

وتؤيده صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثم أدرك رمضان آخر وهو مريض فليتصدق بمد لكل يوم، فأما أنا فإني صمت وتصدقت " (1). وأجاب الشيخ عنها: بما حاصله أنه ليس فيها إلا أنه لم يصح في نفس الرمضانات لافيما بينهن (2)، ولا يرد عليه أنه يلزم أن يكون تركه عليه السلام تهاونا ; لعله كان من جهة عذر آخر، أو لسعة الوقت فعرض عذر آخر. وكيف كان فالمذهب هو المشهور. ثم إن ههنا امورا لابد أن ينبه عليها: الأول: لا تتكرر الكفارة بتكرر السنين على الأشهر الأظهر المحكي عليه الإجماع من الخلاف (3) ; للأصل، والإطلاقات، وخصوص رواية سماعة المتقدمة (4). وقال في التذكرة: ولو أخره سنين تعددت الكفارة بتعدد السنين، وللشافعي وجهان (5) و (6)، ولم نقف على مأخذه. الثاني: لافرق بين رمضان واحد أو أكثر في لزوم الكفارة، فيتعدد بتعدده، فلو استمر المرض إلى ثلاث فيفدي عن كل من الأولين، وهكذا قطع به العومة في التذكرة من غير نقل خلاف (7)، والشهيدان (8)، وغيرهما (9).


1. التهذيب 4: 252 ح 848، الاستبصار 2: 112 ح 367، الوسائل 7: 245 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 4. 2. المبسوط 1: 286. 3. الخلاف 2: 209 المسألة 67. 4. انظر الهامش 1 صفحة 385. 5. انظر المهذب للشيرازي 1: 194، والمجموع 6: 364، وفتح العزيز 6: 462 وحلية العلماء 3: 207. 6 و 7. التذكرة 6: 173 مسألة 109. 8. الروضة البهية 2: 120. 9. كصاحب المدارك 6: 217، والخونساري في مشارق الشموس: 478.

[ 389 ]

ونقله في المختلف عن الشيخ (1) وابن الجنيد، ثم نقل كلام ابن بابويه في رسالته (2)، وحكى عن المقنع أيضا مثله (3)، ويظهر من كلامه أنه لو مر عليه رمضانات ثلاثة فيفدي عن الأول ويقضي الثاني كما فهمه ابن إدريس من كلامه (4) والشهيد في الدروس (5)، وتردد في المختلف في فهم كلامه بين موافقته للمشهور ومخالفته (6). وهذه عبارة الرسالة: إذا مرض الرجل وفاته صوم شهر رمضان كله ولم يصمه إلى أن يدخل عليه شهر رمضان قابل، فعليه أن يصوم هذا الذي قد دخل، ويتصدق عن الأول لكل يوم بمد من طعام، وليس عليه القضاء، إلا أن يكون صح فيما بين الرمضانين، فإن كان كذلك ولم يصم، فعليه أن يتصدق عن الأول لكل يوم بمد من طعام، ويصوم الثاني، فإذا صام الثاني قضى الأول بعده، فإن فاته شهر رمضان حتى يدخل الثالث من مرض، فعليه أن يصوم الذي دخل، ويتصدق عن الأول لكل يوم بمد من طعام، ويقضي الثاني (7). وكيف كان فالمذهب الأول ; لإطلاق الدليل، ولم نقف لهما على دليل. قيل: ولعل دليله هو ما رواه الحميري في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: وسألته عن رجل تتابع عليه رمضانان لم يصح فيهما (8)، ثم صح بعد ذلك، كيف يصنع ؟ قال: " يصوم الأخير، ويتصدق عن الأول بصدقة، كل يوم مد من طعام لكل مسكين " (9) فإنه يعم ما إذا كانت صحته بين الثاني والثالث،


1. النهاية: 158. 2. المختلف 3: 522. 3. المختلف 3: 523، وانظر المقنع (الجوامع الفقهية): 17. 4. السرائر 1: 396. 5. الدروس 1: 288. 6. المختلف 3: 522. 7. نقله في السرائر 1: 395، والمختلف 3: 522. 8. في " ح ": رمضانات لم يصم فيها. 9. قرب الإسناد: 103، الوسائل 7: 247 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 9.

[ 390 ]

أو بعد الثالث. أقول: والمتبادر منه حكم ماتتابع عليه رمضانان لا رمضانات (1)، فلا عموم فيه، ولو تم ما ذكرتم في صحيحة زرارة وحسنة محمد بن مسلم المتقدمتين (2) وما في معناهما فلا حاجة إلى التمسك بهذه، وتخصيص الاستدلال بها، فإن المتبادر من صوم الثاني المذكور فيها قضاء صوم الثاني، لا صيام نفس ما أدركه، بقرينة مقابلة التصدق عن الأول، وبقرينة قوله عليه السلام " صامهما " وغير ذلك. وكيف كان فالمذهب هو الأول ; لعموم الأخبار، وخصوص رواية سماعة المتقدمة في فعل الصادق عليه السلام (3)، ورواية أبي بصير الآتية في تفسير الآية. الثالث: اختلفوا في قدر الفدية، فالمشهور أنه مد. وعن الشيخ (4) وابن حمزة (5) وابن البراج (6): أنه مدان، فإن لم يتمكن فمد. وعن المبسوط والجمل: أنه مدان، وأقله مد (7)، وهو ظاهر في استحباب الأول. وقال في التذكرة: وتصدق عن كل يوم بمدين أو بمد عند أكثر علمائنا (8)، ولعل مراده بيان المستحب عند الكل، أو ترديده ناظر إلى الخلاف الواقع بينهم في مقابل قول العامة أنه ليس عليه إلا القضاء (9) كما هو مذهب الصدوق (10). لنا: الأصل، والأخبار المستفيضة جدا، المتقدم كثير منها.


1. في " ح ": رمضانات لا رمضانان. 2. انظر صفحة 382، 383. 3. انظر صفحة 385. 4. الخلاف 2: 209 المسألة 66، النهاية: 158. 5. الوسيلة: 150. 6. شرح جمل العلم والعمل: 191، المهذب 1: 195. 7. المبسوط 1: 286، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 220. 8. التذكرة 6: 171 المسألة 108. 9. كأبي حنيفة والحسن البصري والنخعي، انظر المبسوط للسرخسي 3: 77، والمغني 3: 86، والشرح الكبير 3: 87، والمجموع 6: 366، وفتح العزيز 6: 462، وحلية العلماء 3: 207، وبداية المجتهد 1: 299. 10. حكاه عنه العلامة في المختلف 3: 522.

[ 391 ]

ولم نقف لتعيين المدين على مأخذ يعتمد عليه، واحتج له في المختلف بأن نصف الصاع بدل عن اليوم في جزاء كفارة الصيد، وهذا أولى منه ; لكونه آكد وأفضل (1). وفيه مالا يخفى. وربما يستدل له بصحيحة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " الشيخ الكبير والذي به العطاش لاحرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمدين من طعام " (2). فإن الشيخ جمع بينهما وبين ما نص على المد عليهما: بأن من أطاق إطعام مدين يلزمه ذلك، ومن لم يطق إلا إطعام مد فعل ذلك، فلعله يقول بعدم الفرق بين العطاش وغيره من الأمراض، بل لافرق في الفدية عن صوم رمضان بين الأعذار، فإن العبرة في الفداء بالمفدي دون السبب. واجيب عن ذلك بحمل خبر المدين على الاستحباب ; لندرته وتظافر الأخبار بخلافه، مع معارضة صحيحة محمد بن مسلم بصحيحته الاخرى (3)، وبمنع عدم الافتراق بافتراق الأسباب وإن اتحد المفدي (4). الرابع: قال الشهيدان ومن بعدهما: إن محل هذه الفدية هو مستحق الزكاة لحاجته، يعني لاللعمالة، والتأليف والرق والغرم وغير ذلك، فمرادهم من حاجته لنفسه ليتم إخراج الغرم (5). واحتمل الشهيد الثاني في كتاب الكفارات دخول ابن السبيل (6). والأجود الاقتصار على المساكين ; لأنه مقتضى الأخبار.


1. المختلف 3: 522. 2. الكافي 4: 116 ح 1، الوسائل 7: 150 أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 2. 3. الكافي 4: 116 ح 4، الوسائل 7: 149 أبواب من يصح منه الصوم ب 15 ح 1. 4. انظر المختلف 3: 546. 5. الشهيد الأول في الدروس 1: 287، والشهيد الثاني في الروضة 2: 121. 6. المسالك 10: 101.

[ 392 ]

وعلى ما بنى عليه الشهيد الثاني من شمول المسكين للفقير إذا ذكر منفردا (1) فيدخل الفقير، وقد عرفت أنه محل نظر، وأن المسكين أسوأ حالا من الفقير، فالخروج عن مقتضى النصوص لاوجه له، سيما وقد روى العياشي في تفسير قوله تعالى: * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) * (2) عن أبي بصير قال: سألته عن رجل مرض من رمضان إلى رمضان قابل، ولم يصح بينهما، ولم يطق الصوم، قال: " تصدق مكان كل يوم أفطر على مسكين مدا من طعام، وإن لم يكن حنطة فمد من تمر، وهو قول الله تعالى: * (فدية طعام مسكين) * فإن استطاع أن يصوم الرمضان الذي يستقبل، وإلا فليتربص إلى رمضان قابل فيقضيه، فإن لم يصح حتى رمضان قابل، فليتصدق كما تصدق مدا مدا " (3). ويظهر من قولهم: " محله مستحق الزكاة " اعتبار الإيمان والعدالة عند من يعتبرها، ولم أقف في الأخبار على ما يدل عليه، ولاريب أنه أحوط. الخامس: قال في المسالك بعد ما ذكر أن محلها مستحق الزكاة لحاجته ولا يجب تعدده، وكذا كل فدية في هذا الباب، فيجوز إعطاء فدية أيام لمسكين واحد، وهو مقتضى الأصل والإطلاق (4). ولا يضره لفظ مسكين في الأخبار، حيث إنه ظاهر في الواحد ; بتقريب أن تنوينه تنوين التنكير لاالتمكن، فإن التصدق عن كل يوم بمد على مسكين لا ينافي التصدق عن جميع الأيام على مسكين واحد، فإنه مسكين تصدق عليه بمد لكل يوم. نعم الظاهر من الأخبار أنه لابد أن لا يكون حظ كل مسكين أقل من مد. وعن المفيد في المقنعة: ومن فاته صيام شهري رمضان لمرض دام به فليكفر عن


1. المسالك 1: 409. 2. البقرة: 184. 3. تفسير العياشي 1: 79، الوسائل 7: 247 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 11. 4. في " م ": وإطلاق الأخبار.

[ 393 ]

الأول منهما بثلاثين مدا من طعام على ثلاثين مسكينا (1). وظاهره وجوب التعدد. وتشعر به رواية أبي بصير المتقدمة في المسألة حيث قال عليه السلام: " وهو مد لكل مسكين " (2). وهذه الرواية مع سلامتها ممنوعة الدلالة، إذ لعل المقصود أنه لا يعطى المسكين أقل من مد. وبالجملة ليس في مقابل الأصل والإطلاقات ما يوجب التقييد، سيما مع موافقتها لنفي العسر والحرج، سيما بملاحظة قوله تعالى: * (طعام مسكين) * نظرا إلى ما فسر بما نحن فيه، وإن وردت في تفسيره روايات اخر أنه في الشيخ الكبير وذي العطاش، مع أن حكم الكل واحد كما يظهر من تعميم المسالك لكل فدية في هذا الباب. السادس: إذا فات الصوم بغير المرض من سفر ونحوه أو مركبا عنهما ثم استمر المرض إلى رمضان آخر، فهل هو في حكم من فاته رمضان بالمرض أم لا ؟ فيه قولان، أظهرهما نعم، وفاقا للشيخ في الخلاف (3) وظاهر ابن أبي عقيل كما نسبه إليه في الدروس (4) بل في المختلف أيضا في الجملة (5) ; لصحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثم أدرك رمضان آخر وهو مريض فليتصدق بمد لكل يوم " (6). وأجاب العلامة في المختلف بعد ما قطع بعدم الإلحاق لعموم الآية واختصاص الروايات بالمريض: أن هذه الرواية لا يعارض بها عموم الآية ; لأن قوله عليه السلام: " وهو


1. المقنعة: 351. 2. التهذيب 4: 251 ح 746، الاستبصار 2: 111 ح 364، الوسائل 7: 246 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 6. 3. الخلاف 2: 207 المسألة 64. 4. الدروس 1: 288. 5. المختلف 3: 526. 6. التهذيب 4: 252 ح 848، الاستبصار 2: 112 ح 367، الوسائل 7: 245 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 4.

[ 394 ]

مريض " يشعر بأن العذر المذكور في الرواية هو المرض (1). أقول: هذا الإشعار لا يرفع إطلاق أول الرواية، مع أن الصدوق روى في العلل والعيون، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام، قال: " فإن قال: فلم إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره أو لم يفق من مرضه حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للأول وسقط القضاء، وإذا أفاق بينهما أو أقام ولم يقضه وجب عليه القضاء والفداء ؟ قيل: لأن ذلك الصوم، إنما وجب عليه في تلك السنة في هذا الشهر، فأما الذي لم يفق فإنه لمامرت عليه السنة كلها وقد غلب الله عليه فلم يجعل له السبيل إلى أدائها سقط عنه، وكذلك كل ما غلب الله عليه مثل المغمى عليه الذي يغمى عليه في يوم وليلة، فلا يجب عليه قضاء الصلاة، كما قال الصادق عليه السلام: كلما غلب الله على العبد فهو أعذر له ; لأنه دخل الشهر وهو مريض، فلم يجب عليه الصوم في شهره ولاسنته للمرض الذي كان فيه وجب عليه الفداء ; لأنه بمنزلة من وجب عليه الصوم فلم يستطع أداءه فوجب عليه الفداء، كما قال الله عزوجل: * (فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) * (2) وكما قال: * (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) * (3) فأقام الصدقة مقام الصيام إذا عسر عليه " (4). فإن قيل: فإن لم يستطع إذ ذاك فهو الآن يستطيع. قيل: لأنه لما دخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للماضي ; لأنه كان بمنزلة من وجب عليه صوم في كفارة فلم يستطعه فوجب عليه الفداء، وإذا وجب عليه الفداء سقط الصوم عنه، فالصوم ساقط والفداء لازم، فإذا أفاق فيما بينهما ولم يصمه


1. المختلف 3: 527. 2. المجادلة: 4. 3. البقرة: 196. 4. علل الشرائع: 271 ح 9، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 117 ح 1، الوسائل 7: 246 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 8.

[ 395 ]

وجب عليه الفداء ; لتضييعه، والصوم ; لاستطاعته. وحاصل تعليله عليه السلام: أنه بسبب عدم الاستطاعة ينتقل فرضه من القضاء إلى التصدق، وعدم الاستطاعة أعم من العقلي والشرعي، فالمسافر أيضا غير مستطيع ; لأنه سافر بإذن الشارع، وبعد اختياره ما هو جائز شرعا يترتب عليه عدم الاستطاعة، مع أنه قد يكون السفر واجبا كالحج، ولا قائل بالفرق، واقتصاره عليه السلام على ذكر المرض من باب التمثيل لا التخصيص كما يستفاد من أول الكلام. وهذه الرواية مع الصحيحة المتقدمة والإشعار بالعلة من الروايات الاخرمع دعوى الشيخ الإجماع في المسألة كما حكاه عنه الفاضل الإصفهاني لعلها كافية في ترجيح التعميم. ومما ذكرنا يظهر الكلام فيما لو كان فوات الصيام بالمرض واستمرار المانع بغيره، وكذلك لو كان الفوات بغير المرض، وكذا استمرار المانع كان بغيره. وظاهر الشيخ في الخلاف التعدي أيضا (1)، فإن ما نقل عنه المحقق في المعتبر، والشهيد في الدروس من إلحاق سائر الأعراض بالمرض مقتضاه ذلك، فلاحظهما (2)، فينطبق عليه إجماعه الذي نقل عنه، والعلة المستفادة من رواية الفضل. فالأحوط أن لا يترك القضاء في غير المرض المستمر، وقوفا مع عموم الآية، وأن يتصدق في نظير ما ثبت فيه التصدق في المرض، هذا كله إذا استمر المرض. وأما إذا برأ بين الرمضانين فيجب عليه القضاء، ولايجوز التأخير عن الرمضان الآتي، والظاهر عدم الخلاف فيه. فإن ترك القضاء فالمشهور أنه إن تهاون يجب عليه القضاء والفدية معا، وإلا فيقضي خاصة.


1. الخلاف 2: 206 المسألة 63. 2. المعتبر 2: 699، الدروس 1: 28.

[ 396 ]

وفسروا التهاون (1) بأن لا يعزم على شئ من الفعل والترك في جميع أزمان البرء، أو عزم على الترك كذلك، سواء عرض له عذر بعد ذلك منعه عن القضاء أم لا، أو يعزم على القضاء أولا، ثم تجدد له العزم على العدم عند ضيق الوقت، أو في السعة مع عروض ما يمنعه من القضاء. وفذلكته: عدم العزم على القضاء إلى إدراك الرمضان الثاني، أو حصول عذر مستمر إليه. واعلم أن عدم العزم على شئ في جميع الزمان لا يجامع التذكر، بل لابد للإنسان إذا ضاق الوقت ولم يكن ناسيا أو صاحب عذر من عزم إما على الفعل أو الترك، وعدم التهاون بأن عزم على القضاء في السعة وأخر اعتمادا عليها فعرض له مانع واستمر. وذهب ابن إدريس إلى وجوب القضاء فقط مطلقا (2). وذهب الشهيدان في الدروس والمسالك والروضة (3) ومن تأخر عنهما (4) إلى وجوب الفدية مع القضاء على من قدر عليه ولم يفعل حتى يدخل الثاني، عزم عليه أم لا، وهو مقتضى إطلاق الصدوقين (5). قيل: وهو محتمل كلام المحقق في المعتبر (6)، ويحيى بن سعيد في الجامع (7)، وكلام المفيد (8) وابن زهرة (9)، وهو الأقوى. لنا: صحيحة زرارة المتقدمة (10)، وحسنة محمد بن مسلم (11)، ورواية


1. كما في المعتبر 2: 698، والروضة البهية 2: 122، والمدارك 6: 218. 2. السرائر 1: 397. 3. الدروس 1: 287، المسالك 2: 62، الروضة البهية 2: 122. 4. كالعاملي في المدارك 6: 218. 5. حكاه عن والد الصدوق الشهيد في الدروس 1: 287، الفقيه 2: 96. 6. المعتبر 2: 698. 7. الجامع للشرائع: 163. 8. المقنعة: 570. 9. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 10. الكافي 4: 119 ح 2، الفقيه 2: 95 ح 429، التهذيب 4: 250 ح 744، الاستبصار 2: 111 ح 362، الوسائل 7: 245 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 2. 11. الكافي 4: 119 ح 1، التهذيب 4: 250 ح 743، الاستبصار 2: 110 ح 361، الوسائل 7: 244 أبواب أحكام =

[ 397 ]

أبي الصباح (1)، ووصفهما في المختلف والمنتهى بالصحة (2)، وكذلك في المسالك (3). أما صحيحة زرارة، فواضحة الدلالة ; لأن قوله عليه السلام " ولم يصم " يشمل جميع صور ترك القضاء في حال الصحة. وأما حسنة محمد بن مسلم، فوجه دلالتها اكتفاؤه عليه السلام - من جميع شقوق ترك القضاء حال الصحة - بذكر صورة تركه في حال التواني، فعلم من ذلك أن مراده عليه السلام من التواني هو التكاسل ومطلق ترك القضاء مع القدرة، وإلا فيلزم أن الإمام ترك حكم بعض الشقوق في الجواب، وحيث ذكر ذلك في مقابل صورة استمرار المرض ساكتا عن غيره مع احتياج السائل إلى الجواب، علم أن حكم جميع صور الترك واحد. لا يقال: إن وجوب القضاء كان معلوما بالآية والأخبار، فإنما كان المحتاج إليه في المسألة غيره، فلعل المعصوم عليه السلام أحال الراوي على عموم الآية. لأنا نقول: إن كان الراوي يعلم ذلك - يعني وجوب القضاء على الإطلاق - وسؤاله عن أمر زائد، وكان هذا الاعتقاد صحيحا، فكيف يرد الإمام عليه السلام عن اعتقاد الإطلاق ويحكم بعدمه في صورة استمرار المرض، وإن كان (4) اعتقاده الإطلاق باطلا، فتحتاج جميع الأقسام إلى الذكر، فلم ترك في الجواب ذكر صورة عدم التواني مع الصحة. وأما رواية الكناني فعموم الفقرة الاولى واضحة، وإنما الإشكال في الفقرة الثانية، فإنها يحتمل أن يكون المراد بها صورة العزم مع عدم التهاون، كما هو مذهب المشهور، ولكن ليس بحيث يمكن الاعتماد به في الاستدلال ; لعدم دلالة اللفظ عليه بواحدة من


= شهر رمضان ب 25 ح 1. 1. الكافي 4: 120 ح 3، التهذيب 4: 251 ح 745، الاستبصار 2: 111 ح 363، الوسائل 7: 245 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 3، وبين متون الرواية في المصادر المتقدمة تفاوت. 2. المختلف 3: 524، المنتهى 2: 602، والروايتان اللتان وصفهما بالصحة هما صحيحة زرارة وحسنة محمد بن مسلم ! 3. المسالك 1: 62. 4. في " م ": وإنكاره.

[ 398 ]

الدلالات (وكما يحتمل ذلك يحتمل) (1) أن يكون المراد من الحصر الإضافي بالنسبة إلى ترك الصيام لاترك الصدقة. فحاصل الفقرات الثلاث أنه إذا صح وقدر على القضاء بينهما يجب عليه القضاء والكفارة، سواء استمرت الصحة أو تلفق الصحة والمرض، وإن استمر المرض فليس عليه إلا الكفارة، فالفقرة الثانية إنما هي في حكم الملفق. وتدل على ما ذكرنا رواية العلل المروية عن الفضل بن شاذان (2)، وسندها أيضاقوي ; إذ ليس في سندها إلا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري عن أبي الحسن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، وقد حكم العومة بصحة خبرهما (3). وأيضا ابن عبدوس من مشايخ الإجازة، وقال في المسالك: إنه شيخ ابن بابويه، وهو في قوة التوثيق، فلا يضر إهماله وجهالته، والكشي اعتمد على علي بن محمد، ومدحه النجاشي والعلامة (4). حجة المشهور: الأخبار المتقدمة، وقد عرفت الوجه فيها وستعرف أيضا. واستدل لهم الفاضل الإصفهاني في شرح الروضة برواية الوشاء، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: " ومن فاته شئ من شهر رمضان لمرض ولم يقضه حتى أتى عليه شهر رمضان آخر، فإن كان لم يصح فيما بينهما يصوم الثاني ويتصدق عن الأول، وليس عليه قضاء، وإن كان قد برأ فيما بينهما ولم يقض ما فاته وفي نيته القضاء، يصوم الحاضر ويقضي الأول، وإن تركه متهاونا لزمه القضاء والكفارة


1. في " م ": ولا يحتمل ذلك. 2. انظر صفحة 392. 3. في الرجلين كلام، انظر تنقيح المقال 2: 233، ومعجم رجال الحديث 2: رقم 6360 و 7369، وج 12: الرقم 7365، 7369،، 7370. 4. انظر تنقيح المقال 2: 308 و 233، ومعجم رجال الحديث 13: الترجمة 8475، وج 12: الترجمة 7365 و 7369 و 7370، وحكيا جميع الأقوال المتقدمة في الرجلين.

[ 399 ]

عن الأول، وأن يصوم ما قد حضر وقته "، ثم ردها بضعفها بسهل بن زياد، وأولها بتأويل بعيد. أقول: وهذه الرواية لم نقف عليها في شئ من الاصول، ولعله أخذها من التهذيب، وهذا من كلام الشيخ - رحمه الله - وليس من رواية الوشاء في شئ، وقد غفل عن ذلك فحسبها من تتمة الرواية، وذلك لأن الشيخ - رحمه الله - نقل الأخبار الدالة على قضاء الولي عن الميت، وساقها إلى أن قال محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الوشاء، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال سمعته يقول: " إذا مات الرجل وعليه صيام شهرين متتابعين من علة فعليه أن يتصدق عن الشهر الأول ويقضي الثاني " (1). ثم قال: ومن فاته شئ من شهر رمضان إلى آخر ما ذكرنا. ثم قال: والذي يدل على ذلك ما رواه محمد بن يعقوب، وساق الأحاديث المتقدمة، أعني حسنة محمد بن مسلم وصحيحة زرارة ورواية الكناني. ثم قال: والذي يدل على ما ذكرنا من التقسيم ما رواه الحسين بن سعيد إلى آخر رواية أبي بصير المتقدمة، ثم نقل رواية سماعة المتقدمة وأجاب عنها، وكذلك سائر كلمات الشيخ إلى آخر الباب ينادي بذلك، فلاحظها. والذي ينادي بذلك أيضا أن الكليني روى رواية الوشاء في الكافي مقتصرا بحكاية القضاء عن الولي، ولم يذكر هذا التقسيم، واقتصر في الباب الذي عقد لما نحن فيه على الروايات الثلاث المتقدمة. وأما استدلالهم برواية أبي بصير المتقدمة، فهو مبني على جعل قوله عليه السلام: " فإن تهاون " إلى آخره قسيما لقوله عليه السلام: " وإن صح " ومعطوفا عليه، فيشمل مالو صح بينهما ولم يتهاون، فيكون حكمه القضاء فقط.


1. الكافي 4: 124 ح 6، التهذيب 4: 249 ح 742، الوسائل 7: 244 أبواب أحكام شهر رمضان ب

[ 400 ]

والظاهر أنه ليس كذلك، كما يشعر به العطف بكلمة الفاء دون الواو. فقوله عليه السلام: " فإن تهاون " فرع لقوله: " وإن صح فيما بين الرمضانين " يعني: إن صح بينهما فيجب عليه الصيام، يعني بين الرمضانين، فإن تهاون حينئذ ولم يصم حتى أدرك القابل فعليه الصيام والكفارة. وأما استدلالهم بحسنة محمد بن مسلم فمبني على أن مفهوم قوله عليه السلام: " إن كان برأ ثم توانى قبل أن يدركه الصوم الآخر صام الذي أدركه وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين وعليه صيامه " أنه إذا لم يتوان ولم يقصر فليس حكمه وجوب الأمرين عليه، بل إنما يجب عليه الصيام فقط. وفيه: أن انتفاء المركب يحصل بانتفاء المجموع، وبكل واحد من جزئيه، فلعله لم يكن عليه شئ، أو كان عليه الفدية فقط. ولا دليل على تعيين الصيام، مع أن النفي والإثبات يرجعان إلى القيد الأخير غالبا، فوجوب الصيام أولى بالانتفاء، فلعل حكمه كان حكم استمرار المرض، وقد مر تمام الكلام. هذا إن سلمنا أن المراد بالتواني هو ما فسروه في معنى التهاون، وإلا فلنا أن نقول: إن تأخير القضاء مع القدرة تهاون، وإن اعتمد في التأخير على السعة، فإن التهاون في اللغة بمعنى الاستحقار كما نص عليه الجوهري (1)، وكذلك التواني بمعنى التقصير وتأخير الواجب عن أول وقته بلا عذر مع القدرة عليه استحقار له، فإن محض الاعتماد على السعة ليس بعذر، بل هي متابعة للهوى، وترجيح لمقتضى النفس الأمارة على المبادرة بالواجب. واستشهد الشيخ - رحمه الله - أيضا برواية سعد بن سعد، عن رجل، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن رجل يكون مريضا في شهر رمضان ثم يصح بعد


1. الصحاح 6: 2218.

[ 401 ]

ذلك، فيؤخر القضاء سنة أو أقل من ذلك أو أكثر، ما عليه في ذلك ؟ قال: " أحب له تعجيل الصيام، فإن كان أخره فليس عليه شئ " (1) قال: إنه محمول على ما ذكرناه فيما تقدم من أنه متى أخره غير متهاون به وفي نيته الصيام فليس عليه شئ من الصدقة، وإنما يلزمه القضاء حسب ما تضمنه القرآن (2). وفيه: مع ضعفها وإرسالها أن ظاهرها يقتضي سقوط الفدية عن المتهاون أيضا، وعدم وجوب المبادرة بالقضاء بين الرمضانين، ولا يقولون به، بل ظاهر الرواية عدم وجوب المبادرة في أول الزمان الذي بين الرمضانين، لافي نفس الزمان. وحجة ابن إدريس (3): أصالة البراءة عن الكفارة، وأن القرآن لا يدل إلا على وجوب القضاء، ولا إجماع في المسألة ; إذ لم يذكره إلا الشيخين (4) ومن تبعهما (5)، فيجب القضاء فقط مطلقا، يعني وإن استمر المرض بينهما. وهو على أصله من عدم حجية أخبار الآحاد واضح، ولكن أصله ضعيف، مع أن المسألة ذكرها من كان قبل الشيخ من الفقهاء مثل الصدوقين (6) وابن أبي عقيل (7). بل قال في المعتبر: ولاعبرة بخلاف بعض المتأخرين في إيجاب الكفارة هنا، فإنه ارتكب ما لم يذهب إليه أحد من فقهاء الإمامية فيما علمت، قال: وروى ما ذكرنا مضافا إلى الروايتين - يعني بهما رواية زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمتين - أبو الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام وأبو بصير، عن أبي عبد الله، وعبد الله بن سنان عنه عليه السلام، وهؤلاء فضلاء السلف من الإمامية، وليس لرواياتهم معارض، إلا ما يحتمل


1. التهذيب 4: 251 ح 746، الوسائل 7: 246 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 6. 2. التهذيب 4: 252 ح 749، الاستبصار 2: 111 ح 365، الوسائل 7: 246 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 7. 3. السرائر 1: 397. 4. حكاه عن الشيخين العلامة في المختلف 3: 525. 5. كالمحقق في المعتبر 2: 698، والشهيدان في اللمعة والروضة البهية 2: 121، والعاملي في المدارك 6: 218. 6. حكاه عن والد الصدوق في الدروس 1: 287، والصدوق في الفقيه 2: 96. 7. حكاه عنه العلامة في المختلف 3: 523 و 525.

[ 402 ]

رده إلى ما ذكرناه، فالراد لذلك يتكلف مالاضرورة له إليه (1). ثم إنا قد ذكرنا سابقا أن أكثر الأصحاب خصوا المسألة بحكم المريض، ونقلنا عن الشيخ في الخلاف أنه عمم الحكم بين المرض وغيره من الأعذار (2)، وهو ظاهر ابن أبي عقيل أيضا (3)، ومال إليه في المختلف، ثم جعل التفصيل أقرب، وهو التعدي إلى غير المرض من الأعذار إن كان التأخير توانيا، فإن المرض أعظم الأعذار، فإذا ثبتت معه الكفارة، فتثبت فيما دونه بطريق الأولى. قال: وليس هذا من باب القياس، بل من باب التنبيه، وأما إذا كان التأخير من غير جهة التواني، فيجب فيه القضاء وإن استمر العذر ; لعموم الآية، وأن إسقاط القضاء من جهة المرض الذي هو أعظم الأعذار إن استمر لا يوجب إسقاطه من جهة ما هو دونه من الأعذار (4)، وارتضاه في المسالك (5). وفي الاستدلال بالأولوية إشكال، مع أنه لم يظهر من الروايات أن العلة في وجوب الكفارة هي التأخير الحاصل من جهة المرض، بل الظاهر أنه لأجل تأخير ما وجب عليه من القضاء، فيشمل الجميع. فالأولى العمل على قول الشيخ في الخلاف من تسوية الأعذار مطلقا (6) لما بينا سابقا. السابع: في شرائط القضاء عن الميت وأحكامه. ولما لم نذكر في كتاب الصلاة أحكام الصلاة، كما لم يذكرها طائفة من الأصحاب أيضا، فلابد أن نشير إلى حكمها أيضا هنا لتحصيل البصيرة.


1. المعتبر 2: 699. 2. الخلاف 2: 206 المسألة 63. 3. حكاه عنه العلامة في المختلف 3: 526. 4. المختلف 3: 526. 5. المسالك 2: 61. 6. الخلاف 2: 206 مسألة 63.

[ 403 ]

ويتوقف تنقيح المقام على ذكر مقدمة ومباحث: أما المقدمة: فوجوب قضائهما على الوارث في الجملة هو المشهور بين أصحابنا، بل لم نقف فيه على مخالف إلا ما نقل في المختلف عن ابن أبي عقيل في وجوب قضاء الصوم (1)، ويظهر من السيدين المرتضى (2) وابن زهرة (3) - رحمهما الله - الإجماع فيه أيضا في الجملة. وبالجملة فالمسألة مما لاإشكال فيها، ومخالفة العامة فيها تمسكا بقوله تعالى: * (ليس للإنسان إلا ما سعى) * (4) وبقوله عليه السلام: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (5) ضعيف ; لأنهما مخصصان بالأدلة كما خصصا بالحج وغيره. مع أن ما ذكر من نتائج إيمانه وتحصيله العقائد الحقة الذي هو من سعيه، وكذلك هو من منافع عمله ومعرفته وولده الصالح. وقد يلتزم أن النفع والثواب للولي، ولكنه يسقط القضاء عن الميت، وهو بعيد. المبحث الأول: في بيان ما يجب قضاؤه من الصلاة والصوم، واختلف الأصحاب في ذلك، فظاهر المشهور التعميم، كما يظهر من الشهيد الثاني في مسألة الحبوة، قال: إطلاق النص والفتوى يقتضي عدم الفرق بين أن يكون الفائت من الصلاة والصيام بعمد وغيره، وربما قيل باختصاص الحكم بما فات منهما لعذر، ولا بأس به، والنصوص لا تنافيه (6).


1. المختلف 3: 527 و 530. 2. الانتصار: 70. 3. الوسيلة: 150. 4. النجم: 39. 5. ذخيرة المعاد: 387. 6. المسالك 2: 63.

[ 404 ]

ويظهر ذلك من الشهيد في الذكرى أيضا (1). والظاهر أنه أراد من القائل المحقق - رحمه الله - في جواب مسائل جمال الدين بن حاتم المشغري البغدادية، فإنه قال: على الولد قضاء ما فات الميت من صلاة وصوم لعذر من مرض وسفر وحيض، لاما تركه عمدا مع القدرة (2). ونقل في الذكرى عن استاده عميد الدين - رحمه الله - الانتصار لهذا القول ثم قال هو: ولا بأس به، وقال: إن الرواية محمولة على الغالب، فإن الغالب عدم ترك الصلاة عمدا، وحمل مافعلها على غير الوجه الصحيح لأجل المسامحة في تحصيل مسائلها أيضا على الترك عمدا، وعلى ذلك فجعله من الأفراد النادرة بعيد، خصوصا بملاحظة حال أغلب عوام الناس (3). نعم يمكن أن يقال: المتبادر من لفظ صلاة أو صيام المنكر الوارد في الأخبار أن سائر عباداته إنما وقعت على الوجه الصحيح، وأن ما حصل من الفوت إنما هو لأجل الترك، لالأجل البطلان. وحكى في الذكرى عن ابن إدريس ويحيى بن سعيد أنه يقضي عنه الصوم الذي فرط فيه، والصلاة التي فاتت في مرض الموت لاغير. وعن ابن الجنيد: أن المريض إذا وجبت عليه الصلاة فأخرها إلى أن مات يقضي عنه وليه كما يقضي حجة الإسلام والصوم ببدنه، ولو عرض عنه يتصدق مد عن كل ركعتين، وإن لم يتمكن فعن كل أربع ركعات بمد، وإن لم يتمكن فعن صلاة النهار بمد، وعن صلاة الليل بمد. ثم قال: وكذا قال السيد المرتضى رحمه الله. ثم نقل عن ابن زهرة أنه لو مات وعليه صلاة فيجب على الولي قضاؤها، ثم نقل


1. الذكرى: 138. 2. المسائل البغدادية (الرسائل التسع): 258. 3. الذكرى: 138، وانظر المستند 10: 461.

[ 405 ]

عنه حكاية التصدق كما حكى عنهما، وأنه قال ذلك بدليل الإجماع وطريقة الاحتياط، هذه الأقوال التي ذكرها في الذكرى (1). وحاصلها ماقاله في الدروس، قال: ويجب أن يقضي الولي جميع ما فات الميت، وخير ابن الجنيد بينه وبين الصدقة المذكورة آنفا، وبه قال المرتضى وابن زهرة، وقال ابن إدريس وسبطه: لا يقضي إلا ما فاته في مرض فوته، وقال المحقق: يقضي ما فاته لعذر كمرض أو سفر أو حيض بالنسبة إلى الصوم، لاماتركه عمدا، والظاهر أنه تغير رأيه في الدروس، وهذه الأقوال ذكروها في كتاب الصلاة (2). حجة المشهور: عموم الأخبار، مثل صحيحة حفص بن البختري في الكافي، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام، فقال: " يقضيه عنه أولى الناس بميراثه " قال: فإن كان أولى الناس به امرأة ؟ فقال: " لا، إلا الرجال " (3). ومرسلة ابن أبي عمير عنه عليه السلام: في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام، قال: " يقضيه أولى الناس به " نقله في الذكرى عن ابن طاوس (4). وكذا رواية عبد الله بن سنان عنه عليه السلام، قال: " الصلاة التي حصل وقتها قبل أن يموت الميت يقضي عنه أولى الناس به " (5) وسيجئ بعض الأخبار أيضا. وأما دليل تقييد الصلاة والصوم إذا كان فوته لعذر كما نقلناه عن المحقق وتابعيه فهو الأصل وعدم انصراف الأخبار إلى ما تركه عمدا، وهو ليس ببعيد، سيما مع حمل أفعال المسلمين على الصحة من عدم تركهم الصلاة بلا عذر، سيما في زمان الأئمة، فإن المعهود من أفعال أصحابهم عليهم السلام كمال الاهتمام في العبادات وفي قضائها، سيما


1. الذكرى: 138، وانظر السرائر 1: 399، والجامع للشرائع: 163، 89، والانتصار: 70، والغنية (الجوامع الفقهية): 563. 2. الدروس 1: 288. 3. الكافي 4: 23 ح 1، الوسائل 7: 241 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 5. 4. الذكرى: 74، البحار 88: 310. 5. نقلها في الذكرى: 74، والبحار 88: 313.

[ 406 ]

على القول بالتضيق، فكيف يتركونها عمداو يتركون قضاءها، ولذلك ذكر الشهيد في الذكرى في عذر عدم ورود الأخبار في استئجار الصلاة للميت أن أصحابهم عليهم السلام كانوا يهتمون في القضاء كثيرا، فلم يحتاجوا إلى السؤال عن حكم الاستئجار ولو كان في ذمتهم شئ أحيانا لتداركوه بقضاء الولي، ولذلك وردت الأخبار فيه. وهذا أيضا يؤيد أن ماكان يجب على الولي إنما كان مما سقط بالعذر، بل مسامحتهم في القضاء أيضا كانت من جهة عذر كان له وجه مناسب للتأخير، مثل أن القضاء كان ميسرا لهم بالصلاة قاعدا، أو بالإيماء فيؤخرونه ليفعلوه على الوجه الأكمل، وهكذا. ومما ذكرنا يظهر أن ما فات من الميت من جهة بطلان الصلاة والمسامحة في أخذ مسائلها على وجهها ليس بداخل في هذه الأخبار، سيما بملاحظة تنكير لفظ صيام أو صلاة في الأخبار. فإذا لم يظهر خروج غير هذا القسم من العبادات من سائر أفراد ما ترك عصيانا من إطلاق هذه الأخبار فيكفي خروج هذا القسم ; لعدم القول بالفصل، مع أن الظاهر من قولهم عليهم السلام يموت وعليه صيام أو صلاة، ويموت وعليه قضاء، ويموت وعليه دين من شهر رمضان وأمثال ذلك في الأخبار أن الميت كان معتقدا لكونه واجبا عليه ودينا عليه لازما أداؤه، لامحض لزومه عليه في نفس الأمر، وإن كانت الألفاظ أسامي لما هو في نفس الأمر. وكيف كان فالأصل دليل قوي، ولا يمكن إتمام العموم بإطلاق هذه الأخبار، سيما على المختار من كون الحبوة مجانا لافي عوض الصوم والصلاة، وسيما مع لزوم العسر والحرج إذا كان أبواه كلاهما صاحب تسعين سنة، وكانت صلاتهما باطلة، وكان الولد ضعيفا، سيما على القول بوجوب الإتيان ببدنه لا بالاستئجار. مع أن لنا إشكالا في كون ذلك هو المشهور بين الفقهاء، والتمسك بإطلاق فتاويهم إنما يتم إذا كانت المسألة معنونة بحكم قضاء الصلاة والصوم مع ملاحظة نفسهما من

[ 407 ]

حيث هي، بل إطلاقاتهم في العنوانات ليست منسبكة لأجل بيان حكم المطلق من حيث هو مطلق. فمرادهم في مسألة الحبوة بيان حكم القاضي أنه من هو، لابيان كيفية المقضي، وكذلك ههنا تعرضوا للمسألة لبيان أن الواجب هل هو قضاء العبادة، أو يكتفي بالتصدق، أو يخير بينهما، لالبيان حال نفس المقضي وكيفيته وهكذا. وهذه النكتة مما ينبغي التفطن لها، فإن الحكم يختلف باختلاف عنوانات الموضوع في المسائل. وأما حجة ابن الجنيد وابن زهرة في التصدق فلم نقف عليها، والاعتماد على الإجماع الذي ادعاه وترك الأخبار الكثيرة كما ترى. وأما مسألة الصوم فقال في الدروس: لو تمكن من القضاء ومات قبله فالمشهور وجوب القضاء على الولي، سواء كان صوم رمضان أولا، وسواء كان له مال أولا، ومع عدم الولي يتصدق من أصل ماله عن كل يوم بمد، وقال المرتضى: يتصدق عنه، فإن لم يكن له مال صام وليه، وقال الحسن: يتصدق عنه لاغير، وقال الحلبي: مع عدم الولي يصام عنه من ماله، كالحج، والأول أصح (1)، انتهى. ولا يخفى أنه لا يظهر من هذه العبارة أيضا أن المشهور عدم الفرق بين ماكان الفوات لعذر أم لا، بل المراد من المشهور في كلامهم هو فتواهم بوجوب القضاء في مقابل القول بالصدقة وغيره، فبقي انفهام الشهرة في التعميم من إطلاق كلامهم، وقد ذكرنا أنه لااعتماد على مثل هذا الإطلاق. وكيف كان فالأظهر الاكتفاء بما فات من جهة عذر كما نقلناه عن المحقق وأتباعه، ومنهم صاحب المدارك، وقد عرفت دليله، فلابد من بيان الأدلة لهذه الأقوال في المسألة.


1. الدروس 1: 288، وانظر الانتصار: 71، والمختلف 3: 529، والكافي في الفقه: 184.

[ 408 ]

ولما كان في الصوم تفصيلات اخر لابد من التعرض لها فنقول: إن فوات الصيام إما من أجل المرض أو غيره، من سفر أو حيض، فلنقدم الكلام فيما فات للمرض، ونقول: أما ما فات من أجل المرض مع عدم التمكن من القضاء حتى مات، فقد تقدم الكلام فيه، وأنه لا يجب القضاء على الولي، بل يستحب على المشهور، مع إشكال فيه. وأما إذا تمكن ولم يقض حتى مات فالمشهور وجوبه على الولي، وعن الخلاف والسرائر دعوى الاتفاق عليه (1)، ويشعر به كلام المنتهى والتذكرة (2). وعن المبسوط والاقتصاد والجمل التخيير بين القضاء والصدقة (3). وعن الانتصار: التصدق من ماله عن كل يوم بمد من طعام، فإن لم يكن له مال فليقضه الولي، ولم يفرق بين أسباب فوت الصوم، وادعى عليه الإجماع (4). وعن ابن إدريس: وجوب القضاء على الولي وعدم وجوب الصدقة، وادعى عليه الإجماع، وأن ماقاله السيد لم يقل به أحد غيره (5). وأنكره المحقق في المعتبر، وقال: وأنكر بعض المتأخرين الصدقة عن الميت، وزعم أنه لم يذهب إلى القول بها محقق، وليس ماقاله صوابا مع وجود الرواية الصريحة المشتهرة، وفتوى الفضلاء من الأصحاب، ودعوى علم الهدى الإجماع على ما ذكره، فلا أقل من أن يكون قولا ظاهرا بينهم، فدعوى المتأخر أن محققا لم يذهب إليه تهجم (6).


1. الخلاف 2: 208 المسألة 65، السرائر 1: 397. 2. المنتهى 2: 604، التذكرة 6: 174 مسألة 110. 3. المبسوط 1: 286، الاقتصاد: 294، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 220. 4. الانتصار: 71. 5. السرائر 1: 397. 6. المعتبر 2: 699.

[ 409 ]

وعن ابن أبي عقيل: أنه يتصدق عنه لاغير (1). والأقوى قول المشهور. لنا: عموم الأخبار السابقة، ومرسلة ابن بكير عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يموت في شهر رمضان، قال: " ليس على وليه أن يقضي عنه ما بقي من الشهر، وإن مرض فلم يصم رمضان فلم يزل مريضا حتى مضى رمضان وهو مريض، ثم مات في مرضه، ذلك فليس على وليه أن يقضي عنه الصيام، فإن مرض ولم يصم شهر رمضان ثم صح بعد ذلك فلم يقضه، ثم مرض فمات، فعلى وليه أن يقضي عنه ; لأنه قد صح فلم يقض ووجب عليه " (2). ومرسلة حماد بن عثمان في الكافي، عمن ذكره، عنه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يموت وعليه دين من شهر رمضان، من يقضي عنه ؟ قال: " أولى الناس به " قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة ؟ قال: " لا، إلا الرجال " (3). وصحيحة محمد بن الحسن الصفار في الفقيه، قال: كتبت إلى أبي محمد الحسن ابن علي في رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام، وله وليان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا: خمسة أيام أحد الوليين، وخمسة أيام الآخر ؟ فوقع عليه السلام: " يقضي عنه أكبر ولييه " (4). قال ابن بابويه رحمه الله: هذا التوقيع عندي من توقيعاته إلى محمد بن الحسن بن الصفار بخطه عليه السلام (5). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن رجل أدركه


1. حكاه عنه في الدروس 1: 289، والرياض 1: 322. 2. التهذيب 4: 249 ح 739، الاستبصار 2: 110 ح 360، الوسائل 7: 243 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 13. 3. الكافي 4: 124 ح 4، الوسائل 7: 241 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 6. 4. الكافي 4: 124 ح 5، الفقيه 2: 98 ح 441، التهذيب 4: 247 ح 732، الاستبصار 2: 108 ح 355، الوسائل 7: 240 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 3. 5. الفقيه 2: 99.

[ 410 ]

شهر رمضان وهو مريض فتوفي قبل أن يبرأ، قال: " ليس عليه شئ، ولكن يقضي عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضي ما عليه " (1). وحجة السيد: إجماعه الذي ادعاه، وما رواه الصدوق في الصحيح، عن أبان بن عثمان، عن أبي مريم الأنصاري، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان ثم لم يزل مريضا حتى مات فليس عليه قضاء، وإن صح ثم مات وكان له مال تصدق عنه مكان كل يوم بمد، فإن لم يكن له مال صام عنه وليه " ورواه الكليني أيضا بسند غير صحيح (2). وحجة ابن أبي عقيل أيضا: رواية أبي مريم، نقلها في التهذيب عنه عليه السلام، قال: " إذا صام الرجل رمضان لم يزل مريضا حتى يموت فليس عليه شئ، فإن صح ثم مرض حتى يموت وكان له مال تصدق عنه، فإن لم يكن له مال تصدق عنه وليه ". ونقل العلامة في المختلف الرواية هكذا، ولكن عبارة ما نقله عن ابن أبي عقيل هذه: وقد رويأنه من مات وعليه صوم من رمضان تصدق عنه عن كل يوم بمد من طعام، وبهذا تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام (3). ونقل في المدارك رواية أبي مريم عن التهذيب مع وصفها بالصحة، وعبارته هذه: وإن صح ثم مرض حتى يموت وكان له مال تصدق عنه وليه (4). حجة الشيخ في المبسوط لعلها الجمع بين الأخبار بحملها على التخيير. وحجة ابن إدريس هو إجماعه المدعى، ومراد السيد - رحمه الله - من دعوى الإجماع أيضا الإجماع على وجوب الصيام على الولي ردا على المخالفين، حيث


1. الكافي 4: 123 ح 2، التهذيب 4: 248 ح 738، الاستبصار 2: 110 ح 359، الوسائل 7: 240 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 2. 2. الكافي 4: 123 ح 3، الفقيه 2: 98 ح 439، التهذيب 4: 248 ح 736، الاستبصار 2: 109 ح 257، الوسائل 7: 241 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 7، وفي الوسائل: وإن صح ثم مرض ثم مات... ورويت أيضا بإسناد آخر في التهذيب 4: 248 ح 735، الوسائل 7: 241 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 8. 3. المختلف 3: 531. 4. المدارك 6: 224.

[ 411 ]

لا يوجبون شيئا غير التصدق، لاالإجماع على تقديم الصدقة، وكلامه كالصريح في ذلك. إذا عرفت هذا، فقول ابن أبي عقيل في غاية الضعف ; لكونه خلاف المشهور والأحاديث المعتبرة المستفيضة والإجماعين المنقولين، ولا يبعد حمل تقديم الصدقة وانفرادها المستفاد من رواية أبي مريم على التقية، ولما كانت الرواية مضطربة فيضعف الاعتماد عليها. ومنه يظهر ضعف القول بالتخيير أيضا. وأما الاستدلال لابن أبي عقيل بقوله تعالى: * (ليس للإنسان إلا ما سعى) * فقد عرفت ضعفه. وأما ما فات من جهة السفر ففيه قولان، والذي يظهر أنه قول الأكثر هو التفصيل مثل المريض، فيشترط وجوب القضاء على الولي بتمكن المسافر من الأداء أو القضاء، وهو أحد قولي الشيخ، اختاره في الخلاف مدعيا عليه الإجماع (1)، وهو مختاره في النهاية (2)، ومختار المحقق في النافع (3)، والعلامة في كثير من كتبه (4)، والشهيدين في اللمعة وشرحها والمسالك (5)، وهو ظاهر ابن إدريس (6). والقول الآخر وجوبه ولو مات في السفر على كل حال، وهو مذهب الشيخ في التهذيب (7)، ومنقول عن صاحب الجامع يحيى بن سعيد (8). وربما يقال: إنه ظاهر الصدوق في الفقيه والمقنع، حيث قال: إذا مات رجل وعليه صيام شهر رمضان فعلى وليه أن يقضي عنه، وكذلك من فاته في السفر أو المرض، إلا


1. الخلاف 2: 207 المسألة 64. 2. النهاية: 158. 3. المختصر النافع: 70. 4. التذكرة 6: 175 المسألة 111، المختلف 3: 535. 5. الروضة البهية 2: 124، المسالك 2: 63. 6. السرائر 1: 399. 7. التهذيب 4: 249 ذ. ح 739. 8. الجامع للشرائع: 163.

[ 412 ]

أن يكون مات في مرضه من قبل أن يصح بمقدار ما يقضي به صومه، فلا قضاء عليه إذا كان كذلك (1). وفيه تأمل. ويظهر من التذكرة الميل إليه، حيث قال: لا بأس به بعد ما نقله عن أحد قولي الشيخ، ولم ينقل فيه قولا عن غيره (2)، وهو مختار المحقق الأردبيلي رحمه الله (3) وصاحب المدارك (4). ويظهر من الشرائع والمعتبر التردد (5). ولعل الأظهر الأول ; للأصل، والإجماع المنقول، والعلة المستفادة من مرسلة ابن بكير (6)، وصحيحة أبي بصير (7) المتقدمتين هنا وفي المباحث السابقة، ولأنه إذا لم يتمكن هو فيسقط منه، فالولي أولى بالسقوط عنه. واحتج الآخرون: بما رواه الكليني عن أبي حمزة - والظاهر أنه الثمالي - عن أبي جعفر عليه السلام فالظاهر أنه صحيح، قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها ؟ قال: " أما الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم " (8). وروى الشيخ في الموثق، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (9).


1. الفقيه 2: 98، المقنع (الجوامع الفقهية): 17، وحكاه العلامة في المختلف 3: 532، 456. 2. التذكرة 6: 179 المسألة 113. 3. مجمع الفائدة والبرهان 5: 265. 4. المدارك 6: 222. 5. الشرائع 1: 184، المعتبر 2: 669. 6. التهذيب 4: 249 ح 739، الاستبصار 2: 110 ح 360، الوسائل 7: 243 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 13. 7. الكافي 4: 137 ح 8، الوسائل 7: 242 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 12. 8. الكافي 4: 137 ح 9، الوسائل 7: 241 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 4، ولم نعثر على من شك أنه غير الثمالي. 9. التهذيب 4: 249 ح 741، الوسائل 7: 243 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 16.

[ 413 ]

وروى عن منصور بن حازم عنه عليه السلام: في الرجل يسافر في رمضان فيموت، قال: " يقضى عنه، وإن امرأة حاضت في رمضان فماتت لم يقض عنها، والمريض في رمضان ولم يصح حتى مات لم يقض عنه " (1). وفي الموثق عن فضالة، عن الحسين بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل سافر في رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه، قال: " يقضيه أفضل أهل بيته " (2). واقتصر في المسالك على رواية منصور، وقدح فيها بضعف السند، وإمكان حملها على الاستحباب، أو على الوجوب ; لكون السفر معصية وإن بعد (3)، وقد عرفت عدم الانحصار. والجواب: أن الإجماع المنقول بمنزلة خبر صحيح، ورواية أبي بصير أيضا صحيحة، ووجه الدلالة: أن قوله عليه السلام فيها: " لا يقضى عنها ; فإن الله تعالى لم يجعله عليها " نص على العلة، وهي عامة في المرض والسفر. وبالجملة الروايتان المشتملتان على العلة المعتضدتان بالأصل والشهرة والإجماع المنقول وما ذكرناه من الاعتبار تترجح على معارضها. وصحيحة أبي حمزة لا تعارضها مع قلة العامل بها. وأما موثقة أبي بصير، فإن أغمضنا عن سندها ; لأن الظاهر أن حسين بن عثمان مشترك بين الثقات، بل الثقتين، ولاضعف في أحد منهم (4)، ورواية فضالة قرينة على أنه الرواسي الثقة، لكن الظاهر منها السؤال عن حال القاضي، لا كيفية المقضي،


1. التهذيب 4: 249 ح 740، الوسائل 7: 243 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 15. 2. التهذيب 4: 325 ح 1007، الوسائل 7: 242 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 11. 3. المسالك 2: 63. 4. الحسين بن عثمان مشترك بين ثلاثة ثقات، الأول: الحسين بن عثمان بن شريك بن عدي العامري: وثقه النجاشي. الثاني: الحسين بن عثمان الأحمسي البجلي: وثقه النجاشي. الثالث: الحسين بن عثمان بن زياد الرواسي: حكى الكشي توثيقه عن حمدويه. وعلة تردد المحقق القمي أعلاه بين الثقات أو الثقتين لعله ما قد يقال من اتحاد الرواسي وابن شريك، انظر تنقيح المقال 1: 335.

[ 414 ]

فلا يبقى اعتماد على الإطلاق، ولاترك الاستفصال عن التمكن وعدمه. وأجاب في المختلف عن روايتي منصور ومحمد بن مسلم - بعد منع السند - بحملهما على الاستحباب، أو على الوجوب لكون السفر معصية (1)، وهو بعيد. ووجه كلامه بعضهم: بأن مراده أن السفر في رمضان بدون ضرورة معصية، وهو أيضا ليس بتمام. وربما يقال: إن السر في وجوب القضاء على المسافر خاصة هو تمكنه من الأداء بترك السفر أو الإقامة، وهو أبلغ من التمكن من القضاء، بخلاف المريض والحائض. ويرد عليه: أن بعد رخصة الشارع في السفر لا يبقى فرق، مع أنه لايتم في السفر الواجب. فالأقوى فيه أيضا التفصيل بالتمكن وعدم التمكن، ولو كان فرض التمكن بالإقامة. فالأولى حمل الأخبار المعارضة على الاستحباب، وفي بيان المراد من التمكن إشكال، فإطلاق كلام أكثرهم هو اشتراطه بالتمكن من القضاء. واعتبر الشهيد في اللمعة مراعاة تمكنه من المقام والقضاء، وزاد الشهيد الثاني في شرحه ولو بالإقامة في أثناء السفر (2)، وزاد الفاضل الإصفهاني في شرحه لفظ الأداء قبل القضاء. فعبارات الثلاثة هذه: وفي القضاء عن المسافر خلاف، أقربه مراعاة تمكنه من المقام والأداء أو القضاء ولو بالإقامة في أثناء السفر كالمريض. أقول: ولاوجه لزيادة لفظ " الأداء " هنا ; إذ الكلام إنما هو بعد ثبوت الفوت بالسفر كالمريض، وما ذكره الشهيدان من أن السر في قول من يوجب القضاء على المسافر مطلقا دون المريض تمكن الأول من الأداء دون الأخير ; مع سلامته هو شئ آخر


1. المختلف 3: 536. 2. الروضة البهية 2: 123.

[ 415 ]

لادخل له فيما نحن فيه. وأما ما اعتبراه من كفاية التمكن من المقام والقضاء المستلزم لانحصار عدم وجوب القضاء فيما لو كان السفر واجبا أو لم يتمكن من الإقامة لخوف أو ضرر فهو يدل على اعتبار التمكن بالقوة، فلا يجعلان السفر المباح المجوز فيه من الشارع عذرا، وقد عرفت سابقا أن السفر المستمر بين الرمضانين مسقط للقضاء عن المكلف عند الشيخ في الخلاف (1)، ولم يقيده بالسفر الواجب، والقول بسقوطه به عن نفس المكلف ولزومه على الولي كما ترى. والحاصل أن التشبيه بالمريض يقتضي أن الخلو من السفر يوجب القضاء لاالتمكن من الخلو منه، كما أن المعتبر الخلو من المرض. فمعيار الكلام هنا جعل السفر المباح من الأعذار وعدمه، والظاهر أنه منها، وإلا لما جاز استمرار السفر المباح إلى رمضان آخر، ولم أقف على من أفتى به، فمقتضى إطلاق الشيخ في الخلاف باطراد الأعذار يشمله. وبالجملة وجوب القضاء على المتمكن بوجوب موسع مابين الرمضانين مخصوص بغير من كان له عذر شرعي، فيجوز التأخير مع العذر الشرعي، ومقتضى اطراد الأعذار سقوط القضاء عمن استمر سفره المباح، فإذا سقط عن المكلف فيسقط عن الولي. فالحكم بوجوب قضاء الولي عنه مطلقا حتى في السفر الضروري في غاية الإشكال. وإن كان ولابد فليقتصر على السفر المباح، ولم نقف على مصرح به عدا الشهيدين في اللمعة وشرحها (2). وأما اعتبار التمكن من الأداء فلا وجه له، ومع ذلك كله فالأحوط قضاء ما فاته


1. الخلاف 2: 206 المسألة 63. 2. انظر الروضة البهية: 124.

[ 416 ]

في السفر مطلقا، وقوفا على ظاهر النصوص. ومما يؤيد ما ذكرنا من كون السفر من الأعذار مطلقا جواز إفطار أصل الشهر مع ضيق وقته، بأن يسافر سفرا مباحا، فكيف لا يجوز استمرار السفر المباح في وقت القضاء وإن تضيق. ومما ذكرنا يظهر حكم الحائض، وأنه التفصيل بالتمكن وعدم التمكن كما دلت عليه الأخبار والاعتبار (1). المبحث الثاني: فيمن يجب عليه القضاء فعن الأكثر أنه الولد الذكر الأكبر لاغير، فلو كان الولد الأكبر انثى أو انحصر فيها فيسقط القضاء. وعن الصدوقين (2) والمفيد (3) وابن الجنيد (4) أنه يجب على مطلق الولي حتى الزوجين، والمعتق، وضامن الجريرة، بترتيب الطبقات وفي كل طبقة يقدم الأكبر الذكر، وإن لم يكن فالإناث. وربما يستشكل في فهم الترتيب من كلام المفيد ; لكن الظاهر أن مراده ذلك كما فهمه العومة في المختلف والشهيد في الدروس (5). أقول: الولي عند الشيخ أكبر أولاده الذكور لاغير (6). وعن المفيد: لو فقد أكبر الولد فأكبر أهله من الذكور، فإن فقدوا فالنساء (7)، وهو


1. الوسائل 7: 240 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23. 2. المقنع (الجوامع الفقهية): 17، وحكاه عنهما في المختلف 3: 532. 3. المقنعة: 353. 4. حكاه عنه العلامة في المختلف 3: 532. 5. المختلف 3: 531، الدروس 1: 289. 6. المبسوط 1: 286. 7. المقنعة: 353.

[ 417 ]

ظاهر القدماء والأخبار (1) والمختار. وعن ابن البراج: أنه يجب على الولد الذكر الأكبر، فإن لم يكن فالبنت الكبرى (2) ومن هذا يظهر عدم التعدي عن الأولاد. والأظهر قول الأكثر ; لأصالة عدم تحمل أحد فعل غيره، كما ينبه عليه قوله تعالى: * (ولا تزر وازرة وزر اخرى) * (3) خرج عنه الولد الذكر الأكبر بالإجماع، ولاريب أنه أولى بالميراث من النساء، بل من الذكور أيضا ; لاختصاصه بالحبوة، ولخصوص صحيحة حفص بن البختري، ومرسلة حماد المتقدمتين. وصحيحة الصفار أيضا تدل على اعتبار الأكبرية، ولكن غاية ما يستفاد منها وجوبه على الرجل الأكبر، وأما الاختصاص بالولد فلا يستفاد منها. ويمكن أن يقال: إن القدماء القائلين بتعميم الولي للأولاد وغيرهم والرجال والنساء ; اعتمدوا على عموم الروايات وإطلاقها ; لأن الولي والأولى في كل طبقة موجود، وصحيحة حفص بن البختري ومرسلة حماد تنفيان الوجوب عن النساء، فيتعين قول الأكثر بعدم القول بالفصل، لأنا لم نقف على من قال بوجوبه في كل طبقة على أكبر الرجال دون النساء، فإن علمنا بإطلاق تلك الأخبار يلزم طرح هذين الخبرين، ولاوجه له، سيما وهما أخص مطلقا من تلك، والخاص مقدم على العام، سيما إذا وافق الأصل والاعتبار، ونفي العسر والحرج والإضرار، وعمل أكثر العلماء الأخيار. وربما حملتا على نفي الوجوب على النساء في حال وجود الرجال، وهو قريب (4). وكيف كان فلا ريب أن العمل بعموم الروايات أحوط.


1. الوسائل 7: 240 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23. 2. المهذب 1: 195. 3. فاطر: 18. 4. في " ح ": وهو غريب.

[ 418 ]

ثم إن ههنا امورالابد أن ينبه لها: الأول: ذكر جماعة من العلماء، منهم العلامة في التذكرة والمنتهى (1)، والشهيد الثاني - رحمه الله - (2) أن المراد بالولد الذكر الأكبر من لم يكن هناك أكبر منه وإن انحصر فيه كما في الحبوة، ويدل عليه عموم لفظ الولي والأولى في الأخبار. وأما صحيحة الصفار الدالة على اعتبار الأكبرية، فهي محمولة على حال التعدد ووجود الأصغر والأكبر. نعم الإشكال في أن الوجوب هل مشروط بالبلوغ حين الموت ليمكن تعلق التكليف به أم لا ؟ فيه قولان ناظران إلى عدم تعلق التكليف بغير البالغ العاقل فيستصحب، وإلى عموم الروايات واستحقاق الحبوة. ولعل الأرجح الثاني ; لأنه ليس في الأخبار ما يدل على الوجوب عليه بمجرد موت مورثه حتى يستلزم البلوغ والكمال، فيكون مراعى إلى حصول الكمال كافيا، كما لو كان الولي البالغ غائبا ولم يطلع على موت أبيه إلا بعد سنين. واختلفوا فيما لو تعدد الولي وكان أحدهما أكبر سنا ولم يبلغ، والآخر أقل سنا وبلغ بإلانبات أو الاحتلام. والأظهر اعتبار البلوغ ; لأنه أولى بالميت في أكثر الأحكام، مثل مباشرة التجهيز والإذن في الصلاة وسائر ما هو منوط بالمكلفين. ووجه القول الآخر: إطلاق لفظ الأكبر في صحيحة الصفار وغيرها، وهو محمول على الغالب، فلا حجة فيه، هذا إذا كان الأكبر غير بالغ. وأما إذا كانا بالغين فلا إشكال في تقديم الأكبر سنا ; وكذا لو لم يكونا بالغين. وأما في الحبوة فالأظهر تقديم الأكبر سنا ; للأخبار الكثيرة الحاكمة بكونها


1. التذكرة 6: 175 المسألة 111، المنتهى 2: 604. 2. المسالك 2: 63.

[ 419 ]

للأكبر (1)، وهو الظاهر في السن مع احتمال تساويهما مطلقا ; لأن لكل منهما مرجحا، واحتمال تقديم البالغ مطلقا، حملا للأخبار على الغالب، ولكن الأظهر ما ذكرنا. الثاني: إذا تعدد الأولياء وتساووا في السن، فالمشهور التقسيط بينهم. وقال ابن البراج (2): إن لم يكن هناك إلا توأمان فلهما الخيرة، فأيهما فعل أجزأ، ولو تشاحا فالقرعة، وقال ابن إدريس: سقط القضاء (3). فلنقدم الكلام في فرض التساوي، ثم نخوض في أدلة الأقوال. فنقول: إن فرض التساوي إما بأن يتولد له ولدان في آن واحد من امرأتين، وهو ممكن ; لأن مدة الحمل تختلف، ولا يستلزم اتحاد زمان التولد اتحاد زمان علوق النطفة حتى يقال باستحالة وطء امرأتين في آن واحد. ويمكن الفرض بأن يتولد التوأمان في آن واحد من دون تعاقب وإن بعد الفرض، مع أنه قد يتسامح في العرف في إطلاق الوحدة على التفاوت اليسير، سيما في التوأمين. وإن لم نقل بالتسامح في صورة التعاقب، ففي كون أولهما ورودا أكبر أو آخرهما وجهان، أظهرهما الأول ; لفهم العرف، فإنهم يعتبرون الولادة والخروج عن الرحم. ولذلك يقال للولد الذي تولد بعد ستة أشهر من العلوق قبل من تولد بعد تسعة أشهر من العلوق بلمحة أن الأول أكبر، مع أن علوق الثاني مقدم عليه مما يقرب من ثلاثة أشهر ; لأن تولد الثاني أسبق منه بهذا المقدار، فلا عبرة بالعلوق. نعم هنا رواية رواها الكليني والشيخ عنه في سند فيه علي بن أشيم المجهول عن بعض أصحابه، قال: أصاب رجل غلامين في بطن وهناه أبو عبد الله عليه السلام، قال: " أيهما أكبر " قال: الذي خرج أولا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " الذي خرج آخرا هو أكبر،


1. الوسائل 17: 439 أبواب ميراث الأبوين والأولاد ب 3. 2. المهذب 1: 196. 3. السرائر 1: 399.

[ 420 ]

أما تعلم أنها حملت بذاك أولا، وأن هذا دخل على ذاك، فلم يمكنه أن يخرج حتى خرج هذا، فالذي يخرج آخرا هو أكبرهما " (1). ويشكل العمل بمثله ; لضعفه وإرساله ومخالفته للاعتبار والعرف والعادة، مع أن العمل عليه يستلزم الحكم بأكبرية الثاني وإن تولد بعد أيام، ولو فرض صحة الحديث أيضا فهو لا يقاوم مادل على تقديم الأكبر ; إذ لفظ الأكبر في سائر الأخبار يرجع في معناه إلى العرف، فهو أيضا ترجيح للخبر على الخبر، لا العرف على الخبر، ليصير موردا للمنع. فالعمدة هنا بيان أنه هل يعتبر الفصل اليسير في تحقق الأكبرية، أويتسامح فيه فيشتركان فيه ؟ وجهان، لا يحضرني من كلام الأصحاب الآن تصريح بحكمه، إلا ما ذكره الشهيد الثاني - رحمه الله - في رسالته في مسألة الحبوة قال: ولو ولد التوأمان على التعاقب ففي اشتراكهما في الأكبر نظر، من زيادة سن السابق على المسبوق ولو يسيرا، فيصدق التفصيل، ومن عدم الاعتداد بمثل ذلك عرفا، وهذا هو الأقوى بشاهد العرف، على أن مثل هذا التفاوت لا يوثر في التساوي، ومثله مالو ولدا من امرأتين في وقتين متقاربين، إلا أن العرف قد يأبى هذا القسم في بعض الموارد، وإن قبله في التوأمين. ثم قال: فالمرجع في ذلك العرف، فمن عدهما متساويين في السن تشاركا فيها، وإلا فلا، وإن حصل الشك يستحق السابق ; لأنه المتيقن، وكذا لو زاد على اثنين (2)، انتهى كلامه. أقول: وفيما ذكره أخيرا نظر ; إذ المتيقن إنما هو القدر المشترك بين الأكبرية محضا وبين كونه نظير الأكبر كما لا يخفى، فالمتيقن استحقاقه للشطر، فيرجع في الباقي إلى التخيير أو القرعة أو التقسيم ثانيا، ولا يبعد الترجيح بمحض الأكبرية للسابق مطلقا.


1. الكافي 6: 53 ح 8، التهذيب 8: 114 ح 395، الوسائل 15: 213 أبواب أحكام الأولاد ب 99 ح 1. 2. رسائل الشهيد الثاني: 238.

[ 421 ]

إذا عرفت هذا فنرجع إلى أصل المسألة ونقول: الأقوى قول المشهور ; لصدق الولي والأولى عليهما، ولا يجب على كل منهما بالتمام إجماعا، ولا يسقط عنهما بعموم النص، وترجيح أحدهما بلامرحج قبيح، فلا مناص إلا التوزيع ; لأن المتبادر من الأمر هو الوجوب العيني، وإذا ضمت إليه أصالة البراءة عن وجوب التمام على كل واحد عينا وكفاية، وقلنا بإطلاق الولي والأولى على كل واحد، بل الأكبر أيضا لوفسرناه بمن لم يكن أكبر منه، فلا يبقى إلا التوزيع على السواء فيما أمكن. وتمسك ابن إدريس بأن الإجماع إنما ثبت في الولد الأكبر، ولا يصدق عليه، والأصل براءة الذمة، وعلة استحقاق الحبوة أيضا هنا غير موجودة (1). وفيه: أن عدم الإجماع لا يوجب عدم الحكم، والأصل لا يقاوم ظواهر النصوص، وعدم استحقاق الحبوة أيضا غير ممنوع كما حقق في محله. وأما دليل ابن البراج فلعله أن القضاء بتمامه لا يجب على كل منهما عينا، ويصدق على كل منهما أنه ولي أو أولى، فلابد أن يكون الوجوب عليهما بعنوان الكفائي، وبفعل أحدهما يسقط عن الآخر، وما لم يتحقق فذمتهما معا مشغولة. ولو تشاحا فلا مناص إلا القرعة ; لأنها لكل أمر مشكل. وفيه: مع ما مر من أصالة البراءة عن الكفائي أيضا أنه على تقدير الوجوب الكفائي لا مجال للتشاح، ولا يلزم من حصول العمل متعددا إذا شرعا معا وفرغا معا أن يكون مطلوب الله تعالى متعددا حتى يلزم خلاف الإجماع كما في صلاة الميت إذا لم يكن هناك ولي شرعي وتساوى المؤمنون فيه، ولم يكن إمام يقيم الجماعة، فصلاتهما معا صحيحة، وإن كان المطلوب صلاة واحدة، وكذلك في الإمام والمأموم. وأما القرعة فهي على تسليم جريانها في العبادات مطلقا إنما تتم إذا حصل الإشكال، وإطلاق الأخبار دافع للإشكال.


1. السرائر 1: 399.

[ 422 ]

ثم إن كان هناك كسر، كما لو كانت الصلاة ثلاثا والولي اثنان، فالظاهر وجوبه كفاية عليهما، ويسقط بفعل أحدهما عن الآخر كما في المسالك وغيره (1)، وتحتمل القرعة، ولم أقف على مصرح بها هنا. ومن قبيل الكسر إذا كان عليه صوم يوم أو صلاة واحدة. وبالجملة المراد بالولي الجنس، وهو يشمل الواحد والمتعدد، فقولهم عليهم السلام: " يقضي الولي الصوم والصلاة " يعنى يقضي جنس الولي جنس الصوم والصلاة، ولازمه أنه إن كان واحدا فالجميع على الواحد، وإن كان متعددا فعلى المتعدد، وتعلقه بالمتعدد على سبيل الكل المجموعي، مثل قولك: " يجب على القوم رفع هذه الأحجار " فكل ما أمكن اجتماعهم (عليهن وانفراد كل بحجر، فيتعين الاجتماع) (2) فيما لا يمكن إلا بالاجتماع في الرفع، والتوزيع في الممكن، فلو بقي هناك حجر لا يمكن الاجتماع ولم يبق سواه من الأحجار، فيجب عليهم جميعا بعنوان الوجوب الكفائي، ولا يلزم تجوز في اللفظ ; إذ ذلك هو مقتضى تعلق الحكم بالمجموع. والحاصل أن قول ابن إدريس في غاية الضعف، بل الظاهر أن الإجماع منعقد قبله على عدم السقوط بسبب التعدد، مع أنا نقول: إن وجوبه على الولي الواحد إجماعي في الجملة كما مر، ومن جملة نقلته هو ابن إدريس. فإذا كان مراده تعالى، إبراء الولي الواحد ذمة مورثه، فالمتعدد أولى بذلك كما لا يخفى، فلاوجه لسقوطه بالتعدد. فإذا لم يسقط فالأصل في الوجوب هو العيني، مهما أمكن، فلابد من التوزيع. وفي غير الممكن - كصورة الانكسار عليهم - فالوجوب الكفائي أيضا أقرب إلى الحقيقة من القرعة ; إذ القرعة كاشفة عن تعين أحدهما، وإجراؤها هنا يستلزم براءة أحدهما.


1. المسالك 2: 64، وانظر مجمع الفائدة والبرهان 5: 277، والحدائق 13: 327. 2. مابين القوسين ليس في " ح ".

[ 423 ]

وهو أيضا خلاف الأصل في الوجوب ; إذ الإطلاق أو الأولوية اقتضى التعلق بالجميع، فكما أن كون الوجوب عينا هو الأصل، فتعلقه بالجميع أيضا هو الأصل، فإذا لم يمكن تعلقه بالجميع أيضا على العينية، يكتفى به على الكفائية ; لأنه أيضا متعلق بالجميع في الجملة، بخلاف صورة القرعة. ومن فروع المسألة: مالو قضيا جميعا صوم رمضان عنه وأفطرا معا بعد الظهر، فهل تجب الكفارة على كل منهما، أو يشتركان فيه، أو تجب عليهما بعنوان الوجوب الكفائي ؟ ولا يحضرني الآن دليل على وجوب الكفارة. ومن فروعها: جواز إفطار أحدهما مع بقاء الآخر على الصوم، أو الظن ببقائه، ورجح في الدروس جوازه في صورة الظن بالبقاء، بخلاف عدم الظن (1)، وأصل ثبوت المعصية في الإفطار لا يخلو عن إشكال. ثم على المختار من وجوب التقسيط، فإن فعله أحدهما بالتمام فهل يسقط عن الآخر أم لا ؟ فيه إشكال، فعن ابن إدريس (2) والعومة في المنتهى (3) عدم الإجزاء. وظاهر المحقق في الشرائع الإجزاء (4)، قال في المسالك، في وجهه: إنه بفعل المتبرع تبرأ ذمة الميت، فلا يبقى وجه لوجوبه على الغير (5). ورده في المدارك: بأن التكليف متعلق بالولي، ولا دليل على كون فعل غيره مسقطا عنه، وقوى المنع (6). وقال الفاضل الإصفهاني: وإن قام بالكل بعضهم سقط عن الباقين كما نصوا عليه، ثم فرع المسألة على جواز تبرع غير الولي، فإن قلنا به فههنا أولى بالجواز، وإلا


1. الدروس 1: 289. 2. السرائر 1: 399. 3. المنتهى 2: 604. 4. الشرائع 1: 203. 5. المسالك 2: 64. 6. المدارك 6: 227.

[ 424 ]

ففيه إشكال. أقول: الأقوى السقوط سيما مع إذن الآخر له ; لأن الأقوى في المتبرع غير الولي السقوط أيضا، ولعموم الأخبار المستفيضة الدالة بعمومها على أن من فعل للميت عملا كان له، الظاهرة في أن عمله يصير بمنزلة عمله، لامحض أن ثوابه له، وهي أكثر من عشرة، نقلها الشهيد في الذكرى عن كتاب غياث سلطان الورى لسكان الثرى لابن طاوس رحمه الله (1). ولافرق في هذه المسألة بين الصلاة والصوم والحج وغيرها. الثالث: قد ظهر مما ذكرنا أخيرا التمكن من تحقيق جواز استئجار الولي الغير لهذه العبادات، واختلفوا فيه، ذهب الشهيد في صوم الدروس إلى جوازه (2). وقال في الذكرى: الأقرب أنه ليس له الاستئجار ; لمخاطبته بها، والصلاة لاتقبل التحمل عن الحي، ويمكن الجواز ; لما يأتي إن شاء الله تعالى في الصوم ; لأن الغرض فعلها عن الميت، فإن قلنا بجوازه وتبرع بها متبرع أجزأت أيضا (3)، انتهى. وعلى كل حال فدليل المنع: أن الولي مكلف، وفعل الغير غير مسقط. ودليل الجواز: منع تعلق التكليف ببدنه، بل المطلوب إنما هو إبراؤه ذمة الميت على أي نحو كان مثل الدين. وهذا هو الأقوى عندي ; لذلك، ولعموم الأخبار، ولكل مادل على مطلق الاستئجار للعبادات عن الميت، وعمدة ما اعتمد عليه في الاستئجار وإن كان هو الإجماعات المنقولة، ولكن المدعين أطلقوه ولم يخصصوه بغير الولي، بل الغالب أن الولي هو المحتاج إليه. ويؤيده نفي العسر والحرج أيضا، ويؤيده أيضا إطلاق الدين على الصلاة في كثير


1. الذكرى: 138. 2. الدروس 1: 298. 3. الذكرى: 138.

[ 425 ]

من الأخبار، وأنها دين الله، ولم يعتبر أحد في أداء الدين مباشرة شخص خاص. ولا بأس أن نذكر هنا بعض الأخبار الدالة على جواز الصلاة للميت وغيرها من البر، ففي رواية عبد الله بن أبي يعفور، عن الصادق عليه السلام، قال: " يقضي عن الميت الحج والصوم والعتق وفعاله الحسن " ومثله رواية صفوان بن يحيى، ورواية محمد بن مسلم، ورواية العلاء بن رزين، ورواية البزنطي، وكذلك إلى عشرة أخبار نقلها ابن طاووس رحمه الله (1). ومن جملتها ما نقله صاحب الفاخر، قال: مما أجمع عليه وصح من قول الأئمة عليهم السلام: " ويقضي عن الميت أعماله الحسنة كلها ". والشهيد في الذكرى حكم بصحة هذه الأخبار كلها أيضا (2). وعلى كل حال فما يدل على جواز مطلق الاستئجار عن الميت يدل هنا، وهو أمران، أحدهما: الإجماعات المنقولة، نقلها الشهيد في الذكرى (3)، والمحقق الثاني في كتاب الإجارة من شرح القواعد (4)، والمحقق الأردبيلي رحمه الله (5). والثاني: أنه مبني على مسألتين إجماعيتين، إحداهما: جواز العمل عن الميت بالإجماع والأخبار الصحيحة، والثانية: إذا جاز العمل عنه جاز الاستئجار ; لعموم مادل على صحة الاستئجار في الأعمال المباحة التي جاز للمؤجر أن يفعلها لنفسه. ولي في هذا الاستدلال نظر ; لاستلزامه الدور كما أشرنا إليه في هذا الكتاب غير مرة، وأوضحناه سابقا في كتاب المكاسب من كتاب مناهج الأحكام، وإطلاق الإجماعات يكفي ; لأنه لاوجه لحملها على غير الولي مع غلبة احتياج الولي، وكذلك لاوجه لحملها في الولي على الاستئجار من باب الاحتياط، سيما إذا كان


1. نقلها ابن طاووس في كتابه: غياث سلطان الورى لسكان الثرى. وهذا الكتاب مخطوط إلى الآن، وقد الوسائل أحاديث كثيرة مما له علاقة بهذا الباب، فانظر الوسائل 5: 366 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 2 - 26. 2 و 3. الذكرى: 138. 4. جامع المقاصد 7: 153. 5. مجمع الفائدة والبرهان 5: 153، وج 8: 91.

[ 426 ]

الولي ضعيفا، أو كان ممن ليس صلاته صحيحة، ولايبالي بتصحيح صلاته، سيما على قول المشهور من وجوب قضاء جميع العبادات لامافات منه لعذر. فإن قيل: إشكال الشهيد في الذكرى مع دعواه الإجماع سابقا على صحة الاستئجار للعبادات كاشف عن أن مراده ثمة من دعوى الإجماع في غير صورة ما وجب على الولي. قلت: الظاهر أنه غفل هنا، ولعل الداعي على الغفلة هو أن للمسألة هنا حيثيتين (1) مندرجتين تحت قاعدتين، الاولى: أن من وجب عليه عمل من المكلفين الأحياء فالأصل عدم إسقاط فعل الغير إياه، غاية الأمر أن ذلك الغير يجوز أن يفعل فعلا عن الميت، وفعل الغير هنا إنما هو عن الولي، ولايجوز العبادة عن الأحياء إلا فيما خرج بالدليل كالحج والزيارة. والثانية: أن من جاز له أن يعمل عملا لنفسه، ويجوز أن يفعله لغيره، يجوز أن يؤجر نفسه لفعل ذلك العمل إجماعا، منضما إلى ما ثبت أن من فعل عملا للميت ينفعه ويصل إليه ويجوز له أن يفعله، ويلزمه جواز إيجار نفسه لفعل ذلك إذا وجب ذلك الفعل على الولي، وهذا يستلزم بالتبع جواز استئجار الولي إياه لذلك العمل. فلعل نظر الشهيد - رحمه الله - هنا إلى القاعدة الاولى، وغفل عن مقتضى القاعدة الثانية، ونظره ثمة إلى القاعدة الثانية، ومسألتنا هذه مورد القاعدتين، والنسبة بينهما عموم من وجه. ولما استشكلنا سابقا في القاعدة الثانية من جهة منع عموم أن من فعل فعلا للميت فهو صحيح وينفعه حتى إذا كان بإزاء الاجرة أيضا ; لأن غاية ما ثبت من الأخبار هو أن ما فعله المتبرع عن الميت ينفعه لا مطلقا، ولا يتم الاستدلال إلا بذلك. فلم تثبت إباحة الفعل لنفسه مطلقا حتى يتم بضميمة عمومات الإجارة المستلزمة


1. في " م ": جنبتين.

[ 427 ]

للوجوب عليه، فيشكل علينا دفع هذا الإشكال بالتزام الإجماع على هذا الوجه ; لعدم ثبوته عندنا بهذا الوجه، بل المعتمد إنما هو الإجماع على أصل الاستئجار، وإطلاقه على ما نقلوه. وكلام الذكرى في الإجماع وإن كان معللا بالقاعدة ولكنه لا ينافي صحة أصل الإجماع، فلعل الغفلة إنما هي في بيان وجه الإجماع. وكيف كان بل نقول: إنه - رحمه الله - بعد ما نقل الإجماع في طي المسألتين اللتين ادعى إجماع الإمامية عليهما، إحداهما: جواز الصلاة عن الميت، والثانية: أن كلما جاز الصلاة عن الميت جاز الاستئجار عنه، إدعى الإجماع على أصل جواز الاستئجار عن الميت من دون ملاحظة القاعدتين، بل نقول: إنه ادعى الإجماع على العموم بحيث يشمل استئجار الولي أيضا. ويظهر ذلك في مواضع من كلامه، منها ما ذكره بعد ما نقل الإجماع على جواز الاستئجار عن الميت مع قطع النظر عن القاعدتين بعد ما ادعى الإجماع في ضمن القاعدتين. فقال: فإن قلت: فهلا اشتهر الاستئجار على ذلك والعمل به عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام كما اشتهر الاستئجار على الحج حتى علم من المذهب ضرورة. قلت: ليس كل واقع يجب اشتهاره، ولاكل مشهور يجب الجزم بصحته، ورب متأصل لم يشتهر إما لعدم الحاجة إليه، ثم ذكر بيان عدم الحاجة في الصلاة لاهتمام أصحاب الأئمة عليهم السلام بالصلاة وقضائها كما نقلنا عنه سابقا. إلى أن قال: فخلف من بعدهم قوم تطرق إليهم التقصير، إلى أن قال: فاحتاجوا إلى استدراك ذلك بعد الموت لظنهم عجز الولي عن القيام به، فوجب رد ذلك إلى الاصول المقررة والقواعد الممهدة وفيما ذكرناه كفاية (1).


1. الذكرى: 75.

[ 428 ]

أقول: وأراد بالاصول المقررة القاعدتين اللتين أشار إليهما، فعلم من ذلك أن استئجار الولي الغير لما وجب عليه داخل في ضمن القاعدتين، فظهر من ذلك أنه - رحمه الله - ادعى الإجماع عليه عموما وخصوصا، بل ويظهر الإجماع من ابن زهرة أيضا (1)، حيث نقل في الذكرى قبل ذلك عنه ما يؤذن به، قال: واستدل ابن زهرة على وجوب قضاء الولي الصلاة بالإجماع أنها تجري مجرى الصوم والحج، وقد سبقه ابن الجنيد بهذا الكلام حيث قال: والعليل إذا وجبت عليه الصلاة وأخرها عن وقتها إلى أن فاتت قضاها عنه وليه كما يقضي حجة الإسلام والصيام، قال: وكذلك روى ابن يحيى بن إبراهيم بن سام عن أبي عبد الله عليه السلام، فقد سويا بين الصلاة وبين الحج، ولاريب في جواز الاستئجار على الحج (2)، انتهى. ثم ادعى بعد ذلك الإجماع في طي القاعدتين، ثم مطلقا، إلى آخر ما نقلنا عنه، ويمكن أن يكون نقل قول ابن زهرة وابن الجنيد من ابن طاوس - رحمه الله - وعلى أي حال، فظاهر دعوى ابن زهرة أن الصلاة كالحج اتحادهما في جميع الأحكام حتى في استئجار الولي. وكيف كان فالأظهر ترجيح جواز الاستئجار، أما أولا فلظاهر إجماع الذكرى عموما وخصوصا، وظاهر دعوى ابن زهرة الإجماع على التسوية. وأما ثانيا: فلعموم بعض الأخبار المتقدمة كما قال ابن طاوس - رحمه الله - بعدما نقل رواية عمر بن محمد بن يزيد الآتية قوله عليه السلام: " إخوة في الدين " إيضاح لكل ما يدخل تحت عمومه، من الابتداء بالصلاة عن الميت أو بالإجارات. وأما ثالثا: فلمنع دخوله تحت ما يجب على المكلف نفسه ; لأن المسلم من الأخبار هو وجوب إبراء الذمة على الولي، وأما بخصوص أن يفعل ببدنه فلا. ويؤيده جواز وصية الميت بعباداته الواجبة كما سيجئ، سواء وصى بالاستئجار


1. الغنية (الجوامع الفقهية): 563. 2. الذكرى: 75.

[ 429 ]

من ماله، أو عين أحد الأولياء أو متبرعا وقبلا. فحينئذ يرتفع وجوب استئجار الولي من ماله أيضا، فضلا عن إتيانه ببدنه، فيتضح اندراج المسألة تحت عموم استئجار العبادات غاية الوضوح. والحاصل أن مباشرة الولي ببدنه وتعينه عليه خصوصا على القول بدخول النساء في الولي، وخصوصا إذا فاتت العبادة من غير عذر، وخصوصا إذا كان الفائت ستين سنة فصاعدا، إذا فعلهما على الوجه الغير الصحيح تهاونا، وخصوصا إذا قلنا بالوجوب عن الام أيضا وماتا جميعا، وخصوصا مع ضعف الولي يوجب العسر الشديد، والحرج الأكيد، ولم أقف على من فرق بين هذه الصور. ثم إن الظاهر أنه يجوز استئجار أحد الوليين الآخر بقدر حصته كما يجوز استئجارهما ثالثا. وأما استئجار أحدهما الآخر في المجموع فلا ; لعدم جواز أخذ الاجرة على العبادة الواجبة على المكلف، وكفاية تبرع أحدهما عن الآخر لا يستلزم جواز استئجاره إياه كمالايخفى. الرابع: قد أشرنا سابقا إلى الخلاف في كفاية فعل المتبرع عن الولي، ونقول هنا: الإشكال في مسألة المتبرع أكثر منه في مسألة الاستئجار، ولذلك منعه العومة في المنتهى (1) وابن إدريس (2) وإن كان بإذن الولي، وقواه في المدارك ; تمسكا بأن الأصل عدم سقوط ما على المكلف بفعل الغير (3)، وتوقف في التحرير في صورة الإذن بعد ما منع عنه في صورة عدمه (4). والأقوى عندي هنا أيضا السقوط مطلقا ; للأخبار الكثيرة الدالة على أن ما فعله


1. المنتهى 2: 604. 2. السرائر 1: 399. 3. المدارك 6: 228. 4. التحرير 1: 83، فقد قال العلامة: لو صام أجنبي عن الميت بغير قول الولي فالأقرب عدم الإجزاء، ولو أمره أو استأجره ففي الإجزاء نظر.

[ 430 ]

أحد للميت كان له وبمنزلة عمله (1)، لاعلى محض ثبوت ثوابه له، فإنها ظاهرة في سقوط نفس العمل الواجب عليه عنه، وبعد سقوط الفعل وبراءة ذمة الميت عنه لا يبقى معنى ظاهر لوجوبه على الولي. ومن جملة الأخبار: رواية عبد الله بن أبي يعفور المتقدمة وما في معناها، وقد مرت. ومنها: الأخبار الكثيرة الدالة على أن فعل الأجنبي عنه أيضا يقوم مقام فعله، نقلها الشهيد في الذكرى عن علي بن طاووس الحسيني - رحمه الله - في رسالته (2)، مثل رواية علي‌بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: حدثني أخي موسى بن جعفر عليه السلام قال: " سألت أبي جعفر بن محمد عليه السلام عن الرجل هل يصلح له أن يصلي أو يصوم عن بعض موتاه ؟ فقال: نعم، فيصلي ما أحب، ويجعل تلك للميت، فهو للميت إذا جعل ذلك له ". ورواية عمار بن موسى عن الصادق عليه السلام: وعن الرجل يكون عليه صلاة، أو يكون عليه صوم، هل يجوز له أن يقضيه رجل غير عارف ؟ قال: " لا يقضيه إلا مسلم عارف ". ورواية عمربن يزيد التي نقلها عن الفقيه عن الصادق عليه السلام: سأله أيصلى عن الميت ؟ فقال: " نعم، حتى أنه ليكون في ضيق فيوسع عليه ذلك الضيق، ثم يؤتى فيقال له: خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك ". ورواية حماد بن عثمان في كتابه قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إن الصلاة والصوم والصدقة والحج والعمرة وكل عمل صالح ينفع الميت، حتى أن الميت يكون في ضيق فيوسع عليه، ويقال: هذا بعمل ابنك فلان، وبعمل أخيك فلان، إخوة في الدين " وبمضمونها رواية عمربن محمد بن يزيد.


1. الوسائل 5: 365 أبواب قضاء الصلوات ب 12. 2. الذكرى: 73، وانظر البحار 88: 309، والوسائل 5: 366 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 2.

[ 431 ]

وبملاحظة الجمع بين الابن والأخ في الدين الشامل لعمل الولي ولعمل سائر المؤمنين يظهر أن المراد في الحديث أعم من الصلاة الواجبة والمندوبة، وأن نفع صلاة الابن وصلاة الأخ في الدين من باب واحد، فكما أن عمل الابن مسقط، فكذلك الأخ في الدين. وهناك أخبار كثيرة اخر لا حاجة إلى ذكرها. تنبيهات: الأول: إن مات الولي قبل الإتيان بما يجب عليه، فهل يتعلق بذمة وليه أم لا ؟ استشكله في المختلف (1)، وجعل الشهيدان الأقرب العدم (2) ; للأصل، واقتصارا فيما خالفه على المتيقن، وهو نفس الولي، وهو أظهر. الثاني: لو أوصى بقضاء صلاته وبالاستئجار من ماله، أو أوصى بأن يفعله أحد أوليائه بشخصه أو أجنبي وقبلاه، فالأقرب السقوط عن الولي بسبب عموم وجوب العمل بالوصية، هكذا ذكره الشهيد - رحمه الله - في الذكرى (3). ولا ينافي قوله السابق من عدم جواز استئجار الولي من جهة تعلق التكليف ببدنه ; لأن غاية الأمر أن ما بقي في ذمة الميت بدون وصية حتى يموت يكون واجبا على الولي، ولا نعلم لزومه في هذه الصورة. فإن قلت: النسبة بين أدلة الوصية ودليل اللزوم على الولي، عموم من وجه، وترجيح الأول يقف على الدليل. قلنا: دليل الأول مقدم بحسب المقتضي على الثاني، فهو أحق بالتقديم. وقال الشهيد الثاني - رحمه الله - أيضا: لو أوصى على وجه يكون نافذا يسقط عن الولي (4).


1. المختلف 3: 535. 2 و 3. الذكرى: 139. 4. الروضة البهية 2: 125.

[ 432 ]

أقول: الأظهر السقوط ; لتقديم مقتضى الوصية، ولكن الإشكال فيما لو لم يعمل الوصي بمقتضى الوصية، فهل يجب حينئذ على الولي أم لا ؟ ظاهر كلام الشهيدين حيث حكما بالسقوط عدم عود التكليف إليه، وهو مقتضى الدليل، والأحوط أن يأتي به الولي حينئذ. والظاهر عدم الفرق في المسألة بين الصلاة والصوم ; لوحدة الدليل. الثالث: إن لم يكن للميت ولي، أو قلنا بعدم وجوب ما فات عن الميت بلا عذر كما رجحناه، فإن أوصى بشئ مما يجب عليه من العبادات فيجب العمل بمقتضى وصيته على حسبها من الأصل أو الثلث. وإن لم يوص، فقال في الذكرى: ظاهر المتأخرين من الأصحاب عدم وجوب الإخراج من ماله ; لأن الفرض لم يتعلق بغير بدنه، خرجنا في صورة الوصية عن مقتضاه بالإجماع، وبقي غير صورة الوصية تحت الدليل (1). ثم قال: وبعض الأصحاب أوجب إخراجها كالحج، وصب الأخبار التي لاولي فيها عليه، واحتج أيضا بخبر زرارة قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن أباك قال لي: " من فر بها فعليه أن يؤديها ". قال: " صدق أبي، إن عليه أن يؤدي ما وجب عليه، وما لم يجب عليه فلاشئ عليه " ثم قال: " أرأيت لو أن رجلا أغمي عليه يوما ثم مات فذهبت صلاته، أكان عليه وقد مات أن يؤديها ؟ " فقلت: لا، قال: " إلا أن يكون قد أفاق من يومه " (2) فظاهره أنه يؤديها بعد موته، وهو إنما يكون بوليه أو ماله، فحيث لاولي يحمل على المال، وهو شامل لحالة الإيصاء وعدمه (3)، انتهى كلام الذكرى. ولعل مراده من الأخبار التي استدل بها بعض الأصحاب عليه رواية عبد الله بن أبي يعفور المتقدمة وما في معناها، وفي دلالتها خفاء حيث إن ظاهرها بيان الرخصة والجواز، لا وجوب القضاء مطلقا.


1. الذكرى: 139. 2. الكافي 3: 526 ح 4، الوسائل 6: 111 أبواب زكاة الذهب والفضة ب 12 ح 2. 3. الذكرى: 139.

[ 433 ]

وأما رواية زرارة فلا وضوح في دلالتها، بل بعض ألفاظها متشابهة مع قطع النظر عن سندها، ولم أفهم المراد من لفظ " قربها " (1) ومرجع الغير المنصوب فيها، فإن كان المرجع فيها الميت بتأويل الجنازة، والمراد من القريب الولي، فلا دلالة فيها على ما نحن فيه. وفي بعض النسخ مكان قربها " كان تركها " ثم جعل بالحك والإصلاح قربها، وعلى نسخة " تركها " لها مناسبة في الجملة بالمطلوب. ولعله نظر إلى ترك استفصال الإمام عن القريب فيشمل غير الولي، ولمالم يجب على غير الولي فعلها بالإجماع، فلابد أن ينزل على تحصيلها من مال الميت. ويحتمل أن يكون أصل النسخة " فوتها " من التفويت، يعني فوت العبادات والصلاة، فصحفت، وهو أنسب بمقصود المستدل. وعلى أي حال فالاعتماد على مثل هذه الأدلة في حكم مخالف للأصل لاوجه له، سيما مع فتوى الأكثرين على خلافه، بل ليس في النظر قول إلا ما ذكره الشهيد هنا، وما (2) نسبه في المسالك إلى أبي الصلاح أنه جعله كالحج (3). نعم في كلام بعض أصحابنا إشارة إليه في كتاب الوصايا، مثل المحقق - رحمه الله - في النافع حيث قال: ولو أوصى بواجب وغيره أخرج الواجب من الأصل والباقي من الثلث (4)، وكذا عبارة الشرائع (5). ومقتضاه وجوب إخراج الواجب من الأصل مطلقا، ماليا كان مثل الزكاة، أو مشوبا بالمال كالحج، أو بدنيا محضا كالصلاة والصوم، وهذا الإطلاق مشعر بأنه لو لم يوص يخرج من الأصل كالزكاة والحج.


1. الصحيح كما في المصادر المطبوعة " فر بها " يعني الزكاة، ولعل نسخه كانت كذلك. 2. " ما " ليست في " م ". 3. المسالك 2: 65. 4. المختصر النافع 1: 166. 5. شرائع الإسلام 2: 193.

[ 434 ]

إلا أن يقال: المراد من قوله " بواجب " الواجب الإخراج لاما هو واجب على المكلف. ولذلك قال في الذكرى في هذا المقام: لو أوصى بفعلها من ماله فإن قلنا بوجوبه لولا الإيصاء كان من الأصل كسائر الواجبات، وإن قلنا بعدمه فهو تبرع يخرج من الثلث إلا أن يجيزه الوارث (1). وعلى كل حال فالمشهور أن الوصايا الواجبة البدنية تخرج من الثلث، وماحسبه بعضهم أنه لا خلاف فيه غفلة كما عرفت. نعم قول المشهور أقوى، فيجب الإخراج من الثلث أي مع إجازة الوارث. نعم تقدم الواجبات على المتبرع بها وإن كانت مؤخرة في الذكر كما ذكره جماعة من الأصحاب، ولم أقف على مصرح بخلافه إلا صاحب الكفاية، حيث أسند الفتوى إلى بعض الأصحاب، وقال: إن حجته غير واضحة (2). ويمكن أن يكون نظر الجماعة إلى العلة المستفادة من حسنة معاوية بن عمار لإبراهيم بن هاشم، رواها في التهذيب قال: أوصت إلي امرأة من أهلي بثلث مالها، وأمرت أن يعتق ويحج ويتصدق، فلم يبلغ ذلك، فسألت أبا حنيفة عنها، فقال: يجعل أثلاثا، ثلث في العتق، وثلث في الحج، وثلث في الصدقة، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فقلت: إن امرأة من أهلي ماتت وأوصت إلي بثلث مالها، وأمرت أن يعتق عنها ويتصدق ويحج عنها، فنظرت فيه فلم يبلغ، فقال: " ابدأ بالحج، فإنه فريضة من فرائض الله عزوجل، ويجعل ما بقي طائفة في العتق وطائفة في التصدق " فأخبرت أبا حنيفة بقول أبي عبد الله عليه السلام فرجع عن قوله وقال بقول أبي عبد الله عليه السلام (3).


1. الذكرى: 139. 2. الكفاية: 146. 3. الكافي 7: 19 ح 14، الفقيه 4: 156 ح 543، التهذيب 9: 221 ح 869، الاستبصار 4: 135 ح 509، الوسائل 13: 455 كتاب الوصايا ب 65 ح 1.

[ 435 ]

وتؤدي مؤداها حسنته الاخرى، رواها أيضا قبيل ذلك (1). وأيضا لا يخفى أن الواجب أولى بالإتيان به. ولعل تقديم الموصي غيره بالذكر يكون منهيا عنه ; إذ لعله يصير موجبا لتفويت الواجب، فلا يكون معتبرا في نظر الشارع، ولا ينافي ذلك بقاءلزوم أصل العمل لووفى الثلث به بحاله، فليتأمل (2). الرابع: لو كانت ذمة الولي مشغولة بصلاة القضاء لنفسه أو باستئجار آخر أو غير ذلك لا يصير منشأ للسقوط عنه، ويجب عليه إتيانهما جميعا. وقال في الذكرى: والأقرب الترتيب بينهما، عملا بظاهر الأخبار وفحاويها، نعم لو فاتته صلاة بعد التحمل أمكن القول بوجوب تقديمها ; لأن زمان قضائها مستثنى كزمان أدائها، وأمكن تقديم المتحمل لسبق سببه (3). أقول: مراعاة الترتيب كما ذكره وإن كان أحوط، ولكن لم يظهر عندي إلى الآن دليل على وجوبه في أمثال ذلك. نعم الذي يظهر من الأخبار والأدلة هو وجوب الترتيب (فيما جعله الله مرتبا، كالترتيب) (4) بين الظهرين ليوم واحد، والعشاءين لليلة واحدة، لا مطلق الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فضلا عن غيرهما.


1. الكافي 7: 18 ح 8، الفقيه 4: 159 ح 552، التهذيب 9: 219 ح 858، الاستبصار 4: 135 ح 508، الوسائل 13: 456 كتاب الوصايا ب 65 ح 2. 2. وجه التأمل: أما في الاستدلال بالسنة، فلأنه لعل وجه تقديم الحج كون الإتيان بعد الموت فريضة كما هو الثابت المحقق، بخلاف العتق والصدقة، لا مجرد وجوبه في حال حياته، وهذا المعنى في الصوم والصلاة غير ثابت، فكيف يتعدى إليهما بالعلة المنصوصة ؟ ! وأما في الثاني، فلأن وجه تقديم الواجب وهو تخليص الذمة عن المأمور به الذي يعاقب على تركه، وكون الصلاة والصوم مأمورا بهما بعد الموت أول الكلام، وأما تحصيل ما يوجب رفع العقاب من أجل أن الحسنات يذهبن السيئات فهو موجود في التبرع بها أيضا، وإنما المسلم ترجيحه على المتبرع به إنما هو فعل المكلف حال حياته، لا ما يفعل بعد مماته (منه قدس سره). 3. الذكرى: 139. 4. مابين القوسين ليس في " م ".

[ 436 ]

وأما تقدم الفجر مثلا على الظهرين والظهرين على العشاءين واليوم الماضي على المستقبل، فإنما هو من باب الاتفاق بتبعية الأوقات، لا بجعل الشارع. المبحث الثالث: فيمن يجب له القضاء. هل يختص ذلك بالرجل، أو يجب للمرأة أيضا ؟ فيه خلاف، ظاهر إطلاق الأصحاب كما ذكره بعضهم العموم، وإن كان يظهر من الذكرى أن ظاهر الأصحاب الاختصاص بالرجل (1)، كما يظهر من مسألة الحبوة. وصريح الشيخ في النهاية والمبسوط (2) وابن البراج (3) والعلامة في المختلف (4) وأسنده فيه إلى جماعة، والشهيد في الدروس واللمعة (5) لزوم القضاء عنها. ومال إليه في الذكرى، قال: وكلام المحقق يؤذن بالقضاء عن المرأة، ولا بأس به (6). ولعله أراد قوله في المعتبر، حيث قال بعد نقله عن الشيخ: إن كل صوم كان واجبا على المريض بأحد الأسباب الموجبة، فمات وكان متمكنا من قضائه، فإنه يتصدق عنه أو يصام عنه: وما ذكره - رحمه الله - صواب، وعليه دل ظاهر الروايات. وقال أيضا: وحكم المرأة في ذلك حكم الرجل، وما يفوتها من أيام حيضها وجب القضاء عليها، فإن لم تقض وماتت وجب على وليها القضاء عنها إذا فرطت فيه، أو يتصدق عنها على ما بيناه (7)، انتهى.


1. الذكرى: 139. 2. النهاية: 158، المبسوط 1: 286. 3. المهذب 1: 197. 4. المختلف 3: 537. 5. الدروس 1: 289، الروضة البهية 2: 124. 6. الذكرى: 139. 7. المعتبر 2: 702.

[ 437 ]

وهو مؤذن بموافقته له - ولكنه في الشرائع والنافع متردد (1) - كظاهر العومة في التحرير (2)، واستشكل في القواعد (3). وأما القول بالعدم فهو مختار ابن إدريس (4) وفخر المحققين (5). والأول أظهر ; لأن الغالب اشتراك الرجال والنساء في الحكم، وذكر الرجل في الأخبار من باب المثال لا التخصيص كما أشار إليه في الذكرى، ويدل عليه خصوص الأخبار، مثل صحيحة أبي حمزة (6) وموثقة محمد بن مسلم (7) المتقدمتين. فإن قلت: غاية ما ثبت منها المشروعية والجواز لا الوجوب. قلت: يمكن أن يقال: قرائن المقام ومعهودية القضاء في الواجب وفهم الأصحاب واستدلالهم يرجح إرادة الوجوب. فإن قلت: إن هذا ينافي ما ذكرته سابقا من حمل تلك الأخبار في المسافر على الاستحباب في صورة عدم التمكن إلى أن مات. قلت: صورة الدلالتين مختلفة، فإنها تدل من باب التنبيه على وجوب القضاء على الولي مع التمكن خصوصا في السفر بانضمام القرائن السابقة، وتدل على استحباب قضاء صلاة المسافر مع عدم التمكن بظاهرها، فلا منافاة. سلمنا، لكن عمومات الأخبار كافية في ذلك. وقال بعض المتأخرين: إني لم أقف على عموم وإطلاق في الأخبار يشملها، بل


1. الشرائع 1: 185، المختصر النافع 1: 70. 2. التحرير 1: 84 قال: قال الشيخ حكم المرأة في ذلك حكم الرجل، فما يفوتها من زمن الحيض أو السفر أو المرض لا يجب قضاؤه، ولا الصدقة عنه، إلا مع تمكنها من القضاء والإهمال، فيجب على الولي القضاء أو الصدقة كما قلنا في الرجل، خلافا لابن إدريس. 3. القواعد 1: 67. 4. السرائر 1: 399. 5. إيضاح الفوائد 1: 240. 6. الكافي 4: 137 ح 9، الفقيه 2: 94 ح 423، الوسائل 7: 241 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 4. 7. التهذيب 4: 249 ح 741، الوسائل 7: 243 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 16.

[ 438 ]

بعضها صريح في حكم المرأة كصحيحة أبي حمزة، لكن دلالتها غير واضحة، وبعضها صريحة في الرجل (1). ويظهر الجواب عنه مما مر. وأما العمومات التي ذكرناها فهي كثيرة، منها ما رواه في المعتبر، عن عروة، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " (2). ومن طريق الخاصة الأخبار التي قدمناها سابقا، ومن جملتها رواية عبد الله بن سنان التي نقلها في الذكرى عن ابن طاووس - رحمه الله - وحكم بصحتها، عن الصادق عليه السلام، قال: " الصلاة التي حصل وقتها قبل أن يموت الميت يقضي عنه أولى الناس به " (3). ورواية زرارة المتقدمة آنفا. وكذلك رواية عبد الله بن أبي يعفور المتقدمة وما في معناها، وإن كان يمكن فيها القدح من جهة أنها لبيان الجواز لا الوجوب. وعلى أي حال فلما لم يكن في جانب المنع شئ إلا الأصل، وهو لا يقاوم إطلاق صحيحة عبد الله بن سنان فقط، فضلا عما إذا ضم إليها غيرها، فيترجح القول بالوجوب. واستدل عليه في المختلف أيضا بصحيحة أبي بصير المتقدمة في مسألة من فاته شهر رمضان لمرض من وجوه: الأول: سؤاله عليه السلام: " هل برأت من مرضها ؟ " قال: لا، فأجابه بسقوط القضاء، ولولا أن البرء يوجب القضاء لما صح هذا السؤال.


1. الرياض 5: 444. 2. المعتبر 2: 701. 3. الذكرى: 74 نقلها عن كتاب غياث سلطان الورى لابن طاووس (مخطوط)، وانظر الوسائل 5: 366 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 18.

[ 439 ]

والثاني: تعليله عليه السلام عدم القضاء عنها بعدم إيجابه عليها، وعند انتفاء العلة ينتفي المعلول، فيجب القضاء عنها عند الإيجاب. الثالث: تعليل تعجبه عليه السلام في قوله: " كيف يقضي شيئا لم يجعله الله عليها ؟ ! " بانتفاء الإيجاب، فيجب أن يكون مع الأيجاب يجب القضاء (1)، هذا كلامه - رحمه الله - وفيه نظر يظهر للمتأمل. ويؤيد ما اخترناه، بل يدل عليه: الأمر الشديد والاهتمام الوكيد في بر الوالدين، حتى الكافر والمخالف منهما، حتى أنه تعالى رخص في ترك الجهاد لإيناسهما، وفي خصوص الام، سيما ما ورد في تقديمها على الأب. فمنها ما رواه الكليني في الحسن - لإبراهيم بن هاشم - عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله، من قال: امك، قال: ثم من ؟ قال: امك، قال: ثم من ؟ قال: امك، قال: ثم من ؟ قال: أباك " (2). فهذا الحديث يدل على تقديم الوالدة على الوالد في البر، فإذا وجب البر للوالد بقضاء ما وجب عليه، فالوالدة أولى. وروى فيه أيضا، عن معلى بن خنيس، عنه، قال: " جاء رجل وسأل النبي صلى الله عليه وآله عن بر الوالدين، فقال: أبرر امك، أبرر امك، أبرر امك، أبرر أباك، أبرر أباك، وبدأ بالام قبل الأب " (3) إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على تقديم الام، سيما مع ملاحظة شفقتها عليه، وكثرة عنائها في تربيته حال الحمل والوضع والرضاع والفطام مما لا يخفى على ذي بصيرة. وعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " إن العبد ليكون بارا بوالديه في


1. المختلف 3: 524. 2. الكافي 1: 159 ح 9. 3. الكافي 1: 162 ح 17.

[ 440 ]

حياتهما ثم يموتان، فلا يقضي عنهما دينهما، ولا يستغفر لهما، فيكتبه الله عزوجل عاقا، وإنه ليكون عاقا لهما في حياتهما غير بار بهما، فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما، فيكتبه الله عزوجل بارا " (1) وقد مر أن في أخبار كثيرة إطلاق الدين على الصلاة، فالدلالة فيها من وجهين، وبالجملة ظني أن المسألة واضحة والحمد لله. المبحث الرابع: اختلفوا في وجوب القضاء عن العبد، استشكله في القواعد، وتردد فيه في البيان، وقربه في الدروس، وجعله أقرب في الذكرى، وصرح باللزوم في اللمعة، وجعله الشهيد الثاني - رحمه الله - في شرحها أقوى (2)، وكذا الفاضل الإصفهاني في شرحه، وتشمله عبارة كل من أطلق الوجوب عن الميت بإطلاقها. وذهب فخر المحققين إلى العدم، قال في الإيضاح: ومنشأ الإشكال عموم قولهم عليه السلام: " فعلى وليه أن يقضي عنه " واعترض بقولهم عليهم السلام في تمام الخبر: " فإن لم يكن له ولي تصدق عنه من تركته " دل بالمفهوم على الحرية، فهذه المسألة ترجع إلى أن الضمير إذا رجع إلى البعض هل يقتضي التخصيص أم لا ؟ فقد حقق ذلك في الاصول، والحق عندي عدم القضاء لما تقدم (3). قال الفاضل الإصفهاني بعد نقل كلامه: ونحن لم نظفر بخبر فيه ذلك، وإنما الخبر الذي تعرض للتصدق خبر أبي مريم، وليس فيه ذكر الصوم إلا بعد التصدق في إحدى طريقيه كما عرفت، ولفظه كما سمعت: " وإن صح ثم مرض حتى يموت وكان له مال تصدق عنه " ولانفهم من هذه العبارة ما ذكره. أقول: وظني أن نظر فخر المحققين - رحمه الله - إلى رواية أبي مريم على ما نقلناها عن الصدوق، وتأخر ذكر الصوم عن التصدق لا يضر بمقصده ; إذ مراده أن لفظ الرجل


1. الكافي 1: 163 ح 21. 2. قواعد الأحكام 1: 67، البيان: 154، الدروس 1: 289، الذكرى: 139، الروضة البهية 2: 124. 3. الإيضاح 1: 241.

[ 441 ]

في أول الرواية عام، وضمير " وكان له مال " الراجع إلى الرجل يفيد أن المراد بالرجل الحر ; لأن العبد لامال له، وضمير " صام عنه وليه " بعد ذلك أيضا راجع إلى الرجل المذكور المخصص بالضمير السابق، فمراده من تمام الخبر جملة الخبر لاآخره، وتفريعه صحيح. وحاصل مراده: أن عمومات الأخبار، وإن كانت شاملة للعبد ولكن هذه الرواية مخصصة لها بناءا على اختياره في الاصول أن الضمير مخصص للعام، فجعل هذه الرواية مخصصة بالحر من جهة تلك القاعدة، ثم خصص بها العمومات والإطلاقات، واختار عدم الوجوب. والذي يترجح في نفسي هو وجوب القضاء ; لإطلاقات الأخبار، مثل رواية عبد الله بن سنان، ومرسلة ابن أبي عمير اللتين نقلناهما عن الذكرى، ومرسلة ابن بكير وغيرها (1). والمناقشة فيها بأن المراد بالولي الأولى بالميراث ضعيف، غاية الأمر أن الأولوية بالميراث أحد علامات الأولوية، ولا يلزم منه عدم تحقق الأولوية إذا لم يكن هناك ميراث. ومنه يظهر ضعف ما يقال: إن الحبوة لاتتحقق في العبد ; لأنه لادليل على أن القضاء إنما هو في عوض الحبوة. وما ذكره فخر المحققين - رحمه الله - فجوابه أن الضمير ليس بمخصص للمرجع كما حققناه في الاصول. سلمنا، لكنه ليس من فروع هذا الأصل ; إذ اللام في الرجل إن كانت للعهد الخارجي، فلا معنى للعموم بالنظر إلى الحرية والرقية، وإن كانت للعهد الذهني، فيكون من باب الترديد والتفصيل في محتملاته، بأنه إن كان له مال بأن يكون حرا ذا مال


1. انظر صفحة 403، 407.

[ 442 ]

فيتصدق من ماله، وإن لم يكن له مال بأن كان عبدا أو حرا بلا مال فيقضي عنه وليه. نعم لو قال عليه السلام: " وإن صح ثم مات تصدق من ماله، وإن لم يكن له مال صام عنه وليه " لكان لما ذكره وجه. سلمنا، لكن التنافي بين العام والخاص شرط في التخصيص، وهو منتف هنا. سلمنا، لكن التخصيص موقوف على مقاومة الخاص للعام، وهو ممنوع. واعلم أني لم أقف في كلماتهم على تصريح بحكم الأمة، والظاهر أن حكمها حكم الحرة، ووجهه يظهر مما ذكرنا في العبد. والكلام في تعيين الولي في العبد والأمة هو الكلام في الحر من تقديم الولد الذكر الأكبر وغيره. المبحث الخامس: المشهور كما في المختلف والدروس والروضة وجوب القضاء على الولي مع وجوده، والتصدق عنه من صلب ماله مع عدمه (1)، ونقل الفاضل الإصفهاني هذا القول عن الشيخ (2) وابن حمزة (3) والعومة (4) وجماعة، وقال: إن الشيخ وابن حمزة لم يصرحا بصلب المال، وفي المختلف نقل عن الشيخ أنه من أصل المال (5). وذكر في المختلف في مقابل قول المشهور قول السيد المرتضى - رحمه الله - في وجوب التصدق من صلب المال، وإن لم يكن مال فيصوم الولي (6). والقول بمنع التصدق رأسا قول ابن إدريس، وقال: لم يذهب إليه محقق من


1. المختلف 3: 530، الدروس 1: 288، الروضة البهية 2: 125. 2. المبسوط 1: 286. 3. الوسيلة: 150. 4. المختلف 3: 530، القواعد 1: 67. 5. المختلف 3: 530. 6. المختلف 3: 530، وانظر الانتصار: 70.

[ 443 ]

الأصحاب سوى السيد رحمه الله (1). وطعن عليه المحقق كمانقلنا عنه سابقا (2)، ويظهر من المحقق التوقف في المسألة. والعمدة بيان الدليل، والظاهر أن دليل المشهور هو رواية أبي مريم (3)، وقد عرفت أنها على ما رواه في الفقيه والكافي إنما تناسب مذهب السيد، ولا تناسب المشهور. وأما على ما نقلناها عن الشيخ فليس فيها حكاية الصوم، وهي وإن كانت يمكن تقييدها بصورة فقد الولي، لكنه لا يلائم قوله عليه السلام في نفس الرواية: " تصدق عنه وليه " إلا أن يقال: إن المراد من الولي هنا من لا يجب عليه القضاء. نعم ما نقل عن ابن أبي عقيل " أنه قال: وقد روي أنه من مات وعليه صوم رمضان تصدق عنه عن كل يوم بمد من طعام، بهذا تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام " (4) لا يخلو عن المناسبة ; لعدم ذكر الولي فيه، لكنه مخالف المشهور من تقديم القضاء على التصدق. والاعتماد على الإجماع الذي نقلناه سابقا عن الانتصار أيضا مشكل ; لما بينا سابقا أن مراده من دعوى الإجماع إنما هو في القضاء ردا على المخالفين، لاالتصدق، مع أن فتواه تقديم التصدق على القضاء، فلا ينفع المشهور. لكن لا يبعد أن يقال: ملاحظة مجموع هذه الروايات بضميمة الشهرة بين الأصحاب وملاحظة الجمع بين الأخبار يفيد البناء على لزوم الصدقة عند فقد الولي ; لأنه ليس في مقابل دعوى تواتر ابن أبي عقيل، وخصوص روايات أبي مريم وملاحظة كلام السيد وكلام المحقق في رد قول ابن إدريس في مقابل إثبات مطلق التصدق شئ إلا انكار ابن إدريس، فالظاهر أن ثبوت التصدق إجمالا مما لاإشكال فيه.


1. السرائر 1: 409. 2. المعتبر 2: 702. 3. الكافي 4: 123 ح 3، الفقيه 2: 98 ح 439، التهذيب 4: 248 ح 735، الوسائل 7: 241 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 7 بتفاوت بين المصادر. 4. حكاه عنه العلامة في المختلف 3: 528، والعاملي في المدارك 6: 224.

[ 444 ]

ثم وفور الأخبار وعمل المشهور على تقديم القضاء عليه يجعل هذا المجمل في معرض المبين، وطريق الجمع إنما هو بجعل التصدق عقيب القضاء. ومن ذلك يظهر وجه آخر للجمع، وهو التخيير بين التقديم والتأخير، ولكن لم نقف على مصرح به ; إذ التخيير الذي نقلناه سابقا عن الشيخ إنما هو مابين أصل الصوم والصدقة، لاالتقديم والتأخير. وعلى كل حال فالأقوى قول المشهور من وجوب تقديم القضاء على الصدقة. بقي هنا إشكال آخر: وهو أنه هل يجب تقديم الاستئجار من ماله مع الإمكان ويتصدق مع عدمه، أو يجب التصدق أولا ؟ فعن المشهور عدم الوجوب، وعن أبي الصلاح الوجوب (1)، وقد مر الكلام، وأن الأقوى العدم. وقياسه بالحج باطل، سيما مع وجود الفارق ; لوجوب الصوم على الولي دون الحج. وأما كون الصدقة من أصل المال فالظاهر عدم الإشكال فيه كما هو ظاهر رواية أبي مريم. وأما مقدار التصدق، فهو " مد " على المشهور، كما يظهر من الروضة (2)، وهو أقوى ; لرواية أبي مريم، وما رواه ابن أبي عقيل، وكلام السيد في الانتصار. ونقل في المختلف عن الشيخ القول بمدين عن كل يوم، فإن عجز فمد (3)، وهو المنقول عن ابن حمزة (4)، ودليله غير واضح. ثم إن هذا الكلام إذا لم يوص بالقضاء من ماله وصية نافذة، وإن أوصى فيسقط التصدق، كما صرح به في الروضة (5).


1. الكافي في الفقه: 189. 2. الروضة البهية 2: 125. 3. المختلف 3: 541، وانظر المبسوط 1: 286. 4. الوسيلة: 150. 5. الروضة البهية 2: 125.

[ 445 ]

المبحث السادس: لو كان عليه صوم شهرين متتابعين، يصوم الولي عن شهر، ويتصدق من تركته عن شهر آخر، على المشهور كما في الروضة (1)، وعلى ظاهر المذهب كما في الدروس (2). وخالفهم ابن إدريس وقال بوجوب القضاء، إلا أن تكون كفارة مخيرة، فيتخير بين القضاء والصدقة (3)، وقواه في المسالك والروضة (4)، وكذا العومة في المختلف (5). وربما نقل ذلك عن ظاهر المفيد (6)، ونقله صاحب المدارك عن جماعة وارتضاه أيضا (7). ومستند المشهور: رواية الوشاء، عن الرضا عليه السلام، قال: سمعته يقول: " إذا مات رجل وعليه صيام شهرين متتابعين من علة، فعليه أن يتصدق عن الشهر الأول، ويقضي الثاني " (8). ومستند القول الآخر: عموم مادل على وجوب قضاء الولي عن الميت، والعلة المستفادة من مثل صحيحة أبي بصير (9) ومرسلة ابن بكير (10) وغيرهما المتقدمات، فإن المستفاد منها أن علة وجوب القضاء هو وجوبها على الميت. وقدحوا في رواية الوشاء بسهل، والأمر فيه سهل (11) ; خصوصا مع عمل


1. الروضة البهية 2: 125. 2. الدروس 1: 290. 3. السرائر 1: 398. 4. المسالك 2: 66، الروضة البهية 2: 125. 5. المختلف 3: 539. 6. المقنعة: 353. 7. المدارك 6: 230. 8. التهذيب 4: 249 ح 742، الوسائل 7: 244 أبواب أحكام شهر رمضان ب 24 ح 1. 9. التهذيب 4: 248 ح 737، الوسائل 7: 242 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 12. 10. التهذيب 4: 249 ح 739، الوسائل 7: 243 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 13. 11. ضعفه النجاشي في رجاله: 185 الرقم 490، والشيخ الطوسي في الفهرست: 80، وابن الغضائري على ما حكى =

[ 446 ]

المشهور، ولكن في دلالتها إشكالات: أحدها: احتمال إرادة رمضانين متعاقبين لم يرتفع المرض بينهما، كما تشعر به كلمة " من علة " وجعل الصدقة للشهر الأول ولم يذكر الولي في الرواية، فلعل الضمير المجرور راجع إلى الميت، يعني: يجب على الميت أن يتصدق ويقضي، ولمالم يكن ذلك، فيكون المراد التصدق من ماله عن شهر والاستئجار من ماله عن شهر آخر مجازا. والثاني: أن القائلين بهذا القول منهم من جعله من باب الرخصة، كالعلامة في المنتهى والتحرير (1)، وهو ظاهر اللمعة (2)، واحتمل في المسالك العزيمة كما هو ظاهر الرواية (3). والثالث: أن من يحضرني كلامه من القائلين بالرواية أطلقوا الحكم ولم يعينوا قضاء الشهر الثاني إلا الشهيد في الدروس، فطابقت فتواه الرواية (4). إلا أن يقال: إن المطلقين سامحوا في التأدية، ومرادهم أيضا مضمون الرواية وإن بعد. والرابع: أنه ليس فيها أن التصدق من مال الميت أو من مال الولي، واختلفت فتاويهم فيه، فالفاضلان (5) والشهيدان في الدروس والروضة (6) صرحوا بأنه من مال الميت. والمسألة لا تخلو عن إشكال، ولكن في ظاهر رواية أبي مريم المتقدمة إشعار بأنه من مال الميت (7)، وهو قضية أصالة براءة ذمة الولي.


= عنه في مجمع الرجال 3: 179، ووثقه الطوسي في رجاله: 416. 1. المنتهى 2: 605، التحرير 1: 83. 2. اللمعة (الروضة البهية) 2: 125. 3. المسالك 2: 66. 4. الدروس 1: 290. 5. المحقق في الشرائع 1: 158، والعلامة في التحرير 1: 83. 6. الدروس 1: 290، الروضة البهية 2: 125. 7. التهذيب 4: 248 ح 735، الوسائل 7: 241 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 7.

[ 447 ]

ويؤيده أنه دين في ذمة الميت، وأن هذا عوض صوم وجب عليه. ويؤيد القول الآخر: أن الصوم إنما يجب على الولي، وإذا أرجعنا الضمير المجرور إليه فيتبادر منه أنه من مال الولي، ولعل الأول أقوى، وسيجئ إشكال آخر. وعلى كل حال فقول ابن إدريس لا يخلو من قوة، ولا يبعد ترجيحه. واعلم أنه لافرق على المشهور بين كون وجوب صوم الشهرين عينيا، كالمنذور وكفارة الظهار إذا تعين عليه في حياته لعجزه عن العتق، أو تخييريا، ككفارة شهر رمضان على الأقوى ; إذ التخيير ينتقل إلى الولي بعد فوته كما في المسالك (1) ; لإطلاق النص والفتوى، فيجوز إذا اختار الولي من بين كفارات شهر رمضان صيام شهرين أن يتصدق عوض شهر منهما. نعم هو مخير في أول الأمر بين صيام الشهرين وعتق الرقبة من أصل مال الميت وإطعام ستين مسكينا كذلك، كما صرح به في التحرير وغيره (2). ولكن يشكل المقام من جهة ظهور كلمة " عليه " في الواجب العيني، وإرادة المعنيين معا غير جائز على التحقيق، والقدر المشترك مجاز لا يصار إليه إلا بدليل، فهذا هو الإشكال الذي وعدنا به. واعلم أن مقدار الصدقة هو الذي كان على نفس المكلف من مد أو مدين على الخلاف، كما صرح به العلامة في التحرير (3). ثم لو كان على الميت أزيد من شهرين متتابعين، فهل يجري فيه هذا الحكم ؟ فيه إشكال، قال في الروضة: ولا يتعدى إلى غير الشهرين ; وقوفا مع النص لو عمل به، وكذلك في المسالك (4)، وهو جيد.


1. المسالك 2: 66. 2. التحرير 1: 84. 3. التحرير 1: 83. 4. الروضة البهية 2: 126، المسالك 2: 66.

[ 448 ]

تنبيه: قد يتوهم مما نقلنا عن ابن إدريس والمسالك أن المكلف بالصوم في الكفارة المخيرة إنما هو الولي، لكن على سبيل الواجب التخييري، فلو اختار الصوم فيأتي بالشهرين معا على قول ابن إدريس، ويصوم أحدهما ويتصدق عن الآخر على المشهور، ولا دليل على ذلك ; إذ ما ثبت من الأدلة تعلقه بالولي هو الصوم والصلاة الواجبان عينا، وأما أداء سائر ما عليه فالكل فيه سواء كالدين. ولا دلالة في الأدلة على حكم الصيام المخير بينه وبين غيره، فينبغي أن يكون المراد من تخيير الولي هنا أن له أن يأبى عن الصيام لأجل قيام غيره مقامه، وحينئذ فكل الورثة سواء في ذلك، ومقتضاه: إما العتق من ماله، أو الإطعام من ماله، أو الاستئجار. ومراد ابن إدريس: أنه لو بنى على الصوم فليس لهم أن يبدلوا أحد الشهرين بالصدقة، لاأنه لو بنى على الصيام يجب ذلك على الولي، أعني الذكر الأكبر. وقال في السرائر: إن هذين الشهرين إن كانا نذرا وقدر على الإتيان بهما فلم يفعل فالواجب على وليه - وهو أكبر أولاده الذكور - الصيام للشهرين، ويكون تكليفه ذلك لا يجزيه غيره، وإن كان عليه كفارة مخير فيها، فإنه مخير في أن يصوم شهرين أو يكفر من ماله قبل قسمة تركته - أعني الولي - ولا يتعين عليه الصيام، ولا يجزيه إلا أن يفعل من الكفارة جنسا واحدا أو صياما أو إطعاما، هذا إذا كانت الكفارة مخيرا فيها، فليتأمل ما قلنا في فقه المسألة (1)، انتهى. وليس مراده من فقه المسألة هنا إلا الرد على الشيخ وأتباعه حيث جوزوا الصدقة عن شهر.


1. السرائر 1: 398.

[ 449 ]

وحاصل مراده: عدم تشريك الصدقة بالصيام، سواء كان الصيام متعينا على الولي، أو كان الوراث مخيرين في إبراء ذمة متوفيهم بالصيام والعتق والإطعام، سواء باشر الصيام الولد الذكر أو غيره،، وإنما نسب التخيير إليه خاصة دفعا لما قد يتوهم من وجوب ذلك الصوم أيضا عليه كالمتعين، فالمراد من تخييره أن له الإباء عنه. ويوضحه ما ذكره بعد ذلك بورقات حيث قال: ومن مات وعليه شئ من ضروب الصيام لم يؤده مع تعين فرضه عليه وتفريطه فعلى وليه القضاء عنه، وإن لم يتعين ذلك عليه لم يتعين الصوم على وليه، ولا يجب على الولي الصيام، وقدمنا طرفا من ذلك فيما تقدم، وكذلك صيام الشهرين المتتابعين (1). فعلى ذلك فلا وجه لما ذكره الجماعة في جريان الحكم المذكور في الواجب المخير ; لعدم الدليل، وقد ذكرنا أن الرواية ظاهرة في المتعين ; لمكان كلمة عليه. فحاصل المختار في المسألة وجوب الشهرين على الولي مع التعين، وعدم بدلية الصدقة عن أحدهما. وأما في المخيرة فلا يتعين على الولي بخصوصه شئ، ولكن يلزم إخراج إحدى الخصال من ماله، ولو اختير الصيام فلا يبدل عن أحد الشهرين بالصدقة أيضا، سواء باشره الولي، أو استؤجر عنه، أو تبرع به. ثم مع ذلك كله فالمسألة لاتصفو عن شوب الإشكال ; لعدم ظهور الواجب التخييري من الأدلة الدالة على وجوب العبادات على الولي، وكذا مادل على وجوب أداء ما عليه من الحقوق من ماله أيضا لا ينصرف إلا إلى المالي المحض، لاالمخير بينه وبين العبادة. ولكن يظهر منهم الإجماع على أن كل واحد من الخصال من مبرءات ذمة الميت من التكليف، وأنه لم يسقط التكليف بجميعها بسبب الموت ; لاتفاق كلمة الكل على ذلك.


1. السرائر 1: 417.

[ 450 ]

فحينئذ نقول: أما الوارث منحصر في الولي، فهو مخير بين كل واحد منها مع التمكن من كل منها، وفي صورة اختياره الصوم يجئ الخلاف المذكور، فالمشهور يجوزون تبديل أحد الشهرين بالصدقة، وابن إدريس لا يجوز. وكذا لو كان معه وارث آخر ولم يزاحمه في اختياره وإن كان بسبب صغره، بل لا معنى للمزاحمة ; إذ غاية الأمر كونه متبرعا. نعم يمكن جريان المزاحمة على القول المشهور بفرض أن يكون تبديل أحد الشهرين بالصدقة من مال الميت أشق عليهم من عتق عبد موجود عندهم لا يسوى ثمنه الصدقة المذكورة. فلابد من فرض المسألة على المشهور في صورة عدم المزاحمة، وكلامهم لا يأبى عن ذلك، وكذلك كلام ابن إدريس. هذا كله على فرض وجود الولي، سواء كان منفردا أو معه غيره. وأما لو فرض عدم الولي، وانحصر الوارث في غيره، فيمكن المناقشة في دعوى الإجماع السابق ; لأن كلماتهم متطابقة في ذكر الولي، فلابد من الرجوع إلى القواعد. فمقتضى استصحاب اشتغال ذمة الميت بإحدى الخصال، وتعلق الحق المالي بذمته‌في الجملة لزوم الإتيان بأحدها ; إذ الأصل عدم انتقال المال إلى الوارث إلا فيما ثبت، وثبوت قضاء العبادة عند فقد الولي وعدم لزوم الاستئجار كما مر لم يقم دليل عليه إلا في صورة تعين العبادة عليه، وهو خلاف المفروض ; إذ هنا الأمر مردد بين العبادة وصرف المال، فالمتولي لأداء ديون الميت - كالوصي أو الحاكم أو من يقوم مقامه - يلزمه الأخذ بإحدى الثلاثة، وفي صورة التزامه الصيام يجئ فيه الخلاف المذكور أيضا. على أنا نقول: يمكن دعوى الإجماع على تعلق الحق المذكور بماله بعد الموت في الجملة أيضا.

[ 451 ]

وذكرهم الولي هنا مبني على الغالب، أو المراد هنا من الولي المباشر للأمر، فمحل النزاع في هذه المسألة حكم جواز تبديل أحد الشهرين بالصدقة لو بنى على الصيام على أي وجه يكون، والمختار قول ابن إدريس. ثم إن هذا الكلام إذا بقي الواجب التخييري متمكنا من أفراده إلى زمان الموت، وإذا تعين أحدها قبل الموت، فإن كان هو العبادة فهو على الولي إن كان ولي، وإلا فيسقط إن لم يتبرع بها متبرع. وإن كان مالا فيؤدى من ماله، وليس على الولي العبادة، ولا على غيره إلا أن يتبرع بها. وإن بقي المخير فيها متمكنا منها على حاله إلى زمان الموت، وانحصر الأمر بعد الموت، مثل أن يتلف المال قبل وصوله إلى يد الوارث، فلا تلزم العبادة على الولي ولا على غيره. ولو مات الولي قبل التمكن من العبادة أو فعلها فتتعين إحدى الماليتين، ولم أقف في كلماتهم على تفصيل هذه المسائل، والاحتياط في الكل طريق النجاة. الثامن: يجوز لقاضي شهر رمضان الإفطار قبل الزوال بلا عذر، إن لم يتضيق برمضان الآتي، أو بظن الموت قبل أن يفعله بعد ذلك. ويحرم بعد الزوال بلا عذر، وتجب عليه الكفارة لو أفطر. وأما غيره فيجوز الإفطار في غير المعين مطلقا، وكذا في قضاء غير المعين مطلقا. فههنا مسائل: الأولى: جواز الإفطار قبل الزوال لقاضي شهر رمضان هو المشهور بين علمائنا، وحكي عن العومة في المدنيات الأولى الإجماع عليه. ويدل عليه بعد الأصل والإجماع المنقول الأخبار المستفيضة، كصحيحة عبد الله بن سنان - رواها الشيخ في باب نية الصائم - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من أصبح وهو

[ 452 ]

يريد الصيام ثم بدا له أن يفطر، فله أن يفطر ما بينه وبين نصف النهار، ثم يقضي ذلك اليوم " (1) الحديث. ويظهر من ملاحظة سائر أخبار الباب أنه من قضاء شهر رمضان، مع أن الإطلاق يكفي. وروى في باب قضاء شهر رمضان عنه عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك وبين الليل متى شئت، وصوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فليس لك أن تفطر " (2) ووصفه الفاضل الإصفهاني بعد العومة في المختلف بالصحة (3)، وقال في المدارك: وليس ببعيد (4). ولعل وجه التأمل هو وقوع عبيد بن الحسين في السند، وهو مجهول، والظاهر أنه عبيد بن الحسن، وليس عندي إلا نسخة واحدة من التهذيب، ولعل في نسختهم كان الحسن، وهو ثقة كما صرح به النجاشي (5) والعلامة (6). وأما التأمل من جهة البرقي فلا وجه له ; لكونه ثقة، وكذلك ابنه أحمد. وصحيحة جميل بن دراج - على أن يكون الراوي عنه النضر بن سويد كما في نسختي من التهذيب، وفي بعض النسخ النضر بن شعيب، وهو مجهول، وصححها في المدارك (7)، ولعل نسخته أيضا كانت كنسختي - عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " في الذي يقضي شهر رمضان بالخيار إلى زوال الشمس وإن كان تطوعا فإنه إلى الليل بالخيار " (8) إلى غير ذلك من الأخبار، وسيجئ بعضها.


1. التهذيب 4: 187 ح 524، الوسائل 7: 10 أبواب وجوب الصوم ب 4 ح 7. 2. التهذيب 4: 278 ح 841، الاستبصار 2: 120 ح 389، الوسائل 7: 10 أبواب وجوب الصوم ب 4 ح 9. 3. المختلف 3: 560. 4. المدارك 6: 231، وانظر هامش 3. 5. رجال النجاشي: 234 الرقم 619. 6. رجال العلامة: 127. 7. المدارك 6: 231. 8. التهذيب 4: 280 ح 849، الاستبصار 2: 122 ح 396، الوسائل 7: 9 أبواب وجوب الصوم ب 4 ح 4.

[ 453 ]

وعن أبي الصلاح (1) وابن زهرة (2) - مدعيا عليه الإجماع - حرمة الإفطار قبل الزوال، وهو المحكي عن ظاهر ابن أبي عقيل (3). وربما يستدل لهم بما رواه الشيخ في باب نية الصائم في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألته عن الرجل يقضي رمضان، أله أن يفطر بعد مايصبح قبل الزوال إذا بدا له ؟ فقال: " إذا كان نوى ذلك من الليل، وكان من قضاء رمضان، فلا يفطر ويتم صومه " (4). وبما رواه في الموثق في باب قضاء شهر رمضان، عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتى النساء، قال: " عليه من الكفارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان، ذلك اليوم عند الله من أيام رمضان " (5). ويرد على الأول: مضافا إلى الإضمار وإن كان الأظهر جواز العمل ; أنها لا تقاوم ما ذكرنا من الأدلة، فتحمل على الكراهة. مع أنه يمكن منع دلالتها ; إذ لعل المراد أن تجدد العزم على الإفطار وحصول البداء لا يصير منشأ للبطلان، فيجوز له أن يتم، كما أن تجدد العزم على الصيام قبل الزوال يكفي في صحة الصوم إذا لم يسبقه مفطر. وتشهد بذلك تتمة الرواية، قال: وسألته عن الرجل يبدو له بعد مايصبح ويرتفع النهار، أيصوم ذلك اليوم ويقضيه من رمضان وإن لم يكن نوى ذلك من الليل ؟ قال: " نعم يصومه ويعتد به إذا لم يحدث شيئا ". وعلى الثانية: مضافا إلى عدم المقاومة لأدلة المختار ; أنها تحمل على ما بعد الزوال، كما هو مقتضى رواية العجلي الآتية، قال الشيخ: هذا الخبر ورد نادرا، وحمله على


1. الكافي في الفقه: 184. 2. الغنية (الجوامع الفقهية): 571. 3. حكاه عنه العلامة في المختلف 3: 556. 4. التهذيب 4: 186 ح 522، الوسائل 7: 9 أبواب وجوب الصوم ب 4 ح 6. 5. التهذيب 4: 279 ح 846، الاستبصار 2: 121 ح 393، الوسائل 7: 254 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 3.

[ 454 ]

ما بعد الزوال مع الاستخفاف والتهاون، ويظهر منه جوازه بدون ذلك. واستدل لهم في المختلف (1) بقوله: تعالى: * (لا تبطلوا أعمالكم) * (2) وبأنه بدل عن رمضان، فيجب إتمامه كالمبدل ; إذ لولاه لكان إتمامه مستحبا، فلم يجز عن الواجب. يرد على الأول: منع الدلالة، لالما ذكره في المختلف " من أن النهي يتناول إبطال جميع الأعمال ; إذ الجمع المضاف للعموم، وذلك إنما يكون بالكفر " (3) لأن الظاهر منه العموم الإفرادي لا المجموعي، يعني: لا تبطلوا شيئا من أعمالكم، بل لأن المتبادر منه: لا تبطلوا أعمالكم معتقدين كفايتها ; لاولو بقصد إتيان بدلها. أو لاتبطلوها بمثل المن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس. أو لا تؤتوا عملا باطلا من باب ضيق فم الركية، ولا تحيطوها بالمعاصي، كما يظهر مما ورد في تفسير الآية. فروى الصدوق في ثواب الأعمال عن الباقر عليه السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من قال: سبحان الله، غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال: الحمدلله، غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال: لاإله إلا الله، غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال: الله أكبر، غرس الله له بها شجرة في الجنة، فقال رجل من قريش: يارسول الله، إن أشجارنا في الجنة لكثيرة ! قال: نعم، ولكن إياكم أن ترسلوا إليها نيرانا فتحرقوها، وذلك أن الله عزوجل يقول: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) * (4) " (5). وعلى الثاني: المنع من لزوم موافقة البدل للمبدل في كل شئ، ومنع استلزام جواز إبطاله استحبابه.


1. المختلف 3: 559. 2. محمد: 33. 3. المختلف 3: 559. 4. محمد: 33. 5. ثواب الأعمال (طبعة مكتبة الصدوق): 26 ح 2.

[ 455 ]

الثانية: أن ذلك إذا لم يتضيق وقت القضاء بسبب الرمضان الآتي ; لما حققناه سابقا من وجوب المبادرة بالقضاء بين الرمضانين، بل ربما قيل بانحصار الوقت فيه، وتأخير الموقت عن وقته أو ترك المبادرة بما يجب البدار حرام، ولكنه لا يستلزم الكفارة ; للأصل، وعدم الدليل. وكذلك الكلام مع ظن الموت قبل أن يفعله بعد ذلك ; لأنه في معنى الموقت أو الفوري. الثالثة: أن كل واجب معين بالذات لا يجوز إفطاره مطلقا، وهو ظاهر، وتجب الكفارة كالنذر المعين وصيام رمضان. الرابعة: كل واجب متعين بالذات كالنذر المطلق وصوم الكفارة يجوز إفطاره مطلقا، غير قضاء رمضان بعد الزوال، وإن لم يتضيق، وفاقا للعلامة (1) والشهيدين (2) رحمهما الله، بل يظهر من المسالك أنه المشهور (3) ; للأصل، ولأنه كان مخيرا في اختيار الأيام، وهو مستصحب. وعن ظاهر أبي الصلاح (4) وابن زهرة (5) الحرمة ; لعموم قوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) * وقد عرفت ضعف الاستدلال. وعن علي بن بابويه: أن حكم قضاء النذر كقضاء رمضان في الحرمة ووجوب الكفارة إن أفطر بعد الزوال، وربما استدل له بصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة، فإن قضاء الفريضة يعمه (6).


1. المختلف 3: 566. 2. الشهيد الأول في الدروس 1: 293، والشهيد الثاني في المسالك 2: 67. 3. المسالك 2: 67 ; فقد قال الشهيد الثاني: والنذر المطلق وشبهه والكفارة فإنه يجوز له الخروج اختيارا إلا في قضاء رمضان بعد الزوال. 4. الكافي في الفقه: 184. 5. الغنية (الجوامع الفقهية): 572. 6. نقله في السرائر 1: 410، والمختلف 3: 560.

[ 456 ]

وموثقة سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: الصائم بالخيار إلى زوال الشمس، قال: " إن ذلك في الفريضة، وأما النافلة فله أن يفطر في أي ساعة شاء إلى غروب الشمس " (1). قال الشيخ في التهذيب: المراد بالفريضة هو قضاء الفريضة ; لأن نفس الفريضة ليس فيها خيار على حال. قيل: ويمكن الجواب بأن الفريضة في عرف الحديث إنما تطلق غالبا على الواجب أصالة، فلا تشمل المنذور، على أن سوق الكلام في خبر سماعة إنما هو لإخراج النافلة، وإن اختص الحكم ببعض الفرائض. أقول: وما ذكره جيد، ويؤيده كلام الشيخ ; إذ ما ذكره من قوله " إن نفس الفريضة ليس فيها خيار على حال " إن اريد منه مطلق الواجب لصار موافقا لمذهب أبي الصلاح، ولم يعهد القول به من الشيخ، فالظاهر أن مراد الشيخ من قضاء الفريضة قضاء رمضان، وعلى هذا فقضاء رمضان أيضا ليس فريضة بنفسه، بل هو واجب بالتبع، وهو قضاء فريضة. وأما صحيحة ابن سنان الاخرى، فقد قلنا إن الظاهر منها أيضا قضاء رمضان. وبالجملة الأصل دليل قوي، ولايجوز الخروج منه بمثل هذه الأدلة، نعم هو أحوط. وأما الكفارة ; فلم نقف فيها على شئ يعتمد عليه، وقياسه على المبدل منه - وهو أصل النذر المعين - ضعيف، مع أنه لااختصاص فيه بما بعد الزوال. وعن أبي الصلاح: إن كان القضاء لإفطار تجب له الكفارة، ففرضها متعين مع القضاء، وهو شامل لما قبل الزوال أيضا (2)، ولكن لادليل عليه.


1. الكافي 4: 122 ح 2، الفقيه 2: 96 ح 433، التهذيب 4: 278 ح 843، وج 4: 187 ح 527، الوسائل 7: 10 أبواب وجوب الصوم ب 4 ح 8. 2. الكافي في الفقه: 184.

[ 457 ]

الخامسة: يحرم إفطار قضاء شهر رمضان بلا عذر بعد الزوال، وتجب به الكفارة. أما الحرمة ; فهي المشهورة بين الأصحاب بلا خلاف كما في المسالك (1)، وقال في المدارك: هو مذهب الأصحاب لاأعلم فيه مخالفا (2)، وعن الانتصار والخلاف والغنية دعوى الاتفاق عليه (3)، وتدل عليه الأخبار الكثيرة المتقدم بعضها والآتي بعضها. ويظهر من الشيخ في كتابي الأخبار عدم الحرمة، فإنه قال بعد نقل موثقة زرارة المتقدمة آنفا: ويمكن أن يكون المراد به من أفطر هذا اليوم بعد الزوال على سبيل الاستخفاف والتهاون بما يجب عليه من فرض الله تعالى، فيجب عليه حينئذ من الكفارة ما على من أفطر يوما من رمضان ; عقوبة له وتغليظا عليه، وأما من أفطر وهو معتقد أن الأفضل إتمام صومه، فليس عليه إلا ما قدمناه من إطعام عشرة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام (4)، وسننقل عنه عبارة اخرى. ويمكن أن يكون مراده من الأفضل مثل ما يقال: إن الطاعة أحسن من المعصية، والإسلام أحسن من الكفر. وأما وجوب الكفارة ; فهو المشهور بين الأصحاب أيضا، وعن الخلاف والانتصار والغنية دعوى الاتفاق عليه (5). وعن ابن أبي عقيل: نفي الكفارة بإطلاقها (6)، وتدل عليه موثقة عمار عن الصادق عليه السلام: عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان يريد أن يقضيها متى يريد أن ينوي الصيام ؟ قال: " هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس، فإن كان نوى الصوم فليصم، وإن كان نوى الإفطار فليفطر " سئل: فإن كان نوى الإفطار يستقيم


1. المسالك 2: 67. 2. المدارك 6: 230. 3. الانتصار: 69، الخلاف 2: 222 مسألة 86، الغنية (الجوامع الفقهية): 571، وفيه: قبل الزوال. 4. التهذيب 4: 279، الاستبصار 2: 121. 5. انظر هامش 3. 6. الكافي في الفقه: 184.

[ 458 ]

أن ينوي الصوم بعد مازالت الشمس ؟ قال: " لا ". سئل: فإن نوى الصوم ثم أفطر بعد مازالت الشمس، قال: " قد أساء، وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه " (1). قال الشيخ: إنه محمول على أنه ليس عليه شئ من العقاب ; لأن من أفطر في هذا اليوم لا يستحق العقاب، فإن أفطر بعد الزوال تلزمه الكفارة حسب ما قدمناه، وليس كذلك من أفطر في رمضان ; لأنه يستحق العقاب والقضاء والكفارة (2). أقول: والأولى أن تحمل الرواية على أن يكون قوله عليه السلام: " بعد مازالت الشمس " ظرفا لمجموع النية والإفطار، ويكون المراد من قوله عليه السلام: " قد أساء " أنه أساء في نيته بعد الزوال، فإن اعتقاد صحة الصوم بالنية بعد الزوال، وأن الأكل بعده إفطار للصوم تشريع، وهذا حمل وجيه للرواية، بل لا يبعد ادعاء ظهوره بملاحظة تمام الرواية. وكيف كان فلا تعارض بمثلها الروايات المعتبرة المستفيضة جدا (3)، المعتضدة بالشهرة العظيمة والإجماعات المنقولة. ثم إني بعد ماالهمت هذا التوجيه للرواية، وحسبته من خواصي، راجعت المعتبر فوجدت ما ذكره هنا راجعا إلى ما فهمته، فحمدت الله عليه. ثم رأيت الفاضل الإصفهاني في شرح الروضة أكثر البحث عليه، وزيف كلامه، حيث لم يستجود تأويل الشيخ وذكر ما يؤول إلى ما ذكرنا، وفهم رواية عمار كما فهمنا، ونقلها بالمعنى اختصارا، وحسب الفاضل أنه أسقط من الرواية شيئا، فلم يطابق تأويله للرواية، وزاد بذلك البحث عليه بما لا حاجة إلى نقله.


1. التهذيب 4: 280 ح 847، الاستبصار 2: 121 ح 394، الوسائل 7: 6 أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 10، وص 255 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 4. 2. التهذيب 4: 280. 3. انظر الوسائل 7: 8 أبواب وجوب الصوم ب 4.

[ 459 ]

وإنما نبهنا على ذلك أداءا لبعض حقوق هذا الخبر العظيم الشأن، والفريد المرصوص البنيان، ووفاءا لوصيته التي ذكرها في أول الكتاب، وتأكيده البليغ في عدم البدار إلى رد شئ من مقاصده في شئ من الأبواب، وإن كان هذا الفاضل الرفيع المكان أيضا ممن لا يسع لمثلي مكافحته ومناقضته، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. السادسة: اختلفوا في قدر الكفارة، فعن المشهورة كما في المسالك هنا وفي الكفارات أنها إطعام عشرة مساكين، فإن عجز فصيام ثلاثة أيام (1). وعن أبي الصلاح: التخيير بينهما (2)، وكذا عن ابن زهرة ناقلا عليه الإجماع (3). وعن ابن البراج في موضع من المختلف (4)، وعن الصدوقين: أنها كفارة شهر رمضان (5)، إلا في الفقيه، فجعله رواية (6). وقد عرفت أن ظاهر الشيخ في التهذيب أيضا ذلك إذا كان استخفافا وتهاونا، وإلا فالأول (7). وعن ابن حمزة: موافقة التهذيب في صورة الاستخفاف، وموافقة أبي الصلاح في صورة العجز (8). وعن سور: أنه كفارة اليمين (9)، وهو المنقول عن الكراجكي، وكذا عن


1. المسالك 2: 67، وج 10: 10. 2. الكافي في الفقه: 184. 3. الغنية (الجوامع الفقهية): 572. 4. المختلف (طبعة مركز الإعلام الإسلامي) 8: 239، وانظر المهذب 2: 422. 5. المقنع: 63، وحكاه عن والد الصدوق الحلي في السرائر 1: 410، والعلامة في المختلف (طبعة مركز الإعلام الإسلامي) 8: 238. 6. الفقيه 2: 96 ح 431. 7. التهذيب 4: 279، وظاهره في الاستبصار 2: 121 أيضا. 8. فقد قال ابن حمزة في الوسيلة: 147 إن أفطر بعد الزوال استخفافا به فعليه كفارة مثل كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، وإن أفطر لغير ذلك فكفارته صيام ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين. 9. المراسم: 187.

[ 460 ]

ابن البراج في موضع من المختلف (1). وعن ابن إدريس: أنه كفارة اليمين (2)، وتبع ابن إدريس المشهور في موضع آخر (3)، ولعل المراد فيهما واحد مسامحة، كما وقع إطلاق كفارة اليمين على مذهب المشهور في المختلف في باب الكفارات (4)، وكذا الشيخ في النهاية في باب الكفارات قال: كفارة يمين وإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام (5). وعن ابن أبي عقيل: عدم وجوب الكفارة (6)، وهو ظاهر المسالك في الكفارات (7)، فإنه استجود حمل الكفارة على الاستحباب ; لاختلاف تقديرها في الروايات، واختلاف تحديد وقت ثبوتها، يعني بالزوال والعصر والإطلاق، وقصور سند الأخبار، وقواه في الكفاية (8)، والأقوى قول المشهور. لنا: ما رواه في الكافي والتهذيب عن بريد العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام: في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال: " إن كان أتى أهله قبل زوال الشمس فلاشئ عليه إلا يوم مكان يوم، وإن كان أتى أهله بعد زوال الشمس فإن عليه أن يتصدق على عشرة مساكين، فإن لم يقدر صام يوما مكان يوم، وصام ثلاثة أيام كفارة لما صنع " وفي الكافي والتهذيب لم يذكر قوله عليه السلام: " فإن لم يقدر " (9) إلى آخر الحديث. وربما يقدح في سنده بالحارث بن محمد ; لأنه مجهول. وفيه: أنه منجبر بعمل الأصحاب، مع أن الراوي عنه الحسن بن محبوب، وقال


1. المختلف 3: 555. 2. السرائر 1: 410. 3. السرائر 1: 406. 4. المختلف (طبعة مركز الإعلام الإسلامي) 8: 238. 5. النهاية: 572. 6. حكاه عنه العلامة في المختلف 3: 556. 7. المسالك 10: 13. 8. الكفاية: 48. 9. الكافي 4: 122 ح 5، الفقيه 2: 96 ح 430، التهذيب 8: 321 ح 1192، الاستبصار 4: 58 ح 198، الوسائل 7: 8 أبواب وجوب الصوم ب 4 ح 1، وص 253 أحكام شهر رمضان ب 29 ح 1.

[ 461 ]

الكشي: إنه ممن اجتمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنه (1). مع أن الشيخ روى في الصحيح عن هشام بن سالم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان ؟ فقال: " إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلاشئ عليه، يصوم يوما بدل يوم، وإن فعل بعد صلاة العصر صام ذلك اليوم وأطعم عشرة مساكين، فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك " (2). وحملها الشيخ على قبل الزوال بناءا على أنه إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين، إلا أن الظهر قبل العصر (3)، ولا بأس به، مع أن خروج بعض الحديث عن الحجية لا يوجب سقوطه رأسا، وإذا ثبت الحكم ما بعد العصر فلا قائل بالفصل. حجة القول بأنها كفارة شهر رمضان: موثقة زرارة المتقدمة (4). ولاوجه للقدح فيها من حيث السند لمكان علي بن فضال، فإنه موثق، والموثق حجة. ولابأنه ليس فيها تقييد بما بعد الزوال ; لأن الأخبار الدالة على جواز الإفطار قبل الزوال بحيث يفهم منها أنه ليس عليه شئ بسبب الإفطار قبل الزوال يصير بمنزلة المقيد، فلا يرد ما استبعده في المسالك من حمل المطلق على المقيد من جهة مخالفة الحكم، فإن الحكم في المقيد مثل رواية بريد مخالف لحكم هذا المطلق ; لتفاوت الكفارة فيهما. مع أن نفس الكفارة شئ واحد، والاختلاف في كيفيتها. بل ينبغي أن يقال: إنها لا تقاوم رواية المشهور من حيث الاعتقاد بعمل المشهور، وأصالة البراءة عن زيادة التكليف وضعف الدليل الوارد فيها، سيما مع ملاحظة ماوردمن استبعادهم في الأخبار مساواة قضاء شهر رمضان لرمضان، فقالوا: " وأنى له بمثله " يعني مثل اليوم المقضي، وخصوصا مع ملاحظة الفرق بجواز الإفطار هنا قبل


1. اختيار معرفة الرجال 1: 831 ح 1050. 2. التهذيب 4: 279 ح 845، الاستبصار 2: 120 ح 392، الوسائل 7: 254 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 2. 3. الاستبصار 2: 121 ذ. ح 392. 4. التهذيب 4: 279 ح 846، الاستبصار 2: 121 ح 393، الوسائل 7: 254 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 3.

[ 462 ]

الزوال دونه. وأما مرسلة حفص بن سوقة، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يلاعب أهله أو جاريته وهو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل، فقال: " عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع في رمضان " (1) ففيها مضافا إلى ما اورد على السابق من الإطلاق أنها ضعيفة ولا جابر لها. وقد تحمل على أن المراد من قضاء شهر رمضان أداؤه، وهو بعيد، كتأويل موثقة زرارة بأنه كان يقضي في شهر رمضان وهو لا يعلم أنه شهر رمضان، مؤيدا بالتعليل بأن ذلك اليوم عند الله من أيام شهر رمضان. وأما حجة القول بكفارة اليمين: فلعله البناء على أن في الرواية مسامحة في ذكر إحدى الخصال، وإرادة التخيير بينها وبين غيرها، كما اتفق نظيره في سائر الكفارات، كمانقلنا نظيره من المختلف وغيره في عبارات الفقهاء، ولكن الاعتماد على ذلك مشكل. وأما حجة التخيير ; فلم أقف على ما يدل عليه إلا الإجماع الذي نقله ابن زهرة، ولاوجه للاعتماد عليه مع هذا الخلاف الواضح والأخبار الدالة على خلافه. ويظهر من ذلك الكلام في مذهب ابن حمزة وأنه لادليل عليه. وأما حجة ابن أبي عقيل، فهو الأصل، وموثقة عمار المتقدمة. والأصل لا يعارض الدليل، وقد عرفت الكلام في الموثقة. وقد عرفت وجه حمل أخبار الكفارة على الاستحباب كما اختاره في المسالك في الكفارات، وأيده برواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: في المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الإفطار، قال: " لا ينبغي له أن يكرهها بعد الزوال " (2).


1. الكافي 4: 103 ح 7، الوسائل 7: 25 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 2، وص 93 ب 56 ح 1. 2. الكافي 4: 122 ح 6، الفقيه 2: 96 ح 432، التهذيب 4: 278 ح 842، الاستبصار 2: 120 ح 390، الوسائل 7: 8 أبواب وجوب الصوم ب 4 ح 2.

[ 463 ]

والجواب: منع ضعف المستند، ولا يضر اختلاف الأخبار مع حصول المرجح. واعلم أن المراد بثلاثة أيام: المتتابعات كما قطع به الجماعة، وقيل: لعله إجماع، ومقتضى حسنة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: " كل صوم يفرق إلا ثلاثة أيام في كفارة اليمين " (1) عدم اللزوم، ولا يحضرني مصرح به. وكذلك رواية سليمان بن جعفر الجعفري، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: " إنما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار، وكفارة الدم، وكفارة اليمين " (2). تنبيهات: الأول: الظاهر كفاية مد في الإطعام، أو إشباع مسكين، وسيجئ تحقيق المقام وذكر الخلاف في الكفارات إن شاء الله تعالى. الثاني: قال في المسالك والروضة: يجب إمساك تتمة اليوم مع الإفطار بعد الزوال (3)، وهو مقتضى كلام الشهيد في الدروس (4). وربما يستدل له بقوله عليه السلام في صحيحة هشام المتقدمة: " صام ذلك اليوم ". ويشكل بأن الظاهر منه الصوم الشرعي بدل ذلك اليوم، لا مجرد الإمساك، مع أنه مستلزم لعدم التعرض للقضاء. وبما في موثقة زرارة " أن ذلك اليوم عند الله من أيام رمضان " بتقريب أنه يجب الإمساك في رمضان. ويخدشه - مع كونه نادرا كما مر - منع لزوم المساواة في جميع الأحكام. وربما يتمسك باستصحاب وجوب الإمساك.


1. الكافي 4: 140 ح 1، الوسائل 7: 248 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 3. 2. الكافي 4: 120 ح 1، الفقيه 2: 95 ح 428، التهذيب 4: 274 ح 830، الاستبصار 2: 117 ح 382، الوسائل 7: 250 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 8. 3. المسالك 2: 67، الروضة البهية 2: 119. 4. الدروس 1: 290.

[ 464 ]

وفيه: أن الإمساك المأمور به إنما هو في ضمن الصوم الشرعي، ولا معنى لاستصحابه. فالأقوى عدم الوجوب، كما نقل ابن فهد في محرره ; للأصل وعدم الدليل كما عرفت. الثالث: الأخبار الواردة في لزوم الكفارة وإن كانت مختصة بالوقاع لا سائر المفطرات، ولكن الظاهر عدم القول بالفرق كما صرح به بعض الأصحاب. الرابع: قال في المسالك والروضة تتكرر الكفارة بتكرر السبب كشهر رمضان، يعني إما مطلقا، أو مع تخلل التكفير، أو اختلاف الجنس، أو في الجماع خاصة على التفصيل الذي تقدم (1). ولعله استند إلى موثقة زرارة المتقدمة، وقد عرفت الجواب عنها، والأصل عدم التكرر، سيما في غير الجماع الذي هو مورد روايات الباب، وظهور الروايات في المرة الاولى. فالأقوى العدم، سيما مع ما يستفاد من الأخبار من تفاوت رمضان مع غيره، وأن احترام اليوم فيه منظور مع قطع النظر عن الصوم، كما يظهر من حكم المسافر والحائض وغيرهما، بخلاف غيره. التاسع: من نسي غسل الجنابة في شهر رمضان ومضى عليه أيام، أو كل الشهر، فيجب عليه قضاء الصلاة إجماعا ; للإجماع على اشتراطها بالطهارة عن الجنابة. وأما الصوم ; فالأشهر كما في اللمعة والمسالك وجوب قضاؤه أيضا (2)، ونسبه في غاية المراد إلى الأكثر (3)، ومنهم المحقق في المعتبر بظاهره (4).


1. المسالك 2: 67، الروضة البهية 2: 119. 2. الروضة البهية 2: 116، المسالك 2: 68. 3. غاية المراد 1: 312. 4. المعتبر 2: 705.

[ 465 ]

وذهب ابن إدريس إلى عدم وجوبه (1) وتبعه المحقق في المختصرين (2). والأظهر الوجوب ; لصحيحة الحلبي قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان، قال: " عليه أن يقضي الصلاة والصيام " رواها في الزيادات (3). وروى الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن مسكان، عن إبراهيم بن ميمون بأدنى تفاوت (4). وما رواه الكليني والصدوق في الفقيه، عن علي بن رئاب، عن إبراهيم بن ميمون - وهو وإن كان مجهولا إلا أنه قد يروي عنه ابن مسكان - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان ثم ينسى أن يغتسل حتى يمضي لذلك جمعة، أو يخرج شهر رمضان، قال: " عليه قضاء الصلاة والصوم " ثم قال: وقد روي في خبر آخر أن من جامع في أول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان أن عليه أن يغتسل ويقضي صلاته وصومه، إلا أن يكون قد اغتسل للجمعة، فإنه يقضي صلاته وصيامه إلى ذلك اليوم، ولا يقضي ما بعد ذلك (5). ويؤيده ما ذكره المحقق في المعتبر من أن فتوى الأصحاب على أن المجنب إذا نام مع القدرة على الغسل، ثم انتبه، ثم نام، وجب عليه القضاء، سواء ذكر الاحتلام بعد ذكره الأول أو نسيه. وإذا كان التفريط السابق مؤثرا في إيجاب القضاء، فقد حصل ههنا تكرار النوم مع ذكر الجنابة أول مرة، فيكون القضاء لازما كما كان هناك لازما، خصوصا وقد وردت الرواية الصحيحة الصريحة المشهورة بذلك.


1. السرائر 1: 407. 2. المختصر النافع: 70، والشرائع 1: 185. 3. التهذيب 4: 322 ح 990، الوسائل 7: 171 أبواب من يصح منه الصوم ب 30 ح 3. 4. التهذيب 4: 332 ح 1043، الوسائل 7: 45 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 17 ذ. ح 1. 5. الكافي 4: 106 ح 5، الفقيه 2: 74 ح 320، الوسائل 7: 44 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 17 ح 1.

[ 466 ]

فإن قيل: إنما وجب عليه القضاء في تكرار النوم مع نية الغسل، فيكون ذاكرا للغسل ومفرطا فيه في كل نومة. قلنا: الذي ذكر نية الغسل بعض المصنفين، ولاعبرة بقوله مع وجود النصوص مطلقة، روى ذلك جماعة، منهم ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح، قال: " يتم صومه، ويقضي يوما آخر " (1) ومثله روى محمد بن مسلم (2) وسماعة بن مهران (3) وغيرهما. ولو قيل: إنما يلزم ذلك إذا تكرر النوم في الليلة الواحدة. قلنا: كما عمل بتلك الأخبار في الليلة الواحدة وإن كان لم يتعمد البقاء على الجنابة، جاز أن يعمل بهذا الخبر في تكرار النوم في الليالي المتعددة، ولا استبعاد في هذا، إلا أن يستبعد في ذلك. ولايقال: فتلزم الكفارة. لأنا نقول: قد بينا أن إيجاب الكفارة مع تكرر النوم لم يثبت، واقتصرنا على القضاء لاغير في الموضعين (4)، انتهى كلامه رحمه الله. وإنما جعلناه مؤيدا لما يرد عليه المنع ; لوجود الفارق بين المقامين كما ستعرف، فلا اعتماد على العلة التي فهمها، والعبرة إنما هي بالنص. مع أنه عدل في الاعتراض الأخير وجوابه عن سوق الاستدلال الأول إلى الاعتماد على النص، فياليته فعل كذلك في الأول أيضا. ومع ذلك كله يرد عليه أنه إنما يتم في غير اليوم الأول ; إذ لم يحصل التكرار فيه‌بعد، واستثناؤه قول حادث لم يعلم القول به من أحد، كما أشار إليه في


1. التهذيب 4: 211 ح 612، الاستبصار 2: 86 ح 269، الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 2. 2. الكافي 4: 105 ح 2، التهذيب 4: 211 ح 613، الاستبصار 2: 86 ح 270، الوسائل 7: 41 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 3. 3. التهذيب 4: 211 ح 611، الاستبصار 2: 86 ح 267، الوسائل 7: 42 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 5. 4. المعتبر 2: 705.

[ 467 ]

غاية المراد (1)، ولعله لذلك تبع المحقق ابن إدريس (2). وربما يمكن دفعه بمنع تحقق الإجماع المركب ; لأن غرضهم هنا مجرد بيان أن السهو في الغسل يوجب القضاء في الجملة، وليس مدخلية الجنابة في إفساد الصوم منحصرة في صورة العمد، لاأنه موثر في جميع الأفراد حتى في اليوم الأول، ولذلك رجع عنه في المعتبر إلى قول المشهور (3)، مع أنا نقول الاعتماد على النص يرفع عنا مؤونة هذه الإيرادات. حجة ابن إدريس: الأصل، وعموم رفع الخطأ والنسيان الوارد في الرواية المتلقاة بالقبول كما في غاية المراد، والقضاء مؤاخذة، وما رفع إنما هو المؤاخذة لاحقيقتها كما هو واضح، مع أنها أقرب مجازات نفي الحقيقة هنا، ومنع اشتراط الصوم بالطهارة الكبرى إلا مع العلم. ومن ثم لو نام جنبا في المرة الأولى فأصبح نائما، صح صومه وإن تركها تمام النهار عمدا، فهنا أولى. وفيه: أن الأصل لا يقاوم الدليل، والحديث مع سلامته ظاهر في نفي الإثم والعقوبة، فلا ينافي وجوب القضاء كالصلاة، وقد أقمنا الدليل على الاشتراط، فلا مجال للمنع ; لما حققناه في الاصول من حجية أخبار الآحاد، سيما مثل هذه الأخبار المعتبرة المشهورة. وأما قياسه بمسألة النوم فستعرف حاله. ثم إن بعض الأصحاب كالشهيد في اللمعة عنون المسألة بقوله: من نسي غسل الجنابة قضى الصلاة والصوم في الأشهر (4)، وكذا أطلق في الدروس (5)، والعلامة


1. غاية المراد 1: 312. 2. السرائر 1: 407. 3. المعتبر 2: 705. 4. الروضة البهية 2: 116. 5. الدروس 1: 271.

[ 468 ]

في القواعد (1)، وهذا الإطلاق يشمل اليوم الواحد والأكثر منه، إلى انقضاء الشهر. ويشكل أولا: بأن صحيحة الحلبي وما في معناها ظاهرة في غير صورة الانفراد. وثانيا: بأنه لا يظهر فرق حينئذ بين ما نحن فيه وبين مالو نام جنبا أول مرة فأصبح ولم يغتسل، وإنهم حكموا فيه بصحة الصوم وإن ترك الغسل طول النهار عمدا، وحكموا ههنا بوجوب القضاء، فما وجه اختلاف حكمها حتى أن حكمهم في النائم يشمل مالو نام النومة الأولى وأصبح ناسيا للجنابة حتى الليل. ومقتضى حكمهم هنا وجوب القضاء لدخوله في الناسي، ومقتضى ما ذكروه في النائم عدم الوجوب ; لدخوله تحت مسألة النائم. فاندفاع الإشكال إما ببيان الفارق بين النوم والنسيان، إن جعلنا الإشكال في عدم الفرق بينهما من جهة عدم التكليف حالهما، وإما ببيان اندراج ما اجتمع فيه النوم والنسيان في أيهما. فأما الأول ; فيمكن الفرق كما يستفاد من غاية المراد (2) بأن النسيان مظنة التذكر، بخلاف النوم، فلما ابيح له النوم إرفاقا به، ابيح له ما يترتب عليه، فلا تفريط فيه ; بخلاف الناسي، فإنه من جهة تفطنه في مظنة التذكر، وعدم تذكره مع طول الزمان لا يكون إلا لتفريطه، ولذلك يقال بوجوب القضاء في النائم ثانيا، فإنه قد يتخلل التذكر بينهما، فنومه ثانيا أيضا تفريط. وتوضيح ذلك: أن مقدمات النسيان قد تكون اختيارية، ولذلك مدح الله المؤمنين بقولهم: * (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا) * (3). ويوضحه: ما ورد من لزوم إعادة الصلاة على من نسي إزالة النجاسة ; معللا بأن ذلك لأجل أن يهتم بأمره حتى لا ينسى، ويشير إليه قوله عليه السلام: " رفع عن امتي


1. قواعد الأحكام 1: 375. 2. غاية المراد 1: 213. 3. البقرة: 286.

[ 469 ]

الخطأ والنسيان " (1). وأما الثاني، فنقول: أما فيما لو نام أولا ثم انتبه ليلا ونسي الجنابة واستمر إلى الليلة الآتية فصاعدا فالأظهر اندراجه في مسألة النسيان، وعليه القضاء ; لأن النوم كان مرخصا فيه، وترك الغسل مستند إلى النسيان، وهو السبب في الترك. ومثله مالو نسي قبل النوم واستمر ثم نام إلى فوات وقت الغسل. وأولى منه بالاندراج مالو تذكر بعد الانتباه، ثم نسي، سيما إذا طال زمان التذكر. ولابد أن ينزل إطلاق كلامهم في مسألة النوم بعدم القضاء على غير ذلك. وإن لم ينتبه ليلا حتى انقضى وقت الغسل ثم استمر نسيانه إلى الليل، فالظاهر اندراجه في مسألة النوم ; لاستناد ترك الغسل إليه. نعم مع استمرار النسيان إلى ما بعد اليوم من الأيام يندرج ما بعد اليوم الأول في مسألة النسيان. ثم إن المتبادر من مسألة النوم والغالب الوقوع هو النوم عقيب العلم بالجنابة، وأما لو تمادت مدة التذكر بعد العلم بالجنابة، ثم نام حتى فات وقت الغسل، فيشكل اندراجه في مسألة النوم، كما يشكل الحكم بلزوم القضاء ; للأصل، وعدم حصول النسيان بالفرض. وقد ذكر في الروضة هذا الإشكال، أعني المنافاة بين إطلاق لزوم القضاء بحيث يشمل اليوم الواحد هنا، مع حكمهم بعدم القضاء فيما لو نام الجنب حتى فات وقت الغسل. وذكر في دفعه وجهين: الأول: إن مرادهم هنا حكم الناسي، وفيما تقدم حكم النائم عالما عازما على الغسل، لاناسيا، فيضعف حكم الجنابة بالعزم على الغسل.


1. الكافي 2: 463 ح 2، الخصال 2: 417 ح 9، توحيد الصدوق: 353 ح 24، الوسائل 8: 249 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 30 ح 2.

[ 470 ]

والثاني: بحمل ماهنا على ما عدا اليوم الأول (1). وأنت بعد التأمل فيما ذكرنا تعرف وجه الأول وتنزيله على ما ذكرنا، بأن مراده هو (2) بيان الحكمة في الفرق مع قطع النظر عن وحدة النوم وكثرته، ويصح توجيها لإطلاقهم الفتوى في المقامين. وأما الثاني ; فلا يصح دفعا لإشكال الإطلاق كما أشار إليه أيضا، بل إنما المراد منه أنا نقول بالقضاء في النسيان في غير اليوم الأول إذا تكثرت الأيام، وبعدم القضاء في النوم، وهو نفي للإطلاق، لابيان لوجهه ودفع الإشكال. واورد عليه: بأنه قول بالتفصيل، ولا قائل به هنا، وقد ذكرنا أن ذلك لا يضر. نعم هذا يمكن أن يصير وجها لدفع الإشكال في مخالفة مسألة النوم مع مسألة النسيان في اليوم الأول من الأيام المتعددة. ووجه الدفع: أنا لانقول بوجوب القضاء إلا فيما بعد اليوم الأول حتى يرد علينا أنه لافرق بين المسألتين، فلم تفرقون ؟ ثم قال في الروضة: ويمكن - الجمع يعني بين مادل على حكم النوم وما دل على حكم النسيان - بأن روايات الثاني إنما دلت على حكم الأيام الكثيرة، وروايات الأول على حكم الليلة الواحدة، فيفرق بين اليوم الواحد والأكثر من يوم عملا بمنطوق روايات الطرفين (3). ثم استشكله بأن قضاء الجميع يستلزم قضاء الأبعاض إن لم يكن أولى، فيعود المحذور من منافاة حكم هذا البعض الذي هو اليوم الأول لذلك اليوم الواحد في مسألة النوم. أقول: إن أراد أن قضاء الجميع يستلزم قضاء الأبعاض في ضمن الجميع فهو مسلم،


1. الروضة البهية 2: 117. 2. في " ح ": وتنزيله على ما ذكرنا بأن مراده هنا. 3. الروضة البهية 2: 117.

[ 471 ]

ولكن لا يضر هذا بما ذكر في الجمع ; إذ لعل في الاجتماع تأثيرا، فيمكن مخالفة حكم الشئ مجتمعا مع آخر لحكمه منفردا. وإن أراد أن قضاء الجميع مستلزم لوجوب قضاء كل واحد ولو فرض منفردا، فهو أول الكلام، بل لو فرضنا أن الشارع لو قال: " إذا نام في ليلة واحدة حتى الصباح لا يجب عليه الغسل، ولو نام كذلك ليالي متعددة يجب عليه الغسل " لا يستلزم ذلك محذورا. ثم إنه - رحمه الله - قال في المسالك والروضة: وفي حكم الجنابة الحيض والنفاس لو نسيت غسلهما بعد الانقطاع، وفي حكم صوم رمضان حكم المنذور المعين (1). أقول: وربما يستدل عليه بأنهما حدثان منافيان للصوم، ولا يرتفعان إلا بالغسل، وبرواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام قال: " إن طهرت بليل عن حيضها ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت كان عليها قضاء ذلك اليوم " (2). ويرد على الأول: منع المنافاة إلا مع سيلانها، ومنع اشتراط صحته بالغسل، بل يكفي الانقطاع. وعلى الثاني: بأنها ظاهرة في العمد. وأما القدح، في السند فلا وجه له ; لكونها موثقة. ويظهر منه الكلام في النفاس ; إذ لادليل عليه ظاهرا إلا مادل على اتحاد حكمها مع الحائض، وقد عرفت حكم الحائض. وأما إلحاق النذر المعين فلا دليل عليه أيضا ; لما سبق في محله من الإشكال في اشتراط غير رمضان وقضائه بعدم البقاء على الجنابة عمدا، فضلا عن قضائه، وما ورد في الحيض أيضا مختص برمضان والنذر المعين.


1. المسالك 2: 68، الروضة البهية 2: 117. وعلى الثاني: بأنها ظاهرة في العمد. وأما القدح، في السند فلا وجه له ; لكونها موثقة. ويظهر منه الكلام في النفاس ; إذ لادليل عليه ظاهرا إلا مادل على اتحاد حكمها مع الحائض، وقد عرفت حكم الحائض. وأما إلحاق النذر المعين فلا دليل عليه أيضا ; لما سبق في محله من الإشكال في اشتراط غير رمضان وقضائه بعدم البقاء على الجنابة عمدا، فضلا عن قضائه، وما ورد في الحيض أيضا مختص برمضان والنذر المعين.

[ 472 ]

وإن ثبت وجوب قضائه بالإجماعات المنقولة والرواية الصحيحة كما سبق منا الكلام فيه، ولكنه ; إنما هو فيما ثبت بطلانه به، ومورد الرواية الوقاع في اليوم، ولم يثبت كون تعمد البقاء على الجنابة إلى الصباح مبطلا له، فضلا عن صورة النسيان، وفضلا عن غير الجنابة. وعلى الثاني: بأنها ظاهرة في العمد. وأما القدح، في السند فلا وجه له ; لكونها موثقة. ويظهر منه الكلام في النفاس ; إذ لادليل عليه ظاهرا إلا مادل على اتحاد حكمها مع الحائض، وقد عرفت حكم الحائض. وأما إلحاق النذر المعين فلا دليل عليه أيضا ; لما سبق في محله من الإشكال في اشتراط غير رمضان وقضائه بعدم البقاء على الجنابة عمدا، فضلا عن قضائه، وما ورد في الحيض أيضا مختص برمضان والنذر المعين.


1. المسالك 2: 68، الروضة البهية 2: 117. 2. التهذيب 1: 393 ح 1213، الوسائل 7: 48 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 21 ح 1

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية