الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




فتح الباري - ابن حجر ج 4

فتح الباري

ابن حجر ج 4


[ 1 ]

فتح الباري شرح صحيح البخاري للامام الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى الجزء الرابع درر المعرفة للطباعة والنشر بيروت - لبنان

[ 2 ]

بسم الله الرحمن لرحيم أبواب المحصر وجزاء الصيد ثبتت البسمله للجميع وذكر أبو ذر أبواب بلفظ الجمع وللباقين باب بالافراد قوله وقول الله تعالى فإن احصرتم أي وتفسير المراد من قوله فان احصرتم وأما قوله ولا تحلقوا رءوسكم فسياتي في الباب الذي يليه وفي اقتصاره على تفسير عطاء اشاره إلى أنه أختار القول بتعميم الإحصار وهي مسألة اختلاف بين الصحابة وغيرهم فقال كثير منهم الإحصار من كل باب حابس حبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك حتى أفتى بن مسعود رجلا لدغ بأنه محصر أخرجه بن جرير بإسناد صحيح عنه وقال النخعي والكوفيون الحصر الكسر والمرض والخوف واحتجوا بحديث حجاج بن عمرو الذي سنذكره في آخر الباب وأثر عطاء المشار إليه وصله عبد بن حميد عن أبي نعيم عن الثوري عن بن جريج عنه قال في قوله تعالى فان احصرتم فما استيسر من الهدي قال الإحصار من كل شئ يحبسه وكذا رويناه في تفسير الثوري رواية أبي حذيفة عنه وروى بن المنذر من طريق على بن أبي طلحة عن بن عباس نحوه ولفظه فإن احصرتم قال من أحرم بحج أو عمره ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدى فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها وأن كانت حجة بعد الفريضة فلا قضاء عليه وقال آخرون لا حصر الا بالعدو وصح ذلك عن بن عباس أخرجه عبد الرزاق عن معمر وأخرجه الشافعي عن بن عيينة كلاهما عن بن طاوس عن أبيه عن بن عباس قال لا حصر الا من حبسه عدو فيحل بعمرة وليس عليه حج ولا

[ 3 ]

عمرة وروى مالك في الموطأ والشافعي عنه عن بن شهاب عن سالم عن أبيه قال من حبس دون البيت بالمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت وروى مالك عن أيوب عن رجل من أهل البصرة قال خرجت إلى مكة حتى إذا كنت بالطريق كسرت فخذي فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس فلم يرخص لي أحد في أن أحل فأقمت على ذلك الماء تسعة أشهر ثم حللت بعمرة أخرجه بن جرير من طرق وسمي الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخير وبه قال مالك والشافعي وأحمد قال الشافعي جعل الله على الناس إتمام الحج والعمرة وجعل التحلل للحصر رخصة وكانت الآية في شان منع العدو فلم نعد بالرخصة موضعها وفي المسألة قول ثالث حكاه بن جرير وغيره وهو أنه لا حصر بعد النبي صلى الله عليه وسلم وروى مالك في الموطأ عن بن شهاب عن سالم عن أبيه المحرم لا يحل حتى يطوف أخرجه في باب ما يفعل من احصر بغير عدو وأخرج بن جرير عن عائشة بإسناد صحيح قالت لا أعلم المحرم يحل بشئ دون البيت وعن بن عباس بإسناد ضعيف قال لا احصار اليوم وروى ذلك عن عبد الله بن الزبير والسبب في اختلافهم في ذلك اختلافهم في تفسير الإحصار فالمشهور عن أكثر أهل اللغة منهم الأخفش والكسائي والفراء وأبو عبيدة وأبو عبيد وابن السكيت وثعلب وابن قتيبة وغيرهم أن الإحصار إنما يكون بالمرض وأما بالعدو فهو الحصر وبهذا قطع النحاس وأثبت بعضهم أن احصر وحصر بمعنى واحد يقال في جميع ما يمنع الإنسان من التصرف قال تعالى للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض وإنما كانوا لا يستطيعون من منع العدو وإياهم وأما الشافعي ومن تابعه فحجتهم في أن لا احصار الا بالعدو اتفاق أهل النقل على أن الآيات نزلت في قصة الحديبية حين صد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت فسمى الله صد العدو احصارا وحجة الآخرين التمسك بعموم قوله تعالى فان احصرتم قوله قال أبو عبد الله حصورا لا يأتي النساء هكذا ثبت هذا التفسير هنا في رواية المستملى خاصة ونقله الطبري عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وقد حكاه أبو عبيدة في المجاز وقال أن له معاني أخرى فذكرها وهو بمعنى محصور لأنه منع مما يكون من الرجال وقد ورد فعول بمعنى مفعول كثيرا وكأن البخاري أراد بذكر هذه الآية الإشارة إلى أن المادة واحدة والجامع بين معانيها المنع والله أعلم باب إذا احصر المعتمر قيل غرض المصنف بهذه الترجمة الرد على من قال التحلل بالإحصار خاص بالحاج بخلاف المعتمر فلا يتحلل بذلك بل يستمر على إحرامه حتى يطوف بالبيت لأن السنة كلها وقت للعمرة فلا يخشى فواتها بخلاف الحج وهو محكي عن مالك واحتج له إسماعيل القاضي بما أخرجه بإسناد صحيح عن أبي قلابة قال خرجت معتمرا فوقعت عن راحلتي فانكسرت فأرسلت إلى بن عباس وابن عمر فقالا ليس لها وقت كالحج يكون على إحرامه حتى يصل إلى البيت قوله أن عبد الله بن عمر حين خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة هذا السياق يشعر بأنه عن نافع عن بن عمر بغير واسطة لكن رواية جويرية التي بعده تقتضي أن نافعا حمل ذلك عن سالم وعبيد الله مشهور عبد الله بن عمر عن أبيهما حيث قال فيها عن جويرية عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله أخبراه إنهما كلما عبد الله بن عمر فذكر القصة والحديث هكذا قال البخاري عن عبد الله بن محمد بن أسماء ووافقه الحسن بن سفيان وأبو يعلى كلاهما عن عبد الله أخرجه الاسماعيلي عنهما وتابعهم

[ 4 ]

معاذ بن المثنى عن عبد الله بن محمد بن أسماء أخرجه البيهقي لكن في رواية موسى بن إسماعيل عن جويرية عن نافع أن بعض بني عبد الله بن عمر قال له فذكر الحديث وظاهره أنه لنافع عن بن عمر بغير واسطة وقد عقب البخاري رواية عبد الله برواية موسى لينبه على الاختلاف في ذلك واقتصر في رواية موسى هنا على الإسناد وساقه في المغازي بتمامه وقد روى يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع كذلك ولفظه أن عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله كلما عبد الله فذكر الحديث أخرجه مسلم وقد أخرجه البخاري في المغازي عن مسدد عن يحيى مختصرا قال فيه عن نافع عن بن عمر أنه أهل فذكر بعض الحديث وفي قوله عن نافع عن بن عمر دلالة على أنه لا واسطة بين نافع وابن عمر فيه كما هو ظاهر سياق مسلم أخرجه البخاري كما سيأتي بعد باب من طريق عمر بن محمد عن نافع مثل سياق يحيى بن عبيد الله سواء وأخرجه في المغازي من طريق فليح وفيما مضى من الحج من طريق أيوب والليث كلهم عن نافع واعرض مسلم عن تخريج طريق جويرية ووافق على طريق تخريج الليث وأيوب عن عبيد الله بن عمر وكذا أخرجه النسائي من طريق أيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية كلهم نافع عن بن عمر بغير واسطة والذي يترجح في نقدي أن مشهور عبد الله اخبرا نافعا بما كلما به أباهما واشارا عليه به من التاخير ذلك العام وأما بقية القصة فشاهدها نافع وسمعها من بن عمر لملازمته إياه فالمقصود من الحديث موصول وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئا من ذلك من بن عمر فقد عرف الواسطة بينهما وهي ولدا عبد الله بن عمر سالم وعبد الله هما ثقتان لا مطعن فيهما ولم أر من نبه على ذلك من شراح البخاري ووقع في رواية جويرية المذكورة عبيد الله بن عبد الله بالتصغير وفي رواية يحيى القطان المذكورة عبد الله بالتكبير وكذا في رواية عمر بن محمد عن نافع قال البيهقي عبد الله يعني مكبرا أصح قلت وليس بمستبعد أن يكون كل منهما كلم أباه في ذلك ولعل نافعا حضر كلام عبد الله المكبر مع أخيه سالم ولم يحضر كلام عبيد الله المصغر مع أخيه سالم أيضا بل أخبراه بذلك فقص عن كل ما انتهى إليه علمه قوله معتمرا في الموطأ من هذا الوجه خرج إلى مكة يريد الحج فقال أن صددت فذكره ولا اختلاف فإنه خرج أو لا يريد الحج فلما ذكروا له أمر الفتنة أحرم بالعمرة ثم قال ما شأنهما الا واحدا فاضاف إليها الحج فصار قارنا قوله في الفتنة بينه في رواية جويرية فقال ليالي نزل الجيش بابن الزبير وقد مضى في باب طواف القارن من طريق الليث عن نافع بلفظ حين نزل الحجاح بابن الزبير والمسلم رواية في يحيى القطان المذكورة حين نزل الحجاج لقتال بن الزبير وقد تقدم في باب من اشترى هدية من الطريق من رواية موسى بن عقبة عن نافع أراد بن عمر الحج عام حج الحرورية وتقدم طريق الجمع بينه وبين رواية الباب قوله أن صددت عن البيت هذا الكلام قال جوابا لقول من قال له أنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت كما اوضحته الرواية التي بعد هذه قوله كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية موسى به عقبة فقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة إذن أصنع كما صنع زاد في رواية الليث عن نافع في باب طواف القارن وكما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحوه في رواية أيوب عن نافع في باب طواف القارن قوله فأهل يعني بن عمر والمراد أنه رفع صوته بالإهلال والتلبية زاد في رواية جويرية التي بعد هذه فقال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي صلى الله عليه

[ 5 ]

وسلم هديه وحلق رأسه قوله من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أهل بعمرة عام الحديبية قال النووي معناه أن أراد أن صددت عن البيت واحصرت تحللت من العمرة كما تحلل النبي صلى الله عليه وسلم من العمرة وقال عياض يحتمل أنه المراد أهل بعمرة كما أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة ويحتمل أنه أراد الامرين أي من الإهلال والاحلال وهو الأظهر وتعقبه النووي وليس هو أخلصته قوله بعمرة زاد في رواية جويرية من ذي الحليفة وفي رواية أيوب الماضية فأهل بالعمرة من الدار والمراد بالدار المنزل الذي نزله بذي الحليفة ويحتمل أن يحمل على الدار التي بالمدينة ويجمع بأنه أهل بالعمرة من انظر بيته ثم أعلن بها واظهرها بعد أن استقر بذي الحليفة قوله عام الحديبية سيأتي بيان ذلك وشرحه في كتاب المغازي أن شاء الله تعالى وأورده المصنف بعد بابين عن إسماعيل وهو بن أويس عن مالك فزاد فيه ثم أن عبد الله بن عمر نظر في أمره فقالت ما امرهما الا واحد أي الحج والعمرة فيما يتعلق بالإحصار والاحلال فالتفت إلى أصحابه فذكر القصة وبين في رواية جويرية أن ذلك وقع بعد أن سار ساعة وهو يؤيد الاحتمال الأول الماضي في أن المراد بالدار المنزل الذي نزله بذي الحليفة ووقع في رواية الليث اشهدكم إني قد أوجبت عمرة ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال ما شأن الحج والعمرة الا واحد ولو كان ايجابه العمرة من داره التي بالمدينة لكان ما بينها وبين ظاهر البيداء أكثر من ساعة قوله في رواية جويرية فلم يحل منهما حتى دخل يوم النحر زاد في رواية الليث فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول وهذا ظاهرا أنه اكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة وهو مشكل ووقع في رواية إسماعيل المذكورة ثم طاف لهما طوافا واحدا ورأى أن ذلك مجزى عنه وقد تقدم البحث في ذلك في آخر باب طواف القارن قوله في رواية جويرية اشهدكم أني قد أوجبت أي الزمت نفسي ذلك وكأنه أراد تعليم من يريد الاقتداء به وإلا فالتلفظ ليس بشرط قوله وأن حيل بيني وبينه أي البيت أي منعت من الوصول إليه لأطوف تحللت بعمل العمرة وهذا يبين أن المراد بقوله وما امرهما الا واحد يعني الحج والعمرة في جواز التحلل منهما بالإحصار أو في إمكان الإحصار عن كل منهما ويؤيد الثاني قوله في رواية يحيى القطان المذكورة بعد قوله ما امرهما الا واحد أن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحج فكأنه رأى أولا أن الإحصار عن الحج أشد من الإحصار عن العمرة لطول زمن الحج وكثرة اعماله فاختار الإهلال بالعمرة ثم رأى أن الإحصار الحنفية يفيد التحلل عنه بعمل العمرة فقال ما امرهما الا واحد وفيه أن الصحابة كانوا يستعملون القياس ويحتجون به وفي هذا الحديث من الفوائد أن من احصر بالعدو بان منعه عن المضي في نسكه حجا كان أو عمرة جاز له التحلل بان ينوي ذلك وينحر هديه ويحلق رأسه أو يقصر منه وفيه جواز إدخال الحج على العمرة وهو قول الجمهور لكن شرطه عند الأكثر أن يكون قبل الشروع في طواف العمرة وقيل أن كان قبل مضى أربعة أشواط صح وهو قول الحنفية وقيل بعد تمام الطواف وهو قول المالكية ونقل بن عبد البر أن أبا ثور شذ فمنع إدخال الحج على العمرة قياسا على منع إدخال العمرة على الحج وفيه أن القارن يقتصر على طواف واحد وقد تقدم البحث فيه في بابه وفيه أن القارن يهدى وشذ بن حزم فقال لا هدى على القارن وفيه جواز الخروج إلى النسك في الطريق المظنون خوفه إذا رجا السلامة قاله بن عبد البر

[ 6 ]

قوله في رواية موسى بن إسماعيل أن بعض بني عبد الله قد تقدم اسمه في الرواية التي قبلها وأنه سالم بن عبد الله أو أخوه عبيد الله أو عبد الله ولم يظهر لي من الذي تولى مخاطبته منهم تنبيه وقع في رواية القعنبي عن مالك في أول أحاديث الباب في آخر قصة بن عمر زيادة وهي وأهدى شاة قال بن عبد البر هي زيادة غير محفوظة لأن بن عمر كان يفسر ما استيسر من الهدى بأنه بدنه دون بدنه أو بقرة دون بقرة فكيف يهدى شاة قوله في حديث بن عباس في آخر الباب حدثنا محمد كذا في جميع الروايات غير منسوب فجزم الحاكم بأنه محمد بن يحيى الذهلي وأبو مسعود بأنه محمد بن مسلم بن وارة وذكر الكلاباذي عن بن أبي سعيد أنه أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي وذكر أنه رآه في أصل عتيق ويؤيده ان الحديث وجد من حديثه عن يحيى بن صالح المذكور كذلك أخرجه الاسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجهما من طريق أبي حاتم ورواية البخاري عنه في باب الذبح فإنه روى عنه البخاري قلت ويحتمل أن يكون هو محمد بن إسحاق الصغائي فقد وجدت الحديث من روايته عن يحيى بن صالح كما سأذكره قوله عن عكرمة قال فقال بن عباس هكذا رايته في جميع النسخ وهو يقتضى سبق كلام يعقبه قوله فقال بن عباس ولم ينبه عليه أحد من شراح هذا الكتاب ولا بينه الاسماعيلي ولا أبو نعيم لأنهما اقتصرا من الحديث على ما أخرجه البخاري وقد بحثت عنه إلى أن يسر الله بالوقوف عليه فقرات في كتاب الصحابة لابن السكن قال حدثني هارون بن عيسى حدثنا الصغائي هو محمد بن إسحاق أحد شيوخ مسلم حدثنا يحيى بن صالح حدثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال سألت عكرمة فقال قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة أنها سألت الحجاج بن عمرو الأنصاري عمن حبس وهو محرم فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرج أو كسر أو حبس فليجزي مثلها وهو في حل قال فحدثت به أبا هريرة فقال صدق وحدثته بن عباس فقال قد احصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق ونحر هديه وجامع نساءه حتى اعتمر عاما قابلا فعرف بهذا السياق القدر الذي حذفه البخاري من هذا الحديث والسبب في حذفه أن الزائد ليس على شرطه لأنه قداختلف في حديث الحجاج بن عمرو على يحيى بن أبي كثير عن عكرمة مع كون عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري فأخرجه أصحاب السنن وابن خزيمة والدارقطني والحاكم من طرق عن الحجاج الصواف عن يحيى عن عكرمة عن الحجاج به وقال في آخره قال عكرمة فسالت أبا هريرة وابن عباس فقالا صدق ووقع في رواية يحيى القطان وغيره في سياقه سمعت الحجاج أخرجه أبو داود والترمذي من طريق معمر عن يحيى عن عكرمة عن عبد الله بن رافع عن الحجاج قال الترمذي وتابع معمرا على زيادة عبد الله بن رافع معاوية بن سلام وسمعت محمدا يعني البخاري يقول رواية معمر ومعاوية أصح انتهى فاقتصر البخاري على ما هو من شرط كتابه مع أن الذي حذفه ليس بعيدا من الصحة فإنه أن كان عكرمة سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك وإلا فالواسطة بينهما وهو عبد الله بن رافع ثقة وأن كان البخاري لم يخرج له وبهذا الحديث احتج من قال لا فرق بين الإحصار بالعدو وبغيره كما تقدمت الإشارة إليه واستدل به على أن من تحلل بالإحصار وجب عليه قضاء ما تحلل منه وهو ظاهر الحديث وقال الجمهور لا يجب وبه قال الحنفية وعن أحمد روايتان وسيأتي البحث فيه بعد بابين أن شاء الله تعالى قوله باب الإحصار في الحج قال بن المنير في الحاشية أشار

[ 7 ]

البخاري إلى أن الإحصار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما وقع في العمرة فقاس العلماء الحج على ذلك وهو من الإلحاق بنفى الفارق وهو من أقوى الأقيسة قلت وهذا ينبني على أن مراد بن عمر بقوله سنة نبيكم قياس من يحصل له الإحصار وهو حاج على من يحصل له في الاعتمار لأن الذي وقع للنبي صلى الله عليه وسلم هو الإحصار عن العمرة ويحتمل أن يكون بن عمر أراد بقوله سنة نبيكم وبما بينه بعد ذلك شيئا سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم في حق من لم يحصل له ذلك وهو حاج والله أعلم قوله أخبرنا عبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد وقد عقب المصنف هذا الحديث بان قال وعن عبد الله أخبرنا معمر عن الزهري نحوه وهو معطوف على الإسناد الأول فكان بن المبارك كان يحدث به تارة عن يونس وتارة عن معمر وليس هو بمعلق كما ادعاه بعضهم وقد أخرجه الترمذي عن أبي كريب عن بن المبارك عن معمر ولفظه أنه كان ينكر الاشتراط ويقول أليس حسبكم سنة نبيكم وهكذا أخرجه الدار قطني من طريق الحسن بن عرفة والاسماعيلي من طريقه ومن طريق أحمد بن منيع وغيره كلهم عن بن المبارك وكذا أخرجه عبد الرزاق وأحمد عنه عن معمر مقتصرا على هذا القدر وأخرجه الاسماعيلي من وجه آخر عن عبد الرزاق بتمامه وكذا أخرجه النسائي وأما إنكار بن عمر الاشتراط فثابت في رواية يونس أيضا الا أنه حذف في رواية البخاري هذه فأخرجه البيهقي من طريق السراج عن أبي كريب عن بن المبارك عن يونس أخرجه النسائي والاسماعيلي من طريق بن وهب عن يونس وأشار بن عمر بانكار الاشتراط إلى ما كان يفتي به بن عباس قال البيهقي لو بلغ بن عمر حديث ضباعة في الاشتراط لقال به وقد وأخرجه الشافعي عن بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بضباعة بنت الزبير فقال أما تريدين الحج فقالت إني شاكية فقال لها حجي واشترطي أن محلى حيث حبستني قال الشافعي لو ثبت حديث عروة لم أعده إلى غيره لأنه لا يحل عندي خلاف ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البيهقي قد ثبت هذا الحديث من أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ساقه من طريق عبد الجبار بن العلاء عن بن عيينة موصولا بذكر عائشة فيه وقال وقد وصله عبد الجبار وهو ثقة قال وقد وصله أبو أسامة ومعمر كلاهما عن هشام ثم ساقه من طريق أبي أسامة وقال أخرجه الشيخان من طريق أبي أسامة قلت وطريق أبي أسامة أخرجها البخاري في كتاب النكاح ولم يخرجها في الحج بل حذف منه ذكر الاشتراط أصلا اثباتا كما في حديث عائشة ونفيا كما في حديث بن عمر وأما رواية معمر التي أشار إليها البيهقي فأخرجها أحمد عن عبد الرزاق ومسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن هشام والزهري فرقهما كلاهما عن عروة عن عائشة ولقصة ضباعة شواهد منها حديث بن عباس أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني امرأة ثقيلة أي في الضعف وإني أريد الحج فما تأمرني قال أهلي الحنفية واشترطي أن محلى حيث تحبسني قال فأدركت أخرجه مسلم وأصحاب السنن والبهيقى من طرق عن بن عباس قال الترمذي وفي الباب عن جابر وأسماء بنت أبي بكر قلت وعن ضباعة نفسها وعن سعدى بنت عوف واسانيدها كلها قوية وصح القول بالاشتراط عن عمر وعثمان وعلي وعمار وابن مسعود وعائشة وأم سلمة وغيرهم من الصحابة ولم يصح إنكاره عن

[ 8 ]

أحد من الصحابة الا عن بن عمر ووافقه جماعة من التابعين ومن بعدهم من الحنفية والمالكية وحكى عياض عن الأصيلي قال لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح قال عياض وقد قال النسائي لا أعلم اسنده عن الزهري غير معمر وتعقبه النووي بان الذي قاله غلط فاحش لأن الحديث مشهور صحيح من طرق متعددة انتهى وقول النسائي لا يلزم منه تضعيف طريق الزهري التي تفرد بها معمر فضلا عن بقية الطرق لأن معمرا ثقة حافظ فلا يضره التفرد كيف وقد وجد لما رواه شواهد كثيرة قوله أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حبس أحدكم عن الحج طاف قال عياض ضبطناه سنة بالنصب على الاختصاص أو على إضمار فعل أي تمسكوا وشبه وخبر حسبكم في قوله طاف بالبيت ويصح الرفع على أن سنة خبر حسبكم أو الفاعل بمعنى الفعل فيه ويكون ما بعدها تفسيرا للسنة وقال السهيلي من نصب سنة فإنه بإضمار الأمر كأنه قال الزموا سنة نبيكم وقد قدمت البحث فيه قوله طاف بالبيت أي إذا أمكنه ذلك وقد وقع في رواية عبد الرازق أن حبس أحدا منكم حابس عن البيت فإذا وصل إليه طاف به الحديث والذي تحصل من الاشتراط في الحج والعمر أقوال أحدها مشروعيته ثم اختلف من قال به فقيل واجب لظاهر الأمر وهو قول الظاهرية وقيل مستحب وهو قول أحمد وغلط من حكى عنه إنكاره وقيل جائز وهو المشهور عند الشافعية وقطع به الشيخ أبو حامد والحق أن الشافعي نص عليه في القديم وعلق القول بصحته في الجديد فصار الصحيح عنه القول به وبذلك جزم الترمذي عنه وهو أحد المواضع التي علق القول بها على صحة الحديث وقد جمعتها في كتاب مفرد مع الكلام على تلك الأحاديث والذين أنكروا مشروعية الاشتراط أجابوا عن حديث ضباعة بأجوبة منها أنه خاص بضباعة حكاه الخطابي ثم الروياني من الشافعية قال النووي وهو تأويل باطل وقيل معناه محلى حيث حبسني الموت إذا ادركتني الوفاة انقطع صاحرامى حكاه إمام الحرمين وأنكره النووي وقال أنه ظاهر الفساد وقيل أن الشرط خاص بالتحلل من العمرة لا من الحج حكاه المحب الطبري وقصة ضباعة ترده كما تقدم من سياق مسلم وقد أطنب بن حزم في التعقب على من أنكر الاشتراط بما لا مزيد عليه وسيأتي الكلام على بقية حديث ضباعة في الاشتراط حيث ذكره المصنف في كتاب النكاح أن شاء الله تعالى قوله باب النحر قبل الحلق في الحصر ذكر فيه حديث المسور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك وهذا طرف من الحديث الطويل الذي أخرجه المصنف في الشروط من الوجه المذكور هنا ولفظه في أواخر الحديث فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا فذكر بقية الحديث وفيه قول أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم أخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك فخرج فنحر بدنه ودعا حالقه فحلقه وعرف بهذا أن المصنف أورد القدر المذكور هنا بالمعنى وأشار بقوله في الترجمة في الحصر إلى أن هذا الترتيب يختص بحال من احصر وقد تقدم أنه لا يجب في حال الاختيار في باب إذا رمى بعد ما أمسى أو حلق قبل أن يذبح ولم يتعرض المصنف لما يجب على من حلق قبل أن ينحر وقد روى بن أبي شيبة من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال عليه دم قال إبراهيم وحدثني سعيد بن جبير عن بن عباس مثله ثم أورد المصنف حديث بن عمر الماضي قبل بباب مختصرا وفيه فنحر

[ 9 ]

بدنه وحلق رأسه وقد أورده البيهقي من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد وهو الذي أخرجه البخاري من طريقه شوال المذكور ولفظه أن عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله كلما عبد الله بن عمر ليالي نزل الحجاج بابن الزبير وقالا لا يضرك أن لا تحج العام أنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت فقال خرجنا فذكر مثل سياق البخاري وزاد في آخره ثم رجع وكذا ساقه الاسماعيلي من طريق أبي بدر الا أنه لم يذكر القصة التي في أوله وساقه من طريق أخرى عن أبي بدر أيضا فقال فيها عن بن عمر أنه قال أن حيل بيني وبين البيت فعلت كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه فأهل بالعمرة الحديث قال بن التيمي ذهب مالك إلى أنه لا هدى على المحصر والحجة عليه هذا الحديث لأنه نقل فيه حكم وسبب فالسبب الحصر والحكم النحر فاقتضى الظاهر تعلق الحكم بذلك السبب والله أعلم قوله باب من قال ليس على المحصر بدل بفتح الموحدة والمهملة أي قضاء لما احصر فيه من حج أو عمرة وهذا هو قول الجمهور كما تقدم قريبا قوله وقال روح يعني أبن عبادة وهذا التعليق وصلة إسحاق بن راهويه في تفسيره عن روح بهذا الإسناد وهو موقوف على بن عباس ومراده بالتلذذ وهو بمعجمتين الجماع وقوله حبسه عذر كذا للأكثر بضم المهملة وسكون المعجمة بعدها راء ولأبي ذر حبسه عدو بفتح أوله وفي آخره واو وقوله أو غير ذلك أي من مرض أو نفاد نفقة وقد ورد عن بن عباس نحو هذا بإسناد آخر أخرجه بن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه وفيه فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها وأن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه وقوله وأن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدى محله هذه مسألة اختلاف بين الصحابة ومن بعدهم فقال الجمهور يذبح المحصر الهدى حيث يحل سواء كان في الحل أو في الحرم وقال أبو حنيفة لا يذبحه الا في الحرم وفصل آخرون كما قاله بن عباس هنا وهو المعتمد وسبب اختلافهم في ذلك هل نحر النبي صلى الله عليه وسلم الهدى بالحديبية في الحل أو في الحرم وكان عطاء يقول لم ينحر يوم الحديبية الا في الحرم ووافقه بن إسحاق وقال غيره من أهل المغازي إنما نحر في الحل وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه قال لما حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا بالحديبية وحلقوا وبعث الله ريحا فحملت شعورهم فالقتها في الحرم قال بن عبد البر في الاستذكار فهذا يدل على إنهم حلقوا في الحل قلت ولا يخفى ما فيه فإنه لا يلزم من كونهم ما حلقوا في الحرم لمنعهم من دخوله أن لا الريح أرسلوا الهدى مع من نحره في الحرم وقد ورد ذلك في حديث ناجيه بن جندب الأسلمي قلت يا رسول الله ابعث معي بالهدي حتى انحره في الحرم ففعل أخرجه النسائي من طريق إسرائيل عن مجزاة بن زاهر عن ناجية أخرجه الطحاوي من وجه آخر عن إسرائيل لكن قال عن ناجيه عن أبيه لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه بل ظاهر القصة أن أكثرهم نحر في مكانه وكانوا في الحل وذلك دال على الجواز والله أعلم قوله وقال مالك وغيره هو مذكور في الموطأ ولفظه أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدى وحلقوا رؤوسهم وحلوا من كل شئ قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل إليه الهدى ثم لم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشئ وسئل مالك عن احصر بعد وفقال يحل من كل شئ وينحر هديه ويحلق رأسه حيث حبس وليس عليه قضاء وأما

[ 10 ]

قول البخاري وغيره فالذي يظهر لي أنه عنى به الشافعي لأن قوله في آخره والحديبية خارج الحرم هو من كلام الشافعي في الأم وعنه أن بعضها في الحل وبعضها في الحرم لكن إنما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحل استدلالا بقوله تعالى وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله قال ومحل الهدى عند أهل العلم الحرم وقد أخبر الله تعالى إنهم صدوهم عن ذلك قال فحيث ما احصر ذبح وحل ولا قضاء عليه من قبل أن الله تعالى لم يذكر قضاء والذي لأعدائنا في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت لأنا علمنا من متواطئ أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون ثم اعتمر عمرة القضية فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال ولو لزمهم القضاء لأمرهم بان لا يتخلفوا عنه وقال في موضع آخر إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش لا على إنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة انتهى وقد روى الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن طريق أبي معشر وغيرهما قالوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم الا من قتل بخيبر أو مات وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهد الحديبية وكانت عدتهم ألفين ويمكن الجمع بين هذا أن صح وبين الذي قبله بان الأمر كان على طريق الاستحباب لأن الشافعي جازم بان جماعة تخلفوا بغير عذر وقد روى الواقدي أيضا من حديث بن عمر قال لم تكن هذه العمرة قضاء ولكن كان شرطا على قريش أن يعتمر المسلمون من قابل في الشهر الذي صدهم المشركون فيه قوله ثم طاف لهما أي للحج والعمرة وهذا يخالف قول الكوفيين أنه يجب لهما طوافان قوله ورأى أن ذلك مجزى عنه كذا لأبي ذر وغيره بالرفع على أنه خبر أن ووقع في رواية كريمة مجزيا فقيل هو على لغة من ينصب بان المبتدأ والخبر أو هي خبر كان المحذوف والذي عندي أنه من خطا الكاتب فإن أصحاب الموطأ اتفقوا على روايته بالرفع على الصواب قوله باب قول الله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وهو مخير فأما الصوم فثلاثة أيام أي باب تفسير قوله تعالى كذا وقوله مخير من كلام المصنف استفاده من أو المكررة وقد أشار إلى ذلك في أول باب كفارات الإيمان فقال وقد خير النبي صلى الله عليه وسلم كعبا في الفدية ويذكر عن بن عباس وعطاء وعكرمة ما كان في القرآن أو فصاحبه بالخيار وسيأتي ذكر من وصل هذه الآثار هناك وأقرب ما وقفت عليه من طرق حديث الباب إلى التصريح ما أخرجه أبو داود من طريق الشعبي عن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أن شئت فانسك نسيكة وأن شئت فصم ثلاثة أيام وأن شئت فأطعم الحديث وفي رواية مالك في الموطأ عن عبد الكريم شوال في آخر الحديث أي ذلك فعلت اجزا وسيأتي البحث في ذلك أن شاء الله تعالى وقوله فأما الصوم في رواية الكشميهني الصيام والصيام المطلق في الآية مقيد بما ثبت في الحديث بالثلاث قال بن التين وغيره جعل الفاء هنا صوم يوم معادلا بصاع وفي الفطر من رمضان عدل الفساد وكذا في الظهار والجماع في رمضان وفي كفارة اليمين بثلاثة إمداد وثلث وفي ذلك أقوى دليل على القياس لا يدخل في الحدود والتقديرات وقسيم قوله فأما الصوم فمحذوف تقديره وأما الصدقة فهي إطعام ستة مساكين وقد أفرد ذلك بترجمة قوله عن حميد بن قيس في رواية أشهب عن مالك أن حميد بن قيس حدثه أخرجها الدارقطني في

[ 11 ]

الموطات قوله مجاهد عبد الرحمن صرح سيف عن مجاهد بسماعه من عبد الرحمن وبأن كعبا حدث عبد الرحمن كما في الباب الذي يليه قال بن عبد البر في رواية حميد بن قيس هذه كذا رواه الأكثر عن مالك ورواه بن وهب وابن القاسم وابن عفير عن مالك بإسقاط عبد الرحمن بن مجاهد وكعب بن عجرة قلت ولمالك فيه اسنادان اخران في الموطأ أحدهما عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد وفي سياقه ما ليس في سياق حميد بن قيس وقد اختلف فيه عن مالك أيضا على العكس مما اختلف فيه عن طريق حميد بن قيس قال الدار قطني رواه أصحاب الموطأ عن مالك عن عبد الكريم عن عبد الرحمن لم يذكروا مجاهدا حتى قال الشافعي أن مالكا وهم فيه وأجاب ابن عبد البر بان بن القاسم وابن وهب في الموطأ وتابعهما جماعة عن مالك خارج الموطأ منهم بشر بن عمر الزهراني وعبد الرحمن بن مهدي وإبراهيم بن طهمان والوليد بن مسلم اثبتوا مجاهدا بينهما وهذا الجواب لا يرد على الشافعي وطريق بن القاسم المشار إليها عند النسائي وطريق بن وهب عند الطبري وطريق عبد الرحمن بن مهدي عند أحمد وسائرها عند الدار قطني في الغرائب والإسناد الثالث لمالك فيه عن عطاء الخراساني عن رجل من أهل الكوفة عن كعب بن عجرة قال بن عبد البر يحتمل أن يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى أو عبد الله بن معقل ونقل ابن عبد البر عن أحمد بن صالح المصري قال حديث كعب بن عجرة في الفدية سنة معمول بها لم يروها من الصحابة غيره ولا رواها عنه الا بن أبي ليلى وابن معقل قال وهي سنة أخذها أهل المدينة عن أهل الكوفة قال الزهري سألت عنها علماءنا كلهم حتى سعيد بن المسيب فلم يبينوا كم عدد المساكين قلت فيما أطلقه بن صالح نظر فقد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب منهم عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطبري والطبراني وأبو هريرة عند سعيد بن منصور وابن عمر عند الطبري وفضالة الأنصاري عمن لا يتهم من قومه عند الطبري أيضا ورواه عن كعب بن عجرة غير المذكورين أبو وائل عند النسائي ومحمد بن كعب القرظي عند بن ماجة ويحية بن جعدة عند احمد وعطاء عند الطبري وجاء عن أبي قلابة والشعبي أيضا عن كعب وروايتهما عند أحمد لكن الصواب أن بينهما واسطة وهو بن أبي ليلى على الصحيح وقد أورد البخاري حديث كعب هذا في أربعة أبواب متوالية وأورده أيضا في المغازي والطب وكفارات الإيمان من طرق أخرى مدار الجميع على بن أبي ليلى وابن معقل فيقيد إطلاق أحمد بن صالح بالصحة فإن بقية الطرق التي ذكرتها لا تخلو عن مقال الا طريق أبي وائل وسأذكر ما في هذه الطرق من فائدة زائدة أن شاء الله تعالى قوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلك في رواية أشهب المقدم ذكرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في رواية عبد الكريم أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم فآذاه القمل وفي رواية سيف في الباب الذي يليه وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية وراسى يتهافت قملا فقال ايؤذيك هو أمك قلت نعم قال فاحلق رأسك الحديث وفيه قال في نزلت هذه الآية فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه زاد في رواية أبي الزبير عن مجاهد عند الطبراني أنه أهل في ذي القعدة وفي رواية اني عن مجاهد عند الطبري أنه لقيه عند الشجرة وهو محرم وفي رواية أيوب عن مجاهد في المغازي أتى علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا اوقد تحت برمة والقمل يتناثر على رأسي زاد في رواية بن عون عن مجاهد في الكفارات

[ 12 ]

فقال ادن فدنوت فقال ايؤذيك وفي رواية بن بشر عن مجاهفيه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون وكانت لي وفرة فجعلت الهوام تتساقط على وجهي فقال ايؤذيك هوام رأسك قلت نعم فأنزلت هذه الآية وفي رواية أبي وائل عن كعب أحرمت فكثر قمل رأسي فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاني وأنا اطبخ قدرا لأصحابي وفي رواية بن أبي نجيح عن مجاهد بعد بابين رآه وأنه ليسقط القمل على وجهه فقال ايؤذيك هوامك قال نعم فأمره أن يحلق وهم بالحديبية ولم يبين لهم إنهم يحلون وهم على طمع أيدخلوا مكة فانزل الله الفدية وأخرجه الطبراني من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد بهذه الزيادة ولأحمد وسعيد بن منصور في رواية أبي قلابة قمات حتى ظننت اكل شعرة من رأسي فيها القمل من أصلها الى فرعها زاد سعيد وكنت حسن الشعر وأول رواية عبد الله بن معقل بعد باب جلست إلى كعب بن عجرة فسألته عن الفدية فقال نزلت في خاصة وهي لكم عامة حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى زاد مسلم من هذا الوجه فسألته عن هذه الآية ففدية من صيام الآية ولأحمد من وجه آخر في هذه الطريق وقع القمل في رأسي ولحيتي حتى حاجبي وشاربي فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى فدعاني فلما رآني قال لقد أصابك بلاء ونحن لا نشعر أدع إلى الحجام فحلقنى ولأبي داود من طريق الحكم بن عيينة عن بن أبي ليلى عن كعب اصابتني هوام حتى تخوفت على بصري وفي رواية أبي وائل عن كعب عند الطبري فحك رأسي بأصبعه فانتثر منه القمل زاد الطبري من طريق الحكم أن هذا لأذى قلت شديد يا رسول الله والجمع بين هذا الاختلاف في قول بن أبي ليلى عن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به فراه وفي قول عبد الله بن معقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إليه فراه أن يقال مر به أو لا فراه على تلك الصورة فاستدعى به إليه فخاطبه وحلق رأسه بحضرته فنقل كل واحد منهما ما لم ينقله الآخر ويوضحه قوله في رواية يا هو بن عون السابقة حيث قال فيها فقال ادن فدنوت فالظاهر أن هذا الاستدناء كان عقب رؤيته إياه إذ مر به وهو يوقد تحت القدر قوله لعلك أذاك هوامك قال القرطبي هذا سؤال عن تحقيق العلة التي يترتب عليها الحكم فلما أخبره بالمشقة التي نالته خفف عنه والهوام بتشديد الميم جمع هامة وهي ما يدب من الاخشاش والمراد بها ما يلازم جسد الإنسان غالبا إذا طال عهده بالتنظيف وقد عين في كثير من الروايات أنها القمل واستدل به على أن الفدية مرتبة على قتل القمل وتعقب بذكر الحلق فالظاهر أن الفدية مرتبة عليه وهما وجهان عند الشافعية يظهر أثر الخلاف فيما لو حلق ولم يقتل قملا قوله احلق رأسك وصم قال بن قدامة لا نعلم خلافا في الحاق الازالة بالحلق سواء كان بموس أو مقص أو نوره أو غير ذلك وأغرب بن حزم فأخرج النتف عن ذلك فقال يلحق جميع الازالات بالحلق الا النتف قوله أو أطعم ليس في هذه الرواية بيان قدر الإطعام وسيأتي البحث فيه بعد باب وهو ظاهر في التخيير بين الصوم والاطعام وكذا قوله أو انسك بشاة ووقع في رواية الكشميهني شاة بغير موحدة والأول تقديره تقرب بشاة ولذلك عداه بالباء والثاني تقديره أذبح شاة والنسك يطلق على العبادة وعلى الذبح المخصوص وسياق رواية الباب موافق للآية وقد تقدم أن كعبا قال أنها نزلت بهذا السبب وقد قدمت في أول الباب أن رواية

[ 13 ]

عبد الكريم صريحة في التخيير حيث قال أي ذلك فعلت اجزا وكذا رواية أبي داود التي فيها أن شئت وأن شئت ووافقتها رواية عبد الوارث عن بن أبي نجيح أخرجها مسدد في مسنده ومن طريقه الطبراني لكن رواية عبد الله بن معقل الآتية بعد باب تقتضي أن التخيير إنما هو بين الإطعام والصيام لمن لم يجد النسك ولفظه قال أتجد شاة قال لا قال فصم أو أطعم ولأبي داود في رواية أخرى امعك دم قال لا قال فإن شئت فصم ونحوه للطبراني من طريق عطاء عن كعب ووافقهم أبو الزبير عن مجاهد عند الطبراني وزاد بعد قوله ما أجد هديا قال فأطعم قال ما أجد قال صم ولهذا قال أبو عوانة في صحيحه فيه دليل على أن من وجد نسكا لا يصوم يعني ولا يطعم لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء الا ما رواه الطبري وغيره عن سعيد بن جبير قال النسك شاة فإن لم يجد قومت الشاة دراهم والدراهم طعاما فتصدق به أو صام لكل نصف صاع يوما أخرجه من طريق الأعمش عنه قال فذكرته لإبراهيم فقال سمعت علقمة مثله فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين وقد جمع بينهما باوجه منها ما قال بن عبد البر أن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لايجابه ومنها ما قال النووي ليس المراد أن الصيام أو الإطعام لا يجزئ الا لفاقد الهدى بل المراد أنه استخبره هل معه هدى أو لا فإن كان واجده أعلمه أنه مخير بينه وبين الصيام والاطعام وأن لم يجده أعلمه أنه مخير بينهما ومحصله أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعيينه لاحتمال أنه لو أعلمه أنه يجده لاخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام والصوم ومنها ما قال غيرهما يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لما إذن له في حلق رأسه بسبب الأذى أفتاه بان يكفر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم أو بوحى غير متلو فلما أعلمه أنه لا يجد نزلت الآية بالتخيير بين الذبح والاطعام والصيام فخيره حينئذ بين الصيام والاطعام لعلمه بأنه لا ذبح معه فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه ويوضح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل المذكور حيث قال أتجد شاة قلت لا فنزلت هذه الآية ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فقال صم ثلاثة أيام أو أطعم وفي رواية عطاء الخراساني قال صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين قال وكان قد علم أنه ليس عندي ما انسك به ونحوه في رواية محمد بن كعب القرظي عن كعب وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره بل السر فيه أن الصحابة الذين خوطبوا شفاها بذلك كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والاطعام وعرف من رواية أبي الزبير ان كعبا افتدى بالصيام ووقع في رواية بن إسحاق ما يشعر بانه افتدى بالذبح لأن لفظه صم أو أطعم أو انسك شاة قال فحلقت رأسي ونسكت وروى الطبراني من طريق ضعيفة عن عطاء عن كعب في آخر هذا الحديث فقلت يا رسول الله خر لي قال أطعم ستة مساكين وسيأتي البحث فيه في الباب الأخير وفيه بقية مباحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى قوله باب قول الله عز وجل أو صدقة وهي إطعام ستة مساكين يشير بها إلى أن الصدقة في الآية مبهمة فسرتها السنة وبهذا قال جمهور العلماء وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الحسن قال الصوم عشرة أيام والصدقة على عشرة مساكين وروى الطبري عن عكرمة ونافع نحوه قال بن عبد البر لم يقل بذلك أحد من فقهاء الأمصار قوله حدثنا سيف هو بن سليمان أو ابن أبي سليمان قوله يتهافت بالفاء أي يتساقط شيئا فشيئا قوله فاحلق رأسك أو احلق بحذف

[ 14 ]

المفعول وهو شك من الراوي قوله بفرق بفتح الفاء والراء وقد تسكن قاله بن فارس وقال الأزهري كلام العرب بالفتح والمحدثون قد يسكنونه وآخره قاف مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلا ووقع في رواية بن عيينة عن بن أبي نجيح عند أحمد وغيره والفرق ثلاث اصع لمسلم من طريق أبي قلابة عن بن أبي ليلى أو أطعم ثلاثة اصع من تمر على ستة مساكين وإذا ثبت أن الفرق ثلاثة اصع اقتضى أن الصاع خمسة أرطال وثلث خلافا لمن قال أن الصاع ثمانية أرطال قوله أو نسك مما تيسر كذا لأبي ذر والأكثر وفي رواية كريمة أو انسك بما تيسر بصيغة الأمر وبالموحدة وهي المناسبة لما قبلها وتقدير الأول أو انسك بنسك والمراد به الذبح قوله باب الإطعام في الفدية نصف صاع أي لكل مسكين من كل شئ يشير بذلك إلى الرد على من فرق في ذلك بين القمح وغيره قال بن عبد البر قال أبو حنيفة والكوفيون نصف صاع من قمح وصاع من تمر وغيره وعن أحمد رواية تضاهي قولهم قال عياض وهذا الحديث يرد عليهم قوله عن عبد الرحمن بن الأصبهاني هو بن عبد الله مر في الجنائز وأنه كوفي ثقة ولشعبة في هذا الحديث إسناد آخر أخرجه الطبراني من طريق حفص بن عمر عنه عن أبي بشر عن مجاهد عن بن أبي ليلى عن كعب قوله عن عبد الله بن معقل وفي رواية أحمد سمعت عبد الله بن معقل أخرجه عن عفان وعن بهز فرقهما عن شعبة حدثنا عبد الرحمن وهو بفتح الميم وسكون المهلة وكسر القاف هو بن مقرن بالقاف وزن محمد ولكن بكسر الراء لأبيه صحبه وهو من ثقات التابعين بالكوفة وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وأخر عن عدي بن حاتم مات سنة ثمان وثمانين من الهجرة يلتبس بعبد الله بن مغفل بالغين المعجمة وزن محمد ويجتمعان في أن كلا منهما مزنى لكن يفترقان بان الراوي عن كعب تابعي والآخر صحابي وفي التابعين من اتفق مع الراوي عن كعب في اسمه واسم أبيه ثلاثة أحدهم يروي عن عائشة وهو محاربي والآخر يروي عن أنس في المسح على العمامة وحديثه عند أبي داود والثالث أصغر منهما أخرج له بن ماجة قوله جلست إلى كعب بن عجرة زاد مسلم في روايته من طريق غندر عن شعبة وهو في المسجد ولأحمد عن بهز قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد وزاد في رواية سليمان بن قرم عن بن الأصبهاني يعني مسجد الكوفة وفيه الجلوس في المسجد ومذاكرة العلم والاعتناء بسبب النزول لما يترتب عليه من معرفة الحكم وتفسير القرآن قوله ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى في رواية المستملى والحموي يبلغ بك وأرى الأول بضم الهمزة أي أظن وأرى الثانية بفتح الهمزة من الرؤية وكذا في قوله أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك وهو شك من الراوي هل قال الوجع أو الجهد والجهد بالفتح المشقة قال النووي والضم لغة في المشقة أيضا وكذا حكاه عياض عن بن دريد وقال صاحب العين بالضم الطاقة وبالفتح المشقة فيتعين الفتح هنا بخلاف لفظ الجهد الماضي في حديث بدء الوحي حيث قال حتى بلغ مني الجهد فإنه محتمل للمعنيين قوله فقلت لا زاد مسلم وأحمد فنزلت هذه الآية ففدية من صيام أو صدقة أو نسك قال صوم ثلاث أيام الحديث قوله لكل مسكين نصف صاع كررها مرتين وللطبراني عن أحمد بن محمد الهدي عن أبي الوليد شيخ البخاري فيه لكل مسكين نصف صاع تمر ولأحمد عن بهز عن شعبة نصف صاع طعام ولبشر بن عمر عن شعبة نصف صاع حنطة ورواية الحكم عن بن أبي ليلى تقتضي أنه نصف صاع من زبيب

[ 15 ]

فإنه قال يطعم فرقا من زبيب بين ستة مساكين قال بن حزم لا بد من ترجيح إحدى هذه الروايات لأنها قصة واحدة في مقام واحد في حق رجل واحد قلت المحفوظ عن شعبة أنه قال في الحديث نصف صاع من طعام والاختلاف عليه في كونه تمرا أو حنطة لعله من يطلق الرواة وأما الزبيب فلم أره الا في رواية الحكم وقد أخرجها أبو داود وفي إسنادها بن إسحاق وهو حجة في المغازي لا في الأحكام إذا خالف والمحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة كما تقدم ولم يختلف فيه على أبي قلابة وكذا أخرجه الطبري من طريق الشعبي وعن كعب وأحمد من طريق سليمان بن قرم عن بن الأصبهاني ومن طريق أشعث وداود عن الشعبي عن كعب وكذا في حديث عبد الله بن عمرو عند الطبراني وعرف بذلك قوة قول من قال لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة وأن الواجب ثلاثة اصع لكل مسكين نصف صاع ولمسلم عن بن أبي عمر عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد في هذا الحديث وأطعم فرقا بين ستة مساكين والفرق ثلاثة اصع وأخرجه الطبري من طريق يحيى بن آدم عن بن عيينة فقال فيه قال سفيان والفرق ثلاثة اصع فاشعر بان تفسير الفرق مدرج لكنه مقتضى الروايات الآخر ففي رواية سليمان بن قرم عن بن الأصبهاني عند أحمد لكل مسكين نصف صاع وفي رواية يحيى بن جعدة عند الاحمد أيضا أو أطعم ستة مساكين مدين مدين وأما ما وقع في بعض النسخ عند مسلم من رواية زكريا عن بن الأصبهاني أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين صاع فهو تحريف ممن دون مسلم والصواب ما في النسخ الصحيحة لكل مسكينين بالتثنية وكذا أخرجه مسدد في مسنده عن أبي عوانة عن بن الأصبهاني على الصواب قوله باب النسك شاة أي النسك المذكور في الآية حيث قال أو نسك وروى الطبري من طريق اني عن مجاهد في آخر هذا الحديث فانزل الله ففدية من صيام أو صدقة أو نسك والنسك شاة ومن طريق محمد بن كعب القرظي عن كعب أمرني بأن احلق وافتدى بشاة قال عياض ومن تبعه لأبي عمر كما ذكر النسك في هذا الحديث مفسرا فإنما ذكروا شاة وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء قلت يعكر عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع عن رجل من الأنصار عن كعب بن عجرة أنه أصابه أذى فحلق فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدى بقرة وللطبراني من طريق عبد الوهاب بن بخت عن نافع عن بن عمر قال حلق كعب بن عجرة رأسه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفتدى فافتدى ببقرة ولعبد بن حميد من طريق أبي معشر عن نافع عن بن عمر قال افتدى كعب من أذى كان برأسه فحلقه ببقرة قلدها واشعرها ولسعيد بن منصور من طريق بن أبي ليلى عن نافع عن سليمان بن يسار قيل لابن كعب بن عجرة ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه قال ذبح بقرة فهذه الطرق كلها تدور على نافع وقد اختلف عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب وقد عارضها ما هو أصح منها من أن الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق المقبري عن أبي هريرة أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه وهذا أصوب من الذي قبله واعتمد بن بطال على رواية نافع عن سليمان بن يسار فقال أخذ كعب بارفع الكفارات ولم يخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمره به من ذبح الشاة بل وافق وزاد ففيه أن من أفتي بايسر الأشياء فله أن يأخذ بأرفعها كما فعل كعب قلت هو فرع ثبوت الحديث ولم يثبت لما قدمته والله أعلم قوله حدثنا

[ 16 ]

إسحاق هو بن إبراهيم المعروف بابن راهويه كما جزم به أبو نعيم وروح هو بن عبادة وشبل هو بن عباد المكي قوله رآه وأنه يسقط كذا للأكثر ولابن السكن وأبي ذر ليسقط بزيادة لام والفاعل محذوف والمراد القمل وثبت كذلك في بعض الروايات ورواه بن خزيمة عن محمد بن معمر عن روح بلفظ رآه وقمله يسقط على وجهه وللاسماعيلي من طريق أبي حذيفة عن شبل رأى قملة يتساقط على وجهه قوله فأمره أن يحلق وهو بالحديبية ولم يتبين لهم إنهم يحلون الخ هذه الزيادة ذكرها الراوي لبيان أن الحلق كان استباحة محظور بسبب الأذى لا لقصد التحلل بالحصر وهو واضح قال بن المنذر يؤخذ منه أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت ان عليه أن يقيم حتى ييأس من الوصول فيحل واتفقوا على ان من يئس من الوصول وجاز له أن يحل فتمادى على إحرامه ثم أمكنه أن يصل أن عليه أن يمضى إلى البيت ليتم نسكه وقال المهلب وغيره ما معناه يستفاد من قوله ولم يتبين لهم إنهم يحلون أن المرأة التي تعرف أو أن حيضها والمريض الذي يعرف أو أن حماه بالعادة فيهما إذا افطرا في رمضان مثلا أو في النهار ثم ينكشف الأمر بالحيض والحمى في ذلك النهار أن عليهما قضاء ذلك اليوم لأن الذي كان في علم الله إنهم يحلون بالحديبية لم يسقط عن كعب الكفارة التي وجبت عليه بالحلق قبل أن ينكشف الأمر لهم وذلك لأنه يجوز أن يتخلف ما عرفناه بالعادة فيجب القضاء عليهما لذلك قوله فانزل الله الفدية قال عياض ظاهرة أن نزول بعد الحكم وفي رواية عبد الله بن معقل أن النزول قبل الحكم قال فيحتمل أن يكون حكم عليه بالكفارة بوحى لا يتلى ثم نزل القرآن ببيان ذلك قلت وهو يؤيد الجمع المتقدم قوله وعن محمد بن يوسف الظاهر انه عطف على حدثنا روح فيكون إسحاق قد رواه عن روح شوال وعن محمد بن يوسف وهو الفريابي شوال وكذا هو في تفسير إسحاق ويحتمل أن تكون العنعنة للبخاري فيكون أورده عن شيخه الفريابي بالعنعنة كما يروي تارة بالتحديث وبلفظ قال وغير ذلك وعلى هذا فيكون شبيها بالتعليق وقد أورده الاسماعيلي وأبو نعيم من طريق هاشم بن سعيد عن محمد بن يوسف الفريابي ولفظه مثل سياق روح في أكثره وكذا هو في تفسير الفريابي بهذا الإسناد وفي حديث كعب بن عجرة من الفوائد وغير متقدم أن السنة مبينة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن وتقييدها بالسنة وتحريم حلق الرأس على المحرم والرخصة له في حلقها إذا اذاه القمل أو غيره من الاوجاع وفيه تلطف الكبير بأصحابه وعنايته باحوالهم وتفقده لهم وإذا رأى ببعض أتباعه ضررا سأل عنه وارشده إلى المخرج منه واستنبط منه بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر فإن ايجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره ومن قال الشافعي والجمهور لا يتخير العامد بل يلزمه الدم وخالف في ذلك أكثر المالكية واحتج لهم القرطبي بقوله في حديث كعب أو أذبح نسكا قال فهذا يدل على أنه ليس بهدى قال فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء قلت لا دلالة فيه إذا لا يلزم من تسميتها نسكا أو نسيكة أن لا تسمى هديا أو لا تعطى حكم الهدى وقد وقع تسميتها هديا في الباب الأخير حيث قال أو تهدى شاة وفي رواية مسلم واهد هديا وفي رواية للطبري هل لك هدى قلت لا أجد فظهر أن ذلك من يطلق الرواة ويؤيده قوله في رواية مسلم أو اذبح شاة واستدل به على أن الفدية لا يتعين لها مكان وبه قال أكثر التابعين وقال الحسن تتعين مكة وقال مجاهد النسك بمكة

[ 17 ]

ومنى والاطعام بمكة والصيام حيث شاء وقريب منه قول الشافعي وأبي حنيفة الدم والاطعام لأهل الحرم والصيام حيث شاء إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم والحق بعض أصحاب أبي حنيفة وأبو بكر بن الجهم من المالكية والاطعام بالصيام واستدل به على أن الحج على التراخي لأن حديث كعب دل على أن نزول قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله كان بالحديبية وهي في سنة ست وفيه بحث والله أعلم صقوله باب قول الله عز وجل فلا رفث ذكر فيه حديث أبي هريرة من حج البيت فلم يرفث أورده من طريق شعبة عن منصور عن أبي حازم عنه ثم قال باب قول الله عز وجل ولا فسوق ولا جدال في الحج وذكر الحديث بعينه لكن من طريق سفيان وهو الثوري عن منصور بهذا السند وليس بين السياقين اختلاف الا في قوله في رواية شعبة كما ولدته أمه وفي رواية سفيان كيوم ولدته أمه وأبو حازم المذكور في الموضعين هو سلمان مولى عزة الاشجعية وصرح منصور بسماعه له في رواية أبي حازم من شعبة فانتفى بذلك تعليل من اعله بالاختلاف على منصور لأن البهيقى أورده من طريق إبراهيم بن طهمان عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي حازم زاد فيه رجلا فإن كان إبراهيم حفظه فلعله حمله منصور عن هلال ثم لقي أبا حازم فسمعه منه فحدث به على الوجهين وصرح أبو حازم بسماعه له من أبي هريرة كما تقدم في أوائل الحج من طريق شعبة أيضا عن يسار عن أبي حازم وقوله كما ولدته أمه أي عاريا من الذنوب وللترمذي من طريق بن عيينة عن منصور ورجاله له ما تقدم من ذنبه ولمسلم من رواية جرير عن منصور من أتى هذا البيت وهو أعم من قوله في بقية الروايات من حج ويجوز حمل لفظ حج على ما هو أعلم من الحج والعمرة فتتساوى رواية من أتى من حيث أن الغالب أن إتيانه إنما هو للحج أو للعمرة وقد تقدمت بقية مباحثه في باب فضل الحج المبرور في أوائل كتاب الحج وتقدم تفسير الرفث وما ذكر معه في آخر حديث بن عباس المذكور في باب قول الله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام قوله باب جزاء الصيد ونحوه وقول الله تعالى ولا تقتلوا الصيد كذا في رواية أبي ذر وأثبت قبل ذلك البسملة ولغيره باب قول الله تعالى الخ بحذف ما قبله قيل السبب في نزول هذه الآية أن أبا اليسر بفتح التحتانية والمهملة قتل حمار وحش وهو محرم في عمرة الحديبية فنزلت حكاه مقاتل في تفسيره ولم يذكر المصنف في رواية أبي ذر في هذه الترجمة حديثا ولعله أشار إلى أنه لم يثبت على شرطه في جزاء الصيد حديث مرفوع قال بن بطال اتفق كثرة الفتوى من أهل الحجاز والعراق وغيرهم على أن المحرم إذا قتل الصيد عمدا أو خطا فعليه الجزاء وخالف أهل الظاهر وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية في الخطا وتمسكوا بقوله تعالى متعمدا فإن مفهومه أن المخطئ بخلافه وهو إحدى الكلب عن أحمد وعكس الحسن ومجاهد فقالا يجب الجزاء في الخطا دون العمد فيختص الجزاء بالخطا والنقمة بالعمد وعنهما يجب الجزاء على العامد أول مرة فإن عاد كان أعظم لإثمه وعليه النقمة لا الجزاء قال الموفق في المغني لا نعلم أحدا خالف في وجوب الجزاء على العامد غيرهما واختلفوا في الكفارة فقال الأكثر هو مخير كما هو ظاهر الآية وقال الثوري يقدم المثل فإن لم يجد أطعم فإن لم يجد صام وقال سعيد بن جبير إنما الطعام والصيام فيما لا يبلغ ثمن الصيد واتفق الأكثر على تحريم أكل ما صاده المحرم وقال الحسن والثوري وأبو ثور وطائفة يجوز أكله وهو كذبيحة السارق وهو وجه للشافعية وقال الأكثر أيضا أن الحكم في ذلك

[ 18 ]

ما حكم به السلف لا يتجاوز ذلك وما لم يحكموا فيه يستانف فيه الحكم وما اختلفوا فيه يجتهد فيه وقال الثوري الاختيار في ذلك للحكمين في كل زمن وقال مالك يستانف الحكم والخيار إلى المحكوم عليه وله أن يقول للحكمين لا تحكما علي لا بالإطعام وقال الأكثر الواجب في الجزاء نظير الصيد من النعم وقال أبو حنيفة الواجب القيمة ويجوز صرفها في المثل وقال الأكثر في الكبير كبير وفي الصغير صغير وفي الصحيح صحيح وفي الكسير كسير وخالف مالك فقال في الكبير والصغير كبير وفي الصحيح والمعيب صحيح واتفقوا على أن المراد بالصيد ما يجوز أكله للحلال من الحيوان الوحشى وأن لا شئ فيما يجوز قتله واختلفوا في المتولد فألحقه الأكثر بالمأكول ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة جدا فلنقتصر على هذا القدر هنا قوله باب إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد أكله كذا ثبت لأبي ذر وسقط للباقين فجعلوه من جملة الباب الذي قبله قوله ولم ير بن عباس وأنس بالذبح بأسا وهو في غير الصيد نحو الإبل والغنم والبقر والدجاج والخيل المراد بالذبح ما يذبحه المحرم والأمر ظاهره العموم لكن المصنف خصصه بما ذكر تفقها فإن الصحيح أن حكم ما ذبحه المحرم من الصيد حكم الميتة وقيل يصح مع الحرمة حتى يجوز لغير المحرم أكله وبه قال الحسن البصري وأثر بن عباس وصله عبد الرزاق من طريق عكرمة أن بن عباس أمره أن يذبح جزورا وهو محرم وأما أثر أنس فوصله بن أبي شيبة من طريق الصباح البجلي سألت أنس بن مالك عن المحرم يذبح قال نعم وقوله وهو أي المذبوح الخ من كلام المصنف قاله تفقها وهو متفق عليه فيما عدا الخيل فإنه مخصوص بمن يبيح أكلها قوله يقال عدل مثل فإذا كسرت عدل فهو زنة ذلك وأما تفسير العدل بالفتح بالمثل والكسر بالزنة فهو قول أبي عبيدة في المجاز وغيره وقال الطبري العدل في كلام العرب بالفتح وهو قدر الشئ من غير جنسه والعدل بالكسر قدره من جنسه قال وذهب بعض أهل العلم بكلام العرب إلى أن العدل الحدود من قول القائل عدلت هذا بهذا وقال بعضهم العدل هو القسط في الحق والعدل بالكسر المثل انتهى وقد تقدم شئ من هذا في الزكاة قوله قياما قواما هو قول أبي عبيدة أيضا وقال الطبري أصله الواو فحولت عين الفعل ياء كما قالوا في الصوم صمت صياما وأصله صواما قال الشاعر قيام دنيا وقوام دين فرده إلى أصله قال الطبري فالمعنى جعل الله الكعبة بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه يقال فلان قيام البيت وقوامه الذي يقيم شانهم قوله يعدلون يجعلون له عدلا هو متفق عليه بين أهل التفسير ومناسبة إيراده هنا ذكر لفظ العدل في قوله أو عدل ذلك صياما وفي قوله يعدلون فأشار إلى إنهما من مادة واحدة وقوله يجعلون له عدلا أي مثلا تعالى الله عن قولهم قوله حدثنا هشام هو الدستوائي ويحيى هو بن أبي كثير قوله عند عبد الله بن أبي قتادة في رواية معاوية بن سلام عن يحيى عند مسلم أخبرني عبد الله بن أبي قتادة قوله انطلق أبي عام الحديبية هكذا ساقه مرسلا وكذا أخرجه مسلم من طريق معاذ بن هشام عن أبيه أخرجه أحمد عن بن علية عن هشام لكن أخرجه أبو داود الطيالسي عن هشام عن يحيى فقال عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنه انطلق مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية على بن المبارك عن يحيى المذكورة في الباب الذي يليه أن أباه حدثه وقوله بالحديبية أصح من رواية الواقدي من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قتادة أن ذلك كان في عمرة القضية قوله فاحرم أصحابه ولم يحرم

[ 19 ]

الضمير لأبي قتادة بينه مسلم أحرم أصحابي ولم أحرم وفي رواية على بن المبارك وانبئنا بعدو بغيقة فتوجهنا نحوهم وفي هذا السياق حذف بينته رواية عثمان بن موهب عن عبد الله بن أبي قتادة وهي بعد بابين بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال خذوا ساحل البحر حتى بثار فاخذوا ساحل البحر فلما انصرفوا احرموا كلهم الا أبا قتادة وسيأتي الجمع هناك بين قوله في هذه الرواية خرج حاجا وبين قوله في حديث الباب عام الحديبية أن شاء الله تعالى وبين المطلب عن أبي قتادة عن سعيد بن منصور مكان صرفهم ولفظه خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغنا الروحاء قوله وحدث بضم أوله على البناء للمجهول وقوله بغيقة أي في غيقة وهو بفتح الغين المعجمة بعدها ياء ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم هاء قال السكوني هو ماء لبني غفار بين مكة والمدينة وقال يعقوب هو قليب لبني ثعلبة يصب فيه ماء رضوى ويصب هو في البحر وحاصل القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في عمرة الحديبية فبلغ الروحاء وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلا اخبروه بان عدوا من المشركين بوادي غيقة يخشى منهم أن يقصدوا غرته فجهز طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرهم فلما آمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه النبي صلى الله عليه وسلم فأحرموا الا هو فاستمر هو حلالا لأنه إما لم يجاوز الميقات وأما لم يقصد العمرة وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكر أبو بكر الأثرم قال كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث ويقولون كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم ولا يدرون ما وجهه قال حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد فيها خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحرمنا فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بابي قتادة وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في وجه الحديث قال فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة قلت وهذه الرواية التي أشار إليها تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وليس كذلك لما بيناه ثم وجدت في صحيح بن حبان والبزار من طريق غياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا قتادة على الصدقة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعسفان فهذا سبب آخر ويحتمل جمعهما والذي يظهر أن أبا قتادة إنما آخر الإحرام لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة فساغ له التاخير وقد استدل بقصة أبي قتادة على جواز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجا ولا عمرة وقيل كانت هذه القصة قبل أن يؤقت النبي صلى الله عليه وسلم المواقيت وأما قول عياض ومن تبعه أن أبا قتادة لم يكن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وإنما بعثه أهل المدينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعلمونه أن بعض العرب قصدوا الاغارة على المدينة فهو ضعيف مخالف لما ثبت في هذه الطريق الصحيحة طريق عثمان بن موهب الآتية بعد بابين كما أشرت إليها قبل قوله فبينا أبي مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض في رواية علي بن المبارك فبصر أصحابي بحمار وحش فجعل بعضهم يضحك إلى بعض زاد في رواية أبي حازم وأحبوا لو إني أبصرته هكذا في جميع الطرق والروايات ووقع في رواية العذري في مسلم فجعل بعضهم يضحك إلى فشددت الياء من إلى قال عياض وهو خطأ وتصحيف وإنما سقط عليه لفظة بعض ثم احتج لضعفها بأنهم لو ضحكوا إليه لكانت أكبر إشارة وقد قال لهم النبي صلى الله عليه

[ 20 ]

وسلم هل منكم أحد أمره أو أشار إليه قالوا لا وإذا دل المحرم الحلال على الصيد لم يأكل منه اتفاقا وإنما اختلفوا في وجوب الجزاء انتهى وتعقبه النووي بأنه لا يمكن رد هذه الرواية لصحتها وصحة الرواية الأخرى وليس في واحدة منها دلالة ولا إشارة فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة قال بعض العلماء وإنما ضحكوا تعجبا من عروض الصيد لهم ولا قدرة لهم عليه قلت قوله فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة صحيح ولكن لا يكفي رد دعوى القاضي فإن قوله يضحك بعضهم إلى بعض هو مجرد ضحك وقوله يضحك بعضهم إلى فيه مزيد أمر على مجرد الضحك والفرق بين الموضعين إنهم اشتركوا في رؤيته فاستووا في ضحك بعضهم إلى بعض وأبو قتادة لم يكن رآه فيكون ضحك بعضهم إليه بغير سبب باعثا له على التفطن إلى رؤيته ويؤيد ما قال القاضي ما وقع في رواية أبي النضر عن مولى أبي قتادة كما سيأتي في الصيد بلفظ إذ رأيت الناس متشوقين لشئ فذهبت انظر فإذا هو حمار وحش فقلت ما هذا فقالوا لا ندري فقلت هو حمار وحش فقالوا هو ما رأيت ووقع في حديث أبي سعيد عند البزار والطحاوي وابن حبان في هذه القصة وجاء أبو قتادة وهو حل فنكسوا رؤوسهم كراهية أن يحدوا أبصارهم له فيفطن فيراه أه فكيف يظن بهم مع ذلك إنهم ضحكوا إليه فتبين أن الصواب ما قال القاضي وفي قول الشيخ قد صحت الرواية نظر لأن الاختلاف في اثبات هذه اللفظة وحذفها لم يقع في طريقين مختلفين وإنما وقع في سياق إسناد واحد مما عند مسلم فكان مع من أثبت لفظ بعض زيادة علم سالمة من الاشكال فهي مقدمة وبين محمد بن جعفر في روايته عن أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة كما سيأتي في الهبة أن قصة صيده للحمار كانت بعد أن اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونزلوا في بعض المنازل ولفظه كنت يوما جالسا مع رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في منزل في طريق مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نازل أمامنا والقوم محرومون وأنا غير محرم وبين في هذه الرواية السبب الموجب لرؤيتهم إياه دون أبي قتادة بقوله فأبصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول اخصف نعلي فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أني أبصرته والتفت فأبصرته ووقع في حديث أبي سعيد المذكور أن ذلك وقع وهم بعسفان وفيه نظر والصحيح ما سيأتي بعد باب من طريق صالح بن جلس عن بن محمد مولى أبي قتادة عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالقاحة ومنا المحرم وغير محرم فرأيت أصحابي يتراءون شيئا فنظرت فإذا حمار وحش الحديث والقاحة بقاف ومهملة خفيفة بعد الألف موضع قريب من السقيا كما سيأتي قوله فنظرت هذا فيه التفات فان السياق الماضي يقتضي أن يقول فنظر لقوله فبينا أبي مع أصحابه فالتقدير قال أبي فنظرت وهذا يؤيد الرواية الموصولة قوله فإذا أنا بحمار وحش قد تقدم أن رؤيته له كانت متاخرة عن رؤية أصحابه وصرح بذلك فضيل بن سليمان في روايته عن أبي حازم كما سيأتي في الجهاد ولفظه فرأوا حمارا وحشيا قبل أن يراه أبو قتادة فلما رأوه تركوه حتى رآه فركب قوله فحملت عليه في رواية محمد بن جعفر فقمت إلى الفرس فاسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم ناولوني السوط والرمح فقالوا لا والله لا نعينك عليه بشئ فغضبت فنزلت فاخذتهما ثم ركبت وفي رواية فضيل بن سليمان فركب فرسا له يقال له الجرادة فسألهم أن يناولوه سوطه فأبوا فتناوله وفي رواية أبي النضر وكنت نسيت سوطي فقلت لهم ناولوني سوطي فقالوا لا نعينك عليه فنزلت فأخذته ووقع عند النسائي من

[ 21 ]

طريق شعبة بن عثمان بن موهب وعند بن أبي شيبة من طريق عبد العزيز بن رفيع وأخرج مسلم اسنادهما كلاهما عن أبي قتادة فاختلس من بعضهم سوطا والرواية الأولى أقوى ويمكن أن يجمع بينهما بأنه رأى في سوط نفسه تقصيرا فأخذ سوط غيره واحتاج إلى اختلاسه لأنه لو طلبه منه اختيارا لامتنع قوله فطعنته فأثبته بالمثلثة ثم الموحدة ثم المثناة أي جعلته ثابتا في مكانه لا حراك به وفي رواية أبي حازم فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به وقد مات وفي رواية أبي النضر حتى عقرته فأتيت إليهم فقلت لهم قوموا فاحتملوا فقالوا لا ريو فحملته حتى جئتهم به قوله فأكلنا من لحمه في رواية فضيل عن أبي حازم فأكلوا فندموا وفي رواية محمد بن جعفر عن أبي حازم فوقعوا يأكلون منه ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم فرحنا وخبات العضد معي وفي رواية مالك عن أبي النضر فأكل منهم بعضهم وأبي بعضهم وفي حديث أبي سعيد فجعلوا يشوون منه وفي رواية المطلب عن أبي قتادة عن سعيد بن منصور فظللنا نأكل منه ما شئنا طبيخا وشواء ثم تزودنا منه قوله وخشينا أن نقتطع أي نصير مقطوعين عن النبي صلى الله عليه وسلم منفصلين عنه لكونه سبقهم وكذا قوله بعد هذا وخشوا أن يقتطعوا دونك وبين ذلك رواية على بن المبارك عن يحيى عند أبي عوانة بلفظ وخشينا أن يقتطعنا العدو وفيها عند المصنف وإنهم خشوا أن يقتطعهم العدو دونك وهذا يشعر بان سبب اسراع أبي قتادة لادراك النبي صلى الله عليه وسلم خشية على أصحابه أن ينالهم بعض اعدائهم وفي رواية أبي النضر الآتية في الصيد فأبى بعضهم أن يأكل فقلت أنا طفيلي لكم النبي صلى الله عليه وسلم فأدركته فحدثته الحديث ففي هذا سبب أن سبب ادراكه أن يستفتيه عن قصة أكل الحمار ويمكن الجمع بان يكون ذلك بسبب الامرين قوله أرفع بالتخفيف والتشديد أي اكلفه السير وشأوا بالشين المعجمة بعدها همزة ساكنة أي تارة والمراد أنه يركضه تارة ويسير بسهولة أخر قوله فلقيت رجلا من بني غفار لم اقف على اسمه قوله تركته بتعهن وهو قائل السقيا السقيا بضم المهملة واسكان القاف بعدها تحتانية مقصورة قرية جامعة بين مكة والمدينة وتعهن بكسر المثناة وبفتحها بعدها عين مهملة ساكنة ثم هاء مكسورة ثم نون ورواية الأكثر بالكسر وبه قيدها البكري في معجم البلاد ووقع عند الكشميهني بكسر أوله وثالثه ولغيره بفتحهما وحكى أبو ذر الهروي أنه سمعها من العرب بذلك المكان بفتح الهاء ومنهم من يضم التاء ويفتح العين ويكسر الهاء قيل وهو من تغييراتهم والصواب الأول وأغرب أبو موسى المديني فضبطه بضم أوله وثانيه وبتشديد الهاء قال ومنهم من يكسر التاء وأصحاب الحديث يسكنون العين ووقع في رواية الاسماعيلي بدعهن بالدال المهملة بدل المثناة وقوله قائل قال النووي روى بوجهين أصحهما واشهرهما بهمزة بين الألف واللام من القيلولة أي تركته في الليل بتعهن وعزمه أن يقيل بالسقيا فمعنى قوله وهو قائل أي سيقيل والوجه الثاني أنه قابل بالباء الموحدة وهو غريب وكأنه تصحيف فإن صح فمعناه أن تعهن موضع مقابل للسقيا فعلى الأول الضمير في قوله وهو للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى الثاني الضمير للموضع وهو تعهن ولا شك أن الأول أصوب وأكثر فائدة وأغرب القرطبي فقال قوله وهو قائل اسم فاعل من القول أو من القائلة والأول هو المراد هنا والسقيا مفعول بفعل مضمر وكأنه كان بتعهن وهو يقول لأصحابه اقصدوا السقيا ووقع عند الاسماعيلي من طريق بن

[ 22 ]

علية عن هشام وهو قائم بالسقيا فأبدل اللام في قائل ميما وزاد الباء في السقيا قال الاسماعيلي الصحيح قائل باللام قلت وزيادة الباء توهى الاحتمال الأخير المذكور قوله فقلت في السياق حذف تقديره فسرت فأدركته فقلت ويوضحه رواية على بن المبارك في الباب الذي يليه بلفظ فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيته فقلت يا رسول الله قوله أن أهلك يقرأون عليك السلام المراد بالأهل هنا الأصحاب بدليل رواية مسلم وأحمد وغيرهما من هذا الوجه بلفظ أن أصحابك قوله فانتظرهم بصيغة فعل الأمر من الانتظار زاد مسلم من هذا الوجه فانتظرهم بصيغة الفعل الماضي منه ومثله لأحمد عن بن علية وفي رواية على بن المبارك فانتظرهم ففعل قوله أصبت حمار وحش وعندي منه فاضلة كذا للأكثر بضاد غدا أي فضلة قال الخطابي قطعه فضلت منه فهي فاضلة أي باقية قوله فقال للقوم كلوا سيأتي الكلام عليه وعلى ما في الحديث من الفوائد بعد بابين قوله باب إذا رأى المحرمون صيدا فضحكوا ففطن الحلال أي لا يكون ذلك منهم إشارة له إلى الصيد فيحل لهم أكل الصيد ويجوز كسر الطاء من فطن وفتحها قوله عن يحيى هو بن أبي كثير قوله وأنبئنا بضم أوله أي وأخبرنا قوله فبصر بفتح الموحدة وضم المهملة وفرواية الكشميهني فنظر بنون وظاء مشالة وعلى هذا فدخول الباء في قوله بحمار وحش مشكل الا أن يقال ضمن نظر معنى بصر أو الباء بمعنى إلى على مذهب من يقول أنها تتناوب قوله أنا اصدنا بتشديد المهملة والدال للأكثر بالادغام وأصله اصطدنا فأبدلت الطاء مثناة ثم ادغمت ولبعضهم بتخفيف الصاد وسكون الدال أي اثرنا من الاصاد وهو الاثارة ولبعضهم صدنا بغير ألف قوله باب لا يعين المحرم الحلال في قتل الصيد أي بفعل ولا قول قيل أراد بهذه الترجمة الرد على من فرق من أهل الراى بين الإعانة التي لا يتم الصيد الا بها فتحرم وبين الإعانة التي يتم الصيد بدونها فلا تحرم قوله حدثنا عبد الله هو بن محمد الجعفي المسندي وسفيان هو بن عيينة قوله عن صالح في رواية كريمة وغيرها حدثنا صالح قوله بالقاحة بالقاف والمهملة واد على نحو ميل من السقيا إلى جهة المدينة ويقال لواديها وادي العباديد وقد بين المصنف في الطريق الأولى أنها من المدينة على ثلاث أي ثلاث مراحل قال عياض رواه الناس بالقاف الا القابسي فضبطوه عنه بالفاء وهو تصحيف قلت ووقع عند الجوز في من طريق عبد الرحمن بن بشر عن سفيان بالصفاح بدل القاحة والصفاح بكسر المهملة بعدها فاء وآخره الركعة وهو تصحيف فإن الصفاح موضع بالروحاء وبين الروحاء وبين السقيا مسافة طويلة وقد تقدم أن الروحاء هو المكان الذي ذهب أبو قتادة وأصحابه منه إلى جهة البحر ثم التقوا بالقاحة وبها وقع له الصيد المذكور وكأنه تأخر هو ورفقته للراحة أو غيرها وتقدمهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى السقيا حتى لحقوه قوله وحدثنا على بن عبد الله هو بن المديني هكذا حول المصنف الإسناد إلى رواية علي للتصريح فيه عن سفيان بقوله حدثنا صالح بن جلس وقد اعتبرته فوجدته ساق المتن على لفظ على خاصة وهذه عادة المصنف غالبا

[ 23 ]

إذا تحول إلى إسناد ساق المتن على لفظ الثاني قوله عن أبي محمد هو نافع مولى أبي قتادة الذي روى عنه أبو النضر وسيأتي في كتاب الصيد من طريق مالك وغيره عنه ووقع عند مسلم عن بن عمر عن سفيان عن صالح سمعت أبا محمد مولى أبي قتادة وكذا وقع هنا في رواية كريمة ولأحمد من طريق سعد بن إبراهيم سمعت رجلا كان يقال له مولى أبي قتادة ولم يكن مولى أي لأبي قتادة وفي رواية بن إسحاق عن عبد الله بن أبي سلمة أن نافعا مولى بني غفار فتحصل من ذلك أنه لم يكن مولى لأبي قتادة حقيقة وقد صرح بذلك بن حبان فقال هو مولى عقيلة بنت طلق الغفارية وكان يقال له مولى أبي قتادة نسب إليه ولم يكن مولاه قلت فيحتمل أنه نسب إليه لكونه كان زوج مولاته أو للزومه إياه أو نحو ذلك كما وقع لمقسم مولى بن عباس وغيره والله أعلم قوله يتراءون يتفاعلون من الرؤية قوله فإذا حمار وحسن يعني وقع سوطه فقالوا نعينك كذا وقع هنا والشك فيه من البخاري فقد رواه أبو عوانة عن أبي داود الحراني عن على بن المديني بلفظ فإذا حمار وحش فركبت فرسي وأخذت الرمح والسوط فسقط مني السوط فقلت ناولوني فقالوا ليس نعينك عليه بشئ أنا محرمون وفي قولهم أنا محرمون دلالة على أنهم كانوا قد علموا أنه يحرم على المحرم الإعانة على قتل الصيد قوله فتناولته زاد أبو عوانة بشئ وبهذا يندفع اشكال من قال ذكر التناول بعد الأخذ تكرار أو معناه تكلفت الأخذ فاخذته قوله من وراء أكمة بفتحات هن التل من حجر واحد وقد تقدم ذكرها في الاستسقاء قوله فقال بعضهم كلوا قد تقدم من عدة أوجه أنهم أكلوا والظاهر أنهم أكلوا أول ما أتاهم به ثم طرا عليهم الشك كما في لفظ عثمان بن موهب في الباب الذي يليه فأكلنا من لحمها ثم قلنا أنأكل من لحم صيد ونحن محرمون وأصرح من ذلك رواية أبي حازم في الهبة بلفظ ثم جئت به فوقعوا فيه يأكلون ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم وفي حديث أبي سعيد فجعلوا يشوون منه ثم قالوا رسول الله بين اظهرنا وكان تقدمهم فلحقوه فسألوه قوله وهو أمامنا بفتح أوله قوله فقال كلوه حلال كذا وقع بحذف المبتدأ وبين ذلك أبو عوانة فقال كلوه فهو حلال وفي رواية مسلم فقال هو حلال فكلوه قوله قال لنا عمرو أي بن دينار وصرح به أبو عوانة في روايته والقائل سفيان والغرض بذلك تأكيد ضبطه له وسماعه له من صالح وهو بن جلس وقوله ههنا يعني مكة والحاصل أن صالح بن جلس كان مدنيا فقدم مكة فدل عمرو بن دينار أصحابه عليه ليسمعوا منه وقرأت بخط بعض من تكلم على هذا الحديث ما نصه في قول سفيان قال لنا عمرو الخ اشكال فإن سفيان روى ذلك عن صالح فكيف يقول له عمرو ولمن معه اذهبوا إلى صالح فيحتمل أنه قال ذلك تأكيدا في تجديد سماع سفيان ذلك منه مرة بعد أخرى ويؤخذ منه أن سفيان حدث بذلك عن صالح في حال حياته انتهى وهو احتمال بعيد جدا وزعم أن عمرو بن دينار قال لهم ذلك حين قدم عليهم بكار قال وكأنه سمع سفيان يحدث به عن صالح فصدقه وأكده بما قال وقوله اذهبوا إليه أي إلى صالح بالمدينة الله وهذا أبعد من الأول وما سمعه سفيان من صالح الا بمكة ولم يقدم عمرو الكوفة وإنما قال ذلك لسفيان وهما بمكة وما حدث به سفيان لعلي الا بعد موت صالح وعمرو بمدة طويلة وأراد بقوله قال لنا عمرو اذهبوا الخ كيفية تحمله له من صالح وأنه بدلالة عمرو والله أعلم قوله باب لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال أشار المصنف إلى تحريم ذلك ولم

[ 24 ]

يتعرض لوجوب الجزاء في ذلك وهي مسألة خلاف فاتفقوا كما تقدم على تحريم الإشارة إلى الصيد ليصطاد وعلى سائر وجوه الدلالات على المحرم لكن قيده أبو حنيفة بما إذا لم يمكن الاصطياد بدونها واختلفوا في وجوب الجزاء على المحرم إذا الحلال على الصيد بإشارة أو غيرها أو أعان عليه فقال الكوفيون وأحمد وإسحاق يضمن المحرم ذلك وقال مالك والشافعي لا ضمان عليه كما لو دل الحلال حلالا على قتل صيد في الحرم قالوا ولا حجة في حديث الباب لأن السؤال عن الإعانة والإشارة إنما وقع ليبين لهم هل يحل لهم أكله أو لا ولم يتعرض لذكر الجزاء واحتج الموفق بأنه قول علي وابن عباس ولا نعلم لهما مخالفا من الصحابة وأجيب بأنه اختلف فيه على بن عباس وفي ثبوته عن على نظر ولان القاتل انفرد بقتله باختياره مع انفصال الدال عنه فصار كمن دل محرما أو صائما على امرأة فوطئها فإنه يأثم بالدلالة ولا يلزمه كفارة ولا يفطر بذلك قوله حدثنا عثمان هو بن موهب بفتح الهاء وموهب جده وهو عثمان بن عبد الله التيمي مدني تابعي ثقة روى هنا عن تابعي أكبر منه قليلا قوله خرج حاجا قال الاسماعيلي هذا غلط فإن القصة كانت في عمرة وأما الخروج إلى الحج فكان في خلق كثير وكان كلهم على الجادة على ساحل البحر ولعل الراوي أراد خرج محرما فعبر عن الإحرام الحنفية غلطا قلت لاغلط في ذلك بل هو من المجاز السائغ وأيضا فالحج في الأصل قصد البيت فكأنه قال خرج قاصدا للبيت ولهذا يقال للعمرة الحج الأصغر ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن بكر المقدمي عن أبي عوانة بلفظ خرج حاجا أو معتمرا أخرجه البيهقي فتبين أن الشك فيه من أبي عوانة وقد جزم يحيى بن أبي كثير بأن ذلك كان في عمرة الحديبية وهذا هو المعتمد قوله الا أبا قتادة كذا الكشميهني ولغيره الا أبو قتادة بالرفع ووقع بالنصب عند مسلم وغيره من هذا الوجه قال بن مالك في التوضيح حق المستثنى بالا من كلام تام موجب أن ينصب مفردا كان أو مكملا معناه بما بعده فالمفرد نحو قوله تعالى الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين والمكمل نحو أنا لمنجوهم أجمعين الا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين في هذا النوع الا النصب وقد بالقطعة وروده مرفوعا بالابتداء مع ثبوت الخبر ومع حذفه فمن أمثلة الثابت الخبر قول أبي قتادة احرموا كلهم الا أبو قتادة لم يحرم فالا بمعنى لكن وأبو قتادة مبتدأ ولم يحرم خبره ونظيره من كتاب الله تعالى ولا يلتفت منكم أحد الا امرأتك أنه مصيبها ما أصابهم فإنه لا يصح أن يجعل امرأتك بدلا من أحد لأنها لم تسر معهم فيتضمنها ضمير المخاطبين وتكلف بعضهم بأنه وأن لم يسر بها لكنها شعرت بالعذاب فتبعتهم ثم التفتت فهلكت قال وهذا على تقدير صحته لا يوجب دخولها في المخاطبين ومن أمثلة المحذوف الخبر قوله صلى الله عليه وسلم كل أمتي معافى الا المجاهرون أي لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون ومنه من كتاب الله تعالى قوله تعالى فشربوا منه الا قليل منهم أي لكن قليل منهم لم يشربوا قال وللكوفيين في هذا الثاني مذهب آخر وهو أن يجعلوا الا حرف عطف وما بعدها معطوف على ما قبلها أه وفي نسبة الكلام المذكور لابن أبي قتادة دون أبي قتادة نظر فإن سياق الحديث ظاهر في أن قوله قول أبي قتادة حيث قال أن أباه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة إلى أن قال احرموا كلهم الا أبو قتادة وقول أبي قتادة فيهم أبو قتادة من باب التجريد وكذا قوله

[ 25 ]

الا أبو قتادة ولا حاجة إلى جعله من قول ابنه لأنه يستلزم أن يكون الحديث مرسلا ومن توجيه الرواية المذكورة وهي قوله الا أبو قتادة أن يكون على مذهب من يقول على بن أبو طالب قوله فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا في هذا السياق زيادة على جميع الروايات لأنها متفقة على افراد الحمار بالرؤية وافادت هذه الرواية أنه من جملة الحمر وأن المقتول كان أتانا أي أنثى فعلى هذا في إطلاق الحمار عليها تجوز قوله فحملنا ما بقي من لحم الأتان وفي رواية أبي حازم الآتية للمصنف في الهبة فرحنا وخبات العضد معي وفيه معكم منه شئ فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها وله في الجهاد قال معنا رجله فأخذها فأكلها وفي رواية المطلب قد رفعنا لك الذراع فأكل منها قوله قال امنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها قالوا لا وفي رواية مسلم هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشئ وله من طريق شعبة عن عثمان هل أشرتم أو أعنتم أو اصطدتم ولأبي عوانة من هذا الوجه أشرتم أو اصطدتم أو قتلتم قوله قال فكلوا ما بقي من لحمها صيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب لأنها وقعت جوابا عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال ولم يذكر في هذه الرواية أنه صلى الله عليه وسلم أكل من لحمها وذكره في روايتي أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة كما تراه ولم يذكر ذلك أحد من الرواة عن عبد الله بن أبي قتادة غيره ووافقه صالح بن حسان عند أحمد وأبي داود الطيالسي وأبي عوانة ولفظه فقال كلوا واطعموني وكذا لم يذكرها أحد من الرواة عن أبي قتادة نفسه الا المطلب عن سعيد بن منصور ووقع لنا من رواية أبي محمد وعطاء بن يسار وأبي صالح كما سيأتي في الصيد ومن رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن إسحاق ومن رواية عبادة بن تميم وسعد بن إبراهيم عند أحمد وتفرد معمر عن يحيى بن أبي كثير بزيادة مضادة لروايتي أبي حازم كما أخرجه إسحاق وابن خزيمة والدارقطني من طريقه وقال في آخره فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت إنما اصطدته لك فأمر أصحابه فاكلوه ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له قال بن خزيمة وأبو بكر النيسابوري والدارقطني والجوزقي تفرد بهذه الزيادة معمر قال بن خزيمة أن كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله فلما أعلمه امتنع أه وفيه نظر لأنه لو كان حراما ما أقر النبي صلى الله عليه وسلم على الأكل منه الى أن أعلمه أبو قتادة بأنه صاده لأجله ويحتمل أن يكون ذلك لبيان الجواز فان الذي يحرم على المحرم إنما هو الذي يعلم أنه صيد من أجله وأما إذا أتى بلحم لا يدري ألحم صيد أو لا فحمله على أصل الإباحة فأكل منه لم يكن ذلك حراما على الآكل وعندي بعد ذلك فيه وقفة فإن الروايات المتقدمة ظاهرة في أن الذي تأخر هو العضد وأنه صلى الله عليه وسلم أكلها حتى تعرقها أي لم يبق منها إلى العظم ووقع عند البخاري في الهبة حتى نفدها أي فرغها فأي شئ يبقى منها حينئذ حتى يأمر أصحابه بأكله لكن رواية أبي محمد الآتية في الصيد أبقى معكم شئ منه قلت نعم قال كلوا فهو طعمه اطعمكموها الله فاشعر بأنه بقي منها غير العضد والله أعلم وسيأتي البحث في حكم ما يصيده الحلال بالنسبة إلى المحرم في الباب الذي يليه أن شاء الله تعالى وفي حديث أبي قتادة من الفوائد أن تمنى المحرم أن يقع من الحلال الصيد ليأكل المحرم منه لا يقدح في إحرامه وأن الحلال إذا صاد لنفسه جاز للمحرم الأكل من صيده وهذا يقوي من حمل الصيد في قوله تعالى

[ 26 ]

وحرم عليكم صيد البر على الاصطياد وفيه الاستيهاب من الاصدقاء وقبول الهدية من الصديق وقال عياض عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من أبي قتادة ذلك تطييبا لقلب من أكل منه بيانا للجواز بالقول والفعل لإزالة الشبهة التي حصلت لهم وفيه تسمية الفرس والحق المصنف به الحمار فترجم له في الجهاد وقال بن العربي قالوا تجوز التسمية لما لا يعقل وأن كان لا يتفطن له ولا يجيب إذا نودي مع أن بعض الحيوانات ربما ادمن على ذلك بحيث يصير يميز اسمه إذا دعي به وفيه إمساك نصيب الرفيق الغائب ممن يتعين احترامه أو ترجى بركته أو يتوقع منه ظهور حكم تلك المسألة بخصوصها وفيه تفريق الإمام أصحابه للمصلحة واستعمال الطليعة في الغزو وتبليغ السلام عن قرب وعن بعد وليس فيه دلالة على جواز ترك رد السلام ممن بلغه لأنه يحتمل أن يكون وقع ليس في الخبر ما ينفيه وفيه أن عقر الصيد ذكاته وجواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال بن العربي هو اجتهاد بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم لا في حضرته وفيه العمل بما أدى إليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان ولا يعاب واحد منهما على ذلك لقوله فلم يعب ذلك علينا وكان الأكل تمسك بأصل الإباحة والممتنع نظر إلى الأمر الطارئ وفيه الرجوع إلى النص عند تعارض الأدلة وركض الفرس في الاصطياد والتصيد في الأماكن الوعرة والاستعانة بالفارس وحمل الزاد في السفر والرفق بالاصحاب والرفقاء في السير واستعمال الكناية في الفعل كما تستعمل في القول لأنهم استعملوا الضحك في موضع الإشارة لما اعتقدوه من أن الإشارة لا تحل وفيه جواز سوق الفرس للحاجة والرفق به مع ذلك لقوله وأسير شأوا ونزول المسافر وقت القائلة وفيه ذكر الحكم صح الحكمة في قوله إنما هي طعمة اطعمكموها الله تكملة لا يجوز للمحرم قتل الصيد الا أن صال عليه فقتله دفعا فيجوز ولا ضمان عليه والله أعلم قوله باب إذا أهدي أي الحلال للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل كذا قيده في الترجمة بكونه حيا وفيه إشارة إلى أن الرواية التي أخذت على أنه كان مذبوحا موهمة وسأبين ما في ذلك أن شاء الله تعالى قوله عن بن شهاب الخ لم يختلف على مالك في سياقه معنعنا وأنه من مسند الصعب الا ما وقع في الموطأ بن وهب فإنه قال في روايته عن بن عباس أن الصعب بن جثامة أهدى فجعله من مسند بن عباس نبه على ذلك الدارقطني في الموطآت وكذا أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس قال أهدى الصعب والمحفوظ في حديث مالك الأول وسيأتي للصنف في الهبة من طريق شعيب عن الزهري قال أخبرني عبيد الله أن بن عباس أخبره أنه سمع الصعب وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أنه أهدى والصعب بفتح الصاد وسكون العين والمهملتين بعدها موحدة وأبو جثامة بفتح الجيم وتثقيل المثلثة وهو من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وكان بن أخت أبي سفيان بن حرب أمه زينب بنت حرب بن أمية وكان النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين عوف بن مالك قوله حمارا وحشيا لم تختلف الرواة عن مالك في ذلك وتابعه عامة الرواة عن الزهري وخالفهم بن عيينة عن الزهري فقال لحم حمار وحش أخرجه مسلم لكن بين الحميدي صاحب سفيان أنه كان يقول في هذا الحديث حمار وحش ثم صار يقول لحم حمار وحش فدل على اضطرابه فيه وقد توبع على قوله لحم حمار وحش من أوجه فيها مقال منها ما أخرجه الطبراني من طريق عمرو بن دينار عن الزهري لكن إسناده ضعيف وقال إسحاق في

[ 27 ]

مسنده أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن الزهري فقال لحم حمار وقد خالفه خالد الواسطي عن محمد بن عمرو فقال حمار وحش كالأكثر أخرجه الطبراني من طريق بن إسحاق عن الزهري فقال رجل حمار وحش وابن إسحاق حسن الحديث الا أنه لا يحتج به إذا خولف ويدل على وهم من قال فيه عن الزهري ذلك بن جريج قال قلت للزهري الحمار عقير قال لا أدري أخرجه بن خزيمة وابن عوانة في صحيحيهما وقد جاء عن بن عباس من وجه آخر أن الذي اهداه الصعب لحم حمار فأخرجه مسلم من طريق الحاكم عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال أهدى الصعب إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل حمار وفي رواية عنده عجز حمار وحش يقطر دما وأخرجه أيضا من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد قال تارة حمار وحش وتارة شق حمار ويقوى ذلك ما أخرجه مسلم أيضا من طريق طاوس عن بن عباس قال قدم زيد بن أرقم فقال له عبد الله بن عباس يستذكره كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام قال أهدى له عضو من لحم صيد فرده وقال أنا لا نأكله أنا حرم أخرجه أبو داود وابن حبان من طريق عطاء عن بن عباس أنه قال يا زيد بن أرقم هل علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره واتفقت الروايات كلها على أنه رده عليه الا ما رواه بن وهب والبهيقى من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن أمية أن الصعب أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم قال البهيقى أن كان هذا محفوظا فلعله رد الحي وقبل اللحم قلت وفي هذا الجمع نظر لما بينته فإن كانت الطرق كلها محفوظة فلعله رده حيا لكونه صيد لأجله ورد اللحم تارة لذلك وقبله تارة أخرى حيث علم أنه لم يصد لأجله وقد قال الشافعي في الأم أن كان الصعب أهدى له حمارا حيا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حي وأن كان أهدي له لحما فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له ونقل الترمذي عن الشافعي أنه رده لظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر وهو حال رجوعه صلى الله عليه وسلم من مكة ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك بالجحفة وفي غيرها من الروايات بالأبواء أو بودان وقال القرطبي يحتمل أن يكون الصعب احضر الحمار مذبوحا ثم قطع منه عضوا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فقدمه له فمن قال أهدى حمارا أراد بتمامه مذبوحا لا حيا ومن قال لحم حمار أراد ما قدمه للنبي صلى الله عليه وسلم وقال ويحتمل أن يكون من قال حمارا أطلق وأراد بعضه مجازا قال ويحتمل أنه اهداه له حيا فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظانا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزاء من الصيد حكم الكل قال والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات وقال النووي ترجم البخاري بكون الحمار حيا وليس في سياق الحديث تصريح بذلك وكذا نقلوا هذا التأويل عن مالك وهو باطل لأن الروايات التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح انتهى وإذا تأملت ما تقدم لم يحسن إطلاقه بطلان التأويل المذكور ولا سيما في رواية الزهري التي هي عمدة هذا الباب وقد قال الشافعي في الأم حديث مالك أن الصعب أهدى حمارا أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار وقال الترمذي روى بعض أصحاب الزهري في حديث الصعب لحم حمار وحش وهو غير محفوظ قوله بالأبواء بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالمد جبل من عمل الفرع بضم الفاء والراء بعدها

[ 28 ]

مهلمة قيل سمي الأبواء لوبائه على القلب وقيل لأن السيول تتبوؤه أي تحمله قوله أو بوادان شك من الراوي وهو بفتح الواو وتشديد الدال وآخرها نون موضع بقرب الجحفة وقد سبق في حديث عمرو بن أمية أنه كان بالجحفة وودان أقرب إلى الجحفة من الأبواء فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتى من المدينة ثلاثة وعشرين ميلا ومن ودان إلى الجحفة ثمانية أميال وبالشك جزم أكثر الرواة وجزم بن إسحاق وصالح بن جلس عن الزهري بودان وجزم معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمرو بالأبواء والذي يظهر لي أن الشك فيه من بن عباس لأن الطبراني أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشك أيضا قوله فلما رأى ما في وجهه في رواية شعيب فلما عرف في وجهي رده هديتي وفي رواية الليث عن الزهري عند الترمذي فلما رأى ما في وجهه من الكراهية وكذا لابن خزيمة من طريق بن جريج المذكورة قوله أنا لم نرده عليك في رواية شعيب وابن جريج ليس بنا رد عليك وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند الطبراني أنا لم نرده عليك كراهية له ولكنا حرم قال عياض ضبطناه في الروايات لم نرده بفتح الدال وأبى ذلك المحققون من أهل العربية وقالوا الصواب أنه بضم الدال لأن المضاعف من المجزوم يراعى فيه الواو التي توجبها له ضمة الهاء بعدها قال وليس الفتح بغلط بل ذكره ثعلب في الفصيح نعم تعقبوه عليه بأنه ضعيف واوهم صنيعه أنه فصيح واجازوا أيضا الكسر وهو أضعف الأوجه قلت ووقع في رواية الكشميهني بفك الإدغام لم نردده بضم الأولى وسكون الثانية ولا اشكال فيه قوله الا أنا حرم زاد صالح بن جلس عند النسائي لا نأكل الصيد وفي رواية سعيد عن بن عباس لولا أنا محرمون لقبلناه منك واستدل بهذا الحديث على تحريم الأكل من لحم الصيد على المحرم مطلقا لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرما فدل على أنه سبب الامتناع خاصة وهو قول على وابن عباس وابن عمر والليث والثوري وإسحاق لحديث الصعب هذا ولما أخرجه أبو داود وغيره من حديث على أنه قال لناس من أشجع أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى له رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله قالوا نعم لكن يعارض هذا الظاهر ما أخرجه مسلم أيضا من حديث طلحة أنه أهدى له لحم طير وهو محرم فوقف من أكله وقال أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث أبي قتادة المذكور في الباب قبله وحديث عمير بن سلمة أن البهزي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ظبيا وهو محرم فأمر أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه بن خزيمة وغيره وبالجواز مطلقا قال الكوفيون وطائفة من السلف وجمع الجمهور بين ما اختلف من ذلك بأن أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدى منه للمحرم وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم قالوا والسبب في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد لا يحرم على المرء إذا صيد له الا إذا كان محرما فبين الشرط الاصلى وسكت عما عداه فلم يدل على نفيه وقد بينه في الأحاديث الآخر ويؤيد هذا الجمع حديث جابر مرفوعا صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم أخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة قلت وقد تقدم أن عند النسائي من رواية صالح بن جلس أنا حرم لا نأكل الصيد فبين العلتين جميعا وجاء عن مالك تفصيل آخر بين ما صيد للمحرم قبل إحرامه يجوز له الأكل منه أو بعد إحرامه فلا وعن عثمان التفصيل بين ما يصاد لأجله من المحرمين فيمتنع عليه ولا يمتنع على

[ 29 ]

محرم آخر وقال بن المنير في الحاشية حديث الصعب يشكل على مالك لأنه يقول ما صيد من أجل المحرم يحرم على المحرم وعلى غير المحرم فيمكن أن يقال قوله فرده عليه لا يستلزم أنه أباح له أكله بل يجوز أن يكون أمره بإرساله أن كان حيا وطرحه أن كان مذبوحا فإن السكوت عن الحكم لا يدل على الحكم بضده وتعقب بأنه وقت البيان فلو لم يجز له الانتفاع به لم يرده عليه أصلا اذلا اختصاص له به وفي حديث الصعب الحكم بالعلامة لقوله فلما رأى ما في وجهي وفيه جواز رد الهدية لعلة وترجم له المصنف من رد الهدية لعلة وفيه الاعتذار عن رد الهدية تطييبا لقلب المهدي وأن الهبة لا الخطبة في الملك الا بالقبول وأن قدرته على تملكها لا تصيره مالكا لها وأن على المحرم أن يرسل ما في يده من الصيد الممتنع عليه اصطياده قوله باب ما يقتل المحرم من الدواب أي مما لا يجب عليه فيه الجزاء وذكر المصنف فيه ثلاثة أحاديث الأول منها اختلف فيه على بن عمر فساقه المصنف على الاختلاف كما سابينه قوله خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح كذا أورده مختصرا وأحال به على طريق سالم وهو في الموطأ وتمامه الغراب والحداة والعقرب والفارة والكلب العقور قوله وعن عبد الله بن دينار هو معطوف على الطريق الأولى وهو في الموطأ كذلك عن نافع عن بن عمر وعن عبد الله بن دينار عن بن عمر وقد أورده المصنف في بدء الخلق عن القعنبي عن مالك وساق يسير مثله سواء وكذا أخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار أخرجه أحمد من طريق شعبة عن عبد الله بن دينار فقال الحية بدل العقرب قوله عن زيد بن جبير هو الطائي الكوفي ليس له في الصحيح رواية عن غير بن عمر ولا له فيه الا هذا الحديث وآخر تقدم في المواقيت وقد خالف نافعا وعبد الله بن دينار في إدخال الواسطة بين بن عمر وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ووافق سالما الا أن زيدا ابهمها وسالما سماها قوله حدثتني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقتل المحرم كذا ساق منه هذا القدر وأحال به على الطريق التي بعده وفيه إشارة منه إلى تفسير المبهمة فيه بأنها المسماة في الرواية الأخرى فقد وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي خليفة عن مسدد بإسناد البخاري وبقيته كرواية حفصة الا أن فيه تقديما وتاخيرا في بعض الأسماء أخرجه مسلم عن شيبان عن أبي عوانة فزاد فيه أشياء ولفظه سأل رجل بن عمر ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم فقال حدثتني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور والفارة والعقرب والحداة والغراب والحية قال وفي الصلاة أيضا فلم يقل في أوله خمسا وزاد الحية وزاد في آخره ذكر الصلاة لينبه بذلك على جواز قتل المذكورات في جميع الأحوال وسأذكر البحث في ذلك ولم أر هذه الزيادة في غير هذه الطريق فقد أخرجه مسلم من طريق زهير بن معاوية والاسماعيلي من طريق إسرائيل كلاهما عن زيد بن جبير بدونها قوله عن يونس هو بن يزيد قوله عن سالم في رواية مسلم أخبرني سالم أخرجه عن حرملة عن بن وهب قوله قال عبد الله في رواية مسلم قال لي عبد الله وفي رواية الاسماعيلي عن سالم عن أبيه أخرجه من طريق إبراهيم بن المنذر عن بن وهب قوله قالت حفصة في رواية الاسماعيلي عن حفصة وهذا والذي قبله قد يوهم أن عبد الله بن عمر ما سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم ولكن وقع في بعض طرق نافع عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم

[ 30 ]

أخرجه مسلم من طريق بن جريج قال أخبرني نافع وقال مسلم بعده لم يقل أحد عن نافع عن بن عمر سمعت الا بن جريج وتابعه محمد بن إسحاق ثم ساقه من طريق بن إسحاق عن نافع كذلك فالظاهر أن بن عمر سمعه من أخته حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم وسمعه أيضا من النبي صلى الله عليه وسلم يحدث به حين سئل عن فقد وقع عند أحمد من طريق أيوب عن نافع عن بن عمر قال نادى رجل ولأبي عوانة في المستخرج من هذا الوجه أن أعرابيا نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نقتل من الدواب إذا احرمنا والظاهر أن المبهمة في رواية زيد بن جبير هي حفصة ويحتمل أن تكون عائشة وقد رواه بن عيينة عن بن شهاب فأسقط حفصة من الإسناد والصواب إثباتها في رواية سالم والله أعلم الحديث الثاني حديث عائشة في المعنى قوله أخبرني يونس هو بن يزيد أيضا وظهر بهذا أن لابن وهب عنه عن الزهري فيه اسنادين سالم عن أبيه عن حفصة وعروة عن عائشة وقد كان بن عيينة ينكر طريق الزهري عن عروة قال القدرة عن سفيان حدثنا والله الزهري عن سالم عن أبيه فقيل له إن معمرا يرويه عن الزهري عن عروة عن عائشة فقال حدثنا والله الزهري لم يذكر عروة قلت وطريق معمر المشار إليها أوردها المصنف في بدء الخلق من طريق يزيد بن زريع عنه ورواها النسائي من طريق عبد الرزاق قال عبد الرزاق ذكر بعض أصحابنا أن معمرا كان يذكره عن الزهري عن سالم عن أبيه وعن عروة عن عائشة وطريق الزهري عن عروة رواها أيضا شعيب بن أبي حمزة عند أحمد وأبان بن صالح عند النسائي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وقد تابع الزهري عن عروة هشام بن عروة أخرجه مسلم أيضا قوله خمس التقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك لكنه مفهوم عدد وليس بحجة عند الأكثر وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله صلى الله عليه وسلم أولا ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم فقد ورد في بعض طرق عائشة بلفظ أربع وفي بعض طرقها بلفظ ست فأما طريق أربع فأخرجها مسلم من طريق القاسم عنها فاسقط العقرب وأما طريق ست فأخرجها أبو عوانة في المستخرج من طريق المحاربي عن هشام عن أبيه عنها فاثبتها وزاد الحية ويشهد لها طريق شيبان التي تقدمت من عند مسلم وإن كانت خالية عن العدد وأغرب عياض فقال وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى فصارت سبعا وتعقب بان الأفعى داخلة في مسمى الحية والحديث الذي ذكرت فيه أخرجه أبو عوانة في المستخرج من طريق بن عون عن نافع في آخر حديث الباب قال قلت لنافع فالافعى قال ومن يشك في الأفعى أه وقد وقع في حديث أبي سعيد عند أبي داود نحو رواية شيبان وزاد السبع العادي فصارت سبعا وفي حديث أبي هريرة عند بن خزيمة وابن المنذر زيادة ذكر الذئب والنمر على الخمس المشهورة فتصير بهذا الاعتبار تسعا لكن أفاد بن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي الكلب العقور ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل أخرجه بن أبي شيبة وسعيد بن المنصور وأبو داود من طريق سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقتل المحرم الحية والذئب ورجاله ثقات وأخرج أحمد من طريق حجاج بن أرطاة عن وبرة عن بن عمر قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الذئب للمحرم وحجاج ضعيف وخالفه مسعر عن وبرة فرواه موقوفا أخرجه بن أبي شيبة فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة ولا غلام شئ من ذلك من مقال والله أعلم

[ 31 ]

قوله من الدواب بتشديد الموحدة جمع دابة وهو ما دب من الحيوان وقد أخرج بعضهم منها الطير لقوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الآية وهذا الحديث يرد عليه فإنه ذكر في الدواب الخمس والغراب والحداة ويدل على دخول الطير أيضا عموم قوله تعالى وما من دابة في الأرض الا على الله رزقها وقوله تعالى وكأين من دابة لا تحمل رزقها الآية وفي حديث أبي هريرة عند مسلم في صفة بدء الخلق وخلق الدواب يوم الخميس ولم يفرد الطير بذكر وقد يطلق أهل العرف في الدابة فمنهم من يخصها بالحمار ومنهم من يخصها بالفرس وفائدة ذلك تظهر في الحلف قوله كلهن فاسق يقتلن قيل فاسق صفة لكل وفي يقتلن ضمير راجع إلى معنى كل ووقع في رواية مسلم من هذا الوجه كلها فواسق وفي رواية معمر التي في بدء الخلق خمس فواسق قال النووي هو بإضافة خمس لا بتنوينه وجوز بن دقيق العيد الوجهين وأشار إلى ترجيح الثاني فإنه قال رواية الإضافة تشعر بالتخصيص فيخالفها غيرها في الحكم من طريق المفهوم ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى فيشعر بان الحكم المرتب على ذلك وهو القتل معلل بما جعل وصفا وهو الفسق فيدخل فيه كل فاسق من الدواب ويؤيده رواية يونس التي في حديث الباب قال النووي وغيره تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية على وفق اللغة فإن أصل الفسق لغة الخروج ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها وقوله تعالى ففسق عن أمر ربه أي خرج وسمي الرجل فاسقا لخروجه عن طاعة ربه فهو خروج مخصوص وزعم بن الغلام أنه لا يعرف في كلام الجاهلية ولا شعرهم فاسق يعني بالمعنى الشرعي وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة بالفسق فقيل لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله وقيل في حل أكله لقوله تعالى أو فسقا أهل لغير الله به وقوله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وقيل لخروجها عن حكم غيرها بالايذاء والافساد وعدم الانتفاع ومن ثم اختلف أهل الفتوى فمن قال بالأول الحق بالخمس كل ما جاز قتله للحلال في الحرم وفي الحل ومن قال بالثاني الحق ما لا يؤكل الا ما نهى عن قتله وهذا قد يجامع الأول ومن قال بالثالث يخص الإلحاق بما يحصل منه الافساد ووقع في حديث أبي سعيد عند بن ماجة قيل له لم قيل للفارة فويسقة فقال لأن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ لها وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت فهذا يومئ إلى أن سبب تسمية الخمس بذلك لكون فعلها يشبه فعل الفساق وهو يرجع لقول الأخير والله أعلم قوله يقتلن في الحرم تقدم في رواية نافع بلفظ ليس على المحرم في قتلهن جناح وعرف بذلك أن لا إثم في قتلها على المحرم ولا في الحرم ويؤحذ منه جواز ذلك للحلال وفي الحل من باب الأولى وقد وقع ذكر الحل صريحا عند مسلم من طريق معمر عن الزهري عن عروة بلفظ يقتلن في الحل والحرم ويعرف حكم الحلال بكونه لم يقم به مانع وهو الإحرام فهو بالجواز أولى ثم إنه ليس في نفى الجناح وكذا الحرج في طريق سالم دلالة على ارجحية الفعل على الترك لكن ورد في طريق زيد بن جبير عند مسلم بلفظ أمر وكذا في طريق معمر ولأبي عوانة من طريق بن نمير عن هشام عن أبيه بلفظ ليقتل المحرم وظاهر الأمر الوجوب ويحتمل الندب والاباحة وروى البزار من طريق أبي رافع قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته إذ ضرب شيئا فإذا هي عقرب فقتلها وأمر بقتل العقرب والحية والفأرة والحدأة للمحرم لكن هذا الأمر ورد بعد

[ 32 ]

الحظر لعمونهى المحرم عن القتل فلا يكون للوجوب ولا للندب ويؤيد ذلك رواية الليث عن نافع بلفظ أذن أخرجه مسلم والنسائي عن قتيبة لكن لم يسق مسلم يسير وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره خمس قتلهن حلال للمحرم قوله الغراب زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم الأبقع وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه بن المنذر وغيره ثم وجدت بن خزيمة قد صرح باختياره وهو قضية حمل المطلق على المقيد وأجاب بن بطال بان هذه الزيادة لا تصح لأنها من رواية قتادة عن سعيد وهو مدلس وقد شذ بذلك وقال بن عبد البر لا تثبت هذه الزيادة وقال بن قدامة الروايات المطلقة أصح وفي جميع هذا التعليل نظر أما دعوى التدليس فمردودة بان شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين الا ما هو مسموع لهم وهذا من رواية شعبة بل صرح النسائي في روايته من طريق النضر بن شميل عن شعبة بسماع قتادة وأما نفى الثبوت فمردود بإخراج مسلم وأما الترجيح فليس من شرط قبول الزيادة بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ وهو كذلك هنا نعم قال بن قدامة يلتحق بالابقع ما شاركه في الايذاء وتحريم الأكل وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع ويقال له الزاغ وأفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملتحقا بالابقع ومنها الغداف على الصحيح في الروضة بخلاف تصحيح الرافعي وسمى بن قدامة الغداف غراب البين والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع قيل سمي غراب البين لأنه بان عن نوح لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض فلقى جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى نوح وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به فكانوا إذا نعب مرتين قالوا آذن بشر وإذا نعب ثلاثا قالوا آذن بخير فأبطل الإسلام ذلك وكان بن عباس إذا سمع الغراب قال اللهم لا طير الا طيرك ولا خير الا خيرك ولا إله غيرك وقال صاحب الهداية المراد بالغراب في الحديث الغداف والابقع لأنهما يأكلان الجيف وأما غراب الزرع فلا وكذا استثناه بن قدامة وما أظن فيه خلافا وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود إن صح حيث قال فيه ويرمى الغراب ولا يقتله وروى بن المنذر وغيره نحوه عن على ومجاهد قال بن المنذر أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام الا ما جاء عن عطاء قال في محرم كسر قرن غراب فقال إن أدماه فعليه الجزاء وقال الخطابي لم يتابع أحد عطاء على هذا انتهى ويحتمل أن يكون مراده غراب الزرع وعند المالكية اختلاف آخر في الغراب والحداة هل يتقيد جواز قتلهما بان يبتدئا بالأذى وهل يختص ذلك بكبارها والمشهور عنهم كما قال بن شاس لا فرق وفاقا للجمهور ومن يجري الغربان الاعصم وهو الذي في رجليه أو في جناحيه أو بطنه بياض أو حمرة وله ذكر في قصة حفر عبد المطلب لزمزم وحكمه حكم الأبقع ومنها العقعق وهو قدر الحمامة على شكل الغراب قيل سمي بذلك لأنه يعق فراخه فيتركها بلا طعم وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان والعرب تتشاءم به أيضا ووقع في فتاوى قاضيخان الحنفي من خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع كفر وحكمه حكم الأبقع على الصحيح وقيل حكم غراب الزرع وقال أحمد إن أكل الجيف وإلا فلا بأس به قوله والحدأ بكسر أوله وفتح ثانيه بعدها همزة بغير الفساد وحكى صاحب المحكم المد فيه ندورا ووقع في رواية الكشميهني في حديث عائشة الحدأة بزيادة هاء بلفظ الواحدة وليست للتأنيث بل هي كالهاء في الثمرة وحكى الأزهري

[ 33 ]

فيها حدوة بواو بدل الهمزة وسيأتى في بدء الخلق من حديثها بلفظ الحديا بضم أوله وتشديد التحتانية مقصور ومثله لمسلم في رواية هشام بن عروة عن أبيه قال قال قاسم بن ثابت الوجه فيه الهمزة وكأنه سهل ثم ادغم وقيل هي لغة حجازية وغيرهم يقول حدية وقد تقدم ذكرها في الكلام على الغراب ومن خواص الحدأة أنها تقف في الطيران ويقال إنها لا تختطف الا من جهة اليمن وقد مضى لها ذكر في الصلاة في قصة صاحبة الوشاح تنبيه يلتبس بالحد الحدأة بفتح أوله فاس له راسان قوله والعقرب هذا اللفظ للذكر والأنثى وقد يقال عقربة وعقرباء وليس منها العقربان بل هي دويبة طويلة كثيرة القوائم قال صاحب المحكم ويقال إن عينها في ظهرها وإنها لا تضر ميتا ولا نائما حتى يتحرك ويقال لدغته العقرب بالغين المعجمة ولسعته بالمهملتين وقد تقدم اختلاف الرواة في ذكر الحية بدلها في حديث الباب ومن جمعهما والذي يظهر لي أنه صلى الله عليه وسلم نبه باحداهما على الأخرى عند الاقتصار وبين حكمهما معا حيث جمع قال بن المنذر لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب وقال نافع لما قيل له فالحية قال لا يختلف فيها وفي رواية ومن يشك فيها وتعقبه بن عبد البر بما أخرجه بن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم وحمادا فقالا لا يقتل المحرم الحية ولا العقرب قال ومن حجتهما أنهما من هوام الأرض فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوام وهذا اعتلال لا معنى له نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكن من الأذى قوله والفأر بهمزة ساكنة ويجوز فيها التسهيل ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم الا ما حكى عن إبراهيم النخعي فإنه قال فيها جزاء إذا قتلها المحرم أخرجه بن المنذر وقال هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم وروى البيهقي بإسناد صحيح عن حماد بن زيد قال لما ذكروا له هذا القول ما كان بكار افحش ردا للاثار من إبراهيم النخعي لقلة ما سمع منها ولا أحسن أتباعا لها من الشعبي لكثرة ما سمع ونقل بن شاس عن المالكية خلافا في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى والفار يجري منها الجرذ بالجيم بوزن عمر والخلد بضم المعجمة وسكون اللام وفارة الإبل وفارة المسك وفارة الغيط وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء وسيأتي في الأدب إطلاق الفويسقة عليها من حديث جابر وتقدم سبب تسميتها بذلك من حديث أبي سعيد وقيل إنما سميت بذلك لأنها قطعت حبال سفينة نوح والله أعلم قوله والكلب العقور الكلب معروف والأنثى كلبة والجمع اكلب وكلاب وكليب بالفتح كأعبد وعباد وعبيد وفي الكلب بهيمية سبعية كأنه مركب وفيه منافع للحراسة والصيد كما سيأتي في بابه وفيه من اقتفاء الأثر وشم الرائحة والحراسة وخفة النوم والتودد وقبول التعليم ما ليس لغيره وقيل إن أول من اتخذه للحراسة نوح عليه السلام وقد سبق البحث في نجاسته في كتاب الطهارة ويأتي في بدء الخلق جملة من خصاله واختلف العلماء في المراد به هنا وهل لوصفه بكونه عقورا مفهوم أو لا فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أبي هريرة قال الكلب العقور الأسد وعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور فقال وأي كلب اعقر من الحية وقال زفر المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصة وقال مالك في الموطأ كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان وهو قول الجمهور وقال أبو حنيفة المراد

[ 34 ]

بالكلب هنا الكلب خاصة ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب واحتج أبو عبيد للجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فقتله الأسد وهو حديث حسن أخرجه الحاكم من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه واحتج بقوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين فاشتقها من اسم الكلب فلهذا قيل لكل جارح عقور واحتج الطحاوي للحنفية بان العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي والصقر وهما من سباع الطير فدل ذلك على اختصاص التحريم بالغراب والحداة وكذلك يختص التحريم بالكلب وما شاركه في صفته وهو الذئب وتعقب برد الاتفاق فإن مخالفيهم اجازوا قتل كل ما عدا وافترس فيدخل فيه الصقر وغيره بل معظمهم قال يلتحق بالخمس كل ما نهى عن أكله الا ما نهى عن قتله واختلف العلماء في غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه فصرح بتحريم قتله القاضيان حسين والماوردي وغيرهما ووقع في الأم للشافعي الجواز واختلف كلام النووي فقال في البيع من شرح المهذب لا خلاف بين أصحابنا في أنه محترم لا يجوز قتله وقال في التيمم والغصب أنه غير محترم وقال في الحج يكره قتله كراهة تنزيه وهذا اختلاف شديد وعلى كراهة قتله اقتصر الرافعي وتبعه في الروضة وزاد أنها كراهة تنزيه والله أعلم وذهب الجمهور كما تقدم إلى الحاق غير الخمس بها في هذا الحكم الا أنهم اختلفوا في المعنى فقيل لكونها مؤذية فيجوز قتل كل مؤذ وهذا قضية مذهب مالك وقيل لكونها مما لا يؤكل فعلى هذا كل ما يجوز قتله لا فدية على المحرم فيه وهذا قضية مذهب الشافعي وقد قسم هو وأصحابه الحيوان بالنسبة للمحرم إلى ثلاثة أقسام قسم يستحب كالخمس وما في معناها مما يوذى وقسم يجوز كسائر ما لا يؤكل لحمه وهو قسمان ما يحصل منه نفع وضرر فيباح لما فيه من منفعة الاصطياد ولا يكره لما فيه من العدوان وقسم ليس فيه نفع ولا ضرر فيكره قتله ولا يحرم والقسم الثالث ما ابيح أكله أو نهى عن قتله فلا يجوز ففيه الجزاء إذا قتله المحرم وخالف الحنفية فاقتصروا على الخمس الا أنهم الحقوا بها الحية لثبوة الخبر والذئب لمشاركته للكلب في الكلبية والحقوا بذلك من ابتدا بالعدوان والأذى من غيرها وتعقب بظهور المعنى في الخمس وهو الأذى الطبيعي والعدوان المركب والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه تعدى الحكم إلى كل ما وجد فيه ذلك المعنى كما وافقوا عليه في مسائل الربا قال بن دقيق العيد والتعدية بمعنى الأذى إلى كل مؤذ قوي بالإضافة إلى يطلق أهل القياس فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق وهو الخروج عن الحد وأما التعليل بحرمة الأكل ففيه إبطال لما دل عليه إيماء النص من التعليل بالفسق انتهى وقال غيره هو راجع إلى تفسير الفسق فمن فسره بأنه الخروج عن بقية الحيوان بالأذى علل به ومن قال بجواز القتل وتحريم الأكل علل به وقال من علل بالأذى يجري الأذى مختلفة وكأنه نبه بالعقرب على ما يشاركها في الأذى باللسع ونحوه من ذوات السموم كالحية والزنبور وبالفأرة على ما يشاركها في الأذى بالنقب والقرض كابن عرس وبالغراب والحدأ على ما يشاركهما بالاختطاف كالصقر وبالكلب العقور على ما يشاركه في الأذى بالعدوان والعقر كالاسد والفهد وقال من علل بتحريم الأكل وجواز القتل إنما اقتصر على الخمس لكثرة ملابستها للناس بحيث يعم اذاها والتخصيص بالغلبة لا مفهوم له تكملة نقل الرافعي عن الإمام أن هذه الفواسق لا ملك فيها لأحد ولا اختصاص ولا يجب ردها على المؤلف ولم يذكر

[ 35 ]

مثل ذلك في غير الخمس مما يلتحق بها في المعنى فليتأمل واستدل به على جواز قتل من لجا إلى الحرم ممن وجب عليه القتل لأن إباحة قتل هذه الأشياء معلل بالفسق والقاتل فاسق فيقتل بل هو أولى لأن فسق المذكورات طبيعي والمكلفة إذا ارتكب الفسق اندفعوا لحرمة نفسه فهو أولى بإقامة مقتضى الفسق عليه وأشار بن دقيق العيد إلى أنه بحث قابل للنزاع وسيأتي بسط القول فيه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى الحديث الثالث حديث بن مسعود قوله حدثني إبراهيم هو بن يزيد النخعي والأسود هو النخعي خاله وعبد الله هو بن مسعود وقد اختلف على الأعمش في إسناد هذا الحديث كما سيأتي بيانه في بدء الخلق قوله في غار بمنى وقع عند الاسماعيلي من طريق ابن نمير عن حفص بن الصالح أن ذلك كان ليلة عرفة وبذلك يتم الاحتجاج به على مقصود الباب من جواز قتل الحية للمحرم كما دل قوله بمنى على أن ذلك كان في الحرم وعرف بذلك الرد على ما قال ليس في حديث عبد الله ما يدل على أنه أمر بقتل الحية في حال الإحرام لاحتمال أن يكون ذلك بعد طواف الإفاضة وقد رواه مسلم وابن خزيمة واللفظ له عن أبي كريب عن حفص بن الصالح مختصرا ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر محرما بقتل حية في الحرم بمنى ووقع في رواية أبي الوقت عقب حديث الباب قال أبو عبد الله وهو المصنف إنما أردنا بهذا أن منى من الحرم وأنهم لم يروا بقتل الحية يعني فيه بأسا ووقع هذا الكلام عند أبي ذر في آخر الباب ومحله عقب حديث بن مسعود قوله رطبة أي لم يجف ريقه بها قوله كما وقيتم شرها بالنصب لأنه مفعول ثان وكذلك قوله وقيت شركم أي أن الله سلمها منكم كما سلمكم منها وهو مجاز المقابلة قال بن المنذر أجمع من يحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم قتل الحية وتعقب بما تقدم عن الحكم وحماد وبما عند المالكية من استثناء ما صغر منها بحيث لا يتمكن من الأذى الحديث الرابع قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله قال للوزغ فويسق اللام بمعنى عن والمعنى أنه سماه فويسقا وهو تصغير تحقير مبالغة في الذم قوله ولم أسمعه أمر بقتله وهو مقول عن عائشة والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم وقضية تسميته إياه فويسقا أن يكون قتله مباحا وكونها لم تسمعه لا يدل على منع ذلك فقد سمعه غيرها كما سيأتي في بدء الخلق عن سعد بن أبي وقاص وغيره ونقل بن عبد البر الاتفاق على جواز قتله في الحل والحرم لكن نقل بن عبد الحكم وغيره عن مالك لا يقتل المحرم الوزغ زاد بن القاسم وإن قتله يتصدق لأنه ليس من الخمس المأمور بقتلها وروى بن أبي شيبة أن عطاء سئل عن قتل الوزغ في الحرم فقال إذا آذاك فلا بأس بقتله وهذا يفهم توقف قتله على اذاه قوله باب لا يعضد شجر الحرم بضم أوله وفتح الضاد المعجمة أي لا يقطع قوله وقال بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعضد شوكه سيأتي موصولا بعد باب ويأتي البحث فيه هناك قوله عن سعيد في رواية عبد الله بن يوسف عن الليث حدثني سعيد كما تقدم في العلم قوله عن أبي شريح العدوي كذا وقع هنا وفيه نظر لأنه خزاعي من بني كعب بن ربيعة بن لحي بطن من خزاعة ولهذا يقال له الكعبي أيضا وليس هو من بني عدي لا عدى قريش ابن عدي مضر فلعله كان حليفا لبني عدي بن كعب من قريش وقيل في خزاعة بطن يقال لهم بنو عدي وقد وقع في رواية بن أبي ذئب عن سعيد سمعت أبا شريح أخرجه أحمد واختلف في اسمه فالمشهور أنه خويلد بن عمرو وقيل بن صخر وقيل هانئ بن عمرو وقيل عبد الرحمن وقيل كعب وقيل عمرو بن

[ 36 ]

خويلد وقيل مطر أسلم قبل الفتح وحمل بعض الوية قومه وسكن المدينة ومات بها سنة ثمان وستين وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديثين آخرين قوله لعمرو بن سعيد أي بن أبي العاص بن سعيد بن العاص بن أمية المعروف بالأشدق وقد تقدم ذلك مع شرح بعض الحديث في باب تبليغ العلم من كتاب العلم ووقع عند أحمد من طريق بن إسحاق عن سعيد المقبري زيادة في أوله توضح المقصود وهي لما بعث عمرو بن سعيد إلى مكة بعثه لغزو بن الزبير أتاه أبو شريح فكلمه وأخبره بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إلى نادى قومه فجلس فيه فقمت إليه فجلست معه فحدث قومه قال قلت له يا هذا إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك فقام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فذكر الحديث وأخرج أحمد أيضا من طريق الزهري عن مسلم بن يزيد المؤذن عن أبي شريح الهدي أنه سمعه يقول أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع السيف فلقى الغد رهط منا رجلا من هذيل في الحرم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان وترهم في الجاهلية وكانوا يطلبونه فقتلوه فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضبا وعطاء ما رايته غضب غضبا أشد منه فلما صلى قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإن الله حرم مكة انتهى وقد ذكر أبو هريرة في حديثه هذه القصة مختصرة وتقدم الكلام عليها في باب كتابة العلم من كتاب العلم وذكرنا أن عمرو بن سعيد كان أميرا على المدينة من قبل يزيد بن معاوية وأنه جهز إلى مكة جيشا لغزو عبد الله بن الزبير بمكة وقد ذكر الطبري القصة عن مشايخه فقالوا كان قدوم عمرو بن سعيد واليا على المدينة من قبل يزيد بن معاوية في ذي القعدة سنة ستين وقيل قدمها في رمضان منها وهي السنة التي ولي فيها يزيد الخلافة فامتنع بن الزبير من بيعته وأقام بمكة فجهز إليه عمرو بن سعيد جيشا وأمر عليهم عمرو بن الزبير وكان معاديا لأخيه عبد الله وكان عمرو بن سعيد قد ولاه شرطته ثم أرسله إلى قتال أخيه فجاء مروان إلى عمرو بسعيد فنهاه فامتنع وجاء أبو شريح فذكر القصة فلما نزل الجيش ذا طوى خرج إليهم جماعة من أهل مكة فهزموهم وأسر عمرو بن الزبير فسجنه أخوه بسجن عارم وكان عمرو بن الزبير قد ضرب جماعة من أهل المدينة ممن اتهم بالميل إلى أخيه فأقادهم عبد الله منه حتى مات عمرو من ذلك الضرب تنبيه ووقع في السيرة لابن إسحاق ومغازى الواقدي أن المراجعة المذكورة وقعت بين أبي شريح وبين عمرو بن الزبير فإن كان محفوظا احتمل أن يكون أبو شريح راجع الباعث والمبعوث والله أعلم قوله وهو يبعث البعوث هي جمع بعث بمعنى مبعوث وهو من تسمية المفعول بالمصدر والمراد به الجيش المجهز للقتال قوله ايذن أصله ائذن بهمزتين فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها قوله أيها الأمير الأصل فيه يا أيها الأمير فحذف حرف النداء ويستفاد منه حسن التلطف في مخاطبة السلطان ليكون ادعى لقبولهم النصيحة وأن السلطان لا يخاطب الا بعد استئذانه ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه فترك ذلك والغلظة له قد يكون سببا لاثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه وسيأتى في الحدود قول والد العسيف وأئذن لي قوله قام به صفة للقول والمقول هو حمد الله تعالى الخ وقوله الغد بالنصب أي ثاني يوم الفتح وقد

[ 37 ]

تقدم بيانه قوله سمعته أذناي الخ فيه إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه فقوله سمعته أي حملته عنه بغير واسطة وذكر الأذنين للتأكيد وقوله ووعاه قلبي تحقيق لفهمه وتثبته وقوله وأبصرته عيناي زيادة في تحقيق ذلك وأن سماعه منه ليس اعتمادا على الصوت فقط بل مع المشاهدة وقوله حين تكلم به أي بالقول المذكور ويؤخذ من قوله ووعاه قلبي أن العقل محله القلب قوله إنه حمد الله هو بيان لقوله تكلم ويؤخذ منه استحباب الثناء بين يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام والخطبة في الأمور المهمة وقد تقدم من رواية بن إسحاق أنه قال فيها أما بعد قوله إن الله حرم مكة أي حكم بتحريمها وقضاه وظاهره أن حكم الله تعالى في مكة أن لا يقاتل أهلها ويؤمن من استجار بها ولا يتعرض له وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى ومن دخل كان آمنا قوله أو لم يروا أنا جعلنا حرما امنا وسيأتى بعد باب في حديث بن عباس بلفظ هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ولا معارضة بين هذا وبين قوله الآتي في الجهاد وغيره من حديث أنس أن إبراهيم حرم مكة لأن المعنى أن إبراهيم حرم مكة بأمر الله تعالى لا باجتهاده أو أن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس وكانت قبل ذلك عند الله حراما أو أول من اظهره بعد الطوفان وقال القرطبي معناه أن الله حرم مكة ابتداء من غير سبب ينسب لأحد ولا لأحد فيه مدخل قال ولاجل هذا أكد المعنى بقوله ولم يحرمها الناس والمراد بقوله ولم يحرمها الناس أن تحريمها ثابت بالشرع لا مدخل للعقل فيه أو المراد أنها من محرمات الله فيجب امتثال ذلك وليس من محرمات الناس يعني في الجاهلية كما حرموا أشياء من عند أنفسهم فلا يسوغ الاجتهاد في تركه وقيل معناه أن حرمتها مستمرة من أول الخلق وليس مما اختصت به شريعة النبي صلى الله عليه وسلم قوله فلا يحل الخ فيه تنبيه على الامتثال لأن من آمن بالله لزمته طاعته ومن أمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه خوف الحساب عليه وقد تعلق به من قال إن الكفار غير مخاطبين بفروع خالف والصحيح عند الأكثر خلافه وجوابهم بأن المؤمن هو الذي ينقاد للاحكام وينزجر عن المحرمات فجعل الكلام معه وليس فيه نفي ذلك عن غيره وقال بن دقيق العيد الذي أراه أنه من خطاب التهييج نحو قوله تعالى وعلى الله فتوكلوا أن كنتم مؤمنين فالمعنى أن استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه فهذا هو المقتضى لذكر هذا الوصف ولو قيل لا يحل لأحد مطلقا لم يحصل منه هذا الغرض وإن أفاد التحريم قوله أن يسفك دما تقدم ضبطه في العلم واستدل به على تحريم القتل والقتال بمكة وسيأتي البحث فيه بعد باب في الكلام على حديث بن عباس قوله ولا يعضد بها شجرة أي لا يقطع قال بن الجوزي أصحاب الحديث يقولون يعضد بضم الضاد وقال لنا بن الخشاب هو بكسرها والمعضد بكسر أوله الالة التي يقطع بها قال الخليل المعضد الممتهن من السيوف في قطع الشجر وقال الطبري أصله من عضد الرجل إذا أصابه بسوء في عضده ووقع في رواية لعمر بن شبة بلفظ لا يخضد بالخاء المعجمة بدل العين المهملة وهو راجع إلى معناه فإن أصل الخضد الكسر ويستعمل في القطع قال القرطبي خص الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع ادمي فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه والجمهور على الجواز وقال الشافعي

[ 38 ]

في الجميع الجزاء ورجحه بن قدامة واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول فقال مالك لا جزاء فيه بل ياثم وقال عطاء يستغفر وقال أبو حنيفة يؤخذ بقيمته هدي وقال الشافعي في العظيمة بقرة وفيما دونها شاة واحتج الطبري بالقياس على جزاء الصيد وتعقبه بن القصار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئا من شجر الحل ولا قائل به وقال بن العربي اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم الا أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة كذا نقله أبو ثور عنه وأجاز أيضا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤذى بطبعه فأشبه الفواسق ومنعه الجمهور كما سيأتي في حديث بن عباس بعد باب بلفظ ولا يعضد شوكه وصححه المتولي من الشافعية وأجابوا بأن القياس المذكور في مقابلة النص فلا يعتبر به حتى ولو لم يرد النص على تحريم الشوك لكان في تحريم قطع الشجر دليل على تحريم قطع الشوك لأن غالب شجر الحرم كذلك ولقيام الفارق أيضا فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجر قال بن قدامة ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر بغير صنع آدمى ولا بما يسقط من الورق نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا قوله فإن أحد هو فاعل بفعل مضمر يفسره ما بعده وقوله ترخص مشتق من الرخصة وفي رواية بن أبي ذئب عند أحمد فإن ترخص مترخص فقال أحلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله أحلها لي ولم يحلها للناس وفي مرسل عطاء بن يزيد عند سعيد بن منصور فلا يستن بي أحد فيقول قتل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله وإنما أذن لي بفتح أوله والفاعل الله ويروي بضمه على البناء للمفعول قوله ساعة من نهار تقدم في العلم أن مقدارها ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر ولفظ الحديث عند أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لما فتحت مكة قال كفو السلاح الا خزاعة عن بني بكر فأذن لهم حتى صلى العصر ثم قال كفوا السلاح فلقى رجل من خزاعة رجلا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خطيبا فقال ورأيته مسندا ظهره إلى الكعبة فذكر الحديث ويستفاد منه أن قتل من أذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتلهم كابن خطل وقع في الوقت الذي ابيح للنبي صلى الله عليه وسلم فيه القتال خلافا لمن حمل قوله ساعة من النهار على ظاهره فاحتاج إلى الجواب عن قصة بن خطل قوله وقد عادت حرمتها أي الحكم الذي في مقابلة إباحة القتال المستفاد من لفظ يأمر وقوله اليوم المراد به الزمن الحاضر وقد بين غايته في رواية بن أبي ذئب المذكورة بقوله ثم هي حرام إلى يوم القيامة وكذا في حديث بن عباس الآتي بعد باب بقوله فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة قوله فليبلغ الشاهد الغائب قال بن جرير فيه دليل على جواز قبول خبر الواحد لأنه معلوم أن كل من شهد الخطبة قد لزمه الابلاغ وأنه لم يأمرهم بالإبلاغ الغائب عنهم الا وهو السري له فرض العمل بما ابلغه كالذي لزم السامع سواء وإلا لم يكن للأمر بالتبليغ فائدة قوله فقيل لأبي شريح لم أعرف اسم القائل وظاهر رواية بن إسحاق أنه بعض قومه من خزاعة قوله لا يعيذ بالذال المعجمة أي لا يجير ولا يعصم قوله ولا فارا بالفاء وتثقيل الراء أي هاربا والمراد من وجب عليه حد القتل فهرب إلى مكة مستجيرا بالحرم وهي مسألة خلاف بين العلماء وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم مساق الدليل

[ 39 ]

وفي تخصيصه العموم بلا مستند قوله بخربة تقدم تفسيره في العلم وأشار بن العربي إلى ضبطه بكسر أوله وبالزاى بدل الراء والتحتانية بدل الموحدة جعله من الخزى والمعنى صحيح لكن لا تساعد عليه الرواية وأغرب الكرماني لما حكى هذا الوجه فأبدل الخاء المعجمة جيما جعله من الجزية وذكر الجزية وكذا الذم بعد ذكر العصيان من الخاص بعد العام قوله خربة بلية هو تفسير من الراوي والظاهر أنه المصنف فقد وقع في المغازي في آخر قال أبو عبد الله الخربة البلية وسبق في العلم في آخره يعني السرقة وهي أحد ما قيل في تأويلها وأصلها سرقة الإبل ثم استعملت في كل سرقة وعن الخليل الخربة الفساد في الإبل وقيل عقب وقيل بضم أوله العورة وقيل الفساد وبفتحه الفعلة الواحدة من الخرابة وهي السرقة وقد وهم من عد كلام عمرو بن سعيد هذا حديثا واحتج بما تضمنه كلامه قال بن حزم لا كرامة للطيم الشيطان يكون أعلم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأغرب بن بطال فزعم أن سكوت أبي شريح عن جواب عمرو بن سعيد دال على أنه رجع إليه في التفصيل المذكور ويعكر عليه ما وقع في رواية أحمد أنه قال في آخره قال أبو شريح فقلت لعمرو قد كنت شاهدا وكنت غائبا وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا وقد بلغتك فهذا يشعر بأنه لم يوافقه وإنما ترك مشاققته لعجزه عنه لما كان فيه من قوة الشوكة وقال بن بطال أيضا ليس قول عمرو جوابا لأبي شريح لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حدا في غير الحرم ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحد عليه في الحرم فان أبا شريح أنكر بعث عمرو الجيش الى مكة ونصب الحرب عليها فأحسن في استدلاله بالحديث وحاد عمرو عن جوابه وأجابه عن غير سؤاله وتعقبه الطيبي بأنه لم يحد في جوابه وإنما أجاب بما يقتضى القول بالموجب كأنه قال له صح سماعك وحفظك لكن المعنى المراد من الحديث الذي ذكرته خلاف ما فهمته منه فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح وليس بسبب قتل من استحق القتل خارج الحرم ثم استجار بالحرم والذي أنا فيه من القبيل الثاني قلت لكنها دعوى من عمرو بغير دليل لأن بن الزبير لم يجب عليه حد فعاذ بالحرم فرارا منه حتى يصح جواب عمرو نعم كان عمرو يرى وجوب طاعة يزيد الذي استنابه وكان يزيد أمر بن الزبير أن يبايع له بالخلافة ويحضر إليه في جامعة يعنى مغلولا فامتنع بن الزبير وعاذ بالحرم فكان يقال له بذلك عائذ الله وكان عمرو يعتقد أنه عاص بامتناعه من امتثال أمر يزيد ولهذا صدر كلامه بقوله إن الحرام لا يعيذ عاصيا ثم ذكر بقية ما ذكر استطرادا فهذه شبهة عمرو وهي واهية وهذه المسألة التي وقع فيها الاختلاف بين أبي شريح وعمرو فيها اختلاف بين العلماء أيضا كما سيأتي بعد باب في الكلام على حديث بن عباس وفي حديث أبي شريح من الفوائد غير ما تقدم جواز إخبار المرء عن نفسه بما يقتضى ثقته وضبطه لما سمعه ونحو ذلك وانكار العالم على الحاكم ما يغيره من أمر الدين والموعظة بلطف وتدريج والاقتصار في الإنكار على اللسان إذا لم يستطع باليد ووقوع التأكيد في الكلام البليغ وجواز المجادلة في الأمور الدينية وجواز النسخ وأن مسائل الاجتهاد لا يكون فيها مجتهد حجة على مجتهد وفيه الخروج عن عهدة التبليغ والصبر على المكاره لمن لا يستطيع بدا من ذلك وتمسك به من قال أن مكة فتحت عنوة قال النووي تأول من قال فتحت صلحا بأن القتال كان جائزا له لو فعله لكن لم يحتج إليه وتعقب بأنه خلاف الواقع وسيأتي

[ 40 ]

البحث فيه في المغازي وقد تقدمت تسمية القاتل والمقتول في قصة أبي شريح في الكلام على حديث أبي هريرة قوله باب لا ينفر صيد الحرم بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة قيل هو كناية عن الاصطياد وقيل هو على ظاهره كما سيأتي قال النووي يحرم التنفير وهو الازعاج عن موضعه فإن نفره عصى سواء أسيد أولا فإن أسيد في نفاره قبل سكونه ضمن وإلا فلا قال العلماء يستفاد من النهى عن التنفير تحريم الاتلاف بالأولى قوله حدثنا عبد الوهاب هو الثقفي وخالد هو الحذاء قوله إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد بعدي في رواية الكشميهني فلا تحل وهو أليق بقصد الأمر الآتي وقد ذكره في الباب الذي بعده بلفظ وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي وهو عند المصنف في أوائل البيع من طريق خالد الطحان عن خالد الحذاء بلفظ فلم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ومثله لأحمد من طريق وهيب عن خالد قال بن بطال المراد بقوله ولا تحل لأحد بعدي الإخبار عن الحكم في ذلك لا الإخبار بما سيقع لوقوع خلاف ذلك في الشاهد كما وقع من الحجاج وغيره انتهى ومحصله أنه خبر بمعنى النهى بخلاف قوله فلم تحل لأحد قبلي فإنه خبر محض أو معنى قوله ولا تحل لأحد بعدي أي لا يحلها الله بعدي لأن النسخ ينقطع بعده لكونه خاتم النبيين قوله وعن خالد هو بالإسناد المذكور وسيأتى في أوائل البيوع بأوضح مما هنا قوله هل تدري ما لا ينفر صيدها الخ قيل نبه عكرمة بذلك على المنع من الاتلاف وسائر أنواع الأذى تنبيها بالأدنى على الأعلى وقد خالف عكرمة عطاء ومجاهد فقالا لا بأس بطرده ما لم يفض إلى قتله أخرجه بن أبي شيبة وروى بن أبي شيبة أيضا من طريق الحكم عن شيخ من أهل مكة أن حماما كان على البيت فذرق على يد عمر فأشار عمر بيده فطار فوقع على بعض بيوت مكة فجاءت حية فأكلته فحكم عمر على نفسه بشاة وروى من طريق أخرى عن عثمان نحوه قوله باب لا يحل القتال بمكة هكذا ترجم بلفظ القتال وهو الواقع في حديث الباب ووقع عند مسلم في رواية كذلك وفي أخرى بلفظ القتل بدل القتال وللعلماء في كل منهما اختلاف سنذكره قوله وقال أبو شريح الخ تقدم موصولا قبل باب ووجه الاستدلال به لتحريم القتال من جهة أن القتال يفضى إلى القتل فقد ورد تحريم سفك الدم بها بلفظ النكرة في سياق النفي فيعم قوله عن مجاهد عن طاوس كذا رواه منصور موصولا وخالفه الأعمش فرواه عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا أخرجه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عنه وأخرجه أيضا عن سفيان عن داود بن شابور عن مجاهد مرسلا ومنصور ثقة حافظ فالحكم لوصله قوله يوم افتتح مكة هو ظرف للقول المذكور قوله لا هجرة أي بعد الفتح وافصح بذلك في رواية على بن المديني عن جرير في كتاب الجهاد قوله ولكن جهاد ونية المعنى أن وجوب الهجرة من مكة انقطع بفتحها إذ صارت دار إسلام ولكن بقي وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه وفسره بقوله فإذا استنفرتم فانفروا أي إذا دعيتم إلى الغزو فأجيبوا قال الطيبي قوله ولكن جهاد عطف على مدخول لا هجرة أي الهجرة إما فرارا من الكفار وإما إلى الجهاد وإما إلى نحو طلب العلم وقد انقطعت الأولى فاغتنموا الاخيرتين وتضمن الحديث بشارة من النبي صلى الله عليه وسلم بأن مكة تستمر دار إسلام وسيأتي البحث في ذلك مستوفى في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى قوله فإن هذا بلد حرم الفاء جواب شرط محذوف تقديره إذا علمتم ذلك فاعلموا أن

[ 41 ]

هذا بلد حرام وكأن وجه المناسبة أنه لما نصب القتال عليه حراما كان التنفير يقع منه لا إليه ولما روى مسلم هذا الحديث عن إسحاق عن جرير فصل الكلام الأول من الثاني بقوله وقال يوم الفتح إن الله حرم الخ فجعله حديثا آخر مستقلا وهو مقتضى صنيع من اقتصر على الكلام الأول كعلى بن المديني عن جرير كما سيأتي في الجهاد قوله حرمه الله سبق مشروحا في حديث أبي شريح ووقع في رواية غير الكشميهني حرم الله بحذف الهاء قوله وهو حرام بحرمة الله أي بتحريمه وقيل الحرمة الحق أي حرام بالحق المانع من تحليله واستدل به على تحريم القتل والقتال بالحرم فأما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها وخص الخلاف بمن قتل في الحل ثم لجا إلى الحرم وممن نقل الإجماع على ذلك بن الجوزي واحتج بعضهم بقتل بن خطل بها ولا حجة فيه لأن ذلك كان في الوقت الذي أحلت فيه للنبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم وزعم بن حزم أن مقتضى قول بن عمر وابن عباس وغيرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقا ونقل التفصيل عن مجاهد وعطاء وقال أبو حنيفة لا يقتل في الحرم حتى يخرج إلى الحل باختياره لكن لا يجالس ولا يكلم ويوعظ ويذكر حتى يخرج وقال أبو يوسف يخرج مضطرا إلى الحل وفعله بن الزبير وروى بن أبي شيبة من طريق طاوس عن بن عباس من أصاب حدا ثم دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع وعن مالك والشافعي يجوز إقامة الحد مطلقا فيها لأن العاصي هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن وأما القتال فقال الماوردي من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها فلو بغوا على أهل العدل فإن أمكن ردهم بغير قتال لم يجز وإن لم يمكن إلا بالقتال فقال الجمهور يقاتلون لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى فلا يجوز اضاعتها وقال آخرون لا يجوز قتالهم بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة قال النووي والأول نص عليه الشافعي وأجاب أصحابه عن الحديث بحمله على تحريم نصب القتال بما يعم أذاه كالمنجنيق بخلاف ما لو تحصن الكفار في بلد فإنه يجوز قتالهم على كل وجه وعن الشافعي قول آخر بالتحريم اختاره القفال وجزم به في شرح التلخيص وقال به جماعة من علماء الشافعية والمالكية قال الطبري من أتى حدا في الحل واستجار بالحرم فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه وليس للإمام أن ينصب عليه الحرب بل يحاصره ويضيق عليه حتى يذعن للطاعة لقوله صلى الله عليه وسلم وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فعلم أنها لا تحل لأحد بعده بالمعنى الذي حلت له به وهو محاربة أهلها والقتل فيها ومال بن العربي إلى هذا وقال بن المنير قد أكد النبي التحريم بقوله حرمه الله ثم قال فهو حرام بحرمة الله ثم قال ولم تحل لي إلا ساعة من نهار وكان إذا أراد التأكيد ذكر الشئ ثلاثا قال فهذا نص لا يحتمل التأويل وقال القرطبي ظاهر الحديث يقتضى تخصيصه صلى الله عليه وسلم بالقتال لاعتذاره عما ابيح له من ذلك مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتال والقتل لصدهم عن المسجد الحرام واخراجهم أهله منه وكفرهم وهذا الذي فهمه أبو شريح كما تقدم وقال به غير واحد من أهل العلم وقال بن دقيق العيد يتأكد القول بالتحريم بأن الحديث دال على أن المأذون للنبي صلى الله عليه وسلم فيه لم يؤذن لغيره فيه والذي وقع له إنما هو مطلق القتال لا القتال الخاص بما يعم كالمنجنيق فكيف يسوغ التأويل المذكور وأيضا فسياق الحديث يدل على أن التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدماء

[ 42 ]

فيها وذلك لا يختص بما يستأصل واستدل به على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم قال القرطبي معنى قوله حرمه الله أي يحرم على غير المحرم دخوله حتى يحرم ويجرى هذا مجرى قوله تعالى حرمت عليكم امهاتكم أي وطؤهن وحرمت عليكم الميتة أي أكلها فعرف الاستعمال يدل على تعيين المحذوف قال وقد دل على صحة هذا المعنى اعتذاره عن دخوله مكة غير محرم مقاتلا بقوله لم تحل لي الا ساعة من نهار الحديث قال وبهذا أخذ مالك والشافعي في أحد قوليهما ومن تبعهما في ذلك فقالوا لا يجوز لأحد أن يدخل مكة الا محرما الا إذا كان ممن يكثر التكرار قلت وسيأتى بسط القول في ذلك بعد سبعة أبواب قوله وأنه لا يحل القتال الهاء في أنه ضمير الشان ووقع في رواية الكشميهني لم يحل بلفظ لم بدل لا وهي أشبه لقوله قبلي قوله لا يعضد شوكه تقدم البحث فيه في حديث أبي شريح قوله ولا يلتقط لقطته الا من عرفها سيأتي البحث فيه في كتاب اللقطة إن شاء الله تعالى قوله ولا يختلى خلاها بالخاء المعجمة والخلا مقصور وذكر بن التين أنه وقع في رواية العابسي بالمد وهو الرطب من النبات واختلاؤه قطعه واحتشاشه واستدل به على تحريم رعية لكونه أشد من الاحتشاش وبه قال مالك والكوفيون واختاره الطبري وقال الشافعي لا بأس بالرعى لمصلحة البهائم وهو عمل الناس بخلاف الاحتشاش فإنه المنهي عنه فلا يتعدى ذلك إلى غيره وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعى اليابس واختلائه وهو أصح الوجهين للشافعية لأن النبت اليابس كالصيد الميت قال بن قدامة لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش ويدل عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة ولا يحتش حشيشها قال وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم من بقل وزرع ومشموم فلا بأس برعيه واختلائه قوله فقال العباس أي بن عبد المطلب كما وقع مبينا في المغازي من وجه آخر قوله إلا الأذخر يجوز فيه الرفع والنصب أما الرفع فعلى البدل مما قبله وأما النصب فلكونه استثناء واقعا بعد النفي وقال بن مالك المختار النصب لكون الاستثناء وقع متراخيا عن المستثنى منه فبعدت المشاكلة بالبدلية ولكون الاستثناء أيضا عرض في آخر الكلام ولم يكن مقصودا والاذخر نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن وبالمغرب صنف منه فيما قاله بن البيطار قال والذي بمكة اجوده وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلا من الحلفاء في الوقود ولهذا قال العباس فإنه لقينهم وهو بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون أي الحداد وقال الطبري القين عند العرب كل ذي صناعة يعالجها بنفسه ووقع في رواية المغازي فإنه لا بد منه للقين والبيوت وفي الرواية التي في الباب قبله فإنه لصاغتنا وقبورنا ووقع في مرسل مجاهد عند عمر بن شبة الجمع بين الثلاثة ووقع عنده أيضا فقال العباس يا رسول الله إن أهل مكة لا صبر لهم عن الأذخر لقينهم وبيوتهم وهذا يدل على أن الاستثناء في حديث الباب لم يرد أن يستثنى هو وإنما أراد به أن يلقن النبي صلى الله عليه وسلم الاستثناء وقوله صلى الله عليه وسلم في جوابه الا الأذخر هو استثناء بعض من كل لدخول الأذخر في عموم ما يختلى واستدل به على جواز النسخ قبل الفعل وليس بواضح وعلى جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه ومذهب الجمهور اشتراط الاتصال

[ 43 ]

وإما لفظا وإما حكما لجواز الفصل بالتنفس مثلا وقد اشتهر عن بن عباس الجواز مطلقا ويمكن أي يحتج له بظاهر هذه القصة وأجابوا عن ذلك بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم أراد أن يقول الا الأذخر فشغله العباس بكلامه فوصل كلامه بكلام نفسه فقال الا الأذخر وقد قال بن مالك يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء متصلا بالمستثنى منه واختلفوا هل كان قوله صلى الله عليه وسلم الا الأذخر باجتهاد أو وحي وقيل كان الله فوض له الحكم في هذه المسألة مطلقا وقيل أوحى إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شئ من ذلك فأجب سؤاله وقال الطبري ساغ للعباس أن يستثنى الأذخر لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة تحريم القتال دون ما ذكر من تحريم الاختلاء فإنه من تحريم الرسول باجتهاده فساغ له أن يسأله استثناء الأذخر وهذا مبنى على أن الرسول كان له أن يجتهد في الأحكام وليس ما قاله بلازم بل في تقريره صلى الله عليه وسلم للعباس على ذلك دليل على جواز تخصيص العام وحكى بن بطال عن المهلب أن الاستثناء هنا للضرورة كتحليل أكل الميتة عند الضرورة وقد بين العباس ذلك بأن الأذخر لا غنى لأهل مكة عنه وتعقبه بن المنير بأن الذي يباح للضرورة يشترط حصولها فيه فلو كان الأذخر مثل الميتة لامتنع استعماله الا فيمن تحققت ضرورته إليه والإجماع على أنه مباح مطلقا بغير قيد للضرورة انتهى ويحتمل أن يكون مراد المهلب بان أصل إباحته كانت للضرورة وسببها لا أنه يريد أنه مقيد بها قال بن المنير والحق أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة وترخيص النبي صلى الله عليه وسلم تبليغا عن الله إما بطريق الالهام أو بطريق الوحي ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم وفي الحديث بيان خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكر في الحديث وجواز مرجعية العالم في المصالح الشرعية والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد وعظيم منزلة العباس عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنايته بأمر مكة لكونه كان بها أصله ومنشؤه وفيه رفع وجوب الهجرة عن مكة إلى المدينة وابقاء حكمها من بلاد الكفر إلى يوم القيامة وأن الجهاد يشترط أن يقصد به الإخلاص ووجوب النفير مع الأئمة قوله باب الحجامة للمحرم أي أهل يمنع منها أو تباح له مطلقا أو للضرورة والمراد في ذلك كله المحجوم لا الحاجم قوله وكوى بن عمر ابنه وهو محرم هذا الابن اسمه حكى وصل ذلك سعيد بن منصور من طريق مجاهد قال أصاب حكى بن عبد الله بن عمر برسام في الطريق وهو متوجه إلى مكة فكواه بن عمر فأبان أن ذلك كان للضرورة قوله ويتداوى ما لم يكن فيه طيب هذا من تتمة الترجمة وليس في أثر بن عمر كما ترى وأما قول الكرماني فاعل يتداوى أما المحرم وأما بن عمر فكلام من لم يقف على أثر بن عمر وقد سبق في أوائل الحج في باب الطيب عند الإحرام قول بن عباس ويتداوى بما يأكل وهو موافق لهذا والجامع بين هذا وبين الحجامة عموم التداوى وروى الطبري من طريق الحسن قال أن أصاب المحرم شجة فلا بأس بأن يأخذ ما حولها من الشعر ثم يداويها لما ليس فيه طيب قوله قال لنا عمرو أول شئ أي أول مرة في رواية القدرة عن سفيان حدثنا عمرو وهو بن دينار أخرجه أبو نعيم وأبو عوانة من طريقه قوله ثم سمعته هو مقول سفيان والضمير لعمرو وكذا فقلت لعله سمعه وقد بين ذلك القدرة عن سفيان فقال حدثنا بهذا الحديث عمرو مرتين فذكره لكن قال فلا أدري أسمعه منهما أو كانت

[ 44 ]

إحدى الكلب وهما زاد أبو عوانة قال سفيان ذكر لي أنه سمعه منهما جميعا وأخرجه بن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء عن بن عيينة نحو رواية على بن عبد الله وقال في آخره فظننت أنه رواه عنهما جميعا وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق سليمان بن أيوب عن سفيان قال عن عمرو عن عطاء فذكره قال ثم حدثنا عمرو عن طاوس به فقلت لعمرو إنما كنت حدثتنا عن عطاء قال اسكت يا صبي لم اغلط كلاهما حدثني قلت فإن كان هذا محفوظا فلعل سفيان تردد في كون عمرو سمعه منهما لما خشي من كون ذلك صدر منه حالة الغضب على أنه قد حدث به فجمعهما قال أحمد في مسنده حدثنا سفيان قال قال عمرو أولا فحفطناه قال طاوس عن بن عباس فذكره فقال أحمد وقد حدثنا به سفيان فقال قال عمرو عن عطاء وطاوس عن بن عباس قلت وكذا جمعهما عن سفيان مسدد عند المصنف في الطب وأبو بكر بن أبي شيبه وأبو خيثمة وإسحاق بن راهويه عند مسلم وقتيبة عند الترمذي والنسائي وتابع سفيان على روايته له عن عمرو لكن عن طاوس وحده زكريا بن إسحاق أخرجه أحمد وأبو عوانة وابن خزيمة والحاكم وله أصل عن عطاء أيضا أخرجه أحمد والنسائي من طريق الليث عن أبي الزبير ومن طريق بن جريج كلاهما عنه تنبيه زعم الكرماني أن مراد البخاري بالسياق المذكور أن عمرا حدث به سفيان أولا عن عطاء عن بن عباس بغير واسطة ثم حدثه به ثانيا عن عطاء بواسطة طاوس قلت وهو كلام من لم يقف على طريق مسدد التي في الكتاب الذي شرح فيه فضلا عن بقية الطرق التي ذكرناها ولا تعرف مع ذلك لعطاء عن طاوس رواية أصلا والله المستعان قوله وهو محرم زاد بن جريج عن عطاء صائم بلحى جمل وزاد زكريا على رأسه وستأتى رواية عكرمة في الصوم وهذه الزيادات موافقة لحديث بن بحينة ثاني حديثي الباب دون ذكر الصيام قوله عن علقمة بن أبي علقمة في رواية النسائي من طريق محمد بن خالد عن سليمان أخبرني علقمة واسم أبي علقمة بلال وهو مدني تابعي صغير سمع أنسا وهو علقمة بن أم علقمة واسمها مرجانة وليس له في البخاري سوى هذا الحديث قوله عن عبد الرحمن الأعرج عن بن بحينة في رواية المصنف في الطب عن إسماعيل وهو بن أبي أويس عن سليمان عن علقمة أنه سمع عبد الرحمن الأعرج أنه سمع عبد الله بن بحينة قوله بلحى جمل بفتح اللام وحكى كسرها وسكون المهملة وبفتح الجيم والميم موضع بطريق مكة وقد وقع مبينا في رواية إسماعيل المذكورة بلحى جمل من طريق مكة ذكر البكري في معجمه في رسم العقيق قال هي بئر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم يعني الماضي في التيمم وقال غيره هي عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا ووقع في رواية أبي ذر بلحيي جمل بصيغة التثنية ولغيره بالافراد وهم من ظنه فكى الجمل الحيوان المعروف وأنه كان آلة الحجم وجزم الحازمي وغيره بأن ذلك كان في حجة الوداع وسيأتي البحث في أنه هل كان صائما في كتاب الصيام قوله في وسط بفتح المهملة أي متوسطة وهو ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى القرنين قال الليث كانت هذه الحجامة في فاس الرأس وأما التي في أعلاه فلا لأنها ربما اعمت وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب الطب إن شاء الله تعالى قال النووي إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لقطع الشعر وأن لم تتضمنه جازت عند الجمهور وكرهها مالك وعن الحسن فيها الفدية وأن لم يقطع شعرا وأن كان لضرورة جاز قطع الشعر وتجب الفدية وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس وقال الداودي إذا أمكن مسك المحاجم

[ 45 ]

بغير حلق لم يجز الحلق واستدل بهذا الحديث على جواز الفصد وبط الجرح والدمل وقطع العرق وقلع الضرس وغير ذلك من وجوه التداوى إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهى عنه المحرم من تناول الطيب وقطع الشعر ولا فدية عليه في شئ من ذلك والله أعلم قوله باب تزويج المحرم أورد فيه حديث بن عباس في تزويج ميمونة وظاهر صنيعه أنه لم يثبت عنده النهى عن ذلك ولا أن ذلك من الخصائص وقد ترجم في النكاح باب نكاح المحرم ولم يزد على إيراد هذا الحديث ومراده بالنكاح التزويج للإجماع على افساد الحج والعمرة بالجماع وقد اختلف في تزويج ميمونة فالمشهور عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم وصح نحوه عن عائشة وأبي هريرة وجاء عن ميمونة نفسها أنه كان حلالا وعن أبي رافع مثله وأنه كان الرسول إليها وسيأتى الكلام على ذلك مستوفى في باب عمرة القضاء من كتاب المغازي أن شاء الله تعالى واختلف العلماء في هذه المسألة فالجمهور على المنع لحديث عثمان لا ينكح المحرم ولا ينكح أخرجه مسلم وأجابوا عن حديث ميمونة بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت ولا تقوم بها الحجة ولانها تحتمل الخصوصية فكان الحديث في النهى عن ذلك أولي بأن يؤحذ به وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة يجوز للمحرم أن يتزوج كما يجوز له أن عمي الجارية للوطء وتعقب بأنه قياس في معارضة السنة فلا يعتبر به وأما تأويلهم حديث عثمان بان المراد به الوطء فمتعقب بالتصريح فيه بقوله ولا ينكح بضم أوله وبقوله فيه ولا يخطب قوله باب ما ينهى أي عنه من الطيب للمحرم والمحرمة أي إنهما في ذلك سواء ولم يختلف العلماء في ذلك وإنما اختلفوا في أشياء هل تعد طيبا أو لا والحكمة في منع المحرم من الطيب أنه من دواعي الجماع ومقدماته التي تفسد الإحرام وبأنه ينافي حال المحرم فإن المحرم أشعث أغبر قوله وقالت عائشة لا تلبس المحرمة ثوبا بورس أو زعفران وصلة البيهقي من طريق معاذ عن عائشة قالت المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت الا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولا تبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها أن شاءت وقد تقدم في أوائل الباب أن المرأة كالرجل في منع الطيب إجماعا وروى أحمد وأبو داود والحاكم أصل حديث الباب من طريق بن إسحاق حدثني نافع عن بن عمر بلفظ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما احبت من الوان الثياب ثم أورد المصنف حديث بن عمر قام رجل فقال يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس الحديث وقد تقدم في أوائل الحج مع سائر مباحثه في باب ما يلبس المحرم من الثياب وزاد فيه هنا ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين وذكر الاختلاف في رفع هذه الزيادة ووقفها وسابين ما في ذلك أن شاء الله تعالى قوله تابعه موسى بن عقبة وصله النسائي من طريق عبد الله بن المبارك عنه عن نافع في آخر الزيادة المذكورة قبل قوله وإسماعيل بن إبراهيم أي بن عقبة وهو بن أخي موسى المذكور قبله وقد رويناه من طريقه موصولا في فوائد على بن محمد المصري من رواية السلفي عن الثقفي عن بن بشران عنه عن يوسف بن يزيد عن يعقوب بن أبي عباد عن إسماعيل عن نافع به قوله وجويرية أي بن أسماء وصله أبو يعلى عن عبد الله بن محمد بن أسماء عنه عن نافع وفيه الزيادة قوله وابن إسحاق وصلة أحمد وغيره كما تقدم في أول الباب قوله في النقاب والقفازين أي في ذكرهما في الحديث

[ 46 ]

المرفوع والقفاز بضم القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاى ما تلبسه المرأة في يدها فيغطى اصابعها وكفيها عند معاناة الشئ كغزل ونحوه وهو لليد كالخف للرجل والنقاب الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المحاجر وظاهره اختصاص ذلك بالمرأة ولكن الرجل في القفاز مثلها لكونه في معنى الخف فإن كلا منهما محيط بجزء من البدن وأما النقاب فلا يحرم على الرجل من جهة الإحرام لأنه لا يحرم عليه تغطية وجهه على الراجح كما سيأتي الكلام عليه في حديث بن عباس في هذا الباب قوله وقال عبيد الله يعني بن عمر العمري ابن ورس وكان يقول لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين يعني أن عبيد الله المذكور خالف المذكورين قبل في رواية هذا الحديث عن نافع فوافقهم على رفعه إلى قوله زعفران ولا ورس وفصل بقية الحديث فجعله من قول بن عمر وهذا التعليق عن عبيد الله وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عن محمد بن بشر وحماد بن مسعدة وابن خزيمة من طريق بشر بن المفضل ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمر عن نافع فساق الحديث إلى قوله ابن ورس قال وكان عبد الله يعني بن عمر يقول ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين ورواه يحيى القطان عند النسائي وحفص بن الصالح عند الدارقطني كلاهما عن عبيد الله فاقتصر على المتفق على رفعه قوله وقال مالك الخ هو في الموطأ كما قال والغرض أن مالكا اقتصر على الموقوف فقط وفي ذلك تقوية لرواية عبيد الله وظهر الادراج في رواية غيره وقد استشكل بن دقيق العيد الحكم بالادراج في هذا الحديث لورود النهى عن النقاب والقفاز مفردا مرفوعا للابتداء بالنهي عنهما في رواية بن إسحاق المرفوعة المقدم ذكرها وقال في الاقتراح دعوى الادراج في أول المتن ضعيفة وأجيب بأن الثقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قدمت ولا سيما أن كان حافظا ولا سيما أن كان أحفظ والأمر هنا كذلك فإن عبيد الله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه وقد فصل المرفوع من الموقوف وأما الذي اقتصر على الموقوف فرفعه فقد شذ بذلك وهو ضعيف وأما الذي ابتدا في المرفوع بالموقوف فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى وكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولي أشار إلى ذلك شيخنا في شرح الترمذي وقال الكرماني فإن قلت فلم قال بلفظ قال وثانيا بلفظ كان يقول قلت لعله قال ذلك مرة وهذا كان بقوله دائما مكررا والفرق بين المرويين إما من جهة حذف المرأة وإما من جهة أن الأول بلفظ لا تتنقب من التفعل والثاني من الافتعال وإما من جهة أن الثاني بضم الباء على سبيل النفي لا غير والأول بالضم والكسر نفيا ونهيا انتهى كلامه ولا يخفى تكلفه قوله وتابعه ليث بن أبي سليم أي تابع مالكا في وقفه وكذا أخرجه بن أبي شيبة من طريق فضيل بن غزوان عن نافع موقوفا على بن عمر ومعنى قوله ولا تنتقب أي لا تستر وجهها كما تقدم واختلف العلماء في ذلك فمنعه الجمهور وأجازه الحنفية وهو رواية عند الشافعية والمالكية ولم يختلفوا في منعها من ستر وجهها وكفيها بما سوى النقاب والقفازين قوله مسه ورس الخ مفهومه جواز ما ليس فيه ورس ولا زعفران لكن ألحق العلماء بذلك يجري الطيب للاشتراك في الحكم واختلفوا في المصبوغ بغير الزعفران والورس وقد تقدم ذلك والورس نبات باليمن قاله جماعة وجزم بذلك بن العربي وغيره وقال بن البيطار في مفرداته الورس يؤتى به من اليمن والهند والصين وليس

[ 47 ]

بنبات بل يشبه زهر العصفر ونبته شئ يشبه البنفسج ويقال إن الكركم عروقه قوله عن منصور هو بن المعتمر والحكم هو أبو عتيبة قوله وقصت بفتح القاف والصاد المهملة تقدم تفسيره في باب كفن المحرم ويأتي في باب المحرم يموت بعرفة بيان اختلاف في هذه اللفظة والمراد هنا قوله ولا تقربوه طيبا وهي بتشديد الراء وسيأتى قريبا بلفظ ولا تحنطوه وهو من الحنوط بالمهملة والنون وهو الطيب الذي يصنع للميت وقوله يبعث ملبيا أي على هيئته التي مات عليها واستدل بذلك على بقاء إحرامه خلافا للمالكية والحنفية وقد تمسكوا من هذا الحديث بلفظة اختلف في ثبوتها وهي قوله ولا تخمروا وجهه فقالوا لا يجوز للمحرم تغطية وجهه مع إنهم لا يقولون بظاهر هذا الحديث فيمن مات محرما وأما الجمهور فأخذوا بظاهر الحديث وقالوا أن في ثبوت ذكر الوجه مقالا وتردد بن المنذر في صحته وقال البيهقي ذكر الوجه غريب وهو وهم من بعض رواته وفي كل ذلك نظر فإن الحديث ظاهره الصحة ولفظه عند مسلم من طريق إسرائيل عن منصور وأبي الزبير كلاهما عن سعيد بن جبير عن بن عباس فذكر الحديث قال منصور ولا تغطوا وجهه وقال أبو الزبير ولا تكشفوا وجهه وأخرجه النسائي من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير بلفظ ولا تخمروا وجهه ولا رأسه أخرجه مسلم أيضا من حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير بلفظ ولا يمس طيبا خارج رأسه قال شعبة ثم حدثني به بعد ذلك فقال خارج رأسه ووجهه انتهى وهذه الرواية تتعلق بالتطيب لا بالكشف والتغطية وشعبة أحفظ من كل من روى هذا الحديث فلعل بعض رواته انتقل ذهنه من التطيب إلى التغطية وقال أهل الظاهر يجوز للمحرم الحي تغطية وجهه ولا يجوز للمحرم الذي يموت وأشار بالظاهر في الموضعين وقال آخرون هي واقعة عين لا عموم فيها لأنه علل ذلك بقوله لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا وهذا الأمر لا يتحقق الجوزي في غيره فيكون خاصا بذلك الرجل ولو استمر بقاؤه على إحرامه لأمر بقضاء مناسكه وسيأتى ترجمة المصنف بنفى ذلك وقال أبو الحسن بن القصار لو أريد تعميم هذا الحكم في كل محرم لقال فإن المحرم كما جاء أن الشهيد يبعث وجرحه يثعب دما وأجيب بأن الحديث ظاهر في أن العلة في الأمر المذكور كونه كان في النسك وهو عامة في كل محرم والأصل أن كل مثبت لواحد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت لغيره حتى يتضح التخصيص واختلف في الصائم يموت هل يبطل صومه بالموت حتى يجب قضاء صوم ذلك اليوم عنه أو لا يبطل وقال النووي يتاول هذا الحديث على أن النهى عن تغطية وجهه ليس لكن والمحرم لا يجوز تغطية وجهه بل هو صيانة للرأس فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطى رأسه اه وروى سعيد بن منصور من طريق عطاء قال يغطى المحرم من وجهه ما دون الحاجبين أي من أعلى وفي رواية ما دون عينيه وكأنه أراد مزيد الاحتياط لكشف الرأس والله أعلم تكملة كان وقوع المحرم المذكور عند الصخرات من عرفة وفي الحديث إطلاق الواقف على الراكب واستحباب دوام التلبية في الإحرام وأنها لا تنقطع بالتوجه لعرفة وجواز غسل المحرم بالسدر ونحوه مما لا يعد طيبا وحكى المزني عن الشافعي أنه استدل على جواز قطع سدر الحرم بهذا الحديث لقوله فيه واغسلوه بماء وسدر والله أعلم تنبيه لم اقف في شئ من طرق هذا الحديث على تسمية المحرم المذكور وقد وهم بعض المتأخرين فزعم أن اسمه حكى بن عبد الله وعزاه لابن قتيبة في ترجمة عمر من كتاب المغازي

[ 48 ]

وسبب الوهم أن بن قتيبة لما ذكر ترجمة عمر ذكر أولاده ومنهم عبد الله ابن عمر ثم ذكر أولاد عبد الله بن عمر فذكر فيهم حكى بن عبد الله بن عمر فقال وقع عن بعيره وهو محرم فهلك فظن هذا المتأخر أن لواقد بن عبد الله بن عمر صحبة وأنه صاحب القصة التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وليس كما ظن فإن واقدا المذكور لا صحبة له فإن أمه صفية بنت أبي عبيد إنما تزوجها أبوه في خلافة أبيه عمر واختلف في صحبتها وذكرها العجلي وغيره في التابعين ووجدت في الصحابة حكى بن عبد الله آخر لكن لم أر في شئ من الأخبار أنه وقع عن بعيره فهلك بل ذكر غير واحد منهم بن سعد أنه مات في خلافة عمر فبطل تفسير المبهم بأنه حكى بن عبد الله من كل وجه قوله باب الاغتسال للمحرم أي ترفها وتنظفا وتطهرا من الجنابة قال بن المنذر اجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة واختلفوا فيما عدا ذلك وكأن المصنف أشار إلى ما روى عن مالك أنه كره للمحرم أن يغطى رأسه في الماء وروى في الموطأ عن نافع أن بن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم الا من احتلام قوله وقال بن عباس يدخل المحرم الحمام وصله الدارقطني والبيهقي من طريق أيوب عن عكرمة عنه قال المحرم يدخل الحمام وينزع ضرسه وإذا انكسر ظفره طرحه ويقول اميطوا عنكم الأذى فإن الله لا يصنع باذاكم شيئا وروى البيهقي من وجه آخر عن بن عباس أنه دخل حماما بالجحفة وهو محرم وقال أن الله لا يعبأ بأوساخكم شيئا وروى بن أبي شيبة كراهة ذلك عن الحسن وعطاء قوله ولم ير بن عمر وعائشة بالحك بأسا أما أثر بن عمر فوصله البيهقي من طريق أبي مجلز قال رأيت بن عمر يحك رأسه وهو محرم ففطنت له فإذا هو يحك بأطراف انامله وأما أثر عائشة فوصله مالك عن علقمة بن علقمة عن أمة واسمها مرجانة سمعت عائشة تسأل عن المحرم ايحك جسده قال نعم وليشدد وقالت عائشة لو ربطت يداي ولم أجد الا أن احك برجلي لحككت أه ومناسبة أثر بن عمر وعائشة للترجمة بجامع ما بين الغسل وللحك من إزالة الأذى قوله عن زيد بن أسلم عن إبراهيم كذا في جميع الموطآت وأغرب يحيى ابن يحيى الأندلسي فأدخل بين زيد وإبراهيم نافعا قال بن عبد البر وذلك معدود من خطئه قوله عن إبراهيم في رواية بن عيينة عن زيد أخبرني إبراهيم أخرجه أحمد وإسحاق والحميدي في مسانيدهم عنه وفي رواية بن جريج عند أحمد عن زيد بن أسلم أن إبراهيم بن عبد الله بن حنين مولى بن عباس أخبره كذا قال مولى بن عباس وقد اختلف في ذلك والمشهور أن حنينا كان مولى للعباس وهبه له النبي صلى الله عليه وسلم فاولاده موال له قوله أن بن عباس في رواية بن جريج عند أبي عوانة كنت مع بن عباس والمسور قوله بالأبواء أي وهما نازلان بها وفي رواية بن عيينة بالعرج وهو بفتح أوله واسكان ثانيه قرية جامعة قريبة من الأبواء قوله إلى أبي أيوب زاد بن جريج فقال قل له يقرأ عليك السلام بن أخيك عبد الله بن عباس ويسألك قوله بين القرنين أي قرني البئر وكذا هو لبعض رواة الموطأ وكذا في رواية بن عيينة وهما العودان أي العمودان المنتصبان لأجل عود البكرة قوله أرسلني إليك عبد الله بن عباس يسالك كيف كان الخ قال بن عبد البر الظاهر أن بن عباس كان عنده في ذلك نص عن النبي صلى الله عليه وسلم أخذه عن أبي أيوب أو غيره ولهذا قال عبد الله بن حنين لأبي أيوب يسالك كيف كان يغسل رأسه ولم يقل هل كان يغسل رأسه أو لا على حسب ما وقع فيه اختلاف بين المسور

[ 49 ]

وابن عباس قلت ويحتمل أن يكون عبد الله بن حنين يطلق في السؤال لفطنته كأنه لما قال له سله هل يغتسل المحرم أو لا فجاء فوجده يغتسل فهم من ذلك أنه يغتسل فأحب أن لا يرجع الا بفائدة فسأله عن كيفية الغسل وكأنه خص الرأس بالسؤال لأنها موضع الاشكال في هذه المسألة لأنها محل الشعر الذي يخشى انتتافه بخلاف بقية البدن غالبا قوله فطأطاه أي أزاله عن رأسه وفي رواية بن عيينة جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه وفي رواية بن جريج حتى رأيت رأسه ووجهه قوله لإنسان لم أقف على اسمه ثم قال أي أبو أيوب هكذا رأيته أي النبي صلى الله عليه وسلم يفعل زاد بن عيينة فرجعت إليهما فأخبرتهما فقال المسور لابن عباس لا اماريك أبدا أي لا اجادلك واصل المراء واستخراج ما عند الإنسان يقال أمر فلان فلانا إذا استخرج ما عنده قاله بن الأنباري وأطلق ذلك في المجادلة لأن كلا المتجادلين يستخرج ما عند الآخر من الحجة وفي هذا الحديث من الفوائد مناظرة الصحابة في الأحكام ورجوعهم إلى النصوص وقبولهم لخبر الواحد ولو كان تابعيا وأن قول بعضهم ليس بحجة على بعض قال بن عبد البر لو كان معنى الاقتداء في قوله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم يراد به الفتوى لما احتاج بن عباس إلى إقامة البينة على دعواه بل كان يقول للمسور أنا نجم وأنت نجم فبأينا اقتدى من بعدنا كفاه ولكن معناه كما قال المزني وغيره من أهل النظر أنه في النقل لأن جميعهم عدول وفيه اعتراف للفاضل بفضله وانصاف الصحابة بعضهم بعضا وفيه استتار الغاسل عند الغسل والاستعانة في الطهارة وجواز الكلام والسلام حالة الطهارة وجواز غسل المحرم وتشريبه شعره بالماء ودلكه بيده إذا أمن تناثره واستدل به القرطبي على وجوب الدلك في الغسل قال لأن الغسل لو كان يتم بدونه لكان المحرم أحق بان يجوز له تركه ولا يخفى ما فيه واستدل به على أن تخليل شعر اللحية في الوضوء باق على استحبابه خلافا لمن قال يكره كالمتولي من الشافعية خشية انتتاف الشعر لأن في الحديث ثم حرك رأسه بيده ولا فرق بين شعر الرأس واللحية الا أن يقال أن شعر الرأس اصلب والتحقيق أنه خلاف الأولى في حق بعض دون بعض قاله السبكي الكبير والله أعلم قوله باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين أي هل يشترط قطعهما أو لا وأورد فيه حديث بن عمر في ذلك وحديث بن عباس وقد تقدم الكلام عليه في باب ما لا يلبس المحرم من الثياب ووقع في رواية أبي زيد المروزي عن سالم بن عبد الله بن عمر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الجياني الصواب ما رواه بن السكن وغيره فقالوا عن سالم عن بن عمر قلت تصحفت عن فصارت ابن $ وقوله في حديث ابن عباس ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل للمحرم أي هذا الحكم للمحرم لا الحلال فلا يتوقف جواز لبسه السراويل على فقد الإزار قال القرطبي أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد فأجاز لبس الخف والسراويل للمحرم الذي لا يجد النعلين والازار على حالهما واشترط الجمهور قطع الخف وفتق السراويل فلو لبس شيئا منهما على حاله لزمته الفدية والدليل لهم قوله في حديث بن عمر وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين فيحمل المطلق على المقيد ويلحق النظير بالنظير لاستوائهما في الحكم وقال بن قدامة الأولى قطعهما وأشار بالحديث الصحيح وخروجا من الخلاف انتهى والأصح عند الشافعية والأكثر جواز ليس السراويل بغير فتق كقول أحمد واشترط الفتق محمد بن الحسن وإمام الحرمين وطائفة وعن أبي حنيفة منع

[ 50 ]

السراويل للمحرم مطلقا ومثله عن مالك وكأن حديث بن عباس لم يبلغه ففي الموطأ أنه سئل عنه فقال لم أسمع بهذا الحديث وقال الرازي من الحنفية يجوز لبسه وعليه الفدية كما قاله أصحابهم في الخفين ومن أجاز لبس السراويل على حاله قيده بأن لا يكون في حالة لو فتقه لكان إزارا لأنه في تلك الحالة يكون واحد الإزار قوله باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل أورد فيه حديث بن عباس وقد تقدم البحث فيه في الباب الذي قبله وجزم المصنف بالحكم في هذه المسألة دون التي قبلها لقوة دليلها وتصريح المخالف بأن الحديث لم يبلغه فيتعين على من بلغه العمل به قوله باب لبس السلاح للمحرم أي إذا أحتاج إلى ذلك قوله وقال عكرمة إذا خشي العدو لبس السلاح وافتدى أي وجبت عليه الفدية ولم اقف على أثر عكرمة هذا موصولا وقوله ولم يتابع عليه في الفدية يقتضى أنه توبع على جواز لبس السلاح عند الخشية وخولف في وجوب الفدية وقد نقل بن المنذر عن الحسن أنه كره أن يتقلد المحرم السيف وقد تقدم في العيدين قول بن عمر للحجاج أنت أمرت بحمل السلاح في الحرم وقوله له وأدخلت السلاح في الحرم ولم يكن السلاح يدخل فيه وفي رواية أمرت بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله وتقدم الكلام على ذلك مستوفى في باب من كره حمل السلاح في العيد وذكر من روى ذلك مرفوعا ثم أورد المصنف في الباب حديث البراء في عمرة القضاء مختصرا وسيأتى بتمامه في كتاب الصلح عن عبيد الله بن موسى شوال هذا ووهم المزي في الأطراف فزعم أن البخاري أخرجه في الحج بطوله وليس كذلك قوله باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام هو من عطف الخاص على العام لأن المراد بمكة هنا البلد فيكون الحرم أعم قوله ودخل بن عمر وصله مالك في الموطأ عن نافع قال أقبل عبد الله بن عمر من مكة حتى إذا كان بقديد يعني بضم القاف جاءه خبر عن الفتنة فرجع فدخل مكة بغير إحرام قوله وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة ولم يذكر الحطابين وغيرهم هو من كلام المصنف وحاصله أنه خص الإحرام بمن أراد الحج والعمرة واستدل بمفهوم قوله في حديث بن عباس ممن أراد الحج والعمرة فمفهومه أن المتردد إلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإحرام وقد اختلف العلماء في هذا فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقا وفي قول يجب مطلقا وفيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب وأولى بعدم الوجوب والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب وفي رواية عن كل منهم لا يجب وهو قول بن عمر والزهري والحسن وأهل الظاهر وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة واستثنى الحنفية من كان دخل الميقات وزعم بن عبد البر أن أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب ثم أورد المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث بن عباس وقد تقدم الكلام عليه في المواقيت الثاني حديث أنس في المغفر وقد اشتهر عن الزهري عنه ووقع لي من رواية يزيد الرقاشي عن أنس في فوائد أبي الحسن الفراء الموصلي وفي الإسناد إلى يزيد مع ضعفه ضعف وقيل أن مالكا تفرد به عن الزهري وممن جزم بذلك ابن الصلاح في علوم الحديث له في الكلام عن الشاذ وتعقبه شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقي بأنه ورد من طريق بن أخي الزهري وأبي أويس ومعمر والأوزاعي وقال أن رواية بن أخي الزهري عند البزار ورواية أبي أويس عند بن سعد وابن عدي وأن رواية معمر ذكرها بن عدي وأن

[ 51 ]

رواية الأوزاعي ذكرها المزني ولم يذكر شيخنا من أخرج روايتهما وقد وجدت رواية معمر في فوائد ابن المقري ورواية الأوزاعي في فوائد تمام ثم نقل شيخنا عن بن مسدى أن بن العربي قال حين قيل له لم يروه الا مالك قد رويته من ثلاثة عشر طريقا غير طريق مالك وأنه وعد بإخراج ذلك ولم يخرج شيئا وأطال بن مسدى في هذه القصة وأنشد فيها شعرا وحاصلها أنهم اتهموا بن العربي في ذلك ونسبوه إلى المجازفة ثم شرع بن مسدى يقدح في أصل القصة ولم يصب في ذلك فراوي القصة عدل متقن والذين اتهموا بن العربي في ذلك هم الذين اخطئوا لقلة اطلاعهم وكأنه بخل عليهم بإخراج ذلك لما ظهر له من انكارهم وتعنتهم وقد تتبعت طرقه حتى وقفت على أكثر من العدد الذي ذكره بن العربي ولله الحمد فوجدته من رواية أثنى عشر نفسا غير الأربعة التي ذكرها شيخنا وهم عقيل في معجم بن جميع ويونس بن يزيد في الإرشاد للخليلي وابن أبي حفص في الرواة عن مالك للخطيب وابن عيينة في مسند أبي يعلى وأسامة بن زيد في تاريخ نيسابور وابن أبي ذئب في الحلية ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي الموالي في افراد الدارقطني وعبد الرحمن ومحمد ابنا عبد العزيز الأنصاريان في فوائد عبد الله بن إسحاق الخراساني وابن إسحاق في مسند مالك لابن عدي وبحر السقاء الذي ذكره جعفر الأندلسي في تخريجه للجيزى بالجيم والزاي وصالح بن أبي الأخضر ذكره أبو ذر الهروي عقب حديث يحيى بن قزعة عن مالك والمخرج عند البخاري في المغازي فتبين بذلك أن إطلاق بن الصلاح متعقب وأن قول بن العربي صحيح وأن كلام من أتهمه مردود ولكن ليس في طرقه شئ على شرط الصحيح الا طريق مالك واقربها رواية بن أخي الزهري فقد أخرجها النسائي في مسند مالك وأبو عوانة في صحيحه وتليها رواية أبي أويس أخرجها أبو عوانة أيضا وقالوا إنه كان رفيق مالك في السماع عن الزهري فيحمل قول من قال انفرد به مالك أي بشرط الصحة وقول من قال توبع أي في الجملة بحال عن الترمذي سالمة من الاعتراض فإنه قال بعد تخريجه حسن صحيح غريب لا يعرف كثير أحد رواه غير مالك عن الزهري فقوله كثير يشير إلى أنه توبع في الجملة قوله عن أنس في رواية أبي أويس عند بن سعد أن أنس بن مالك حدثه قوله عام الفتح وعلى رأسه المغفر بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس وقيل هو رفرف البيضة قاله في المحكم وفي المشارق هو ما يجعل من فضل دروع الحديد على الرأس مثل القلنسوة وفي رواية زيد بن الحباب عن مالك يوم الفتح وعليه مغفر من حديد أخرجه الدارقطني في الغرائب والحاكم في الإكليل وكذا هو في رواية أبي أويس قوله فلما نزعه جاءه رجل لم اقف على اسمه الا أنه يحتمل أن يكون هو الذي باشر قتله وقد جزم الفاكهي في شرح العمدة بأن الذي جاء بذلك هو أبو برزة الأسلمي وكأنه لما رجح عنده أنه هو الذي قتله رأى أنه هو الذي جاء مخبرا بقصته ويوشحه قوله في رواية يحيى بن قزعة في المغازي فقال اقتله بصيغة الأفراد على أنه اختلف في اسم قاتله ففي حديث سعيد بن يربوع عند الدارقطني والحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال أربعة لا اؤمنهم لا في حل ولا حرم الحويرث بن نقيد بالنون والقاف مصغر وهلال بن خطل ومقيس ابن صبابة وعبد الله بن أبي سراح قال فأما هلال بن خطل فقتله الزبير الحديث وفي حديث سعد ابن أبي وقاص عند البزار والحاكم والبيهقي في الدلائل نحوه لكن قال أربعة نفر وامرأتين فقال اقتلوهم وأن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة فذكرهم لكن قال عبد الله بن خطل بدل هلال

[ 52 ]

وقال عكرمة بدل الحويرث ولم يسم المرأتين وقال فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيدا عمارا وكان اشب الرجلين فقتله الحديث وفي زيادات يونس بن بكير في المغازي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه وروى بن أبي شيبة والبهيقى في الدلائل من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم فتح مكة الا أربعة من الناس عبد العزي بن خطل ومقيس بن صبابة الكناني وعبد الله بن أبي سرح وأم سارة فأما عبد العزي بن خطل مولاه وهو متعلق بأستار الكعبة وروى بن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النهدي أن أبا برزة الأسلمي قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وإسناده صحيح مع إرساله وله شاهد عند بن المبارك في البر والصلة من حديث أبي برزة نفسه ورواه أحمد من وجه آخر وهو أصح ما ورد في تعيين قاتله وبه جزم البلاذري وغيره من أهل العلم بالأخبار وتحمل بقية الروايات على إنهم ابتدروا قتله فكان المباشر له منهم أبو برزة ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه فقد جزم بن هشام في السيرة بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله ومنهم من سمي قاتله سعيد بن ذؤيب وحكى المحب الطبري أن الزبير بن العوام هو الذي قتل بن خطل وروى الحاكم من طريق أبي معشر عن يوسف بن يعقوب عن السائب بن يزيد قال فأخذ عبد الله بن خطل من تحت استار الكعبة فقتل بين المقام وزمزم وقد جمع الواقدي عن شيوخه أسماء من لم يؤمن يوم الفتح وأمر بقتله عشرة أنفس ستة رجال وأربع نسوة والسبب في قتل بن خطل وعدم دخوله في قوله من دخل المسجد فهو آمن ما روى بن إسحاق في المغازي حدثني عبد الله بن أبي بكر وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة قال لا يقتل أحدا الا من قاتل الا نفرا سماهم فقال اقتلوهم إن وجدتموهم تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن خطل وعبد الله بن سعد وإنما أمر بقتل بن خطل لأنه كان مسلما فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار وكان معه مولى يخدمه وكان مسلما فنزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى الفاكهي من طريق بن جريج قال قال مولى بن عباس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأنصار ورجلا من مزينة وابن خطل وقال اطيعا الأنصاري حتى ترجعا مولاه بن خطل الأنصاري وهرب المزني وكان ممن اهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح ومن النفر الذين كان اهدر دمهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل الفتح غير من تقدم ذكره هبار بن الأسود وعكرمة بن أبي جهل وكعب بن زهير ووحشي بن حرب وأسيد بن إياس ابن أبي زنيم وقينتا بن خطل وهند بنت عتبة والجمع بين ما اختلف فيه من اسمه أنه كان يسمى عبد العزي فلما أسلم سمي عبد الله وأما من قال هلال فالتبس عليه بأخ له اسمه هلال بين ذلك الكلبي في النسب وقيل هو عبد الله بن هلال بن خطل وقيل غالب بن عبد الله بن خطل واسم خطل عبد مناف من بني تيم بن فهر بن غالب وهذا الحديث ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح لم يكن محرما وقد صرح بذلك مالك راوي الحديث كما ذكره المصنف في المغازي عن يحيى بن قزعة عن مالك عقب هذا الحديث قال مالك ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نرى

[ 53 ]

والله أعلم يومئذ محرما أه وقول مالك هذا رواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك جازما به أخرجه الدارقطني في الغرائب ووقع في الموطأ من رواية أبي مصعب وغيره قال مالك قال بن شهاب ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ محرما وهذا مرسل ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر بلفظ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام وروى بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاوس قال لم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة الا محرما الا يوم فتح مكة وزعم الحاكم في الإكليل أن بين حديث أنس في المغفر وبين حديث جابر في فضالة السوداء معارضة وتعقبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر ثم ازاله ولبس العمامة بعد ذلك فحكى كل منهما ما رآه ويؤيده أن في حديث عمرو بن حريث أنه خطب الناس وعليه عمامة سوداء أخرجه مسلم أيضا وكانت الخطبة عند باب الكعبة وذلك بعد تمام الدخول وهذا الجمع لعياض وقال غيره يجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدأ الحديد فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيئا للحرب وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم وبهذا يندفع إشكال من قال لا دلالة في الحديث على جواز دخول مكة بغير إحرام لاحتمال أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم كان محرما ولكنه غطى رأسه لعذر فقد ندفع ذلك بتصريح جابر بأنه لم يكن محرما لكن فيه اشكال من وجه آخر لأنه صلى الله عليه وسلم كان متأهبا للقتال ومن كان كذلك جاز له الدخول بغير إحرام عند الشافعية وأن كان عياض نقل الاتفاق على مقابله وأما من قال من الشافعية كابن القاص دخول مكة بغير إحرام من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ففيه نظر لأن الخصوصية لا تثبت الا بدليل لكن زعم الطحاوي أن دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي شريح وغيره إنها لم تحل له الا ساعة من نهار وأن المراد بذلك جواز دخولها له بغير إحرام لا تحريم القتل والقتال فيها لأنهم اجمعوا على أن المشركين لو غلبوا والعياذ بالله تعالى على مكة حل للمسلمين قتالهم وقتلهم فيها وقد عكس استدلاله النووي فقال في الحديث دلالة على أن مكة تبقى دار إسلام إلى يوم القيامة فبطل ما صوره الطحاوي وفي دعواه الإجماع فنظر فإن الخلاف ثابت كما تقدم وقد حكاه القفال والماوردي وغيرهما واستدل بحديث الباب على أنه صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة وأجاب النووي بأنه صلى الله عليه وسلم كان صالحهم لكن لما لم يأمن غدرهم دخل متأهبا وهذا جواب قوي الا أن الشأن في ثبوت كونه صالحهم فإنه لا يعرف في شئ من الأخبار صريحا كما سيأتي وايضاحه في الكلام على فتح مكة من المغازي أن شاء الله تعالى واستدل بقصة بن خطل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة قال بن عبد البر كان قتل بن خطل قودا من قتله المسلم وقال السهيلي فيه أن الكعبة لا تعيذ عاصيا ولا تمنع من إقامة حد واجب وقال النووي تأول من قال لا يقتل فيها على أنه صلى الله عليه وسلم قتله في الساعة التي ابيحت له وأجاب عنه أصحابنا بأنها إنما ابيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها واذعن أهلها وإنما قتل بن خطل بعد ذلك انتهى وتعقب بما تقدم في الكلام على حديث أبي شريح أن المراد بالساعة التي أحلت له ما بين أول النهار ودخول وقت العصر وقتل ابن خطل كان قبل ذلك قطعا لأنه قيد في الحديث بأنه كان عند نزعه المغفر وذلك عند استقراره بمكة وقد قال بن خزيمة المراد بقوله في حديث بن عباس ما أحل الله لأحد فيه القتل غيري أي

[ 54 ]

قتل النفر الذين قتلوا يومئذ بن خطل ومن ذكر معه قال وكان الله قد أباح له القتال والقتل معا في تلك الساعة وقتل بن خطل وغيره بعد تقضى القتال واستدل به على جواز قتل الذي إذا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه نظر كما قاله بن عبد البر لأن بن خطل كان حربيا ولم يدخله رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمانه لأهل مكة بل استثناه مع من استثنى وخرج أمره بقتله مع أمانه لغيره مخرجا واحدا فلا دلالة فيه لما ذكره انتهى ويمكن أن يتمسك به في جواز قتل من فعل ذلك بغير استتابة من غير تقييد بكونه ذميا لكن بن خطل عمل بموجبات القتل فلم يتحتم أن سبب قتله السب واستدل به على جواز قتل الأسير صبرا لأن القدرة على بن خطل صيرته كالأسير في يد الإمام وهو مخير فيه بين القتل وغيره لكن قال الخطابي أنه صلى الله عليه وسلم قتله بما جناه في الإسلام وقال بن عبد البر قتله قودا من دم المسلم الذي غدر به وقتله ثم ارتد كما تقدم واستدل به على جواز قتل الأسير من غير أن يعرض عليه الإسلام ترجم بذلك أبو داود وفيه مشروعية لبس المغفر وغيره من الات السلاح حال الخوف من العدو وأنه لا ينافي التوكل وقد تقدم في باب متى يحل للمعتمر من أبواب العمرة من حديث عبد الله بن أبي أوفى اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل مكة طاف وطفنا معه ومعه من يستره من أهل مكة أن يرميه أحد الحديث وإنما احتاج إلى ذلك لأنه كان حينئذ محرما فخشي الصحابة أن يرميه بعض سفهاء المشركين بشئ يؤذيه فكانوا حوله يسترون رأسه ويحفظونه من ذلك وفيه جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمر ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة ولا النميمة قوله باب إذا أحرم جاهلا وعليه قميص أي هل يلزمه فدية أو لا وإنما لم يجزم بالحكم لأن حديث الباب لا تصريح فيه بإسقاط الفدية ومن ثم استظهر المصنف الراجح بقول عطاء راوي الحديث كأنه يشير إلى أنه لو كانت الفدية واجبة لما خفيت عن عطاء وهو راوي الحديث قال بن بطال وغيره وجه الدلالة منه أنه لو لزمته الفدية لبينها صلى الله عليه وسلم لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وفرق مالك فيمن تطيب أو لبس ناسيا بين من بادر فنزع وغسل وبين من تمادى والشافعي أشد موافقة للحديث لأن السائل في حديث الباب كان غير عارف بالحكم وقد تمادى ومع ذلك لم يؤمر بالفدية وقول مالك فيه احتياط وأما قول الكوفيين والمزنى مخالف هذا الحديث وأجاب بن المنير في الحاشية بان الوقت الذي أحرم فيه الرجل في الجبة كان قبل نزول الحكم ولهذا أنتظر النبي صلى الله عليه وسلم الوحي قال ولا خلاف أن التكليف لا يتوجه على المكلف قبل نزول الحكم فلهذا لم يؤمر الرجل بفدية عما مضى بخلاف من لبس الآن جاهلا فإنه جهل حكما استقر وقصر في علم ما كان عليه أن يتعلمه لكونه مكلفا به وقد تمكن من تعلمه قوله وقال عطاء الخ ذكره ابن المنذر في الأوسط ووصله الطبراني في الكبير وأما حديث يعلى فقد تقدم الكلام عليه مستوفى في باب غسل الخلوف في أوائل الحج قوله في الإسناد صفوان بن يعلى بن أمية قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم هذا وقع في رواية أبي ذر وهو تصحيف والصواب ما ثبت في رواية غيره صفوان ابن يعلى عن أبيه فتصحفت عن فصارت بن وأبيه فصارت أمية أو سقط من السند عن أبيه وليست لصفوان صحبة ولا رواية قوله وعض رجل يد رجل هذا حديث آخر وسيأتي مبسوطا مع الكلام عليه في أبواب الدية إن شاء الله تعالى قوله باب المحرم يموت بعرفة

[ 55 ]

ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤدي عنه بقية الحج يعني لم ينقل ذلك وذكر فيه حديث بن عباس في الرجل المحرم الذي وقع عن بعيره بعرفة فمات وقد تقدم التنبيه عليه في باب ما ينهى عن الطيب للمحرم وأورده المصنف من حديث حماد بن زيد عن عمرو بن دينار وعن أيوب فرقهما كلاهما عن سعيد بن جبير ووقع في رواية عمرو فوقصته أو قال فأقعصته وفي رواية أيوب فوقصته أو قال فأوقصته وكلها بمعنى وزاد في رواية أيوب ولا تمسوه طيبا والباقي سواء وقد وقع عند مسلم من رواية إسماعيل بن علية في هذا الحديث عن أيوب قال نبئت عن سعيد بن جبير فالله أعلم قوله باب سنة المحرم إذا مات ذكر فيه حديث بن عباس المذكور من وجه آخر عن سعيد بن جبير وقد سبق قوله باب الحج والنذور عن الميت كذا ثبت للأكثر بلفظ الجمع وفي رواية النسفي النذر بالافراد قوله والرجل يحج عن المرأة يعني أن حديث الباب يستدل به على الحكمين وفيه على الحكم الثاني نظر لأن لفظ الحديث أن امرأة سألت عن نذر كان على أبيها فكان حق الترجمة أن يقول والمرأة تحج عن الرجل وأجاب بن بطال بأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب المرأة بخطاب دخل فيه الرجال والنساء وهو قوله اقضوا الله قال ولا خلاف في جواز حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل ولم يخالف في جواز حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل الا الحسن بن صالح انتهى والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى رواية شعبة عن أبي بشر في هذا الحديث فإنه قال فيها أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أن أختي نذرت أن تحج الحديث وفيه فاقض الله فهو أحق بالقضاء أخرجه المصنف في كتاب النذور وكذا أخرجه أحمد والنسائي من طريق شعبة قوله أن امرأة من جهينة لم اقف على اسمها ولا على اسم أبيها لكن روى بن وهب عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه أن غايثة أو غاثية أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة فقال اقض عنها أخرجه بن منده في حرف الغين المعجمة من الصحابيات وتردد هل هي بتقديم المثناة التحتانية على المثلثة أو بالعكس وجزم بن طاهر في المبهمات بأنه اسم الجهينية المذكورة في حديث الباب وقد روى النسائي وابن خزيمة وأحمد من طريق موسى بن سلمة الهذلي عن بن عباس قال أمرت امرأة سنان بن عبد الله الجهني أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمها توفيت ولم تحج الحديث لفظ أحمد ووقع عند النسائي سنان بن سلمة والأول أصح وهذا لا يفسر به المبهم في حديث الباب أن المرأة سألت بنفسها وفي هذا أن زوجها سأل لها ويمكن الجمع بان يكون نسبة السؤال إليها مجازية وإنما الذي تولى لها السؤال زوجها وغايته أنه في هذه الرواية لم يصرح بأن الحجة المسئول عنها كانت نذرا وأما ما روى بن ماجة من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن بن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أن أمي توفيت وعليها مشى إلى الكعبة نذرا الحديث فإن كان محفوظا حمل على واقعتين بان تكون امرأته سألت على لسانه عن حجة أمها المفروضة وبأن تكون عمته سألت بنفسها عن حجة أمها المنذورة ويفسر في من حديث الباب بأنها عمة سنان واسمها غايثة كما تقدم ولم تسم المرأة ولا العمة ولا أم واحدة منهما قوله أن أمي نذرت أن تحج كذا رواه أبو بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس من رواية أبي عوانة عنه وسيأتي في النذور من طريق شعبة عن أبي بشر

[ 56 ]

بلفظ أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فإن كان محفوظا احتمل أن يكون كل من الأخ سأل عن أخته والبنت سألت عن أمها وسيأتي في الصيام من طريق أخرى عن سعيد بن جبير بلفظ قالت امرأة أن أمي ماتت وعليها صوم شهر وسيأتي بسط القول فيه هناك وزعم بعض المخالفين أنه اضطراب يعل به الحديث وليس كما قال فإنه محمول على أن المرأة سألت عن كل من الصوم والحج ويدل عليه ما رواه مسلم عن بريدة أن امرأة قالت يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية وانها ماتت قال وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت إنه كان عليها أن صوم شهر افاصوم عنها قال صومي عنها قالت أنها لم تحج افأحج عنها قال حجي عنها وللسؤال عن قصة الحج من حديث بن عباس أصل آخر أخرجه النسائي من طريق سليمان بن يسار عنه وله شاهد من حديث أنس عند البزار والطبراني والدارقطني واستدل به على صحة نذر الحج ممن لم يحج فإذا حج اجزاه عن حجة الإسلام عند الجمهور وعليه الحج عن النذر وقيل يجزئ عن النذر ثم يحج حجة الإسلام وقيل يجزئ عنهما قوله قال نعم حجي عنها في رواية موسى بن سلمة أفيجزئ عنها أن أحج عنها قال نعم قوله أرأيت الخ فيه مشروعية القياس وضرب المثل ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه وفيه تشبيه ما اختلف فيه واشكل بما اتفق عليه وفيه أنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل إذا ترتبت على ذلك مصلحة وهو أطيب لنفس المستفتى وادعى لاذعانه وفيه أن وفاء الدين المالي عن الميت كان معلوما عندهم مقررا ولهذا حسن الإلحاق به وفيه أجزاء الحج عن الميت وفيه اختلاف فروى سعيد بن منصور وغيره عن بن عمر بإسناد صحيح لا يحج أحد عن أحد ونحوه عن مالك والليث وعن مالك أيضا أن أوصى بذلك فليحج عنه وإلا فلا وسيأتي البحث في ذلك الباب الذي يليه قوله أكنت قاضيته كذا للأكثر بضمير يعود على الدين وللكشميهني قاضية بوزن فاعلة أو حذف المفعول وفيه أن من مات وعليه حج وجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله كما أن عليه قضاء ديونه فقد اجمعوا على أن دين الأدمي من رأس المال فكذلك ما العطار به في القضاء ويلتحق الحنفية كل حق ثبت في ذمته من كفارة أو نذر أو زكاة أو غير ذلك وفي قوله فالله أحق بالوفاء دليل على أنه مقدم على دين الأدمي وهو أحد أقوال الشافعي وقيل بالعكس وقيل هما سواء قال الطيبي في الحديث اشعار بان المسئول عنه خلف مالا فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن حق الله مقدم على حق العباد وأوجب عليه الحج عنه والجامع علة المالية قلت ولم يتحتم في الجواب المذكور أن يكون خلف مالا كما زعم لأن قوله أكنت قاضيته أعم من أن يكون المراد مما خلفه أو تبرعا قوله باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة أي من الأحياء خلافا لمالك في ذلك ولمن قال لا يحج أحد عن أحد مطلقا كابن عمر ونقل بن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافا للشافعي وعن أحمد روايتان قوله عن بن شهاب عن سليمان في رواية الترمذي من طريق روح عن بن جريج أخبرني بن شهاب حدثني سليمان بن يسار قوله عن ابن عباس في رواية شعيب الآتية في الاستئذان عن بن شهاب أخبرني سليمان أخبرني عبد الله ابن عباس قوله عن الفضل بن عباس كذا قال بن جريج وتابعه معمر وخالفهما مالك وأكثر

[ 57 ]

الرواة عن الزهري فلم يقولوا فيه عن الفضل وروى بن ماجة من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن بن عباس أخبرني حصين بن عوف الخثعمي قال قلت يا رسول الله أن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج الحديث قال الترمذي سألت محمدا يعني البخاري عن هذا فقال أصح شئ فيه ما روى بن عباس عن الفضل قال فيحتمل أن يكون بن عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة أه وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ وكان بن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة كما سيأتي بعد باب وقد سبق في باب التلبية والتكبير من طريق عطاء عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل فأخبر الفضل أنه لم يزل يلبى حتى رمى الجمرة فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمى جمرة العقبة فحضره بن عباس فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة وتارة عما شاهده ويؤيد ذلك ما وقع عند الترمذي وأحمد وابنه عبد الله والطبري من حديث علي مما يدل على أن السؤال المذكور وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي وأن العباس كان شاهدا ولفظ أحمد عندهم من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن على قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال هذه عرفة وهو الموقف فذكر الحديث وفيه ثم أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر فقال هذا المنحر وكل منى منحر واستفتته وفي رواية عبد الله ثم جاءته جارية شابة من خثعم فقالت إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج أفيجزئ أن أحج عنه قال حجي عن أبيك قال ولوى عنق الفضل فقال العباس يا رسول الله لويت عنق بن عمك قال رأيت شابا فلم آمن عليها الشيطان وظاهر هذا أن العباس كان حاضرا لذلك فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضا كان معه تنبيه لم يسق المصنف لفظ رواية بن جريج بل تحول إلى إسناد عبد العزيز بن أبي سلة وساق الحديث على يسير كعادته وبقية حديث بن جريج أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أبي أدركه الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يركب البعير افأحج عنه قال حجي عنه أخرجه أبو مسلم الكجي عن أبي عاصم شيخ البخاري فيه والطبراني عن أبي مسلم كذلك أخرجه مسلم من وجه آخر عن بن جريج فقال إن امرأة من خثعم قالت يا رسول الله إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج الحديث قوله عام حجة الوداع في رواية شعيب الآتية في الاستئذان يوم النحر وللنسائي من طريق بن عيينة عن بن شهاب غداة جمع وسيأتي بقية الكلام عليه في الباب الذي بعده قوله باب حج المرأة عن الرجل تقدم نقل الخلاف فيه قبل باب قوله كان الفضل يعني بن عباس وهو أخو عبد الله وكان أكبر ولد العباس وبه كان يكنى قوله رديف زاد شعيب على عجز راحلته قوله فجاءته امرأة من خثعم بفتح المعجمة وسكون المثلثة قبيلة مشهورة قوله فجعل الفضل ينظر إليها في رواية شعيب وكان الفضل رجلا وضيئا أي جميلا وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها قوله يصرف وجه الفضل في رواية شعيب فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فدفع وجهه عن النظر إليها وهذا هو المراد بقوله في حديث علي فلوى عنق الفضل ووقع في رواية الطبري في حديث على وكان الفضل غلاما جميلا فإذا جاءت الجارية من هذا الشق صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه

[ 58 ]

الفضل إلى الشق الآخر فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنها وقال في آخره رأيت غلاما حدثا وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان قوله إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا في رواية عبد العزيز وشعيب أن فريضة الله على عباده في الحج وفي رواية النسائي من طريق يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان بن يسار أن أبي أدركه الحج واتفقت الروايات كلها عن بن شهاب على أن السائلة كانت امرأة وإنها سألت عن أبيها وخالفه يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان فاتفق الرواة عنه على أن السائل رجل ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه أما إسناده فقال هشيم عنه عن سليمان عن عبد الله بن عباس وقال محمد بن سيرين عنه عن سليمان عن الفضل أخرجهما النسائي وقال بن علية عنه عن سليمان حدثني أحد مشهور العباس أما الفضل وأما عبد الله أخرجه أحمد وأما المتن فقال هشيم أن رجلا سأل فقال أن أبي مات وقال بن سيرين فجاء رجل فقال أن أمي عجوز كبيرة وقال بن علية فجاء رجل فقال أن أبي أو أمي وخالف الجميع معمر عن يحيى بن أبي إسحاق فقال في روايته أن امرأة سألت عن أمها وهذا الاختلاف كله عن سليمان بن يسار فاجبنا أن ننظر في سياق غيره فإذا كريب قد رواه عن بن عباس عن حصين بن عوف الخثعمي قال قلت يا رسول الله أن أبي أدركه الحج وإذا عطاء الخراساني قد روى عن أبي الغوث بن حصين الخثعمي أنه استفتى النبي صلى الله عليه وسلم عن حجة كانت على أبيه أخرجهما بن ماجة والرواية الأولى أقوى إسنادا وهذا يوافق رواية هشيم في أن السائل عن ذلك رجل سأل عن أبيه ويوافقه ما روى الطبراني من طريق عبد الله بن شداد عن الفضل بن عباس أن رجلا قال يا رسول الله أن أبي شيخ كبير ويوافقهما مرسل الحسن عند بن خزيمة فإنه أخرجه من طريق عوف عن الحسن قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال أن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام لم يحج الحديث ثم ساقه من طريق عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال مثله الا أنه قال أن السائل سأل عن أمه قلت وهذا يوافق رواية بن سيرين أيضا عن يحيى بن أبي إسحاق كما تقدم والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل وكانت ابنته معه فسالت أيضا والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعا ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس عن الفضل بن عباس قال كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم وأعرابي معه بنت له حسناء فجعل الغلام يعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يتزوجها وجعلت ألتفت إليها ويأخذ النبي صلى الله عليه وسلم براسى فيلويه فكان يلبى حتى رمى جمرة العقبة فعلى هذا فقول الشابة أن أبي لعلها أرادت به جدها لأن أباها كان معها وكأنه أمرها أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها لما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه ولا مانع أن يسأل أيضا عن أمه وتحصل من هذه الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمي وأما ما وقع في الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن حصين فإن إسنادها ضعيف ولعله كان فيه عن أبي الغوث حصين فزيد في الرواية بن أو أن أبا الغوث أيضا كان مع أبيه حصين فسال كما سأل أبوه وأخته والله أعلم ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر وهو أبو رزين بفتح الراء وكسر الزاي العقيلي بالتصغير واسمه لقيط بن عامر ففي السنن وصحيح بن خزيمة وغيرهما من حديثه أنه قال يا رسول الله أن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة قال حج

[ 59 ]

عن أبيك واعتمر وهذه قصة أخرى ومن وحد بينهما وبين حديث الخثعمي فقد أبعد وتكلف قوله شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة قال الطيبي شيخا حال ولا يثبت صفة له ويحتمل أن يكون حالا أيضا ويكون من الأحوال المتداخلة والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة وقوله لا يثبت وقع في رواية عبد العزيز وشعيب لا يستطيع أن يستوي وفي رواية بن عيينة لا يستمسك على الرحل وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق من الزيادة وأن شددته خشيت أن يموت وكذا في مرسل الحسن وحديث أبي هريرة عند بن خزيمة بلفظ وأن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن اقتله وهذا يفهم منه أن من قدر على غير هذين الامرين من الثبوت على الراحلة أو الأمن عليه من الأذى لو ربط لم يرخص له في الحج عنه كمن يقدر على محمل موطأ كالمحفة قوله افأحج عنه أي ايجوز لي أن أنوب عنه فاحج عنه لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدر وفي رواية عبد العزيز وشعيب فهل يقضي عنه وفي حديث على هل يجزئ عنه قوله قال نعم في حديث أبي هريرة فقال احجج عن أبيك وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الحج عن الغير واستدل الكوفيون بعمومه على جواز صحة حج من لم يحج نيابة عن غيره وخالفهم الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه واستدلوا بما في السنن وصحيح بن حزيمة وغيره من حديث بن عباس أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يلبى عن شبرمة فقال أحججت عن نفسك فقال لا قال هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة واستدل به على أن الاستطاعة تكون بالغير كما تكون بالنفس وعكس بعض المالكية فقال من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب وأجابوا عن حديث الباب بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع وليس في شئ من طرقه تصريح بالوجوب وبانها عبادة بدنية فلا تصح النيابة فيها كالصلاة وقد نقل الطبري وغيره الإجماع على أن النيابة لا الخطبة في الصلاة قالوا ولان العبادات فرضت على جهة الابتلاء وهو لا يوجد في العبادات البدنية الا باتعاب البدن فيه يظهر الانقياد أو النفور بخلاف الزكاة فإن الابتلاء فيها بنقص المال وهو حاصل بالنفس وبالغير وأجيب بان قياس الحج على الصلاة لا يصح لأن عبادة الحج مالية بدنية معا فلا يترجح الحاقها بالصلاة على الحاقها بالزكاة ولهذا قال المازري من غلب حكم البدن في الحج ألحقه بالصلاة ومن غلب حكم المال ألحقه بالصدقة وقد أجاز المالكية الحج عن الغير إذا أوصى به ولم يجيزوا ذلك في الصلاة وبأن حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع لأنه يوجد في الآمر من بذله المال في الأجرة وقال عياض لا حجة للمخالف في حديث الباب لأن قوله أن فريضة الله على عباده الخ معناه أن الزام الله عباده الحنفية الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع فهل أحج عنه أي هل يجوز لي ذلك أو هل فيه أجر ومنفعة فقال نعم وتعقب بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الأجزاء فيتم الاستدلال وتقديم في بعض طرق مسلم أن أبي عليه فريضة الله في الحج ولأحمد في رواية والحج مكتوب عليه وادعى بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز ارضاع الكبير حكاه بن عبد البر وتعقب بان الأصل عدم الخصوصية واحتج بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب الواضحة بإسنادين مرسلين فزاد في الحديث حج عنه وليس لأحد بعده ولا حجة فيه لضعف الإسنادين مع ارسالهما وقد عارضة قوله في حديث

[ 60 ]

الجهنية الماضي في الباب اقضوا الله فالله أحق بالوفاء وادعى آخرون منهم أن ذلك خاص بالابن يحج عن أبيه ولا يخفى أنه جمود وقال القرطبي رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف لظاهر القرآن فرجع ظاهر القرآن ولا شك في ترجيحه من جهة تواتره ومن جهة أن القول المذكور قول امرأة ظنت ظنا قال ولا يقال قد اجابها النبي صلى الله عليه وسلم على سؤالها ولو كان ظنها غلطا لبينه لها لأنا نقول إنما اجابها عن قولها افاحج عنه قال حجي عنه لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها أه وتعقب بان في تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لها على ذلك حجة ظاهرة وأما ما رواه عبد الرزاق من حديث بن عباس فزاد في الحديث حج عن أبيك فإن لم يزده خيرا لم يزده شرا فقد جزم الحفاظ بأنها رواية شاذة وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها للمخالف ومن فروع المسألة أن لا فرق بين من استقر الوجوب في ذمته قبل العضب أو طرا خلافا للحنفية وللجمهور ظاهر قصة الخثعمية وأن من حج عن غيره وقع الحج عن المستنيب خلافا لمحمد ابن الحسن فقال يقع عن المباشر وللمحجوج عنه أجر النفقة واختلفوا فيما أذاعنو في المعضوب فقال الجمهور لا يجزئه لأنه تبين أنه لم يكن ميئوسا منه وقال أحمد وإسحاق لا تلزمه الإعادة لئلا يفضى إلى إيجاب حجتين واتفق من أجاز النيابة في الحج على أنها لا تجزى في الفرض إلا عن موت أو عضب فلا يدخل المريض لأنه يرجى برؤه ولا المجنون لأنه ترجى إفاقته ولا المحبوس لأنه يرجى خلاصه ولا الفقير لأنه يمكن استغناؤه والله أعلم وفي الحديث من الفوائد أيضا جواز الارتداف وسيأتي مبسوطا معي كتاب الأدب وارتداف المرأة مع الرجل وتواضع النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلة الفضل بن عباس منه وبيان ما ركب في الآدمي من الشهوة وجبلت طباعه عليه من النظر إلى الصور الحسنة وفيه منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر قال عياض وزعم بعضهم أنه غير واجب الا عند خشية الفتنة قال وعندي أن فعله صلى الله عليه وسلم إذ غطى وجه الفضل أبلغ من القول ثم قال لعل الفضل لم ينظر نظرا فقلنا بل خشي عليه أن يئول إلى ذلك أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب ويؤخذ منه التفريق بن الرجال والنساء خشية الفتنة وجواز كلام المرأة وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة كالاستفتاء عن العلم والترافع في الحكم والمعاملة وفيه أن إحرام المرأة في وجهها فيجوز لها كشفه في الإحرام وروى أحمد وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفضل حين غطى وجهه يوم عرفة هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه ورجاله له وفي هذا الحديث أيضا النيابة في السؤال عن العلم حتى من المرأة عن الرجل وأن المرأة تحج بغير محرم وأن المحرم ليس من السبيل المشترط في الحج لكن الذي تقدم من أنها كانت مع أبيها قد يرد على ذلك وفيه بر الوالدين والاعتناء بأمرهما والقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة وغير ذلك من أمور الدين والدنيا واستدل به على أن العمرة غير واجبة لكون الخثعمية لم تذكرها ولا حجة فيه لأن مجرد ترك السؤال لا يدل على عدم الوجوب لاستفادة ذلك من حكم الحج ولاحتمال أن يكون أبوها قد اعتمر قبل الحج على أن السؤال عن الحج والعمرة قد وقع في حديث أبي رزين كما تقدم وقال بن العربي حديث الخثعمية أصل متفق على صحته في الحج خارج عن القاعدة المستقرة في خالف من أن ليس للإنسان الا ما سعى رفقا من الله في استدراك ما فرط فيه المرء بولده وماله وتعقب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي وبأن عموم السعي

[ 61 ]

في الآية مخصوص اتفاقا قوله باب حج الصبيان أي مشروعيته وكان الحديث الصريح فيه ليس على شرط المصنف وهو ما رواه مسلم من طريق كريب عن بن عباس قال رفعت امرأة صبيا لها فقالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجرا قال بن بطال أجمع كثرة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ الا أنه إذا حج به كان له تطوعا عند الجمهور وقال أبو حنيفة لا يصح إحرامه ولا يلزمه شئ بفعل شئ من محظورات الإحرام وإنما يحج به على جهة التدريب وشذ بعضهم فقال إذا حج الصبي اجزاه ذلك عن حجة الإسلام لظاهر قوله نعم في جواب ألهذا حج وقال الطحاوي لا حجة فيه لذلك بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له لأن بن عباس راوي الحديث قال أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى ثم ساقه بإسناد صحيح ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث بن عباس قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في الثقل بفتح المثلثة والقاف ويجوز اسكانها أي الامتعة وقد تقدم الكلام عليه في باب من قدم ضعفة أهله ووجه الدلالة منه هنا أن بن عباس كان دون البلوغ ولهذه النكتة أردفه المصنف بحديثه الآخر المصرح فيه بأنه كان حينئذ قد قارب على الاحتلام ثم بين بالطريق المعلقة أن ذلك وقع في حجة الوداع وقد تقدم الكلام عليه في باب متى يصح سماع الصغير من كتاب العلم وفي باب سترة المصلي من كتاب الصلاة وقوله فيه حدثنا إسحاق نسبه الأصيلي وابن السكن بن منصور وقد أخرجه إسحاق ابن راهويه في مسنده عن يعقوب أيضا ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج لكن يرجع كونه بن منصور أن بن راهويه لا يعبر عن مشايخه الا بصيغة أخبرنا ورواية يونس المعلقة وصلها مسلم من طريق بن وهب عنه ولفظه أنه أقبل يسير على حمار ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى في حجة الوداع الحديث وهو الثاني الحديث الثالث قوله عن محمد بن يوسف في رواية الاسماعيلي حدثنا محمد بن يوسف وهو الكندي حفيد شيخه السائب وقيل سبطه وقيل بن أخيه عبد الله بن يزيد والسائب بن يزيد أي بن سعيد بن ثمامة بن الأسود الكندي حليف بني عبد شمس ويعرف بابن أخت النمر والنمر رجل حضرمي قوله حج بي كذا للأكثر بضم أوله وعلى البناء لما لم يسم فاعله وقال بن سعد عن الواقدي عن حاتم حجت بي أمي وللفاكهي من وجه آخر عن محمد ابن يوسف عن السائب حج بي أبي ويجمع بينهما بأنه كان مع أبويه زاد الترمذي عن قتيبة عن حاتم في حجة الوداع قوله عن الجعيد بالجيم مصغرا والقاسم بن مالك هو المزني قوله سمعت عمر بن عبد العزيز يقول للسائب بن يزيد وكان السائب قد حج به في ثقل النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر مقول عمر ولا جواب السائب وكأنه كان قد سأله عن قدر المد فسياتى في الكفارات عن عثمان بن أبي شيبة عن القاسم بن مالك بهذا الإسناد كان الصاع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدا وثلثا فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز زاد الاسماعيلي من هذا الوجه قال السائب وقد حج بي في ثقل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام وقال الكرماني اللام في قوله للسائب للتعليل أي سمعت عمر يقول لأجل السائب والمقول وكان السائب الخ كذا قال ولا يخفى بعده وسيأتى للسائب ترجمة في الكلام على خاتم النبوة إن شاء الله تعالى قوله باب حج النساء أي هل يشترط فيه قدر زائد عن حج الرجال أو لا ثم أورد المصنف فيه عدة أحاديث الأول قوله وقال لي أحمد بن محمد حدثنا إبراهيم عن أبيه عن جده قال أذن عمر أي بن الحطاب

[ 62 ]

لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها عروبة معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن كذا أورده مختصرا ولم يستخرجه الاسماعيلي ولا أبو نعيم ونقل القدرة عن البرقاني أن إبراهيم هو بن عبد الرحمن بن عوف قال القدرة وفيه نظر ولم يذكره أبو مسعود انتهى والحديث معروف وقد ساقه بن سعد والبيهقي مطولا وجعل مغلطاي تنظير القدرة راجعا إلى نسبة إبراهيم فقال مراد البرقاني بإبراهيم جد إبراهيم المبهم في رواية البخاري فظن القدرة أنه عين إبراهيم الأول وليس كذلك بل هو جده لأنه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وقوله قال لي أحمد بن محمد أي بن الوليد الأزرقي وقوله أذن عمر ظاهره أنه من رواية إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن عمر ومن ذكر معه وادراكه لذلك ممكن لأن عمره إذ ذاك كان أكثر من عشر سنين وقد أثبت سماعه من عمر يعقوب بن أبي شيبة وغيره لكن روى بن سعد هذا الحديث عن الواقدي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن عبد الرحمن بن عوف قال أرسلني عمر لكن الواقدي لا يحتج به فقد رواه البيهقي من طريق عبدان وابن سعد أيضا عن الوليد بن عطاء بن الأغر المكي كلاهما عن إبراهيم بن سعد مثل ما قال الأزرقي ويحتمل أن يكون إبراهيم حفظ أصل القصة وحمل تفاصيلها عن أبيه فلا تتخالف الروايتان ولعل هذا هو النكتة في اقتصار البخاري على أصل القصة دون بقيتها قوله وعبد الرحمن زاد عبدان عبد الرحمن بن عوف وكان عثمان ينادي ألا لا يدنو أحد منهن ولا ينظر إليهن وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن انزلهن بصدر الشعب فلم يصعد إليهن أحد ونزل عبد الرحمن وعثمان بذنب الشعب وفي رواية لابن سعد فكان عثمان يسير امامهن وعبد الرحمن خلفهن وفي رواية له وعلى هوادجهن الطيالسة الخضر في إسناده الواقدي وروى ابن سعد أيضا بإسناد صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي قال رأيت نساء النبي صلى الله عليه وسلم حججن في هوادج عليها الطيالسة زمن المغيرة أي بن شعبة والظاهر أنه أراد بذلك زمن ولاية المغيرة على الكوفة لمعاوية وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها ولابن سعد أيضا من حديث أم معبد الخزاعية قالت رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجا بنساء النبي صلى الله عليه وسلم فنزلن بقديد فدخلت عليهن وهن ثمان وله من حديث عائشة انهن استأذن عثمان في الحج فقال أنا أحج بكن فحج بنا جميعا الا زينب كانت ماتت وإلا سودة فإنها لم تخرج من بيتها بعد النبي صلى الله عليه وسلم وروى أبو داود وأحمد من طريق حكى بن أبي حكى المؤذن عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه في حجة الوداع هذه ثم ظهور الحصر زاد بن سعد من حديث أبي هريرة فكن نساء النبي صلى الله عليه وسلم يحججن الا سودة وزينب فقالا لا تحركنا دابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناد حديث أبي حكى صحيح وأغرب المهلب فزعم أنه من وضع الرافضة لقصد ذم أم المؤمنين عائشة في خروجها إلى العراق للاصلاح بين الناس في قصة وقعة الجمل وهو أقدام منه على رد الأحاديث الصحيحة بغير دليل والعذر عن عائشة أنها تأولت الحديث المذكور كما تأوله غيرها من صواحباتها على أن المراد بذلك أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة وتأيد ذلك عندها بقوله صلى الله عليه وسلم لكن أفضل الجهاد الحج والعمرة ومن ثم عقبه المصنف بهذا الحديث في هذا الباب وكأن عمر رضي الله عنه كان متوقفا في ذلك ثم ظهر له الجواز فأذن لهن وتبعه على ذلك من ذكر من الصحابة ومن في عصره من غير نكير وروى بن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر قال منع

[ 63 ]

عمر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الحج والعمرة ومن طريق أم درة عن عائشة قالت منعنا عمر الحج والعمرة حتى إذا كان آخر عام فأذن لنا وهو موافق لحديث الباب وفيه زيادة على ما في مرسل أبي جعفر وهو أمرهم على ما ذكرناه واستدل به على جواز حج المرأة بغير محرم وسيأتى البحث فيه في الكلام على الحديث الثالث تكملة روى عمر بن شبة هذا الحديث عن سليمان بن داود الهاشمي عن إبراهيم بن سعد بإسناد آخر فقال عن الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عن أم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة أن عمر أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فحججن في آخر حجة حجها عمر فلما ارتحل عمر من الحصبة من آخر الليل أقبل رجل فسلم وقال أين كان أمير المؤمنين ينزل فقال له قائل وأنا أسمع هذا كان منزله فأناخ في منزل عمر ثم رفع عقيرته يتغنى عليك سلام من أمير وباركت * * يد الله في ذاك الأديم الممزق الأبيات قالت عائشة فقلت لهم اعلموا لي علم هذا الرجل فذهبوا فلم يروا أحدا فكانت عائشة تقول إني لاحسبه من الجن الحديث الثاني قوله حدثنا عبد الواحد هو بن زياد قوله عن عائشة في رواية زائدة عن حبيب عند الاسماعيلي حدثتني عائشة قوله الا نغزو أو نجاهد هذا شك من الراوي وهو مسدد شيخ البخاري وقد رواه أبو كامل عن أبي عوانة شيخ مسدد بلفظ الا نغزو معكم أخرجه الاسماعيلي وأغرب الكرماني فقال ليس الغزو والجهاد بمعنى واحد فإن الغزو القصد إلى القتال والجهاد بذل النفس في القتال قال أو ذكر الثاني تأكيدا للأول أه وكأنه ظن أن الألف تتعلق بنغزو فشرح على أن الجهاد معطوف على الغزو بالواو أو جعل أو بمعنى الواو وقد أخرجه النسائي من طريق جرير عن حبيب بلفظ الا نخرج فنجاهد معك ولابن خزيمة من طريق زائدة عن حبيب مثله وزاد فإنا نجد الجهاد أفضل الأعمال والاسماعيلي من طريق أبي بكر بن عياش عن حبيب لو جاهدنا معك قال لا جهاد ولكن حج مبرور وقد تقدم في أوائل الحج من طريق خالد عن حبيب بلفظ نرى الجهاد أفضل العمل فظهر أن التغاير بين اللفظين من الرواة فيقوى أن أو للشك قوله لكن أحسن الجهاد تقدم نقل الخلاف في توجيهه في أوائل الحج وهل هو بلفظ الاستثناء أو بلفظ خطاب النسوة قوله الحج حج مبرور في رواية جرير حج البيت حج مبرور وسيأتى في الجهاد من وجه آخر عن عائشة بنت طلحة بلفظ استأذنه نساؤه في الجهاد فقال يكفيكن الحج ولابن ماجة من طريق محمد بن فضيل عن حبيب قلت يا رسول الله على النساء جهاد قال نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة قال بن بطال زعم بعض من ينقص عائشة في قصة الجمل أن قوله تعالى وقرن في بيوتكن يقتضى تحريم السفر عليهن قال وهذا الحديث يرد عليهم لأنه قال لكن أفضل الجهاد فدل على أن لهن جهادا غير الحج والحج أفضل منه أه ويحتمل أن يكون المراد بقوله لا في جواب قولهن الا نخرج فنجاهد معك أي ليس ذلك واجبا عليكن كما وجب على الرجال ولم يرد بذلك تحريمه عليهن فقد ثبت في حديث أم عطية انهن كن يخرجن فيداوين الجرحى وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره لهن كما ابيح للرجال تكرير الجهاد وخص به عموم قوله هذه ثم ظهور الحصر وقوله تعالى وقرن في بيوتكن وكأن عمر كان متوقفا في ذلك ثم ظهر له قوة دليلها فأذن لهن في آخر خلافته ثم كان عثمان بعده يحج بهن في خلافته أيضا وقد وقف بعضهن عند ظاهر النهى كما تقدم وقال البيهقي في حديث عائشة هذا دليل على أن المراد بحديث أبي حكى وجواب الحج مرة واحدة

[ 64 ]

كالرجال لا المنع من الزيادة وفيه دليل على أن الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب واستدل بحديث عائشة هذا على جواز حج المرأة مع من تثق به ولو لم يكن زوجا ولا محرما كما سيأتي البحث فيه في الذي يليه الحديث الثالث قوله عن عمرو هو بن دينار قوله عن أبي معبد كذا رواه عبد الرزاق عن بن جريج وابن عيينة كلاهما عن عمرو عن أبي معبد به ولعمرو بهذا الإسناد حديث آخر أخرجه عبد الرزاق وغيره عن بن عيينة عنه عن عكرمة قال جاء رجل إلى المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أين نزلت قال على فلانة قال أغلقت عليها بابك مرتين ولا تحجن امرأة الا ومعها ذو محرم ورواه عبد الرزاق أيضا عن بن جريج عن عمرو أخبرني عكرمة أو أبو معبد عن بن عباس قلت والمحفوظ في هذا مرسل عكرمة وفي الآخر رواية أبي معبد عن بن عباس قوله لا تسافر المرأة كذا أطلق السفر وقيده في حديث أبي سعيد الاتى في الباب فقال مسيرة يومين ومضى في الصلاة حديث أبي هريرة مقيدا بمسيرة يوم وليلة وعند روايات أخرى وحديث بن عمر فيه مقيدا بثلاثة أيام وعنه روايات أخرى أيضا وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات وقال النووي ليس المراد من التحديد ظاهره بل كل ما يسمى سفر فالمرأة منهية عنه الا بالمحرم وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه وقال بن المنير وقع الاختلاف في مواطن بحسب السائلين وقال المنذري يحتمل أن يقال إن اليوم المفرد والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة يعني فمن أطلق يوما أراد بليلته أو ليلة أراد بيومها وأن يكون عند جمعهما أشار إلى مدة الذهاب والرجوع وعند افرادها أشار إلى قدر ما تقضى فيه الحاجة قال ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلا لاوائل الاعداد فاليوم أول العدد والاثنان أول التكثير والثلاث أول الجمع وكأنه أشار إلى أن مثل هذا في قلة الزمن لا يحل فيه السفر فكيف بما زاد ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها فيؤخذ بأقل ما ورد في ذلك واقله الرواية التي فيها ذكر البريد فعلى هذا يتناول السفر طويل السير وقصيره ولا يتوقف امتناع سير المرأة على مسافة القصر خلافا للحنفية وحجتهم أن المنع المقيد بالثلاث متحقق وما عداه مشكوك فيه فيؤخذ بالمتيقن ونوقض بان الرواية المطلقة شاملة لكل سفر فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها فإنه مشكوك فيه ومن قواعد الحنفية تقديم الخبر العام على الخاص وترك حمل المطلق على المقيد وقد خالفوا ذلك هنا والاختلاف إنما وقع في الأحاديث التي وقع فيها التقييد بخلاف حديث الباب فإنه لم يختلف على بن عباس فيه وفرق سفيان الثوري بين المسافة البعيدة فمنعها دون القريبة وتمسك أحمد بعموم الحديث فقال إذا لم تجد زوجا أو محرما لا يجب عليها الحج هذا هو المشهور عنه وعنه رواية أخرى كقول مالك وهو تخصيص الحديث بغير سفر الفريضة قالوا وهو مخصوص بالإجماع قال البغوي لم يختلفوا في أنه ليس للمرأة السفر في غير الفرض الا مع زوج أو محرم الا كافرة أسلمت في دار الحرب أو ابرار تخلصت وزاد غيره أو امرأة انقطعت من الرفقة فوجدها رجل مأمون فإنه يجوز له أن يصحبها حتى يبلغها الرفقة قالوا وإذا كان عمومه مخصوصا بالاتفاق فليخص منه حجة الفريضة وأجاب صاحب المغني بأنه سفر الضرورة فلا يقاس عليه حالة الاختيار ولانها تدفع ضررا متيقنا بتحمل ضرر متوهم ولا كذلك السفر للحج وقد روى الدارقطني وصححه أبو عوانة حديث الباب من

[ 65 ]

طريق بن جريج عن عمرو بن دينار بلفظ لا تحجن امرأة الا ومعها ذو محرم فنص في نفس الحديث على منع الحج فكيف يخص من بقية الأسفار والمشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات وفي قول تكفى امرأة واحدة ثقة وفي قول نقله الكرابيسي وصححه في المذهب تسافر وحدها إذا كان الطريق امنا وهذا كله في الواجب من حج أو عمرة وأغرب القفال فطرده في الأسفار كلها واستحسنه الروياني قال الا أنه خلاف النص قلت وهو يعكر على نفى الاختلاف الذي نقله البغوي آنفا واختلفوا هل المحرم وما ذكر معه شرط في وجوب الحج عليها أو شرط في التمكن فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذمة بحال أبي الطيب الطبري منهم الشرائط التي يجب بها الحج على الرجل يجب بها على المرأة فإذا أرادت أن تؤديه فلا يجوز لهم الا مع محرم أو زوج أو نسوة ثقات ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أمن الطريق أول أحاديث الباب لاتفاق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك ومن أبى ذلك من أمهات المؤمنين فإنما أباه من جهة خاصة كما تقدم لا من جهة توقف السفر على المحرم ولعل هذا هو النكتة في إيراد البخاري الحديثين أحدهما عقب الآخر ولم يختلفوا أن النساء كلهن في ذلك سواء الا ما نقل عن أبي الوليد الباجي أنه خصه بغير العجوز التي لا تشتهي وكأنه نقله من الخلاف المشهور في شهود المرأة صلاة الجماعة قال بن دقيق العيد الذي قاله الباجي تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى يعني مع مراعاة الأمر الأغلب وتعقبوه بان لكل ساقطة لاقطة والمتعقب راعي الأمر النادر وهو الاحتياط قال والمتعقب على الباجي يرى جواز سفر المرأة في الأمن وحدها فقد نظر أيضا إلى المعنى يعني فليس له أن فقلنا على الباجي وأشار بذلك إلى الوجه المتقدم والأصح خلافه وقد احتج له بحديث عدي بن حاتم مرفوعا يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا زوج معها الحديث وهو في البخاري وتعقب بأنه يدل على وجود ذلك لا على جوازه وأجيب بأنه خبر في سياق المدح ورفع منار الإسلام فيحمل على الجواز ومن المستظرف أن المشهور من مذهب من لم يشترط المحرم أن الحج على التراخي ومن مذهب من يشترطه أنه حج على الفور وكان المناسب لهذا قول هذا وبالعكس وأما ما قال النووي في شرح حديث جبريل في بيان الإيمان والإسلام عند قوله أن تلد الأمة ربتها فليس فيه دلالة على إباحة بيع أمهات الأولاد ولا منع بيعهن خلافا لمن استدل به في كل منهما لأنه ليس في كل شئ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيقع يكون محرما ولا جائزا انتهى وهو كما قال لكن القرينة المذكورة تقوى الاستدلال به على الجواز قال بن دقيق العيد هذه المسألة تتعلق بالعامين إذا تعارضا فإن قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا عام في الرجال والنساء فمقتضاه أن الاستطاعة على السفر إذا وجدت وجب الحج على الجميع وقوله صلى الله عليه وسلم لا تسافر المرأة الا مع محرم عام في كل سفر فيدخل فيه الحج فمن أخرجه عنه خص الحديث بعموم الآية ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث فيحتاج إلى الترجيح من خارج وقد رجح المذهب الثاني بعموم قوله صلى الله عليه وسلم ولا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليس ذلك بجيد لكونه عاما في المساجد فيخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر بحديث النهى قوله الا مع ذي محرم أي فيحل ولم يصرح بذكر الزوج وسيأتى في

[ 66 ]

حديث أبي سعيد في هذا الباب بلفظ ليس معها زوجها أو ذو محرم منها وضابط المحرم عند العلماء من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها فخرج بالتأبيد أخت الزوجة وعمتها وبالمباح أم الموطوءة بشبهة وبنتها وبحرمتها الملاعنة واستثنى أحمد من حرمت على التأبيد مسلمة لها أب كتابي فقال لا يكون محرما لها لأنه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها ومن قال أن عبد المرأة محرم لها يحتاج أن يزيد في هذا الضابط ما يدخله وقد روى سعيد بن منصور من حديث بن عمر مرفوعا سفر المرأة مع عبدها ضيعة لكن في إسناده ضعف وقد احتج به أحمد وغيره وينبغى لمن أجاز ذلك أن يقيده بما إذا كانا في قافلة بخلاف ما إذا كانا وحدهما فلا لهذا الحديث وفي آخر حديث بن عباس هذا ما يشعر بأن الزوج يدخل في مسمى المحرم فإنه لما اسثنى المحرم فقال القائل أن امرأتي حاجة فكأنه فهم حال الزوج في المحرم ولم يرد عليه ما فهمه بل قيل له اخرج معها واستثنى بعض العلماء بن الزوج فكره السفر معه لغلبة الفساء في الناس قال بن دقيق العيد هذه الكراهية عن مالك فإن كانت للتحريم ففيه بعد لمخالفة الحديث وإن كانت للتنزيه فيتوقف على أن لفظ لا يحل هل يتناول المكروه الكراهة التنزيهية قوله ولا يدخل عليها رجل الا ومعها محرم فيه منع الخلوة بالاجنبية وهو إجماع اختلفوا هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا كالنسوة الثقات والصحيح الجواز لضعف التهمة به وقال القفال لا بد من المحرم وكذا في النسوة الثقات في سفر الحج لا بد من أن يكون مع إحداهن محرم ويؤيده نص الشافعي أنه لا يجوز للرجل أن يصلي بنساء مفردات الا أن تكون إحداهن محرما له قوله فقال رجل يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا لم اقف على اسم الرجل ولا امرأته ولا على تعيين الغزوة المذكورة وسيأتي في الجهاد بلفظ إني اكتتبت في غزوة كذا أي كتبت نفسي في أسماء من عين لتلك الغزاة قال بن المنير الظاهر أن ذلك كان في حجة الوداع فيؤخذ منه أن الحج على التراخي إذ لو كان على الفور لما تأخر الرجل مع رفقته الذين عينوا في تلك الغزاة كذا قال وليس ما ذكره بلازم لاحتمال أن الريح قد حجوا قبل ذلك مع من حج في سنة تسع مع أبي بكر الصديق أو أن الجهاد قد تعين على المذكوين بتعيين الإمام كما لو نزل عدو بقوم فإنه يتعين عليهم الجهاد ويتاخر الحج اتفاقا قوله اخرج معها أخذ بظاهره بعض أهل العلم فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية والمشهور أنه لا يلزمه كالولي في الحج عن المريض فلو امتنع الا بأجرة لزمها لأنه من سبيلها فصار في حقها كالمؤنة واستدل به على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخي وأما ما رواه الدارقطني من طريق إبراهيم الصائغ عن نافع عن بن عمر مرفوعا في امرأة لها زوج غنم مال ولا يأذن لها في الحج فليس لها أن تنطلق الا بإذن زوجها فأجيب عنه بأنه أمرهم على حج التطوع عملا بالحديثين ونقل بن المنذر الإجماع على أن للرجل منع زوجته من الخروج في الأسفار كلها وإنما اختلفوا فيما كان واجبا واستنبط منه بن حزم جواز سفر المرأة بغير زوج ولا محرم لكونه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بردها ولا عاب سفرها وتعقب بأنه لو لم يكن ذلك شرطا لما أمر زوجها بالسفر معها وتركه الغزو الذي كتب فيه ولا سيما وقد رواه سعيد بن منصور عن

[ 67 ]

حماد بن زيد بلفظ فقال رجل يا رسول الله إني نذرت أن أخرج في جيش كذا وكذا فلو لم يكن شرطا ما رخص له في ترك المنذر قال النووي وفي الحديث تقديم الاهم فالاهم من الأمور المتعارضة فإنه لما عرض له الغزو والحج رجح الحج لأن امرأته لا يقوم غيره مقامه في السفر معها بخلاف الغزو والله أعلم الحديث الرابع وله طريقان موصول ومعلق وأخر معلق قوله حدثنا حبيب المعلم هو بن أبي قريبة بقاف وموحدة واسم أبي قريبة زيد وقيل زائدة وهو غير حبيب بن أبي عمرة المذكور في ثاني أحاديث الباب قوله قالت أبو فلان تعني زوجها وقد تقدم أنه أبو سنان وتقدم الحديث مشروحا في باب عمرة في رمضان قوله رواه بن جريج عن عطاء الخ أراد تقوية طريق حبيب بمتابعة بن جريج له عن عطاء واستفيد منه تصريح عطاء بسماعه له من بن عباس وقد تقدمت طريق بن جريج موصولة في الباب المشار إليه قوله وقال عبيد الله بالتصغير وهو بن عمرو الرقي عن عبد الكريم وهو بن مالك الجزري عن عطاء عن جابر وأراد البخاري بهذا بيان الاختلاف فيه على عطاء وقد تقدم في باب عمرة في رمضان أن بن أبي ليلى ويعقوب بن عطاء وافقا حبيبا وابن جريج فتبين شذوذ رواية عبد الكريم وشذ معقل الجزري أيضا فقال عن عطاء عن أم سليم وصنيع البخاري يقتضى ترجيح رواية بن جريج ويومئ إلى أن رواية عبد الكريم ليست مطرحة لاحتمال أن يكون لعطاء فيه شيخان ويؤيد ذلك أن رواية عبد الكريم خالية عن القصة مقتصرة على المتن وهو قوله عمرة في رمضان تعدل حجة كذلك وصله أحمد وابن ماجة من طريق عبيد الله بن عمرو والله أعلم الحديث الخامس حديث أبي سعيد تقدم الكلام عليه في باب الصلاة في مسجد مكة والمدينة وأنه مشتمل على أربعة أحكام أحدها سفر المرأة وقد تقدم البحث فيه في هذا الباب ثانيها منع صوم الفطر والأضحى وسيأتى في الصيام ثالثها منع الصلاة بعد الصبح والعصر وقد تقدم في أواخر الصلاة رابعها منع شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة وقد تقدم في أواخر الصلاة أيضا قوله أو قال يحدثهن وقع عند الكشميهنى بلفظ أو قال اخذتهن بالخاء والذال المعجمتين أي حملتهن عنه قوله وآنقننى بفتح النونين وسكون القاف بوزن اعجبننى ومعناه أي الكلمات يقال آنقنى الشئ بالمد أي اعجبني وذكر الإعجاب بعده من التأكيد قوله أو ذو محرم كذا للأكثر وفي بعض النسخ عن أبي ذر أو ذو محرم محرم الأول بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه والثاني بوزن محمد أي عليها قوله باب من نذر المشي إلى الكعبة أي وغيرها من الأماكن المعظمة هل يجب عليه الوفاء بذلك أو لا وإذا وجب فتركه قادرا أو عاجزا ماذا يلزمه وفي كل ذلك اختلاف بين أهل العلم سيأتي إيضاحه في كتاب النذر أن شاء الله تعالى قوله أخبرنا ها هو مروان بن معاوية كما جزم به أصحاب الأطراف والمستخرجات وقد أخرجه مسلم عن بن أبي عمر عن مروان هذا بهذا الإسناد وقال بن حزم هو أبو إسحاق ها أو مروان قوله حدثني ثابت هكذا قال أكثر الرواة عن حميد وهذا الحديث مما صرح حميد فيه بالواسطة بينه وبين أنس وقد حذفه في وقت آخر فأخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري والترمذي من طريق بن أبي عدي وكلاهما عن حميد عن أنس وكذا أخرجه أحمد عن بن أبي عدي ويزيد بن هارون جميعا عن حميد بلا واسطة ويقال إن غالب رواية حميد عن أنس بواسطة لكن قد أخرج البخاري من

[ 68 ]

حديث حميد عن أنس أشياء كثيرة بغير واسطة مع الاعتناء ببيان سماعه لها من أنس وقد وافق عمران القطان عن حميد الجماعة على إدخال ثابت بينه وبين أنس لكن خالفهم في المتن أخرجه الترمذي من طريقه بلفظ ونذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله فسئل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال أن الله لغنى عن مشيها مروها فلتركب قوله رأى شيخا يهادى بضم أوله من المراداة وهو أن يمشي معتمدا على غيره وللترمذي من طريق خالد بن الحارث عن حميد يتهادى بفتح أوله ثم مثناة قوله بين ابنيه لم اقف على اسم هذا الشيخ ولا على اسم ابنيه وقرأت بخط مغلطاي الرجل الذي يهادى قال الخطيب هو أبو إسرائيل كذا قال وتبعه بن الملقن وليس ذلك في كتاب الخطيب وإنما أورده من حديث مالك عن حميد بن قيس وثور أنهما أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما بال هذا قالوا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ويصوم الحديث قال الخطيب هذا الرجل هو أبو إسرائيل ثم ساق حديث عكرمة عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة فرأى رجلا يقال له أبو إسرائيل فقال ما باله قالوا نذر أن يصوم ويقوم في الشمس ولا يتكلم الحديث وهذا الحديث سيأتي في الأيمان والنذور من حديث بن عباس والمغايرة بينه وبين حديث أنس ظاهرة من عدة أوجه فيحتاج من وحد بين القصتين إلى مستند والله المستعان قوله قال ما بال هذا قالوا نذر أن يمشي في حديث أبي هريرة عند مسلم أن الذي أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤاله ولدا الرجل ولفظه فقال ما شأن هذا الرجل قال أبناه يا رسول الله كان عليه نذر قوله أمره في رواية الكشميهنى وأمره بزيادة واو قوله أن يركب زاد أحمد عن الأنصاري عن حميد فركب وإنما لم يأمره بالوفاء بالنذر أما لأن الحج راكبا أفضل من الحج ماشيا فنذر المشي يقتضى التزام ترك الأفضل فلا يجب الوفاء به أو لكونه عجز عن الوفاء بنذره وهذا هو الأظهر قوله عن عقبة بن عامر هو الجني كذا وقع عند أحمد ومسلم وغيرهما في هذا الحديث من هذا الوجه قوله نذرت أختي قال المنذري وابن القسطلاني والقطب الحلبي ومن تبعهم هي أم حبان بنت عامر وهي بكسر المهملة وتشديد الموحدة ونسبوا ذلك لابن ماكولا فوهموا فإن بن ماكولا إنما نقله عن بن سعد وابن سعد إنما ذكر في طبقات النساء أم حبان بنت عامر بن نابى بنون وموحدة بن زيد بن حرام بمهملتين الأنصارية قال وهي أخت عقبة بن عامر بن نابى شهد بدرا وهي زوج حرام بن محيصة وكان ذكر قبل عقبة بن عامر بن نابى الأنصاري وأنه شهد بدرا ولا رواية له وهذا كله مغاير للجهنى فإن له رواية كثيرة ولم يشهد بدرا وليس أنصاريا فعلى هذا لم يعرف اسم أخت عقبة بن عامر الجهني وقد كنت تبعت في المقدمة من ذكرت ثم رجعت الآن عن ذلك وبالله التوفيق قوله أن تمشي إلى بيت الله زاد مسلم من طريق عبد الله بن عياش بالياء التحتانية والمعجمة عن يزيد حافية ولأحمد وأصحاب السنن من طريق عبد الله بن مالك عن عقبة بن عامر الجهني أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة وزاد الطبري من طريق إسحاق بن سالم عن عقبة بن عامر وهي امرأة ثقيلة والمشى يشق عليها ولأبي داود من طريق قتادة عن عكرمة عن بن عباس أن عقبة بن عامر سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت وشكا إليه ضعفها قوله فقال صلى الله عليه وسلم لتمش ولتركب في رواية عبد الله بن مالك مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام وروى مسلم

[ 69 ]

عقب هذا الحديث حديث عبد الرحمن بن شماسة وهو بكسر المعجمة وتخفيف الميم بعدها الركعة عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رفعه كفارة النذر كفارة اليمين ولعله مختصر من هذا الحديث فإن الأمر بصيام ثلاثة أيام هو أحد أوجه كفارة اليمين لكن وقع في رواية عكرمة المذكورة قال فلتركب ولتهد بدنة وسيأتي البحث في ذلك في كتاب النذر إن شاء الله تعالى قوله قال وكان أبو الخير لا يفارق عقبة هو يقول يزيد بن أبي حبيب الراوي عن أبي الخير والمراد بذلك بيان سماع أبي الخير له من عقبة قوله قال أبو عبد الله هو المصنف قوله عن بن جريج عن يحيى بن أيوب كذا رواه أبو عاصم ووافقه روح بن عبادة بن مسلم والإسماعيلي جعلا شيخ بن جريج في هذا الحديث وهو يحيى بن أيوب وخالفهما هشام بن يوسف فجعل شيخ بن جريج فيه سعيد بن أبي أيوب ورجع الأول الاسماعيلي لاتفاق أبي عاصم وروح على خلاف ما قال هشام لكن يعكر عليه أن عبد الرزاق وافق هشاما وهو عند أحمد ومسلم ووافقهما محمد بن بكر عن بن جريج وحجاج بن محمد عند النسائي فهؤلاء أربعة حفاظ رووه عن بن جريج عن سعيد بن أبي أيوب فإن كان الترجيح هنا بالاكثرية فروايتهم أولى والذي ظهر لي من صنيع صاحبي الصحيح أن لابن جريج فيه شيخين وقد عبر مغلطاي وتبعه الشيخ سراج الدين عن كلام الاسماعيلي مالا يفهم منه المراد والله أعلم خاتمة اشتملت أبواب المحصر وجزاء الصيد وما مع ذلك إلى هنا على أحد وستين حديثا المعلق منها ثلاثة عشر حديثا والبقية موصولة المكرر منها فيه وفيما مضى ثمانية وثلاثون حديثا والخالص ثلاثة قرة وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث بن عمر في النقاب والقفاز موقوفا ومرفوعا وحديث بن عباس احتجم وهو محرم وحديثه في التي نذرت أن تحج عن أمها وحديث السائب بن يزيد أنه حج به وحديث جابر عمرة في رمضان وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين اثنا عشر أثرا والله المستعان قوله بسم الله الرحمن الرحيم فضائل المدينة باب حرم المدينة كذا لأبي ذر عن الحموي وسقط للباقين سوى قوله باب حرم المدينة وفي رواية أبي على الشبوي باب ما جاء في حرم المدينة والمدينة علم على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بها قال الله تعالى يقولون أداء رجعنا إلى المدينة فإذا أطلقت تبادر إلى الفهم أنها المراد وإذا أريد غيرها بلفطة المدينة فلا بد من قيد فهي كالنجم للثريا وكان اسمها قبل ذلك يثرب قال الله تعالى وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب ويثرب اسم لموضع منها سميت كلها به قيل سميت بيثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح لأنه أول من نزلها حكاه أبو عبيد البكري وقيل غير ذلك ثم سماها النبي صلى الله عليه وسلم طيبة وطابة كما سيأتي في باب مفرد وكان سكانها العماليق ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل قيل ارسلهم موسى عليه السلام كما أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بسند ضعيف ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم وسيأتي إيضاح ذلك في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى ثم ذكر المصنف هنا أربعة أحاديث الأول حديث أنس قوله عن أنس في رواية عبد الواحد عن عاصم قلت لأنس وسيأتى في الاعتصام وليزيد بن هارون عن عاصم سألت أنسا أخرجه مسلم قوله المدينة حرم من كذا إلى كذا هكذا جاء مبهما وسيأتى في حديث على رابع أحاديث الباب ما بين عائر إلى كذا فعين الأول وهو بمهملة وزن فاعل وذكره في الجزية وغيرها بلفظ عير بسكون التحتانية

[ 70 ]

وهو جبل بالمدينة كما سنوضحه واتفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني ووقع عند مسلم إلى ثور فقيل أن البخاري ابهمه عمدا لما وقع عنده أنه وهم وقال صاحب المشارق والمطالع أكثر رواة البخاري ذكروا عيرا وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا ومنهم من ترك مكانه بياضا والأصل في هذا التوقف قول مصعب الزبيري ليس بالمدينة عير ابن ثور وأثبت غيره عيرا ووافقه على إنكار ثور قال أبو عبيد قوله ما بين عير إلى ثور هذه رواية أهل العراق وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلا عندهم يقال له ثور وإنما ثور بمكة ونرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد قلت وقد وقع ذلك في حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطبراني وقال عياض لا معنى لانكار عير بالمدينة فإنه معروف وقد جاء ذكره في اشعارهم وأنشد أبو عبيد البكري في ذلك عدة شواهد منها قول الأحوص المدني الشاعر المشهور فقلت لعمرو تلك يا عمرو ناره تشب قفا عير فهل أنت ناظر وقال بن السيد في المثلث عير اسم جبل بقرب المدينة معروف وروى الزبير في أخبار المدينة عن عيسى بن موسى قال قال سعيد بن عمرو لبشر بن السائب أتدري لم سكنا العقبة قال لا قال لأنا قتلنا منكم قتيلا في الجاهلية فأخرجنا إليها فقال وددت لو أنكم قتلتم منا آخر وسكنتم وراء عير يعني جبلا كذا في نفس الخبر وقد سلك العلماء في إنكار مصعب الزبيري لعير وثور مسالك منها ما تقدم ومنها قول بن قدامة يحتمل أن يكون المراد مقدار ما بين عير وثور لا إنهما يعينهما في المدينة أو سمى النبي صلى الله عليه وسلم الجبلين اللذين بطرفي المدينة عيرا وثورا ارتجالا وحكى بن الأثير كلام أبي عبيد مختصرا ثم قال وقيل أن عيرا جبل بمكة فيكون المراد أحرم من المدينة مقدار ما بين عير وثور بمكة على حذف المضاف ووصف المصدر المحذوف وقال النووي يحتمل أن يكون ثور كان اسم جبل هناك إما أحد وإما غيره وقال المحب الطبري في الأحكام بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب أي العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور وتواردوا على ذلك قال فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه قال وهذه فائدة جليلة انتهى وقرأت بخط شيخ شيوخنا القطب الحلبي في شرحه حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه خرج رسولا إلى العراق فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل وكان يذكر له الأماكن والجبال قال فلما وصلنا إلى أحد إذا بقربه جبل صغير فسألته عنه فقال هذا يسمى ثورا قال فعلمت صحة الرواية قلت وكأن هذا كان مبدأ سؤاله عن ذلك وذكر شيخنا أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في مختصره لأخبار المدينة أن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خلف أحد من جهة الشمال جبلا صغيرا إلى الحمرة بتدوير يسمى ثورا قال وقد تحققته بالمشاهدة وأما قول بن التين أن البخاري أبهم اسم الجبل عمدا لأنه غلط فهو غلط منه بل إبهامه من بعض رواته فقد أخرجه في الجزية فسماه والله أعلم ومما يدل على أن المراد بقوله في حديث أنس من كذا إلكذا جبلان ما وقع عند مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس مرفوعا اللهم إني أحرم ما بين جبليها لكن عند المصنف في

[ 71 ]

الجهاد وغيره من طريق محمد بن جعفر ويعقوب بن عبد الرحمن ومالك كلهم عن عمرو بلفظ ما بين لابيتها وكذا في حديث أبي هريرة ثالث أحاديث الباب وسيأتى بعد أبواب من وجه آخر وكذا في حديث رافع بن خديج وأبي سعيد وسعد وجابر وكلها عند مسلم وكذا رواه أحمد من حديث عبادة الزرقي والبهيقي من حديث عبد الرحمن بن عوف والطبراني من حديث بن اليسر وأبي حسين وكعب بن مالك كلهم بلفظ ما بين لابتيها واللابتان جمع لابة بتخفيف الموحدة وهي الحرة وهي الحجارة السود وقد تكرر ذكرها في الحديث ووقع في حديث جابر عند أحمد وأنا أحرم المدينة ما بين حريتها فادعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب لأنه وقع في رواية ما بين جبليها وفي رواية ما بين لابتيها وفي رواية مأزميها وتعقب بان الجمع بينهما واضح وبمثل هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة فإن الجمع لو تعذر أمكن الترجيح ولا شك أن رواية ما بين لابتيها أرجح لتوارد الرواة عليها ورواية جبليها لا تنافيها فيكون عند كل لابة جبل أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال وجبليها من جهة الشرق والغرب وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا تضر وأما رواية مأزميها فهي في بعض طرق حديث أبي سعيد والمأزم بكسر الزاي المضيق بين الجبلين وقد يطلق على الجبل نفسه واحتج الطحاوي بحديث أنس في قصة أبي عمير ما فعل النغير قال لو كان صيدها حراما ما جاز حبس الطير وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل قال أحمد من صاد من الحل ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله لحديث أبي عمير وهذا قول الجمهور لكن لا يرد ذلك على الحنفية لأن صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم الحرم ويحتمل أن تكون قصة أبي عمير كانت قبل التحريم واحتج بعضهم بحديث أنس في قصة قطع النخل لبناء المسجد ولو كان قطع شجرها حراما ما فعله صلى الله عليه وسلم وتعقب بان ذلك كان في أول الهجرة كما سيأتي واضحا في أول المغازي وحديث تحريم الدينة كان بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من خيبر كما سيأتي في حديث عمرو بن أبي عمرو عن أنس في الجهاد وفي غزوة أحد من المغازي واضحا وقال الطحاوي يحتمل أن يكون سبب النهى عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة كانت إليها فكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في زينتها ويدعو إلى ألفتها كما روى بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينة المدينة فلما انقطعت الهجرة زال ذلك وما قاله ليس بواضح لأن النسخ لا يثبت الا بدليل وقد ثبت على الفتوى بتحريمها سعد وزيد بن ثابت وأبو سعيد وغيرهم كما أخرجه مسلم وقال بن قدامة يحرم صيد المدينة وقطع شجرها وبه قال مالك والشافعي وأكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة لا يحرم ثم من فعل مما حرم عليه فيه شيئا أثم ولا جزاء عليه في رواية لأحمد وهو قول مالك والشافعي في الجديد وأكثر أهل العلم وفي رواية لأحمد وهو قول الشافعي في القديم وابن أبي ذئب واختاره بن المنذر وابن نافع من أصحاب مالك وقال القاضي عبد الوهاب أنه الاقيس واختاره جماعة بعدهم فيه الجزاء وهو كما في حرم مكة وقيل الجزاء في حرم المدينة أخذ السلب لحديث صححه مسلم عن سعد بن أبي وقاص وفي رواية لأبي داود من وجد أحدا يصيد في حرم المدينة فليسلبه قال القاضي عياض لم يقل بهذا بعد الصحابة الا الشافعي في القديم قلت واختاره جماعة معه وبعده لصحة الخبر فيه ولمن قال به اختلاف في كيفيته ومصرفه والذي دل عليه صنيع سعد عند مسلم وغيره أنه كسلب القتيل وأنه

[ 72 ]

للسالب لكنه لا يخمس وأغرب بعض الحنفية فادعى الإجماع على ترك الأخذ بحديث السلب ثم استدل بذلك على نسخ أحاديث تحريم المدينة ودعوى الإجماع مردودة فبطل ما ترتب عليها قال بن عبد البر لو صح حديث سعد لم يكن في نسخ أخذ السلب ما يسقط الأحاديث الصحيحة ويجوز أخذ العلف لحديث أبي سعيد في مسلم ولا يخبط فيها شجرة الا لعلف ولأبي داود من طريق أبي حسان عن على نحوه وقال المهلب في حديث أنس دلالة على أن المنهي عنه في الحديث الماضي مقصور على القطع الذي يحصل به الافساد فأما من يقصد الإصلاح كمن يغرس بستانا مثلا فلا يمتنع عليه قطع ما كان بتلك الأرض من شجر يضر بقاؤه قال وقيل بل فيه دلالة على أن النهى إنما يتوجه إلى ما انبته الله من الشجر مما لا صنع الآدمي فيه كما حمل عليه النهى عن قطع شجر مكة وعلى هذا يحمل قطعه صلى الله عليه وسلم النخل وجعله قبلة المسجد ولا يلزم منه النسخ المذكور قوله لا يقطع شجرها في رواية يزيد بن هارون لا يختلى خلاها وفي حديث جابر عند مسلم لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها ونحوه عنده عن سعد قوله من حالا فيها حدثا زاد شعبة وحماد بن سلمة عن عاصم عند أبي عوانة أو آوى محدثا وهذه الزيادة صحيحة إلا أن عاصما لم يسمعها من أنس كما سيأتي بيان ذلك في كتاب الاعتصام قوله فعليه لعنه الله فيه جواز لعن أهل المعاصي والفساد لكن لا دلالة فيه على لعن الفاسق المعين وفيه أن المحدث والمؤوي للمحدث في الإثم سواء والمراد بالحدث والمحدث الظلم والظالم على ما قيل أو ما هو أعم من ذلك قال عياض واستدل بهذا على أن الحدث في المدينة من الكبائر والمراد بلعنة الملائكة والناس المبالغة في الابعاد عن رحمة الله قال والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه في أول الأمر وليس هو كلعن الكافر الحديث الثاني حديث أنس في بناء المسجد أورد منه طرفا وقد مضى في الصلاة وسيأتى بتمامه في أول المغازي أن شاء الله تعالى وقد بينت المراد بإيراده هنا في الكلام على الحديث الأول وهو أن ذلك كان قبل التحريم والله أعلم الحديث الثالث قوله حدثنا إسماعيل بن عبد الله هو بن أبي أويس وأخوه اسمه عبد الحميد وسليمان وهو بن بلال وقد سمع إسماعيل منه وروى كثيرا عن أخيه عنه والإسناد كله مدنيون قوله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال الاسماعيلي رواه جماعة عن عبيد الله هكذا وقال عبدة بن سليمان عن عبيد الله عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة زاد فيه عن أبيه قوله حرم ما بين لابتي المدينة كذا للأكثر بضم أول حرم على البناء لما لم يسم فاعله وفي رواية المستملى حرم بفتحتين على أنه خبر مقدم وما بين لابتي المدينة المبتدأ ويؤيد الأول ما رواه أحمد عن محمد بن عبيد عن عبيد الله بن عمر في هذا الحديث بلفظ أن الله عز وجل حرم على لساني ما بين لابتي المدينة ونحوه وللاسماعيلي من طريق أنس بن عياض عن عبيد الله وقد تقدم القول في اللابتين في الحديث الأول وزاد مسلم في بعض طرقه وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حمى وروى أبو داود من حديث عدي بن زيد قال حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدا بريدا لا يخبط شجره ولا يعضد الا ما يساق به الجمل قوله وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بني حارثة في رواية الاسماعيلي ثم جاء بني حارثة وهم في سند الحرة أي في الجانب المرتفع منها وبنو حارثة بمهملة ومثلثة بطن مشهور من الأوس وهو حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس وكان

[ 73 ]

بنو حارثة في الجاهلية وبنو عبد الأشهل في دار واحدة ثم وقعت بينهم الحرب فانهزمت بنو حارثة إلى خيبر فسكنوها ثم اصطلحوا فرجع بنو حارثة فلم ينزلوا في دار بني عبد الأشهل وسكنوا في دارهم هذه وهي غربي مشهد حمزة قوله بل أنتم قيه زاد الاسماعيلي بل أنتم فيه أعادها تأكيدا وفي هذا الحديث جواز الجزم بما يغلب على الظن وإذا تبين أن اليقين على خلافه رجع عنه الحديث الرابع قوله حدثنا عبد الرحمن هو بن مهدي وسفيان هو الثوري قوله عن أبيه هو يزيد بن شريك بن طارق التيمي وفي الإسناد ثلاثة من التابعين كوفيون في نسق وهذه رواية أكثر أصحاب الأعمش عنه وخالفهم شعبة فرواه عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن علي أخرجه أحمد والنسائي قال الدارقطني في العلل والصواب رواية الثوري ومن تبعه قوله ما عندنا شئ أي مكتوب وإلا فكان عندهم أشياء من السنة سوى الكتاب أو المنفى شئ اختصوا به عن الناس وسبب قول على هذا يظهر مما أخرجه أحمد من طريق قتادة عن أبي حسان الأعرج أن عليا كان يأمر بالأمر فيقال له قد فعلناه فيقول صدق الله ورسوله فقال له الأشتر أن هذا الذي تقول أهو شئ عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما عهد إلى شيئا خاصة دون الناس الا شيئا سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفى فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة فإذا فيها فذكر الحديث وزاد فيه المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم الا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده وقال فيه أن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين حريتها وحماها كله لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها ولا يقطع منها شجرة الا أن يعلف رجل بعيره ولا يحمل فيها السلاح لقتال والباقي نحوه أخرجه الدارقطني من وجه آخر عن قتادة عن أبي حسان عن الاشتراك عن على ولأحمد وأبي داود والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن قيس ابن عباد قال انطلقت أنا والأشتر إلى على فقلنا هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس عامة قال لا الا ما في كتابي هذا قال وكتاب في قراب سيفه فإذا فيه المؤمنون تتكافأ دماؤهم فذكر مثل ما تقدم إلى قوله في عهده من حالا حدثا إلى قوله أجمعين ولم يذكر بقية الحديث ولمسلم من طريق أبي الطفيل كنت عند على فأتاه رجل فقال ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر إليك فغضب ثم قال ما كان يسر إلى شيئا يكتمه عن الناس غير أنه حدثني بكلمات أربع وفي رواية له ما خصنا بشئ لم يعم به الناس كافة الا ما كان في قراب سيفى هذا فأخرج صحيفة مكتوبا فيها لعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من سرق منار الأرض ولعن الله من لعن والده ولعن الله من آوى محدثا وقد تقدم في كتاب العلم من طريق أبي جحيفة قلت لعلي هل عندكم كتاب قال لا الا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة قال قلت وما في هذه الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر والجمع بين هذه الأخبار أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على مجموع ما ذكر فنقل كل راو بعضها وأتمها سياقا طريق أبي حسان كما ترى والله أعلم قوله المدينة حرم كذا أورده مختصرا وسيأتى في الجزية بزيادة في أوله قال فيها الجراحات واسنان الإبل قوله من حالا فيها حدثا يقيد به مطلق ما تقدم في رواية قيس بن عباد وأن ذلك يختص بالمدينة لفضلها وشرفها قوله لا يقبل منه صرف

[ 74 ]

ولا عدل بفتح أولهما واختلف في تفسيرهما فعند الجمهور الصرف الفريضة والعدل النافلة ورواه بن خزيمة بإسناد صحيح عن الثوري وعن الحسن البصري بالعكس وعن الأصمعي الصرف التوبة والعدل الفدية وعن يونس مثله لكن قال الصرف الاكتساب وعن أبي عبيدة مثله لكن قال العدل الحيلة وقيل المثل وقيل الصرف الدية والعدل الزيادة عليها وقيل بالعكس وحكى صاحب المحكم الصرف الوزن والعدل الكيل وقيل الصرف القيمة والعدل الاستقامة وقيل الصرف الدية والعدل البديل وقيل الصرف الشفاعة والعدل الفدية لأنها تعادل الدية وبهذا الأخير جزم البيضاوي وقيل الصرف الرشوة والعدل الكفيل قاله أبان بن ثعلب وأنشد لا تقبل الصرف وهاتوا عدلا فحصلنا على أكثر من عشرة أقوال وقد وقع في آخر الحديث في رواية المستملى قال أبو عبد الله عدل فداء وهذا موافق لتفسير الأصمعي والله أعلم قال عياض معناه لا يقبل قبول رضا وأن قبل قبول جزاء وقيل يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما وقد يكون معنى الفدية أنه لا يجد يوم القيامة فدى يفتدى به بخلاف غيره من المذنبين بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري وفي الحديث رد لما تدعيه الشيعة بأنه كان عند على وآل بيته من النبي صلى الله عليه وسلم أمور كثيرة أعلمه بها سرا تشتمل على كثير من قواعد الدين وامور الامارة وفيه جواز كتابة العلم قوله ذمة المسلمين واحدة أي امانهم صحيح فإذا أمن الكافر واحد منهم حرم على غيره التعرض له وللأمان شروط معروفة وقال البيضاوي الذمة العهد سمي بها لأنه يذم متعاطيها على اضاعتها وقوله يسعى بها أي يتولاها ويذهب ويجئ والمعنى أن ذمة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر شريف أو وضيع فإذا أمن أحد من المسلمين كافرا وأعطاه ذمة لم يكن لأحد نقضه فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحر والعبد لأن المسلمين كنفس واحدة وسيأتى البحث في في كتاب الجزية والموادعة وقوله فمن اخفر بالخاء المعجمة والفاء أي نقض العهد يقال خفرته بغير ألف امنته واخفرته نقضت عهده قوله ومن يتولى قوما بغير إذن مواليه لم يجعل يأمر شرطا لجواز الادعاء وإنما هو لتأكيد التحريم لأنه إذا استأذنهم في ذلك منعوه وحالوا بينه وبين ذلك قاله الخطابي وغيره ويحتمل أن يكون كنى بذلك عن بيعه فإذا وقع بيعه جاز له الانتماء إلى مولاه الثاني وهو غير مولاه الأول أو المراد موالاة الحلف فإذا أراد الانتقال عنه لا ينتقل الا بإذن وقال البيضاوي الظاهر أنه أراد به ولاء العتق لعطفه على قوله من ادعى إلى غير أبيه والجمع بينهما بالوعيد فإن العتق من حيث أنه لحمة كلحمة النسب فإذا نسب إلى غير من هو له كان كالداعي الذي تبرا عمن هو منه وألحق نفسه بغيره فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والابعاد عن الرحمة ثم أجاب عن الاذن بنحو ما تقدم وقال ليس هو التقييد وإنما هو للتنبيه على ما هو المانع وهو إبطال حق مواليه فأورد الكلام على ما هو الغالب وسيأتى البحث في ذلك في كتاب الفرائض أن شاء الله تعالى تنبيه رتب المصنف أحاديث الباب ترتيبا حسنا ففي حديث أنس التصريح بكون المدينة حرما وفي حديثه الثاني تخصيص النهى عن قطع الشجر بما لا ينبته الآدميون وفي حديث أبي هريرة بيان ما أجمل من حد حرمها في حديث أنس حيث قال كذا وكذا فبين في هذا أنه ما بين الحرتين وفي حديث على زيادة تأكيد التحريم وبيان حد الحرم أيضا قوله

[ 75 ]

باب فضل المدينة وإنها تنفى الناس أي الشرار منهم وراعى في الترجمة لفظ الحديث وقرينة إرادة الشرار من الناس ظاهرة من التشبيه الواقع في الحديث والمراد بالنفى الإخراج ولو كانت الرواية تنقى بالقاف لحمل لفظ الناس على عمومه وقد ترجم المصنف بعد أبواب المدينة تنفى الخبث قوله عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري وشيخه أبو الحباب بضم المهملة وبالموحدتين الأولى خفيفة والإسناد كله مدنيون الا شيخ البخاري قال بن عبد البر اتفق الرواة عن مالك على إسناده الا إسحاق بن عيسى الطباع فقال عن مالك عن يحيى عن سعيد بن المسيب بدل سعيد بن يسار وهو خطأ قلت وتابعه أحمد بن عمر عن خالد السلمي عن مالك وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك وقال هذا وهم والصواب عن يحيى عن سعيد بن يسار قوله أمرت بقرية أي أمرني بالهجرة إليها أو سكناها فالأول أمرهم على أنه قاله بمكة والثاني على أنه قاله بالمدينة قوله تأكل القرى أي تغلبهم وكنى بالأكل عن الغلبة لأن الآكل غالب على المأكول ووقع في موطأ بن وهب قلت لمالك ما تأكل القرى قال تفتح القرى وبسطه بن بطال فقال معنى يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم ويسبون ذراريهم قال وهذا من فصيح الكلام تقول العرب أكلنا بلد كذا إذا ظهروا عليها وسبقه الخطابي إلى معناه ذلك أيضا وقال النووي ذكروا في معناه وجهين أحدهما هذا والآخر أن أكلها وميرتها من القرى المفتتحة واليها تساق غنائمها وقال بن المنير في الحاشية يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها ومعناه أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عدما قلت والذي ذكره احتمالا ذكره القاضي عبد الوهاب فقال لا معنى لقوله تأكل القرى الا رجوع فضلها عليها وزيادتها على غيرها كذا قال ودعوى الحصر مردودة لما مضى ثم قال بن المنير وقد سميت مكة أم القرى قال والمذكور للمدينة أبلغ منه لأن الأمومة لا تنمحي إذا وجدت ما هي له أم لكن يكون حق الأم أظهر وفضلها أكثر قوله يقولون يثرب وهي المدينة أي أن بعض المنافقين يسميها يثرب واسمها الذي يليق بها المدينة وفهم بعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يثرب وقالوا ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين وروى أحمد من حديث البراء بن عازب رفعه من سمي المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة هي طابة وروى عمر بن شبة من حديث أبي أيوب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال للمدينة يثرب ولهذا قال عيسى بن دينار من المالكية من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة قال وسبب هذه الكراهية لأن يثرب أما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة أو من الثرب وهو الفساد وكلاهما مستقبح وكان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح وذكر أبو إسحاق الزجاج في مختصره وأبو عبيد البكري في معجم ما استعجم أنها سميت يثرب باسم يثرب بن قانية بن مهلايل بن عيل بن عيص بن إرم بن سام بن نوح لأنه أول من سكنها بعد العرب ونزل أخوه خيبور خيبر فسميت به وسقط بعض الأسماء من كلام البكري قوله تنفى الناس قال عياض وكأن هذا مختص بزمنه لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها الا من ثبت ايمانه وقال النووي ليس هذا بظاهر لأن عند مسلم لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها كما ينفى الكير خبث الحديد وهذا والله أعلم زمن الدجال انتهى ويحتمل أن يكون المراد كلا

[ 76 ]

الزمانين وكان الأمر في حياته صلى الله عليه وسلم كذلك للسبب المذكور ويؤيده قصة الغلام الآتية بعد أبواب فإنه صلى الله عليه وسلم ذكر في هذا الحديث معللا به خروج الغلام وسؤاله الاقالة عن البيعة ثم يكون ذلك أيضا في آخر الزمان عندما ينزل بها الدجال فترجف بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر الا خرج إليه كما سيأتي بعد أبواب أيضا وأما ما بين ذلك فلا قوله كما ينفى الكير بكسر الكاف وسكون التحتانية وفيه لغة أخرى كور بضم الكاف والمشهور بين الناس أنه الزق الذي ينفخ فيه لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير حانوت الحداد والصائغ قال بن التين وقيل الكير هو الزق والحانوت هو الكور وقال صاحب المحكم الكير الزق الذي ينفخ فيه الحداد ويؤيد الأول ما رواه عمر بن شبة في أخبار المدينة بإسناد له أبي مودود قال رأى عمر بن الخطاب كير حداد في السوق فضربه برجله حتى هدمه والخبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة أي وسخه الذي تخرجه النار والمراد أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل بل تميزه عن القلوب الصادقة وتخرجه كما يميز الحداد ردئ الحديد من جيده ونسبه التميير للكير لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار التي يقع التمييز بها واستدل بهذا الحديث على أن المدينة أفضل البلاد قال الهلب لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام فصار الجميع في صحائف أهلها ولأنها تنفى الخبث وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة فالفضل ثابت للفريقين ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين وعن الثاني بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى ومن أهل المدينة مردوا على النفاق والمنافق خبيث بلا شك وقد خرج من المدينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة ثم على وطلحة والزبير وعمار وآخرون وهم من أطيب الخلق فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت قال بن حزم لو فتحت بلد من بلد فثبت بذلك الفضل للاولى للزم أن تكون البصرة أفضل من خراسان وسجستان وغيرهما مما فتح من جهة البصرة وليس كذلك وسيأتى مزيد لهذا في كتاب الاعتصام قوله باب المدينة طابة أي من أسمائها إذ ليس في الحديث أنها لا تسمى بغير ذلك وذكر فيه طرفا من حديث أبي حميد الساعدي وقد مضى مطولا في أواخر الزكاة ووقع في بعض طرقه طابة وفي بعضها طيبة وروى مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعا أن الله سمى المدينة طابة ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن سماك بلفظ كانوا يسمون المدينة يثرب فسماها النبي صلى الله عليه وسلم طابة وأخرجها أبو عوانة والطيب لغتان بمعنى واشتقاقهما من الشئ الطيب وقيل لطهارة تربتها وقيل لطيبها لساكنها وقيل من طيب العيش بها وقال بعض أهل العلم وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها وقرأت بخط أبي على الصدفي في هامش نسخته من صحيح البخاري بخطه قال الحافظ أمر المدينة في طيب ترابها وهوائها يجده من أقام بها ويجد لطيبها أقوى رائحة ويتضاعف طيبها فيها عن غيرها من البلاد وكذلك العود وسائر يجري الطيب وللمدينة أسماء غير ما ذكر منها ما رواه عمر بن شبة في أخبار المدينة من رواية زيد بن أسلم قال قال النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وطابة

[ 77 ]

وطيبة والمطيبة والمسكينة والدار وجابرة ومجبورة ومنيرة ويثرب ومن طريق محمد بن أبي يحيى قال لم أزل أسمع أللمدينة عشرة أسماء هي المدينة وطيبة وطابة والمطيبة والمسكينة والمدرى والجابرة والمجبورة والمحببة والمحبوبة ورواه الزبير في أخبار المدينة من طريق بن أبي يحيى مثله وزاد والقاصمة ومن طريق أبي سهل بن مالك وعن كعب الأحبار قال نجد في كتاب الله الذي أنزل على موسى أن الله قال للمدينة يا طيبة ويا طابة ويا مسكينة لا تقبلي الكنوز أرفع أجاجيرك على القرى وروى الزبير في أخبار المدينة من حديث عبد الله بن جعفر قال سمى الله المدينة الدار والإيمان ومن طريق عبد العزيز الدراوردى قال بلغني أن لها أربعين اسما قوله باب لابتي المدينة ذكر فيه حديث أبي هريرة لو رأيت الظباء ترتع أي تسعى أو ترعى بالمدينة ما ذعرتها أي ما قصدت أخذها فاخفتها بذلك وكنى بذلك عن عدم صيدها واستدل أبو هريرة بقوله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها أي المدينة حرام لأن المراد بذلك المدينة لأنها بين لابتين شرقية وغربية غنم لابتان أيضا من الجانبين الآخرين إلا أنهما يرجعان إلى الأولين لاتصالهما بهما والحاصل أن جميع دورها كلها انظر ذلك وقد تقدم شرح الحديث في الباب الأول وقوله ترتع أي ترعى وقيل تنبسط وفي قول أبي هريرة هذا إشارة إلى قوله في الحديث الماضي لا ينفر صيدها ونقل بن خزيمة على أن الإجزاء في صيد المدينة بخلاف صيد مكة قوله باب من رغب عن المدينة أي فهو مذموم أو باب حكم من رغب عنها قوله يتركون المدينة كذا للأكثر بتاء الحطاب والمراد بذلك غير المخاطبين لكنهم من أهل البلد أو من نسل المخاطبين أو من نوعهم وروى يتركون بتحتانية ورجحه القرطبي قوله على خير ما كانت أي على أحسن حال كانت عليه من قبل قال القرطبي تبعا لعياض وقد وجد ذلك حيث صارت معدن الخلافة ومقصد الناس وملجأهم وحملت إليها خيرات الأرض وصارت من أعمر البلاد فلما انتقلت الخلافة عنها إلى الشام ثم إلى العراق وتغلبت عليها الأعراب تعاورتها الفتن وخلت من أهلها فقصدتها عوافي الطير والسباع والعوافي جمع عافية وهي التي تطلب أقواتها ويقال للذكر عاف قال بن الجوزي اجتمع في العوافي شيآن أحدهما أنها طالبة لأقواتها من قولك عفوت فلانا أعفوه فأنا عاف والجمع عفاة أي أتيت أطلب معروفه والثاني من العفاء وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس به فإن الطير والوحش تقصده لأمنها على نفسها فيه وقال النووي المختار أن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة ويؤيده قصة الراعيين فقد وقع عند مسلم بلفظ ثم يحشر راعيان وفي البخاري أنهما آخر من يحشر قلت ويؤيده ما روى مالك عن بن حماس بمهملتين وتخفيف عن عمه عن أبي هريرة رفعه لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الذئب فيعوي على بعض سواري المسجد أو على المنبر قالوا فلمن تكون ثمارها قال للعوافى الطير والسباع أخرجه معن بن عيسى في الموطأ عن مالك ورواه جماعة من الثقات خارج الموطأ ويشهد له أيضا مار روى أحمد والحاكم وغيرهما من حديث محجن بن الأدرع الأسلمي قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم لحاجة ثم لقيني وأنا خارج من بعض طرق المدينة فأخذ بيدي حتى أتينا أحدا ثم أقبل على المدينة فقال ويل أمها قرية يوم يدعها أهلها كأينع ما يكون قلت يا رسول الله من يأكل ثمرها قال عافية الطير والسباع وروى عمر بن

[ 78 ]

شبة بإسناد صحيح عن عوف بن مالك قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ثم نظر إلينا فقال أما والله ليدعنها أهلها مذللة أربعين عاما للعوافي أتدرون ما العوافي الطير والسباع قلت وهذا لم يقع قطعا وقال المهلب في هذا الحديث أن المدينة تسكن إلى يوم القيامة وإن خلت في بعض الأوقات لقصد الراعيين بغنمهما إلى المدينة قوله وآخر من يحشر راعيان من مزينة هذا يحتمل أن يكون حديثا آخر مستقلا لا تعلق له بالذي قبله ويحتمل أن يكون من تتمة الحديث الذي قبله وعلى هذين الاحتمالين يترتب الاختلاف الذي حكيته عن القرطبي والنووي والثاني أظهر كما قال النووي قوله ينعقان بكسر المهملة بعدها قاف النعيق زجر الغنم يقال نعق ينعق بكسر العين وفتحها نعيقا ونعاقا ونعقانا إذا صاح بالغنم وأغرب الداودي فقال معناه يطلب الكلأ وكأنه فسره بالمقصود من الزجر لأنه يزجرها عن المرعى الوبيل إلى المرعى الوسيم قوله فيجدانها وحوشا أو يجدانها ذات وحش أو يجدان أهلها قد صاروا وحوشا وهذا على أن الرواية بفتح الواو أي يجدانها خالية وفي رواية مسلم فيجدانها وحشا أي خالية ليس بها أحد والوحش من الأرض الخلاء أو كثرة الوحش لما خلت من سكانها قال النووي صحيح أن معناه يجدانها ذات وحوش قال وقد يكون وحشا بمعنى وحوش وأصل الوحش كل شئ توحش من الحيوان وجمعه وحوش وقد يعبر بواحدة عن جمعه وحكى عن بن المرابط أن معناه أن غنم الراعيين المذكورين تصير وحوشا إما بان تنقلب ذاتها وإما أن تتوحش وتنفر منها وعلى هذا فالضمير في يجدانها يعود على الغنم والظاهر خلافه قال النووي الصواب الأول وقال القرطبي القدرة صالحة لذلك انتهى ويؤيده أن في بقية الحديث إنهما يخران على وجوههما إذا وصلا إلى ثنية الوداع وذلك قبل دخولهما المدينة بلا شك فيدل على أنهما وجدا التوحش المذكور قبل دخول المدينة فيقوى أن الضمير يعود على غنمهما وكان ذلك من علامات قيام الساعة ويوضح هذا رواية عمر بن شبة في أخبار المدينة من طريق عطاء بن السائب عن رجل من أشجع عن أبي هريرة موقوفا قال آخر من يحشر رجلان رجل من مزينة وآخر من جهينة فيقولان أين الناس فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعالب فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس قوله وآخر من يحشر في رواية مسلم من طريق عقيل عن الزهري ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة لم يذكر في الحديث حشرهما وإنما ذكر مقدمته لأن الحشر إنما يقع بعد الموت فذكر سبب موتهما والحشر يعقبه وقوله على هذا خرا على وجوههما أي سقطا ميتين أو المراد بقوله خرا على وجوههما أي سقطا بمن اسقطهما وهو الملك كما تقدم في رواية عمر بن شبة وفي رواية للعقيلي أنهما كانا ينزلان بجبل ورقان وله من حديث حذيفة بن أسيد أنهما يفقدان الناس فيقولان ننطلق إلى بني فلان فيأتيانهم فلا يجدان أحدا فيقولا ننطلق إلى المدينة فينطلقان فلا يجدان بها أحدا فينطلقان إلى البقيع فلا يريان إلا السباع والثعالب وهذا يوضح أحد الاحتمالات المتقدمة وقد روى بن حبان من طريق عروة عن أبي هريرة رفعه آخر قرية في الإسلام خرابا المدينة وهو يناسب كون آخر من يحشر يكون منها تنبيه أنكر بن عمر على أبي هريرة تعبيره في هذا الحديث بقوله خير ما كانت وقال إن الصواب أعمر ما كانت أخرج ذلك عمر بن شبة في أخبار المدينة من طريق مساحيق بن عمرو أنه

[ 79 ]

كان جالسا عند بن عمر فجاء أبو هريرة فقال له لم ترد على حديثي فوالله لقد كنت أنا وأنت في بيت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم يخرج منها أهلها خير ما كنت فقال بن عمر أجل ولكن لم يقل خير ما كانت إنما قال أعمر ما كانت ولو قال خير ما كانت لكان ذلك وهو حي وأصحابه فقال أبو هريرة صدقت والذي نفسي بيده وروى مسلم من حديث حذيفة أنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يخرج أهل المدينة من المدينة ولعمر بن شبة من حديث أبي هريرة قيل يا أبا هريرة من يخرجهم قال أمراء السوء قوله عن أبيه هو عروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير أخوه وفي الإسناد صحابي عن صحابي وتابعي عن تابعي لأن هشاما قد لقي بعض الصحابة قوله عن سفيان بن أبي زهير كذا للأكثر ورواه حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه كذلك وقال في آخره قال عروة ثم لقيت سفيان بن أبي زهير عند موته فأخبرني بهذا الحديث وذكر على بن المديني أنه اختلف فيه على هشام اختلافا آخر فقال وهيب وجماعة كما قال مالك وقال بن عيينة عن هشام بسنده عن سفيان بن الغوث وقال أبو معاوية عن هشام بسنده عن سفيان بن عبد الله الثقفي قلت قد رواه القدرة عن سفيان على الصواب ورواه أبو خيثمة عن جرير فقال سفيان بن أبي قلابة كأنه عرف خطأ جرير فكنى عنه واسم أبي زهير القرد بفتح القاف وكسر الراء بعدها الركعة وقيل نمير وهو الشنوئى من أزد شنوءه بفتح المعجمة وضم النون وبعد الواو همزة مفتوحة وفي النسب كذلك وقيل بفتح النون بعدها همزة مكسورة بلا واو وشنوءة هو عبد الله بن كعب بن مالك بن نضر بن الأزد وسمي شنوءة لشنآن كان بينه وبين قومه قوله تفتح اليمن قال بن عبد البر وغيره افتتحت اليمن في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيام أبي بكر وافتتحت الشام بعدها والعراق بعدها وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد وقع على وفق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ترتيبه ووقع تفرق الناس في البلاد لما فيها من السعة والرخاء ولو صبروا على اشتراط بالمدينة لكان خيرا لهم وفي هذا الحديث فضل المدينة على البلاد المذكورة وهو أمر مجمع عليه وفيه دليل على أن بعض البقاع أفضل من بعض ولم يختلف العلماء في أن المدينة فضلا على غيرها وإنما اختلفوا في الأفضلية بينها وبين مكة قوله يبسون بفتح أوله وضم الموحدة وبكسرها من بس يبس قال بن عبد البر في رواية يحيى بن يحيى بكسر الموحدة وقيل أن بن القاسم رواه بضمها قال أبو عبيد معناه يسوقون دوابهم والبس سوق الإبل تقول بس بس عند السوق وإرادة السرعة وقال الداودي معناه يزجرون دوابهم فيبسون ما يطؤونه من الأرض من شدة السير فيصير غبارا قال تعالى وبست الجبال بسا أي سألت سيلا وقيل معناه سارت سيرا وقال بن القاسم ألبس المبالغة في الفت ومنه قيل للدقيق المصنوع بالدهن بسيس وأنكر ذلك النووي وقال أنه ضعيف أو باطل وقال بن عبد البر وقيل معنى يبسون يسالون عن البلاد ويستقرئون اخبارها ليسيروا إليها قال وهذا لا يكاد يعرفه أهل اللغة وقيل معناه يزينون لأهلهم البلاد التي تفتح ويدعونهم إلى سكناها فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها ويشهد لهذا حديث أبي هريرة عند مسلم يأتي على الناس زمان يدعو الرجل بن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وعلى هذا فالذين يتحملون غير الذين يبسون كان الذي حضر الفتح أعجبه حسن البلد ورخاؤها فدعا قريبه إلى المجئ إليها لذلك فيتحمل المدعو بأهله وأتباعه

[ 80 ]

قال بن عبد البر وروى يبسون بضم أوله وكسر ثانيه من الرباعي من ابس ابساسا ومعناه يزينون لأهلهم البلد التي يقصدونها واصل الابساس للتي تحلب حتى تدر باللبن وهو أن يجري يده على وجهها وصفحة عنقها كأنه يزين لها ذلك ويحسنه لها وإلى هذا ذهب بن وهب وكذا رواه بن حبيب عن مطرف عن مالك يبسون من الرباعي وفسره بنحو ما ذكرنا وأنكر الأول غاية الإنكار وقال النووي الصواب أن معناه الأخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله بأسا في سيره مسرعا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة قلت ويؤيده رواية بن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام عن عروة في هذا الحديث بلفظ تفتح الشام فيخرج الناس من المدينة إليها يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ويوضح ذلك ما روى أحمد من حديث جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليأتين على أهل المدينة زمان ينطلق الناس منها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء فيجدون رخاء ثم يأتون فيتحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وفي إسناده بن لهيعة ولا بأس به في المتابعات وهو يوضح ما قلناه والله أعلم وروى أحمد في أول حديث سفيان هذا قصة أخرجها من طريق بشر بن سعيد أنه سمع في مجلس الليثيين يذكرون أن سفيان بن أبي زهير أخبرهم أن فرسه أعيت بالعقيق وهو في بعث بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليه يستحمله فخرج معه يبتغى له بعيرا فلم يجده الا عند أبي جهم به حذيفة العدوي فسامه له فقال له أبو جهم لا ابيعكها يا رسول الله ولكن خذه فاحمل عليه من شئت ثم خرج حتى إذا بلغ بئر إهاب قال يوشك البنيان أن يأتي هذا المكان ويوشك الشام أن يفتح فيأتيه رجال من أهل هذا البلد فيعجبهم ريعه ورخاؤه والمدينة خير لهم الحديث قوله لو كانوا يعلمون أي بفضلها من الصلاة في المسجد النبوي وثواب اشتراط فيها وغير ذلك ويحتمل أن يكون لو بمعنى ليت فلا يحتاج إلى تقدير وعلى الوجهين ففيه تجهيل لمن فارقها وأثر غيرها قالوا والمراد به الخارجون من المدينة رغبة عنها كارهين لها وأما من خرج لحاجة أو تجارة أو جهاد أو نحو ذلك فليس بداخل في معنى الحديث قال الطيبي الذي يقتضيه هذا المقام أن ينزل ما لا يعلمون منزلة اللازم لتنتفي عنهم المعرفة بالكلية ولو ذهب مع ذلك إلى التمنى لكان أبلغ لأن التمنى طلب ما لا يمكن حصوله أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظا وتشديدا وقال البيضاوي المعنى أنه يفتح اليمن فيعجب قوما بلادها وعيش أهلها فيحملهم ذلك على المهاجرة إليها بأنفسهم ودراهمه حتى يخرجوا من المدينة والحال أن اشتراط في المدينة خير لهم لأنها حرم الرسول وجواره ومهبط الوحي ومنزل البركات لو كانوا يعلمون ما في الاقامة بها من الفوائد الدينية بالعوائد الاخروية التي يستحقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب اشتراط في غيرها وقواه الطيبي لتنكير قوم ووصفهم بكونهم يبسون ثم توكيده بقوله لو كانوا يعلمون لأنه يشعر بأنهم ممن ركن إلى الحظوظ البهيمية والحطام الفاني واعرضوا عن اشتراط في جوار الرسول ولذلك كرر قوما ووصفه في كل قرينة بقوله يبسون استحضار لتلك الهيئة القبيحة والله أعلم قوله باب الإيمان يارز بفتح أوله وسكون الهمزة وكسر الراء وقد تضم بعدها زاى وحكى بن التين عن بعضهم فتح الراء وقال أن الكسر هو الصواب وحكى أبو الحسن بن سراج ضم الراء وحكى القابسي الفتح ومعناه ينضم ويجتمع قوله حدثني عبيد الله هو بن عمر العمري قوله عن خبيب بالمعجمة مصغرا وكذا

[ 81 ]

رواه أكثر أصحاب عبيد الله وخبيب هو خال عبيد الله المذكور وقد روى عنه بهذا الإسناد عدة أحاديث وفي رواية يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن بن عمر أخرجه بن حبان والبزار وقال البزار أن يحيى بن سليم أخطأ فيه وهو كما قال وهو ضعيف في عبيد الله بن عمر قوله عن حفص بن عاصم أي بن عمر بن الخطاب قوله كما تأزر الحية إلى جحرها أي أنها كما تنتشر من جحرها فطلب ما تعيش به فإذا راعها شئ رجعت إلى جحرها كذلك الإيمان انتشر في المدينة وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي صلى الله عليه وسلم فيشمل ذلك جميع الأزمنة لأنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للتعلم منه وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء بهديهم ومن بعد ذلك لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده والتبرك بمشاهدة اثاره واثار أصحابه وقال الداودي كان هذا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان منهم والذين يلونهم والذين يلونهم خاصة وقال القرطبي فيه تنبيه على صحة مذهب أهل المدينة وسلامتهم من البدع وأن عملهم حجة كما رواه مالك اه وهذا أن سلم اختص بعصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وأما بعد ظهور الفتن وانتشار الصحابة في البلاد ولا سيما في أو اخر المائة الثانية وهلم جر فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك قوله باب إثم من كاد أهل المدينة أي أراد بأهلها سوءا والكيد المكر والحيلة في المساءة قوله أخبرنا الفضل هو بن موسى والجعيد هو بن عبد الرحمن وعائشة بنت سعد أي بن أبي وقاص قالت سمعت سعدا تعني أباها قوله الا انماع أي ذاب وفي رواية مسلم من طريق أبي عبد الله القراظ عن أبي هريرة وسعد جميعا فذكر حديثا فيه من أراد أهلها بسوء اذابه الله كما يذوب الملح في الماء وفي هذه الطريق تعقب على القطب الحلبي حيث زعم أن هذا الحديث من افراد البخاري نعم في افراد مسلم من طريق عامر بن سعد عن أبيه في اثناء حديث ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء الا اذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء قال عياض هذه الزيادة تدفع اشكال الأحاديث الآخر وتوضح أن هذا حكمه في الآخرة ويحتمل أن يكون المراد من ارادها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بسوء اضمحل أمره كما يضمحل الرصاص في النار فيكون في اللفظ تقديم وتأخير ويؤيده قوله أو ذوب الملح في الماء ويحتمل أن يكون المراد لمن ارادها في الدنيا بسوء وأنه لا يمهل بل يذهب سلطانه عن قرب كما وقع لمسلم بن عقبة وغيره فإنه عوجل عن قرب وكذلك الذي أرسله قال ويحتمل أن يكون المراد من كادها اغتيالا وطلبا لغرتها في غفلة فلا يتم له أمر بخلاف من أتى ذلك جهارا كما استباحها مسلم بن عقبة وغيره وروى السنائى من حديث السائب بن خلاد رفعه من أخاف أهل المدينة ظالما لهم أخافه الله وكانت عليه لعنة الله الحديث ولابن حبان نحوه من حديث جابر قوله باب آطام المدينة بالمد جمع اطم بضمتين وهي الحصون التي تبنى بالحجارة وقيل هو كل بيت مربع مسطح والآطام جمع قلة وجمع الكثرة اطؤم والواحدة اطمة كاكمة وقد ذكر الزبير بن بكار في أخبار المدينة ما كان بها من الاطام قبل حلول الأوس والخزرج بها ثم ما كان بها بعد حلولهم وأطال في ذلك قوله أشرف أي نظر من مكان مرتفع قوله مواقع أي مواضع السقوط وخلال أي نواحيها العطار سقوط الفتن وكثرتها بسقوط القطر في الكثرة والعموم وهذا من علامات النبوة

[ 82 ]

لاخباره بما سيكون وقد ظهر مصداق ذلك من قتل عثمان وهلم جر ولا سيما يوم الحرة والرؤية المذكورة يحتمل أن تكون بمعنى العلم أو رؤية العين بان تكون الفتن مثلت له حتى راها كما مثلت له الجنة والنار في القبلة حتى راهما وهو يصلي قوله تابعه معمر وسليمان بن كثير أما رواية معمر فوصلها المؤلف في الفتن وأما متابعة سليمان بن كثير فوصلها المؤلف في بر الوالدين له خارج الصحيح وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في كتاب الفتن قوله باب لا يدخل الدجال المدينة أورد فيه أربعة أحاديث الأول حديث أبي بكرة وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الفتن قوله عن جده هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قوله على كل باب في رواية الكشميهني لكل باب الثاني حديث أبي هريرة قوله إلى أنقاب المدينة جمع نقب بفتح النون والقاف بعدها موحدة ووقع في حديث أنس وأبي سعيد اللذين بعده على نقابها جمع نقب بالسكون وهما بمعنى قال بن وهب المراد بها المداخل وقيل الأبواب واصل النقب الطريق بين الجبلين وقيل الانقاب الطرق التي يسلكها الناس ومنه قوله تعالى فنقبوا في البلاد قوله لا يدخلها الطاعون ولا الدجال سيأتي في الطب بيان من زاد في هذا الحديث مكة الثالث حديث أنس قوله حدثنا أبو عمرو هو الأوزاعي وإسحاق هو بن عبد الله بن أبي طلحة قوله ليس من بلد الا سيطؤه الدجال هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور وشذ بن حزم فقال المراد الا يدخله بعثه وجنوده وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته وغفل عما ثبت في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر السنة قوله ثم ترجف المدينة أي يحصل لها زلزلة بعد أخرى ثم ثالثة حتى يخرج منها من ليس مخلصا في ايمانه ويبقى بها المؤمن الخالص فلا يسلط عليه الدجال ولا يعارض هذا ما في حديث أبي بكرة الماضي أنه لا يدخل المدينة رعب الدجال لأن المراد بالرعب ما يحدث من الفزع من ذكره والخوف من عتوه لا الرجفة التي أنكر بالزلزلة لاخراج من ليس بمخلص وحمل بعض العلماء الحديث الذي فيه أنها تنفى الخبث على هذه الحالة دون غيرها وقد تقدم أن الصحيح في معناه أنه خاص بناس وبزمان فلا مانع أن يكون هذا الزمان هو المراد ولا يلزم من كونه مرادا نفى غيره الحديث الرابع حديث أبي سعيد قوله بعض السباخ بكسر المهملة وبالموحدة الخفيفة وآخره غدا وسيأتي الكلام عليه أيضا في الفتن وحاصل ما في هذه الأحاديث إعلامه صلى الله عليه وسلم أن الدجال لا يدخل المدينة ولا الرعب منه كما مضى قوله باب بالتنوين المدينة تنفي الخبث أي بإخراجه وإظهاره قوله حدثنا عمرو بن عباس بالموحدة والمهملة وعبد الرحمن هو بن مهدي وسفيان هو الثوري قوله عن جابر وقع في الأحكام من وجه آخر عن بن المنكدر

[ 83 ]

قال سمعت جابرا قوله جاء أعرابي لم اقف على اسمه الا أن الزمخشري ذكر في ربيع الأبرار أنه قيس بن أبي حازم وهو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم قد مات فإن كان محفوظا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه وفي الذيل لأبي موسى في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري فيحتمل أن يكون هو هذا قوله فبايعه على الإسلام فجاء من الغد محموما فقال اقلني ظاهره أنه سأل اشتراط من الإسلام وبه جزم عياض وقال غيره إنما استقاله من الهجرة وإلا لكان قتله على الردة وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفى في كتاب الأحكام أن شاء الله تعالى قوله ثلاث مرار يتعلق باقلنى ويقال معا قوله تنفى خبثها تقدم الكلام عليه في أوائل المدينة قوله وتنصع بفتح أوله وسكون النون وبالمهملتين من النصوع وهو الخلوص والمعنى أنها إذا نفت الخبث تواضعك الطيب واستقر فيها وأما قوله طيبها فضبطه الأكثر بالنصب على المفعولية وفي رواية الكشميهني بالتحتانية أوله ورفع طيبها على الفاعلية وطيبها للجميع بالتشديد وضبطه القزاز بكسر أوله والتخفيف ثم استشكله فقال لم أر للنصوع في الطيب ذكرا وإنما الكلام يتضوع بالضاد المعجمة وزيادة الواو الثقيلة قال ويروي وتنضخ بمعجمتين وأغرب الزمخشري في الفائق فضبطه بموحدة وضاد غدا وعين وقال هو من ابضعه بضاعة إذا دفعها إليه يعني أن المدينة تعطى طيبها لمن سكنها وتعقبه الصغاني بأنه خالف جميع الرواة في ذلك وقال بن الأثير المشهور بالنون والصاد المهملة قوله عن عبد الله بن يزيد هو الخطمي وفي الإسناد صحابيان انصاريان في نسق واحد قوله رجع ناس من أصحابه هم عبد الله بن أبي ومن تبعه وسيأتي الكلام عليه في تفسير سورة النساء والغرض منه هنا بيان ابتداء قوله تنفى الرجال وأنه كان في أحد قوله الرجال كذا للأكثر وللكشميهني الدجال بالدال وتشديد الجيم وهو تصحيف ووقع في غزوة أحد تنفى الذنوب وفي تفسير النساء تنفى الخبث وأخرجه في هذه المواضع كلها من طريق شعبة وقد أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طريق غندر عن شعبة باللفظ الذي أخرجه في التفسير من طريق غندر وغندر أثبت الناس في شعبة وروايته توافق رواية حديث جابر الذي قبله حيث قال فيه تنفى خبثها وكذا أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ تخرج الخبث ومضى في أول فضائل المدينة من وجه آخر عن أبي هريرة تنفى الناس والرواية التي هنا بلفظ تنفى الرجال لا تنافى الرواية بلفظ الخبث بل هي مفسرة للرواية المشهورة بخلاف تنفى الذنوب ويحتمل أن يكون فيه حذف تقديره أهل الذنوب فيلتئم مع باقي الروايات قوله باب كذا للأكثر بلا ترجمة وسقط من رواية أبي ذر فأشكل وعلى تقدير ثبوته فلا بد له من تعلق بالذي قبله لأنه بمنزلة الفصل من الباب وقد أورد فيه حديثين لأنس ووجه تعلق الأول منهما بترجمة نفى الخبث أن قضية الدعاء بتضعيف البركة وتكثيرها تقليل ما يضادها فيناسب ذلك نفى الخبث ووجه تعلق الثاني أن قضية حب الرسول للمدينة أتكون بالغة في طيب ذاتها وأهلها فيناسب ذلك أيضا وقد تقدم الكلام على الثاني في أواخر أبواب العمرة وأما الأول فقوله فيه حدثنا أبي هو جرير بن حازم ويونس هو بن يزيد قوله اجعل بالمدينة ضعفى ما جعلت بمكة من البركة أي من بركة الدنيا بقرينة قوله في الحديث الآخر اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا ويحتمل أن يريد ما هو أعلم من ذلك لكن يستثنى من ذلك ما خرج بدليل كتضعيف الصلاة بمكة

[ 84 ]

على المدينة واستدل به عن تفضيل المدينة على مكة وهو ظاهر من هذه الجهة لكن لا يلزم من حصول أفضلية المفضول في شئ من الأشياء ثبوت الأفضلية له على الإطلاق وأما من ناقض ذلك بأنه يلزم أن يكون الشام واليمن أفضل من مكة لقوله في الحديث الآخر اللهم بارك لنا في شامنا وأعادها ثلاثا فقد تعقب بان التأكيد لا يستلزم التكثير المصرح به في حديث الباب وقال بن حزم لا حجة في حديث الباب لهم لأن تكثير البركة بها لا يستلزم الفضل في أمور الآخرة ورده عياض بان البركة أعم من أن تكون في أمور الدين أو الدنيا لأنا بمعنى النماء والزيادة فأما من الأمور الدينية فلما يتعلق بها من حق الله تعالى من الزكاة والكفارات ولا سيما في وقوع البركة في الصاع والمد وقال النووي الظاهر أن البركة حصلت في نفس المكيل بحيث يكفي المد فيها من لا يكفيه في غيرها وهذا أمر محسوس عند من سكنها وقال القرطبي إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدعوة ولا يستلزم دوامها في كل حين ولكل شخص والله أعلم قوله تابعه عثمان بن عمر عن يونس أي تابع جرير بن حازم في روايته لهذا الحديث عن يونس بن يزيد عن الزهري عثمان بن عمر بن فارس فرواه عيونس بن يزيد ورواية عثمان بن عمر موصولة في كتاب علل حديث الزهري جمع محمد بن يحيى الذهلي كذا وجدته بخط بعض المصنفين ولم اقف عليه في كتاب الذهلي وقد ضاق مخرجه على الاسماعيلي فأخرجه من طريق عبد الله بن وهب ومن طريق شبيب بن سعيد وعلقمة من طريق عنبسة بن خالد كلهم عن يونس بن يزيد وساق رواية وهب بن جرير فقال حدثنا أبو يعلى حدثنا زهير أبو خيثمة وقاسم بن أبي شيبة كلاهما عن وهب بن جرير وصرح في رواية زهير عن وهب بسماع جرير له من يونس ثم قال قاسم بن أبي شيبة ليس من شرط هذا الكتاب ونقل مغلطاي كلام الاسماعيلي هذا وتبعه شيخنا بن الملقن وقال في آخره قال الاسماعيلي أبو شيبة ليس من شرط هذا الكتاب ذوهو سهو كأنه أراد أن يكتب قاسم بن أبي شيبة فقال وأبو شيبة ثم قال مغلطاي وقال الاسماعيلي قال الحسن عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكره وقال يعني المدينة وهذا نظر من لم يطلع على حقيقة الحال فيه إذ الاسماعيلي ذكر رواية الحسن عن أنس لهذا الحديث متابعة لرواية يونس عن الزهري عن أنس كما ذكر رواية بن وهب وشبيب بن سعيد متابعة لجرير بن حازم عن يونس وليس كذلك وإنما أورد الاسماعيلي طريق شبيب بن سعيد فقال أخبرني الحسن يعني بن سفيان حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد حدثنا أبي عن يونس عن الزهري ثم تحول الاسماعيلي إلى طريق بن وهب قال بن وهب حدثنا يونس عن بن شهاب حدثني أنس وساق الحديث على يسير ثم قال بعد فراغه وقال الحسن عن أنس ومراده أن رواية بن وهب فيها تصريح بن شهاب وهو الزهري أن أنسا حدثه بخلاف رواية شبيب بن سعيد التي أخرجها من طريق الحسن بن سفيان فإنه قال فيها عن أنس قوله باب كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة ذكر فيه حديث أنس في قصة بني سلمة وقد تقدم الكلام عليه في باب احتساب الآثار في أوائل صلاة الجماعة تنبيه ترجم البخاري بالتعليلين فترجم في الصلاة باحتساب الآثار لقوله صلى الله عليه وسلم مكانكم تكتب لكم اثاركم وترجم هنا بما ترى لقول الراوي فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة وكأنه صلى الله عليه

[ 85 ]

وسلم اقتصر في مخاطبتهم على التعليل المتعلق بهم لكونه ادعى لهم إلى الموافقة قوله فيه الا تحتسبون كذا للأكثر وفي رواية الا تحتسبوا وحذف نون الرفع في مثل هذا لغة مشهورة قوله باب كذا في جميع النسخ بلا ترجمة وهو مشتمل على حديثين وأثر ولكل منهما تعلق بالترجمة التي قبله فحديث ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة فيه إشارة إلى الترغيب في سكنى المدينة وحديث عائشة في قصة وعك أبي بكر وبلال فيه دعاؤه صلى الله عليه وسلم للمدينة بقوله اللهم صححها وفي ذلك إشارة إلى الترغيب في سكناها أيضا وأثر عمر في دعائه بان تكون وفاته بها ظاهر في ذلك وفي كل ذلك مناسبة لكراهته صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة أي تصير خالية فأما الحديث الأول في المنبر فقوله ما بين بيتي ومنبري كذا للأكثر ووقع في رواية ابن عساكر وحده قبري بدل بيتي وهو خطا فقد تقدم هذا الحديث في كتاب الصلاة قبيل الجنائز بهذا الإسناد بلفظ بيتي وكذلك هو في مسند مسدد شيخ البخاري فيه نعم وقفي حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات وعند الطبراني من حديث بن عمر بلفظ القبر فعلى هذا المراد بالبيت في قوله بيتي أحد بيوته لاكلها وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره وقد ورد الحديث بلفظ ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة أخرجه الطبراني في الأوسط قوله روضة من رياض الجنة أي كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة بما يحصل في ملازمة حلق الذكر لا سيما في عهده صلى الله عليه وسلم فيكون تشبيها بغير أداة أو المعنى أن العبادة فيها تؤدى إلى الجنة فيكون مجازا أو هو على ظاهره وان المراد انه روضة حقيقية بان ينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة الى الجنة هذا محصل ما أوله العلماء في هذا الحديث وهي على ترتيبها هذا في القوة وأما قوله ومنبري على حوضي أي ينقل يوم القيامة ذفينصب على الحوض وقال الأكثر المراد منبره بعينه الذي قال هذه المقالة وهو فوقه وقيل المراد المنبر الذي يوضع له يوم القيامة والأول أظهر ويؤيده حديث أبي سعيد المتقدم وقد رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي حكى المؤذن رفعه أن قوائم منبري رواتب في الجنة وقيل معناه أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض ويقتضى شربه منه والله أعلم ونقل بن زبالة أن ذرع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الآن ثلاث وخمسون ذراعا وقيل أربع وخمسون وسدس وقيل خمسون الا ثلثي ذراع وهو الآن كذلك فكأنه نقص لما أدخل من الحجرة في الجدار واستدل به على أن المدينة أفضل من مكة لأنه أثبت أن الأرض التي بين البيت والمنبر من الجنة وقد قال في الحديث الآخر لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها وتعقبه بن حزم بان قوله أنها من الجنة مجازا إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة أن لك الا تجوع فيها ولا تعرى وإنما المراد أن الصلاة فيها تؤدى إلى الجنة كما يقال في اليوم الطيب هذا من أيام الجنة وكما قال صلى الله عليه وسلم الجنة تحت ظلال السيوف قال ثم لو ثبت أنه على الحقيقة لما كان الفضل الا لتلك البقعة خاصة فإن قيل أن ما قرب منها أفضل مما بعد لزمهم أن يقولوا إن الجحفة أفضل من مكة ولا قائل به وأما حديث عائشة فقوله وعك بضم أوله أي أصابه الوعك وهو الحمى وقيل مغث الحمى وسيأتي شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب المغازي أول الهجرة إن شاء الله تعالى قوله قالت يعني عائشة والقائل عروة فهو متصل قوله

[ 86 ]

وهي أوبأ بالهمز بوزن أفعل من الوباء والوباء مقصور بهمز وبغير همز هو المرض العام ابى تعارض قدومهم عليها وهي بهذه الصفة نهيه صلى الله عليه وسلم عن القدوم على الطاعون لأن ذلك كان قبل النهى أو أن النهى يختص بالطاعون ونحوه من الموت الذريع لا المرض ولو عم قوله قالت فكان بطحان يعني وادي المدينة وقولها يجري نجلا تعني ماء اجنا هو من تفسير الراوي عنها وغرضها بذلك بيان السبب في كثرة الوباء بالمدينة لأن الماء الذي هذه صفته يحدث عنده المرض وقيل النجل النز بنون وزاى يقال استنجل الوادي إذا ظهر نزوزه ونجلا بفتح النون وسكون الجيم وقد تفتح حكاه بن التين وقال بن فارس النجل بفتحتين سعة العين وليس هو المراد هنا وقال بن السكيت النجل العين حيث تظهر وينبع عين الماء وقال الحربي نجلا أي واسعا ومنه عين نجلاء أي واسعة وقيل هو الغدير الذي لا يزال فيه الماء قوله تعني ماء اجنا بفتح الهمزة وكسر الجيم بعدها نون أي متغيرا قال عياض هو خطا ممن فسره فليس المراد هنا الماء المتغير قلت وليس كما قال فإن عائشة قالت ذلك في مقام التعليل لكون المدينة كانت وبيئة ولا شك أن النجل إذا فسر بكونه الماء الحاصل من النز فهو بصدد أن يتغير وإذا تغير كان استعماله مما يحدث الوباء في العادة وأما أثر عمر فذكر بن سعد سبب دعائه بذلك وهو ما أخرجه بإسناد صحيح عن عوف بن مالك أنه رأى رؤيا فيها أن عمر شهيد مستشهد فقال لما قصها عليه أني لي بالشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة العرب لست أغزو والناس حولي ثم قال بلى يأتي بها الله إن شاء قوله وقال بن زريع عن روح بن القاسم وصله الاسماعيلي عن إبراهيم بن هاشم عن أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع به ولفظه عن حفصة قالت سمعت عمر يقول اللهم قتلا في سبيلك ووفاة ببلد نبيك قالت فقلت وأني يكون هذا قال يأتي به الله إذا شاء قوله وقال هشام بن سعد عن زيد عن أبيه أسلم وصله بن سعد عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عنه ولفظه عن حفصة أنها سمعت أباها يقول فذكر مثله وفي آخره إن الله يأتي بأمره إن شاء الله وأراد البخاري بهذين التعليقين بيان الاختلاف فيه على زيد بن أسلم فاتفق هشام بن سعد وسعيد بن أبي هلال على أنه عن زيد عن أبيه أسلم عن عمر وقد تابعهما حفص بن ميسرة عن زيد عند عمر بن شبة وانفرد روح بن القاسم عن زيد بقوله عن أمه وقد رواه بن سعد عن معن بن عيسى عن مالك عن زيد بن أسلم أن عمر فذكره مرسلا وللحديث طريق أخرى أخرجها البخاري في تاريخه من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القارئ عن جده عن أبيه محمد عن أبيه عبد الله أنه سمع عمر يقول ذلك وطريق أخرى أخرجها عمر بن شبة مطريق عبد الله بن دينار عن بن عمر عن عمر إسنادها صحيح ومن وجه آخر منقطع وزاد فكان الناس يتعجبون من ذلك ولا يدرون ما وجهه حتى طعن أبو لؤلؤة عمر رضي الله عنه تنبيه تقدم ما يتعلق بفضل الصلاة في المسجد النبوي ومسجد قباء والمسجد الأقصى في أبواب في أواخر كتاب الصلاة خاتمة اشتمل ذكر المدينة على ستة وعشرين حديثا المعلق منها أربعة والمكرر منها فيه وفيما مضى تسعة والخالص سبعة عشر وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة في ذكر بني حارثة وحديث أبي بكرة في ذكر الدجال وفيه من الآثار أثر واحد وهو أثر عمر الذي ختم به فأخرجه موصولا ومعلقا وفيه إشارة إلى حسن الختام فنسأل الله تعالى أن يختم لنا بالحسنى وأن يعين على ختم هذا الشرح ويرفعنا به إلى المحل الاسني

[ 87 ]

إنه على كل شئ قدير قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصوم كذا للأكثر وفي رواية النسفي كتا الصيام وثبتت البسملة للجميع والصوم والصيام في اللغة الإمساك وفي الشرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شئ مخصوص بشرائط مخصوصة وقال صاحب المحكم الصوم ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام يقام صام صوما وصياما ورجل صائم وصوم وقال الراغب الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير صائم وفي الشرع إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم والمشرب والاستمنا والاستقاء من الفجر إلى المغرب قوله باب وجوب صوم رمضان كذا للأكثر وللنسفي باب وجوب رمضان وفضله وقد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه حظائر القدس لرمضان ستين اسما وذكر بعض الصوفية أن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة ثم تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوما فلما صفا جسده منها تيب عليه ففرض على ذريته صيام ثلاثين يوما وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك وهيهات وجدان ذلك قوله وقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام الآية أشار بذلك إلى مبدا فرض الصيام وكأنه لم يثبت عنده على شرطه فيه شئ فأورد ما يشير إلى المراد فإنه ذكر فيه ثلاثة أحاديث حديث طلحة الدال على أنه لا فرض الا رمضان وحديث بن عمر وعائشة المتضمن الأمر بصيام عاشوراء وكان المصنف أشار إلى أن الأمر في روايتهما أمرهم على الندب بدليل حصر الفرض في رمضان وهو ظاهر الآية لأنه تعالى قال كتب عليكم الصيام ثم بينه فقال شهر رمضان وقد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا فالجمهور وهو المشهور عند الشافعية أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان وفي وجه وهو قول الحنفية أول ما فرض صيام عاشوراء فلما نزل رمضان نسخ فمن أدلة الشافعية حديث معاوية مرفوعا لم يكتب الله عليكم صيامه وسيأتي في أواخر الصيام ومن أدلة الحنفية ظاهر حديثي بن عمر وعائشة المذكورين في هذا الباب بلفظ الأمر وحديث الربيع بنت معوذ الاتى وهو أيضا عند مسلم من مطرف صائما فليتم صومه قالت فلم نزل نصومه ونصوم صبياننا وهم صغار الحديث وحديث مسلمة مرفوعا من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم الحديث وبنوا على هذا الخلاف هل يشترط في صحة الصوم الواجب نية من الليل أو لا وسيأتي البحث فيه بعد عشرين بابا وقد تقدم الكلام على حديث طلحة في كتاب الإيمان وقوله فيه عن أبيه هو مالك بن أبي عامر جد مالك بن أنس الإمام وقوله عن طلحة قال الدمياطي في سماعه من طلحة نظر وتعقب بأنه ثبت سماعه من عمر فكيف يكون في سماعه من طلحة نظر وقد تقدم في كتاب الإيمان في هذا الحديث ما يدل على أنه سمع منهما جميعا وسيأتي الكلام على حديثي بن عمر وعائشة في أواخر الصيام إن شاء الله تعالى قوله باب فضل الصوم ذكر فيه حديث أبي هريرة من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عنه وهو

[ 88 ]

يشتمل على حديثين افردهما مالك في الموطأ فمن أوله إلى قوله الصيام جنة حديث ومن ثم إلى آخره حديث وجمعهما عنه هكذا القعنبي وعنه رواه البخاري هنا ووقع عن غير القعنبي من رواة الموطأ زيادة على آخر الثاني وهي بعد قوله وأنا أجزى به والحسنة بعشر أمثالها زادوا إلى سبعمائة ضعف الا الصيام فهو لي وأنا أجزى به وقد أخرج البخاري هذا الحديث بعد أبواب من طريق أبي صالح عن أبي هريرة وبين في أوله أنه من قول الله عز وجل كما سابينه قوله الصيام جنة زاد سعيد بن منصور عن اني بن عبد الرحمن عن أبي الزناد جنة من النار وللنسائي من حديث عائشة مثله وله من حديث عثمان بن أبي العاص الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال ولأحمد من طريق أبي يونس عن أبي هريرة جنة وحصن حصين من النار وله من حديث أبي عبيدة بن الجراح الصيام جنة ما لم يخرقها زاد الدارمي بالغيبة وبذلك ترجم له هو وأبو داود والجنة بضم الجيم الوقاية والستر وقد تبين بهذه الروايات متعلق هذا الستر وأنه من النار وبهذا جزم ابن عبد البر وأما صاحب النهار النهاية فقال معنى كونه جنة أي يقى صاحبه ما يؤذيه من الشهوات وقال القرطبي جنة أي سترة يعني بحسب مشروعيته فينبغي للصائم أن يصونه مما يفسده وينقص ثوابه واليه الإشارة بقوله فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث الخ ويصح أن يراد أنه سترة بحسب فائدته وهو إضعاف شهوات النفس واليه الإشارة بقوله يدع شهوته الخ ويصح أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من النصارى وتضعيف الحسنات وقال عياض في الإكمال معناه ستره من الاثام أو من النار أو من جميع ذلك وبالاخير جزم النووي وقال بن العربي إنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بالشهوات فالحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترا له من النار في الآخرة وفي زيادة أبي عبيدة بن الجراح إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصيام وقد حكى عن عائشة وبه قال الأوزاعي إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم وافرط بن جزم فقال يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه سواء كانت فعلا أو قولا لعموم قوله فلا يرفث ولا يجهل ولقوله في الحديث الاتى بعد أبواب من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه والجمهور وإن حملوا النهى عن التحريم الا إنهم خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع وأشار بن عبد البر إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات فقال حسبك بكون الصيام جنة من النار فضلا وروى النسائي بسند صحيح عن أبي إمامة قال قلت يا رسول الله مرني بأمر آخذه عنك قال عليك بالصوم فإنه لا مثل له وفي رواية لا عدل له والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة قوله فلا يرفث أي الصائم كذا وقع مختصرا وفي الموطأ الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث الخ ويرفث بالضم والكسر ويجوز في ماضيه التثليث والمراد بالرفث هنا وهو بفتح الراء والفاء ثم المثلثة الكلام الفاحش وهو يطلق على هذا وعلى الجماع وعلى مقدماته وعلى ذكره مع النساء أو مطلقا ويحتمل أن يكون لما هو أعم منها قوله ولا يجهل أي لا يفعل شيئا من افعال أهل الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك ولسعيد بن منصور من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه فلا يرفث ولا يجادل قال القرطبي لا بفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر وإنما المراد أن المنع من ذلك يتاكد بالصوم قوله وأن امرؤ بتخفيف النون قاتله أو شاتمه وفي رواية

[ 89 ]

صالح فإن سابه أحد أو قاتله ولأبي قرة من طريق سهيل عن أبيه وأن شتمه إنسان فلا يكلمه ونحوه في رواية هشام عن أبي هريرة عند أحمد ولسعيد بن منصور من طريق سهيل فإن سابه أحد اوماراه أي كحدثه ولابن خزيمة من طريق عجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة فإن سابك أحد فقل أني صائم وأن كنت قائما فاجلس ولأحمد والترمذي من طريق بن المسيب عن أبي هريرة فإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم وللنسائي من حديث عائشة وأن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه واتفق الروايات كلها على أنه يقول أني صائم فمنهم من ذكرها مرتين ومنهم من اقتصر على واحدة وقد استشكل ظاهر بان المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتب عليها الجواب خصوصا المقاتلة والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيؤ لها أي أن تهيا أحد لمقاتلته أو مشاتمته فليقل أني صائم فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكف عنه فإن اصر دفعه بالأخف فالاخف كالصائل هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة فإن كان المراد بقوله قاتله شاتمه لأن القتل يطلق على اللعن واللعن من جملة السب ويؤيده ما ذكرت من الألفاظ المختلفة فإن حاصلها يرجع إلى الشتم فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله بل يقتصر على قوله أني صائم واختلف في المراد بقوله فليقل أني صائم هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك أو يقولها في نفسه وبالثانى جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة ورجع النووي الأول في الأذكار وقال في شرح المهذب كل منهما حسن والقول باللسان أقوى ولو جمعهما لكان حسنا ولهذا التردد أتى البخاري في ترجمته كما سيأتي بعد أبواب بالاستفهام فقال باب هل يقول أني صائم إذا شتم وقال الروياني أن كان رمضان فليقل بلسانه وأن كان غيره فليقله في نفسه وادعى ابن العربي أن موضع الخلاف في التطوع وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعا وأما تكرير قوله أني صائم فليتأكد الانزجار منه أو ممن يخاطبه بذلك ونقل الزركشي أن المراد بقوله فليقل أني صائم مرتين يقوله مرة بقلبه ومرة بلسانه فيستفيد بقوله بقلبه كف لسانه عن خصمه وبقوله بلسانه كف خصمه عنه وتعقب بان القول حقيقة باللسان وأجيب بأنه لا يمنع المجاز وقوله قاتله يمكن حمله على ظاهره ويمكن أن يراد بالقتل لعن يرجع إلى معنى الشتم ولا يمكن حمل قاتله وشاتمه على المفاعلة لأن الصائم مأمور بان يكف نفسه عن ذلك فكيف يقع ذلك منه وإنما المعنى إذا جاءه متعرضا لمقاتلته أو مشاتمته كان يبدأه بقتل أو شتم اقتضت العادة أن يكافئه عليه فالمراد بالمفاعلة إرادة غير الصائم ذلك من الصائم وقد تطلق المفاعلة على التهيؤ لها ولو وقع الفعل من واحد وقد أنكر المفاعلة بفعل الواحد كما يقال لواحد عالج الأمر وعافاه الله وأبعد من حمله على ظاهره فقال المراد إذا بدرت من الصائم مقابلة الشتم بالشتم على مقتضى الطبع فلينزجر عن ذلك ويقول أني صائم ومما يبعده قوله في الرواية الماضية فإن شتمه شتمه والله أعلم وفائدة قوله أني صائم أنه يمكن أن يكف عنه بذلك فإن اصر دفعه بالأخف فالاخف كالصائل هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة فإن كان المراد بقوله قاتله شاتمه فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله بل يقتصر على قوله أني صائم قوله والذي نفسي بيده أقسم على ذلك تأكيدا قوله لخلوف بضم المعجمة واللام وسكون الواو بعدها فاء قال عياض هذه الرواية الصحيحة وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء قال الخطابي وهو خطا وحكى القابسي الوجهين وبالغ النووي في شرح المهذب فقال

[ 90 ]

لا يجوز فتح الخاء واحتج غيره لذلك بان المصادر التي جاءت على فعول بفتح أوله قليلة ذكرها سيبويه وغيره وليس هذا منها واتفقوا على أن المراد به تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام قوله فم الصائم فيه رد على من قال لا تثبت الميم في الفم عند الإضافة الا في ضرورة الشعر لثبوته في هذا الحديث الصحيح وغيره قوله أطيب عند الله من ريح المسك اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك مع أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الرواح إذ ذاك من صفات الحيوان ومع أنه يعلم الشئ على ما هو عليه على أوجه قال المازري هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي يقرب إليه أكثر من تقرير المسك إليكم وإلى ذلك أشار بن عبد البر وقيل المراد أن ذلك في حق الملائكة وإنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما تستطيبون ريح المسك وقيل المعنى أن حكم الخلوف والمسك عند الله على ضد ما هو عندكم وهو قريب من الأول وقيل المراد أن الله تعالى يجزيه في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي المكلوم وريح جرحه تفوح مسكا وقيل المراد أن صاحبه ينال من النصارى ما هو أفضل من ريح المسك لا سيما بالإضافة إلى الخلوف حكاهما عياض وقال الداودي وجماعة المعنى أن الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب إليه في الجمع ومجالس الذكر ورجح النووي هذا الأخير وحاصله حمل معنى الطيب على القبول والرضا فحصلنا على ستة أوجه وقد نقل القاضي حسين في تعليقه أن للطاعات يوم القيامة ريحا تفوح قال فرائحة الصيام فيها بين العبادات كالمسك ويؤيد الثلاثة الأخيرة قوله في رواية مسلم وأحمد والنسائي من طريق عطاء عن أبي صالح أطيب عند الله يوم القيامة وأخرج أحمد هذه الزيادة من حديث بشير بن الخصاصية وقد ترجم بن حبان بذلك في صحيحه ثم قال ذكر البيان بان ذلك قد يكون في الدنيا ثم أخرج الرواية التي فيها فم الصائم حين يخلف من الطعام وهي عنده وعند أحمد من طريق الأعمش عن أبي صالح ويمكن أن يحمل قوله حين يخلف على أنه ظرف لوجود الخلوف المشهود له بالطيب فيكون سببا للطيب في الحال الثاني فيوافق الرواية الأولى وهي قوله يوم القيامة لكن يؤيد ظاهره وأن المراد به في الدنيا ما روى الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي في الشعب من حديث جابر في اثناء حديث مرفوع في فضل هذه الأمة في رمضان وأما الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك قال المنذري إسناده مقارب وهذه المسألة إحدى المسائل التي تنازع فيها بن عبد السلام وابن الصلاح فذهب بن عبد السلام إلى أن ذلك في الآخرة كما في دم الشهيد واستدل بالرواية التي فيها يوم القيامة وذهب بن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا واستدل بما تقدم وأن جمهور العلماء ذهبوا إلى ذلك فقال الخطابي طيبه عند الله رضاه به وثناؤه عليه وقال بن عبد البر أزكى عند الله وأقرب إليه وقال البغوي معناه الثناء على الصائم والرضا بفعله وبنحو ذلك قال القدوري من الحنفية والداودى وابن العربي من المالكية وأبو عثمان الصابوني وأبو بكر بن السمعاني وغيرهم من الشافعية جزموا كلهم بأنه عبارة عن الرضا والقبول وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلانة يوم الجزاء وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضا الله تعالى حيث يؤمر باجتنابها فقيده بيوم القيامة في رواية وأطلق

[ 91 ]

في باقي الروايات نظرا إلى أن أصل افضليته ثابت في الدارين وهو كقوله أن ربهم بهم يومئذ لخبير وهو خبير بهم في كل يوم انتهى ويترتب على هذا الخلاف المشهور في كراهة إزالة هذا الخلوف بالسواك وسيأتي البحث فيه بعد بضعة وعشرين بابا حيث ترجم له المصنف أن شاء الله تعالى ويؤخذ من قوله أطيب من ريح المسك أن الخلوف أعظم من دم الشهادة لأن دم الشهيد شبه ريحه بريح المسك والخلوف وصف بأنه أطيب ولا يلزم من ذلك أن يكون الصيام أفضل من الشهادة لما لا يخفى ولعل سبب ذلك النظر إلى أصل كل منهما فإن أصل الخلوف طاهر واصل الدم بخلافه فكان ما أصله طاهر أطيب ريحا قوله يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي هكذا وقع هنا ووقع في الموطأ وإنما يذر شهوته الخ ولم يصرح بنسبته إلى الله للعلم به وعدم الاشكال فيه وقد روى أحمد هذا الحديث عن إسحاق بن الطباع عن مالك فقال بعد قوله من ريح المسك يقول الله عز وجل إنما يذر شهوته الخ وكذلك رواه سعيد بن منصور عن اني ولا عبد الرحمن عن أبي الزناد فقال في أول الحديث يقول الله عز وجل كل عمل بن آدم هو له الا الصيام فهو لي وأنا أجزى به وإنما يذر بن آدم شهوته وطعامه من أجلي الحديث ويأتي قريبا من طريق عطاء عن أبي صالح بلفظ قال الله عز وجل كل عمل بن آدم له الحديث ويأتي في التوحيد من طريق الأعمش عن أبي صالح بلفظ يقول الله عز وجل الصوم لي وأنا أجزى به الحديث وقد يفهم من الإتيان بصيغة الحصر في قوله إنما يذر الخ التنبيه على الجهة التي بها يستحق الصائم ذلك وهو الإخلاص الخاص به حتى لو كان ترك المذكورات لغرض آخر كالتخمة لا يحصل للصائم الفضل المذكور لكن المدار في هذه الأشياء على الداعي القوي الذي يدور معه الفعل وجودا وعدما ولا شك أن من لم يعرض في خاطره شهوة شئ من الأشياء المريض نهاره إلى أن أفطر ليس هو في الفضل كمن عرض له ذلك فجاهد نفسه في تركه والمراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص ووقع في رواية الموطأ بتقديم الشهوة عليها فيكون من الخاص بعد العام ومثله حديث أبي صالح في التوحيد وكذا جمهور الرواة عن أبي هريرة وفي رواية بن خزيمة من طريق سهيل عن أبي صالح عن أبيه يدع الطعام والشراب من أجلي ويدع لذته من أجلي وفي رواية أبي قرمن هذا الوجه يدع امرأته وشهوته وطعامه وشرابه من أجلي وأصرح من ذلك ما وقع عند الحافظ سمويه في فوائده من طريق المسيب بن رافع عن أبي صالح يترك شهوته من الطعام والشراب والجماع من أجلي قوله الصيام لي وأنا أجزى به كذا وقع بغير أداة عطف ولا غيرها وفي الموطأ فالصيام بزيادة الفاء وهي للسببية أي سبب كونه لي أنه يترك شهوته لأجلي ووقع في رواية اني عن أبي الزناد عند سعيد بن منصور كل عمل بن آدم له الا الصيام فإنه لي وأنا أجزى به ومثله في رواية عطاء عن أبي صالح الآتية وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى الصيام لي وأنا أجزى به مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها على أقوال أحدهما أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره حكاه المازري ونقله عياض عن أبي عبيد ولفظ أبي عبيد في غريبه قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من بن آدم بفعله وإنما هو شئ في القلب ويؤيدها هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم ليس في الصيام رياء حدثنيه شبابة

[ 92 ]

عن عقيل عن الزهري فذكره يعني مرسلا قال وذلك لأن الأعمال لا تكون الا بالحركات الا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس هذا وجه الحديث عندي انتهى وقد روى الحديث المذكور البيهقي في الشعب من طريق عقيل وأورده من وجه آخر عن الزهري موصولا عن أبي سلمة عن أبي هريرة وإسناده ضعيف ولفظه الصيام لا رياء فيه قال الله عز وجل هو لي وأنا أجزى به وهذا لو صح لكان قاطعا للنزاع وقال القرطبي لما كانت الأعمال يدخلها بالرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله الا الله فاضافه الله إلى نفسه ولهذا قال في الحديث يدع شهوته من أجلي وقال بن الجوزي جميع العبادات تظهر بفعلها وقل أن يسلم ما يظهر من شوب بخلاف الصوم وارتضى هذا الجواب المازري وقرره القرطبي بان أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها اضيفت إليهم بخلاف الصوم فإن حال الممسك شبعا مثل حال الممسك تقربا يعني في الصورة الظاهرة قلت معنى النفي في قوله لا رياء في الصوم أنه لا يدخله الرياء بفعله وأن كان قد يدخله الرياء بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الأخبار بخلاف بقية الأعمال فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها وقد حاول بعض الأئمة الحاق شئ من العبادات البدنية بالصوم فقال أن الذكر بلا إله الا الله يمكن أن لا يدخله الرياء لأنه بحركة اللسان خاصة دون غيره من أعضاء الفم فيمكن الذاكر أن يقولها بحضرة الناس ولا يشعرون منه بذلك ثانيها أن المراد بقوله وأنا أجزى به أني انفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس قال القرطبي معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وإنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله الا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير ويشهد لهذا السياق الرواية الأخرى يعني رواية الموطأ وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح حيث قال كل عمل بن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله قال الله الا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به أي اجازى عليه جزاء كثيرا من غير تعيين لمقداره وهذا كقوله تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب انتهى والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال قلت وسبق إلى هذا أبو عبيد في غريبه فقال بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك واستدل له بان الصوم هو الصبر لأن الصائم يصبر نفسه على الشهوات وقد قال الله تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب انتهى ويشهد رواية المسيب بن رافع عن أبي صالح عند سمويه إلى سبعمائة ضعف الا الصوم فإنه لا يدري أحد ما فيه ويشهد له أيضا ما رواه ابن وهب في جامعه عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن جده زيد مرسلا ووصله الطبراني والبيهقي في الشعب من طريق أخرى عن عمر بن محمد عن عبد الله بن مينار عن بن عمر مرفوعا الأعمال عند الله سبع الحديث وفيه وعمل لا يعلم ثواب عامله الا الله ثم قال وأما العمل الذي لا يعلم ثواب عامله الا الله فالصيام ثم قال القرطبي هذا القول ظاهر الحسن قال غير أنه تقدم ويأتي في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام وهي نص في إظهار التضعيف فبعد هذا الجواب بل بطل قلت لا يلزم من الذي ذكر بطلانه بل المراد بما أورده أن صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام وأما مقدار ثواب ذلك فلا يعلمه الا الله تعالى ويؤيده أيضا العرف المستفاد من قوله أنا أجزى به لأن الكريم إذا قال أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه

[ 93 ]

ثالثها معنى قوله الصوم لي أي أنه أحب العبادات إلى والمقدم عندي وقد تقدم قول بن عبد البر كفى بقوله الصوم لي فضلا للصيام على سائر العبادات وروى النسائي وغيره من حديث أبي إمامة مرفوعا عليك بالصوم فإنه لا مثل له لكن يعكر على هذا الحديث الصحيح واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة رابعها الإضافة إضافة تشريف وتعظيم كما يقال بيت الله وأن كانت البيوت كلها لله قال الزين بن المنير التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه الا التعظيم والتشريف خامسها أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب جل جلاله فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته إضافه إليه وقال القرطبي معناه أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم الا الصيام فإنه مناسب لصفة مصفات الحق كأنه يقول أن الصائم يتقرب إلى بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي سادسها أن المعنى كذلك لكن بالنسبة إلى الملائكة لأن ذلك من صفاتهم سابعها أنه خالص لله وليس للعبد فيه حظ قاله الخطابي هكذا نقله عياض وغيره فإن أراد بالحظ ما يحصل من الثناء عليه لأجل العبادة رجع إلى المعنى الأول وقد أفصح بذلك بن الجوزي فقال المعنى ليس لنفس الصائم فيه حظ بخلاف غيره فإن له فيه حظا لثناء الناس عليه لعبادته ثامنها سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يعبد به غير الله بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك واعترض على هذا بما يقع من عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات فإنهم يتعبدون لها بالصيام وأجيب بأنهم لا يعتقدون الهية الكواكب وإنما يعتقدون أنها فعالة بانفسها وهذا الجواب عندي ليس بطائل لأنهم طائفتان إحداهما كانت تعتقد الهية الكواكب وهم من كان قبل ظهور الإسلام واستمر منهم من استمر على كفره والأخرى من دخل منهم في الإسلام واستمر على تعظيم الكواكب وهو الذين اشير إليهم تاسعها أن جميع العبادات توفي منها مظالم العباد الا الصيام روى ذلك البيهقي من طريق إسحاق بن أيوب بن حسان الواسطي عن أبيه عن بن عيينة قال إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدى ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له الا الصوم فيتحمل الله مبقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة قال القرطبي قد كنت استحسنت هذا الجواب إلى أن فكرت في حديث المقاصة فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال حيث قال المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا الحديث وفيه فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار فظاهره أن الصيام مشترك مع بقية الأعمال في ذلك قلت أن ثبت قول بن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك فقد يستدل له بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رفعه كل العمل كفارة الا الصوم الصوم لي وأنا أجزى به وكذا رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن محمد بن زياد ولفظه قال ربكم تبارك وتعالى كل العمل كفارة الا الصوم ورواه قاسم بن أصبغ من طريق أخرى عن شعبة بلفظ كل ما يعمله بن آدم كفارة له الا الصوم وقد أخرجه المصنف في التوحيد عن آدم عن شعبة بلفظ يرويه عن ربكم قال لكل عمل كفارة والصوم لي وأنا أجزى به فحذف الاستثناء وكذا رواه أحمد عن غندر عن شعبة لكن قال كل العمل كفارة وهذا يخالف رواية آدم لأن معناها أن لكل

[ 94 ]

عمل من المعاصي كفارة من الطاعات ومعنى رواية غندر كل عمل من الطاعات كفارة للمعاصي وقد بين الاسماعيلي الاختلاف فيه في ذلك على شعبة وأخرجه من طريق غندر بذكر الاستثناء فاختلف فيه أيضا على غندر والاستثناء المذكور ويشهد لما ذهب إليه بن عيينة لكنه وأن كان صحيح السند فإنه يعارضه حديث حذيفة فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكفرها الصلاة والصيام والصدقة لعل هذا هو السر في تعقيب البخاري لحديث الباب بباب الصوم كفارة وأورد فيه حديث حذيفة وسأذكر وجه الجمع بينهما في الكلام على الباب الذي يليه أن شاء الله تعالى عاشرها أن الصوم لا يظهر فتكتبه الحفظه كما تكتب سائر الأعمال واستند قائله إلى حديث واه جدا أورده بن العربي في المسلسلات ولفظه قال الله الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحب لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ويكفى في رد هذا القول الحديث الصحيح في كتابة الحسنة لمن هم بها وأن لم يعملها فهذا ما وقفت عليه من الأجوبة وقد بلغني أن بعض العلماء بلغها إلى أكثر من هذا وهو الطالقاني في حظائر القدس له ولم اقف عليه واتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولا وفعلا ونقل بن العربي عن بعض الزهاد أنه مخصوص بصيام خواص الخواص فقال أن الصوم على أربعة يجري صيام العوام وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع وصيام خواص العوام وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول أو فعل وصيام الخواص وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته وصيام خواص الخواص وهو الصوم عن غير الله فلا فطر لهم إلى يوم القيامة وهذا مقام عال لكن في حصر المراد من الحديث في هذا النوع نظر لا يخفى وأقرب الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأول والثاني ويقرب منهما الثامن والتاسع وقال البيضاوي في الكلام على رواية الأعمش عن أبي صالح التي بينتها قبل لما أراد بالعمل الحسنات وضع الحسنة في الخبر موضع الضمير الراجع إلى المبتدأ وقوله الا الصيام مستثنى من كلام غير محكى دل عليه ما قبله والمعنى أن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف الا الصوم فلا يضاعف إلى هذا القدر بل ثوابه لا يقدر قدره ولا يحصيه الا الله تعالى ولذلك يتولى الله جزاءه بنفسه ولا يكله إلى غيره قال والسبب في اختصاص الصوم بهذه المزية أمران أحدهما أن سائر العبادات مما يطلع العباد عليه والصوم سر بين العبد وبين الله تعالى بالصلاة خالصا ويعامله به طالبا لرضاه وإلى ذلك الإشارة بقوله فإنه لي والآخر أن سائر الحسنات راجعة إلى صرف المال أو استعمال للبدن والصوم يتضمن كسر النفس وتعريض البدن للنقصان وفيه الصبر على مضض الجوع والعطش وترك الشهوات وإلى ذلك أشار بقوله يدع شهوته من أجلي قال الطيبي وبيان هذا أن قوله يدع شهوته الخ جملة مستانفة وقعت موقع البيان لموجب الحكم المذكور وأما قول البيضاوي أن الاستثناء من كلام غير محكى ففيه نظر فقد يقال هو مستثنى من كل عمل وهو مروي عن الله لقوله في اثناء الحديث قال الله تعالى ولما لم يذكره في صدر الكلام أورده في اثنائه بيانا وفائدته تفخيم شان الكلام وأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى وقوله والحسنة بعشرة أمثالها كذا وقع مختصرا عند البخاري وقد تقدمت البيان بأنه وقع في الموطأ تاما وقد رواه أبو نعيم في المستخرج من طريق القعنبي شيخ البخاري فيه فقال بعد قوله وأنا أجزى به كل حسنة يعملها بن آدم بعشر

[ 95 ]

أمثالها إلى سبعمائة ضعف الا الصيام فإنه لي وأنا أجزى به فأعاد قوله وأنا أجزى به في آخر الكلام تأكيدا وفيه إشارة إلى الوجه الثاني ووقع في رواية أبي صالح عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث للصائم فرحتان يفرحهما الحديث وسيأتي الكلام عليه بعد ستة أبواب أن شاء الله تعالى قوله باب الصوم كفارة كذا لأبي ذر والجمهور بتنوين باب أي الصوم يقع كفارة للذنوب ورايته هنا بخط القطب في شرحه باب كفارة الصوم أي باب تكفير الصوم للذنوب وقد تقدم في اثناء الصلاة باب الصلاة كفارة وللمستملى باب تكفير الصلاة وأورد فيه حديث الباب بعينه من وجه آخر عن أبي وائل وقد تقدم طرف من الكلام على الحديث ويأتي شرحه مستوفى في علامات النبوة أن شاء الله تعالى وفيه ما ترجم له لكن أطلق في الترجمة والخبر مقيد بفتنة المال وما ذكر معه فقد يقال لا يعارض الحديث السابق في الباب قبله وهو كون الأعمال كفارة الا الصوم لأنه يحمل في الاثبات على كفارة شئ مخصوص وفي النفي على كفارة شئ آخر وقد حمله المصنف في موضع آخر على تكفير مطلق الخطيئة فقال في الزكاة باب الصدقة تكفر الخطيئة ثم أورد هذا الحديث بعينه ويؤيد الإطلاق ما ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة أيضا مرفوعا الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر وقد تقدم البحث فيه في الصلاة ولابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعا من صام رمضان وعرف حدوده كفر ما قبله ولمسلم من حديث أبي قتادة أن صيام عرفة يكفر سنتين وصيام عاشوراء يكفر سنة وعلى هذا فقوله كل العمل كفارة الا الصيام يحتمل أن يكون المراد الا الصيام فإنه كفارة وزيادة ثواب على الكفارة ويكون المراد بالصيام الذي هذا شأنه ما وقع خالصا سالما من الرياء والشوائب كما تقدم شرحه والله أعلم قوله باب بالتنوين الريان بفتح الراء وتشديد التحتانية وزن فعلان من الري اسم علم على باب من أبواب الجنة يختص بدخول الصائمين منه وهو مما وقعت المناسبة فيه بين يسير ومعناه لأنه مشتق من الري وهو مناسب لحال الصائمين وسيأتي أن من دخله لم يظما قال القرطبي اكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه قلت أو لكونه أشق على الصائم من الجوع قوله حدثني أبو حازم هو بن دينار وسهل هو بن سعد الساعدي قوله أن في الجنة بابا قال الزين بن المنير إنما قال في الجنة ولم يقل للجنة ليشعر بان في الباب المذكور من النعيم والراحة في الجنة فيكون أبلغ في التشوق إليه قلت وقد جاء الحديث من وجه آخر بلفظ أن للجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله الا الصائمون أخرجه هكذا الجوزقي من طريق أبي غسان عن أبي حازم وهو للبخاري من هذا الوجه في بدء الخلق لكن قال في الجنة ثمانية أبواب قوله فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد كرر نفى دخول غيرهم منه تأكيدا وأما قوله فلم يدخل فهو معطوف على أغلق أي لم يدخل منه غير من دخل ووقع عند مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد شيخ البخاري فيه فإذا دخل آخرهم أغلق هكذا في بعض النسخ من مسلم وفي الكثير منها فإذا دخل أولهم أغلق قال عياض وغيره هو وهم والصواب آخرهم قلت وكذا أخرجه بن أبي شيبة في مسنده وأبو نعيم في مستخرجيه معا من طريقه وكذا أخرجه الاسماعيلي والجوزقى من طرق عن خالد بن مخلد وكذا أخرجه النسائي وابن خزيمة من طريق سعيد بن عبد الرحمن وغيره وزاد فيه من دخل شرب ومن شرب

[ 96 ]

لا يظما أبدا وللترمذي من طريق هشام بن سعد عن أبي حازم نحوه وزاد ومن دخله لم يظما أبدا ونحوه للنسائي والاسماعيلي من طريق عبد العزيز بن حازم عن أبيه لكنه وقفه وهو مرفوع قطعا لأن مثله لا مجال للرأى فيه قوله عن حميد بن عبد الرحمن في رواية شعيب عن الزهري الآتية في فضل أبي بكر أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف قوله عن أبي هريرة قال بن عبد البر اتفق الرواة عن مالك على وصله الا يحيى بن بكير وعبد الله بن يوسف فإنهما أرسلاه ولم يقع عند القعنبي أصلا قلت هذا أخرجه الدارقطني في الموطات من طريق يحيى بن بكير موصولا فلعله اختلف عليه فيه وأخرجه أيضا من طريق القعنبي فلعله حدث به خارج الموطأ قوله من أنفق زوجين في سبيل الله زاد إسماعيل القاضي عن أبي مصعب عن مالك من ماله واختلف في المراد بقوله في سبيل الله فقيل أراد الجهاد وقيل ما هو أعم منه والمراد بالزوجين انفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد كما سيأتي إيضاحه وقوله هذا خير ليس اسم التفضيل بل المعنى هذا خير من الخيرات والتنوين فيه للتعظيم وبه تظهر الفائدة قوله ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان في رواية محمد بن عمرو عن الزهري عند أحمد لكل أهل عمل باب يدعونه منه بذلك العمل فلأهل الصيام باب يدعون منه يقال له الريان وهذا صريح في مقصود الترجمة وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفى في فضائل أبي بكر أن شاء الله تعالى قوله باب هل يقال كذا للأكثر على البناء للمجهول وللسرخسي والمستملي هل يقول أي الإنسان قوله ومن رأى كله واسعا أي جائرا بالإضافة وبغير الإضافة وللكشميهني ومن رآه بزيادة الضمير وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف رواه أبو معشر نجيح المدني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله ولكن قولوا شهر رمضان أخرجه بن عدي في الكامل وضعفه معبد معشر قال البيهقي قد روى عن أبي معشر عن محمد بن كعب وهو أشبه وروى عن مجاهد والحسن من طريقين ضعيفين وقد احتج البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث انتهى وقد ترجم النسائي لذلك أيضا فقال باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان رمضان ثم أورد حديث أبي بكرة مرفوعا لا يقولن أحدكم صمت رمضان ولأقمته كله وحديث بن عباس عمرة في رمضان تعدل حجة وقد يتمسك للتقييد بالشهر بورود القرآن به حيث قال شهر رمضان مع احتمال أن يكون حذف لفظ شهر من الأحاديث من يطلق الرواة وكان هذا هو السر في عدم جزم المصنف بالحكم ونقل عن أصحاب مالك الكراهية وعن بن الباقلاني منهم وكثير من الشافعية أن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا يكره والجمهور على الجواز واختلف في تسمية هذا الشهر رمضان فقيل لأنه ترمض فيه الذنوب أي تحرق لأن الرمضاء شدة الحر وقيل وافق ابتداء الصوم فيه زمنا حارا والله أعلم قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم من صام رمضان وقال لا تقدموا رمضان أما الحديث الأول فوصله في الباب الذي يليه وفيه تمامه وأما الثاني فوصله بعد ذلك من طريق هشام عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ لا يتقدمن أحدكم أخرجه مسلم من طريق على بن المبارك عن يحيى بلفظ لا تقدموا رمضان قوله عن أبي سهيل هو نافع بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن أبي غيمان بالغين المعجمة والتحتانية الأصبحي عم مالك بن أنس بن مالك وأبوه تابعي كبير

[ 97 ]

أدرك عمر قوله إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة كذا أخرجه مختصرا وقد أخرجه مسلم والنسائي من هذا الوجه بتمامه مثل رواية الزهري الثانية والظاهر أن البخاري جمع المتن بإسنادين وذكر موضع المغايرة وهو أبواب الجنة في رواية إسماعيل بن جعفر وأبواب السماء في رواية الزهري قوله حدثني بن أبي أنس هو أبو سهيل نافع بن أبي أنس مالك بن أبي عامر شيخ إسماعيل بن جعفر وهو من صغار شيوخ الزهري بحيث أدركه تلامذة الزهري وهو أصغر منهم كاسماعيل ابن جعفر وهذا الإسناد يعد من رواية الأقران وقد تأخر أبو سهيل في الوفاة عن الزهري وقد بين النسائي أن مراد الزهري بابن أبي أنس نافع هذا فأخرج من وجه آخر عن عقيل عن بن شهاب أخبرني أبو سهيل عن أبيه أخرجه من طريق صالح عن بن شهاب فقال أخبرني نافع بن أبي أنس وروى هذا الحديث معمر عن الزهري فأرسله وحذف من بينه وبين أبي هريرة ورواه بن إسحاق عن الزهري عن أويس بن أبي أويس عديل بني تيم عن أنس قال النسائي وهو خطا قوله مولى التيميين أي مولى بني تيم والمراد منهم آل طلحة بن عبيد الله أحد العشرة وكان أبو عامر والد مالك قد قدم مكة فقطنها وحالف عثمان بن عبيد الله أخا طلحة فنسب إليه وكان مالك الفقيه يقول لسنا موالي آل تيم إنما نحن عرب من مطرف ولكن جدي حالفهم قوله وسلسلت الشياطين قال الحليمي يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقوا السمع منهم وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات وبقراءة القرآن والذكر وقال غيره المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم وترجم لذلك بن خزيمة في صحيحه وأورده ما أخرجه هو وللترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن أخرجه النسائي من طريق أبي قلابة عن أبي هريرة بلفظ وتغل فيه مردة الشياطين زاد أبو صالح في روايته وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ونادى مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر اقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة لفظ بن خزيمة وقوله صفدت بالمهملة المضمومة بعدها فاء ثقيلة مكسورة أي شدت بالأصفاد وهي الأغلال وهو بمعنى سلسلت ونحوه للبيهقي من حديث بن مسعود وقال فيه فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب الشهر كله قال عياض يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة النصارى والعفو وأن الشياطين يقل اغواؤهم فيصيرون كالمصفدين قال ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم فتحت أبواب الرحمة قال ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات وذلك أسباب لدخول الجنة وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الايلة باصحابها إلى النار وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الاغواء وتزيين الشهوات قال الزين بن المنير والأول أوجه ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره وأما الرواية التي فيها أبواب الرحمة وأبواب السماء فمن يطلق الرواة والأصل أبواب الجنة بدليل

[ 98 ]

ما يقابله وهو غلق أبواب النار واستدل به على أن الجنة في السماء لإقامة هذا مقام هذه في الرواية وفيه نظر وجزم التوربشتى شارح المصابيح بالاحتمال الأخير وعبارته فتح أبواب السماء كناية عن تنزل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق وأخرى بحسن القبول وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزه أنفس الصوام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات وقال الطيبي فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين وأنه من الله بمنزلة عظيمة وفيه إذا علم المكلف ذلك بأخبار الصادق ما يزيد في نشاطه ويتلقاه باريحية وقال القرطبي بعد أن رجح حمله على ظاهره فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرا فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت ادابه أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لاكلهم كما تقدم في بعض الروايات أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره اذلا يلزم من مرؤ جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية لأن لذلك اسبابا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية وقال غيره في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له قد كفت الشياطين عنك فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية قوله إذا رأيتموه أي الهلال وسيأتي التصريح بذلك بعد خمسة أبواب مع الكلام على الحكم وكذا هو مصرح بذكر الهلال فيه في الرواية المعلقة وإنما أراد المصنف بإيراده في هذا الباب ثبوت ذكر رمضان بغير لفظ شهر ولم يقع ذلك في الرواية الموصولة وإنما وقع في الرواية المعلقة قوله وقال غيره عن الليث الخ المراد بالغير المذكور أبو صالح عبد الله بن صالح غالبا الليث كذا أخرجه الاسماعيلي من طريقه قال حدثني الليث حدثني عقيل عن بن شهاب فذكره بلفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهلال رمضان إذا رأيتموه فصوموا الحديث ووقع مثله في غير رواية الزهري قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال رمضان إذا رأيتموه فصوموا الحديث وسيأتي بيان اختلاف ألفاظ هذا الحديث حيث ذكرته أن شاء الله تعالى قوله باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية قال الزين بن المنير حذف الجواب ايجازا واعتمادا على ما في الحديث وعطف قوله نية على قوله احتسابا لأن الصوم إنما يكون لأجل التقرب إلى الله والنية شرط في وقوعه قربة قال والأولى أن يكون منصوبا على الحال وقال غيره انتصب على أنه مفعول له أو تمييز أو حال بان يكون المصدر في معنى اسم الفاعل أي مؤمنا محتسبا والمراد بالإيمان الاعتقاد بحق فرضية صومه وبالاحتساب طلب النصارى من الله تعالى وقال الخطابي احتسابا أي عزيمة وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه قوله وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم يبعثون على نياتهم هذا طرف من حديث وصله المصنف في أوائل البيوع من طريق نافع ابن جبير عنها وأوله يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم ثم يبعثون على نياتهم يعني يوم القيامة ووجه الاستدلال منه هنا أن للنية تأثيرا في العمل لاقتضاء الخبر أن في الجيش المذكور المكره والمختار فإنهم إذا بعثوا على نياتهم وقعت المؤاخذة على المختار دون

[ 99 ]

المكره قوله حدثنا يحيى هو بن أبي كثير قوله عن أبي سلمة هو بن عبد الرحمن ووقع في رواية معاذ بن هشام عن أبيه عند مسلم حدثني أبو سلمة ونحوه في رواية شيبان عن يحيى عند أحمد قوله من قام ليلة القدر يأتي الكلام عليه في الباب المعقود لها في أواخر الصيام قوله ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا ورجاله له ما تقدم من ذنبه زاد أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة وما تأخر وقد رواه أحمد أيضا عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو وبدون هذه الزيادة ومن طريق يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بدونها أيضا ووقعت هذه الزيادة أيضا في رواية الزهري عن أبي سلمة أخرجها النسائي عن قتيبة عن سفيان عنه وتابعه حامد بن يحيى عن سفيان أخرجه بن عبد البر في التمهيد واستنكره وليس بمنكر فقد تابعه قتيبة كما ترى وهشام بن عمار وهو في الجزء الثاني عشر من فوائده والحسين بن الحسن المروزي أخرجه في كتاب الصيام له ويوسف بن يعقوب النجاحي أخرجه أبو بكر بن المقري في فوائد كلهم عن سفيان والمشهور عن الزهري بدونها وقد وقعت هذه الزيادة أيضا في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين وإسناده حسن وقد استوعبت الكلام على طرقه في كتاب الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة وهذا محصله وقوله من ذنبة اسم جنس مضاف فيتناول جميع الذنوب الا أنه مخصوص عند الجمهور وقد تقدم البحث في ذلك الكتاب الوضوء وفي أوائل كتاب المواقيت قال الكرماني وكلمة من أما متعلقة بقوله ورجاله أي ورجاله من ذنبه ما تقدم فهو منصوب المحل او هي مبنية لما تقدم وهو مفعول لما لم يسم فاعله فيكون مرفوع المحل قوله باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان أورد فيه حديث بن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في بدء الوحي قال الزين بن المنير وجه التشبيه بين اجوديته صلى الله عليه وسلم بالخير وبين اجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببا لاصابة الأرض الميتة وغير الميتة أي فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة ومن هو بصفة الغني والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة صلى الله عليه وسلم قوله باب من لم يدع أي يترك قول الزور والعمل به زاد في نسخة الصغاني في الصوم قال الزين بن المنير حذف الجواب لأنه لو نص على ما في الخبر لطالت الترجمة أو لو عبر عنه بحكم معين لوقع في عهدته فكان الإيجاز ما صنع قوله حدثنا المقبري عن أبيه كذا في أكثر الروايات عن بن أبي ذئب وقد رواه بن وهب عن بن أبي ذئب فاختلف عليه رواه الربيع عنه مثل الجماعة ورواه بن السراج عنه فلم يقل عن أبيه أخرجها النسائي وأخرجه الإسماعيلي من طريق حماد بن خالد عن بن أبي ذئب بإسقاطه أيضا واختلف فيه على بن المبارك فأخرجه بن حبان من طريقه بالاسقاط وأخرجه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة بإثباته وذكر الدارقطني أن يزيد بن هارون ويونس بن يحيى روياه عن بن أبي ذئب بالاسقاط أيضا وقد أخرجه أحمد عن يزيد فقال فيه عن أبيه والذي يظهر أن بن أبي ذئب كان تارة لا يقول عن أبيه وفي أكثر الأحوال يقولها وقد رواه أبو قتادة الحراني عن بن أبي ذئب بإسناد آخر فقال عن الزهري عن عبيد الله بن ثعلبة عن أبي هريرة وهو شاذ والمحفوظ الأول قوله قول الزور والعمل به زاد المصنف في الأدب عن أحمد بن يونس عن بن ابى ذئب والجهل

[ 100 ]

وكذا لأحمد عن حجاج ويزيد بن هارون كلاهما عن بن أبي ذئب وفي رواية بن وهب والجهل في الصوم ولابن ماجة من طريق بن المبارك من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به جعل الضمير في به يعود على الجهل والأول جعله يعود على قول الزور والمعنى متقارب ولما روى الترمذي حديث أبي هريرة هذا قال وفي الباب عن أنس قلت وحديث أنس أخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ من لم يدع الخنا والكذب ورجاله ثقات والمراد بقول الزور الكذب والجهل السفه والعمل به أي بمقتضاه كما تقدم قوله فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه قال بن بطال ليس معناه أن يؤمر بان يدع صيامه وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه وهو مثل قوله من باع الخمر فليشقص الخنازير أي يذبحها ولم يأمره بذبحها ولكنه على التحذير والتعظيم لاثم بائع الخمر وأما قوله فليس لله حاجة فلا مفهوم له فإن الله لا يحتاج إلى شئ وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة وقد سبق أبو عمر بن عبد البر إلى شئ من ذلك قال ابن المنير في الحاشية بل هو كناية عن عدم القبول كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئا طلبه منه فلم يقم به لا حاجة لي بكذا فالمراد رد الصوم المتلبس بالزور وقبول السالم منه وقريب من هذا قوله تعالى لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم فإن معناه لن يصيب رضاه الذي ينشا عنه القبول وقال بن العربي مقتضى هذا الحديث أن من فعل ما ذكر لا يثاب على صيامه ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه وقال البيضاوي ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول فقوله ليس لله حاجة مجاز عن عدم القبول فنفى السبب وأراد المسيب والله اعلم واستدل به على أن هذه الأفعال تنقص الصوم وتعقب بأنها صغائر تكفر باجتناب الكبائر وأجاب السبكي الكبير بان في حديث الباب والذي مضى في أول الصوم دلالة قوية للأول لأن الرفث والصخب وقول الزور والعمل به مما علم النهى عنه مطلقا والصوم مأمور به مطلقا فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتاثر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطة فيه معنى يفهمه فلما ذكرت في هذين الحديثين نبهتنا على أمرين أحدهما زيادة قبحها في الصوم على غيرها والثاني البحث على سلامة الصوم عنها وأن سلامته منها صفة كمال فيه وقوة الكلام تقتضي أن يقبح ذلك لأجل الصوم فمقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة عنها قال فإذا لم يسلم عنها نقص ثم قال ولا شك أن التكاليف قد ترد بأشياء وينبه بها على أخرى بطريق الإشارة وليس المقصود من الصوم العدم المحض كما في المنهيات لأنه يشترط له النية بالإجماع ولعل القصد به في الأصل بالإمساك عن جميع المخالفات لكن لما كان ذلك يشق خفف الله وأمر بالإمساك عن المفطرات ونبه الغافل بذلك على الإمساك عن المخالفات وارشد إلى ذلك ما تضمنته أحاديث المبين عن الله مراده فيكون اجتناب المفطرات واجبا واجتناب ما عداها من المخالفات من المكملات والله أعلم وقال شيخنا في شرح الترمذي لما أخرج الترمذي هذا الحديث ترجم ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم وهو مشكل لأن الغيبة ليست قول الزور ولا العمل به لأنها أن يذكر غيره بما يكره وقول الزور هو الكذب وقد وافق الترمذي بقية أصحاب السنن فترجموا بالغيبة وذكروا هذا الحديث وكانهم فهموا من ذكر قول الزور

[ 101 ]

والعمل به الأمر بحفظ النطق ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى الزيادة التي وردت في بعض طرقه وهي الجهل فإنه يصح إطلاقه على جميع المعاصي وأما قوله والعمل به فيعود على الزور ويحتمل أن يعود أيضا على الجهل أي والعمل بكل منهما تنبيه قوله فليس لله وقع عند البيهقي في الشعب من طريق يزيد بن هارون عن بن أبي ذئب فليس به بموحدة وهاء ضمير فإن لم يكن تحريفا فالضمير للصائم قوله باب هل يقول أني صائم إذا شتم أورد فيه حديث أبي هريرة وقد تقدم الكلام عليه مستوفى قبل ستة أبواب قوله فيه ولا يصخب كذا للأكثر بالمهملة الساكنة بعدها خاء غدا ولبعضهم بالسين بدل الصاد وهو بمعناه والصخب الخصام والصياح وقد تقدم أن المراد بالنهي عن ذلك تأكيده حالة الصوم وإلا فغير الصائم منهى عن ذلك أيضا قوله لخلوف كذا للأكثر وللكشميهني لخلف بحذف الواو كأنها صيغة جمع ويروي في غير البخاري بلفظ لخفة على الوحدة كتمر وتمرة قوله للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح زاد مسلم بفطره وقوله يفرحهما أصله يفرح بهما فحذف الجار ووصل الضمير كقوله صام رمضان أي فيه قال القرطبي معناه فرح بزوال جوعه وعطشه حيث ابيح له الفطر وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم وقيل أن فرحه بفطره وإنما هو من حيث أنه تمام صومه وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونة على مستقبل صومه قلت ولا مانع من الحمل على ما هو أعم مما ذكر ففرح كل أحد بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك فمنهم من يكون فرحه مباحا وهو الطبيعي ومنهم من يكون مستحبا وهو من يكون سببه شئ مما ذكره قوله وإذا لقي ربه فرح بصومه أي بجزائه وثوابه وقيل الفرح الذي عند لقاء ربه أما لسروره بربه أو بثواب ربه على الاحتمالين قلت والثاني أظهر إذ لا ينحصر الأول في الصوم بل يفرح حينئذ بقبول صومه وترتب الجزاء الوافر عليه قوله باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة بضم المهملة وسكون الزاي بعدها موحدة كذا لأبي ذر ولغيره العزوبة بزيادة واو والمراد بالخوف من العزوبة ما ينشا عنها من إرادة الوقوع في العنت ثم أورد المصنف فيه حديث بن مسعود المشهور وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب النكاح أن شاء الله تعالى والمراد منه هنا قوله فيه ومن لم يستطع أي لم يجد اهبة النكاح قوله فعليه بالصوم فإنه له وجاء بكسر الواو وبجيم ومد وهو رض الخصيتين وقيل رض عروقهما ومن يفعل به ذلك تنقطع شهوته ومقتضاه أن الصوم قامع لشهوة النكاح واستشكل بان الصوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك مما يثير الشهوة لكن ذلك إنما يقع في مبدا الأمر فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك والله أعلم قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الهلال فصوموا هذه الترجمة لفظ مسلم من رواية إبراهيم بن سعد عن بن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة وقد سبق للمصنف في أول الصيام من طريق بن شهاب عن سالم عن أبيه بلفظ إذا رأيتموه وذكر البخاري في الباب أحاديث تدل على نفى صوم يوم الشك رتبها ترتيبا حسنا فصدرها بحديث عمار المصرح بعصيان من صامه ثم بحديث بن عمر من وجهين أحدهما بلفظ فإن غم عليكم فاقدروا له والآخر بلفظ فأكملوا العدة ثلاثين وقصد بذلك بيان المراد من قوله فاقدروا له ثم استظهر بحديث بن عمر أيضا الشهر هكذا وهكذا وحبس الإبهام في الثالثة ثم ذكر شاهدا من حديث أبي هريرة لحديث بن عمر

[ 102 ]

مصرحا بان عدة الثلاثين المأمور بها تكون من شعبان ثم ذكر شاهدا لحديث بن عمر في كون الشهر تسعا وعشرين من حديث أم سلمة مصرحا فيه بان الشهر تسع قرة ومن حديث أنس كذلك وسأتكلم عليها حديثا حديثا أن شاء الله تعالى قوله وقال صلة عن عمار الخ أما صلة فهو بكسر المهملة وتخفيف اللام المفتوحة بن زفر بزاى وفاء وزن عمر كوفي عبسى بموحدة ومهملة من كبار التابعين وفضلائهم ووهم بن حزم فزعم أنه صلة بن أشيم والمعروف أنه بن زفر وكذا وقع مصرحا به عند جمع ممن وصل هذا الحديث وقد وصله أبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من طريق عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عنه ولفظه عندهم كنا عند عمار بن ياسر فأتى بشاة مصلية فقال كلوا فتنحى بعض القوم فقال أني صائم فقال عمار من صام يوم الشك وفي رواية بن خزيمة وغيره من صام اليوم الذي يشك فيه وله متابع بإسناد حسن أخرجه بن أبي شيبه من طريق منصور عن ربعي أن عمارا وناسا معه اتوهم يسألونهم في اليوم الذي يشك فيه فاعتزلهم رجل فقال له عمار تعال فكل فقال أني صائم فقال له عمار أن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فتعال وكل ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن منصور عن ربعي عن رجل عن عمار وله شاهد من وجه آخر أخرجه إسحاق بن راهويه من رواية سماك عن عكرمة ومنهم من وصله بذكر بن عباس فيه قوله فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم استدل به على تحرم صوم يوم الشك لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل راية فيكون من قبيل المرفوع قال بن عبد البر هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك وخالفهم الجوهري المالكي فقال هو موقوف والجواب أنه موقوف لفظا مرفوع حكما قال الطيبي إنما أتى بالموصول ولم يقل يوم الشك مبالغة في أن صوم يوم فيه أدنى شك سبب لعصيان صاحب الشرع فكيف بمن صام يوما الشك فيه قائم ثابت ونحوه قال تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا أي الذين اونس منهم أدنى ظلم فكيف بالظلم المستمر عليه قلت وقد علمت أنه وقع في كثير من الطرق بلفظ يوم الشك وقوله أبا القاسم قيل فائدة تخصيص ذكر هذه الكنية الإشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله احكامه زمانا ومكانا وغير ذلك وأما حديث بن عمر فاتفق الرواة عن مالك عن نافع فيه على قوله فاقدروا له وجاء من وجه آخر عن نافع بلفظ فاقدروا ثلاثين كذلك أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع وهكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع قال عبد الرزاق وأخبرنا عبد العزيز ابن أبي رواد عن نافع به وقال فعدوا ثلاثين واتفق الرواة عن مالك عن عبد الله بن دينار أيضا فيه على قوله فاقدروا له وكذلك رواه الزعفراني وغيره عن الشافعي وكذا رواه إسحاق الحربي وغيره في الموطا عن القعنبي وأخرجه الربيع بن سليمان والمزنى عن الشافعي فقال فيه كما قال البخاري هنا عن القعنبي فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين قال البيهقي في المعرفة أن كانت رواية الشافعي والقعنبي من هذين الوجهين محفوظة فيكون مالك قد رواه على الوجهين قلت ومع غرابة هذا اللفظ من هذا الوجه فله متابعات منها ما رواه الشافعي أيضا من طريق سالم عن بن عمر بتعيين الثلاثين ومنها ما رواه بن خزيمة من طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن بن عمر بلفظ فإن غم عليكم فكملوا ثلاثين وله شواهد من حديث حذيفة عند بن خزيمة وأبي هريرة وابن عباس عند أبي داود والنسائي وغيرهما وعن أبي بكرة وطلق بن على عند البيهقي وأخرجه من

[ 103 ]

طرق أخرى عنهم وعن غيرهم قوله لا تصوموا حتى تروا الهلال ظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلا أو نهارا لكنه أمرهم على صوم اليوم المستقبل وبعض العلماء فرق بين ما قبل الزوال أو بعد وخالف الشيعة الإجماع فأوجبوه مطلقا وهو ظاهر في النهى عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة وهو قوله فإن غم عليكم فاقدروا له فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين حكم الصحو والغيم فيكون التعليق على الرؤية متعلقا بالصحو وأما الغيم فله حكم آخر ويحتمل أن لا تفرقة ويكون الثاني مؤكدا للأول وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة وإلى الثاني ذهب الجمهور فقالوا المراد بقوله فاقدروا له أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين ويرجح هذا التأويل الروايات الآخر المصرحة بالمراد وهي ما تقدم من قوله فأكملوا العدة ثلاثين ونحوها واولى ما فسر الحديث بالحديث وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة في هذه الزيادة أيضا فرواها البخاري كما ترى بلفظ فأكملوا عدة شعبان ثلاثين وهذا أصرح ما ورد في ذلك وقد قيل أن آدم شيخه انفرد بذلك فإن أكثر الرواة عن شعبة قالوا فيه فعدوا ثلاثين أشار إلى ذلك الاسماعيلي وهو عند مسلم وغيره قال فيجوز أن يكون آدم أورده على ما وقع عنده من تفسير الخبر قلت الذي ظنه الاسماعيلي صحيح فقد رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن يزيد عن آدم بلفظ فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما يعنى عدوا شعبان ثلاثين فوقع للبخاري ادراج التفسير في نفس الخبر ويؤيد رواية أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين فإنه يشعر بان المأمور بعدده هو شعبان وقد رواه مسلم من طريق الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد بلفظ فأكملوا العدد وهو يتناول كل شهر فدحل فيه شعبان وروى الدارقطني وصححه وابن خزيمة في صحيحه من حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام وأخرجه أبو داود وغيره أيضا وروى أبو داود والنسائي وابن خزيمة من طريق ربعي عن حذيفة مرفوعا لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة وقيل الصواب فيه عن ربعي عن رجل من الصحابة مبهم ولا يقدح ذلك في صحته قال بن الجوزي في التحقيق لأحمد في هذه المسألة وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال أحدها يجب صومه على أنه من رمضان ثانيها لا يجوز فرضا ولا نفلا مطلقا بل قضاء وكفارة ونذرا ونفلا يوافق عادة وبه قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك ثالثها المرجع إلى رأى الإمام في الصوم والفطر واحتج الأول بأنه موافق لرأى الصحابي راوي الحديث قال أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع عن بن عمر فذكر الحديث بلفظ فاقدروا له قال نافع فكان بن عمر إذا مضى من شعبان تسع قرة يبعث من ينظر فإن رأى فذاك وأن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر مطرف مفطرا وإن حال مطرف صائما وأما مار روى الثوري في جامعه عن عبد العزيز بن حكيم سمعت بن عمر يقول لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه فالجمع بينهما أنه في الصورة التي أوجب فيها الصوم لا يسمى يوم شك وهذا هو المشهور عن أحمد

[ 104 ]

أنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته فأما إذا حال دون منظره شئ فلا يسمى شكا واختار كثير من المحققين من أصحابه الثاني قال بن عبد الهادي في تنقيحه الذي دلت عليه الأحاديث وهو مقتضى القواعد أنه أي شهر غم أكمل ثلاثين سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما فعلى هذا قوله فأكملوا العدة ويرجع إلى الجملتين وهو قوله صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة أي غم عليكم في صومكم أو فطركم وبقية الأحاديث أخذت عليه فاللام في قوله فأكملوا العدة للشهر أي عدة الشهر ولم يخص صلى الله عليه وسلم شهرا دون شهر بالاكمال إذا غم فلا فرق بين شعبان وغيره في ذلك إذ لو كان شعبان غير مراد بهذا الإكمال لبينه فلا تكون رواية من روى فأكملوا عدة شعبان مخالفة لمن قال فأكملوا العدة بل مبينة لها ويؤيد ذلك قوله في الرواية الأخرى فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وأبو يعلى من حديث بن عباس هكذا ورواه الطيالسي من هذا الوجه بلفظ ابن تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان وروى النسائي من طريق محمد بن حنين عن بن عباس بلفظ فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين قوله فاقدروا له تقدم أن للعلماء فيه تأويلين وذهب آخرون إلى تأويل ثالث قالوا معناه فاقدروه بحساب المنازل قاله أبو العباس بن سريج من الشافعية ومطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبة من المحدثين قال بن عبد البر لا يصح عن مطرف وأما بن قتيبة فليس هو ممن يعرج عليه في مثل هذا قال ونقل بن خويز منداد عن الشافعي مسألة بن سريج والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور ونقل بن العربي عن بن سريج أن قوله فاقدروا له خطاب لمن خصه الله بهذا العلم وأن قوله فأكملوا العدة حطاب للعامة قال بن العربي فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد قال وهذا بعيد عن النبلاء وقال بن الصلاح معرفة منازل القمر هو معرفة سير الاهلة وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفته الاحاد قال فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم وهذا هو الذي أراده بن سريج وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه ونقل الروياني عنه أنه قال بوجوب ذلك عليه وإنما قال بجوازه وهو اختيار القفال وأبي الطيب وأما أبو إسحاق في المهذب فنقل عن بن سريج لزوم الصوم في هذه الصورة فتعددت الاراء في هذه المسألة بالنسبة إلى خصوص النظر في الحساب والمنازل أحدها الجواز ولا يجزي عن الفرض ثانيها يجوز ويجزئ ثالثها يجوز للحاسب ويجزئه لا للمنجم رابعها يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم خامسها يجوز لهما ولغيرهما مطلقا وقال ولا الصباغ أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا قلت ونقل بن المنذر قبله الإجماع على ذلك فقال في الأشراف صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره فمن فرق بينهم كان محجوجا بالإجماع قبله وسيأتي بقية البحث في ذلك بعد باب قوله الشهر تسع قرة ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين والجواب أن المعنى أن الشهر يكون تسعة وعشرين أو اللام للعهد والمراد شهر بعينه أو هو أمرهم على الأكثر

[ 105 ]

الأغلب لقول بن مسعود ما صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين أخرجه أبو داود والترمذي ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد ويؤيد الأول قوله في حديث أم سلمة في الباب أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما وقال بن العربي قوله الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا الخ معناه حصره من جهة أحد طرفيه أي أنه لا يكون تسعا وعشرين وهو أقله ويكون ثلاثين وهو أكثره فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطا ولا تقتصروا على الأقل تخفيفا ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله قوله فلا تصوموا حتى تروه ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حق كل أحد بل المراد بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك أما واحد على رأى الجمهور أو اثنان على رأى آخرين ووافق الحنفية على الأول إنهم خصوا ذلك بما إذا كان في السماء علة من غيم وغيره وإلا متى كان صحو لم يقبل الا من جمع كثير يقع العلم بخبرهم وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى الزام أهل البلد وغيرها ومن لم يذهب إلى ذلك قال لأن قوله حتى تروه خطاب لأناس مخصوصين فلا يلزم غيرهم ولكنه مصروف عن ظاهره فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد فلا يتقيد بالبلد وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب أحدها لأهل كل بلد رؤيتهم وفي صحيح مسلم من حديث بن عباس ما يشهد له وحكاه بن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه وحكاه الماوردي وجها للشافعية ثانيها مقابله إذا رؤى ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية لكن حكى بن عبد البر الإجماع على خلافه وقال اجمعوا على أنه لا تراعي الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والاندلس قال القرطبي قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم وقال بن الماجشون لا يلزمهم بالشهادة الا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة الا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمة نافذ في الجميع وقال بعض الشافعية أن تقاربت البلاد كان الحكم واحدا وأن تباعدت فوجهان لا يجب عند الأكثر واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي وفي ضبط البعد أوجه أحدهما اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلانى وصححه النووي في الروضة الحربي المهذب ثانيها مسافة القصر قطع به الإمام والبغوى وصححه الرافعي في الصغير والنووي في شرح مسلم ثالثها اختلاف الأقاليم رابعها حكاه السرخسي فقال يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم خامسها قول بن الماجشون المتقدم واستدل به على وجوب الصوم والفطر على من رأى الهلال وحده وأن لم يثبت بقوله وهو قول الأئمة الأربعة في الصوم واختلفوا في الفطر فقال الشافعي يفطر ويخفيه وقال الأكثر يستمر صائما احتياطا قوله فإن غم عليكم بضم المعجمة وتشديد الميم أي حال بينكم وبينه غيم يقال غممت الشئ إذا غطيته ووقع في حديث أبي هريرة من طريق المستملى فإن غم ومن طريق الكشميهني أغمي ومن رواية السرخسي غبى بفتح الغين المعجمة وتخفيف الموحدة واغمى وغم وغمى بتشديد الميم وتخفيفها فهو مغموم الكل بمعنى وأما غبى فمأخوذ من الغباوة وهي عدم الفطنة وهي استعارة لخفا الهلال ونقل بن العربي أنه روى عمي بالعين المهملة من العمي قال وهو بمعناه لأنه ذهاب البصر عن

[ 106 ]

المشاهدات أو ذهاب البصيرة عن المعقولات قوله في طريق بن عمر الثالثة الشهر هكذا وهكذا وخنس الإبهام في الثالثة كذا للأكثر بالمعجمة والنون أي قبض والانخناس الانقباض قاله الخطابي وفي رواية الكشميهني وحبس بالحاء المهملة ثم الموحدة أي منع قوله عن يحيى بن عبد الله بن صيفي بمهملة وفاء وزن زيدي وهو اسم بلفظ النسبة ووقع في رواية حجاج عن بن جريج أخبرني يحيى أخرجه مسلم وكذا صرح بالأخبار في بقية الإسناد وسيأتي الكلام على حديث أم سلمة هذا مستوفى في كتاب الطلاق قوله عن حميد عن أنس سيأتي في الطلاق من وجه آخر عن سليمان عحميد أنه سمع أنسا قوله تسعا وعشرين كذا للأكثر وللحموي والمستملي تسعة وعشرين وسيأتي بقية الكلام عليه هناك أن شاء الله تعالى قوله باب شهرا عيد لا ينقصان هكذا ترجم ببعض لفظ الحديث وهذا القدر لفظ طريق لحديث الباب عند الترمذي من رواية بشر بن المفضل عن خالد الحذاء قوله حدثنا مسدد حدثنا معتمر فساق الإسناد ثم قال وحدثني مسدد قال حدثنا معتمر فساقه بإسناد آخر لمسدد وساق المتن على لفظ الرواية الثانية وكان النكتة في كونه لم يجمع الإسنادين معا مع إنهما لم يتغايرا الا في شيخ معتمر أن مسددا حدثه به مرة ومعه غيره عن معتمر عن إسحاق وحدثه به مرة أخرى أما وهو وحده وأما بقراءته عليه عن معتمر عن خالد ولمسدد فيه شيخ آخر أخرجه أبو داود عنه عن يزيد بن زريع عن خالد وهو محفوظ عن خالد الحذاء من طرق وأما قول قاسم في الدلائل سمعت موسى بن هارون يحدث بهذا الحديث عن العباس بن الوليد عن يزيد بن زريع مرفوعا قال موسى وأنا أهاب رفعه فإن لم يحمل على أن يزيد بن زريع كان ربما وقفه وإلا فليس لمهابة رفعه معنى وأما لفظ إسحاق العدوي فأخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي خليفة وأبي مسلم الكجي جميعا عن مسدد بهذا الإسناد بلفظ لا ينقص رمضان ولا ينقص ذو الحجة وأشار الاسماعيلي أيضا إلى أن هذا اللفظ لإسحاق العدوي لكن أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن محمد بن يحيى عن مسدد بلفظ شهرا عيدا لا ينقصان كما هو لفظ الترجمة وكان هذا هو السر في اقتصار البخاري على سياق المتن على لفظ خالد دون إسحاق لكونه لم يختلف في سياقه عليه وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فمنهم من حمله على ظاهره فقال لا يكون رمضان ولا ذو الحجة أبدا الا ثلاثين وهذا قول مردود معاند للموجود المشاهد ويكفى في رده قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة فإنه لو كان رمضان أبدا ثلاثين لم يحتج إلى هذا ومنهم من تأول له معنى لائقا وقال أبو الحسن كان إسحاق بن راهويه يقول لا ينقصان في الفضيلة أن كانا تسعة وعشرين أو ثلاثين انتهى وقيل لا ينقصان معا أن جاء أحدهما تسعا وعشرين جاء الآخر ثلاثين ولا بد وقيل لا ينقصان في ثواب العمل فيهما وهذان القولان مشهوران عن السلف وقد ثبتا منقولين في أكثر الروايات في البخاري وسقط ذلك في رواية أبي ذر وفي رواية النسفي وغيره عقب الترجمة قبل سياق الحديث قال إسحاق وأن كان ناقصا فهو تمام وقال محمد لا يجتمعان كلاهما ناقص وإسحاق هذا هو بن راهويه ومحمد هو البخاري المصنف ووقع عند الترمذي نقل القولين عن

[ 107 ]

إسحاق بن راهويه وأحمد بحنبل وكان البخاري أختار مقالة أحمد فجزم بها أو توارد عليها قال الترمذي قال أحمد معناه لا ينقصان معا في سنة واحدة انتهى ثم وجدت في نسخة الصغاني ما نصه عقب الحديث قال أبو عبد الله قال إسحاق تسعة قرة يوما تام وقال أحمد بن حنبل أن نقص رمضان تم ذو الحجة وأن نقص ذو الحجة تم رمضان وقال إسحاق معناه وأن كان تسعا وعشرين فهو تمام غير نقصان قال وعلى مذهب إسحاق يجوز أن ينقصا معا في سنواحدة وروى الحاكم في تاريخه بإسناد صحيح أن إسحاق بن إبراهيم سئل عن ذلك فقال إنكم ترون العدد ثلاثين فإذا كان تسعا وعشرين ترونه نقصانا وليس ذلك بنقصان ووافق أحمد على اختياره أبو بكر أحمد بن عمرو البزار فاوهم مغلطاي أنه مراد الترمذي بقوله وقال أحمد وليس كذلك وإنما ذكره قاسم في الدلائل عن البزار فقال سمعت البزار يقول معناه لا ينقصان جميعا في سنة واحدة قال ويدل عليه رواية زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب مرفوعا شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يوما وادعى مغلطاي أيضا أن المراد بإسحاق إسحاق بن سويد العدوي راوي الحديث ولم يأت على ذلك بحجة وذكر بن حبان لهذا الحديث معنيين أحدهما ما قاله إسحاق والآخر أن المراد إنهما في الفضل سواء لقوله في الحديث الآخر ما من أيام العمل فيها أفضل من عشر ذي الحجة وذكر القرطبي أن فيه خمسة أقوال فذكر نحو ما تقدم وزاد أن معناه لا ينقصان في عام بعينه وهو العام الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم تلك المقالة وهذا حكاه بن بزيزة ومن قبله أبو الوليد بن رشد ونقله المحب الطبري عن أبي بكر بن فورك وقيل المعنى لا ينقصان في الأحكام وبهذا جزم البيهقي وقبله الطحاوي فقال معنى لا ينقصان أن الأحكام فيهما وأن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين وقيل معناه لا ينقصان في نفس الأمر لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع وهذا أشار إليه بن حبان أيضا ولا يخفى بعده وقيل معناه لا ينقصان معفي سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب وأن ندر وقوع ذلك وهذا أعدل مما تقدم لأنه ربما وجد وقوعهما ووقوع كل منهما تسعة وعشرين قال الطحاوي الأخذ بظاهره أو حمله على نقص أحدهما يدفعه العيان لأنا قد وجدناهما ينقصان معا في أعوام وقال الزين بن المنير لا غلام شئ من هذه الأقوال عن الاعتراض واقربها أن المراد أن النقص الحسى باعتبار العدد ينجبر بان كلا منهما شهر عيد عظيم فلا ينبغي وصفهما بالنقصان بخلاف غيرهما من الشهور وحاصله يرجع إلى تأييد قول إسحاق وقال البيهقي في المعرفة إنما خصهما بالذكر لتعلق حكم الصوم والحج بهما وبه جزم النووي وقال أنه الصواب المعتمد والمعنى أن كل ما ورد عنهما من الفضائل والأحكام حاصل سواء كان رمضان ثلاثين أو تسعا وعشرين سواء صادف الوقوف اليوم التاسع أو غيره ولا يخفى أن محل ذلك ما إذا لم يحصل تقصير في ابتغاء الهلال وفائدة الحديث رفع ما يقع في القلوب من شك لمن صام تسعا وعشرين أو قف في غير يوم عرفة وقد استشكل بعض العلماء إمكان الوقوف في الثامن اجتهادا وليس مشكلا لأنه ربما ثبتت الرؤية بشاهدين أن أول ذي الحجة الخميس مثلا فوقفوا يوم الجمعة ثم تبين إنهما شهدا زورا وقال الطيبي ظاهر سياق الحديث بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في غيرهما من الشهور وليس المراد أن ثواب الطاعة في غيرهما ينقص وإنما المراد وقع الحرج عما عسى أن يقع فيه خطا في الحكم لاختصاصهما كثاثة وجواز احتمال

[ 108 ]

وقوع الخطا فيهما ومن ثم قال شهرا عيد بعد قوله شهران لا ينقصان ولم يقتصر على قوله رمضان وذي الحجة انتهى وفي الحديث حجة لمن قال أن النصارى ليس مرتبا على وجود المشقة دائما بل لله أن يتفضل بالحاق الناقص بالتام في النصارى واستدل به بعضهم لمالك في اكتفائه لرمضان بنية واحدة قال لأنه جعل الشهر بجملته عبادة واحدة فاكتفى له بالنية وهذا الحديث يقتضى أن التسوية في النصارى بين الشهر الذي يكون تسعا وعشرين وبين الشهر الذي يكون ثلاثين إنما هو بالنظر إلى جعل النصارى متعلقا بالشهر من حيث الجملة لا من حيث تفضيل الأيام وأما ما ذكره البزار من رواية زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب فإسناده ضعيف وقد أخرجه الدارقطني في الأفراد والطبراني من هذا الوجه بلفظ لا يتم شهران ستين يوما وقال أبو الوليد بن رشد أن ثبت فمعناه لا يكونان ثمانية وخمسين في الأجر والثواب وروى الطبراني حديث الباب من طريق هشيم عن خالد الحذاء بسنده هذا بلفظ كل شهر حرام لا ينقص ثلاثون يوما وثلاثون ليلة وهذا بهذا اللفظ شاذ والمحفوظ عن خالد ما تقدم وهو الذي توارد عليه الحفاظ من أصحابه كشعبة وحماد ابن زيد ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل وغيرهم وقد ذكر الطحاوي أن عبد الرحمن بن إسحاق روى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بهذا اللفظ قال الطحاوي وعبد الرحمن بن إسحاق لا يقاوم خالدا الحذاء في الحفظ قلت فعلى هذا فقد دخل لهشيم حديث في حديث لأن اللفظ الذي أورده عن خالد هو لفظ عبد الرحمن وقال بن رشد أن صح فمعناه أيضا في الأجر والثواب قوله رمضان وذو الحجة أطلق على رمضان أنه شهر عيد لقربه من العيد أو لكون هلال العيد ربما رؤى في اليوم الأخير من رمضان قال الأثرم والأول أولى ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم المغرب وتر النهار أخرجه الترمذي من حديث بن عمر وصلاة المغرب ليلية جهرية وأطلق كونها وتر النهار لقربها منه وفيه إشارة إلى أن وقتها يقع أول ما تغرب الشمس تنبيه ليس لإسحاق بن سويد وهو بن هبيرة البصري العدوي عدى مضر وهو تابعي صغير روى هنا عن تابعي كبير في البخاري سوى هذا الحديث الواحد وقد أخرجه مقرونا بخالد الحذاء وقد رمى بالنصب وذكره بن العربي في الضعفاء بهذا السبب قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكتب ولا نحسب بالنون فيهما والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة وهو أمرهم على أكثرهم أو المراد نفسه صلى الله عليه وسلم قوله الأسود بن قيس هو الكوفي تابعي صغير وشيخه سعيد بن عمرو أي بن سعيد بن العاص مدني سكن دمشق ثم الكوفة تابعي شهير سمع عائشة وأبا هريرة وجماعة من الصحابة ففي الإسناد تابعي كالذي قبله قوله أنا أي العرب وقيل أراد نفسه وقوله أمية بلفظ النسب إلى الأم فقيل أراد أمة العرب لأنها لا تكتب أو منسوب الى الامهات أي إنهم على أصل ولادة أمهم أو منسوب إلى الأم لأن المرأة هذه صفتها غالبا وقيل منسوبون إلى أم القرى وقوله لا نكتب ولا نحسب تفسير لكونهم كذلك وقيل للعرب أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة قال الله تعالى هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم الريح يعرفون من ذلك أيضا الا النزر اليسير فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من

[ 109 ]

يعرف ذلك بل ظاهر السياق يشعر بنفى تعليق الحكم بالحساب أصلا ويوضحه قوله في الحديث الماضي فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ولم يقل فسلوا أهل الحساب والحكمة فيه كون العدد عند الاغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التيسير في ذلك وهم الروافض ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم قال الباجي وإجماع السلف الصالح حجة عليهم وقال بن بزيزة وهو مذهب باطل فقد نهت خالف عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق إذ لا يعرفها الا القليل قوله الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين هكذا ذكره آدم شيخ البخاري مختصرا وفيه اختصار عما رواه غندر عن شعبة أخرجه مسلم عن ابن المثنى وغيره عنه بلفظ الشهر هكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين أي أشار أولا باصابع يديه العشر جميعا مرتين وقبض الإبهام في المرة الثالثة وهذا المعبر عنه بقوله تسع قرة وأشار مرة أخرى بهما ثلاث مرات وهو المعبر عنه بقوله ثلاثون وفي رواية جبلة بن سحيم عن بن عمر في الباب الماضي الشهر هكذا وهكذا وخنس الإبهام في الثالثة ووقع من هذا الوجه عند مسلم بلفظ الشهر هكذا وهكذا وصفق بيديه مرتين بكل أصابعه وقبض في الصفقة الثالثة إبهام اليمني أو اليسرى وروى أحمد وابن أبي شيبة واللفظ له من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن بن عمر رفعه الشهر تسع قرة ثم طبق بين كفيه مرتين وطبق الثالثة فقبض الإبهام قال فقالت عائشة يغفر الله لأبي عبد الرحمن إنما هجر النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا فنزل لتسع وعشرين فقيل له فقال أن الشهر يكون تسعا وعشرين وشهر ثلاثون قال بن بطال في الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل وإنما المعول رؤية الاهلة وقد نهينا عن التكلف ولا شك أن في مراعاة ما غمض حتى لا يدرك الا بالظنون غاية التكلف وفي الحديث مستند لمن رأى الحكم بالإشارة قلت وسيأتي في كتاب الطلاق قوله باب لا يتقدم بضم أوله وفتح ثانيه ويجوز فتحهما أي المكلف قوله لا يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين أي لا يتقدم رمضان بصوم يوم يعد منه بقصد الاحتياط له فإن صومه مرتبط بالرؤية فلا حاجة إلى التكلف واكتفى في الترجمة عن ذلك لتصريح الخبر به قوله هشام هو الدستوائي قوله عن أبي سلمة عن أبي هريرة في رواية خالد بن الحرث عن هشام عند الاسماعيلي حدثني أبو سلمة حدثني أبو هريرة ونحوه لأبي عوانة من طريق معاوية بن سلام عن يحيى قوله لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم في رواية أبي داود عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري فيه لا تقدموا صوم رمضان بصوم وفي رواية خالد بن الحارث المذكورة ولا تقدموا بين يدي رمضان بصوم ولأحمد عن روح هشام ولا تقدموا قبل رمضان بصوم وللترمذي من طريق على بن المبارك عن يحيى لا تقدموا شهر رمضان بصيام قبله قوله إلا أن يكون رجل كان تامة أي الا أن يوجد رجل قوله يصوم صوما وفي رواية الكشميهني صومه فليصم ذلك اليوم وفي رواية معمر عن يحيى عند أحمد الا رجل كان يصوم صياما فياتي ذلك على صيامه ونحوه لأبي عوانة من طريق أيوب عن يحيى وفي رواية احمد عن روح الا رجل كان يصوم صياما فليصله به وللترمذي وأحمد من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة الا أن يوافق ذلك صوما

[ 110 ]

كان يصومه أحدكم قال العلماء معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان قال الترمذي لما أخرجه العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان الله اه والحكمة فيه التقوى بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط وهذا فيه نظر لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام أو أربعة جاز وسنذكر ما فيه قريبا وقيل الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض وفيه نظر أيضا لأنه يجوز لمن له عادة كما في الحديث وقيل لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم وهذا هو المعتمد ومعنى الاستثناء أن من كان له ورد فقد إذن له فيه لأنه اعتاده والفه وترك المألوف شديد وليس ذلك من استقبال رمضان في شئ ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما قال بعض العلماء يستثنى القضاء والنذر بالأدلة القطعية على وجوب الوفاء بهما فلا يبطل القطعي بالظن وفي الحديث رد على من يرى تقديم الصوم على الرؤية كالرافضة ورد على من قال بجواز صوم النفل المطلق وأبعد من قال المراد بالنهي التقدم بنية رمضان واستدل بلفظ التقدم لأن التقدم على شئ بالشئ إنما يتحقق إذا كان من جنسه فعلى هذا يجوز الصيام بنية النفل المطلق لكن السياق يأبى هذا التأويل ويدفعه وفيه بيان لمعنى قوله في الحديث الماضي صوموا لرؤيته فإن اللام فيه للتاقيت لا للتعليل قال بن دقيق العيد ومع كونها محمولة على التاقيت فلا بد من ارتكاب مجاز لأن وقت الرؤية وهو الليل لا يكون محل الصوم وتبعه الفاكهي بان المراد بقوله صوموا انووا الصيام والليل كله ظرف للنية قلت فوقع في المجاز الذي فر منه لأن الناوى ليس صائما حقيقة بدليل أنه يجوز له الأكل والشرب بعد النية إلى أن يطلع الفجر وفيه منع إنشاء الصوم قبل رمضان إذا كان لأجل الاحتياط فإن زاد على ذلك فمفهومه الجواز وقيل يمتد المنع لما قبل ذلك وبه قطع كثير من الشافعية وأجابوا عن الحديث بان المراد منه التقديم بالصوم فحيث وجد منع وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك وقالوا أمد المنع من أول السادس عشر من شعبان لحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا إذا اتصف شعبان فلا تصوموا أخرجه أصحاب السنن وصححه بن حبان وغيره وقال الروياني من الشافعية يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث الباب ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر وقال جمهور العلماء يجوز الصوم تطوعا بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه وقال أحمد وابن معين أنه منكر وقد استدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه فقال الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء وكذا صنع قبله الطحاوي واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعا أفضل الصيام بعد رمضان شعبان لكن إسناده ضعيف واستظهر أيضا بحديث عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل هل صمت من سرر شعبان شيئا قال لا قال فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين ثم جمع بين الحديثين بان حديث العلاء أمرهم على من يضعفه الصوم وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان وهو جمع حسن والله أعلم قوله باب قول الله عز وجل أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم إلى قوله ما كتب الله لكم كذا في رواية أبي ذر وساق غيره الآية كلها والمراد بهذه الترجمة بيان ما كان الحال عليه قبل نزول هذه الآية ولما كانت هذه

[ 111 ]

الآية منزلة على أسباب تتعلق بالصيام عجل بها المصنف وقد تعرض لها في التفسير أيضا كما سيأتي ويؤخذ من حاصل ما استقر عليه الحال من سبب نزولها ابتداء مشروعية السحور وهو المقصود في هذا المكان لأنه جعل هذه الترجمة مقدمة لأبواب السحور قوله عن أبي إسحاق هو السبيعي وإسرائيل هو بن يونس بن أبي إسحاق المذكور وقد رواه الاسماعيلي من طرق يوسف بن موسى شيخ البخاري فيه عن إسرائيل وزهير هو بن معاوية وكلاهما عن أبي إسحاق عن البراء زاد فيه ذكر زهير وساقه على لفظ إسرائيل وقد رواه الدارمي عبيد بن حميد في مسنديهما عن عبيد الله بن موسى فلم يذكرا زهيرا وقد أخرجه النسائي من وجه آخر عن زهير به قوله كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أي في أول افتراض الصيام وبين ذلك بن جرير في روايته من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلا قوله فنام قبل أن يفطر الخ في رواية زهير كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئا ولا يشرب ليله ويومه حتى تغرب الشمس ولأبي الشيخ من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق كان المسلمون إذا افطروا يأكلون ويشربون وياتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا لم يفعلوا شيئا من ذلك إلى مثلها فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيدا بالنوم وهذا هو المشهور في حديث غيره وقيد المنع من ذلك في حديث بن عباس بصلاة العتمة أخرجه أبو داود بلفظ كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة ونحوه في حديث أبي هريرة كما سأذكره قريبا وهذا أخص من حديث البراء من وجه آخر ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالبا والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم كما في سائر الأحاديث وبين السدي وغيره أن ذلك الحكم كان على وفق ما كتب على أهل الكتاب كما أخرجه بن جرير من طريق السدي ولفظه كتب على النصارى الصيام وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النوم وكتب على المسلمين أولا مثل ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار فذكر القصة ومن طريق إبراهيم التيمي كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب إذا نام أحدهم لم يطعم حتى القابلة ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم من حديث عمرو بن العاص مرفوعا فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر قوله وأن قيس بن صرمة بكسر الصاد المهملة وسكون الراء هكذا سمي في هذه الرواية ولم يختلف على إسرائيل فيه الا في رواية أبي أحمد الزبيري عنه فإنه قال صرمة بن قيس أخرجه أبو داود ولأبي نعيم في المعرفة من طريق الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس مثله قال وكذا رواه أشعث بن سوار عن عكرمة عن بن عباس ووقع عند أحمد والنسائي من طريق زهير عن أبي إسحاق أنه أبو قيس بن عمرو وفي حديث السدي المذكور حتى أقبل رجل من الأنصار يقال له أبو قيس بن صرمة ولابن جرير من طريق بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان بفتح المهملة وبالموحدة الثقيلة مرسلا صرمة بن أبي أنس ولغير بن جرير من هذا الوجه صرمة بن قيس كما قال أبو أحمد الزبيري وللذهلي في الزهريات من مرسل القاسم بن محمد صرمة ابن أنس ولابن جرير من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى صرمة بن مالك والجمع بين هذه الروايات أنه أبو قيس صرمة بن أبي أنس قيس بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن ماتت كذا نسبه

[ 112 ]

بن عبد البر وغيره فمن قال قيس بن صرمة قلبه كما جزم الداودي والسهيلى وغيرهما بأنه وقع مقلوبا في رواية حديث الباب ومن قال صرمة بن مالك نسبه إلى جده ومن قال صرمة بن أنس حذف أداة الكنية من أبيه ومن قال أبو قيس بن عمرو أصاب كنيته وأخطأ في اسم أبيه وكذا من قال أبو قيس بن صرمة وكأنه أراد أن يقول أبو قيس صرمة فزاد فيه بن وقد صحفه بعضهم فرويناه في جزء إبراهيم بن أبي ثابت من طريق عطاء عن أبي هريرة قال كان المسلمون إذا صلوا العشاء حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وأن ضمرة بن أنس الأنصاري غلبته عينه الحديث وقد استدرك ابن الأثير في الصحابة ضمرة بن أنس في حرف الضاد المعجمة على من تقدمه وهو تصحيف وتحريف ولم يتنبه له والصواب صرمة بن أبي أنس كما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وصرمة بن أبي أنس مشهور في الصحابة يكنى أبا قيس قال بن إسحاق فيما أخرجه السراج في تاريخه من طريقه بإسناد إلى عويم بن ساعدة قال قال صرمة بن أبي أنس وهو يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى صديقا مؤاتيا الأبيات قال بن إسحاق وصرمة هذا هو الذي نزل فيه وكلوا واشربوا الآية قال وحدثني محمد ابن جعفر بن الزبير قال كان أبو قيس ممن فارق الأوثان في الجاهلية فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم وهو شيخ كبير وهو القائل يقول أبو قيس واصبح غاديا الا ما استطعتم من وصاتى فافعلوه الأبيات قوله فقال لها أعندك بكسر الكاف طعام قالت لا ولكن انطلق أطلب لك ظاهره أنه لم يجئ معه بشئ لكن في مرسل السدي أنه أتاها بتمر فقال استبدلي به طحينا واجعليه سخينا فإن التمر احرق جوفي وفيه لعلي أكله سخنا وإنها استبدلته له وصنعته وفي مرسل بن أبي ليلى فقال لأهله اطعموني فقالت حتى اجعل لك شيئا سخينا ووصله أبو داود من طريق بن أبي ليلى فقال حدثنا أصحاب محمد فذكره مختصرا قوله وكان يومه بالنصب يعمل أي في أرضه وصرح بها أبو داود في روايته وفي مرسل السدي كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة فعلى هذا فقوله في أرضه إضافة اختصاص قوله فغلبته عيناه أي نام وللكشميهني عينه بالافراد قوله فقالت خيبة لك بالنصب وهو مفعول مطلق محذوف العامل وقيل إذا كان بغير لام يجب نصبه وإلا جاز والخيبة الحرمان يقال خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب قوله فلما انتصف النهار غشي عليه وفي رواية أحمد فأصبح صائما فلما انتصف النهار وفي رواية أبي داود فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه فيحمل الأول على أن الغشي وقع في آخر النصف الأول من النهار وفي رواية زهير عن أبي إسحاق فلم يطعم شيئا وبات حتى مطرف صائما حتى انتصف النهار فغشي عليه وفي مرسل السدي فأيقظته فكره أن يعصي الله وأبي أن يأكل وفي مرسل محمد بن يحيى فقالت له كل فقال أني قد نمت فقالت لم تنم فأبى فأصبح جائعا مجهودا قوله فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم زاد في رواية زكريا عند أبي الشيخ وأتى عمر امرأته وقد نامت فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قوله فنزلت هذه الآية أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ففرحوا بها فرحا وعطاء ونزلت وكلوا واشربوا كذا في هذه الرواية الحربي الكرماني على ظاهرها فقال لما صار الرفث وهو الجماع هنا حلالا بعد أن كان

[ 113 ]

حراما كان الأكل والشرب بطريق الأولى فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرخصة هذا وجه مطابقة ذلك لقصة أبي قيس قال ثم لما كان حلهما بطريق المفهوم نزل بعد ذلك وكلوا واشربوا ليعلم بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم صريحا ثم قال أو المراد من الآية هي بتمامها قلت وهذا هو المعتمد وبه جزم السهيلي وقال أن الآية بتمامها نزلت في الامرين معا ربع ما يتعلق بعمر لفضله قلت وقد وقع في رواية أبي داود فنزلت أحل لكم ليلة الصيام إلى قوله من الفجر فهذا يبين أن محل قوله ففرحوا بها بعد قوله الخيط الأسود ووقع ذلك صريحا في رواية زكريا بن أبي زائدة ولفظه فنزلت أحل لكم إلى قوله من الفجر ففرح المسلمون بذلك وسيأتي بيان قصة عمر في تفسير سورة البقرة مع بقية تفسير الآية المذكورة أن شاء الله تعالى قوله باب قول الله عز وجل وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ساق إلى قوله إلى الليل وهذه الترجمة سيقت لبيان انتهاء وقت الأكل وغيره الذي ابيح بعد أن كان ممنوعا واستفيد من حديث سهل الذي في هذا الباب أن ذكر نزول الآية في حديث البراء أريد به معظمها وهو أن قوله من الفجر تأخر نزوله عن بقية الآية مع أنه ليس في حديث البراء التصريح بان قوله من الفجر نزل أو لا فإن رواية حديث الباب فيها إلى قوله الخيط الأسود ورواية أبي داود وأبي الشيخ فيها إلى قوله من الفجر فيحمل الثاني على أن قوله من الفجر لم يدخل في الغاية قوله فيه البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم يريد الحديث الذي مضى قبله وهو موصول كما تقدم ثم أورد المصنف في الباب حديثين الأول قوله أخبرني حصين روى الطحاوي من طريق إسماعيل بن سالم عن هشيم أنبأنا حصين ومجالد وكذا أخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع عن هشيم الا أنه فرقهما قوله عن عدي بن حاتم في رواية الترمذي أخبرني عدي بن حاتم وكذا أخرجه بن خزيمة عن أحمد بن منيع وهكذا أورده أبو عوانة من طريق أبو عبيد عن هشيم عن حصين قوله لما نزلت حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود عمدت الخ ظاهره أن عديا كان حاضرا لما نزلت هذه الآية وهو يقتضى تقدم إسلامه وليس كذلك لأن نزول فرض الصوم كان متقدما في أوائل الهجرة واسلام عدي كان في التاسعة أو العاشرة كما ذكره بن إسحاق وغيره من أهل المغازي فأما أن يقال أن الآية التي في حديث الباب تأخر نزولها عن نزول فرض الصوم وهو بعيد جدا وأما أن يؤول قول عدي هذا على أن المراد بقوله لما نزلت أي لما تليت على عند إسلامي أو لما بلغني نزول الآية أو في السياق حذف تقديره لما نزلت الآية ثم قدمت فأسلمت وتعلمت الشرائع عمدت وقد روى أحمد حديثه من طريق مجالد بلفظ علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة والصيام فقال صل كذا وصم كذا فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود قال فأخذت خيطين الحديث قوله إلى عقال بكسر المهملة أي حبل وفي رواية مجالد فأخذت خيطين من شعر قوله فجعلت انظر في الليل فلا يستبين لي في رواية مجالد فلا استبين الأبيض من الأسود قوله فقال إنما ذلك زاد أبو عبيد أن وسادك إذا لعريض وكذا لأحمد عن هشيم وللاسماعيلي عن يوسف القاضي عن محمد بن الصباح عن هشيم قال فضحك وقال أن كان وسادك إذا لعريضا وهذه الزيادة أوردها المصنف في تفسير البقرة من طريق أبي عوانة عن حصين وزاد أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت لجمعتهم وفي رواية أبي إدريس عن حصين عند

[ 114 ]

مسلم أن وسادك لعريض طويل وللمصنف في التفسير من طريق جرير عن مطرف عن الشعبي انك لعريض القفا ولأبي عوانة من طريق إبراهيم بن طهمان عن مطرف فضحك وقال لا يا عريض القفا قال الخطابي في المعالم في قوله أن وسادك لعريض قولان أحدهما يريد أن نومك لكثير وكنى بالوسادة عن النوم لأن النائم يتوسد أو أراد أن ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبين لك العقال والقول الآخر أنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام والعرب تقول فلان عريض القفا إذا كان فيه غباوة وغفلة وقد روى في هذا الحديث من طريق أخرى انك عريض القفا وجزم الزمخشري بالتأويل الثاني فقال إنما عرض النبي صلى الله عليه وسلم قفا عدي لأنه غفل عن البيان وعرض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة وأنشد في ذلك شعرا وقد أنكر ذلك كثير منهم القرطبي فقال حمله بعض الناس على الذم له على ذلك الفهم وكانهم فهموا أنه نسبه إلى الجهل والجفاء وعدم الفقه وعضدوا ذلك بقوله انك عريض القفا وليس الأمر على ما قالوه لأن من حمل اللفظ على حقيقته اللسانية التي هي الأصل أن لم يتبين له دليل التجوز لم يستحق ذما ولا ينسب إلى جهل وإنما عنى والله أعلم أن وسادك أن كان يغطى على الخيطين اللذين أراد الله فهو إذا عريض واسع ولهذا قال في أثر ذلك إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار فكأنه قال فكيف يدخلان تحت لجمعتهم وقوله انك لعريض القفا أي أن الوساد الذي يغطى الليل والنهار لا يرقد عليه الا قفا عريض للمناسبة قلت وترجم عليه بن حبان ذكر البيان بان العرب تتفاوت لغاتها وأشار بذلك إلى أن عديا لم يكن يعرف في لغته أن سواد الليل وبياض النهار يعبر عنهما بالخيط الأسود والخيط الأبيض وساق هذا الحديث قال بن المنير في الحاشية في حديث عدي جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير فيصير مثلا بشرط صحة القصد ووجود الشرط عند أمن الغلو في ذلك فإنه مزلة القدم الا لمن عصمه الله تعالى الحديث الثاني قوله حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه وحدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو غسان حدثني أبو حازم كذا أخرجه البخاري عن سعيد عن شيخين له واعاده في التفسير عن سعيد عن أبي غسان وحده وظهر من سياقه أن اللفظ هنا لأبي غسان وقد أخرجه بن خزيمة عن الذهلي عن سعيد عن شيخيه وبين أبو نعيم في المستخرج أن لفظهما واحد وقد أخرجه مسلم وابن أبي حاتم وأبو عوانة والطحاوي في آخرين من طريق سعيد عن أبي غسان وحده قوله فكان رجال لم اقف على تسمية أحد منهم ولا يحسن أن يفسر بعضهم بعدي بن حاتم لأن قصة عدي متاخرة عن ذلك كما سبق ويأتي قوله ربط أحدهم في رجليه في رواية فضيل بن سليمان عن أبي حازم عند مسلم لما نزلت هذه الآية جعل الرجل يأخذ خيطا أبيض وخيطا أسود فيضعهما تحت وسادته فينظر متى يستبينهما ولا منافاة بينهما لاحتمال أن يكون بعضهم فعل هذا وبعضهم فعل هذا أو الريح يجعلونهما تحت الوسادة إلى السحر فيربطونهما حينئذ في أرجلهم ليشاهدوهما قوله حتى يتبين كذا للأكثر بالتشديد وللكشميهني حتى يستبين بفتح أوله وسكون المهملة والتخفيف قوله رؤيتهما كذا لأبي ذر وفي رواية النسفي رئيهما بكسر أوله وسكون الهمزة وضم التحتانية ولمسلم من هذا الوجه زيهما بكسر الزاي وتشديد التحتانية قال صاحب المطالع ضبطت هذه اللفظة على ثلاثة

[ 115 ]

أوجه ثالثها بفتح الراء وقد تكسر بعدها همزة ثم تحتانية مشددة قال عياض ولا وجه له الا بضرب من التأويل وكأنه رئي بمعنى مرئى والمعرو ف أن الرئى التابع من الجن فيحتمل أن يكون من هذا الأصل لترائيه لمن معه من الإنس قوله فانزل الله بعد من الفجر قال القرطبي حديث عدي يقتضى أن قوله من الفجر نزل متصلا بقوله من الخيط الأسود بخلاف حديث سهل فإنه ظاهر في أن قوله من الفجر نزل بعد ذلك لرفع ما وقع لهم من الاشكال قال وقد قيل أنه كان بين نزولهما عام كامل قال فأما عدي فحمل الخيط على حقيقته وفهم من قوله من الفجر من أجل الفجر ففعل ما فعل قال والجمع بينهما أن حديث عدي متاخر عن حديث سهل فكان عديا لم يبلغه ما جرى في حديث سهل وإنما سمع الآية مجردة ففهمها على ما وقع له فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بقوله من الفجر أن ينفصل أحد الخيطين عن الآخر وأن قوله من الفجر متعلق بقوله يتبين قال ويحتمل أن تكون القصتان في حالة واحدة وأن بعض الرواة يعني في قصة عدي تلا الآية تامة كما ثبت في القرآن وأن كان حال النزول إنما نزلت مفرقة كما ثبت في حديث سهل قلت وهذا الثاني ضعيف لأن قصة عدي متاخرة لتأخر إسلامه كما قدمته وقد روى بن أبي حاتم من طريق أبي أسامة عن مجالد في حديث عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما أخبره بما صنع يا بن حاتم ألم أقل لك من الفجر وللطبراني من وجه آخر عن مجالد وغيره فقال عدي يا رسول الله كل شئ أوصيتني قد حفظته غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود أني بت البارحة معي خيطان انظر إلى هذا وإلى هذا قال إنما هو الذي في السماء فتبين أن قصة عدي مغايرة لقصة سهل فأما من ذكر في حديث سهل فحملوا الخيط على ظاهره فلما نزل من الفجر علموا المراد فلذلك قال سهل في حديثه فعلموا إنما يعني الليل والنهار وأما عدي فكأنه لم يكن في لغة قومه استعارة الخيط للصبح وحمل قوله من الفجر على السببية فظن أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر أو نسي قوله من الفجر حتى ذكره بها النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الاستعارة معروفة عند بعض العرب قال الشاعر ولما تبدت لنا سدفة * ولاح من الصبح خيط انارا قوله فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار في رواية الكشميهني فعلموا أنه يعني وقد وقع في حديث عدي سواد الليل وبياض النهار معنى الآية حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق ففيه دلاله على أن ما بعد الفجر من النهار وقال أبو عبيد المراد بالخيط الأسود الليل وبالخيط الأبيض الفجر الصادق والخيط اللون وقيل المراد بالابيض أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود وبالاسود ما يمتد معه من غبش الليل شبيها بالخيط قاله الزمخشري قال وقوله من الفجر بيان للخيط الأبيض واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للاخر قال ويجوز أن تكون من للتبعيض لأنه بعض الفجر وقد أخرجه قوله من الفجر من الاستعارة إلى التشبيه كما أن قولهم رأيت اسدا مجاز فإذا زدت فيه من فلان رجع تشبيها ثم قال كيف جاز تأخير البيان وهو يشبه العبث لأنه قبل نزول من الفجر لا يفهم منه الا الحقيقة وهي غير مرادة ثم أجاب بان من لا يجوزه وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين لم يصح عندهم حديث سهل وأما من يجوزه فيقول ليس بعبث لأن المخاطب يستفيد منه وجوب

[ 116 ]

الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به انتهى ونقله نفى التجويز عن الأكثر فيه كما سيأتي وجوابه عنهم بعدم صحة الحديث مردود ولم يقل به أحد من الفريقين لأنه مما اتفق الشيخان على صحته وتلقته الأمة بالقبول ومسالة تأخير البيان مشهورة في كتب الأصول وفيها خلاف بين العلماء من المتكلمين وغيرهم وقد حكى بن السمعاني في أصل المسألة عن الشافعية أربعة أوجه الجواز مطلقا عن بن سريج والاصطخري وابن أبي هريرة وابن خيران والمنع مطلقا عن أبي إسحاق المروزي والقاضي أبي حامد والصيرفي ثالثها جواز تأخير بيان المجمل دون العام رابعها عكسه وكلاهما عن بعض الشافعية وقال بن الحاجب تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع الا عند مجوز تكليف ما لا يطاق يعني وهم الاشاعرة فيجوزونه وأكثرهم يقولون لم يقع قال شارحه والخطاب المحتاج إلى البيان ضربان أحدهما ماله ظاهر وقد استعمل في خلافه والثاني ما لا ظاهر له فقال طائفة من الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية يجوز تأخيره عن وقت الخطاب واختاره الفخر الرازي وابن الحاجب وغيرهم ومال بعض الحنفية والحنابة كلهم إلى امتناعه وقال الكرخي يمتنع في غير المجمل وإذا تقرر ذلك فقد قال النووي تبعا لعياض وإنما حمل الخيط الأبيض والأسود على ظاهرهما بعض من لا فقه عنده من الأعراب كالرجال الذين حكى عنهم سهل وبعض من لم يكن في لغته استعمال الخيط في الصبح كعدي وادعى الطحاوي والداودى أنه من باب النسخ وأن الحكم كان أولا على ظاهره المفهوم من الخيطين واستدل على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى الأسفار قال ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى من الفجر قلت ويؤيد ما قاله ما رواه عبد الرزاق بإسناد رجاله ثقات أن بلالا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فقال الصلاة يا رسول الله قد والله أصبحت فقال يرحم الله بلالا لولا بلال لرجونا أن يرخص لنا حتى تطلع الشمس ويستفاد من هذا الحديث كما قال عياض وجوب التوقف عن الألفاظ المشتركة وطلب بيان المراد منها وإنها لا تحمل على أظهر وجوهها وأكثر استعمالاتها الا عند عدم البيان وقال بن بزيزة في شرح الأحكام ليس هذا من باب تأخير بيان المجملات لأن الصحابة عملوا أولا على ما سبق إلى افهامهم بمقتضى اللسان فعلى هذا فهو من باب تأخير ماله ظاهر أريد به خلاف ظاهره قلت وكلامه يقتضى أن جميع الصحابة فعلوا ما نقله سهل بن سعد وفيه نظر واستدل بالآية والحديث على أن غاية الأكل والشرب طلوع الفجر فلو طلع الفجر وهو يأكل أو يشرب فنزع تم صومه وفيه اختلاف بين العلماء ولو أكل ظانا أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور لأن الآية دلت على الإباحة إلى أن يحصل التبيين وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن بن عباس قال أحل الله لك الأكل والشرب ما شككت ولابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر نحوه وروى بن أبي شيبة من طريق أبي الضحى قال سأل رجل بن عباس عن السحور فقال له رجل من جلسائه كل حتى لا تشك فقال بن عباس أن هذا لا يقول شيئا كل ما شككت حتى لا تشك قال بن المنذر وإلى هذا القول صار أكثر العلماء وقال مالك يقضي وقال بن بزيزة في شرح الأحكام اختلفوا هل يحرم الأكل بطلوع الفجر أو بتبينه عند الناظر تمسكا بظاهر الآية واختلفوا هل يجب إمساك جزء قبل طلوع الفجر أم لا بناء على الاختلاف المشهور في مقدمة الواجب وسنذكر بقية هذا الحديث في الباب الذي يليه أن شاء الله

[ 117 ]

تعالى قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنعنكم كذا للأكثر وللكشميهني لا يمنعكم بسكون العين بغير تأكيد قال بن بطال لم يصح عند البخاري لفظ الترجمة فاستخرج معناه من حديث عائشة وقد روى لفظ الترجمة وكيع من حديث سمرة مرفوعا لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق وقال الترمذي هو حديث حسن وحديث سمرة عند مسلم أيضا لكن لم يتعين في مراد البخاري فإنه قد صح أيضا على شرطه حديث بن مسعود بلفظ لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم الحديث وقد تقدم في أبواب الأذان في باب الأذان قبل الفجر وأخرج عنه حديث عبيد الله بن عمر عن شيخيه القاسم ونافع كما أخرجه هنا فالظاهر أنه مراده بما ذكره في هذه الترجمة وقد تقدم الكلام على حديث عبيد الله بن عمر هناك وفي حديث سمرة الذي أخرجه مسلم بيان لما أبهم في حديث بن مسعود وذلك أن في حديث بن مسعود وليس الفجر أن يقول ورفع بأصابعه إلى فوق وطاطا إلى أسفل حتى يقول هكذا وفي حديث سمرة عند مسلم لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا يعني معترضا وفي رواية ولا هذا البياض حتى يستطير وقد تقدم لفظ رواية الترمذي وله من حديث طلبن على كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر وقوله يهيدنكم بكسر الهاء أي يزعجنكم فتمتنعوا به عن السحور فإنه الفجر الكاذب يقال هدته اهيده إذا ازعجته واصل الهيد بالكسر الحركة ولابن أبي شيبة عن ثوبان مرفوعا الفجر فجران فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئا ولا يحرمه ولكن المستطير أي هو الذي يحرم الطعام ويحل الصلاة وهذا موافق للاية الماضية في الباب قبله وذهب جماعة من الصحابة وقال بن الأعمش من التابعين وصاحبه أبو بكر بن عياش إلى جواز السحور إلى أن يتضح الفجر فروى سعيد بن منصور عن أبي الأحوص عن عاصم عن زر عن حذيفة قال تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو والله النهار غير أن الشمس لم تطلع وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن عاصم نحوه وروى بن أبي شيبة وعبد الرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر من طرق عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر وروى بن المنذر بإسناد صحيح عن على أنه صلى الصبح ثم قال الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود قال بن المنذر وذهب بعضهم إلى أن المراد يتبين بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر البياض في الطرق والسكك والبيوت ثم حكى ما تقدم عن أبي بكر وغيره وروى بإسناد صحيح عن سالم بن عبيد الأشجعي وله صحبة أن أبا بكر قال له أخرج فأنظر هل طلع الفجر قال فنظرت ثم أتيته فقلت قد أبيض وسطع ثم قال أخرج فأنظر هل طلع فنظرت فقلت قد اعترض فقال الآن ابلغنى شرابي وروى من طريق وكيع عن الأعمش أنه قال لولا الشهوى لصليت الغداة ثم تسحرت قال إسحاق هؤلاء رأوا جواز الأكل والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل قال إسحاق وبالقول الأول أقول لكن لا اطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني ولا أرى عليه قضاء ولا كفارة قلت وفي هذا تعقب على الموفق وغيره حيث نقلوا الإجماع على خلاف ما ذهب إليه الأعمش والله أعلم قوله عن بن عمر والقاسم بن محمد بالجر عطفا

[ 118 ]

على نافع لا على بن عمر لأن عبيد الله بن عمر رواه عن نافع عن بن عمر عن القاسم عن عائشة وقد تقدم الكلام عليه في المواقيت قوله باب تعجيل السحور أي الإسراع بالأكل إشارة إلى أن السحور كان يقع قرب طلوع الفجر وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه كنا ننصرف أي من صلاة الليل فنستعجل بالطعام مخافة الفجر قال بن بطال ولو ترجم له بباب تأخير السحور لكان حسنا وتعقبه مغلطاي بأنه وجد في نسخة أخرى من البخاري باب تأخير السحور ولم أر ذلك في شئ من نسخ البخاري التي وقعت لنا وقال الزين بن المنير التعجيل من الأمور النسبية فإن نسب إلى أول الوقت كان معناه التقديم وأن نسب إلى آخره كان معناه التاخير وإنما سماه البخاري تعجيلا إشارة منه إلى أن الصحابي كان يسابق بسحوره الفجر عند خوف طلوعه وخوف فوات الصلاة بمقدار ذهابه إلى المسجد قوله عن أبيه أبي حازم أشار الاسماعيلي إلى أن عبد العزيز بن أبي حازم لم يسمعه من أبيه فأخرج من طريق مصعب الزبيري عن أبي حازم عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن أبي حازم عن سهل ثم رواه من طريق أخرى عن عبد الله به عامر عن أبي حازم وعبد الله بن عامر هو الأسلمي فيه ضعف وأشار الاسماعيلي إلى تعليل الحديث بذلك ومصعب بن عبد الله الزبيري لا يقاوم الحفاظ الذين رووه عن عبد العزيز عن أبيه بغير واسطة فزيادته شاذة ويحتمل أن يكون عبد العزيز سمع من عبد الله بن عامر فيه عن أبيه زيادة لم تكن فيما سمعه من أبيه فلذلك حدث به تارة عن أبيه بلا واسطة وتارة بالواسطة وقد أخرجه البخاري في المواقيت من وجه آخر عن أبي حازم فبطل التعليل برواية عبد العزيز بن أبي حازم والله أعلم قوله ثم تكون سرعتي في رواية سليمان بن بلال ثم تكون سرعة بي وسرعة بالضم على أن كان تامة ولفظ بي متعلق بسرعة أو ليست تامة وبي الخبر أو قوله أن أدرك ويجوز النصب على أنها خبر كان والاسم ضمير يرجع إلى ما يدل عليه لفظ السرعة قوله أن أدرك السحور كذا في رواية الكشميهني وللنسفي والجمهور أن أدرك السجود وهو الصواب ويؤيده أن في الرواية المتقدمة في المواقيت أن أدرك صلاة الفجر وفي رواية الاسماعيلي صلاة الصبح وفي رواية أخرى صلاة الغداة قال عياض مراد سهل بن سعد أن غاية اسراعه أن سحوره لقربه من طلوع الفجر كان بحيث لا يكاد أن يدرك صلاة الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولشدة يتجنبون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبح وقال بن المنير في الحاشية المراد إنهم كانوا يزاحمون بالسحور الفجر فيختصرون فيه ويستعجلون خوف الفوات تنبيه قال المزي ذكر خلف أن البخاري أخرج هذا الحديث في الصوم عن محمد بن عبيد الله وقتيبة كلاهما عن عبد العزيز قال ولم نجده في الصحيح ولا ذكره أبو مسعود قلت ورأيت هنا بخط القطب ومغلطاى محمد بن عبيد بغير إضافة وهو غلط والصواب محمد بن عبيد الله وهو أبو ثابت المدني مشهور من كبار شيوخ البخاري قوله باب قدركم بين السحور وصلاة الفجر أي انتهاء السحور وابتداء الصلاة لأن المراد تقدير الزمان الذي ترك فيه الأكل والمراد بفعل الصلاة أول الشروع فيها قاله الزين بن المنير قوله حدثنا هشام هو الدستوائي قوله عن أنس سبق في المواقيت من طريق سعيد عن قتادة قال قلت لأنس قوله قلت كم هو مقول أنس والمقول له زيد بن ثابت وقد تقدم بيان ذلك في المواقيت وأن قتادة أيضا سأل أنسا عن ذلك ورواه أحمد أيضا عن يزيد بن هارون عن همام وفيه أن أنسا قال قلت لزيد قوله

[ 119 ]

قال قدر خمسين آية أي متوسطة لا طويلة ولا قصيرة لا سريعة ولا بطيئة وقدر بالرفع على أنه خبر المبتدأ ويجوز النصب على أنه خبر كان المقدرة في جواب زيد لا في سؤال أنس لئلا تصير كان واسمها من قائل والخبر من آخر قال المهلب وغيره فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال كقولهم قدر حلب شاة وقدر نحر جزور فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة ولو كانوا يقدرون بغير العمل لقال مثلا قدر درجة أو ثلث خمس ساعة وقال بن أبي جمرة فيه إشارة إلى أن هواؤه كانت مستغرقة بالعبادة وفيه تأخير السحور لكونه أبلغ في المقصود قال بن أبي جمرة كان صلى الله عليه وسلم ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه فيشق على بعضهم ولو تسحر في جوف الليل لشق أيضا على بعضهم ممن يغلب عليه النوم فقد يقضي إلى ترك الصبح أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر وقال فيه أيضا تقوية على الصيام لعموم الاحتياج إلى الطعام ولو ترك لشق على بعضهم ولا سيما من كان صفراويا فقد يغشى عليه فيفضي إلى الإفطار في رمضان قال وفي الحديث تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة وجواز المشي صارت للحاجة لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبي صلى الله عليه وسلم وفيه الاجتماع على السحور وفيه حسن الآدب في العبارة لقوله تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل نحن ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما يشعر لفظ المعية بالتبعية وقال القرطبي فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر فهو معارض لقول حذيفة هو النهار الا أن الشمس لم تطلع انتهى والجواب أن لا معارضة بل تحمل على اختلاف الحال فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة فتكون قصة حذيفة سابقة وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بإسناد هذا الحديث في المواقيت وكونه من مسند زيد بن ثابت أو من مسند أنس قوله باب بركة السحور من غير إيجاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واصلوا ولم يذكر السحور بضم يذكر على البناء للمجهول وللكشميهني والنسفي ولم يذكر سحور قال الزين ابن المنير الاستدلال على الحكم إنما يفتقر إليه إذا ثبت الاختلاف أو كان متوقعا والسحور إنما هو أكل للشهوة وحفظ القوة لكن لما جاء الأمر به أحتاج أن يبين أنه ليس على ظاهره من الإيجاب وكذا النهى عن الوصال يستلزم الأمر بالأكل قبل طلوع الفجر انتهى وتعقب بان النهى عن الوصال إنما هو أمر بالفصل بين الصوم والفطر فهو أعم من الأكل آخر الليل فلا يتعين السحور وقد نقل بن المنذر الإجماع على ندبية السحور وقال بن بطال في هذه الترجمة غفلة من البخاري لأنه قد خرج بعد هذا حديث أبى سعيد أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر فجعل غاية الوصال السحر وهو وقت السحور قال والمفسر يقضي على المجمل انتهى وقد تلقاه جماعة بعده بالتسليم وتعقبه بن المنير في الحاشية بان البخاري لم يترجم على عدم مشروعية السحور وإنما ترجم على عدم ايجابه وأخذ من الوصال أن السحور ليس بواجب وحيث نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال لم يكن على سبيل تحريم الوصال وإنما هو نهى إرشاد لتعليله إياه بالاشفاق عليهم وليس في ذلك إيجاب فوضعناه ولما ثبت أن النهى عن الوصال للكراهة فضد نهى الكراهة الاستحباب فثبت استحباب السحور كذا قال ومسالة الوصال مختلف فيها والراجح عند الشافعية التحريم والذي يظهر لي أن البخاري أراد بقوله لأن النبي صلى الله عليه

[ 120 ]

وسلم وأصحابه واصلوا الخ الإشارة إلى حديث أبي هريرة الاتى بعد خمسة وعشرين بابا فيه بعد النهى عن الوصال أنه واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال لو تأخر لزدتكم فدل ذلك على أن السحور ليس بحتم إذ لو كان حتما ما واصل بهم فإن الوصال يستلزم ترك السحور سواء قلنا الوصال حرام أو وسيأتي الكلام على اختلاف العلماء في حكم الوصال وعلى حديث بن عمر أيضا في الباب المشار إليه أن شاء الله تعالى وقوله اظل بفتح الهمزة والظاء القائمة المعجمة مضارع ظللت إذا عملت بالنهار وسيأتي هناك بلفظ أبيت وهو دال على أن استعمال اظل هنا ليس مقيدا بالنهار قوله في حديث أنس تسحروا فإن في السحور بركة هو بفتح السين وبضمها لأن المراد بالبركة الأجر والثواب فيناسب الضم لأنه الحدود بمعنى التسحر أو البركة لكونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح لأنه ما يتسحر به وقيل البركة ما يتضمن من الاستيقاظ والدعاء في السحر والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعددة وهي أتباع السنة ومخالفة أهل الكتاب والتقوى به على العبادة والزيادة في النشاط ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة وتدارك نية الصوم لمن اغفلها قبل أن ينام قال بن دقيق العيد هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الاخروية فإن إقامة السنة يوجب الأجر وزيادته ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية كقوة البدن على الصوم وتيسيره من غير اضرار بالصائم قال ومما يعلل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب لأنه ممتنع عندهم وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الاجور الاخروية وقال أيضا وقع للمتصوفة في مسألة السحور كلام من جهة اعتبار حكمة الصوم وهي كسر شهوة البطن والفرج والسحور قد يباين ذلك قال والصواب أن يقال ما زاد في المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية فليس بمستحب كالذي يصنعه المترفون من التانق في المآكل وكثرة الاستعداد لها وما عدا ذلك تختلف مراتبه تكميل يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من ماكول ومشروب وقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جزعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة تسحروا ولو بلقمة قوله باب إذا نوى بالنهار صوما أي هل يصح مطلقا أو لا وللعلماء في ذلك اختلاف فمنهم من فرق بين الفرض والنفل ومنهم من خص جواز النفل بما قبل الزوال وسيأتي بيان ذلك قوله وقالت أم الدرداء كان أبو الدرداء يقول عندكم طعام فإن قلنا لا قال فإني صائم يومى هذا وصله بن أبي شيبة من طريق أبي قلابة عن أم الدرداء قالت كان أبو الدرداء يغدونا أحيانا ضحى فيسأل الغداء فربما لم يوافقه عندنا فيقول إذا أنا صائم وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي إدريس وعن أيوب عن أبي قلابة عن أم الدرداء وعن معمر عن قتادة أن أبا الدرداء كان إذا أصبح سأل أهله الغداء فإن لم يكن قال أنا صائم وعن بن جريج عن عطاء عن أم الدرداء عن أبي الدرداء أنه كان يأتي أهله حين ينتصف النهار فذكر نحوه ومن طريق شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء أنه كان ربما دعا بالغداء فلا يجده فيفرض عليه الصوم ذلك اليوم قوله وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة أما أثر أبي طلحة فوصله عبد الرزاق من طريق

[ 121 ]

قتادة وابن أبي شيبة من طريق حميد كلاهما عن أنس ولفظ قتادة أن أبا طلحة كان يأتي أهله فيقول هل من غداء فإن قالوا لا صام يومه ذلك قال قتادة وكان معاذ بن جبل بالصلاة ولفظ حميد نحوه وزاد وأن كان عندهم أفطر ولم يذكر قصة معاذ وأما أثر أبي هريرة فوصله البيهقي من طريق ابن أبي ذئب عن حمزة عن يحيى عن سعيد بن المسيب قال رأيت أبا هريرة يطوف بالسوق ثم يأتي أهله فيقول عندكم شئ فإن قالوا لا قال فأنا صائم ورواه عبد الرزاق بسند آخر فيه انقطاع أن أبا هريرة وأبا طلحة فذكر معناه وأما أثر بن عباس فوصله الطحاوي من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن بن عباس أنه كان يصبح حتى يظهر ثم يقول والله لقد أصبحت وما أريد الصوم وما أكلت من طعام ولا شراب منذ اليوم ولأصومن يومى هذا وأما أثر حذيفة فوصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة من طريق سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي قال قال حذيفة من بدا له الصيام بعد ما تزول الشمس فليصم وفي رواية بن أبي شيبة أن حذيفة بدا له في الصوم بعد ما زالت الشمس فصام وقد جاء نحو ما ذكرنا عن أبي الدرداء مرفوعا من حديث عائشة أخرجه مسلم وأصحاب السنن من طريق طلحة بن يحيى بن طلحة عن عمته عائشة بنت طلحة وفي رواية له حدثتني عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال هل عندكم شئ قلنا لا قال فإني إذا صائم الحديث ورواه النسائي والطيالسي من طريق سماك عن عكرمة عن عائشة نحوه ولم يسم النسائي عكرمة قال النووي في هذا الحديث دليل للجمهور في أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار قبل زوال الشمس وتاوله الآخرون على أن سؤاله هل عندكم شئ لكونه كان نوى الصوم من الليل ثم ضعف عنه وأراد الفطر لذلك قال وهو تأويل فاسد وتكلف بعيد وقال بن المنذر اختلفوا فيمن مطرف يريد الإفطار ثم بدا له أن يصوم تطوعا فقالت طائفة له أن يصوم متى بدا له فذكر عمن تقدم وزاد بن مسعود وأبا أيوب وغيرهما وساق ذلك بأسانيده إليهم قال وبه قال الشافعي وأحمد قال وقال بن عمر لا يصوم تطوعا حتى يجمع من الليل أو يتسحر وقال مالك في النافلة لا يصوم الا أن يبيت الا أن كان يسرد الصوم فلا يحتاج إلى التبييت وقال أهل الراى من مطرف مفطرا ثم بدا له أن يصوم قبل منتصف النهار اجزاه وأن بدا له ذلك بعد الزوال لم يجزه قلت وهذا هو الأصح عند الشافعية والذي نقله ابن المنذر عن الشافعي من الجواز مطلقا سواء كان قبل الزوال أو بعده هو أحد القولين للشافعي والذي نص عليه في معظم كتبه التفرقة والمعروف عن مالك والليث وابن أبي ذئب أنه لا يصح صيام التطوع الا بنية من الليل قوله عن سلمة بن الأكوع في رواية يحيى وهو القطان عن يزيد بن أبي عبيد حدثنا سلمة بن الأكوع كما سيأتي في خبر الواحد قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا ينادي في الناس في رواية يحيى قال لرجل من أسلم إذن في قومك واسم هذا الرجل هند بن أسماء بن حارثة الأسلمي له ولأبيه ولعمه هند بن حارثة صحبة أخرج حديثه أحمد وابن أبي خيثمة من طريق بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلمي عن أبيه قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومي من أسلم فقال مر قومك أن يصوموا هذا اليوم يوم عاشوراء فمن وجدته منهم قد أكل في أول يومه فليصم آخره وروى أحمد أيضا من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن يحيى بن هند قال وكان هند من أصحاب الحديبية

[ 122 ]

وأخوه الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء قال فحدثني يحيى بن هند عن أسماء بن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه فقال مر قومك بصيام هذا اليوم قال أرأيت أن وجدتهم قد طعموا قال فليتموا آخر يومهم قلت فيحتمل أن يكون كل من أسماء وولده هند أرسلا بذلك ويحتمل أن يكون أطلق في الرواية الأولى على الجد اسم الأب فيكون الحديث من رواية حبيب بن هند عن جده أسماء فتتحد الروايتان والله أعلم واستدل بحديث سلمة هذا على صحة الصيام لمن لم ينوه من الليل سواء كان رمضان أو غيره لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالصوم في اثناء النهار فدل على أن النية لا تشترط من الليل وأجيب بان ذلك يتوقف على أن الصيام عاشوراء كان واجبا والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضا وعلى تقدير أنه كان فرضا فقد نسخ بلا ريب فنسخ حكمة وشرائطه بدليل قوله ومن أكل فليتم ومن لا يشترط النية من الليل لا يجيز صيام من أكل من النهار وصرح بن حبيب من المالكية بان ترك التبييت لصوم عاشوراء من خصائص عاشوراء وعلى تقدير أن حكمة باق فالأمر بالإمساك لا يستلزم الأجزاء فيحتمل أن يكون أمر بالإمساك لحرمة الوقت كما يؤمر من قدم من سفر في رمضان نهارا وكما يؤمر من أفطر يوم الشك ثم رأى الهلال وكل ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء بل ورد ذلك صريحا في حديث أخرجه أبو داود والنسائي من طريق قتادة عن عبد الرحمن ابن سلمة عن عمه أن أسلم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال صمتم يومكم هذا قالوا لا قال فأتموا بقية يومكم ويعقده وعلى تقدير أن لا يثبت هذا الحديث في الأمر بالقضاء فلا يتعين ترك القضاء لأن من لم يدرك اليوم بكماله لا يلزمه القضاء كمن بلغ أو أسلم في اثناء النهار واحتج الجمهور لاشتراط النية في الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب السنن من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له لفظ النسائي ولأبي داود والترمذي من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له واختلف في رفعه ووقفه ورجح الترمذي والنسائي الموقوف بعد أن أطنب النسائي في تخريج طرقة وحكى الترمذي في العلل عن البخاري ترجيح وقفه وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة فصححوا الحديث المذكور منهم بن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حزم وروى له الدارقطني طريقا آخر وقال رجالها ثقات وأبعد من خصه الحنفية بصيام القضاء والنذر وأبعد من ذلك تفرقة الطحاوي بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه كعاشوراء فتجزئ النية في النهار أو لا في يوم بعينه كرمضان فلا يجزئ الا بنية من الليل وبين صوم التطوع فيجزئ في الليل وفي النهار وقد تعقبه إمام الحرمين بأنه كلام غث لا أصل له وقال ابن قدامة تعتبر النية في رمضان لكل يوم في قول الجمهور وعن أحمد أنه يجزئه نية واحدة لجميع الشهر وهو كقول مالك وإسحاق وقال زفر يصح صوم رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية وبه قال عطاء ومجاهد واحتج زفر بأنه لا يصح فيه غير صوم رمضان لتعينه فلا يفتقر إلى نية لأن الزمن معيار له فلا يتصور في يوم واحد الا صوم واحد وقال أبو بكر الرازي يلزم قائل هذا أن يصحح صوم المغمى عليه في رمضان إذا لم يأكل ولم يشرب لوجود الإمساك بغير نية قال فإن التزمه كان مستشنعا وقال غيره يلزمه أن من آخر الصلاة حتى لم يبق من وقتها الا قدرها فصلى حينئذ تطوعا أنه يجزئه عن الفرض واستدل بن حزم بحديث سلمة على أن من ثبت له هلال رمضان بالنهار

[ 123 ]

جاز له استدراك النية حينئذ ويجزئه وبناه على أن عاشوراء كان فرضا أولا وقد أمروا أن يمسكوا في اثناء النهار قال وحكم الفرض لا يتغير ولا يخفى ما يرد عليه مما قدمناه والحق بذلك من نسي أن ينوي من الليل لاستواء حكم الجاهل والناسى قوله باب الصائم يصبح جنبا أي هل يصح صومه أو لا وهل يفرق بين العامد والناسى أو بين الفرض والتطوع وفي كل ذلك خلاف للسلف والجمهور على الجواز مطلقا والله أعلم قوله كنت أنا وأبي حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة كذا أورده البخاري من رواية مالك مختصرا وعقبة بطريق الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن فاوهم أن سياقهما واحد لكنه ساق لفظ مالك بعد بابين وليس فيه ذكر مروان ولا قصة أبي هريرة نعم قد أخرجه مالك في الموطأ عن سمي مطولا ولمالك فيه شيخ آخر أخرجه في الموطأ عن عبد ربه بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن مختصرا وأخرجه مسلم من هذا الوجه أيضا وأخرجه مسلم أيضا من رواية بن جريج عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه أتم منه وله طرق أخرى كثيرة أطنب النسائي في تخريجها وفي بيان اختلاف نقلها وسأذكر محصل فوائدها أن شاء الله تعالى قوله في رواية شعيب أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أي بن الحكم وأخبار عبد الرحمن بما ذكر لمروان كان بعد أن أرسله مروان إلى عائشة وأم سلمة بين ذلك في الموطأ وهو عند مسلم أيضا من طريقه ولفظه كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم فقال مروان أقسمت عليك يا عبد الرحمن لتذهبن إلى أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة فلتسألنهما عن ذلك قال أبو بكر فذهب عبد الرحمن وذهبت معه حتى دخلنا على عائشة فساق القصة وبين النسائي في رواية له أن عبد الرحمن بن الحارث إنما سمعه من ذكوان مولى عائشة عنها ومن نافع مولى أم سلمة عنها فأخرج من طريق عبد ربه بن سعيد عن أبي عياض عن عبد الرحمن بن الحارث قال أرسلني مروان إلى عائشة فأتيتها فلقيت غلامها ذكوان فارسلته إليها فسألها عن ذلك فقالت فذكر الحديث مرفوعا قال فأتيت مروان فحدثته بذلك فارسلني إلى أم سلمة فأتيتها فلقيت غلامها نافعا فارسلته إليها فسألها عن ذلك فذكر مثله وفي إسناده نظر لأن أبا عياض مجهول فإن كان محفوظا فيجمع بان كلا من الغلامين كان واسطة بين عبد الرحمن وبين كل منهما في السؤال كما في هذه الرواية وسمع عبد الرحمن وابنه أبو بكر كلاهما من وراء الحجاب كما في رواية المصنف وغيره وساذكره من رواية أبي حازم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عند النسائي ففيه أن عبد الرحمن جاء إلى عائشة فسلم على الباب فقالت عائشة يا عبد الرحمن الحديث قوله كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم في رواية مالك المشار إليها كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام وفي رواية يونس عن بن شهاب عن عروة وأبي بكر بن عبد الرحمن عن عائشة كان يدركه الفجر في رمضان جنبا من غير حلم وستاتى بعد بابين وللنسائي من طريق عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عنهما كان يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم وله من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال قال مروان لعبد الرحمن بن الحارث أذهب إلى أم سلمة فسلها فقالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا مني فيصوم ويأمرني بالصيام قال القرطبي في هذا فائدتان إحداهما أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانا للجواز والثاني أن ذلك كان من جماع لا من احتلام

[ 124 ]

لأنه كان لا يحتلم إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه وقال غيره في قولها من غير احتلام إشارة إلى جواز الاحتلام عليه وإلا لما كان للاستثناء معنى ورد بان الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه وأجيب بان الاحتلام يطلق على الإنزال وقد وقع الإنزال بغير رؤية شئ في المنام وارادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدا يفطر وإذا كان فاعل ذلك عمدا لا يفطر فالذي ينسى الاغتسال أو ينام عنه أولى بذلك قال بن دقيق العيد لما كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره فقد يتمسك به من يرخص لغير المتعمد الجماع فبين في هذا الحديث أن ذلك كان من جماع لأزالة هذا الاحتمال قوله وقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث أقسم بالله في رواية النسائي من طريق عكرمة بن خالد عن أبي بكر بن عبد الرحمن فقال مروان لعبد الرحمن الق أبا هريرة فحدثه بهذا فقال أنه لجارى وأنه لأكره أن استقبله بما يكره فقال اعزم عليك لتلقينه ومن طريق عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه فقال عبد الرحمن لمروان ورجاله الله لك أنه لي صديق ولا أحب أن أرد عليه قوله وبين بن جريج في روايته عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه سبب ذلك ففيه عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال سمعت أبا هريرة يقول في قصصه ومن أدركه الفجر جنبا فلا يصم قال فذكرته لعبد الرحمن فانطلق وانطلقت معه حتى دخلنا على مروان فذكر القصة أخرجه عبد الرزاق عنه ومن طريقه مسلم والنسائي وغيرهما وفي رواية مالك عن سمي عن أبي بكر أن أبا هريرة قال من مطرف جنبا أفطر ذلك اليوم وللنسائي من طريق المقبري كان أبو هريرة يفتي الناس أنه من مطرف جنبا فلا يصوم ذلك اليوم وله من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة يقول من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم ومن طريق أبي قلابة عن عبد الرحمن بن الحارث أن أبا هريرة كان يقول من مطرف جنبا فليفطر فاتفقت هذه الروايات على أنه كان يفتي بذلك وسيأتي بيان من روى ذلك عنه مرفوعا في آخر الكلام على هذا الحديث قوله لتفزعن كذا للأكثر بالفاء والزاي من الفزع وهو الخوف أي لتخيفنه بهذه القصة التي تخالف فتواه وللكشميهني لتقرعن بفتح فقاف وراء مفتوحة أي تقرع بهذه القصة سمعه يقال قرعت بكذا سمع فلان إذا اعلمته به أعلاما صريحا قوله في مروان يومئذ على المدينة أي أمير من جهة معاوية قوله فكره ذلك عبد الرحمن قد بينا سبب كراهته قيل ويحتمل أن يكون كره أيضا أن يخالف مروان لكونه كان أميرا واجب الطاعة في المعروف وبين أبو حازم عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه سبب تشديد مروان في ذلك فعند النسائي من هذا الوجه قال كنت عند مروان مع عبد الرحمن فذكروا قول أبي هريرة فقال أذهب فاسأل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال فذهبنا الى عائشة فقالت يا عبد الرحمن أما لكم في رسول الله أسوة حسنة فذكرت الحديث ثم أتينا أم سلمة كذلك ثم أتينا مروان فاشتد عليه اختلافهم تخوفا أن يكون أبو هريرة يحدث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مروان لعبد الرحمن عزمت عليك لما أتيته فحدثته قوله ثم قدر لنا أن نجتمع بذي الحليفة أي المكان المعروف وهو ميقات أهل المدينة وقوله وكان لأبي هريرة هناك أرض فيه رفع توهم من يظن إنهما اجتمعا في سفر وظاهره إنهما اجتمعا من غير قصد لكن في رواية مالك المذكورة فقال مروان لعبد الرحمن أقسمت عليك لتركبن دابتي فإنها بالباب فلتذهبن إلى

[ 125 ]

أبي هريرة فإنه بأرضه بالعقيق فلتخبرنه قال فركب عبد الرحمن وركبت معه فهذا ظاهر في أنه قصد أبا هريرة لذلك فيحمل قوله ثم قدر لنا أن نجتمع معه على المعنى الأعم من التقدير الأعلى معنى الاتفاق ولا تخالف بين قوله بذي الحليفة وبين قوله بأرضه بالعقيق لاحتمال أن يكونا قصداه إلى العقيق فلم يجداه ثم وجداه بذي الحليفة وكان له أيضا بها أرض ووقع في رواية معمر عن الزهري عن أبي بكر فقال مروان عزمت عليكما لما ذهبتما إلى أبي هريرة قال فلقينا أبا هريرة عند باب المسجد والظاهر أن المراد بالمسجد هنا مسجد أبي هريرة بالعقيق لا المسجد النبوي جمعا بين الروليتين أو يجمع بأنهما التقيا بالعقيق فذكر له عبد الرحمن القصة مجملة أو لم يذكرها بل شرع فيها ثم لم يتهيا له ذكر تفصيلها وسماع جواب أبي هريرة الا بعد أن رجعا الى المدينة وأراد دخول المسجد النبوي قوله أتى ذاكر لك في رواية الكشميهني أني أذكر بصيغة المضارعة قوله لم أذكره لك في رواية الكشميهني لم أذكر ذلك وفيه حسن الأدب مع الأكابر وتقديم الاعتذار قبل تبليغ ما يظن المبلغ أن المبلغ يكرهه قوله فذكر قول عائشة وأم سلمة فقال كذلك حدثني الفضل ظاهره أن الذي حدثه به الفضل مثل الذي ذكره له عبد الرحمن عن عائشة وأم سلمة وليس كذلك لما قدمناه من مخالفة قول أبي هريرة لقول عائشة وأم سلمة والسبب في هذا الإبهام أن رواية شعيب في حديث الباب لم يذكر في أولها كلام أبي هريرة كما قدمناه فلذلك أشكل أمر الإشارة بقوله كذلك وقع كلام أبي هريرة في رواية معمر وفي رواية بن جريج كما قدمناه فلذلك قال في آخره سمعت ذلك أي القول الذي كنت أقوله من الفضل وفي رواية مالك عن سمي فقال أبو هريرة لا علم لي بذلك وقى رواية معمر عن بن شهاب فتلون وجه أبي هريرة ثم قال هكذا حدثني الفضل قوله وهو أعلم أي بما روى والعهدة عليه في ذلك لاعلى ووقع في رواية النسفي عن البخاري وهن أعلم أي زواج النبي صلى الله عليه وسلم وكذا في رواية معمر وفي رواية بن جريج فقال أبو هريرة اهما قالتاه قال هما أعلم وهذا يرجع رواية النسفي وللنسائي من طريق عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه هي أي عائشة أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منا وزاد بن جريج في روايته فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك وكذلك وقع في رواية محمد ابن عبد الرحمن بن ثوبان عند النسائي أنه رجع وروى بن أبي شيبة من طريق قتادة عن سعيد ابن المسيب أن أبا هريرة رجع عن فتياه من مطرف جنبا فلا صوم له وللنسائي من طريق عكرمة ابن خالد ويعلى بن عقبة وعراك بن مالك كلهم عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أحال بذلك على الفضل بن عباس لكن عنده من طريق عمر بن أبي بكر عن أبيه أن أبا هريرة قال في هذه القصة إنما كان أسامة بن زيد حدثني فيحمل على أنه كان عنده عن كل منهما ويؤيده رواية أخرى عند النسائي من طريق أخرى عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه قال فيها إنما حدثني فلان وفلان وفي رواية مالك المذكورة أخبرنيه مخبر والظاهر أن هذا من يطلق الرواة منهم من أبهم الرجلين ومنهم من اقتصر على أحدهما تارة مبهما وتارة مفسرا ومنهم من لم يذكر عن أبي هريرة أحدا وهو عن النسائي أيضا من طريق أبي قلابة عن عبد الرحمن بن الحارث ففي آخره فقال أبو هريرة هكذا كنت أحسب قوله وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالفطر والأول أسند أما رواية همام فوصلها أحمد وابن حبان

[ 126 ]

من طريق معمر عنه بلفظ قال صلى الله عليه وسلم إذا نودي الولاء صلاة الصبح واحدكم جنب فلا يصم حينئذ وأما رواية بن عبد الله بن عمر فوصلها عبد الرزاق عن معمر عن بن شهاب عن بن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة به وقد اختلف على الزهري في اسمه فقال شعيب عنه أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال لي أبو هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالفطر إذا مطرف الرجل جنبا أخرجه النسائي والطبراني في مسند الشاميين وقال عقيل عنه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر به فاختلف على الزهري هل هو عبد الله مكبرا أو عبيد الله مصغرا وأما قول المصنف والأول أسند فاستشكله بن التين قال لأن إسناد الخبر رفعه فكأنه قال أن الطريق الأولى أوضح رفعا قال لكن الشيخ أبو الحسن قال معناه أن الأول أظهر اتصالا قلت والذي يظهر لي أن مراد البخاري أن الرواية الأولى أقوى إسنادا وهي من حيث الرجحان كذلك لأن حديث عائشة وأم سلمة في ذلك جاءا عنهما من طرق كثيرة جدا بمعنى واحد حتى قال ابن عبد البر أنه صح وتواتر وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتي به وجاء عنه من طريق هذين أنه كان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك وقع في رواية معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره أخرجه عبد الرزاق وللنسائي من طرق عكرمة بن خالد عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال بلغ مروان أن أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره وله من طريق المقبري قال بعثت عائشة إلى أبي هريرة لأتحدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأحمد من طريق عبد الله بن عمرو القارى سمعت أبا هريرة يقول ورب هذا البيت ما أنا قلت من أدرك الصبح وهو جنب فلا يصم محمد ورب الكعبة قاله لكن بين أبو هريرة كما مضى أنه لم يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما سمعه بواسطة الفضل وأسامة وكأنه كان لشدة وثوقه بخبرهما يحلف على ذلك وأما ما أخرجه بن عبد البر من رواية عطاء بن ميناء عن أبي هريرة أنه قال كنت حدثتكم من مطرف جنبا فقد أفطر وأن ذلك من كيس أبي هريرة فلا يصح ذلك عن أبي هريرة لأنه من رواية عمر بن قيس وهو متروك نعم قد رجع أبو هريرة عن الفتوى بذلك أما لرجحان رواية أمي المؤمنين في جواز ذلك صريحا على رواية غيرهما مع ما في رواية غيرهما من الاحتمال إذ يمكن أن يحمل الأمر بذلك على الاستحباب في غير الفرض وكذا النهى عن صوم ذلك اليوم وأما لاعتقاده أن يكون خبر أمي المؤمنين ناسخا لخبر غيرهما وقد بقي على مقالة أبي هريرة هذه بعض التابعين كما نقله الترمذي ثم ارتفع ذلك الخلاف واستقر الإجماع على أن خلافه كما جزم به النووي وأما بن دقيق العيد فقال صار ذلك إجماعا أو كالاجماع لكن من الاخذين بحديث أبي هريرة من فرق بين تعمد الجنابة وبين من احتلم كما أخرجه عبد الرزاق عن بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه وكذا حكاه بن المنذر عن طاوس أيضا قال بن بطال وهو أحد قولي أبي هريرة قلت ولم يصح عنه فقد أخرج ذلك بن المنذر من طريق أبي المهزم وهو ضعيف عن أبي هريرة ومنهم من قال يتم صومه ذلك اليوم ويقضيه حكاه بن المنذر عن الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر قلت وأخرج عبد الرزاق عن بن جريج أنه سأل عطاء عن ذلك فقال اختلف أبو هريرة وعائشة فارى أن يتم صومه ويقضي اه وكأنه لم يثبت عند رجوع أبي هريرة عن ذلك وليس ما ذكره صريحا في

[ 127 ]

إيجاب القضاء ونقل بعض المتأخرين عن الحسن بن صالح بن حي إيجاب القضاء أيضا والذي نقله الطحاوي عنه استحبابه ونقل بن عبد البر عنه وعن النخعي إيجاب القضاء في الفرض والأجزاء في التطوع ووقع لابن بطال وابن التين والنووي والفاكهي وغير واحد في نقل هذه المذاهب مغايرات في نسبتها لقائلها والمعتمد ما حررته ونقل الماوردي أن هذا الاختلاف كله إنما هو في حق الجنب وأما المحتلم فاجمعوا على أنه يجزئه وهذا النقل معترض بما رواه النسائي بإسناد صحيح عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أنه احتلم ليلا في رمضان فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر ثم نام قبل أن يغتسل فلم يستيقظ حتى مطرف قال فاستفتيت أبا هريرة فقال أفطر وله من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة يقول من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم وهذا صريح في عدم التفرقة وحمل القائلون بفساد صيام الجنب حديث عائشة على أنه من الخصائص النبوية أشار إلى ذلك الطحاوي بقوله وقال آخرون يكون حكم النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكرت عائشة وحكم الناس على ما حكى أبو هريرة وأجاب الجمهور بان الخصائص لا تثبت الا بدليل وبأنه قد ورد صريحا ما يدل على عدمها وترجم بذلك بن حبان في صحيحه حيث قال ذكر البيان بان هذا الفعل لم يكن المصطفى مخصوصا به ثم أورد ما أخرجه هو ومسلم والنسائي وابن خزيمة وغيرهم من طريق أبي يونس مولى عائشة عن عائشة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب فقال يا رسول الله تدركني الصلاة أي صلاة الصبح وأنا جنب افاصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم فقال لست مثلنا يا رسول الله قد ورجاله الله لك ما تقدم مذنبك وما تأخر فقال والله أني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقى وذكر بن خزيمة أن بعض العلماء توهم أن أبا هريرة غلط في هذا الحديث ثم رد عليه بأنه لم يغلط بل أحال على رواية صادق الا أن الخبر منسوخ لأن الله تعالى عند ابتداء فرض الصيام كان منع في ليل الصوم من الأكل والشرب والجماع بعد النوم قال فيحتمل أن يكون خبر الفضل كان حينئذ ثم أباح الله ذلك كله إلى طلوع الفجر فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر فدل على أن حديث عائشة ناسخ لحديث الفضل ولم يبلغ الفضل ابن أبا هريرة الناسخ فاستمر أبو هريرة على الفتيا به ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه قلت ويقويه أن في حديث عائشة هذا الأخير ما يشعر بان ذلك كان بعد الحديبية لقوله فيها قد ورجاله الله لك ما تقدم وما تأخر وأشار إلى آية الفتح وهي إنما نزلت عام الحديبية سنة ست وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية وإلى دعوى النسخ فيه ذهب بن المنذر والخطابى وغير واحد وقرره بن دقيق العيد بان قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم يقتضى اباحة الوطء في ليلة الصوم ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيلزم إباحة الجماع فيه ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبا ولا يفسد صومه فإن اباحه التسبب للشئ إباحة لذلك الشئ قلت وهذا أولي من سلوك الترجيح بين الخبرين كما تقدم من قول البخاري والأول أسند وكذا قال بعضهم أن حديث عائشة أرجح لموافقة أم سلمة لها على ذلك ورواية اثنين تقدم على رواية واحد ولا سيما وهما زوجتان وهما أعلم بذلك من الرجال ولان روايتهما توافق المنقول وهو ما تقدم من مدلول الآية والمعقول وهو أن الغسل شئ واجب

[ 128 ]

بالإنزال وليس في فعله شئ يحرم على صائم فقد يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ولا يحرم عليه بل يتم صومه إجماعا فكذلك إذا احتلم ليلا بل هو من باب الأولى وإنما يمنع الصائم من تعمد الجماع نهارا وهو شبيه بمن يمنع من التطيب وهو محرم لكن لو تطيب وهو حلال ثم أحرم فبقي عليه لونه أو ريحه لم يحرم عليه وجمع بعضهم بين الحديثين بان الأمر في حديث أبي هريرة أمر إرشاد إلى الأفضل فإن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر فلو خالف جاز ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز ونقل النووي هذا عن أصحاب الشافعي وفيه نظر فإن الذي نقله البيهقي وغيره عن نص الشافعي سلوك الترجيح وعن بن المنذر وغيره سلوك النسخ ويعكر على حمله على الإرشاد التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر وبالنهى عن الصيام فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان وقيل هو أمرهم على من أدركه مجامعا فاستدام بعد طلوعه عالما بذلك ويعكر عليه ما رواه النسائي من طريق أبي حازم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه أن أبا هريرة كان يقول من احتلم بعدم باحتلامه ولم يغتسل حتى مطرف فلا يصوم وحكى بن التين عن بعضهم أنه سقط لا من حديث الفضل وكان في الأصل من مطرف جنبا في رمضان فلا يفطر فلما سقط لا صار فليفطر وهذا بعيد بل باطل لأنه يستلزم عدم الوثوق بكثير من الأحاديث وإنها يطرقها مثل هذا الاحتمال وكان قائله ما وقف على شئ من طرق هذا الحديث الا على اللفظ المذكور وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم دخول العلماء على الأمراء ومذاكراتهم إياهم بالعلم وفيه فضيلة لمروان بن الحكم لما يدل عليه الحديث من اهتمامه بالعلم ومسائل الدين وفيه الاستثبات في النقل والرجوع في المعاني إلى الأعلم فإن الشئ إذا نوزع فيه رد إلى من عنده علمه وترجيح مروي النساء فيما لهن عليه الاطلاع دون الرجال على مروي الرجال كعكسه وأن المباشر للأمر أعلم به من المخبر عنه والائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله ما لم يقم دليل الخصوصية وأن للمفضول إذا سمع من الأفضل خلاف ما عنده من العلم أن يبحث عنه حتى يقف على وجهه وأن الحجة عند الاختلاف في المصير إلى الكتاب والسنة وفيه الحجة بخبر الواحد وأن المرأة فيه كالرجل وفيه فضيلة لأبي هريرة لاعترافه بالحق ورجوعه إليه وفيه استعمال السلف من الصحابة والتابعين الإرسال عن العدول من غير نكير بينهم لأن أبا هريرة اعترف بأنه لم يسمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه كان يمكنه أن يرويه عنه بلا واسطة وإنما بينها لما وقع من الاختلاف وفيه الأدب مع العلماء والمبادرة لامتثال أمر ذي الأمر إذا كان طاعة ولو كان فيه مشقة على المأمور تكميل في معنى الجنب الحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلا ثم طلع الفجر قبل اغتسالها قال النووي في شرح مسلم مذهب العلماء كافة صحة صومها الا ما حكى عن بعض السلف مما لا يعلم صح عنه أو لا وكأنه أشار بذلك إلى ما حكاه في شرح المهذب عن الأوزاعي لكن حكاه بن عبد البر عن الحسن بن صالح أيضا وحكى بن دقيق العيد أن في المسألة في مذهب مالك قولين وحكاه القرطبي عن محمد بن مسلمة من أصحابهم ووصف قوله بالشذوذ وحكى بن عبد البر عن عبد الملك بن الماجشون أنها إذا أخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر لأنها في بعضه غير طاهرة قال وليس كالذي يصبح جنبا لأن الاحتلام لا ينقض الصوم والحيض ينقضه قوله باب المباشرة للصائم أي بيان حكمها

[ 129 ]

واصل المباشرة التقاء البشرتين ويستعمل في الجماع سواء اولج أو لم يولج وليس الجماع مرادا بهذه الترجمة قوله وقالت عائشة رضي الله عنها يحرم عليه فرجها وصله الطحاوي من طريق أبي مرة مولى عقيل عن حكيم بن عقال قال سألت عائشة ما يحرم على من امرأتي وأنا صائم قالت فرجها إسناده إلى حكيم صحيح ويؤدى معناه أيضا ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن مسروق سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته صائما قالت كل شئ الا الجماع قوله حدثنا سليمان بن حرب عن شعبة كذا للأكثر ووقع للكشميهنى عن سعيد بمهملة وآخره دال وهو غلط فاحش فليس في شيوخ سليمان بن حرب أحد اسمه سعيد حدثه عن الحكم والحكم المذكور هو ابن عتيبة وإبراهيم هو النخعي وقد وقع عند الاسماعيلي عن يوسف القاضي عن سليمان بن حرب عن شعبة على الصواب لكن وقع عنده عن إبراهيم أن علقمة وشريح بن أرطاة رجلان من النخع كانا عند عائشة فقال أحدهما لصاحبه سلها عن القبلة للصائم قال ما كنت لارفث عند أم المؤمنين فقالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم وكان املككم لإربه قال الاسماعيلي رواه غندر وابن أبي عدي وغير واحد عن شعبة فقالوا عن علقمة وحدث به البخاري عن سليمان بن حرب عن شعبة فقال عن الأسود وفيه نظر وصرح أبو إسحاق بن حمزة فيما ذكره أبو نعيم في المستخرج عنه بأنه خطا قلت وليس ذلك من البخاري فقد أخرجه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله بن معبد عن سليمان بن حرب كما قال البخاري وكان سليمان بن حرب حدث به على الوجهين فإن كان حفظه عن شعبة فلعل شعبة حدث به على الوجهين وإلا فأكثر أصحاب شعبة لم يقولوا فيه من هذا الوجه عن الأسود وإنما اختلفوا فمنهم من قال كرواية يوسف المتقدمة وصورتها الإرسال وكذا أخرجه النسائي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة ومنهم من قال عن إبراهيم عن علقمة وشريح وقد ترجم النسائي في سننه الاختلاف فيه على إبراهيم والاختلاف على الحكم وعلى الأعمش وعلى منصور وعلى عبد الله بن عون كلهم عن إبراهيم وأورده من طريق إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال خرج نفر من النخع فيهم رجل يدعى شريحا فحدث أن عائشة قالت فذكر الحديث قال فقال له رجل لقد هممت أن اضرب رأسك با لقوس فقال قولوا له فليكف عنى حتى نأتي أم المؤمنين فلما أتوها قالوا لعلقمة سلها فقال ما كنت لأرفث عندها اليوم فسمعته فقالت فذكر الحديث ثم ساقه من طريق عبيدة عن منصور فجعل شريحا هو المنكر وأبهم الذي حدث بذلك عن عائشة ثم استوعب النسائي طرقه وعرف منها أن الحديث كان عند إبراهيم عن علقمة والأسود ومسروق جميعا فلعله كان يحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا وتارة يجمع وتارة يفرق وقد قال الدارقطني بعد ذكر الاختلاف فيه على إبراهيم كلها صحاح وعرف من طريق إسرائيل سبب تحديث عائشة بذلك واستدراكها على من حدث عنها به على الإطلاق بقولها ولكنه كان املككم لإربه فاشارت بذلك إلى أن الإباحة لمن يكون مالكا لنفسه دون من لا يأمن من الوقوع فيما يحرم وفي رواية حماد عند السنائى قال الأسود قلت لعائشة أيباشر الصائم قالت لا قلت أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر وهو صائم قالت أنه كان املككم لإربه وظاهر هذا أنها اعتقدت خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قاله القرطبي قال وهو اجتهاد منها وقول أم سلمة يعني الآتى ذكره

[ 130 ]

أولى أن يؤخذ به لأنه نص في الواقعة قلت قد ثبت عن عائشة صريحا إباحة ذلك كما تقدم فيجمع بين هذا وبين قولها المتقدم أنه يحل له كل شئ الا الجماع بحمل النهى هنا على كراهة التنزيه فإنها لا تنافى الإباحة وقد رويناه في كتاب الصيام ليوسف القاضي من طرق حماد بن سلمة عن حماد بلفظ سألت عائشة عن المباشرة للصائم فكرهتها وكان هذا هو السر في تصدير البخاري بالأثر الأول عنها لأنه يفسر مرادها بالنفى المذكور فطريق حماد وغيره والله أعلم ويدل على أنها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص ما رواه مالك في الموطأ عن أبي النضر أن عائشة بنت طلحة أخبرته أنها كانت عند عائشة فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت له عائشة ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها قال اقبلها وأنا صائم قالت نعم قوله كان يقبل ويباشر وهو صائم التقبيل أخص من المباشرة فهو من ذلك العام بعد الخاص وقد رواه عمرو بن ميمون عن عائشة بلفظ كان يقبل في شهر الصوم أخرجه مسلم والنسائي وفي رواية لمسلم يقبل في رمضان وهو صائم فاشارت بذلك إلى عدم التفرقة بين صوم الفرض والنفل وقد اختلف في القبلة والمباشرة للصائم فكرهها قوم مطلقا وهو مشهور عند المالكية وروى بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن بن عمر أنه كان يكره القبلة والمباشرة ونقل بن المنذر وغيره عن قوم تحريمها واحتجوا بقوله تعالى فالآن باشروهن الآية فمنع المباشرة في هذه الآية نهارا والجواب عن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين عن الله تعالى وقد أباح المباشرة نهارا فدل على أن المراد بالمباشرة في الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها والله أعلم وممن أفتى بإفطار من قبل وهو صائم عبد الله بن شبرمة أحد فقهاء الكوفة ونقله الطحاوي عن قوم لم يسمهم والزم بن حزم أهل القياس أن يلحقوا الصيام الحنفية في منع المباشرة ومقدمات النكاح للاتفاق على إبطالهما بالجماع وأباح القبلة قوم مطلقا وهو المنقول صحيحا عن أبي هريرة وبه قال سعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحبها وفرق آخرون بين الشاب والشيخ فكرهها للشاب واباحها للشيخ وهو مشهور عن بن عباس أخرجه مالك وسعيد بن منصور وغيرهما وجاء فيه حديثان مرفوعان فيهما ضعف أخرج أحدهما أبو داود من حديث أبي هريرة والآخر أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وفرق آخرون بين من يملك نفسه ومن لا يملك كما اشارت إليه عائشة وكما تقدم ذلك في مباشرة الحائض في كتاب الحيض وقال الترمذي ورأى بعض أهل العلم أن للصائم إذا ملك نفسه أن يقبل وإلا فلا ليسلم له صومه وهو قول سفيان والشافعي ويدل على ذلك ما رواه مسلم من طريق عمر بن أبي سلمة وهو ربيب النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ايقبل الصائم فقال سل هذه لام سلمة فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك فقال يا رسول الله قد ورجاله لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أما والله أني لاتقاكم لله وأخشاكم له فدل ذلك على أن الشاب والشيخ سواء لأن عمر حينئذ كان شابا ولعله كان أول ما بلغ وفيه دلالة على أنه ليس من الخصائص وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار أنه قبل امرأته وهو صائم فأمر امرأته أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسألته فقال أني أفعل ذلك فقال زوجها يرخص الله لنبيه فيما يشاء فرجعت فقال أنا أعلمكم بحدود الله واتقاكم أخرجه مالك لكنه

[ 131 ]

أرسله قال عن عطاء أن رجلا فذكر نحوه مطولا واختف فيما إذا باشر أو قبل أو نظر فانزل أو أمذى فقال الكوفيون والشافعي يقضي إذا انزل في غير النظر ولا قضاء في الامذاء وقال مالك وإسحاق يقضي في كل ذلك ويكفر الا في الامذاء فيقضى فقط واحتج له بان الإنزال أقصى ما يطلب بالجماع من الالتذاذ في كل ذلك وتعقب بان الأحكام علقت بالجماع ولو لم يكن إنزال فافترقا وروى عيسى بن دينار عن بن القاسم عن مالك وجوب القضاء فيمن باشر أو قبل فانعظ ولم يمذ ولا انزل وأنكره غيره عن مالك وأبلغ من ذلك ماروى عبد الرزاق عن حذيفة من تأمل خلق امرأته وهو صائم بطل صومه لكن إسناده ضعيف وقال بن قدامة أن قبل فانزل أفطر بلا خلاف كذا قال وفيه نظر فقد حكى بن حزم أنه لا يفطر ولو انزل وقوى ذلك وذهب إليه وسأذكر في الباب الذي يليه زيادة في هذه المسألة أن شاء الله تعالى قوله لأربه بفتح الهمزة والراء وبالموحدة أي حاجته ويروي بكسر الهمزة وسكون الراء أي عضوه والأول أشهر وإلى ترجيحه أشار البخاري بما أورده من التفسير قوله وقال بن عباس مارب حاجة مارب بسكون الهمزة وفتح الراء وهذا وصله بن أبي حاتم من طريق على بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله ولى فيها مارب أخرى قال حاجة أخرى كذا فيه وهو تفسير الجمع بالواحد فلعله كان فيها حاجات أو حوائج فقد أخرجه أيضا من طريق عكرمة عنه بلفظ مارب أخرى قال حوائج أخرى قوله وقال طاوس غير أولى الاربة الاحمق لا حاجة له في النساء وصله عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن بن طاوس عن أبيه في قوله غير أولي الاربة قال هو الاحمق الذي ليس له في النساء حاجة وقد وقع لنا هذا الأثر بعلو في جزء محمد بن يحيى الذهلي المروي من طريق السلفي وقد تقدم في الحيض بيان الاختلاف في قوله لإربه ورأيت بخط مغلطاي في شرحه هنا قال وقال بن عباس أي في تفسير أولي الاربة المقعد وقال بن جبير المعتوه وقال عكرمة العنين ولم أر ذلك في شئ من نسخ البخار وإنما اوقعه في ذلك أن القطب لما أخرج أثر طاوس قال بعده وعن بن عباس المعقد الخ ولم يرد القطب أن البخاري ذكر ذلك وإنما أورده القطب من قبل نفسه من كلام أهل التفسير قوله شاء الله تعالى قوله باب القبلة للصائم أي بيان حكمها قوله حدثني يحيى هو القطان وهشام هو بن عروة وقد أحال المصنف بالمتن على طريق مالك عن هشام وليس بين لفظهما مخالفة فقد أخرجه النسائي من طريق يحيى القطان بلفظ كان يقبل بعض أزواجه وهو صائم وزاد الاسماعيلي من طريق عمرو بن على بن يحيى قال هشام قال أني لم أر القبلة تدعو إلى خير ورواه سعيد بن منصور عن يعقوب بن عبد الرحمن عن هشام بلفظ كان يقبل بعض أزواجه وهو صائم ثم ضحكت فقال عروة لم أر القبلة تدعو إلى خير وكذا ذكره مالك في الموطأ عن هشام عقب الحديث لكن لم يقل فيه ثم ضحكت وقوله ثم ضحكت يحتمل ضحكها التعجب ممن

[ 132 ]

خالف في هذا وقيل تعجبت من نفسها إذ تحدث بمثل هذا مما يستحي من ذكر النساء مثله للرجال ولكنها ألجأتها الضرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك وقد يكون الضحك خجلا لإخبارها عن نفسها بذلك أو تنبيها على أنها صاحبة القصة ليكون أبلغ في الثقة بها أو سرورا بمكانها من النبي صلى الله عليه وسلم وبمنزلتها منه ومحبته لها وقد روى بن أبي شيبة عن شريك عن هشام في هذا الحديث فضحكت فظننا أنها هي وروى النسائي من طريق طلحة بن عبد الله التيمي عن عائشة قالت أهوى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليقبلني فقلت أني صائمة فقال وأنا صائم فقبلني وهذا يؤيد ما قدمناه أن النظر في ذلك لمن لا يتاثر بالمباشرة والتقبيل لا للتفرقة بين الشاب والشيخ لأن عائشة كانت شابة نعم لما كان الشاب مظنة لهيجان الشهوة فرق من فرق وقال المازري ينبغي أن يعتبر حال المقبل فإن أثارت منه القبلة الإنزال حرمت عليه لأن الإنزال يمنع منه الصائم فكذلك ما أدى إليه وأن كان عنها المذي فمن رأى القضاء منه قال يحرم في حقه ومن رأى أن لا قضاء قال يكره وأن لم تؤد القبلة إلى شئ فلا معنى للمنع منها الا على القول بسد الذريعة قال ومن بديع ما روى في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم للسائل عنها أرأيت لو تمضمضت فأشار إلى فقه بديع وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم وهي أول الشرب ومفتاحه كما أن القبلة من دواعى الجماع ومفتاحه والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام فكذلك أوائل الجماع اه والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عمر قال النسائي منكر وصححه بن خزيمة وابن حبان والحاكم وقد سبق الكلام على حديث أم سلمة في كتاب الحيض والغرض منه هنا قولها وكان يقبلها وهو صائم وقد ذكرنا شاهده من رواية عمر بن أبي سلمة في الباب الذي قبله وقال النووي القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته لكن الأولى له تركها وأما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح وقيل مكروهة وروى بن وهب عن مالك إباحتها في النفل دون الفرض قال النووي ولا خلاف أنها لا تبطل الصوم الا أن انزل بها تنبيه روى أبو داود وحده من طريق مصدع بن يحيى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها ويمص لسانها وإسناده ضعيف ولو صح فهو أمرهم على من لم يبتلع ريقه الذي خالط ريقها والله أعلم قوله باب اغتسال الصائم أي بيان جوازه قال الزين بن المنير أطلق الاغتسال ليشمل الإغتسال المسنونة والواجبة والمباحة وكأنه يشير إلى ضعف ما روى عن على من النهى عن دخول الصائم الحمام أخرجه عبد الرزاق وفي إسناده ضعف واعتمده الحنفية فكرهوا الاغتسال للصائم قوله وبل بن عمر ثوبا فألقى عليه وهو صائم في رواية الكشميهني فألقاه وهذا وصله المصنف في التاريخ وابن شيبة من طريق عبد الله بن أبي عثمان أنه رأى بن عمر يفعل ذلك ومناسبته للترجمة من جهة أن بلل الثوب إذا طالت إقامته على الجسد حتى جف ينزل ذلك منزلة الدلك بالماء وأراد البخاري بأثر بن عمر هذا معارضة ما جاء عن إبراهيم النخعي بأقوى منه فإن وكيعا روى عن الحسن بن صالح عن اني عنه أنه كان يكره للصائم بل الثياب قوله ودخل الشعبي الحمام وهو صائم وصله بن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق قال رأيت الشعبي يدخل الحمام وهو صائم ومناسبته للترجمة ظاهرة قوله وقال بن عباس لا بأس أن يتطعم القدر بكسر القاف أي طعام القدر أو الشئ وصله بن

[ 133 ]

أبي شيبة من طريق عكرمة عنه بلفظ لا بأس أن يتطاعم القدر ورويناه في الجعديات من هذا الوجه بلفظ لا بأس أن يتطاعم الصائم بالشئ يعني المرقة ونحوها ومناسبته للترجمة من طريق الفحوى لأنه إذا لم يناف الصوم إدخال الطعام في الفم وتطعمه وتقريبه من الازدراد لم ينافه ايصاله الماء إلى بشرة الجسد من باب الأولى قوله وقال الحسن لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم وصله عبد الرزاق بمعناه ووقع بعضه في حديث مرفوع أخرجه مالك وأبو داود من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب الماء على رأسه وهو صائم من العطش أو من الحر ومناسبته للترجمة ظاهرة وسيأتي الكلام على ما يتعلق بالمضمضة في الباب الذي بعده قوله وقال بن مسعود إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح دهينا مترجلا قال الزين بن المنير مناسبته للترجمة من جهة أن الادهان من الليل يقتضى استصحاب أثره في النهار وهو مما يرطب الدماغ ويقوى النفس فهو أبلغ من الاستعانة ببرد الاغتسال لحظة من النهار ثم يذهب أثره قلت وله مناسبة أخرى وذلك أن المانع من الاغتسال لعله سلك به مسلك استحباب التقشف في الصيام كما ورد مثله في الحج والادهان والترجل في مخالفة التقشف كالاغتسال وقال بن المنير الكبير أراد البخاري الرد على من كره الاغتسال للصائم لأنه أن كرهه خشية وصول الماء حلقه فالعلة باطلة بالمضمضة والسواك وبذوق القدر ونحو ذلك وأن كرهه للرفاهية فقد استحب السلف للصائم الترفه والتجمل بالترجل والادهان والكحل ونحو ذلك فلذلك ساق هذه الآثار في هذه الترجمة قوله وقال أنس أن لي ابزن اتقحم فيه وأنا صائم الابزن بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الزاي بعدها نون حجر منقور شبه الحوض وهي كلمة فارسية ولذلك لم يصرفه واتقحم فيه أي ادخل وهذا الأثر وصله قاسم بن ثابت في غريب الحديث له من طريق عيسى بن طهمان سمعت أنس بن مالك يقول أن لي ابزن إذا وجدت الحر ومؤنثه فيه وأنا صائم وكأن الابزن كان ملان ماء فكان أنس إذا وجد الحر دخل فيه يتبرد بذلك قوله وقال بن عمر يستاك أول النهار وآخره وصله بن أبي شيبة عنه بمعناه ولفظه كان بن عمر يستاك إذا أراد أن يروح إلى الظهر وهو صائم ومناسبته للترجمة قريبة مما تقدم في أثر بن عباس في تطعم القدر ووقع في نسخه الصغاني بعد قوله وآخره ولا يبلع ريقه قوله وقال بن سيرين لا بأس بالسواك الرطب قيل له طعم قال والماء له طعم وأنت تمضمض به وصله بن أبي شيبة من طريق أبي حمزة المازني قال أتى بن سيرين رجل فقال ما ترى في السواك للصائم قال لا بأس به قال أنه جريد وله طعم قال فذكر مثله قوله ولم ير أنس والحسن وإبراهيم بالكحل للصائم بأسا أما أنس فروى أبو داود في السنن من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس أنه كان يكتحل وهو صائم ورواه الترمذي من طريق أبي عاتكة عن أنس مرفوعا وضعفه وأما الحسن فوصله عبد الرزاق بإسناد صحيح عنه قال لا بأس بالكحل للصائم وأما إبراهيم فاختلف عنه فروى سعيد بن منصور عن جرير عن القعقاع بن يزيد سألت إبراهيم أيكتحل الصائم قال نعم قلت أجد طعم الصبر في حلقي قال ليس بشئ وروى أبو داود من طريق يحيى بن عيسى عن الأعمش قال ما رأيت أحدا من أصحابنا يكره الكحل للصائم وكان إبراهيم يرخص أن يكتحل الصائم بالصبر وروى بن أبي شيبة عن حفص عن الأعمش عن إبراهيم قال لا بأس بالكحل للصائم ما لم يجد

[ 134 ]

طعمه ثم أورد المصنف حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بعد الفجر ويصوم وأورده أيضا من حديثها وحديث أم سلمة وهو مطابق لما ترجم له وقد تقدم الكلام عليه مستوفى قبل بابين بحمد الله تعالى قوله باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا أي هل يجب عليه القضاء أو لا وهي مسألة خلاف مشهورة فذهب الجمهور إلى عدم الوجوب وعن مالك يبطل صومه ويجب عليه القضاء قال عياض هذا هو المشهور عنه وهو قول شيخه ربيع وجميع أصحاب مالك لكن فرقوا بين الفرض والنفل وقال الداودي لعل مالكا لم يبلغه الحديث أو أوله على رفع الإثم قوله وقال عطاء أن استنثر فدخل الماء في حلقة لا بأس أن لم يملك أي دفع الماء بان غلبه فإن ملك دفع الماء فلم يدفعه حتى دخل حلقه أفطر ووقع في رواية أبي ذر والنسفي لا بأس لم يملك بإسقاط أن وهي على هذا جملة مستانفة كالتعليل لقوله لا بأس وهذا الأثر وصله عبد الرزاق عن بن جريج قلت لعطاء إنسان يستنثر فدخل الماء في حلقه قال لا بأس بذلك قال عبد الرزاق وقاله معمر عن قتادة وقال بن أبي شيبة حدثنا مخلد عن بن أبي جريج أن إنسانا قال لعطاء أمضمض فيدخل الماء في حلقي قال لا بأس لم يملك وهذا يقوي رواية أبي ذر والنسفي قوله وقال الحسن أن دخل الذباب في حلقه فلا شئ عليه وصله بن أبي شيبة من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد عن بن عباس في الرجل يدخل في حلقه الذباب وهو صائم قال لا يفطر وعن وكيع عن الربيع عن الحسن قال لا يفطر ومناسبة هذين الاثرين للترجمة من جهة أن المغلوب بدخول الماء حلقه أو الذباب لا اختيار له في ذلك كالناسي قال بن المنير في الحاشية ادخل المغلوب في ترجمة الناسي لاجتماعهما في ترك العمد وسلب الاختيار ونقل بن المنذر الاتفاق على أن من دخل في حلقه الذباب وهو صائم أن لا شئ عليه لكن نقل غيره عن أشهب أنه قال أحب إلى أن يقضي حكاه بن التين وقال الزين بن المنير دخول الذباب أقعد بالغلبة وعدم الاختيار من دخول الماء لأن الذباب يدخل بنفسه بخلاف الاستنشاق والمضمضة فإنما تنشا عن تسببه وفرق إبراهيم بين من كان ذاكرا لصومه حال المضمضة فاوجب عليه القضاء دون الناسي وعن الشعبي أن كان لصلاة فلا قضاء وإلا قضى قوله وقال الحسن ومجاهد أن جامع ناسيا فلا شئ عليه هذان الاثران وصلهما عبد الرزاق قال أخبرنا بن جريج عن بن نجيح عن مجاهد قال لو وطئ رجل امرأته وهو صائم ناسيا في رمضان لم يكن عليه فيه شئ وعن الثوري عن رجل عن الحسن قال هو بمنزلة من أكل أو شرب ناسيا وظهر بأثر الحسن هذا مناسبة ذكر هذا الأثر للترجمة وروى أيضا عن بن جريج أنه سأل عطاء عن رجل أصاب امرأته ناسيا في رمضان قال لا ينسى هذا كله عليه القضاء وتابع عطاء على ذلك الأوزاعي والليث ومالك وأحمد وهو أحد الوجهين للشافعية وفرق هؤلاء كلهم بين الأكل والجماع وعن أحمد في المشهور عنه تجب عليه الكفارة أيضا وحجتهم قصور حالة المجامع ناسيا عن حالة الأكل والحق به بعض الشافعية من أكل كثيرا لندور نسيان ذلك قال بن دقيق العيد ذهب مالك إلى إيجاب القضاء على من أكل أو شرب ناسيا وهو القياس فإن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات والقاعدة أن النسيان لا يؤثر في المأمورات قال وعمدة من لم يوجب القضاء حديث أبي هريرة لأنه أمر بالإتمام وسمي الذي يتم صوما وظاهره حمله على الحقيقة الشرعية فيتمسك به حتى يدل دليل على أن

[ 135 ]

المراد بالصوم هنا حقيقته اللغوية وكأنه يشير بهذا إلى قول بن القصار أن معنى قوله فليتم صومه أي الذي كان دخل فيه وليس فيه نفى القضاء قال وقوله فإنما أطعمه الله وسقاه مما يستدل به على صحة الصوم لاشعاره بان الفعل الصادر منه مسلوب الإضافة إليه فلو كان أفطر لا ضيف الحكم إليه قال وتعليق الحكم بالأكل والشرب للغالب لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليهما وذكر الغالب لا يقتضى مفهوما وقد اختلف فيه القائلون بان أكل الناسي لا يوجب قضاء واختلف القائلون بالافساد هل يوجب مع القضاء الكفارة أو مع اتفاقهم على أن أكل الناسي لا يوجبها ومدار كل ذلك على قصور حالة المجامع ناسيا عن حالة الأكل ومن أراد الحاق الجماع بالمنصوص عليه فإنما طريقه القياس والقياس مع وجود الفارق متعذر الا أن بين القائس أن الوصف الفارق ملغى اه وأجاب بعض الشافعية بان عدم وجوب القضاء عن المجامع ماخوذ من عموم قوله في بعض طرق الحديث من أفطر في شهر رمضان لأن الفطر أعم من أن يكون بأكل أو شرب أو جماع وإنما خص الأكل والشرب بالذكر في الطريق الأخرى لكونهما أغلب وقوعا ولعدم الاستغناء عنهما غالبا قوله هشام هو الدستوائي قوله إذا نسي فاكل في رواية مسلم من طريق إسماعيل عن هشام من نسي وهو صائم فأكل وللمصنف في النذر من طريق عوف عن ابن سيرين من أكل ناسيا وهو صائم ولأبي داود من طريق حبيب بن الشهيد وأيوب عن بن سيرين عن أبي هريرة جاء رجل فقال يا رسول الله أني أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم وهذا الرجل هو أبو هريرة راوي الحديث أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف قوله فليتم صومه في رواية الترمذي من طريق قتادة عن بن سيرين فلا يفطر قوله فانما أطعمه الله وسقاه في رواية الترمذي فإنما هو رزق رزقه الله وللدارقطني من طريق بن علية عن هشام فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه قال بن العربي تمسك جميع فقهاء الأمصار بظاهر هذا الحديث وتطلع مالك إلى المسألة من طريقها فأشرف عليه لأن الفطر ضد الصوم والامساك ركن الصوم فأشبه ما لو نسي ركعة من الصلاة قال وقد روى الدارقطني فيه لا قضاء عليك فتأوله علماؤنا على أن معناه لاقضاء عليك الآن وهذا تعسف وإنما أقول ليته صح فنتبعه ونقول به الا على أصل مالك في أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يعمل به فلما جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة في رفع الإثم عملنا به وأما الثاني فلا يوافقها فلم نعمل به وقال القرطبي احتج به من اسقط القضاء وأجيب بأنه لم يتعرض فيه للقضاء فيحمل على سقوط المؤاخذة لأن المطلوب صيام يوم لا خرم فيه لكن روى الدارقطني فيه سقوط القضاء وهو نص لا يقبل الاحتمال لكن الشان في صحته فإن صح وجب الأخذ به وسقط القضاء اه وأجاب بعض المالكية بحمل الحديث على صوم التطوع كما حكاه بن التين عن بن شعبان وكذا قال بن القصار واعتل بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان فيحمل على التطوع وقال المهلب وغيره لم يذكر في الحديث اثبات القضاء فيحمل على سقوط الكفارة عنه وإثبات عذره ورفع الإثم عنه وبقاء نيته التي بيتها اه والجواب عن ذلك كله بما أخرجه بن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة فعين رمضان وصرح بإسقاط القضاء قال الدارقطني تفرد به محمد بن الاستثناء عن

[ 136 ]

الأنصاري وتعقب بان بن خزيمة أيضا أخرجه أيضا عن إبراهيم بن محمد الباهلي وبأن الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرازي كلاهما عن الأنصاري فهو المنفرد به كما قالب البيهقي وهو ثقة والمراد أنه انفرد بذكر إسقاط القضاء فقط لا بتعيين رمضان فإن النسائي أخرج الحديث من طريق على بن بكار عن محمد بن عمرو ولفظه في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسيا فقال الله أطعمه وسقاه وقد ورد إسقاط القضاء من وجه آخر عن أبي هريرة أخرجه الدارقطني من رواية محمد بن عيسى بن الطباع عن بن علية عن هشام عن بن سيرين ولفظه فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه وقال بعد تخريجه هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات قلت لكن الحديث عند مسلم وغيره من طريق بن علية وليس فيه هذه الزيادة وروى الدارقطني أيضا إسقاط القضاء من رواية أبي رافع وأبي سعيد المقبري والوليد بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار كلهم عن أبي هريرة وأخرج أيضا من حديث أبي سعيد رفعه من أكل في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه وإسناده وأن كان ضعيفا لكنه صالح للمتابعة فاقل درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنا فيصلح للاحتجاج به وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوة ويعتضد أيضا بأنه قد أفتي به جماعة من الصحابة من غير مخالفة لهم منهم كما قاله بن المنذر وابن حزم وغيرهما على بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو هريرة وابن عمر ثم هو موافق لقوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم فالنسيان ليس من كسب القلب وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل الا بنسيانه فكذلك الصيام وأما القياس الذي ذكره بن العربي فهو في مقابلة النص فلا يقبل ورده للحديث مع صحته بكونه خبر واحد خالف القاعدة ليس بمسلم لأنه قاعدة مستقلة بالصيام فمن عارضه بالقياس على الصلاة ادخل قاعدة في قاعدة ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث الا القليل وفي الحديث لطف الله بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهم وقد روى أحمد لهذا الحديث سببا فأخرج من طريق أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق أنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بقصعة من ثريد فأكلت معه ثم تذكرت أنها كانت صائمة فقال لها ذو اليدين الآن بعدما شبعت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن بن جريج عن عمرو بن دينار أن إنسانا جاء إلى أبي هريرة فقال أصبحت صائما فنسيت فطعمت قال لا بأس قال ثم دخلت على إنسان فنسيت لعزيمة وشربت قال لا بأس الله اطعمك وسقاك ثم قال دخلت على آخر فنسيت فطعمت فقال أبو هريرة أنت إنسان لم تتعود الصيام قوله باب سواك الرطب واليابس للصائم كذا للأكثر وهو كقولهم مسجد الجامع ووقع في رواية الكشميهني باب السواك الرطب واليابس وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره للصائم الاستياك بالسواك الرطب كالمالكية والشعبي وقد تقدم قبل بباب قياس بن سيرين السواك الرطب على الماء الذي يتمضمض به ومنه تظهر النكتة في إيراد حديث عثمان في صفة الوضوء في هذا الباب فإن فيه أنه تمضمض واستنشق وقال فيه من توضأ وضوئي هذا ولم يفرق بين صائم ومفطر ويتايد ذلك بما ذكر في حديث أبي هريرة في الباب قوله ويذكر عن عامر بن ربيعة قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعد وصله أحمد

[ 137 ]

وأبو داود والترمذي من طريق عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه وأخرجه بن خزيمة في صحيحه وقال كنت لا أخرج حديث عاصم ثم نظرت فإذا شعبة والثوري قد رويا عنه وروى يحيى وعبد الرحمن عن الثوري عنه وروى مالك عنه خبرا في غير الموطأ قلت وضعفه بن معين والذهلي والبخاري وغير واحد ومناسبته للترجمة اشعاره بملازمة السواك ولم يخص رطبا من يابس وهذا على طريقة المصنف في أن المطلق يسلك به مسلك العموم أو أن العام في الأشخاص عام في الأحوال وقد أشار إلى ذلك بقوله في أواخر الترجمة المذكورة ولم يخص صائما من غيره أي ولم يخص أيضا رطبا من يابس وبهذا التقرير تظهر مناسبة جميع ما أورده في هذا الباب للترجمة والجامع لذلك كله قوله في حديث أبي هريرة لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء فإنه يقتضى إباحته في كل وقت وعلى كل حال قال بن المنير في الحاشية أخذ البخاري شرعية السواك للصائم بالدليل الخاص ثم انتزعه من الأدلة فضالة التي تناولت أحوال متناول السواك وأحوال ما يستاك به ثم انتزع ذلك من أعم من السواك وهو المضمضة إذ هي أبلغ من السواك الرطب قوله وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم السواك مطهرة للفم مرضاة الرب وصله أحمد والنسائي وابن حبان من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه عنها رواه عن عبد الرحمن هذا يزيد بن زريع والدراوردي وسليمان بن بلال وغير واحد وخالفهم حماد بن سلمة فرواه عن عبد الرحمن بن أبي عتيق عن أبيه عن أبي بكر الصديق أخرجه أبو يعلى والسراج في مسنديهما عن عبد الأعلى بن حماد عن حماد بن سلمة قال أبو يعلى في روايته قال عبد الأعلى هذا خطا إنما هو عن عائشة قوله وقال عطاء وقتادة يبتلع ريقه كذا للأكثر وللمستملى يبلع بغير مثنا وللحموي يتبلع بتقديم المثناة بعدها موحدة ثم مشددة فأما قول عطاء فوصله سعيد بن منصور وسيأتي في الباب الذي بعده وأما أثر قتادة فوصله عبد بن حميد في التفسير عن عبد الرزاق عن معمر عنه نحوه ومناسبته للترجمة من جهة أن أقصى ما يخشى من السواك الرطب أن يتحلل منه في الفم شئ وذلك الشئ كماء المضمضة فإذا قذفه من فيه لا يضره بعد ذلك أن يبتلع ريقه قوله وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن شق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء وصله النسائي من طريق بشر بن عمر عن مالك عن بن شهاب عن حميد عن أبي هريرة بهذا اللفظ ووقع لنا بعلو في جزء الذهلي وأخرجه بن خزيمة من طريق روح بن عبادة عن مالك بلفظ لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء والحديث في الصحيحين بغير هذا اللفظ من غير هذا الوجه وقد أخرجه النسائي أيضا من طريق عبد الرحمن السراج عن سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء قوله ويروي نحوه عن جابر وزيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم أما حديث جابر فوصله أبو نعيم في كتاب السواك من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عنه بلفظ مع كل صلاة سواك وعبد الله مختلف فيه ووصله بن عدي من وجه آخر عن جابر بلفظ لجعلت السواك عليهم عزيمة وإسناده ضعيف وأما حديث زيد بن خالد فوصله أصحاب السنن وأحمد من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عنه بلفظ عند كل صلاة وحكى الترمذي عن البخاري أنه سأله عن رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ورواية محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن

[ 138 ]

زيد بن خالد فقال رواية محمد بن إبراهيم أصح قال الترمذي كلا الحديثين صحيح عندي قلت رجح البخاري طريق محمد بن إبراهيم لامرين أحدهما أن فيه قصة وهي قول أبي سلمة فكان زيد بن خالد يضع السواك منه موضع القلم من إذن الكاتب فكلما قام إلى الصلاة استاك ثانيهما أنه توبع فاخرج الإمام أحمد من طريق يحيى بن أبي كثير حدثنا أبو سلمة عن يزيد بن خالد فذكر نحوه تنبيه وقع في رواية غير أبي ذر في سياق هذه الآثار والأحاديث تقديم وتأخير والخطب فيه يسير ثم أورد المصنف في الباب حديث عثمان في صفة الوضوء وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الوضوء وفي أوائل الصلاة وذكرت ما يتعلق بمناسبته للترجمة قبل قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ فليستنشق بمنخره الماء هذا الحديث بهذا اللفظ من الأصول التي لم يوصلها البخاري وقد أخرجه مسلم من طريق همام عن أبي هريرة ورويناه في منصف عبد الرزاق وفي نسخه همام من طريق الطبراني عن إسحاق عنه عن معمر عن همام ولفظه إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخره الماء ثم ليستنثر وقول المصنف ولم يميز الصائم من غيره قاله تفقها وهو كذلك في أصل الاستنشاق لكن ورد تمييز الصائم من غيره في المبالغة في ذلك كما رواه أصحاب السنن وصححه بن خزيمة وغيره من طريق عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له بالغ في الاستنشاق الا أن تكون صائما وكان المصنف أشار بإيراد أثر الحسن عقبه إلى هذا التفصيل قوله وقال الحسن لا بأس بالسعوط للصائم أن لم يصل الماء إلى حلقه وصله بن أبي شيبة نحوه وقال الكوفيون والأوزاعي وإسحاق يجب القضاء على من استعط وقال مالك والشافعي لا يجب الا أن وصل الماء إلى حلقه وقوله ويكتحل هو من قول الحسن أيضا وقد تقدم ذكره قبل بابين قوله وقال عطاء الخ وصله سعيد بن منصور عن ابن المبار ك عن بن جريج قلت لعطاء الصائم يمضمض ثم يزدرد ريقه وهو صائم قال لا يضره وماذا بقي في فيه وكذا أخرجه عبد الرزاق عن بن جريج ووقع في أصل البخاري وما بقي ففيه قال بن بطال ظاهره إباحة الازدراد لما بقي في الفم من ماء المضمضة وليس كذلك لأن عبد الرزاق رواه بلفظ وماذا بقي في فيه وكان ذا سقطت من رواية البخاري انتهى وما على ظاهر ما أورده البخاري موصولة وعلى ما وقع من رواية بن جريج استفهامية وكأنه قال وأي شئ يبقى في فيه بعد أن يمج الماء الا أثر الماء فإذا بلع ريقه لا يضره وقوله في الأصل لا يضره وقع في رواية المستملى لا يضيره بزيادة تحتانية والمعنى واحد قوله ولا يمضغ العلك الخ في رواية المستملى ويمضغ العلك والأول أولي فكذلك أخرجه عبد الرزاق عن بن جريج قلت لعطاء يمضغ الصائم العلك قال لا قلت أنه يمج ريق العلك ولا يزدرده ولا يمصه قال وقلت له أيتسوك الصائم قال نعم قلت له أيزدرد ريقه قال لا فقلت ففعل أيضره قال لا ولكن ينهى عن ذلك وقد تقدم الخلاف في المضمضة في باب من أكل ناسيا قال بن المنذر اجمعوا على أنه لا شئ على الصائم فيما يبتلعه مما يجري مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على إخراجه وكان أبو حنيفة يقول إذا كان بين أسنانه لحم فأكله متعمدا فلا قضاء عليه وخالفه الجمهور لأنه معدود من الأكل ورخص في مضغ العلك أكثر العلماء أكان لا يتحلب منه شئ فإن تحلب منه شئ فازدرده فالجمهور على أنه يفطر انتهى والعلك بكسر المهملة وسكون اللام بعدها كاف كل ما يمضغ ويبقى في الفم

[ 139 ]

كالمصطكي واللبان فإن كان يتحلب منه شئ في الفم فيدخل الجوف فهو مفطر وإلا فهو مجفف ومعطش فيكره من هذه الحيثية قوله باب إذا جامع في رمضان أي عامدا عالما وجبت عليه الكفارة قوله ويذكر عن أبي هريرة رفعه من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وأن صامه وصله أصحاب السنن الأربعة وصححه بن خزيمة من طريق سفيان الثوري وشعبة وكلاهما عن حبيب بن أبي ثابت عن عمارة بن عمير عن أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة نحوه وفي رواية شعبة في غير رخصة رخصها الله تعالى له لم يقض عنه وأن صام الدهر كله قال الترمذي سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس لا أعرف له غير هذا الحديث وقال البخاري في التاريخ أيضا تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا قلت واختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافا كثيرا فحصلت فيه ثلاث علل الاضطراب والجهل بحال أبي المطوس والشك في سماع أبيه من أبي هريرة وهذه الثالثة تختص بطريقة البخاري في اشتراط اللقاء وذكر بن حزم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مثله موقوفا قال بن بطال أشار بهذا الحديث إلى إيجاب الكفارة على من أفطر بأكل أو شرب قياسا على الجماع والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدا وقرر ذلك الزين بن المنير بأنه ترجم بالجماع لأنه الذي ورد فيه الحديث المسند وإنما ذكر آثار الإفطار ليفهم أن الإفطار بالأكل والجماع بمعنى واحد انتهى والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالآثار التي ذكرها إلى أن إيجاب القضاء مختلف فيبين السلف وأن الفطر بالجماع لا بد فيه من الكفارة وأشار بحديث أبي هريرة إلى أنه لا يصح لكونه لم يجزم به عنه وعلى تقدير صحته فظاهره يقوي قول من ذهب إلى عدم القضاء في الفطر بالأكل بل يبقى ذلك في ذمته زيادة في عقوبته لأن مشروعية القضاء تقتضي رفع الإثم لكن لا يلزم من عدم القضاء على الكفارة فيما ورد فيه الأمر بها وهو الجماع والفرق بين الانتهاك بالجماع والأكل ظاهر فلا يصح القياس المذكور قال بن المنير في الحاشية ما محصله أن معنى قوله في الحديث لم يقض عنه صيام الدهر أي لا سبيل إلى استدراك كمال فضيلة الأداء بالقضاء أي في وصفه الخاص وأن كان يقضي عنه في وصفه العام فلا يلزم من ذلك اهدار القضاء بالكلية انتهى ولا يخفى تكلفه وسياق أثر بن مسعود الاتى يرد هذا التأويل وقد سوى بينهما البخاري قوله وبه قال ابن مسعود أي بما دل عليه حديث أبي هريرة وأثر بن مسعود وصله البيهقي ورويناه عاليا في جزء هلال الحفار من طريق منصور عن واصل عن المغيرة بن عبد الله اليشكري قال حدثت أن عبد الله بن مسعود قال من أفطر يوما من رمضان من غير علة لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله فإن شاء ورجاله له وأن شاء عذبه وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة من وجه آخر عن واصل عن المغيرة عن فلان بن الحارث عن بن مسعود ووصله الطبراني والبيهقي أيضا من وجه آخر عن عرفجة قال قال عبد الله بن مسعود من أفطر يوما في رمضان متعمدا من غير علة ثم قضى المريض الدهر لم يقبل منه وبهذا الإسناد عن على مثله وذكر بن حزم من طريق بن المبارك بإسناد له فيه انقطاع أن أبا بكر الصديق قال لعمر بن الخطاب فيما أوصاه به من صام شهر رمضان في غيره لم يقبل منه ولو صام الدهر أجمع قوله وقال سعيد بن المسيب والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وحماد

[ 140 ]

يقضي يوما مكانه أما سعيد بن المسيب فوصله مسدد وغيره عنه في قصة المجامع قال يقضي يوما مكانه ويستغفر الله ولم أر عنه التصريح بذلك في الفطر بالأكل بل روى بن أبي شيبة من طريق عاصم قال كتب أبو قلابة إلى سعيد بن المسيب يسأله عن رجل أفطر يوما من رمضان متعمدا قال يصوم شهرا قلت فيومين قال صيام شهر قال فعددت أياما قال صيام شهر قال بن عبد البر كأنه ذهب إلى وجوب التتابع في رمضان فإذا تخلله فطر يوعمدا بطل التتابع ووجب استئناف صيام شهر كمن لزمه صوم شهر متتابع بنذر أو غير وقال غيره يحتمل أنه أراد عن كل يوم شهر فقوله فيومين قال صيام شهر أي عن كل يوم والأول أظهر وروى البزار والدارقطني مقتضى هذا الاحتمال مرفوعا عن أنس وإسناده ضعيف وأما الشعبي فقال سعيد بن منصور حدثنا هشيم حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي في رجل أفطر يوما في رمضان عامدا قال يصوم يوما مكانه ويستغفر الله عز وجل وأما سعيد بن جبير فوصله بن أبي شيبة من طريق يعلى بن حكيم عنه فذكر مثله وأما إبراهيم النخعي فقال سعيد بن منصور حدثنا هشيم وقال بن أبي شيبة حدثنا شريك كلاهما عن اني عن إبراهيم فذكر مثله وأما قتادة فذكره عبد الرزاق عن معمر عن الحسن وقتادة في قصة المجامع في رمضان وأما حماد وهو بن أبي سليمان فذكره عبد الرزاق عن أبي حنيفة عنه قوله حدثنا يحيى هو بن سعيد الأنصاري وفي إسناده هذا أربعة من التابعين في نسق كلهم من أهل المدينة يحيى وعبد الرحمن تابعيان صغيرا من طبقة واحدة وفوقهما قليلا محمد بن جعفر وأما بن عمه عباد فمن اواسط التابعين قوله ان رجلا قيل هو سلمة بن صخر البياضي ولا يصح ذلك كما سيأتي قوله انه احترق سيأتي في حديث أبي هريرة أنه عبر بقوله هلكت ورواية الاحتراق تفسر رواية الهلا ك وكأنه لما اعتقد أن مرتكب الإثم يعذب بالنار أطلق على نفسه أنه احترق لذلك وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم له هذا الوصف فقال أين المحترق إشارة إلى أنه لو اصر على ذلك لاستحق ذلك وفيه دلالة على أنه كان عامدا كما سيأتي قوله تصدق بهذا هكذا وقع مختصرا وأورده مسلم وأبو داود من طريق عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم وفيه قال أصبت أهلي قال تصدق قال والله ما لي شئ قال أجلس فجلس فأقبل رجل يسوق حمارا عليه طعام فقال أين المحترق أنفا فقام الرجل فقال تصدق بهذا فقال أعلى غيرنا فوالله أنا لجياع قال كلوه وقد استدل به لمالك حيث جزم في كفارة الجماع في رمضان بالإطعام دون غيره من الصيام والعتق ولا حجة فيه لأن القصة واحدة وقد حفظها أبو هريرة وقصها على وجهها واوردتها عائشة مختصرة أشار إلى هذا الجواب الطحاوي والظاهر أن الاختصار من بعض الرواة فقد رواه عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر بن الزبير بهذا الإسناد مفسرا ولفظه كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل فارع يعني بالفاء والمهملة فجاءه رجل من بني بياضة فقال احترقت وقعت بامرأتي في رمضان قال أعتق رقبة قال لا اجدها قال أطعم ستين مسكينا قال ليس عندي فذكر الحديث أخرجه أبو داود ولم يسق يسير وساقه بن خزيمة في صحيحه والبخاري في تاريخه ومن طريقه البيهقي ولم يقع في هذه الرواية أيضا ذكر صيام شهرين ومن حفظ حجة على من لم يحفظ تنبيه اختلفت الرواية عن مالك في ذلك فالمشهور ما تقدم وعنه يكفر في الأكل بالتخيير وفي الجماع بالإطعام فقط وعنه التخيير مطلقا وقيل يراعى

[ 141 ]

زمان الخصب والجدب وقيل يعتبر حالة المكفر وقيل غير ذلك قوله باب إذا جامع في رمضان أي عامدا عالما ولم يكن له شئ يعتق أو يطعم ولا يستطيع الصيام فتصدق عليه أي بقدر ما يجزيه فليكفر أي به لأنه صار واجدا وفيه إشارة إلى أن الاعسار لا يسقط الكفارة عن الذمة وقوله أخبرني حميد بن عبد الرحمن أي بن عوف هكذا توارد عليه أصحاب الزهري وقد جمعت منهم في جزء مفرد لطرق هذا الحديث أكثر من أربعين نفسا منهم بن عيينة والليث ومعمر ومنصور عند الشيخين والأوزاعي وشعيب وإبراهيم بن سعد عند البخاري ومالك وابن جريج عند مسلم ويحيى بن سعيد وعراك بن مالك عند النسائي وعبد الجبار بن عمر عند أبي عوانة والجوزقى وعبد الرحمن بن مسافر عند الطحاوي وعقيل عند بن خزيمة وابن أبي حفصة عند أحمد ويونس وحجاج بن أرطاة وصالح بن أبي الاخضر عند الدارقطني ومحمد بن إسحاق عند البزار وسأذكر ما عند كل منهم من زيادة فائدة أن شاء الله تعالى وخالفهم هشام بن سعد فرواه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أخرجه أبو داود وغيره قال البزار وابن خزيمة وأبو عوانة أخطأ فيه هشام بن سعد قلت وقد تابعه عبد الوهاب بن عطاء عن محمد بن أبي حفصة فرواه عن الزهري أخرجه الدارقطني في العلل والمحفوظ عن بن أبي حفصة كالجماعة كذلك أخرجه أحمد وغيره من طريق روح بن عبادة عنه ويحتمل أن يكون الحديث عند الزهري عنهما فقد جمعهما عنه صالح بن أبي الأخضر أخرجه الدارقطني في العلل من طريقه وسيأتي في الباب الذي بعده حكاية خلاف آخر فيه على منصور وكذلك في الكفارات حكاية فيه على سفيان بن عيينة أن شاء الله تعالى قوله أن أبا هريرة قال في رواية بن جريج عند مسلم وعقيل عند بن خزيمة وابن أبي أويس عند الدارقطني التصريح بالتحديث بين حميد وأبي هريرة قوله بينما نحن جلوس أصلها بين وقد ترد بغير ما فتشبع الفتحة ومن خاصة بينما أنها تتلقى باذوباذا حيث تجئ للمفاجاة بخلاف بينا فلا تتلقى بواحدة منهما وقد وردا في هذا الحديث كذلك قوله عند النبي صلى الله عليه وسلم فيه حسن الأدب فيي التعبير لما تشعر العندية بالتعظيم بخلاف ما لو قال مع لكن في رواية الكشميهني مع النبي صلى الله عليه وسلم قوله إذ جاءه رجل لم اقف على تسميته الا أن عبد الغني في المبهمات وتبعه بن بشكوال جزما بأنه سليمان أو سلمة بن صخر البياضي واستند إلى ما أخرجه بن أبي شيبة وغيره من طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر أنه ظاهر من امرأته في رمضان وأنه وطئها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم حرر رقبة قلت ما أملك رقبة غيرها وضرب صفحة رقبته قال فصم شهرين متتابعين قال وهل أصبت الذي أصبت الا من الصيام قال فأطعم ستين مسكينا قال والذي بعثك بالحق ما لنا طعام قال فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك والظاهر إنهما واقعتان فإن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائما كما سيأتي وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلا فافترقا ولا يلزم من اجتماعهما في كونهما من بني بياضة وفي صفة الكفارة وكونها مرتبة وفي كون كل منهما كان لا يقدر على شئ من خصالها اتحاد القصتين وسنذكر أيضا ما يؤيد المغايرة بينهما وأخرج بن عبد البر في ترجمة عطاء الخراساني من التمهيد من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو سليمان بن صخر قال بن عبد البر أظن هذا

[ 142 ]

وهما لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته ووقع عليها في الليل لا أن ذلك كان منه بالنهار اه ويحتمل أن يكون قوله في الرواية المذكورة وقع على امرأته في رمضان أي ليلا بعد أن ظاهر فلا يكون وهما ولا يلزم الاتحاد ووقع في مباحث العام من شرح بن الحاجب ما يوهم أن هذا الرجل هو أبو بردة بن يسار وهو وهم يظهر من تأمل بقية كلامه قوله فقال يا رسول الله زاد عبد الجبار بن عمر عن الزهري جاء رجل وهو ينتف شعره ويدق صدره ويقول هلك الأبعد ولمحمد بن أبي حفصة يلطم وجهه ولحجاج بن أرطاة يدعو ويله وفي مرسل بن المسيب عند الدارقطني ويحثى على رأسه التراب واستدل بهذا على جواز هذا الفعل والقول ممن وقعت له معصية ويفرق بذلك بين مصيبة الدين والدنيا فيجوز فمصيبة الدين لما يشعر به الحال من شدة الندم وصحة الاقلاع ويحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل النهى عن لطم الخدود وحلق الشعر عند المصيبة قوله فقال هلكت في رواية منصور في الباب الذي يليه فقال أن الآخر هلك والآخر بهمزة مفتوحة وخاء غدا مكسورة بغير الفساد هو الأبعد وقيل الغائب وقيل الارذل قوله هلكت في حديث عائشة كما تقدم احترقت وفي رواية بن أبي حفصة ما أراني الا قد هلكت واستدل به على أنه كان عامدا لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدى إلى ذلك فكأنه جعل المتوقع كالواقع وبالغ فعبر عنه بلفظ الماضي وإذا تقرر ذلك فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناسي وهو مشهور قول مالك والجمهور وعن أحمد وبعض المالكية يجب على الناسي وتمسكوا بترك استفساره عن جماعة هل كان عن عمد أو نسيان وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول كما اشتهر والجواب أنه قد تبين حاله بقوله هلكت واحترقت فدل على أنه كان عامدا عارفا بالتحريم وأيضا فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد واستدل بهذا على أن من أرتكب معصية لا حد فيها وجاء مستفتيا أنه لا يعزر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية وقد ترجم لذلك البخاري في الحدود وأشار إلى هذه القصة وتوجيهه أن مجيئه مستفتيا يقتضى الندم والتوبة والتعزيز إنما جعل للاستصلاح ولا استصلاح مع الصلاح وأيضا فلو عوقب المستفتى لكان سببا لترك الاستفتاء وهي مفسدة فاقتضى ذلك أن لا يعاقب هكذا قرره الشيخ تقى الدين لكن وقع في شرح السنة البغوي أن من جامع متعمدا في رمضان فسد صومه وعليه القضاء والكفارة ويعزز على سوء صنيعه وهو أمرهم على من لم يقع منه ما وقع من صاحب هذه القصة من الندم والتوبة وبناه بعض المالكية على الخلاف في تعزير شاهد الزور قوله قال مالك بفتح اللام استفهام عن حاله وفي رواية عقيل ويحك ما شأنك ولابن أبي حفصة وما الذي أهلكك ولعمرو ما ذاك وفي رواية الأوزاعي ويحك ما صنعت أخرجه المصنف في الأدب وترجم باب ما جاء في قول الرجل ويلك ويحك ثم قال عقبة تابعه يونس عن الزهري يعني في قوله ويحك وقال عبد الرحمن بن خالد عن الزهري ويلك قلت وسأذكر من وصلهما هناك أن شاء الله تعالى وقد تابع بن خالد في قوله ويلك صالح بن أبي الأخضر وتابع الأوزاعي في قوله ويحك عقيل وابن إسحاق وحجاج بن أرطاة فهو أرجح وهو اللائق بالمقام فإن ويح كلمة رحمة وويل كلمة عذاب والمقام يقتضى الأول قوله وقعت على الفجر وفي رواية بن إسحاق أصبت أهلي وفي حديث عائشة وطئت امرأتي ووقع في رواية مالك وابن جريج وغيرهما كما سيأتي بيانه بعد قليل في الكلام على الترتيب والتخيير في أول الحديث أن رجلا أفطر في رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم

[ 143 ]

الحديث واستدل به على إيجاب الكفارة على من أفسد صيامه مطلقا بأي شئ كان وهو قول المالكية وقد تقدم نقل الخلاف فيه والجمهور حملوا قوله أفطر هنا على المقيد في الرواية الأخرى وهو قوله وقعت على أهلي وكأنه قال أفطر بجماع وهو أولى من دعوى القرطبي وغيره تعدد القصة واحتج من أوجب الكفارة مطلقا بقياس الأكل على المجامع بجامع ما بينهما من انتهاك حرمة الصوم وبأن من أكره على الأكل فسد صومه كما يفسد صوم من أكره على الجماع بجامع ما بينهما وسيأتي بيان الترجيح بين الكلب في الكلام على الترتيب وقد وقع في حديث عائشة وكما ما وقع في حديث أبي هريرة فمعظم الروايات فيها وطئت ونحو ذلك وفي رواية ساق مسلم إسنادها وساق أبو عوانة في مستخرجه متنها أنه قال أفطرت في رمضان والقصة واحدة ومخرجها متحد فيحمل على أنه أراد أفطرت في رمضان بجماع وقد وقع في مرسل بن المسيب عند سعيد بن منصور أصبت امرأتي ظهرا في رمضان وتعيين رمضان معمول بمفهومه وللفرق في وجوب كفارة المجامع في الصوم بين رمضان وغيره من الواجبات كالنذر وفي كلام أبي عوانة في صحيحه إشارة إلى وجوب ذلك على من وقع منه في رمضان نهارا سواء كان الصوم واجبا عليه أو غير واجب قوله وانا صائم جملة حالية من قوله وقعت فيؤخذ منه أنه لا يشترط في إطلاق اسم المشتق بقاء المعنى المشتق منه حقيقة لاستحالة كونه صائما مجامعا في حالة واحدة فعلى هذا قوله وطئت أي شرعت في الوطء أو أراد جامعت بعد إذ أنا صائم ووقع في رواية عبد الجبار بن عمر وقعت على أهلي اليوم وذلك في رمضان قوله هل تجد رقبة تعتقها في رواية منصور أتجد ما تحرر رقبة وفي رواية بن أبي حفصة اتستطيع أن تعتق رقبة وفي رواية إبراهيم بن سعد والأوزاعي فقال أعتق رقبة زاد في رواية مجاهد عن أبي هريرة فقال بئسما صنعت أعتق رقبة قوله قال لا في رواية بن مسافر فقال لا والله يا رسول الله وفي رواية بن إسحاق ليس عندي وفي حديث بن عمر فقال والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط واستدل بإطلاق الرقبة على جواز إخراج الرقبة الكافرة كقول الحنفية وهو ينبنى على أن السبب إذا اختلف واتحد الحكم هل يقيد المطلق أولا وهل تقييده بالقياس أو لا والاقرب أنه بالقياس ويؤيده التقييد في مواضع أخرى قوله قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا وفي رواية إبراهيم بن سعد قال فصم شهرين متتابعين وفي حديث سعد قال لا أقدر وفي رواية بن إسحاق وهل لقيت ما لقيت الا من الصيام قال بن دقيق العيد لا اشكال في الانتقال عن الصوم الا الإطعام لكن رواية بن إسحاق هذه اقتضت ان عدم استطاعته لشدة شبقه وعدم صبره عن الوقاع فنشا للشافعية نظر هل يكون ذلك عذرا أي شدة الشبق حتى يعد صاحبه غير مستطيع الصوم أو لا والصحيح عندهم اعتبار ذلك ويلتحق به من يجد رقبة لا غنى به عنها فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها لكونه في حكم غير الواجد وأما ما رواه الدارقطني من طريق شريك عن إبراهيم بن عامر عن سعيد بن المسيب في هذه القصة مرسلا أنه قال في جواب قوله هل تستطيع أن تصوم أني لأدع الطعام ساعة فما اطيق ذلك ففي إسناده مقال وعلى تقدير صحته فلعله اعتل بالأمرين قوله فهل تجد إطعام ستين مسكينا قال لا زاد بن مسافر يا رسول الله ووقع في رواية سفيان فهل تستطيع إطعام وفي رواية إبراهيم بن سعد وعراك بن مالك فتطعم ستين مسكينا قال لا أجد وفي رواية بن أبي حفصة

[ 144 ]

افتستطيع أن تطعم ستين مسكينا قال لا وذكر الحاجة وفي حديث بن عمر قال والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي قال بن دقيق العيد أضاف الإطعام الذي هو الحدود أطعم إلى ستين فلا يكون ذلك موجودا في حق من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلا ومن أجاز ذلك فكأنه استنبط من النص معنى أن يعود عليه بالابطال والمشهور عن الحنفية الأجزاء حتى لو أطعم الجميع مسكينا واحدا في ستين يوما كفى والمراد بالإطعام الإعطاء لا اشتراط حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في الفم بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف وفي إطلاق الإطعام ما يدل على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة بخلاف زكاة الفرض فإن فيها النص على الايتاء وصدقة الفطر فإن فيها النص على الأداء وفي ذكر الإطعام ما يدل على وجود طاعمين فيخرج الطفل الذي لم يطعم كقول الحنفية ونظر الشافعي إلى النوع فقال يسلم لوليه وذكر الستين ليفهم أنه لا يجب ما زاد عليها ومن لم يقل بالمفهوم تمسك بالإجماع على ذلك وذكر في حكمة هذه الخصال من المناسبة أن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية فناسب أن يعتق رقبة فيفدى نفسه وقد صح أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار وأما الصيام فمناسبته ظاهرة لأنه كالمقاصة بجنس الجناية وأما كونه شهرين فلانة لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء فلما أفسد منه يوما كان كمن أفسد الشهر كله من حيث أنه عبادة واحدة بالنوع فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين ثم أن هذه الخصال جامعة لاشتمالها على حق الله وهو الصوم وحق الأحرار بالإطعام وحق الارقاء بالاعتاق وحق الجاني بثواب الامتثال وفيه دليل على إيجاب الكفارة بالجماع خلافا لمن شذ فقال تجب مستندا إلى أنه لو كان واجبا لما سقط بالإعسار وتعقب بمنع الاسقاط كما سيأتي البحث فيه وقد تقدم في آخر باب الصائم يصبح جنبا نقل الخلاف في إيجاب الكفارة بالقبلة والنظر والمباشرة والانعاظ واختلفوا أيضا هل يلحق الوطء في الدبر بالوطء في القبل وهل يشترط في إيجاب الكفارة كل وطء في أي فرج كان وفيه دليل على جريان الخصال الثلاث المذكورة في الكفارة ووقع في المدونة ولا يعرف مالك غير الإطعام ولا يأخذ بعتق ولا صيام قال بن دقيق العيد وهي معضلة لا يهتدى إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال ووجهوا ترجيح الطعام على غيره بان الله ذكره في القرآن رخصة للقادر ثم نسخ هذا الحكم ولا يلزم منه نسخ الفضيلة فيترجح الاطعام أيضا لاختيار الله له في حق المفطر بالعذر وكذا أخبر بأنه في حق من آخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر ولمناسبة إيجاب الإطعام لجبر فوات الصيام الذي هو إمساك عن الطعام ولشمول نفعه للمساكين وكل هذه الوجوه لا تقاوم ما ورد في الحديث من تقديم العتق على الصيام ثم الإطعام سواء قلنا الكفارة على الترتيب أو التخيير فإن هذه البداءة أن لتقتض وجوب الترتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه واحتجوا أيضا بان حديث عائشة لم يقع فيه سوى الإطعام وقد تقدم الجواب عن ذلك قبل وأنه ورد فيه من وجه آخر ذكر العتق أيضا ومن المالكية من وافق على هذا الاستحباب ومنهم من قال أن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات ففي وقت الشدة يكون

[ 145 ]

بالإطعام وفي غيرها يكون بالعتق أو الصوم ونقلوه عن محققى المتأخرين ومنهم من قال الإفطار بالجماع يكفر بالخصال الثلاث وبغيره لا يكفر الا بالإطعام وهو قول أبي مصعب وقال بن جرير الطبري هو مخير بين العتق والصوم ولا يطعم الا عند العجز عنهما وفي الحديث أنه لا مدخل لغير هذه الخصال الثلاث في الكفارة وجاء عن بعض المتقدمين اهداء البدنة عند تعذر الرقبة وربما ايده بعضهم بالحاق افساد الصيام بافساد الحج وورد ذكر البدنة في مرسل سعيد بن المسيب عند مالك في الموطأ عن عطاء الخراساني عنه وهو مع إرساله قد رده سعيد بن المسيب وكذب من نقله عنه كما روى سعيد بن منصور عن بن عليه عن خالد الحذاء عن القاسم بن عاصم قلت لسعيد بن المسيب ما حديث حدثناه عطاء الخراساني عنك في الذي وقع على امرأته في رمضان أنه يعتق رقبة أو يهدى بدنه فقال كذب فذكر الحديث وهكذا رواه الليث عن عمرو بن الحارث عن أيوب عن القاسم بن عاصم وتابعه همام عن قتادة عن سعيد وذكر بن عبد البر أن عطاء لم ينفرد بذلك فقد ورد عن طريق مجاهد عن أبي هريرة موصولا ثم ساقه شوال لكنه من رواية ليث بن أبي سليم عن مجاهد وليث ضعيف وقد اضطرب في روايته سندا ومتنا فلا حجة فيه وفي الحديث أيضا أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب المذكور قال بن العربي لأن النبي صلى الله عليه وسلم نقله من أمر بعد عدمه لأمر آخر وليس هذا شان التخيير ونازع عياض في ظهور دلالة الترتيب في السؤال عن ذلك فقال أن مثل هذا السؤال قد يستعمل فيما هو على التخيير وقرره ابن المنير في الحاشية بان شخصا لو حنث فاستفتى فقال له المفتى أعتق رقبة فقال لا أجد فقال صم ثلاثة أيام الخ لم يكن مخالفا لحقيقة التخيير بل يحمل على أن ارشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجيز الكفارة وقال البيضاوي ترتيب الثاني بالفاء على فقد الأول ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني يدل على عدم التخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السؤال فينزل منزلة الشرط للحكم وسلك الجمهور في ذلك مسلك الترجيح بان الذين رووا الترتيب عن الزهري أكثر من روى التخيير وتعقبه بن التين بان الذين رووا الترتيب بن عيينة ومعمر الأوزاعي والذين رووا التخيير مالك وابن جريج وفليح بن سليمان وعمرو بن عثمان المخزومي وهو كما قال في الثاني دون الأول فالذين رووا الترتيب في البخاري الذي نحن في شرحه أيضا إبراهيم بن سعد والليث بن سعد وشعيب بن أبي حمزة ومنصور ورواية هذين في هذا الباب الذي نشرحه وفي الذي يليه فكيف غفل بن التين عن ذلك وهو ينظر فيه بل روى الترتيب عن الزهري كذلك تمام الثلاثين نفسا أو ازيد ورجح الترتيب أيضا بان رواية حكى لفظ القصة على وجهها فمعه زيادة علم من صورة الواقعة وراوي التخيير حكى لفظ راوي الحديث فدل على أنه من يطلق بعض الرواة أما لقصد الاختصار أو لغير ذلك ويترجح الترتيب أيضا بأنه احوط لأن الأخذ به مجزئ سواء قلنا بالتخيير أو بخلاف العكس وجمع بعضهم بين الكلب كالمهلب والقرطبى بالحمل على التعدد وهو بعيد لأن القصة واحدة والمخرج متحد والأصل عدم التعدد وبعضهم حمل الترتيب على الاولوية والتخيير على الجواز وعكسه بعضهم فقال أو في الرواية الأخرى ليست للتخيير وإنما هي للتفسير والتقدير أمر رجلا أن يعتق رقبة أو يصوم أن عجز عن العتق أو يطعم أن عجز عنهما وذكر الطحاوي أن سبب إتيان بعض الرواة بالتخيير أن الزهري راوي الحديث قال في آخر حديثه فصارت الكفارة إلى عتق

[ 146 ]

رقبة أو صيام شهرين أو الإطعام قال فرواه بعضهم مختصرا مقتصرا على ما ذكر الزهري أنه آل إليه الأمر قال وقد قص عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن الزهري القصة على وجهها ثم ساقه من طريقه مثل حديث الباب إلى قوله أطعمه أهلك قال فصارت الكفارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا قلت وكذلك رواه الدارقطني في العلل من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري وقال في آخره فصارت سنة عنق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا قوله فمكث عند النبي صلى الله عليه وسلم كذا هنا بالميم والكاف المفتوحة ويجوز ضمها والثاء المثلثة وفي رواية أبي نعيم في المستخرج من وجهين عن أبي وابنه فسكت بالمهملة والكاف المفتوحة والمثناة وكذا في رواية بن مسافر وابن أبى الأخضر وفي رواية بن عيينة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أجلس فجلس قوله فبينا نحن على ذلك في رواية بن عيينة فبينما هو جالس كذلك قال بعضهم يحتمل أن يكون سبب أمره له بالجلوس انتظار ما يوحى إليه في حقه ويحتمل أنه كان عرف أنه سيؤتى بشئ بعينه به ويحتمل أن يكون اسقط عنه الكفارة بالعجز وهذا الثالث ليس بقوي لأنها لو سقطت ما عادت عليه حيث أمره بها بعد اعطائه إياه المكتل قوله اتى النبي صلى الله عليه وسلم كذا للأكثر بضم أوله على البناء للمجهول وهو جواب بينا في هذه الرواية وأما رواية بن عيينة المشار إليها فقال فيها إذ أتى لأنه قال فيها فبينما هو جالس وقد تقدم تقرير ذلك والاتي المذكور لم يسم لكن وقع في رواية معمر كما سيأتي في الكفارات فجاء رجل من الأنصار وعند الدارقطني من طريق داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب مرسلا فأتى رجل من ثقيف فإن لم يحمل على أنه كان حليفا للأنصار أو إطلاق الأنصار بالمعنى الأعم وإلا فرواية الصحيح أصح ووقع في رواية بن إسحاق فجاء رجل بصدقته يحملها وفي مرسل الحسن عند سعيد بن منصور بتمر من تمر الصدقة قوله بعرق بفتح المهملة والراء بعدها قاف قال بن التين كذا لأكثر الرواة وفي رواية أبي الحسن يعني القابسي بإسكان الراء قال عياض والصواب الفتح وقال بن التين أنكر بعضهم الاسكان لأن الذي بالإسكان هو العظم الذي عليه اللحم قلت أن كان الإنكار من جهة الاشتراك مع العظم فلينكر الفتح لأنه يشترك مع الماء الذي يتحلب من الجسد نعم الراجح من حيث الرواية الفتح ومن حيث اللغة أيضا الا أن الاسكان ليس بمنكر بل أثبته بعض أهل اللغة كالقزاز قوله والعرق المكتل بكسر الميم وسكون الكاف وفتح المثناة بعدها لام زاد بن عيينة عند الإسماعيلي وابن خزيمة المكتل الضخم قال الأخفش سمي المكتل عرقا لأنه يضفر عرقة عرقة فالعرق جمع عرقة كعلق وعلقة الأقبح الضفيرة من الخوص وقوله والعرق المكتل تفسير من أحد رواته وظاهر هذه الرواية أنه الصحابي لكن في رواية بن عيينة ما يشعر بأنه الزهري وفي رواية منصور في الباب الذي يلي هذا فأتى بعرق فيه تمر وهو الزبيل وفي رواية بن أبي حفصة فأتى بزبيل وهو المكتل والزبيل بفتح الزاي وتخفيف الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام بوزن رغيف هو المكتل قال بن دريد يسمى زبيلا لحمل الزبل فيه وفيه لغة أخرى زنبيل بكسر الزاي أوله وزيادة نون ساكنة وقد تدغم النون فتشدد الباء مع بقاء وزنه وجمعه على اللغات الثلاث زنابيل ووقع في بعض طرق عائشة عند مسلم فجاءه عرقان والمشهور في غيرها عرق ورجحه البيهقي وجمع غيره بينهما بتعدد الواقعة وهو جمع لا نرضاه لاتحاد

[ 147 ]

مخرج الحديث والأصل عدم التعدد والذي يظهر أن التمر كان قدر عرق لكنه كان في عرقين في حال التحميل على الدابة ليكون أسهل في الحمل فيحتمل أن الاتى به لما وصل افرغ أحدهما في الآخر فمن قال عرقان أراد ابتداء الحال ومن قال عرق أراد ما آل إليه والله أعلم قوله أين السائل زاد بن مسافر أنفا أطلق عليه ذلك لأن كلامه متضمن للسؤال فإن مراده هلكت فما ينجيني وما يخلصني مثلا وفي حديث عائشة أين المحترق أنفا وقد تقدم توجيهه ولم يعين في هذه الرواية مقدار ما في المكتل من التمر بل ولا في شئ من طرق الصحيحين في حديث أبي هريرة ووقع في رواية بن أبي حفصة فيه خمسة عشر صاعا وفي رواية مؤمل عن سفيان فيه خمسة عشر أو نحو ذلك وفي رواية مهران بن أبي عمر عن الثوري عن بن خزيمة فيه خمسة عشر أو عشرون وكذا هو عند مالك وعبد الرزاق في مرسل سعيد بن المسيب وفي مرسله عند الدارقطني الجزم بعشرين صاعا ووقع في حديث عائشة عند بن خزيمة فأتى بعرق فيه عشرون صاعا قال البيهقي قوله عشرون صاعا بلاغ بلغ محمد بن جعفر يعني بعض رواته وقد بين ذلك محمد بن إسحاق عنه فذكر الحديث وقال في آخره قال محمد بن جعفر فحدثت بعد أنه كان عشرين صاعا من تمر قلت ووقع في مرسل عطاء بن أبي رباح وغيره عند مسدد فأمر له ببعضه وهذا يجمع الروايات فمن قال أنه كان عشرين أراد أصل ما كان فيه ومن قال خمسة عشر أراد قدر ما أنكر به الكفارة ويبين ذلك حديث على عند الدارقطني تطعم ستين مسكينا لكل مسكين الفساد وفيه فأتى بخمسة عشر صاعا فقال أطعمه ستين مسكينا وكذا في رواية حجاج الزهري عند الدارقطني في حديث أبي هريرة وفيه رد على الكوفيين في قولهم أن واجبه من القمح ثلاثون صاعا ومن غيره ستون صاعا ولقول عطاء أن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعا وعلى أشهب في قوله لو غداهم أو عشاهم كفى تصدق الإطعام ولقول الحسن يطعم أربعين مسكينا عشرين صاعا أو بالجماع أطعم خمسة عشر وفيه رد على الجوهري حيث قال في الصحاح المكتل يشبه الزبيل يسع خمسة عشر صاعا لأنه لا حصر في ذلك وروى عن مالك أنه قال يسع خمسة عشر أو عشرين ولعله قال ذلك في هذه القصة الخاصة فيوافق رواية مهران وإلا فالظاهر أنه لا حصر في ذلك والله أعلم وأما ما وقع في رواية عطاء ومجاهد عن أبي هريرة عند الطبراني في الأوسط أنه أتى بمكتل فيه عشرون صاعا فقال تصدق بهذا وقال قبل ذلك تصدق بعشرين صاعا أو بتسع عشرة أو بإحدى وعشرين فلا حجة فيه لما فيه من الشك ولأنه من رواية ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقد اضطرب فيه وفي الإسناد إليه مع ذلك من لا يحتج به ووقع في بعض طرق حديث عائشة عند مسلم فجاءه عرقان فيهما طعام ووجهه أن كان محفوظا ما تقدم قريبا والله أعلم قوله خذ هذا فتصدق به كذا للأكثر ومنهم من ذكره بمعناه وزاد بن إسحاق فتصدق به عن نفسك ويؤيده رواية منصور في الباب الذي يليه بلفظ أطعم هذا عنك ونحوه في مرسل سعيد بن المسيب من رواية داود بن أبي هند عنه عند الدارقطني وعنده من طريق ليث عن مجاهد عن أبي هريرة نحن نتصدق به عنك واستدل بإفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة وكذا قوله في المراجعة هل تستطيع وهل تجد وغير ذلك وهو الأصح من قول الشافعية وبه قال الأوزاعي وقال الجمهور وأبو ثور وابن المنذر تجب الكفارة على المرأة أيضا على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والأمة والمطاوعة والمكرهة وهل هي عليها

[ 148 ]

أو على الرجل عنها واستدل الشافعية بسكوته عليه الصلاة والسلام عن أعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف ولم تسأل واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكما ما لم تعترف وبانها قضية حال فالسكوت عنها لا يدل على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذر من الاعذار ثم أن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفة من كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شئ وقال القرطبي اختلفوا في الكفارة هل هي على الرجل وحده على نفسه فقط أو عليه وعليها أو عليه كفارتان عنه وعنها أو عليه عن نفسه وعليها عنها وليس في الحديث ما يدل على شئ من ذلك لأنه ساكت عن المرأة فيؤخذ حكمها من دليل آخر مع احتمال أن يكون سبب السكوت أنها كانت غير صائمة واستدل بعضهم بقوله في بعض طرق هذا الحديث هلكت وأهلكت وهي زيادة فيها مقال فقال بن الجوزي في قوله وأهلكت تنبيه على أنه اكرهها ولولا ذلك لم يكن مهلكا لها قلت ولا يلزم من ذلك تعدد الكفارة بل لا يلزم من قوله وأهلكت إيجاب الكفارة عليها بل يحتمل أن يريد بقوله هلكت اثمت وأهلكت أي كنت سببا في تاثيم من طاوعتني فواقعتها إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوعة ولا يلزم من ذلك اثبات الكفارة ولا نفيها أو المعنى هلكت أي حيث وقعت في شئ لا أقدر على كفارته وأهلكت أي نفسي بفعلى إلى جر على الإثم وهذا كله بعد ثبوت الزيادة المذكورة وقد ذكر البيهقي أن للحاكم في بطلانها ثلاثة أجزاء ومحصل القول فيها أنها وردت من طريق الأوزاعي ومن طريق بن عيينة أما الأوزاعي فتفرد بها محمد بن المسيب عن عبد السلام بن عبد الحميد عن عمر بن عبد الواحد والوليد بن مسلم وعن محمد بن عقبة عن علقمة عن أبيه ثلاثتهم عن الأوزاعي قال البيهقي رواه جميع أصحاب الأوزاعي بدونها وكذلك جميع الرواة عن الوليد وعقبة وعمر ومحمد ابن المسيب كان حافظا مكثرا الا أنه كان في آخر أمره عمي فلعل هذه اللفظة أدخلت عليه وقد رواه أبو على النيسابوري عنه بدونها ويدل على بطلانها ما رواه العباس بن الوليد عن أبيه قال سئل الأوزاعي عن رجل جامع امرأته في رمضان قال عليهما كفارة واحدة الا الصيام قيل له فإن استكرهها قال عليه الصيام وحده وأما بن عيينة فتفرد بها أبو ثور عن معلى بن منصور عنه قال الخطابي المعلى ليس بذلك الحافظ وتعقبه بن الجوزي بأنه لا يعرف أحدا طعن في المعلى وغفل عن قول الإمام أحمد أنه كان يخطئ كل يوم في حديثين أو ثلاثة فلعله حدث من حفظه بهذا فوهم وقد قال الحاكم وقفت على كتاب الصيام للمعلى بخط موثوق به وليست هذه اللفظة فيه وزعم بن الجوزي أن الدارقطني أخرجه من طريق عقيل أيضا وهو غلط منه فإن الدارقطني لم يخرج طريق عقيل في السنن وقد ساقه في العلل بالإسناد الذي ذكره عنه بن الجوزي بدونها تنبيه القائل بوجوب كفارة واحدة على الزوج عنه وعن موطوءته يقول يعتبر حالهما فإن كانا من أهل العتق أجزأت رقبة وأن كانا من أهل الإطعام أطعم ما سبق وأن كانا من أهل الصيام صاما جميعا فإن اختلفت حالهما ففيه تفريع محله كتب الفروع قوله فقال الرجل على أفقر منى أي أتصدق به على شخص أفقر مني وهذا يشعر بأنه فهم يأمر له في التصدق على من يتصف بالفقر وقد بين بن

[ 149 ]

عمر في حديثه ذلك فزاد فيه إلى من ادفعه قال إلى أفقر من تعلم أخرجه البزار والطبراني في الأوسط وفي رواية إبراهيم بن سعد أعلى أفقر من أهلي ولابن مسافر أعلى أهل بيت أفقر مني وللاوزاعي أعلى غير أهلي ولمنصور أعلى أحوج منا ولابن إسحاق وهل الصدقة الا لي وعلى قوله فوالله ما بين لابتيها تثنية لابة وقد تقدم شرحها في أواخر كتاب الحج والضمير للمدينة وقوله يريد الحرتين من كلام بعض رواته زاد في رواية بن عيينة ومعمر والذي بعثك بالحق ووقع في حديث بن عمر المذكور ما بين حرتيها وفي رواية والأوزاعي الآتية في الأدب والذي نفسي بيده ما بين بتعارضهما المدينة تثنية طنب وهو بضم الطاء المهملة بعدها نون والطنب أحد اطناب الخيمة فاستعاره للطرف قوله أهل بيت أفقر من أهل بيتي زاد يونس مني ومن أهل بيتي وفي رواية إبراهيم بن سعد أفقر منا وأفقر بالنصب على أنها خبر ما النافية ويجوز الرفع على لغة تميم وفي رواية عقيل ما أحد أحق به من أهلي ما أحد أحوج إليه مني وفي أحق واحوج ما في أفقر وفي مرسل سعيد من رواية داود عنه والله ما لعيالي من طعام وفي حديث عائشة عند بن خزيمة ما لنا عشاء ليلة قوله فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت انيابه في رواية بن إسحاق حتى بدت نواجذه ولأبي قرة في السنن عن بن جريج حتى بدت ثناياه ولعلها تصحيف من أنيابه فإن الثنايا تبين بالتبسم غالبا وظاهر السياق إرادة الزيادة على التبسم ويحمل ما ورد في صفته صلى الله عليه وسلم أن ضحكه كان تبسما على غالب أحواله وقيل كان لا يضحك الا في أمر يتعلق بالآخرة فإن كان في أمر الدنيا لم يزد على التبسم قيل وهذه القضية تعكر عليه وليس كذلك فقد قيل أن سبب ضحكه صلى الله عليه وسلم كان من تباين حال الرجل حيث جاء خائفا على نفسه راغبا في فدائها مهما أمكنه فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه من الكفارة وقيل ضحك من حال الرجل في مقاطع كلامه وحسن تأتيه وتلطفه في الخطاب وحسن توسله في توصله إلى مقصوده قوله ثم قال أطعمه أهلك تابعه معمر وابن أبي حفصة وفي رواية لابن عيينة في الكفارات أطعمه عيالك ولإبراهيم بن سعد فانتم إذا ربع على ذلك ذكر الضحك ولأبي قرة عن بن جريج ثم قال كله ونحوه ليحيى بن سعيد وعراك وجمع بينهما بن إسحاق ولفظه خذها وكلها وانفقها على عيالك ونحوه في رواية عبد الجبار وحجاج وهشام بن سعد كلهم عن الزهري ولابن خزيمة في حديث عائشة عد به عليك وعلى أهلك وقال بن دقيق العيد تباينت في هذه القصة المذاهب فقيل أنه دل على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها لأن الكفارة لاتصرف إلى النفس ولا إلى العيال ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم استقرارها في ذمته إلى حين يساره وهو أحد قولي الشافعية وجزم به عيسى ابن دينار من المالكية وقال الأوزاعي يستغفر الله ولا يعود ويتايد بذلك بصدقة الفطر حيث تسقط بالإعسار المقارن لسبب وجوبها وهو هلال الفطر لكن الفرق بينهما أن صدقة الفطر لها أمد تنتهي إليه وكفارة الجماع لا أمد لها فتستقر في الذمة وليس في الخبر ما يدل على اسقاطها بل فيه ما يدل على استمرارها على العاجز وقال الجمهور لا تسقط الكفارة بالإعسار والذي إذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة ثم اختلفوا فقال الزهري هو خاص بهذا الرجل وإلى هذا نحا إمام الحرمين ورد بان الأصل عدم الخصوصية وقال بعضهم هو منسوخ ولم يبين قائله ناسخه وقيل المراد بالأهل الذين أمر بصرفها إليهم من لا تلزمه نفقته من أقاربه وهو

[ 150 ]

قول بعض الشافعية وضعف بالرواية الأخرى التي فيها عيالك وبالرواية المصرحة بالاذن له في الأكل من ذلك وقيل لما كان عاجزا عن نفقة أهله جاز له أن يصرف الكفارة لهم وهذا هو ظاهر الحديث وهو الذي حمل أصحاب الأقوال الماضية على ما قالوه بان المرء لا يأكل من كفارة نفسه قال الشيخ تقى الدين وأقوى من ذلك أن يجعل الإعطاء لا على جهة الكفارة بل على جهة التصدق عليه وعلى أهله بتلك الصدقة لما ظهر من حاجتهم وأما الكفارة فلم تسقط بذلك ولكن ليس استقرارها في ذمته ماخوذا من هذا الحديث وأما ما اعتلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه لأن العلم بالوجوب قد تقدم ولم يرد في الحديث ما يدل على الاسقاط لأنه لما أخبره بعجزه ثم أمره بإخراج العرق دل على أن لا سقوط عن العاجز ولعله آخر البيان إلى وقت الحاجة وهو القدرة اه وقد ورد ما يدل على إسقاط الكفارة أو على اجزائها عنه بانفاقه إياها على عياله وهو قوله في حديث على وكله أنت وعيالك فقد كفر الله عنك ولكنه حديث ضعيف لا يحتج بما انفرد به والحق أنه لما قال له صلى الله عليه وسلم خذ هذا فتصدق به لم يقبضه بل اعتذر بأنه أحوج إليه من غيره فأذن له حينئذ في أكله فلو كان قبضه لملكه ملكا مشروطا بصفة وهو إخراجه عنه في كفارته فينبنى على الخلا ف المشهور في التمليك المقيد بشرط لكنه لما لم يقبضه لم يملكه فلما إذن له صلى الله عليه وسلم في اطعامه لأهله وآكله منه كان تمليكا مطلقا بالنسبة إليه وإلى أهله واخذهم إياه بصفة الفقر المشروحة وقد تقدم أنه كان من مال الصدقة وتصرف النبي صلى الله عليه وسلم فيه يطلق الإمام في إخراج مال الصدقة واحتمل أنه كان تمليكا بالشرط الأول ومن ثم نشا الاشكال والأول أظهر فلا يكون فيه إسقاط ولا أكل المرء من كفارة نفسه ولا انفاقه على من تلزمه نفقتهم من كفارة نفسه وأما ترجمة البخاري الباب الذي يليه باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج فليس فيه تصريح بما تضمنه حكم الترجمة وإنما أشار إلى الاحتمالين المذكورين باتيانه بصيغة الاستفهام والله أعلم واستدل به على جواز إعطاء الصدقة جميعها في صنف واحد وفيه نظر لأنه لم يتعين أن ذلك القدر هو جميع ما يجب على ذلك الرجل الذي احضر الثمر وعلى سقوط قضاء اليوم الذي أفسده المجامع اكتفاء بالكفارة إذ لم يقع التصريح في الصحيحين بقضائه وهو محكى في مذهب الشافعي وعن الأوزاعي يقضي أن كفر بغير الصوم وهو وجه للشافعية أيضا قال بن العربي إسقاط القضاء لا يشبه منصب الشافعي إذ لا كلام في القضاء لكونه أفسد العبادة وأما الكفارة فإنما هي لما اقترف من الإثم قال وأما كلام الأوزاعي فليس بشئ قلت وقد ورد الأمر بالقضاء في هذا الحديث في رواية أبي أويس وعبد الجبار وهشام بن سعد كلهم عن الزهري أخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الليث عن الزهري وحديث إبراهيم بن سعد في الصحيح عن الزهري نفسه بغير هذه الزيادة وحديث الليث عن الزهري في الصحيحين بدونها ووقعت الزيادة أيضا في مرسل سعيد بن المسيب ونافع بن جبير والحسن محمد بن كعب وبمجموع هذه الطرق تعرف أن لهذه الزيادة أصلا ويؤخذ من قوله صم يوما عدم اشتراط الفورية للتنكير في قوله يوما وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم السؤال عن حكم ما بالصلاة المرء مخالفا للشرع والتحدث بذلك لمصلحة معرفة الحكم واستعمال الكناية فيما يستقبح ظهوره بصريح يسير لقوله واقعت أو أصبت على أنه قد ورد في بعض طرقه كما

[ 151 ]

تقدم وطئت والذي يظهر أنه من يطلق الرواة وفيه الرفق بالمتعلم والتلطف في التعليم والتالف على الدين والندم على المعصية واستشعار الخوف وفيه الجلوس في المسجد لغير الصلاة من المصالح الدينية كنشر العلم وفيه جواز الضحك عن وجود سببه وإخبار الرجل بما يقع منه مع أهله للحاجة وفيه الحلف لتاكيد الكلام وقبول قول المكلف مما لا يطلع عليه الا من قبله لقوله في جواب قوله أفقر منا أطعمه أهلك ويحتمل أن يكون هناك قرينة لصدقه وفيه التعاون على العبادة والسعي في إخلاص المسلم واعطاء الواحد فوق حاجته الراهنة واعطاء الكفارة أهل بيت واحد وأن المضطر إلى ما بيده لا يجب عليه أن يعطيه أو بعضه لمضطر آخر قوله باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج يعني أم لا ولا منافاة بين هذه الترجمة والتي قبلها لأن التي قبلها أذنت بان الاعسار بالكفارة لا يسقطها عن الذمة لقوله فيها إذا جامع ولم يكن له شئ فتصدق عليه فليكفر والثانية ترددت هل المأذون له بالتصرف فيه نفس الكفارة أم لا وعلى هذا يتنزل لفظ الترجمة قوله عن منصور هو بن المعتمر قوله عن الزهري عن حميد كذا للأكثر من أصحاب منصور عنه وكذا رواه مؤمل بن إسماعيل عن الثوري عن منصور وخالفه مهران بن أبي عمر فرواه عن الثوري بهذا الإسناد فقال عن سعيد بن المسيب بدل حميد بن عبد الرحمن أخرجه بن خزيمة وهو قول شاذ والمحفوظ الأول قوله ان الاخر بهمزة غير ممدودة بعدها خاء غدا مكسورة تقدم في أوائل الباب الذي قبله وحكى بن القوطية فيه مد الهمزة قوله اتجد ما تحرر رقبة بالنصب على البدل من لفظ ما وهي مفعول بتجد ومثله قوله افتجد ما تطعم ستين مسكينا وقد تقدم باقي الكلام عليه مستوفى في الذي قبله وقد اعتنى به بعض المتأخرين ممن أدركه شيوخنا فتكلم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة ومحصله أن شاء الله تعالى فيما لخصته مع زيادات كثيرة عليه فلله الحمد على ما أنعم قوله باب الحجامة وألقى للصائم أي هل يفسدان هما أو أحدهما الصوم أو لا قال الزين بن المنير جمع بين القئ والحجامة مع تغايرهما وعادته تفريق التراجم إذا نظمها خبر واحد فضلا عن خبرين وإنما صنع ذلك لاتحاد مأخذهما لأنهما إخراج والاخراج لا يقتضى الإفطار وقد أوما بن عباس إلى ذلك كما سيأتي البحث فيه ولم يذكر المصنف حكم ذلك لكن إيراده للاثار المذكورة يشعر بأنه يرى عدم الإفطار بهما ولذلك عقب حديث أفطر الحاجم والمحجوم بحديث أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم وقد اختلف السلف في المسالتين أما القئ فذهب الجمهور إلى التفرقة بين من سبقه فلا يفطر وبين من تعمده فيفطر ونقل بن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد القئ لكن نقل بن بطال عن بن عباس وابن مسعود لا يفطر مطلقا وهي إحدى الكلب عن مالك واستدل الأبهري بإسقاط القضاء عمن تقيا عمدا بأنه لا كفارة عليه على الأصح عندهم قال فلو وجب القضاء لوجبت الكفارة وعكس بعضهم فقال هذا يدل على اختصاص الكفارة بالجماع دون غيره من المفطرات وارتكب عطاء والأوزاعي وأبو ثور فقالوا يقضي ويكفر ونقل بن المنذر أيضا بالإجماع على ترك القضاء على من ذرعه القئ ولم يتعمده الا في إحدى الكلب عن الحسن وأما الحجامة فالجمهور أيضا على عدم الفطر بها مطلقا وعن على وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور يفطر الحاجم والمحجوم واوجبوا عليهما القضاء وشذ عطاء فاوجب الكفارة

[ 152 ]

أيضا وقال يقول أحمد من الشافعية بن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابوري وابن حبان ونقل الترمذي عن الزعفراني أن الشافعي علق القول على صحة الحديث وبذلك قال الداودي من المالكية وحجة الفريقين قد ذكرها المصنف في هذا الباب وسنذكر البحث في ذلك في آخر الباب إن شاء الله تعالى قوله وقال لي يحيى بن صالح هكذا وقع في جميع النسخ من الصحيح وعادة البخاري الإتيان بهذه الصيغة في الموقوفات إذا أسندها وقوله في الإسناد حدثنا يحيى هو بن أبي كثير قوله إذا قاء فلا يفطر إنما يخرج ولا يولج كذا للأكثر وللكشميهني أنه يخرج ولا يولج قال بن المنير في الحاشية يؤحذ من هذا الحديث أن الصحابة كانوا يؤولون الظاهر بالأقيسة من حيث الجملة ونقض غيره هذا الحصر بالمنى فإنه إنما يخرج وهو موجب للقضاء والكفارة قوله ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر والأول أصح كأنه يشير بذلك إلى ما رواه هو في التاريخ الكبير قال قال لي مسدد عن عيسى بن يونس حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه قال من ذرعه القئ وهو صائم فليس عليه القضاء وأن استقاء فليقض قال البخاري لم يصح وإنما يروي عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة وعبد الله ضعيف جدا ورواه الدارمي من طريق عيسى بن يونس ونقل عن عيسى أنه قال زعم أهل البصري أن هشاما وهم فيه وقال أبو داود سمعت أحمد يقول ليس من ذا شئ ورواه أصحاب السنن الأربعة والحاكم من طريق عيسى بن يونس به وقال الترمذي غريب لا نعرفه الا من رواية عيسى بن يونس عن هشام وسألت محمدا عنه فقال لا أراه محفوظا انتهى وقد أخرجه بن ماجة والحاكم من طريق حفص أبي الصالح أيضا عن هشام قال وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة ولا يصح إسناده ولكن العمل عليه عند أهل العلم قلت ويمكن الجمع بين قول أبي هريرة وإذا قاء لا يفطر وبين قوله أنه يفطر مما فصل في حديث هذا المرفوع فيحتمل قوله قاء أنه تعمد القئ واستدعى به وبهذا أيضا يتاول قوله في حديث أبي الدرداء الذي أخرجه أصحاب السنن مصححا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر أي استقاء عمدا وهو أولي من تأويل من أوله بان المعنى قاء فضعف فافطر والله أعلم حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم وقال الطحاوي ليس في الحديث أن القئ فطره وإنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك وتعقبه بن المنير بان الحكم إذا عقب بالفاء دل على أنه العلة كقولهم سها فسجد قوله وقال بن عباس وعكرمة الصوم مما دخل وليس مما خرج أما قول بن عباس فوصله بن أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن بن عباس في الحجامة للصائم قال الفطر مما دخل وليس مما خرج والوضوء مما خرج وليس مما دخل وروى من طريق إبراهيم النخعي أنه سئل عن ذلك فقال قال عبد الله يعني بن مسعود فذكر مثله وإبراهيم لم يلق بن مسعود وإنما أخذ عن كبار أصحابه وأما قول عكرمة فوصله بن أبي شيبة عن هشيم عن حصين عن عكرمة مثله قوله وكان بن عمر يحتجم وهو صائم ثم تركه فكان يحتجم صارت وصله مالك في الموطأ عن نافع عن بن عمر أنه احتجم وهو صائم ثم ترك ذلك وكان إذا صام لم يحتجم حتى يفطر ورويناه في نسخة أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس عن الزهري كان بن عمر يحتجم وهو صائم في رمضان وغيره ثم تركه لأجل الضعف هكذا وجدته منقطعا ووصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه وكان بن عمر كثير الاحتياط فكأنه ترك الحجامة نهارا لذلك

[ 153 ]

قوله واحتجم أبو موسى ليلا وصله بن أبي شيبة من طريق حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني عن أبي العالية قال دخلت على أبي موسى وهو أمير البصرة ممسيا فوجدته يأكل تمرا وكامخا وقد احتجم فقلت له الا تحتجم نهارا قال اتامرنى أن أهريق دمى وأنا صائم ورواه النسائي والحاكم من طريق مطر الوراق عن بكر أن أبا رافع قال دخلت على أبي موسى وهو يحتجم ليلا فقلت الا كان هذا نهارا فقال اتامرنى أن أهريق دمى وأنا صائم وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أفطر الحاجم والمحجوم قال الحاكم سمعت أبا على النيسابوري يقول قلت لعبدان الأهوازي يصح في أفطر الحاجم والمحجوم شئ قال سمعت عباسا العنبري يقول سمعت على بن المديني يقول قد صح حديث أبي رافع عن أبي موسى قلت الا أن مطرا خولف في رفعه فالله أعلم قوله ويذكر عن سعد وزيد بن أرقم وأم سلمة إنهم احتجموا صياما هكذا أخرجه بصيغة التمريض والسبب في ذلك يظهر بالتخريج فأما أثر سعد وهو بن أبي وقاص فوصله مالك في الموطأ عن بن شهاب أن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر كانا يحتجمان وهما صائمان وهذا منقطع عن سعد لكن ذكره بن عبد البر من وجه آخر عن عامر بن سعد عن أبيه وأما أثر زيد بن أرقم فوصله عبد الرزاق عن الثوري عن يونس بن عبد الله الجرمي عن دينار قال حجمت زيد بن أرقم وهو صائم ودينار هو الحجام مولى جرم بفتح الجيم لا يعرف الا في هذا الأثر وقال أبو الفتح الأزدي لا يصح حديثه وأما أثر أم سلمة فوصله بن أبي شيبة من طريق الثوري أيضا عن فرات عن مولى أم سلمة أنه رأى أم سلمة تحتجم وهي صائمة وفرات هو بن عبد الرحمن ثقة لكن مولى أم سلمة مجهول الحال قال بن المنذر وممن رخص في الحجامة للصائم أنس وأبو سعيد والحسين بن على وغيرهم من الصحابة والتابعين ثم ساق ذلك بأسانيده قوله وقال بكير عن أم علقمة كنا نحتجم عند عائشة فلا ننهى أما بكير فهو بن عبد الله بن الأشج وأما أم علقمة فاسمها مرجانة وقد وصله البخاري في تاريخه من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه عن أم علقمة قالت كنا نحتجم عند عائشة ونحن صيام وبنو أخي عائشة فلا تنهاهم قوله ويروي عن الحسن عن غير واحد مرفوعا أفطر الحاجم والمحجوم وصله النسائي من طرق عن أبي حرة عن الحسن به وقال على بن المديني روى يونس عن الحسن حديث أفطر الحاجم والمحجوم عن أبي هريرة ورواه قتادة عن الحسن عن ثوبان ورواه عطاء بن السائب عن الحسن عن معقل بن يسار ورواه مطر عن الحسن عن على ورواه أشعث عن الحسن عن أسامة زاد الدارقطني في العلل أنه اختلف على عطاء بن السائب في الصحابي فقيل معقل بن يسار المزني وقيل معقل بن سنان الأشجعي وروى عن عاصم عن الحسن عن معقل بن يسار أيضا وقيل عن مطر عن الحسن عن معاذ واختلف على قتادة عن الحسن في الصحابي فقيل أيضا على وقيل أبو هريرة قلت واختلف على يونس أيضا كما سأذكره قال وقال أبو حرة عن الحسن عن غير واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإن كان حفظه صحت الأقوال كلها قلت لم ينفرد به أبو حرة كما سابينه قوله وقال لي عياش بتحتانية ومعجمة وعبد الأعلى هو بن عبد الأعلى قوله حدثنا يونس هو بن عبيد عن الحسن مثله أي أفطر الحاجم والمحجوم قوله قيل له عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم ثم قال الله اعلم وهذا متابع لأبي حرة عن الحسن وقد أخرجه البخاري في تاريخه والبيهقي أيضا من طريقه قال حدثني عياش فذكره رواه عن بن

[ 154 ]

المديني في العلل والبيهقي أيضا من طريقه قال حدثنا المعتمر هو بن سليمان التيمي عن أبيه عن الحسن عن غير واحد به ورواية يونس عن الحسن عن أبي هريرة عند النسائي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن يونس أخرجه من طريق بشر بن المفضل عن يونس عن الحسن قوله وذكره الدارقطني من طريق عبيد الله بن تمام عن يونس عن الحسن عن أسامة والاختلاف على الحسن في هذا الحديث واضح لكن نقل الترمذي في العلل الكبير عن البخاري أنه قال يحتمل أن يكون سمعه عن غير واحد وكذا قال الدارقطني في العلل أن كان قول الحسن عن غير واحد من الصحابة محفوظا صحت الأقوال كلها قلت يريد بذلك انتفاء الاضطراب وإلا فالحسن لم يسمع من أكثر المذكورين ثم الظاهر من السياق أن الحسن كان يشك في رفعه وكأنه حصل له بعد الجزم تردد وحمل الكرماني جزمه على وثوقه بخبر من أخبره به وتردده لكونه خبر واحد فلا يفيد اليقين وهو حمل في غاية البعد ونقل الترمذي أيضا عن البخاري أنه قال ليس في هذا الباب أصح من حديث شداد وثوبان قلت فكيف بما فيهما من الاختلاف يعني عن أبي قلابة قال كلاهما عندي صحيح لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان وعن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد روى الحديثين جميعا يعني فانتفى الاضطراب وتعين الجمع بذلك وكذا قال عثمان الدارمي صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم من طريق ثوبان وشداد قال وسمعت أحمد يذكر ذلك وقال المروزي قلت لأحمد أن يحيى بن معين قال ليس فيه شئ يثبت فقال هذا مجازفة وقال بن خزيمة صح الحديثان جميعا وكذا قال بن حبان والحاكم وأطنب النسائي في تخريج هذا المتن وبيان الاختلاف فيه فأجاد وأفاد وقال أحمد أصح شئ في باب أفطر الحاجم والمحجوم حديث رافع بن خديج قلت يريد ما أخرجه هو والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن السائب بن يزيد عن رافع لكن عارض أحمد يحيى بن معين في هذا فقال حديث رافع اضعفها وقال البخاري هو غير محفوظ وقال بن أبي حاتم عن أبيه هو عندي باطل وقال الترمذي سألت إسحاق بن منصور عنه فأبى أن يحدثني به عن عبد الرزاق وقال هو غلط قلت ما علته قال روى هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد حديث مهر البغي خبيث وروى عن يحيى عن أبي قلابة أن أبا أسماء حدثه أن ثوبان أخبره به فهذا هو المحفوظ عن يحيى فكأنه دخل لمعمر حديث في حديث والله أعلم وقال الشافعي في اختلاف الحديث بعد أن أخرج حديث شداد ولفظه كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمان الفتح فرأى رجلا يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان فقال وهو أخذ بيدي أفطر الحاجم والمحجوم ثم ساق حديث بن عباس أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم قال وحديث بن عباس امثلهما إسنادا فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إلى احتياطا والقياس مع حديث بن عباس والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة قلت وكان هذا هو السر في إيراد البخاري لحديث بن عباس عقب حديث أفطر الحاجم والمحجوم وحكى الترمذي عن الزعفراني أن الشافعي علق القول بان الحجامة تفطر على صحة الحديث قال الترمذي كان الشافعي يقول ذلك ببغداد وأما بمصر فمال إلى الرخصة والله أعلم وأول بعضهم حديث أفطر الحاجم والمحجوم أن المراد به إنهما سيفطران كقوله تعالى أني

[ 155 ]

أراني أعصر خمرا أي ما يؤول إليه ولا يخفى تكلف هذا التأويل ويقربه ما قال البغوي في شرح السنة معنى قوله أفطر الحاجم والمحجوم أي تعرضا للافطار أما الحاجم فلانة لا يأمن وصول شئ من الدم إلى جوفه عند المص وأما المحجوم فلانة لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم فيؤول أمره إلى أن يفطر وقيل معنى افطرا فعلا مكروها وهو الحجامة فصارا كأنهما غير متلبسين بالعبادة وسأذكر بقية كلامهم في الحديث الذي يليه قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم وأحتجم وهو صائم هكذا أخرجه من طريق وهيب عن عكرمة عن بن عباس وتابعه عبد الوارث عن أيوب موصولا كما سيأتي في الطب ورواه بن عليه ومعمر عن أيوب عن عكرمة مرسلا واختلف على حماد بن زيد في وصله وارساله وقد بين ذلك النسائي وقال مهنا سألت أحمد عن هذا الحديث فقال ليس فيه صائم إنما هو وهو محرم ثم ساقه من طريق عن بن عباس لكن ليس فيها طريق أيوب هذه والحديث صحيح لامرية فيه قال بن عبد البر وغيره فيه دليل على أن حديث أفطر الحاجم والمحجوم منسوخ لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع وسبق إلى ذلك الشافعي واعترض بن خزيمة بان في هذا الحديث أنه كان صائما محرما قال ولم يكن قط محرما مقيما ببلده إنما كان محرما وهو مسافر والمسافر أن كان ناويا الصوم فمضى عليه بعض النهار وهو صائم ابيح له الأكل والشرب على الصحيح فإذا جاز له ذلك جاز له أن يحتجم وهو مسافر قال فليس في خبر بن عباس ما يدل على إفطار المحجوم فضلا عن الحاجم اه وتعقب بان الحديث ما ورد هكذا الا لفائدة فالظاهر أنه وجدت منه الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه واستمر وقال بن خزيمة أيضا جاء بعضهم بأعجوبة فزعم أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال أفطر الحاجم والمحجوم لأنهما كانا يغتابان قال فإذا قيل له فالغيبة تفطر الصائم قال لا قال فعلى هذا لا يخرج من مخالفة الحديث بلا شبهة انتهى وقد أخرج الحديث المشار إليه الطحاوي وعثمان الدارمي والبيهقي في المعرفة وغيرهم من طريق يزيد بن أبي ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان ومنهم من أرسله ويزيد بن ربيعة متروك وحكم على بن المديني بأنه حديث باطل وقال بن حزم صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم بلا ريب لكن وجدنا من حديث بن سعيد ارخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة للصائم وإسناده صحيح فوجب الأخذ به لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان فيحدثون أو محجوما انتهى والحديث المذكور أخرجه النسائي وابن خزيمة والدارقطني ورجاله ثقات ولكن اختلف في رفعه ووقفه وله شاهد من حديث أنس أخرجه الدارقطني ولفظه أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أفطر هذان ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم ورواته كلهم من رجال البخاري الا أن في المتن ما ينكر لأن فيه أن ذلك كان في الفتح وجعفر كان قتل قبل ذلك ومن أحسن ما ورد في ذلك ما رواه عبد الرزاق وأبو داود من طريق عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نهى النبي عن الحجامة للصائم وعن المواصلة ولم يحرمها إبقاء على أصحابه إسناده صحيح والجهالة بالصحابى لا تضر وقوله إبقاء على أصحابه يتعلق بقوله نهى وقد رواه بن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري شوال هذا

[ 156 ]

ولفظه عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم وكرهها للضعيف أي لئلا يضعف قوله سمعت ثابتا البناني قال سئل أنس بن مالك كذا في أكثر أصول البخاري سئل بضم أوله على البناء للمجهول وفي رواية أبي الوقت سأل أنسا وهذا غلط فإن شعبة ما حضر سؤال ثابت لأنس وقد سقط منه رجل بين شعبة وثابت فرواه الاسماعيلي وأبو نعيم والبيهقي من طريق جعفر بن محمد القلانسي وأبي قرصافة محمد بن عبد الوهاب وإبراهيم بن الحسين بن دريد كلهم عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري فيه فقال عن شعبة عن حميد قال سمعت ثابتا وهو يسأل أنس بن مالك فذكر الحديث وأشار الاسماعيلي والبيهقي إلى أن الرواية التي وقعت للبخاري خطا وأنه سقط منه حميد قال الاسماعيلي وكذلك رواه على ابن سهل عن أبي النضر عن شعبة عن حميد قوله وزاد شبابة حدثنا شعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم هذا يشعر بان رواية شبابة موافقة لرواية آدم في الإسناد والمتن الا أن شبابة زاد فيه ما يؤكد رفعه وقد أخرج بن منده في غرائب شعبة طريق شبابة فقال حدثنا محمد بن أحمد بن حاتم حدثنا عبد الله بن روح حدثنا شبابة حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد وبه عن شبابة عن شعبة عن حميد عن أنس نحوه وهذا يؤكد صحة ما اعترض به الاسماعيلي ومن تبعه ويشعر بان الخلل فيه من غير البخاري إذ لو كان إسناد شبابة عنده مخالفا لاسناد آدم لبينه وهو واضح لاخفاء به والله أعلم بالصواب قوله باب الصوم في السفر والافطار أي إباحة ذلك وتخيير المكلف فيه سواء كان رمضان أو غيره وسأذكر بيان الاختلاف في ذلك بعد باب وذكر المؤلف في الباب حديث عبد الله بن أبي أوفى وسيأتي الكلام عليه بعد أبواب وموضع الدلالة منه ما يشعر به سياقه من مراجعة الرجل له بكون الشمس لم تغرب في جواب طلبه لما يشير به فهو ظاهر في أنه كان صلى الله عليه وسلم صائما وقد ذكره في باب متى يحل فطر الصائم وفي غيره بلفظ صريح في ذلك حيث قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم قوله الشمس يا رسول الله بالرفع ويجوز النصب وتوجيهها ظاهر قوله تابعه جرير وأبو بكر بن عياش عن الشيباني يعني تابعا سفيان وهو بن عيينة والشيباني هو أبو إسحاق شيخهم فيه ومتابعة جرير وصلها المؤلف في الطلاق ومتابعة أبي بكر ستأتي موصولة بعد قليل في باب تعجيل الإفطار وتابعهم غير من ذكر كما سيأتي ولفظهم متقارب والمراد المتابعة في أصل الحديث قوله حدثنا يحيى هو القطان وهشام هو بن عروة قوله ان حمزة بن عمرو الأسلمي هكذا رواه الحفاظ عن هشام وقال عبد الرحيم بن سليمان عند النسائي والدراوردي عند الطبراني ويحيى بن عبد الله بن سالم عند الدارقطني ثلاثتهم عن هشام عن أبيه عن عائشة عن حمزة بن عمرو وجعلوه من مسند حمزة والمحفوظ أنه من مسند عائشة ويحتمل أن يكون هؤلاء لم يقصدوا بقولهم عن حمزة الرواية عنه وإنما أرادوا الأخبار عن حكايته فالتقدير عن عائشة عن قصة حمزة أنه سأل لكن قد صح مجئ الحديث من رواية حمزة فأخرجه مسلم من طريق أبي الأسود عن عروة عن أبي مراوح عن حمزة وكذلك رواه محمد بن إبراهيم التيمي عن عروة لكنه اسقط أبا مراوح والصواب إثباته وهو أمرهم على أن لعروة فيه طريقين سمعه من عائشة وسمعه من أبي مراوح عن حمزة قوله اسرد الصوم أي اتابعه واستدل به على أن لا كراهية في صيام الدهر ولا دلالة فيه لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر فإن ثبت

[ 157 ]

النهى عن صوم الدهر لم يعارضه هذا يأمر بالسرد بل الجمع بينهما واضح قوله أأصوم في السفر الى آخره قال بن دقيق العيد ليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان فلا يكون فيه حجة على من منع صيام رمضان في السفر قلت وهو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب لكن في رواية أبي مراوح التي ذكرتها عند مسلم أنه قال يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل على جناح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه وهذا يشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة وذلك أن الرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنه قال يا رسول الله أني صاحب ظهر أعالجه اسافر عليه وأكريه وأنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأجدني أن أصوم أهون على من أن اؤخره فيكون دينا على فقال أي ذلك شئت يا حمزة قوله باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر أي هل يباح له الفطر في السفر أو لا وكأنه أشار إلى تضعيف ما روى عن على وإلى رد ما روى عن غيره في ذلك قال بن المنذر روى على بإسناد ضعيف وقال به عبيدة بن عمرو وأبو مجلز وغيرهما ونقله النووي عن أبي مجلز وحده ووقع في بعض الشروح أبو عبيدة وهو وهم قالوا أن من استهل عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر لقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه قال وقال أكثر أهل العلم لا فرق بينه وبين من استهل رمضان في السفر ثم ساق بن المنذر بإسناد صحيح عن بن عمر قال قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه نسخها قوله تعالى ومن كان مريضا أو على سفر الآية ثم احتج للجمهور بحديث بن عباس المذكور في هذا الباب قوله خرج إلى مكة كان ذلك في غزوة الفتح كما سيأتي قوله فلما بلغ الكديد بفتح الكاف وكسر الدال المهملة مكان معروف وقع تفسيره في نفس الحديث بأنه بين عسفان وقديد يعني بضم القاف على التصغير ووقع في رواية المستملى وحده نسبة هذا التفسير للبخاري لكن سيأتي في المغازي موصولا من وجه آخر في نفس الحديث وسيأتي قريبا عن بن عباس من وجه آخر حتى بلغ عسفان بدل الكديد وفيه مجاز القريب لأن الكديد أقرب إلى المدينة من عسفان وبين الكديد ومكة مرحلتان قال البكري هو بين امج بفتحتين وجيم وعسفان وهو ماء عليه نخل كثير ووقع عند مسلم في حديث جابر فلما بلغ كراع الغميم هو بضم الكاف والغميم بفتح المعجمة وهو اسم واد إمام عسفان قال عياض اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر صلى الله عليه وسلم فيه والكل في قصة واحدة وكلها متقاربة والجميع من عمل عسفان اه‍ وسيأتي في المغازي من طريق معمر عن الزهري سياق هذا الحديث أوضح من رواية مالك ولفظ رواية معمر خرج النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف من المسلمين وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمة المدينة فسار ومن معه من المسلمين يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطروا قال الزهري وإنما يؤخذ بالآخرة فالآخرة من أمره صلى الله عليه وسلم وهذه الزيادة التي في آخره من قول الزهري وقعت مدرجة عند مسلم من طريق الليث عن الزهري ولفظه حتى بلغ الكديد أفطر قال وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره وأخرجه من طريق سفيان عن الزهري قال مثله قال سفيان لا أدري من قول من هو ثم أخرجه من طريق معمر ومن

[ 158 ]

طريق يونس كلاهما عن الزهري وبينا أنه من قول الزهري وبذلك جزم البخاري في الجهاد وظاهره أن الزهري ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ ولم يوافق على ذلك كما سيأتي قريبا وأخرج البخاري في المغازي أيضا من طريق خالد الحذاء عن عكرمة عن بن عباس قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان والناس صائم ومفطر فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته ثم نظر الناس زاد في رواية أخرى من طريق طاوس عن بن عباس ثم دعا بماء فشرب نهارا ليراه الناس وأخرجه الطحاوي من طريق أبي الأسود عن عكرمة أوضح من سياق خالد ولفظه فلما بلغ الكديد بلغه أن الناس يشق عليهم الصيام فدعا بقدح من لبن فامسكه بيده حتى رآه الناس وهو على راحلته ثم شرب فأفطر فناوله رجل إلى جنبه فشرب ولمسلم من طريق الدراوردي عن جعفر بن محمد بن على عن أبيه عن جابر في هذا الحديث فقيل له أن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر وله من وجه آخر عن جعفر ثم شرب فقيل له بعد ذلك أن بعض الناس قد صام فقال أولئك العصاة واستدل بهذا الحديث على تحتم الفطر في السفر ولا دلالة فيه كما سيأتي واستدل به على أن للمسافر أن يفطر في اثناء النهار ولو استهل رمضان في الحضر والحديث نص في الجواز إذ لا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم استهل رمضان في عام غزوة الفتح وهو بالمدينة ثم سافر في اثنائه ووقع في رواية بن إسحاق في المغازي عن الزهري في حديث الباب أنه خرج لعشر مضين من رمضان ووقع في مسلم من حديث أبي سعيد اختلاف من الرواة في ضبط ذلك والذي اتفق عليه أهل السير أنه خرج في عاشر رمضان ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه واستدل به على أن للمرء أن يفطر ولو نوى الصيام من الليل واصبح صائما فله أن يفطر في اثناء النهار وهو قول الجمهور وقطع به أكثر الشافعية وفي وجه ليس له أن يفطر وكان مستند قائله ما وقع في البويطي من تعليق القول به على صحة حديث ابن عباس هذا وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر فأما لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في اثناء النهار فهل له أن يفطر في ذلك النهار منعه الجمهور وقال أحمد وإسحاق بالجواز واختاره المزني محتجا بهذا الحديث فقيل له قال كذلك ظنا منه أنه صلى الله عليه وسلم أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة وليس كذلك فإن بين المدينة والكديد عدة أيام وقد وقع في البويطي مثل ما وقع عند المزني فسلم المزني وأبلغ من ذلك ما رواه بن أبي شيبة والبيهقي عن أنس أنه كان إذا أراد السفر يفطر في الحضر قبل أن يركب ثم لا فرق عند المجيزين في الفطر بكل مفطر وفرق أحمد في المشهور عنه بين الفطر بالجماع وغيره فمنعه من الجماع قال فلو جامع فعليه الكفارة الا أن أفطر بغير الجماع قبل الجماع واعترض بعض المانعين في أصل المسألة فقال ليس في الحديث دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم نوى الصيام في ليلة اليوم الذي أفطر فيه فيحتمل أن يكون نوى أن يصبح مفطرا ثم أظهر الإفطار ليفطر الناس لكن سياق الأحاديث ظاهر في أنه كان مطرف صائما ثم أفطر وقد روى بن خزيمة وغيره من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران فأتى بطعام فقال لأبي بكر وعمر أدنو فكلا فقالا أنا صائمان فقال اعملوا لصاحبيكم ارحلوا لصاحبيكم أدنو فكلا قال بن خزيمة فيه دليل على أن للصائم في السفر الفطر بعد مضى بعض النهار تنبيه قال القابسي هذا الحديث من مرسلات الصحابة لأن بن عباس كان في هذه

[ 159 ]

السفرة مقيما مع أبويه بمكة فلم يشاهد هذه القصة فكأنه سمعها من غيره من الصحابة قوله باب كذا للأكثر بغير ترجمة وسقط من رواية النسفي وعلى الحالين لا بد أن يكون لحديث أبي الدرداء المذكور فيه تعليق بالترجمة ووجهه ما وقع من إفطار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في السفر بمحضر منه ولم فقلنا عليهم فدل على الجواز وعلى رد قول من قال من سافر في شهر رمضان أمتنع عليه الفطر قوله عن أم الدرداء في رواية أبي داود من طريق سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله وهو بن أبي المهاجر الدمشقي حدثتني أم الدرداء والإسناد كله شاميون سوى شيخ البخاري وقد دخل الشام وأم الدرداء هي الصغرى التابعية قوله خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في رواية مسلم من طريق سعيد بن عبد العزيز أيضا خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد الحديث وبهذه الزيادة يتم المراد من الاستدلال ويتوجه الرد بها على أبي محمد بن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعا وقد كنت ظننت أن هذه السفرة غزوة الفتح لما رأيت في الموطأ من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن رجل من الصحابة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج في الحر وهو يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش ومن الحر فلما بلغ الكديد أفطر فإنه يدل على أن غزاة الفتح كانت في أيام شدة الحر وقد اتفقت الروايتان على أن كلا من السفرتين كان في رمضان لكننى رجعت عن ذلك وعرفت أنه ليس بصواب لأن عبد الله بن رواحة استشهد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف وأن كانتا جميعا في سنة واحدة وقد استثناه أبو الدرداء في هذه السفرة مع النبي صلى الله عليه وسلم فصح أنها كانت سفرة أخرى وأيضا فإن في سياق أحاديث غزوة الفتح أن الذين استمروا من الصحابة صياما كانوا جماعة وفي هذا أنه عبد الله بن رواحة وحده وأخرج الترمذي من حديث عمر غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان يوم بدر ويوم الفتح الحديث ولا يصح حمله أيضا على بدر لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلم وفي الحديث دليل على أن لا كراهية في الصوم في السفر لمن قوي عليه ولم يصبه منه مشقة شديدة قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر ليس من البر الصيام في السفر أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله صلى الله عليه وسلم ليس من البر الصيام في السفر ما ذكر من المشقة وأن من روى الحديث مجردا فقد اختصر القصة وبما أشار إليه من اعتبار شدة المشقة يجمع بين حديث الباب والذي قبله فالحاصل أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر والفطر لمن شق عليه الصوم أو اعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم وأن من لم يتحقق المشقة يخير بين الصوم والفطر وقد اختلف السلف في هذه المسألة فقالت طائفة لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر لظاهر قوله تعالى فعدة من أيام اخر ولقوله صلى الله عليه وسلم ليس من البر الصيام في السفر ومقابلة البر الإثم وإذا كان إثما بصومه لم يجزئه وهذا قول بعض أهل الظاهر وحكى عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم واحتجوا بقوله تعالى فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام اخر قالوا ظاهره فعليه عدة أو فالواجب عدة وتاوله الجمهور بان التقدير فافطر فعدة ومقابل هذا القول من قال أن الصوم في السفر لا يجوز الا لمن خاف على نفسه الهلاك أو المشقة

[ 160 ]

الشديدة حكاه الطبري عن قوم وذهب أكثر العلماء ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق عليه وقال كثير منهم الفطر أفضل وأشار بالرخصة وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق وقال آخرون هو مخير مطلقا وقال آخرون أفضلهما ايسرهما لقوله تعالى يريد الله بكم اليسر فإن كان الفطر أيسر عليه فهو أفضل في حقه وأن كان الصيام أيسر كمن يسهل عليه حينئذ ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل وهو قول عمر بن عبد العزيز واختاره بن المنذر والذي يترجح قول الجمهور ولكن قد يكون الفطر أفضل لمن أشتد عليه الصوم وتضرر به وكذلك من ظن به الأعراض عن قبول الرخصة كما تقدم في المسح على الخفين وسيأتي نظيره في تعجيل الإفطار وقد روى أحمد من طريق أبي طعمة قال قال رجل لابن عمر أني أقوى على الصوم في السفر فقال له بن عمر من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة وهذا أمرهم على من رغب عن الرخصة لقوله صلى الله عليه وسلم من رغب عن سنتي فليس مني وكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء إذا صام في السفر فقد يكون الفطر أفضل له وقد أشار إلى ذلك بن عمر فروى الطبري من طريق مجاهد قال إذا سافرت فلا تصم فإنك أن تصم قال أصحابك اكفوا الصائم ارفعوا للصائم وقاموا بأمرك وقالوا فلان صائم فلا تزال كذلك حتى يذهب أجرك ومن طريق مجاهد أيضا عن جنادة بن أمية عن أبي ذر نحو ذلك وسيأتي في الجهاد من طريق مؤرق عن أنس نحو هذا مرفوعا حيث قال صلى الله عليه وسلم للمفطرين حيث خدموا الصيام ذهب المفطرون اليوم بالأجر واحتج من منع الصوم أيضا بما وقع في الحديث الماضي أن ذلك كان آخر الامرين وأن الصحابة كانوا يأخذون بالاخر فالآخر من فعله وزعموا أن صومه صلى الله عليه وسلم في السفر منسوخ وتعقب أولا بما تقدم من أن هذه الزيادة مدرجة من قول الزهري وبأنه استند إلى ظاهر الخبر من أنه صلى الله عليه وسلم أفطر بعد أن صام ونسب من صام إلى العصيان ولا حجة في شئ من ذلك لأن مسلما أخرج من حديث أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم صام بعد هذه القصة في السفر ولفظه سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم مصبحوا عدوكم فالفطر أقوى لكم فأفطروا فكانت عزيمة فافطرنا ثم لقد رايتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر وهذا الحديث نص في المسألة ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته صلى الله عليه وسلم الصائمين إلى العصيان لأنه عزم عليهم فخالفوا وهو شاهد لما قلناه من أن الفطر أفضل لمن شق عليه الصوم ويتأكد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفطر للتقوى به على لقاء العدو وروى الطبري في تهذيبه من طريق خيثمة سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر فقال لقد أمرت غلامي أن يصوم قال فقلت له فأين هذه الآية فعدة من أيام اخر فقال أنها نزلت ونحن نرتحل جياعا وننزل على غير شبع وأما اليوم فنرتحل شباعا وننزل على شبع فأشار أنس إلى الصفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصوم وأما الحديث المشهور الصائم في السفر كالمفطر في الحضر فقد أخرجه بن ماجة مرفوعا من حديث بن عمر بسند ضعيف وأخرجه الطبري من طريق أبي سلمة عن عائشة مرفوعا أيضا وفيه بن لهيعة وهو ضعيف ورواه الأثرم من طريق أبي سلمة عن

[ 161 ]

أبيه مرفوعا والمحفوظ عن أبي سلمة عن أبيه موقوفا كذلك أخرجه النسائي وابن المنذر مع وقفه فهو منقطع لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه وعلى تقدير صحته فهو أمرهم على ما تقدم أولا حيث يكون الفطر أولى من الصوم والله أعلم وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم ليس من البر الصيام في السفر فسلك المجيزون فيه طرقا فقال بعضهم قد خرج على سبب فيقصر عليه وعلى من كان في مثل حاله وإلى هذا جنح البخاري في ترجمته ولذا قال الطبري بعد أن ساق نحو حديث الباب من رواية كعب بن عاصم الأشعري ولفظه سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في حر شديد فإذا رجل من القوم تحت ظل شجرة وهو مضطجع كضجعة الوجع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لصاحبكم أي وجع به فقالوا ليس به وجع ولكنه صائم وقد أشتد عليه الحر فقال النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ليس البر أن تصوموا في السفر عليكم برخصة الله التي رخص لكم فكان قوله صلى الله عليه وسلم ذلك لمن كان في مثل ذلك الحال قال بن دقيق العيد أخذ من هذه القصة أن كراهة الصوم في السفر مختصة بمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القرب فينزل قوله ليس من البر الصوم في السفر على مثل هذه الحالة قال فسأصبر في السفر يقولون أن اللفظ عام والعبرة بعمومه لا بخصوص السبب قال وينبغى أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام وعلى مراد المتكلم وبين مجرد ورود العام على سبب فإن بين العامين فرقا واضحا ومن أجراهما مجرى واحد لم يصب فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضى التخصيص به كنزول آية السرقة في قصة سرقة رداء صفوان وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة لبيان المجملات وتعيين المحتملات كما في حديث الباب وقال بن المنير في الحاشية هذه القصة تشعر بان من اتفق له مثل ما اتفق لذلك الرجل أنه يساويه في الحكم وأما من سلم من ذلك ونحوه وهو في جواز الصوم على أصله والله أعلم وحمل الشافعي نفى البر المذكور في الحديث على من أبى قبول الرخصة فقال معنى قوله ليس من البر أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة وقد ارخص الله تعالى له أن يفطر وهو صحيح قال ويحتمل أن يكون معنان ليس من البر المفروض الذي من خالفه إثم وجزم بن خزيمة وغيره بالمعنى الأول وقال الطحاوي المراد بالبر هنا البر الكامل الذي هو أعلى مراتب البر وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برا لأن الإفطار قد يكون أبر من الصوم إذا كان للتقوى على لقاء العدو مثلا قال وهو وكما قوله صلى الله عليه وسلم ليس المسكين بالطواف الحديث فإنه لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غنى يغنيه ويستحي أن يسأل ولا يفطن له قوله حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأنصاري عند مسلم من طريق غندر عن شعبة عن محمد بن عبد الرحمن يعني بن سعد ولأبي داود عن أبي الوليد عن شعبة عن محمد بن عبد الرحمن يعني بن سعد بن زرارة قوله سمعت محمد بن عمرو الخ ادخل محمد بن عبد الرحمن بن سعد بينه وبين جابر محمد بن عمرو بن الحسن في رواية شعبة عنه واختلف في حديثه على يحيى بن أبي كثير فأخرجه النسائي من طريق شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن حدثني جابر بن عبد الله فذكره قال النسائي هذا خطا ثم ساقه من طريق الفريابي عن

[ 162 ]

الأوزاعي عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن حدثني من سمع جابرا ومن طريق على بن المبارك عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن رجل عن جابر ثم قال ذكر تسمية هذا الرجل المبهم فساق طريق شعبة ثم قال هذا هو الصحيح يعني إدخال رجل بين محمد بن عبد الرحمن وجابر وتعقبه المزي فقال ظن النسائي أن محمد بن عبد الرحمن شيخ شعبة في هذا الحديث هو محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى بن أبي كثير فيه وليس كذلك لأن شيخ يحيى هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وشيخ شعبة هو بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة اه والذي يترجح في نظرى أن الصواب مع النسائي لأن مسلما لما روى الحديث من طريق أبي داود عن شعبة قال في آخره قال شعبة كان بلغني هذا الحديث عن يحيى ابن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الإسناد في هذا الحديث عليكم برخصة الله التي رخص لكم فلما سألته لم يحفظه اه والضمير في سألت يرجع إلى محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى لأن شعبة لم يلق يحيى فدل على أن شعبة أخبر أنه كان يبلغه عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن محمد بن عمرو عن جابر في هذا الحديث زيادة ولأنه لما لقي محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى سأله عنها فلم يحفظها وأما ما وقع في رواية الأوزاعي عن يحيى أنه نسب محمد بن عبد الرحمن فقال فيه بن ثوبان فهو الذي اعتمده المزي لكن جزم أبو حاتم كما نقله عنه ابنه في العلل بان من قال فيه عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان فقد وهم وإنما هو بن عبد الرحمن بن سعد اه وقد اختلف فيه مع ذلك على الأوزاعي وجل الرواة عن يحيى بن أبي كثير لم يزيدوا على محمد بن عبد الرحمن لا يذكرون جده ولا جد جده والله أعلم قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تبين من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أنها عزوة الفتح ولابن خزيمة من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فذكر نحوه قوله ورجلا قل ظلل عليه في رواية حماد المذكورة فشق على رجل الصوم فجعلت راحلته تهيم به تحت الشجرة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأمره أن يفطر الحديث ولم اقف على اسم هذا الرجل ولولا ما قدمته من أن عبد الله بن رواحة استشهد قبل غزوة الفتح لامكن أن يفسر به لقول أبي الدرداء أنه لم يكن من الصحابة في تلك السفرة صائما غيره وزعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل وعزا ذلك لمبهمات الخطيب ولم يقل الخطيب ذلك في هذه القصة وانما أورد حديث مالك عن حميد بن قيس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقالوا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم الحديث ثم قال هذا الرجل هو أبو إسرائيل القرشي العامري ثم ساق شوال إلى أيوب عن عكرمة عن بن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فنظر إلى رجل من قريش يقال له أبو إسرائيل فقالوا نذر أن يصوم ويقوم في الشمس الحديث فلم يزد الخطيب على هذا وبين القصتين مغايرات ظاهرة اظهرها أنه كان في الحضر في المسجد المنكر القصة في حديث جابر كان في السفر تحت ظلال الشجر والله أعلم وفي الحديث استحباب التمسك بالرخصة عند الحاجة إليها وكراهة تركها على وجه التشديد والتنطع تنبيه أوهم كلام صاحب العمدة أن قوله صلى الله عليه وسلم عليكم برخصة الله التي رخص لكم مما أخرجه مسلم بشرطه وليس كذلك وإنما هي بقية في الحديث لم يوصل إسنادها كما تقدم بيانه نعم وقعت عند النسائي موصوله في حديث يحيى بن أبي كثير بسنده وعند الطبراني من حديث كعب بن عاصم الأشعري كما تقدم

[ 163 ]

قوله باب لم يعب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم بعضا في الصوم والافطار أي في الأسفار وأشار بهذا إلى تأكيد ما اعتمده من تأويل الحديث الذي قبله وأنه أمرهم على من بلغ حالة يجهد بها وأن من لم يبلغ ذلك لا يعاب عليه الصيام ولا الفطر قوله عن أنس في رواية أبي خالد عند مسلم عن حميد التصريح بالأخبار بين حميد وأنس ولفظه عن حميد خرجت فصمت فقالوا لي أعد فقلت أن أنسا أخبرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم قال حميد فلقيت بن أبي مليكة فأخبرني عن عائشة مثله قوله كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد عند مسلم كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن ومن وجد ضعفا فأفطر أن ذلك حسن وهذا التفصيل هو المعتمد وهو نص رافع للنزاع كما تقدم والله أعلم تنبيه نقل بن عبد البر عن محمد بن وضاح أن مالكا تفرد بسياق هذا الحديث على هذا اللفظ وتعقبة بان أبا إسحاق ها وأبا ضمرة وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم رووه عن حميد مثل مالك قوله باب من أفطر في السفر ليراه الناس أي إذا كان ممن يقتدى به وأشار بذلك إلى أن أفضلية الفطر لا تختص بمن اجهده الصوم أو خشي العجب والرياء أو ظن به الرغبة عن الرخصة بل يلحق بذلك من يقتدى به ليتابعه من وقع له شئ من الأمور الثلاثة ويكون الفطر في حقه في تلك الحالة أفضل لفضيلة البيان قوله عن مجاهد عن طاوس عن بن عباس كذا عنده من طريق أبي عوانة عن منصور عن مجاهد وكذا أخرجه من طريق جرير عن منصور في المغازي أخرجه النسائي من طريق شعبة عن منصور فلم يذكر طاوسا في الإسناد وكذا أخرجه من طريق الحكم عن مجاهد عن بن عباس فيحتمل أن يكون مجاهد أخذه عن طاوس عن بن عباس ثم لقي بن عباس فحمله عنه أو سمعه من بن عباس وثبته فيه طاوس وقد تقدم وكما ذلك في حديث بن عباس في قصة مدعين على القبرين في الطهارة قوله فرفعه إلى يده كذا في الأصول التي وقفت عليها من البخاري وهو مشكل لأن الرفع إنما يكون باليد وأجاب الكرماني بان المعنى يحتمل أن يكون رفعه إلى أقصى المريض يده أي انتهى الرفع إلى أقصى غايتها قلت وقد وقع عند أبي داود عن مسدد عن أبي عوانة بالإسناد المذكور في البخاري فرفعه إلى فيه وهذا أوضح ولعل الكلمة تصحفت وقد تقدم ما يؤيد ذلك في سياق ألفاظ الرواة لهذا الحديث عن بن عباس وغيره مع بقية مباحث المتن قوله ليراه الناس كذا للأكثر والناس بالرفع على الفاعلية وفي رواية المستملى ليريه بضم أوله وكسر الراء وفتح التحتانية والناس بالنصب على المفعولية ويحتمل أن يكون الناسخ كتب ليراه الناس بالياء فلا يكون بين الكلب اختلاف قوله فكان بن عباس يقول الخ فهم بن عباس من فعله صلى الله عليه وسلم ذلك أنه لبيان الجواز لا للأولوية وقد تقدم في حديث أبي سعيد وجابر عند مسلم ما يوضح المراد والله أعلم قوله باب قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين قال بن عمر وسلمة بن الأكوع نسختها شهر رمضان الذي انزل فيه إلى قوله على ما هداكم ولعلكم تشكرون أما حديث بن عمر فوصله في آخر الباب عن عياش وهو بتحتانية ومعجمة وقد أخرجه عنه أيضا في التفسير وزاد أنه بن الوليد وهو الرقام وشيخه عبد الأعلى هو بن عبد الأعلى البصري السامي

[ 164 ]

بالمهملة ولكن لم يعين الناسخ وقد أخرجه الطبري من طريق عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر بلفظ نسخت هذه الآية وعلى الذين يطيقونه التيى بعدها فمن شهد منكم الشهر فليصمه وعلى هذا فقوله في الترجمة وفي حديث سلمة نسختها شهر رمضان أي الآية التي أولها شهر رمضان لاشتمالها على موضع النسخ وقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وأما حديث سلمة فوصله في تفسير البقرة بلفظ لما نزلت وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين كان من أراد أن يفطر أفطر وافتدى حتى نزلت الآية بعدها فنسختها قوله وقال بن نمير الخ وصله أبو نعيم في المستخرج والبيهقي من طريقه ولفظ البيهقي قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولا عهد لهم بالصيام فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل شهر رمضان فاستكثروا ذلك وشق عليهم فكان من أطعم مسكينا كل يوم ترك الصيام ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك ثم نسخه وان تصوموا خير لكم فأمروا بالصيام وهذا الحديث أخرجه أبو داود من طريق شعبة والمسعودي عن الأعمش مطولا في الأذان والقبلة والصيام واختلف في إسناده اختلافا كثيرا وطريق بن نمير هذه ارجحها وإذا تقرر أن الإفطار والاطعام كان رخصة ثم نسخ لزم أن يصير الصيام حتما واجبا فكيف يلتئم مع قوله تعالى وأن تصوموا خير لكم والخيرية لا أخذت على الوجوب بل المشاركة في أصل الخير أجاب الكرماني بان المعنى فالصوم خير من التطوع بالفدية والتطوع بها كان سنة والخير من السنة لا يكون الا واجبا أي لا يكون شئ خيرا من السنة الا الواجب كذا قال ولا يخفى بعده وتكلفه ودعوى الوجوب في خصوص الصيام في هذه الآية ليست بظاهرة بل هو واجب مخير من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم فنصت الآية على أن الصوم أفضل وكون بعض الواجب المخير أفضل من بعض لا اشكال فيه واتفقت هذه الأخبار على أن قوله وعلى الذين يطيقونه فدية منسوخ وخالف في ذلك بن عباس فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه وسيأتي بيان ذلك والبحث فيه في كتاب التفسير أن شاء الله تعالى حيث ذكره المصنف من تفسير البقرة قوله باب متى يقضي قضاء رمضان أي متى تصام الأيام التي تقضى عن فوات رمضان وليس المراد قضاء القضاء على ما هو ظاهر اللفظ ومراد الاستفهام هل يتعين قضاؤه متتابعا أو يجوز متفرقا وهل يتعين على الفور أو يجوز على التراخي قال الزين بن المنير جعل المصنف الترجمة استفهاما لتعارض الأدلة لأن ظاهر قوله تعالى فعدة من أيام اخر يقتضى التفريق لصدق أيام آخر سواء كانت متتابعة أو متفرقة والقياس يقتضى التتابع الحاقا لصفة القضاء بصفة الأداء وظاهر صنيع عائشة يقتضى إيثار المبادرة إلى القضاء لولا ما منعها من الشغل فيشعر بان من كان بغير عذر لا ينبغي له التاخير قلت ظاهر صنيع البخاري يقتضى جواز التراخي والتفريق لما أودعه في الترجمة من الآثار كعادته وهو قول الجمهور ونقل بن المنذر وغيره عن على وعائشة وجوب التتابع وهو قول بعض أهل الظاهر وروى عبد الرزاق بسنده عن بن عمر قال يقضيه تباعا وعن عائشة نزلت فعدة من أيام أخر متتابعات فسقطت متتابعات وفي الموطأ أنها قراءة أبي بن كعب وهذا إن صح يشعر بعدم وجوب التتابع فكأنه كان أولا واجبا ثم نسخ ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى قوله وقال بن عباس لا بأس أن يفرق لقول الله تعالى فعدة من أيام اخر وصله مالك عن الزهري أن بن عباس

[ 165 ]

وأبا هريرة اختلفا في قضاء رمضان فقال أحدهما يفرق وقال الآخر لا يفرق هكذا أخرجه منقطعا مبهما ووصله عبد الرزاق معينا عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس فيمن عليه قضاء من رمضان قال يقضيه مفرقا قال الله تعالى فعدة من أيام اخر أخرجه الدارقطني من وجه آخر عن معمر بسنده قال صمه كيف شئت ورويناه في فوائد أحمد بن شبيب من روايته عن أبيه عن يونس عن الزهري بلفظ لا يضرك كيف قضيتها إنما هي عدة من أيام آخر فاحصه وقال عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء أن بن عباس وأبا هريرة قالا فرقه إذا احصيته وروى بن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي هريرة نحو قول بن عمر وكأنه اختلف فيه عن أبي هريرة وروى بن أبي شيبة أيضا من طريق معاذ بن جبل إذا أحصي العدة فليصم كيف شاء ومن طريق أبي عبيدة بن الجراح ورافع بن خديج نحوه وروى سعيد بن منصور عن أنس نحوه قوله وقال سعيد بن المسيب في صوم العشر لا يصلح حتى يبدأ برمضان وصله بن أبي شيبة عنه نحوه ولفظه لا بأس أن يقضي رمضان في العشر وظاهر قوله جواز التطوع بالصوم لمن عليه دين من رمضان الا أن الأولى له أن يصوم الدين أولا لقوله لا يصلح فإنه ظاهر في الإرشاد إلى البداءة بالاهم والآكد وقد روى عبد الرزاق عن أبي هريرة أن رجلا قال له أن على أياما من رمضان افاصوم العشر تطوعا قال لا إبدأ بحق الله ثم تطوع ما شئت وعن عائشة نحوه وروى بن المنذر عن على أنه نهى عن قضاء رمضان في عشر ذي الحجة وإسناده ضعيف قال وروى بإسناد صحيح نحوه عن الحسن والزهري وليس مع أحد منهم حجة على ذلك وروى بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عمر أنه كان يستحب ذلك قوله وقال إبراهيم أي النخعي إذا فرط حتى جاء رمضان آخر يصومهما ولم ير عليه إطعاما ووقع في رواية الكشميهني حتى جاز بزاى بدل الهمزة من الجواز وفي نسخة حان بمهملة ونون من الحين وصله سعيد بن منصور من طريق يونس عن الحسن ومن طريق الحارث العكلي عن إبراهيم قال إذا تتابع عليه رمضانان صامهما فإن صح بينهما فلم يقض الأول فبئسما صنع فليستغفر الله وليصم قوله ويذكر عن أبي هريرة مرسلا وعن بن عباس أنه يطعم أما أثر أبي هريرة فوجدته عنه من طرق موصولا فأخرجه عبد الرزاق عن بن جريج أخبرني عطاء عن أبي هريرة قال أي إنسان مرض في رمضان ثم صح فلم يقضه حتى أدركه رمضان آخر فليصم الذي حدث ثم يقض الآخر ويطعم مع كل يوم مسكينا قلت لعطاء كم بلغك بطعم قال مدا زعموا وأخرجه عبد الرزاق أيضا عن معمر عن أبي إسحاق عن مجاهد عن أبي هريرة نحوه وقال فيه وأطعم عن كل يوم نصف صاع من قمح وأخرجه الدارقطني من طريق مطرف عن أبي إسحاق نحوه ومن طريق رقبة وهو بن مصقلة قال زعم عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول في المريض يمرض ولا يصوم رمضان ثم يترك حتى يدركه رمضان آخر قال يصوم الذي حضره ثم يصوم الآخر ويطعم لكل يوم مسكينا ومن طريق بن جريج وقيس بن سعد عن عطاء نحوه وأما قول بن عباس فوصله سعيد بن منصور عن هشيم والدارقطني من طريق بن عيينة كلاهما عن يونس عن أبي إسحاق عن مجاهد عن بن عباس قال من فرط في صيام رمضان حتى أدركه رمضان آخر فليصم هذا الذي أدركه ثم ليصم ما فاته ويطعم مع كل يوم مسكينا وأخرجه عبد الرزاق من طريق جعفر بن برقان وسعيد بن منصور من طريق حجاج والبيهقي من طريق شعبة عن الحكم كلهم عن ميمون بن

[ 166 ]

مهران عن بن عباس نحوه قوله ولم يذكر الله تعالى الإطعام إنما قال فعدة من أيام اخر هذا من كلام المصنف قاله تفقها وظن الزين بن المنير أنه بقية كلام إبراهيم النخعي وليس كما ظن فإنه مفصول من كلامه بأثر أبي هريرة وابن عباس لكن إنما يقوي ما احتج به إذا لم يصح في السنة دليل الإطعام إذ لا يلزم من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت بالسنة ولم يثبت فيه شئ مرفوع وإنما جاء فيه عن جماعة من الصحابة منهم من ذكر ومنهم عمر عند عبد الرزاق ونقل الطحاوي عن يحيى ابن أكثم قال وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم له فيه مخالفا انتهى وهو قول الجمهور وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه ومال الطحاوي إلى قول الجمهور في ذلك وممن قال بالإطعام بن عمر لكنه بالغ في ذلك فقال يطعم ولا يصوم فروى عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما من طرق صحيحة عن نافع عن بن عمر قال من تابعه رمضانان وهو مريض لم يصح بينهما قضى الآخر منهما بصيام وقضى الأول منهما بإطعام الفساد من حنطة كل يوم ولم يصم لفظ عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع قال الطحاوي تفرد بن عمر بذلك قلت لكن عند عبد الرزاق عن بن جريج عن يحيى بن سعيد قال بلغني مثل ذلك عن عمر لكن المشهور عن عمر خلافه فروى عبد الرزاق أيضا من طريق عوف بن مالك سمعت عمر يقول من صام يوما من غير رمضان وأطعم مسكينا فإنهما يعدلان يوما من رمضان ونقله بن المنذر عن بن عباس وعن قتادة وانفرد بن وهب بقوله من أفطر يوما في قضاء رمضان وجب عليه لكل يوم صوم يومين قوله حدثنا زهير هو بن معاوية الجعفي أبو خيثمة قوله عن يحيى هو بن سعيد الأنصاري ووهم الكرماني تبعا لابن التين فقال هو يحيى بن أبي كثير وغفل عما أخرجه مسلم عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه فقال في نفس السند عن يحيى بن سعيد ويحيى بن سعيد هذا هو الأنصاري وذهل مغلطاي فنقل عن الحافظ الضياء أنه القطان وليس كما قال فإن الضياء حكى قول من قال إنه يحيى بن أبي كثير ثم رده وجزم بأنه يحيى بن سعيد ولم يقل القطان ولا جائز أن يكون القطان لأنه لم يدرك أبا سلمة وليست لزهير بن معاوية عنه رواية وإنما هو يروي عن زهير قوله عن أبي سلمة في رواية الاسماعيلي من طريق أبي خالد عن يحيى بن سعيد سمعت أبا سلمة قوله فما أستطيع أن اقضيه إلا في شعبان استدل به على أن عائشة كانت لا تتطوع بشئ من الصيام لا في عشر ذي الحجة ولا في عاشوراء ولا غير ذلك وهو مبنى على أنها كانت لا ترى جواز صيام التطوع لمن عليه دين من رمضان ومن أين لقائله ذلك قوله قال يحيى أي الراوي المذكور بالسند المذكور إليه فهو موصول قوله الشغل من النبي أو بالنبي صلى الله عليه وسلم هو خبر مبتدأ محذوف تقديره المانع لها الشغل أو هو مبتدأ محذوف الخبر تقديره الشغل هو المانع لها وفي قوله قال يحيى هذا تفصيل لكلام عائشة من كلام غيرها ووقع في رواية مسلم المذكورة مدرجا لم يقل فيه قال يحيى فصار كأنه من كلام عائشة أو من روى عنها وكذا أخرجه أبو عوانة من وجه آخر عن زهير وأخرجه مسلم من طريق سليمان بن بلال عن يحيى مدرجا أيضا ولفظه وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه من طريق بن جريج عن يحيى فبين ادراجه ولفظه فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيى يقوله وأخرجه أبو داود من طريق مالك والنسائي من طريق يحيى القطان وسعيد بن منصور عن بن شهاب وسفيان والاسماعيلي من طريق أبي

[ 167 ]

خالد كلهم عن يحيى بدون الزيادة وأخرجه مسلم من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بدون الزيادة لكن فيه ما يشعر بها فإنه قال فيه ما معناه فما أستطيع قضاءها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون المراد بالمعية الزمان أي أن ذلك كان خاصا بزمانه وللترمذي وابن خزيمة من طريق عبد الله البهي عن عائشة ما قضيت شيئا مما يكون على من رمضان الا في شعبان حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومما يدل على ضعف الزيادة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم لنسائه فيعدل وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها فيقبل ويلمس من غير جماع فليس في شغلها بشئ من ذلك ما يمنع الصوم اللهم الا أن يقال إنها كانت لا تصوم الا بإذنه ولم يكن يأذن لاحتمال احتياجه إليها فإذا ضاق الوقت أذن لها وكان هو صلى الله عليه وسلم يكثر الصوم في شعبان كما سيأتي بعد أبواب فلذلك كانت لا يتهيا لها القضاء الا في شعبان وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقا سواء كان لعذر أو لغير عذر لأن الزيادة كما بيناه مدرجة فلو لم تكن مرفوعة لكان الجواز مقيدا بالضرورة لأن للحديث حكم الرفع لأن الظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مع توفر دواعى أزواجه على السؤال منه عن أمر الشرع فلولا أن ذلك كان جائزا لم تواظب عائشة عليه ويؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر وأما الإطعام فليس فيه ما يثبت ولا ينفيه وقد تقدم البحث فيه قوله باب الحائض تترك الصوم والصلاة قال الزين بن المنير ما محصله أن الترجمة لم تتضمن حكم القضاء لتطابق حديث الباب فإنه ليس فيه تعرض لذلك قال وأما تعبيره بالترك فللاشارة إلى أنه ممكن حسا وإنما تتركه اختيارا لمنع الشرع لها من مباشرته قوله وقال أبو الزناد الخ قال الزين بن المنير نظر أبو الزناد إلى الحيض فوجده مانعا من هاتين العبادتين وما سلب الأهلية استحال أن يتوجه به خطاب الاقتضاء وما يمنع صحة الفعل يمنع الوجوب فلذلك استبعد الفرق بين الصلاة والصوم فأحال بذلك على أتباع السنة والتعبد المحض وقد تقدم في كتاب الحيض سؤال معاذة من عائشة عن الفرق المذكور وأنكرت عليها عائشة السؤال وخشيت عليها أن تكون تلقنته من الخوارج الذين جرت عادتهم باعتراض السنن بأرائهم ولم تزدها على الحوالة على النص وكأنها قالت لها دعي السؤال عن العلة إلى ما هو أهم من معرفتها وهو الانقياد إلى الفاء وقد تكلم بعض الفقهاء في الفرق المذكور واعتمد كثير منهم على أن الحكمة فيه أن الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم الذي لا يقع في السنة الا مرة واختار إمام الحرمين أن المتبع في ذلك هو النص وأن كل شئ ذكروه من الفرق ضعيف والله أعلم وزعم المهلب أن السبب في منع الحائض من الصوم أن خروج الدم يحدث ضعفا في النفس غالبا فاستعمل هذا الغالب في جميع الأحوال فلما كان الضعف يبيح الفطر ويوجب القضاء كان كذلك الحيض ولا يخفى ضعف هذا المأخذ فإن المريض لو تحامل فصام صح صومه بخلاف الحائض وأن المستحاضة في نزف الدم أشد من الحائض وقد أبيح لها الصوم وقول أبي الزناد إن السنن لتأتى كثيرا على خلاف الرأي كأنه يشير إلى قول على لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحق بالمسح من أعلاه أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني ورجال إسناده ثقات ونظائر ذلك في الشرعيات كثير ومما يفرق فيه بين الصوم والصلاة في حق الحائض أنها لو طهرت قبل الفجر

[ 168 ]

ونوت صح صومها في قول الجمهور ولا يتوقف على الغسل بخلاف الصلاة ثم أورد المصنف طرفا من حديث أبي سعيد الماضي في كتاب الحيض مقتصرا على قوله أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم وقد أخرجه مسلم من حديث بن عمر بلفظ تمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين الحديث قوله باب من مات وعليه صوم أي هل يشرع قضاؤه عنه أم لا وإذا شرع هل يختص بصيام دون صيام أو يعم كل صيام وهل يتعين الصوم أو يجزئ الإطعام وهل يختص الولي بذلك أو يصح منه ومن غيره والخلاف في ذلك مشهور للعلماء كما سنبينه قوله وقال الحسن إن صام عنه ثلاثون رجلا يوما واحدا جاز في رواية الكشميهني في يوم واحد والمراد من مات وعليه صيام شهر وهذا الأثر وصله الدارقطني في كتاب الذبح من طريق عبد الله بن المبارك عن سعيد بن عامر وهو الضبعي عن أشعث عن الحسن فيمن مات وعليه صوم ثلاثين يوما فجمع له ثلاثون رجلا فصاموا عنه يوما واحدا أجزأ عنه قال النووي في شرح المهذب هذه المسألة لم أر فيها نقلا في المذهب وقياس المذهب الإجزاء قلت لكن الجواز مقيد بصوم لم يجب فيه التتابع لفقد التتابع في الصورة المذكورة قوله حدثنا محمد بن خالد أي بن خلى بمعجمة وزن على كما جزم به أبو نعيم في المستخرج وجزم الجوزقي بأنه الذهلي فإنه أخرجه عن أبي حامد بن الشرقي عنه وقال أخرجه البخاري عن محمد بن يحيى وبذلك جزم الكلاباذي وصنيع المزي يوافقه وهو الراجح وعلى هذا فقد نسبه البخاري هنا إلى جد أبيه لأنه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد وشيخه محمد بن موسى ابن أعين أدركه البخاري لكنه لم يرو عنه الا بواسطة وكأنه لم يلقه وعمرو بن الحارث هو المصري قوله من مات عام في المكلفين لقرينة وعليه صيام وقوله صام عنه وليه خبر بمعنى الأمر تقديره فليصم عنه وليه وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادعوا الإجماع على ذلك وفيه نظر لأن بعض أهل الظاهر أوجبه فلعله لم يعتد بخلافهم على قاعدته وقد اختلف السلف في هذه المسألة فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث وعلق الشافعي في القديم القول به على صحة الحديث كما نقله البيهقي في المعرفة وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية وقال البيهقي في الخلافيات هذه المسألة ثابتة لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في صحتها فوجب العمل بها ثم ساق بسنده إلى الشافعي قال كل ما قلت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فخذوا بالحديث ولا تقلدوني وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة لا يصام عن الميت وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد لا يصام عنه إلا النذر حملا للعموم الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث بن عباس وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما فحديث بن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة وقد وقعت الإشارة في حديث بن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قيل في آخره فدين الله أحق أن يقضى وأما رمضان فيطعم عنه فأما المالكية فأجابوا عن حديث الباب بدعوى عمل أهل المدينة كعادتهم وادعى القرطبي تبعا لعياض أن الحديث مضطرب وهذا لا يتأتى إلى في حديث بن عباس ثاني حديثي الباب وليس الاضطراب فيه مسلما كما سيأتي وأما حديث عائشة فلا اضطراب فيه واحتج القرطبي بزيادة بن لهيعة المذكورة لأنها أخذت على عدم الوجوب وتعقب بأن معظم المجيزين لم يوجبوه كما تقدم وإنما قالوا يتخير الولي بين الصيام والاطعام وأجاب

[ 169 ]

الماوردي عن الجديد بأن المراد بقوله صام عنه وليه أي فعل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام قال وهو وكما قوله التراب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء قال فسمى البدل باسم المبدل فكذلك هنا وتعقب بأنه للفظ عن ظاهر بغير دليل وأما الحنفية ليذبحك لعدم القول بهذين الحديثين بما روى عن عائشة أنها سألت عن امرأة ماتت وعليها صوم قالت يطعم عنها وعن عائشة قالت لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم أخرجه البيهقي وبما روي عن بن عباس قال في رجل مات وعليه رمضان قال يطعم عنه ثلاثون مسكينا أخرجه عبد الرزاق وروى النسائي عن بن عباس قال لا يصوم أحد عن أحد قالوا فلما أفتى بن عباس وعائشة بخلاف ما روياه دل ذلك على أن العمل خلاف ما روياه وهذه قاعدة لهم معروفة الا أن الآثار المذكورة عن عائشة وعن بن عباس فيها مقال وليس فيها ما يمنع الصيام الا الأثر الذي عن عائشة وهو ضعيف جدا والراجح أن المعتبر ما رواه لا ماراه لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهاد ومستنده فيه لم يتحقق ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده وإذا تحققت صحة الحديث لم يترك المحقق للمظنون والمسألة مشهورة في الأصول واختلف المجيزون في المراد بقوله وليه فقيل كل قريب وقيل الوارث خاصة وقيل عصبته والأول أرجح والثاني قريب ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها واختلفوا أيضا هل يختص ذلك بالولي لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية ولانها عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة فكذلك في الموت الا ما ورد فيه الدليل فيقتصر على ما ورد فيه ويبقى الباقي على الأصل وهذا هو الراجح وقيل يختص بالولي فلو أمر أجنبيا بأن يصوم عنه اجزا كما في الحج وقيل يصح استقلال الأجنبي بذلك وذكر الولي لكونه الغالب وظاهر صنيع البخاري اختيار هذا الأخير وبه جزم أبو الطيب الطبري وقواه بتشبيهه صلى الله عليه وسلم ذلك بالدين والدين لا يختص بالقريب قوله تابعه بن وهب عن عمرو يعني بن الحارث المذكور بسنده وهذه المتابعة وصلها مسلم وأبو داود وغيرهما بلفظه قوله ورواه يحيى بن أيوب يعني المصري عن عبيد الله بن أبي جعفر بسنده المذكور وروايته هذه عند أبي عوانة والدارقطني من طريق عمرو بن الربيع وابن خزيمة من طريق سعيد بن أبي مريم كلاهما عن يحيى بن أيوب وألفاظهم متوافقة ورواه البزار من طريق بن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر فزاد في آخر المتن أن شاء قوله حدثنا محمد بن عبد الرحيم هو الحافظ المعروف بصاعقه ومعاوية بن عمرو هو الأزدي ويعرف بابن الكرماني من قدماء شيوخ البخاري حدث عنه بغير واسطة في أواخر كتاب الجمعة وحدث عنه هنا وفي الجهاد وفي الصلاة بواسطة وكان طلب معاوية المذكور للحديث وهو كبير وإلا فلو كان طلبه وهو على قدر سنه لكان من أعلى شيوخ البخاري وزائدة شيخه هو بن قدامة الثقفي مشهور قد لقي البخاري جماعة من أصحابه قوله عن مسلم البطين بفتح الموحدة وكسر المهملة ثم تحتانية ساكنة ثم نون وسيأتى أن الحديث جاء من رواية شعبة عن الأعمش عن مسلم المذكور وشعبة لا يحدث عن شيوخه الذين ربما دلسوا الا بما تحقق أنهم سمعوه قوله جاء رجل في رواية غير زائدة جاءت امرأة وقد تقدم القول في تسميتها في كتاب الحج قوله جاء رجل لم اقف على اسمه واتفق من عدا زائدة وعبثر بن القاسم على أن السائل امرأة وزاد أبو حريز في روايته أنها خثعمية قوله ان امى خالف أبو حامد جميع من رواه فقال أن أختي واختلف على

[ 170 ]

أبي بشر عن سعيد بن جبير فقال هشيم عنه ذات قرابة لها وقال شعبة عنه أن أختها أخرجهما أحمد وقال حماد عنه ذات قرابة لها أما أختها وإما ابنتها وهذا يشعر بأن التردد فيه من سعيد بن جبير قوله وعليها صوم شهر هكذا في أكثر الروايات وفي رواية أبي حريز خمسة عشر يوما وفي رواية أبي خالد شهرين متتابعين وروايته تقتضي أن لا يكون الذي عليها صوم شهر رمضان بخلاف رواية غيره فإنها محتملة الا رواية زيد بن أبي أنيسة فقال إن عليها صوم ندر وهذا واضح في أنه غير رمضان وبين أبو بشر في روايته سبب النذر فروى أحمد من طريق شعبة عن أبي بشر أن امرأة ركبت البحر فنذرت أن تصوم شهرا فماتت قبل أن تصوم فاتت أختها النبي صلى الله عليه وسلم الحديث ورواه أيضا عن هشيم عن أبي بشر نحوه وأخرجه البيهقي من حديث حماد بن سلمة وقد ادعى بعضهم أن هذا الحديث اضطرب فيه الرواة عن سعيد بن جبير فمنهم من قال أن السائل امرأة ومنهم من قال رجل ومنهم من قال أن السؤال وقع عن نذر فمنهم من فسره بالصوم ومنهم من فسره الحنفية لما تقدم في أواخر الحج والذي يظهر أنهما قصتان ويؤيده أن السائلة في نذر الصوم خثعمية كما في رواية أبي حريز المعلقة ويتحتم عن نذر الحج جهينة كما تقدم في موضعه وقد قدمنا في أواخر الحج أن مسلما روى من حديث بريدة أن امرأة سألت عن الحج وعن الصوم معا وأما الاختلاف في كون السائل رجلا أو امرأة والمسؤول عنه أختا أو أما فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث لأن الغرض منه مشروعية الصوم أو الحج عن الميت ولا اضطراب في ذلك وقد تقدمت الإشارة إلى كيفية الجمع بين مختلف الروايات فيه عن الأعمش وغيره والله أعلم قوله فدين الله أحق أن يقضى تقدمت مباحثه في أواخر الحج معي فضل المدينة مستوفى قوله قال سليمان هو الأعمش يعني بالإسناد المذكور أولا إليه قوله فقال الحكم أي بن عتيبة وسلمة أي بن كهيل والحاصل أن الأعمش سمع هذا الحديث من ثلاثة أنفس في مجلس واحد من مسلم البطين أولا عن سعيد بن جبير ثم من الحكم وسلمة عن مجاهد وقد خالف زائدة في ذلك أبو خالد الأحمر كما سيأتي قوله ويذكر عن أبي خالد حدثنا الأعمش الخ محصله أن أبا خالد جمع بين شيوخ الأعمش الثلاثة فحدث به عنه عنهم عن شيوخ ثلاثة وظاهره أنه عند كل منهم عن كل منهم ويحتمل أن يكون أراد به اللف والنشر بغير ترتيب فيكون شيخ الحكم عطاء وشيخ البطين سعيد بن جبير وشيخ سلمة مجاهدا ويؤيده أن النسائي أخرجه من طريق عبد الرحمن بن مغراء عن الأعمش مفصلا هكذا وهو مما يقوي رواية أبي خالد وقد وصلها مسلم لكن لم يسق المتن بل أحال به على رواية زائدة وهو معترض لأن بينهما مخالفة سيأتي بيانها ووصلها أيضا الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والدارقطني من طريق أبي خالد قوله وقال يحيى أي بن سعيد وأبو معاوية عن الأعمش الخ وافقا زائدة على أن شيخ مسلم البطين فيه سعيد بن جبير وكذلك رواه شعبة وعبد الله بن نمير وعبثر بن القاسم وعبيدة بن حميد وآخرون عن الأعمش وطرقهم عند النسائي وأحمد وغيرهما قوله وقال عبيد الله بن عمرو أي الرقي عن زيد بن أبي أنيسة الخ هذا يخالف رواية عبد الرحمن بن مغراء من حيث أن شيخ الحكم فيها عطاء وفي هذه شيخه سعيد ويحتمل أن يكون سمعه من كل منهما وطريق عبيد الله هذه وصلها مسلم أيضا قوله وقال أبو حريز بالمهلمة والراء والزاي وهو عبد الله بن الحسين قاضي

[ 171 ]

سجستان وطريقه هذه وصلها بن خزيمة والحسن بن سفيان ومن جهته البيهقي قوله باب متى يحل فطر الصائم غرض هذه الترجمة الإشارة إلى أنه هل يجب إمساك جزء من الليل لتحقق مضى النهار أم لا وظاهر صنيعه يقتضى ترجيح الثاني لذكره لأثر أبي سعيد في الترجمة لكن محله إذا ما حصل تحقق غروب الشمس قوله وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس وصله سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة من طريق عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال دخلنا على أبي سعيد فأفطر ونحن نرى أن الشمس لم تغرب ووجه الدلالة منه أن أبا سعيد لما تحقق غروب الشمس لم يطلب مزيدا على ذلك ولا ألتفت إلى موافقة من عنده على ذلك فلو كان يجب عنده إمساك جزء من الليل لاشترك الجميع في معرفة ذلك الله أعلم ثم ذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث عمر قوله حدثنا سفيان هو بن عيينة والإسناد كله حجازيون الحميدي وسفيان مكيان والباقون مدنيون وفيه رواية الأبناء عن الآباء ورواية تابعي صغير عن تابعي كبير هشام عن أبيه وصحابي صغير عن صحابي كبير عاصم عن أبيه وكان مولد عاصم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم يسمع منه شيئا قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية بن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام قال لي قوله إذا أقبل الليل من ههنا أي من جهة المشرق كما في الحديث الذي يليه والمراد به وجود الظلمة حسا وذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور لأنها وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون اقباله حقيقة بل لوجود أمر يغطى ضوء الشمس وكذلك إدبار النهار فمن ثم قيد بقوله وغربت الشمس إشارة إلى اشتراط تحقق الإقبال والادبار وانهما بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر ولم يذكر ذلك في الحديث الثاني فيحتمل أن ينزل على حالين إما حيث ذكرها ففي حال الغيم مثلا وإما حيث لم يذكرها ففي حال الصحو ويحتمل أن يكونا في حالة واحدة وحفظ أحد الروايين ما لم يحفظ الآخر وإنما ذكر الإقبال والادبار معا لا مكان وجود أحدهما مع عدم تحقق الغروب قاله القاضي عياض وقال شيخنا في شرح الترمذي الظاهر الاكتفاء بأحد الثلاثة لأنه يعرف انقضاء النهار بأحدهما ويؤيده الاقتصار في رواية بن أبي أوفى على إقبال الليل قوله فقد أفطر الصائم أي دخل في وقت الفطر كما يقال انجد إذا أقام بنجد واتهم إذا أقام بتهامة ويحتمل أن يكون معناه فقد صار مفطرا في الحكم لكون الليل ليس ظرفا للصيام الشرعي وقد رد بن خزيمة هذا الاحتمال وأومأ إلى ترجيح الأول فقال قوله فقد أفطر الصائم لفظ خبر ومعناه الأمر أي فليفطر الصائم ولو كان المراد فقد صار مفطرا كان فطر جميع الصوام واحدا ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنى اه وقد يجاب بان المراد فعل الإفطار حسا ليوافق الأمر الشرعي ولا شك أن الأول أرجح ولو كان الثاني معتمدا لكان من حلف أن لا يفطر فصام فدخل الليل حنث بمجرد دخوله ولو لم يتناول شيئا ويمكن الانفصال عن ذلك بان الأيمان مبنية على العرف وبذلك أفتي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في مثل هذه الواقعة بعينها ومثل هذا لو قال أن أفطرت فأنت طالق فصادف يوم العيد لم تطلق حتى يتناول ما يفطر به وقد أرتكب بعضهم الشطط فقال يحنث ويرجح الأول أيضا رواية شعبة أيضا بلفظ فقد حل الإفطار وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق الثوري عن الشيباني وسيأتى لذلك مزيد بيان في باب الوصال بعد ثلاثة أبواب

[ 172 ]

الحديث الثاني حديث أبن أبي أوفى قوله حدثنا خالد هو بن عبد الله الواسطي والشيباني هو أبو إسحاق قوله عن عبد الله بن أبي أوفى سيأتي في الباب الذي يليه من وجه آخر عن أبي إسحاق سمعت بن أبي أوفى قوله كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر هذا السفر يشبه أن يكون سفر غزوة الفتح ويؤيده رواية هشيم عن الشيباني عند مسلم بلفظ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في شهر رمضان وقد تقدم أن سفره في رمضان منحصر في غزوة بدر وغزوة الفتح فإن ثبت فلم يشهد بن أبي أوفى بدر افتعينت غزوة الفتح قوله فلما غابت الشمس في رواية الباب الذي يليه فلما غربت الشمس وهي تفيد معنى ازيد من معنى غابت قوله قال لبعض القوم يا فلان في رواية شعبة عن الشيباني عند أحمد فدعا صاحب شرابه بشراب فقال لو أمسيت وسأذكر من سماه في الباب الذي يليه قوله فاجدح بالجيم ثم الحاء المهملة والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له المجدح اتراه الرأس وزعم الداودي أن معنى قوله أجدح لي أي احلب وغلطوه في ذلك قوله أن عليك نهارا يحتمل أن يكون المذكور كان يرى كثرة الضوء من شدة الصحو فيظن أن الشمس لم تغرب ويقول لعلها غطاها بشئ من جبل ونحوه أو كان هناك غيم فلم يتحقق غروب الشمس وأما قول الراوي وغربت الشمس فاخبار منه بما في نفس الأمر وإلا فلو تحقق الصحابي أن الشمس غربت ما توقف لأنه حينئذ يكون معاندا وإنما توقف احتياطا واستكشافا عن حكم المسألة قال الزين بن المنير يؤخذ من هذا جواز الاستفسار عن الظواهر لاحتمال أن لا يكون المراد امرارها على ظاهرها وكأنه أخذ ذلك من تقريره صلى الله عليه وسلم الصحابي على ترك المبادرة إلى الامتثال وفي الحديث أيضا استحباب تعجيل الفطر وأنه لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقا بل متى تحقق غروب الشمس حل الفطر وفيه تذكر العالم بما يخشى أن يكون نسيه وترك المراجعة له بعد ثلاث وقد اختلفت الروايات عن الشيباني في ذلك فأكثر ما وقع فيها أن المراجعة وقعت ثلاثا وفي بعضها مرتين وفي بعضها مرة واحدة وهو محمول على أن بعض الرواة اختصر القصة ورواية خالد المذكورة في هذا الباب أتمهم سياقا وهو حافظ فزيادته مقبولة وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يراجع بعد ثلاث وهو عند أحمد من حديث عبد الله بن أبي حدرد في حديث أوله كان ليهودي عليه دين وفي حديثي الباب من الفوائد بيان وقت الصوم وأن الغروب متى تحقق كفى وفيه إيماء إلى الزجر عن متابعة أهل الكتاب فإنهم يؤخرون الفطر عن الغروب وفيه أن الأمر الشرعي أبلغ من الحسى وأن العقل لا يقضي على الشرع وفيه البيان بذكر اللازم والملزوم جميعا لزيادة الإيضاح قوله باب يفطر بما تيسر من الماء أو غيره أي سواء كان وحده أو مخلوطا وفي رواية أبي ذر عن غير الكشميهني بالماء وذكر فيه حديث بن أبي أوفى وهو ظاهر فيما ترجم له ولعله أشار إلى أن الأمر في قوله من وجد تمرا فليفطر عليه ومن لا فليفطر على الماء ليس الوجوب وهو حديث أخرجه الحاكم من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس مرفوعا وصححه الترمذي وابن حبان من حديث سلمان بن عامر وقد شذ بن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء قوله سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم فلما غربت الشمس قال أنزل فأجدح لنا لم يسم المأمور بذلك وقد أخرجه أبو داود عن مسدد شيخ البخاري فيه فسماه ولفظه فقال يا بلال

[ 173 ]

انزل إلخ وأخرجه الاسماعيلي وأبو نعيم من طرق عن عبد الواحد وهو بن زياد شيخ مسدد فيه فاتفقت رواياتهم على قوله يا فلان فلعلها تصحفت ولعل هذا هو السر في حذف البخاري لها وقد سبق الحديث في الباب الذي قبله من رواية خالد عن الشيباني بلفظ يا فلان وذكرنا أن في حديث عمر عند بن خزيمة قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل إلخ فيحتمل أن يكون المخاطب بذلك عمر فإن الحديث واحد فلما كان عمر هو المقول له إذا أقبل الليل إلخ احتمل أن يكون هو المقول له أولا اجدح لكن يؤيد كونه بلالا قوله في رواية شعبة المذكورة قبل فدعا صاحب شرابه فإن بلالا هو المعروف بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم قوله باب تعجيل الإفطار قال بن عبد البر أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور وصحاح متواترة وعند عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أسرع الناس إفطارا وأبطأهم سحورا قوله عن أبي حازم هو بن دينار قوله لا يزال الناس بخير في حديث أبي هريرة لا يزال الدين ظاهرا وظهور الدين مستلزم لدوام الخير قوله ما عجلوا الفطر زاد أبو ذر في حديثه واخروا السحور أخرجه أحمد وما ظرفية أي مدة فعلهم ذلك امتثالا للسنة واقفين عند حدها غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدها زاد أبو هريرة في حديثه لأن اليهود والنصارى يؤخرون أخرجه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما وتأخير أهل الكتاب له أمد وهو ظهور النجم وقد روى بن حبان والحاكم من حديث سهل أيضا بلفظ لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم وفيه بيان العلة في ذلك قال المهلب والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بأخبار عدلين وكذا عدل واحد في الارجح قال بن دقيق العيد في هذا الحديث رد على الشيعة في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجوم ولعل هذا هو السبب في وجود الخير بتعجيل الفطر لأن الذي يؤخره يدخل في فعل خلاف السنة اه وما تقدم من الزيادة عند أبي داود أولى بان يكون سبب هذا الحديث فإن الشيعة لم الريح موجودين عند تحديثه صلى الله عليه وسلم بذلك قال الشافعي في الأم تعجيل الفطر مستحب ولا يكره تأخيره الا لمن تعمده ورأى الفضل فيه ومقتضاه أن التاخير لا يكره مطلقا وهو كذلك إذ لا يلزم من كون الشئ مستحبا أن يكون نقيضه مكروها مطلقا واستدل به بعض الماليكة على عدم استحباب ستة شوال لئلا يظن الجاهل أنها ملتحقة برمضان وهو ضعيف ولا يخفى الفرق تنبيه من البدع المنكرة ما حالا في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان واطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام زعما ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة ولا يعلم بذلك الا آحاد الناس وقد جرهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون الا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت زعموا فاخروا الفطر وعجلوا السحور وخالفوا السنة فلذلك قل عنهم الخير وكثير فيهم الشر والله المستعان قوله حدثنا أبو بكر هو بن عباس عن سليمان هو أبو إسحاق الشيباني وقد تقدم الكلام على حديث بن أبي أوفى قريبا قوله باب إذا أفطر في رمضان أي ظانا غروب الشمس ثم طلعت الشمس أي هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أو لا وهي مسألة خلافية

[ 174 ]

واختلف قول عمر فيها كما سيأتي والمراد بالطلوع الظهور وكأنه راعي لفظ الخبر في ذلك وأيضا فإنه يشعر بان قرص الشمس كله ظهر مرتفعا ولو عبر بظهرت لم يفد ذلك قوله عن هشام بن عروة في رواية أبي داود من وجه آخر عن أبي أسامة حدثنا هشام بن عروة قوله عن فاطمة زاد أبو داود بنت المنذر وهي ابنة عم هشام وزوجته وأسماء جدتهما جميعا قوله يوم غيم كذا للأكثر فيه بنصب يوم على الظرفية وفي رواية أبي داود بن خزيمة في يوم غيم قوله قيل لهشام في رواية أبي داود قال أبو أسامة قلت لهشام وكذا أخرجه بن أبي شيبة في مصنفه وأحمد في مسنده عن أبي أسامة قوله بد من قضاء هو استفهام إنكار محذوف الاداة والمعنى لا بد من قضاء ووقع في رواية أبي ذر لا بد من القضاء قوله وقال معمر سمعت هشاما يقول لا أدري اقضوا أم لا هذا التعليق وصله عبد بن حميد قال أخبرنا معمر سمعت هشام بن عروة فذكر الحديث وفي آخره فقال إنسان لهشام اقضوا أم لا فقال لا أدري وظاهر هذه الرواية تعارض التي قبلها لكن يجمع بان جزمه بالقضاء أمرهم على أنه استند فيه إلى دليل آخر وأما حديث أسماء فلا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه وقد اختلف في هذا المسألة فذهب الجمهور إلى إيجاب القضاء واختلف عن عمر فروى بن أبي شيبة وغيره من طريق زيد بن وهب عنه ترك القضاء ولفظ معمر عن الأعمش عن زيد فقال عمر لم نقض والله ما يجانفنا الإثم وروى مالك من وجه آخر عن عمر أنه قال لما أفطر ثم طلعت الشمس الخطب يسير وقد اجتهدنا وزاد عبد الرزاق في روايته من هذا الوجه نقضي يوما وله من طريق على بن حنظلة عن أبيه نحوه ورواه سعيد بن منصور وفيه فقال من أفطر منكم فليصم يوما مكانه وروى سعيد بن منصور من طريق أخرى عن عمر نحوه وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن وبه قال إسحاق وأحمد في رواية واختاره بن خزيمة فقال قول هشام لا بد من القضاء لم يسنده ولم يتبين عندي أن عليهم قضاء ويرجح الأول أنه لو غم هلال رمضان فأصبحوا مفطرين ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان فالقضاء واجب بالاتفاق فكذلك هذا وقال بن التين لم يوجب مالك القضاء إذا كان في صوم نذر قال بن المنير في الحاشية في هذا الحديث أن المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر فإذا اجتهدوا فأخطؤا فلا حرج عليهم في ذلك قوله باب صوم الصبيان أي هل يشرع أم لا والجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ واستحب جماعة من السلف منهم بن سيرين والزهري وقال به الشافعي أنهم يؤمرون به معطلون عليه إذا أطاقوه وحده أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة وحده إسحاق باثنتى عشرة سنة وأحمد في رواية بعشر سنين وقال الأوزاعي إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعا لا يضعف فيهن حمل على الصوم والأول قول الجمهور والمشهور عن المالكية أنه لايشرع في حق الصبيان ولقد تلطف المصنف في التعقب عليهم بإيراد أثر عمر في صدر الترجمة لأن أقصى ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها ولا عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر مع شدة تحريه ووفور الصحابة في زمانه وقد قال للذي أفطر في رمضان موبخا له كيف تفطر وصبياننا صيام وأغرب بن الماجشون من المالكية فقال إذا أطاق الصبيان الصيام الزموه فإن افطروا لغير عذر فعليهم القضاء قوله وقال عمر لنشوان إلخ أي لإنسان نشوان وهو بفتح النون وسكون المعجمة ونيله وزنا ومعنى وجمعه نشاوى كسكارى قال بن خالويه سكر الرجل

[ 175 ]

وانتشى وثمل ونزف بمعنى وقال صاحب المحكم نشى الرجل وانتشى وتنشى كله سكر ووقع عند بن التين النشوان السكران سكرا خفيفا وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور والبغوى في الجعديات من طريق عبد الله بن الهذيل أن عمر بن الخطاب أتى برجل شرب الخمر في رمضان فلما دنا منه جعل يقول للمنخرين والفم وفي رواية البغوي فلما رفع إليه عثر فقال عمر على وجهك ويحك وصبياننا صيام ثم أمر به فضرب ثمانين سوطا ثم سيره إلى الشام وفي رواية البغوي فضربه الحد وكان إذا غضب على إنسان سيره إلى الشام فسيره إلى الشام قوله عن خالد بن ذكوان هو أبو الحسين المدني نزيل البصرة وهو تابعي صغير وليس له من الصحابة سماع من سوى الربيع بنت معوذ وهي من صغار الصحابة ولم يخرج البخاري من حديثه عن غيرها قوله عن الربيع في رواية مسلم من وجه آخر عن خالد سألت الربيع وهي بتشديد الياء مصغرا وأبوها بكسر الواو والتشديد بوزن معلم وهو بن عوف ويعرف بابن عفراء يأتي ذكره في وقعة بدر من المغازي أن شاء الله تعالى قوله أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار زاد مسلم التي حول المدينة وقد تقدم تسمية الرسول بذلك في باب إذا نوى بالنهار صوما قوله صبياننا زاد مسلم الصغار ونذهب بهم إلى المسجد قوله من العهن أي الصوف وقد فسره المصنف في رواية المستملى في آخر الحديث وقيل العهن الصوف المصبوغ قوله اعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار هكذا رواه بن خزيمة وابن حبان ووقع في رواية مسلم اعطيناه إياه عند الإفطار وهو مشكل ورواية البخاري توضح أنه سقط منه شئ وقد رواه مسلم من وجه آخر عن خالد بن ذكوان فقال فيه فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم وهو يوضح صحة رواية البخاري ووقع لمسلم شك في تقييده الصبيان بالصغار وهو ثابت في صحيح بن خزيمة وغيره وتقييده بالصغار لا يخرج الكبار بل يدخلهم من باب الأولى وأبلغ من ذلك ما جاء في حديث رزينة بفتح الراء وكسر الزاي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر مرضعاته في عاشوراء ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواههم ويامر امهاتهم أن لا يرضعن إلى الليل أخرجه بن خزيمة وتوقف في صحته وإسناده لا بأس به واستدل بهذا الحديث على أن عاشوراء كان فرضا قبل أن يفرض رمضان وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أول كتاب الصيام وسيأتى الكلام على صيام عاشوراء بعد عشرين بابا وفي الحديث حجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام كما تقدم لأن من كان في مثل السن الذي ذكر في هذا الحديث فهو غير مكلف وإنما صنع لهم ذلك معطلون وأغرب القرطبي فقال لعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بذلك ويبعد أن يكون أمر بذلك لأنه تعذيب صغير بعبادة غير متكررة في السنة وما قدمناه من حديث رزينة يرد عليه مع أن الصحيح عند أهل الحديث وأهل الأصول أن الصحابي إذا قال فعلنا كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حكمه الرفع الظاهر اطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك وتقريرهم عليه مع توفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الاحكام مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فما فعلوه الا بتوقيف والله أعلم قوله باب الوصال هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد فيخرج من إمسك اتفاقا ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه ولم يجزم المصنف بحكمه لشهرة الاختلاف فيه قوله ومن قال ليس في الليل صيام لقوله عز وجل ثم أتموا الصيام إلى الليل

[ 176 ]

كأنه يشير إلى حديث أبي سعيد الخير وهو حديث ذكره الترمذي في الجامع ووصله في العلل المفرد وأخرجه بن السكن وغيره في الصحابة والدولابى وغيره في الكنى كلهم من طريق أبي فروة الرهاوي عن معقل الكندي عن عبادة بن نسي عنه ولفظ المتن مرفوعا أن الله لم يكتب الصيام بالليل فمن صام فقد تعني ولا أجر له قال بن منده غريب لا نعرفه الامن هذا الوجه وقال الترمذي سألت البخاري عنه فقال ما أرى عبادة سمع من أبي سعيد الخير وفي المعنى حديث بشير بن الخصاصية وقد أخرجه أحمد والطبراني وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في تفسيرهما بإسناد صحيح إلى ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا وقال يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى أتموا الصيام إلى الليل فإذا كان الليل فأفطروا لفظ بن أبي حاتم وروى هو وابن أبي شيبة من طريق أبي العالية التابعي أنه سئل عن الوصال في الصيام فقال قال الله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل فإذا جاء الليل فهو مفطر وروى الطبراني في الأوسط من طريق على بن أبي طلحة عن عبد الملك عن أبي ذر رفعه قال لا صيام بعد الليل أي بعد دخول الليل ذكره في اثناء حديث وعبد الملك ما عرفته فلا يصح وأن كان بقية رجاله ثقات ومعارضه أصح منه كما سأذكره ولو صحت هذه الأحاديث لم يكن للوصال معنى أصلا ولا كان في فعله قربة وهذا خلاف ما تقتضيه الأحاديث الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأن كان الراجح أنه من خصائصه قوله ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أي أصحابه عنه أي عن الوصال رحمة لهم وابقاء عليهم وهذا الحديث قد وصله المصنف في آخر الباب من حديث عائشة بلفظ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم وأما قوله وابقاء عليهم فكأنه أشار إلى ما أخرجه أبو داود وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمها إبقاء على أصحابه وإسناده صحيح كما تقدم التنبيه عليه في باب الحجامة للصائم وهو يعارض حديث أبي ذر المذكور قبل قوله وما يكره من التعمق هذا من كلام المصنف معطوف على قوله الوصال أي باب ذكر الوصال وذكر ما يكره من التعمق والتعمق المبالغة في تكلف ما لم يكلف به وعمق الوادي قعره كأنه يشير إلى ما أخرجه في كتاب التمنى من طريق ثابت عن أنس في قصة الوصال فقال صلى الله عليه وسلم لو الفساد بي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم وسيأتي في الباب الذي بعده في آخر حديث أبي هريرة اكلفوا من العمل ما تطيقون ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث أحدها حديث أنس من طريق قتادة عنه ويحيى المذكور في الإسناد هو القطان قولهلا تواصلوا في رواية بن خزيمة من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم عن شعبة بهذا الإسناد إياكم والوصال ولأحمد من طريق همام عن قتادة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال قوله قالوا انك تواصل كذا في أكثر الأحاديث وفي رواية أبي هريرة الآتية في أول الباب الذي يليه فقال رجل من المسلمين وكأن القائل واحد ونسب القول إلى الجميع لرضاهم به ولم اقف على تسمية القائل في شئ من الطرق قوله لست كأحد منكم في رواية الكشميهني كأحدكم وفى حديث بن عمر لست مثلكم وفي حديث أبي سعيد لست كهيئتكم وفي حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عند مسلم لستم في ذلك مثلي ونحوه

[ 177 ]

في مرسل الحسن عند سعيد بن منصور وفي حديث أبي هريرة في الباب بعده وأيكم مثلي وهذا الاستفهام يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد وقوله مثلي أي على صفتي أو منزلتي من ربي قوله انى أطعم وأسقي أو أني أبيت أطعم واسقي هذا الشك من شعبة وقد رواه أحمد عن بهز عنه بلفظ أني اظل أو قال إني أبيت وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ أن ربي يطعمني ويسقيني أخرجه الترمذي وقد رواه ثابت عن أنس كما سيأتي في باب التمنى بلفظ أني اظل يطعمني ربي ويسقيني وبين في روايته سبب الحديث وهو أنه صلى الله عليه وسلم واصل في آخر الشهر فواصل ناس من أصحابه فبلغه ذلك وسيأتى نحوه في الكلام على حديث بن عمر ثاني الأحاديث حديث بن عمر أخرجه من طريق مالك عن نافع عنه قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال تقدم في باب بركة السحور من غير إيجاب من طريق جويرية عن نافع ذكر السبب أيضا ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل فواصل الناس فشق عليهم فنهاهم وكذا رواه أبو قرة عن موسى بن عقبة عنافع أخرجه مسلم من طريق بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع مثله وزاد في رمضان لكن لم يقل فشق عليهم قوله انى أطعم واسقي في رواية جويرية المذكورة أني اظل أطعم وأسقي ثالثها حديث أبي سعيد وسيأتي بعد باب وفيه فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر رابعها حديث عائشة قوله فيه عبدة هو بن سليمان قوله رحمة لهم فيه إشارة إلى بيان السبب أيضا ويؤيد ذلك ذكر المشقة في الرواية التي قبلها قوله قال أبو عبد الله هو المصنف لم يذكر عثمان أي بن أبي شيبة شيخه في الحديث المذكور قوله رحمة لهم فدل على أنها من رواية محمد بن سلام وحده قد أخرجه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة جميعا وفيه رحمة لهم ولم يبين أنها ليست في رواية عثمان وقد أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان في مسنديهما عن عثمان وليس فيه رحمة لهم أخرجه الاسماعيلي عنهما كذلك أخرجه الجوزقي من طريق محمد بن حاتم عن عثمان وفيه رحمة لهم فيحتمل أن يكون عثمان كان تارة يذكرها وتارة يحذفها وقد رواها الاسماعيلي عن جعفر الفريابي عن عثمان فجعل ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه قالوا انك تواصل قال إنما هي رحمة رحمكم الله بها إني لست كهيئتكم الحديث واستدل بمجموع هذه الأحاديث على أن الوصال من خصائصه صلى الله عليه وسلم وعلى أن غيره ممنوع منه الا ما وقع فيه الترخيص من يأمر فيه إلى السحر ثم اختلف في المنع المذكور فقيل على سبيل التحريم وقيل على سبيل الكراهة وقيل يحرم على من شق عليه ويباح لمن لم يشق عليه وقد اختلف السلف في ذلك فنقل التفصيل عن عبد الله بن الزبير وروى بن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشر يوما وذهب إليه من الصحابة أيضا أخت أبي سعيد ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي نعم وعامر بن عبد الله بن الزبير وإبراهيم بن زيد التيمي وأبو الجوزاء كما نقله أبو نعيم في ترجمته في الحلية وغيرهم رواه الطبري وغيره ومن حجتهم ما سيأتي في الباب الذي بعده أنه صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه بعد النهى فلو كان النهى للتحريم لما اقرهم على فعله فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة في حديثها وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم ولم فقلنا على من بلغه أنه فعله ممن لم يشق عليه وسيأتى وكما ذلك في صيام الدهر فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقة

[ 178 ]

أهل الكتاب ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال وذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال وعن الشافعية في ذلك وجهان التحريم والكراهية هكذا اقتصر عليه النووي وقد نص الشافعي في الأم على أنه محظور وأغرب القرطبي فنقل التحريم عن بعض أهل الظاهر على شك منه في ذلك ولا معنى لشكه فقد صرح بن حزم بتحريمه وصححه بن العربي من المالكية وذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية إلى جواز الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد المذكور وهذا الوصال لا يترتب عليه شئ مما يترتب على غيره الا أنه في الحقيقة بمنزلة عشائه الا أنه يؤخره لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة فإذا أكلها السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره وكان أخف لجسمه في قيام الليل ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم وإلا فلا يكون قربة وانفصل أكثر الشافعية عن ذلك بان الإمساك إلى السحر ليس وصالا بل الوصال أن يمسك في الليل جميعه كما يمسك في النهار وإنما أطلق على الإمساك الى السحر وصالا لمشابهته الوصال في الصورة ويحتاج إلى ثبوت الدعوى بأن الوصال إنما هو حقيقة في إمساك جميع الليل وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل من سحر إلى سحر أخرجه أحمد وعبد الرزاق من حديث على والطبراني من حديث جابر وأخرجه سعيد بن منصور مرسلا من طريق بن أبي نجيح عن أبيه ومن طريق أبي قلابة وأخرجه عبد الرزاق من طريق عطاء واحتجوا للتحريم بقوله في الحديث المتقدم إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم إذ لم يجعل الليل محلا لسوى الفطر فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم الفطر وأجابوا أيضا بأن قوله رحمة لهم لا يمنع التحريم فإن من رحمته لهم أن حرمه عليهم وأما مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرا بل تقريعا وتنكيلا فاحتمل منهم ذلك لأجل مصلحة النهى في تأكيد زجرهم لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهى وكان ذلك ادعى إلى قلوبهم لما يترتب عليهم من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وارجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك والجوع الشديد ينافي ذلك وقد صرح بأن الوصال يختص به لقوله لست في ذلك مثلكم وقوله لست كهيئتكم هذا مع ما انضم إلى ذلك من استحباب تعجيل الفطر كما تقدم في بابه قلت ويدل على أنه ليس بمحرم حديث أبي داود الذي قدمت التنبيه عليه في أوائل الباب فإن الصحابي صرح فيه بأنه صلى الله عليه وسلم لم يحرم الوصال وروى البزار والطبراني من حديث سمرة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال وليس بالعزيمة وأما ما رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي ذر أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم إالله قد قبل وصالك ولا يحل لأحد بعدك فليس إسناده بصحيح فلا حجة فيه ومن أدلة الجواز أقدام الصحابة على الوصال بعد النهى فدل على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم وإلا لما أقدموا عليه ويؤيد أنه ليس بمحرم أيضا أنه صلى الله عليه وسلم في حديث بشير بن الخصاصية الذي ذكرته في أول الباب سوى في علة النهى بين الوصال وبين تأخير الفطر حيث قال في كل منهما إنه فعل أهل الكتاب ولم يقل أحد بتحريم تأخير الفطر سوى بعض من لا يعتمد به من أهل الظاهر ومن حيث المعنى ما فيه من فطم النفس وشهواتها وقمعها عن ملذوذاتها فلهذا استمر على القول بجوازه مطلقا أو مقيدا من تقدم ذكره والله أعلم وفي أحاديث الباب من الفوائد استواء المكلفين في الأحكام وأن كل حكم ثبت في

[ 179 ]

حق النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في حق أمته الا ما استثنى بدليل وفيه جواز معارضة المفتى فيما أفتي به إذا كان بخلاف حاله ولم يعلم المستفتى بسر المخالفة وفيه الاستكشاف عن حكمة النهى وفيه ثبوت خصائصه صلى الله عليه وسلم وأن عموم قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة مخصوص وفيه أن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته ويبادرون إلى الائتساء به الا فيما نهاهم عنه وفيه أن خصائصه لا يتاسى به في جميعها وقد توقف في ذلك إمام الحرمين وقال أبو شامة ليس لأحد التشبه به في المباح كالزيادة على أربع نسوة ويستحب التنزه عن المحرم عليه والتشبه به في الواجب عليه كالضحى وأما المستحب فلم يتعرض له والوصال منه فيحتمل ان يقال أن لم ينه عنه لم يمنع الائتساء به فيه والله أعلم وفيه بيان قدرة الله تعالى على ايجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر كما سيأتي البحث فيه في الباب الذي بعده قوله باب التنكيل لمن أكثر الوصال التقييد بأكثر قد يفهم منه أن من قلل منه لا نكال عليه لأن التقليل منه مظنة لعدم المشقة لكن لا يلزم من عدم التنكيل ثبوت الجواز قوله رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وصله في كتاب التمنى من طريق حميد عن ثابت عنه كما تقدمت الإشارة إليه في الباب الذي قبله قوله أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن هكذا رواه شعيب عن الزهري وتابعه عقيل عن الزهري كما سيأتي في باب التعزير ومعمر كما سيأتي في كتاب التمنى ويونس عند مسلم وآخرون وخالفهم عبد الرحمن بن خالد بن مسافر فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة علقه المصنف في المحاربين وفي التمنى وليس اختلافا ضارا فقد أخرجه الدارقطني في العلل من طريق عبد الرحمن بن خالد هذا عن الزهري عنهما جميها وكذلك رواه عبد الرحمن بن نمر عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة جميعا عن أبي هريرة أخرجه الاسماعيلي وكذا ذكر الدارقطني أن الزبيدي تابع بن نمير على الجمع بينهما قوله فقال له رجل كذا للأكثر وفي رواية عقيل المذكورة فقال له رجال قوله عن الوصال في رواية الكشميهني من الوصال قوله واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال ظاهر أن قدر المواصلة بهم كانت يومين وقد صرح بذلك في رواية معمر المشار إليها قوله لو تأخر أي الشهر لزودتكم استدل به على جواز قول لو وحمل النهى الوارد في ذلك على ما لا يتعلق بالأمور الشرعية كما سيأتي بيانه في كتاب التمنى في أواخر الكتاب أن شاء الله تعالى والمراد بقوله لو تأخر لزدتكم أي في الوصال إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التخفيف عنكم بتركه وهذا كما أشار عليهم أن يرجعوا من حصار الطائف فلم يعجبهم فأمرهم بمباكرة القتال من الغد فاصابتهم جراح وشدة وأحبوا الرجوع فأصبح راجعا بهم فاعجبهم ذلك وسيأتى ذكره موضحا في كتاب المغازي أن شاء الله تعالى قوله كالتنكيل لهم في رواية معمر كالمنكل لهم ووقع فيها عند المستملى كالمنكر بالراء وسكون النون من الإنكار وللحموي كالمنكى بتحتانية ساكنة قبلها كاف مكسورة خفيفة من النكاية والأول هو الذي تضافرت به الروايات خارج هذا الكتاب والتنكيل المعاقبة قوله حدثنا يحيى كذا للأكثر غير منسوب ولأبي ذر حدثنا يحيى بن موسى قوله إياكم والوصال مرتين في رواية أحمد عن عبد الرزاق بهذا الإسناد إياكم والوصال إياكم والوصال فدل على أن قوله مرتين اختصار من البخاري أو شيخه وأخرجه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي

[ 180 ]

هريرة كما قال أحمد ورواه بن أبي شيبة من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة بلفظ إياكم والوصال ثلاث مرات وإسناده صحيح وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه بدون قوله ثلاث مرات قوله انى أبيت يطعمني ربي ويسقين كذا في الطريقين عن أبي هريرة في هذا الباب وقد تقدم في الباب الذي قبله من رواية في حديث أنس بلفظ اظل وكذا في حديث عائشة عند الاسماعيلي وهي محمولة على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ لأن المتحدث عنه هو الإمساك ليلا لا نهارا وأكثر الروايات إنما هي أبيت وكان بعض الرواة عبر عنها بأظل نظرا إلى اشتراكهما في مطلق الكون يقولون كثيرا أضحى فلان كذا مثلا ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى ومنه قوله تعالى وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا فإن المراد به مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل وقد رواه أحمد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة كلهم عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ أني اظل عند ربي فيطعمني ويسقيني وكذلك رواه أحمد أيضا عن بن نمير وأبو نعيم في المستخرج من طريق إبراهيم بن سعيد عن بن نمير عن الأعمش وأخرجه أبو عوانة عن على بن حرب عن أبي معاوية كذلك وأخرجه هو وابن خزيمة من طريق عبيدة بن حميد عن الأعمش كذلك ووقع لمسلم فيه شئ غريب فإنه أخرجه عن بن نمير عن أبيه فقال بمثل حديث عمارة عن أبي زرعة ولفظ عمارة المذكور عنده أني أبيت يطعمني ربي ويسقيني وقد عرفت أن رواية بن نمير عند أحمد فيها عند ربي وليس في ذلك شئ من الطرق عن أبي هريرة الا في رواية أبي صالح ولم ينفرد بها الأعمش فقد أخرجها أحمد أيضا من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح ووقعت في حديث غير أبي هريرة وأخرجها الاسماعيلي في حديث عائشة أيضا عن الحسن بن سفيان عن عثمان بن أبي شيبة بسنده الماضي في الباب الذي قبل هذا بلفظ أظل عند الله يطعمني ويسقيني وعن عمران بن موسى عن عثمان بلفظ عند ربي ووقعت أيضا كذلك عند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من مرسل الحسن بلفظ أني أبيت عند ربي واختلف في معنى قوله يطعمني ويسقيني فقيل هو على حقيقته وأنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه وتعقبه بن بطال ومن تبعه بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلا وبأن قوله يظل يدل على وقوع ذلك بالنهار فلو كان الأكل والشرب حقيقة لم يكن صائما وأجيب بأن الراجح من الروايات لفظ أبيت دون أن أظل وعلى تقدير الثبوت فليس حمل الطعام والشراب على المجاز بأولى له من حمل لفظ اظل على المجاز وعلى التنزل فلا يضر شئ من ذلك لأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجري عليه أحكام المكلفين فيه كما غسل صدره صلى الله عليه وسلم في طست الذهب مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية حرام وقال بن المنير في الحاشية الذي يفطر شرعا إنما هو الطعام المعتاد وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى وليس تعاطيه من جنس الأعمال وإنما هو من جنس النصارى كأكل أهل الجنة في الجنة والكرامة لا تبطل العبادة وقال غيره لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما ولا يلزم شئ مما تقدم ذكره بل الرواية الصحيحة أبيت وأكله وشربه في الليل مما يؤتى به من الجنة لا يقطع وصاله خصوصية له بذلك فكأنه قال لما قيل له انك تواصل فقال إني لست في ذلك كهيئتكم

[ 181 ]

أي على صفتكم في أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله بل إنما يطعمني ربي ويسقيني ولا تنقطع بذلك مواصلتي فطعامي وشرابي على غير طعامكم وشرابكم صورة ومعنى وقال الزبن ابن المنير هو أمرهم على أن أكله وشربه في تلك الحالة كحال النائم الذي يحصل له الشبع والري بالأكل والشرب ويستمر له ذلك حتى يستيقظ ولا يبطل بذلك صومه ولا ينقطع وصاله ولا ينقص أجره وحاصله أنه يحمل ذلك على حالة استغراقه صلى الله عليه وسلم في أحواله الشريفة حتى لا يؤثر فيه حينئذ شئ من الأحوال البشرية وقال الجمهور قوله يطعمني ويسقيني مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال يعطيني قوة الآكل والشارب ويفيض على ما يسد مسد الطعام والشراب ويقوى على يجري الطاعة من غير ضعف في القوة ولا كلال في الاحساس أو المعنى أن الله يخلق فيه من الشبع والرى ما يغنيه عن الطعام والشراب فلا يحس بجوع ولا عطش والفرق بينه وبين الأول أنه على الأول يعطي القوة من غير شبع ولارى مع الجوع والظمأ وعلى الثاني يعطي القوة مع الشبع والرى ورجح الأول بان الثاني ينافي حال الصائم ويفوت المقصود من الصيام والوصال لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها قال القرطبي ويبعده أيضا النظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ويربط على بطنه الحجارة من الجوع قلت وتمسك بن حبان بظاهر الحال فاستدل بهذا الحديث على تضعيف الأحاديث الواردة بأنه صلى الله عليه وسلم كان يجوع ويشد الحجر على بطنه من الجوع قال لأن الله تعالى كان يطعم رسوله ويسقيه إذا واصل فكيف يتركه جائعا حتى يحتاج إلى شد الحجر على بطنه ثم قال وماذا يغنى الحجر من الجوع ثم ادعى أن ذلك تصحيف ممن رواه وإنما هي الحجز بالزاى جمع حجزة وقد أكثر الناس من الرد عليه في جميع ذلك وأبلغ ما يرد عليه به أنه أخرج صحيحه من حديث بن عباس قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهاجرة فرأى أبا بكر وعمر فقال ما اخرجكما قالا ما أخرجنا الا الجوع فقال وأنا والذي نفسي بيده ما اخرجني الا الجوع الحديث فهذا الحديث يرد ما تمسك به وأما قوله وما يغنى الحجر من الجوع فجوابه أنه يقيم الصلب لأن البطن إذا خلا ربما ضعف صاحبه عن القيام لانثناء بطنه عليه فإذا ربط عليه الحجر أشتد وقوى صاحبه على القيام حتى قال بعض من وقع له ذلك كنت أظن الرجلين يحملان البطن فإذا البطن يحمل الرجلين ويحتمل أن يكون المراد بقوله يطعمني ويسقيني أي ويؤلمه بالتفكر في عظمته والتملى بمشاهدته والتغذي بمعارفه وقره العين بمحبته والاستغراق في مناجاته والاقبال عليه عن الطعام والشراب وإلى هذا جنح بن القيم وقال قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبه الذي قرت عينه بمحبوبه قوله اكلفوا بسكون الكاف وضم اللام أي احملوا المشقة في ذلك يقال كلفت بكذا إذا ولعت به وحكى عياض أن بعضهم قال بهمزة قطع وكسر اللام قال ولا يصح لغة قوله بما تطيقون في رواية أحمد بما لكم به طاقة وكذا لمسلم من طريق أبي الزناد عن الأعرج قوله باب الوصال إلى السحر أي جوازه وقد تقدم أنه قول أحمد وطائفة من أصحاب الحديث وتقدم توجيهه وأن من الشافعية من قال إنه ليس بوصال حقيقة قوله حدثني بن أبي حازم هو عبد العزيز وشيخه يزيد

[ 182 ]

هو بن عبد الله بن الهاد شيخ الليث في الباب الذي قبله في هذا الحديث بعينه وعبد الله بن خباب بمعجمه وموحدتين الأولى مثقلة مدني من موالي الأنصار لم أر له رواية الا عن أبي سعيد الخدري وقد أخرج له الصنف سبعة أحاديث هذا ثانيها وتوقف الجوزقي في معرفة حاله ووثقه أبو حاتم الرازي وغيره وقد وافقه على رواية حديث الوصال عن أبي سعيد بشر بن حرب أخرجه عبد الرزاق من طريقه تنبيه وقع عند بن خزيمة في حديث أبي صالح عن أبي هريرة من طريق عبيدة بن حميد عن الأعمش عنه تقييد وصال النبي صلى الله عليه وسلم بأنه إلى السحر ولفظه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواصل إلى السحر ففعل بعض أصحابه ذلك فنهاه فقال يا رسول الله انك تفعل ذلك الحديث وظاهره يعارض حديث أبي سعيد هذا فإن مقتضى حديث أبي صالح النهى عن الوصال إلى السحر وصريح حديث أبي سعيد يأمر بالوصال إلى السحر والمحفوظ في حديث أبي صالح إطلاق النهى عن الوصال بغير تقييد بالسحر ولذلك اتفق عليه جميع الرواة عن أبي هريرة فرواية عبيدة بن حميد هذه شاذة وقد خالفه أبو معاوية وهو أضبط أصحاب الأعمش فلم يذكر ذلك أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية وتابعه عبد الله بن نمير عن الأعمش كما تقدم وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة بن حميد محفوظة فقد أشار بن خزيمة إلى الجمع بينهما بأنه يحتمل أن يكون نهى صلى الله عليه وسلم عن الوصال أولا مطلقا سواء جميع الليل أو بعضه وعلى هذا يحمل حديث أبي صالح ثم خص النهى بجميع الليل فاباح الوصال إلى السحر وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد أو يحمل النهى في حديث أبي صالح على كراهة التنزيه والنهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السحر على كراهة التحريم والله أعلم قوله باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم ير عليه قضاء إذا كان اوفق له ذكر فيه حديث بن أبي جحيفة في قصة أبي الدرداء وسلمان فأمر ذكر القسم فلم يقع في الطريق التي ساقها كما سابينه وأما القضاء فلم اقف عليه في شئ من طرقه الا أن الأصل عدمه وقد اقره الفاء ولو كان القضاء واجب لبينه له مع حاجته إلى البيان وكأنه يشير إلى حديث أبي سعيد قال صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فلما وضع قال رجل أنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاك أخوك وتكلف لك أفطر وصم مكانه أن شئت رواه إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن بن المنكدر عنه وإسناده حسن أخرجه البيهقي وهو دال على عدم الإيجاب وقوله إذا كان اوفق له قد يفهم أنه يرى أن الجواز وعدم القضاء لمن كان معذورا بفطره لا من تعمده بغير سبب تنبيه قوله اوفق له يروي بالواو الساكنة وبالراء بدل الواو والمعنى صحيح فيهما قوله حدثنا أبو العميس بمهملتين مصغر اسمه عتبة ولم أر هذا الحديث الا من روايته عن عون بن أبي جحيفة ولا رأيت له راويا عنه الا جعفر بن عون وإلى تفردهما بذلك أشار البزار قوله آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء ذكر أصحاب المغازي أن المؤاخاة بين الصحابة وقعت مرتين الأول قبل الهجرة بين المهاجرين خاصة على المواساة والمناصرة فكان من ذلك إخوة زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطلب ثم آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد أن هاجر وذلك بعد قدومه المدينة وسيأتى في أول كتاب البيع حديث عبد الرحمن بن عوف لما قدمنا المدينة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع وذكر الواقدي أن ذلك كان بعد قدومه صلى الله عليه وسلم

[ 183 ]

بخمسة أشهر والمسجد يبني وقد سمي بن إسحاق منهم جماعة منهم أبو ذر والمنذر بن عمرو فأبو ذر مهاجري والمنذر أنصاري وأنكره الواقدي لأن أبا ذر ما كان قدم المدينة بعد وإنما قدمها بعد سنة ثلاث وذكر بن إسحاق أيضا الأخوة بين سلمان وأبي الدرداء كالذي هنا وتعقبه الواقدي أيضا فيما حكاه بن سعد أن سلمان إنما أسلم بعد وقعة أحد وأول مشاهده الخندق والجواب عن ذلك كله أن التاريخ المذكور للهجرة الثانية هو ابتداء الأخوة ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤاخى بين من يأتي بعد ذلك وهلم جرا وليس باللازم أن تكون المؤاخاة وقعت دفعة واحدة حتى يرد هذا التعقب فصح ما قاله بن إسحاق وايده هذا الخبر الذي في الصحيح وارتفع الاشكال بهذا التقرير ولله الحمد واعترض الواقدي من جهة أخرى فروى عن الزهري أنه كان فقلنا كل مؤاخاة وقعت بعد بدر يقول قطعت بدر المواريث قلت وهذا لا يدفع المؤاخاة من أصلها وإنما يدفع المؤاخاة المخصوصة التي كانت عقدت بينهم ليتوارثوا بها فلا يلزم من نسخ التوارث المذكور أن لا أنكر المؤاخاة بعذ ذلك على المواساة ونحو ذلك وقد جاء ذكر المؤاخاة بين سلمان وأبي الدرداء من طريق صحيحة غير هذه وذكر البغوي في معجم الصحابة من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أبي الدرداء وسلمان فذكر القصة لهما غير المذكورة هنا وروى بن سعد من طريق حميد بن هلال قال آخى بين سلمان وأبي الدرداء فنزل سلمان الكوفة ونزل أبو الدرداء الشام ورجاله ثقات قوله فزار سلمان أبا الدرداء يعني في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فوجد أبا الدرداء غائبا قوله متبذلة بفتح المثناة والموحدة وتشديد الذال المعجمة المكسورة أي لابسة ثياب البذلة بكسر الموحدة وسكون الذال وهي المهنة وزنا ومعنى والمراد أنها تاركة للبس ثياب الزينة وللكشميهني مبتذلة بتقديم الموحدة والتخفيف وزن مفتعلة والمعنى واحد وفي ترجمة سلمان من الحلية لأبي نعيم بإسناد آخر إلى أم الدرداء عن أبي الدرداء أن سلمان دخل عليه فرأى امرأته رثة الهيئة فذكر القصة مختصرة وأم الدرداء هذه هي خيرة بفتح المعجمة وسكون التحتانيه بنت أبي حدود الأسلمية صحابية بنت صحابي وحديثها عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وغيره وماتت أم الدرداء هذه قبل أبى الدرداء ولأبي الدرداء أيضا امرأة أخرى يقال لها أم الدرداء تابعية اسمها هجيمة عاشت بعده دهرا وروت عنه وقد تقدم ذكرها في كتاب الصلاة قوله فقال لها ما شأنك زاد الترمذي في روايته عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه يا أم الدرداء امتبذلة قوله ليس له حاجة في الدنيا في رواية الدارقطني من وجه آخر عن جعفر بن عون في نساء الدنيا وزاد فيه بن خزيمة عن يوسف بن موسى عن جعفر بن عون يصوم النهار ويقوم الليل قوله فجاء أبو الدرداء فصنع له زاد الترمذي فرحب بسلمان وقرب إليه طعاما قوله فقال له كل قال فإني صائم كذا في رواية أبي ذر والقائل كل هو سلمان والمقول له أبو الدرداء وهو المجيب بأني صائم وفي رواية الترمذي فقال كل فإني صائم وعلى هذا فالقائل أبو الدرداء والمقول له سلمان وكلاهما يحتمل والحاصل أن سلمان وهو الضعيف أبي أن يأكل من طعام أبي الدرداء حتى يأكل معه وغرضه أن يصرفه عن راية فيما يصنعه من جهد نفسه في العبادة وغير ذلك مما شكته إليه امرأته قوله قال ما أنا بآكل حتى تأكل في رواية البزار عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه فقال أقسمت عليك لتفطرن وكذا رواه بن خزيمة عن

[ 184 ]

يوسف بن موسى والدارقطني من طريق على بن مسلم وغيره والطبراني من طريق أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة والعباس بن عبد العظيم وابن حبان من طريق أبي خيثمة كلهم عن جعفر بن عون به فكأن محمد بن بشار لم يذكر هذه الجملة لما حدث به البخاري وبلغ البخاري ذلك من غيره فاستعمل هذه الزيادة في الترجمة مشيرا إلى صحتها وأن لم أنكر في روايته وقد أعاده البخاري في كتاب الأدب عن محمد بن بشار بهذا الإسناد ولم يذكرها أيضا وأغنى بذلك عن قول بعض الشراح كابن المنير أن القسم في هذا السياق مقدر قبل لفظ ما أنا بآكل كما قدر في قوله تعالى وأن منكم الا واردها وترجم المصنف في الأدب باب صنع الطعام والتكلف للضيف وأشار بذلك إلى حديث يروي عن سلمان في النهى عن التكلف للضيف أخرجه أحمد وغيره بسند لين والجمع بينهما أنه يقرب لضيفه ما عنده ولا يتكلف ما ليس عنده فإن لم يكن عنده شئ فيسوغ حينئذ التكلف بالطبخ ونحوه قوله فلما كان الليل أي في أوله وفي رواية بن خزيمة وغيره ثم بات عنده قوله يقوم فقال نم في رواية الترمذي وغيره فقال له سلمان نم زاد بن سعد من وجه آخر مرسل فقال له أبو الدرداء أتمنعني أن أصوم لربى قوله فلما كان في آخر الليل أي عند السحر وكذا هو في رواية بن خزيمة وعند الترمذي فلما كان عند الصبح وللدارقطني فلما كان في وجه الصبح قوله فصليا في رواية الطبراني فقاما فتوضأ ثم ركعا ثم خرجا إلى الصلاة قوله ولاهلك عليك حقا زاد الترمذي وابن حزيمة ولضيفك عليك حقا زاد الدارقطني فصم وأفطر وصل ونم وائت أهلك قوله فاتى النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الترمذي فأتيا بالتثنية وفي رواية الدارقطني ثم خرجا إلى الصلاة فدنا أبو الدرداء ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالذي قال له سلمان فقال له يا أبا الدرداء أن لجسدك عليك حقا مثل ما قال سلمان ففي هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليهما بأنه علم بطريق الوحي ما دار بينهما وليس ذلك في رواية محمد بن بشار فيحتمل الجمع بين الامرين أنه كاشفهما بذلك أولا ثم اطلعه أبو الدرداء على صورة الحال فقال له صدق سلمان وروى هذا الحديث الطبراني من وجه آخر عن محمد بن سيرين مرسلا فعين الليلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدرداء ولفظه قال كان أبو الدرداء يحيى ليلة الجمعة ويصوم يومها فأتاه سلمان فذكر القصة مختصرة وزاد في آخرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم عويمر سلمان أفقه منك انتهى وعويمر اسم أبي الدرداء وفي رواية أبي نعيم المذكورة آنفا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد أوتي سلمان من العلم وفي رواية بن سعد المذكورة لقد أشبع سلمان علما وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية المؤاخاة في الله وزيارة الإخوان والمبيت عندهم وجواز مخاطبة الأجنبية وللحاجة والسؤال عما يترتب عليه المصلحة وأن كان في الظاهر لا يتعلق بالسائل وفيه النصح للمسلم وتنبيه من أغفل وفيه فضل قيام آخر الليل وفيه مشروعية تزين المرأة لزوجها وثبوت حق المرأة على الزوج في حسن العشرة وقد يؤخذ منه ثبوت حقها في الوطء لقوله ولاهلك عليك حقا ثم قال وائت أهلك وقرره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وفيه جواز النهى عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضى إلى السآمة والملل وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور وانما الوعيد الوارد على من نهى مصليا عن الصلاة مخصوص بمن نهاه ظلما وعدوانا وفيه كراهية الحمل على النفس في العبادة وسيآتي مزيد بيان لذلك في

[ 185 ]

الكلام على حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وفيه جواز الفطر من صوم التطوع كما ترجم له المصنف وهو قول الجمهور ولم يجعلوا عليه قضاء الا أنه يستحب له ذلك وروى عبد الرزاق عن بن عباس أنه ضرب لذلك مثلا كمن ذهب بمال ليتصدق به ثم رجع ولم يتصدق به أو تصدق ببعضه وامسك بعضه ومن حجتهم حديث أم هانئ أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهي صائمة فدعا بشراب فشرب ثم ناولها فشربت ثم سألته عن ذلك فقال أكنت تقضين يوما من رمضان قالت لا قال فلا بأس وفي رواية أن كان من قضاء فصومي مكانه وأن كان تطوعا فإن شئت فاقضه وأن شئت فلا تقضه أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وله شاهد من حديث أبي سعيد تقدم ذكره في أول الباب وعن مالك الجواز وعدم القضاء بعذر والمنع وإثبات القضاء بغير عذر وعن أبي حنيفة يلزمه القضاء مطلقا ذكره الطحاوي وغيره وشبهه بمن أفسد حج التطوع فإن عليه قضاؤه اتفاقا وتعقب بأن الحج امتاز بأحكام لا يقاس غيره عليه فيها فمن ذلك أن الحج يؤمر مفسدة بالمضي في فاسده والصيام لا يؤمر مفسدة بالمضي فيه فافترقا ولأنه قياس في مقابلة النص فلا يعتبر به وأغرب بن عبد البر فنقل الإجماع على عدم وجوب القضاء عمن أفسد صومه بعذر واحتج من أوجب القضاء بما روى الترمذي والنسائي من طريق جعفر بن برقان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدرتني إليه حفصة وكانت ببيت أبيها فقالت يا رسول الله فذكرت ذلك فقال اقضيا يوما آخر مكانه قال الترمذي رواه بن أبي حفصة وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري مثل هذا ورواه مالك ومعمر وزياد بن سعد وابن عيينة وغيرهم من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلا وهو أصح لأن بن جريج ذكر أنه سأل الزهري عنه فقال لم أسمع من عروة في هذا شيئا ولكن سمعت من ناس عن بعض من سأل عائشة فذكره ثم اسنده كذلك وقال النسائي هذا خطا وقال ابن عيينة في روايته سئل الزهري عنه أهو عن عروة فقال لا وقال أسمع اتفق الثقات على إرساله وشذ من وصله وتوارد الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا وقد رواه من لا يوثق به عن مالك موصولا ذكره الدارقطني في غرائب مالك وبين مالك في روايته فقال أن صيامهما كان تطوعا وله من طرق أخرى عند أبي داود من طريق زميل عن عروة عن عائشة وضعفه أحمد والبخاري والنسائي بجهالة حال زميل وعلى تقدير أن يكون محفوظا فقد صح عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يفطر من صوم التطوع كما تقدمت الإشارة إليه في باب من نوى بالنهار صوما وزاد فيه بعضهم فأكل ثم قال لكن أصوم يوما مكانه وقد ضعف النسائي هذه الزيادة وحكم بخطئها وعلى تقدير الصحة فيجمع بينهما بحمل الأمر بالقضاء على الندب وأما قول القرطبي يجاب عن حديث أبي جحيفة بان إفطار أبي الدرداء كان لقسم سلمان ولعذر الضيافة فيتوقف على أن هذا العذر من الاعذار التي تبيح الإفطار وقد نقل بن التين عن مذهب مالك أنه لا يفطر لضيف نزل به ولا لمن حلف عليه بالطلاق والعتاق وكذا لو حلف هو بالله ليفطرن كفر ولا يفطر وسيأتي بعد أبواب من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما زار أم سلم لم يفطر وكان صائما تطوعا وقد انصف بن المنير في الحاشية فقال ليس في تحريم الأكل في صورة النفل من غير عذر الا الأدلة فضالة كقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم الا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان

[ 186 ]

وقول المهلب أن أبا الدرداء أفطر متأولا ومجتهدا فيكون معذورا فلا قضاء عليه لا ينطبق على مذهب مالك فلو أفطر أحد بمثل عذر أبي الدرداء عنده لوجب عليه القضاء ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم صوب فعل أبي الدرداء فترقى عن مذهب الصحابي إلى نص الرسول صلى الله عليه وسلم وقد قال بن عبد البر ومن احتج في هذا بقوله ولا تبطلوا أعمالكم فهو جاهل بأقوال أهل العلم فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهى عن الرياء كأنه قال لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل اخلصوها لله وقال آخرون لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر ولو كان المراد بذلك النهى عن إبطال ما لم يفرضه الله عليه ولا أوجب على نفسه بنذر غيره لامتنع عليه الإفطار الا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب وهم لا يقولون بذلك والله أعلم تنبيه هذه الترجمة التي فرغنا منها الآن أول أبواب التطوع بدأ المصنف منها بحكم صوم التطوع هل يلزم تمامه بالدخول فيه أم لا ثم أورد بقية أبوابه على ما اختاره من الترتيب قوله باب صوم شعبان أي استحبابه وكأنه لم يصرح بذلك لما في عمومه من التخصيص وفي مطلقه من التقييد كما سيأتي بيانه وسمي شعبان لتشعبهم في طلب المياه أو في الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام وهذا أولى من الذي قبله وقيل فه غير ذلك قوله عن أبي النضر هو سالم المدني زاد مسلم مولى عمر بن عبيد الله وفي رواية بن وهب النسائي والدارقطني في الغرائب عن مالك عن أبي النضر أنه حدثهم قوله عن عائشة في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة أن عائشة حدثته وهو في ثاني حديثي الباب وقوله فيه عن يحيى عن أبي سلمة في رواية مسلم عن يحيى بن أبي كثير واتفق أبو النصر ويحيى ووافقهما محمد بن إبراهيم وزيد بن أبي عتاب عند النسائي ومحمد بن عمرو عند الترمذي على روايتهم إياه عن أبي سلمة عن عائشة وخالفهم يحيى بن سعيد وسالم بن أبي الجعد فروياه عن أبي سلمة عن أم سلمة أخرجهما النسائي وقال الترمذي عقب طريق سالم بن أبي الجعد هذا إسناد صحيح ويحتمل أن يكون أبو سلمة رواه عن كل من عائشة وأم سلمة قلت ويؤيده أن محمد بن إبراهيم التيمي رواه عن أبي سلمة عن عائشة تارة وعن أم سلمة تارة أخرى أخرجهما النسائي قوله أكثر صياما كذا لأكثر الرواة بالنصب وحكى السهيلي أنه روى بالخفض وهو وهم ولعل بعضهم كتب صياما بغير ألف على رأى من يقف على المنصوب بغير ألف فتوهم مخفوضا أو أن بعض الرواة ظن أنه مضاف لأن صيغة أفضل تضاف كثيرا فتوهمها مضافة وذلك لا يصح هنا قطعا وقوله أكثر بالنصب وهو ثاني مفعولي رأيت وقوله في شعبان يتعلق بصياما والمعنى كان يصوم في شعبان وغيره وكان صيامه في شعبان تطوعا اكثر من صيامه فيما سواه قوله من شعبان زاد في حديث يحيى بن أبي كثير فإنه كان يصوم شعبان كله زاد بن أبي لبيد عن أبي سلمة عن عائشة عند مسلم كان يصوم شعبان إلا قليلا ورواه الشافعي من هذا الوجه بلفظ بل كان يصوم الخ وهذا يبين أن المراد بقوله في حديث أم سلمة عند أبي داود وغيره أنه كان لا يصوم من السنة شهرا تاما الا شعبان يصله برمضان أي كان يصوم معظمه ونقل الترمذي عن بن المبارك أنه قال جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول صام الشهر كله ويقال قام فلان ليلته أجمع ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره قال الترمذي كأن بن المبارك جمع بين الحديثين بذلك وحاصله أن الرواية الأولى مفسرة للثانية مخصصة لها وأن المراد بالكل الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال واستبعده الطيبي

[ 187 ]

قال لأن الكل تأكيد لإرادة الشمول ودفع التجوز فتفسيره بالبعض مناف له قال فيحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان وقيل المراد بقولها كله أنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى ومن أثنائه طورا فلا يخلى شيئا منه من صيام ولا يخص بعضه بصيام دون بعض وقال الزين بن المنير إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة والمراد الأكثر وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان وأخبرت ثانيا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله اه ولا يخفى تكلفه والأول هو الصواب ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم وسعد بن هشام عنها عند النسائي ولفظه ولا صام شهرا كاملا قط منذ قدم المدينة غير رمضان وهو مثل حديث ابن عباس المذكور في الباب الذي بعد هذا واختلف في الحكمة في اكثاره صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان فقيل كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان أشار إلى ذلك بن بطال وفيه حديث ضعيف أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان وابن أبي ليلى ضعيف وحديث الباب والذي بعده دال على ضعف ما رواه وقيل كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان وورد فيه حديث آخر أخرجه الترمذي من طريق صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل بعد رمضان قال شعبان لتعظيم رمضان قال الترمذي حديث غريب وصدقة عندهم ليس بذاك القوي قلت ويعارضه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم وقيل الحكمة في إكثاره من الصيام في شعبان دون غيره أن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان وهذا عكس ما تقدم في الحكمة في كونهن كن يؤخرن قضاء رمضان إلى شعبان لأنه ورد فيه أن ذلك لكونهن كن يشتغلن معه صلى الله عليه وسلم عن الصوم وقيل الحكمة في ذلك أنه يعقبه رمضان وصومه مفترض وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى أخرجه النسائي وأبو داود وصححه بن خزيمة عن أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى لكن قال فيه إن الله يكتب كل نفس ميته تلك السنة فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم ولا تعارض بين هذا وبين ما تقدم من الأحاديث في النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين وكذا ما جاء من النهى عن صوم نصف شعبان الثاني فإن الجمع بينهما ظاهر بان يحمل النهى على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده وفي الحديث دليل على فضل الصوم في شعبان وأجاب النووي عن كونه لم يكثر من الصوم في المحرم مع قوله أن أفضل الصيام ما يقع فيه بأنه يحتمل أن يكون ما علم ذلك إلا في آخر عمره فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم أو اتفق له فيه من الاعذار بالسفر والمرض مثلا ما منعه من كثرة الصوم فيه وقد تقدم الكلام على قوله لا يمل الله حتى تملوا وعلى بقية الحديث في باب أحب الدين إلى

[ 188 ]

الله أدومه وهو في آخر كتاب الإيمان ومناسبة ذلك للحديث الإشارة إلى أن صيامه صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يتاسى به فيه الا من طاق ما كان يطيق وأن من اجهد نفسه في شئ من العبادة خشي عليه أن يمل فيفضي إلى تركه والمداومة على العبادة وإن قلت أولى من جهد النفس في كثرتها إذا انقطعت فالقليل الدائم أفضل من الكثير المنقطع غالبا وقد تقدم الكلام على مداومته صلى الله عليه وسلم على صلاة التطوع في بابها قوله باب ما يذكر من صوم النبي صلى الله عليه وسلم أي التطوع وافطاره أي في خلل صيامه قال الزين بن المنير لم يضف المصنف الترجمة التي قبل هذه للنبي صلى الله عليه وسلم وأطلقها ليفهم الترغيب للأمة في الاقتداء به في اكثار الصوم في شعبان وقصد بهذه شرح حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ثم ذكر البخاري في الباب حديثين الأول حديث بن عباس قوله عن أبي بشر هو جعفر بن أبي وحشية قوله عن سعيد بن جبير في رواية شعبة عن أبي بشر حدثني سعيد بن جبير أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه ولمسلم من طريق عثمان بن حكيم سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب فقال سمعت بن عباس قوله ما صام النبي صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا قط غير رمضان في رواية شعبة عند مسلم ما صام شهرا متتابعا وفي رواية أبي داود الطيالسي شهرا تاما منذ قدم المدينة غير رمضان قوله ويصوم في رواية مسلم من الطريق التي أخرجها البخاري وكان يصوم قوله حتى يقول القائل لا والله لا يفطر في رواية شعبة حتى يقولوا ما يريد أن يفطر الحديث الثاني حديث أنس قوله حدثني محمد بن جعفر أي بن أبي كثير المدني وحميد هو الطويل قوله حتى نظن بنون الجمع وبالتحتانية على البناء للمجهول ويجوز بالمثناه على المخاطبة ويؤيده قوله بعد ذلك الا رأيته فإنه روى بالضم والفتح معا قوله ان لا يصوم بفتح الهمزة ويجوز في يصوم النصب والرفع قوله حدثني محمد كذا للأكثر ولأبي ذر هو بن سلام قوله وقال سليمان عن حميد أنه سأل أنسا في الصوم كنت أظن أن سليمان هذا هو بن بلال لكن لم أره بعد التتبع التام من حديثه فظهر لي أنه سليمان بن حبان أبو خالد الأحمر وقد وصل المصنف حديثه عقب هذا وفيه سألت أنسا عن صيام النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث أتم من طريق محمد بن جعفر لكن تقدم بعض هذا الحديث في الصلاة وقال فيه تابعه سليمان وأبو خالد الأحمر فهذا يدل على التعدد ويحتمل أن تكون الواو مزيدة كما تقدمت الإشارة إليه قوله ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائما الا رايته يعني أن حاله في التطوع بالصيام والقيام كان يختلف فكان تارة يقوم من أول الليل وتارة في وسطه وتارة من آخره كما كان يصوم تارة من أول الشهر وتارة من وسطه وتارة من آخره فكان من أراد أن يراه وقت من أوقات الليل قائما أو في وقت من أوقات الشهر صائما فراقبه المرة بعد المرة فلا بد أن يصادفه قام أو صام على وفق ما أراد أن يراه هذا معنى الخبر وليس المراد أنه كان يسرد الصوم ولا أنه كان يستوعب الليل قياما ولا يشكل على هذا قول عائشة في الباب قبله وكان إذا صلى صلاة داوم عليها وقوله في الرواية الأخرى الآتية بعد أبواب كان عمله ديمة لأن المراد بذلك ما اتخذه راتبا لا مطلق النافلة فهذا وجه الجمع بين الحديثين وإلا فظاهر هما التعارض والله أعلم قوله ولامسست بكسر المهملة الأولى على الافصح وكذا شممت بكسر الميم الأولى وفتحها لغة حكاها الفراء ويقال في مضارعه اشمه وامسه بالفتح فيهما على الافصح وبالضم على

[ 189 ]

اللغة المذكورة قوله من رائحة كذا للأكثر وللكشميهني من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان على أكمل الصفات خلقا وخلقا فهو كل دابة وجل الجلال وجملة الجمال عليه أفضل الصلاة والسلام وسيأتى شرح ما تضمنه هذا الحديث في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل السيرة النبوية إن شاء الله تعالى مستوفى وفي حديثي الباب استحباب التنفل بالصوم في كل شهر وأن صوم النفل المطلق لا يختص بزمان الا ما نهى عنه وأنه صلى الله عليه وسلم لم يصم الدهر ولا قام الليل كله وكأنه ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على الأمة وأن كان قد أعطى من القوة ما لو التزم ذلك لأقتدر عليه لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى فصام وأفطر وقام ونام أشار إلى ذلك المهلب وفي حديث بن عباس الحلف على الشئ وإن لم يكن هناك من ينكره مبالغة في تأكيده في نفس السامع قوله باب حق الضيف في الصوم قال الزين بن المنير لو قال حق الضيف في الفطر لكان أوضح لكنه كان لا يفهم منه تعيين الصوم فيحتاج أن يقول من الصوم وكأن ما ترجم به اخصر وأوجز قوله حدثنا إسحاق قال أبو على الجياني لم ينسب إسحاق هذا عند أحد منهم قلت لكن جزم أبو نعيم في المستخرج بأنه بن راهويه لأنه أخرجه من مسنده ثم قال أخرجه البخاري عن إسحاق ويؤيده أن بن راهويه لا يقول في الرواية عن شيوخه الا صيغة الأخبار وكذلك هو هنا وهارون ابن إسماعيل شيخه هو الخزاز كان تاجرا صدوقا ليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر في الاعتكاف كلاهما من روايته عن على بن المبارك وقد أخرج كلا من الحديثين من غير طريقه ويحيى هو بن أبي كثير قوله دحل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث هكذا أورده مختصرا وفسر البخاري المراد منه بقوله يعني أن لزورك عليك حقا إلى آخر ما ذكر من الحديث وهو على طريقة البخاري في جواز اختصار الحديث وقد أورده في الباب الذي يليه من طريق الأوزاعي وأورده في الأد ب من طريق حسين المعلم كلاهما عن يحيى بن أبي كثير وأورده قريبا من طريق الزهري عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب ومن طريق أبي العباس الأعمى من وجهين ومن طريق مجاهد وأبي المليح كلهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص بالحديث مطولا ومختصرا ورواه جماعة من الكوفيين والبصريين والشاميين عن عبد الله بن عمرو مطولا ومختصرا فمنهم من اقتصر على قصة الصلاة ومنهم من اقتصر على قصة الصيام ومنهم من ساق القصة كلها ولم أره من رواية أحد من المصريين عنه مع كثرة روايتهم عنه وسأذكر الكلام عليه في الباب الذي يليه وانبه على ما في رواية كل منهم من فائدة زائدة سوى ما تقدم شرحه في أبواب التهجد وسيأتى ما يتعلق بحق الضيف في كتاب الأدب أن شاء الله تعالى وهو المستعان قوله باب حق الجسم في الصوم أي على المتطوع والمراد بالحق هنا المطلوب أعم من أن يكون واجبا أو مندوبا فأما الواجب فيختص بما إذا خاف التلف وليس مرادا هنا قوله أخبرنا عبد الله هو بن المبارك قوله ألم أخبر انك تصوم النهار وتقوم الليل زاد مسلم من رواية عكرمة بن عمار عن يحيى فقلت بلى يا نبي الله ولم أرد بذلك الا الخير وفي الباب الذي يليه أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أقول والله لأصومن من النهار ولأقومن الليل ما عشت وللنسائي من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة قال قال لي عبد الله بن عمرو يا بن

[ 190 ]

أخي أني قد كنت اجمعت على أن اجتهد اجتهادا وعطاء حتى قلت لأ صومن الدهر ولأقرأن القرآن في كل ليلة ويأتي في فضائل القرآن من طريق مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال أنكحني أبي امرأة ذات حسب وكان يتعاهدها فسألها عن بعلها فقالت نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لي الفتى فلقيته بعد فذكر الحديث زاد النسائي وابن خزيمة وسعيد بن منصور من طريق أخرى عن مجاهد فوقع على أبي فقال زوجتك امرأة فعضلتها وفعلت وفعلت وفعلت قال فلم ألتفت إلى ذلك لما كانت لي من القوة فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال القني به فأتيته معه ولأحمد من هذا الوجه ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكاني وسيأتى بعد أبواب من طريق أبي المليح عن عبد الله بن عمرو قال ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم صومي فدخل على فألقيت له وسادة ويأتي بعد باب من طريق أبي العباس عن عبد الله بن عمرو بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أني أسرد الصوم واصلي الليل فإما أرسل لي وأما لقيته ويجمع بينهما بان يكون عمرو توجه بابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه من غير أن يستوعب ما يريد من ذلك ثم أتاه إلى بيته زيادة في التأكيد قوله فلا تفعل زاد بعد بابين فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين الحديث وقد تقدم تفسيره في كتاب التهجد وزاد في رواية بن خزيمة من طريق حصين عن مجاهد إن لكل عامل شرة وهو بكسر المعجمة وتشديد الراء ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك قوله وأن لعينيك عليك حقا في رواية الكشميهني لعينك بالافراد قوله وان لزورك بفتح الزاي وسكون الواو أي لمطالعة والزور الحدود وضع موضع الاسم كصوم في موضع صائم ونوم في موضع نائم ويقال للواحد والجمع والذكر والأنثى زور قال بن التين ويحتمل أن يكون زور جمع زائر كركب جمع راكب وتجر جمع تاجر زاد مسلم من طريق حسين المعلم عن يحيى وأن لولدك عليك حقا وزاد النسائي من طريق أبي إسماعيل عن يحيى وأنه عسى أن يطول بك عمر وفيه إشارة إلى ما وقع لعبد الله بن عمرو بعد ذلك من الكبر والضعف كما سيأتي قوله وان بحسبك بإسكان السين المهملة أي كافيك والباء زائدة ويأتي في الأدب من طريق حسين المعلم عن يحيى بلفظ وإن من حسبك قوله أن تصوم من كل شهر في رواية الكشميهني في كل شهر قوله فإذن ذلك هو بتنوين إذن وهي التيى يجاب بها أن وكذا لو صريحا أو تقديرا وأن هنا مقدرة كأنه قال أن صمتها فإذن ذلك صوم الدهر وروى بغير تنوين وهي للمفاجاة وفي توجيهها هنا تكلف قوله إني أجد قوة قال فصم صيام نبي الله داود في هذه الرواية اختصار فإن في رواية حسين المذكورة فصم من كل جمعة ثلاثة أيام ويأتي في الباب بعده فصم يوما وأفطر يومين وفي رواية أبي المليح يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام قلت يا رسول الله قال خمسا قلت يا رسول الله قال سبعا قلت يا رسول الله قال تسعا قلت يا رسول الله قال إحدى عشرة واستدل به عياض على تقديم الوتر على جميع الأمور وفيه نظر لما في رواية مسلم من طريق أبي عياض عن عبد الله بن عمرو صم يوما يعني من كل عشرة أيام ولك أجر ما بقي قال أني اطيق أكثر من ذلك قال صم يومين ولك أجرا ما بقي قال أني اطيق أكثر من ذلك قال صم ثلاثة أيام ولك أجرا ما بقي قال أني اطيق أكثر من ذلك قال صم أربعة أيام ولك أجرا ما بقي قال أني اطيق أكثر من ذلك قال صم صوم داود وهذا يقتضى أنه أمره بصيام

[ 191 ]

ثلاثة أيام من كل شهر ثم بستة ثم بتسعة ثم باثني عشر ثم بخسمة عشر فالظاهر أنه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كل شهر فلما قال أنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج إلى أن وصله إلى خمسة عشر يوما فذكر بعض الرواة عنه ما لم يذكره الآخر ويدل على ذلك رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن أبي داود فلم يزل يناقصني وأناقصه ووقع للنسائي في رواية محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة صم الإثنين والخميس من كل جمعة وهو فرد من أفراد ما تقدم ذكره وقد استشكل قوله صم من كل عشرة أيام يوما ولك أجر ما بقي مع قوله صم من كل عشرة أيام يومين ولك أجر ما بقي الخ لأنه يقتضى الزيادة في العمل والنقص من الأجر وبذلك ترجم له النسائي وأجيب بأن المراد لك أجرا ما بقي بالنسبة إلى التضعيف قال عياض قال بعضهم معنى صم يوما ولك أجر ما بقي أي من العشرة وقوله صم يومين ولك أجر ما بقي أي من العشرين وفي الثلاثة ما بقي من الشهر وحمله على ذلك استبعاد كثرة العمل وقلة الأجر وتعقبه عياض بأن الأجر إنما اتحد في كل ذلك لأنه كان نيته أن يصوم جميع الشهر فلما منعه صلى الله عليه وسلم من ذلك إبقاء عليه لما ذكر بقي أجر نيته على حاله سواء صام منه قليلا أو كثيرا كما تأوله في حديث نية المؤمن خير من عمله أي إن أجره في نيته أكثر من أجر عمله لامتداد نيته بما لا يقدر على عمله انتهى والحديث المذكور ضعيف وهو في مسند الشهاب والتأويل المذكور لا بأس به ويحتمل أيضا أجراء الحديث على ظاهره السبب فيه أنه كلما ازداد من الصوم ازداد من المشقة الحاصلة بسببه المقتضبة لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات التي قد يفوتها مشقة الصوم فينقص الأجر باعتبار ذلك على أن قوله في نفس الخبر صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي يرد الحمل الأول فإنه يلزم منه على سياق التأويل المذكور أن يكون التقدير ولك أجر أربعين وقد قيده في نفس الحديث بالشهر والشهر لا يكون أربعين وكذلك قوله في رواية أخرى للنسائي من طريق بن أبي ربيعة عن عبد الله بن عمرو بلفظ صم من كل عشرة أيام يوما ولك أجر تلك التسعة ثم قال فيه من كل تسعة أيام يوما ولك أجر تلك الثمانية ثم قال من كل ثمانية أيام يوما ولك أجر السبعة قال فلم يزل حتى قال صم يوما وأفطر يوما وله من طريق شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو عن جده بلفظ صم يوما ولك أجر عشرة قلت زدني قال صم يومين ولك أجر تسعة قلت زدني قال صم ثلاثة ولك أجر ثمانية فهذا يدفع في صدر ذلك التأويل الأول والله أعلم قوله ولا تزد عليه أي على صوم داود زاد أحمد وغيره من رواية مجاهد قلت قد قبلت قوله وكان عبد الله بن عمرو يقول بعد ما كبر يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النووي معناه أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق عليه فعله لعجزه ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له فتمنى أن لو قبل الرخصة فأخذ بالأخف قلت ومع عجزه وتمنيه الأخذ بالرخصة لم يترك العمل بما التزمه بل صار يتعاطى فيه نوع تخفيف كما في رواية حصين المذكورة وكان عبد الله حين ضعف وكبر يصوم تلك الأيام كذلك يصل بعضها إلى بعض ثم يفطر بعدد تلك الأيام فيقوى بذلك وكان يقول لأن أكون قبلت الرخصة أحب إلى مما عدل به لكننى فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره قوله باب صوم الدهر أي هل يشرع أو لا قال الزين بن المنير لم ينص على الحكم لتعارض الأدلة واحتمال أن يكون عبد الله

[ 192 ]

ابن عمرو خص بالمنع لما اطلع النبي صلى الله عليه وسلم عليه من مستقبل حاله فيلتحق به من في معناه ممن يتضرر بسرد الصوم ويبقى غيره على حكم الجواز لعموم الترغيب في مطلق الصوم كما سيأتي في الجهاد من حديث أبي سعيد مرفوعا من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار قوله فإنك لا تستطيع ذلك يحتمل أن يريد به الحالة الراهنة لما علمه النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يتكلف ذلك ويدخل به على نفسه المشقة ويفوت به ما هو أهم من ذلك ويحتمل أن يريد به ما سيأتي بعد إذا كبر وعجز كما اتفق له سواء وكره أن يوظف على نفسه شيئا من العبادة ثم يعجز عنه فيتركه لما تقرر من ذم من فعل ذلك قوله وصم من الشهر ثلاثة أيام بعد قوله فصم وأفطر بيان لما أجمل من ذلك وتقرير له على ظاهره إذ الإطلاق يقتضى المساواة قوله مثل صيام الدهر يقتضى أن المثلية لا تستلزم التساوى من كل جهة لأن المراد به هنا أصل التضعيف دون الحاصل من الفعل ولكن يصدق على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازا قوله بعد ذكر صيام داود لا أفضل من ذلك ليس فيه نفى المساواة صريحا لكن قوله في الرواية الماضية في قيام الليل من طريق عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو أحب الصيام إلى الله صيام داود يقتضى ثبوت الأفضلية مطلقا ورواه الترمذي من وجه آخر عن أبي العباس عن عبد الله بن عمرو بلفظ أفضل الصيام صيام داود وكذلك رواه مسلم من طريق أبي عياض عن عبد الله ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة وسأذكر بسط ذلك في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى قوله باب حق الأهل في الصوم رواه أبو جحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني حديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء التي تقدمت قبل خمسة أبواب وفيها قول سلمان لأبي الدرداء وأن لأهلك عليك حقا وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وقد تقدم الكلام عليه قبل قوله حدثنا عمرو بن علي الفلاس وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد النبيل وهو من شيوخ البخاري الذين أكثر عنهم وربما روى عنه بواسطة ما فاته منه كما في هذا الموضع وكأنه أختار النزول من طريقه هذه لوقوع التصريح فيها بسماع بن جريج له من عطاء وهو بن أبي رباح وأبو العباس يأتي القول فيه بعد باب قوله بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أني أسرد الصوم سبقت تسمية الذي بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأنه عمرو بن العاص والد عبد الله قوله وتصلي في رواية مسلم من وجه آخر عن ابن جريج وتصلى الليل فلا تفعل قوله فإن لعينيك في رواية السرخسي والكشميهني لعينك بالإفراد قوله عليك حظا كذا فيه في الموضعين بالظاء المعجمة وكذا لمسلم وعند الاسماعيلي حقا بالقاف وعنده وعند مسلم من الزيادة وصم من كل عشرة أيام يوما ولك أجر التسعة قوله إني لأقوى لذلك أي لسرد الصيام دائما وفي رواية مسلم إني اجدني أقوى من ذلك يا نبي الله قوله قال وكيف في رواية مسلم وكيف كان داود يصوم يا نبي الله قوله ولا يفر إذا لاقى زاد النسائي من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة وإذا وعد لم يخلف ولم أرها من غير هذا الوجه غنم مناسبة بالمقام واشارة إلى أن سبب النهى خشية أن يعجز عن الذي يلزمه فيكون كمن وعد فإخلف كما أن في قوله ولا يفر إذا لاقى إشارة إلى حكمة صوم يوم وإفطار يوم قال الخطابي محصل قصة عبد الله بن عمرو أن الله تعالى لم يتعبد عبده بالصوم خاصة بل تعبده بأنواع من العبادات فلو

[ 193 ]

استفرغ جهده لقصر في غيره فالأولى الاقتصاد فيه ليستبقي بعض القوة لغيره وقد اشير إلى ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام في داود عليه السلام وكان لا يفر إذا لاقى لأنه كان يتقوى بالفطر لأجل الجهاد قوله قال عطاء أي بالإسناد المذكور قوله لا أدري كيف ذكر صيام الأبد إلخ أي أن عطاء لم يحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصة الا أنه حفظ أن فيها أنه صلى الله عليه وسلم قال لا صام من صام الأبد وقد روى أحمد والنسائي هذه الجملة وحدها من طريق عطاء وسيأتى بعد باب بلفظ لا صام من صام الدهر قوله لا صام من صام الأبد مرتين في رواية مسلم قال عطاء فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا صام من صام الأبد لا صام من صام الأبد واستدل بهذا على كراهية صوم الدهر قال بن التين استدل على كراهته من هذه القصة من أوجه نهيه صلى الله عليه وسلم عن الزيادة وأمره بأن يصوم ويفطر وقوله لا أفضل من ذلك ودعاؤه على من صام الأبد وقيل معنى قوله لا صام النفي أي ما صام كقوله تعالى فلا صدق ولا صلى وقوله في حديث أبي قتادة عند مسلم وقد سئل عن صوم الدهر لا صام ولا أفطر أو ما صام وما أفطر وفي رواية الترمذي لم يصم ولم يفطر وهو شك من أحد رواته ومقتضاه أنهما بمعنى واحد والمعنى بالنفى أنه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته ولم يفطر لأنه أمسك وإلى كراهة صوم الدهر مطلقا ذهب إسحاق وأهل الظاهر وهي رواية عن أحمد وشذ بن حزم فقال يحرم وروى بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن بن عمرو الشيباني قال بلغ عمر أن رجلا يصوم الدهر فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول كل يا دهري ومن طريق أبي إسحاق أن عبد الرحمن بن أبي نعيم كان يصوم الدهر فقال عمرو بن ميمون لو رأى هذا أصحاب محمد لرجموه واحتجوا أيضا السخفاء أبي موسى رفعه من صام الدهر ضيقت عليه جهنم وعقد بيده أخرجه أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وظاهره أنها تضيق عليه حصرا له فيها لتشديده على نفسه وحمله عليها ورغبه عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم واعتقاده أن غير سنته أفضل منها وهذا يقتضى الوعيد الشديد فيكون حراما وإلى الكراهة مطلقا ذهب بن العربي من المالكية فقال قوله لا صام من صام الأبد أن كان معناه الدعاء فياويح من أصابه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وأن كان معناه الخبر فياويح من أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يصم وإذا لم يصم شرعا لم يكتب له النصارى لوجوب صدق قوله صلى الله عليه وسلم لأنه نفى عنه الصوم وقد نفى عنه الفضل كما تقدم فكيف يطلب الفضل فما نفاه النبي صلى الله عليه وسلم وذهب آخرون إلى جواز صيام الدهر وحملوا أخبار النهى على من صامه حقيقة فإنه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين وهذا اختيار بن المنذر وطائفة وروى عن عائشة نحوه وفيه نظر لأنه صلى الله عليه وسلم قد قال جوابا لمن سأله عن صوم الدهر لا صام ولا أفطر وهو يؤذن بأنه ما أجر ولا أثم ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه عند من أجاز صوم الدهر الا الأيام المحرمة يكون قد فعل مستحبا وحراما وأيضا فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعا فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض فلم الخطبة في السؤال عند من علم تحريمها ولا يصلح الجواب بقوله لا صام ولا أفطر لمن لم يعلم تحريمها وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه ولم يفوت فيه حقا وإلى ذلك ذهب الجمهور قال السبكي أطلق أصحابنا كراهة صوم الدهر لمن فوت حقا ولم يوضحوا هذا المراد الحق الواجب أو المندوب ويتجه أن يقال أن علم أنه

[ 194 ]

يفوت حقا واجبا حرم وأن علم أنه يفوت حقا مندوبا أولى من الصيام كره وأن كان يقوم مقامه فلا وإلى ذلك أشار بن خزيمة فترجم ذكر العلة التي بها زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم الدهر وساق الحديث الذي فيه إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونفهت نفسك ومن حجتهم حديث حمزة بن عمرو الذي مضى فإن في بعض طرقه عند مسلم أنه قال يا رسول الله إني أسرد الصوم فحملوا قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو لا أفضل من ذلك أي في حقك فيلتحق به من في معناه ممن يدخل فيه على نفسه مشقة أو يفوت حقا ولذلك لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد فلو كان السرد ممتنعا لبينه له لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز قاله النووي وتعقب بأن سؤال حمزة إنما كان عن الصوم في السفر لا عن صوم الدهر ولا يلزم من سرد الصيام صوم الدهر فقد قال أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسرد الصوم فيقال لا يفطر أخرجه أحمد ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم الدهر فلا يلزم من ذكر السرد صيام الدهر وأجابوا عن حديث أبي موسى المقدم ذكره بأن معناه ضيقت عليه فلا يدخلها فعلى هذا تكون على بمعنى عن أي ضيقت عنه وهذا التأويل حكاه الأثرم عن مسدد وحكى رده عن أحمد وقال ابن خزيمة سألت المزني عن هذا الحديث فقال يشبه أن يكون معناه ضيقت عنه فلا يدخلها ولا يشبه أن يكون على ظاهره لأن من أزداد لله وأشار وطاعة ازداد عند الله رفعة وعلته كرامة ورجح هذا التأويل جماعة منهم الغزالي فقالوا له مناسبة من جهة أن الصائم لما ضيق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرقها بالعبادة وتعقب بأنه ليس كل عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقربا بل رب عمل صالح إذا ازداد منه ازداد بعدا كالصلاة في الأوقات المكروهة والأولى أجراء الحديث على ظاهره وحمله على من فوت حقا واجبا بذلك فإنه يتوجه إليه الوعيد ولا يخالف القاعدة التي أشار إليها المزني ومن حجتهم أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق حديث الباب كما تقدم في الطريقين الماضيين فإن الحسنة بعشرة أمثالها وذلك مثل صيام الدهر وقوله فيما رواه مسلم من صام رمضان واتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر قالوا فدل ذلك على أن صوم الدهر أفضل مما العطار به وأنه أمر مطلوب وتعقب بأن التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضى جوازه فضلا عن استحبابه وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوما ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام جميع السنة فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه واختلف المجيزون لصوم الدهر بالشرط المتقدم هل هو أفضل أو صيام يوم وافطار يوم أفضل فصرح جماعة من العلماء بان صوم الدهر أفضل لأنه أكثر وأشار فيكون أكثر أجرا وما كان أكثر أجرا كان أكثر ثوابا وبذلك جزم الغزالي أولا وقيده بشرط أن لا يصوم الأيام المنهي عنها وأن لا يرغب عن السنة بأن يجعل الصوم حجرا على نفسه فإذا أمن من ذلك فالصوم من أفضل الأعمال فالاستكثار منه زيادة في الفضل وتعقبه بن دقيق العيد بان الأعمال متعارضة في المصالح والمفاسد ومقدار كل منها في الحث والمنع غير متحقق فزيادة الأجر بزيادة العمل في شئ يعارضه اقتضاء العادة التقصير في حقوق أخرى يعارضها العمل المذكور ومقدار الفائت من ذلك مع مقدار الحاصل غير متحقق فالأولى التفويض إلى حكم الفاء ولما دل عليه ظاهر قوله لا أفضل من ذلك وقوله إنه أحب الصيام

[ 195 ]

إلى الله تعالى وذهب جماعة منهم المتولي من الشافعية إلى أن صيام داود أفضل وهو ظاهر الحديث بل صريحه ويترجح من حيث المعنى أيضا بان صيام الدهر قد يفوت بعض الحقوق كما تقدم وبأن من اعتاده فإن لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهارا ويألف تناوله في الليل بحيث يتجدد له طبع زائد بخلاف من يصوم يوما ويفطر يوما فإنه ينتقل من فطر إلى صوم ومن صوم إلى فطر وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصيام ويامن من ذلك غالبا من تفويت الحقوق كما تقدمت الإشارة إليه فيما تقدم قريبا في حق داود عليه السلام ولا يفر إذا لاقى لأن من أسباب الفرار ضعف الجسد ولا شك أن سرد الصوم يخمره وعلى ذلك يحمل قول بن مسعود فيا رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه أنه قيل له انك لتقل الصيام فقال إني أخاف أن يضعفني عن القراءة والقراءة أحب إلي من الصيام نعم أن فرض أن شخصا لا يفوته شئ من الأعمال الصالحة بالصيام أصلا ولا يفوت حقا من الحقوق التي خوطب بها لم يبعد أن يكون في حقه أرجح وإلى ذلك أشار بن خزيمة فترجم الدليل على أن صيام داود إنما كان أعدل الصيام وأحبه إلى الله لأن فاعله يؤدي حق نفسه وأهله وزائره أيام فطره بخلاف من يتابع الصوم وهذا يشعر بأن من لا يتضرر في نفسه ولا يفوت حقا أن يكون أرجح وعلى هذا فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والاحوال فمن يقتضى حاله الإكثار من الصوم أكثر منه ومن يقتضى حاله الإكثار من الإفطار أكثر منه ومن يقتضى حاله المزج فعله حتى أن الشخص الواحد قد تختلف عليه الأحوال في ذلك وإلى ذلك أشار الغزالي أخيرا والله أعلم بالصواب قوله باب صوم يوم وافطار يوم ذكر فيه حديث عبد الله بن عمرو من طريق شعبة عن اني عن مجاهد عنه مختصرا وقد أخرجه في فضائل القرآن من طريق أبي عوانة عن اني مطولا وسيأتى الكلام عليه فيما يتعلق بقراءة القرآن هناك وقد تقدم الكلام على فوائد الزيادة المتعلقة بالصيام قريبا قوله باب صوم داود عليه السلام أورد فيه حديث عبد الله بن عمرو من وجهين وقد قدمت محصل فوائدهما المتعلقة بالصيام قال الزين بن المنير أفرد ترجمة صوم يوم وافطار يوم بالذكر للتنبيه على أفضليته وافرد صيام داود عليه السلام بالذكر للإشارة إلى الاقتداء به في ذلك قوله في الطريق الأولى وكان شاعرا وكان لا يتهم في حديثه فيه إشارة إلى أن الشاعر بصدد أن يتهم في حديثه لما تقتضيه صناعته من سلوك المبالغة في الطراء وغيره فأخبر الراوي عنه أنه مع كونه شاعرا كان غير متهم في حديثه وقوله في حديثه يحتمل مرويه من الحديث النبوي ويحتمل فيما هو أعم من ذلك والثاني أليق وإلا لكان مرغوبا عنه والواقع أنه حجة عند كل من أخرج الصحيح وافصح بتوثيقه أحمد وابن معين وآخرون وليس له مع ذلك في البخاري سوى هذا الحديث وحديثين أحدهما في الجهاد والآخر في المغازي وأعادهما معا في الأدب وقد تقدم حديث الباب في التهجد من وجه آخر قوله ونفهت بكسر الفاء أي تعبت وكلت ووقع في رواية النسفي نثهت بالمثلثة بدل الفاء وقد استغربها بن التين فقال لا أعرف معناها قلت وكأنها ابدلت من الفاء فإنها تبدل منها كثيرا وفي رواية الكشميهني بدلها ونهكت أي هزلت وضعفت قوله صوم ثلاثة أيام أي من كل شهر صوم الدهر كله أي بالتضعيف كما تقدم صريح قوله في الطريق

[ 196 ]

الثانية أخبرني أبو المليح هو عامر وقيل زيد وقيل زياد بن أسامة بن عمير الهذلي لأبيه صحبة وليس لأبي المليح في البخاري سوى هذا الحديث واعاده في الاستئذان وآخر تقدم في المواقيت في موضعين من روايته عن بريدة قوله دخلت مع أبيك وقع في الاستئذان مع أبيك زيد وهو والد أبي قلابة عبد الله بن زيد بن عمرو وقيل عامر الجرمي قوله فاما أرسل إلى وأما لقيته شك من بعض رواته وغلط من قال إنه شك من عبد الله بن عمرو لما تقدم من أنه صلى الله عليه وسلم قصده إلى بيته فدل على أن لقاءه إياه كان عن قصد منه إليه قوله فجلس على الأرض وصارت الوسادة بيني وبينه فيه بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع وترك الاستئثار على جليسه وفي كون الوسادة من أدم حشوها ليف بيان ما كان عليه الصحابة في غالب أحوالهم في عهده صلى الله عليه وسلم من الضيق إذ لو كان عنده أشرف منها لأكرم بها نبيه صلى الله عليه وسلم قوله خمسا في رواية الكشميهني خمسة وكذا في البواقي فمن قال خمسة أراد الأيام ومن قال خمسا أراد الليالي وفيه تجوز قوله قال إحدى عشرة زاد في رواية عمرو بن عون قلت يا رسول الله قوله شطر الدهر بالرفع على القطع ويجوز النصب على إضمار فعل والجر على البدل من صوم داود قوله صم يوما وأفطر يوما في رواية عمرو بن عون صيام يوم وافطار يوم ويجوز فيه الحركات أيضا وفي قصة عبد الله بن عمرو هذه من الفوائد غير ما تقدم هنا وفي أبواب التهجد بيان رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته وشفقته عليهم وارشاده إياهم إلى ما يصلحهم وحثه إياهم على ما يطيقون الدوام عليه ونهيهم عن التعمق في العبادة لما يخشى من إفضائه إلى الملل المفضى إلى الترك أو ترك البعض وقد ذم الله تعالى قوما فالناسي العبادة ثم فرطوا فيها وفيه الندب إلى الدوام على ما وظفه الإنسان على نفسه من العبادة وفيه جواز الأخبار عن الأعمال الصالحة والاوراد ومحاسن الأعمال ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الرياء وفيه جواز القسم على التزام العبادة وفائدته الاستعانة باليمين على النشاط لها وأن ذلك لا يخل بصحة النية والإخلاص فيها وأن اليمين على ذلك لا يلحقها بالنذر الذي يجب الوفاء به وفيه جواز الحلف من غير استحلاف وأن النفل المطلق لا ينبغي تحديده بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص والاوقات والاحوال وفيه جواز التفدية بالأب والأم وفيه الإشارة إلى الافتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في يجري العبادات وفيه أن طاعة الوالد لا تجب في ترك العبادة ولهذا أحتاج عمرو إلى شكوى ولده عبد الله ولم فقلنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم ترك طاعته لأبيه وفيه زيارة الفاضل للمفضول في بيته واكرام الضيف بالقاء الفرش ونحوها تحته وتواضع الزائر بجلوسه دون ما يفرش له وأن لا حرج عليه في ذلك إذا كان على سبيل التواضع والإكرام للمزور قوله باب صيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة كذا للأكثر وللكشميهني صيام أيام البيض ثلاث عشرة الخ قيل المراد بالبيض الليالي وهي التي يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره حتى قال الجواليقي من قال الأيام البيض فجعل البيض صفة الأيام فقد أخطأ وفيه نطر لأن اليوم الكامل هو النهار بليلته وليس في الشهر يوم أبيض كله الا هذه الأيام لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض فصح قول الأيام البيض على الوصف وحكى بن بزيزة في تسميتها بيضا اقوالا أخر مستندة إلى أقوال واهية قال الاسماعيلي وابن بطال وغيرهما ليس في الحديث الذي أورده البخاري في هذا الباب ما يطابق الترجمة لأن الحديث مطلق في ثلاثة أيام من كل شهر والبيض مقيدة بما ذكر

[ 197 ]

وأجيب بان البخاري جرى على عادته في الإيماء إلى ما ورد في بعض طرق الحديث وهو ما رواه أحمد والنسائي وصححه بن حبان من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الغلام فقال ما منعك أن تأكل فقال إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر قال أن كنت صائما فصم الغر أي البيض وهذا الحديث اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافا كثيرا بينه الدارقطني وفي بعض طرقه عند النسائي أن كنت صائما فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وجاء تقييدها أيضا في حديث قتادة بن ملحان ويقال بن منهال عند أصحاب السنن بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وقال هي كهيئة الدهر وللنسائي من حديث جرير مرفوعا صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة الحديث وإسناده صحيح وكان البخاري أشار بالترجمة إلى أن وصية أبي هريرة بذلك لا تختص به وأماما رواه أصحاب السنن وصححه بن خزيمة من حديث بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر وما روى أبو داود والنسائي من حديث حفصة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام الإثنين والخميس والإثنين من الجمعة الأخرى فقد جمع بينهما وما قبلهما البيهقي بما أخرجه مسلم من حديث عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ما يبالي من أي الشهر صام قال فكل من رآه فعل نوعا ذكره وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت والذي يظهر أن الذي أمر به وحث عليه ووصى به أولى من غيره وأما هو فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز وكل ذلك في حقه أفضل وتترجح البيض بكونها وسط الشهر ووسط الشئ أعدله ولأن الكسوف غالبا يقع فيها وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع فإذا اتفق الكسوف صادف الذي يعتاد صيام البيض صائما فيتهيأ له أن يجمع بين يجري العبادات من الصيام والصلاة والصدقة بخلاف من لم يصمها فإنه لا يتأتى له استدراك صيامها ولا عند من يجوز صيام التطوع بغير نية من الليل إلا إن صادف الكسوف من أول النهار ورجح بعضهم صيام الثلاثة في أول الشهر لأن المرء لا يدري ما يعرض له من الموانع وقال بعضهم يصوم من أول كل عشرة أيام يوما وله وجه في النظر ونقل ذلك عن أبي الدرداء وهو يوافق ما تقدم في رواية النسائي في حديث عبد الله بن عمرو صم من كل عشرة أيام يوما وروى الترمذي من طريق خيثمة عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم من الشهر السبت والاحد والإثنين ومن الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس وروى موقوفا وهو أشبه وكان الغرض به أن يستوعب غالب أيام الأسبوع بالصيام واختار إبراهيم النخعي أن يصومها آخر الشهر ليكون كفارة لما مضى وسيأتى ما يؤيده في الكلام على حديث عمران بن حصين في الأمر بصيام سرار الشهر وقال الروياني صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب فإن اتفقت أيام البيض كان أحب وفي كلام غير واحد من العلماء أيضا أن استحباب صيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر قوله حدثنا أبو معمر هو عبد الله بن عمرو والإسناد كله بصريون وأبو عثمان هو النهدي وقد روى عن أبي هريرة جماعة كل منهم أبو عثمان لكن لم يقع في البخاري حديث

[ 198 ]

موصول من رواية أبي عثمان عن أبي هريرة الا من رواية النهدي وليس له عند البخاري سوى هذا وآخر في الأطعمة ووقع عند مسلم عن شيبان عن عبد الوارث بهذا الإسناد فقال فحدثني أبو عثمان النهدي وتقدم هذا الحديث في أبواب التطوع من طريق أخرى عن أبي عثمان النهدي وقد تقدم الكلام هناك على بقية فوائده ومما لم يتقدم منها ما نبه عليه أبو محمد بن أبي جمرة في قول أبي هريرة أوصاني خليلي قال في افراده بهذه الوصية إشارة إلى أن القدر الموصى به هو اللائق بحاله وفي قوله خليلي إشارة إلموافقته له في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدنيا لأن أبا هريرة صبر على الجوع في ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في أوائل البيوع من حديثه حيث قال أما إخواني فكان يشغلهم الصفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم فشابه حال النبي صلى الله عليه وسلم في ايثاره الفقر على الغنى والعبودية على الملك قال ويؤخذ منه الافتخار بصحبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التحدث بالنعمة والشكر لله لا على وجه المباهاة والله أعلم وقال شيخنا في شرح الترمذي حاصل الخلاف في تعيين البيض تسعة أقوال أحدها لا تتعين بل يكره تعيينها وهذا عن مالك والثاني أول ثلاثة من الشهر قاله الحسن البصري الثالث أولها الثاني عشر الرابع أولها الثالث عشر الخامس أولها أول سبت من أول الشهر ثم من أول الثلاثاء من الشهر الذي يليه وهكذا وهو عن عائشة السادس أول خميس ثم اثنين ثم خميس السابع أول اثنين ثم خميس ثم اثنين الثامن أول يوم والعاشر والعشرون عن أبي الدرداء التاسع أول كل عشر عن بن شعبان المالكي قلت بقي قول آخر وهو آخر ثلاثة من الشهر عن النخعي فتمت عشرة قوله باب من زار قوما فلم يفطر عندهم أي في التطوع هذه الترجمة تقابل الترجمة الماضية وهي من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع وموقعها أن لا يظن أن فطر المرء من صيام التطوع لتطييب خاطر أخيه حتم عليه بل المرجع في ذلك إلى من علم من حاله من كل منهما أنه يشق عليه الصيام فمتى عرف أن ذلك لا يشق عليه كان الأولى أن يستمر على صومه قوله حدثني خالد هو ابن الحرث كذا في الأصل وبيان اسم أبيه من المصنف كأن شيخه قال حدثنا خالد فقط فأراد بالبيان رفع الإبهام لاشتراك من يسمى خالدا في الرواية عن حميد ممن يمكن محمد بن المثنى أن يروي عنه ولم يطرد للمصنف هذا فإنه كثيرا ما يقع له ولمشايخه مثل هذا الإبهام ولا يعتنى ببيانه ورجال إسناد هذا الحديث كلهم بصريون قوله دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سليم هي والدة أنس المذكور ووقع لأحمد من طريق حماد عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم حرام وهي خالة أنس لكن في بقبة الحديث ما يدل على إنهما معا كانتا مجتمعتين قوله فاتته بتمر وسمن أي على سبيل الضيافة وفي قوله أعيدوا سمنكم في سقائه ما يشعر بأنه كان ذائبا وليس بلازم قوله ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة في رواية أحمد عن بن أبي عدي عن حميد فصلى ركعتين وصلينا معه وكان هذه القصة غير القصة الماضية في أبواب الصلاة التي صلى فيها على الحصير وأقام أنسا خلفه وأم سليم من ورائه لكن وقع عند أحمد في رواية ثابت المذكورة وهو لمسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت نحوه ثم صلى ركعتين تطوعا فأقام أم حرام وأم سليم خلفنا وأقامنى عن يمينه ويحتمل التعدد لأن القصة الماضية لا ذكر

[ 199 ]

فيها لأم حرام ويدل على التعدد أيضا أنه هنا لم يأكل وهناك أكل قوله أن لي خويصة بتشديد الصاد وبتخفيفها وتصغير خاصة وهو مما اغتفر فيه التقاء الساكنين وقوله خادمك أنس هو عطف بيان أو بدل والخبر محذوف تقديره أطلب منك الدعاء له ووقع في رواية ثابت المذكورة عند أحمد أن لي خويصة خويدمك أنس أدع الله له قوله خير آخرة أي خيرا من خيرات الآخرة قوله إلا دعا لي به اللهم ارزقه مالا كذا في الأصل وعند أحمد من رواية عبيدة بن حميد عن حميد الا دعا لي به وكان من قوله اللهم الخ قوله وبارك له وفي رواية الكشميهني وبارك له فيه وقوله فيه بالافراد نظرا إلى اللفظ ولأحمد فيهم نظرا إلى المعنى ويأتي في الدعوات من طريق قتادة عن أنس وبارك له فيما أعطيته وفي رواية ثابت عند مسلم فدعا لي بكل خير وكان آخر ما دعا لي أن قال اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه ولم يقع في هذه الرواية التصريح بما دعا له من خير الآخرة لأن المال والولد من خير الدنيا وكأن بعض الرواة اختصره ووقع لمسلم في رواية الجعد عن أنس فدعا لي بثلاث دعوات قد رأيت منها اثنتين في الدنيا وأنا أرجو الثالثة في الآخرة ولم يبينها وهي المغفرة كما بينها سنان بن ربيعة بزيادة وذلك فيما رواه ابن سعد بإسناد صحيح عنه عن أنس قال اللهم أكثر ماله وولده واطل عمره واغفر ذنبه قوله فإني لمن أكثر الأنصار مالا زاد أحمد في رواية بن أبي عدي وذكر أنه لا يملك ذهبا ولا فضة غير خاتمه يعني أن ماله كان من غير النقدين وفي رواية ثابت عند أحمد قال أنس وما مطرف رجل من الأنصار أكثر مني مالا قال يا ثابت وما أملك صفراء ولا بيضاء إلا خاتمي وللترمذي من طريق أبي خلدة قال أبو العالية كان لأنس بستان يحمل في السنة مرتين وكان فيه ريحان يجئ منه ريح المسك ولأبي نعيم في الحلية من طريق حفصة بنت سيرين عن أنس قال وأن أرضى لتثمر في السنة مرتين وما في البلد شئ يثمر مرتين غيرها قوله وحدثتني ابنتي أمينة بالنون تصغير آمنة أنه دفن لصلبي أي من ولده دون أسباطه واحفاده قوله مقدم الحجاج البصرة بالنصب على نزع الخافض أي من أول ما مات لي من الأولاد إلى أن قدمها الحجاج ووقع ذلك صريحا في رواية بن أبي عدي المذكورة ولفظه وذكر أن ابنته الكبرى أمينة أخبرته أنه دفن لصلبه إلى مقدم الحجاج وكان قدوم الحجاج البصرة سنة خمس وسبعين وعمر أنس حينئذ نيف وثمانون سنة وقد عاش أنس بعد ذلك إلى سنة ثلاث ويقال اثنتين ويقال إحدى وتسعين وقد قارب المائة قوله بضع وعشرون ومائة في رواية بن أبي عدي نيف على عشرين ومائة وفي رواية الأنصاري عن حميد عند البيهقي في الدلائل تسع قرة ومائة وهو عند الخطيب في رواية الآباء عن الأبناء من هذا الوجه بلفظ ثلاث قرة ومائة وفي رواية حفصة بنت سيرين ولقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة وفي الحلية أيضا من طريق عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال دفنت مائة لاسقطا ولا ولد ولد ولعل هذا الاختلاف سبب العدول إلى البضع والنيف وفي ذكر هذا دلالة على كثرة ما جاءه من الولد فإن هذا القدر هو الذي مات منهم وأما الذين بقوا ففي رواية إسحاق ابن أبي طلحة عن أنس عند مسلم وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم جواز التصغير على معنى التلطف لا التحقير وتحفة الزائر بما حضر بغير تكلف وجواز رد الهدية إذا لم يشق ذلك على المهدي وأن أخذ من رد عليه ذلك له ليس من العود

[ 200 ]

في الهبة وفيه حفظ الطعام وترك التفريط فيه وجبر خاطر المزور إذا لم يؤكل عنده بالدعاء له ومشروعية الدعاء عقب الصلاة وتقديم الصلاة أمام طلب الحاجة والدعاء بخير الدنيا والآخرة والدعاء بكثرة المال والولد وأن ذلك لا ينافي الخير الأخروي وإن فضل التقليل من الدنيا يختلف باختلاف الأشخاص وفيه زيارة الإمام بعض رعيته ودخول بيت الرجل في غيبته لأنه لم يقل في طرق هذه القصة إن أبا طلحة كان حاضرا وفيه إيثار الولد على النفس وحسن التلطف في السؤال وأن كثرة الموت في الأولاد لا ينافي إجابة الدعاء بطلب كثرتهم ولا طلب البركة فيهم لما يحصل من المصيبة بموتهم والصبر على ذلك من النصارى وفيه التحدث بنعم الله تعالى وبمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم لما في إجابة دعوته من الأمر النادر وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد وكون بستان المدعو له صالح يثمر مرتين في السنة دون غيره وفيه التاريخ بالأمر الشهير ولا يتوقف ذلك على صلاح المؤرخ به وفيه جواز ذكر البضع فيما زاد على عقد العشر خلافا لمن قصره على ما قبل العشرين قوله قال بن أبي مريم هو سعيد وفائدة ذكر هذه الطريق بيان سماع حميد لهذا الحديث من أنس لما اشتهر من أن حميدا كان ربما دلس عن أنس ووقع في رواية كريمة والأصيلي في هذا الموضوع حدثنا بن أبي مريم فيكون موصولا قوله باب الصوم من آخر الشهر قال الزين بن المنير أطلق الشهر وإن كان الذي يتحرر من الحديث أن المراد به شهر مقيد وهو شعبان إشارة منه إلى أن ذلك لا يختص بشعبان بل يؤخذ من الحديث الندب إلى صيام أواخر كل شهر ليكون عادة للمكلف فلا يعارضه النهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين لقوله فيه الا رجل كان يصوم صوما فليصمه قوله حدثنا الصلت بن محمد بفتح الصاد المهملة وسكون اللام بعدها مثناة بصري مشهور وأضاف إليه رواية أبي النعمان وهو عارم لما وقع فيها من تصريح مهدي بالتحديث من غيلان والإسناد كله بصريون قوله عن مطرف هو ابن عبد الله بن الشخير قوله أنه سأله أو سأل رجل وعمران يسمع هذا شك من مطرف فإن ثابتا رواه عنه بنحوه على الشك أيضا أخرجه مسلم وأخرجه من وجهين آخرين عن مطرف بدون شك على الإبهام أنه قال لرجل زاد أبو عوانة في مستخرجه من أصحابه ورواه أحمد من طريق سليمان التيمي به قال لعمران بغير شك قوله يا فلان كذا للأكثر وفي نسخة من رواية أبي ذر يا أبا فلان بأداة الكنية قوله أما صمت سرر هذا الشهر في رواية مسلم عن شيبان عن مهدي سره بضم المهملة وتشديد الراء بعدها هاء قال النووي تبعا لابن قرقول كذا هو في جميع النسخ انتهى والذي رأيته في رواية أبي بكر بن ياسر الجياني ومن خطه نقلت سرر هذا الشهر كباقي الروايات وفي رواية ثابت المذكورة اصمت من سرر شعبان شيئا قال لا قوله قال أظنه قال يعني رمضان هذا الظن من أبي النعمان لتصريح البخاري في آخره بان ذلك لم يقع في رواية أبي الصلت وكأن ذلك وقع من أبي النعمان لما حدث به البخاري وإلا فقد رواه الجوزقي من طرق أحمد بن يوسف السلمي عن أبي النعمان بدون ذلك وهو الصواب ونقل القدرة عن البخاري أنه قال إن شعبان أصح وقيل إن ذلك ثابت في بعض الروايات في الصحيح وقال الخطابي ذكر رمضان هنا وهم لأن رمضان يتعين صوم جميعه وكذا قال الداودي وابن الجوزي ورواه مسلم أيضا من طريق بن أخي مطرف عن مطرف بلفظ هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا يعني شعبان ولم يقع

[ 201 ]

ذلك في رواية هدبة ابن عبد الله بن محمد بن أسماء ابن قطر بن حماد ابن عفان ابن عبد الصمد ولا غيرهم عند أحمد ومسلم والاسماعيلي وغيرهم ولا في باقي الروايات عند مسلم ويحتمل أن يكون قوله رمضان في قوله يعني رمضان ظرفا للقول الصادر منه صلى الله عليه وسلم لا لصيام المخاطب بذلك فيوافق رواية الجريري عن مطرف فإن فيها عند مسلم فقال له فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه قوله وقال ثابت إلخ وصله أحمد ومسلم من طريق حماد بن سلمة عنه كذلك ووقع في نسخه الصغاني من الزيادة هنا قال أبو عبد الله وشعبان أصح والسرر بفتح السين المهملة ويجوز كسرها وضمها جمع سره ويقال أيضا سرار بفتح أوله وكسره ورجح الفراء الفتح وهو من الاستسرار قال أبو عبيد والجمهور المراد بالسرر هنا آخر الشهر سميت بذلك لاستسرار القمر فيها وهي ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين ونقل أبو داود عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أن سرره أوله ونقل الخطابي عن الأوزاعي كالجمهور وقيل السرر وسط الشهر حكاه أبو داود أيضا ورجحه بعضهم ووجهه بان السرر جمع سره وسرة الشئ وسطه ويؤيده الندب إلى صيام البيض وهي وسط الشهر وأنه لم يرد في صيام آخر الشهر ندب بل ورد فيه نهى خاص وهو آخر شعبان لمن صامه لأجل رمضان ورجحه النووي بأن مسلما أفرد الرواية التي فيها سره هذا الشهر عن بقية الروايات وأردف بها الروايات التي فيها الحض على صيام البيض وهي وسط الشهر كما تقدم لكن لم أره في جميع طرق الحديث باللفظ الذي ذكره وهو سره بل هو عند أحمد من وجهين بلفظ سرار وأخرجه من طرق عن سليمان التيمي فبعضها سرر وفي بعضها سرار وهذا يدل على أن المراد آخر الشهر قال الخطابي قال بعض أهل العلم سؤاله صلى الله عليه وسلم عن ذلك سؤال زجر وإنكار لأنه قد نهى أن يستقبل الشهر بيوم أو يومين وتعقب بأنه لو أنكر ذلك لم يأمره بقضاء ذلك وأجاب الخطابي باحتمال أن يكون الرجل اوجبها على نفسه فلذلك أمره بالوفاء وأن يقضي ذلك في شوال انتهى وقال بن المنير في الحاشية قوله سؤال إنكار فيه تكلف ويدفع في صدره قول المسئول لا يا رسول الله فلو كان السؤال إنكار لكان صلى الله عليه وسلم قد أنكر عليه أنه صام والفرض أن الرجل لم يصم فكيف فقلنا عليه فعل ما لم بالصلاة ويحتمل أن يكون الرجل كانت له عادة بصيام آخر الشهر فلما سمع نهيه صلى الله عليه وسلم أن يتقدم أحد رمضان بصوم يوم أو يومين ولم يبلغه الاستثناء ترك صيام ما كان اعتاده من ذلك فأمره بقضائها لتستمر محافظته على ما وظف على نفسه من العبادة لأن أحب العمل إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه كما تقدم وقال بن التين يحتمل أن يكون هذا كلاما جرى من النبي صلى الله عليه وسلم جوابا لكلام لم ينقل إلينا اه ولا يخفى ضعف هذا المأخذ وقال آخرون فيه دليل على أن النهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين إنما هو لمن يقصد به التحري لأجل رمضان وأما من لم يقصد ذلك فلا يتناوله النهى ولو لم يكن اعتاده وهو خلاف ظاهر حديث النهى لأنه لم يستثن منه الا من كانت له عادة وأشار القرطبي إلى أن الحامل لمن حمل سرار الشهر على غير ظاهره وهو آخر الشهر الفرار من المعارضة لنهيه صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان بيوم أو يومين وقال الجمع بين الحديثين ممكن بحمل النهى على من ليست له عادة بذلك وحمل الأمر على من له عادة حملا للمخاطب بذلك على ملازمة عادة الخير حتى لا يقطع قال وفيه إشارة إلى فضيلة الصوم في شعبان وأن صوم يوم منه يعدل صوم

[ 202 ]

يومين في غيره أخذا من قوله في الحديث فصم يومين مكانه يعني مكان اليوم الذي فوته من صيام شعبان قلت وهذا لا يتم الا أن كانت عادت المخاطب بذلك أن يصوم من شعبان يوما واحدا وإلا فقوله هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا أعم من أن يكون عادته صيام يوم منه أو أكثر نعم وقع في سنن أبي مسلم الكجي فصم مكان ذلك اليوم يومين وفي الحديث مشروعية قضاء التطوع وقد يؤخذ منه قضاء الفرض بطرق الأولى خلافا لمن منع ذلك قوله باب صوم يوم الجمعة وإذا مطرف صائما يوم الجمعة فعليه أن يفطر كذا في أكثر الروايات ووقع في رواية أبي ذروأبي الوقت زيادة هنا وهي يعني إذا لم يصم قبله ولا يريد أن يصوم بعده وهذا لزيادة تشبه أن تكون من الفربري أو من دونه فإنها لم أنكر في رواية النسفي عن البخاري ويبعد أن يعبر البخاري عما يقوله بلفظ يعني ولو كان ذلك من كلامه لقال أعنى بل كان يستغنى عنها أصلا وراسا وهذا التفسير لا بد من حمل إطلاق الترجمة عليه لأنه مستفاد من حديث جويرية آخر أحاديث الباب إذ في الباب ثلاثة أحاديث أولها حديث جابر وهو مطلق والتقييد فيه تفسير من أحد رواته كما سنبينه وثانيها حديث أبي هريرة وهو ظاهر في التقييد وثالثها حديث جويرية وهو اظهرها في ذلك قوله عن بن جريج عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة أي بن عثمان بن أبي طلحة الحجبي في رواية عبد الرزاق عن بن جريج أخبرني عبد الحميد أخرجه أحمد عنه ومسلم من طريقه وكذا أخرجه أبو قرة في السنن عن بن جريج والنسائي من طريق حجاج بن محمد عنه وكان بن جريج ربما رواه عن محمد بن عباد نفسه ولم يذكر عبد الحميد كذلك رواه يحيى بن سعيد القطان وحفص بن الصالح أخرجه النسائي من طريقهما وكذا الاسماعيلي وزاد فضيل بن سليمان وأخرجه النسائي أيضا من طريق النضر بن شميل كلهم عن بن جريج وأومأ الاسماعيلي إلى أن في رواية البخاري عن أبي عاصم نظر افإنه قال رواه البخاري عن أبي عاصم فذكر إسناده قال وقد رويناه من طريق أبي عاصم كما قال يحيى ثم ساقه كذلك قال وقد رواه أبو سعد الصغاني عن بن جريج كما ساقه البخاري عن أبي عاصم وأبو سعد ليس كهؤلاء يعني القطان ومن تابعه قلت ولم يصب الاسماعيلي في ذلك فإن رواية البخاري مستقيمة وقد وافقه على الزيادة الدارمي في مسنده وأبو مسلم الكجي في سننه فاخرجاه عن أبي عاصم كما قال البخاري وكذلك رواه أبو موسى كما أخرجه بن أبي عاصم في كتاب الصيام له عنه عن أبي عاصم وكذلك أخرجه الجوزقي من طريق محمد بن عقيل بن خويلد عن أبي عاصم كذلك وابن جريج كان ربما دلس ولهذا قال البيهقي أن يحيى بن سعيد قصر في إسناده لكن وقع عند النسائي من طريق يحيى ابن سعيد عن بن جريج أخبرني محمد بن عباد فيحمل على أنه سمعه من عبد الحميد عم محمد ثم لقي محمد افسمعه منه أو سمع من محمد واستثبت فيه من عبد الحميد فكان يحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا ولعل السر في ذلك أنه كان عند أحدهما في المتن ما ليس عند الآخر كما سنوضحه أن شاء الله تعالى ولم ينفرد أبو سعد بمتابعة أبي عاصم على ذكر عبد الحميد كما يوهمه كلام الاسماعيلي بل تابعهما عبد الرزاق وأبو قرة وحجاج بن محمد كما قدمت ذكره وعبد الحميد أكثر عددا ممن رواه عنه بإسقاطه وعبد الحميد المذكور تابعي صغير روى عن عمته صفية بنت شيبة وهي من صغار الصحابة ووثقه بن معين وغيره وليس له في البخاري سوى ثلاثة أحاديث هذا وآخر في بدء الخلق

[ 203 ]

وآخر في الأدب قوله عن محمد بن عباد في رواية عبد الرزاق عن بن جريج عن عبد الحميد أن محمد بن عباد أخبره ورجال هذا الإسناد مكيون الا شيخ البخاري فهو بصري والصحابى فهو مدني وقد اقاما بمكة زمانا قوله سألت جابرا في رواية عبد الرزاق المذكورة وكذا في رواية ابن عيينة عن عبد الحميد عند مسلم وأحمد وغيرهما سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت وزادوا أيضا في آخره قال نعم ورب هذا البيت وفي رواية النسائي ورب الكعبة وعزاها صاحب العمدة لمسلم فوهم وفيه جواز الحلف من غير استحلاف لتاكيد الأمر واضافة الربوبية إلى المخلوقات المعظمة تنويها بتعظيمها وفيه الاكتفاء في الجواب بنعم من غير ذكر الأمر المفسر بها قوله زاد غير أبي عاصم يعني أن ينفرد بصومه وفي رواية الكشميهني أن ينفرد بصوم والغير المشار إليه جزم البيهقي بأنه يحيى بن سعيد القطان وهو كما قال لكن لم يتعين فقد أخرجه النسائي بالزيادة من طريقه ومن طريق النضر بن شميل وحفص بن الصالح ولفظ يحيى أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم قال إي ورب الكعبة ولفظ حفص نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة مفردا ولفظ النضر أن جابرا سئل عن صوم يوم الجمعة فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفرد قوله في حديث أبي هريرة لا يصوم أحدكم كذا للأكثر وهو بلفظ النفي والمراد به النهى وفي رواية الكشميهني لا يصومن بلفظ النهى المؤكد قوله الا يوما قبله أو بعده تقديره الا أن يصوم يوما قبله لأن يوما لا يصح استثناؤه من يوم الجمعة وقال الكرماني يجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض تقديره الا بيوم قبله وتكون الباء للمصاحبة وفي رواية الاسماعيلي من طريق محمد بن أشكاب عن عمر بن حفص شيخ البخاري فيه الا أن تصوموا قبله أو بعده ولمسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش لا يصم أحدكم يوم الجمعة الا أن يصوم يوما قبله أو يصوم بعده وللنسائي من هذا الوجه الا أن يصوم قبله يوما أو يصوم بعده يوما ولمسلم من طريق هشام عن بن سيرين عن أبي هريرة لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام الا أن يكون في صوم يصومه أحدكم ورواه أحمد من طريق عوف عن بن سيرين بلفظ نهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم وله من طريق أبي الاوبر زياد الحارثي أن رجلا قال لأبي هريرة أنت الذي تنهى الناس عن صوم يوم الجمعة قال ها ورب الكعبة ثلاثا لقد سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يقول لا يصوم أحدكم يوم الجمعة وحده إلا في أيام معه وله من طريق ليلى امرأة بشير بن الخصاصية أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تصم يوم الجمعة الا في أيام هو أحدها وهذه الأحاديث تقيد النهى المطلق في حديث جابر وتؤيد الزيادة التي تقدمت من تقييد الإطلاق بالافراد ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده أو اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة ويؤخذ منه جواز صومه لمن نذر يوم قدوم زيد مثلا أو يوم شفاء فلان الحديث الثالث قوله وحدثني محمد حدثنا غندر لم ينسب محمد المذكور في شئ من الطرق والذي يظهر أنه بندار محمد بن بشار وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج بعد أن أخرجه من طريقه ومن طريق محمد بن المثنى جميعا عن غندر قوله عن أبي أيوب في رواية يوسف القاضي في الصيام له من طريق خالد بن الحارث عن شعبة عن

[ 204 ]

قتادة سمعت أبا أيوب ووافقه همام عن قتادة أخرجه أبو داود وقال في روايته عن أبي أيوب العتكي وهو بفتح المهملة والمثناة نسبة إلى بطن من الأزد ويقال له أيضا المراغي بفتح الميم والراء ثم بالغين المعجمة ورواه الطحاوي من طريق شعبة وهمام وحماد بن سلمة جميعا عن قتادة وليس لجويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري من روايتها سوى هذا الحديث وله شاهد من حديث جنادة بن أبي أمية عند النسائي بإسناد صحيح بمعنى حديث جويرية واتفق شعبة وهمام عن قتادة على هذا الإسناد وخالفهما سعيد بن أبي عروبة فقال عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على جويرية فذكره أخرجه النسائي وصححه بن حبان والراجح طريق شعبة لمتابعة همام وحماد بن سلمة له وكذا حماد بن الجعد كما سيأتي ويحتمل أن تكون طريق سعيد محفوظة أيضا فإن معمرا رواه عن قتادة عن سعيد بن المسيب أيضا لكن أرسله قوله افطري زاد أبو نعيم في روايته إذا قوله وقال حماد بن الجعد الوصله أبو القاسم البغوي في جمع حديث هدبة بن خالد قال حدثنا هدبة حدثنا حماد بن الجعد سئل قتادة عن صيام النبي صلى الله عليه وسلم فقال حدثني أبو أيوب فذكره وقال في آخره فأمرها فافطرت وحماد بن الجعد فيه لين وليس له في البخاري سوى هذا الموضع واستدل بأحاديث الباب على منع افراد يوم الجمعة بالصيام ونقله أبو الطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية وكأنه أخذه من قول بن المنذر ثبت النهى عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد افراده بالصوم فهذا قد يشعر بأنه يرى بتحريمه وقال أبو جعفر الطبري يفرق بين العيد والجمعة بان الإجماع منعقد على تحريم صوم العيد ولو صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده ونقل بن المنذر وابن حزم منع صومه عن على وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر قال بن حزم لا نعلم لهم مخالفا من الصحابة وذهب الجمهور إلى أن النهى فيه للتنزيه وعن مالك وأبي حنيفة لا يكره قال مالك لم أسمع أحدا ممن يقتدى به ينهى عنه قال الداودي لعل النهى ما بلغ مالكا وزعم عياض أن كلام مالك يؤخذ منه النهى عن افراده لأنه كره أن يخص يوم من الأيام بالعبادة فيكون له في المسألة روايتان وعاب بن العربي قول عبد الوهاب منهم يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده لكونه قياسا مع وجود النص واستدل الحنفية بحديث بن مسعود كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وقلما كان يفطر يوم الجمعة حسنة الترمذي وليس فيه حجة لأنه يحتمل أن يريد كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها ولا يضاد ذلك كراهة افراده بالصوم جمعا بين الحديثين ومنهم من عده من الخصائص وليس بجيد لأنها لا تثبت بالاحتمال والمشهور عند الشافعية وجهان أحدهما ونقله المزني عن الشافعي أنه لا يكره الا لمن اضعفه صومه عن العبادة التي أنكر فيه من الصلاة والدعاء والذكر والثاني وهو الذي صححه المتأخرون كقول الجمهور واختلف في سبب النهى عن افراده على أقوال أحدها لكونه يوم عيد والعيد لا يصام واستشكل ذلك مع يأمر بصيامه مع غيره وأجاب بن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة ومن صام مع غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم ثانيها لئلا يضعف عن العبادة وهذا اختاره النووي وتعقب

[ 205 ]

ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه وأجاب بأنه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل يوم صومه من فتور أو تقصير وفيه نظر فإن الجبران لا ينحصر في الصوم بل يحصل بجميع افعال الخير فيلزم منه جواز افراده لمن عمل فيه خيرا كثيرا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده كمن أعتق فيه رقبة مثلا ولا قائل بذلك وأيضا فكأن النهى يختص بمن يخشى عليه الضعف لامن يتحقق القوة ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المئنة كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يشق عليه ثالثها خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام وأيضا فاليهود لا يعظمون السبت بالصيام فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتحتم صومه لأنهم لا يصومونه وقد روى أبو داود والنسائي وصححه بن حبان من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم من الأيام السبت والاحد وكان يقول إنهما يوما عيد للمشركين فأحب أن اخالفهم رابعها خوف اعتقاد وجوبه وهو منتقض بصوم الإثنين والخميس وسيأتى ذكر ما ورد فيهما في الباب الذي يليه خامسها خشية أن يفرض عليهم كما خشي صلى الله عليه وسلم من قيامهم الليل ذلك قال المهلب وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره وبأنه لو كان كذلك لجاز بعده صلى الله عليه وسلم لارتفاع السبب لكن المهلب حمله على ذلك اعتقاده عدم الكراهة على ظاهر مذهبه سادسها مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم نقله القمولى وهو ضعيف وأقوى الأقوال واولاها بالصواب أولها وورد فيه صريحا حديثان أحدهما رواه الحاكم وغيره من طريق عامر بن لدين عن أبي هريرة مرفوعا يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم الا أن تصوموا قبله أو بعده والثاني رواه بن أبي شيبة بإسناد حسن عن على وقال من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر قوله باب هل يخص بفتح أوله أي المكلف شيئا من الأيام وفي رواية النسفي يخص شئ بضم أوله يخص على البناء للمجهول شئ من الأيام قال الزين بن المنير وغيره لم يجزم بالحكم لأن ظاهر الحديث ادامته صلى الله عليه وسلم العبادة ومواظبته على وظائفها ويعارضه ما صح عن عائشة نفسها مما يقتضى نفى المداومة وهو ما أخرجه مسلم من طريق أبي سلمة ومن طريق عبد الله بن شقيق جميعا عن عائشة أنها سئلت عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان يصوم حتى نقول قد صام ويفطر حتى نقول قد أفطر وتقديم نحوه قريبا في البخاري من حديث بن عباس وغيره فأبقى الترجمة على الاستفهام ليترجح أحد الخبرين أو يتبين الجمع بينهما ويمكن الجمع بينهما بان قولها كان عمله ديمة معناه أن اختلاف حاله في الإكثار من الصوم ثم من الفطر كان مستداما مستمرا وبأنه صلى الله عليه وسلم كان يوظف على نفسه العبادة فربما شغله عن بعضها شاغل فيقضيها على التوالى فيشتبه الحال على من يرى ذلك فقول عائشة كان عمله ديمة منزل على التوظيف وقولها كان لا تشاء أن تراه صائما الا رايته منزل على الحال الثاني وقد تقدم نحو هذا في باب ما يذكر من صوم النبي صلى الله عليه وسلم وقيل معناه أنه كان لا يقصد نفلا ابتداء في يوم بعينه فيصومه بل إذا صام يوما بعينه كالخميس مثلا داوم على صومه قوله حدثني يحيى هو القطان وسفيان هو الثور ومنصور هو بن المعتمر

[ 206 ]

وإبراهيم هو النخعي وعلقمة خاله وهذا الإسناد مما يعد من أصح الأسانيد قوله هل كان يختص من الأيام شيئا قالت لا قال بن التين استدل به بعضهم على كراهة تحرى صيام يوم من الأسبوع وأجاب الزين بن المنير بأن السائل فحديث عائشة إنما سأل عن تخصيص يوم من الأيام من حيث كونها أياما وأما ما ورد تخصيصه من الأيام بالصيام فإنما خصص الأمر لا يشاركه فيه بقية الأيام كيوم عرفويوم عاشوراء وأيام البيض وجميع ما عين لمعنى خاص وإنما سأل عن تخصيص يوم لكونه مثلا يوم السبت ويشكل على هذا الجواب صوم الإثنين والخميس فقد وردت فيهما أحاديث وكأنها لم تصح على شرط البخاري فلهذا أبقى الترجمة على الاستفهام فإن ثبت فيهما ما يقتضى تخصيصهما استثنى من عموم قول عائشة لا قلت ورد في صيام يوم الإثنين والخميس عدة أحاديث صحيحة منها حديث عائشة أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه ابن حبان من طريق ربيعة الجرشي عنها ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام الإثنين والخميس وحديث أسامة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم الإثنين والخميس فسألته فقال إن الأعمال تعرض يوم الإثنين والخميس فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم أخرجه النسائي وأبو داود وصححه بن خزيمة فعلى هذا فالجواب عن الاشكال أن يقال لعل المراد بالأيام المسئول عنها الأيام الثلاثة من كل شهر فكان السائل لما سمع أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام ورغب في أنها تكون أيام البيض سأل عائشة هل كان يخصها بالبيض فقالت لا كان عمله ديمة تعني لو جعلها البيض لتعينت وداوم عليها لأنه كان يحب أن يكون عمله دائما لكن أراد التوسعة بعدم تعينها فكان لا يبالي من أي الشهر صامها كما تقدمت الإشارة إليه في باب صيام البيض وأن مسلما روى من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وما يبالي من أي الشهر صام وقد أورد بن حبان حديث الباب وحديث عائشة في صيام الإثنين والخميس وحديثها كان يصوم حتى نقول لا يفطر وأشار إلى أن بينهما تعارضا ولم يفصح عن كيفيه الجمع بينهما وقد فتح الله بذلك فضله قوله يختص في رواية جرير عن منصور في الرقاق يخص بغير مثناة قوله ديمة بكسر أوله وسكون التحتانية أي دائما قال أهل اللغة الديمة مطر يدوم أياما ثم أطلقت على كل شئ يستمر قوله وأيكم يطيق في رواية جرير يستطيع في الموضعين والمعنى متقارب قوله باب صوم يوم عرفة أي ما حكمه وكأنه لم تثبت الأحاديث الواردة في الترغيب في صومه على شرطه واصحها حديث أبي قتادة أنه يكفر سنة اتية وسنة ماضية أخرجه مسلم وغيره والجمبينه وبين حديثي الباب أن يحمل على غير الحاج أو على من لم يضعفه صيامه عن الذكر والدعاء المطلوب للحاج كما سيأتي تفصيل ذلك قوله حدثني سالم هو أبو النضر المذكور في طريق الثانية وهو بكنيته أشهر وربما جاء باسمه وكنيته معا فيقال حدثنا سالم أبو النضر وإنما ساق البخاري الطريق الأولى مع نزولها لما فيها من التصريح بالتحديث في المواضيع التي وقعت بالعنعنة في الطريق الثانية مع علوها وما أكثر ما يحرص البخاري على ذلك في هذا الكتاب قوله عمير مولى أم الفضل هو عمير مولى بن عباس فمن قال مولى أم الفضل فباعتبار أصله ومن قال مولى بن عباس فباعتبار ما آل إليه حاله لأن أم الفضل هي والدة بن عباس وقد انتقل إلى بن عباس ولاء موالي أمه وليس لعمير في البخاري سوى هذا

[ 207 ]

الحديث وقد أخرجه أيضا في الحج في موضعين وفي الأشربة في ثلاثة مواضع وحديث آخر تقدم في التيم قوله أن ناسا تماروا أي اختلفوا ووقع عند الدارقطني في الموطات من طريق أبي نوح عن مالك اختلف ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله في صوم النبي صلى الله عليه وسلم هذا يشعر بان صوم يوم عرفة كان معروفا عندهم معتادا لهم في الحضر وكان من جزم بأنه صائم استند إلى ما ألفه من العبادة ومن جزم بأنه غير صائم قامت عنده قرينة كونه مسافرا وقد عرف نهيه عن صوم الفرض في السفر فضلا عن النفل قوله فأرسلت سيأتي في الحديث الذي يليه أن ميمونة بنت الحارث هي التي أرسلت فيحتمل التعدد ويحتمل إنهما معا ارسلتا فنسب ذلك إلى كل منهما لانهما كانتا أختين فتكون ميمونة أرسلت بسؤال أم الفضل لها في ذلك الكشف الحال فذلك ويحتمل العكس وسيأتي الإشارة إلى تعيين كون ميمونة هي التي باشرت الإرسال ولم يسم الرسول في طرق حديث أم الفضل لكن روى النسائي من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس ما يدل على أنه كان الرسول بذلك ويقوى ذلك أنه كان ممن جاء عنه أنه أرسل أما أمه وأما خالته قوله وهو واقف على بعيره زاد أبو نعيم في المستخرج من طريق يحيى بن سعيد عن مالك وهو يخطب الناس بعرفة وللمصنف في الأشربة من طريق عبد العزيز ابن أبي سلمة عن أبي النضر وهو واقف عشية عرفة ولأحمد والنسائي من طريق عبد الله بن عباس عن أمه أم الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر بعرفة قوله فشربه زاد في حديث ميمونة والناس ينطرون قوله في حديث ميمونة أخبرني عمرو هو بن الحارث وبكير هو ابن عبد الله بن الأشج ونصف إسناده الأول مصريون والآخر مدنيون وقوله بحلاب بكسر المهملة هو الإناء الذي يجعل فيه اللبن وقيل الحلاب اللبن المحلوب وقد يطلق على الإناء ولو لم يكن فيه لبن تنبيه روى الاسماعيلي حديث بن وهب بثلاثة أسانيد أحدها عنه عن مالك باسناده والثاني عنه عن عمرو بن الحارث عن سالم أبي النضر شيخ مالك فيه به والثالث عن عمرو عن بكير به واقتصر البخاري على أحد أسانيده اكتفاء برواية غيره كما سبق واستدل بهذين الحديثين على الاستحباب الفطر يوم عرفة بعرفة وفيه نظر لأن فعله المجرد لا يدل على نفى الاستحباب إذ قد يترك الشئ المستحب لبيان الجواز ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ نعم روى أبو داود والنسائي وصححه بن خزيمة والحاكم من طريق عكرمة أن أبا هريرة حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة وأخذ بظاهره بعض السلف فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال يجب فطر يوم عرفة للحاج وعن بن الزبير وأسامة بن زيد وعائشة أنهم كانوا يصومونه وكا ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن عثمان وعن قتادة مذهب آخر قال لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء ونقله البيهقي في المعرفة عن الشافعي في القديم واختاره الخطابي والمتولي من الشافعية وقال الجمهور يستحب فطره حتى قال عطاء من افطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم وقال الطبري إنما أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ليدل على الاختيار للحاج بمكة لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة وقيل إنما أفطر لموافقته يوم الجمعة وقد نهى عن افراده بالصوم ويبعده سياق أول الحديث وقيل إنما كره صوم يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه ويؤيده ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعا

[ 208 ]

يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام وفي الحديث من الفوائد أن العيان أقطع للحجة وأنه فوق الخبر وأن الأكل والشرب في المحافل مباح ولا كراهة فيه للضرورة وفيه قبول الهدية من المرأة من غير استفصال منها هل هو من مال زوجها أو لا ولعل ذلك من القدر الذي لا يقع فيه المشاححة قال المهلب وفيه نظر لما تقدم من احتمال أنه من بيت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وفيه تأسى الناس بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم وفيه البحث والاجتهاد في حياته صلى الله عليه وسلم والمناظرة في العلم بين الرجال والنساء والتحيل على الاطلاع على الحكم بغير سؤال وفيه فطنة أم الفضل لاستكشافها عن الحكم الشرعي بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال لأن ذلك كان في يوم حر بعد الظهيرة قال بن المنير في الحاشية لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم ناول فضله أحدا فلعله علم أنها خصته به فيؤخذ منه مسألة التمليك المقيد انتهى ولا يخفى بعده اه‍ وقد وقع في حديث ميمونة فشرب منه وهو مشعر بأنه لم يستوف شربه منه وقال الزين بن المنير لعل استبقاءه لما في القدح كان قصدا لإطالة زمن الشرب حتى يعم نظر الناس إليه ليكون أبلغ في البيان وفيه الركوب في حال الوقوف وقد تقدمت مباحثه في كتاب الحج وترجم له في كتاب الأشربة في الشرب في القدح وشرب الواقف على البعير قوله باب صوم يوم الفطر أي ما حكمه قال الزين بن المنير لعله أشار إلى الخلاف فيمن نذر صوم يوم فوافق يوم العيد هل ينعقد نذره أم لا وسأذكر ما قيل في ذلك أن شاء الله تعالى قوله مولى بن ازهر في رواية الكشميهني مولى بني أزهر وكذا في رواية مسلم وسيأتي ذكره في آخر الكلام على الحديث قوله شهدت العيد زاد يونس عن الزهري في روايته الآتية في الأضاحي يوم الأضحى قوله هذان فيه التغليب وذلك أن الحاضر يشار إليه بهذا والغائب يشار إليه بذاك فلما أن جمعهما اللفظ قال هذان تغليبا للحاضر على الغائب قوله يوم فطركم برفع يوم إما على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أحدهما أو على البدل من قوله يومان وفي رواية يونس المذكورة أما أحدهما فيوم فطركم قيل وفائدة وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما وهو الفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لأنه يستلزم النحر ويزيد فائدة التنبيه على التعليل والمراد بالنسك هنا الذبيحة المتقرب بها قطعا قيل ويستنبط من هذه العلة تعين السلام للفصل من الصلاة وفي الحديث تحريم صوم يومى العيد سواء النذر والكفارة والتطوع والقضاء والتمتع وهو بالإجماع واختلفوا فيمن قدم فصام يوم عيد فعن أبي حنيفة ينعقد وخالفه الجمهور فلو نذر صوم يوم قدوم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر لا ينعقد النذر وعن الحنفية ينعقد ويلزمه القضاء وفي رواية يلزمه الإطعام وعن الأوزاعي يقضي الا أن نوى استثناء العيد وعن مالك في رواية يقضي أن نوى القضاء وإلا فلا وسيأتى في الباب الذي يليه عن بن عمر أنه توقف في الجواب عن هذه المسألة وأصل الخلاف في هذه المسألة أن النهى هل يقتضى صحة المنهي عنه قال الأكثر لا وعن محمد بن الحسن نعم واحتج بأنه لا يقال للاعمى لا يبصر لأنه تحصيل الحاصل فدل على أن صوم يوم العيد ممكن وإذا أمكن ثبت الصحة وأجيب أن الإمكان المذكور عقلي والنزاع في الشرعي والمنهى عنه شرعا غير ممكن فعله شرعا

[ 209 ]

ومن حجج المانعين أن النفل المطلق إذا نهى عن فعله لم ينعقد لأن المنهي مطلوب الترك سواء كان للتحريم أو للتنزيه والنفل مطلوب الفعل فلا يجتمع الضدان والفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين كالصلاة في الدار المغصوبة أن النهى عن اشتراط في المغصوب ليست لذات الصلاة بل للاقامة وطلب الفعل لذات العبادة بخلاف صوم يوم النحر مثلا فإن النهى فيه لذات الصوم فافترقا والله أعلم قوله قال أبو عبد الله هو المصنف قال بن عيينة من قال مولى بن أزهر فقد أصاب ومن قال مولى عبد الرحمن بن عوف فقد أصاب انتهى وكلام بن عيينة هذا حكاه عنه على بن المديني في العلل وقد أخرجه بن أبي شيبة في مسنده عن بن عيينة عن الزهري فقال عن أبي عبيد مولى ابن أزهر أخرجه القدرة في مسنده عن بن عيينة حدثني الزهري سمعت أبا عبيد فذكر الحديث ولم يضفه بشئ ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري فقال عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف وكذا قال جويرية وسعيد الزبيري ومكي بن إبراهيم عن مالك حكاه أبو عمروذ كرأن بن عيينة أيضا كان يقول فيه كذلك وقال بن التين وجه كون القولين صوابا ما روى إنهما اشتركا في ولائه وقيل يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز وسبب المجاز أما بانه كان يكثر ملازمة أحدهما أما لخدمته أو للاخذ عنه أو لانتقاله من ملك أحدهما إلى ملك الا خروجزم الزبير بن بكار بأنه كان مولى عبد الرحمن بن عوف فعلى هذا فنسبته إلى بن أزهر هي المجازية ولعلها بسبب انقطاعه إليه بعد موت عبد الرحمن بن عوف واسم بن أزهر أيضا عبد الرحمن وهو بن عم عبد الرحمن بن عوف وقيل بن أخيه وقد تقدم له ذكر في الصلاة في حديث كريب عن أم سلمة ويأتي في أو اخر المغازي قوله عن عمرو بن يحيى هو المازني قوله وعن الصماء بفتح المهملة وتشديد الميم والمد قوله وأن يحتبى الرجل في الثوب الواحد زاد الاسماعيلي من طريق خالد الطحان عن عمرو بن يحيى لا يوارى فرجه بشئ ومن طريق عبد العزيز بن المختار عن عمرو لبس بين فرجه وبين السماء شئ وقد سبق الكلام عليه في باب ما يستر من العورة في أوائل الصلاة وسبق الكلام على بقية الحديث في المواقيت قوله باب صوم يوم النحر في رواية الكشميهني باب الصوم والقول فيه كالقول في الذي قبله قوله أخبرنا هشام هو بن يوسف قوله ينهى كذا هنا بضم أوله على البناء للمجهول ووقع هذا الحديث هنا مختصرا وسيأتي الكلام على تفسير الملامسة والمنابذة في البيوع أن شاء الله تعالى قوله حدثنا معاذ هو بن معاذ العنبري وابن عون هو عبد الله والإسناد بصريون وزياد بن جبير بالجيم والموحدة مصغرا أي بن حية بالمهملة والتحتانية الثقيلة قوله جاء رجل إلى بن عمر لم اقف على اسمه ووقع عند أحمد عن هشيم عن يونس بن عبيد عن زياد بن جبير رأيت رجلا جاء إلى بن عمر فذكره وأخرج بن حبان من طريق كريمة بنت سيرين أنها سألت بن عمر فقالت جعلت على نفسي أن أصوم كل يوم اربعاء واليوم يوم الأربعاء وهو يوم النحر فقال أمر الله بوفاء النذر الحديث وله عن إسماعيل عن يونس بسنده سأل رجل بن عمر وهو يمشي بمنى قوله أظنه قال الإثنين ولمسلم من طريق وكيع عن بن عون نذرت أن أصوم يوما ولم يعينه وعند الاسماعيلي من طريق النضر بن شميل عن بن عون نذر أن يصوم كل اثنين أو خميس ومثله لأبي عوانة من طريق شعبة عن يونس بن عبيد عن زياد لكن لم يقل أو خميس وفي رواية يزيد بن زريع عن يونس بن عبيد عند المصنف في النذر أن

[ 210 ]

أصوم كل ثلاثاء وإربعاء ومثله للدارقطني من رواية هشيم المذكورة لكن لم يذكر الثلاثاء وللجوزقي من طريق أبي قتيبة عن شعبة عن يونس أنه نذر أن يصوم كل جمعه ونحوه لأبي داود الطيالسي في مسنده عن شعبة قوله فوافق ذلك يوم عيد لم يفسر العيد في هذه الرواية ومقتضى إدخاله هذا الحديث في ترجمة صوم يوم النحر أن يكون المسئول عنه يوم النحر وهو مصرح به في رواية يزيد بن زريع المذكورة ولفظه فوافق يوم النحر ومثله في رواية أحمد عن إسماعيل بن علية عن يونس وفي رواية وكيع فوافق يوم أضحى أو فطر وللمصنف في النذور من طريق حكيم عن أبي حرة عن ابن عمر مثله وهو محتمل أن يكون للشك أو للتقسيم قوله أمر الله بوفاء النذر الخ قال الخطابي تورع بن عمر عن قطع الفتيا فيه وأما فقهاء الأمصار فاختلفوا قلت وقد تقدم شرح اختلافهم قبل وتقدم عن بن عمر قريب من هذا في كتاب الحج في باب متى يحل المعتمر وأمره في التورع عن بت الحكم ولا سيما عند تعارض الأدلة مشهور وقال الزين بن المنير يحتمل أن يكون ابن عمر أراد أن كلا من الدليلين يعمل به فيصوم يوما مكان يوم النذر ويترك الصوم يوم العيد فيكون فيه سلف لمن قال بوجوب القضاء وزعم أخوه بن المنير في الحاشية أن بن عمر نبه على أن الوفاء بالنذر عام والمنع من صوم العيد خاص فكأنه أفهمه أنه يقضي بالخاص على العام وتعقبه أخوه بان النهى عن صوم يوم العيد أيضا عموم للمخاطبين ولكل عيد فلا يكون من حمل الخاص على العام ويحتمل أن يكون بن عمر أشار إلى قاعدة أخرى وهي أن الأمر والنهي إذا التقيا في محل واحد أيهما يقدم والراجح يقدم النهى فكأنه قال لاتصم وقال أبو عبد الملك توقف ابن عمر يشعر بان النهى عن صيامه ليس لعينه وقال الداودي المفهوم من كلام بن عمر تقديم النهى لأنه قد روى أمر من نذر أن يمشي في الحج بالركوب فلو كان يجب الوفاء به لم يأمره بالركوب قوله سمعت قزعة بفتح القاف والزاي هو بن يحيى وقد تقدم الكلام على حديث أبي سعيد مفرقا أما سفر المرأة ففي الحج وأما الصلاة بعد الصبح والعصر ففي المواقيت وأما شد الرحال ففي أواخر الصلاة وأما الصوم وهو الغرض من إيراد هذا الحديث هنا فقد تقدم حكمه واستدل به على جواز صيام أيام التشريق للاقتصار فيه على ذكر يومى الفطر والنحر خاصة وسيأتي البحث في ذلك في الباب الذي يليه قوله باب صيام أيام التشريق أي الأيام التي بعد يوم النحر وقد اختلف في كونها يومين أو ثلاثة وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي تنشر في الشمس وقيل لأن الهدى لا ينحر حتى تشرق الشمس وقيل لأن صلاة العيد أنكر عند شروق الشمس وقيل التشريق التكبير دبر كل صلاة وهل تلتحق بيوم النحر في ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال الحج أو يجوز صيامها مطلقا أو للتمتع خاصة أوله ولمن هو في معناه وفي كل ذلك اختلاف للعلماء والراجح عند البخاري جوازها للتمتع فإنه ذكر في الباب حديثي عائشة وابن عمر في جواز ذلك ولم يورد غيره وقد روى بن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقا وعن على وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقا وهو المشهور عن الشافعي وعن بن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه الا للمتمتع الذي لا يجد الهدى وهو قول مالك والشافعي في القديم وعن الأوزاعي وغيره يصومها أيضا المحصر والقارن وحجة من منع حديث نبيشة الهذلي عند مسلم مرفوعا أيام التشريق أيام أكل وشرب وله من

[ 211 ]

حديث كعب بن مالك أيام مني أيام أكل وشرب ومنها حديث عمرو بن العاص انه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق أنها الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومهن وأمر بفطرهن أخرجه أبو داود وابن المنذر وصححه بن خزيمة والحاكم قوله قال لي محمد بن المثنى كأنه لم يصرح فيه بالتحديث لكونه موقوفا على عائشة كما عرف من عادته بالاستقراء ويحيى المذكور في الإسناد هو القطان وهشام هو بن عروة قوله أيام منى في رواية المستملى أيام التشريق بمنى قوله وكان أبوه يصومها هو كلام القطان والضمير لهشام بن عروة وفاعل يصومها هو عروة والضمير فيه لأيام التشريق ووقع في رواية كريمة وكان أبوها وعلى هذا فالضمير لعائشة وفاعل يصومها هو أبو بكر الصديق قوله سمعت عبد الله بن عيسى زاد في رواية الكشميهني بن أبي ليلى وأبو ليلى جد أبيه فهو عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى وهو بن أخي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه المشهور وكان عبد الله أسن من عمه محمد وكان يقال أنه أفضل من عمه وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وأخر في أحاديث الأنبياء من روايته عن جده عبد الرحمن عن كعب بن عجرة قوله عن الزهري في رواية الدارقطني من طريق النضر بن شميل عن شعبة عن عبد الله بن عيسى سمعت الزهري قوله وعن سالم هو من رواية الزهري عن سالم فهو موصول قوله قالا لم يرخص كذا رواه الحفاظ من أصحاب شعبة بضم أوله على البناء لغير معين ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدارقطني واللفظ له والطحاوي رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدى أن يصوم أيام التشريق وقال أن يحيى بن سلام ليس بالقوي ولم يذكر طريق عائشة أخرجه من وجه آخر ضعيف عن الزهري عن عروة عن عائشة وإذا لم تصح هذه الطرق المصرحة بالرفع بقى الأمر على الاحتمال وقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا هل له حكم الرفع على أقوال ثالثها أن إضافة إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فله حكم الرفع وإلا فلا واختلف الترجيح فيما إذا لم يضفه ويلتحق به رخص لنا في كذا وعزم علينا أن لا نفعل كذا كل في الحكم سواء فمن يقول أن له حكم الرفع فغاية ما وقع في رواية يحيى بن سلام أنه روى بالمعنى لكن قال الطحاوي أن قول بن عمر وعائشة لم يرخص أخذاه من عموم قوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج لأن قوله في الحج يعم ما قبل يوم النحر وما بعده فيدخل أيام التشريق فعلى هذا فليس بمرفوع بل هو بطريق الاستنباط منهما عما فهمناه من عموم الآية وقد ثبت نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق وهو عام في حق المتمتع وغيره وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالاذن وعموم الحديث المشعر بالنهي وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الاحاد نظر لو كان الحديث مرفوعا فكيف وفي كونه مرفوعا نظر فعلى هذا يترجح القول بالجواز وإلى هذا جنح البخاري والله أعلم قوله في طريق عبد الله بن عيسى الا لمن لم يجد الهدى في رواية أبي عوانة عن عبد الله بن عيسى عند الطحاوي الا لمتمتع أو محصر قوله في رواية مالك فإن لم يجد في رواية الحموي فمن لم يجد وكذا هو في الموطأ قوله وتابعه إبراهيم بن سعد عن أبن شهاب وصله الشافعي قال أخبرني إبراهيم بن سعد عن بن شهاب عن عروة عن عائشة في المتمتع إذا لم يجد هديا لم يصم قبل عرفة فليصم أيام مني وعن سالم عن أبيه مثله ووصله الطحاوي من وجه آخر عن بن شهاب بالإسنادين بلفظ إنهما كانا يرخصان للمتمتع فذكر مثله

[ 212 ]

لكن قال أيام التشريق وهذا يرجع كونه موقوفا لنسبة الترخيص إليهما فإنه يقوي أحد الاحتمالين في رواية عبد الله بن عيسى حيث قال فيها لم يرخص وأبهم الفاعل فاحتمل أن يكون مرادهما من له الشرع فيكون مرفوعا أو من له مقام الفتوى في الجملة فيحتمل الوقف وقد صرح يحيى بن سلام بنسبه ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإبراهيم بن سعد بنسبه ذلك إلى بن عمر وعائشة ويحيى ضعيف وإبراهيم من الحفاظ فكانت روايته أرجح ويقويه رواية مالك وهو من حفاظ أصحاب الزهري فإنه مجزوم عنه بكونه موقوفا والله أعلم وستدل بهذا الحديث على أن أيام التشريق ثلاثة غير يوم عيد الأضحى لأن يوم العيد لا يصام بالاتفاق وصيام أيام التشريق هي المختلف في جوازها والمستدل بالجواز أخذه من عموم الآية كما تقدم فاقتضى ذلك أنها ثلاثة لأنه القدر الذي تضمنته الآية والله أعلم قوله باب صيام يوم عاشوراء أي ما حكمه وعاشوراء بالمد على المشهور وحكى فيه القصر وزعم بن دريد أنه اسم إسلامي وأنه لا يعرف في الجاهلية ورد ذلك عليه بن دحية بان بن الغلام حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء وبقول عائشة أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه انتهى وهذا الأخير لا دلالة فيه على رد ما قال بن دريد واختلف أهل الشرع في تعيينه فقال الأكثر هو اليوم العاشر قال القرطبي عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة لأنه ماخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة الا إنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة فصار هذا اللفظ علما على اليوم العاشر وذكر أبو منصور الجواليقي أنه لم يسمع فاعولاء إلى هذا وضاروراء وسار وراء ود الولاء من الضار والسار والدال وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر وهذا قول الخليل وغيره وقال الزين بن المنير الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية وقيل هو اليوم التاسع فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية وقيل إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذا من اوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم اوردوها في التاسع قالوا وردنا عشرا بكسر العين وكذلك إلى الثلاثة وروى مسلم من طريق الحكم بن الأعرج انتهيت إلى بن عباس وهو متوسد رداءه فقلت أخبرني عن يوم عاشوراء قال إذا رأيت هلال المحرم فاعدد واصبح يوم التاسع صائما قلت أهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه قال نعم وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع لكن قال الزين بن المنير قوله إذا أصبحت من تاسعه فأصبح يشعر بأنه أراد العاشر لأنه لا يصبح صائما بعد أن مطرف من تاسعه الا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهو الليلة العاشرة قلت ويقوى هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضا من وجه آخر عن بن عبا س أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أداء بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فمات قبل ذلك فإنه ظاهر في أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم العاشر وهم بصوم التاسع فمات قبل ذلك ثم ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر أما احتياطا له وأما مخالفة لليهود والنصارى وهو الارجح وبه يشعر بعض روايات مسلم ولأحمد من وجه آخر عن بن عباس مرفوعا صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود صوموا يوما قبله أو يوما بعده وهذا كان في آخر الأمر وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة

[ 213 ]

أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشئ ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا كما ثبت في الصحيح فهذا من ذلك فوافقهم أو لا وقال نحن أحق بموسى منكم ثم أحب مخالفتهم فأمر بان يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم ويؤيده رواية الترمذي من طريق أخرى بلفظ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء يوم العاشر وقال بعض أهل العلم قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أداء عشت إلى قابل لأصومن التاسع يحتمل أمرين أحدهما أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع والثاني أراد أن يضيفه إليه في الصوم فلما توفي صلى الله عليه وسلم قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب ادناها أن يصام وحده وفوقه أن يصام التاسع معه وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر والله أعلم ثم بدا المصنف بالأخبار الدالة على أنه ليس بواجب ثم بالأخبار الدالة على الترغيب في صيامه الحديث الأول حديث ابن عمر أورده من رواية عمر بن محمد أي بن زيد بن عبد الله بن عمر عن عم أبيه سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه وقد أخرجه مسلم عن أحمد بن عثمان النوفلي عن أبي عاصم شيخ البخاري فيه وصرح بالتحديث في جميع إسناده قوله قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء أن شاء صام كذا وقع في جميع النسخ من البخاري مختصرا وعند بن خزيمة في صحيحه عن أبي موسى عن أبي عاصم بلفظ أن اليوم يوم عاشوراء فمن شاء فليصمه ومن شاء فليفطره وعند الإسماعيلي قال يوم عاشوراء من شاء صامه ومن شاء افطره وفي رواية مسلم ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء فقال كان يوم يصومه أهل الجاهلية فمن شاء صامه ومن شاء تركه وقد تقدم في أول كتاب الصيام من طريق أيوب عن نافع عن بن عمر بلفظ صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك فيحمل حديث سالم على ثاني الحال التي أشار إليها نافع في روايته ويجمع بين الحديثين بذلك الحديث الثاني حديث عائشة من طريقين الأولى طريق الزهري قال أخبرني عروة وهو موافق لرواية نافع المذكورة والثانية من رواية هشام عن أبيه مثله وفيها زيادة أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه في الجاهلية أي قبل أن يهاجر إلى المدينة وافادت تعيين الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء وقد كان أول قدومه المدينة ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء الا في سنة واحدة ثم فوض الأمر في صومه إلى رأى المتطوع فعلى تقدير صحة قول من يدعي أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة ونقل عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فريضة عاشوراء لكن انقرض القائلون بذلك ونقل بن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض والإجماع على أنه مستحب وكان بن عمر يكره قصده بالصوم ثم انقرض القول بذلك وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك ثم رأيت في المجلس الثالث من مجالس الباغندي الكبير عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال اذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك هذا أو معناه الحديث الثالث حديث معاوية من طريق بن شهاب

[ 214 ]

عن حميد بن عبد الرحمن أي بن عوف عنه هكذا رواه مالك وتابعه يونس وصالح بن جلس وابن عيينة وغيرهم وقال الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وقال النعمان بن راشد عن الزهري عن السائب بن يزيد كلاهما عن معاوية والمحفوظ رواية الزهري عن حميد بن عبد الرحمن قاله النسائي وغيره ووقع عند مسلم في رواية يونس عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية قوله عام حج على المنبر زاد يونس بالمدينة وقال في روايته في قدمة قدمها وكأنه تأخر بمكة أو المدينة في حجته إلى يوم عاشوراء وذكر أبو جعفر الطبري أن أول حجة حجها معاوية بعد أن استخلف كانت في سنة أربع وأربعين وأخر حجة حجها سنة سبع وخمسين والذي يظهر أن المراد بها في هذا الحديث الحجة الأخيرة قوله أين علماؤكم في سياق هذه القصة اشعار بان معاوية لم ير لهم اهتماما بصيام عاشوراء فلذلك سأل عن علمائهم أو بلغه عمن يكره صيامه أو يوجبه قوله ولم يكتب الله عليكم صيامه الخ هو كله من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما بينه النسائي في روايته وقد استدل به على أنه لم يكن فرضا قط ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقديم وجوبه أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ثم فسره بأنه شهر رمضان ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخا ويؤيد ذلك أن معاوية إنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم من سنة الفتح والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أوائل العام الثاني ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه ثم تأكد الأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الاطفال وبقول بن مسعود الثابت في مسلم لما فرض رمضان ترك عاشوراء مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق فدل على أن المتروك وجوبه وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقي مطلق استحبابه فلا يخفى ضعفه بل تأكد استحبابه باق ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته صلى الله عليه وسلم حيث يقول أداء عشت لأ صومن التاسع والعاشر ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة وأي تأكيد أبلغ من هذا الحديث الرابع حديث ابن عباس في سبب صيام عاشوراء قوله عن أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه وقع في رواية بن ماجة من وجه آخر عن أيوب عن سعيد بن جبير والمحفوظ أنه عند أيوب بواسطة وكذلك أخرجه مسلم قوله قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم في رواية مسلم فوجد اليهود صياما قوله فقال ما هذا في رواية مسلم فقال لهم ما هذا والمصنف في تفسير طه من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير فسألهم قوله هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم في رواية مسلم هذا يوم عظيم انجى الله فيه موسى وقومه وغرق فرعون وقومه قوله فصامه موسى زاد مسلم في روايته شكر لله تعالى فنحن نصومه والمصنف في الهجرة في رواية أبي بشر ونحن نصومه تعظيما له ولأحمد من طريق شبيل بن عوف عن أبي هريرة نحوه وزاد فيه وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكرا وقد استشكل ظاهر الخبر لا قتضائه أنه صلى الله عليه وسلم حين قدومه المدينة وجد اليهود صياما يوم

[ 215 ]

عاشوراء وإنما قدم المدينة في ربيع الأول والجواب عن ذلك أن المراد أن أول علمه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة لا أنه قبل أن يقدمها علم ذلك وغايته أن في الكلام حذفا تقديره قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء فوجد اليهود فيه صياما ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه صلى الله عليه وسلم المدينة وهذا التأويل مما يترجح به اولوية المسلمين واحقيتهم بموسى عليه الصلاة والسلام لإضلالهم اليوم المذكور وهداية الله للمسلمين له ولكن سياق الأحاديث تدفع هذا التأويل والاعتماد على التأويل الأول ثم وجدت في المعجم الكبير للطبراني مما يؤيد الاحتمال المذكور أو لا وهو ما أخرجه في ترجمة زيد بن ثابت من طريق أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقوله الناس إنما كان يوم تستر فيه الكعبة وكان يدور في السنة وكانوا يأتون فلانا اليهودي يعني ليحسب لهم فلما مات أتوا زيد بن ثابت فسألوه وسنده حسن قال شيخنا الهيثمى في زوائد المسانيد لا أدري ما معنى هذا قلت ظفرت بمعناه في كتاب الآثار القديمة لأبي الريحان البيروني فذكر ما حاصله أن جهلة اليهود يعتمدون في صيامهم واعيادهم حساب النجوم فالسنة عندهم شمسية لا هلالية قلت فمن ثم احتاجوا إلى من يعرف الحساب ليعتمدوا عليه في ذلك قوله وأمر بصيامه للمصنف في تفسير يونس من طريق أبي بشر أيضا فقال لأصحابه أنتم أحق بموسى منهم فصوموا واستشكل رجوعه إليهم في ذلك وأجاب المازري باحتمال أن يكون أوحى إليه بصدقهم أو تواتر عنده الخبر بذلك زاد عياض أو أخبره به من أسلم منهم كابن سلام ثم قال ليس في الخبر أنه ابتدا الأمر بصيامه بل في حديث عائشة التصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك فغاية ما في القصة أنه لم يحدث له بقول اليهود تجديد حكم وإنما هي صفة حال وجواب سؤال ولم تختلف الروايات عن ابن عباس في ذلك ولا مخالفة بينه وبين حديث عائشة أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه كما تقدم إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك قال القرطبي لعل قريشا كانوا يستندون في صومه إلى شرع ما مضى كإبراهيم وصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما في الحج أو أذن الله له في صيامه على أنه فعل خير فلما هاجر ووجد اليهود يصومونه وسالهم وصامه وأمر بصيامه احتمل ذلك أن يكون ذلك استئلافا لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم ويحتمل غير ذلك وعلى كل حال فلم يصمه اقتداء بهم فإنه كان يصومه قبل ذلك وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه وقد أخرج مسلم من طريق أبي غطفان بفتح المعجمة ثم المهملة بعدها فاء بن طريف بمهملة وزن عظيم سمعت بن عباس يقوم صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا أنه يوم تعظمه اليهود والنصارى الحديث واستشكل بان التعليل بنجاة موسى وغرق فرعون يختص بموسى واليهود وأجيب باحتمال أن يكون عيسى كان يصومه وهو مما لم ينسخ من شريعة موسى لأن كثيرا منها ما نسخ بشريعة عيسى لقوله تعالى ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ويقال أن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من التوراة وقد أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس زيادة في سبب صيام اليهود له وحاصلها أن السفينة استوت على الجودي فيه فصامه

[ 216 ]

نوح وموسى شكرا وقد تقدمت الإشارة لذلك قريبا وكان ذكر موسى دون غيره هنا لمشاركته لنوح في النجاة وغرق بالضالين الحديث الخامس حديث أبي موسى وهو الأشعري قال كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم فصوموه أنتم وفي رواية مسلم كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود تتخذه عيدا فظاهره أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه لأن يوم العيد لا يصام وحديث بن عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى لكن لا يلزم من تعظيمهم له واعتقادهم بأنه عيد إنهم كانوا لا يصومونه فلعلهم كان من جملة تعظيمهم في شرعهم أن يصوموه وقد ورد ذلك صريحا في حديث أبي موسى هذا فيما أخرجه المصنف في الهجرة بلفظ وإذا أناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه ولمسلم من وجه آخر عن قيس بن مسلم شوال قال كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم وهو بالشين المعجمة أي هيئتهم الحسنة وقوله هذا يوم الإشارة إلى نوع اليوم لا إلى شخصه ومثله قوله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة فيما ذكره الفخر الرازي في تفسيره الحديث السادس حديث بن عباس أيضا من طريق بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد وقد رواه أحمد عن بن عيينة قال أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد منذ سبعين سنة قوله ما رأيت الخ هذا يقتضى أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصائم بعد رمضان لكن بن عباس أسند ذلك إلى علمه فليس فيه ما يرد علم غيره وقد روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعا أن صوم عاشوراء يكفر سنة وأن صيام يوم عرفة يكفر سنتين وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء وقد قيل في الحكمة في ذلك أن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى عليه السلام ويوم عرفة منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك كان أفضل قوله يتحرى أي يقصد قوله وهذا الشهر يعني شهر رمضان كذا ثبت في جميع الروايات وكذا هو عند مسلم وغيره وكأن بن عباس اقتصر على قوله وهذا الشهر وأشار بذلك إلى شئ مذكور كأنه تقدم ذكر رمضان وذكر عاشوراء أو كانت المقالة في أحد الزمانين وذكر الآخر فلهذا قال الراوي عنه يعني رمضان أو أخذه الراوي من جهة الحصر في أن لا شهر يصام الا رمضان لما تقدم له عن ابن عباس أنه كان يقول لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم صام شهرا كاملا الا رمضان وإنما جمع ابن عباس بين عاشوراء ورمضان وأن كان أحدهما واجبا والآخر مندوبا لاشتراكهما في حصول النصارى لأن معنى يتحرى أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه الحديث السابع حديث سلمة بن الأكوع في الامر بصوم عاشوراء وقد تقدم في اثناء الصيام في باب إذا نوى بالنهار صوما وأخرجه عاليا أيضا ثلاثيا وقد تقدم الكلام عليه هناك واستدل به على أجزاء الصوم بغير نية لمن طرا عليه العلم بوجوب صوم ذلك اليوم كمن ثبت عنده في اثناء النهار أنه من رمضان فإنه يتم صومه ويجزئه وقد تقدم البحث في ذلك والرد على من ذهب إليه وأن عند أبي داود وغيره أمر من كان أكل بقضاء ذلك اليوم مع الأمر بامساكه والله أعلم خاتمة اشتمل كتاب الصيام من أوله إلى هنا على مائة وسبعة وخمسين حديثا المعلق منها ستة وثلاثون حديثا والبقية موصولة والمكرر منها فيه وفيما مضى ثمانية وستون حديثا والخالص تسعة وثمانون حديثا وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة من لم يدع قول الزور وحديث عمار في صوم يوم الشك

[ 217 ]

وحديث أنس آلى من نسائه وحديث أبي هريرة في الأمر بفطر الجنب وحديث عامر بن ربيعة في السواك وحديث عائشة السواك مطهرة للفم وحديث أبي هريرة لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء فالذي خرجه مسلم بلفظ عند كل صلاة وحديث جابر فيه وحديث زيد بن خالد فيه وحديث أبي هريرة من أفطر في رمضان وحديث الحسن عن غير واحد أفطر الحاجم والمحجوم وجميع ذلك سوى الأول معلقات وحديث بن عباس احتجم وهو صائم وحديث أنس في كراهة الحجامة للصائم وحديث بن عمر في نسخ وعلى الذين يطيقونه وحديث سلمة بن الأكوع في ذلك وحديث بن أبي ليلى عن الصحابي في تحويل الصيام وحديث أبي هريرة في التفريط وحديث النهى عن الوصال إبقاء عليهم وهذه الثلاثة معلقات وحديث أبي سعيد في النهى عن الوصال وحديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء وحديث أنس في الدخول على أم سليم وحديث جويرية في صوم يوم الجمعة وحديث بن عمر في نذر صوم يوم العيد وحديثه في صيام أيام التشريق وحديث عائشة في ذلك على شك في رفعهما وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين ستون أثرا أكثرها معلق واليسير منها موصول والله أعلم بسم الله الرحمن الرحيم كتاب صلاة التراويح كذا في رواية المستملى وحده وسقط هو والبسملة من رواية غيره والتراويح جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة كتسليمة من السلام وسميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين وقد عقد محمد بن نصر في قيام الليل بابين لمن استحب التطوع لنفسه بين كل ترويحتين ولمن كره ذلك وحكى فيه عن يحيى بن بكير عن الليث إنهم كانوا يستريحون قدر ما يصلي الرجل كذا كذا ركعة قوله باب فضل من قام رمضان أي قام لياليه مصليا والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام كما قدمناه في التهجد سواء وذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح يعني أنه يحصل بها المطلوب من القيام لا أن قيام رمضان لا يكون الا بها وأغرب الكرماني فقال اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح قوله عن بن شهاب في رواية بن القاسم عند النسائي عن مالك حدثني بن شهاب قوله أخبرني أبو سلمة كذا رواه عقيل وتابعه يونس وشعيب وابن أبي ذئب ومعمر وغيرهم وخالفه مالك فقال عن بن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بدل أبي سلمة وقد صح الطريقان عند البخاري فاخرجهما على الولاء وقد أخرجه النسائي من طريق جويرية بن أسماء عن مالك عن الزهري عنهما جميعا وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه وصحح الطريقين وحكى أن أبا همام رواه عن بن عيينة عن الزهري فخالف الجماعة فقال عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وخالفه أصحاب سفيان فقالوا عن أبي سلمة وقد رواه النسائي من طريق سعيد بن أبي هلال عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب مرسلا قوله يقول لرمضان أي لفضل رمضان أو لأجل رمضان ويحتمل أن تكون اللام بمعنى عن أي يقول عن رمضان قوله ايمانا أي تصديقا بوعد الله بالثواب عليه واحتسابا أي طلبا للأجر لا لقصد آخر من رياء أو نحوه قوله ورجاله له ظاهره يتناول الصغائر والكبائر وبه جزم بن المنذر وقال النووي المعروف أنه يختص بالصغائر

[ 218 ]

وبه جزم إمام الحرمين وعزاه عياض لأهل السنة قال بعضهم ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة قوله ما تقدم من ذنبه زاد قتيبة عن سفيان عند النسائي وما تأخر وكذا زادها حامد بن يحيى عند قاسم بن أصبغ والحسين بن الحسن المروزي في كتاب الصيام له وهشام بن عمار في الجزء الثاني عشر من فوائده ويوسف بن يعقوب النجاحي في فوائده كلهم عن بن عيينة ووردت هذه الزيادة من طريق أبي سلمة من وجه آخر أخرجها أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وعن ثابت عن الحسن كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ووقعت هذه الزيادة من رواية مالك نفسه أخرجها أبو عبد الله الجرجاني في اماليه من طريق بحر بن نصر عن بن وهب عن مالك ويونس عن الزهري ولم يتابع بحر بن نصر على ذلك أحد من أصحاب بن وهب ولا من أصحاب مالك ابن يونس سوى ما قدمناه وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب عدة أحاديث جمعتها في كتاب مفرد وقد استشكلت هذه الزيادة من حيث أن المغفرة تستدعى سبق شئ يغفر والمتاخر من الذنوب لم يأت فكيف يغفر والجواب عن ذلك يأتي في قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله عز وجل أنه قال في أهل بدر اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ومحصل الجواب أنه قيل أنه كناية عن حفظهم من الكبائر فلا أنكر منهم كبيرة بعد ذلك وقيل أن معناه أن ذنوبهم أنكر مغفورة وبهذا أجاب جماعة منهم الماوردي في الكلام على حديث صيام عرفة وأنه يكفر سنتين سنة ماضية وسنة اتية قوله قال بن شهاب فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في رواية الكشميهني والأمر على ذلك أي على ترك الجماعة في التراويح ولأحمد من رواية بن أبي ذئب عن الزهري في هذا الحديث ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الناس على القيام وقد ادرج بعضهم قول بن شهاب في نفس الخبر أخرجه الترمذي من طريق معمر عن بن شهاب وأما ما رواه بن وهب عن أبي هريرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد فقال ما هذا فقيل ناس يصلي بهم أبي بن كعب فقال أصابوا ونعم ما صنعوا ذكره بن عبد البر وفيه مسلم بن خالد وهو ضعيف والمحفوظ أن عمر هو الذي جمع الناس على أبي بن كعب قوله وعن بن شهاب هو موصول بالإسناد المذكور أيضا وهو في الموطأ بالاسنادين لكن فرقهما حديثين وقد ادرج بعض الرواة قصة عمر في الإسناد الأول أخرجه إسحاق في مسنده عن عبد الله بن الحارث المخزومي عن يونس عن الزهري فزاد بعد قوله وصدرا من خلافة عمر حتى جمعهم عمر على أبي بن كعب فقام بهم في رمضان فكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان وجزم الذهلي في علل حديث الزهري بأنه وهم من عبد الله بن الحارث والمحفوظ رواية مالك ومن تابعه وأن قصة عمر عند بن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد وهو بغير إضافة لا عن أبي سلمة قوله اوزاع بسكون الواو بعدها زاى أي جماعة متفرقون وقوله في الرواية متفرقون تأكيد لفظي وقوله يصلي الرجل لنفسه بيان لما أجمل أو لا وحاصله أن بعضهم كان يصلي منفردا وبعضهم يصلي جماعة قيل يؤخذ منه جواز الائتمام بالمصلى وأن لم ينو الإمامة قوله أمثل قال بن التين وغيره استنبط عمر ذلك من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم من صلى معه في تلك الليالي وأن كان كره ذلك لهم فإنما كرهه خشية أن يفرض عليهم وكأن هذا هو السر في إيراد البخاري لحديث عائشة عقب حديث عمر فلما مات

[ 219 ]

النبي صلى الله عليه وسلم حصل الأمن من ذلك ورجح عند عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق الكلمة ولان الاجتماع على واحد انشط لكثير من المصلين وإلى قول عمر جنح الجمهور وعن مالك في إحدى الرواتين وأبي يوسف وبعض الشافعية الصلاة في البيوت أفضل وأشار بعموم قوله صلى الله عليه وسلم أفضل صلاة المرء في بيته الا المكتوبة وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وبالغ الطحاوي فقال أن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية وقال ابن بطال قيام رمضان سنة لأن عمر إنما أخذه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإنما تركه النبي صلى الله عليه وسلم خشية الافتراض وعند الشافعية في أصل المسألة ثلاثة أوجه ثالثها من كان يحفظ القرآن ولا يخاف من الكسل ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه فصلاته في الجماعة والبيت سواء فمن فقد بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل قوله فجمعهم على أبي بن كعب أي جعله لهم إماما وكأنه اختاره وأشار بقوله صلى الله عليه وسلم يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله وسيأتي في تفسير البقرة قول عمر اقرؤنا أبي وروى سعيد بن منصور من طريق عروة أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي بالرجال وكان تميم الداري يصلي بالنساء ورواه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل له من هذا الوجه فقال سليمان بن أبي حثمة بدل تميم الداري ولعل ذلك كان في وقتين قوله فخرج ليلة والناس يصلون بصلاة قارئهم أي إمامهم المذكور وفيه اشعار بان عمر كان لا يواظب على الصلاة معهم وكأنه كان يرى أن الصلاة في بيته ولا سيما في آخر الليل أفضل وقد روى محمد بن نصر في قيام الليل من طريق طاوس عن بن عباس قال كنت عند عمر في المسجد فسمع هيعة الناس فقال ما هذا قيل خرجوا من المسجد وذلك في رمضان فقال ما بقي من الليل أحب إلى مما مضى ومن طريق عكرمة عن بن عباس نحوه من قوله قوله قال عمر نعم البدعة في بعض الروايات نعمت البدعة بزياة تاء والبدعة أصلها ما حالا على غير مثال سابق وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة والتحقيق أنها أن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وأن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة قوله والتي ينامون عنها أفضل هذا تصريح منه بان الصلاة في آخر الليل أفضل من أوله لكن ليس فيه أن الصلاة في قيام الليل فرادى أفضل من التجميع تكميل لم يقع في هذه الرواية عدد الركعات التي كان يصلي بها أبي بن كعب وقد اختلف في ذلك ففي الموطأ عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنها إحدى عشرة ورواه سعيد بن منصور من وجه آخر وزاد فيه وكانوا يقرؤون بالمائتين ويقومون على العصي من المريض القيام ورواه محمد بن نصر المروزي من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن يوسف فقال ثلاث عشرة ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمد بن يوسف فقال إحدى وعشرين وروى مالك من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عشرين ركعة وهذا أمرهم على غير الوتر وعن يزيد بن رومان قال كان الناس يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين وروى محمد ابن نصر من طريق عطاء قال ادركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها صلاية يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس وبذلك جزم الداودي

[ 220 ]

وغيره والعدد الأول موافق لحديث عائشة المذكور بعد هذا الحديث في الباب والثاني قريب منه والاختلاف فيما زاد عن العشرين راجح إلى الاختلاف في الوتر وكأنه كان تارة يوتر بواحدة وتارة بثلاث وروى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز يعني بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث وقال مالك هو الأمر القديم عندنا وعن الزعفراني عن الشافعي رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين وليس في شئ من ذلك ضيق وعنه قال أن اطالوا القيام واقلوا السجود فحسن وأن أكثروا السجود واخفوا القراءة فحسن والأول أحب إلى وقال الترمذي أكثر ما قيل فيه أنها تصلي إحدى وأربعين ركعة يعني بالوتر كذا قال وقد نقل ابن عبد البر عن الأسود بن يزيد تصلي أربعين ويوتر بسبع وقيل ثمان وثلاثين ذكره محمد بن نصر عن بن أيمن عن مالك وهذا يمكن رده إلى الأول بانضمام ثلاث الوتر لكن صرح في روايته بأنه يوتر بواحدة فتكون أربعين الا واحدة قال مالك وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة وعن مالك ست وأربعين وثلاث الوتر وهذا هو المشهور عنه وقد رواه بن وهب عن العمري عن نافع قال لم أدرك الناس الا وهم يصلون تسعا وثلاثين يوترون منها بثلاث وعن زرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم بالبصرة أربعا وثلاثين ويوتر وعن سعيد بن جبير أربعا وعشرين وقيل ست عشرة غير الوتر روى عن أبي مجلز عند محمد بن نصر وأخرج من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد بن يوسف عن جده السائب بن يزيد قال كنا نصلي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة قال بن إسحاق وهذا أثبت ما سمعت في ذلك وهو موافق لحديث عائشة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من الليل والله أعلم قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى وذلك في رمضان هكذا أورده مقتصرا على شئ من أوله وشئ من آخره وقد أورده تاما في أبواب التهجد بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس فذكر الحديث إلى قوله خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان وقد تقدم شرحه مستوفى هناك قوله خشيت أن تفرض عليكم قال بن المنير في الحاشية يؤخذ منه أن الشروع ملزم إذ لا تظهر مناسبة بين كونهم يفعلون ذلك ويفرض عليهم الا ذلك انتهى وفيه نظر لأنه يحتمل أن يكون السبب في ذلك الظهور اقتدارهم على ذلك من غير تكلف فيفرض عليهم قوله في آخر طريق عقيل فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك هذه الزيادة من قول الزهري كما بينته في الكلام على الحديث الأول قوله ما كان يزيد في رمضان الخ تقدم الكلام عليه مستوفى في أبواب التهجد وأما ما رواه بن أبي شيبة من حديث بن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر فإسناده ضعيف وقد عارضه حديث عائشة هذا الذي في الصحيحين مع كونها أعلم بحال النبي صلى الله عليه وسلم ليلا من غيرها والله أعلم قوله باب فضل ليلة القدر وقال الله تعالى أنا أنزلناه في ليلى القدر وما إدراك ما ليلة القدر إلى آخر السورة ثبت في رواية أبي ذر قبل الباب بسملة وفي رواية غيره

[ 221 ]

وقول الله عز وجل أي تفسير قول الله وساق في رواية كريمة السورة كلها ومناسبة ذلك للترجمة من جهة أن نزول القرآن في زمان بعينه يقتضى فضل ذلك الزمان والضمير في قوله إنا انزلناه للقرآن لقوله تعالى شهر رمضان الذي انزل فيه القران ومما تضمنته السورة من فضل ليلة القدر تنزل الملائكة فيها وسيأتي في التفسير ذكر الاختلاف في سبب نزولها وغير ذلك من تفسيرها واختلف في المراد بالقدر الذي اضيفت إليه الليلة فقيل المراد به التعظيم كقوله تعالى وما قدروا الله حق قدره والمعنى أنها ذات قدر لنزول القرآن فيها أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر وقيل القدر هنا التضييق كقوله تعالى ومن قدر عليه رزقه ومعنى التضييق فيها اخفاؤها عن العلم بتعيينها أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة وقيل القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخى القضاء والمعنى أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة لقوله تعالى فيها يفرق كل أمر حكيم وبه صدر النووي كلامه فقال قال العلماء سميت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الاقدار لقوله تعالى فيها يفرق كل أمر حكيم ورواه عبد الرزاق وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم وقال التوربشتى إنما جاء القدر بسكون الدال وأن كان الشائع في القدر الذي هو مؤاخى القضاء فتح الدال ليعلم أنه لم يرد به ذلك وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة لتحصيل ما يلقى إليهم فيها مقدارا بمقدار قوله قال بن عيينة الخ وصله محمد بن يحيى بن أبي عمر في كتاب الإيمان له من رواية أبي حاتم الرازي عنه قال حدثنا سفيان بن عيينة فذكره بلفظ كل شئ في القرآن وما إدراك فقد أخبره به وكل شئ فيه وما يدرك فلم يخبره به انتهى وعزاه مغلطاي فيما قرأت بخطه لتفسير بن عيينة رواية سعيد بن عبد الرحمن عنه وقد راجعت منه نسخة بخط الحافظ الضياء فلم أجده فيه ومقصود بن عيينة أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف تعيين ليلة القدر وقد تعقب هذا الحصر بقوله تعالى لعله يزكى فإنها نزلت في بن أم مكتوم وقد علم صلى الله عليه وسلم بحاله وأنه ممن تزكى ونفعته الذكرى قوله حفظناه من الزهري أيما حفظ برفع أي وما زائدة وهو مبتدأ وخبره محذوف تقديره حفظ ومن الزهري متعلق بحفظناه وروى بنصب أيما على أنه مفعول مطلق لحفظ المقدر قوله من صام رمضان تقدم في الباب قبله من رواية مالك عن الزهري بسنده بلفظ قام بدل صام وتقدم الكلام عليه وزاد بن عيينة في روايته هنا ومن قام ليلة القدر الخ قوله تابعه سليمان بن كثير عن الزهري وصله الذهلي في الزهريات وقد تقدم شرحه في الباب قبله وسنذكر بقية الكلام على ليلة القدر قريبا قوله باب التماس ليلة القدر في السبع الاواخر في رواية الكشميهني التمسوا بصيغة الأمر وهذه الترجمة والتي بعدها وهي تحرى ليلة القدر معقودتان لبيان ليلة القدر وقد اختلف الناس فيها على مذاهب كثيرة سأذكرها مفصلة بعد الفراغ من شرح أحاديث البابين قوله أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم اقف على تسمية أحد من هؤلاء قوله اروا ليلة القدر اروا بضم أوله على البناء للمجهول أي قيل لهم في المنام أنها في السبع الأواخر والظاهر أن المراد به أو اخر الشهر وقيل المراد به السبع إلى أولها ليلة الثاني والعشرين واخرها ليلة الثامن والعشرين فعلى الأول لا الخطبة ليلة إحدى وعشرين ولا ثلاث وعشرين وعلى الثاني الخطبة الثانية فقط

[ 222 ]

ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين وقد رواه المصنف في التعبير من طريق الزهري عن سالم عن أبيه أن ناسا اروا ليلة القدر في السبع الأواخر وأن ناسا اروا أنها في العشر الأواخر فقال النبي صلى الله عليه وسلم التمسوها في السبع الأواخر وكأنه صلى الله عليه وسلم نظر إلى المتفق عليه الروايتين فأمر به وقد رواه أحمد عن بن عيينة عن الزهري بلفظ رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم التمسوها في العشر البواقي في الوتر منها ورواه أحمد من حديث على مرفوعا أن غلبتم فلا تغلبوا في السبع البواقي ولمسلم عن جبلة بن سحيم عن بن عمر بلفظ من كان يلتمسها فيلتمسها في العشر الأواخر ولمسلم من طريق عقبة بن حريث عن بن عمر التمسوها في العشر الأواخر فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي وهذا السياق يرجح الاحتمال الأول من تفسير السبع قوله أرى بفتحتين أي أعلم والمراد أبصر مجازا قوله رؤياكم قال عياض كذا جاء بإفراد الرؤيا والمراد مرائيكم لأنها لم تكن رؤيا واحدة وإنما أراد الجنس وقال ابن التين كذا روى بتوحيد الرؤيا وهو جائز لأنها مصدر قال وافصح منه رؤاكم جمع رؤيا ليكون جمعا في مقابلة جمع قوله تواطأت بالهمزة أي توافقت وزنا ومعنى وقال بن التين روى بغير همز والصواب بالهمز وأصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطء صاحبه وفي هذا الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية بشرط أن لا يخالف القواعد الشرعية وسنذكر بسط القول في أحكام الرؤيا في كتاب التعبير أن شاء الله تعالى قوله حدثنا هشام هو الدستوائي ويحيى هو بن أبي كثير ويأتي في الاعتكاف من طريق على بن المبارك عن يحيى سمعت أبا سلمة قوله سألت أبا سعيد وكان لي صديقا فقال اعتكفنا لم يذكر المسئول عنه في هذه الطريق وفي رواية على المذكورة سألت أبا سعيد هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ليلة القدر فقال نعم فذكر الحديث ولمسلم من طريق معمر عن يحيى تذاكرنا ليلة القدر في نفر من قريش فأتيت أبا سعيد فذكره وفي رواية همام عن يحيى في باب السجود في الماء والطين ومن صفة الصلاة انطلقت إلى أبي سعيد فقلت الا تخرج بنا إلى النخل فنتحدث فخرج فقلت حدثني ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر فافاد بيان سبب السؤال وفيه تأنيس الطالب للشيخ في طلب الاختلاء به ليتمكن مما يريد من مسألته قوله اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط هكذا وقع في أكثر الروايات والمراد بالعشر الليالي وكان من حقها أن توصف بلفظ التأنيث لكن وصفت بالمذكر على إرادة الوقت أو الزمان أو التقدير الثلث كأنه قال الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر ووقع في الموطأ العشر الوسط بضم الواو والسين جمع وسطى ويروي بفتح السين مثل كبر وكبرى ورواه الباجي في الموطأ بإسكانها على أنه جمع واسط كبازل وبزل وهذا يوافق رواية الأوسط ووقع في رواية محمد بن إبراهيم في الباب الذي يليه كان يجاور العشر التي في وسط الشهر وفي وراية مالك الآتية في أول الاعتكاف كان يعتكف والاعتكاف مجاوره مخصوصة ولمسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد أعتكف العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له فلما انقضين أمر بالبناء فقوض ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر فأمر بالبناء فأعيد وزاد في رواية عمارة بن غزية عن محمد بن إبراهيم أنه

[ 223 ]

أعتكف العشر الأول ثم أعتكف العشر الأوسط ثم أعتكف العشر الأواخر ومثله في رواية همام المذكورة وزاد فيها أن جبريل أتاه في المرتين فقال له أن الذي تطلب أمامك وهو بفتح الهمزة والميم أي قدامك قال الطيبي وصف الأول والاوسط بالمفرد والاخير بالجمع إشارة إلى تصوير ليلة القدر في كل ليلة من ليالي العشر الأخير دون الأولين قوله فخرج صبيحة عشرين فخطبنا في رواية مالك المذكورة حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه وظاهره يخالف رواية الباب ومقتضاه أن خطبته وقعت في أول اليوم الحادي والعشرين وعلى هذا يكون أول ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين وهو مغاير لقوله في آخر الحديث فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين فإنه ظاهر في أن الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين ووقوع المطر كان في ليلة إحدى وعشرين وهو الموافق لبقية الطرق وعلى هذا فكأن قوله في رواية مالك المذكورة وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها أي من الصبح الذي قبلها ويكون في إضافة الصبح إليها تجوز وقد أطال بن دحية في تقرير أن الليلة تضاف لليوم الذي قبلها ورد على من منع ذلك ولكن لم يوافق على ذلك فقال بن حزم رواية بن أبي حازم والدراوردي يعني رواية حديث الباب مستقيمة ورواية مالك مشكلة وأشار إلى تأويلها بنحو مما ذكرته ويؤيده أن في رواية الباب الذي يليه فإذا كان حين يمسي من عشرين ليله تمضى ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه وهذا في غاية الإيضاح وأفاد بن عبد البر في الاستذكار أن الرواة عن مالك اختلفوا عليه في لفظ الحديث فقال بعد ذكر الحديث هكذا رواه يحيى بن يحيى ويحيى بن بكير والشافعي عن مالك يخرج في صبيحتها من اعتكافه ورواه بن القاسم وابن وهب والقعنبي وجماعة عن مالك فقالوا وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه قال وقد روى بن وهب وابن عبد الحكم عن مالك فقال من أعتكف أول الشهر أو وسطه فإنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه ومن أعتكف في آخر الشهر فلا ينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد قال بن عبد البر ولا خلاف في الأول وإنما الخلاف فيمن أعتكف العشر الأخير هل يخرج إذا غابت الشمس اولا يخرج حتى يصبح قال وأظن الوهم دخل من وقت خروج المعتكف قلت وهو بعيد لما قرره هو من بيان محل الاختلاف وقد وجه شيخنا الإمام البلقيني رواية الباب بان معنى قوله حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين أي حتى إذا كان المستقبل من الليالي ليلة إحدى وعشرين وقوله وهي الليلة التي يخرج الضمير يعود على الليلة الماضية ويؤيد هذا قوله من كان أعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر لأنه لا يتم ذلك الا بإدخال الليلة الأولى قوله اريت بضم أوله على البناء لغير معين وهي من الرؤيا أي أعلمت بها أو من الرؤية أي ابصرتها وإنما أرى علامتها وهو السجود في الماء والطين كما وقع في رواية همام المشار إليها بلفظ حتى رأيت أثر الماء والطين على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديق رؤياه قوله ثم تصبغه أو نسيتها شك من الراوي هل أنساه غيره إياها أو نسيها هو من غير واسطة ومنهم من ضبط نسيتها بضم أوله والتشديد فهو بمعنى تصبغه والمراد أنه أنسى علم تعيينها في تلك السنة وسيأتي سبب النسيان في هذه القصة في حديث عبادة بن الصامت بعد باب قوله أني اسجد في

[ 224 ]

رواية الكشميهني أن اسجد قوله فمن كان أعتكف معي فليرجع في رواية همام المذكورة من أعتكف مع النبي وفيه التفات قوله قزعة بفتح القاف والزاي أي قطعة من سحاب رقيقة قوله فمطرت بفتحتين في الباب الذي يليه من وجه آخر فاستهلت السماء فامطرت قوله حتى سأل سقف المسجد في رواية مالك فوكف المسجد أي قطر الماء من سقفه وكان على عريش أي مثل العريش وإلا فالعريش هو نفس سقفه والمراد أنه كان بالجريد والخوص ولم يكن محكم البناء بحيث يكن من المطر الكثير قوله يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته وفي رواية مالك على جبهته أثر الماء والطين وفي رواية بن أبي حازم في الباب الذي يليه انصرف من الصبح ووجهه ممتلئ طينا وماء وهذا يشعر بان قوله أثر الماء والطين لم يرد به محض الأثر وهو ما يبقى بعد إزالة العين وقد مضى البحث في ذلك في صفة الصلاة وفي حديث أبي سعيد من الفوائد ترك مسح جبهة المصلي والسجود على الحائل وحمله الجمهور على الأثر الخفيف لكن يعكر عليه قوله في بعض طرقه ووجهه ممتلئ طينا وماء وأجاب النووي بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة وفيه جواز السجود في الطين وقد تقدم أكثر ذلك في أبواب الصلاة وفيه الأمر بطلب الأولى والارشاد إلى تحصيل الأفضل وأن النسيان جائز على النبي صلى الله عليه وسلم ولا نقص عليه في ذلك لا سيما فيما لم يؤذن له في تبليغه وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلق بالتشريع كما في السهو في الصلاة أو بالاجتهاد في العبادة كما في هذه القصة لأن ليلة القدر لو عينت في ليلة بعينها حصل الاقتصار عليها ففاتت العبادة في غيرها وكان هذا هو المراد بقوله عسى أن يكون خيرا لكم كما سيأتي في حديث عبادة وفيه استعمال رمضان بدون شهر واستحباب الاعتكاف فيه وترجيح اعتكاف العشر الأخير وأن من الرؤيا ما يقع تعبيره مطابقا وترتب الأحكام على رؤيا الأنبياء وفي أول قصة أبي سلمة مع أبي سعيد المشي في طلب العلم وايثار المواضع الخالية للسؤال وإجابة السائل لذلك واجتناب المشقة في الاستفادة وابتداء الطالب بالسؤال وتقديم الخطبة على التعليم وتقريب البعيد في الطاعة وتسهيل المشقة فيها بحسن التلطف والتدريج إليها قيل ويستنبط منه جواز تغيير مادة البناء من الاوقاف بما هو أقوى منها وانفع قوله باب تحرى ليلة القدر في الوتر من العشر الاواخر في هذه الترجمة إشارة إلى رجحان كون ليلة القدر منحصرة في رمضان ثم في العشر الأخير منه ثم في أوتاره لا في ليلة منه بعينها وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها وقد ورد لليلة القدر علامات أكثرها لا تظهر الا بعد أن تمضى منها في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها وفي رواية لأحمد من حديثه مثل الطست ونحوه لأحمد من طريق بن عون عن بن مسعود وزاد صافية ومن حديث بن عباس نحوه ولابن خزيمة من حديثه مرفوعا ليلة القدر طلقة لا حارة ولا باردة تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة ولأحمد من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا أنها صافية بلجة كان فيها قمرا ساطعا ساكنة صاحية لا حر فيها ولا برد ولا يحل لكوكب يرمي به فيها ومن إماراتها أن الشمس في صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر ولا يحل الشيطان أن يخرج معها يومئذ ولابن أبي شيبة من حديث بن مسعود أيضا أن الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان الا صبيحة ليلة القدر

[ 225 ]

وله من حديث جابر بن سمرة مرفوعا ليلة القدر ليلة مطر وريح ولابن خزيمة من حديث جابر مرفوعا في ليلة القدر وهي ليلة طلقة بلجة لا حارة ولا باردة تتضح كواكبها ولا يخرج شيطانها حتى يضئ فجرها ومن طريق قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة مرفوعا وأن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصي وروى بن أبي حاتم من طريق مجاهد لا يرسل فيها شيطان ولا يحدث فيها داء ومن طريق الضحاك يقبل الله التوبة فيها من كل تائب وتفتح فيها أبواب السماء وهي من غروب الشمس إلى طلوعها وذكر الطبري عن قوم أن الأشجار في تلك الليلة تسقط إلى الأرض ثم تعود إلى منابتها وأن كل شئ يسجد فيها وروى البيهقي في فضائل الأوقات من طريق الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة أنه سمعه يقول أن المياه المالحة تعذب تلك الليلة وروى بن عبد البر من طريق زهرة بن معبد نحوه قوله فيه عبادة أن يدخل في هذا الباب حديث عبادة ابن الصامت وأشار إلى ما أخرجه في الباب الذي يليه بلفظ التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث الأول حديث عائشة أورده من وجهين وفصل بينهما بحديث أبي سعيد فالوجه الأول قوله أبو سهيل عن أبيه هو نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي وليس لأبيه في الصحيح عن عائشة غير هذا الحديث والوجه الثاني قوله حدثنا يحيى هو القطان عن هشام هو بن عروة ووقع في رواية يوسف القاضي في كتاب الصيام حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا هشام أخرجه أبو نعيم من طريقه ومن طريق مسند أحمد عن يحيى أيضا أخرجه الاسماعيلي من طريق بن زنجويه عن أحمد فأدخل بين يحيى وهشام شعبة وهو غريب وقد أخرجه الاسماعيلي من وجهين عن يحيى عن هشام بغير واسطة مصرحا فيه بالتحديث بينهما قوله كان يجاور أي يعتكف وقوله العشر التي في وسط الشهر حذف الظرف في رواية الكشميهني وقوله يمضين في رواية الكشميهني تمضى بالمثناة وحذف النون قوله فليثبت كذا للأكثر من الثبات وفي رواية فليلبث من اللبث ومعناهما متقارب قوله فابتغوها بالغين المعجمة وتقديم الموحدة الحديث الثالث حديث بن عباس أورده من أوجه قوله فبصرت بفتح الموحدة وضم المهملة وذكر العين بعد البصر تأكيد كقوله أخذت بيدي وإنما يقال ذلك في أمر مستغرب إظهارا للتعجب من حصوله قوله التمسوا كذا اقتصر على هذه اللفظة من الخبر وكأنه أحال ببقيته على الطريق التي بعدها وهي طريق عبدة عن هشام ولفظه تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان وهو مشعر بأنهما متفقان الا في هذه اللفظة فقال يحيى التمسوا وقال عبدة تحروا وعلى ذلك اعتمد المزي وغيره من أصحاب الأطراف فترجموا لرواية يحيى كذلك ولكن لفظ يحيى عند أحمد وسائر من ذكرت قبل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر ويقول التمسوها في العشر الأواخر يعني ليلة القدر وبين اللفظين من التغاير ما لا يخفى قوله حدثني محمد أخبرنا عبدة محمد هو بن سلام كما جزم به أبو نعيم في المستخرج ويحتمل أن يكون هو محمد بن المثنى فيكون الحديث عنده عن يحيى وعبدة معا فساقه البخاري عنه على لفظ أحدهما ولم يقع في شئ من طرق هشام في هذا الحديث التقيد بالوتر وكأن البخاري أشار بإدخاله في الترجمة إلى أن مطلقه يحمل على المقيد في رواية أبي سهيل الحديث الثاني حديث أبي سعيد وقد سبق الكلام عليه في الباب الذي قبله

[ 226 ]

قوله التمسوها كذا فيه بإضمار المفعول والمراد به ليلة القدر وهو مفسر بما بعده وسيأتي أنه تقدم قبل ذلك كلام يحسن معه عود الضمير وإنما وقع في هذه الرواية اختصار قوله ليلة القدر بالنصب على البدل من الضمير في قوله التمسوها ويجوز الرفع قوله في الطريق الثانية عبد الواحد هو بن زياد وعاصم هو الأحول قوله عن أبي مجلز وعكرمة قالا قال بن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أخرجه مختصرا وقد أخرجه أحمد عن عفان والاسماعيلي من طريق محمد بن عقبة كلاهما عن عبد الواحد فزاد في أوله قصة وهي قال عمر من يعلم ليلة القدر فقال بن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره وبهذا يظهر عود الضمير المبهم في رواية الباب وقد توقف الاسماعيلي في اتصال هذا الحديث لأن عكرمة وأبا مجلز ما ادركا عمر فما حضرا القصة المذكورة والجواب أن الغرض منه إنهما أخذا ذلك عن بن عباس فقد رواه معمر عن عاصم عن عكرمة عن بن عباس وسياقه ابسط من هذا كما سنذكره وأن كان موصولا عن بن عباس فهو المقصود بالأصالة فلا يضر الإرسال في قصة عمر فإنها مذكورة على طريق التبع أن لو سلمنا أنها مرسلة قوله في تسع يمضين أو في سبع يبقين كذا للأكثر بتقديم السين في الثاني وتأخيرها في الأول وبلفظ المضى في الأول والبقاء في الثاني وللكشميهني بلفظ المضى فيهما وفي رواية الاسماعيلي بتقديم السين في الموضعين وقد اعترض على تخريجه هذا الحديث من وجه آخر فإن المرفوع منه قد رواه عبد الرزاق موقوفا فروى عن معمر عن قتادة وعاصم إنهما سمعا عكرمة يقول قال بن عباس دعا عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عن ليلة القدر فاجمعوا على أنها في العشر الأواخر قال بن عباس فقلت لعمر أني لأعلم أو أظن أي ليلة هي قال عمر أي ليلة هي فقلت سابعة تمضى أو سابعة تبقى من العشر الأواخر فقال من أين علمت ذلك قلت خلق الله سبع سماوات وسبع ارضين وسبعة أيام والدهر يدور في سبع والانسان خلق من سبع وياكل من سبع ويسجد على سبع والطواف والجمار وأشياء ذكرها فقال عمر لقد فطنت الأمر ما فطنا له فعلى هذا فقد اختلف في رفع هذه الجملة ووقفها فرجع عند البخاري المرفوع فأخرجه واعرض عن الموقوف وللموقوف عن عمر طريق أخرى أخرجها إسحاق بن راهويه في مسنده والحاكم من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن بن عباس وأوله أن عمر كان إذا دعا الأشياخ من الصحابة قال لابن عباس لا تتكلم حتى يتكلموا فقال ذات يوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر وترا أي الوتر هي فقال رجل برأيه تاسعة سابعة خامسة ثالثة فقال لي مالك لا تتكلم يا بن عباس قلت أتكلم براى قال عن رايك أسألك قلت فذكر نحوه وفي آخره فقال عمر أعجزتم أن تكونوا مثل هذا الغلام الذي ما استوت شؤون رأسه ورواه محمد بن نصر في قيام الليل من هذا الوجه وزاد فيه وأن الله جعل النسب في سبع والصهر في سبع ثم تلا حرمت عليكم امهاتكم وفي رواية الحاكم أني لأرى القول كما قلت قوله تابعه عبد الوهاب عن أيوب هكذا وقعت هذه المتابعة عند الأكثر من رواية الفربري هنا وعند النسفي عقب طريق وهيب عن أيوب وهو الصواب واصلحها بن عساكر في نسخته كذلك وقد وصله أحمد وابن أبي عمر في مسنديهما عن عبد الوهاب وهو بن عبد المجيد الثقفي عن أيوب متابعا لوهيب في إسناده

[ 227 ]

ولفظه أخرجه محمد بن نصر في قيام الليل عن إسحاق بن راهويه عن عبد الوهاب مثله وزاد في آخره أو آخر ليلة قوله وعن خالد عن عكرمة عن بن عباس التمسوا في أربع وعشرين ظاهره أنه من رواية عبد الوهاب عن خالد أيضا لكن جزم المزي بان طرق خالد هذه معلقة والذي أظن أنها موصولة بالإسناد الأول وإنما حذفها أصحاب المسندات لكونها موقوفه وقد روى أحمد من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن بن عباس قال أتيت وأنا نائم فقيل لي الليلة ليلة القدر فقمت وأنا ناعس فتعلقت ببعض اطناب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يصلي قال فنظرت في تلك الليلة فإذا هي ليلة أربع وعشرين وقد استشكل هذا مع قوله في الطريق الأخرى أنها في وتر وأجيب بان الجمع ممكن بين الكلب أن يحمل ما ورد مما ظاهره الشفع أن يكون باعتبار الابتداء بالعدد من آخر الشهر فتكون ليلة الرابع والعشرين هي السابعة ويحتمل أن يكون مراد بن عباس بقوله في أربع وعشرين أي أول ما يرجى من السبع البواقي فيوافق ما تقدم من التماسها في السبع البواقي وزعم بعض الشراح أن قوله تاسعة تبقى يلزم منه أن تكون ليلة اثنين وعشرين أن كان الشهر ثلاثين ولا تكون ليلة إحدى وعشرين الا إن كان ذلك الشهر تسعا وعشرين وما ادعاه من الحصر مردود لأنه ينبنى على المراد بقوله تبقى هل هو تبقى بالليلة المذكورة أو خارجا عنها فبناه على الأول ويجوز بناؤه على الثاني فيكون على عكس ما ذكر والذي يظهر أن في التعبير بذلك الإشارة إلى الاحتمالين فإن كان الشهر مثلا ثلاثين فالتسع معناها غير الليلة وأن كان تسعا وعشرين فالتسع بانضمامهما والله أعلم وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافا كثيرا وتحصل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولا كما وقع لنا وكما ذلك في ساعة الجمعة وقد اشتركتا في اخفاء كل منهما ليقع الجد في طلبهما القول الأول أنها رفعت أصلا ورأسا حكاه المتولي في التتمة عن الروافض والفاكهاني في شرح العمدة عن الحنفية وكأنه خطا منه والذي حكاه السروجي أنه قول الشيعة وقد روى عبد الرزاق من طريق داود بن أبي عاصم عن عبد الله بن يحنس قلت لأبي هريرة زعموا أن ليلة القدر رفعت قال كذب من قال ذلك ومن طريق عبد الله بن شريك قال ذكر الحجاج ليلة القدر فكأنه أنكرها فأراد زر بن حبيش أن يحصبه فمنعه قومه الثاني أنها خاصة بسنة واحدة وقعت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاه الفاكهانى أيضا الثالث أنها خاصة بهذه الأمة ولم تكن في الأمم قبلهم جزم به بن حبيب وغيره من المالكية ونقله عن الجمهور وحكاه صاحب العدة من الشافعية ورجحه وهو معترض بحديث أبي ذر عند النسائي حيث قال فيه قلت يا رسول الله اتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت قال لا بل هي باقية وعمدتهم قول مالك في الموطأ بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تقاصر اعمار أمته عن اعمار الأمم الماضية فأعطاه الله ليلة القدر وهذا يحتمل التأويل فلا يدفع التصريح في حديث أبي ذر الرابع أنها ممكنة في جميع السنة وهو قول مشهور عن الحنفية حكاه قاضيخان وأبو بكر الرازي منهم وروى مثله عن بن مسعود وابن عباس وعكرمة وغيرهم وزيف المهلب هذا القول وقال لعل صاحبه بناه على دوران الزمان لنقصان الاهلة وهو فاسد لأن ذلك لم يعتبر في صيام رمضان فلا يعتبر في غيره حتى تنقل ليلة القدر عن رمضان اه وماخذ بن مسعود كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أنه

[ 228 ]

أراد أن لا يتكل الناس الخامس أنها مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه وهو قول بن عمر رواه بن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه وروى مرفوعا عنه أخرجه أبو داود وفي شرح الهداية الجزم به عن أبي حنيفة وقال به بن المنذر والمحاملي وبعض الشافعية ورجحه السبكي في شرح المنهاج وحكاه بن الحاجب رواية وقال السروجي في شرح الهداية قول أبي حنيفة وثلاثمائة تنتقل في جميع رمضان وقال صاحباه أنها في ليلة معينة منه مبهمة وكذا قال النسفي في المنظومة وليلة القدر بكل الشهر * دائرة وعيناها فادر اه وهذا القول حكاه بن العربي عن قوم وهو السادس السابع أنها أول ليلة من رمضان حكى عن أبي رزين العقيلي الصحابي وروى بن أبي عاصم من حديث أنس قال ليلة القدر أول ليلة من رمضان قال بن أبي عاصم لا نعلم أحدا قال ذلك غيره الثامن أنها ليلة النصف من رمضان حكاه شيخنا سراج الدين بن الملقن في شرح العمدة والذي رأيت في المفهم للقرطبي حكاية أنها ليلة النصف من شعبان وكذا نقله السروجي عن صاحب الطراز فإن كانا محفوظين فهو القول التاسع ثم رأيت في شرح السروجي عن المحيط أنها في النصف الأخير العاشر أنها ليلة سبع عشرة من رمضان روى بن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم قال ما أشك ولا امترى أنها ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة انزل القرآن وأخرجه أبو داود عن بن مسعود أيضا القول الحادي عشر أنها مبهمة في العشر الأوسط حكاه النووي وعزاه الطبري لعثمان بن أبي العاص والحسن البصري وقال به بعض الشافعية القول الثاني عشر أنها ليلة ثمان عشرة قرأته بخط القطب الحلبي في شرحه وذكره بن الجوزي في مشكلة القول الثالث عشر أنها ليلة تسع عشرة رواه عبد الرزاق عن على وعزاه الطبري لزيد بن ثابت وابن مسعود ووصله الطحاوي عن بن مسعود القول الرابع عشر أنها أول ليلة من العشر الأخير واليه مال الشافعي وجزم به جماعة من الشافعية ولكن قال السبكي أنه ليس مجزوما به عندهم لإنفاقهم على عدم حنث من علق يوم العشرين عتق عبده في ليلة القدر أنه لا يعتق تلك الليلة بل بانقضاء الشهر على الصحيح بناء على أنها في العشر الأخير وقيل بانقضاء السنة بناء على أنها لا تختص بالعشر الأخير بل هي في رمضان القول الخامس عشر مثل الذي قبله الا أنه أن كان الشهر تاما فهي ليلة العشرين وأن كان ناقصا فهي ليلة إحدى وعشرين وهكذا في جميع الشهر وهو قول بن حزم وزعم أنه يجمع بين الأخبار بذلك ويدل له ما رواه أحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن أنيس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول التمسوها الليلة قال وكانت تلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين فقال رجل هذه أولي بثمان بقين قال بل أولي بسبع بقين فإن هذا الشهر لا يتم القول السادس عشر أنها ليلة اثنين وعشرين وسيأتي حكايته بعد وروى أحمد من حديث عبد الله بن أنيس أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر وذلك صبيحة إحدى وعشرين فقال كم الليلة قلت ليلة اثنين وعشرين فقال هي الليلة أو القابلة القول السابع عشر أنها ليلة ثلاث وعشرين رواه مسلم عن عبد الله بن أنيس مرفوعا أريت ليلة القدر ثم نسيتها فذكر مثل حديث أبي سعيد لكنه قال فيه ليلة ثلاث وعشرين بدل إحدى وعشرين وعنه قال قلت يا رسول الله أن لي بادية أكون فيها فمرني بليلة القدر قال انزل ليلة ثلاث وعشرين وروى بن أبي شيبة

[ 229 ]

بإسناد صحيح عن معاوية قال ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين ورواه إسحاق في مسنده من طريق أبي حازم عن رجل من بني بياضة له صحبة مرفوعا وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن بن عمر مرفوعا من كان متحريها فليتحرها ليلة سابعة وكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس الطيب وعن بن جريج عن عبيد الله بن أبي يزيد عن بن عباس أنه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين وروى عبد الرزاق من طريق يونس بن سيف سمع سعد بن المسيب يقول استقام قول القوم على أنها ليلة ثلاث وعشرين ومن طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة ومن طريق تثبت أنه كان يراها ليلة ثلاث وعشرين القول الثامن عشر أنها ليلة أربع وعشرين كما تقدم من حديث بن عباس في هذا الباب وروى الطيالسي من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا ليلة القدر ليلة أربع وعشرين وروى ذلك عن بن مسعود والشعبى والحسن وقتادة وحجتهم حديث وائلة أن القرآن نزل لأربع وعشرين من رمضان وروى أحمد من طريق بن لهيعة عن يزيد بن أبي الخير الصنابحي عن بلال مرفوعا التمسوا ليلة القدر ليلة أربع وعشرين وقد أخطأ بن لهيعة في رفعه فقد رواه عمرو ابن الحرث عن يزيد بهذا الإسناد موقوفا بغير يسير كما سيأتي في أو اخر المغازي بلفظ ليلة القدر أول السبع من العشر الأواخر القول التاسع عشر أنها ليلة خمس وعشرين حكاه بن العربي في العارضة وعزاه بن الجوزي في المشكل لأبي بكرة القول العشرون أنها ليلة ست وعشرين وهو قول لم أره صريحا الا أن عياضا قال ما من ليلة من ليالي العشر الأخير الا وقد قيل أنها فيه القول الحادي والعشرون أنها ليلة سبع وعشرين وهو الجادة من مذهب أحمد ورواية عن أبي حنيفة وبه جزم أبي بن كعب وحلف عليه كما أخرجه مسلم وروى مسلم أيضا من طريق أبي حازم عن أبي هريرة قال تذاكرنا ليلة القدر فقال صلى الله عليه وسلم أيكم يذكر حين طلع القمر كأنه شق جفنه قال أبو الحسن الفارسي أي ليلة سبع وعشرين فإن القمر يطلع فيها بتلك الصفة وروى الطبراني من حديث بن مسعود سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال أيكم يذكر ليلة يعرفكما قلت أنا وذلك ليلة سبع وعشرين ورواه بن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وناس من الصحابة وفي الباب عن بن عمر عند مسلم رأى رجل ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ولأحمد من حديثه مرفوعا ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ولابن المنذر من كان متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين وعن جابر بن سمرة نحوه أخرجه الطبراني في أوسطه وعن معاوية نحوه أخرجه أبو داود وحكاه صاحب الحلية من الشافعية عن أكثر العلماء وقد تقدم استنباط بن عباس عند عمر فيه وموافقته له وزعم بن قدامة أن بن عباس استنبط ذلك من عدد كلمات السورة وقد وافق قوله فيها هي سابع كلمة بعد العشرين وهذا نقله بن حزم عن بعض المالكية وبالغ في إنكاره نقله بن عطية في تفسيره وقال أنه من ملح التفاسير وليس من متين العلم واستنبط بعضهم ذلك في جهة أخرى فقال ليلة القدر تسعة أحرف وقد اعيدت في السورة ثلاث مرات فذلك سبع قرة وقال صاحب الكافي من الحنفية وكذا المحيط من قال لزوجته أنت طالق ليلة القدر طلقت ليلة سبع وعشرين لأن فضالة تعتقد أنها ليلة القدر القول الثاني والعشرون أنها ليلة ثمان وعشرين وقد تقدم توجيهه قبل بقول القول الثالث

[ 230 ]

والعشرون أنها ليلة تسع وعشرين حكاه بن العربي القول الرابع والعشرون أنها ليلة ثلاثين حكاه عياض والسروجى في شرح الهداية ورواه محمد بن نصر والطبري عن معاوية وأحمد من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة القول الخامس والعشرون أنها في اوتار العشر الأخير وعليه يدل حديث عائشة وغيرها في هذا الباب وهو أرجح الأقوال وصار إليه أبو ثور والمزنى وابن خزيمة وجماعة من علماء المذاهب القول السادس والعشرون مثله بزيادة الليلة الأخيرة رواه الترمذي من حديث أبي بكرة وأحمد من حديث عبادة بن الصامت القول السابع والعشرون تنتقل في العشر الأخير كله قاله أبو قلابة ونص عليه مالك والثوري وأحمد وإسحاق وزعم الماوردي أنه متفق عليه وكأنه أخذه من حديث بن عباس أن الصحابة اتفقوا على أنها في العشر الأخير ثم اختلفوا في تعيينها منه كما تقدم ويؤيد كونها في العشر الأخير حديث أبي سعيد الصحيح أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما أعتكف العشر الأوسط أن الذي تطلب أمامك وقد تقدم ذكره قريبا وتقدم ذكر اعتكافه صلى الله عليه وسلم العشر الأخير في طلب ليلة القدر واعتكاف أزواجه بعده والاجتهاد فيه كما في الباب الذي بعده واختلف القائلون به فمنهم من قال هي فيه محتملة على حد سواء نقله الرافعي عن مالك وضعفه بن الحاجب ومنهم من قال بعض لياليه أرجى من بعض فقال الشافعي ارجاه ليلة إحدى وعشرين وهو القول الثامن والعشرون وقيل ارجاه ليلة ثلاث وعشرين وهو القول التاسع والعشرون وقيل ارجاه ليلة سبع وعشرين وهو القول الثلاثون القول الحادي والثلاثون أنها تنتقل في السبع الأواخر وقد تقدم بيان المراد منه في حديث بن عمر هل المراد ليالي السبع من آخر الشهر أو آخر سبعة تعد من الشهر ويخرج من ذلك القول الثاني والثلاثون القول الثالث والثلاثون أنها تنتقل في النصف الأخير ذكره صاحب المحيط عن أبي يوسف ومحمد وحكاه إمام الحرمين عن صاحب التقريب القول الرابع والثلاثون أنها ليلة ست عشرة أو سبع عشرة رواه الحارث بن أبي أسامة من حديث عبد الله بن الزبير القول الخامس والثلاثون أنها ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين رواه سعيد بن منصور من حديث أنس بإسناد ضعيف القول السادس والثلاثون أنها في أول ليلة من رمضان أو آخر ليلة رواه بن أبي عاصم من حديث أنس بإسناد ضعيف القول السابع والثلاثون أنها أول ليلة أو تاسع ليلة أو سابع عشرة أو إحدى وعشرين أو آخر ليلة رواه بن مردويه في تفسيره عن أنس بإسناد ضعيف القول الثامن والثلاثون أنها ليلة تسع عشرة أو إحدى عشرة أو ثلاث وعشرين رواه أبو داود من حديث بن مسعود بإسناد فيه مقال وعبد الرزاق من حديث على بإسناد منقطع وسعيد بن منصور من حديث عائشة بإسناد منقطع أيضا القول التاسع والثلاثون ليلة ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين وهو ماخوذ من حديث بن عباس في الباب حيث قال سبع يبقين أو سبع يمضين ولأحمد من حديث النعمان بن بشير سابعة تمضى أو سابعة تبقى قال النعمان فنحن نقول ليلة سبع وعشرين التجارة تقولون ليلة ثلاث وعشرين القول الأربعون ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين كما سيأتي في الباب الذي بعده من حديث عبادة بن الصامت ولأبي داود من حديثه بلفظ تاسعة تبقى سابعة

[ 231 ]

تبقى خامسة تبقى قال مالك في المدونة قوله تاسعة تبقى ليلة إحدى وعشرين الخ القول الحادي والأربعون أنها منحصرة في السبع الأواخر من رمضان لحديث بن عمر في الباب الذي قبله القول الثاني والأربعون أنها ليلة اثنتين وعشرين أو ثلاث وعشرين لحديث عبد الله بن أنيس عند أحمد القول الثالث والأربعون أنها في اشفاع العشر الوسط والعشر الأخير قرأته بخط مغلطاي القول الرابع والأربعون أنها ليلة الثالثة من العشر الأخير أو الخامسة منه رواه أحمد من حديث معاذ بن جبل والفرق بينه وبين ما تقدم أن الثالثة تحتمل ليلة ثلاث وعشرين وتحتمل ليلة سبع وعشرين فتنحل إلى أنها ليلة ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين وبهذا يتغاير هذا القول مما مضى القول الخامس والأربعون أنها في سبع أو ثمان من أول النصف الثاني روى الطحاوي من طريق عطية بن عبد الله بن أنيس عن أبيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال تحرها في النصف الأخير ثم عاد فسأله فقال إلى ثلاث وعشرين قال وكان عبد الله يحيى ليلة ست عشرة إلى ليلة ثلاث وعشرين ثم يقصر القول السادس والأربعون أنها في أول ليلة أو آخر ليلة أو الوتر من الليل أخرجه أبو داود في كتاب المراسيل عن مسلم بن إبراهيم عن أبي خلدة عن أبي العالية أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فقال له متى ليلة القدر فقال اطلبوها في أول ليلة وأخر ليلة والوتر من الليل وهذا مرسل رجاله ثقات وجميع هذه الأقوال التي حكيناها بعد الثالث فهلم جر متفقة على إمكان حصولها والحث على التماسها وقال بن العربي الصحيح أنها لا تعلم وهذا يصلح أن يكون قولا آخر وأنكر هذا القول النووي وقال قد تظاهرت الأحاديث بامكان العلم بها وأخبر به جماعة من الصالحين فلا معنى لانكار ذلك ونقل الطحاوي عن أبي يوسف قولا جوز فيه أنه يرى أنها ليلة أربع وعشرين أو سبع وعشرين فإن ثبت ذلك عنه فهو قول آخر هذا آخر ما وقفت عليه من الأقوال بعضها يمكن رده إلى بعض وأن كان ظاهرها التغاير وارجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير وإنها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب وارجاها اوتار العشر وارجى اوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين على ما في حديث أبي سعيد وعبد الله بن أنيس وارجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين وقد تقدمت أدلة ذلك قال العلماء الحكمة في اخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها بخلاف مالوا عينت لها ليلة لاقتصر عليها كما تقدم نحوه في ساعة الجمعة وهذه الحكمة مطردة عند من يقول أنها في جميع السنة وفي جميع رمضان أو في جميع العشر الأخير أو في أوتاره خاصة الا أن الأول ثم الثاني أليق به واختلفوا هل لها علامة تظهر لمن وفقت له أم لا فقيل يرى كل شئ ساجدا وقيل الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع المظلمة وقيل يسمع سلاما أو خطابا من الملائكة وقيل علامتها استجابة دعاء من وفقت له واختار الطبري أن جميع ذلك غير السري وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شئ ولا سماعه واختلفوا أيضا هل يحصل النصارى المرتب عليها لمن اتفق له أنه قامها وأن لم يظهر له شئ أو يتوقف ذلك على كشفها له وإلى الأول ذهب الطبري والمهلب وابن العربي وجماعة وإلى الثاني ذهب الأكثر ويدل له ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ من

[ 232 ]

يقم ليلة القدر فيوافقها وفي حديث عبادة عند أحمد من قامها إيمانا واحتسابا ثم وفقت له قال النووي معنى يوافقها أي يعلم أنها ليلة القدر فيوافقها ويحتمل أن يكون المراد يوافقها في نفس الأمر وأن لم يعلم هو ذلك وفي حديث زر بن حبيش عن بن مسعود قال من يقم الحول يصب ليلة القدر وهو محتمل للقولين أيضا وقال النووي أيضا في حديث من قام رمضان وفي حديث من قام ليلة القدر معناه من قامه ولو لم يوافق ليلة القدر حصل له ذلك ومن قام ليلة القدر فوافقها حصل له وهو جار على ما اختاره من تفسير الموافقة بالعلم بها وهو الذي يترجح في نظرى ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر وأن لم يعلم بها ولو لم توافق له وإنما الكلام على حصول الثواب المعين الموعود به وفرعوا على القول باشتراط العلم بها أنه يختص بها شخص دون شخص فيكشف لواحد ولا يكشف لأخر ولو كانا معا في بيت واحد وقال الطبري في اخفاء ليلة القدر دليل على كذب من زعم أنه يظهر في تلك الليلة للعيون ما لا يظهر في سائر السنة إذ لو كان ذلك حقا لم يخف على كل من قام ليالي السنة فضلا عن ليالي رمضان وتعقبه بن المنير في الحاشية بأنه لا ينبغي إطلاق القول بالتكذيب لذلك بل يجوز أن يكون ذلك على سبيل الكرامة لمن شاء الله من عباده فيختص بها قوم دون قوم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحصر العلامة ولم ينف الكرامة وقد كانت العلامة في السنة التي حكاها أبو سعيد نزول المطر ونحن نرى كثيرا من السنين ينقضي رمضان دون مطر مع اعتقادنا أنه لا غلام رمضان من ليلة القدر قال ومع ذلك فلا نعتقد أن ليلة القدر لا ينالها الا من رأى الخوارق بل فضل الله واسع ورب قائم تلك الليلة لم يحصل منها إلى على العبادة من غير رؤية خارق وأخر رأى الخارق من غير عبادة والذي حصل على العبادة أفضل والعبرة إنما هي بالاستقامة فإنه تستحيل أن تكون الا كرامة بخلاف الخارق فقد يقع كرامة وقد يقع فتنة والله أعلم وفي هذه الأحاديث رد لقول أبي الحسن الحولي المغربي أنه اعتبر ليلة القدر فلم تفته المريض عمره وإنها تكون دائما ليلة الأحد فإن كان أول الشهر ليلة الأحد كانت ليلة تسع وعشرين وهلم جر ولزم من ذلك أن تكون في ليلتين من العشر الوسط لضرورة أن اوتار العشر خمسة وعارضه بعض من تأخر عنه فقال أنها تكون دائما ليلة الجمعة وذكر نحو قول أبي الحسن وكلاهما لا أصل له بل هو مخالف لاجماع الصحابة في عهد عمر كما تقدم وهذا كاف في الرد وبالله التوفيق تنبيه وقعت هنا في نسخة الصغائى زيادة سأذكرها في آخر الباب الذي يلي هذا بعد باب آخر أن شاء الله تعالى قوله باب رفع معرفة ليلة القدر لتلاحى الناس أي بسبب تلاحى الناس وقيد الرفع بمعرفة إشارة إلى أنها لم ترفع أصلا وراسا قال الزبن بن المنير يستفاد هذا التقييد من قوله التمسوها بعد أخبارهم بأنها وقعت ومن كون أن وقوع التلاحى في تلك الليلة لا يستلزم وقوعه فيما بعد ذلك ومن قوله فعسى أن يكون خيرا فإن وجه الخيرية من جهة أن خفاءها يستدعى قيام كل الشهر أو العشر بخلاف ما لو بقيت معرفة تعيينها قوله عن أنس عن عبادة بن الصامت كذا رواه أكثر أصحاب حميد عن أنس ورواه مالك فقال عن حميد عن أنس قال خرج علينا ولم يقل عن عبادة قال بن عبد البر والصواب اثبات عبادة وأن الحديث من مسنده قوله فتلاحى بالمهملة أي وقعت بينهما ملاحاة وهي المخاصمة والمنازعة والمشاتمة والاسم اللحاء بالكسر والمد وفي رواية أبي نضرة عن أبي سعيد عند مسلم فجاء رجلان يختصمان

[ 233 ]

معهما الشيطان ونحوه في حديث القلتان عند بن إسحاق وزاد أنه لقيهما عند سدة المسجد فحجز بينهما فاتفقت هذه الأحاديث على سبب النسيان وروى مسلم أيضا من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أريت ليلة القدر ثم ايقظنى بعض أهل فنسيتها وهذا سبب آخر فأما أن يحمل على التعدد بأن تكون الرؤيا في حديث أبي هريرة مناما فيكون سبب النسيان الايقاظ وأن تكون الرؤية في حديث غيره في اليقظة فيكون سبب النسيان ما ذكر من المخاصمة أو يحمل على اتحاد القصة ويكون النسيان وقع مرتين عن سببين ويحتمل أن يكون المعنى ايقظنى بعض أهلي فسمعت تلاحى الرجلين فقمت لأحجز بينهما فنسيتها للاشتغال بهما وقد روى عبد الرزاق من مرسل سعيد بن المسيب أنه صلى الله عليه وسلم قال الا أخبركم بليلة القدر قالوا بلى فسكت ساعة ثم قال لقد قلت لكم وأنا أعلمها ثم تصبغه فلم يذكر سبب النسيان وهو مما يقوي الحمل على التعدد قوله رجلان قيل هما عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن مالك ذكره بن دحية ولم يذكر له مستندا قوله لأخبركم بليلة القدر أي بتعيين ليلة القدر قوله فرفعت أي من قلبي فنسيت تعيينها للاشتغال بالمتخاصمين وقيل المعنى فرفعت بركتها في تلك السنة وقيل التاء في رفعت للملائكة لا لليلة وقال الطيبي قال بعضهم رفعت أي معرفتها والحامل له على ذلك أن رفعها مسبوق بوقوعها فإذا وقعت لم يكن لرفعها معنى قال ويمكن أن يقال المراد برفعها أنها شرعت أن أنكر فلما تخاصما رفعت بعد فنزل الشروع منزلة الوقوع وإذا تقرر أن الذي ارتفع علم تعيينها تلك السنة فهل أعلم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بتعيينها فيه احتمال وقد تقدم قول بن عيينة في أول الكلام على ليلة القدر أنه أعلم وروى محمد بن نصر من طريق واهب المغافري أنه سأل زينب بنت أم سلمة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ليلة القدر فقالت لا لو علمها لما أقام الناس غيرها الله اه وهذا قالته احتمالا وليس بلازم لاحتمال أن يكون التعبد وقع بذلك أيضا فيحصل الاجتهاد في جميع العشر كما تقدم واستنبط السبكي الكبير في الحلبيات من هذه القصة استحباب كتمان ليلة القدر لمن راها قال ووجه الدلالة أن الله قدر لنبيه أنه لم يخبر بها والخير كله فيما قدر له فيستحب أتباعه في ذلك وذكر في شرح المنهاج ذلك عن الحاوى قال والحكمة فيه أنها كرامة والكرامة ينبغي كتمانها بلا خلاف بين أهل الطريق من جهة رؤية النفس فلا يأمن السلب ومن جهة أن لا يأمن الرياء ومن جهة الأدب فلا يتشاغل عن الشكر لله بالنظر إليها وذكرها للناس ومن جهة أنه لا يأمن الحسد فيوقع غيره في المحذور ويستأنس له بقول يعقوب عليه السلام يا بني لا تقصص رؤياك على اخوتك الآية قوله فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة يحتمل أن يريد بالتاسعة تاسع ليلة من العشر الأخير فتكون ليلة تسع وعشرين ويحتمل أن يريد بها تاسع ليلة تبقى من الشهر فتكون ليلة إحدى أو اثنين بحسب تمام الشهر ونقصانه ويرجح الأول قوله في رواية إسماعيل بن جعفر عن حميد الماضية في كتاب الإيمان بلفظ التمسوها في التسع والسبع والخمس أي في تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس وعشرين وفي رواية لأحمد في تاسعة تبقى والله أعلم قوله باب العمل في العشر الأواخر من رمضان وفي رواية المستملى في رمضان قوله عن أبي يعفور بفتح التحتانية وسكون المهملة وضم الفاء ولأحمد عن سفيان

[ 234 ]

عن أبي عبيد بن نسطاس وهو أبو يعفور المذكور واسمه عبد الرحمن وهو كوفي تابعي صغير ولهم أبو يعفور آخر تابعي كبير اسمه وقدان قوله إذا دخل العشر أي الأخير وصرح به في حديث على عند بن أبي شيبة والبيهقي من طريق عاصم بن ضمرة عنه قوله شد مئزره أي اعتزال النساء وبذلك جزم عبد الرزاق عن الثوري واستشهد بقول الشاعر قوم إذا حاربوا شدوا مأزرهم * عن النساء ولو باتت باطهار وذكر بن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش نحوه وقال الخطابي يحتمل أن يريد به الجد في العبادة كما يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت له ويحتمل أن يراد التشمير والاعتزال معا ويحتمل أن يراد الحقيقة والمجاز كمن يقول طويل النجاد لطويل القامة وهو طويل النجاد حقيقة فيكون المراد شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل النساء وشمر للعبادة قلت وقد وقع في رواية عاصم بن ضمرة المذكورة شد مئزره واعتزل النساء فعطفه بالواو فيتقوى الاحتمال الأول قوله واحيى ليله أي سهره فأحياه بالطاعة واحيى نفسه بسهره فيه لأن النوم أخو الموت واضافه إلى الليل اتساعا لأن القائم إذا حيي باليقظة احيى ليله بحياته وهو نحو قوله لا تجعلوا بيوتكم قبورا أي لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور قوله وايقظ أهله أي الولاء وروى الترمذي ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت أم سلمة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام الا أقامه قال القرطبي ذهب بعضهم إلى أن اعتزال النساء كان بالاعتكاف وفيه نظر لقوله فيه وأيقظ أهله فإنه يشعر بأنه كان معهم في البيت فلو كان معتكفا لكان في المسجد ولم يكن معه أحد وفيه نظر فقد تقدم حديث اعتكفت مع النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه وعلى تقدير أنه لم يعتكف أحد منهم فيحتمل أن يوقظهن من موضعه وأن يوقظهن عند ما يدخل البيت لحاجته تنبيه وقع في نسخة الصغائى قبل هذا الباب في آخر باب تحرى ليلة القدر ما نصه قال أبو عبد الله قال أبو نعيم كان هبيرة مع المختار يجهز على القتلى قال أبو عبد الله فلم أخرج حديث هبيرة عن على لهذا ولم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب انتهى وأراد بحديث هبيرة ما أخرجه أحمد والترمذي من طريق أبي إسحاق السبيعي عن هبيرة بن يريم وهو بفتح الياء والمثناة من تحت بوزن عظيم عن على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشر الأخير من رمضان وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة وأبو يعلى من طرق متعددة عن أبي إسحاق وقال الترمذي حسن صحيح وأراد بحديث الحسن بن عبيد الله ما أخرجه مسلم والترمذي أيضا والنسائي وابن ماجة من رواية عبد الواحد بن زياد عنه عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها قال الترمذي بعد تخريجه حسن غريب وأما قول أبي نعيم في هبيرة فمعناه أنه كان ممن أعان المختار وهو بن أبي عبيد الثقفي لما غلب على الكوفة في خلافة عبد الله بن الزبير ودعا إلى الطلب بدم الحسين بن علي فاطاعه أهل الكوفة ممن كان يوالي أهل البيت مولاه المختار في الحرب وغيرها ممن اتهم بقتل الحسين خلائق كثيرة وكأن من وثق هبيرة لم يؤثر ذلك فيه عنده قدحا لأنه كان متأولا ولذلك صحح الترمذي حديثه وممن وثق هبيرة ومعنى قوله يجهز وهو بضم أوله

[ 235 ]

وجيم وزاى يكمل القتل وأما الحسن بن عبيد الله فهو كوفي نخعي قدم يحيى القطان عليه الحسن ابن عمرو وقال بن معين ثقة صالح ووثقه أبو حاتم والنسائي وغيرهما وقال الدارقطني ليس بقوي ولا يقاس بالأعمش انتهى وقد تفرد بهذا الحديث عن إبراهيم وتفرد به عبد الواحد بن زياد عن الحسن ولذلك استغربه الترمذي وأما مسلم فصحح حديثه لشواهده على عادته وتجنب حديث على للمعنى الذي ذكره البخاري أو لغيره واستغنى البخاري عن الحديثين بما أخرجه في هذا الباب من طريق مسروق عن عائشة وعلى هذا فمحل الكلام المذكور أن يكون عقب حديث مسروق في هذا الباب لأقبله وكان ذلك من بعض النساخ والله أعلم وفي الحديث الحرص على مداومة القيام في العشر الأخير إشارة إلى الحث على تجويد الخاتمة ختم الله لنا بخير أمين قوله أبواب الاعتكاف كذا للمستملي وسقط لغيره الا النسفي فإنه قال كتاب وثبتت له البسملة مقدمة وللمستملى مؤخرة والاعتكاف لغة لزوم الشئ وحبس النفس عليه وشرعا المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة وليس بواجب إجماعا الا على من نذره وكذا من شرع فيه فقطعه عامدا عند قوم واختلف في اشتراط الصوم له كما سيأتي في باب مفرد وانفرد سويد بن غفلة باشتراط الطهارة له قوله باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها أي مشروطية المسجد له من غير تخصيص بمسجد دون مسجد قوله لقوله تعالى ولا تباشروهن التجارة عاكفون في المساجد الآية ووجه الدلالة من الآية أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون الا فيها ونقل بن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع وروى الطبري وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية كانوا أذا اعتكفوا فخرج رجل لحاجته فلقى امرأته جامعها أن شاء فنزلت واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد الولاء فيه وفيه قول الشافعي قديم وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات وخصه أبو يوسف بالواجب منه وأما النفل ففي كل مسجد وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد الا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقا وأومأ إليه الشافعي في القديم وخصه حذيفة بن وابنه بالمساجد الثلاثة وعطاء بمسجد مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة واتفقوا على أنه لا حد لاكثره واختلفوا في أقله فمن شرط فيه الصيام قال أقله يوم ومنهم من قال يصح مع شرط الصيام في دون اليوم حكاه بن قدامة وعن مالك يشترط عشرة أيام وعنه يوم أو يومان ومن لم يشترط الصوم قالوا أقله ما يطلق عليه اسم لبث ولا يشترط القعود وقيل يكفي المرور مع النية كوقوف عرفة وروى عبد الرازق عن يعلى بن أمية الصحابي أني لأمكث في المسجد الساعة وأما أمكث إلا لاعتكف واتفقوا على فساده بالجماع حتى قال الحسن والزهري من جامع فيه لزمته الكفارة وعن مجاهد يتصدق بدينارين واختلفوا في غير الجماع ففي المباشرة أقوال ثالثها أن انزل بطل وإلا فلا ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث بن عمر كان

[ 236 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه وزاد قال نافع وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف فيه من المسجد وزاد بن ماجة من وجه آخر عن نافع أن بن عمر كان إذا أعتكف طرح له فراشه وراء أسطوانة التوبة ثانيها حديث عائشة مثل حديث بن عمر وزاد حتى توفاه الله ثم أعتكف أزواجه من بعده فيؤخذ من الأول اشتراط المسجد له ومن الثاني أنه لم ينسخ وليس من الخصائص وأما قول بن نافع عن مالك فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة أتباعهم للاثر فوقع في نفسي أنه كالوصال واراهم تركوه لشدته ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه أعتكف الا عن أبي بكر بن عبد الرحمن اه وكأنه أراد صفة مخصوصة وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز وأنكر ذلك عليهم بن العربي وقال أنه سنة مؤكدة وكذا قال بن بطال في مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على تأكده وقال أبو داود عن أحمد لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا أنه مسنون قوله عن بن شهاب زاد معمر فيه عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وخالفه الليث عن الزهري فقال عن عروة عن عائشة موصولا وعن سعيد مرسلا ثالثها حديث أبي سعيد وقد تقدمت مباحثه في الباب الذي قبله قوله باب الحائض ترجل رأس المعتكف أي تمشطه وتدهنه قوله يصغى الى يضم أوله أي يميل قوله وهو مجاور في رواية أحمد والنسائي كان يأتيني وهو معتكف في المسجد فيتكئ على باب حجرتي فاغسل رأسه وسائره في المسجد وقد تقدمت فوائده في كتاب الحيض ويؤخذ منه أن المجاورة والاعتكاف واحد وفرق بينهما مالك وفي الحديث جواز التنظف والتطيب والغسل والحلق والتزين الحاقا بالترجل والجمهور على أنه لا يكره فيه الا ما يكره في المسجد وعن مالك تكره فيه الصنائع والحرف حتى طلب العلم وفي الحديث استخدام الرجل امرأته برضاها وفي إخراجه رأسه دلالة على اشتراط المسجد للاعتكاف وعلى أن من أخرج بعض بدنه من مكان حلف أن لا يخرج منه لم يحنث حتى يخرج رجليه ويعتمد عليهما قوله باب لا يدخل أي المعتكف البيت إلا لحاجة كأنه أطلق على وفق الحديث قوله عن عروة أي الزبير وعمرة كذا في رواية الليث جمع بينهما ورواه يونس عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة وحده ورواه مالك عنه عن عروة عن عمرة قال أبو داود وغيره لم يتابع عليه وذكر البخاري أن عبيد الله بن عمر تابع مالكا وذكر الدارقطني أن أبا أويس رواه كذلك عن الزهري واتفقوا على أن الصواب قول الليث وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة وان ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد وقد رواه بعضهم عن مالك فوافق الليث أخرجه النسائي أيضا وله أصل من حديث عروة عن عائشة كما سيأتي من طريق هشام عن أبيه وهو عند النسائي من طريق تميم بن سلمة عن عروة قوله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة زاد مسلم الا لحاجة الإنسان وفسرها الزهري بالبول والغائط وقد اتفقوا على

[ 237 ]

استثنائهما واختلفوا في غيرهما من الحاجيات كالأكل والشرب ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل ويلتحق بهما القئ والفصد لمن أحتاج إليه ووقع عند أبي داود من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت السنة على المعتكف عن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة الالما لا بد منه قال أبو داود غير عبد الرحمن لا يقول فيه البتة وجزم الدارقطني بان القدر الذي من حديث عائشة قولها لا يخرج إلا لحاجة وما عداه ممن دونها وروينا عن على والنخعي والحسن البصري أن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة وقال الثوري والشافعي وإسحاق أن شرط شيئا من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله وهو رواية عن أحمد قوله باب غسل المعتكف ذكر فيه حديث عائشة أيضا وقد تقدمت مباحثه في كتاب الحيض قوله فيه فاغسله زاد النسائي من رواية حماد عن إبراهيم فاغسله بخطمي قوله باب الاعتكاف ليلا أي بغير نهار قوله حدثنا مسدد حدثني يحيى بن سعيد وهو القطان كذا رواه مسدد من مسند بن عمر ووافقه المقدمي وغيره عند مسلم وغيره وخالفهم يعقوب بن إبراهيم عن يحيى فقال عن بن عمر عن عمر أخرجه النسائي وكذا أخرجه أبو داود عن أحمد لكنه في المسند كما قال مسدد فالله أعلم فاختلف فيه على عبيد الله بن عمر عن نافع وعلى أيوب عن نافع وسيأتي لذلك مزيد بيان في فرض الخمس وفي غزوة حنين قوله أن عمر سأل لم يذكر مكان السؤال وسيأتي في النذر من وجه آخر أن ذلك كان بالجعرانة لما رجعوا من حنين ويستفاد منه الرد على من زعم أن اعتكاف عمر كان قبل المنع من الصيام في الليل لأن غزوة حنين متاخرة عن ذلك قوله كنت نذرت في الجاهلية زاد حفص ابن الصالح عن عبيد الله عند مسلم فلما أسلمت سألت وفيه رد على من زعم أن المراد بالجاهلية ما قبل فتح مكة وأنه إنما نذر في الإسلام وأصرح من ذلك ما أخرجه الدارقطني من طريق سعيد بن بشير عن عبيد الله بلفظ نذر عمر أن يعتكف في الشرك قوله أن أعتكف ليلة استدل به على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن الليل ليس ظرفا للصوم فلو كان شرطا لآمره النبي صلى الله عليه وسلم به وتعقب بأن في رواية شعبة عن عبيد الله عند مسلم يوما بدل ليلة فجمع بن حبان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة فمن أطلق ليلة أراد بيومها ومن أطلق يوما أراد بليلته وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن بن عمر صريحا لكن إسنادها ضعيف وقد زاد فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أعتكف وصم أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الله ابن بديل وهو ضعيف وذكر بن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار ورواية من روى يوما شاذة وقد وقع في رواية سليمان بن بلال الآتية بعد أبواب فاعتكف ليلة فدل على أنه لم يزد على نذره شيئا وأن الاعتكاف لا صوم فيه وأنه لا يشترط له حد معين قوله في المسجد الحرام زاد عمرو بن دينار في روايته عند الكعبة وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بعد أبواب من لم ير عليه إذا أعتكف صوما وترجمة هذا الباب مستلزمة للثانية لأن الاعتكاف إذا ساغ ليلا بغير نهار استلزم صحته بغير صيام من غير عكس وباشتراط الصيام قال ابن عمر وابن عباس أخرجه عبد الرزاق عنهما بإسناد صحيح وعن عائشة نحوه وبه قال مالك

[ 238 ]

والأوزاعي والحنفية واختلف عن أحمد وإسحاق واحتج عياض بأنه صلى الله عليه وسلم لم يعتكف الا بصوم وفيه نظر لما في الباب الذي بعده أنه أعتكف في شوال كما سنذكره واحتج بعض المالكية بان الله تعالى ذكر الاعتكاف أثر الصوم فقال ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون وتعقب بأنه ليس فيها ما يدل على تلازمها ولا لكان لا صوم الا باعتكاف ولا قائل به وسنذكر بقية فوائد حديث عمر في كتاب النذور أن شاء الله تعالى وفي الحديث أيضا رد على من قال أقل الاعتكاف عشرة أيام أو أكثر من يوم وقد تقدم نقله في أول الاعتكاف وتظهر فائدة الخلاف فيمن نذر اعتكافا مبهما والله أعلم قوله باب اعتكاف النساء أي ما حكمه وقد أطلق الشافعي كراهته لهن في المسجد الذي تصلي فيه الجماعة واحتج بحديث الباب فإنه دال على كراهة الاعتكاف للمرأة إلا في مسجد بيتها لأنها تتعرض لكثرة من يراها وقال بن عبد البر لولا أن بن عيينة زاد في الحديث أي حديث الباب انهن استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف لقطعت بان اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة غير جائز انتهى وشرط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها وفي رواية لهم أن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها وبه قال أحمد قوله حدثنا يحيى هو بن سعيد الأنصاري ونسبه خلف بن هشام في روايته عن حماد بن زيد عند الاسماعيلي قوله عن عمرة في رواية الأوزاعي الآتية في أواخر الاعتكاف عن يحيى بن سعيد حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن قوله عن عائشة في رواية أبي عوانة من طريق عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد عن عمرة حدثتني عائشة قوله كالنبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فكنت اضرب له خباء أي بكسر المعجمة ثم موحدة وقوله فيصلى الصبح ثم يدخله وفي رواية بن فضيل عن يحيى بن سعيد الآتية في باب الاعتكاف في شوال كان يعتكف في كل من رمضان فإذا صلى الغداة دخل واستدل بهذا على أن مبدا الاعتكاف من أول النهار وسيأتي نقل الخلاف فيه قوله فاستاذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء في رواية الأوزاعي المذكورة فاستأذنته عائشة فأذن لها وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت وفي رواية بن فضيل المذكورة فاستاذنت عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت قبة فسمعت بها حفصة فضربت قبة زاد في رواية عمرو بن الحارث لتعتكف معه وهذا يشعر بأنها فعلت ذلك بغير إذن لكن رواية بن عيينة عند النسائي ثم استاذنته حفصة فأذن لها وقد ظهر من رواية حماد والأوزاعي أن ذلك كان على اختلفوا عائشة قوله فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء اخر وفي رواية بن فضيل وسمعت بها زينب فضربت قبة أخرى وفي رواية عمرو بن الحارث فلما رأته زينب ضربت معهن وكانت امرأة غيورا ولم اقف في شئ من الطرق أن زينب استأذنت وكان هذا هو أحد ما بعث على الإنكار الاتى قوله فلما مطرف النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأخبية في رواية مالك التي بعد هذه فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه إذا أخبية وفي رواية بن فضيل فلما انصرف من الغداة أبصر أربع قباب يعني قبة له وثلاثا للثلاثة وفي رواية الأوزاعي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه الذي بني له ليعتكف فيه ووقع في رواية أبي معاوية عند مسلم وأبي داود فأمرت زينب الإستخبار فضرب وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

[ 239 ]

بخبائها فضرب وهذا يقتضى تعميم الأزواج بذلك وليس كذلك وقد فسرت الأزواج في الروايات الأخرى بعائشة وحفصة وزينب فقط وبين ذلك قوله في هذه الرواية أربع قباب وفي واية بن عيينة عند النسائي فلما صلى الصبح إذا هو بأربعة ابنيه قال لمن هذه قالوا لعائشة وحفصة وزينب قوله البر بهمزة استفهام ممدودة وبغير الفساد وآلبر بالنصب وقوله ترون بهن بضم أوله أي تظنون وفي رواية مالك البر تقولون بهن أي تظنون والقول يطلق على الظن قال الأعشى أما الرحيل فدون بعد غد * * فمتى تقول الدار تجمعنا أي تظن ووقع في رواية الأوزاعي البر أردن بهذا وفي رواية بن عيينة البر تقولون يردن بهذا والخطاب للحاضرين من الرجال وغيرهم وفي رواية بن فضيل ما حملهن على هذا البر انزعوها فلا أراها فنزعت وما استفهامية وآلبر في هذه الرواية مرفوع وقوله فلا أراها زعم بن التين أن الصواب حذف الألف من أراها قال لأنه مجزوم بالنهي وليس كما قال قوله فترك الاعتكاف في رواية أبي معاوية فأمر بخبائة فقوض وهو بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد غدا أي نقض وكأنه صلى الله عليه وسلم خشي أن يكون الحامل لهن على ذلك المباهاة والتنافس الناشئ عن الغيرة حرصا على القرب منه خاصة فيخرج الاعتكاف عن موضوعه أو لما إذن لعائشة وحفصة أو لا كان ذلك خفيفا بالنسبة إلى ما يفضى إليه الأمر من توارد بقية النسوة على ذلك فيضيق المسجد على المصلين أو بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة عنده يصيره كالجالس في بيته وربما شغلنه عن التخلي لما قصد من العبادة فيفوت مقصود الاعتكاف قوله فترك الاعتكاف ذلك الشهر ثم أعتكف عشرا من شوال في رواية الأوزاعي فرجع فلما أن أعتكف وفي رواية بن فضيل فلم يعتكف في رمضان حتى أعتكف في آخر العشر من شوال وفي رواية أبي معاوية فلم يعتكف في رمضان حتى أعتكف في العشر الأول من شوال ويجمع بينه وبين رواية بن فضيل بان المراد بقوله آخر العشر من شوال انتهاء اعتكافه قال الاسماعيلي فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن أول شوال هو يوم الفطر وصومه حرام وقال غيره في اعتكافه في شوال دليل على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضى استحبابا واستدل به المالكية على وجوب قضاء العمل لمن شرع فيه ثم ابطله ولا دلالة فيه لما سيأتي وقال ابن المنذر وغيره في الحديث أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها وإنها إذا اعتكفت بغير إذن كان له أن يخرجها وأن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها وعن أهل الراى إذا إذن لها الزوج ثم منعها أثم بذلك وامتنعت وعن مالك ليس له ذلك وهذا الحديث حجة عليهم وفيه جواز ضرب الاخبية في المسجد وأن الأفضل للنساء أن لا يعتكفن في المسجد وفيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه وأنه لا يلزم بالنية ولا بالشروع فيه ويستنبط منه سائر التطوعات خلافا لمن قال باللزوم وفيه أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح وهو قول الأوزاعي والليث والثوري وقال الأئمة الأربعة وطائفة يدخل معي غروب الشمس واولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها وأجاب

[ 240 ]

عن هذا الحديث بأنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف وإنما هم به ثم عرض له المانع المذكور فتركه فعلى هذا فاللازم أحد الامرين أما أن يكون شرع في الاعتكاف فيدخل على جواز الخروج منه وأما أن لا يكون شرع فيدل على أن أول وقته بعد صلاة الصبح وفيه أن المسجد شرط للاعتكاف لأن النساء شرع لهن الاحتجاب في البيوت فلو لم يكن المسجد شرطا ما وقع ما ذكر من يأمر والمنع ولاكتفى لهن بالاعتكاف في مساجد بيوتهن وقال إبراهيم بن علية في قوله البر تردن دلالة على أنه ليس لهن الاعتكاف في المسجد إذ مفهومه أنه ليس ببر لهن وما قاله ليس بواضح وفيه شؤم الغيرة لأنها ناشئة عن الحسد المفضى إلى ترك الأفضل لأجله وفيه ترك الأفضل إذا كان فيه مصلحة وأن من خشي على عمله الرياء جاز له تركه وقطعه وفيه أن الاعتكاف لا يجب بالنية وأما قضاؤه صلى الله عليه وسلم له فعلى طريق الاستحباب لأنه كان إذا عمل وأشار أثبته ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال وفيه أن المرأة إذا اعتكفت في المسجد استحب لها أن تجعل لها ما يسترها ويشترط أن تكون اقامتها في موضع لا يضيق على المصلين وفي الحديث بيان مرتبة عائشة في كون حفصة لم تستأذن الا بواسطتها ويحتمل أن يكون سبب ذلك كونه كان تلك الليلة في بيت عائشة قوله باب الاخبية في المسجد ذكر فيه الحديث الماضي في الباب قبله مختصرا من طريق مالك عن يحيى بن سعيد فوقع في أكثر الروايات عن عمرة عن عائشة وسقط قوله عن عائشة في رواية النسفي والكشميهني وكذا هو في الموطآت كلها أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق عبد الله بن يوسف شيخ البخاري فيه مرسلا أيضا وجزم أن البخاري أخرجه عن عبد الله بن يوسف موصولا قال الترمذي رواه مالك وغير واحد عن يحيى مرسلا وقال الدارقطني تابع مالكا على إرساله عبد الوهاب الثقفي ورواه إلياس عن يحيى موصولا وقال الاسماعيلي تابع مالكا أنس بن عياض وحماد بن زيد على اختلاف عنه انتهى وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق عبد الله بن نافع عن مالك موصولا فحصلنا على جماعة وصلوه وقد تقدمت مباحثه في الباب الذي قبله قوله باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد أورد هذه الترجمة على الاستفهام لاحتمال القضية ما ترجم له لكن تقييده ذلك بباب المسجد مما لا يتأتى فيه الخلاف حتى يتوقف عن بت الحكم فيه وإنما الخلاف في الاشتغال في المسجد بغير العبادة قوله أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عند بن حبان في رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن على بن الحسين حدثتني صفية وهي صفية بنت حي بمهملة وتحتانية مصغرا بن أخطب كان أبوها رئيس خيبر وكانت تكنى أم يحيى وسيأتي شرح تزويجها في المغازي أن شاء الله تعالى وفي تصريح على بن الحسين بأنها حدثته رد على من زعم أنها ماتت سنة ست وثلاثين أو قبل ذلك لأن عليا إنما ولد بعد ذلك سنة أربعين أو نحوها والصحيح أنها ماتت سنة خمسين وقيل بعدها وكان على بن الحسين حين سمع منها صغيرا وقد اختلفت الرواة عن الزهري في وصل هذا الحديث وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب الأحكام أن شاء الله تعالى واعتمد المصنف الطريق الموصولة وحمل الطريق المرسلة على أنها عند على عن صفية

[ 241 ]

فلم يجعلها علة للموصول كما صنع في طريق مالك في الباب قبله قوله أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه وفي رواية معمر الآتية في صفة إبليس فأتيته ازوره ليلا وفي رواية هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وعنده أزواجه فرحن وقال لصفية لا تعجلي حتى انصرف معك والذي يظهر أن اختصاص صفية بذلك لكون مجيئها تأخر عن رفقتها فأمرها بتأخير التوجه ليحصل لها التساوى في مدة جلوسهن عنده أو أن بيوت رفقتها كانت أقرب من منزلها فخشي النبي صلى الله عليه وسلم عليها أو كان مشغولا فأمرها بالتأخر ليفرغ من شغله ويشيعها وروى عبد الرزاق من طريق مروان بن سعيد بن المعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفا في المسجد فاجتمع إليه نساؤه ثم تفرقن فقال لصفية اقلبك إلى بيتك فذهب معها حتى أدخلها بيتها وفي رواية هشام المذكورة وكان بيتها في دار أسامة زاد في رواية عبد الرزاق عن معمر وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد أي الدار التي صارت بعد ذلك لإسامة بن زيد لأن أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفية وكانت بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حوالي أبواب المسجد وبهذا يتبين صحة ترجمة المصنف قوله فتحدثت عنده ساعة زاد بن أبي عتيق عن الزهري كما سيأتي في الأدب ساعة من العشاء قوله ثم قامت تنقلب أي ترد إلى بيتها فقام معها يقلبها بفتح أوله وسكون القاف أي يردها إلى منزلها قوله حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة في رواية بن أبي عتيق الذي عند مسكن أم سلمة والمراد بهذا بيان المكان الذي لقيه الرجلان فيه لاتيان مكان بيت صفية قوله مر رجلان من الأنصار لم اقف على تسميتهما في شئ من كتب الحديث الا أن بن العطار في شرح العمدة زعم إنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر ولم يذكر لذلك مستندا ووقع في رواية سفيان الآتية بعد ثلاثة أبواب فابصره رجل من الأنصار بالافراد وقال بن التين أنه وهم ثم قال يحتمل تعدد القصة قلت والأصل عدمه بل هو أمرهم على أن أحدهما كان تبعا للاخر أو خص أحدهما بخطاب المشافهة دون الآخر ويحتمل أن يكون الزهري كان يشك فيه فيقول تارة رجل وتارة رجلان فقد رواه سعيد بن منصور عن هشيم عن الزهري لقيه رجل أو رجلان بالشك وليس لقوله رجل مفهوم نعم رواه مسلم من وجه آخر من حديث أنس بالافراد ووجهه ما قدمته من أن أحدهما كان تبعا للاخر فحيث أفرد ذكر الأصل وحيث ثنى ذكر الصورة قوله فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية معمر فنظرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم اجازا أي مضيا يقال جاز وأجاز بمعنى ويقال جاز الموضع إذا سار فيه وأجازه إذا قطعه وخلفه وفي رواية بن أبي عتيق ثم نفذا وهو بالفاء والمعجمة أي خلفاه وفي رواية معمر فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا أي في المشي وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند ابن حبان فلما رأيه استحييا فرجعا فافاد سبب رجوعهما وكانهما لو استمرا ذاهبين إلى مقصدهما ما ردهما بل لما رأى إنهما تركا مقصدهما ورجعا ردهما قوله على رسلكما بكسر الراء ويجوز فتحها أي على هينتكما في المشي فليس هنا وفيه شئ محذوف تقديره أمشيا على هيئتكما وفي رواية معمر فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم تعاليا وهو بفتح اللام قال الداودي أي قفا وأنكره بن التين وقد أخرجه عن معناه بغير دليل وفي رواية سفيان فلما ابصره دعاه

[ 242 ]

فقال تعالى قوله إنما هي صفية بنت حي في رواية سفيان هذه صفية قوله فقالا سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما زاد النسائي من طريق بشر بن شعيب عن أبيه ذلك ومثله في رواية بن مسافر الآتية في الخمس وكذا للاسماعيلي من وجه آخر عن أبي وابنه شيخ البخاري فيه وفي رواية بن أبي عتيق عند المصنف في الأدب وكبر عليهما ما قال وله من طريق عبد الأعلى عن معمر فكبر ذلك عليهما وفي رواية هشيم فقال يا رسول الله هل نظن بك إلا خيرا قوله أن الشيطان يبلغ من بن آدم مبلغ القدم كذا في رواية بن مسافر وابن أبي عتيق وفي رواية معمر يجري من الإنسان مجرى الدم وكذا لابن ماجة من طريق عثمان بن عمر التيمي عن الزهري زاد عبد الأعلى فقال أني خفت أن تظنا ظنا أن الشيطان يجري الخ وفي رواية عبد الرحمن ابن إسحاق ما أقول لكما هذا أن تكونا تظنان شرا ولكن قد علمت أن الشيطان يجري من بن آدم مجرى الدم قوله بن آدم المراد جنس أولاد آدم فيدخل فيه الرجال والنساء كقوله يا بني آدم وقوله يا بني إسرائيل بلفظ المذكر الا أن العرف عممه فأدخل فيه النساء قوله وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا كذا في رواية بن مسافر وفي رواية معمر سوءا أو قال شيئا وعند مسلم وأبي داود وأحمد من حديث معمر شرا بمعجمة وراء بدل سوءا وفي رواية هشيم أني خفت أن يدخل عليكما شيئا والمحصل من هذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينسبهما إلى إنهما يظنان به سوءا لما تقرر عنده من صدق ايمانهما ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك لأنهما غير معصومين فقد يفضى بهما ذلك إلى الهلاك فبادر إلى اعلامهما حسما للمادة وتعليما لمن بعدهما إذا وقع له مثل ذلك كما قاله الشافعي رحمه الله تعالى فقد روى الحاكم أن الشافعي كان في مجلس ابن عيينة فسأله عن هذا الحديث فقال الشافعي إنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر أن ظنا به التهمة فبادر إلى اعلامهما نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئا يهلكان به قلت وهو بين من الطرق التي أسلفتها وغفل البزار فطعن في حديث صفية هذا واستبعد وقوعه ولم يأت بطائل والله الموفق وقوله يبلغ أو يجري قيل هو على ظاهره وأن الله تعالى اقدره على ذلك وقيل هو على سبيل الاستعارة من كثرة إغوائه وكأنه لا يفارق كالدم فاشتركا في شدة الاتصال وعدم المفارقة وفي الحديث من الفوائد جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائره والقيام معه والحديث مع غيره وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة وزيارة المرأة للمعتكف وبيان شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته وارشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار قال بن دقيق العيد وهذا متأكد في حق العلماء ومن يفتدى به فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب سوء الظن بهم وأن كان لهم فيه مخلص لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم ومن ثم قال بعض العلماء ينبغي للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافيا نفيا للتهمة ومن هنا يظهر خطا من يتظاهر بمظاهر السوء ويتعذر بأنه يجرب بذلك على نفسه وقد عظم البلاء بهذا الصنف والله أعلم وفيه إضافة بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليهن وفيه جواز خروج المرأة ليلا وفيه قول سبحان الله عند التعجب وقد وقعت في الحديث لتعظيم الأمر وتهويله وللحياء من ذكره كما في حديث أم سليم واستدل به لأبي يوسف ومحمد في جواز تمادى المعتكف إذا خرج من مكان اعتكافه لحاجته

[ 243 ]

وأقام زمنا يسيرا زائدا عن الحاجة ما لم يستغرق أكثر اليوم ولا دلالة فيه لأنه لم يثبت أن منزل صفية كان بينه وبين المسجد فاصل زائد وقد حد بعضهم اليسير بنصف يوم وليس في الخبر ما يدل عليه قوله باب الاعتكاف وخروج النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة عشرين أورد فيه حديث أبي سعيد وقد تقدم الكلام عليه قريبا وكأنه أراد بالترجمة تأويل ما وقع في حديث مالك من قوله فلما كانت ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من اعتكافه صبيحتها وقد تقدم توجيه ذلك وأن المراد بقوله صبيحتها التي قبلها قال بن بطال هو مثل قوله تعالى لم يلبثوا الا عشية أو ضحاها فاضاف الضحى إلى العشية وهو قبلها وكل شئ متصل بشئ فهو مضاف إليه سواء كان قبله أو بعده قوله اريت بضم أوله وكسر الراء وفي رواية الكشميهني رأيت بتقديم الراء وفتحها قوله نسيتها بفتح النون وللكشميهني بضمها وتثقيل السين قوله رأيت أني اسجد في رواية الكشميهني رأيت أن اسجد قال القفال معناه أنه رأى من يقول له في النوم ليلة القدر ليلة كذا وكذا وعلامتها كذا وكذا وليس معناه أنه رأى ليلة القدر نفسها ثم نسيها لأن مثل ذلك لا ينسى قلت وقد تقدم للمصنف أن جبريل هو المخبر له بذلك قوله باب اعتكاف المستحاضة أورد فيه حديث عائشة أعتكف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مستحاضة من أزواجه وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الحيض وفي وهذا اللفظ رد لقول من قال يحمل على أن قوله امرأة من نسائه أي من النساء اللواتي لهن به تعلق لأنه لم ينقل أن امرأة من أزواجه صلى الله عليه وسلم استحاضت وتقدم ذكر المستحاضة في عهده والخلاف فيهن ويستدرك هنا أن تسمية هذه الزوجة وقع في رواية سعيد بن منصور عن إسماعيل وهو بن علية حدثنا خالد وهو الحذاء الذي أخرجه المصنف من طريقه فذكر الحديث وزاد فيه قال وحدثنا به خالد مرة أخرى عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة فافاد بذلك معرفة عينها وازداد بذلك عدد المستحاضات والله أعلم قوله باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه ذكر في حديث صفية من وجهين عن الزهري أحدهما من طريق عبد الرحمن ابن خالد بن مسافر وهي موصولة والأخرى طريق هشام بن يوسف عن معمر وهي مرسلة وساقه هنا على لفظ معمر واعاده بالإسناد المذكور هنا من طريق بن مسافر في فرض الخمس على يسير وقد بينت ما فيه من الفوائد قريبا قوله في انفسكما هو مثل قوله في الرواية الأخرى في قلوبكما واضافة لفظ الجمع إلى المثنى كثير مسموع كقوله تعالى فقد صغت قلوبكما قوله باب هل يدرا بفتح أوله وسكون الدال بعدها راء ثم همزة مضمومة أي يدفع وقوله عن نفسه أي

[ 244 ]

بالقول والفعل وقد دل الحديث على الدفع بالقول فيلحق به الفعل وليس المعتكف بأشد في ذلك من المصلي ثم أورد المصنف فيه حديث صفية أيضا من وجهين عن الزهري أحدهما طريق بن أبي عتيق وهي موصولة وإسماعيل بن عبد الله شيخه هو بن أبي أويس وأخوه أبو بكر وسليمان هو بن بلال والإسناد كله مدنيون والأخرى طريق سفيان وهي مرسلة وساقه على لفظ سفيان واعاده بالإسناد المذكور هنا من طريق بن أبي عتيق في الأدب على يسير وقد بينت ما فيه أيضا قوله قلت لسفيان وهو بن عيينة القائل هو على بن عبد الله بن المديني شيخ البخاري وقوله وهل هو الا ليلا أي وهل ومع الإتيان الا في الليل وليس المراد نفى امكانه بل نفى وقوعه وقد وقع عند النسائي من طريق عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيينة في نفس الحديث أن صفية أتت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة قوله باب من خرج من اعتكافه عند الصبح ذكر فيه حديث أبي سعيد أيضا وقد تقدم الكلام عليه مستوفى وهو محمول على أنه أراد اعتكاف الليالي دون الأيام وسبيل من أراد ذلك أن يدخل معي غروب الشمس ويخرج بعد طلوع الفجر فإن أراد اعتكاف الأيام خاصة فيدخل مع طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس فإن أراد اعتكاف الأيام والليالي معا فيدخل قبل غروب الشمس ويخرج بعد غروب الشمس أيضا وقد وقع في حديث الباب فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا وهو مشعر بأنهم اعتكفوا الليالي دون الأيام وحمله المهلب على نقل أثقالهم وما يحتاجون إليه من آلة الأكل والشرب والنوم إذ لا حاجة لهم بها في ذلك اليوم فإذا كان المساء خرجوا خفافا ولذلك قال نقلنا متاعنا ولم يقل خرجنا وقد تقدم في باب تحرى ليلة القدر من وجه آخر فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة ويستقبل إحدى وعشرين رجع وبذلك يجمع بين الطريقين فإن القصة واحدة والحديث واحد وهو حديث أبي سعيد قوله حدثنا عبد الرحمن بن بشر كذا للأكثر وليس في رواية الأصيلي وكريمة قوله بن بشر وذكره النسفي وحده تعليقا فقال وعبد الرحمن حدثنا سفيان وهو بن عيينة قوله عن بن جريج في رواية القدرة في مسنده عن سفيان حدثنا ابن جريج قوله عن سليمان زاد القدرة بن أبي مسلم قوله وحدثنا محمد بن عمرو القائل هو سفيان وهو بن عيينة وهو القائل أيضا وأظن أن بن أبي لبيد حدثنا والحاصل أن لسفيان فيه ثلاثة أشياخ حدثوه به عن أبي سلمة وقد أخرجه أحمد عن سفيان قال حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة وابن أبي لبيد عن أبي سلمة سمعت أبا سعيد ولم يقل وأظن ومحمد بن عمرو هو بن علقمة المؤذن ولم يخرج له البخاري الا مقرونا قوله باب الاعتكاف في شوال ذكر فيه حديث عمرة عن عائشة وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في باب اعتكاف النساء قوله حدثنا محمد في رواية كريمة هو بن سلام قوله فإذا صلى الغداة دخل مكانه في رواية الكشميهني حل بمهملة وتشديد

[ 245 ]

قوله باب من لم ير عليه إذا أعتكف صوما ذكر فيه قصة عمر في نذره اعتكاف ليلة وقد تقدمت مباحثه في باب الاعتكاف ليلا قوله باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم اسلم أي هل يلزمه الوفاء بذلك أم لا ذكر فيه قصة عمر أيضا وترجم له في أبواب النذر إذا نذر أو حلف لا يكلم إنسانا في الجاهلية ثم أسلم وكأنه الحق اليمين بالنذر لاشتراكهما في التعليق وفيه إشارة إلى أن النذر واليمين ينعقد في الكفر حتى يجب الوفاء بهما على من أسلم وستاتى مباحثه في كتاب النذر أن شاء الله تعالى قوله قال أراه ليلة بضم أوله أي أظنه والقائل ذلك هو عبيد شيخ البخاري أو البخاري نفسه فقد رواه الاسماعيلي وغيره من طريق أخرى عن أبي أسامة بغير شك قوله باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان كأنه أشار بذلك إلى أن الاعتكاف لا يختص بالعشر الأخير وأن كان الاعتكاف فيه أفضل قوله حدثنا أبو بكر هو ابن عياش وأبو حصين بفتح أوله هو عثمان بن عاصم والإسناد إلى أبي صالح كوفيون قوله يعتكف في كل رمضان عشرة أيام في رواية يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عند النسائي يعتكف العشر الأواخر من رمضان قال بن بطال مواظبته صلى الله عليه وسلم على الاعتكاف تدل على أنه من السنن المؤكدة وقد روى بن المنذر عن بن شهاب أنه كان يقول عجبا للمسلمين تركوا الاعتكاف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله اه وقد تقدم قول مالك أنه لم يعلم أن أحدا من السلف أعتكف الا أبا بكر بن عبد الرحمن وأن تركهم لذلك لما فيه من الشدة قوله فلما كان العام الذي قبض فيه أعتكف عشرين قيل السبب في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم علم بانقضاء أجله فأراد أن يستكثر من أعمال الخير ليبين لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمل فعزيمة الله على خير أحوالهم وقيل السبب فيه أن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل رمضان مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين فلذلك أعتكف قدر ما كان يعتكف مرتين ويؤيده أن عند بن ماجة عن هناد عن أبي بكر بن عياش في آخر حديث الباب متصلا به وكان يعرض عليه القرآن في كل عام مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين وقال بن العربي يحتمل أن يكون سبب ذلك انه لما ترك الاعتكاف في العشر الأخير بسبب ما وقع من أزواجه واعتكف بدله عشرا من شوال أعتكف في العام الذي يليه عشرين ليتحقق قضاء العشر في رمضان اه وأقوى من ذلك أنه إنما أعتكف في ذلك العام عشرين لأنه كان العام الذي قبله مسافرا ويدل لذلك ما أخرجه النسائي وللفظ له وأبو داود وصححه بن حبان وغيره من حديث بن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاما فلم يعتكف فلما كان العام المقبل أعتكف عشرين ويحتمل تعدد هذه القصة بتعدد السبب فيكون مرة بسبب ترك الاعتكاف لعذر السفر ومرة بسبب عرض القرآن مرتين وأما مطابقة الحديث للترجمة فإن الظاهر بإطلاق العشرين أنها متوالية فيتعين لذلك العشر الأواسط أو أنه حمل المطلق في هذه الرواية على المقيد في الروايات الأخرى قوله باب من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج أورد فيه حديث عمرة

[ 246 ]

عن عائشة وقد تقدمت مباحثه وفيه إشارة إلى الجزم بأنه لم يدخل في الاعتكاف ثم خرج منه بل تركه قبل الدخول فيه وهو ظاهر السياق خلافا لمن خالف فيه قوله باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل أورد فيه حديث عائشة من طريق معمر عن الزهري عن عروة عنها وقد تقدم الكلام عليه في أوائل الاعتكاف تنبيه الرأس مذكر اتفاقا ووهم من أنثه من الفقهاء وغيرهم خاتمة اشتملت أحاديث التراويح وليلة القدر والاعتكاف من الأحاديث المرفوعة على تسعة وثلاثين حديثا المعلق منها حديثان المكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثون حديثا والخالص منها تسعة أحاديث وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث بن عباس في ليلة القدر وحديث أبي هريرة في اعتكاف عشرين ليلة وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم أثر عمر في جمع الناس على أبي بن كعب في التراويح وهو موصول وأثر الزهري في ذلك وأثر بن عيينة في ليلة القدر وأثر بن عباس في التماس ليلة القدر ليلة أربع وعشرين والله أعلم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب البيوع وقول الله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا وقوله إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها كذا للأكثر ولم يذكر النسفي ابن أبو ذر الآيتين والبيوع جمع بيع وجمع لاختلاف انواعه والبيع نقل ملك إلى الغير بثمن والشراء قبوله ويطلق كل منهما على الآخر واجمع المسلمون على جواز البيع والحكمة تقتضيه لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبا وصاحبه قد لا يبذله له ففي تشريع البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج والاية الأولى أصل في جواز البيع وللعلماء فيها أقوال اصحها أنه عام مخصوص فإن اللفظ لفظ عموم يتناول كل بيع فيقتضى إباحة الجميع لكن قد منع الفاء بيوعا أخرى وحرمها فهو عام في الإباحة مخصوص بما لا يدل الدليل على منعه وقيل عام أريد به الخصوص وقيل مجمل بينته السنة وكل هذه الأقوال تقتضي أن المفرد المحلي بالألف واللام يعم والقول الرابع أن اللام في البيع للعهد وإنها نزلت بعد أن أباح الشرع بيوعا وحرم بيوعا فاريد بقوله وأحل الله البيع أي الذي أحله الشرع من قبل ومباحث الشافعي وغيره أخذت على أن البيوع الفاسدة تسمى بيعا وأن كانت لا يقع بها الحنث لبناء الإيمان على العرف والاية الأخرى أخذت على إباحة التجارة في البيوع الحالة واولها في البيوع المؤجلة قوله باب ما جاء في قول الله عز وجل فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله قوله فضل الله إلى آخر السورة كذا لأبي ذر وللنسفي الآيتين أي إلى آخر الآيتين وساق في رواية كريمة الآيتين يشاءه قوله وقوله لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم والاية الأولى يؤخذ منها مشروعية البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل لأنه يشمل التجارة وانواع التكسب واختلف في الأمر المذكور فالأكثر على أنه للإباحة ونكتتها مخالفة أهل الكتاب في منع ذلك يوم السبت فلم يحظر ذلك على المسلمين وقال الداودي الشارح هو على الإباحة لمن له كفاف ولم لا يطيق التكسب وعلى الوجوب للقادر الذي لا شئ عنده لئلا يحتاج إلى السؤال وهو محرم عليه مع القدرة على التكسب وسيأتي بقية تفسير الآيتين في

[ 247 ]

تفسير الجمعة وأغرب بعض الشراح فقال أن الآيات المذكورة ظاهرة في إباحة التجارة الا الأخيرة فهي إلى النهى عنها أقرب يعني قوله وإذا رأوا تجارة أو لهوا الخ ثم أجاب بان التجارة المذكورة مقيدة بالصفة المذكورة فمن ثم اشير إلى ذمها فلو خلت عن المعارض لم تذم والذي يظهر أن مراد البخاري بهذه الترجمة قوله وابتغوا من فضل الله وأما ذكر التجارة فيها فقد أفرده بترجمة تأتي بعد ثمانية أبواب والاية الثانية فيها تقييد التجارة المباحة بالتراضي وقوله أموالكم أي مال كل إنسان لا يصرفه في محرم أو المعنى لا يأخذ بعضكم مال بعض وقوله الا أن تكون الاستثناء منقطع اتفاقا والتقدير لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل لكن أن حصلت بينكم تجارة وتراضيتم بها فليس بباطل وروى أبو داود من حديث أبي سعيد مرفوعا إنما البيع عن تراض وهو طرف من حديث طويل وروى الطبري من مرسل أبي قلابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يتفرق بيعان الا عن رضا ورجاله ثقات ومن طريق أبي زرعة بن عمرو أنه كان إذا بايع رجلا يقول له خيرني ثم يقول قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفترق اثنان يعني في البيع الا عن رضا وأخرجه أبو داود أيضا وسيأتي الكلام في الخيار قريبا أن شاء الله تعالى ومن طريق سعيد عن قتادة أنه تلا هذه الآية فقال التجارة رزق من رزق الله لمن طلبها بصدقها ثم ذكر البخاري في الباب أربعة أحاديث الأول حديث أبي هريرة قوله أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة كذا في رواية شعيب وقد تقدم في أو اخر كتاب العلم من طريق مالك عن الزهري فقال عن الأعرج وهو صحيح عن الزهري عن كل منهم وطريقه عن الأعرج مختصرة وسيأتي في الاعتصام من طريق سفيان عن الزهري أتم منه وقد تقدمت مباحث الحديث هناك والمقصود منه قول أبي هريرة أن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق والصفق بفتح المهملة ووقع في رواية القابسي بالسين وسكون الفاء بعدها قاف والمراد به التبايع وسميت البيعة صفقة لأنهم اعتادوا عند لزوم البيع ضرب كف أحدهما بكف الآخر إشارة إلى أن الاملاك تضاف إلى الأيدي فكان يد كل واحد استقرت على ما صار له ووجه الدلالة منه وقوع ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم واطلاعه عليه وتقريره له قوله على ملء بطني أي مقتنعا بالقوت أي فلم تكن له غيبة عنه قوله نمرة بفتح النون وكسر الميم أي كساء ملونا وقال ثعلب هي ثوب مخطط وقال القزاز دراعة تلبس فيها سواد وبياض وقد تقدمت بقية مباحثه في أو اخر كتاب العلم لأنه ساق هذا الكلام الأخير هناك من وجه آخر عن أبي هريرة ويأتي شئ من ذلك في كتاب الاعتصام الحديث الثاني حديث عبد الرحمن بن عوف قوله عن جده هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قوله قال قال عبد الرحمن بن عوف في رواية أبي نعيم في المستخرج من طريق يحيى الحمائى عن إبراهيم بن سعد بسنده عن عبد الرحمن بن عوف فهو من مسند عبد الرحمن وقد أخرجه المصنف في فضائل الأنصار عن إسماعيل بن عبد الله وهو بن أبي أويس عن إبراهيم بن سعد فقال عن أبيه عن جده قال لما قدموا المدينة أخي الخ فهو من هذه الطريق مرسل وقد تبين لي بالطريق التي في هذا الباب أنه موصول قوله اخى تقدم في الصيام بيان وقت المؤاخاة في قصة سلمان وأبي الدرداء قوله سعد بن الربيع سأذكر ترجمته في فضائل الأنصار

[ 248 ]

قوله نزلت لك عنها أي طلقتها لأجلك وحلت أي انقضت عدتها وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفى في الوليمة من كتاب النكاح أن شاء الله تعالى قال بن التين كان هذا القول من سعد قبل أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار أن يكفوا المهاجرين العمل ويعطوهم نصف الثمرة قوله قينقاع بفتح القاف وسكون التحتانية وضم النون بعدها قاف قبيلة من اليهود نسب السوق إليهم وذكر بن التين أنه ضبط قينقاع بكسر النون في أكثر نسخ القابسي وهو صواب أيضا وقد حكى فتحها أيضا صرف قينقاع على إرادة الحي وتركه على إرادة القبيلة قوله تابع الغدو أي داوم الذهاب إلى السوق للتجارة الحديث الثالث حديث أنس في قصة عبد الرحمن بن عوف المذكورة وقد أورده المصنف من طرق عن حميد عن ثابت وعن عبد العزيز بن صهيب كلهم عن أنس وليس في شئ منها أن أنسا حمله عن عبد الرحمن الا ما وقع في رواية لمسلم والنسائي عن طريق عبد العزيز عن أنس فقال عن عبد الرحمن بن عوف قال رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى فذكر الحديث ووقع عند الدارقطني من طريق مالك عن حميد عن أنس عن عبد الرحمن بن عوف أيضا وذكر أن روح بن عبادة تفرد به عن مالك والمحفوظ عنه كما رواه الجماعة وسيأتي الكلام على حديث أنس وبيان فوائد طرقه واختلافها في الوليمة أن شاء الله تعالى والغرض من إيراد هذين الحديثين اشتغال بعض الصحابة بالتجارة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره على ذلك وفيه أن الكسب من التجارة ونحوها أولي من الكسب من الهبة ونحوها الحديث الرابع حديث بن عباس في ذكر اسواق الجاهلية وتقريرها في الإسلام وقد تقدم الكلام عليه في اثناء كتاب الحج وقوله فيه وكان الإسلام أي وجاء الإسلام فكان هنا تامة وتأثموا أي طرحوا الإثم والمعنى تركوا التجارة في الحج حذرا من الإثم وقراءة بن عباس في مواسم الحج معدودة من الشاذ الذي صح إسناده وهو حجة وليس بقران قوله باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات ذكر فيه حديث النعمان بن بشير بلفظ الترجمة وزيادة فأورده من طريقتين عن الشعبي عنه والثانية من طريقتين عن أبي فروة عن الشعبي فأورده أولا من طريق عبد الله بن عون عن الشعبي ثم من طريق بن عيينة عن أبي فروة عن الشعبي صرح تارة بالتحديث لابن عيينة عن أبي فروة وثانيا بالتصريح بسماع أبي فروة من الشعبي وقد أخرجه القدرة في مسنده عن بن عيينة فصرح فيه بتحديث أبي فروة له وبسماع أبي فروة من الشعبي وبسماع من النعمان على المنبر وبسماع النعمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ساق المصنف من طريق سفيان وهو الثوري عن أبي فروة وساقه على يسير كما صرح بذلك أبو نعيم في المستخرج وأما لفظ بن عيينة فقد أخرجه بن خزيمة

[ 249 ]

في صحيحه والاسماعيلي من طريقه ولفظ حلال بين وحرام بين ومشتبهات بين ذلك فذكره وفي آخره ولكل ملك حمى وحمى الله في الأرض معاصيه وأما لفظ بن عون فأخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما بلفظ أن الحلال بين وأن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات وأحيانا يقول مشتبهة وسأضرب لكم في ذلك مثلا أن الله حمى حمى وإن حمى الله ما حرم وأنه من يرع حول الحمى يوشك أن يخالطه وأنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر وأبو فروة المذكور هو الأكبر واسمه عروة بن الحارث الهمداني الكوفي ولهم أبو فروة الأصغر الجهني واسمه مسلم بن سالم ما له في البخاري سوى حديث واحد في أحاديث الأنبياء قوله قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية الأولى سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وقد قدمت في الإيمان الرد على من نفى سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم قوله الحلال بين والحرام بين الخ فيه تقسيم الأحكام إلى ثلاثة أشياء وهو صحيح لأن الشئ إما أن ينص على طلبه من الوعيد على تكره أو ينص على تركه مع الوعيد على فعله أو لا ينص على واحد منهما فالأول الحلال البين والثاني الحرام البين فمعنى قوله الحلال بين أي لا يحتاج إلى بيانه ويشترك في معرفته كل أحد والثالث مشتبه لخفائه فلا يدري هل هو حلال أو حرام وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه لأنه إن كان في نفس الأمر حراما فقد برئ من تبعتها وإن كان حلالا فقد أجر على تكرها بهذا القصد لأن الأصل في الأشياء مختلف فيه حظرا وإباحة والأولان قد يردان جميعا فإن علم المتأخر منهما وإلا فهو من حيز القسم الثالث وسأذكر ما فسرت به الشبهة بعد هذا الباب والمراد أنها مشتبهة على بعض الناس بدليل قوله عليه السلام لا يعلمها كثير من الناس وقد تقدم الكلام على ذلك وعلى هذا الحديث مستوفى في باب فضل من استبرأ لدينه وعرضه من كتاب الإيمان وقد توارد أكثر الأئمة المخرجين له على إيراده في كتاب البيوع لأن الشبهة في المعاملات أنكر فيها كثيرا وله تعلق أيضا بالنكاح وبالصيد والذبائح والأطعمة والأشربة وغير ذلك مما لا يخفى والله المستعان وفيه دليل على جواز الجرح والتعديل قاله البغوي في شرح السنة واستنبط منه بعضهم منع إطلاق الحلال والحرام على ما لا نص فيه لأنه من جملة ما لم يستبن لكن قوله صلى الله عليه وسلم لا يعلمها كثير من الناس يشعر بأن منهم من يعلمها وقوله في هذه الطريق استبان أي ظهر تحريمه وقوله أوشك أي قرب لأن متعاطي الشبهات قد يصادف الحرام وإن لم يتعمده أو يقع فيه لاعتياده التساهل قوله باب تفسير المشبهات بتشديد الموحدة وللنسفي بضمتين مخففا بغير ميم ولابن عساكر بضم الميم وزيادة تاء لما تقدم في حديث النعمان بن بشير أن الشبهات لا يعلمها كثير من الناس واقتضى ذلك أن بعض الناس يعلمها أراد المصنف أن يعرف الطرق إلى معرفتها لتجتنب فذكر أو لا ما يضبطها ثم أورد أحاديث يؤخذ منها مراتب ما يجب اجتنابه منها ثم ثنى بباب فيه بيان ما يستحب منها ثم ثلث بباب فيه بيان ما يكره الحربي ذلك أن الشئ أما أن يكون أصله التحريم أو الإباحة أو يشك فيه فالأول كالصيد فإنه يحرم أكله قبل ذكاته فإذا شك فيها لم يزل عن التحريم الا بيقين واليه الإشارة بحديث عدي بن حاتم والثاني كالطهارة إذا حصلت لا ترفع الا بيقين الحدث واليه الإشارة بحديث عبد الله بن زيد في الباب الثالث ومن امثلته من له زوجة وعبد وشك هل طلق أو أعتق فلا عبرة بذلك وهما على ملكه والثالث ما لا يتحقق أصله ويتردد بين الحظر والاباحة فالأولى تركه

[ 250 ]

واليه الإشارة بحديث التمرة الساقطة في الباب الثاني قوله وقال حسان بن أبي سنان هو البصري أحد العبد في زمن التابعين وليس له في البخاري سوى هذا الموضع وقد وصله أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عنه بلفظ إذا شككت في شئ فاتركه ولأبي نعيم من وجه آخر اجتمع يونس بن عبيد وحسان بن أبي سنان فقال يونس ما عالجت شيئا أشد على من الورع فقال حسان ما عالجت شيئا أهون على منه قال كيف قال حسان تركت ما يريبني إلى ما لا يريبني فاسترحت قال بعض العلماء تكلم حسان على قدر مقامه والترك الذي أشار إليه أشد على كثير من الناس من تحمل كثير من المشاق الفعلية وقد ورد قوله دع ما يريبك إلى ما لا يريبك مرفوعا أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان والحاكم من حديث الحسن بن على وفي الباب عن أنس عند أحمد من حديث بن عمر عند الطبراني في الصغير ومن حديث أبي هريرة وواثلة بن الأسقع ومن قول بن عمر أيضا وابن مسعود وغيرهما قوله يريبك بفتح أوله ويجوز الضم يقال رابه يريبه بالفتح وأرابه يريبه بالضم ريبة وهي الشك والتردد والمعنى إذا شككت في شئ فدعه وترك ما يشك فيه أصل عظيم في الورع وقد روى الترمذي من حديث عطية السعدي مرفوعا لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس وقد تقدمت الإشارة إليه في كتاب الإيمان قال الخطابي كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه ثم هو على ثلاثة أقسام واجب ومستحب ومكروه فالواجب اجتناب ما يستلزمه ارتكاب المحرم والمندوب اجتناب معاملة من أكثر ماله حرام والمكروه اجتناب الرخص المشروعة على سبيل التنطع الحديث الأول حديث عقبة بن الحارث في الرضاع ووجه الدلالة منه قوله كيف وقد قيل فإنه يشعر بان أمره بفراق امرأته إنما كان لأجل قول المرأة أنها أرضعتهما فاحتمل أن يكون صحيحا فيرتكب الحرام فأمره بفراقها احتياطا على قول الأكثر وقيل بل قبل شهادة المرأة وحدها على ذلك وستاتى مباحثه في كتاب الشهادات أن شاء الله تعالى الحديث الثاني حديث عائشة في قصة بن وليدة زمعة وستاتى مباحثه في كتاب الفرائض ووجه الدلالة منه قوله صلى الله عليه وسلم احتجى منه يا سودة مع حكمة بأنه أخوها لأبيها لكن لما رأى الشبه البين فيه من غير زمعة أمر سودة بالاحتجاب منه احتياطا في قول الأكثر واعترض الداودي فقال ليس هذا الحديث من هذا الباب في شئ وأجاب بن التين بان وجهه أن المشبهات ما أشبهت الحلال من وجه والحرام من وجه وبيانه من هذه القصة أن الحاقه بزمعة يقتضى أن لا تحتجب منه سودة والشبه بعتبة يقتضى أن تحتجب وقال بن القصار إنما حجب سودة منه لأن للزوج أن يمنع زوجته من أخيها وغيره من اقاربها وقال غيره بل وجب ذلك لغلظ أمر الحجاب في حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولو اتفق مثل ذلك لغيره لم يجب الاحتجاب كما وقع في حق الاعرابي الذي قال له لعله نزعه عرق الحديث الثالث حديث عدي بن حاتم في الصيد ووجه

[ 251 ]

الدلالة منه قوله إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر فبين له وجه المنع وهو ترك التسمية وأبعد من استدل به على سد الذرائع قوله باب ما يتنزه بضم أوله أي يجتنب من الشبهات وللكشميهني يكره بدل يتنزه قوله حدثنا سفيان هو الثوري ومنصور هو بن المعتمر وطلحة هو بن مطرف والإسناد كله كوفيون الا الصحابي فإنه سكن البصرة وقد دخل الكوفة مرارا وصرح يحيى القطان بالتحديث بين منصور وسفيان كما سيأتي في اللقطة قوله مسقوطة كذا للأكثر وفي رواية كريمة مسقطة بضم أوله وفتح القاف قال بن التيمي قوله مسقوطة كلمة غريبة لأن المشهور أن سقط السري والعرب قد تذكر الفاعل بلفظ المفعول واستشهد له الخطابي بقوله تعالى كان وعده مأتيا أي أتيا وقال بن التين مسقوطة بمعنى ساقطة كقوله حجابا مستورا أي ساترا وقال بن مالك في الشواهد قوله مسقوطة بمعنى مسقطة ولا فعل له ونظيره مرقوق بمعنى مرق أي مسترق عن بن جنى قال وكما جاء مفعول ولا فعل له جاء فعل ولا مفعول له كقراءة النخعي عموا وصموا بضم اولهما ولم يجئ مصموم اكتفاء باصم قلت وقد أخرجه الاسماعيلي من وجه آخر عن قبيصة شيخ البخاري فيه فقال مطروحة أخرجه أبو نعيم من وجهين آخرين عن قبيصة شيخ البخاري فيه فقال بتمرة ولم يقل مسقوطة ولا مسقطة قوله وقال همام الخ وصله في اللقطة بتمامه ولفظه أني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة بعلي فراشي فارفعها لاكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فالقيها قلت ولم يستحضر الكرماني لفظ رواية همام فقال تمام الحديث غير مذكور وهو لولا أن تكون صدقة لأكلتها قلت والنكتة في ذكره هنا ما فيه من تعيين المحل الذي رأى فيه التمرة وهو فراشه صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يأكلها وذلك أبلغ في الورع قال المهلب لعله صلى الله عليه وسلم كان يقسم الصدقة ثم يرجع إلى أهله فيعلق بثوبه من تمر الصدقة شئ فيقع في فراشه وإلا فما الفرق بين هذا وبين أكله من اللحم الذي تصدق به على بريرة قلت ولم ينحصر وجود شئ من تمر الصدقة في غير بيته حتى يحتاج إلى هذا التأويل بل يحتمل أن يكون ذلك التمر حمل إلى بعض من يستحق الصدقة ممن هو في بيته خلفتموني تسليم ذلك له أو حمل إلى بيته فقسمه فبقيت منه بقية وقد روى أحمد من طريق عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال تضور النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقيل له ما اسهرك قال أني وجدت تمرة ساقطة فآكلتها ثم ذكرت تمرا كان عندنا من تمر الصدقة فما أدري أمن ذلك كانت التمرة أو من تمر أهلي فذلك أسهرني وهو أمرهم على التعدد وأنه لما اتفق له أكل التمرة كما في هذا الحديث وأقلقه ذلك صار بعد ذلك إذا وجد مثلها مما يدخل التردد تركه احتياطا ويحتمل أن يكون في حالة أكله إياها كان في مقام التشريع وفي حال تركه كان في خاصة نفسه وقال المهلب إنما تركها صلى الله عليه وسلم تورعا وليس بواجب لأن الأصل أن كل شئ في بيت الإنسان على الإباحة حتى يقوم دليل على التحريم وفيه تحريم قليل الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم ويؤخذ منه تحريم كثيرها من باب أولي قوله باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات في رواية الكشميهني من المشبهات بميم وتثقيل وفي نسخة بمثناة بدل التثقيل والكل بمعنى مشكلات وهذه الترجمة معقودة لبيان ما يكره من التنطع في الورع قال الغزالي الورع أقسام ورع الصديقين وهو ترك ما لا يتناول بغير نية القوة على العبادة وورع المتقين وهو ترك

[ 252 ]

ما لا شبهة فيه ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام وورع الصالحين وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين قال ووراء ذلك ورع تقديم وهو ترك ما يسقط الشهادة أي أعم من أن يكون ذلك المتروك حراما أم لا انتهى وغرض المصنف هنا بيان ورع الموسوسين كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم أفلت منه وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري آماله حلال أم حرام وليست هناك علامة أخذت على الثاني وكمن يترك تناول الشئ لخبر ورد فيه متفق على ضعفه وعدم الاحتجاج به ويكون دليل إباحته قويا وتاويله ممتنع أو مستبعد ثم ذكر فيه حديثين الأول قوله عن الزهري في رواية القدرة عن سفيان حدثنا الزهري قوله عن عباد بن تميم عن عمه هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني وفي رواية القدرة المذكورة أخبرني سعيد هو بن المسيب وعباد بن تميم عن عبد الله بن زيد وقد تقدم في الطهارة عن أبي نعيم عن سفيان وسياقه يشعر بان طريق سعيد مرسلة وطريق عباد موصولة ولم يتعرض المزي لتمييز ذلك في الأطراف قوله وقال بن أبي حفصة وهو محمد وكنيته أبو سلمة واسم والد أبي حفصة ميسرة وهو بصري نزل الجزيرة وظن الكرماني أن محمدا هذا وسالما بن أبي حفصة وعمارة بن أبي حفصة أخوة فجزم بذلك هنا فوهم فيه وهما فاحشا فإن والد سالم لا يعرف اسمه وهو كوفي ووالد عمارة اسمه نابت بالنون ثم موحدة ثم مثناة وهو بصري أيضا لكن ميسرة مولى نابت عربي وسالم بن أبي حفصة من طبقة أعلى من طبقة الإثنين قوله لا وضوء الخ وصل أحمد أثر بن أبي حفصة المذكور من طرق ووقع لنا بعلو في مسند أبي العباس السراج ولفظه عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه مرفوعا باللفظ المعلق ومشى بعض الشراح على ظاهر قول البخاري عن الزهري لا وضوء الخ فجزم بأن هذا المتن من كلام الزهري وليس كما ظن لما ذكرته عن مسندي أحمد والسراج وقد جرت عادة البخاري بهذا الاختصاص كثيرا والتقدير عن الزهري بهذا السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال لا وضوء الحديث وأقرب أمثلة ذلك ما مضى في الصوم في باب إذا أفطر رمضان ثم طلعت الشمس فإنه أورد حديث الباب من رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء قالت أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس قيل لهشام أمروا بالقضاء قال وبد من قضاء قال البخاري وقال معمر سمعت هشاما لا أدري اقضوا أم لا فهذا أيضا فيه حذف تقديره سمعت هشاما عن معمر عن هشام بالسند والمتن وقال في آخره فقال إنسان لهشام اقضوا أم لا قال لا أدري وقد أخرجه عبد الرزاق عن معمر كذلك واوردته من مسند عبد بن حميد عاليا عن عبد الرزاق عم معمر سمعت هشاما عن فاطمة عن أسماء فذكرت الحديث قال فقال إنسان لهشام اقضوا أم لا قال لا أدري تنبيه اختصر بن أبي حفصة هذا المتن اختصارا مجحفا فإن يسير يعم ما إذا وقع الشك انظر الصلاة وخارجها ورواية غيره من اثبات أصحاب الزهري تقتضي تخصيص ذلك بمن كان انظر الصلاة ووجهه أن خروج الريح من المصلي هو الذي يقع له غالبا بخلاف غيره من النواقض فإنه لا يهجم عليه الا نادرا وليس المراد حصر نقض الوضوء بوجود الريح الثاني حديث عائشة في التسمية على الذبيحة وقد استدل به على أن التسمية ليست شرطا لصحة الذبح وقد استدل به على أن التسمية ليست شرطا في

[ 253 ]

جواز الأكل من الذبيحة وسيأتي تقريره والجواب عما أورد عليه وسائر مباحثه في كتاب الذبائح مستوفى إن شاء الله تعالى وهو أصل في تحسين الظن بالمسلم وأن أموره محمولة على دابة ولا سيما أهل ذلك العصر قوله باب قول الله عز وجل وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن التجارة وأن كانت ممدوحة باعتبار كونها من المكاسب الحلال فإنها قد تذم إذا قدمت على ما يجب تقديمه عليها وقد أورد في الباب حديث جابر في قصة انفضاض الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ومضى الكلام عليه مبسوطا في كتاب الجمعة ويأتي بعضه في تفسير سورة الجمعة أن شاء الله تعالى قوله باب من لم يبال من حيث كسب المال في هذه الترجمة إشارة إلى ذم ترك التحري في المكاسب قوله يأتي على الناس زمان في رواية أحمد عن يزيد عن بن أبي ذئب بسنده ليأتين على الناس زمان وللنسائي من وجه آخر يأتي على الناس زمان ما يبالي الرجل من أين أصاب المال من حل أو حرام وهذا ما أورده النسائي من طريق محمد بن عبد الرحمن عن الشعبي عن أبي هريرة ووهم المزي في الأطراف فظن أن محمد بن عبد الرحمن هو بن أبي ذئب فترجم به للنسائي مع طريق البخاري هذه عن بن أبي ذئب وليس كما ظن فإني لم أقف عليه في جميع النسخ التي وقفت عليها من النسائي الا عن الشعبي لا عن سعيد ومحمد بن عبد الرحمن المذكور عنه أظنه بن أبي ليلى لا بن أبي ذئب لأني لا أعرف لابن أبي ذئب رواية عن الشعبي وقال بن التين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا تحذيرا من فتنة المال وهو من بعض دلائل نبوته لاخباره بالأمور التي لم تكن في زمنه ووجه الذم من جهة التسوية بين الامرين وإلا فأخذ المال من الحلال ليس مذموما من حيث هو والله أعلم قوله باب التجارة في البر وغيره لم يقع في رواية الأكثر قوله وغيره وثبتت عند الاسماعيلي وكريمة واختلف في ضبظ البز فالأكثر على أنه بالزاى وليس في الحديث ما يدل عليه بخصوصه بل بطريق عموم المكاسب المباحة وصوب بن عساكر أنه بالراء وهو أليق بمؤاخاة الترجمة التي بعد هذه بباب وهو التجارة في البحر وكذا ضبطها الدمياطي وقرأت بخط القطب الحلبي ما يدل على أنها مضبوطة عند بن بطال وغيره بضم الموحدة بالراء قال وليس سفى الباب ما يقتضى تعيينه من بين يجري التجارة اه وقد أخطأ من زعم أنه بالراء تصحيف إذ ليس في الآية ولا الحديث ولا الآثار اللاتي أوردها في الباب ما يرجح أحد اللفظين قوله وقوله عز وجل رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله أي وتفسير ذلك وقد روى على بن أبي طلحة عن بن عباس أن المعنى لا تلهيهم عن الصلاة المكتوبة وتمسك به قوم في مدح ترك التجارات وليس بواضح قوله وقال قتادة كان القوم يتبايعون الخ لم اقف عليه موصولا عنه وقد وقع لي من كلام بن عمر أخرجه عبد الرزاق عنه أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال بن عمر فيهم نزلت فذكر الآية وأخرج بن أبي حاتم عن بن مسعود نحوه وفي الحلية عن سفيان الثوري كانوا يتبايعون ولا يدعون الصلوات المكتوبات في الجماعة ثم أورد المصنف حديث زيد بن أرقم والبراء بن عازب في الصرف وسيأتي الكلام عليه في باب

[ 254 ]

بيع الورق بالذهب نسيئة بعد نيف وستين بابا وموضع الترجمة منه قوله فيه وكانا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خفي ذلك على القطب فقرأت بخطه لم يذكر أحد من الشراح مناسبة الترجمة لهذا الحديث فينظر تنبيه أبو المنهال المذكور في هذا الإسناد غير أبي المنهال صاحب أبي برزة الأسلمي في حديث المواقيت واسم هذا عبد الرحمن بن مطعم واسم صاحب أبي برزة سيار بن سلامة وأخرج البخاري الطريق الثانية بنزول رجل لأجل زيادة عامر بن مصعب مع عمرو بن دينار في رواية بن جريج عنهما عن أبي المنهال المذكور وعامر بن مصعب ليس له في البخاري سوى هذا الموضع الواحد قوله نسيئا بكسر المهملة وسكون التحتانية بعدها همزة وللكشميهني نساء بفتح النون والمهملة ومدة قوله باب الخروج في التجارة وقول الله عز وجل فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله قال بن بطال هو إباحة بعد حظر كقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وقال بن المنير في الحاشية غرض البخاري إجازة الحركات في التجارة ولو كانت بعيدة خلافا لمن يتنطع ولا يحضر السوق كما سيأتي في مكانه أن شاء الله تعالى قوله أن أبا موسى استأذن على عمر فلم يؤذن له زاد بشر بن سعيد عن أبي سعيد كما سيأتي في الاستئذان أنه استأذن ثلاثا قوله فقال كنا نؤمر بذلك في الرواية المذكورة أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع قوله فذهب معبد سعيد في الرواية المذكورة فأخبرت عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وفيه الدلالة على أن قول الصحابي كنا نؤمر بكذا أمرهم على الرفع ويقوى ذلك إذا ساقه مساق الاستدلال وفيه أن الصحابي الكبير القدر الشديد اللزوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد يخفى عليه بعض أمره ويسمعه من هو دونه وادعى بعضهم أنه يستفاد منه أن عمر كان لا يقبل الخبر من شخص واحد وليس كذلك لأن في بعض طرقه أن عمر قال أني أحببت أن أتثبت وستاتى فوائده مستوفاة في كتاب الاستئذان إن شاء الله تعالى وقد قبل عمر خبر الضحاك بن سفيان وحده في الدية وغير ذلك قوله فقال عمر أخفى على هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني الصفق بالأسواق يعني الخروج إلى التجارة كذا في الأصل وأطلق عمر على الاشتغال بالتجارة لهوا لأنها ألهته عن المريض ملازمته النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمع غيره منه ما لم يسمعه ولم يقصد عمر ترك الأصل الملازمة وهي أمر نسبي وكان احتياج عمر إلى الخروج للسوق من أجل الكسب لعياله والتعفف عن الناس وأما أبو هريرة فكان وحده فلذلك أكثر ملازمته وملازمة عمر للنبي صلى الله عليه وسلم لا تخفي كما سيأتي في ترجمته في المناقب واللهو مطلقا ما يلهى سواء كان حراما أو حلالا وفي الشرع ما يحرم فقط قوله باب التجارة في البحر أي إباحة ركوب البحر للتجارة وفي بعض النسخ وغيره فإن ثبت قوي قول من قرا البر فيما سبق بباب بضم أوله أو بالزاى قوله وقال مطر الخ هو مطر الوراق البصري مشهور في التابعين ووقع في رواية الحموي وحده وقال مطرف وهو تصحيف وبأنه الوراق وصفه المزي والقطب وآخرون وقال الكرماني الظاهر أنه بن الفضل المروزي شيخ البخاري وكان ظهور ذلك له من حيث أن الذين افردوا رجال البخاري كالكلا باذى لم يذكروا فيهم الوراق المذكور لأنهم لم يستوعبوا من علق لهم وقد أخرج بن أبي حاتم من طريق عبد الله بن شوذب عن مطر الوراق أنه كان لا يرى بركوب البحر بأسا ويقول ما ذكره الله تعالى

[ 255 ]

في القرآن الا بحق ووجه حمل مطر ذلك على الإباحة أنها سيقت في مقام الامتنان وتضمن ذلك الرد على من منع ركوب البحر وسيأتي بسط ذلك في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى قوله الفلك السفن الواحد والجمع سواء هو قول أكثر أهل اللغة ويدل عليه قوله تعالى في الفلك المشحون وقوله حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم فذكره في الأفراد والجمع بلفظ واحد وقيل أن الفلك بالضم والاسكان جمع فلك بفتحتين مثل أسد وأسد وقال صاحب المحكم السفينة فعلية بمعنى فاعلة سميت سفينة لأنها تسفن وجه الماء أي تفسره والجمع سفن وسفائن وسفين قوله وقال مجاهد الخ وصله الفريابي في تفسيره وكذلك عبد بن حميد من وجه آخر قال عياض ضبطه الأكثر بنصب السفن وعكسه الأصيلي والصواب الأول عند بعضهم بناء على أن الريح الفاعل وهي التي يطلق السفينة في الإقبال والادبار وضبط الأصيلي صواب وهو ظاهر القرآن إذ جعل الفعل للسفينة فقال مواخر فيه وقوله تمخر بفتح المعجمة أي تشق يقال مخرت السفينة إذا شقت الماء بصوت وقيل المخر الصوت نفسه وكأن مجاهدا أراد أن شق السفينة للبحر بصوت إنما هو بواسطة الريح ومعنى قوله ولا تمخر الخ أن الصوت لا يحصل الا من كبار السفن أو لا يحصل من الصغار غالبا قوله وقال الليث الخ هو طرف من حديث ساقه بتمامة في كتاب الكفالة كما سيأتي وسنذكر الكلام عليه ثم ووجه تعلقه بالترجمة ظاهر من جهة أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما ينسخه ولا سيما إذا ذكره صلى الله عليه وسلم مقررا له أو في سياق الثناء على فاعله أو ما أشبه ذلك ويحتمل أن يكون مراد المصنف بإيراد هذا أن ركوب البحر لم يزل متعارفا مألوفا من قديم الزمان فيحمل على أصل الإباحة حتى يرد دليل على المنع قوله في آخره حدثني عبد الله ابن صالح حدثنا الليث به فيه التصريح بوصل المعلق المذكور ولم يقع ذلك في أكثر الروايات في الصحيح ولا ذكره أبو ذر الا في هذا الموضع وكذا وقع في رواية أبي الوقت قوله باب وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وقوله لا تليهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وقال قتادة كان القوم يتجرون الخ كذا وقع جميع ذلك معادا في رواية المستملى وسقط لغيره الا النسفي فإنه ذكرها ههنا وحذفها مما مضى وكذا وقع مكررا في نسخة الصغائى وهذا يؤيد ما تقدم من النقل عن أبي ذر الهروي أن أصل البخاري كان عند الفربري وكانت فيه الحاقات في الهوامش وغيرها وكان من ينسخ الكتاب يضع الملحق في الموضع الذي يظنه لائقا به فمن ثم وقع الاختلاف في التقديم والتأخير ويزداد هنا أن بعضهم احتاط فكتب الملحق في الموضعين فنشا عنه التكرار وقد تكلف بعض الشراح في توجيهه بان قال ذكر الآية هنا لمنطوقها وهو الذم وذكرها هناك لمفهومها وهو تخصيص وقتها بحالة غير المتلبسين بالصلاة وسماع الخطبة وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى قوله باب قوله أنفقوا من طيبات ما كسبتم أي تفسيره وحكى ابن بطال أنه وقع في الأصل كلوا بدل أنفقوا وقال أنه غلط اه وكذا رأيته في رواية النسفي وقد ساق الآية في كتاب الزكاة على الصواب وقد تقدم النقل عن مجاهد أنه قال في تفسيرها أن المراد

[ 256 ]

بها التجارة ثم ذكر البخاري حديث عائشة مرفوعا إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها الحديث وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الزكاة ثم أورد حديث أبي هريرة في ذلك بلفظ إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره فلها نصف أجره وفيه رد على من عينه فيما أذن لها في ذلك والأولى أن يحمل على ما إذا أنفقت من الذي يخصها به إذا تصدقت به بغير استئذانه فإنه يصدق كونه من كسبه فيؤجر عليه وكونه بغير أمره يحتمل أن يكون إذن لها بطريق الإجمال لكن المنفى ما كان بطريق التفصيل ولا بد من الحمل على أحد هذين المعنيين وإلا فحيث كان من ماله بغير إذنه لا إجمالا ولا تفصيلا فهي ما زورة بذلك لا مأجورة وقد ورد فيه حديث عن بن عمر عند الطيالسي وغيره وأما قوله في حديث أبي هريرة فلها نصف أجره فهو أمرهم على ما إذا لم يكن هناك من يعينها على تنفيذ الصدقة بخلاف حديث عائشة ففيه أن للخادم مثل ذلك أو المعنى بالنصف في حديث أبي هريرة أن أجره واجرها إذا جمعا كان لها النصف من ذلك فللكل منهما أجرا كامل وهما اثنان فكأنهما نصفان قوله باب من أحب البسط أي التوسع في الرزق وجواب من محذوف تقديره ما في الحديث وهو فليصل رحمه ويستفاد منه جواز هذه المحبة خلافا لمن كرهها مطلقا قوله حدثنا محمد بن أبي يعقوب اسم أبيه إسحاق بن منصور وقيل أن منصورا اسم أبيه وقيل أن أبا يعقوب جده الكرماني بكسر الكاف وذكر الكرماني الشارح أن النووي ضبطها بفتح الكاف وتعقبه وسلف النووي في ذلك أبو سعيد بن السمعاني وهو أعلم الناس بذلك فلعل الصواب فيها في الأصل الفتح ثم كثر استعمالها بالكسر تغييرا من فضالة وقد نزل محمد المذكور البصرة ووثقه بن معين وغيره ولم يعرف أبو حاتم الرازي حاله وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وأخر في تفسير المائدة وأخر في أوائل الأحكام والثلاثة إسنادها واحد إلى الزهري وشيخه حسان هو بن إبراهيم الكرماني ويونس هو بن يزيد قوله قال محمد هو الزهري كذا في الأصل وفي رواية أبي نعيم من وجه آخر عن حسان عن يونس بن يزيد عن الزهري قوله عن أنس يأتي في الأدب من وجه آخر عن الزهري أخبرني أنس قوله وينسأ بضم أوله وسكون النون بعدها الركعة ثم همزة أي يؤخر له والأثر هنا بقية العمر قال زهير والمرء ما عاش ممدود له أمل * لا ينتهى الطرف حتى ينتهى الأثر وسيأتي الكلام عليه هنا إن شاء الله تعالى قال العلماء معنى البسط في الرزق البركة فيه وفي العمر حصول القوة في الجسد لأن صلة أقاربه صدقة والصدقة تربى المال وتزيد فيه فينمو بها ويزكو لأن رزق الإنسان يكتب وهو في بطن أمة فلذلك احتيج إلى هذا التأويل أو المعنى أنه يكتب مقيدا بشرط كان يقال أن وصل رحمه فله كذا وإلا فكذا أو المعنى بقاء ذكره الجميل بعد الموت وأغرب الحكيم الترمذي فقال المراد بذلك قلة البقاء في البرزخ وقال بن قتيبة يحتمل أن يكتب أجل العبد مائة سنة وتزكيته عشرين فإن وصل رحمه زاد التزكية وقال غيره المكتوب عند الملك الموكل به غير معلوم عند الله عز وجل فالأول يدخل فيه التغيير وتوجيهه أن المعاملات على الظواهر والمعلوم الباطن خفي لا يعلق عليه الحكم فذلك الظاهر الذي اطلع عليه الملك هو الذي يدخله الزيادة والنقص والمحو والاثبات والحكمة فيه ابلاغ ذلك إلى المكلف ليعلم فضل البر وشؤم القطيعة وسيأتي ذكر هذه المسألة مبسوطة في كتاب القدر ويأتي الكلام على إيثار الغني

[ 257 ]

على الفقر في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى قوله باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة بكسر المهملة والمد أي بالاجل قال بن بطال الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع قلت لعل المصنف تخيل أن أحدا يتخيل أنه صلى الله عليه وسلم لا عمي بالنسيئة لأنها دين فأراد دفع ذلك التخيل وأورد المصنف فيه حديثي عائشة وأنس في أنه صلى الله عليه وسلم اشترى شعيرا إلى أجل ورهن عليه درعه وسيأتي الكلام عليهما مستوفى في أول الرهن إن شاء الله تعالى قوله في طريق عائشة ذكرنا عند إبراهيم هو النخعي وقوله الرهن في السلم أي السلف ولم يرد به السلم العرفي وقوله في حديث أنس حدثنا مسلم هو بن إبراهيم وقوله في الطريق الثانية أسباط هو بفتح الهمزة وسكون المهملة بعدها موحدة وقوله أبو اليسع بفتح التحتانية والمهملة وهو بصري وكذا بقية رجال الإسناد وليس لإسباط في البخاري سواء هذا الموضع وقد قيل أن اسم أبيه عبد الواحد وقد ساقه المصنف هنا على لفظ أبي اليسع وساقه في الرهن على لفظ مسلم بن إبراهيم والنكتة في جمعهما هنا مع ان طريق مسلم أعلى مراعاة للغالب من عادته أن لا يذكر الحديث الواحد في موضعين بإسناد واحد ولان أبا اليسع المذكور فيه مقال فاحتاج أن يقرنه بمن يعضده وقوله فيه ولقد سمعته يقول هو كلام أنس والضمير في سمعته النبي صلى الله عليه وسلم أي قال ذلك لما رهن الدرع عند اليهودي مظهرا للسبب في شرائه إلى أجل وذهل من زعم أنه كلام قتادة وجعل الضمير في سمعته لأنس لأنه إخراج للسياق عن ظاهره بغير دليل والله أعلم قوله باب كسب الرجل وعمله بيده عطف العمل باليد على الكسب من عطف الخاص على العام لأن الكسب أعم من أن يكون وأشار باليد أو بغيرها وقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب قال الماوردي أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة والأشبه بمذهب الشافعي أن اطيبها التجارة قال والارجح عندي أن اطيبها الزراعة لأنها أقرب إلى التوكل وتعقبه النووي بحديث المقدام الذي في هذا الباب وأن الصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد قال فإن كان زراعا فهو أطيب المكاسب لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد ولم فيه من التوكل ولما فيه من النفع العام الأدمي وللدواب ولأنه لا به فيه في العادة أن يوكل منه بغير عوض قلت وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد وهو مكسب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو أشرف المكاسب لما فيه من اعلاء كلمة الله تعالى وخذلان كلمة اعدائه والنفع الاخروي قال ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل لما ذكرنا قلت وهو مبنى على ما بحث فيه من النفع المتعدى ولم ينحصر النفع المتعدى في الزراعة بل كل ما يعمل باليد فنفعه متعد لما فيه من تهيئة أسباب ما يحتاج الناس إليه والحق أن ذلك مختلف المراتب وقد يختلف باختلاف الأحوال والاشخاص والعلم عند الله تعالى قال بن المنذر إنما يفضل عمل اليد سائر المكاسب إذا نصح العامل كما جاء مصرحا به في حديث أبي هريرة قلت ومن شرطه أن لا يعتقد أن الرزق من الكسب بل من الله تعالى بهذه الواسطة ومن فضل العمل باليد الشغل بالأمر المباح عن البطالة واللهو وكسر النفس بذلك والتعفف عن ذلة السؤال والحاجة إلى الغير ثم أورد المصنف في الباب أحاديث أولها في التجارة والثاني في الزراعة والثالث وما بعده في الصنعة الحديث الأول قوله حدثني إسماعيل بن عبد الله هو بن أبي أويس قوله

[ 258 ]

لقد علم قومي أي قريش والمسلمين قوله حرفتي بكسر المهملة وسكون الراء بعدها فاء أي جهة اكتسابي والحرفة جهة الاكتساب والتصرف في المعاش وأشار بذلك إلى أنه كان كسوبا لمؤنته ومؤنة عياله بالتجارة من غير عجز تمهيدا على سبيل الاعتذار عما يأخذه من مال المسلمين إذا أحتاج إليه قوله وشغلت جملة حالية أي أن القيام بأمور الخلافة شغله عن الاحتراف وقد روى بن سعد وابن المنذر بإسناد صحيح عن مسروق عن عائشة قالت لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال انظروا ما زاد في ما لي منذ دخلت الامارة فابعثوا به إلى ناحية بعدي قالت فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه وناضح كان يسقى بستانا له فبعثنا بهما إلى عمر فقال رحمة الله على أبي بكر لقد اتعب من بعده وأخرج بن سعد من طريق القاسم بن محمد عن عائشة نحوه وزاد أن الخادم كان صيقلا يعمل سيوف المسلمين ويخدم آل أبي بكر ومن طريق ثابت عن أنس نحوه وفيه قد كنت حريصا على أن اوفر مال المسلمين وقد كنت أصبت من اللحم واللبن وفيه وما كان عنده دينار ولا درهم ما كان الا خادم ولقحة ومحلب قوله آل أبي بكر أي هو نفسه ومن تلزمه نفقته وقيل أراد نفسه بدليل قوله احترف حكاه الطيبي قال ويدل عليه نسق الكلام لأنه أسند الاحتراف إلى ضمير المتكلم عاطفا له على فسيأكل فلو كان المراد الأهل لتنافر انتهى وجزم البيضاوي بان قوله آل أبي بكر عدول عن المتكلم إلى الغيبة على طريق الالتفات قال وقيل أراد نفسه والأول مقحم لقوله واحترف وليس بشئ بل المعنى أني كنت اكتسب لهم ما يأكلونه والان اكتسب للمسلمين قال الطيبي فائدة الالتفات أنه جرد من نفسه شخصا كسوبا لمؤنة الأهل بالتجارة فامتنع لشغله بأمر المسلمين عن الاكتساب وفيه اشعار بالعلة وأن من اتصف بالشغل المذكور حقيق أن يأكل هو وعياله من بيت المال وخص الأكل من بين الاحتياجات لكونه اهمها ومعظمها قال بن التين وفيه دليل على أن للعامل أن يأخذ من عرض المال الذي يعمل فيه قدر حاجته إذا لم يكن فوقه إمام يقطع له اجرة معلومة وسبقه إلى ذلك الخطابي قلت لكن في قصة أبي بكر أن القدر الذي كان يتناول فرض له باتفاق من الصحابة فروى بن سعد بإسناد مرسل رجاله ثقات قال لما استخلف أبو بكر مطرف غاديا إلى السوق على رأسه أثواب يتجر بها فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقال كيف تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين قال فمن أين أطعم عيالي قالوا نفرض لك ففرضوا له كل يوم شطر شاة قوله واحترف في رواية الكشميهني ويحترف قال بن الأثير أراد باحترافه للمسلمين نظره في أمورهم وتمييز مكاسبهم وارزاقهم وكذا قال البيضاوي المعنى اكتسب للمسلمين في أموالهم بالسعي في مصالحهم ونظم أحوالهم وقال غيره يقال احترف الرجل إذا جازى على خير أو شر وقال المهلب قوله احترف لهم أي اتجر لهم في مالهم حتى يعود عليهم من ربحه بقدر ما أكل أو أكثر وليس بواجب على الإمام ان يتجر في مال المسلمين بقدر مؤنته الا أن يطوع بذلك كما تطوع أبو بكر قلت والتوجيه الذي ذكره بن الأثير أوجه لأن أبا بكر بين السبب في ترك الاحتراف وهو الاشتغال بالإمارة فمتى يتفرغ للاحتراف لغيره إذ لو كان يمكنه الاحتراف لاحترف لنفسه كما كان الا أن يحمل على أنه كان يعطي المال لمن يتجر فيه ويجعل ربحه للمسلمين وقد روى الاسماعيلي في حديث الباب من طرق معمر عن الزهري فلما استخلف عمر أكل هو وأهله من

[ 259 ]

المال أي مال المسلمين واحترف في مال نفسه تنبيه حديث أبي بكر هذا وأن كان ظاهره الوقف لكنه بما اقتضاه من أنه قبل أن يستخلف كان يحترف لتحصيل مؤنة أهله يصير مرفوعا لأنه يصير كقول الصحابي كنا نفعل كذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى بن ماجة وغيره من حديث أم سلمة أن أبا بكر خرج تاجرا إلى بصري في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم في حديث أبي هريرة في أول البيوع أن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ويأتي حديث عائشة أن الصحابة كانوا عمال أنفسهم وهذا هو السر في إيراد البخاري له عقب حديثها عن أبي بكر الحديث الثاني قوله حدثنا محمد حدثنا عبد الله بن يزيد كذا ثبت في جميع الروايات الا رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري عن البخاري حدثنا عبد الله بن يزيد فمحمد على هذا هو المصنف وعبد الله بن يزيد هو المقري وقد أكثر عنه البخاري وربما روى عنه بواسطة وسعيد هو بن أبي أيوب وأبو الأسود هو النوفلي المعروف بيتيم عروة وجزم الحاكم بان محمدا هنا هو الذهلي قوله رواه همام يعني بن يحيى عن هشام يعني بن عروة وهذا التعليق وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق هدبة عنه بلفظ كان القوم خدام أنفسهم وكانوا يروحون إلى الجمعة فأمروا أن يغتسلوا وبهذا اللفظ رواه قريش بن أنس عن هشام عند بن خزيمة والبزار وقد تقدم هذا الحديث من وجه عن عروة ومن وجه آخر عن عمرة وتقدم شرحه مستوفى والغرض منه هنا قوله كانوا عمال أنفسهم وقوله يكون لهم أرواح جمع ريح لأن أصل ريح روح بفتح الراء وسكون الواو ويقال في جمعه أيضا ارياح بقلة الحديث الثالث والرابع قوله عن ثور هو بن يزيد الشامي لا بن زيد المدني قوله عن المقدام هو بن معدي كرب الكندي من صغار الصحابة مات سنة بضع وثمانين بحمص وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وأخر في الأطعمة قوله ما أكل أحد زاد الاسماعيلي من بني آدم قوله طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده في رواية الاسماعيلي خير بالرفع وهو جائز وفي رواية له من كد يديه والمراد بالخيرية ما يستلزم العمل باليد من الغني عن الناس ولابن ماجة من طريق عمر بن سعد عن خالد بن معدان عنه ما كسب الرجل أطيب من عمل يديه ولابن المنذر من هذا الوجه ما أكل رجل طعاما قط أحل من عمل يديه وفي فوائد هشام بن عمار عن بقية حدثني عمر بن سعد بهذا الإسناد مثل حديث الباب وزاد من بات كالا من عمله بات مغفورا له وللنسائي من حديث عائشة أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وفي الباب من حديث سعيد بن عمير عن عمه عند الحاكم ومن حديث رافع بن خديج عنه أحمد ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود قوله وأن داود الخ في رواية الاسماعيلي بحذف الواو وفي روايته من كسب يده قوله لا يأكل الا من عمل يده وهو صريح في الحصر بخلاف الذي قبله وحديث أبي هريرة هذا طرف من حديث سيأتي في ترجمة داود من أحاديث الأنبياء ووقع في المستدرك عن بن عباس بسند واه كان داود زرادا وكان آدم حراثا وكان نوح نجارا وكان إدريس خياطا وكان موسى راعيا وفي الحديث فضل العمل باليد وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره والحكمة في تخصيص داود بالذكر أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة لأنه كان خليفة في الأرض كما قال الله تعالى وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل ولهذا أورد النبي

[ 260 ]

صلى الله عليه وسلم قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد وهذا بعد تقرير أن شرع من قبلنا شرع لنا ولا سيما إذا ورد في شرعنا مدحه وتحسنه مع عموم قوله تعالى فبهداهم الحباحب وفي الحديث التكسب لا يقدح في التوكل وأن ذكر الشئ بدليله أوقع في نفس سامعه الحديث الخامس والسادس قوله لأن يحتطب أحدكم تقدم الكلام عليه في باب الاستعفاف عن المسألة أخرجه هناك من طريق الأعرج عن أبي هريرة وبعد أبواب من طريق أبي صالح عنه وهنا من طريق أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف وهو مولى بن أزهر وقد تقدم الكلام على ترجمته في أو اخر الصيام وحديث الزبير بن العوام في ذلك أورده هنا مختصرا وساقه في باب الاستعفاف من الزكاة بتمامه وتقدم الكلام عليه هناك وقوله أحبله بفتح أوله وضم الموحدة جمع حبل مثل فلس وأفلس قوله باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع يحتمل أن يكون من باب اللف والنشر مرتبا أو غير مرتب ويحتمل كل منهما لكل منهما إذ السهولة والسماحة متقاربان في المعنى فعطف أحدهما على الآخر من التأكيد اللفظى وهو ظاهر حديث الباب والمراد بالسماحة ترك المضاجرة ونحوها لا المكايسة في ذلك قوله ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف أي عما لا يحل أشار بهذا القدر إلى ما أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن حبان من حديث نافع عن بن عمر وعائشة مرفوعا من طلب حقا فليطلبه في عفاف واف أو غير واف قوله حدثنا على بن عياش بالتحتانية والمعجمة قوله رحم الله رجلا يحتمل الدعاء ويحتمل الخير وبالاول جزم بن حبيب المالكي وابن بطال ورجحه الداودي ويؤيد الثاني ما رواه الترمذي من طريق زيد بن عطاء بن السائب عن بن المنكدر في هذا الحديث بلفظ غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلا إذا باع الحديث وهذا يشعر بانه قصد رجلا بعينه في حديث الباب قال الكرماني ظاهره الأخبار لكن قرينة الاستقبال المستفاد من إذا تجعله دعاء وتقديره رحم الله رجلا يكون كذلك وقد يستفاد العموم من تقييده بالشرط قوله سمحنا بسكون الميم والمهملتين أي سهلا وهي صفة مشبهة أخذت على الثبوت فلذلك كرر أحوال البيع والشراء والتقاضى والسمح الجواد يقال سمح بكذا إذا جاد والمراد هنا المساهلة قوله وإذا اقتضى أي طلب قضاء حقه بسهولة وعدم الحاف في رواية حكاها بن التين وإذا قضى أي أعطى الذي عليه بسهولة بغير مطل وللترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعا أن الله يحب سمح البيع سمح الشراء سمح القضاء وللنسائي من حديث عثمان رفعه ادخل الله الجنة رجلا كان سهلا مشتريا وبائعا وقاضيا ومقتضيا ولأحمد من حديث عبد الله بن عمرو نحوه وفيه الحض على السماحة في المعاملة واستعمال معالى الأخلاق وترك المشاحة والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة وأخذ العفو منهم قوله باب من انظر موسرا أي فضل من فعل ذلك وحكمه وقد اختلف العلماء في حد الموسر فقيل من عنده مؤنته ومؤنته من تلزمه نفقته وقال الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق من عنده خمسون درهما أو قيمتها من الذهب فهو موسر وقال الشافعي قد يكون الشخص بالدر هم غنيا مع كسبه وقد يكون الألف فقيرا مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله وقيل الموسر والمعسر يرجعان إلى العرف فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يعد يسارا فهو موسر وعكسه وهذا هو المعتمد وما قبله إنما هو في حد من تجوز له

[ 261 ]

المسألة والأخذ من الصدقة قوله منصور هو بن المعتمر قوله أن حذيفة حدثه زاد مسلم في روايته من طريق نعيم بن أبي هند عن ربعي اجتمع حذيفة وأبو مسعود فقال حذيفة رجل لقي ربه فذكر الحديث وفي آخره فقال أبو مسعود هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثله رواية أبي عوانة عن عبد الملك عن ربعي كما سيأتي في هذا الباب قوله تلقت الملائكة أي استقبلت روحه عند الموت وفي رواية عبد الملك بن عمير عن ربعي في ذكر بني إسرائيل أن رجلا كان فيمن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه قوله اعملت من الخير شيئا وفي رواية بحذف همزة الاستفهام وهي مقدرة زاد في رواية عبد الملك المذكورة فقال ما أعلم قيل انظر قال ما أعلم شيئا غير أني فذكره ولمسلم من طريق شقيق عن أبي مسعود رفعه حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شئ الا أنه كان يخالط الناس وكان موسرا وفي رواية أبي مالك المعلقة هنا ووصلها عند مسلم أتى الله بعبد من عباده أتاه الله ما لا فقال له ما عملت في الدنيا قال ولا يكتمون الله حديثا قال يا رب اتيتني مالك فكنت أبايع الناس وكان خلقي الجواز الحديث وفي رواية بن أبي عمر في هذا الحديث فيقول يا رب ما عملت لك شيئا أرجو به كثيرا الا انك كنت اعطيتني فضلا من مال فذكره قوله فتياني بكسر أوله جمع فتى وهو الخادم حرا كان أو مملوكا قوله أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر كذا وقع في رواية أبي ذر والنسفي وهو لا يخالف الترجمة وللباقين أن ينظروا المعسر ويتجاوزوا عن الموسر وكذا أخرجه مسلم عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه وظاهره غير مطابق للترجمة ولعل هذا هو السر في إيراد التعاليق الآتية لأن فيها ما يطابق الترجمة قوله وقال أبو مالك عن ربعي كنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر وهذه الطريق عن حذيفة في هذا الحديث وصلها مسلم من طريق أبي خالد الأحمر عن أبي مالك كما تقدم أو لا وقال في آخره فقال أبو مسعود الأنصاري وعقبة بن عامر الجهني هكذا سمعناه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله وتابعه شعبة عن عبد الملك يعني بن عمير عن ربعى أي عن حذيفة يعنى في قوله وأنظر المعسر وقد وصله بن ماجة من طريق أبي عامر عن شعبة بهذا اللفظ ووصله المؤلف في الاستقراض عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ فاتجوز عن الموسر وأخفف عن المعسر وفي آخره قول أبي مسعود هكذا سمعت قوله وقال أبو عوانة عن عبد الملك الخ وصله المؤلف في ذكر بني إسرائيل مطولا وهو كما قال انظر الموسر وأتجاوز عن المعسر وفي آخره قول أبي مسعود هكذا سمعت قوله وقال نعيم ابن أبي هند الخ وصله مسلم من طريق اني بن مقسم عنه وقد تقدم يسير وفيه قول أبي مسعود أيضا قال بن التين رواية من روى وأنظر الموسر أولي من رواية من روى وأنظر المعسر لأن انظار المعسر واجب قلت ولا يلزم من كونه واجبا أن لا يؤجر صاحبه عليه أو يكفر عنه بذلك من سيئاته وسأذكر الاختلاف في الوجوب في الباب الذي يليه قوله باب من انظر معسرا روى مسلم من حديث أبي اليسر بفتح التحتانية والمهملة ثم الراء رفعه من انظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظل عرشه وله من حديث أبي قتادة مرفوعا من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة عن معسر أو يضع عنه ولأحمد عن بن عباس نحوه وقال وقاه الله من فيح جهنم واختلف السلف في تفسير قوله تعالى وأن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فروى

[ 262 ]

الطبري وغيره من طريق إبراهيم النخعي ومجاهد وغيرهما أن الآية نزلت في دين الربا خاصة وعن عطاء أنها عامة في دين الربا وغيره واختار الطبري أنها نزلت نصا في دين الربا ويلتحق به سائر الديون لحصول المعنى الجامع بينهما فإذا اعسر المديون وجب انظاره ولا سبيل إلى ضربه ولا إلى حبسه قوله حدثنا الزبيدي بالضم قوله عن عبيد الله بن عبد الله أي بن عتبة بن مسعود في رواية يونس عند مسلم عن الزهري أن عبيد الله بن عبد الله حدثه قوله كان تاجرا يداين الناس في رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند النسائي أن رجلا لم يعمل خيرا قط وكان يداين الناس قوله تجاوزوا عنه زاد النسائي فيقول لرسوله خذ ما يسر واترك ما عسر وتجاوز ويدخل في لفظ التجاوز الانظار والوضيعة وحسن التقاضى وفي حديث الباب والذي قبله أن اليسير من الحسنات إذا كان خالصا لله كفر كثيرا من السيئات وفيه أن الأجر يحصل لمن يأمر به وأن لم يتول ذلك بنفسه وهذا كله بعد تقرير أن شرع من قبلنا إذا جاء في شرعنا في سياق المدح كان حسنا عندنا قوله باب إذا بين البيعان بفتح الموحدة وتشديد التحتانية أي البائع والمشترى قوله ولم يكتما أي ما فيه من شئ وقوله ونصحا من العام بعد الخاص وحذف جواب الشرط للعلم به وتقديره بورك لهما في بيعهما كما في حديث الباب وقال بن بطال أصل هذا الباب أن نصيحة المسلم واجبة قوله ويذكر عن العداء بالتثقيل وآخره همزة بوزن الفعال بن خالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة صحابي قليل الحديث أسلم بعد حنين قوله هذا ما اشترى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العداء بن خالد هكذا وقع هذا التعليق وقد وصل الحديث الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الجارود وابن منده كلهم من طريق عبد المجيد بن أبي يزيد عن العداء بن خالد فاتفقوا على أن البائع النبي صلى الله عليه وسلم والمشترى العداء عكس ما هنا فقيل أن الذي وقع هنا مقلوب وقيل هو صواب وهو من الرواية بالمعنى لأن اشترى وباع بمعنى واحد ولزم من ذلك تقديم اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على اسم العداء وشرحه بن العربي على ما وقع في الترمذي فقال فيه البداءة باسم المفضول في الشروط إذا كان هو المشترى قال وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك وهو ممن لا يجوز عليه نقض عهده لتعليم الخلق قال ثم أن ذلك على سبيل الاستحباب لأنه قد يتعاطى صفقات كثيرة بغير عهدة وفيه كتابة الاسم واسم الأب والجد في العهدة الا إذا كان مشهورا بصفة تخصه ولذلك قال محمد رسول الله استغنى بصفته عن نسبه ونسب العداء بن خالد قال وفي قوله هذا ما اشترى ثم قال بيع المسلم المسلم إشارة إلى أن لا فرق بين الشراء والبيع قوله بيع المسلم المسلم فيه أنه ليس من شان المسلم الخديعة وأن تصدير الوثائق بقول الكاتب هذا ما اشترى أو أصدق لا بأس به وغلا عبرة بوسوسة من منع من ذلك وزعم أنها تلتبس بما النافية قوله لاداء أي لا شئ والمراد به الباطن سواء ظهر منه شئ أم لا كوجع الكبد والسعال قاله المطرزى وقال بن المنير في الحاشية قوله لاداء أي يكتمه البائع وإلا فلو كان بالعبد داء وبينه البائع لكان من بيع المسلم للمسلم ومحصله أنه لم يرد بقوله لأداء نفى آل داء مطلقا بل نفى داه مخصوص وهو ما لم يطلع عليه قوله ولا خبثة بكسر المعجمة وبضمها وسكون الموحدة بعدها مثلثة أي مسبيا من قوم لهم عهد قاله المطرزى وقيل المراد الأخلاق الخبيثة كالاباق وقال صاحب العين الريبة وقيل المراد الحرام كما عبر عن الحلال

[ 263 ]

بالطيب وقال بن العربي الداء ما كان في الخلق بالفتح والخبثة ما كان في الخلق بالضم والغائلة سكوت البائع على ما يعلم من مكروه في المبيع قوله ولا غائلة بالمعجمة أي ولا فجور وقيل المراد الاباق وقال بن بطال هو من قولهم أغتالني فلان إذا احتال بحيلة يتلف بها ما لي قوله قال قتادة الخ وصله بن منده من طريق الاصمعي عن سعيد بن أبي عروبة عنه قال بن قرقول الظاهر أن تفسير قتادة يرجع إلى الخبثة والغائلة معا قوله وقيل لإبراهيم أي النخعي أن بعض النخاسين بالنون والخاء المعجمة أي الدلالين قوله يسمى أرى بفتح الهمزة الممدودة وكسر الراء وتشديد التحتانية هو مربط الدابة وقيل معلفها ورده بن الأنباري وقيل هو حبل يدفن في الأرض ويبرز طرفه تشد به الدابة أصله من الحبس والإقامة من قولهم تارى الرجل بالمكان أي أقام به والمعنى أن النخاسين كانوا يسمون مرابط دوابهم بأسماء البلاد ليدلسوا على المشترى بقولهم ذلك ليوهموا أنه مجلوب من خراسان وسجستان فيحرص عليها المشترى ويظن أنها قريبة العهد بالجلب قال عياض وأظن أنه سقط من الأصل لفظة دوابهم قلت أو سقطت الألف واللام التي للجنس كأنه كان فيه يسمى الارى أي الاصطبل أو سقط الضمير كأنه كان فيه يسمى ارية وقد تصحفت هذه الكلمة في رواية أبي زيد المروزي فذكرها أرى بفتحتين بغير الفساد وقصر آخره وزن دعا وفي رواية أبي ذر الهروي مثله لكن بضم الهمزة أي أظن واضطرب فيها غيرهما فحكى بن التين أنها رويت بفتح الهمزة وسكون الراء قال وفي رواية بن تطيف قرى بضم القاف وفتح الراء والأول هو المعتمد قال الراعي ف قد فخروا بخيلهم علينا * * لنا اريهن على معد وقد بين الصواب في ذلك ما رواه بن أبي شيبة عن هشيم عن اني عن إبراهيم قال قيل له أن ناسا من النخاسين وأصحاب الدواب يسمى أحدهم اصطبل دوابه خراسان وسجستان ثم يأتي السوق فيقول جاءت من خراسان وسجستان قال فكره ذلك إبراهيم ورواه سعيد بن منصور عن هشيم ولفظه أن بعض النخاسين يسمى اريه خراسان الخ والسبب في كراهة إبراهيم ذلك ما يتضمنه من الغش والخداع والتدليس قوله وقال عقبة بن عامر لا يحل لامرئ أن يبيع سلعة يعلم أن بها داء الا أخبره في رواية الكشميهني أخبر به وهذا الحديث وصله أحمد وابن ماجة والحاكم من طريق عبد الرحمن بن شماسة بكسر المعجمة وتخفيف الميم وبعد الألف الركعة عن عقبة مرفوعا بلفظ المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه غش الا بينه له وفي رواية أحمد يعمل فيه عيبا وإسناده حسن قوله عن صالح أبي الخليل في الرواية التي بعد بابين سمعت أبا الخليل قوله رفعه إلى حكيم بن حزام في الرواية المذكورة عن حكيم وسيأتي الكلام عليه مستوفى في باب كم يجوز الخيار بعد عشرين حديثا والغرض منه قوله فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما الخ وقوله صدقا أي من جانب البائع في السوم ومن جانب المشترى في الوفاء وقوله وبينا أي لما في الثمن والمثمن من شئ فهو من جانبيهما وكذا نقصه وفي الحديث حصول البركة لهما أن حصل منهما الشرط وهو الصدق والتبيي ومحقها أن وجد ضدهما وهو الكذب والكتم وهل تحصل البركة لأحدهما إذا وجد منه المشروط دون الآخر ظاهر الحديث يقتضيه ويحتمل أن يعود شؤم أحدهما على الآخر بان تنزع البركة من المبيع إذا وجد الكذب

[ 264 ]

أو الكتم من كل واحد منهما وأن كان الأجر ثابا للصادق المبين والوزر حاصل للكاذب الكاتم وفي الحديث أن الدنيا لا يتم حصولها الا بالعمل الصالح وأن شؤم المعاصي يذهب بخير الدنيا والآخرة قوله باب بيع الخلط من التمر الخلط بكسر المعجمة التمر المجمع من يجري متفرقة وقوله في الحديث كنا نرزق بضم النون أوله أي نعطاه وكان هذا العطاء مما كان صلى الله عليه وسلم يقسمه فيهم مما أفاء الله عليهم من خيبر وتمر الجمع بفتح الجيم وسكون الميم فسر بالخلط وقيل هو كل لون من النخيل لا يعرف اسمه والغالب في مثل ذلك أن يكون رديئة أكثر من جيدة وفائدة هذه الترجمة رفع توهم من يتوهم أن مثل هذا لا يجوز بيعه لاختلاط جيده برديئه لأن هذا الخلط لا يقدح في البيع لأنه متميز ظاهر فلا يعد ذلك عيبا بخلاف ما لو خلط في أوعية موجهة يرى جيدها ويخفى رديئها وفي الحديث النهى عن بيع التمر بالتمر متفاضلا وكذا الدراهم وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى في باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه في أواخر البيوع إن شاء الله تعالى قوله باب اللحام والجزار كذا وقعت هذه الترجمة هنا وفي رواية بن السكن بعد خمسة أبواب وهو أليق لتتوالى تراجم الصناعات قوله فقال لغلام له قصاب بفتح القاف وتشديد المهملة وآخره موحدة وهو الجزار وسيأتي في المظالم من وجه آخر عن الأعمش بلفظ كان له غلام لحام واتفقت الطرق على أنه من مسند أبي مسعود الا ما رواه أحمد عن بن نمير عن الأعمش بسنده فقال فيه عن رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفت في وجهه الجوع فأتيت غلاما لي فذكر الحديث وكذا رويناه في الجزء التاسع من امالي المحاملي من طريق بن نمير زاد مسلم في بعض طرقه وعن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر وسيأتي الكلام على فوائد هذا الحديث مستوفى في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى قوله باب ما يمحق الكذب والكتمان أي من البركة في البيع ذكر فيه حديث حكيم بن حزام المذكور قبل بابين وهو واضح فيما ترجم له قوله باب قول الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا اضعافا مضاعفة الآية هكذا للنسفى ليس في الباب سوى الآية وساق غيره فيه حديث أبي هريرة في الماضي في باب من لم يبال من حيث كسب المال باسناده ومتنه وهو بعيد من عادة البخاري ولا سيما مع قرب العهد ولعله أشار بالترجمة إلى ما أخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا يأتي على الناس زمان يأكلون الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره وروى مالك عن زيد بن أسلم في تفسير الآية قال كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل حق إلى أجل فإذا حل قال أتقضى أم تربى فإن قضاه أخذ وإلا زاده في حقه وزاده الآخر في الأجل وروى الطبري من طريق عطاء ومن طريق مجاهد نحوه ومن طريق قتادة أن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاد وأخر عنه والربا مقصور وحكى مده وهو شاذ وهو من ربا يربو فيكتب بالألف ولكن قد وقع في خط المصحف بالواو واصل الربا الزيادة أما في نفس الشئ كقوله تعالى اهتزت وربت وأما في مقابلة كدرهم بدرهمين فقيل هو حقيقة فيهما وقيل حقيقة في الأول مجاز في الثاني زاد بن سريج أنه في الثاني حقيقة شرعية ويطلق الربا على كل بيع محرم قوله

[ 265 ]

باب آكل الربا وشاهده وكاتبه أي بيان حكمهم والتقدير باب إثم أو دم في رواية الاسماعيلي وشاهديه بالتثنية قوله قول الله تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم إلى آخر الآية وهو قوله هم فيها خالدون روى الطبري من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس في قوله لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس قال ذاك حين يبعث من قبره ومن طريق سعيد عن قتادة قال تلك علامة أهل الربا يوم القيامة يبعثون وبهم خبل وأخرجه الطبري من حديث أنس نحوه مرفوعا وقيل معناه أن الناس يخرجون من الاجداث سراعا لكن آكل الربا يربو الربا في بطنه فيريد الإسراع فيسقط فيصير بمنزلة المتخبط من الجنون وذكر الطبري في قوله تعالى ذلك إنهم قالوا إنما البيع مثل الربا إنهم لما قيل لهم هذا ربا لا يحل قالوا لا فرق أن زدنا الثمن في أول البيع أو عند محله فاكذبهم الله تعالى قال الطبري إنما خص الآكل بالذكر لأن الذين نزلت فيهم الآيات المذكورة كانت طعمتهم من الربا وإلا فالوعيد حاصل لكل من عمل به سواء أكل منه أم لا ثم ساق البخاري في الباب حديثين أحدهما حديث عائشة لما نزلت آخر البقرة قرأهن النبي صلى الله عليه وسلم ثم حرم التجارة في الخمر وقد تقدم الكلام عليه في أبواب المساجد من كتاب الصلاة ويأتي الكلام على تحريم التجارة في الخمر في أو اخر البيوع ثانيهما حديث سمرة في المنام الطويل وقد تقدم بطوله في كتاب الجنائز واقتصر منه هنا على قصة آكل الربا وقال بن التين ليس في حديثي الباب ذكر لكاتب ب الربا وشاهده وأجيب بأنه ذكرهما على سبيل الإلحاق لأعانتهما للاكل على ذلك وهذا إنما يقع على من واطأ صاحب الربا عليه فأما من كتبه أو شهد القصة ليشد بها على ما هي عليه ليعمل فيها بالحق فهذا جميل القصد لا يدخل في الوعيد المذكور وإنما يدخل فيه من أعان صاحب الربا بكتابته وشهادته فينزل منزلة من قال إنما البيع مثل الربا وأيضا فقد تضمن حديث عائشة نزول آخر البقرة ومن جملة ما فيه قوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا وفيه إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وفيه واشهدوا إذا تبايعتم فأمر بالكتابة والاشهاد في البيع الذي أحله فأفهم النهى عن الكتابة والاشهاد في الربا الذي حرمه ولعل البخاري أشار إلى ما ورد في الكاتب والشاهد صريحا فعند مسلم وغيره من حديث جابر لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم في الإثم سواء ولاصحاب السنن وصححه بن خزيمة من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه وفي رواية الترمذي بالتثنية وفي رواية النسائي من وجه آخر عن بن مسعود آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قوله باب موكل الربا أي مطعمه والتقدير فيه كالذي قبله قوله لقول الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين إلى قوله وهم لا يظلمون هكذا في جميع الروايات ووقع عند الداودي إلى قوله لا تظلمون ولا تظلمون وفسره أي لا تظلمون بأخذ الزيادة ولا تظلمون بان تحبس عنكم رؤوس أموالكم ثم اعترض بما سيأتي قوله وقال بن عباس هذه آخر آية نزلت وصله المصنف في التفسير من طريق الشعبي عنه واعترضه الداودي فقال هذا أما أن يكون وهما وأما أن يكون اختلافا عن بن عباس لأن الذي أخرجه المصنف في التفسير عنه فيه التنصيص على أن آخر آية

[ 266 ]

نزلت قوله تعالى واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله الآية قال فلعل الناقل وهم لقربها منها انتهى وتعقبه بن التين بأنه هو الواهم لأن من جملة الآيات التي أشار إليها البخاري في الترجمة قوله تعالى واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله الآية وهي آخر آية ذكرها لقوله إلى قوله وهم لا يظلمون واليها أشار بقوله هذه آخر آية أنزلت انتهى وكأن البخاري أراد بذكر هذا الأثر عن بن عباس تفسير قول عائشة لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة قوله عن عون بن أبي جحيفة في رواية آدم عن شعبة حدثنا عون وسيأتي في أو اخر أبواب الطلاق قوله رأيت أبي اشترى عبدا حجاما فسألته كذا وقع هنا وظاهره أن السؤال وقع عن سبب مشتراه وذلك لا يناسب جوابه بحديث النهى ولكن وقع في هذا السياق اختصار بينه ما أخرجه المصنف بعد هذا في آخر البيوع من وجه آخر عن شعبة بلفظ اشترى حجاما فأمر بمحاجمة فكسرت فسألته على ذلك ففيه البيان بان السؤال إنما وقع عن كسر المحاجم وهو المناسب للجواب وفي كسر أبي جحيفة المحاجم ما يشعر بأنه فهم أن النهى عن ذلك على سبيل التحريم فأراد حسم المادة وكأنه فهم منه أنه لا يطيع النهى ولا يترك التكسب بذلك فلذلك كسر محاجمة وسيأتي الكلام على كسب الحاجم بعد أبواب ونذكر هناك بقية فوائده إن شاء الله تعالى قوله ونهى عن الواشمة والموشومة أي نهى عن فعلهما لأن الواشم والموشوم لا ينهى عنهما وإنما ينهى عن فعلهما قوله وآكل الربا وموكله هكذا وقع في هذه الرواية معطوفا على النهى عن الواشمة والجواب عنه كالذي قبله ثم ظهر لي أنه وقع في هذه الرواية تغيير فأبدل اللعن بالنهي فسياتى في أو اخر البيوع وفي أو اخر الطلاق بلفظ ولعن الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله والله أعلم قوله باب يمحق الله الربا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم روى بن أبي حاتم من طريق الحسن قال ذاك يوم القيامة يمحق الله الربا يومئذ وأهله وقال غيره المعنى أن أمره يئول إلى قلة وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حيان قال ما كان من ربا وأن زاد حتى يغبط صاحبه فإن الله يمحقه وأصله من حديث بن مسعود عند بن ماجة وأحمد بإسناد حسن مرفوعا أن الربا وأن كثر عاقبته إلى قل وروى عبد الرزاق عن معمر قال سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق قوله عن يونس هو بن يزيد قوله الحلف بفتح المهملة وكسر اللام أي اليمين الكاذبة قوله منفقة بفتح الميم والفاء بينهما نون ساكنة مفعلة من النفاق بفتح النون وهو الرواج ضد الكساد والسلعة بكسر السين المتاع وقوله ممحقة بالمهملة والقاف وزن الأول وحكى عياض ضم أوله وكسر الحاء والمحقق النقص والابطال وقال القرطبي المحدثون يشددونها والأول أصوب والهاء للمبالغة ولذلك صح خبرا عن الحلف وفي مسلم اليمين ولأحمد اليمين الكاذبة وهي أوضح وهما في الأصل مصدران مزيدان محدودان بمعنى النفاق والمحق قوله للبركة تابعه عنبسة بن خالد عن يونس عند أبي داود وفي رواية بن وهب وأبي صفوان عند مسلم للربح وتابعهما أنس بن عياض عند الاسماعيلي ورواه الليث عند الاسماعيلي بلفظ ممحقة للكسب وتابعه بن وهب عند النسائي ومال الاسماعيلي إلى ترجيح هذه الرواية وان من رواه بلفظ للبركة أورده بالمعنى لان الكسب إذا محق محقت البركة وقد اختلف في هذه اللفظة على الليث كما اختلف على يونس ووقع للمزى في الأطراف في نسبة هذه اللفظة لمن خرجها وهم يعرف مما

[ 267 ]

حررته قال بن المنير مناسبة حديث الباب للترجمة أنه كالتفسير للآية لأن الربا الزيادة والمحق النقص فقال كيف تجتمع الزيادة والنقص فاوضح الحديث أن الحلف الكاذب وأن زاد في المال فإنه يمحق البركة فكذلك قوله تعالى يمحق الله الربا أي يمحق البركة من البيع الذي فيه الربا وأن كان العدد زائدا لكن محق البركة يفضى إلى اضمحلال العدد في الدنيا كما مر في حديث بن مسعود وإلى اضمحلال الأجر في الآخرة على التأويل الثاني قوله باب ما يكره من الحلف في البيع أي مطلقا فإن كان كذبا فهي كراهة تحريم وأن كان صدقا فتنزيه وفي السنن من حديث قيس بن أبي غرزة بفتح المعجمة والراء والزاي مرفوعا يا معشر التجار أن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة قوله عن عبد الله بن أبي أوفى في رواية يزيد عن العوام سمعت عبد الله بن أبي أوفى وسيأتي في التفسير مع بقية الكلام عليه وقد تعقب بان السبب المذكور في الحديث خاص والترجمة عامة لكن العموم مستفاد من قوله في الآية وايمانهم وسيأتي في الشهادات في سبب نزولها من حديث بن مسعود ما يقوي حمله على العموم قوله باب ما قيل في الصواغ بفتح أوله على الأفراد وبضمه على الجمع يقال صائغ وصواغ وصياغ بالتحتانية وأصله عمل الصياغة قال بن المنير فائدة الترجمة لهذه الصياغة وما بعدها التنبيه على أن ذلك كان في زمنه صلى الله عليه وسلم وأقره مع العلم به فيكون كالنص على جوازه وما عداه يؤخذ بالقياس قوله أخبرنا عبد الله هو بن المبارك ويونس هو ابن يزيد ورواية بن شهاب بالإسناد المذكور مما قيل فيه أنه أصح الأسانيد قوله كانت لي شارف بمعجمة وآخره فاء وزن فاعل الناقة المسنة قوله ابتنى بفاطمة أي ادخل بها وسيأتي الكلام على هذا الحديث في فرض الخمس والغرض منه قوله واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع وقد قدمنا إنهم رهط من اليهود فيؤخذ منه جواز معاملة الصائغ ولو كان غير مسلم ويؤخذ منه أنه لا يلزم من دخول الفساد في صنعة أن تترك معاملة المؤلف ولو تعاطاها اراذل الناس مثلا ولعل المصنف أشار إلى حديث أكذب الناس الصباغون والصواغون وهو حديث مضطرب الإسناد أخرجه أحمد وغيره قوله حدثنا إسحاق هو بن شاهين وخالد هو الطحان وشيخه خالد هو الحذاء وقوله في أول الباب وقال طاوس وقوله في آخره وقال عبد الوهاب الخ تقدم وصل هذين التعليقين في كتاب الحج وكذلك شرح الحديث المذكور وغرض الترجمة منه ذكر الصياغة وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك قوله باب ذكر القين بفتح القاف والحداد قال بن دريد أصل القين الحداد ثم صار كل صائغ عند العرب قينا وقال الزجاج

[ 268 ]

القين الذي يصلح الأسنة وكنكاح أيضا الحداد وكأن البخاري اعتمد القول الصائر إلى التغاير بينهما وليس في الحديث الذي أورده في الباب الا ذكر القين وكأنه الحق الحداد به في الترجمة لاشتراكهما في الحكم وسيأتي الكلام على الحديث في تفسير سورة مريم إن شاء الله تعالى وأما قول أم أيمن أنا قينت عائشة فمعناه زينتها قال الخليل التقيين التزيين ومنه سميت المغنية قينه لأن من شانها الزينة قوله باب الخياط بالمعجمة والتحتانية قال الخطابي في أحاديث هذه الأبواب دلالة على جواز الاجارة وفي الخياطة معنى زائد لأن الغالب أن يكون الخيط من عند الخياط فيجتمع فيها إلى الصنعة الالة وكان القياس أنه لا تصح إذ لا تتميز إحداهما عن الأخرى غالبا لكن الفاء اقره لما فيه من الارفاق واستقر عمل الناس عليه وسيأتي الكلام على حديث الباب في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى وفيه دلالة على أن الخياطة لا تنافى المروءة قوله باب النساج بالنون والمهملة وأخر جيم أورد فيه حديث سهل في البردة وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في باب من استعد الكفن في كتاب الجنائز وقوله فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاج إليها أي وهو محتاج إليها فحذف المبتدأ وللكشميهني محتاجا إليها بالنصب على الحال قوله باب ماتت بالنون والجيم وللكشميهني بكسر النون وتخفيف الجيم وزيادة هاء في آخره وبه ترجم أبو نعيم في المستخرج والأول أشبه بسياق بقية التراجم وأورد فيه حديث سهل أيضا في قصة المنبر وحديث جابر في ذكر المنبر وحنين الجذع وقد تقدم الكلام على فوائدهما في كتاب الجمعة وقوله في آخر الحديث الذي يسكت بضم أوله وتشديد الكاف وقوله قال بكت على ما كانت تسمع من الذكر يحتمل أن يكون فاعل قال راوي الحديث لكن صرح وكيع في روايته عن عبد الواحد بن أيمن بأنه النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه أحمد وابن أبي شيبة عنه قوله باب شراء الإمام الحوائج بنفسه كذا لأبي ذر عن غير الكشميهني وسقطت الترجمة للباقين ولبعضهم شراء الحوائج بنفسه أي الرجل وفائدة الترجمة رفع توهم من يتوهم أن تعاطى ذلك يقدح في المروءة قوله وقال بن عمر اشترى النبي صلى الله عليه وسلم جملا من عمر هو طرف من حديث سيأتي موصولا في كتاب الهبة قوله واشترى بن عمر بنفسه هذا التعليق ثبت في رواية الكشميهني وحده وسيأتي موصولا

[ 269 ]

بعد باب قوله وقال عبد الرحمن بن أبي بكر أي الصديق جاء مشرك بغنم الحديث هو طرف من حديث يأتي موصولا في آخر البيوع في باب الشراء والبيع مع المشركين قوله واشترى أي النبي صلى الله عليه وسلم من جابر بعيرا هو طرف من حديث موصول في الباب الذي يليه وفي هذه الأحاديث مباشرة الكبير والشريف شراء الحوائج وأن كان له من يكفيه إذا فعل ذلك على سبيل التواضع والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا شك أحد أنه كان له من يكفيه ما يريد من ذلك ولكنه كان بالصلاة تعليما وتشريعا ثم أورد حديث عائشة في شراء الطعام من اليهودي وسيأتي شرحه في أول الرهن إن شاء الله تعالى قوله باب شراء الدواب والحمير في رواية أبي ذر الحمر بضمتين وليس في حديثي الباب ذكر للحمر وكأنه أشار إلى الحاقها في الحكم بالإبل لأن حديثي الباب إنما فيهما ذكر بعير وجمل ولا اختصاص في الحكم المذكور بدابة دون دابة فهذا وجه الترجمة قوله وإذا اشترى دابة أو جملا وهو أي البائع عليه هل يكون ذلك قبضا يعني أو يشترط في القبض قدر زائد على مجرد التخلية وهي مسألة خلافية سيأتي شرحها قريبا في باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قوله قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بعنيه يعني جملا صعبا هذا طرف من حديث سيأتي في الباب المذكور ثم أورد حديث جابر في قصة بيع جمله وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الشروط إن شاء الله تعالى ويقال أن الغزوة التي كان فيها هي غزوة ذات الرقاع وقوله فيه يحجنه بفتح أوله وسكون المهملة وضم الجيم أي يطعنه وقوله أبكرا أم ثيبا بالنصب فيهما بتقدير أتزوجت ويجوز الرفع بتقدير اهى قوله باب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع بها الناس في الإسلام قال بن بطال فقه هذه الترجمة أن مواضع المعاصي وافعال الجاهلية لا تمنع من فعل الطاعة فيها ثم أورد المصنف فيه حديث بن عباس وقد تقدم التنبيه عليه في أول البيوع وأن شرحه مضى في كتاب الحج قوله باب شراء الإبل الهيم بكسر الهاء جمع اهيم للذكر ويقال للانثى هيمى قوله أو الأجرب في رواية النسفي والاجرب وهو من عطف المفرد على الجمع في الصفة لأن الموصوف هنا هو الإبل وهو اسم جنس صالح للجمع والمفرد فكأنه قال شراء الإبل الهيم وشراء الإبل الجرب قوله الهائم المخالف للقصد في كل شئ قال بن التين ليس الهائم واحد الهيم وما أدري لم ذكر البخاري الهائم هنا اه وقد أثبت غيره ما نفاه قال الطبري في تفسيره الهيم جمع اهيم ومن العرب من يقول هائم ثم يجمعونه على هيم كما قالوا غائط وغيط قال والإبل الهيم

[ 270 ]

التي اصابها الهيام بضم الهاء وبكسرها داء تصير منه عطشى وتشرب فلا تروي وقيل الإبل الهيم المطلية بالقطران من الجرب فتصير عطشى من حرارة الجرب وقيل هو داء ينشأ عنه الجرب ثم أسند من طريق على بن أبي طلحة عن بن عباس من قوله فشاربون شرب الهيم قال الإبل العطاش ومن طريق عكرمة هي الإبل يأخذها العطش فتشرب حتى تهلك قوله قال عمرو هو ابن دينار وقول البخاري في آخر الحديث سمع سفيان عمرا هو مقول شيخه على بن عبد الله وقد رواه الحميدي في مسنده عن سفيان قال حدثنا عمرو به قوله كان ههنا أي بمكة وفي رواية بن أبي عمر عن سفيان عند الاسماعيلي من أهل مكة قوله اسمه نواس بفتح النون والتشديد للأكثر وللقابسي بالكسر والتخفيف وللكشميهني كالأول لكن بزيادة ياء النسب قوله من شريك له لم اقف على اسمه قوله ابلا هيما في رواية بن أبي عمر هياما بكسر أوله قوله ولم يعرفك بسكون العين من المعرفة للأكثر وللمستملى بضم أوله وفتح العين والتشديد من التعريف قوله فاستقها بالمهملة فعل أمر من الاستياق والقائل هو بن عمر والمقول له نواس وفي رواية ابن أبي عمر قال فاستقها إذا أي أن كان الأمر كما تقول فارتجعها قوله فقال دعها القائل هو ابن عمر وكان نواسا أراد أن يرتجعها فاستدرك بن عمر فقال دعها قوله رضينا بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أي رضيت بحكمه حيث حكم الا عدوي ابن $ طيرة وعلى التأويل الذي اختاره بن التين يصير الحديث موقوفا من كلام بن أبي عمرو على الذي اخترته جرى القدرة في جمعه فأورد هذه الطريق عقب حديث الزهري عن سالم وحمزة مشهور عبد الله بن عمر عن أبيهما مرفوعا لا عدوي ابن $ طيرة كأنه اعتمد على أنه حديث واحد وفي الحديث جواز بيع الشئ المعيب إذا بينه البائع ورضى به المشترى سواء بينه البائع قبل العقد أو بعده لكن إذا آخر بيانه عن العقد ثبت الخيار للمشترى وفيه اشتراء الكبير حاجته بنفسه وتوقى ظلم الرجل الصالح وذكر القدرة في آخر الحديث قصة قال وكان نواس يجالس بن عمر وكان يضحكه فقال يوما وددت أن لي أبا قبيس ذهبا فقال له بن عمر ما تصنع به قال أموت عليه قوله لا عدوى قال الخطابي لا أعرف للعدوى هنا معنى الا أن يكون الهيام داء من شأنه أن من وقع به إذا رعى مع الإبل حصل لها مثله وقال غيره لها معنى ظاهر أي رضيت بهذا البيع على ما فيه من عقب ولا اعدى على البائع حكما واختار هذا التأويل بن التين ومن تبعه وقال الداودي معنى قوله لا عدوي النهى عن الاعتداء والظلم وقال أبو على الهجري في النوادر الهيام داء من وبلام الإبل يحدث عن شرب الماء النجل إذا كثر طحلبه ومن علامة حدوثه إقبال البعير على الشمس حيث دارت واستمراره على أكله وشربه وبدنه ينقص كالذائب فإذا أراد صاحبه استبانة أمره استبان له فإن وجد ريحه مثل ريح الخميرة فهو اهيم فمن شم من بوله أو بعره أصابه الهيام اه وبهذا يتضح المعنى الذي خفي على الخطابي وأبداه احتمالا وبه يتضح صحة عطف البخاري الأجرب على الهيم لاشتراكهما في دعوى العدوي ومما يقويه أن الحديث على هذا التأويل يصير في حكم المرفوع ويكون قول بن عمر لا عدوي تفسيرا للقضاء الذي تضمنه قوله باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها أي هل يمنع أم لا قوله وكره عمران بن حصين بيعه في الفتنة أي في أيام الفتنة وهذا وصله بن عدي في الكامل من طريق أبي الأشهب عن أبي رجاء عن عمران

[ 271 ]

ورواه الطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي رجاء عن عمران مرفوعا وإسناده ضعيف وكأن المراد بالفتنة ما يقع من الحروب بين المسلمين لأن في بيعه إذ ذاك إعانة لمن اشتراه وهذا محله إذا اشتبه الحال فأما إذا تحقق الباغي فالبيع للطائفة التي في جانبها الحق لا بأس به قال بن بطال إنما كره بيع السلاح في الفتنة لأنه من باب التعاون على الإثم ومن ثم كره ما لك والشافعي وأحمد وإسحاق بيع العنب ممن يتخذه خمرا وذهب مالك إلى فسخ البيع وكأن المصنف أشار إلى خلاف الثوري في ذلك حيث قال بع حلالك ممن شئت قوله عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري وعمر بن كثير هو بن أفلح وقع في رواية يحيى بن يحيى الأندلسي عمرو بفتح العين وهو تصحيف والإسناد كله مدنيون وفيه ثلاثة من التابعين في نسق أولهم يحيى قوله خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين فبعت الدرع كذا وقع مختصرا فقال الخطابي سقط شئ من الحديث لا يتم الكلام الا به وهو أنه قتل رجلا من الكفار فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم سلبه وكان الدرع من سلبه وتعقبه بن التين بأنه تعسف في الرد على البخاري لأنه إنما أراد جواز بيع الدرع فذكر موضعه من الحديث وحذف سائره وكذا يفعل كثيرا قلت وهو كما قال وليس ما قاله الخطابي بمدفوع وسيأتي الحديث مستوفى مع الكلام عليه في غزوة حنين من كتاب المغازي وقد استشكل مطابقته للترجمة قال الاسماعيلي ليس في هذا الحديث من ترجمة الباب شئ وأجيب من الترجمة مشتملة على بيع السلاح في الفتنة وغيرها فحديث أبي قتادة منزل على الشق الثاني وهو بيعه في غير الفتنة وقرأت بخط القطب في شرحه يحتمل أن يكون الرجل لما قال فأرضه منه فأراد أن يأخذ الدرع ويعوضه عنه النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه بمنزلة البيع وكان ذلك وقت الفتنة انتهى ولا يخفى تعسف هذا التأويل والحق أن الاستدلال بالبيع إنما هو في بيع أبي قتادة الدرع بعد ذلك لأنه باع الدرع فاشترى بثمنه البستان وكان ذلك في غير زمن الفتنة ويحتمل أن المراد بإيراد هذا الحديث جواز بيع السلاح في الفتنة لمن لا يخشى منه كلاهما لأن أبا قتادة باع درعه في الوقت الذي كان القتال فيه قائما بين المسلمين والمشركين وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك والظن به أنه لم يبعه ممن يعين على قتال المسلمين فيستفاد منه جواز بيعه في زمن القتال لمن لا يخشى منه قوله مخرفا بالمعجمة الساكنة والفاء مفتوح الأول هو البستان وبكسر الميم الوعاء الذي يجمع فيه الثمار قوله بني سلمة بكسر اللام قوله تأثلته بالمثلثة قبل اللام أي جمعته قال بن فارس وقال القزاز جعلته أصل ما لي واثلة كل شئ أصله قوله باب في العطار وبيع المسك ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك وكأنه الحق العطار به لاشتراكهما في الرائحة الطيبة قوله حدثنا عبد الواحد هو بن زياد وأبو بردة بن عبد الله هو زيد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى قوله كمثل صاحب المسك في رواية أبي أسامة عن بريد كما سيأتي في الذبائح كحامل المسك وهو أعم من أن يكون صاحبه أو لا قوله وكير الحداد بكسر الكاف بعدها تحتانية ساكنة معروف وفي رواية أبي أسامة كحامل المسك ونافخ الكير وحقيقته البناء الذي يركب عليه الزق والزق هو الذي ينفخ فيه فأطلق على الزق اسم الكير مجازا لمجاورته له وقيل الكير هو الزق نفسه وأما البناء فاسمه الكور قوله لا يعدمك بفتح أوله

[ 272 ]

وكذلك الدال من العدم أي لا يعدمك إحدى الخصلتين أي لا يعدوك تقول ليس يعدمنى هذا الأمر أي ليس يعدونى وفي رواية أبي ذر بضم أوله وكسر الدال من الاعدام أي لا يعدمك صاحب المسك إحدى الخصلتين قوله أما تشتريه أو تجد ريحه في رواية أبي أسامة أما أن يحذيك وأما أن تبتاع منه ورواية عبد الواحد أرجح لأن الاحذاء وهو الإعطاء لا يتعين بخلاف الرائحة فإنها لازمة سواء وجد البيع أو لم يوجد قوله وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك في رواية أبي أسامة ونافخ الكير أما أن يحرق ثيابك ولم يتعرض لذكر البيت وهو واضح وفي الحديث النهى عن مجالسة من يتأذى بمجالسته في الدين والدنيا والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما وفيه جواز بيع المسك والحكم بطهارته لأنه صلى الله عليه وسلم مدحه ورغب فيه ففيه الرد على من كرهه وهو منقول عن الحسن البصري وعطاء وغيرهما ثم انقرض هذا الخلاف واستقر الإجماع على طهارة المسك وجواز بيعه وسيأتي لذلك مزيد بيان في كتاب الذبائح ولم يترجم المصنف للحداد لأنه تقدم ذكره وفيه ضرب المثل والعمل في الحكم بالأشباه والنظائر قوله باب ذكر الحجام قال بن المنير ليست هذه الترجمة تصويبا لصنعة الحجامة فإنه قد ورد فيها حديث يخصها وأن كان الحجام لا يظلم أجره فالنهى على الصانع لا على المستعمل والفرق بينهما ضرورة المحتجم إلى الحجامة وعدم ضرورة الحجام لكثرة الصنائع سواها قلت أن أراد بالتصويب التحسين والندب إليها فهو كما قال وأن أراد التجويز فلا فإنه يسوغ للمستعمل تعاطيها للضرورة ومن السري تعاطيها للمستعمل تعاطى الصانع لها فلا فرق الا بما أشرت إليه إذ لا يلزم من كونها من المكاسب الدنيئة أن لا تشرع فالكساح اسوأ حالا من الحجام ولو تواطأ الناس على تركه لا ضر ذلك بهم وسيأتي الكلام على كسب الحجام في كتاب الإجازة ويأتي الكلام هناك عن حديثي الباب عن أنس وابن عباس إن شاء الله تعالى قوله باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء أي إذا كان مما ينتفع به غير من كره له لبسه إماما لا منفعة فيه شرعية فلا يجوز بيعه أصلا على الراجح من أقوال العلماء وذكر فيه حديثين أحدهما حديث بن عمر في قصة عمر في حلة عطارد وفيه قوله صلى الله عليه وسلم إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها يعني تبيعها وسيأتي في اللباس من وجه آخر بلفظ إنما بعثت بها إليك لتبيعها أو لتكسوها وهو واضح فيما ترجم له هنا من جواز بيع ما يكره لبسه للرجال والتجارة وأن كانت أخص من البيع لكنها جزؤه المستلزمة له وأما ما يكره لبسه للنساء فبالقياس عليه أو المراد بالكراهة في الترجمة ما هو أعم من التحريم والتنزيه فيدخل فيه الرجال والنساء فعرف بهذا جواب ما اعترض به الإسماعيلي من أن حديث بن عمر لا يطابق الترجمة حيث ذكر فيها النساء الثاني حديث عائشة في قصة النمرقة المصورة وسيأتي الكلام عليه وعلى الذي قبله مستوفى في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى ووجه الدلالة منه أنه صلى الله عليه وسلم لم يفسخ البيع في النمرقة وسيأتي أن في بعض طرق الحديث المذكور أنه صلى الله عليه وسلم توكأ

[ 273 ]

عليها بعد ذلك والثوب الذي فيه الصورة يشترك في المنع منه الرجال والنساء فهو مطابق للترجمة من هذه الحيثية بخلاف ما اعترض به الاسماعيلي وقال بن المنير في الترجمة اشعار بحمل قوله إنما يلبس هذه من لا خلاف له على العموم حتى يشترك في ذلك الرجال والنساء لكن الحق أن ذلك خاص بالرجال وإنما الذي يشترك فيه الرجال والنساء المنع من التمرقة وحاصله أن حديث بن عمر يدل على بعض الترجمة وحديث عائشة يدل على جميعها قوله باب صاحب السلعة أحق بالسوم بفتح المهملة وسكون الواو أي ذكر قدر معين للثمن وقال بن بطال لا خلاف بين العلماء في هذه المسألة وأن متولى السلعة من مالك أو وكيل أولي بالسوم من طالب شرائها قلت لكن ذلك ليس بواجب فسياتى في قصة جمل جابر أنه صلى الله عليه وسلم بداه بقوله بعنيه بأوقية الحديث قوله حدثنا عبد الوارث هو بن سعيد والإسناد كله بصريون قوله ثامنونى بمثلثة على وزن فاعلونى وهو أمر لهم بذكر الثمن معين باختيارهم على سبيل السوم ليذكر هو لهم ثمنا معينا يختاره ثم يقع التراضي بعد ذلك وبهذا يطابق الترجمة وقال المازري معنى قوله ثامنونى أي بايعوني بالثمن أي ولا أخذه هبة قال فليس فيه الا أن المشترى يبدأ بذكر الثمن وتعقبه عياض بان الترجمة إنما هي لذكر الثمن معينا وأما مطلق ذكر الثمن فلا فرق فيه في الاولوية بين البائع والمشترى قلت وقد سبق هذا الحديث في أبواب المساجد ويأتي الكلام عليه مستوفى في أول الهجرة إن شاء الله تعالى قوله باب بالتنوين كم يجوز الخيار والخيار بكسر الخاء اسم من الاختيار أو التخيير وهو طلب خير الامرين من امضاء البيع أن فسخه وهو خياران خيار المجلس وخيار الشرط وزاد بعضهم خيار النقيصة وهو مندرج في الشرط فلا يزاد والكلام هنا على خيار الشرط والترجمة معقودة لبيان مقداره وليس في حديثي الباب بيان لذلك قال بن المنير لعله أخذ من عدم تحديده في الحديث أنه لا يتقيد بل يفوض الأمر فيه إلى الحاجة لتفاوت السلع في ذلك قلت وقد روى البيهقي من طريق أبي علقمة الغروي عن نافع عن بن عمر مرفوعا الخيار ثلاثة أيام وهذا كأنه مختصر من الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من طريق محمد بن إسحاق عن نافع في قصة حبان بن منقذ وساذكره بعد خمسة أبواب وبه احتج للحنفية والشافعية في أن أمد الخيار ثلاثة أيام وأنكر مالك التوقيت في خيار الشرط ثلاثة أيام بغير زيادة وأن كانت في الغالب يمكن الاختيار فيها لكن لكل شئ أمد بحسبه يتخير فيه فللدابة مثلا والثوب يوم أو يومان وللجارية جمعة وللدار شهر وقال الأوزاعي يمتد الخيار شهرا وأكثر بحسب الحاجة إليه وقال الثوري يختص الخيار بالمشتري ويمتد له إلى عشرة أيام وأكثر ويقال أنه انفرد بذلك وقد صح القول بامتداد الخيار عن عمر وغيره وسيأتي شئ منه في أبواب الملازمة ويحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله كم يجوز الخيار أي كم يخير أحد المتابعين الآخر مرة وأشار إلى ما في الطريق الآتية بعد ثلاثة أبواب من زيادة همام ويختار ثلاث مرار لكن لما لم تكن الزيادة ثابتة أبقى الترجمة على الاستفهام كعادته قوله حدثنا صدقة هو بن الفضل المروزي وعبد الوهاب هو الثقفي ويحيى به سعيد هو الأنصاري قوله أن المتبايعين بالخيار كذا للأكثر وحكى بن التين في رواية القابسي أن المتبايعان قال وهي لغة وفي رواية أيوب عن نافع في الباب الذي يليه البيعان بتشديد التحتانية والبيع بمعنى البائع كضيق وضائق وصين وصائن وليس كبين

[ 274 ]

وبائن فإنهما متغايران كقيم وقائم واستعمال البيع في المشترى أما على سبيل التغلب أو لأن كلا منهما بائع قوله ما لم يتفرقا في رواية النسائي يفترقا بتقديم الفاء ونقل ثعلب عن الفضل بن سلمة افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان ورده بن العربي بقوله تعالى وما تفرق الذين أوتوا الكتاب فإنه ظاهر في التفرق بالكلام لا أنه بالاعتقاد وأجيب بأنه من لازمه في الغالب لأن من خالف آخر في عقيدته كان مستدعيا لمفارقته إياه ببدنه ولا يخفى ضعف هذا الجواب والحق حمل كلام المفضل على الاستعمال بالحقيقة وإنما استعمل أحدهما في موضع الآخر اتساعا قوله أو يكون البيع خيارا سيأتي شرحه بعد باب قوله قال نافع وكان بن عمر الخ هو موصولا بالإسناد المذكور وقد ذكره مسلم أيضا من طريق بن جريج عن نافع وهو ظاهر في أن بن عمر كان يذهب إلى أن التفرق المذكور بالأبدان كما سيأتي وفي الحديث ثبوت الخيار لكل من المتبايعين ما داما في المجلس وسيأتي بعد باب قوله عن أبي الخليل في رواية شعبة الأتية بعد باب عن قتادة عن صالح أبي الخليل وفي رواية أحمد عن غندور عن شعبة عن قتادة سمعت أبا الخليل قوله عن عبد الله بن الحارث هو أبو نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ولم ينسب في شئ من طرق حديثه في الصحيحين لكن وقع لأحمد من طريق سعيد عن قتادة عبد الله بن الحارث الهاشمي ورواه بن خزيمة والاسماعيلي عنه من وجه آخر عن شعبة فقال عن قتادة سمعت أبا الخليل يحدث عن عبد الله بن الحارث بن نوفل وعبد الله هذا مذكور في الصحابة لأنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأتى به فحنكه وهو معدود من حيث الرواية في كبار التابعين وقتادة وشيخه تابعيان أيضا وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر عن العباس في قصة أبي طالب قوله وزاد أحمد حدثنا بهز أي بن أسد وهذه الطريق وصلها أبو عوانة في صحيحه عن أبي جعفر الدارمي واسمه أحمد بن سعيد عن بهز به ولم أرها في مسند أحمد بن حنبل وزعم بعضهم أنه أحمد المذكور وستاتى هذه الزيادة من وجه آخر عن همام بعد ثلاثة أبواب باوضح من سياقه وفي صنيع همام فائدة طلب علو الإسناد لأن بينه وبين أبي الخليل في إسناده الأول رجلين وفي الثاني رجل واحد قوله باب إذا لم يوقت الخيار أي إذا لم يعين البائع أو المشترى وقتا للخيار وإطلقاه هل يجوز البيع وكأنه أشار بذلك إلى الخلاف الماضي في حد خيار الشرط والذي ذهب إليه الشافعية والحنفية أنه لا يزاد فيه على ثلاثة أيام وذهب بن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون إلى أنه لا أمد لمدة خيار الشرط بل البيع جائز والشرط السري إلى الوقت الذي يشترطانه وهو اختيار بن المنذر فإن شرطا أو أحدهما الخيار مطلقا فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى هو شرط باطل والبيع جائز وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي يبطل البيع أيضا وقال أحمد وإسحاق للذي شرط الخيار أبدا تنبيه قوله أو يقول أحدهما كذا هو في جميع الطرق بإثبات الواو في يقول وفي إثباتها نظر لأنه مجزوم عطفا على قوله ما لم يتفرقا فلعل الضمة اشبعت كما اشبعت الياء في قراءة من قرأ أنه من يتقي ويصبر ويحتمل أن تكون بمعنى الا أن فيقرأ حينئذ بنصب اللام وبه جزم النووي وغيره ثم ذكر المصنف في الباب حديث بن عمر من وجد آخر عن نافع وفيه أو يكون بيع خيار والمعنى أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه آخر امضاء البيع أو فسخه فاختار امضاء البيع مثلا أن البيع يتم وأن لم يتفرقا وبهذا قال الثوري

[ 275 ]

والأوزاعي والشافعي وإسحاق وآخرون وقال أحمد لا يتم البيع حتى يتفرقا وقيل أنه تفرد بذلك وقيل المعنى بقوله أو يكون بيع خيار أي أن يشترطا الخيار مطلقا فلا يبطل بالتفرق وسيأتى البحث فيه بعد بابين مستوفى إن شاء الله تعالى قوله باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وبه قال بن عمر أي بخيار المجلس وهو بين من صنيعه الذي مضى قبل باب وأنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه وللترمذي من طريق بن فضيل عن يحيى بن سعيد وكان بن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد قام ليجب له ولأبن أبي شيبة من طريق محمد بن إسحاق عن نافع كان بن عمر إذا باع انصرف ليجب له البيع ولمسلم من طريق بن جريج قال أملى على نافع فذكر الحديث وفيه قال نافع وكان إذا بايع رجلا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع إليه وسيأتي صنيع بن عمر ذلك من وجه آخر بعد بابين وروى سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله عن عبد العزيز بن حكيم رأيت بن عمر اشترى من رجل بعيرا فأخرج العجلي فوضعه بين يديه فخيره بين بعيره وبين الثمن قوله وشريح والشعبي أي قالا بخيار المجلس وهذا وصله سعيد بن منصور عن هشيم عن محمد بن على سمعت أبا الضحى يحدث أنه شهد شريحا واختصم إليه رجلان اشترى أحدهما من الآخر دارا بأربعة آلاف فأوجبها له ثم بدا له في بيعها قبل أن يفارق المؤلف فقال لي لا حاجة لي فيها فقال البائع قد بعتك فأوجبت لك فاختصما إلى شريح فقال هو بالخيار ما لم يتفرقا قال محمد وشهدت الشعبي قضى بذلك وروى بن أبي شيبة عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن شريح قال البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وعن جرير عن اني عن وكيع عن الشعبي أنه أتى في رجل اشترى من رجل برذونا فأراد أن يرده قبل أن يتفرقا فقضى الشعبي أنه قد وجب البيع فشهد عنده أبو الضحى أن شريحا أتى في مثل ذلك فرده على البائع فرجع الشعبي إلى قول شريح قوله وطاوس قال الشافعي في الأم أخبرنا بن عيينة عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال خير رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا بعد البيع قال وكان أبي يحلف ما الخيار الا بعد البيع قوله وعطاء وابن أبي مليكة وصلها بن أبي شيبة عن جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن بن أبي مليكة وعطاء قالا البيعان بالخيار حتى يتفرقا عن رضا ونقل بن المنذر القول به أيضا عن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة وعن الحسن البصري والأوزاعي وابن جريج وغيرهم وبالغ بن حزم فقال لا نعلم لهم مخالفا من التابعين الا النخعي وحده ورواية مكذوبة عن شريح والصحيح عنه القول به وأشار إلى ما رواه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن حجاج عن الحكم عن شريح قال إذا تكلم الرجل بالبيع فقد وجب البيع وإسناده ضعيف لأجل حجاج وهو ابن أرطاة قوله حدثنا إسحاق قال أبو على الجياني لم أره منسوبا في شئ من الروايات ولعله إسحاق بن منصور فان مسلما روى عن إسحاق بن منصور عن حبان بن هلال قلت قد رأيته منسوبا في رواية أبي على بن شبويه عن الفربري في هذا الحديث إسحاق بن منصور ولم أره في مسند إسحاق بن راهويه من روايته عن حبان فقوي ما قال أبو على رحمه الله ثم رأيت أبا نعيم استخرجه من طريق إسحاق بن راهويه عن حبان وقال أخرجه البخاري عن إسحاق فالله أعلم قوله حبان بن هلال هو بفتح الحاء بعدها موحدة ثقيلة قوله حدثنا شعبة سيأتي بعد باب من هذا الوجه عن همام بدل شعبة وهو أمرهم على أنه كان عند حبان عن شيخين حدثاه به عن

[ 276 ]

شيخ واحد قوله ما لم يتفرقا في رواية همام الماضية قبل باب ما لم يفترقا وفي رواية سليمان بن موسى عن نافع عن بن عمر وعن عطاء عن بن عباس مرفوعا ما لم يفارقه صاحبه فإن فارقه فلا خيار له وقد اختلف القائلون بان المراد أن يتفرقا بالأبدان هل للتفرق المذكور حد ينتهى إليه والمشهور الراجح من مذهب العلماء في ذلك أنه موكول إلى العرف فكل ما عد في العرف تفرقا حكم به ومالا فلا والله أعلم قوله فإن صدقا وبينا أي صدق البائع في أخبار المشترى مثلا وبين عقب أن كان في السلعة وصدق المشترى في قدر الثمن مثلا وبين عقب أن كان في الثمن ويحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد وذكر أحدهما تأكيد للأخر قوله محقت بركة بيعهما يحتمل أن يكون على ظاهره وأن شؤم التدليس والكذب وقع في ذلك العقد فمحق بركته وأن كان الصادق مأجورا والكاذب مأزورا ويحتمل أن يكون ذلك مختصا بمن وقع منه التدليس والعيب دون الآخر ورجحه بن أبي جمرة وفي الحديث فضل الصدق والحث عليه وذم الكذب والحث على منعه وأنه سبب لذهاب البركة وأن عمل الآخرة يحصل خيرى الدنيا والآخرة قوله الا بيع الخيار أي فلا يحتاج إلى التفرق كما سيأتي شرحه في الباب الذي يليه وفي رواية أيوب عن نافع في الباب الذي قبله ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر وهو ظاهر في حصر لزوم البيع بهذين الأمرين وفيه دليل على اثبات خيار المجلس وقد مضى قبل بباب أن بن عمر حمله على التفرق بالأبدان وكذلك أبو برزة الأسلمي ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة وخالف في ذلك إبراهيم النخعي فروى بن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه قال البيع جائز وأن لم يتفرقا ورواه سعيد بن منصور عنه بلفظ إذا وجبت الصفقة فلا خيار وبذلك قال المالكية الا ابن حبيب والحنفية كلهم قال بن حزم لا نعلم لهم سلفا الا إبراهيم وحده وقد ذهبوا في الجواب عن حديثي الباب فرقا فمنهم من رده لكونه معارضا لما هو أقوى منه ومنهم من صححه ولكن أوله على غير ظاهره فقالت طائفة منهم هو منسوخ بحديث المسلمون على شروطهم والخيار بعد لزوم العقد يفسد الشرط وبحديث التحالف عند اختلاف المتبايعين لأنه يقتضى الحاجة إلى اليمين وذلك يستلزم لزوم العقد ولو ثبت الخيار لكان كافيا في رفع العقد وبقوله تعالى واشهدوا إذا تبايعتم والاشهاد أن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر وأن وقع قبل التفرق لم يصادف محلا ولا حجة في شئ من ذلك لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسف ولا تكلف وقال بعضهم هو من رواية مالك وقد عمل بخلافه فدل على أنه عارضه ما هو أقوى منه والراوي إذا عمل عمل بخلاف ما روى دل على وهن المروي عنده وتعقب بان مالكا لم يتفرد به فقد رواه غيره وعمل به وهم أكثر عددا رواية وعملا وقد خص كثير من محققى أهل الأصول الخلاف المشهور فيما إذا عمل الراوي بخلاف ما روى بالصحابة دون من جاء بعدهم ومن قاعدتهم أن الراوي أعلم بما روى وابن عمر هو راوي الخبر وكان يفارق إذا باع ببدنه فاتباعه أولي من غيره وقالت طائفة هو معارض بعمل أهل المدينة ونقل بن التين عن أشهب بأنه مخالف لعمل أهل مكة أيضا وتعقب بأنه قال به بن عمر ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم بن أبي ذئب كما مضى وهؤلاء

[ 277 ]

من أكابر علماء أهل المدينة في اعصارهم ولا يحفظ عن أحد من علماء المدينة القول بخلافه سوى عن ربيعة وأما أهل مكة فلا يعرف أحد منهم القول بخلافه فقد سبق عن عطاء وطاوس وغيرهما من أهل مكة وقد أشتد إنكار بن عبد البر وابن العربي على من زعم من المالكية أن مالكا ترك العمل به لكون عمل أهل المدينة على خلافه قال بن العربي إنما لم يؤخذ به مالك لأن وقت التفرق غير معلوم فأشبه بيوع الغرر كالملامسة وتعقب بأنه يقول بخيار الشرط ولا يحده بوقت معين وما ادعاه من الغرر موجود فيه وبأن الغرر في خيار المجلس معدوم لأن كلا منهما متمكن من امضاء البيع أو فسخه بالقول أو بالفعل فلا غرر وقالت طائفة هو خبر واحد فلا يعمل به الا فيما تعم به البلوي ورد بأنه مشهور فيعمل به كما ادعوا وكما ذلك في خبر القهقهة في الصلاة وايجاب الوتر وقال آخرون هو مخالف للقياس الجلي في الحاق ما قبل التفرق بما بعده وتعقب بان القياس مع النص فاسد الاعتبار وقال آخرون التفرق بالأبدان أمرهم على الاستحباب تحسينا للمعاملة مع المسلم لا على الوجوب وقال آخرون هو أمرهم على الاحتياط للخروج من الخلاف وكلاهما على خلاف الظاهر وقالت طائفة المراد بالتفرق في الحديث التفرق بالكلام كما في عقد النكاح والاجارة والعتق وتعقب بأنه قياس مع ظهور الفارق لأن البيع ينقل فيه ملك رقبة المبيع ومنفعته بخلاف ما ذكر وقال بن حزم سواء قلنا التفرق بالكلام أو بالأبدان فإن خيار المجلس بهذا الحديث ثابت أما حيث قلنا التفرق بالأبدان فواضح وحيث قلنا بالكلام فواضح أيضا لأن قول أحد المتبايعين مثلا بعتكه بعشرة وقول الآخر بل بعشرين مثلا افتراق في الكلام بلا شك بخلاف مالوا قال اشتريته بعشرة فإنهما حينئذ متوافقان فيتعين ثبوت الخيار لهما حين يتفقان لا حين يتفرقان وهو المدعى وقيل المراد بالمتبايعين المتساومان ورد بأنه مجاز والحمل على الحقيقة أو ما يقارب منها أولي واحتج الطحاوي بايات وأحاديث استعمل فيها مجاز وقال من أنكر استعمال لفظ البائع في السائم فقد غفل عن اتساع اللغة وتعقب بأنه لا يلزم من استعمال المجاز في موضع طرده في كل موضع فالأصل من الإطلاق الحقيقة حتى يقوم الدليل على خلافه وقالوا أيضا وقت التفرق في الحديث هو ما بين قول البائع بعتك هذا بكذا وبين قول المشترى اشتريت قالوا فالمشترى بالخيار في قوله اشتريت أو تركه والبائع بالخيار إلى أن يوجب المشترى وهكذا حكاه الطحاوي عن عيسى بن أبان منهم وحكاه بن خويزمنداد عن مالك قال عيسى بن أبان وفائدته تظهر فيما لو تفرقا قبل القبول فإن القبول يتعذر وتعقب بان تسميتهما متبايعين قبل تمام العقد مجاز أيضا فأجيب بان تسميتهما متبايعين بعد تمام العقد مجاز أيضا لأن اسم الفاعل في الحال حقيقة وفيما عداه مجاز فلو كان الخيار بعد انعقاد البيع لكان لغير البيعين والحديث يرده فتعين حمل التفرق على الكلام وأجيب بأنه إذا تعذر الحمل على الحقيقة تعين المجاز وإذا تعارض المجازان فالأقرب إلى الحقيقة أولى وأيضا فالمتبايعان لا يكونان متبايعين حقيقة الا في حين تعاقدهما لكن عقدهما لا يتم الا بأحد أمرين أما بإبرام العقد أو التفرق على ظاهر الخبر فصح إنهما متعاقدان ما داما في مجلس العقد فعلى هذا تسميتهما متبايعين حقيقة بخلاف حمل المتبايعين على المتساومين فإنه مجاز باتفاق وقالت طائفة التفرق يقع بالأقوال كقوله تعالى وأن يتفرقا يغن الله كلا من سعته

[ 278 ]

وأجيب بأنه سمي بذلك لكونه يفضى إلى التفرق بالأبدان قال البيضاوي ومن نفى خيار المجلس أرتكب مجازين بحمله التفرق على الأقوال وحمله المتبايعين على المتساومين وأيضا فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه لأنه يصير تقديره أن المتساومين أن شاءا عقد البيع وأن شاءا لم يعقداه وهو تحصيل الحاصل لأن كل أحد يعرف ذلك ويقال لمن زعم أن التفرق بالكلام ما هو الكلام الذي يقع به التفرق أهو الكلام الذي وقع به العقد أم غيره فإن كان غيره فما هو فليس بين المتعاقدين كلام غيره وأن كان هو ذلك الكلام بعينه لزم أن يكون الكلام الذي عليه وتم بيعهما به هو الكلام الذي افترقا به وانفسخ بيعهما به وهذا في غاية الفساد وقال آخرون العمل بظاهر الحديث متعذر فيتعين تأويله وبيان تعذره أن المتبايعين أن اتفقا في الفسخ أو الامضاء لم يثبت لواحد منهما على الآخر خيار وأن اختلفا فالجمع بين الفسخ والامضاء جمع بين النقيضين وهو مستحيل وأجيب بان المراد أن لكل منهما الخيار في الفسخ وأما الامضاء فلا احتياج إلى اختياره فإنه مقتضى العقد والحال يفضى إليه مع السكوت بخلاف الفسخ وقال آخرون حديث بن عمر هذا وحكيم بن حزام معارض بحديث عبد الله بن عمرو وذلك فيما أخرجه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا البيعان بالخيار ما لم يتفرقا الا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله قال بن العربي ظاهر هذه الزيادة مخالف لأول الحديث في الظاهر فإن تاولوا الاستقالة فيه على الفسخ تأولنا الخيار فيه على الاستقالة وإذا تعارض التأويلان فزع إلى الترجيح والقياس في جانبنا فيرجع وتعقب بان حمل الاستقالة على الفسخ أوضح من حمل الخيار على الاستقالة لأنه لو كان المراد حقيقة الاستقالة لم تمنعه من المفارقة لأنها لا تختص بمجلس العقد وقد أثبت في أول الحديث الخيار ومده إلى غاية التفرق ومن المعلوم أن من له الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة فتعين حملها على الفسخ وعلى ذلك حمله الترمذي وغيره من العلماء فقالوا معناه لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع لأن العرب تقول استقلت ما فات عنى إذا استدركه فالمراد بالاستقالة فسخ النادم منهما للبيع وحملوا نفى الحل على الكراهة لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم الا أن اختيار الفسخ حرام قال بن حزم احتجاجهم بحديث عمرو بن شعيب على التفرق بالكلام لقوله فيه خشية أن يستقيله لكون الاستقالة لا تكون الا بعد تمام البيع وصحة انتقال الملك تستلزم أن يكون الخبر المذكور لا فائدة له لأنه يلزم من حمل التفرق على القول إباحة المفارقة خشي أن يستقيله أو لم يخش وقال بعضهم التفرق بالأبدان في الصرف قبل القبض يبطل العقد فكيف يثبت العقد ما يبطله وتعقب باختلاف الجهة وبالمعارضة بنظيره وذلك أن النقد وترك الأجل شرط لصحة الصرف وهو يفسد السلم عندهم واحتج بعضهم بحديث بن عمر الآتي بعد بابين في قصة البكر الصعب وسيأتي توجيهه وجوابه واحتج الطحاوي بقول بن عمر ما أدركت الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المبتاع وتعقب بأنهم يخالفونه أما الحنفية فقالوا هو من مال البائع ما لم يره المبتاع أو ينقله والمالكية قالوا أن كان غائبا غيبة بعيدة فهو من البائع وأنه لا حجة فيه لأن الصفقة فيه محمولة على البيع الذي انبرم لا على ما لم ينبرم جمعا بين كلاميه وقال بعضهم معنى قوله حتى يتفرقا أي حتى يتوافقا يقال للقوم على ماذا تفارقتم أي على ماذا اتفقتم وتعقب

[ 279 ]

بما ورد في بقية حديث بن عمر في جميع طرقه ولا سيما في طريق الليث الآتية في الباب الذي بعد هذا وقال بعضهم حديث البيعان بالخيار جاء بألفاظ مختلفة فهو مضطرب لا يحتج به وتعقب بان الجمع بين ما اختلف من ألفاظه ممكن بغير تكلف ولا تعسف فلا يضره الاختلاف وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف ألفاظه وليس هذا الحديث من ذلك وقال بعضهم لا يتعين حمل الخيار في هذا الحديث على خيار الفسخ فلعله أريد به خيار الشراء أو خيار الزيادة في الثمن أو المثمن وأجيب بأن المعهود في كلامه صلى الله عليه وسلم حيث يطلق الخيار إرادة خيار الفسخ كما في حديث المصراة وكما في حديث الذي يخدع في البيوع وأيضا فإذا ثبت أن المراد بالمتبايعين المتعاقدان فبعد صدور العقد لا خيار في الشراء ولا في الثمن وقال بن عبد البر قد أكثر المالكية والحنفية من الاحتجاج لرد هذا الحديث بما يطول ذكره وأكثره لا يحصل منه شئ وحكى بن السمعاني في الاصطلام عن بعض الحنفية قال البيع عقد مشروع بوصف وحكم فوصفه اللزوم وحكمه الملك وقد تم البيع بالعقد فوجب أن يتم بوصفه وحكمه فأما تأخير ذلك إلى أن يفترقا فليس عليه دليل لأن السبب إذا تم يفيد حكمه ولا ينتفى الا بعارض ومن ادعاه فعليه البيان وأجاب أن البيع سبب للإيقاع في الندم والندم يحوج إلى النظر فاثبت الفاء خيار المجلس نظرا للمتعاقدين ليسلما من الندم ودليله خيار الرؤية عندهم وخيار الشرط عندنا قال ولو لزم العقد بوصفه وحكمه لما شرعت الاقالة لكنها شرعت نظرا للمتعاقدين الا أنها شرعت لاستدراك ندم ينفرد به أحدهما فلم تجب وخيار المجلس شرع لاستدراك ندم يشتركان فيه فوجب قوله باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع أي وقبل التفرق فقد وجب البيع أي وأن لم يتفرقا أورد فيه حديث بن عمر من طريق الليث عن نافع بلفظ إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا أي فينقطع الخيار وقوله وكانا جميعا تأكيدا لذلك وقوله أو يخير أحدهما الآخر ى فينقطع الخيار وقوله فتابعا على ذلك فقد وجب البيع أي وبطل الخيار وقوله وأن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحد منهما البيع أي لم يفسخه فقد وجب البيع أي بعد التفرق وهذا ظاهر جدا في انفساخ البيع بفسخ أحدهما قال الخطابي هذا أوضح شئ في ثبوت خيار المجلس وهو مبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الحديث وكذلك قوله في آخره وأن تفرقا بعد أن تبايعا فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن هو القاطع للخيار ولو كان معناه التفرق بالقول لخلا الحديث عن فائدة انتهى وقد أقدم الداودي على رد هذا الحديث المتفق على صحته بما لا يقبل منه فقال قول الليث في هذا الحديث وكانا جميعا الخ ليس بمحفوظ لأن مقام الليث في نافع ليس كمقام مالك ونظرائه انتهى وهو رد لما اتفق الأئمة على ثبوته بغير مستند وأي لوم على من روى الحديث مفسرا لأحد محتملاته حافظا من ذلك ما لم يحفظه غيره مع وقوع تعدد المجلس فهو أمرهم على أن شيخهم حدثهم به تارة مفسرا وتارة مختصرا وقد اختلف العلماء في المراد بقوله في حديث مالك الا بيع الخيار فقال الجمهور وبه جزم الشافعي هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق والمراد إنهما أن اختارا امضاء البيع قبل التفرق لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق فالتقدير الا البيع الذي جرى فيه التخاير قال النووي اتفق أصحابنا على ترجيح هذا التأويل وأبطل كثير منهم ما سواه وغلطوا

[ 280 ]

قائله انتهى ورواية الليث ظاهرة جدا في ترجيحه وقيل هو استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق وقيل المراد بقوله أو يفرق أحدهما الآخر أي فيشترط الخيار مدة معينة فلا ينقضي الخيار بالتفرق بل يبقى حتى تمضى المدة حكاه بن عبد البر عن أبي ثور ورجح الأول بأنه أقل في الاضمار وتعينه رواية النسائي من طريق إسماعيل قيل هو بن أمية وقيل غيره عن نافع بلفظ الا أن يكون البيع كان عن خيار فإن كان البيع عن خيار وجب البيع وقيل هو استثناء من اثبات خيار المجلس والمعنى أو يخير أحدهما الآخر فيختار في خيار المجلس فينتفى الخيار وهذا أضعف هذه الاحتمالات وقيل قوله الا أن يكون بيع خيار أي هما بالخيار ما لم يتفرقا الا أن يتخايرا ولو قبل التفرق وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار ولو بعد التفرق وهو قول يجمع التأويلين الأولين ويؤيده رواية عبد الرزاق عن سفيان في حديث الباب في الذي يليه حيث قال فيه الا بيع الخيار أو يقول لصاحبه اختر أن حملنا أو على التقسيم لا على الشك تنبيه قوله أو يخير أحدهما الآخر بإسكان الراء من يخير عطفا على قوله ما لم يتفرقا ويحتمل نصب الراء على أن أو بمعنى الا أن كما تقدم قريبا مثله في قوله أو يقول أحدهما لصاحبه اختر قوله باب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع كأنه أراد الرد على من حصر الخيار في المشترى دون البائع فإن الحديث قد سوى بينهما في ذلك قوله كل بيعين بتشديد التحتانية قوله لا بيع بينهما أي السري قوله حتى يتفرقا أي فيلزم البيع حينئذ بالتفرق قوله الا بيع الخيار أي فيلزم اشتراطه كما تقدم البحث فيه وظاهره حصر لزوم البيع في التفرق أو في شرط الخيار والمعنى أن البيع عقد جائز فإذا وجد أحد هذين الامرين كان لازما قوله حدثني إسحاق هو بن منصور وحبان هو بن هلال قوله حتى يتفرقا في رواية الكشميهني ما لم يتفرقا قوله قال همام وجدت في كتابي يختار ثلاث مرار أشار أبو داود إلى أن هماما تفرد بذلك عن أصحاب قتادة ووقع عند أحمد عن عفان عن همام قال وجدت في كتابي الخيار ثلاث مرار ولم يصرح همام بمن حدثه بهذه الزيادة فإن ثبتت فهي على سبيل الاختيار وقد أخرجه الاسماعيلي من وجه آخر عن حبان بن هلال فذكر هذه الزيادة في آخر الحديث قوله وحدثنا همام القائل هو حبان بن هلال المذكور وقد تقدم قبل بابين من وجه آخر عن همام قال الكرماني القائل هو حبان فإن قيل لم قال حدثنا وقال قبل ذلك قال همام فالجواب أنه حيث قال قال كان سمع ذلك في المذاكرة وحيث قال حدثنا سمع منه في مقام التحديث الله وفي جزمه بذلك نظر والذي يظهر أنه حيث ساقه بالإسناد عبر بقوله حدثنا وحيث ذكر كلام همام عبر عنه بقوله قال قوله باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا ولم فقلنا البائع على المشترى أي هل ينقطع خياره بذلك قال بن المنير أراد البخاري اثبات خيار المجلس بحديث بن عمر ثاني حديثي الباب وفيه قصته مع عثمان وهو بين في ذلك ثم خشي أن يعترض عليه بحديث ابن عمر في قصة البعير الصعب لأن النبي صلى الله عليه وسلم يطلق في البكر بنفس تمام العقد فأسلف الجواب عن ذلك في الترجمة بقوله ولم فقلنا البائع يعني أن الهبة المذكورة إنما تمت بامضاء البائع وهو سكوته المنزل منزلة قوله وقال بن التين هذا تعسف من البخاري ولا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه وهب ما فيه لأحد خيار ولا إنكار لأنه إنما بعث مبينا اه وجوابه

[ 281 ]

أنه صلى الله عليه وسلم قد بين ذلك بالأحاديث السابقة المصرحة بخيار المجلس والجمع بين الحديثين ممكن بان يكون بعد العقد فارق عمر بان تقدمه أو تأخر عنه مثلا ثم وهب وليس في الحديث ما يثبت ذلك ولا ما ينفيه فلا معنى للإحتجاج بهذه الواقعة العينية في إبطال ما دلت عليه الأحاديث الصريحة من اثبات خيار المجلس فإنها أن كانت متقدمة على حديث البيعان بالخيار فحديث البيعان قاض عليها وأن كانت متاخرة عنه حمل على أنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بالبيان السابق واستفيد منه أن المشترى إذا يطلق في المبيع ولم فقلنا البائع كان ذلك قاطعا لخيار البائع كما فهمه البخاري والله أعلم وقال بن بطال اجمعوا على أن البائع إذا لم ينكر على المشترى ما أحدثه من الهبة والعتق أنه بيع جائز واختلفوا فيما إذا أنكر ولم يرض فالذين يرون أن البيع يتم بالكلام دون اشتراط التفرق بالأبدان يجيزون ذلك ومن يرى التفرق بالأبدان لا يجيزونه والحديث حجة عليهم اه وليس الأمر على ما ذكره من الإطلاق بل فرقوا بين المبيعات فاتفقوا على منع بيع الطعام قبل قبضه كما سيأتي واختلفوا فيما عدا الطعام على مذاهب أحدها لا يجوز بيع شئ قبل قبضه مطلقا وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن ثانيها يجوز مطلقا الا الدور والأرض وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ثالثها يجوز مطلقا الا المكيل والموزون وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق رابعها يجوز مطلقا الا المأكول والمشروب وهو قول مالك وأبي ثور واختيار بن المنذر واختلفوا في الاعتاق فالجمهور على أنه يصح الأعتاق ويصير قبضا سواء كان للبائع حق الحبس بان كان الثمن حالا ولم يدفع أم لا والأصح في الوقف أيضا صحته وفي الهبة والرهن خلاف والأصح عند الشافعية فيهما إنهما لا يصحان وحديث بن عمر في قصة البعير الصعب حجة لمقابله ويمكن الجواب عنه بأنه يحتمل أن يكون بن عمر كان وكيلا في القبض قبل الهبة وهو اختيار البغوي قال إذا إذن المشترى للموهوب له في قبض المبيع كفى وتم البيع وحصلت الهبة بعده لكن لا يلزم من هذا اتحاد القابض والمقبض لأن بن عمر كان راكب البعير حينئذ وقد احتج به للمالكية والحنفية في أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية واليه مال البخاري كما تقدم له في باب شراء الدواب والحمر إذا اشترى دابة وهو عليها هل يكون ذلك قبضا وعند الشافعية والحنابلة تكفى التخلية في الدور والأراضي وما أشبهها دون المنقولات ولذلك لم يجزم البخاري بالحكم بل أورد الترجمة مورد الاستفهام وقال بن قدامة ليس في الحديث تصريح بالبيع فيحتمل أن يكون قول عمر هو لك أي هبة وهو الظاهر فإنه لم يذكر ثمنا قلت وفيه غفلة عن قوله في حديث الباب فباعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث عند البخاري فاشتراه وسيأتي في الهبة فعلى هذا فهو بيع وكون الثمن لم يذكر لا يلزم أن يكون هبة مع التصريح بالشراء وكما لم يذكر الثمن يحتمل أن يكون القبض المشترط وقع وأن لم ينقل قال المحب الطبري يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ساقه بعد العقد كما ساقه أو لا وسوقه قبض له لأن قبض كل شئ بحسبه قوله أو اشترى عبدا فأعتقه جعل المصنف مسألة الهبة أصلا الحق بها مسألة العتق لوجود النص في مسألة الهبة دون العتق والشافعية نظروا إلى المعنى في أن للعتق قوة وسراية ليست لغيره ومن الحق به منهم الهبة قال أن العتق اتلاف للمالية والاتلاف قبض فكذلك الهبة والله أعلم

[ 282 ]

قوله وقال طاوس فيمن عمي السلعة على الرضا ثم باعها وجبت له والربح له وصله سعيد بن منصور وعبد الرزاق من طريق بن طاوس عن أبيه نحوه وزاد عبد الرزاق وعن معمر عن أيوب عن بن سيرين إذا بعت شيئا على الرضا فإن الخيار لهما حتى يتفرقا عن رضا قوله وقال القدرة في رواية بن عساكر بإسناد البخاري قال لنا القدرة وجزم الاسماعيلي وأبو نعيم بأنه علقه وقد رويناه أيضا موصولا في مسند القدرة وفي مستخرج الاسماعيلي وسيأتي من وجه آخر عن سفيان في الهبة موصولا قوله في سفر لم اقف على تعيينه قوله على بكر بفتح الموحدة وسكون الكاف ولد الناقة أول ما يركب قوله صعب أي نفور قوله فباعه زاد في الهبة فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت وفي هذا الحديث ما كان الصحابة عليه من توقيرهم للنبي صلى الله عليه وسلم وأن لا يتقدموه في المشي وفيه جواز زجر الدواب وأنه لا يشترط في البيع عرض صاحب السلعة بسلعته بل يجوز أن يسأل في بيعها وجواز التصرف في المبيع قبل بدل الثمن ومراعاة النبي صلى الله عليه وسلم أحوال الصحابة وحرصه على ما يدخل عليهم السرور قوله وقال الليث وصله الاسماعيلي من طريق بن زنجويه والرمادي وغيرهما وأبو نعيم من طريق يعقوب بن سفيان كلهم عن أبي صالح غالبا الليث عن الليث به وذكر البيهقي أن يحيى بن بكير رواه عن الليث عن يونس عن الزهري نحوه وليس ذلك بعلة فقد ذكر الاسماعيلي أيضا أن أبا صالح رواه عن الليث كذلك فوضح أن لليث فيه شيخين وقد أخرجه الاسماعيلي أيضا من طريق أيوب عن سويد عن يونس عن الزهري قوله بعت من أمير المؤمنين عثمان بن عفان مالا أي أرضا أو عقارا قوله بالوادي يعني وادي القرى قوله فلما تبايعنا رجعت على عقبى في رواية أيوب بن سويد فطفقت انكص على عقبي القهقرى قوله يرادني بتشديد الدال أصله يراددنى أي يطلب مني استرداده قوله وكان السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا يعني أن هذا هو السبب في خروجه من بيت عثمان وأنه فعل ذلك ليجب له البيع ولا يبقى لعثمان خيار في فسخه واستدل بن بطال بقوله وكانت السنة على أن ذلك كان في أول الأمر فأما في الزمن الذي فعل بن عمر ذلك فكان التفرق بالأبدان متروكا فلذلك فعله بن عمر لأنه كان شديد الأتباع هكذا قال وليس في قوله وكانت السنة ما ينفى استمرارها وقد وقع في رواية أيوب بن سويد كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم يفترق المتبايعان فتبايعت أنا وعثمان فذكر القصة وفيها اشعار باستمرار ذلك وأغرب بن رشد في المقدمات له فزعم أن عثمان قال لابن عمر ليست السنة بافتراق الأبدان قد انتسخ ذلك وهذه الزيادة لم ار لها إسنادا ولو صحت لم تخرج المسألة على الخلاف لأن أكثر الصحابة قد نقل عنهم القول بان الافتراق بالأبدان قوله سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال أي زدت المسافة التي بينه وبين أرضه التي صارت إليه على المسافة التي كانت بينه وبين أرضه التي باعها بثلاث ليال قوله وساقني إلى المدينة بثلاث ليال يعني أنه نقص المسافة التي بيني وبين أرضى التي أخذ بها عن المسافة التي كانت بيني وبين أرضى التي بعتها بثلاث ليال وإنما قال إلى المدينة لأنهما جميعا كانا بها فرأى بن عمر الغبطة في القرب من المدينة فلذلك قال رأيت أني قد غبنته وفي هذه القصة جواز بيع العين الغائبة على الصفة وسيأتي نقل الخلاف فيها في باب بيع الملامسة وجواز التحيل في إبطال الخيار وتقديم المرء مصلحة نفسه على مصلحة

[ 283 ]

غيره وفيه جواز بيع الأرض بالأرض وفيه أن الغبن لا يرد به البيع قوله باب ما يكره من الخداع في البيع كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الخداع في البيع مكروه ولكنه لا يفسخ البيع الا أن شرط المشترى الخيار على ما تشعر به القصة المذكورة في الحديث قوله أن رجلا في رواية أحمد من طريق محمد بن إسحاق حدثني نافع عن بن عمر كان رجل من الأنصار زاد بن الجارود في المنتقى من طريق سفيان عن نافع أنه حبان بن منقذ وهو بفتح المهملة والموحدة الثقيلة ورواه الدارقطني من طريق عبد الأعلى والبيهقي من طريق يونس بن بكير كلاهما عن بن إسحاق به وزاد فيه قال بن إسحاق فحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال هو جدي منقذ بن عمرو وكذلك رواه بن منده من وجه آخر عن بن إسحاق قوله ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في رواية بن إسحاق فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يلقى من الغبن قوله أنه يخدع في البيوع بين بن إسحاق في روايته المذكورة سبب شكواه وهو ما يلقى من الغبن وقد أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث أنس بلفظ أن رجلا كان يبايع وكان في عقدته ضعف قوله لا خلابة بكسر المعجمة وتخفيف اللام أي لا خديعة ولا لنفى الجنس أي لا خديعة في الدين لأن الدين النصيحة زاد بن إسحاق في رواية يونس بن بكير وعبد الأعلى عنه ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال فإن رضيت فأمسك وأن سخطت فاردد فبقي حتى أدرك زمان عثمان وهو بن مائة وثلاثين سنة فكثر الناس في زمن عثمان وكان إذا اشترى شيئا فقيل له انك غبنت فيه رجع به فيشهد له الرجل من الصحابة بان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعله بالخيار ثلاثا فيرد له دراهمه قال العلماء لقنه النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول ليتلفظ به عند البيع فيطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة فيرى له كما يرى لنفسه لما تقرر من حض المتبايعين على أداء النصيحة كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حكيم بن حزام فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما الحديث واستدل بهذا الحديث لأحمد وأحد قولي مالك أنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم إنما جعله له الخيار لضعف عقله ولو كان الغبن يملك به الفسخ لما أحتاج إلى شرط الخيار وقال ابن العربي يحتمل أن الخديعة في قصة هذا الرجل كانت في عقب أو في الكذب أو في الثمن أو في الغبن فلا يحتج بها في مسألة الغبن بخصوصها وليست قصة عامة وإنما هي خاصة في واقعة عين فيحتج بها في حق من كان بصفة الرجل قال وأما ما روى عن عمر أنه كلم في البيع فقال ما أجد لكم شيئا أوسع مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبان بن منقذ ثلاثة أيام فمداره على بن لهيعة وهو ضعيف انتهى وهو كما قال أخرجه الطبراني والدارقطني وغيرهما من طريقه لكن الاحتمالات التي ذكرها قد تعينت بالرواية التي صرح بها بأنه كان يغبن في البيوع واستدل به على أن أمد الخيار المشترط ثلاثة أيام من غير زيادة لأنه حكم ورد على خلاف الأصل فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه ويؤيده جعل الخيار في المصراة ثلاثة أيام واعتبار الثلاث في غير موضع وأغرب بعض المالكية فقال إنما قصره على ثلاث لأن معظم بيعه كان في الرقيق وهذا يحتاج إلى دليل ولا يكفي فيه مجرد الاحتمال واستدل به على أن من قال عند العقد لا خلابة أنه يصير في تلك الصفقة بالخيار سواء وجد فيه عيبا أو غبنا أم لا وبالغ بن حزم في جموده فقال لو قال

[ 284 ]

لا خديعة أو لا غش أو ما أشبه ذلك لم يكن له الخيار حتى يقول لا خلابة ومن أسهل ما يرد به عليه أنه ثبت في صحيح مسلم أنه كان يقول لا خيابة بالتحتانية بدل اللام وبالذال المعجمة بدل اللام أيضا وكأنه كان لا يفصح باللام للثغة لسانه ومع ذلك لم يتغير الحكم في حقه عند أحد من الصحابة الذين كانوا يشهدون له بان النبي صلى الله عليه وسلم جعله بالخيار فدل على إنهم اكتفوا في ذلك بالمعنى واستدل به على أن الكبير لا يحجر عليه ولو تبين سفهه لما في بعض طرق حديث أنس أن أهله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله احجر عليه فدعاه فنهاه عن البيع فقال لا أصبر عنه فقال إذا بايعت فقل لا خلابة وتعقب بأنه لو كان الحجر على الكبير لا يصح لانكر عليهم وأما كونه لم يحجر عليه فلا يدل على منع الحجر على السفيه واستدل به على جواز البيع بشرط الخيار وعلى جواز شرط الخيار للمشترى وحده وفيه ما كان أهل ذلك العصر عليه من الرجوع إلى الحق وقبول خبر الواحد في الحقوق وغيرها قوله باب ما ذكر في الأسواق قال ابن بطال أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الأسواق ارفعني والفضلاء وكأنه أشار الى ما لم يثبت على شرطه من أنها شر البقاع وهو حديث أخرجه أحمد والبزار وصححه الحاكم من حديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحب البقا ع إلى الله المساجد وابغض البقاع إلى الله الأسواق وإسناده حسن أخرجه بن حبان والحاكم أيضا من حديث بن عمر نحوه قال بن بطال وهذا خرج على الغالب وإلا فرب سوق يذكر فيها الله أكثر من كثير من المساجد قوله وقال عبد الرحمن بن عوف الخ تقدم موصولا في أوائل البيوع والغرض منه هنا ذكر السوق فقط وكونه كان موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان يتعاهده الفضلاء من الصحابة لتحصيل المعاش للكفاف والتعفف عن الناس قوله وقال أنس قال عبد الرحمن بن عوف تقدم أيضا موصولا هناك قوله وقال عمر ألهاني الصفق بالأسواق تقدم موصولا أيضا هناك في اثناء حديث أبي موسى الأشعري ثم أورد المصنف في الباب خمسة أحاديث الأول حديث عائشة قوله عن محمد بن سوقه بضم المهملة وسكون الواو بعدها قاف كوفي ثقة عابد يكنى أبا بكر من صغار التابعين وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في العيدين قوله عن نافع بن جبير أي بن مطعم النوفلي وليس له في البخاري عن عائشة سوى هذا الحديث ووقع في رواية محمد بن بكار عن إسماعيل بن زكريا عن محمد بو سوقة سمعت نافع بن جبير أخرجه الإسماعيلي قوله حدثتني عائشة هكذا قال إسماعيل بن زكريا عن محمد بن سوقة وخالفه سفيان بن عيينة فقال عن محمد بن سوقة عن نافع بن جبير عن أم سلمة أخرجه الترمذي ويحتمل أن يكون نافع بن جبير سمعه منهما فإن روايته عن عائشة أتم من روايته عن أم سلمة وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن عائشة وروى من حديث حفصة شيئا منه وروى الترمذي من حديث صفية نحوه قوله يغزو جيش الكعبة في رواية مسلم عبث النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فقلنا له صنعت شيئا لم تكن تفعله قال العجب أن ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش وزاد في رواية أخرى أن أم سلمة قالت ذلك زمن بن الزبير وفي أخرى أن عبد الله بن صفوان أحد رواة الحديث عن أم سلمة قال والله ما هو هذا الجيش قوله ببيداء من الأرض في رواية مسلم بالبيداء وفي حديث صفية على الشك وفي رواية لمسلم عن

[ 285 ]

أبي جعفر الباقر قال هي بيداء المدينة انتهى والبيداء مكان معروف بين مكة والمدينة تقدم شرحه في كتاب الحج قوله يخسف بأولهم واخرهم زاد الترمذي في حديث صفية ولم ينج اوسطهم وزاد مسلم في حديث حفصة فلا يبقى الا الشريد الذي يخبر عنهم واستغنى بهذا عن تكلف الجواب عن حكم الأوسط وأن العرف يقضي بدخوله فيمن هلك أو لكونه آخر بالنسبة للأول واولا بالنسبة للاخر فيدخل قوله وفيهم اسواقهم كذا عند البخاري بالمهملة والقاف جمع سوق وعليه ترجم والمعنى أهل اسواقهم أو السوقة منهم وقوله ومن ليس منهم أي من رافقهم ولم يقصد موافقتهم ولأبي نعيم من طريق سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا وفيهم اشرافهم بالمعجمة والراء والفاء وفي رواية محمد بن بكار عند الاسماعيلي وفيهم سواهم وقال وقع في رواية البخاري اسواقهم فاظنه تصحيفا فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق قلت بل لفظ سواهم تصحيف فإنه بمعنى قوله ومن ليس منهم فيلزم منه التكرار بخلاف رواية البخاري نعم أقرب الروايات إلى الصواب رواية أبي نعيم وليس في لفظ اسواقهم ما يمنع أن يكون الخسف بالناس فالمراد بالأسواق أهلها أي يخسف بالمقاتلة منهم ومن ليس من أهل القتال كالباعة وفي رواية مسلم فقلنا أن الطريق يجمع الناس قال نعم فيهم المستبصر أي المستبين لذلك القاصد للمقاتلة والمجبور بالجيم والموحدة أي المكره وابن السبيل أي سالك الطريق معهم وليس منهم والغرض كله أنها استشكلت وقوع العذاب على من لا إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة فوقع الجواب بان العذاب يقع عاما لحضور أجالهم ويبعثون بعد ذلك على نياتهم وفي رواية مسلم يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى وفي حديث أم سلمة عند مسلم فقلت يا رسول الله فكيف بمن كان كارها قال يخسف به ولكن يبعث يوم القيامة على نيته أي يخسف بالجميع لشؤم الأشرار ثم يعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده قال المهلب في هذا الحديث أن من كثر سواد قوم في المعصية مختارا أن العقوبة تلزمه معهم قال واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر وأن لم يشرب وتعقبه بن المنير بان العقوبة التي في الحديث هي الهجمة السماوية فلا يقاس عليها العقوبات الشرعية ويؤيده آخر الحديث حيث قال ويبعثون على نياتهم وفي هذا الحديث أن الأعمال تعتبر بنية العامل والتحذير من مصاحبة أهل الظلم مجالستهم وتكثير سوادهم الا لمن اضطر إلى ذلك ويتردد النظر في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة هل هي إعانة لهم على ظلمهم أو هي من ضرورة البشرية ثم يعتبر عمل كل أحد بنيته وعلى الثاني يدل ظاهر الحديث وقال بن التين يحتمل أن يكون هذا الجيش الذي يخسف بهم هم الذين يهدمون الكعبة فينتقم منهم فيخسف بهم وتعقب بان في بعض طرقه عند مسلم أن ناسا من أمتي والذين يهدمونها من كفار الحبشة وأيضا فمقتضى كلامه إنهم يخسف بهم بعد أن يهدموها ويرجعوا وظاهر الخبر أنه يخسف بهم قبل أن يصلوا إليها الحديث الثاني حديث أبي هريرة وقد تقدم مستوفى في أبواب الجماعة والغرض منه ذكر السوق وجواز الصلاة فيه وقوله لا ينهزه بضم أوله وسكون النون وكسر الهاء بعدها زاى ينهضه وزنا ومعنى والمراد لا يزعجه والجملة بيان للجملة التي قبلها وهي لا يريد الا الصلاة وقوله اللهم صل عليه بيان لقوله يصلي عليه أي يقول اللهم صل عليه وقوله ما لم يؤذ فيه أي يحصل منه أذى للملائكة أو لمسلم بالفعل أو بالقول الحديث

[ 286 ]

الثالث حديث أنس في سبب قوله صلى الله عليه وسلم وتسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي أورده من طريقين عن حميد عنه وسيأتى في كتاب الاستئذان والغرض منه هنا قوله في أول الطريق الأولى كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق وفائدة إيراد الطريق الثانية قوله فيها أنه كان بالبقيع فأشار إلى أن المراد بالسوق في الرواية الأولى السوق الذي كان بالبقيع وقد قال سبحانه وتعالى وما أرسلنا قبلك من المرسلين الا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق الحديث الرابع حديث أبي هريرة قوله عن عبيد الله بالتصغير في رواية مسلم عن أحمد بن حنبل عن سفيان حدثني عبيد الله ولكنه أورده مختصرا جدا قوله عن نافع بن جبير هو المذكور في الحديث الأول وليس له أيضا عن أبي هريرة في البخاري سوى هذا الحديث قوله في طائفة من النهار أي في قطعة منه وحكى الكرماني أن في بعض الروايات صائفة بالصاد المهملة بدل طائفة أي في حر النهار يقال يوم صائف أي حار قوله لا يكلمني ولا اكلمه أما من جانب النبي صلى الله عليه وسلم فلعله كان مشغول الفكر بوحى أو غيره وأما من جانب أبي هريرة فللتوقير وكان ذلك من شان الصحابة إذا لم يروا منه نشاطا قوله حتى أتى سوق بني قينقاع فجلس بفناء بيت فاطمة فقال هكذا في نسخ البخاري قال الداودي سقط بعض الحديث عن الناقل أو ادخل حديثا في حديث لأن بيت فاطمة ليس في سوق بني قينقاع انتهى وما ذكره أو احتمالا هو الواقع ولم يدخل للراوى حديث في حديث وقد أخرجه مسلم عن بن أبي عمر عن سفيان فاثبت ما سقط منه ولفظه حتى جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف حتى أتى فناء فاطمة وكذلك أخرجه الاسماعيلي من طرق عن سفيان أخرجه القدرة في مسنده عن سفيان فقال فيه حتى أتى فناء عائشة فجلس فيه والأول أرجح والفناء بكسر الفاء بعدها نون ممدودة أي الموضع المتسع إمام البيت قوله اثم لكع بهمزة الاستفهام بعدها مثلثة مفتوحة ولكع بضم اللام وفتح الكاف قال الخطابي اللكع على معنيين أحدهما الصغير والآخر اللئيم والمراد هنا الأول والمراد بالثاني ما ورد في حديث أبي هريرة أيضا يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع وقال بن التين زاد بن فارس أن العبد أيضا يقال له لكع انتهى ولعل من أطلقه على العبد أراد أحد الامرين المذكورين وقال بلال بن جرير التميمي اللكع في لغتنا الصغير وأصله في المهر ونحوه وعن الأصمعي اللكع الذي لا يهتدى لمنطق ولا غيره ماخوذ من الملاكيع وهي التي تخرج من السلا قال الأزهري وهذا القول أرجح الأقوال هنا لأنه أراد أن الحسن صغير لا يهتدى لمنطق ولم يرد أنه لئيم ولا عبد قوله فحبسته شيئا أي منعته من المبادرة إلى الخروج إليه قليلا والفاعل فاطمة قوله فظننت أنها تلبسه سخابا بكسر المهملة بعدها غدا خفيفة وبموحدة قال الخطابي هي قلادة تتخذ من طيب ليس فيها ذهب ولا فضة وقال الداودي من قرنفل وقال الهروي هو خيط من خرز يلبسه الصبيان والجوارى وروى الاسماعيلي عن بن أبي عمر أحد رواة هذا الحديث قال السخاب شئ يعمل من الحنظل كالقميص والوشاح قوله أو تغسله في رواية القدرة وتغسله بالواو قوله فجاء يشتد أي يسرع في المشي في رواية عمر بن موسى عند الاسماعيلي فجاء الحسن وفي رواية بن أبي عمر عند الاسماعيلي فجاء الحسن أو الحسين وقد أخرجه مسلم عن بن أبي عمر فقال في روايته أثم لكع يعني حسنا وكذا قال القدرة في مسنده وسيأتى في اللباس من طريق ورقاء

[ 287 ]

عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ فقال أين لكع أدع الحسن بن على فقام الحسن بن على يمشي قوله فجاء يشتد حتى عانقه وقبله وفي رواية ورقاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده هكذا أي مدها فقال الحسن بيده هكذا فالتزمه قوله فقال اللهم احبه بفتح أوله بلفظ الدعاء وفي رواية الكشميهني أحببه بفك الإدغام زاد مسلم عن بن أبي عمر فقال اللهم أني أحبه فأحبه وفي الحديث بيان ما كان الصحابة عليه من توفير النبي صلى الله عليه وسلم والمشى معه وما كان عليه من التواضع من الدخول في السوق والجلوس بفناء الدار ورحمة الصغير والمزاح معه ومعانقته وتقبيله ومنقبة للحسن بن على وسيأتي الكلام عليها في مناقبة أن شاء الله تعالى قوله قال سفيان هو بن عيينة وهو موصول بالإسناد المذكور قوله عبيد الله أخبرني فيه تقديم اسم الراوي على الصيغة وهو جائز وعبيد الله هو شيخ سفيان في الحديث المذكور وأراد البخاري بإيراد هذا الزيادة بيان لقي عبيد الله لنافع بن جبير فلا تضر العنعنة في الطريق الموصولة لأن من ليس بمدلس إذا ثبت لقاؤه لمن حدث عنه حملت عنعنته على السماع اتفاقا وإنما الخلاف في المدلس أو فيمن لم يثبت لقيه لمن روى عنه وأبعد الكرماني فقال إنما ذكر الوتر هنا لأنه لما روى الحديث الموصول عن نافع بن جبير انتهز الفرصة لبيان ما ثبت في الوتر مما اختلف في جوازه والله أعلم الحديث الخامس حديث بن عمر في نقل الطعام من المكان الذي عمي منه إلى حيث يباع الطعام وفيه حديثه في النهى عن بيع الطعام حتى يستوفيه وسيأتي الكلام عليهما بعد أربعة أبواب وقد استشكل إدخال هذا الحديث في باب الأسواق وأجيب بان السوق اسم لكل مكان وقع فيه التبايع بين من يتعاطى البيع فلا يختص الحكم المذكور بالمكان المعروف بالسوق بل يعم كل مكان يقع فيه التبايع فالعموم في قوله في الحديث حيث يباع الطعام قوله باب كارهية السخب في الأسواق بفتح المهملة والخاء المعجمة بعدها موحدة ويقال فيه الصخب بالصاد المهملة بدل السين وهو رفع الصوت بالخصام وقد تقدم ذكره في الكلام على حديث أبي سفيان في قصة هرقل في أول الكتاب وأخذت الكراهة من نفى الصفة المذكورة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما نفيت عنه صفة الفظاظة والغلطة وارود المصنف فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صفة النبي صلى الله عليه وسلم والغرض منه قوله فيه ولا سخاب في الأسواق وسيأتى الكلام على شرحه مستوفى في تفسير سورة الفتح ويستفاد منه أن دخول الإمام الأعظم السوق لا يحط من مرتبته لأن النفي إنما ورد في ذم السخب فيها لا عن أصل الدخول وهلال المذكور في إسناده هو بن على ويقال له هلال بن أبي هلال وليس لشيخه عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو في الصحيح غير هذا الحديث وقوله فيه وحرزا بكسر المهملة أي حافظا واصل الحرز الموضع الحصين وهو استعارة وقوله حتى يقيم به الملة العوجاء أي ملة العرب ووصفها بالعوج لما دخل فيها من عبادة الأصنام والمراد باقامتها أن يخرج أهلها من الكفر إلى الإيمان وقوله وقلوب غلف وقع في رواية النسفي والمستملي قال أبو عبد الله يعني المصنف الغلف كل شئ في غلاف يقال سيف اغلف وقوس غلفاء ورجل اغلف إذا لم يكن مختونا انتهى وهو كلام أبي عبيدة في كتاب المجاز قوله تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال ستأتي هذه المتابعة موصولة في تفسير سورة الفتح قوله وقال سعيد عن هلال عن عطاء

[ 288 ]

عن بن سلام سعيد هو بن أبي هلال وقد خالف عبد العزيز وفليحا في تعيين الصحابي وطريقه هذه وصلها الدارمي في مسنده ويعقوب بن سفيان في تاريخه والطبراني جميعا بإسناد واحد عنه ولا مانع أن يكون عطاء بن يسار حمله عن كل منهما فقد أخرجه بن سعد من طريق زيد بن أسلم قال بلغنا أن عبد الله بن سلام كان يقول فذكره وأظن المبلغ لزيد هو عطاء بن يسار فإنه معروف بالرواية عنه فيكون هذا شاهدا لرواية سعيد بن أبي هلال والله أعلم وسأذكر لرواية عبد الله بن سلام متابعات في تفسير سورة الفتح ومما جاء عنه في ذلك مجملا ما أخرجه الترمذي من طريق محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال مكتوب في التوراة صفة محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى بن مريم يدفن معه قوله باب الكيل على البائع والمعطى أي مؤنة الكيل على المعطي بائعا كان أو موفى دين أو غير ذلك ويلتحق بالكيل في ذلك الوزن فيما يوزن من السلع وهو قول فقهاء الأمصار وكذلك مؤنة وزن الثمن على المشترى الا نقد الثمن فهو على البائع على الأصح عند الشافعية قوله وقول الله عز وجل وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون يعني كالوا لهم أو وزنوا لهم هو تفسير أبي عبيدة في المجاز وبه جزم الفراء وغيره وخالفهم عيسى ابن عمر فكان يقف على كالوا وعلى وزنوا ثم يقول هم وزيفة الطبري والجمهور أعربوه على حذف الجار ووصل الفعل وقال بعضهم يحتمل أن يكون على حذف المضاف وهو المكيل مثلا أي كالوا مكيلهم وقوله كقوله يسمعونكم أي يسمعون لكم ومعنى الترجمة أن المرء يكيل له غيره إذا اشترى ويكيل هو إذا باع قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتالوا حتى تستوفوا هذا طرف من حديث وصله النسائي وابن حبان من حديث طارق بن عبد الله المحاربي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين فذكر الحديث وفيه فلما أظهر الله الإسلام خرجنا إلى المدينة فبينا نحن قعود إذ أتى رجل عليه ثوبان ومعنا جمل أحمر فقال أتبيعون الجمل قلنا نعم فقال بكم قلنا بكذا وكذا صاعا من تمر قال قد أخذت فأخذ بخطام الجمل ثم ذهب حتى توارى فلما كان العشاء أتانا رجل فقال أنا رسول رسول الله إليكم وهو يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا ففعلنا ثم قدمنا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فذكر الحديث ومطابقته للترجمة أن الاكتيال يستعمل لما يأخذه المرء لنفسه كما يقال اشتوى إذا أتخذ الشواء واكتسب إذا حصل الكسب ويفسر ذلك حديث عثمان المذكور بعده قوله ويذكر عن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له إذا بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل وصله الدارقطني من طريق عبيد الله بن المغيرة المصري عن منقذ مولى بن سراقة عن عثمان بهذا ومنقذ مجهول الحال لكن له طريق أخرى أخرجها أحمد وابن ماجة والبزار من طريق موسى بن وردان عن سعيد بن المسيب عن عثمان به وفيه بن لهيعة ولكنه من قديم حديثه لأن بن عبد الحكم أورده في فتوح مصر من طريق الليث عنه وأشار بن التين إلى أنه لا يطابق الترجمة قال لأن معنى قوله إذا بعت فكل أي فاوف وإذا ابتعت فاكتل أي فاستوف قال والمعنى أنه إذا أعطى أو أخذ لا يزيد ولا ينقص أي لا لك ولا عليك انتهى لكن في طريق الليث زيادة تساعد ما أشار إليه البخاري ولفظه أن عثمان قال كنت اشترى التمر من سوق بني قينقاع ثم اجلبه إلى المدينة ثم افرغه لهم وأخبرهم بما فيه من المكيلة فيعطوني ما رضيت به من الربح

[ 289 ]

فيأخذونه ويأخذونه بخبري فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال فظهر أن المراد بذلك تعاطى الكيل حقيقة لا خصوص طلب عدم الزيادة والنقصان وله شاهد مرسل أخرجه بن أبي شيبة من طريق الحكم قال قدم لعثمان طعام فذكر نحوه بمعناه ثم أورد المصنف حديث بن عمر من باع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه وسيأتي الكلام عليه بعد أبواب وحديث جابر في قصة دين أبيه وسيأتى الكلام عليه وعلى ما اختلف من ألفاظه وطرقه في علامات النبوة أن شاء الله تعالى والغرض منه قوله فيه ثم قال كل للقوم فإنه مطابق لقوله في الترجمة الكيل على المعطي وقوله فيه صنف تمرك أصنافا أي اعزل كل صنف منه وحده وقوله فيه وعذق بن زيد العذق بفتح العين النخلة وبكسرها العرجون والذال فيهما غدا وابن زيد شخص نسب إليه النوع المذكور من التمر واصناف تمر المدينة كثيرة جدا فقد ذكر الشيخ أبو محمد الجويني في الفروق أنه كان بالمدينة فبلغه إنهم عدوا عند أميرها صنوف التمر الأسود خاصة فزادت على الستين قال والتمر الأحمر أكثر من الأسود عندهم قوله وقال فراس عن الشعبي الخ هو طرف من الحديث المذكور وصله المؤلف في آخر أبواب الوصايا بتمامه وفيه اللفظ المذكور قوله وقال هشام عن وهب عن جابر قال النبي صلى الله عليه وسلم جذله فاوف له وهذا أيضا طرف من حديثه المذكور وقد وصله المؤلف في الاستقراض بتمامه وهشام المذكور هو بن عروة ووهب هو بن جلس وقوله جذ بلفظ الأمر من الجذاذ بالجيم والذال المعجمة وهو قطع العراجين وبين في هذه الطريق قدر الدين وقدر الذي فضل بعد وفائه وقد تضمن قوله فاوف له معنى قوله كل للقوم قوله باب ما يستحب من الكيل أي في المبايعات قوله الوليد هو بن مسلم قوله عن ثور هو بن يزيد الدمشقي في رواية الاسماعيلي من طريق دحيم عن الوليد حدثنا ثور قوله عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب هكذا رواه الوليد وتابعه يحيى بن حمزة عن ثور وهكذا رواه عبد الرحمن بن مهدي عن بن المبارك عن ثور أخرجه أحمد عنه وتابعه يحيى بن سعد عن خالد بن معدان وخالفهم أبو الربيع الزهراني عن بن المبارك فأدخل بين خالد والمقدام جبير بن نفير أخرجه الاسماعيلي أيضا وروايته من المزيد في متصل الأسانيد ووقع في رواية إسماعيل بن عياش عند الطبراني ونفيه عنده وعند بن ماجة كلاهما عن يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان عن المقدام عن أبي أيوب الأنصاري زاد فيه أبا أيوب وأشار الدارقطني إلى رجحان هذه الزيادة قوله يبارك لكم كذا في جميع روايات البخاري ورواه أكثر من تقدم ذكره فزادوا في آخره فيه قال بن بطال الكيل مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله ومعنى الحديث اخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله من البركة في الفساد أهل المدينة بدعوته صلى الله عليه وسلم وقال بن الجوزي يشبه أن تكون هذه البركة للتسمية عليه عند الكيل وقال المهلب ليس بين هذا الحديث وحديث عائشة كان عندي شطر شعير أكل منه حتى طال على فكلته ففني يعني الحديث الاتى ذكره في الرقاق معارضة لأن معنى حديث عائشة أنها كانت تخرج قوتها وهو شئ يسير بغير كيل فبورك لها فيه مع بركة النبي صلى الله عليه وسلم فلما كالته علمت المدة التي يبلغ إليها عند انقضائها اه وهو صرف لما يتبادر إلى الذهن من معنى البركة وقد وقع في حديث عائشة المذكور عند بن حبان فما زلنا نأكل منه حتى كالته الجارية فلم نلبث أن فني

[ 290 ]

ولو لم تكله لرجوت أن يبقى أكثر وقال المحب الطبري لما أمرت عائشة بكيل الطعام ناظرة إلى مقتضى العادة غافلة عن طلب البركة في تلك الحالة ردت إلى مقتضى العادة اه والذي يظهر لي أن حديث المقدام أمرهم على الطعام الذي عمي فالبركة تحصل فيه بالكيل لامتثال أمر الشارع وإذا لم يمتثل الأمر فيه بالاكتيال نزعت منه لشؤم العصيان وحديث عائشة محمول على أنها كالته للاختبار فلذلك دخله النقص وهو شبيه بقول أبي رافع لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم في الثالثة ناولني الذراع قال وهل للشاة الا ذراعان فقال لو لم تقل هذا لناولتني ما دمت أطلب منك فخرج من شؤم المعارضة انتزاع البركة ويشهد لما قلته حديث لا تحصى فيحصى الله عليك الاتى والحاصل أن الكيل بمجرده لا تحصل به البركة ما لم ينضم إليه أمر آخر وهو امتثال الأمر فيما يشرع فيه الكيل ولا تنزع البركة من المكيل بمجرد الكيل ما لم ينضم إليه أمر آخر كالمعارضة والاختبار والله أعلم ويحتمل أن يكون معنى قوله كيلوا طعامكم أي إذا ادخرتموه طالبين من الله البركة واثقين بالإجابة فكان من كاله بعد ذلك إنما بكيله ليتعرف مقداره فيكون ذلك شكا في الإجابة فيعاقب بسرعة نفاده قاله المحب الطبري ويحتمل أن تكون البركة التي تحصل بالكيل بسبب السلامة من سوء الظن بالخادم لأنه إذا أخرج بغير حساب قد يفرغ ما يخرجه وهو لا يشعر فيتهم من يتولى أمره بالأخذ منه وقد يكون بريئا وإذا كاله أمن من ذلك والله أعلم وقد قيل أن في مسند البزار أن المراد بكيل الطعام تصغير الأرغفة ولم أتحقق ذلك ولا خلافه قوله باب بركة صاع النبي صلى الله عليه وسلم ومده في رواية النسفي ومدهم بصيغة الجمع وكذا لأبي ذر عن غير الكشميهني وبه جزم السماعيلي وأبو نعيم والضمير يعود للمحذوف في صاع النبي أي صاع أهل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ومدهم ويحتمل أن يكون الجمع لإرادة التعظيم الحربي بن بطال على الأول قوله فيه عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى ما أخرجه موصولا من حديثها في آخر الحج عنها قالت وعك أبو بكر وبلال الحديث وفيه اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا قوله حدثنا موسى هو بن إسماعيل وقد تقدم الكلام على ما تضمنه حديث عبد الله بن زيد وهو بن عاصم المذكور هنا في أو اخر الحج وكذا حديث أنس وسيعاد في كتاب الاعتصام تنبيه إيراد المصنف هذه الترجمة عقب التي قبلها يشعر بان البركة المذكورة في حديث المقدام مقيدة بما إذا وقع الكيل بمد النبي صلى الله عليه وسلم وصاعه ويحتمل أن يتعدى ذلك إلى ما كان موافقا لهما لا إلى ما يخالفهما والله أعلم قوله باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة أي بضم المهملة وسكون الكاف حبس السلع عن البيع هذا مقتضى اللغة وليس في أحاديث الباب للحكرة ذكر كما قال الاسماعيلي وكأن المصنف استنبط ذلك من الأمر بنقل الطعام إلى الرحال ومنع بيع الطعام قبل استيفائه فلو كان الاحتكار حراما لم يأمر بما يئول إليه وكأنه لم يثبت عنده حديث معمر بن عبد الله مرفوعا لا يحتكر الا خاطئ أخرجه مسلم لكن مجرد ايواء الطعام إلى الرحال لا يستلزم الاحتكار الشرعي لأن الاحتكار الشرعي إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه وبهذا فسره مالك عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب وقال مالك فيمن رفع طعاما من ضيعته إلى بيته ليست هذه بحكرة وعن أحمد إنما يحرم احتكار الطعام المقتات دون غيره من

[ 291 ]

الأشياء ويحتمل أن يكون البخاري أراد بالترجمة بيان تعريف الحكرة التي نهى عنها في غير هذا الحديث وأن المراد بها قدر زائد على ما يفسره أهل اللغة فساق الأحاديث التي فيها تمكين الناس من شراء الطعام ونقله ولو كان الاحتكار ممنوعا لمنعوا من نقله أو لبين لهم عند نقله الأمد الذي ينتهون إليه أو لاخذ على أيديهم من شراء الشئ الكثير الذي هو مظنة الاحتكار وكل ذلك مشعر بان الاحتكار إنما يمنع في حالة مخصوصة بشروط مخصوصة وقد ورد في ذم الاحتكار أحاديث منها حديث معمر المذكور أو لا وحديث عمر مرفوعا من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والافلاس رواه بن ماجة وإسناده حسن وعنه مرفوعا قال الجالب الاستثناء والمحتكر ملعون أخرجه بن ماجة والحاكم وإسناده ضعيف وعن بن عمر مرفوعا من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ منه أخرجه أحمد والحاكم وفي إسناده مقال وعن أبي هريرة مرفوعا من احتكر حكرة يريد أن يغالى بها على المسلمين فهو خاطئ أخرجه الحاكم ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث الأول حديث بن عمر في تأديب من يبيع الطعام قبل أن يؤويه إلى رحله وسيأتي الكلام عليه بعد باب الثاني والثالث حديث بن عباس وابن عمر في النهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى وسيأتى الكلام عليهما في الباب الذي يليه الرابع حديث عمر الذهب بالورق ربا ومطابقته للترجمة لما فيه من اشتراط قبض الشعير وغيره من الربويات في المجلس فإنه انظر في قبض الطعام بغير شرط آخر وقد استشعر بن بطال مباينته للترجمة فأدخله في ترجمة باب بيع ما ليس عندك وهو مغاير للنسخ المروية عن البخاري وقوله في حديث عمر حدثنا على هو بن المديني وسفيان هو بن عيينة وقوله كان عمرو بن دينار يحدث عن الزهري عن مالك بن أوس أنه قال من عنده صرف فقال طلحة أي بن عبيد الله أنا حتى يجئ خازننا من الغابة تأتي بقيته في رواية مالك عن الزهري بعد نيف وعشرين بابا قوله قال سفيان هو بن عيينة بالإسناد المذكور وقوله هذا الذي حفظناه من الزهري ليس فيه زيادة أشار إلى القصة المذكورة وأنه حفظه من الزهري المتن بغير زيادة وقد حفظها مالك وغيره عن الزهري وأبعد الكرماني فقال غرض سفيان تصديق عمرو أنه حفظ وكما ما روى قوله الذهب بالورق هكذا رواه أكثر أصحاب بن عيينة عنه هي رواية أكثر أصحاب الزهري وقال بعضهم فيه الذهب بالذهب كما سيأتي شرحه في المكان المذكور إن شاء الله تعالى قوله في آخر حديث ابن عباس قال أبو عبد الله أي المصنف مرجئون أي مؤخرون وهذا في رواية المستملى وحده وهو موافق لتفسير أبي عبيدة حيث قال في قوله وآخرون مرجئون لأمر الله أي مؤخرون لأمر الله يقال أرجاتك أي اخرتك وأراد به البخاري شرح قول بن عباس والطعام مرحا أي مؤخر ويجوز همز مرجأ وترك همزة ووقع في كتاب الخطابي بتشديد الجيم بغير همز وهو للمبالغة قوله باب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك لم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك وكأنه لم يثبت على شرطه فاستنبطه من النهى عن البيع قبل القبض ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى وحديث النهى عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام بلفظ قلت يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي ابيعه منه ثم ابتاعه له من السوق فقال لا تبع ما ليس عندك وأخرجه الترمذي

[ 292 ]

مختصرا ولفظه نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندي قال بن المنذر وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين أحدهما أن يقول ابيعك عبدا أو دارا معينة وهي غائبة فيشبه بيع الغرر لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها ثانيها أن يقول هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها لك المؤلف اه وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني قوله حدثنا سفيان هو بن عيينة وقوله الذي حفظناه من عمرو كأن سفيان يشير إلى أن في رواية غير عمرو بن دينار عن طاوس زيادة على ما حدثهم به عمرو بن دينار عنه كسؤال طاوس من بن عباس عن سبب النهى وجوابه وغير ذلك قوله عن بن عباس أما الذي نهى عنه الخ أي وأما الذي لم أحفظ نهيه فما سوى ذلك قوله فهو الطعام أن يباع حتى يقبض في رواية مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس عن بن عباس من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه قال مسعر وأظنه قال أو علفا وهو بفتح المهملة واللام والفاء قوله قال بن عباس لا أحسب كل شئ الا مثله ولمسلم من طريق معمر عن بن طاوس عن أبيه وأحسب كل شئ بمنزلة الطعام وهذا من تفقه بن عباس ومال بن المنذر إلى اختصاص ذلك بالطعام واحتج باتفاقهم على أن من اشترى عبد فأعتقه قبل قبضه أن عتقه جائز قال فالبيع كذلك وتعقب بالفارق وهو تشوف الشارع إلى العتق وقول طاوس في الباب قبله قلت لابن عباس كيف ذاك قال ذاك بدراهم والطعام مرجا معناه أنه استفهام عن سبب هذا النهى فأجابه بن عباس بأنه إذا باعه المشترى قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باعه دراهم بدراهم ويبين ذلك ما وقع في رواية سفيان عن بن طاوس عند مسلم قال طاوس قلت لابن عباس لم قال الا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجا أي فإذا اشترى طعاما بمائة دينار مثلا ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام لأخر بمائة وعشرين دينارا وقبضها والطعام في يد البائع فكأنه باعه مائة دينار بمائة وعشرين دينارا وعلى هذا التفسير لا يختص النهى بالطعام ولذلك قال بن عباس لا أحسب كل شئ الا مثله ويؤيده حديث زيد بن ثابت نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم أخرجه أبو داود وصححه بن حبان قال القرطبي هذه الأحاديث حجة على عثمان المؤذن حيث أجاز بيع كل شئ قبل قبضه وقد أخذ بظاهرها مالك فحمل الطعام على عمومه وألحق بالشراء جميع المعاوضات والحق الشافعي وابن حبيب وسحنون بالطعام كل ما فيه حق توفية وزاد أبو حنيفة والشافعي فعدياه إلى كل مشترى الا أن أبا حنيفة استثنى العقار ومالا ينقل واحتج الشافعي بحديث عبد الله بن عمر وقال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن أخرجه الترمذي قلت وفي معناه حديث حكيم بن حزام المذكور في صدر الترجمة وفي صفة القبض عن الشافعي تفصيل فما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والثوب فقبضه بالتناول ومالا ينقل كالعقار والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية وما ينقل في العادة كالاخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به وفيه قول أنه يكتفى فيه التخلية قوله عقد حديث بن عمر زاد إسماعيل فلا يبعه حتى يقبضه يعني أن إسماعيل بن أبي أويس روى الحديث المذكور عن مالك بسنده بلفظ حتى يقبضه بدل قوله حتى يستوفيه وقد وصله البيهقي من طريق إسماعيل كذلك وقال الاسماعيلي وافق إسماعيل

[ 293 ]

على هذا اللفظ بن وهب وابن مهدي والشافعي وقتيبة قلت وقول البخاري زاد إسماعيل يريد الزيادة في المعنى لأن في قوله حتى يقبضه زيادة في المعنى على قوله حتى يستوفيه لأنه قد يستوفيه بالكيل بان يكيله البائع ولا يقبضه للمشترى بل يحبسه عنده لينقده الثمن مثلا وعرف بهذا جواب من اعترضه من الشراح فقال ليس في هذه الرواية زيادة وجواب من حمل الزيادة على مجرد اللفظ فقال معناه زاد لفظا آخر وهو يقبضه وأن كان هو بمعنى يستوفيه ويعرف من ذلك أن اختيار البخاري أن استيفاء المبيع المنقول من البائع وتبقيته في منزل البائع لا يكون قبضا شرعيا حتى ينقله المشترى إلى مكان لا اختصاص للبائع به كما تقدم نقله عن الشافعي وهذا هو النكتة في تعقيب المصنف له بالترجمة الآتية قوله باب من رأى إذا اشترى طعاما جزافا أن لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله والأدب في ذلك أي تعزير من يبيعه قبل أن يؤويه إلى رحله ذكر فيه حديث بن عمر في ذلك وهو ظاهر فيما ترجم له وبه قال الجمهور لكنهم لم يخصوه بالجزاف ولا قيدوه بالإيواء إلى الرحال أما الأول فلما ثبت من النهى عن بيع الطعام قبل قبضه فدحل فيه المكيل وورد التنصيص على المكيل من وجه آخر عن بن عمر مرفوعا أخرجه أبو داود وأما الثاني فلان أغبياء إلى الرحال خرج مخرج الغالب وفي بعض طرق مسلم عن ابن عمر كنا نبتاع الطعام فيبعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتغاه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه وفرق مالك في المشهور عنه بين الجزاف والمكيل فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه وبه قال الأوزاعي وإسحاق واحتج لهم بان الجزاف مرئى فتكفى فيه التخلية والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعا من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبيعه حتى يقبضه ورواه أبو داود والنسائي بلفظ نهى أن يبيع أحدا طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه والدارقطني من حديث جابر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشترى ونحوه للبزار من حديث أبي هريرة بإسناد حسن وفي ذلك دلالة على اشتراط القبض في المكيل بالكيل وفي الموزون بالوزن فمن اشترى شيئا مكايلة أو موازنة فقبضه جزافا فقبضه فاسد وكذا لو اشترى مكايلة فقبضه موازنة وبالعكس ومن اشترى مكايلة وقبضه ثم باعه ليغيره لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيا وبذلك كله قال الجمهور وقال عطاء يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقا وقيل أن باعه ينقد جاز بالكيل الأول وأن باعه بنسيئة لم يجز بالأول والأحاديث المذكورة ترد عليه وفي الحديث مشروعية تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة وإقامة الإمام على الناس من يراعى أحوالهم في ذلك والله أعلم وقوله جزافا مثلثة الجيم والكسر أفصح وفي هذا الحديث جواز بيع الصبرة جزافا سواء علم البائع قدرها أم لم يعلم وعن مالك التفرقة فلو علم لم يصح وقال بن قدامة يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعلم فيه خلافا إذا جهل البائع والمشترى قدرها فإن اشتراها جزافا ففي بيعها قبل نقلها روايتان عن أحمد ونقلها قبضها قوله باب إذا اشترى متاعا أو دابة فوضعها عند البائع أو مات قبل أن يقبض أورد فيه حديث عائشة في قصة الهجرة وفيه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر عن الناقة أخذتها بالثمن قال المهلب وجه الاستدلال به أن قوله أخذتها لم يكن أخذ باليد ولا بحيازة شخصها وإنما

[ 294 ]

كان التزاما منه لابتياعها بالثمن واخراجها عن ملك أبي بكر اه وليس ما قاله بواضح لأن القصة ما سيقت لبيان ذلك فلذلك اختصر فيها قدر الثمن وصفة العقد فيحمل كل ذلك على أن الراوي اختصره لأنه ليس من غرضه في سياقه وكذلك اختصر صفة القبض فلا يكون فيه حجة في عدم اشتراط القبض وقال بن المنير مطابقة الحديث للترجمة من جهة أن البخاري أراد أن يحقق انتقال الضمان في الدابة ونحوها إلى المشترى بنفس العقد فاستدل لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم قد أخذتها بالثمن وقد علم أنه لم يقبضها بل ابقاها عند أبي بكر ومن المعلوم أنه ما كان ليبقيها في ضمان أبي بكر لما يقتضيه مكارم اخلاقه حتى يكون الملك له والضمان على أبي بكر من غير قبض ثمن ولا سيما وفي القصة ما يدل على ايثاره لمنفعة أبي بكر حيث أبي أن يأخذها الا بالثمن قلت ولقد تعسف في هذا كما تعسف من قبله وليس في الترجمة ما يلجئ إلى ذلك فإن دلالة الحديث على قوله فوضعه عند البائع ظاهرة جدا وقد قدمت أنه لا يستلزم صحة المبيع بغير قبض وأما دلالته على قوله أو مات قبل أن يقبض فهو وارد على سبيل الاستفهام ولم يجزم بالحكم في ذلك بل هو على الاحتمال فلا حاجة لتحميله ما لم يتحمل نعم ذكره لاثر ابن عمر في صدر الترجمة مشعر باختيار ما دل عليه فلذلك احتيج إلى ابداء المناسبة والله الموفق قوله وقال بن عمر ما أدركت الصفقة أي العقد حيا أي بمهملة وتحتانية مثقلة مجموعا أي لم يتغير عن حالته فهو من المبتاع أي من المشترى وهذا التعليق وصله الطحاوي والدارقطني من طريق الأوزاعي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه وقال في روايته فهو من مال المبتاع ورواه الطحاوي أيضا من طريق بن وهب عن يونس عن الزهري مثله لكن ليس فيه مجموعا واسنادا الإدراك إلى العقد مجاز أي ما كان عند العقد موجودا وغير منفصل قال الطحاوي ذهب بن عمر إلى أن الصفقة إذا أدركت شيئا حيا فهلك بعد ذلك عند البائع فهو من ضمان المشترى فدل على أنه كان يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل الفرقة بالأبدان اه وما قاله ليس بلازم وكيف يحتج بأمر محتمل في معارضة أمر مصرح به فابن عمر قد تقدم عنه التصريح بأنه كان يرى الفرقة بالأبدان والمنقول عنه عنه هنا يحتمل أن يكون قبل التفرق بالأبدان ويحتمل أن يكون بعده فحمله على ما بعده أولي جمعا بين حديثيه وقال بن حبيب اختلف العلماء فيمن باع عبدا واحتبسه بالثمن فهلك في يديه قبل أن يأتي المشترى بالثمن فقال سعيد بن المسيب وربيعة هو على البائع وقال سليمان بن يسار هو على المشترى ورجع إليه مالك بعد أن كان أخذ بالأول وتابعه أحمد وإسحاق وأبو ثور وقال بالأول الحنفية والشافعية والأصل في ذلك اشتراط القبض في صحة البيع فمن اشترطه في كل شئ جعله من ضمان البائع ومن لم يشترط جعله من ضمان المشترى والله أعلم وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طاوس في ذلك تفصيلا قال أن قال البائع لا أعطيكه حتى تنقذني الثمن فهلك فهو من ضمان البائع وإلا فهو من ضمان المشترى وقد فسر بعض الشراح المبتاع في أثر بن عمر بالعين المبيعة وهو جيد وقد سئل الإمام أحمد عمن اشترى طعاما فطلب من يحمله فرجع فوجده قد احترق فقال هو من ضمان المشترى وارود أثر بن عمر المذكور بلفظ فهو من مال المشترى وفرع بعضهم على ذلك أن المبيع إذا كان معينا دخل في ضمان المشترى بمجرد العقد ولو لم يقبض بخلاف ما يكون في الذمة فإنه لا يكون من ضمان المشترى

[ 295 ]

الا بعد القبض كما لو اشترى قفيزا من صبرة والله أعلم وسيأتي الكلام على حديث عائشة في أول الهجرة أن شاء الله تعالى فقد أورد هناك من وجه آخر عن عروة أتم من السياق الذي هنا وبالله التوفيق قوله باب لا يبيع على بيع أخيه ولا يسوم على سوم أخيه حتى يأذن له أو يترك أورد فيه حديثي بن عمر وأبي هريرة في ذلك وأشار بالتقييد إلى ما ورد في بعض طرقه وهو ما أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث بلفظ لا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه الا أن يأذن له وقوله الا أن يأذن له يحتمل أن يكون استثناء من الحكمين كما هو قاعدة الشافعي ويحتمل أن يختص بالاخير ويؤيد الثاني رواية المصنف في النكاح من طريق بن جريج عن نافع بلفظ نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب ومن ثم نشا خلاف للشافعية هل يختص ذلك بالنكاح أو يلتحق به البيع في ذلك والصحيح عدم الفرق وقد أخرجه النسائي من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر بلفظ لا يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر وترجم البخاري أيضا بالسوم ولم يقع له ذكر في حديثي الباب وكأنه أشار بذلك إلى ما وقع في بعص طرقه أيضا وهو ما أخرجه في الشروط من حديث أبي هريرة بلفظ وأن يستام الرجل على سوم أخيه وأخرجه مسلم في حديث نافع عن بن عمر أيضا وذكر المسلم لكونه أقرب إلى امتثال الأمر من غيره وفي ذكره ايذان بأنه لا يليق به أن يستاثر على مسلم مثله قوله لا يبيع كذا للأكثر بإثبات الياء في يبيع على أن لا نافية ويحتمل أن تكون ناهية وأشبعت الكسرة كقراءة من قرا أنه من يتقي ويصبر ويؤيده رواية الكشميهني بلفظ لا يبع بصيغة النهى قوله بعضكم على بيع أخيه كذا أخرجه عن إسماعيل عن مالك وسيأتي في باب النهى عن تلقى الركبان عن عبد الله بن يوسف عن مالك بلفظ على بيع بعض وظاهر التقييد بأخيه أن يختص ذلك بالمسلم وبه قال الأوزاعي وأبو عبيد بن حربويه من الشافعية وأصرح من ذلك رواية مسلم من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ لا يسوم المسلم على سوم المسلم وقال الجمهور لا فرق في ذلك بين المسلم والذمى وذكر الأخ خرج للغالب فلا مفهوم له قوله في حديث أبي هريرة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد ولا تناجشوا الخ عطف صيغة النهى على معناها فتقدير قوله نهى أن يبيع حاضر لباد أي قال لا يبيع حاضر لباد فعطف عليه ولا تناجشوا وسيأتي الكلام على بيع الحاضر للبادي بعد في باب مفرد وكذا على النجش في الباب الذي يليه وقوله هنا ولا تناجشوا ذكره بصيغة التفاعل لأن التاجر إذا فعل لصاحبه ذلك كان بصدد أن يفعل له مثله ويأتي الكلام على الخطبة في كتاب النكاح أن شاء الله تعالى قال العلماء البيع على البيع حرام وكذلك الشراء على الشراء وهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار افسخ لابيعك بانقص أن يقول للبائع افسخ لاشتري منك بازيد وهو مجمع عليه وأما السوم فصورته أن يأخذ شيئا ليشتريه فيقول له رده لابيعك خيرا منه بثمنه أو مثله بارخص أو يقول للمالك استرده لاشتريه منك بأكثر ومحله بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر فإن كان ذلك صريحا فلا خلاف في التحريم وأن كان ظاهرا ففيه وجهان للشافعية ونقل بن حزم اشتراط الركون عن مالك وقال أن لفظ الحديث لا يدل عليه وتعقب بأنه لا بد من أمر مبين لموضع التحريم في السوم لأن السوم في

[ 296 ]

السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم اتفاقا كما نقله بن عبد البر فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك وقد استثنى بعض الشافعية من تحريم البيع والسوم على الآخر ما إذا لم يكن المشترى مغبونا غبنا فاحشا وبه قال بن حزم واحتج بحديث الدين النصيحة لكن لم تنحصر النصيحة في البيع والسوم فله أن يعرفه أن قيمتها كذا وأنك أن بعتها بكذا مغبون من غير أن يزيد فيها فيجمع بذلك بين المصلحتين وذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور مع تاثيم فاعله وعند المالكية والحنابلة في فساده روايتان وبه جزم أهل الظاهر والله أعلم قوله باب بيع المزايدة لما أن تقدم في الباب قبله النهى عن السوم أراد أن يبين موضع التحريم منه وقد أوضحته في الباب الذي قبله وورد في البيع فيمن يزيد حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم باع حلسا وقدحا وقال من عمي هذا الحلس والقدح فقال رجل أخذتهما بدرهم فقال من يزيد على درهم فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه أخرجه أحمد وأصحاب السنن مطولا ومختصرا واللفظ للترمذي وقال حسن وكان المصنف أشار بالترجمة إلى تضعيف ما أخرجه البزار من حديث سفيان بن وهب سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع المزايدة فإن في إسناده بن لهيعة وهو ضعيف قوله وقال عطاء أدركت الناس لا يرون بأس ببيع المغانم فيمن يزيد وصله بن أبي شيبة ونحوه عن عطاء ومجاهد وروى هو وسعيد بن منصور عن بن عيينة عن بن أبي نجيح عن مجاهد قال لا باب ببيع من يزيد وكذلك كانت تباع الأخماس وقال الترمذي عقب حديث أنس المذكور والعمل على هذا عند بعض أهل العلم لم يروا بأسا ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث قال بن العربي لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث فإن الباب واحد والمعنى مشترك اه وكان الترمذي يقيد بما ورد في حديث بن عمر الذي أخرجه بن خزيمة وابن الجارود والدارقطني من طريق زيد بن أسلم عن بن عمر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع أحدكم على بيع أحد حتى يذر الا الغنائم والمواريث اه وكأنه أخرج على الغالب فيما يعتاد فيه البيع مزايدة وهي الغنائم والمواريث ويلتحق بهما غيرهما للاشتراك في الحكم وقد أخذ بظاهره الأوزاعي وإسحاق فخصا الجواز ببيع المغانم والمواريث وعن إبراهيم النخعي أنه كره بيع من يزيد ثم أورد المصنف حديث جابر في بيع المدبر وفيه قوله صلى الله عليه وسلم من يشتريه مني فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه وسيأتي شرحه مستوفى في باب بيع المدبر في أو اخر البيوع وقوله بكذا وكذا يأتي أنه ثمانمائة درهم ويأتي أيضا تسمية الرجل المذكور أن شاء الله تعالى وقد اعترضه الاسماعيلي فقال ليس في قصة المدبر بيع المزايدة فإن بيع المزايدة أن يعطي به واحد ثمنا ثم يعطي به غيره زيادة عليها اه‍ وأجاب بن بطال بان شاهد الترجمة منه قوله في الحديث من يشتريه مني قال فعرضه للزيادة ليستقضى فيه للمفلس الذي باعه عليه وسيأتي بيان كونه كان مفلسا في أو اخر كتاب الاستقراض قوله باب النجش بفتح النون وسكون الجيم بعدها غدا وهو في اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد يقال نجشت الصيد أي انجشه بالضم نجشا وفي الشرع الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة ويقع ذلك بمواطاة البائع فيشتركان في الإثم ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش وقد يختص به البائع

[ 297 ]

كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشترها به ليغر غيره بذلك كما سيأتي من كلام الصحابي في هذا الباب وقال بن قتيبة النجش الختل والخديعة ومنه قيل للصائد ناجش لأنه يختل الصيد ويحتال له قوله ومن قال لا يجوز ذلك البيع كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق من طريق عمر بن عبد العزيز أن عاملا له باع سبيا فقال له لولا أني كنت ازيد فانفقه لكان كاسدا فقال له عمر هذا نجش لا يحل عروبة مناديا ينادي أن البيع مردود وأن البيع لا يحل قال بن بطال أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك ونقل بن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطاة البائع أو صنعه والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار وهو وجه للشافعية قياسا على المصراة والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم وهو قول الحنفية وقال الرافعي أطلق الشافعي في المختصر تعصية الناجش وشرط في تعصية من باع على بيع أخيه أن يكون عالما بالنهي وأجاب الشارحون بان النجش خديعة وتحريم الخديعة واضح لكل أحد وأن لم يعلم هذا الحديث بخصوصه بخلاف البيع على بيع أخيه فقد لا يشترك فيه كل أحد واستشكل الرافعي الفرق بان البيع على بيع أخيه اضرار والاضرار يشترك في علم تحريمه كل أحد قال فالوجه تخصيص المعصية في الموضعين بمن علم التحريم اه وقد حكى البيهقي في المعرفة والسنن عن الشافعي تخصيص التعصية في النجش أيضا بمن أعلم النهى فظهر أن ما قاله الرافعي بحثا منصوص ولفظ الشافعي النجش أن يحضر الرجل السلعة تباع فيعطى بها الشئ وهو لا يريد شراءها ليقتدي به السوام فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون لو لم يسمعوا سومه فمن نجش فهو عاص بالنجش أن كان عالما بالنهي والبيع جائز لا يفسده معصية رجل نجش عليه قوله وقال بن أبي أوفى الناجش أكل ربا خائن هذا طرف من حديث أورده المصنف في الشهادات في باب قول الله تعالى أن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا ثم ساق فيه من طريق السكسكي عن عبد الله بن أبي أوفى قال أقام رجل سلعته فحلف بالله لقد أعطى فيها ما لم يعط فنزلت قال بن أبي أوفى الناجش أكل ربا خائن أورده من طريق يزيد بن هارون عن السكسكي وقد أخرجه بن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن يزيد مقتصرين على الموقوف وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن بن أبي أوفى مرفوعا لكن قال ملعون بدل خائن أه‍ وأطلق ابن أبي أوفى على من أخبر بأكثر مما اشترى به أنه ناجش لمشاركته لمن يزيد في السلعة وهو لا يريد أن يشتريها في غرور الغير فاشتركا في الحكم لذلك وكونه أكل ربا بهذا التفسير وكذلك يصح على التفسير الأول أن واطاه البائع على ذلك وجعل له عليه جعلا فيشتركان جميعا في الخيانة وقد اتفق أكثر العلماء على تفسير النجش في الشرع بما تقدم وقيد بن عبد البر وابن العربي وابن حزم التحريم بان تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل قال بن العربي فلو أن رجلا رأى سلعة رجل تباع بدون قيمتها فزاد فيها لتنتهي إلى قيمتها لم يكن ناجشا عاصيا بل يؤجر على ذلك بنيته وقد وافقه على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية وفيه نظر إذ لم تتعين النصيحة في أن يوهم أنه يريد الشراء وليس من غرضه بل غرضه أن يزيد على من يريد الشراء اكثر مما يريد أن عمي به فللذى يريد النصيحة مندوحة عن ذلك أن يعلم البائع بان قيمة سلعتك أكثر من ذلك ثم هو

[ 298 ]

باختياره بعد ذلك ويحتمل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حتى يسأله للحديث الاتى دعو الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه والله أعلم قوله وهو خداع باطل لا يحل هو من تفقه المصنف وليس من تتمة كلام بن أبي أوفى وقد ذكرنا توجيه ما قاله المصنف قبل قوله قال النبي صلى الله عليه وسلم الخديعة في النار ومن عمل وأشار ليس عليه أمرنا فهو رد أما الحديث الثاني فسياتى موصولا من حديث عائشة في كتاب الصلح وأما حديث الخديعة في النار فرويناه في الكامل لابن عدي من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المكر والخديعة في النار لكنت من امكر الناس وإسناده لا بأس به أخرجه الطبراني في الصغير من حديث بن مسعود والحاكم في المستدرك من حديث أنس وإسحاق بن راهويه في مسنده من حديث أبي هريرة وفي إسناد كل منهما مقال لكن مجموعهما يدل على أن للمتن أصلا وقد رواه بن المبارك في البر والصلة عن عوف عن الحسن قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكره قوله عن النجش تقدم أن المشهور أنه بفتح الجيم وحكى المطرزى فيه السكون قوله باب بيع الغرر بفتح المعجمة وبراءين وبيع حبل الحبلة بفتح المهملة والموحدة وقيل في الأول بسكون الموحدة وغلطة عياض وهو الحدود حبلت تحبل حبلا والحبلة جمع حابل مثل ظلمة وظالم وكتبة وكاتب والهاء فيه للمبالغة وقيل للاشعار بالأنوثة وقد ندر فيه امرأة حابلة فالهاء فيه للتأنيث وقيل حبلة مصدر يسمى به المحبول قال أبو عبيد لا يقال لشئ من الحيوان حبلت الا الادميات الا ما ورد في هذا الحديث وأثبته صاحب المحكم قولا فقال اختلف اهى للإناث عامة أم للآدميات خاصة وأنشد في التعميم قول الشاعر أو ذيخة حبلى مجح مقرب وفي ذلك تعقب على نقل النووي اتفاق أهل اللغة على التخصيص ثم أن عطف بيع حبل الحبلة على بيع الغرر من عطف الخاص على العام ولم يذكر في الباب بيع الغرر صريحا وكأنه أشار إلى ما أخرجه أحمد من طريق بن إسحاق حدثني نافع وابن حبان من طريق سليمان التيمي عن نافع عن بن عمر قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر وقد أخرج مسلم النهى عن بيع الغرر من حديث أبي هريرة وابن ماجة من حديث بن عباس والطبراني من حديث سهل بن سعد ولأحمد من حديث بن مسعود رفعه لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر وشراء السمك في الماء نوع من يجري الغرر ويلتحق به الطير في الهواء والمعدوم المجهول والابق ونحو ذلك قال النووي النهى عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جدا ويستثنى من بيع الغرر أمران أحدهما ما يدخل في المبيع تبعا فلو أفرد لم يصح بيعه والثاني ما يتسامح بمثله أما لحقارته أو للمشقة في تمييزه وتعيينه فمن الأول بيع أساس الدار والدابة التي في ضرعها اللبن والحامل ومن الثاني الجبة المحشوة والشرب من السقاء قال وما اختلف العلماء فيه مبنى على اختلافهم في كونه حقيرا أو يشق تمييزه أو تعيينه فيكون الغرر فيه كالمعدوم فيصح البيع وبالعكس وقال ومن بيع الغرر ما اعتاده الناس من الاستجرار من الأسواق بالأوراق مثلا فإنه لا يصح لأن الثمن ليس حاضرا فيكون من المعاطاة ولم توجد صيغة يصح بها العقد وروى الطبري عن بن سيرين بإسناد صحيح قال لا أعلم ببيع الغرر بأسا قال بن بطال لعله لم يبلغه النهى

[ 299 ]

وإلا فكل ما يمكن أن يوجد وأن لا يوجد لم يصح وكذلك إذا كان لا يصح غالبا فإن كان يصح غالبا كالثمرة في أول بدو صلاحها أو كان مستترا تبعا كالحمل مع الحامل جاز لقلة الغرر ولعل هذا هو الذي أراده بن سيرين لكن منع من ذلك ما رواه بن المنذر عنه أنه قال لا بأس ببيع العبد الآبق إذا كان علمهما فيه واحدا فهذا يدل على أنه يرى بيع الغرر أن سلم في المال والله أعلم قوله وكان أي بيع حبل الحبلة بيعا يتبايعه أهل الجاهلية الخ كذا وقع هذا التفسير في الموطأ متصلا بالحديث قال الاسماعيلي وهو مدرج يعني أن التفسير من كلام نافع وكذا ذكر الخطيب في المدرج وسيأتى في آخر السلم عن موسى بن إسماعيل التبوذكي عن جويرية التصريح بان نافعا هو الذي فسره لكن لا يلزم من كون نافع فسره لجويرية أن لا يكون ذلك التفسير مما حمله عن مولاه بن عمر فسيأتي في أيام الجاهلية من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر قال كا أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فظاهر هذا السياق أن هذا التفسير من كلام بن عمر ولهذا جزم بن عبد البر بأنه من تفسير بن عمر وقد أخرجه مسلم من رواية الليث والترمذي والنسائي من رواية أيوب كلاهما عن نافع بدون التفسير أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة من طريق سعيد بن جبير عن بن عمر بدون التفسير أيضا قوله الجزور بفتح الجيم وضم الزاي هو البعير ذكرا كان أو أنثى الا أن يسير مؤنث تقول هذه الجزور وأن أردت ذكرا فيحتمل أن يكون ذكره في الحديث قيدا فيما كان أهل الجاهلية يفعلونه فلا يتبايعون هذا البيع الا في الجزور أو لحم الجزور ويحتمل أن يكون ذكر على سبيل المثال وأما في الحكم فلا فرق بين الجزور وغيرها في ذلك قوله إلى أن تنتج بضم أوله وفتح ثالثه أي تلد ولدا والناقة فاعل وهذا الفعل وقع في لغة العرب على صيغة الفعل المسند إلى المفعول وهو حرف نادر وقوله ثم تنتج التي في بطنها أي ثم تعيش المولودة حتى تكبر ثم تلد وهذا القدر زائد على رواية عبيد الله بن عمر فإنه اقتصر على قوله ثم تحمل التي في بطنها ورواية جويرية اخصر منهما ولفظه أن تنتج الناقة ما في بطنها وبظاهر هذه الرواية قال سعيد بن المسيب فما رواه عنه مالك وقال به مالك والشافعي وجماعة وهو أن يبيع بثمن إلى أن يلد ولد الناقة وقال بعضهم أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابة وتلد ويحمل ولدها وبه جزم أبو إسحاق في التنبيه فلم يشترط وضع حمل الولد كرواية مالك ولم أر من صرح بما اقتضته رواية جويرية وهو الوضع فقط وهو في الحكم مثل الذي قبله والمنع في الصور الثلاث للجهالة في الأجل ومن حقه على هذا التفسير أن يذكر في السلم وقال أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق وابن حبيب والمالكي وأكثر أهل اللغة وبه جزم الترمذي هو بيع ولد نتاج الدابة والمنع في هذا من جهة أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه فيدخل في بيوع الغرر ولذلك صدر البخاري بذكر الغرر في الترجمة لكنه أشار إلى التفسير الأول بإيراد الحديث في كتاب السلم أيضا ورجح الأول لكونه موافقا للحديث وأن كان كلام أهل اللغة موافقا للثاني لكن قد روى الإمام أحمد من طريق بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر ما يوافق الثاني ولفظه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر قال أن أهل الجاهلية كانوا يتبايعون ذلك البيع يبتاع الرجل بالشارف حبل الحبلة فنهوا عن ذلك وقال

[ 300 ]

ابن التين محصل الخلاف هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين وعلى الأول هل المراد بالاجل ولادة الأم أو ولادة ولدها وعلى الثاني هل المراد ببيع الجنين الأول أو بيع جنين الجنين فصارت أربعة أقوال انتهى وحكى صاحب المحكم قولا آخر أنه بيع ما في بطون الأنعام وهو أيضا من بيوع الغرر لكن هذا إنما فسر به سعيد بن المسيب كما رواه مالك في الموطأ بيع المضامين وفسر به غيره بيع الملاقيح واتفقت هذه الأقوال على اختلافها على أن المراد بالحبلة جمع حابل أو حابلة من الحيوان الا ما حكاه صاحب المحكم وغيره عن بن جلس أن المراد بالحبلة الكرمة وأن النهى عن بيع حبلها أي حملها قبل أن تبلغ كما نهى عن بيع ثمر النخلة قبل أن تزهي وعلى هذا فالحبلة بإسكان الموحدة وهو خلاف ما ثبت به الروايات لكن حكى في الكرمة فتح الباء وادعى السهيلي تفرد بن جلس به وليس كذلك فقد حكاه بن السكيت في كتاب الألفاظ ونقله القرطبي في المفهم عن أبي العباس المبرد والهاء على هذا للمبالغة وجها واحدا قوله باب بيع الملامسة قال أنس نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه ثم قال باب بيع المنابذة وعلق عن أنس مثله وأورد في البابين حديث أبي سعيد من وجهين وحديث أبي هريرة من وجهين فأما حديث أنس فسياتى موصولا بعد ثلاثين بابا في باب بيع المخاضرة قوله في حديث أبي سعيد نهى عن المنابذة وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه ونهى عن الملامسة والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه وسيأتي في اللباس من طريق يونس عن الزهري بلفظ والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده صارت أو بالنهار ولا يقلبه الا بذلك والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر بثوبه ويكون بيعهما عن غير نظر ولا تراض ولأبي عوانة من طريق أخرى عن يونس وذلك أن يتبايع القوم السلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها أو يتنابذ القوم السلع كذلك فهذا من أبواب القمار وفي رواية بن ماجة من طريق سفيان عن الزهري والمنابذة أن يقول الق إلى ما معك وألقى إليك ما معي والنسائي من حديث أبي هريرة الملامسة أن يقول الرجل للرجل ابيعك ثوبي بثوبك ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر ولكن يلمسه لمسا والمنابذة أن يقول انبذ ما معي وتنبذ ما معك عمي كل واحد منهما من الآخر ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر ونحو ذلك ولم يذكر التفسير في طريق أبي سعيد الثانية هنا ولا في طريق أبي هريرة وقد وقع التفسير أيضا عند أحمد من طريق معمر هذه أخرجه عن عبد الرزاق عنه وفي آخره والمنابذة أن يقول إذا نبذت هذا الثوب فقد وجب البيع والملامسة أن يلمس بيده ولا ينشره ولا يقلبه إذا مسه وجب البيع ولمسلم من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة أما الملامسة فإن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر لم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه وقد تقدم في الصيام من هذا الوجه وليس فيه التفسير وهذا التفسير الذي في حديث أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة لأنها مفاعلة فتستدعى وجوب الفعل من الجانبين واختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور وهي أوجه للشافعية اصحها أن يأتي بثوب مطوى أو في ظلمة اخرجوهم المستام فيقول له صاحب الثوب بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك ولا خيار لك إذا رايته وهذا موافق للتفسيرين اللذين في

[ 301 ]

الحديث الثاني أن يجعلا نفس اللمس بيعا بغير صيغة زائدة الثالث أن يجعلا اللمس شرطا في قطع خيار المجلس وغيره والبيع على التأويلات كلها باطل وماخذ الأول عدم شرط رؤية المبيع واشتراط نفى الخيار ومأخذ الثاني اشتراط نفى الصيغة في عقد البيع فيؤخذ منه بطلان بيع المعاطاة مطلقا لكن من أجاز المعاطاة قيدها بالمحقرات أو بما جرت فيه العادة بالمعاطاة وأما الملامسة والمنابذة عند من يستعملها فلا يخصهما بذلك فعلى هذا يجتمع بيع المعاطاة مع الملامسة والمنابذة في بيع صور المعاطاة فلمن يجيز بيع المعاطاة أن يخص النهى في بعض صور الملامسة والمنابذة عما جرت العادة فيه بالمعاطاة وعلى هذا يحمل قول الرافعي أن الأئمة بالجراب في بيع الملامسة والمنابذة الخلاف الذي في المعاطاة والله أعلم وماخذ الثالث شرط نفى خيار المجلس وهذه الأقوال هي التي اقتصر عليها الفقهاء ونخرج مما ذكرناه من طريق الحديث زيادة على ذلك وأما المنابذة فاختلفوا فيها أيضا على ثلاثة أقوال وهي أوجه للشافعية اصحها أن يجعلا نفس النبذ بيعا كما تقدم في الملامسة وهو الموافق للتفسير في الحديث المذكور والثاني أن يجعلا النبذ بيعا بغير صيغة والثالث أن يجعلا النبذ قاطعا للخيار واختلفوا في تفسير النبذ فقيل هو طرح الثوب كما وقع تفسيره في الحديث المذكور وقيل هو نبذ الحصاة والصحيح أنه غيره وقد روى مسلم النهى عن بيع الحصاة من حديث أبي هريرة واختلف في تفسير بيع الحصاة فقيل هو أن يقول بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة ويرمى حصاه أو من هذه الأرض ما انتهت إليه في الرمي وقيل هو أن يشترط الخيار إلى أن يرمي الحصاة والثالث أن يجعلا نفس الرمي بيعا وقوله في الحديث لمس الثوب لا ينظر إليه استدل به على بطلان بيع الغائب وهو قول الشافعي في الجديد وعن أبي حنيفة يصح مطلقا ويثبت الخيار إذا رآه وحكى عن مالك والشافعي أيضا وعن مالك يصح أن وصفه وإلا فلا وهو قول الشافعي في القديم وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأهل الظاهر واختاره البغوي والرويانى من الشافعية وأن اختلفوا في تفاصيله ويؤيده قوله في رواية أبي عوانة التي قدمتها لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها وفي الاستدلال لذلك وفاقا وخلافا المريض واستدل به على بطلان بيع الأعمى مطلقا وهو قول معظم الشافعية حتى من أجاز منهم بيع الغائب لكون الأعمى لا يراه بعد ذلك فيكون كبيع الغائب مع اشتراط نفى الخيار وقيل يصح إذا وصفه له غيره وبه قال مالك وأحمد وعن أبي حنيفة يصح مطلقا على تفاصيل عندهم أيضا تنبيهات والأول وقع عند بن ماجة أن التفسير من قول سفيان بن عيينة وهو خطا من قائله بل الظاهر أن قول الصحابي كما سأبينه بعد الحديث الثاني حديث أبي سعيد اختلف فيه على الزهري فرواه معمر وسفيان وابن أبي حفصة وعبد الله بن بديل وغيرهم عنه عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد ورواه عقيل ويونس وصالح بن جلس وابن جريج عن الزهري عن عامر بن سعيد عن أبي سعيد وروى بن جريج بعضه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي سعيد وهو أمرهم عند البخاري على أنها كلها عند الزهري واقتصر مسلم على طريق عامر بن سعد وحده واعرض عما سواها وقد خالفهم كلهم الزبيدي فرواه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة وخالفهم أيضا جعفر بن برقان فرواه عن الزهري عن سالم عن أبيه وزاد في آخره وهي بيوع كانوا يتبايعون بها في الجاهلية أخرجها النسائي وخطا رواية جعفر

[ 302 ]

الثالث حديث أبي هريرة أخرجه البخاري عنه من طرق ثالثها طريق حفص بن عاصم عنه وهو في مواقيت الصلاة ولم يذكر في شئ من طرقه عنه تفسير المنابذة والملامسة وقد وقع تفسيرهما في رواية مسلم والنسائي كما تقدم وظاهر الطرق كلها أن التفسير من الحديث المرفوع لكن وقع في رواية النسائي ما يشعر بأنه من كلام من دون النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه وزعم أن الملامسة أن يقول الخ فالأقرب أن يكون ذلك من كلام الصحابي لبعد أن يعبر الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ زعم ولوقوع التفسير في حديث أبي سعيد الخدري من قوله أيضا كما تقدم الرابع وقع في حديث أبي هريرة في الطريق الأولى هنا نهى عن لبستين واقتصر على لبسه واحدة ولم يذكره في موضع آخر وقد وقع بيان الثانية عند أحمد من طريق هشام عن محمد بن سيرين ولفظه أن يحتبى الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شئ وأن يرتدى في ثوب يرفع طرفيه على عاتقه قوله باب النهى للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم كذا في معظم الروايات ولا زائدة وقد ذكره أبو نعيم بدون لا ويحتمل أن تكون أن مفسرة ولا يحفل بيان للنهى وفي رواية النسفي نهى البائع أن يحفل الإبل والغنم وقيد النهى بالبائع إشارة إلى أن المالك لو حفل فجمع اللبن للولد أو لعياله أو لضيفه لم يحرم وهذا هو الراجح كما سيأتي وذكر البقر في الترجمة وأن لم يذكر في الحديث إشارة إلى أنها في معنى الإبل والغنم في الحكم خلافا لداود وإنما اقتصر عليهما لغلبتهما عندهم والتحفيل بالمهملة والفاء التجميع قال أبو عبيد سميت بذلك لأن اللبن يكثر في ضرعها وكل شئ كثرته فقد حفلته تقول ضرع حافل أي عظيم واحتفل القوم إذا كثر جمعهم ومنه سمي المحفل قوله وكل محفلة بالنصب عطفا على المفعول وهو من عطف العام على الخاص إشارة إلى أن الحاق غير النعم من ماكول اللحم بالنعم للجامع بينهما وهو تغرير المشترى وقال الحنابلة وبعض الشافعية يختص ذلك بالنعم واختلفوا في غير المأكول كالأتان والجارية فالاصح لا يرد اللبن عوضا وبه قال الحنابله في الأتان دون الجارية قوله والمصراة بفتح المهملة وتشديد الراء التي صرى لبنها وحقن فيه أي في الثدي وجمع فلم يحلب وعطف الحقن على التصرية عطف تفسيرى لأنه بمعناه قوله واصل التصرية حبس الماء يقال منه صريت الماء إذا حبسته وهذا التفسير قول أبي عبيد وأكثر أهل اللغة وقال الشافعي هو ربط أخلاف الناقة أو الشاة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر فيظن المشترى أن ذلك عادتها فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها قوله لا تصروا بضم أوله وفتح ثانيه بوزن تزكوا يقال صرى يصرى تصرية كزكى يزكى تزكية والإبل بالنصب على المفعولية وقيده بعضهم بفتح أوله وضم ثانيه والأول أصح لأنه من صريت اللبن في الضرع إذا جمعته وليس من صررت الشئ إذا ربطته إذ لو كان منه لقيل مصرورة أو مصررة ولم يقل مصراة على أنه قد سمع الأمران في كلام العرب قال الأغلب رأت غلاما قد صرى في فقرته * ماء الشباب عنفوان سيرته وقال مالك بن نويرة فقلت لقومي هذه صدقاتكم * مصررة اخلافها لم تحرر وضبطه بعضهم ضم أوله وفتح ثانيه لكن بغير واو على البناء للمجهول والمشهور والأول قوله

[ 303 ]

الإبل والغنم لم يذكر البقر وقد تقدم بيانه في الترجمة وظاهر النهى تحريم التصرية سواء قصد التدليس أم لا وسيأتي في الشروط من طريق أبي حازم عن أبي هريرة نهى عن التصرية وبهذا جزم بعض الشافعية وعلله بما فيه من ايذاء الحيوان لكن أخرج النسائي حديث الباب من طريق سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج بلفظ لا تصروا الإبل والغنم للبيع وله من طريق أبي كثير السحيمي عن أبي هريرة إذا باع أحدكم الشاة أو اللقحة فلا يحفلها وهذا هو الراجح وعليه يدل تعليل الأكثر بالتدليس ويجاب عن التعليل بالايذاء بأنه ضرر يسير لا يستمر فيغتفر لتحصيل المنفعة قوله فمن ابتاعها بعد أي من اشتراها بعل التحفل زاد عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد فهو بالخيار ثلاثة أيام أخرجه الطحاوي وسيأتي ذكر من وافقه على ذلك وابتداء هذه المدة من وقت بيان التصرية وهو قول الحنابلة وعند الشافعية أنها من حين العقد وقيل من التفرق ويلزم عليه أن يكون الغرر أوسع من الثلاث في بعض الصور وهو ما إذا تأخر ظهور التصرية إلى آخر الثلاث ويلزم عليه أيضا أن تحسب المدة قبل التمكن من الفسخ وذلك يفوت مقصود التوسع بالمدة قوله بخير النظرين أي الرابين قوله أن يحتلبها كذا في الأصل وهو بكسر أن على أنها شرطية وجزم يحتلبها ولابن خزيمة والاسماعيلي من طريق أسيد بن موسى عن الليث بعد أن يحتلبها بفتح أن ونصب يحتلبها وظاهر الحديث أن الخيار لا يثبت الا بعد الحلب والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار ولو لم يحلب لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالبا الا بعد الحلب ذكر قيدا في ثبوت الخيار فلو ظهرت التصرية بغير الحلب فالخيار ثابت قوله أن شاء أمسك في رواية مالك عن أبي الزناد في آخر الباب أن رضيها أمسكها أي ابقاها على ملكه وهو يقتضى صحة بيع المصراة وإثبات الخيار للمشترى فلو اطلع على شئ بعد رضا بالتصرية فردها هل يلزم الصاع فيه خلاف والأصح عند الشافعية وجوب الرد ونقلوا نص الشافعي على أنه لا يرد وعند المالكية قولان قوله وأن شاء ردها في رواية مالك وأن سخطها ردها وظاهره اشتراط الفور وقياسا على سائر العيوب لكن الرواية التي فيها أن له الخيار ثلاثة أيام مقدمة على هذا الإطلاق ونقل أبو حامد والرويانى فيه نص الشافعي وهو قول الأكثر وأجاب من صحح الأول بان هذه الرواية محمولة على ما إذا لم يعلم أنها مصراة الا في الثلاث لكون الغالب أنها لا تعلم فيما دون ذلك قال بن دقيق العيد والثاني أرجح لأن حكم التصرية قد خالف القياس في أصل الحكم لأجل النص فيطرد ذلك ويتبع في جميع موارده قلت ويؤيده أن في بعض الروايات أحمد والطحاوي من طريق بن سيرين عن أبي هريرة فهو بأحد النظرين بالخيار إلى أن يحوزها أو يردها وسيأتي قوله وصاع تمر في رواية مالك وصاعا من تمر والواو عاطفة للضاع على الضمير في ردها ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع ويستفاد منه فورية الصاع مع الرد ويجوز أن يكون مفعولا معه ويعكر عليه قول جمهور النحاة أن شرط المفعول معه أن يكون فاعلا فإن قيل التعبير بالرد في المصراة واضح فما معنى التعبير بالرد في الصاع فالجواب أنه مثل قول الشاعر علفتها تبنا وماء بارد أي علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا ويجعل علفتها مجازا عن فعل شامل للامرين أي ناولتها فيحمل الرد في الحديث على نحو هذا التأويل واستدل به على وجوب رد الصاع مع الشاة إذا أختار فسخ البيع فلو كان اللبن باقيا ولم يتغير فأراد رده هل يلزم البائع قبوله

[ 304 ]

فيه وجهان أصحهما لا لذهاب طراوته ولاختلاطه بما تجدد عند المبتاع والتنصيص على التمر يقتضى تعيينه كما سيأتي قوله ويذكر عن أبي صالح ومجاهد والوليد بن رباح وموسى بن يسار الخ يعني أن أبا صالح ومن بعده وقع في رواياتهم تعيين التمر فأما رواية أبي صالح فوصلها أحمد ومسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه بلفظ من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام فإن شاء أمسكها وأن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر وأما رواية مجاهد فوصلها البزار قال مغلطاي لم أرها الا عنده قلت قد وصلها أيضا الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن بن أبي نجيح والدارقطني من طريق الليث بن أبي سليم كلاهما عن مجاهد وأول رواية ليث لا تبيعوا المصراة من الإبل والغنم الحديث وليث ضعيف وفي محمد بن مسلم أيضا لين وأما رواية الوليد بن رباح وهو بفتح الراء وبالموحدة فوصلها أحمد بن منيع في مسنده بلفظ من اشترى مصراة فليرد معها صاعا من تمر وأما رواية موسى بن يسار وهو بالتحتانية والمهملة فوصلها مسلم بلفظ من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها فليحلبها فإن رضي بها أمسكها وإلا ردها ومعها صاع من تمر وسياقه يقتضى الفورية قوله وقال بعضهم عن بن سيرين صاعا من طعام وهو بالخيار ثلاثا وقال بعضهم عن بن سيرين صاعا من تمر ولم يذكر ثلاثا أما رواية من رآه بلفظ الطعام والثلاث فوصلها مسلم والترمذي من طريق قرة بن خالد عنه بلفظ من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها رد معها صاعا من طعام لا سمراء وأخرجه أبو داود من طريق حماد بن سلمة عن هشام وحبيب وأيوب عن بن سيرين نحوه وأما رواية من رواه بلفظ التمر دون ذكر الثلاث فوصلها أحمد من طريق معمر عن أيوب عن بن سيرين بلفظ من اشترى شاة مصراة فإنه يحلبها فإن رضيها أخذها وإلا ردها ورد معها صاعا من تمر وقد رواه سفيان عن أيوب فذكر الثلاث أخرجه مسلم من طريقه بلفظ من اشترى شاة مصراه فهو بخير النظرين ثلاثة أيام أن شاء أمسكها وأن شاء ردها وصاعا من تمر لا سمراء ورواه بعضهم عن بن سيرين بذكر الطعام ولم يقل ثلاثا أخرجه أحمد والطحاوي من طريق عون عن بن سيرين وخلاس بن عمرو كلاهما عن أبي هريرة بلفظ من اشترى لقحة مصراة أو شاة مصراة فحلبها فهو بأحد النظرين بالخيار إلى أن يحوزها أو يردها وإناء من طعام فحصلنا عن بن سيرين على أربع روايات ذكر التمر والثلاث وذكر التمر بدون الثلاث والطعام بدل التمر كذلك والذي يظهر في الجمع بينها أن من زاد الثلاث معه زيادة علم وهو حافظ ويحمل الأمر فيمن لم يذكرها على أنه لم يحفظها أو اختصرها وتحمل الرواية التي فيها الطعام على التمر وقد روى الطحاوي من طريق أيوب عن بن سيرين أن المراد بالسمراء الحنطة الشامية وروى بن أبي شيبة وأبو عوانة من طريق هشام بن حسان عن بن سيرين لا سمراء يعني الحنطة وروى بن المنذر من طريق بن عون عن بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول لا سمراء تمر ليس ببر فهذه الروايات تبين أن المراد بالطعام التمر ولما كان المتبادر إلى الذهن أن المراد بالطعام القمح نفاه بقوله لا سمراء لكن يعكر على هذا الجمع ما رواه البزار من طريق أشعث بن عبد الملك عن بن سيرين بلفظ أن ردها ردها ومعها صاع من بر لا سمراء وهذا يقتضى أن المنفى في قوله لا سمراء حنطة مخصوصة وهي الحنطة الشامية فيكون المثبت قوله من طعام أي من قمح ويحتمل أن يكون رواية رواه بالمعنى الذي ظنه مساويا وذلك أن المتبادر من الطعام البر فظن الراوي أنه البر

[ 305 ]

فعبر به وإنما أطلق لفظ الطعام على التمر لأنه كان غالب قوت أهل المدينة فهذا طريق الجمع بين مختلف الروايات عن أن سيرين في ذلك يعكر على هذا ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة نحو حديث الباب وفيه فإن ردها رد معها صاعا من طعام أو صاعا من تمر فإن ظاهره يقتضى التخيير بين التمر والطعام وأن الطعام غير التمر ويحتمل أن تكون أو شكا من الراوي لا تخييرا وإذا وقع الاحتمال في هذه الروايات لم يصح الاستدلال بشئ منها فيرجع إلى الروايات التي لم يختلف فيها وهي التمر فهي الراجحة كما أشار إليه البخاري وأما ما أخرجه أبو داود من حديث بن عمر بلفظ أن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا ففي إسناده ضعف وقد قال بن قدامة أنه متروك الظاهر بالاتفاق قوله والثمر أكثر أي أن الروايات الناصة على التمر أكثر عددا من الروايات التي لم تنص عليه أو ابدلته بذكر الطعام فقد رواه بذكر التمر غير من تقدم ذكره ثابت بن عياض كما يأتي في الباب الذي يليه وهمام بن منبه عند مسلم وعكرمة وأبو إسحاق عند الطحاوي ومحمد بن زياد عند الترمذي والشعبي عند أحمد وابن خزيمة كلهم عن أبي هريرة وأما رواية من رواه بذكر الإناء فيفسرها رواية من رواه بذكر الصاع وقد تقدم ضبطه في الزكاة وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم وأفتى به بن مسعود وأبو هريرة ولا مخالف لهم من الصحابة وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلا أو كثيرا ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية وفي فروعها آخرون أما الحنفية فقالوا لا يرد بعيب التصرية ولا يجب رد صاع من التمر وخالفهم زفر فقال بقول الجمهور الا أنه قال يتخير بين صاع تمر أو نصف صاع بر وكذا قال بن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية الا إنهما قالالا يتعين صاع التمر بل قيمته وفي رواية عن مالك وبعض الشافعية كذلك لكن قالوا يتعين قوت البلد قياسا على زكاة الفطر وحكى البغوي أن لا خلاف في المذهب إنهما لو تراضيا بغير التمر من قوت أو غيره كفى وأثبت بن كج الخلاف في ذلك وحكى الماوردي وجهين فيما إذا عجز عن التمر هل تلزمه قيمته ببلده أو باقرب البلاد التي فيها التمر إليه وبالثانى قال الحنابلة واعتذر الحنفية عن الأخذ بحديث المصراة بأعذر شتى فمنهم من طعن في الحديث لكونه من رواية أبي هريرة ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة فلا يؤخذ بما رواه مخالفا للقياس الجلي وهو كلام أذى قائله به نفسه وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلي لرواية إلى هريرة أمثاله كما في الوضوء بنبيذ التمر ومن القهقهة في الصلاة وغير ذلك وأظن ان لهذه النكتة أورد البخاري حديث بن مسعود عقب حديث أبي هريرة وأشارة منه إلى أن بن مسعود قد أفتي بوفق حديث أبي هريرة فلولا أن خبر أبي هريرة في ذلك ثابت لما خالف بن مسعود القياس الجلي في ذلك وقال ابن السمعاني في الاصطلام التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله بل هو بدعة وضلالة وقد اختص أبو هريرة بمزيد من الحفظ لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له يعني المتقدم في كتاب العلم وفي أول البيوع أيضا وفيه قوله أن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشهد إذا غابوا وأحفظ إذا انسوا الحديث ثم مع ذلك فم ينفرد أبو هريرة برواية هذا الأصل فقد أخرجه أبو داود من حديث بن عمر وأخرجه

[ 306 ]

الطبراني من وجه آخر عنه وأبو يعلى من حديث أنس وأخرجه البيهقي في الخلافيات من حديث عمرو بن عوف المزني أخرجه أحمد من رواية رجل من الصحابة لم يسم وقال بن عبد البر هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل واعتل من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها ومنهم من قال هو حديث مضطرب لذكر التمر فيه تارة والقمح أخرى واللبن أخرى واعتباره بالصاع تارة وبالمثل أو المثلين تارة وبالاناء أخرى والجواب أن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها كما تقدم والضعيف لا يعل الصحيح ومنهم من قال هو معارض لعموم القرآن كقوله تعالى وأن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وأجيب بأنه من ضمان المتلفات لا العقوبات والمتلفات تضمن بالمثل وبغير المثل ومنهم من قال هو منسوخ وتعقب بان النسخ لا يثبت بالاحتمال ولا دلالة على النسخ مع مدعيه لأنهم اختلفوا في الناسخ فقيل حديث النهى عن بيع الدين بالدين وهو حديث أخرجه بن ماجة وغيره من حديث بن عمر ووجه الدلالة منه أن لبن المصراة يصير دينا في ذمة المشترى فإذا ألزم بصاع من تمر نسيئة صار دينا بدين وهذا جواب الطحاوي وتعقب بان الحديث ضعيف باتفاق المحدثين وعلى التنزل فالتمر إنما شرع في مقابل الحلب سواء كان اللبن موجودا أو غير موجود فلم يتعين في كونه من الدين بالدين وقيل ناسخه حديث الخراج بالضمان وهو حديث أخرجه أصحاب السنن عن عائشة ووجهه الدلالة منه أن اللبن فضلة من فضلات الشاة ولو هلكت لكان من ضمان المشترى فكذلك فضلاتها تكون له فكيف يغرم بدلها للبائع حكاه الطحاوي أيضا وتعقب بان حديث المصراة أصح منه باتفاق فكيف يقدم المرجوح على الراجح ودعوى كونه بعده لا دليل عليها وعلى التنزل فالمشترى لم يؤمر بغرامة ما حدث في ملكه بل بغرامة اللبن الذي ورد عليه العقد ولم يدخل في العقد فليس بين الحديثين على هذا تعارض وقيل ناسخه الأحاديث الواردة في رفع العقوبة بالمال وقد كانت مشروعة قبل ذلك كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده في مانع الزكاة فأنا أخذوها وشطر ماله وحديث بن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في الذي يسرق من الجرين يغرم مثليه وكلاهما في السنن وهذا جواب عيسى بن أبان فحديث المصراة من هذا القبيل وهي كلها منسوخة وتعقبه الطحاوي بان التصرية إنما وجدت من البائع فلو كان من ذلك الباب للزمه التغريم والفرض أن حديث المصراة يقتضى تغريم المشترى فافترقا ومنهم من قال ناسخه حديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وهذا جواب محمد بن شجاع ووجه الدلالة منه أن الفرقة تقطع الخيار فثبت أن لا خيار بعدها الا لمن استثناه الفاء بقوله الا بيع الخيار وتعقبه الطحاوي بان الخيار الذي في المصراة من خيار الرد بالعيب وخيار الرد بالعيب لا تقطعه الفرقة ومن الغريب أنهم لا يقولون بخيار المجلس ثم يحتجون به فيما لم يرد فيه ومنهم من قال هو خبر واحد لا يفيد الا الظن وهو مخالف لقياس الأصول المقطوع به فلا يلزم العمل به وتعقب بان التوقف في خبر الواحد إنما هو في مخالفة الأصول لا في مخالفة قياس الأصول وهذا الخبر إنما خالف قياس الأصول بدليل أن الأصول الكتاب والسنة والإجماع والقياس والكتاب والسنة في الحقيقة هما الأصل والاخران مردودان إليهما فالسنة أصل والقياس فرع فكيف يرد الأصل بالفرع بل الحديث الصحيح أصل بنفسه فكيف يقال أن الأصل يخالف نفسه وعلى

[ 307 ]

تقدير التسليم يكون قياس الأصول يفيد القطع وخبر الواحد لا يفيد الا الظن فتناول الأصل لا يخالف هذا الخبر الواحد غير مقطوع به لجواز استثناء محله عن ذلك الأصل قال بن دقيق العيد وهذا أقوى متمسك به في الرد على هذا المقام وقال بن السمعاني متى ثبت الخبر صار أصلا من الأصول ولا يحتاج إلى عرضه على أصل آخر لأنه أن وافقه فذاك وأن خالفه فلا يجوز رد أحدهما لأنه رد للخبر بالقياس وهو مردود باتفاق فإن السنة مقدمة على القياس بلا خوف إلى أن قال والأولى عندي في هذه المسألة تسليم الاقيسة لكنها ليست لازمة لأن السنة الثابتة مقدمة عليها والله تعالى أعلم وعلى تقدير التنزل فلا نسلم أنه مخالف لقياس الأصول لأن الذي ادعوه عليه من المخالفة بينوها باوجه أحدها أن المعلوم من الأصول أن ضمان المثليات بالمثل والمتقومات بالقيمة وههنا أن كان اللبن مثليا فليضمن باللبن وأن كان متقوما فليضمن بأحد النقدين وقد وقع هنا مضمونا بالتمر فخالف الأصل والجواب منع الحصر فإن الحر يضمن في ديته بالإبل وليست مثلا ولا قيمة وأيضا فضمان المثل ليس مطردا فقد يضمن المثل بالقيمة إذا تعذرت المماثلة كمن اتلف شاة لبونا كان عليه قيمتها ولا يجعل بإزاء لبنها لبنا آخر لتعذر المماثلة ثانيها أن القواعد تقتضي أن يكون المضمون مقدر الضمان بقدر التالف وذلك مختلف وقد قدرنا هنا بمقدار واحد وهو الصاع فخرج عن القياس والجواب منع التعميم في المضمونات كالموضحة فارشها مقدر مع اختلافها بالكبر والصغر والغرة مقدرة في الجنين مع اختلافه والحكمة في ذلك أن كل ما يقع فيه التنازع فليقدر بشئ معين لقطع التشاجر وتقدم هذه المصلحة على تلك القاعدة فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشترى ولو عرف مقداره فوكل إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لافضى إلى النزاع والخصام فقطع الفاء النزاع والخصام وقدره بحد لا يتعديانه فصلا للخصومة وكان تقديره بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن فإنه كان قوتهم إذ ذاك كاللبن وهو مكيل كاللبن ومقتات فاشتركا في كون كل واحد منهما مطعوما مقتاتا مكيلا واشتركا أيضا في أن كلا منهما يقتات به بغير صنعة ولا علاج ثالثها أن اللبن التالف أن كان موجودا عند العقد فقد ذهب جزء من المعقود عليه من أصل الخلقة وذلك مانع من الرد فقد حدث على ملك المشترى فلا يضمنه وأن كان مختلطا فما كان منه موجودا عند العقد وما كان حادثا لم يجب ضمانه والجواب أن يقال إنما يمتنع الرد بالنقص إذا لم يكن لاستعلام عقب وإلا فلا يمتنع وهنا كذلك رابعها أنه خالف الأصول في جعل الخيار فيه ثلاثا مع أن خيار عقب لا يقدر بالثلاث وكذا خيار المجلس عند من يقول به وخيار الرؤية عند من يثبته والجواب بان حكم المصراة انفرد بأصله عن مماثلة فلا يستغرب أن ينفرد بوصف زائد على غيره والحكمة فيه أن هذه المدة هي التي يتبين بها لبن الخلقة من اللبن المجتمع بالتدليس غالبا فشرعت لاستعلام عقب بخلاف خيار الرؤية والعيب فلا يتوقف على مدة وأما خيار المجلس فليس لاستعلام عقب فظهر الفرق بين الخيار في المصراة وغيرها خامسها أنه يلزم من الأخذ به الجمع بين العوض والمعوض فيما إذا كانت قيمة الشاة صاعا من تمر فإنها ترجع إليه من الصاع الذي هو مقدار ثمنها والجواب أن التمر عوض عن اللبن لا عن الشاة فلا يلزم ما ذكروه سادسها أنه مخالف لقاعدة الربا فيما إذا اشترى شاة بصاع فإذا استرد معها صاعا فقد استرجع الصاع الذي

[ 308 ]

هو الثمن فيكون قد باع شاة وصاعا بصاع والجواب أن الربا إنما يعتبر في العقود لا الفسوخ بدليل إنهما لو تبايعا ذهبا بفضة لم يجز أن يتفرقا قبل القبض فلو تقايلا في هذا العقد بعينه جاز التفرق قبل القبض سابعها أنه يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها فيما إذا كان اللبن موجودا والاعيان لا تضمن بالبدل الا مع فواتها كالمغصوب والجواب أن اللبن وأن كان موجودا لكنه تعذر رده لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد وتعذر تمييزه فأشبه الآبق بعد الغصب فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه لتعذر الرد ثامنها أنه يلزم منه اثبات الرد بغير شئ ولا شرط أما الشرط فلم يوجد وأما عقب فنقصان اللبن لو كان عيبا لثبت به الرد من غير تصرية والجواب أن الخيار يثبت بالتدليس كمن باع رحى دائرة بما جمعه لها بغير علم المشترى فإذا اطلع عليه المشترى كان له الرد وأيضا فالمشترى لما رأى ضرعا مملوءا لبنا ظن أنه عادة لها فكان البائع شرط له ذلك فتبين الأمر بخلافه فثبت له الرد لفقد الشرط المعنوي لأن البائع يظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله فإذا أظهر المشترى على صفة فبان الأمر بخلافها كان قد دلس عليه فشرع له الخيار وهذا هو محض القياس ومقتضى العدل فإن المشترى إنما بذل ماله بناء على الصفة التي اظهرها له البائع وقد أثبت الفاء الخيار للركبان إذا دقوا واشترى منهم قبل أن يهبطوا إلى السوق ويعلموا السعر وليس هاك شئ ابن $ خلف في شرط ولكن لما فيه من الغش‍ والتدليس ومنهم من قال الحديث صحيح لا اضطراب فيه ولا علة ولا نسخ وإنما هو أمرهم على صورة مخصوصة وهو ما إذا إشترى شاة بشرط أنها تحلب مثلا خمسة أرطال وشرط فيها الخيار فالشرط فاسد فإن اتفقا على اسقاطه في مدة الخيار صح العقد وأن لم يتفقا بطل العقد ووجب رد الصاع من التمر لأنه كان قيمة اللبن يومئذ وتعقب بان الحديث ظاهر في تعليق الحكم بالتصرية وما ذكره هذا القائل يقتضى تعليقه بفساد الشرط سواء وجدت التصرية أم لا فهو تأويل متعسف وأيضا فلفظ الحديث لفظ عموم وما ادعوه على تقدير تسليمه فرد من افراد ذلك العموم فيحتاج من ادعى قصر العموم عليه الدليل على ذلك ولا وجود له قال بن عبد البر هذا الحديث أصل في النهى عن الغش واصل في ثبوت الخيار لمن دلس عليه بعيب واصل في أنه لا يفسد أصل البيع واصل في أن مدة الخيار ثلاثة أيام واصل في تحريم التصرية وثبوت الخيار بها وقد روى أحمد وابن ماجة عن بن مسعود مرفوعا بيع المحفلات خلابة ولا تحل الخلابة لمسلم وفي إسناده ضعف وقد رواه بن أبي شيبة وعبد الرزاق موقوفا بإسناد صحيح وروى بن أبي شيبة من طريق قيس بن أبي حازم قال كان يقال التصرية خلابة وإسناده صحيح واختلف القائلون به في أشياء منها لو كان عالما بالتصرية هل يثبت له الخيار فيه وجه للشافعية ويرجح أنه لا يثبت رواية عكرمة عن أبي هريرة في هذا الحديث عند الطحاوي فإن يسير من اشترى مصراة ولم يعلم أنها مصراة الحديث ولو صار لبن المصراة عادة واستمر على كثرته هل له الرد فيه وجه لهم أيضا خلافا للحنابلة في المسالتين ومنها لو تحفلت بنفسها أو صرها المالك لنفسه ثم بدا له فباعها فهل يثبت ذلك الحكم فيه خلاف فمن نظر إلى المعنى أثبته لأن عقب مثبت للخيار ولا يشترط فيه تدليس للبائع ومن نظر إلى أن حكم التصرية خارج عن القياس خصه بمورده وهو حالة العمد فإن النهى إنما تناولها فقط ومنها لو كان الضرع مملوءا لحما وظنه المشترى لبنا فاشتراها على ذلك

[ 309 ]

ثم ظهر له أنه لحم هل يثبت له الخيار فيه وجهان حكاهما بعض المالكية ومنها لو اشترى غير مصراة ثم اطلع على شئ بها بعد حلبها فقد نص الشافعي على جواز الرد مجانا لأنه قليل غير معتنى بجمعه وقيل يرد بدل اللبن كالمصراة وقال البغوي يرد صاعا من تمر قوله حدثنا مسدد حدثنا معتمر سيأتي في باب النهى عن تلقى الركبان بعد سبعة أبواب عن مسدد عن يزيد بن زريع وكان الحديث عند مسدد عن شيخين فذكره المصنف عنه في موضعين وسياقه عن معتمر أتم قوله سمعت أبى هو سليمان التيمي وأبو عثمان هو النهدي ورجال الإسناد بصريون سوى الصحابي قوله قال من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعا من تمر ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تلقى البيوع هكذا رواه الأكثر عن معتمر بن سليمان موقوفا وأخرجه الاسماعيلي من طريق عبيد الله بن معاذ عن معتمر مرفوعا وذكر أن رفعه غلط ورواه أكثر أصحاب سليمان عنه كما هنا حديث المحفلة موقوف من كلام بن مسعود وحديث النهى عن التلقى مرفوع وخالفهم أبو خالد الأحمر عن سليمان التيمي فرواه بهذا الإسناد مرفوعا أخرجه الاسماعيلي وأشار إلى وهمه أيضا قوله فردها أي أراد ردها بقرينة قوله فليرد معها وأشار بحقيقة المعية أو تحمل المعية على البعدية فلا يحتاج الرد إلى تأويل وقد وردت مع بمعنى البعدية كقوله تعالى وأسلمت مع سليمان الآية قوله في رواية مالك لا تلقوا الركبان يأتي الكلام عليه بعد أبواب وعلى بيع الحاضر للبادي قريبا ومضى الكلام على البيع وعلى النجش ومضى الكلام على التصرية بما يغنى عن اعادته قوله باب أن شاء رد المصراة وفي حلبتها بسكون اللام على أنه اسم الفعل ويجوز الفتح على إرادة المحلوب وظاهره أن التمر مقابل للحلبة وزعم ابن حزم أن التمر في مقابلة الحلب لا في مقابلة اللبن لأن الحلبة حقيقة في الحلب مجاز في اللبن والحمل على الحقيقة أولي فلذلك قال يجب رد التمر واللبن معا وشذ بذلك عن الجمهور قوله حدثنا محمد بن عمرو كذا للأكثر غير منسوب ووقع في رواية عبد الرحمن الهمداني عن المستملى محمد بن عمرو بن جبلة وكذا قال أبو أحمد الجرجاني في روايته عن الفربري وفي رواية أبي على بن شبويه عن الفربري حدثنا محمد بن عمرو يعني بن جبلة واهمله الباقون وجزم الدارقطني بأنه محمد بن عمرو أبو غسان الرازي المعروف بزنيج وجزم الحاكم الكلا باذى بأنه محمد بن عمرو السواق البلخي والأول أولي والله أعلم قوله حدثنا المكى هو بن إبراهيم وهو من مشايخ البخاري وستاتى روايته عنه بلا واسطة في باب لا عمي حاضر لباد قوله أخبرني زياد هو ابن سعد الخراساني قوله أن ثابتا هو بن عياض وعبد الرحمن بن زيد مولاه من فوق أي بن الخطاب قوله من اشترى غنما مصراة فاحتلبها ظاهره أن صاع التمر متوقف على الحلب كما تقدم قوله ففي حلبتها صاع من تمر ظاهره أن صاع التمر في مقابل المصراة سواء كانت واحدة أو أكثر لقوله من اشترى غنما ثم قال ففي حلبتها صاع من تمر ونقله بن عبد البر عمن استعمل الحديث وابن بطال عن أكثر العلماء وابن قدامة عن الشافعية والحنابلة وعن أكثر المالكية يرد عن كل واحدة صاعا حتى قال المازري من المستبشع أن يغرم متلف لبن ألف شاة كما يغرم متلف لبن شاة واحدة وأجيب بان ذلك مغتفر بالنسبة إلى ما تقدم من أن الحكمة في اعتبار الصاع قطع النزاع فجعل حدا يرجع إليه عند التخاصم فاستوى القليل والكثير ومن المعلوم

[ 310 ]

أن لبن الشاة الواحدة أو الناقة الواحدة يختلف اختلافا متباينا ومع ذلك فالمعتبر الصاع سواء قل اللبن أم كثر فكذلك هو معتبر سواء قلت المصراة أو كثرت والله تعالى أعلم قوله باب بيع العبد الزانى أي جوازه مع بيان عيبه قوله وقال شريح أن شاء رد من الزنا وصله سعيد بن منصور ومن طريق بن سيرين أن رجلا اشترى من رجل جارية كانت فجرت ولم يعلم بذلك المشترى فخاصمه إلى شريح فقال أن شاء رد من الزنا وإسناده صحيح ثم أورد المصنف في الباب حديث إذا زنت الأمة فليجلدها الحديث أورده من الوجهين وشاهد الترجمة منه قوله في آخره فليبعها ولو بحبل من شعر فإنه يدل على جواز بيع الزاني ويشعر بان الزنا شئ في المبيع لقوله ولو بحبل من شعر وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الحدود أن شاء الله تعالى قال بن بطال فائدة الأمر ببيع الأمة الزانية المبالغة في تقبيح فعلها والاعلام بان الأمة الزانية لا جزاء لها الا البيع أبدا وإنها لا تبقى عند سيد زجرا لها عن معاودة الزنا ولعل ذلك يكون سببا لأعفافها أما أن يتزوجها المشترى أو يعفها بنفسه أو يصونها بهيبته قوله باب الشراء والبيع مع النساء أورد في حديث عائشة وابن عمر في قصة شراء بريرة وسيأتي الكلام عليه مستوفى في الشروط أن شاء الله تعالى وشاهد الترجمة منه قوله ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله لاشعاره بان قصة المبايعة كانت مع رجال وكان الكلام في هذا مع عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وقوله في آخر حديث بن عمر قلت لنافع الخ هو قول همام الراوي عنه وسيأتي ذكر الاختلاف في زوج بريرة هل كان حرا أو عبدا في كتاب النكاح أن شاء الله تعالى وحسان أول السند وقع عند المستملى بن أبي عباد وعند غيره حسان بن حسان وهما واحد قوله باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجرا وهل يعينه أو ينصحه قال بن المنير وغيره حمل المصنف النهى عن بيع الحاضر للبادي على معنى خاص وهو البيع بالأجر أخذا من تفسير بن عباس وقوى ذلك بعموم أحاديث الدين النصيحة لأن الذي يبيع بالأجرة لا يكون غرضه نصح البائع غالبا وإنما غرضه تحصيل الأجرة فاقتضى ذلك إجازة بيع الحاضر للبادي بغير اجرة من باب النصيحة قلت ويؤيده ما سيأتي في بعض طرق الحديث المعلق أول أحاديث الباب وكذلك ما أخرجه أبو داود من طريق سالم المكي أن أعرابيا حدثه أنه قدم بحلوبة له على طلحة بن عبيد الله فقال له أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع حاضر لباد ولكن أذهب إلى السوق فأنظر من يبايعك فشاورني حتى أمرك وأنهاك قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له هو طرف من حديث وصله أحمد من حديث عطاء بن السائب عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه حدثني أبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإذا استنصح الرجل الرجل فلينصح له ورواه البيهقي من طريق عبد الملك بن عمير عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا مثله وقد أخرجه

[ 311 ]

مسلم من طريق أبي خيثمة عن الزبير بلفظ لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض قوله ورخص فيه عطاء أي في بيع الحاضر للبادي وصله عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الله بن عثمان أي بن خثيم عن عطاء بن أبي ارباح قال سألته عن أعرابي أبيع له فرخص لي وأما ما رواه سعيد بن منصور من طريق أن أبي نجيح عن مجاهد قال إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد لأنه أراد أن يصيب المسلمون غرتهم فأما اليوم فلا بأس فقال عطاء لا يصلح اليوم فقال مجاهد ما أرى أبا محمد الا لو أتاه ظئر له من أهل البادية الا سيبيع له فالجمع بين الكلب عن عطاء عن يحمل قوله هذا على كراهة التنزيه ولهذا نسب إليه مجاهد ما نسب وأخذ بقول مجاهد في ذلك أبو حنيفة وتمسكوا بعمود قوله صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة وزعموا أنه ناسخ لحديث النهى وحمل الجمهور حديث الدين النصيحة على عمومه الا في بيع الحاضر للبادئ فهو خاص فيقضى على العام والنسخ لا يثبت بالاحتمال وجمع البخاري بينهما بتخصيص النهى بمن يبيع له بالأجرة كالسمسار وما من ينصحه فيعلمه بان السعر كذا مثلا فلا يدخل في النهى عنده والله أعلم ثم أورد المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث جرير في النصح لكل مسلم وقد تقدم في الكلام عليه في آخر كتاب الإيمان والثاني حديث بن عباس قوله حدثنا عبد الواحد هو بن زياد قوله لا تلقوا الركبان زاد الكشميهني في روايته للبيع وسيأتي الكلام عليه قريبا قوله لا يكون له سمسارا بمهملتين هو في الأصل القيمم بالأمر والحافظ له ثم استعمل متولى البيع والشراء لغيره وفي هذا التفسير تعقب على من فسر الحاضر بالبادى بان المراد نهى الحاضر أن يبيع للبادي في زمن الغلاء شيئا يحتاج إليه أهل البلد فهذا مذكور في كتب الحنفية وقال غيرهم صورته أن يجئ البلد غريب بسلعته يريد بيعها بسعر الوقت في الحال فيأتيه بلدي فيقول له ضعفه عندي لابيعه لك على التدريج باغلى من هذا السعر فجعلوا الحكم منوطا بالبادى ومن شاركه في معناه قال وأنا ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب فالحق به من يشاركه في عدم معرفة السعر الحاضر واضرار أهل البلد بالإشارة عليه بان لا يبادر بالبيع وهذا تفسير الشافعية والحنابلة وجعل المالكية ابداوس قيدا وعن مالك لا يلتحق بالدوى في ذلك الا من كان يشبهه قال فأما أهل القرى الذين يعرفون اثمان السلع والاسواق فليسوا داخلين في ذلك قال بن المنذر اختلفوا في هذا النهى فالجمهور أنه على التحريم بشرط العلم بالنهي وأن يكون المتاع المجلوب مما يحتاج إليه وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي فلو عرضه البدوي على الحضري لم يمنع وزاد بعض الشافعية عمود الحاجة وأن يظهر يبيع ذلك السماع السعة في تلك البلد قال بن دقيق العيد أكثر هذه الشروط تدور بين أتباع المعنى أو اللفظ والذي ينبغي أن ينظر في المعنى إلى الظهور والخفاء فحيث يظهر يخصص النص أو يعمم وحيث يخفى فأتباع اللفظ أولي فأما اشتراط أن يلتمس البلدي ذلك فلا يقوي لعدم دلالة اللفظ عليه وعدم ظهور المعنى فيه فإن كلاهما الذي علل به النهى لا يفترق الحال فيه بين سؤال البلدي وعدمه وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه فمتوسط بين الظهور وعدمه وأما اشتراط ظهور السعة فكذلك أيضا لاحتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت الربع والرزق على أهل البلد وأما اشتراط العلم بالنهي فلا اشكال فيه وقال السبكي شرط حاجة الناس إليه

[ 312 ]

معتبر ولم يذكر جماعة عمومها وإنما ذكره الرافعي تبعا للبغوي ويحتاج إلى دليل واختلفوا أيضا فيما إذا وقع البيع مع وجود الشروط المذكورة هو يصح مع التحريم أو لا يصح على القاعدة المشهورة قوله باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر وبه قال بن عباس أي حيث فسر ذلك بالسمسار كما في الحديث الذي قبله قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد كذا أورده من حديث بن عمر ليس فيه التقييد بالأجر كما في الترجمة قال بن بطال أراد المصنف أن بيع الحاضر للبادي لا يجوز بأجر ويجوز بغير أجرا واستدل على ذلك بقول بن عباس وكأنه قيد به مطلق حديث بن عمر قال وقد أجاز الأوزاعي أن يشير الحاضر على البادي وقال ليست الإشارة بيعا وعن الليث وأبي حنيفة لا يشير عليه لأنه إذا أشار عليه فقد باعه وعند الشافعية في ذلك وجهان والراجح منهما الجواز لأنه إنما نهى عن البيع له وليست الإشارة بيعا وقد ورد الأمر بنصحه فدل على جواز الإشارة تربيه حديث بن عمر فرد غريب لم أره الا من رواية أبي على الحنفي عن عبد الرحمن بن دينار وقد ضاق مخرجه على الاسماعيلي وعلى أبي نعيم فلم يخرجاه الا من طريق البخاري وله أصل من حديث بن عمر أخرجه الشافعي عن مالك عن نافع عن بن عمر وليس هو في الموطأ قال البيهقي عدوه في افراد الشافعي وقد تابعه القعنبي عن مالك ثم ساقه بإسنادين قوله باب لا عمي حاضر لباد بالسمسرة أي قياسا على البيع له أو استعمالا للفظ البيع في البيع والشراء قال بن حبيب المالكي الشراء للبادي مثل البيع ولقوله عليه الصلاة والسلام لا يبيع بعضكم على بعض فإن معناه الشراء وعن مالك في ذلك روايتان قوله وكرهه بن سيرين وإبراهيم للبائع والمشترى أما قول بن سيرين فوصله أبو عوانة في صحيحه من طريق سلمة بن علقمة عن بن سيرين قال لقيت أنس بن مالك فقلت لا يبيع حاضر لباد انهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم قال نعم قال محمد وصدق أنها كلمة جامعة وقد أخرجه أبو داود من طريق أبي بلال عن بن سيرين عن أنس بلفظ كان يقال لا يبيع حاضر لباد وهي كلمة جامعة لا يبيع له شيئا ولا يبتاع له شيئا وأما إبراهيم فهو النخعي فلم اقف عنه كذلك صريحا قوله قال إبراهيم أن العرب تقول بع لي ثوبا وهي تعني الشراء هذا قاله إبراهيم استدلالا لما ذهب إليه من التسوية بين البيع والشراء في الكراهة ثم ذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث أبي هريرة قوله عن بن شهاب في رواية الاسماعيلي عن طريق أبي عاصم عن بن جريج أخبرني بن شهاب قوله لا يبتع المرء كذا للأكثر وللكشميهني لا يبتاع وهو خبر بمعنى النهى وقد تقدم البحث فيه قبل بأبواب وكذا على قوله ولا تناجشوا ثانيهما حديث أنس قوله عن محمد هو بن سيرين قوله نهينا أن يبيع حاضر لباد زاد مسلم والنسائي من طريق يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين عن أنس وأن كان أخاه أو أباه ورواه أبو داود والنسائي من وجه آخر عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وعرف بهذه الرواية أن الناهي المبهم في الرواية الأولى هو النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقوي المذهب الصحيح أن لقول الصحابي نهينا عن كذا حكم الرفع وأنه في قوة قوله قال النبي صلى الله عليه وسلم قوله باب النهى عن تلقى الركبان وأن بيعه مردود لأن صاحبه عاص آثم إذا كان به عالما وهو خداع في البيع والخداع لا يجوز جزم المصنف بأن البيع مردود بناء على أن

[ 313 ]

النهى يقتضى الفساد لكن محل ذلك عند المحققين فيما يرجع إلى ذات المنهي عنه لا ما إذا كان يرجع إلى أمر خارج عنه فيصبح البيع ويثبت الخيار بشرطه الاتى ذكره وأما كون صاحبه عاصيا آثما والاستدلال عليه بكونه خداعا فصحيح ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون البيع مردود لأن النهى لا يرجع إلى نفس العقد ولا يخل بشئ من أركانه وشرائطه وإنما هو لدفع الاضرار بالركبان والقول ببطلان البيع صار إليه بعض المالكية وبعض الحنابلة ويمكن أن يحمل قول البخاري أن البيع مردود على ما إذا أختار البائع رده فلا يخالف الراجح وقد تعقبه الاسماعيلي والزمه التناقض ببيع المصراة فإن فيه خداعا ومع ذلك لم يبطل البيع وبكونه فصل في بيع الحاضر للبادي بين أن يبيع له بأجر أو بغير أجرا واستدل عليه أيضا بحديث حكيم ابن حزام الماضي في بيع الخيار ففيه فإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما قال فلم يبطل بيعهما بالكذب والكتمان للعيب وقد ورد بإسناد صحيح أن صاحب السلعة إذا باعها لمن تلقاه يصير بالخيار إذا دخل السوق ثم ساقه من حديث أبي هريرة قال بن المنذر أجاز أبو حنيفة التلقى وكرهه الجمهور قلت الذي في كتب الحنفية يكره التلقى في حالتين أن يضر بأهل البلد وأن يلتبس السعر على الواردين ثم اختلفوا فقال الشافعي من تلقاء فقد أساء المنكر السلعة بالخيار وحجته حديث أيوب عن بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تلقى الجلب فإن تلقاه فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق قلت وهو حديث أخرجه أبو داود والترمذي وصححه بن خزيمة من طريق أيوب أخرجه مسلم من طريق هشام عن بن سيرين بلفظ لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار وقوله فهو بالخيار أي إذا قدم السوق بعدم السعر وهل يثبت له مطلقا أو بشرط أن يقع له في البيع غبن وجهان أصحهما الأول وبه قال الحنابلة وظاهره أيضا أن النهى لأجل منفعة البائع وإزالة الضرر عنه وصيانته ممن يخدعه قال بن المنذر وحمله مالك على نفع أهل السوق لا على نفع رب السلعة وإلى ذلك جنح الكوفيون والأوزاعي قال والحديث حجة للشافعي لأنه أثبت الخيار للبائع لا لأهل السوق انتهى واحتج مالك بحديث بن عمر المذكور في آخر الباب وسيأتي الكلام على ذلك وقد ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث أولها حديث أبي هريرة قوله حدثنا عبد الوهاب هو بن عبد المجيد الثقفي قوله عن سعيد بن أبي سعيد هو المقبري قوله عن التلقى ظاهره منع التلقى مطلقا سواء كان قريبا أم بعيدا سواء كان لأجل الشراء منهم أم لا وسيأتى البحث فيه ثانيها حديث بن عباس قوله حدثنا عبد الأعلى هو بن عبد الأعلى قوله سألت بن عباس كذا رواه مختصرا وليس فيه للتلقى ذكر وكأنه أشار على عادته إلى أصل الحديث فقد سبق قبل بابين من وجه آخر عن معمر وفي أوله لا تلقوا الركبان وكذا أخرجه مسلم من وجه آخر عن معمر والقول في حديث بن عباس كالقول في حديث أبي هريرة وقوله لا تلقوا الركبان خرج مخرج الغالب في أن من يجلب الطعام يكونون عددا ركبانا ولا مفهوم له بل لو كان الجالب عددا مشاة أو واحدا راكبا أو ماشيا لم يختلف الحكم وقوله للبيع يشمل البيع لهم والبيع منهم ويفهم منه اشتراط قصد ذلك بالتلقى فلو تلقى الركبان أحد السلام أو الفرجة أو خرج لحاجة له فوجدهم فبايعهم هل يتناوله النهى فيه احتمال فمن نظر إلى المعنى لم يفترق عنده الحكم بذلك وهو الأصح عند الشافعية وشرط بعض الشافعية في النهى أن يبتدئ

[ 314 ]

المتلقى فيطلب من الجالب البيع فلو ابتدا الجالب بطلب البيع فاشترى منه المتلقى لم يدخل في النهى وذكر إمام الحرمين في صورة التلقى المحرم أن يكذب في سعر البلد ويشترى منهم بأقل من ثمن المثل وذكر المتولي فيها أن يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول وذكر أبو إسحاق الشيرازي أن يخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم وقد يؤخذ من هذه التقييدات اثبات الخيار لمن وقعت له ولو لم يكون هناك تلقى لكن صرح الشافعية أن كون اخباره كذبا ليس شرطا لثبوت الخيار وإنما يثبت له الخيار إذا ظهر الغبن فهو المعتبر وجودا وعدما ثالثها حديث بن مسعود وقد مضى الكلام عليه في المصراة والغرض منه هنا قوله ونهى عن تلقى البيوع فإنه يقتضى تقييد النهى المطلق في التلقى بما إذا كان لأجل المبايعة رابعها حديث بن عمر وسيأتى الكلام عليه في الباب الذي بعده فدلت الطريقة الثالثة وهي في الباب الذي يليه من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع أن الوصول إلى أول السوق لا يلقى حتى يدخل السوق وإلى هذا ذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وغيرهم وصرح جماعة من الشافعية بان منتهى النهى عن التلقى لا يدخل البلد سواء وصل إلى السوق أم لا وعند المالكية في ذلك اختلاف كثير في حد التلقى قوله ولا تلقوا السلع بفتح أوله واللام وتشديد القاف المفتوحة وضم الواو أي تتلقوا فحذفت إحدى التاءين ثم أن مطلق النهى عن التلقى يتناول المريض المسافة وقصرها وهو ظاهر إطلاق الشافعية وقيد المالكية محل النهى بحد مخصوص ثم اختلفوا فيه فقيل ميل وقيل فرسخان وقيل يومان وقيل مسافة القصر وهو قول الثوري وأما ابتداؤها فسيأتي البحث فيه في الباب الذي بعده قوله باب منتهى التلقى أي وابتدائه وقد ذكرنا أن الظاهر أنه لا حد لانتهائه من جهة الجالب وأما من جهة المتلقى فقد أشار المصنف بهذه الترجمة إلى أن ابتداءه الخروج من السوق أخذا من قول الصحابي إنهم كانوا يتبايعون بالطعام في أعلى السوق فيبيعونه في مكانه فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه ولم ينههم عن التبايع في أعلى السوق فدل على أن التلقى إلى أعلى السوق جائز فإن خرج عن السوق ولم يخرج من البلد فقد صرح الشافعية بأنه لا يدخل في النهى وحد ابتداء التلقى عندهم الخروج من البلد والمعنى فيه إنهم إذا قدموا البلد امكنهم معرفة السعر وطلب الحظ لأنفسهم فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصيرهم وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر والمعروف عند المالكية اعتبار السوق مطلقا كما هو ظاهر الحديث وهو قول أحمد وإسحاق وعن الليث كراهة التلقى ولو في الطريق ولو على باب البيت حتى الخطبة السلعة السوق قوله قال أبو عبد الله هو المصنف قوله هذا في أعلى السوق أي حديث جويرية عن نافع بلفظ كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام الحديث قال البخاري وبينه حديث عبيد الله بن عمر يعني عن نافع أي حيث قال كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق الحديث مثله وأراد البخاري بذلك الرد على من استدل به على جواز تلقى الركبان لإطلاق قول بن عمر كنا نتلقى الركبان ولا دلالة فيه لأن معناه إنهم كانوا يتلقونهم في أعلى السوق كما في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع وقد صرح مالك في روايته عن نافع بقوله ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها السوق فدل على أن التلقى الذي لم ينه عنه إنما هو ما بلغ السوق والحديث يفسر بعضه بعضا وادعى الطحاوي التعارض في هاتين الكلب وجمع بينهما بوقوع كلاهما لأصحاب السلع وعدمه قال فيحمل حديث النهى على ما إذا حصل الضرر

[ 315 ]

وحديث الإباحة على ما إذا لم يحصل ولا يخفى رجحان الجمع الذي جمع به البخاري والله اعلم تنبيه وقع قول البخاري هذا في أعلى السوق عقب رواية عبيد الله بن عمر في رواية أبي ذر ووقع في رواية غيره عقب حديث جويرية وهو الصواب قوله باب إذا اشترط في البيع شروطا لا تحل أي هل يفسد البيع بذلك أم لا أورد فيه حديثي عائشة وابن عمر في قصة بريرة وكأن غرضه بذلك أن النهى يقتضى الفساد فيصح ما ذهب إليه من أن النهى عن تلقى الركبان يرد به البيع وسيأتى الكلام عليه في كتاب الشروط أن شاء الله تعالى قوله باب بيع التمر بالتمر أورد فيه حديث عمر مختصرا وسيأتى الكلام عليه بعد باب قوله باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام ذكر فيه حديث بن عمر في النهى عن المزابنة من طريقين وسيأتى الكلام عليه بعد خمسة أبواب وفي الطريق الثانية حديث بن عمر عن زيد بن ثابت في العرايا وسيأتى الكلام عليه بعد سبعة أبواب وذكر في الترجمة الطعام بالطعام وليس في الحديث الذي ذكره للطعام ذكر وكذلك ذكر فيها الزبيب بالزبيب والذي في الحديث الزبيب بالكرم قال الاسماعيلي لعله أخذ ذلك من جهة المعنى قال ولو ترجم للحديث ببيع التمر في رؤوس الشجر بمثله من جنسه يابسا لكان أولي انتهى ولم يخل البخاري بذلك كما سيأتي بعد ستة أبواب وأما هنا فكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه من ذكر الطعام وهو في رواية الليث عن نافع كما سيأتي أن شاء الله تعالى وروى مسلم من حديث معمر بن عبد الله مرفوعا الطعام بالطعام مثلا بمثل قوله باب بيع الشعير بالشعير أي ما حكمه قوله أنه التمس صرفا بفتح الصاد المهملة أي من الدراهم بذهب كان معه وبين ذلك الليث في روايته عن بن شهاب ولفظه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال أقبلت أقول من يصطرف الدراهم قوله فتراوضنا بضاد غدا أي تجارينا الكلام في قدر العوض بالزيادة والنقص كان كلا منهما كان يروض صاحبه ويسهل خلقه وقيل المراوضة هنا المواصفة بالسلعة وهو أن يصف كل منهما سلعته لرفيقه قوله فأخذ الذهب يقلبها أي الذهبة والذهب يذكر ويؤنث فيقال ذهب وذهبة أو يحمل على أنه ضمن الذهب معنى العدد المذكور وهو المائة فأنثه لذلك وفي رواية الليث فقال طلحة إذا جاء خادمنا نعطيك ورقك ولم اقف على تسمية الخازن الذي أشار إليه طلحة قوله من الغابة بالغين المعجمة وبعد الألف موحدة يأتي شرح أمرها في أو اخر الجهاد في قصة

[ 316 ]

تركة الزبير بن العوام وكان طلحة كان له بها مال من نخل وغيره وأشار إلى ذلك بن عبد البر قوله حتى تأخذ منه أي عوض الذهب في رواية الليث والله لتعطينه ورقة أو لتردن إليه ذهبه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكره قوله الذهب بالورق ربا قال بن عبد البر لم يختلف على مالك فيه وحمله عنه الحفاظ حتى رواه يحيى بن أبي كثير عن الأوزاعي عن مالك وتابعه معمر والليث وغيرهما كذلك رواه الحفاط عن بن عيينة وشذ أبو نعيم عنه فقال الذهب بالذهب وكذلك رواه ابن إسحاق عن الزهري ويجوز في قوله الذهب الورق الرفع أي بيع الذهب بالورق فحذف المضاف للعلم به أو المعنى الذهب يباع بالذهب ويجوز النصب أي بيعوا الذهب والذهب يطلق على جميع انواعه المضروبة وغيرها والورق الفضة وهو بفتح الواو وكسر الراء وباسكانها على المشهور ويجوز فتحهما وقيل بكسر الواو المضروبة وبفتحها المال والمراد هنا جميع يجري الفضة مضروبة وغير مضروبة قوله الا هاء وهاء بالمد فيهما وفتح الهمزة وقيل بالكسر وقيل بالسكون وحكى القصر بغير همز وخطاها الخطابي ورد عليه النووي وقال هي صحيحة لكن قليلة والمعنى خذ وهات وحكى هاك بزيادة كاف مكسورة ويقال هاء بكسر الهمزة بمعنى هات وبفتحها بمعنى خذ بغير تنوين وقال بن الأثير هاء وهاء هو أن يقول كل واحد من البيعين هاء فيعطيه ما في يده كالحديث الآخر الا يدا بيد يعني مقابضة في المجلس وقيل معناه خذ وأعط قال وغير الخطابي يجيز فيها السكون على حذف العوض ويتنزل منزلة ها التي للتنبيه وقال بن مالك ها اسم فعل بمعنى خذ وأن وقعت بعد الا فيجب تقدير قول قبله يكون به محكيا فكأنه قيل ولا الذهب بالذهب الا مقولا عنده من المتبايعين هاء وهاء وقال الخليل كلمة تستعمل عند المناولة والمقصود من قوله هاء وهاء ان يقول كل واحد من المتعاقدين لصاحبه هاء فيتقابضان في المجلس قال بن مالك حقها أن لا أنكر بعد الا كما لا يقع بعدها خذ قال فالقدير لا تبيعوا الذهب بالورق الا مقولا بين المتعاقدين هاء وهاء واستدل به على اشتراط التقابض في الصرفى المجلس وهو قول أبي حنيفة والشافعي وعن مالك لا يجوز الصرف الا عند الإيجاب بالكلام ولو انتقلا من ذلك الموضع إلى آخر لم يصح تقابضهما ومذهبه أنه لا يجوز عنده تراخى القبض في الصرف سواء كانا في المجلس أو تفرقا وحمل قوله عمر لا يفارقه على الفور حتى لو آخر الصير في القبض حتى يقوم إلى قعو دكانه ثم يفتح صندوقه لما جاز قوله البر بالبر بضم الموحدة ثم راء من أسماء الحنطة والشعير بفتح أوله معروف وحكى جواز كسره واستدل به على أن البر والشعير صنفان وهو قول الجمهور وخالف في ذلك مالك والليث والأوزاعي فقالوا هما صنف واحد قال بن عبد البر في هذا الحديث أن الكبير يلي البيع والشراء لنفسه وأن كان له وكلاء واعوان يكفونه وفيه المماكسة في البيع والمراوضة وتقليب السلعة وفائدته الأمن من الغبن وأن من العلم ما يخفى على الرجل الكبير القدر حتى يذكره غيره وأن الإمام إذا سمع أو رأى شيئا لا يجوز ينهى عنه ويرشد إلى الحق وأن من أفتي بحكم حسن أن يذكر دليله وأن يتفقد أحوال رعيته ويهتم بمصالحهم وفيه اليمين لتاكيد الخبر وفيه الحجة بخبر الواحد وأن الحجة على من خالف في حكم من الأحكام التي في كتاب الله أو حديث رسوله وفيه أن النسيئة لا تجوز في بيع الذهب بالورق وإذا لم يجز فيهما مع تفاضلهما بالنسيئة فأحرى أن لا يجوز في الذهب بالذهب وهو جنس واحد وكذا الورق بالورق يعني إذا لم تكن رواية بن إسحاق ومن تابعه محفوظة فيؤخذ الحكم من دليل الخطاب وقد نقل بن عبد البر وغيره الإجماع على هذا

[ 317 ]

الحكم أي التسوية في المنع بين الذهب بالذهب وبين الذهب بالورق فيستغني حينئذ بذلك عن القياس قوله باب بيع الذهب بالذهب تقدم حكمة في الباب الذي قبله وذكر المصنف فيه حديث أبي بكرة ثم أورده بعد ثلاثة أبواب من وجه آخر عن يحيى بن أبي إسحاق ورجال الإسنادين بصريون كلهم وأخذ حكم بيع الذهب بالورق من قوله وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم وفي الرواية الأخرى وامرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا الحديث وسيأتى الكلام عليه قوله باب بيع الفضة بالفضة تقدم حكمه أيضا قوله حدثني عبيد الله بن سعد زاد في رواية المستملى وهو بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف وابن أخي الزهري هو محمد بن عبد الله بن مسلم قوله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن أبا سعيد الخدري حدثه مثل ذلك حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه عبد الله بن عمر يا أبا سعيد ما هذا الذي تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو سعيد في الصرف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكر الحديث هكذا ساقه وفيه اختصار وتقديم وتأخير وقد أخرجه الاسماعيلي من وجهين عن يعقوب بن إبراهيم شيخ شيخ البخاري فيه بلفظ أن أبا سعيد حدثه حديثا مثل حديث عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصرف فقال أبو سعيد فذكره فظهر بهذه الرواية معنى قوله مثل ذلك أي مثل حديث عمر أي حديث عمر الماضي قريبا في قصة طلحة بن عبيد الله وتكلف الكرماني هنا فقال قوله مثل ذلك أي مثل حديث أبي بكرة في وجوب المساواة ولو وقف على رواية الاسماعيلي لما عدل عنها وقوله فلقيه عبد الله أي بعد أن كان سمع منهم الحديث فأراد أن يستثبته فيه وقد وقع لأبي سعيد مع بن عمر في هذا الحديث قصة وهي هذه ووقعت له فيه مع بن عباس قصة أخرى كما في الباب الذي بعده فأما قصته مع بن عمر فانفرد بها البخاري من طريق سالم وأخرجها مسلم من طريق الليث عن نافع ولفظه أن بن عمر قال له رجل من بني ليث أن أبا سعيد الخدري ياثر هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نافع فذهب عبد الله وأنا معه والليث حتى دخل على أبي سعيد الخدري فقال أن هذا أخبرني انك تخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الورق بالورق الا مثل بمثل الحديث فأشار أبو سعيد بأصبعه إلى عينيه وأذنيه فقال أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تبيعوا الورق بالورق الا مثلا بمثل الحديث ولمسلم من طريق أبي نضرة في هذه القصة لابن عمر مع أبي سعيد أن بن عمر نهى عن ذلك بعد أن كان أفتي به لما حدثه أبو سعيد بنهي النبي صلى الله عليه وسلم وأما قصة أبي سعيد مع بن عباس فسأذكرها في الباب الذي يليه قوله في الرواية الأولى الذهب بالذهب يجوز في الذهب الرفع والنصب وقد تقدم توجيهه ويدخل في الذهب جميع أصنافه من مضروب ومنقوش وجيد وردئ وصحيح ومكسر وحلى وتبر وخالص ومغشوش ونقل النووي تبعا لغيره في ذلك الإجماع قوله مثل بمثل كذا في رواية أبي ذر بالرفع ولغير أبي ذر بمثل وهو الحدود في موضع الحال أي لذهب يباع بالذهب موزونا بموزون أو الحدود مؤكد أي يوزن وزنا بوزن وزاد مسلم في رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه الا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء قوله ولا تشفوا بضم أوله وكسر الشين المعجمة وتشديد الفاء أي تفضلوا وهو رباعى من اشف والشف بالكسر الزيادة

[ 318 ]

وتطلق على النقص قوله ولا تبيعوا منها غائبا بناجز بنون وجيم وزاى مؤجلا بحال أي المراد بالغائب أعم من المؤجل كالغائب عن المجلس مطلقا مؤجلا كان أو حالا والناجز الحاضر قال ابن بطال فيه حجة للشافعي في قوله من كان له على رجل دراهم ولآخر عليه دنانير لم يجز أن يقاص أحدهما الآخر بما له لأنه يدخل في معنى بيع الذهب بالورق دينا لأنه إذا لم يجز غائب بناجز فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب وأما الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن عن بن عمر قال كنت أبيع الإبل بالبقيع أبيع بالدنانير وأخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وأخذ الدنانير فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لا بأس به إذا كان يومه ولم تفترقا وبينكما شئ فلا يدخل في بيع الذهب بالورق دينا لأن النهى يقبض الدراهم عن الدنانير لم يقصد إلى التأخير في الصرف قاله ابن بطال واستدل بقوله مثلا بمثل على بطلان البيع بقاعدة الفساد عجوة وهو أن يبيع مدعجوة ودينارا بدينارين مثلا وأصرح من ذلك في الاستدلال على المنع حديث فضالة بن عبيد عند مسلم في رد البيع في القلادة التي فيها خرز وذهب حتى تفصل أخرجه مسلم وفي رواية أبي داود فقلت إنما أردت الحجارة فقال لا حتى تميز بينهما قوله باب بيع الدينار بالدينار نساء بفتح النون المهملة والمد والتنوين منصوبا أي مؤجلا مؤخرا يقال أنساه نساء ونسيئة قوله الضحاك بن مخلد هو أبو عاصم شيخ البخاري وقد حدث في مواضع عنه بواسطة كهذا الموضع قوله سمع أبا سعيد الخدري يقول الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم كذا وقع في هذه الطريق وقد أخرجه مسلم من طريق بن عيينة عن عمرو بن دينار فزاد فيه مثلا بمثل من زاد أو ازداد فقد أربى قوله أن بن عباس لا يقوله في رواية مسلم يقول غير هذا قوله فقال أبو سعيد سألته في رواية مسلم لقد لقيت بن عباس فقلت له قوله فقال كل ذلك لا أقول بنصب كل على أنه مفعول مقدم وهو في المعنى وكما قوله عليه الصلاة والسلام في حديث ذي اليدين كل ذلك لم يكن فالمنفى هو المجموع وفي رواية مسلم فقال لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا وجدته في كتاب الله عز وجل ولمسلم من طريق عطاء أن أبا سعيد لقي بن عباس فذكر نحوه وفيه فقال كل ذلك لا أقول أما رسول الله فانتم أعلم به وأما كتاب الله فلا أعلمه أي لا أعلم هذا الحكم فيه وإنما قال لأبي سعيد أنتم أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم مني لكون أبي سعيد وانظاره كانوا أسن منه وأكثر ملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي السياق دليل على أن أبا سعيد وابن عباس متفقان على أن الأحكام الشرعية لا تطلب الا من الكتاب أو السنة قوله لا ربا الا في النسيئة في رواية مسلم الربا في النسيئة وله من طريق عبيد الله بن أبي يزيد وعطاء جميعا عن بن عباس إنما الربا في النسيئة زاد في رواية عطاء الا إنما الربا وزاد في رواية طاوس عن بن عباس لا ربا فيما كان يدا بيد وروى مسلم من طريق أبي نضرة قال سألت بن عباس عن الصرف فقال ايدا بيد قلت نعم قال فلا بأس فأخبرت أبا سعيد فقال أو قال ذلك أن سنكتب إليه فلا يفتيكموه وله من وجه آخر عن أبي نضرة سألت بن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا فإني لقاعد عند أبي سعيد فسألته عن الصرف فقال ما زاد فهو الربا فأنكرت ذلك لقولهما فذكر الحديث قال فحدثني أبو الصهباء أنه سأل بن عباس عنه بمكة فكرهه والصرف بفتح المهملة دفع ذهب وأخذ فضة وعكسه وله شرطان مع النسيئة مع اتفاق النوع واختلافه وهو المجمع عليه

[ 319 ]

ومنع التفاضل في النوع الواحد منهما وهو قول الجمهور وخالف فيه بن عمر ثم رجع وابن عباس واختلف في رجوعه وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي وهو بالمهملة والتحتانية سألت أبا مجلز عن الصرف فقال كان بن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه عينا بعين يدا بيد وكان يقول إنما الربا في النسيئة فلقيه أبو سعيد فذكر القصة والحديث وفيه التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يدا بيد مثلا بمثل فمن زاد فهو ربا فقال بن عباس استغفر الله وأتوب إليه فكان ينهى عنه أشد النهى واتفق العلماء على صحة حديث أسامة واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد فقيل منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال وقيل المعنى في قوله لا ربا الربا الاغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب لا عالم في البلد الا زيد مع أن فيها علماء غيره وإنما القصد نفى الاكمل لا نفى الأصل وأيضا فنفى تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر كما تقدم والله أعلم وقال الطبري معنى حديث أسامة لا ربا الا في النسيئة إذا اختلفت يجري البيع والفضل فيه يدا بيد ربا جمعا بينه وبين حديث أبي سعيد تنبيه وقع في نسخه الصغاني هنا قال أبو عبد الله يعني البخاري سمعت سليمان بن حرب يقول لا ربا الا في النسيئة هذا عندنا في الذهب بالورق والحنطة بالشعير متفاضلا ولا بأس به يدا بيد ولا خير فيه نسيئة قلت وهذا موافق وفي قصة أبي سعيد مع بن عمر ومع بن عباس أن العالم يناظر العالم ويوقفه على معنى قوله ويرده من الاختلاف إلى الاجتماع ويحتج عليه بالأدلة وفيه إقرار الصغير للكبير بفضل التقدم قوله باب بيع الورق بالذهب نسيئة البيع كله أما بالنقد أو بالعرض حالا أو مؤجلا فهي أربعة أقسام فبيع النقد أما بمثله وهو المراطلة وا بنقد غيره وهو الصرف وبيع العرض بنقد يسمى النقد ثمنا والعرض عرضا وبيع العرض بالعرض يسمى مقابضة والحلول في جميع ذلك جائز وأما التأجيل فإن كان النقد بالنقد مؤخرا فلا يجوز وأن كان العرض جاز وأن كان العرض مؤخرا فهو السلم وأن كان مؤخرين فهو بيع الدين بالدين وليس بجائز الا في الحوالة عند من يقول أنها بيع والله أعلم قوله عن الصرف أي بيع الدراهم بالذهب أو عكسه وسمي به لصرفه عن مقتضى البيعات من جواز التفاضل فيه وقيل من بحوش وهو تصويتهما في الميزان وسيأتي في أوائل الهجرة من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال باع شريك لي دراهم أي بذهب في السوق نسيئة فقلت سبحان الله أيصلح هذا فقال لقد بعتها في السوق فما عابه على أحد فسالت البراء بن عازب فذكره قوله هذا خير منى في رواية سفيان المذكورة قال فالق زيد بن أرقم ولأتباعه فإن كان أعظمنا تجارة فسألته فذكره وفي رواية القدرة في مسنده من هذا الوجه عن سفيان فقال صدق البراء وقد تقدم في باب التجارة في البر من وجه آخر عن أبي المنهال بلفظ أن كان يدا بيد فلا بأس وأن كان نسيئا فلا يصلح وفي الحديث ما كان عليه الصحابة من التواضع وانصاف بعضهم بعضا ومعرفة أحدهم حق الآخر واستظهار العالم في الفتيا بنظيره في العلم وسيأتي بعد الكلام على هذا الحديث في الدوري أن شاء الله تعالى قوله باب بيع الذهب بالورق يدا بيد ذكر فيه حديث أبي بكرة الماضي قبل بثلاثة أبواب وليس فيه التقييد بالحلول

[ 320 ]

وكأنه أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه فقد أخرجه مسلم عن أبي الربيع عن عباد الذي أخرجه البخاري من طريقه وفيه فسأله رجل فقال يدا بيد فقال هكذا سمعت أخرجه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير عن يحيى بن أبي إسحاق فلم يسق يسير فساقه أبو عوانة في مستخرجه فقال في آخره والفضة بالذهب كيف شئتم يدا بيد واشتراط القبض في الصرف متفق عليه وإنما وقع الاختلاف في التفاضل بين الجنس الواحد واستدل به على بيع الربويات بعضها ببعض إذا كان يدا بيد وأصرح منه حديث عبادة بن الصامت عند مسلم بلفظ فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم قوله باب بيع المزابنة بالزاى والموحدة والنون مفاعلة من الزبن بفتح الزاي وسكون الموحدة وهو الدفع الشديد ومنه سميت الحرب الزبون لشدة الدفع فيها وقيل للبيع المخصوص المزابنة لأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه اولان أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بامضاء البيع قوله وهي بيع الثمر بالمثناة والسكون بالتمر بالمثلثة وفتح الميم والمراد به الرطب خاصة وقوله بيع الزبيب بالكرم أي بالعنب وهذا أصل المزابنة والحق الشافعي بذلك كل بيع مجهول بمجهول أو بمعلوم من جنس يجري الربا في نقده قال وأما من قال اضمن لك صبرتك هذه بعشرين صاعا مثلا فما زاد فعلى وما نقص فعلى فهو من القمار وليس من المزابنة قلت لكن تقدم في باب بيع الزبيب بالزبيب من طريق أيوب عن نافع عن بن عمر والمزابنة أن يبيع الثمر بكيل أن زاد فلي وأن نقص فعلى فثبت أن من صور المزابنة أيضا هذه الصورة من القمار ولا يلزم من كونها قمارا أن لا تسمى مزابنة ومن صور المزابنة أيضا بيع الزرع بالحنطة كيلا وقد رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا وبيع العنب بالزبيب كيلا وبيع الزرع بالحنطة كيلا وستاتى هذه الزيادة للمصنف من طريق الليث عن نافع بعد أبواب وقال مالك المزابنة كل شئ من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده إذا بيع بشئ مسمى من الكيل وغيره سواء كان من جنس يجري الربا في نقده أم لا وسبب النهى عنه ما يدخله من القمار والغرر قال بن عبد البر نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة وهي المدافعة ويدخل فيها القمار والمخاطرة وفسر بعضهم المزابنة بأنها بيع الثمر قبل بدو صلاحه وهو خطأ فالمغايرة بينهما ظاهرة من أول حديث في هذا الباب وقيل هي المزارعة على الجزء وقيل غير ذلك والذي أخذت عليه الأحاديث في تفسيرها أولي قوله قال أنس الخ يأتي موصولا في باب بيع المخاضرة وفيه تفسير المحاقلة ثم أورد المصنف حديث بن عمر من رواية ابنه سالم ومن رواية نافع كلاهما عنه ثم حديث أبي سعيد في ذلك وفي طريق نافع تفسير المزابنة وظاهره أنها من المرفوع ومثله في حديث أبي سعيد في الباب أخرجه مسلم من حديث جابر كذلك ويؤيد كونه مرفوعا رواية سالم وأن لم يتعرض فيها لذكر المزابنة وعلى تقدير أن يكون التفسير من هؤلاء الصحابة فهم أعرف بتفسيره من غيرهم وقال بن عبد البر لا مخالف لهم في أن مثل هذا مزابنة وإنما اختلفوا هل يلتحق بذلك كل ما لا يجوز الا مثلا بمثل فلا يجوز فيه كيل بجزاف ولا جزاف بجزاف فالجمهور على الإلحاق وقيل يختص ذلك بالنخل والكرم والله أعلم قوله قال سالم هو موصول بالإسناد المذكور وقد أفرد حديث زيد بن ثابت في آخر الباب من طريق نافع

[ 321 ]

عن بن عمر عنه وقد تقدم قبل أبواب من وجه آخر عن نافع مضموما في سياق واحد وأخرجه الترمذي من طريق محمد بن إسحاق عن نافع عن بن عمر عن زيد بن ثابت ولم يفصل حديث بن عمر من حديث زيد بن ثابت وأشار الترمذي إلى أنه وهم فيه والصواب والتفصيل ولفظ الترمذي عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقله والمزابنة الا أنه قد إذن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها ومراد الترمذي أن التصريح بالنهي عن المزابنة لم يرد في حديث زيد بن ثابت وإنما رواه بن عمر بغير واسطة وروى بن عمر استثناء العرايا بواسطة زيد بن ثابت فإن كانت رواية بن إسحاق محفوظة احتمل أن يكون بن عمر حمل الحديث كله عن زيد بن ثابت وكان عنده بعضه بغير واسطة واستدل بأحاديث الباب على تحريم بيع الرطب باليابس منه ولو تساويا في الكيل الوزن أن الاعتبار بالتساوى إنما يصح حالة دابة والرطب قد بنقص إذا جف عن اليابس نقصا لا يتقدر وهو قول الجمهور وعن أبي حنيفة الاكتفاء بالمساواة حالة الرطوبة وخالفه صاحباه في ذلك لصحة الأحاديث الواردة في النهى عن ذلك وأصرح من ذلك حديث بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالثمر فقال أينقص الرطب إذا جف قالوا نعم قال فلا إذا أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم قوله رخص بعد ذلك أي بعد النهى عن بيع التمر بالثمر في بيع العرايا وهذا من أصرح ما ورد في الرد على حمل من الحنفية النهى عن بيع الثمر بالتمر على عمومه ومنع أن يكون بيع العرايا مستثنى منه وزعم إنهما حكمان مختلفان وردا في سياق واحد وكذلك من زعم منهم كما حكاه بن المنذر عنهم أن بيع العرايا منسوخ بالنهي عن بيع الثمر بالتمر لأن المنسوخ لا يكون بعد الناسخ قوله بالرطب أو بالتمر كذا عند البخاري ومسلم من راية عقيل عن الزهري بلفظ أو وهي محتملة أن تكون للتخيير وأن تكون للشك وأخرجه النسائي والطبراني من طريق صالح بن جلس والبيهقي من طريق الأوزاعي كلاهما عن الزهري بلفظ بالرطب وبالتمر ولم يرخص في غير ذلك هكذا ذكره بالواو وهذا يؤيد كون أو بمعنى التخيير لا الشك بخلاف ما جزم به النووي وكذلك أخرجه أبو داود من طريق الزهري أيضا عن خارجة بن زيد ابن ثابت عن أبيه وإسناده صحيح وليس هو اختلافا على الزهري فإن بن وهب رواه عن يونس عن الزهري بالاسنادين أخرجهما النسائي وفرقهما وإذا ثبتت هذه الرواية كانت فيها حجة للوجه الصائر إلى جواز بيع الرطب المخروص على رؤوس النخل بالرطب المخروص أيضا على الأرض وهو رأى بن خيران من الشافعية وقيل لا يجوز وهو رأى الإصطخري وصححه جماعة وقيل أن كانا نوعا واحدا لم يجز إذ لا حاجة إليه وأن كانا نوعين جاز وهو رأى أبي إسحاق وصححه بن أبي عصرون وهذا كله فما إذا كان أحدهما على النخل والآخر على الأرض وقيل ومثله ما إذا كانا معا على النخل وقيل أن محله فيما إذا كانا نوعين وفي ذلك فروع آخر يطول ذكرها وصرح الماوردي بالحاق البسر في ذلك بالرطب قوله بيع الثمر بالمثلثة وتحريك الميم وفي رواية مسلم ثمر النخل وهو المراد هنا وليس المراد التمر من غير النخل فإنه يجوز بيعه بالتمر المثناة والسكون وإنما وقع النهى عن الرطب بالتمر لكونه متفاضلا من جنسه قوله كيلا يأتي الكلام عليه في الحديث الذي بعده قوله وبيع الكرم بالزبيب كيلا في رواية مسلم وبيع العنب بالزبيب

[ 322 ]

كيلا والكرم بفتح الكاف وسكون الراء هو شجر العنب والمراد منه هنا نفس العنب كما أوضحته رواية مسلم وفيه جواز تسمية العنب كرما وقد ورد النهى عنه كما سيأتي الكلام عليه في الأدب ويجمع بينهما بحمل النهى على التنزيه ويكون ذكره هنا لبيان الجواز وهذا كله بناء على أن تفسير المزابنة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وعلى تقدير كونه موقوفا فلا حجة على الجواز فيحمل النهى على حقيقته واختلف السلف هل يلحق العنب أو غيره بالرطب في العرايا فقيل لا وهو قول أهل الظاهر واختاره بعض الشافعية منهم المحب الطبري وقيل يلحق العنب خاصة وهو مشهور مذهب الشافعي وقيل يلحق كل ما يدخر وهو قول المالكية وقيل يلحق كل ثمرة وهو منقول عن الشافعي أيضا قوله عن داود بن الحصين هو المدني وكلهم مدنيون الا شيخ البخاري وليس لداود ولا لشيخه في البخاري سوى هذا الحديث وأخر في الباب الذي يليه وشيخه هو أبو سفيان مولى بن أبي أحمد ووقع في رواية مسلم أن أبا سفيان أخبره أنه سمع أبا سعيد وأبو سفيان مشهور بكنيته حتى قال النووي تبعا لغيره لا يعرف اسمه وسبقهم إلى ذلك أبو أحمد الحاكم في الكنى لكن حكى أبو داود في السنن في روايته لهذا الحديث عن القعنبي شيخه فيه أن اسمه قزمان وابن أبي أحمد هو عبد الله بن أبي أحمد بن جحش الأسدي بن أخي زينب بنت جحش أم المؤمنين وحكى الواقدي أن أبا سفيان كان مولى لبني عبد الأشهل وكان يجالس عبد الله بن أبي أحمد فنسب إليه قوله والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر على رؤوس النخل زاد بن مهدي عن مالك عند الاسماعيلي كيلا وهو موافق لحديث بن عمر الذي قبله وذكر الكيل ليس بقيد في هذه الصورة بل لأنه صورة المبايعة التي وقعت إذ ذاك فلا مفهوم له لخروجه على سبب أوله مفهوم لكنه مفهوم الموافقة لأن المسكوت عنه أولي بالمنع من المطوق ويستفاد منه أن معيار التمر والزبيب الكيل وزاد مسلم في آخر حديث أبي سعيد والمحاقلة كراء الأرض وكذا هو في الموطأ قوله عن الشيباني هو أبو إسحاق ووقع في رواية الاسماعيلي من وجه آخر عن أبي معاوية حدثنا الشيباني وسيأتي الكلام عن المحاملة في باب المخاضرة ووقع في رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي سعيد عقب هذا الحديث مثله والمزابنة في النخل والمحاقلة في الزرع قوله ارخص لصاحب العرية بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية الجمع عرايا وقد ذكرنا تفسيرها لغة قوله أن يبيعها بخرصها زاد الطبراني عن على بن عبد العزيز عن القعنبي شيخ البخاري فيه كيلا ومثله المصنف من رواية موسى بن عقبة عن نافع وسيأتي بعد باب ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك فقال بخرصها من التمر ونحوه للمصنف من رواية يحيى بن سعيد عن نافع في كتاب الشرب ولمسلم من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد بلفظ رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا ومن طريق الليث عن يحيى بن سعيد بلفظ رخص في بيع العرية بخرصها تمرا قال يحيى العرية أن عمي الرجل تمرا النخلات بطعام أهله رطبا بخرصها تمرا وهذه الرواية تبين أن في رواية سليمان إدراجا وأخرجه الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن أيوب وعبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ رخص في العرايا النخلة والنخلتان يوهبان للرجل فيبيعهما بخرصهما تمرا زاد فيه يوهبان للرجل وليس بقيد عند الجمهور كما سيأتي شرحه بعد باب قوله باب بيع الثمر بفتح المثلثة والميم على رؤوس النخل أي بعد أن يطيب

[ 323 ]

وقوله بالذهب أو الفضة أتبع فيه ظاهر الحديث وسيأتي البحث فيه قوله عن عطاء هو بن أبي رباح وأبو الزبير هو محمد بن مسلم كذا جمع بينهما بن وهب وتابعه أبو عاصم عند مسلم ويحيى بن أيوب عند الطحاوي وكلاهما عن بن جريج ورواه بن عيينة عند مسلم عن بن جريج عن عطاء وحده ووقع في روايته عن بن جريج أخبرني عطاء قوله عن جابر في رواية أبي عاصم المذكورة إنهما سمعا جابر بن عبد الله قوله عن بيع الثمر بفتح المثلثة أي الرطب قوله حتى يطيب في رواية بن عيينة حتى يبدو صلاحه وسيأتي تفسيره بعد باب قوله ولا يباع شئ منه الا بالدينار والدرهم قال بن بطال إنما اقتصر على الذهب والفضة لأنهما جل ما يتعامل به الناس وإلا فلا خلاف بين الأمة في جواز بيعه بالعروض يعني بشرطه قوله الا العرايا زاد يحيى بن أيوب في روايته فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيها أي فيجوز بيع الرطب فيها بعد أن يخرص ويعرف قدره بقدر ذلك من التمر كما سيأتي البحث فيه قال بن المنذر ادعى الكوفيون أن بيع العرايا منسوخ بنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر بالتمر وهذا مردود لأن الذي روى النهى عن بيع الثمر بالتمر هو الذي روى الرخصة في العرايا فاثبت النهى والرخصة معا قلت ورواية سالم الماضية في الباب الذي قبله أخذت على أن الرخصة في بيع العرايا وقع بعد النهى عن بيع الثمر بالتمر ولفظه عن بن عمر مرفوعا ولا تبيعوا الثمر بالتمر قال وعن زيد بن ثابت أنه صلى الله عليه وسلم رخص بعد ذلك في بيع العرية وهذا هو الذي يقتضيه لفظ الرخصة فإنها تكون بعد منع وكذلك بقية الأحاديث التي وقع فيها استثناء العرايا بعد ذكر بيع الثمر بالتمر وقد قدمت إيضاح ذلك قوله حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب هو الحجي بفتح المهملة والجيم ثم موحدة بصري مشهور قوله سمعت مالكا الخ فيه إطلاق السماع على ما قرئ على الشيخ فاقر به وقد استقر الإصطلاح على أن السماع بخصوص بما حدث به الشيخ لفظا قوله وسأله عبيد الله هو بالتصغير والربيع أبوه هو حاجب المنصور وهو والد الفضل وزير الرشيد قوله رخص كذا للأكثر بالتشديد وللكشميهني ارخص قوله في بيع العرايا أي في بيع تمر العرايا لأن العرية هي النخلة والعرايا جمع عرية كما تقدم فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه قوله في خمسة أوسق أو دون خمسة أو سق شك من الراوي بين مسلم في روايته أن الشك فيه من داود بن الحصين وللمصنف في آخر الشرب من وجه آخر عن مالك مثله وذكر بن التين تبعا لغيره أن داود تفرد بهذا الإسناد قال وما رواه عنه الا مالك بن أنس والوسق ستون صاعا وقد تقدم بيانه في كتاب الزكاة وقد اعتبر من قال بجواز بيع العرايا بمفهوم هذا العدد ومنعوا ما زاد عليه واختلفوا في جواز الخمسة لأجل الشكل المذكور والخلاف عند المالكية والشافعية والراجح عند المالكية الجواز في الخمسة فما دونها وعند الشافعية الجواز فيما دون الخمسة ولا يجوز في الخمسة وهو قول الحنابلة وأهل الظاهر فمأخذ المنع أن الأصل التحريم وبيع العرايا رخصة فيؤخذ منه بما يتحقق منه الجواز ويلغى ما وقع فيه الشك وسبب الخلاف أن النهى عن بيع المزابنة هل ورد متقدما ثم وقعت الرخصة في العرايا أو النهى عن بيع المزابنة وقع مقرونا بالرخصة في بيع العرايا فعلى الأول لا يجوز في الخمسة للشك في رفع التحريم وعلى الثاني يجوز للشك في قدر التحريم ويرجح الأول رواية سالم المذكورة في الباب قبله واحتج بعض المالكية بان يسير دون صالحة لجميع

[ 324 ]

ما تحت الخمسة فلو عملنا بها للزم رفع هذه الرخصة وتعقب بان العمل بها ممكن بان يحمل على أقل ما تصدق عليه وهو المفتى به في مذهب الشافعي وقد روى الترمذي حديث الباب من طريق زيد بن الحباب عن مالك بلفظ ارخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق ولم يتردد في ذلك وزعم المازري أن بن المنذر ذهب إلى تحديد ذلك بأربعة أوسق لوروده في حديث جابر من غير شك فيه فتعين طرح الرواية التي وقع فيها الشك والأخذ بالرواية المتيقنة قال والزم المزني الشافعي القول به اه‍ وفيما نقله نظر أما بن المنذر فليس في شئ من كتبه ما نقله عنه وإنما فيه ترجيح القول الصائر إلى أن الخمسة لا تجوز وإنما يجوز ما دونها وهو الذي ألزم المزني أن يقول به الشافعي كما هو بين من كلامه وقد حكى بن عبد البر هذا القول عن قوم قال واحتجوا بحديث جابر ثم قال ولا خلاف بين الشافعي ومالك ومن اتبعهما في جواز العرايا في أكثر من أربعة أوسق مما لم يبلغ خمسة أوسق ولم يثبت عندهم حديث جابر قلت حديث جابر الذي أشار إليه أخرجه الشافعي وأحمد وصححه بن خزيمة وابن حبان والحاكم أخرجوه كلهم من طريق بن إسحاق حدثني محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين إذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها يقول الوسق والوسقين والثلاثة والأربع لفظ أحمد وترجم عليه بن حبان الاحتياط أن لا يزيد على أربعة أوسق وهذا الذي قاله يتعين المصير إليه وأما جعله حدا لا يجوز تجاوزه فليس بالواضح واحتج بعضهم لمالك بقول سهل بن أبي حثمة أن العرية تكون ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة وسيأتي ذكره في الباب الذي يليه ولا حجة فيه لأنه موقوف ومن فروع هذه المسألة ما لو زاد في صفقة على خمسة أوسق فإن البيع يبطل في الجميع وخرج بعض الشافعية من جواز تفريق الصفقة أنه يجوز وهو بعيد لوضوح الفرق ولو باع ما دون خمسة أوسق في صفقة ثم باع مثلها البائع بعينه للمشترى بعينه في صفقة أخرى جاز عند الشافعية على الأصح ومنعه أحمد وأهل الظاهر والله أعلم قوله قال نعم القائل هو مالك وكذلك أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى قال قلت لمالك أحدثك داود فذكره وقال في آخره نعم وهذا التحمل يسمى عرض السماع وكان مالك يختاره على التحديث من يسير واختلف أهل الحديث هل يشترط أن يقول الشيخ نعم أم لا والصحيح أن سكوته ينزل منزلة إقراره إذا كان عارفا ولم يمنعه مانع وإذا قال نعم فهو أولي بلا نزاع قوله سفيان هو بن عيينة قوله قال يحيى بن سعيد هو الأنصاري وسيأتي في آخر الباب ما يدل على أن سفيان صرح بتحديث يحيى بن سعيد له به وهو السر في إيراد الحكاية المذكورة قوله سمعت بشيرا بالموحدة والمعجمة مصغرا وهو بن يسار بالتحتانية ثم المهملة مخففا الأنصاري قوله سمعت سهل بن أبي حثمة زاد الوليد بن كثير عند مسلم عن بشير بن يسار أن رافعا بن خديج وسهل بن أبي حثمة حدثاه ولمسلم من طريق سليمان ابن بلال عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سهل بن أبي حثمة قوله ان تباع بخرصها هو بفتح الخاء المعجمة وأشار بن التين إلى جواز كسرها وجزم بن العربي بالكسر وأنكر الفتح وجوزهما النووي وقال الفتح أشهر قال ومعناه تقدير ما فيها إذا صار تمرا فمن فتح قال هو اسم الفعل ومن كسر قال هو اسم للشئ المخروص اه‍ والخرص هو التخمين والحدس وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه في تفسير العرايا

[ 325 ]

قوله وقال سفيان مرة أخرى الخ هو كلام على بن عبد الله والغرض أن بن عيينة حدثهم به مرتين على لفظين والمعنى واحد واليه الإشارة بقوله هو سواء أي المعنى واحد قوله قال سفيان أي بالإسناد المذكور فقلت ليحيى أي بن سعيد لما حدثه به قوله وأنا غلام جملة حالية والغرض الإشارة إلى قدم طلبه وتقدم فطنته وأنه كان في سن الصبا يناظر شيوخه ويباحثهم قوله رخص لهم في بيع العرايا محل الخلاف بين رواية يحيى بن سعيد ورواية أهل مكة أن يحيى بن سعيد قيد الرخصة في بيع العرايا بالخرص وأن يأكلها أهلها رطبا وأما بن عيينة في روايته عن أهل مكة فأطلق الرخصة في بيع العرايا ولم يقيدها بشئ مما ذكر قوله قلت إنهم يروونه عن جابر في رواية أحمد في مسنده عن سفيان قلت أخبرهم عطاء أنه سمع من جابر قلت ورواية بن عيينة كذلك عن بن جريج عن عطاء عن جابر تقدمت الإشارة إليها وإنها تأتي في كتاب الشرب وهي على الإطلاق كما في روايته التي في أول الباب قوله قال سفيان أي بالإسناد المذكور إنما أردت أي الحامل لي على قولي ليحيى بن سعيد إنهم يروونه عن جابر أن جابرا من أهل المدينة فيرجع الحديث إلى أهل المدينة وكان ليحيى بن سعيد أن يقول له وأهل المدينة رووا أيضا فيه التقييد فيحمل المطلق على المقيد حتى يقوم الدليل على العمل بالإطلاق والتقييد بالخرص زيادة حافظ فتعين المصير إليها وأما التقييد بالأكل فالذي يظهر أنه لبيان الواقع لا أنه قيد وسيأتي عن أبي عبيد أنه شرطه والله أعلم قوله قيل لسفيان لم اقف على تسمية القائل قوله أليس فيه أي في الحديث المذكور نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه قال لا أي ليس هو في حديث سهل بن أبي حثمة وأن كان هو صحيحا من رواية غيره وسيأتي بعد باب وقد حدث به عبد الجبار بن العلاء عن سفيان في حديث الباب بهذا اللفظ الذي نفاه سفيان وحكى الاسماعيلي عن بن صاعد أنه أشار إلى أنه وهم فيه قلت قد أخرجه النسائي عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري عن سفيان كذلك فظهر أن عبد الجبار لم ينفرد بذلك قوله باب تفسير العرايا هي جمع عرية وهي عطية ثمر النخل دون الرقبة كان العرب في الجدب يتطوع أهل النخل بذلك على من لا ثمر له كما يتطوع صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة وهي عطية اللبن دون الرقبة قال حسان بن ثابت فيما ذكر بن التين وقال غيره هي لسويد بن الصلت ليست بسنهاء ابن $ رحبية * ولكن عرايا في السنين الجوائح ومعنى سنهاء أن تحمل سنة دون سنة والرحبية التي تدعم حين تميل من الضعف والعرية فصله بمعنى مفعولة أو فاعلة يقال عرى النخل بفتح العين والراء بالتعدية يعروها إذا افردها عن غيرها بان أعطاها لأخر على سبيل المنحة ليأكل ثمرها وتبقى رقبتها لمعطيها ويقال عريت النخل بفتح العين وكسر الراء تعرى على أنه قاصر فكأنها عريت عن حكم اخواتها واستثبتت بالعطية واختلف في المراد بها شرعا قوله وقال مالك العرية أن يعرى الرجل الرجل النخلة أي يهبها له أو يهب له ثمرها ثم يتأذى بدخوله عليه فرخص له أي للواهب أن يشتريها أي عمي رطبها منه أي من الموهوبة له بتمر أي يابس وهذا التعليق وصله بن عبد البر من طريق بن وهب عن مالك وروى الطحاوي من طريق بن نافع عن مالك أن العرية النخلة للرجل في حائط غيره

[ 326 ]

وكانت العادة أنهم يخرجون بأهليهم في وقت الثمار إلى البساتين فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه فيقول له أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرا فرخص له في لك ومن شرط العرية عند مالك أنها لا تكون بهذه المعاملة إلا مع المعري خاصة لما يدخل على المالك من كلاهما بدخول حائطه أو ليدفع كلاهما عن الآخر بقيام صاحب النخل بالسقي والكلف ومن شرطها أن يكون البيع بعد بدو الصلاح وأن يكون بتمر مؤجل وخالفه الشافعي في الشرط الأخير فقال يشترط التقابض قوله وقال بن إدريس العرية لا تكون إلى بالكيل من التمر يدا بيد ولا تكون بالجراف بن إدريس هذا رجح بن التين أنه عبد الله الأودي الكوفي وتردد بن بطال ثم السبكي في شرح المهذب وجزم المزي في التهذيب بأنه الشافعي والي في الأم للشافعي وذكره عنه البيهقي في المعرفة من طريق الربيع عنه قال العرايا أن عمي الرجل ثمر النخلة فأكثر بخرصه من التمر بأن يخرص الرطب ثم يقدر كم ينقص إذا يبس ثم عمي بخرصة تمرا فإن تفرقا قبل أن يتقابضا فسد البيع انتهى وهذا وإن غاير ما علقه البخاري لفظا فهو يوافقه في المعنى لأن محصلهما أن لا يكون جزافا ولا نسيئة وقد جاء عن الشافعي بلفظ آخر قرأته بخط أبي على الصدفي بهامش نسخته قال لفظ الشافعي ولا تباع العرية بالتمر الا ان تخرص العرية كما يخرص المعشر فيقال فيها الآن كذا وكذا من الرطب فإذا يبس كان كذا وكذا فيدفع من التمر بكيله خرصا ويقبض النخلة بثمرها قبل أن يتفرقا فإن تفرقا قبل قبضها فسد قوله وما يقويه أي قول الشافعي بأن لا يكون جزافا قول سهل بن أبي حثمة بالأوسق الموسقة وقول سهل هذا أخرجه الطبري من طريق الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن سهل موقوفا ولفظه لا يباع الثمر في رءوس النخل بالأوساق الموسقة إلا أوسقا ثلاثة أو أربعة أو خمسة يأكلها الناس وما ذكره المصنف عن الشافعي هو شرط العرية عند أصحابه وضابط العرية عندهم أنها بيع رطب فينخل يكون خرصه إذا صار تمرا أقل من خمسة أوسق بنظيره في الكيل من التمر مع التقابض في المجلس وقال بن التين احتجاج البخاري لابن إدريس بقول سهل بالأوسق الموسقة لا دليل فيه لأنها لا تكون مؤجلة وإنما يشهد له قول سفيان بن حسين يعني الآتي قلت لعله أراد أن مجموع ما أورده بعد قول بن إدريس يقوي قول بن إدريس ثم أن صور العرية كثيرة منها أن يقول الرجل لصاحب حائط بعني ثمر نخلات بأعيانها بخرصها من التمر فيخرصها ويبيعه ويقبض منه التمر ويسلم إليه النخلات بالتخلية فينتفع أطلعتم ومنها أن يهب صاحب الحائط لرجل نخلات أو ثمر نخلات معلومة من حائطه ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها ويشتري منه رطبها بقدر خرصه بتمر يعجله له ومنها أن يهبه إياها فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمرا ولا يحب أكلها رطبا لاحتياجه إلى التمر فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب أو من غيره بتمر ياخذه معجلا ومنها أن يبيع الرجل ثم حائطه بعد بدو صلاحه ويستثنى منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله وهي التي عفى له عن خرصها في الصدقة وسميت عرايا لأنها أعريت من أن تخرص في الصدقة فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها ومما يطلق عليه اسم عرية أن يعرى رجلا تمر نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها وهذه هبة مخصوصة ومنها أن

[ 327 ]

يعري عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه نخلات معلومة لا يخرصها في الصدقة وهاتان الصورتان من العرايا لا يبيع فيها وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور وقصر مالك العرية في البيع على الصورة الثانية وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة من صور البيع وزاد أنه رخص لهم أن يأكلوا الرطب ولا يشتروه لتجارة ولا ادخار ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها وقصر العرية على الهبة وهو أن يعري الرجل تمر نخله من نخله ولا يسلم ذلك له ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة فرخص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمرا وحمله على ذلك أخذه بعموم النهي بيع الثمر بالتمر وتعقب بالتصريح باستثناء العرايا في حديث بن عمر كما تقدم وفي حديث غيره وحكى الطحاوي عن عيسى بن أبان من أصحابهم أن معنى الرخصة أن الذي وهبت له العرية لم يملكها لأن الهبة لا تملك إلا بالقبض فلما جاز له أن يعطي بدلها تمرا وهو لم يملك المبدل منه حتى يستحق البدل كان ذلك مستثنى وكان رخصة وقال الطحاوي بل معنى الرخصة فيه أن المرء مأمور بإمضاء ما وعد به ويعطي بدله ولو لم يكن واجبا عليه فلما أذن له أن يحبس ما وعد به ويعطى بدلا ولا يكون في حكم من أخلف وعده ظهر بذلك معنى الخرصة واحتج لمذهبه بأشياء أخذت على أن العرية العطية ولا حجة في شئ منها لأنه لا يلزم من كون أصل العرية العطية أن لا تطلق العرية شرعا على صور أخرى قال بن المنذر الذي رخص في العرية هو الذي نهى عن بيع الثمر بالتمر في لفظ واحد من رواية جماعة من الصحابة قال ونظير ذلك يأمر في السلم مع قوله صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك قال فمن أجاز السلم مع كونه مستثنى من بيع ما ليس عندك ومنع العرية مع كونها مستثناة من بيع الثمر بالتمر فقد تناقض وأما حملهم الرخصة على الهبة فبعيد مع تصريح الحديث بالبيع واستثناء العرايا منه فلو كان المراد الهبة لما استثنيت العرية من البيع ولأنه عبر بالرخصة والرخصة لا تكون إلا بعد ممنوع والمنع إنما كان في البيع لا الهبة وبأن الرخصة قيدت بخمسة أوسق أو ما دونها والهبة لا تتقيد لأنهم لم يفرقوا في الرجوع في الهبة بين ذي رحم وغيره وبأنه لو كان الرجوع جائزا فليس إعطاؤه بالتمر بدل الرطب بل هو تجديد هبة أخرى فإن الرجوع لا يجوز فلا يصح تأويلهم قوله وقال بن إسحاق في حديثه عن نافع عن بن عمر كانت العرايا أن يعرى الرجل الرجل في ماله النخلة والنخلتين أما حديث بن إسحاق عن نافع فوصله الترمذي دون تفسير بن إسحاق وأما تفسيره فوصله أبو داود عنه بلفظ النخلات وزاد فيه فيشق عليه فيبيعها بمثل خرصها وهذا قريب من الصورة التي قصر مالك العرية عليها قوله وقال يزيد يعني بن هارون عن سفيان بن حسين العرايا نخل كانت توهب للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها فرخص لهم أن يبيعوها بما شاءوا من التمر وهذا وصله الإمام أحمد في حديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه عن زيد بن ثابت مرفوعا في العرايا قال سفيان بن حسين فذكره وهذه إحدى الصور المتقدمة واحتج لمالك في قصر العرية على ما ذكره بحديث سهل بن أبي حثمة المذكور في الباب الذي قبله بلفظ يأكلها أهلها رطبا فتمسك بقوله أهلها والظاهر أنه الذي أعراها ويحتمل أن يراد بالأهل من تصير إليه بالشراء والأحسن في الجواب أن حديث سهل دل على صورة من صور العرية وليس فيه التعرض لكون غيرها ليس عرية وحكى عن الشافعي تقييدها بالمساكين على ما في حديث

[ 328 ]

سفيان بن حسين وهو اختيار المزني وأنكر الشيخ أبو حامد نقله عن الشافعي ولعل مستند من أثبته ما ذكره الشافعي في اختلاف الحديث عن محمود بن لبيد قال قلت لزيد بن ثابت ما عراياكم هذه قال فلان وأصحابه شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يحضر وليس عندهم ذهب ولا فضة يشترون بها منه وعندهم فضل تمر من قوت سنتهم فرخص لهم أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر يأكلونها رطبا قال الشافعي وحديث سفيان يدل لهذا فإن قوله يأكله أهلها رطبا يشعر بأن مشتري العرية يشتريها ليأكلها وأنه ليس له رطب يأكله غيرها ولو كان المرخص له في ذلك صاحب الحائط يعني كما قال مالك لكان لصاحب الحائط من حائطه من الرطب ما يأكله غيرها ولم يفتقر إلى بيع العرية وقال بن المنذر هذا الكلام لا أعرف أحدا ذكره غير الشافعي وقال السبكي هذا الحديث لم يذكر الشافعي إسناده وكل من ذكره إنما حكاه عن الشافعي ولم يجد البيهقي في المعرفة له إسنادا قال ولعل الشافعي أخذه من السير يعني سير الواقدي قال وعلى تقدير صحته فليس فيه حجة للتقييد بالفقير لأنه لم يقع في كلام الفاء وإنما ذكره في القصة فيحتمل أن تكون الرخصة وقعت لأجل الحاجة المذكورة ويحتمل أن يكون للسؤال فلايتم الاستدلال مع إطلاق الأحاديث المنصوصة من الفاء وقد اعتبر هذا القيد الحنابلة مضموما إلى ما اعتبره مالك فعندهم لا تجوز العرية إلا لحاجة صاحب الحائط إلى البيع أو لحاجة المشتري إلى الرطب والله أعلم قوله حدثنا محمد كذاللأكبر غير منسوب ووقع في رواية أبي ذر هو بن مقاتل وعبد الله هو بن المبارك وقلة قال موسى بن عقبة أي بالإسناد المذكور إليه قوله والعرايا نخلات معلومات تأتيها فتشتريها أي تشتري ثمترها بتمر معلوم وكأنه اختصره للعلم به ولم أجده في شئ من الطرق عنه إلا هكذا ولعله أراد أن يبين أنها مشتقة من عروت إذا أتيت وترددت إليه لا من العرى بمعنى التجرد قاله الكرماني وقد تقدم قول يحيى بن سعيد العرية أن عمي الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبا بخرصها تمرا وفي لفظ عنه أن العرية النخلة تجعل للقوم فيبيعونها بخرصها تمرا وقال القرطبي كأن الشافعي اعتمد في تفسيره العرية على قول يحيى بن سعيد وليس يحيى صحابيا حتى يعتمد عليه مع معارضة أجرة غيره له ثم قال وتفسير يحيى مرجوح بأنه عين المزابنة المنهي عنها في قصة لا ترهق إليها حاجة أكيدة ولا تندفع بها مفسدة فإن المشتري لها بالتمر متمكن من بيع ثمره بعين وشرائه بالعين ما يريده من الرطب فإن قال يتعذر هذا قيل له فأجز بيع الرطب بالتمر ولو لم يكن الرطب على النخل وهو لا يقول بذلك انتهى والشافعي أقعد باتباع أحاديث هذا الباب من غيره فإنها ناطقة باستثناء العرايا من بيع المزابنة وأما إلزامه الأخير فليس بلازم لأنها رخصة وقعت مقيدة بقيد فيتبع القيد وهو كون الرطب على رؤوس النخل مع أن كثيرا من الشافعية ذهبوا إلى إلحاق الرطب بعد القطع بالرطب على رؤوس النخل بالمعنى كما تقدم والله أعلم وكل ما ورد من تفسير العرايا في الأحاديث لا يخالفه الشافعي فقد روى أبو داود من طريق عمرو بن الحارث عن عبد ربه بن سعيد وهو أخو يحيى بن سعيد قال العرية الرجل يعرف الرجل النخلة أو الرجل يستثني من ماله النخلة يأكلها رطبا فيبيعها تمرا وقال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه حدثنا وكيع قال سمعنا في تفسير العرية أنها النخلة يرثها الرجل أو يشتريها في بستان الرجل وإنما يتجه الاعتراض على من تمسك بصورة من الصور الواردة في تفسير العرية ومنع غيرها وأما من عمل

[ 329 ]

بها كلها ونظمها في ضابط يجمعها فلا اعتراض عليه والله أعلم قوله باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها يبدو بغير همز أي يظهر والثمار بالمثلثة جمع ثمرة بالتحريك وهي أعم من الرطب وغيره ولم يجزم بحكم في المسألة لقوة الخلاف فيها وقد اختلف في ذلك على أقوال فقيل يبطل مطلقا وهو قول بن أبي ليلى والثوري ووهم من نقل الإجماع على البطلان وقيل يجوز مطلقا ولو شرط التبقية وهو قول يزيد بن أبي حبيب ووهم من نقل الإجماع فيه أيضا وقيل إن شرط القطع لم يبطل وإلا بطل وهو قول الشافعي وأحمد والجمهور وروياه عن مالك وقيل يصح إن لم يشترط التبقية والنهي فيه أمرهم على بيع الثمار قبل أن توجد أصلا وهو قول أكثر الحنفية وقيل هو على ظاهره لكن النهي فيه للتنزيه وحديث زيد بن ثابت المصدر به الباب يدل للأخير وقد يحمل على الثاني وذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث الأول حديث زيد بن ثابت قوله وقال الليث عن أبي الزناد الخ لم أره موصولا من طريق الليث وقد رواه سعيد بن منصور عن أبي الزناد عن أبيه نحو حديث الليث ولكن بالإسناد الثاني دون الأول وأخرجه أبو داود والطحاوي من طريق يونس بن يزيد عن أبي الزناد بالإسناد الأول دون الثاني وأخرجه البيهقي من طريق يونس بالاسنادين معا قوله من بني حارثة بالمهملة والمثلثة وفي هذا الإسناد رواية تابعي عن مثله عن صحابي عن مثله والأربعة مدنيون قوله فإذا جذ الناس بالجيم والذال المعجمة الثقيلة أي قطعوا ثمر النخل أي استحق الثمر القطع وفي رواية أبي ذر عن المستملي والسرخسي أجذ بزيادة ألف ومثله للنسفي قال بن التين معناه دخلوا في زمن الجذاذ كأظلم إذا دخل في الظلام والجذاذ صرام النخل وهو قطع ثمرتها وأخذها من الشجر قوله وحضر تقاضيهم بالضاد المعجمة قوله قال المبتاع أي المشتري قوله الدمان بفتح المهملة وتخفيف الميم ضبطه أبو عبيد وضبطه الخطابي بضم أوله قال عياض هما صحيحان والضم رواية القابسي والتفح رواية السرخسي قال ورواها بعضهم بالكسر وذكره أبو عبيد عن أبي الزناد بلفظ الإدمان زاد في أوله الألف وفتحها وفتح الدال وفسره أبو عبيد بأنه فساد الطلع وتعفنه وسواده وقال الأصمعي الدمال باللام العفن وقال القزاز الدمان فساد النخل قبل إدراكه وإنما يقع ذلك في الطلع يخرج قلب النخلة أسود معفونا ووقع في رواية يونس الدمار بالراء بدل النون وهو تصحيف كما قاله عياض ووجهه غيره بأنه أراد الهلاك كأنه قرأه بفتح أوله قوله أصابه مرض في رواية الكشميهني والنسفي مراض بكسر أوله للأكثر وقال الخطابي بضمه وهو اسم لجميع الأمراض بوزن الصداع والسعال وهو داء يقع في الثمرة فتهلك يقال أمرض إذا وقع في ماله عاهة وزاد الطحاوي في رواية أصبه عفن وهو بالمهلمة والفاء المفتوحتين قوله قشام بضم القاف بعدها غدا خفيفة زاد الطحاوي في روايته والقشام شئ يصيبه حتى لا يرطب وقال الأصمعي هو أن ينتقص ثم النخل قبل أن يصير بلحا وقيل هو آكال يقع في الثمر قوله عاهات جمع عاهة وهو بدل المذكورات أولا والعاهة عقب والآفة والمراد بها هنا ما يصيب الثمر مما ذكر قوله فإما لا أصلها إن الشرطية وما زائدة فأدغمت قال بن الأنباري هي مثل قوله فإما ترين من البشر أحدا فاكتفى بلفظه عن الفعل وهو وكما قولهم من أكرمني أكرمته ومن لا أي ومن لم يكرمني لم أكرمه والمعنى إن لا تفعل كذا فافعل كذا وقد نطقت العرب بإمالة لا إمالة خفيفة والعامة تشبع امالتها

[ 330 ]

وهو خطأ قوله كالمشورة بضم المعجمة وسكون الواو وسكون المعجمة وفتح الواو لغتان فعلى الأول فهي فعولة وعلى الثاني مفعلة وزعم الحريري أن الإسكان من لحن فضالة وليس كذلك فقد أثبتها الجامع والصحاح والمحكم وغيرهم قوله وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت القائل هو أبو الزناد قوله حتى تطلع الثريا أي مع الفجر وقد روى أبو داود من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعا قال إذا طلع النجم صباحا رفعت العاهة عن كل بلد وفي رواية أبي حنيفة عن عطاء رفعت العاهة عن الثمار والنجم هو الثريا وطلوعها صباحا يقع في أول فصل الصيف وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار فالمعتبر في الحقيقية النضج وطلوع النجم علامة له وقد بينه في الحديث بقوله ويتبين الأصفر من الأحمر وروى أحمد من طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة سألت بن عمر عن بيع الثمار فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة قلت ومتى ذلك قال حتى تطلع الثريا ووقع في رواية بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نتبايع الثمار قبل أن يبدو صلاحها فسمع خصومة فقال ما هذا فذكر الحديث فأفاد مع ذكر السبب وقت صدور النهي المذكور قوله ورواه على بن بحر هو القطان الرازي أحد شيوخ البخاري وحكام هو بن سلم بفتح المهملة وسكون اللام رازي أيضا وعنبسة بسكون النون وفتح الموحدة بعدها الركعة هو بن سعيد بن الضريس بالضاد المعجمة مصغر ضرس كوفي ولي قضاء الري فعرف بالرازي وقد روى أبو داود حديث الباب من طريق عنبسة بن خالد عن يونس بن يزيد وهو غير هذا وقد خفي هذا على أبي على الصدفي فرأيت بخطه في هامش نسخته ما نصه حديث عنبسة الذي أخرجه البخاري عن حكام أخرجه الباجي من طريق أبي داود عن أحمد بن صالح عن عنبسة انتهى فظن أنهما واحد وليس كذلك بل هما اثنان وشيخهما مختلف وليس لعنبسة بن سعيد هذا في البخاري سوى هذا الموضع الموقوف بخلاف عنبسة بن خالد وكذا زكريا شيخه وهو بن خالد الرازي ولا أعرف عنه راويا غير عنبسة بن سعيد المذكور وقوله عن سهل أي بن أبي حثمة المتقدم ذكره وزيد هو بن ثابت والغرض أن الطريق الأولى عن أبي الزناد ليست غريبة فرده الحديث الثاني حديث نافع عن بن عمر بلفظ نهى عن بيع الثمار حتى يبدوا صلاحها نهى البائع والمشتري أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل وأما المشتري فلئلا يضيع ماله ويساعد البائع على الباطل وفيه أيضا قطع النزاع والتخاصم ومقتضاه جواز بيعها بعد بدو الصلاح مطلقا سواء اشترط الإبقاء أم لم يشترط لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها وقد جعل النهي ممتدا إلى غاية بدو الصلاة والمعنى فيه أن تؤمن فيها العاهة وتغلب السلامة فيثق المشتري بحصولها بخلاف ما قبل بدو الصلاح فإنه بصدد الغرر وقد أخرج مسلم الحديث من طريق أيوب عن نافع فزاد في الحديث حتى يأمن العاهة وفي رواية يحيى بن سعيد عن نافع بلفظ وتذهب عنه الآفة يبدو صلاحه حمرته وصفرته وهذا التفسير من قول بن عمر بينه مسلم في روايته من طريق شعبة عن عبد الله بن دينار عن بن عمر فقيل لابن عمر ما صلاحه قال تذهب عاهته وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح وبعده ذهب الجمهور وعن أبي حنيفة إنما يصح بيعها في هذه الحالة حيث لا يشترط الإبقاء فإن شرطه لم يصح البيع وحكى النووي في شرح مسلم عنه أنه أوجب شرط القطع في هذه الصورة وتعقب بأن الذي

[ 331 ]

صرح به أصحاب أبي حنيفة أنه صحح البيع حالة الإطلاق قبل بدو الصلاح وبعده وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده وأهل مذهبه أعرف به من غيرهم واختلف السلف في قوله حتى يبدو صلاحها هل المراد به جنس الثمار حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد مثلا جاز بيع ثمرة جميع البساتين وإن لم يبد الصلاح فيها أو لا بد من بدو الصلاح في كل بستان على حدة أو لا بد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة أو في كل شجرة على حدة على أقوال والأول قول الليث وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح متلاحقا والثاني قول أحمد وعنه رواية كالرابع والثالث قول الشافعية ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدو الصلاح لأنه دال على الاكتفاء بمسمى الإزهار من غير اشتراط تكامله فيؤخذ منه الاكتفاء بزهو بعض الثمرة وبزهو بعض الشجرة مع حصول المعنى وهو الأمن من العاهة ولولا حصول المعنى لكان تسميتها مزهية بأزهاء بعضها قد لا يكتفي به لكونه على خلاف الحقيقة وأيضا فلو قيل بأزهاء الجميع لأدى إلى فساد الحائط أو أكثره وقد من الله تعالى بكون الثمار لا تطيب دفعة واحدة ليطول زمن التفكه بها الحديث الثالث حديث أنس قوله أخبرنا عبد الله هو بن المبارك قوله عن أنس سيأتي في الباب الذي يليه من وجه آخر عن حميد قال حدثنا أنس قوله نهى أن تباع ثمرة النخل كذا وقع التقييد بالنخل في هذه الطريق وأطلق في غيرها ولا فرق في الحكم بين النخل وغيره وإنما ذكر النخل لكونه كان الغالب عندهم قوله قال أبو عبد الله يعني حتى تحمر كذا وقع هنا وأبو عبد الله هو المنصف ورواية الاسماعيلي تشعر بأن قائل ذلك هو عبد الله بن المبارك فلعل أداة الكنية في روايتنا مزيدة وسيأتي هذا التفسير في الباب إلي يليه في نفس الحديث ونذكر فيه من حكى أنه مدرج الحديث الرابع حديث جابر قوله حتى تشقح بضم أوله من الرباعي يقال أشقح ثمر النخل إشقاحا إذا أحمر أو اصفر والاسم الشقح بضم المعجمة وسكون القاف بعدها الركعة وذكره مسلم من وجه آخر عن جابر بلفظ حتى تشقه فأبدل من الحاء هاء لقربها منها قوله فقيل وما تشقح هذا التفسير من قول سعيد بن ميناء راوي الحديث بين ذلك أحمد في روايته لهذا الحديث عن بهز بن أسد عن سليم بن حيان أنه هو الذي سأل سعيد بن ميناء عن ذلك فأجابه بذلك وكذلك أخرجه مسلم من طريق بهز وأخرجه الاسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سليم بن حيان فقال في روايته قلت لجابر ما تشقح الخ فظهر أن السائل عن ذلك هو سعيد والذي فسره هو جابر وقد أخرج مسلم الحديث من طريق زيد بن أبي أنيسة عن أبي الوليد عن جابر مطولا وفيه وأن عمي النخل حتى يشقه والأشقاه أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شئ وفي آخره فقال زيد فقلت لعطاء أسمعت جابرا يذكر هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم وهو يحتمل أن يكون مراده بقوله هذا جميع الحديث فيدخل فيه التفسير ويحتمل أن يكون مراده أصل الحديث لا التفسير فيكون التفسير من كلام الراوي وقد ظهر من رواية بن مهدي أنه جابر والله أعلم ومما يقوي كونه مرفوعا وقوع ذلك في حديث أنس أيضا وفيه دليل على أن المراد يبدو الصلاح قدر زائد على ظهور الثمرة وسبب النهي عن ذلك خوف الغرر لكثرة الجوائح فيها وقد بين ذلك في حديث أنس الآتي في الباب بعده فإذا احمرت وأكل منها أمنت العاهة عليها أي غالبا قوله تحمار وتصفار قال الخطابي لم يرد بذلك اللون الخالص من الصفرة والحمرة وإنما أراد حمرة أو

[ 332 ]

صفرة بكمودة فلذلك قال تحمار وتصفار قال ولو أراد اللون الخالص لقال تحمر وتصفر وقال ابن التين التشقيح تغير لونها إلى الصفرة والحمرة فأراد بقوله تحمار وتصفار ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن تشبع قال وإنما يقال تفعال في اللون الغير المتمكن إذا كان يتلون وأنكر هذا بعض أهل اللغة وقال لا فرق بين تحمر وتصفر وتحمار وتصفار ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في احمرارها واصفرارها كما تقرر أن الزيادة أخذت على التكثير والمبالغة تكميل قال الداودي الشارح قول زيد بن ثابت كالمشورة يشير بها عليهم تأويل من بعض نقلة الحديث وعلى تقدير أن يكون من قول زيد بن ثابت فلعل ذلك كان في أول الأمر ثم ورد الجزم بالنهي كما بينه حديث بن عمر وغيره قلت وكأن البخاري استشعر ذلك فرتب أحاديث الباب بحسب ذلك فأفاد حديث زيد بن ثابت سبب النهي وحديث بن عمر التصريح بالنهي وحديث أنس وجابر بيان الغاية التي ينتهي إليها النهى قوله باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها هذه الترجمة معقودة لبيان حكم بيع الأصول والتي قبلها لحكم بيع الثمار قوله معلى بن منصور هو من كبار شيوخ البخاري وإنما روى عنه في الجامع بواسطة ووقع في نسخة الصغاني في آخر الباب قال أبو عبد الله كتبت أنا عن معلى بن منصور إلا أني لم أكتب عنه هذا الحديث قوله حتى يزهو يقال زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته وسيأتي في الباب الذي بعده بلفظ حتى تزهي وهو من أزهى إذا أحمر أو اصفر قوله قيل وما يزهو لم يسم السائل عن ذلك في هذه الرواية ولا المسئول وقد رواه إسماعيل بن جعفر كما سيأتي بعد خمسة أبواب عن حميد وفيه قلنا لأنس ما زهوها قال تحمر وفي رواية مسلم من هذا الوجه فقلت لأنس وكذلك رواه أحمد عن يحيى القطان عن حميد لكن قال قيل لأنس ما تزهو قوله باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة فهو من البائع جنح البخاري في هذه الترجمة إلى صحة البيع وإن لم يبد صلاحه لكنه جعله قبل الصلاح من ضمان البائع ومقتضاه أنه إذا لم يفسد فالبيع صحيح وهو في ذلك متابع للزهري كما أورده عنه في آخر الباب قوله حتى تزهي قال الخطابي هذه الرواية هي الصواب فلا يقال في النخل تزهو إنما يقال تزهي لا غير وأثبت غيره ما نفاه فقال زها إذا طال واكتمل وأزهى إذا أحمر وأصفر قوله فقيل وما تزهي لم يسم السائل في هذه الرواية ولا المسئول أيضا وقد رواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بلفظ قيل يا رسول الله وما تزهي قال تحمر وهكذا أخرجه الطحاوي من طريق يحيى بن أيوب وأبو عوانة من طريق سليمان بن بلال كلاهما عن حميد وظاهره الرفع ورواه إسماعيل بن جعفر وغيره عن حميد موقوفا على أنس كما تقدم في الباب الذي قبله قوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت إذا منع الله الثمرة الحديث هكذا صرح مالك برفع هذه الجملة وتابعه محمد بن عباد عن الدراوردي عن حميد مقتصرا على هذه الجملة الأخيرة وجزم الدارقطني وغير واحد من الحفاظ بأنه أخطأ فيه وبذلك جزم بن أبي حاتم في العلل عن أبيه وأبي زرعة والخطأ في رواية عبد العزيز من محمد بن عباد فقد رواه إبراهيم بن حمزة عن الدراوردي كرواية إسماعيل بن جعفر الآتي ذكرها ورواه معتمر بن سليمان وبشر بن المفضل عن حميد فقال فيه قال أفرأيت الخ قال فلا أدري أنس قال بم يستحل أو حدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه الخطيب في المدرج ورواه إسماعيل بن جعفر

[ 333 ]

عن حميد فعطفه على كلام أنس في تفسير قوله تزهي وظاهره الوقف وأخرجه الجوزقي من طريق يزيد بن هارون والخطيب من طريق أبي خالد الأحمر كلاهما عن حميد بلفظ قال أنس أرأيت إن منع الله الثمرة الحديث ورواه بن المبارك وهشيم كما تقدم آنفا عن حميد فلم يذكر هذا القدر المختلف فيه وتابعهما جماعة من أصحاب حميد عنه على ذلك قلت وليس في جميع ما تقدم ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعا لأن مع الذي رفعه زيادة على ما عند الذي وقفه وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قوله من رفعه وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر ما يقوي رواية الرفع في حديث أنس ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته عاهة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق واستدل بهذا على وضع الجوائح في الثمر يشتري بعد بدو صلاحه ثم تصيبه جائحة فقال مالك يضع عنه الثلث وقال أحمد وأبو عبيد يضع الجميع وقال الشافعي والليث والكوفيون لا يرجع على البائع بشئ وقالوا إنما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع فيحمل مطلق الحديث في رواية جابر على ما قيد به في حديث أنس والله أعلم واستدل الطحاوي بحديث أبي سعيد أصيب رجل في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم تصدقوا عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك أخرجه مسلم وأصحاب السنن قال فلما لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار وفيهم باعتها ولم يؤخذ الثمن منهم دل على أن الأمر بوضع الجوائح ليس على عمومه والله أعلم وقوله بم يستحل أحدكم مال أخيه أي لو أسيد الثمر لا تنفي في مقابلته العوض فكيف يأكله بغير عوض وفيه إجراء الحكم على الغالب لأن تطرق التلف إلى ما بدا صالحه ممكن وعدم التطرق إلى ما لم يبد صلاحه ممكن فأنيط الحكم بالغالب في الحالتين قوله وقال الليث حدثني يونس الخ هذا التعليق وصله الذهلي في الزهريات وقد تقدم الحديث عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل بهذا وأتم منه والغرض منه هنا ذكر استنباط الزهري للحكم المترجم به من الحديث قوله باب شراء الطعام إلى أجل ذكر فيه حديث عائشة في شرائه صلى الله عليه وسلم طعاما إلى أجل وسيأتي الكلام عليه مستوفي في الرهن إن شاء الله تعالى قوله باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه أي ما يصنع ليسلم من الربا قوله عن عبد المجيد بميم مفتوحة بعدها جيم ومن قاله بالمهملة ثم الميم فقد صحف وسيأتي ذكر ذلك في الوكالة قوله عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن زاد في الوكالة من هذا الوجه بن عوف قوله عن سعيد بن المسيب في رواية سليمان بن بلال عن عبد المجيد أنه سمع سعيد بن المسيب أخرجه المصنف في الاعتصام قوله عن أبي سعيد وعن أبي هريرة في رواية سليمان أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه قال بن عبد البر ذكر أبي هريرة لا يوجد في هذا الحديث إلا لعبد المجيد وقد رواه قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وحده وكذلك رواه جماعة من أصحاب أبي سعيد عنه قلت رواية قتادة أخرجه النسائي وابن حبان من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه ولكن سياقه مغاير لسياق قصة عبد المجيد وسياق قتادة يشبه سياق عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد كما ستأتي الأشارة إليه في الوكالة قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر في رواية سليمان المذكورة بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر فأمره عليها

[ 334 ]

وأخرجه أبو عوانة والدارقطني من طريق الدراوردي عن عبد المجيد فسماه سواد بن غزية وهو بفتح السين المهملة وتخفيف الواو وفي آخره دال الركعة وغزية بغين غدا وزاي وتحتانية ثقيلة بوزن عطية وسيأتي ذكر ذلك في المغازي في غزوة خيبر قوله بتمر جنيب بجيم ونون وتحتانية وموحدة وزن عظيم قال مالك هو الكبيس وقال الطحاوي هو الطيب وقيل الصلب وقيل الذي أخرج منه أثمانهما ورديئه وقال غيرهم هو الذي لا يخلط بغيره بخلاف الجمع قوله بالصاعين زاد في رواية سليمان من الجمع وهو بفتح الجيم وسكون الميم التمر المختلط قوله بالثلاث كذا للأكثر وللقابسي بالثلاثة وكلاهما جائز لأن الصاع يذكر ويؤنث قوله لا تفعل زاد سليمان ولكن مثلا بمثل أي بع بالمثل بالمثل وزاد في آخره وكذلك الميزان وكذا وقع ذكر الميزان في الطريق التي في الوكالة أي في بيع ما يوزن من المقتات بمثله قال بن عبد البر كل من روى عن عبد المجيد هذا الحديث ذكر فيه الميزان سوى مالك قلت وفي هذا الحصر نظر لما في الوكالة وهو أمر مجمع عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه كل يقول على أصله أن كل ما دخله الربا من جهة التفاضل فالكيل والوزن فيه واحد ولكن ما كان أصله الكيل لا يباع إلا كيلا وكذا الوزن ثم ما كان أصله الوزن لا يصح أن يباع بالكيل بخلاف ما كان أصله الكيل فإن بعضهم يجيز فيه الوزن ويقول إن المماثلة تدرك بالوزن في كل شئ قال وأجمعوا على أن التمر بالتمر لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثل بمثل وساء فيه الطيب والدون وأنه كله على اختلاف أنواعه جنس واحد قال وأما سكوت من سكت من الرواة عن فسخ البيع المذكور فلا يدل على عدم الوقوع إما ذهولا وإما اكتفاء بأن ذلك معلوم وقد ورد الفسخ من طريق أخرى كأنه يشير إلى ما أخرجه مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد نحو هذه القسة وفيه فقال هذا الربا فردوه قال ويحتمل تعدد القصة وأن القصة التي لم يقع فيها الرد كانت قبل تحريم ربا الفضل والله أعلم وفي الحديث قيام عذر من لا يعلم التحريم حتى يعمله وفيه جواز الرفق بالنفس وترك الحمل على النفس لاختيار أكل الطيب على الردئ خلافا لمن منع ذلك من المتزهدين واستدل به على جواز بيع العينة وهو أن يبيع السلعة من رجل ينقد ثم يشتريها منه بأقل من الثمن لأنه لم يخص بقوله ثم اشتر بالدراهم جنيبا غير الذي باع له الجمع وتعقب بأنه مطلق والمطلق لا يشمل ولكن يشيع فإذا عمل به في صورة سقط الاحتجاج به فيما عداها ولا يصح الاستدلال به على جواز الشراء ممن أبعه تلك السلعة بعينها وقيل إن وجه الاستدلال به لذلك من جهة ترك الاستفصال ولا يخفى ما فيه وقال القرطبي استدل بهذا الحديث من لم يقل بسد الذرائع لأن بعض صور هذا البيع يؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلا ويكون الثمن لغوا قال ولا جة في هذا الحديث لأنه لم ينص على جواز شراء التمر الثاني ممن باعه التمر الأول ولا يتناوله ظاهر السياق بعمومه بل بإطلاقه والمطلق يحتمل التقييد إجمالا فوجب الاستفسار وإذا كان كذلك فتقييده بأدنى دليل كاف وقد دل الدليل على سد الذرائع فلتكن هذه الصورة ممنوعة واستدل بعضهم على الجواز بما أخرجه سعيد بن منصور من طريق ابن سيرين أن عمر خطب فقال إن الدرهم بالدرهم سواء بسواء يدا بيد فقال له بن عوف فنعطي الجنيب ونأخذ غيره قال لا ولكن ابتع بهذا عرضا فإذا قبضته وكان له فيه نية فاهضم ما شئت وخذ أي نقد شئت واستدل أيضا بالاتفاق على أن من باع السلعة التي اشتراها ممن اشتراها منه بعد

[ 335 ]

مدة فالبيع صحيح فلا فرق بين التعجيل في ذلك والتأجيل فدل على أن المعتبر في ذلك وجود الشرط في أصل العقد وعدمه فإن تشارطا على ذلك في نفس العقد فهو باطل أو قبله ثم وقع العقد بغير شرط فهو صحيح ولا يخفى الورع وقال بعضهم ولا يضر إرادة الشراء إذا كان بغير شرط وهو كمن أراد أن يزني بامرأة ثم عدل عن ذلك فخطبها وتزوجها فإنه عدل عن الحرام إلى الحلال بكلمة الله التي أباحها وكذلك البيع والله أعلم وفي الحديث جواز اختيار طيب الطعام وجواز الوكالة في البيع وغيره وفيه أن البيوع الفاسدة ترد وفيه حجة على من قال إن بيع الربا جائز بأصله من حيث أنه بيع ممنوع بوصفه من حيث أنه ربا فعلى هذا يسقط الربا ويصح البيع قاله القرطبي قال ووجه لرد أنه لو كان كذلك لما رد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصفقة ولأمره برد الزيادة على الصاع قوله باب من باع نخلا قد أبرت أو أرضا مزروعة أو بإجارة أي أخذ شيئا مما ذكر بإجارة والنخل اسم جنس يذكر ويؤنث والجمع نخيل وقوله أبرت بضم الهمزة وكسر الموحدة مخففا على المشهور ومشددا والراء مفتوحة فقال أبرت النخل آبره ابرا بوزن أكلت الشئ آكله أكلا ويقال أبرته بالتشديد أؤبرت تأبيرا بوزن علمته أعلمه تعليما والتأبير التشقيق والتلقيح ومعناه شق طلع النخلة الأنثى ليذر فيه شئ من طلع النخلة الذكر والحكم مستمر بمجرد اضله ولو لم يضع فيه شيئا وروى مسلم من حديث طلحة قال مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال ما يصنع هؤلاء قالوا يجعلون الذكر في الأنثى بالوحيد الحديث قوله وقال لي إبراهيم يعني بن موسى الرازي وهشام شيخه هو بن يوسف الصنعاني قوله أيما نخل هكذا رواه بن جريج عن نافع موقوفا قال البيهقي ونافع يروي حديث النخل عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث العبد عن بن عمر عن عمر موقوفا قلت وقد أسند المؤلف حديث العبد مرفوعا كما سيأتي التنبيه عليه في كتاب الشرب ونذكر هناك إن شاء الله تعالى ما وقع لصاحب العمدة وشارحيها من الوهم فيه وحديث الحرث لم يروه غير بن جريج والرواية الموصولة ذكرها مالك والليث كما تراه في هذا الباب وفي الباب الذي يلي الباب الذي بعده ووصل مالك والليث وغيرهما عن نافع عن بن عمر قصة النخل دون غيرها واختلف على نافع وسالم في رفع ما عدا النخل فرواه الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعا في قصة النخل والعبد معا هكذا أخرجه الحفاظ عن الزهري وخالفهم سفيان بن حسين فزاد فيه ابن عمر عن عمر مرفوعا لجميع الأحاديث أخرجه النسائي وروى مالك والليث وأيوب وعبيد الله ابن عمر وغيرهم عن نافع عن بن عمر قصة النخل وعن بن عمر عن عمر قصة العبد موقوفة كذلك أخرجه أبو داود من طريق مالك بالاسنادين معا وسيأتي في الشرب من طريق مالك في قصة العبد موقوفة وجزم مسلم والنسائي والدارقطني بترجيح رواية نافع المفصلة على رواية سالم ومال على بن المديني والبخاري وابن عبد البر إلى ترجيح رواية سالم وروى عن نافع رفع القصتين أخرجه النسائي من طريق عبد ربه بن سعيد عنه وهو وهم وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع قال ما هو إلا عن عمر شأن العبد وهذا لا يدفع قوله من صحح الطريقين وجوز أن يكون الحديث عند نافع عن بن عمر على الوجهين قوله وكذلك العبد والحرث يشير بالعبد إلى حديث من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع وصورة تشبيهه بالنخل من جهة

[ 336 ]

الزوائد في كل منهما وأما الوتر فقال القرطبي أبار كل شئ بحسب ما جرت العادة أنه إذا فعل فيه نبتت ثمرته وانعقدت فيه ثم قد يعبر به عن ظهور الثمرة وعن انعقادها وإن لم يفعل فيها شئ قوله من باع نخلا قد أبرت في رواية نافع الآتية بعد يسير أيما رجل أبر نخلا ثم باع أصلها الخ وقد استدل بمنطوقه على أن من باع نخلا وعليها ثمرة مؤبرة لم الخطبة الثمرة في البيع بل تستمر على ملك البائع وبمفهومه على أنها إذا كانت غير مؤبرة أنها الخطبة في البيع وتكون للمشتري وبذلك قال جمهور العلماء وخالفهم الأوزاعي وأبو حنيفة فقال تكون للبائع قبل التأبير وبعده وعكس بن أبي ليلى فقال تكون للمشتري مطلقا وهذا كله عند إطلاق بيع النخل من غير تعرض للثمرة فإن شرطها المشتري بأن قال اشتريت النخل بثمرتها كانت للمشتري وإن شرطها البائع لنفسه قبل التأبير كانت له وخالف مالك فقال لا يجوز شرطها للبائع فالحاصل أنه يستفاد من منطوقه حكمان ومن مفهومه حكمان أحدهما بمفهوم الشرط والآخر بمفهوم الاستثناء قال القرطبي القول بدليل الخطاب يعني بالمفهوم في هذا ظاهر لأنه لو كان حكم غير المؤبرة حكم المؤبرة لكان تقييده بالشرط لغوا لا فائدة فيه تنبيه لا يشترط في التأبير أن يؤبره أحد بل لو تأبر بنفسه لم يختلف الحكم عند جميع القائلين به قوله إلا أن يشترط المبتاع المراد بالمبتاع المشتري بقرينه الإشارة إلى البائع بقوله من باع وقد استدل بهذا الإطلاق على أنه يصح اشتراط بعض الثمرة كما يصح اشتراط جميعها وكأنه قال إلا أن يشترط المبتاع شيئا من ذلك وهذه هي النكتة في حذف المفعول وانفرد بن القاسم فقال لا يجوز له شرط بعضها واستدل به على أن المؤبر يخالف في الحكم غير المؤبر وقال الشافعية لو باع نخلة بعضها مؤبر وبعضها غير مؤبر فالجميع للبائع وإن باع نخلتين فكذلك يشترط اتحاد الصفقة فإن أفرد فلكل حكمه ويشترط كونهما في بستان واحد فإن تعدد فلكل حكمة ونص أحمد على أن الذي يؤبر للبائع والذي لا يؤبر للمشري وجعل المالكية الحكم للأغلب وفي الحديث جواز التأبير وأن الحكم المذكور مختص بإناث النخل دون ذكروه وأما ذكوره فللبائع نظرا إلى المعنى ومن الشافعية من أخذ بظاهر التأبير فلم يفرق بن أنثى وذكر واختلفوا فيما لو باع نخلة وبقيت ثمرتها له ثم خرج طلع آخر من تلك النخلة فقال بن أبي هريرة هو للمشتري لأنه ليس للبائع إلا ما وجد دون ما لم يوجد وقال الجمهور هو للبائع لكونه من ثمرة المؤبرة دون غيرها ويستافد من الحديث أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد لا يفسد البيع فلا يدخل في النهي عن بيع وشرط واستدل الطحاوي بحديث الباب على جواز بيع الثمرة قبل بدو صالحها واحتج به لمذهبه الذي حكيناه في ذلك وقد تعقبه البيهقي وغيره بأنه يستدل بالشئ في غير ما ورد فيه حتى إذا جاء ما ورد فيه استدل بغير عليه كذلك فيستدل لجواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بحديث التأبير ولا يعمل بحديث التأبير بل لا فرق عنده كما تقدم في البيع قبل التأبير وبعده فإن الثمرة في ذلك للمشتري سواء شرطها البائع لنفسه أو لم يشترطها والجمع بين حديث التأبير وحديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح سهل بأن الثمرة في بيع النخل تابعه للنخل وفي حديث النهي مستقلة وهذا واضح جدا والله أعلم بالصواب قوله باب بيع الزرع بالطعام كيلا ذكر فيه حديث بن عمر في النهي عن المزابنة وفيه وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام قال بن بطال أجمع

[ 337 ]

العلماء على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام لأنه بيع مجهول بمعلوم وأما بيع رطب ذلك بيابسه بعد القطع وإمكان المماثلة فالجمهور لا يجيزون بيع شئ من ذلك بجنسه لا متفاضلا ولا متماثلا انتهى وقد تقدم البحث في ذلك قبل أبواب واحتج الطحاوي لأبي حنيفة في جواز بيع الزرع الرطب بالحب اليابس بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرطب بالرطب مثلا بمثل مع أن رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر بل تختلف اختلافا متباينا وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد وبأن الرطب بالرطب وإن تفاوت لكنه نقصان يسير فعفى عنه لقلته بخلاف الرطب بالتمر فإن تفاوته تفاوت كثير والله أعلم قوله باب بيع النخل بأصله ذكر فيه حديث بن عمر في التأبير وقد تقدم البحث فيه قبل بباب وأورده هنا من رواية الليث عن نافع بلفظ أيما امرئ أبر نخلا ثم باع أصلها قال بن بطال ذهب الجمهور إلى منع من اشترى النخل وحده أن يشتري ثمره قبل بدو صلاحه في صفقة أخرى بخلاف ما لو اشتراه تبعا للنخل فيجوز وروى بن القاسم عن مالك الجواز مطلقا قال والأول أولى لعموم النهي عن ذلك قوله باب بيع المخاضرة بالخاء والضاد المعجمتين وهي مفاعلة من الخضرة والمراد بيع الثمار والحبوب قبل أن يبدو صلاحها قوله حدثنا إسحاق بن وهب أي العلاف الواسطي وهو ثقة ليس له ولا لشيخه ولا لشيخ شيخه في البخاري غير هذا الموضوع قوله حدثنا عمرو بن يونس حدثنا أبي هو يونس بن القاسم اليمامي من بني حنيفة وثقه يحيى بن معين وغيره قليل الحديث قوله عن المحاقلة قال أبو عبيد هو بيع الطعام في سنبله بالبر مأخوذ من الحقل وقال الليث الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقة والمنهي عنه بيع الزرع قبل إدراكه وقيل بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وقيل بيع ما في رؤوس النخل بالتمر وعن مالك هو كراء الأرض بالحنطة أو بكيل طعام أو إدام والمشهور أن المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تنبت وسيأتي البحث فيه في كتاب المزارعة إن شاء الله تعالى وقد تقدم الكلام على الملامسة والمنابذة في بابه وكذلك المزابنة زاد الإسماعيل في روايته قال يونس بن القاسم والخاضرة بيع الثمار قبل أن تطعم وبيع الزرع قبل أن يشتد ويفرك منه وللطحاوي قال عمر بن يونس فسر لي أبي في المخاضرة قال لا عمي من ثمر النخل حتى يونع يحمر أو يصفر وبيع الزرع الأخضر مما يحصد بطنا بعد بطن مما يهتم بمعرفة الحكم فيه وقد أجازه الحنفية مطلقا ويثبت الخيار إذا اختلف وعند مالك يجوز إذا بدا صلاحه وللمشتري ما يتجدد منه بعد ذلك حتى ينقطع ويغتفر الغرر في ذلك للحاجة وشبه بجواز كراء خدمة العبد مع أنها تتجدد وتختلف وبكراء المرضعة مع أن لبنها يتجدد ولا يدري كم يشرب منه الطفل وعند الشافعية يصح بعد بدو الصلاح مطلقا وقبله يصح بشرط القطع ولا يصح بيع الحب في سنبله كالجوز واللوز ثم ذكر في الباب حديث أنس في النهي عن بيع ثمر النخل حتى يزهو وقد تقدم البحث فيه قريبا قوله باب بيع الجمار وأكله بضم الجيم وتشديد الميم هو قلب النخلة وهو معروف ذكر فيه حديث بن عمر من الشجر شجرة كالرجل المؤمن وقد تقدمت مباحثه في كتاب العلم وليس فيه ذكر البيع لكن الأكل منه يقتضي جواز بيعه قاله بن المنير ويحتمل أن يكون أشار إلى أنه لم يجد حديثا على شرطه يدل بمطابقته على بيع الجمار وقال بن بطال بيع الجمار وأكله من المباحات بلا

[ 338 ]

خلاف وكل ما انتفع به للأكل فبيعه جائز قلت فائدة الترجمة رفع توهم المنع من ذلك لأنه قد يظن إفسادا وإضاعة وليس كذلك وفي الحديث أكل النبي صلى الله عليه وسلم بحضرة القوم فيرد بذلك على من كره إظهار الأكل واستحب اخفاءه قياسا على إخفاء مخرجه قوله باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة قال بن المنير وغيره مقصوده بهذه الترجمة اثبات الاعتماد على العرف وأنه يقضي به على ظواهر الالفاظ ولو أن رجلا وكل رجلا في بيع سلعة فباعها بغير النقد الذي عرف الناس لم يجز وكذا لو باع موزونا أو مكيلا بغير الكيل أو الوزن المعتاد وذكر القاضي الحسين من الشافعية أن الرجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التى يبنى عليها الفقه فمنها الرجوع الى العرف في معرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية كصغر ضبة الفضة وكبرها وغالب الكثافة في اللحية ونادرها وقرب منزله وبعده وكثرة فعل أو كلام وقتله في الصلاة ومقابلا بعوض في البيع وعينا وثمن مثل ومهر مثل وكفء نكاح ومؤونة ونفقة وكسوة وسكنى وما يليق بحال الشخص من ذلك ومنها الرجوع إليه في المقادير كالحيض والطهر وأكثر مدة الحمل وسنن اليأس ومنها الرجوع إليه في فعل غير منضبط يترتب عليه الأحكام كأحياء الموات والأذن في الضيافة ودخول بيت قريب وتبسط مع صديق وما يعد قبضا وإيداعا وهدية وغصبا وحفظ وديعة وانتفاعا بعارية ومنها الرجوع إليه في أمر مخصص كألفاظ الأيمان وفي الوقف والوصية والتفويض ومقادير المكاييل والموازين والنقود وغير ذلك قوله وقال شريح للغزالين بالمعجمة وتشديد الزاي قوله سنتكم بينكم أي جائزة وهذا على أن يقرأ سنتكم بالرفع ويحتمل أن يقرأ بالنصب على حذف فعل أي الزموا وهذا وصله سعيد بن منصور من طريق بن سيرين أن ناسا من الغزالين اختصموا إلى شريح في شئ كان بينهم فقالوا إن سنتنا بيننا كذا وكذا فقال سنتكم بينكم تنبيه وقع في بعض نسخ الصحيح سنتكم بينكم ربحا وقوله ربحا يسير زائدة لا معنى لها هنا وإنما هي في آخر الأثر الذي بعده قوله وقال عبد الوهاب هو بن عبد المجيد عن أيوب عن محمد هو بن سيرين وهذا وصله أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الوهاب هذا قوله لا بأس العشرة بأحد عشر أي لا بأس أن يبيع ما اشتراه بمائة دينار مثلا كل عشرة منه بأحد عشر فيكون رأس المال عشرة والربح دينارا قال ابن بطال أصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم من غير أن يعلم مقدار الصبرة فأجازه قوم ومنعه آخرون قلت وفي كون هذا الفرع هو المراد من أثر أبن سيرين نظرا لا يخفى وأما قوله ويأخذ للنفقة ربحا فاختلفوا فيه فقال مالك لا يأخذ إلا فيما تأثير في السلعة كالصبغ والخياطة وأما أجرة السمسار والطي والشد فلا قال فإن أربحه المشتري على ما لا تأثير له جاز إذا رضي بذلك وقال الجمهور للبائع أن يحسب في المرابحة جميع ما صرفه ويقول قام على بكذا ووجه دخول هذا الأثر في الترجمة الإشارة إلى أنه إذا كان في عرف البلد أن المشتري بعشرة دراهم يباع بأحد عشرة فباعه المشتري على ذلك العرف لم يكن به بأس قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهند أي بنت عتبة زوج أبي سفيان وقد ذكر قصتها موصولة في الباب قوله واكترى الحسن أي البصري من عبد الله بن مرداس حمار الخ وصله سعيد بن منصور عن

[ 339 ]

هشمي عن يونس فذكر مثله وقوله الحمار الحمار بالنصب فيهما بفعل مضمر أي أحضر أو أطلب ويجوز الرفع أي المطلوب والدانق بالمهلمة ونون خفيفة مكسورة بعدها قاف وزن سدس درهم ووجه دخوله في الترجمة ظاهر من جهة أنه لم يشارطه اعتماد على الأجرة المتقدمة وزاد بعد ذلك على الأجرة المذكورة على طريق الفضل ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث أنس في قصة أبي طيبة وقد تقدم ذكره في أوائل البيوع وساقه فيه بهذا الإسناد ووجه دخوله في الترجمة كونه صلى الله عليه وسلم لم يشارطه على أجرته اعتمادا على العرف في مثله ثانيها حديث عائشة في قصة هند وسيأتي الكلام عليه في كتاب النفقات والمراد منها قوله خذي من ماله ما يكفيك بالمعروف فأحالها على العرف فيما ليس فيه تحديد شرعي ثالثها حديث عائشة في قوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف وسيأتي الكلام عليه في تفسير سورة النساء إن شاء الله تعالى فإنه ساقه عن إسحاق هذا بهذا الإسناد فظهر من سياقه أنه هنا بلفظ عثمان بن فرقد وهناك بلفظ عبد الله بن نمير وقد ذكره هنا بلفظ وإلي اليتيم الذي يقيم عليه وقال بن التين الصواب يقوم لأنه من القيام لا من اشتراط قلت وكذا أخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن هشام ولم يقع في رواية بن نمير شئ من ذلك ولا في رواية أبي أسامة في الصوايا ورواية يقيم مواجهة أن يلازمه أو يقيم نفسه عليه وإسحاق شيخ البخاري فيه هو بن منصور كما جزم به خلف وغيره في الأطراف وقد استخرجه أبو نعيم من مسنده إسحاق بن راهويه عن بن نمير وقال أخرجه البخاري عن إسحاق وقال في التفسير أخرجه البخاري عن إسحاق بن منصور وهشام هو ابن عروة وعثمان بن فرقد بفاء وقاف وزن جعفر هذا هو العطار البصري فيه مقال لكن لم يخرج له البخاري موصولا سوى هذا الحديث وقد قرنه بابن نمير وذكر له آخر تعليقا في المغازي والمراد منه في الترجمة حوالة وإلي اليتيم في أكله من مال على العرف قوله باب بيع الشريك من شريكه قال بن بطال هو جائز في كل شئ مشاع وهو كبيعه من الأجنبي فإن باعه من الأجنبي فللشريك الشفعة وإن باعه من الشريك ارتفعت الشفعة وذكر فيه حديث جابر في الشفعة وسيأتي الكلام عليه في بابه وحاصل كلام بن بطال مناسبة الحديث للترجمة وقال غيره معنى الترجمة حكم بيع الشريك من شريكه والمراد منه حض الشريك أن لا يبيع ما فيه الشفعة إلا من شريكه لأنه إن باعه لغيره كان للشريك أخذه بالشفعة قهرا وقيل وجه المناسبة أن الدار إذا كانت بين ثلاثة فباع أحدهم للآخر كان للثالث أن يأخذ بالشفعة ولو كان المشتري شريكا وقيل ينبني على الخلاف هل الأخذ بالشفعة أخذ من المشتري أو من البائع فإن كان من المشتري فيكون شريكا وإن كان من البائع فهو شريك شريكه وقيل مراده أن الشفيع إن كان له الأخذ قهرا فللبائع إذا كان شريكه أن يبيع له ذلك بطريق الاختيار بل أولى والله أعلم قوله باب بيع الأرض والدور والعروض مشاعا غير مقسوم ذكر فيه حديث جابر في الشفعة أيضا وسيأتي في مكانه وذكر هنا اختلاف الرواية في قوله كل مال لم يقسم أو كل ما لم لم يقسم فقال عبد الواحد بن زياد وهشام بن يوسف عن معمر كل ما لم يقسم وقال عبد الرزاق عن معمر كل مال وكذا قال عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري وطريق هشام وصلها المؤلف في ترك الحيل وطريق عبد الرزاق وصلها في الباب الذي قبله وطريق عبد الرحمن بن إسحاق وصلها مسدد في

[ 340 ]

مسنده عن بشر بن المفضل عنه وقع عند السرخسي في رواية عبد الرزاق وفي رواية عبد الواحد في الموضعين كل مال وللباقين كل ما في رواية عبد الواحد وكل مال في رواية عبد الرزاق وقد رواه إسحاق عن عبد الرزاق بلفظ قضى بالشفعة في الأموال ما لم تقسم وهو يرجح رواية غير السرخسي والله أعلم قال الكرماني الفرق بين هذه الثلاث يعني قوله تابعه وقال ورواه أن المتابعة أن يروي الراوي الآخر الحديث بعينه والرواية إنما تستعمل عند المذاكرة والقول أعم وما ادعاه من الاتحاد في المتابعة مردود فإنها أعم من أن تكون باللفظ أو بالمعنى وحصره الرواية في المذاكرة مردود أيضا فإن في هذا الكتاب ما عبر عنه بقوله رواه فلان ثم أسنده هو في موضع آخر بصيغة حدثنا وأما الذي هنا بخصوصه فعبد الرحمن بن إسحاق ليس على شرطه ولذلك حذفه مع كونه أخرج الحديث عن مسدد الذي وصله عن عبد الرحمن قوله باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي هذه الترجمة معقودة لبيع الفضولي وقد مال البخاري فيها إلى الجواز وأورد فيه حديث بن عمر في قصة الثلاثة الذين انحطت عليهم الصخرة في الغار وسيأتي في شرحه في أواخر أحاديث الأنبياء وموضع الترجمة منه قول أحدهم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة فأعطيته فأبى فعمدت إلى الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها فإن فيه يطلق الرجل في مال الأجير بغير إذنه ولكنه لما ثمره له ونماه وأعطاه أخذه ورضى وطريق الاستدلال به ينبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا والجمهور على خلافه والخلاف فيه شهير لكن يتقرر بأن النبي صلى الله عليه وسلم ساقه مساق المدح والثناء على فاعله وأقره على ذلك ولو كان لا يجوز لبينه فبهذا الطريق يصح الاستدلال به لا بمجرد كونه شرع من قبلنا وفي اقتصار البخاري على الاستنباط لهذا الحكم بهذه الطريق دلالة على أن الذي أخرجه في فضل الخيل من حديث عروة البارقي في قصة بيعه الشاة لم يقصد به الاستدلال لهذا الحكم وقد أجيب عن حديث الباب بأنه يحتمل أنه استأجره بفرق في الذمة ولما عرض عليه الفرق فلم يقبضه استمر في ذمة المستأجر لأن الذي في الذمة لا يتعين إلا بالقبض فلما يطلق فيه المالك صح تصرفه سواء اعتقده لنفسه أو لأجيره ثم انه تبرع بما اجتمع منه على الأجير برضا منه والله أعلم قال بن بطال وفيه دليل على صحة قول بن القاسم إذا أودع رجل رجلا طعاما فباعه المودع بثمن فرضي المودع فله الخيار إن شاء أخذ الثمن الذي باعه به وإن شاء أخذ مثل طعامه ومنع أشهب قال لأنه طعام بطعام فيه خيار واستدل به لأبي ثور في قوله إن من غصب قمحا فزرعه أن كل ما أخرجت الأرض من القمح فهو لصاحب الحنطة وسيأتي بقية الكلام على هذا الفرع وما يتعلق به مع الكلام على بقية فوائد حديث أهل الغار في أواخر أحاديث الأنبياء وقوله في هذه الطريق أخبرنا بن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن نافع فيه إدخال الواسطة بين بن جريج ونافع وابن جريح قد سمع الكثير ففيه دلالة على قلة تدليس بن جريج وروايته عن موسى من نوع رواية الأقران وفي الإسناد ثلاثة من التابعين

[ 341 ]

في نسق وقوله في المتن الحلاب بكسر المهملة وتخفيف اللام آخره موحدة الإناء الذي يحلب فيه أو المراد اللبن وقوله يتضاغون بمعجمتين أي يتباكون من الضعفاء وهو البكاء بصوت وقوله فرجة بضم الفاء ويجوز الفتح والفرق تقدم في الزكاة والذرة بضم المعجمة وتخفيف الراء معروف قوله باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب قال بن بطال معاملة الكفار جائزة إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين واختلف العلماء في مبايعة من غالب ماله الحرام وحجة من رخص فيه قوله صلى الله عليه وسلم للمشرك أبيعا أم هبة وفيه جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده وجواز قبول الهدية منه وسيأتي حكم هدية المشركين في كتاب الهبة قلت وأورد المصنف فيه حديث الباب شوال هذا أتم سياقا منه ويأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى وقوله فيه مشعان بضم الميم وسكون المعجمة بعدها مهلمة وآخره نون ثقيلة أي طويل شعث الشعر وسيأتي تفسيره للمصنف في الهبة وقوله أبيعا أم عطية منصوب بفعل مضمر أي أتجعله ونحو ذلك ويجوز الرفع أي أهذا وقد تقدم قريبا في باب بيع السلاح في الفتنة ما يتعلق بمبايعة أهل الشرك قوله باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه قال بن بطال غرض البخاري بهذه الترجمة إثبات ملك الحربي وجواز تصرفه في ملكه بالبيع والهبة والعتق وغيرها إذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم سلمان عند مالكه من الكفار وأمره أن يكاتب وقبل الخليل هبة الجبار وغير ذلك مما تضمنه حديث الباب قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسلمان أي الفارسي غالبا وكان حرا فظلموه وباعوه هذا طرف من حديث وصله أحمد والطبراني من طريق بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد عن سلمان قال كنت رجلا فارسيا فذكر الحديث بطوله وفيه ثم مر بن نفر من كلب تجار فحملوني معهم حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي الحديث وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يا سلمان قال فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة ودية وأخرجه بن حبان والحاكم في صحيحيهما من وجه آخر عن زيد بن صوحان عن سلمان نحوه وأخرجه أبو أحمد وأبو يعلى والحاكم من حديث بريدة بمعناه تنبيه قوله كان حرا فظلموه وباعوه من كلام البخاري لخصه من قصته في الحديث الذي علقه وظن الكرماني أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بعد قوله لسلمان كاتب يا سلمان فقال قوله وكان حرا حال من قال النبي لا من قوله غالبا ثم قال كيف أمره بالكتابة وهو حر وأجيب بأنه أراد بالكتابة صورتها لا حقيقتها وكأنه أراد افد نفسك وتخلص من الظلم كذا قال وعلى تسليم أن قوله وكان حرا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يتعين منه حمل الكتابة على المجاز لاحتمال أن يكون أراد بقوله وكان حرا أي قبل أن يخرج من بلده فيقع في أسر الذين ظلموه وباعوه ويستفاد من هذا كله تقرير أحكام المشركين على ما كانوا عليه قبل الإسلام وقد قال الطبري إنما أقر اليهودي على تصرفه في سلمان بالبيع ونحوه لأنه لما ملكه لم يكن سلمان على هذه خالف وإنما كان قد تنصر وحكم هذه خالف أن من غلب من الكفار على نفس غيره أو ماله ولم يكن المغلوب فيمن دخل في الإسلام أنه يدخل في ملك الغالب قوله وسبى عمار وصهيب وبلال أما قصة سبي عمار فما ظهر لي المراد منها لأن عمارا كان عربيا عنسيا بالنون والمهلمة ما وقع عليه سبي وإنما سكن أبوه ياسر مكة وحالف بني مخزوم فزوجوه سمية وهي من مواليهم فولدت له عمارا فيحتمل أن يكون المشركون عاملوا عمارا معاملة السبي

[ 342 ]

لكون أمه من مواليهم دخلا في رقهم وأما صهيب فذكر بن سعد أن أباه من النمر بن قاسط وكان عاملا لكسرى فسبت الروم صهيبا لما غزت أهل فارس فابتاعه منهم عبد الله بن جدعان وقيل بل هرب من الروم إلى مكة فخالف بن جدعان وستأتي الإشارة إلى قصته في الكلام على الحديث الثالث وأما بلال فقال مسدد في مسنده حدثنا معتمر عن أبيه عن نعيم بن أبي هند قال كان بلال لأيتام أبي جهل فعذبه عروبة أبي بكر رجلا فقال اشتر لي بلال فأعتقه وروى عبد الرزاق من طريق سعيد بن المسيب قال قال أبو بكر للعباس اشتر لي بلالا فاشتراه فأعتقه أبو بكر وفي المغازي لابن إسحاق حدثني هشام بن عروة عن أبيه قال مر أبو بكر بأمية بن خلف وهو يعذب بلالا فقال ألا تتقي الله في هذا المسكين قال أنقذه أنت مما ترى فأعطاه أبو بكر غلاما أجلد منه وأخذ بلالا فأعتقه ويجمع بين القصتين بأن كلا من أمية وأبي جهل كان يعذب بلالا ولهما شوب فيه قوله وقال الله تعالى والله فضل بعضكم على بعض في الرزق الآية موضع الترجمة منه قوله تعالى على ما ملكت أيمانهم فأثبتت لهم ملك اليمين مع كون ملكهم غالبا كان على غير الأوضاع الشرعية وقال بن المنير مقصوده صحة ملك الحربي وملك المسلم عنه والمخاطب في الآية المشركون والتوبيخ الذي وقع لهم بالنسبة الى ما عاملوا به أصنامهم من التعظيم ولم يعاملوا ربهم بذلك وليس هذا من غرض هذا الباب ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث أحدها حديث أبي هريرة في قصة إبراهيم عليه السلام وسارة مع الجبار وفيه أنه أعطاها هاجر ووقع هنا آجر بهمزة بدل الهاء وقوله كبت بفتح الكاف والموحدة بعدها مثناة أي أخزاه وقيل رده خائبا وقيل أحزنه وقيل صرعه وقيل صرفه وقيل أذله حكاها كلها بن التين وقال أنها متقاربة وقيل أصل كبت كبد أي بلغ الهم كبده فأبدلت الدال مثناة وقوله أخدم أي مكن من الخدمة وسيأتي الكلام عليه مستوي في أحاديث الأنبياء وموضع الترجمة منه قول الكافر أعطوها هاجر وقبول سارة منه وإمضاء إبراهيم عليه السلام ذلك ففيه صحة هبة الكافر ثانيها حديث عائشة في قصة بن وليدة زمعة وقد تقدم قريبا ويأتي الكلام عليه في الباب المحال عليه ثم وموضع الترجمة منه تقرير النبي صلى الله عليه وسلم ملك زمعة كحياض وإجراء أحكام الرق عليها ثالثها حديث صهيب قوله عن سعد أي بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قوله قال عبد الرحمن ابن عوف لصهيب اتق الله ولا تدع إلى غير أبيك كان صهيب يقول إنه بن سنان بن مالك

[ 343 ]

بن عبد عمرو بن عقيل ويسوق نسبا ينتهي إلى النمر بن قاسط وأن أمه من بني تميم وكان لسانه أعجميا لأنه ربي بين الروم فغلب عليه لسانهم وقد روى الحاكم من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال قال عمر لصهيب ما وجدت عليك في الإسلام إلا ثلاثة أشياء اكتنيت أبا يحيى وأنك لا تمسك شيئا وتدعى إلى النمر بن قاسط فقال أما الكنية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني وأما النفقة فإن الله يقول وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وأما النسب فلو كنت من روثة لا نتسبت إليها ولكن كان العرب يسبى بعضهم بعضا فسباني ناس بعد أن عرفت مولدي وأهلي فباعوني فأخذت بلسانهم يعني اختلفوا الروم ورواه الحاكم أيضا وأحمد وأبو يعلى بن سعد والطبراني من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن حمزة بن صهيب عن أبيه أنه كان يكنى أبا يحيى ويقول أنه من العرب ويطعم الكثير فقال له عمر فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني وإني رجل من النمر بن قاسط من أهل الموصل ولكن سبتني الروم غلاما صغيرا بعد أن عقلت قومي وعرفت نسبي وأما العام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خياركم من أطعم الطعام ورواه الطبراني من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال خرجت مع عمر حتى دخلناه على صهيب فلما رآه صهيب قال يا ناس يا ناس فقال عمر ماله يدعو الناس فقيل إنما يدعو غلامه يحنس فقال يا صهيب ما فيك شئ أعيبه إلا ثلاث خصال فذكر نحوه وقال فيه وأما انتسابي إلى العرب فإن الروم سبتني وأنا صغير وإني لأذكر أهل بيتي ولو أني انفلقت عن روثة لا نتسبت إليها فهذه طرق تقوي بعضها ببعض فلعله اتفقت له هذه المراجعة بينه وبين عمر مرة بينه وبين عبد الرحمن بن عوف أخرى ويدل عليه اختلاف السياق رباعها حديث حكيم بن حزام أنه قال يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها الحديث وقد تقدم الكلام عليه في الزكاة وموضع الترجمة منه ما تضمنه الحديث من وقوع الصدقة والعتاقة من المشرك فإنه يتضمن صحة ملك المشرك إذ صحة العتق متوقفة على صحة الملك وسيأتي الكلام على قوله أتحنث هل هو بالمثلثة أو المثناة في كتاب الأدب وذكر الكرماني أنه روى هنا أتحبب بموحدتين وكان الأولى أن ينسبها لقائلها قوله باب جلود الميتة قبل أن تدبغ أي هل يصح بيعها أم لا أورد فيه حديث بن عباس في شاة ميمونة وكأنه أخذ جواز البيع من جواز الاستمتاع لأن كل ما ينتفع به يصح بيعه ومالا فلا وبهذا يجاب عن اعتراض الاسماعيلي بأنه ليس في الخبر الذي أورده تعرض للبيع والانتفاع بجلود الميتة مطلقا قبل الدباغ وبعده مشهور من مذهب الزهري وكأنه اختيار البخاري وحجته مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم إنما حرم أكلها فإنه يدل على أن كل ما عدا أكلها مباح وسيأتي الكلام عليه مستوفي في كتاب ماءكم إن شاء الله تعالى قوله باب قتل الخنزير أي هل يشرع كما شرع تحريم أكله ووجه دخوله في أبواب البيع الإشارة إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه قال بن التين شذ بعض الشافعية فقال لا يقتل الخنزير إذا لم يكن فيه ضرواة قال والجمهور على جواز قتله مطلقا والخنزير بوزن غربيب ونونه أصليه وقيل زائدة وهو مختار الجوهري قوله وقال جابر حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الخنزير هذا طرف من حديث وصله المؤلف كما سيأتي بعد تسعة أبواب ثم ذكر المصنف في الباب حديث أبي هريرة في نزول عيسى بن مريم فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وسيأتي الكلام عليه

[ 344 ]

مستوفى في أحاديث الأنبياء وموضع الترجمة منه قوله ويقتل الخنزير أي يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله وفيه توبيخ عظيم للنصارى الذي يدعون أنهم على طريقة عيسى ثم يستحلون أكل الخنزير ويبالغون في محبته قوله باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه رواه جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أي روى معناه وسيأتي شرح ذلك في باب بيع الميتة والأصنام قوله بلغ عمر بن الخطاب أن فلانا باع خمرا في رواية مسلم وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة بهذا الإسناد أن سمرة باع خمرا فقال قاتل الله سمرة زاد البيهقي من طريق الزعفراني عن سفيان عن سمرة بن جندب قال بن الجوزي والقرطبي وغيرهما اختلف في كيفية بيع سمرة للخمر على ثلاثة أقوال أحدها أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم معتقدا جواز ذلك وهذا حكاه بن الجوزي عن بن ناصر ورجحه وقال كان ينبغي له أن يوليهم بيعها فلا يدخل في محظور وإن أخذ أثمانها منهم بعد ذلك لأنه لم يتعاط محرما ويكون شبيها بقصة بريرة حيث قال هو عليها صدقة ولنا هدية والثاني قال الخطابي يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمرا والعصير سمي خمرا كما قد يسمى العنب به لأنه يئول إليه قاله الخطابي قال ولا يظن بسمرة أنه باع عين الخمر بعد أن شاع تحريمها وإنما باع العصير والثالث أن يكون خلل الخمر وباعها وكان عمر يعتقد أن ذلك لا يحلها كما هو قول أكثر العلماء واعتقد سمرة الجواز كما تأوله غيره أنه يحل التخليل ولا ينحصر الحل في تخليلها بنفسها قال القرطبي تبعا لابن الجوزي والأشبه الأول قلت ولا يتعين على الوجه الأول أخذها عن الجزية بل يحتمل أن تكون حصلت له عن غنيمة أو غيرها وقد أبدى الاسماعيلي في المدخل فيه احتمالا آخر وهو أن سمرة علم تحريم الخمر الخمر ولم يعلم تحريم بيعها ولذلك اقتصر عمر على ذمه دون عقوبته وهذا هو الظن به ولم أر في شئ من الأخبار أن سمرة كان واليا لعمر على شئ من أعماله إلا أن بن الجوزي أطلق أنه كان واليا على البصرة لعمر بن الخطاب وهو وهم فإنما ولي سمرة على البصرة لزياد وابنه عبيد الله بن زياد بعد عمر بدهر وولاة البصرة لعمر قد ضبطوا وليس منهم سمرة ويحتمل أن يكون بعض أمرائها استعلم سمرة على قبض الجزية قوله حرمت عليهم الشحوم أي أكلها وإلا فلو حرم عليهم بيعها لم يكن لهم حيلة فيما صنعوه من إذابتها قوله فجملوها بفتح الجيم والميم أي أذابوها يقال جملة إذا أذابه والجميل الشحم المذاب ووجه تشبيه عمر بيع المسلمين الخمر ببيع اليهود المذاب من الشحم الاشتراك في النهي عن تناول كل منهما لكن ليس كل ما حرم تناوله حرم بيعه كالحمر الأهلية وسباع الطير فالظاهر أن اشتراكهما في كون كل منهما صار بالنهي عن تناوله نجسا هكذا حكاه بن بطال عن الطبري وأقره وليس بواضح بل كل ما حرم تناوله حرم بيعه وتناول الحمر والسباع وغيرهما مما حرم أكله إنما يتأتى بعد ذبح وهو بالذبح يصير ميتة لأنه لا ذكاة له وإذا صار ميتة صار نجسا ولم يجز بيعه فالايراد في الأصل غير وارد هذا قول الجمهور وإن خالف في بعضه بعض الناس وأما قول بعضهم الابن إذا ورث جارية أبيه حرم عليه وطؤها وجاز له بيعها وأكل ثمنها فأجاب عياض عنه بأنه تمويه لأنه لم يحرم عليه الانتفاع بها مطلقا وإنما حرم عليه الاستمتاع بها لأمر خارجي والانتفاع بها لغيره في الاستمتاع وغيره حلال إذا ملكها بخلاف الشحوم فإن المقصود منها وهو الأكل كان محرما على اليهود في كل حال وعلى كل شخص فافترقا وفي الحديث لعن العاصي المعين

[ 345 ]

ولكن يحتمل أن يقال إن قول عمر قاتل الله سمرة لم يرد به ظاهره بل هي كلمة تقولها العرب عند إرادة الزجر فقالها في حقه تغليظا عليه وفيه إقالة ذوي الهيآت زلاتهم لأن عمر اكتفى بتلك الكلمة عن مزيد عقوبة ونحوها وفيه إبطال الحيل والوسائل إلى المحرم وفيه تحريم بيع الخمر وقد نقل بن المنذر وغيره في ذلك الإجماع وشذ من قال يجوز بيعها ويجوز بيع العنقود المستحيل باطنه خمرا واختلف في علة ذلك فقيل لنجاستها وقيل لأنه ليس فيها منفعة مباحة مقصودة وقيل للمبالغة في التنفير عنها وفيه أن الشئ إذا حرم عينه حرم العجلي وفيه دليل على أن بيع المسلم الخمر من الذمي لا يجوز وكذا توكيل المسلم الذمي في بيع الخمر وأما تحريم بيعها على أهل الذمة فمبني على الخلاف في خطاب الكافر بالفروع وفيه استعمال القياس في الأشباه والنظائر واستدل به على تحريم بيع جثة الكافر إذا قتلناه وأراد الكافر شراءه وعلى منع بيع كل محرم نجس ولو كان فيه منفعة كالسرقين وأجاز ذلك الكوفيون وذهب بعض المالكية إلى جواز ذلك للمشتري دون البائع لاحتياج المشتري دونه وسيأتي في باب بيع الميتة من حديث جابر بيان الوقت الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذه المقالة وفيه البحث عن الانتفاع بشحم الميتة وإن حرم بيعها وما يستثني من تحريم بيع الميحة إن شاء الله تعالى قوله أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله قاتل الله يهودا كذا بالتنوين على إرادة البطن وفي رواية بغير تنوين على إرادة القبيلة وقد ذكر المصنف في رواية المستملي في آخر الباب أن معنا لعنهم واستشهد بأن قوله تعالى قتل الخراصون معناه لعن وهو تفسير بن عباس في قتل وقوله الخراصون الكذابون هو تفسير مجاهد رواهما الطبري في تفسير عنهما وقال الهروي معنى قاتلهم قتلهم قال وفاعل أصلها أن يقع الفعل بين اثنين وربما جاء من واحد كسافرت وطارقت النعل وقال غيره معنى قاتلهم عادهم وقال الداودي من صار عدوا لله وجب قتله وقال البيضاوي قاتل أي عادي أو قتل وأخرج في صورة المبالغة أو عبر عنه بما هو مسبب عنهم فإنهم بما اخترعوا من الحيلة انتصبوا لمحاربة الله ومن حاربه حرب ومن قاتله قتل قوله باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح وما يكره من ذلك أي من الاتخاذ أو البيع أو الصنعة أو ما هو أعم من ذلك والمراد بالتصاوير الأشياء التي تصور ثم ذكر المؤلف رحمه الله حديث بن عباس مرفوعا من صور صورة فإن الله معذبه الحديث وجه الاستدلال به على كراهية البيع وغيره واضح وسعيد بن أبي الحسن راويه عن بن عباس هو أخو الحسن البصري وهو أسن منه ومات قبله وليس له في البخاري موصولا سوى هذا الحديث وسيأتي الكلام عليه مستوفي فكتاب اللباس إن شاء الله تعالى قوله فربا الرجل بالراء والموحدة أي انتفخ قال الخليل ربا الرجل أصابه نفس في جوفه وهو الربو والربوة وقيل معناه ذعر وامتلأ خوفا وقوله ربوة بضم الراء وبفتحها قوله فعليك بهذا الشجر كل شئ ليس فيه روح كذا في الأصل بخفض كل على أنه بدل كل من بعض وقد جوزه بعض النحاة ويحتمل أن يكون على حذف مضاف أي عليك بمثل الشجر أو على حذق واو العطف أي وكل شئ ومثله قولهم في التحيات الصلوات إذ المعنى والصلوات وبهذا الأخير جزم القدرة في جمعه وكذا ثبت في رواية مسلم والاسماعيلي بلفظ فاصنع الشجر ومالا نفس له ولأبي نعيم من طريق هوذة عن عوف

[ 346 ]

فعليك بهذا الشجر وكل شئ ليس فيه روح بإثابت واو العطف وقال الطيبي قوله كل شئ هو بيان لشجر لأنه لما منعه عن التصوير وأرشده إلى الشجر كان غير واف بمقصوده ولأنه قصد كل ما لا روح فيه ولم يقصد خصوص الشجر وقوله كل بالخفض ويجوز النصب قوله قال أبو عبد الله هو المصنف قوله سمع سعيد بن أبي عروبة من النضر بن أنس هذا الواحد أي الحديث سقطت هذه الزيادة من رواية النسفي هنا وأشار بذلك إلى ما أخرجه في اللباس من طريق عبد الأعلى عن سعيد عن النضر عن بن عباس بمعناه وسأذكر ما بين الكلب من التغاير هناك إن شاء الله تعالى ثم وجدت في نسخة الصغاني قبل قوله سمع سعيد مانصه قال أبو عبد الله وعن محمد عن عبدة عن سعيد بن أبي عروبة سمعت النضر بن أنس قال كنت عند بن عباس بهذا الحديث وبعده قال أبو عبد الله سمع سعيد الخ فزال الإشكال بهذا ولم أجد هذا في شئ من نسخ البخاري إلا في نسخة الصغاني ومحمد المذكور هو بن سلام وعبدة هو بن سليمان قوله باب تحريم التجارة في الخمر تقدم وكما هذه الترجمة في أبواب المساجد لكن بقيد المسجد وهذه أعم من تلك قوله وقال جابر حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الخمر سيأتي موصولا بعد ستة أبواب ونذكر تحرير المسألة هناك إن شاء الله تعالى ثم أورد حديث عائشة بلفظ حرمت التجارة في الخمر وقد تقدم في باب أكل الربا من هذا الوجه أتم سياقا ولأحمد والطبراني من حديث تميم الداري مرفوعا إن الخمر حرام شراؤها وثمنها قوله باب إثم من باع حرا أي عالما متعمدا والحر الظاهر أن المراد به من بني آدم ويحتمل أن يكون أعم من ذلك فيدخل مثل الموقوف قوله حدثنا بشر بن مرحوم هو بشر بن عبيس بمهمله ثم موحدة مصغرا بن مرحوم بن عبد العزيز بن مهران العطار فنسب إلى جده وهو شيخ بصري ما أخرج عنه من الستة إلا البخاري وقد أخرج حديثه هذا في الإجارة عن شيخ آخر وافق بشرا في روايته له عن شيخهما قوله حدثنا يحيى بن سليم بالتصغير هو الطائفي نزيل مكة مختلف في توثيقه وليس له في البخاري موصولا سوى هذا الحديث وذكره في الإجارة من وجه آخر عنه والتحقيق أن الكلام فيه إنما وقع في روايته عن عبيد الله بن عمر خاصة وهذا الحديث من غير روايته واتفق الرواة عن يحيى بن سليم على أن الحديث من رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة وخالفهم أبو جعفر النفيلي فقال عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال البيهقي والمحفوظ قول الجماعة قوله ثلاثة أنا خصمهم زاد بن خزيمة وابن حبان والاسماعيلي في هذا الحديث ومن كنت خصمه خصمته قال بن التين هو سبحانه وتعالى خصم لجميع الظالمين إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح والخصم يطلق على الواحد وعلى الإثنين وعلى أكثر من ذلك وقال الهروي الواحد بكسر أوله وقال الفراء الأول قول الفصحاء ويجوز في الإثنين خصمان والثلاثة خصوم قوله أعطى بي ثم غدر كذا للجميع على حذف المفعول والتقدير أعطى يمينه بي أي عاهد عهدا وحلف عليه بالله ثم نقضه قوله باع حرا فأكل العجلي خص الأكل بالذكر لأنه أعظم مقصود ووقع عند أبي داود من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا ثلاثة لا تقبل منهم صلاة فذكر فيهم ورجل اعتبد محررا وهذا أعم من الأول في الفعل وأخص منه في المفعول به قال الخطابي اعتباد الحر يقع بأمرين أن يعتقه ثم يكتم ذلك أو يجحد والثاني أن يستخدمه

[ 347 ]

كرها بعد العتق والأول أشدهما قلت وحديث الباب أشد لأن فيه مع كتم العتق أو جحده العمل بمقتضى ذلك من البيع وأكل الثمن فمن ثم كان الوعيد عليه أشد قال المهلب وإنما كان إثمه وعطاء لأن المسلمين أكفاء في الحرية فمن باع حرا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له وألزمه الذل الذي أنقذه الله منه وقال بن الجوزي الحر عبد الله فمن جنى عليه فخصمه سيده وقال بن المنذر لم أيختلفوا في أن من باع حرا أنه لا قطع عليه يعني إذا لم يسرقه من حرز مثله إلا ما يروي عن علي تقطع يد من باع حرا قال وكان في جواز بيع الحر خلاف قديم ثم ارتفع فروى عن علي قال من أقر على نفسه بأنه عبد فهو عبد قلت يحتمل أن يكون محله فيمن لم تعلم حريته لكن روى بن أبي شيبة من طريق قتادة أن رجلا باع نفسه فقضى عمر بأنه عبد وجعل العجلي في سبيل الله ومن طريق زرارة بن أوفى أحد التابعين أنه باع حرا في دين ونقل أبي حزم أن الحر كان يباع في الدين حتى نزلت وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ونقل عن الشافعي مثل رواية زرارة ولا يثبت ذلك أكثر الأصحاب واستقر الإجماع على المنع قوله ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره هو في معنى من باع حرا وأكل العجلي لأنه استوفى منفعته بغير عوض وكأنه أكلها ولأنه استخدمه بغير أجرة وكأنه بالأديان قوله باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ببيع أرضيهم كذا في رواية أبي ذر فتح الراء وكسر الضاد المعجمة جمع أرض وهو جمع شاذ لأنه جمع جمع السلامة ولم يبق مفرده سالما لأن الراء في المفرد ساكنة وفي الجمع محركه قوله حين أجلاهم أي من المدينة قوله فيه المقبري عن أبي هريرة يشير إلى ما أخرجه في الجهاد في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة قال بينا نحن في المسجد إذ خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال انطلقوا إلى اليهود وفيه فقال أني أريد أن أجليكم فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه وهذه القصة وقعت لبني النضير كما سيأتي بيان ذلك في موضعه وكأن المصنف أخذ بيع الأرض من عموم بيع المال وقد تقدم في أبواب الخيار في قصة عثمان وابن عمر إطلاق المال على الأرض وغفل الكرماني عن الإشارة إلى هذا الحديث فقال إنما ذكر البخاري هذا الحديث بهذه الصيغة مقتبضا لكونه لم يثبت الحديث المذكور على شرطه والصواب أنه اكتفى هنا بالإشارة إليه لاتحاد مخرجه عنده ففر من تكرار الحديث على صورته بغير فائدة زائدة كما هو الغالب من عادته قوله باب بيع العبد والحيوان بالحيوان نسيئة التقدير بيع العبد بالعبد نسيئة والحيوان بالحيوان نسيئة وهو من عطف العام على الخاص وكأنه أراد بالعبد جنس من يستعبد فيدخل فيه الذكر والأنثى ولذلك ذكر قصة صفية أو أشار إلى إلحاق حكم الذكر بحكم الأنثى في ذلك لعدم الفرق قال بن بطال اختلفوا في ذلك فذهب الجمهور إلى الجواز لكن شرط مالك أن يختلف الجنس ومنع الكوفيون وأحمد مطلقا لحديث سمرة المخرج في السنن ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في سماع الحسن من سمرة وفي الباب عن بن عباس عند البزار والطحاوي ورجاله ثقات أيضا إلا أنه اختلف في وصله وإرساله فرجح البخاري وغير واحد إرساله وعن جابر عند الترمذي وغيره وإسناده لين وعن جابر بن سمرة عند عبد الله في زيادات المسند وعن بن عمر عند الطحاوي والطبراني واحتج للجمهور بحديث عبد الله بن عمرو إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا وفيه فابتاع البعير بالبعيرين

[ 348 ]

بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الدارقطني وغيره وإسناده قوي واحتج البخاري هنا بقصة صفية واستشهد بآثار الصحابة قوله واشترى بن عمر راحلة بأربعة بأبعرة الحديث وصله مالك والشافعي عنه عن نافع عن بن عمر بهذا ورواه بن أبي شيبة من طريق أبي بشر عن نافع أن بن عمر اشترى ناقة بأربعة أبعرة بالربذة فقال لصاحب الناقة أذهب فأنظر فإن رضيت فقد وجب البيع وقوله راحلة أي ما أمكن ركوبه من الإبل ذكرا أو أنثى وقوله مضمونة صفة راحلة أي تكون في ضمان البائع حتى يوفيها أي يسلمها للمشتري والربذة بفتح الراء والموحدة والمعجمة مكان معروف بين مكة والمدينة قوله وقال بن عباس قد يكون البعير خيرا من البعيرين وصله الشافعي من طريق طاوس أن بن عباس سئل عن بعير ببعيرين فقال قوله واشتري رافع بن خديج بعيرا ببعيرين فأعطاه أحدهما وقال آتيك بالآخر غدا رهوا إن شاء الله وصله عبد الرزاق من طريق مطرف بن عبد الله عنه وقوله رهوا بفتح الراء وسكون الهاء أي سهلا والرهو السير السهل والمراد به هنا أن يأتيه به سريعا من غير مطل قوله وقال بن المسيب لا ربا في الحيوان البعير بالبعيرين والشاة بالشاتين إلى أجل أما قوله سعيد فوصله مالك عن بن شهاب عنه لا ربا في الحيوان ووصله بن أبي شيبة من طريق أخرى عن الزهري عنه لا بأس بالبعير بالبعيرين نسيئة قوله وقال بن سيرين لا بأس ببعير ببعيرين ودرهم بدرهم نسيئة كذا في معظم الروايات ووقع في بعضها ودرهم بدرهمين نسيئة وهو خطأ والصواب درهم بدرهم وقد وصله عبد الرزاق من طريق أيوب عنه بلفظ لا بأس بعير ببعيرين ودرهم بدرهم نسيئة فإن كان أحد البعيرين نسيئة فهو مكروه وروى سعيد بن منصور من طريق يونس عنه أنه كان لا يرى بأسا بالحيوان بالحيوان يدا بيد أو الدراهم نسيئة ويكره أن تكون الدراهم نقدا والحيوان نسيئة قوله كان في السبي صفية فصارت إلى دحية ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذا أورده مختصار وأشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه مما يناسب ترجمته أنه صلى الله عليه وسلم عوض دحية عنها بسبعة أرؤس وهو عند مسلم من طريق حماد بن ثابت وللمصنف من وجه آخر كما سيأتي فقال لدحية خذ جارية من السبي غيرها قال بن بطال ينزل تبديلها بجارية غير معينة يختارها منزلة بيع جارية بجارية نسيئة وسيأتي الكلام على قصة صفية هذه مستوفي في غزوة خيبر إن شاء الله تعالى قوله باب بيع الرقيق أورد فيه حديث أبي سعيد أنه قال يا رسول الله إنا نصيب سبايا فنحب الأثمان الحديث ودلالته على الترجمة واضحة وسيأتي الكلام عليه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى وقوله في هذا السياق أنه بينما هو جالس عند النبي فقال يا رسول الله إنا نصيب سبيا يوهم أنه السائل وليس كذلك بل وقع في السياق حذف ظهر بيانه مما ساقه النسائي عن عمرو بن منصور عن أبي وابنه شيخ البخاري فيه بلفظ بينما هو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم جاء رجل من الأنصار فقال فذكره وسيأتي البحث في ذلك قوله باب بيع المدبر أي الذي علق مالكه عتقه بموت مالكه سمي بذلك لأن الموت دبر الحياة أو لأن فاعله دبر أمر دنياه وأخرته أما دنياه فباستمراره على للإنتفاع بخدمة عبدة وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق وهو راجع إلى الأول لأن تدبير الأمر مأخوذ من النظر في العاقبة فيرجع إلى دبر الأمر وهو آخره وقد أعاد المصنف هذه الترجمة في كتاب العتق وضرب عليها في نسخة

[ 349 ]

الصغاني وصارت أحاديثها داخلة في بيع الرقيق وتوجيهها واضح وكذا هو في رواية النسفي وأورد المصنف فيه حديثين كل منهما من طريقين الأول حديث جابر في بيع المدبر قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي خالد وعطاء هو بن أبي رباح وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق إسماعيل وسلمة وعطاء فإسماعيل وسلمة قرينان من صغار التابعين وعطاء من أوساطهم قوله باع النبي صلى الله عليه وسلم المدبر هكذا أورده مختصرا وأخرجه بن ماجة من طريق وكيع كذلك وأخرجه أحمد عن وكيع كذلك لكن زاد عن سفيان وإسماعيل جميعا عن سلمة وأخرجه الاسماعيلي من طريق أبي بكر بن خالد عن وكيع ولفظه في رجل أعتق غلاما له عن دبر وعليه دين فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمانمائة درهم وقد أخرجه المصنف في الأحكام عن ابن نمير شيخه فيه هنا لكن قال عن محمد بن بشر بدل وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد ولفظه بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره فباعه بثمانمائة درهم ثم أرسل بثمنه إليه وترجم عليه بيع الإمام على الناس أموالهم وقال في الترجمة وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم مدبرا من نعيم بن النحام وأشار بذلك إلى ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق أيوب عن أبي الزبير عن جابر أن رجلا من الأنصار يقال له أبو مذكور أعتق غلاما له يقال له يعقوب عن دبر لم يكن له مال غيره فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من يشتريه فاشتراه نعيم بن عبد الله النحام بثمانمائة درهم فدفعها إليه الحديث وقد تقدم في باب بيع المزايدة من وجه آخر عن عطاء بلفظ أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال من يشتريه مني فاشتراه نعيم بن عبد الله فأفاد في هذه الرواية سبب بيعه وهو الاحتياج إلى العجلي وفي رواية بن خلاد زيادة في تفسير الحاجة وهو الدين فقد ترجم له في الاستقراض من باع مال المفلس فقسمه بين الغرماء أو أعطاه حتى ينفق على نفسه وكأنه أشار بالأول إلى ما تقدم من رواية وكيع عند الاسماعيلي في قوله وعليه دين وإلى ما أخرجه النسائي من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيل بلفظ أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر وكان محتاجا وكان عليه دين فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمانمائة درهم فأعطاه وقال اقض دينك وبالثاني إلى ما أخرجه مسلم والنسائي من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر قال أعتق رجل من بني عذرة عبدا له عن دبر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال ألك مال غيره فقال لا الحديث وفيه فدفعها إليه ثم قال ابدأ بنفسك فتصدق عليها الحديث وفي رواية أيوب المذكورة نحوه ولفظه إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه فإن كان فضل فعلى عياله الحديث فاتفقت هذه الروايات على أن بيع المدبر كان في حياة الذي دبره إلا ما رواه شريك عن سلمة بن كهيل بهذا الإسناد أن رجلا مات وترك مدبرا ودينا فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فباعه في دينه بثمانمائة درهم أخرجه الدارقطني ونقل عن شيخه أبي بكر النيسابوري أن شريكا أخطأ فيه والصحيح ما رواه الأعمش وغيره عن سلمة وفيه ودفع العجلي إليه وفي رواية النسائي من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد ودفع العجلي إلى مولاه قلت وقد رواه أحمد عن أسود بن عامر عن شريك بلفظ أن رجلا دبر عبدا له وعليه دين فباعه النبي صلى الله عليه وسلم في دين مولاه وهذا شبيه برواية الأعمش وليس فيه للموت ذكر وشريك كان تغير حفظه لما ولي القضاء وسماع

[ 350 ]

من حمله عنه قبل ذلك أصح ومنهم أسود المذكور تنبيهات الأول اتفقت الطرق على أن العجلي ثمانمائة درهم إلا ما أخرجه أبو داود من طريق هشمي عن إسماعيل قال سبعمائة أو تسعمائة الثاني وجدت لوكيع في حديث الباب إسنادا آخر أخرجه بن ماجة من طريق أبي عبد الرحمن الأدرمي عنه عن أبي عمرو بن العلاء عن عطاء مثل لفظ حديث الباب مختصرا الثالث وقع في رواية الأوزاعي عن عطاء عند أبي داود زيادة في آخر الحديث وهو أنت أحق بثمنه والله أغنى عنه الطريق الثاني قوله عن عمرو هو بن دينار وفي رواية القدرة في مسنده حدثنا عمرو بن دينار قوله باعه رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أخرجه أيضا مختصرا ولم يذكر من يعود الضمير عليه وقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في منصفه عن سفيان فزاد في آخره يعني المدبر وأخرجه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم وأبي بكر بن أبي شيبة جميعا عن سفيان بلفظ دبر رجل من الأنصار غلاما له لم يكن له مال غيره فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراه بن النحام عبدا قبطيا مات عام أول في إمارة بن الزبير وهكذا أخرجه أحمد عن سفيان بتمامه نحوه وقد أخرجه المصنف في كفارات الأيمان من طريق حماد بن زيد عن عمرو نحوه ولم يقل في إمارة بن الزبير ولا عين الثمن قال القرطبي وغيره اتفقوا على مشروعية التدبير واتفقوا على أنه من الثلث غير الليث وزفر فإنهما قالا من رأس المال واختلفوا هل هو عقد جائز أو السري فمن قال السري منع التصرف فيه إلا بالعتق ومن قال جائز أجاز وبالأول قال مالك والأوزاعي والكوفيون وبالثاني قال الشافعي وأهل الحديث وحجتهم حديث الباب ولأنه تعليق للعتق بصفة انفرد السيد بها فيتمكن من بيعه كمن علق عتقه بدخول الدار مثلا ولأن من أوصى بعتق شخص جاز له بيعه باتفاق فيلحق به جواز بيع المدبر لأنه في معنى الوصية وقيد الليث الجواز بالحاجة وإلا فيكره وأجاب الأول بأنها قضية عين لا عموم لها فيحمل على بعض الصور وهو اختصاص الجواز بما إذا كان عليه دين وهو مشهور مذهب أحمد والخلاف في مذهب مالك أيضا وأجاب بعض المالكية عن الحديث بأنه صلى الله عليه وسلم رد يطلق هذا الرجل لكونه لم يكن له مال غيره فيستدل به على رد يطلق من تصدق بجميع ماله وادعى بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم إنما باع خدمة المدبر لا رقبته واحتج بما رواه بن فضيل عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال لا بأس ببيع خدمة المدبر أخرجه الدارقطني ورجال إسناده ثقات إلا أنه اختلف في وصله وإرساله ولو صح لم يكن فيه حجة إذ لا دليل فيه على أن البيع الذي وقع في قصة المدبر الذي اشتراه نعيم بن النحام كان في منفعته دون رقبته الحديث الثاني حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في بيع الأمة إذا زنت وقد تقدمت الإشارة إليه في باب العبد الزاني وأورده هنا من وجه آخر عن أبي هريرة ووجه دخوله في هذا الباب عموم الأمر ببيع الأمة إذا زنت فيشمل ما إذا كانت مدبرة أو غير مدبرة فيؤخذ منه جواز بيع المدبر في لجملة وأما ما وقع في رواية النسفي وفي نسخة الصغاني فلا يحتاج إلى اعتذار قوله باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها هكذا قيد بالسفر وكأن ذلك لكونه مظنة الملامسة والمباشرة غالبا قوله ولم ير الحسن بأس أن يقبلها أو يباشرها وصله بن أبي شيبة من طريق يونس بن عبيد عنه قال وكان ابن سيرين يكره ذلك وروى عبد الرزاق من وجه آخر عن الحسن قال يصيب ما دون الفرج قال

[ 351 ]

الداودي قول الحسن أن كان في المسبية صواب وتعقبه بن التين بأنه لا فرق في الاستبراء بين المسبية وغيرها قوله وقال بن عمر إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو عتقت فليستبرأ رحمها بحيضة ولا تستبرأ العذراء أما قوله الأول فوصله بن أبي شيبة من طريق عبد الله عن نافع عنه وأما قوله ولا تستبرأ العذراء فوصله عبد الرزاق من طرق أيوب عن نافع عنه وكأنه يرى أن البكارة تمنع الحمل أو أخذت على عدمه أو عدم الوطء وفيه نظر وعلى تقديره ففي الاستبراء شائبة تعبد ولهذا تستبرأ التي أيست من الحيض قوله وقال عطاء لا بأس أن يصيب من جاريته الحامل ما دون الفرج قال الله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم قال بن التين إن أراد عطاء بالحامل من حملت من سيدها فهو فاسد لأنه لا يرتاب في حله وإن أراد من غيره ففيه خلاف قلت والثاني أشبه بمراده ولذلك قيده بما دون الفرج ووجه استدلاله بالآية أنها دلت على جواز الاستمتاع بجميع وجهه فخرج الوطء بدليل فبقي الباقي على الأصل ثم ذكر المصنف في الباب حديث أنس في قصة صفية وسيأتي مبسوطا في المغازي والغرض منه هنا قوله حتى بلغنا سد الروحاء حلت فبنى بها فإن المراد بقوله حلت أي طهرت من حيضها وقد روى البيهقي بإسناد لين أنه صلى الله عليه وسلم استبرأ صفية بحيضة وأما ما رواه مسلم من طريق ثابت عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم ترك صفية عند أم سليم حتى انقضت عدتها فقد شك حماد راوية عن ثابت في رفعه وفي ظاهره نظر لأنه صلى الله عليه وسلم دخل بها منصرفه من خيبر بعد قتل زوجها بيسير فلم يمض زمن يسع انقضاء العدة ولا نقلوا أنها كانت حاملا فتحمل العدة على طهرها من المحيض وهو المطلوب والصريح في هذا الباب حديث أبي سعيد مرفوعا لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة قاله في سبايا أوطاس أخرجه أبو داود وغيره وليس على شرط الصحيح قوله باب بيع الميتة والأصنام أي تحريم ذلك والميتة بفتح الميم ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شرعية والميتة بالكسر الهيئة وليست مرادا هنا ونقل بن المنذر وغيره الإجماع على تحريم بيع الميتة ويستثنى من ذلك السمك والجراد والأصنام جمع صنم قال الجوهري هو الوثن وقال غيره الوثن ماله جثة والصنم ما كان مصورا فبينهما عموم وخصوص وجهي فإن كان مصورا فهو وثن وصنم قوله عطاء بين في الرواية المعلقة تلو هذه الرواية المتصلة أن يزيد بن أبي حبيب لم يسمعه من عطاء وإنما كتب به إليه وليزيد فيه إسناد آخر ذكره أبو حاتم في العلل من طريق حاتم بن إسماعيل عن عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد بن عبدة عن عبد الله بن عمرو بن العاصم قال بن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال قد رواه محمد بن إسحاق عن يزيد عن عطاء ويزيد لم يسمع من عطاء ولا أعلم أحدا من المصريين رواه عن يزيد متابعا لعبد الحميد بن جعفر فإن كان حفظه فهو صحيح لأن محله الصدق قلت قد اختلف فيه على عبد الحميد ورواية أبي عاصم عنه الموافقة لرواية غيره عن يزيد أرجح فتكون رواية حاتم بن إسماعيل شاذة قوله عن جابر في رواية أحمد عن حجاج بن محمد عن الليث بسنده سمعت جابر بن عبد الله بمكة قوله وهو بمكة عام الفتح فيه بيان تاريخ ذلك وكان ذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك ثم أعاده صلى الله عليه وسلم ليسمعه من لم يكن سمعه قوله إن الله ورسوله حرم هكذا وقع في الصحيحين بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد

[ 352 ]

وكان الأصل حرما فقال القرطبي إنه صلى الله عليه وسلم تأدب فلم يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الإثنين لأنه من نوع ما رد به على الخطيب الذي قال ومن يعصهما كذا قال ولم تتفق الرواة في هذا الحديث على ذلك فإن في بعض طرقه في الصحيح إن الله حرم ليس فيه ورسوله وفي رواية لابن مردويه من وجه آخر عن الليث أن الله ورسوله حرما وقد صح حديث أنس في النهي عن أكل الحمر الأهلية إن الله ورسوله ينهيانكم ووقع في رواية النسائي في هذا الحديث ينهاكم والتحقيق جواز الأفراد في مثل هذا ووجهه الإشارة إلى أن أمر النبي صلى ناشئ عن أمر الله وهو نحو قوله والله ورسوله أحق أن يرضوه والمختار في هذا أن الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها والتقدير عند سيبويه والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه وهو كقول الشاعر نحن بما عندنا وأنت بما عن‍ * * - دك راض والرأي مختلف وقيل أحق أن يرضوه خبر عن الاسمين لأن الرسول تابع لأمر الله قوله فقيل يا رسول الله لم أقف على تسمية القائل وفي رواية عبد الحميد الآتية فقال رجل قوله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس أي فهل يحل بيعها لما ذكر من المنافع فانها مقتضية لصحة البيع قوله فقال لا هو حرام أي البيع هكذا فسره بعض العلماء كالشافعي ومن اتبعه ومنهم من حمل قوله وهو حرام على الانتفاع فقال يحرم الانتفاع بها وهو قول أكثر العلماء فلا ينتفع من الميتة أصلا عندهم إلا ما خص بالدليل وهو الجلد المدبوغ واختلفوا فيما يتنجس من الأشياء الطاهرة فالجمهور على الجواز وقال أحمد وابن الماجشون لا ينتفع بشئ من ذلك واستدل الخطابي على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها لكلاب الصيد فكذلك يسوغ دهن السفينة بشحم الميتة ولا فرق قوله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك قاتل الله اليهود الخ وسياقه مشعر بقوة ما أوله الأكثر أن المراد بقوله هو حرام البيع لا الانتفاع وروى أحمد والطبراني من حديث بن عمر مرفوعا الويل لبني إسرائيل إنه لما حرمت عليهم الشحوم باعوها فأكلوا ثمنها وكذلك ثمن الخمر عليكم حرام وقد مضى في باب تحريم تجارة الخمر حديث تميم الداري في ذلك قوله وقال أبو عاصم حدثنا عبد الحميد هو بن جعفر وهذه الطريق وصلها أحمد عن أبي عاصم وأخرجها مسلم عن أبي موسى عن أبي عاصم ولم يسق يسير بل قال مثل حديث الليث والظاهر أنه أراد أصل الحديث وإلا ففي سياقه بعض مخالفة قال أحمد حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن عبد الحميد بن جعفر أخبرني يزيد بن أبي حبيب ولفظه يقول عام الفتح إن الله حرم بيع الخنازير وبيع الميتة وبيع الخمر وبيع الأصنام قال رجل يا رسول الله فما ترى في بيع شحوم الميتة فانها تدهن بها السفن والجلود ويستصبح بها فقال قاتل الله يهود الحديث فظهر بهذه الرواية أن السؤال وقع عن بيع الشحوم وهو يؤيد ما قررناه ويؤيده أيضا ما أخرجه أبو داود من وجه آخر عن بن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال وهو عند الركن قاتل الله اليهود ان الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وان الله إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم العجلي قال جمهور العلماء العلة في منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة ولكن المشهور عند مالك طهارة الخنزير والعلة في منع بيع الأصنام عدم المنفعة المباحة فعلى هذا إن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع برضاضها جاز

[ 353 ]

بيعها عند بعض العلماء من الشافعية وغيرهم والأكثر على المنع حملا للنهي على ظاهره والظاهر أن النهي عن بيعها للمبالغة في التنفير عنها ويلتحق بها في الحكم الصلبان التي تعظمها النصارى ويحرم نحت جميع ذلك وصنعته وأجمعوا على تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير إلا ما تقدمت الإشارة إليه في باب تحريم الخمر ولذلك رخص بعض العلماء في القليل من شعر الخنزير للخرز حكاه بن المنذر عن الأوزاعي وأبي يوسف وبعض المالكية فعلى هذا فيجوز بيعه ويستثنى من الميتة عند بعض العلماء ما لا تحله الحياة كالشعر والصوف والوبر فإنه طاهر فيجوز بيعه وهو قول أكثر المالكية والحنفية وزاد بعضهم العظم والسن والقرن والظلف وقال بنجاسة الشعور الحسن والليث والأوزاعي ولكنها تطهر عندهم بالغسل وكأنها متنجسة عندهم بما يتعلق بها من رطوبات الميتة لا نجسة العين ونحوه قول بن القاسم في عظم الفيل إنه يطهر إذا سلق بالماء وقد تقدم كثير من مباحث هذا الحديث في باب لا يذاب شحم الميتة قوله باب ثمن الكلب أورد فيه حديثين أحدهما عن أبي مسعود أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ثانيهما حديث أبي جحيفة نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب الأمة الحديث وقد تقدم في باب موكل الربا في أوائل البيع واشتمل هذان الحديثان على أربعة أحكام أو خمسة ان غايرنا بين كسب الأمة ومهر البغي الأول ثمن الكلب وظاهر النهي تحريم بيعه وهو عام في كل كلب معلما ان أو غيره مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز ومن السري ذلك أن لا قيمة على متلفه وبذلك قال الجمهور وقال مالك لا يجوز بيعه وتجب القيمة على متلفه وعنه كالجمهور وعنه كقول أبي حنيفة يجوز وتجب القيمة وقال عطاء والنخعي يجوز بيع كلب الصيد دون غيره وروى أبو داود من حديث بن عباس مرفوعا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وقال ان جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا وإسناده صحيح وروى أيضا بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعا لا يحل ثمن الكلب ابن حلوان الكاهن ولا مهر البغي والعلة في تحريم بيعه عند الشافعي نجاسته مطلقا وهي قائمة في المعلم وغيره وعلة المنع عند من لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه والأمر بقتله ولذلك خص منه ما أذن في اتخاذه ويدل عليه حديث جابر قال نهى رسول اله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد أخرجه النسائي بإسناد رجاله ثقات إلا أنه طعن في صحته وقد وقع في حديث بن عمر عند بن أبي حاتم بلفظ نهى عن ثمن الكلب وان كان ضاريا يعني مما يصيد وسنده ضعيف قال أبو حاتم هو منكر وفي رواية لأحمد نهى عن ثمن الكلب وقال طعمة جاهلية ونحوه للطبراني من حديث ميمونة بنت سعد وقال القرطبي مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب وكراهية بيعه ولا يفسخ ان وقع وكأنه لما لم يكن عنده نجسا وأذن في اتخاذه لمنافعه الجائزة كان حكمه حكم جميع المبيعات لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيها لأنه ليس من مكارم الأخلاق قال وأما تسويته في النهي بينه وبين مهر البغي وحلوان الكاهن فمحمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه وعلى تقدير العموم في كل كلب فالنهي في هذه الثلاثة في القدر المشترك من الكراهة أعم من التنزيه والتحريم إذ كل واحد منهما منهي عنه ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر فانا عرفنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن من الإجماع لا من مجرد النهي ولا يلزم من الاشتراك في

[ 354 ]

العطف الاشتراك في جميع الوجوه إذ قد يعطف الأمر على النهي والايجاب على النفي الحكم الثاني مهر البغي وهو ما تأخذه الزانية على الزنا سماه مهرا مجازا والبغي بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتانية وهو فعيل بمعنى فاعلة وجمع البغي بغايا والبغاء بكسر أوله الزنا والفجور وأصل البغاء الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد واستدل به على أن الأمة إذا أكرهت على الزنا فلا مهر لها وفي وجه للشافعية يجب للسيد الحكم الثالث كسب الأمة وسيأتي في الاجارة باب كسب البغي والاماء وفيه حديث أبي هريرة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الاماء زاد أبو داود من حديث رافع بن خديج نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو فعرف بذلك النهي والمراد به كسبها بالزنا لا بالعمل المباح وقد روى أبو داود أيضا من حديث رفاعة بن رافع مرفوعا نهى عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها وقال هكذا بيده نحو الغزل والنفش وهو بالفاء أي نتف الصوف وقيل المراد بكسب الأمة جميع كسبها وهو من باب سد الذرائع لأنها لا تؤمن إذا ألزمت بالكسب أن تكسب بفرجها فالمعنى أن لا يجعل عليها خراج معلوم تؤديه كل يوم الحكم الرابع حلوان الكاهن وهو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما اطماع العرافون من استطلاع الغيب والحلوان الحدود حلوته حلوانا إذا أعطيته وأصله من الحلاوة العطار بالشئ الحلو من حيث أنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا مشقة يقال حلوته إذا أطعمته الحلو والحلوان أيضا الرشوة والحلوان أيضا أخذ الرجل مهر ابنته لنفسه وسيأتي الكلام على الكهانة وأصلها وحكمها في أواخر كتاب الطب من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى الحكم الخامس ثمن الدم واختلف في المراد به فقيل أجرة الحجامة وقيل هو على ظاهره والمراد تحريم بيع الدم كما حرم بيع الميتة والخنزير وهو حرام إجماعا حنث بيع الدم وأخذ العجلي وسيأتي الكلام على حكم أجرة الحجام في الاجارة إن شاء الله تعالى خاتمة اشتمل كتاب البيوع من المرفوع على مائتي حديث وسبعة وأربعين حديثا المعلق منها ستة وأربعون وما عداها موصول المكرر منه فيه وفيما مضى مائة وتسعة وثلاثون حديثا والخالص مائة وثمانية أحاديث وافقه مسلم على تخريجها سوى تسعة وعشرين حديثا وهي حديث عبد الرحمن بن عوف في قصة تزويجه وحديث أبي هريرة في التمرة الساقطة وحديث عائشة في التسمية على الذبيحة وحديث أبي هريرة يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال وحديث أبي بكر قد علم قومي أن حرفتي وحديث المقدام أطيب ما أكل من كسبه وحديث أبي هريرة ان داود كان يأكل من كسبه وحديث جابر رحم الله عبدا سمحا وحديث العداء في العهدة وحديث أبي جحيفة في الحجام وحديث بن عباس آخر آية أنزلت وحديث بن أبي أوفى ان رجلا أقام سلعة وحديث بن عمر كان على جمل صعب وحديثه في الإبل الهيم وحديث اكتالوا حتى تستوفوا وحديث إذا بعت فكل وحديث جابر في دين أبيه وحديث المقدام كيلوا طعامكم وحديث عائشة في شأن الهجرة وحديث المكر والخديعة في النار وحديث أنس في الملامسة والمنابذة وحديث إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه وحديث بن عمر لا يبيع حاضر لباد وحديث ابن عباس في المزابنة وحديث زيد بن ثابت في بيع الثمار وحديث سلمان في مكاتبته وحديث عبد الرحمن بن عوف مع صهيب وحديث أبي هريرة ثلاثة أنا خصمهم وحديثه في إجلاء اليهود

[ 355 ]

وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين اثنان وخمسون أثرا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب السلم باب السلم في كيل معلوم كذا في رواية المستملي والبسملة متقدمة عنده ومتوسطة في رواية الكشميهني بين كتاب وباب وحذف النسفي كتاب السلم وأثبت الباب وأخر البسملة عنه والسلم بفتحتين السلف وزنا ومعنى وذكر الماوردي أن السلف لغة أهل العراق والسلم لغة أهل الحجاز وقيل السلف تقديم رأس المال والسلم تسليمه في المجلس فالسلف أعم والسلم شرعا بيع موصوف في الذمة ومن قيده بلفظ السلم زاده في الحد ومن زاد فيه ببدل يعطى عاجلا فيه نظر لأنه ليس داخلا في حقيقته واتفق العلماء على مشروعيته إلا ما حكى عن بن المسيب واختلفوا في بعض شروطه واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع وعلى تسليم رأس المال في المجلس واختلفوا هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا وقول المصنف باب السلم في كيل معلوم أي فيما يكال واشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل متفق عليه من أجل اختلاف المكاييل إلا أن لا يكون في البلد سوى كيل واحد فإنه ينصرف إليه عند الإطلاق ثم أورد حديث بن عباس مرفوعا من أسلف في شئ الحديث من طريق بن علية وفي الباب الذي بعده من طريق بن عيينة كلاهما عن بن أبي نجيح وذكره بعد من طرق أخرى عنه ومداره على عبد الله بن كثير وقد اختلف فيه فجزم القابسي وعبد الغني والمزي بأنه المكي القاري المشهور وجزم الكلاباذي وابن طاهر والدمياطي بأنه بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي وكلاهما ثقة والأول أرجح فإنه مقتضى صنيع المصنف في تاريخه وأبو المنهال شيخه هو عبد الرحمن بن مطعم الذي تقدمت روايته قريبا عن البراء وزيد بن أرقم قوله عامين أو ثلاثة شك إسماعيل يعني بن علية ولم يشك سفيان فقال وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث وقوله عامين وقوله السنتين منصوب إما على نزع الخافض أو على المصدر قوله من سلف في تمر كذا لابن علية بالتشديد وفي رواية بن عيينة من أسلف في شئ وهي أشمل وقوله ووزن معلوم الواو بمعنى أو والمراد اعتبار الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن قوله حدثنا محمد أخبرنا إسماعيل هو بن علية واختلف في محمد فقال الجياني لم أره منسوبا وعندي أنه بن سلام وبه جزم الكلاباذي زاد السفيانان الى أجل معلوم وسيأتي البحث فيه في بابه قوله باب السلم في وزن معلوم أي فيما يوزن وكأنه يذهب إلى أن ما يوزن لا يسلم فيه مكيلا وبالعكس وهو أحد الوجهين والأصح عند الشافعية الجواز وحمله إمام الحرمين على ما يعد الكيل في مثله ضابطا واتفقوا على اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل كصاع الحجاز وقفيز العراق وأردب مصر بل مكاييل هذه البلاد في نفسها مختلفة فإذا أطلق صرف الى الأغلب وأورد فيه حديثين أحدهما حديث بن عباس الماضي في الباب قبله ذكره عن ثلاثة من مشايخه حدثوه به عن بن عيينة قال في الأولى من أسلف في شئ ففي كيل معلوم الحديث وقال في الثانية من أسلف في شئ فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم

[ 356 ]

ولم يذكر الوزن وذكره في الثالثة وصرح في الطريق الأولى بالأخبار بين بن عيينة وابن أبي نجيح وقوله في شئ اخذ منه جواز السلم في الحيوان إلحاقا للعدد بالكيل والمخالف فيه الحنفية وسيأتي القول بصحته عن الحسن بعد ثلاثة أبواب ثانيهما حديث بن أبي أوفي قوله عن بن أبي المجالد كذا أبهمه أبو الوليد عن شعبة وسماه غيره عنه محمد بن أبي المجالد ومنهم من أورده على الشك محمدا وعبد الله وذكر البخاري الروايات الثلاث وأورده النسائي من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة عن عبد الله وقال مرة محمد وقد أخرجه البخاري في الباب الذي يليه من رواية عبد الواحد بن زياد وجماعة عن أبي إسحاق الشيباني فقال عن محمد بن أبي المجالد ولم يشك في اسمه وكذلك ذكره البخاري في تاريخه في المحمدين وجزم أبو داود بأن اسمه عبد الله وكذا قال ابن حبان ووصفه بأنه كان صهر مجاهد وبأنه كوفي ثقة وكان مولى عبد الله بن أبي أوفي ووثقه أيضا يحيى بن معين وغيره وليس له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد قوله اختلف عبد الله ابن شداد أي بن الهاد المؤذن وهو من صغار الصحابة وأبو بردة أي بن أبي موسى الأشعري قوله في السلف أي هل يجوز السلم الى من ليس عنده المسلم فيه في تلك الحالة أم لا وقد ترجم له كذلك في الباب الذي يليه قوله وسألت بن أبزى هو عبد الرحمن الهدي أحد صغار الصحابة ولأبيه أبزى صحبة على الراجح وهو بالموحدة والزاي وزن أعلى ووجه إيراد هذا الحديث في باب السلم في وزن معلوم الإشارة إلى ما في بعض طرقه وهو في الباب الذي يليه بلفظ فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت لأن الزيت من جنس ما يوزن قال بن بطال أجمعوا على أنه إن كان في السلم ما يكال أو يوزن فلا بد فيه من ذكر الكيل المعلوم والوزن المعلوم فإن كان فيما لا يكال ولا يوزن فلا بد فيه من عدد معلوم قلت أو ذرع معلوم والعدد والذرع ملحق بالكيل والوزن للجامع بينهما وهو عدم الجهالة بالمقدار ويجري في الذرع ما تقدم شرطه في الكيل والوزن من تعيين الذراع لأجل اختلافه في الأماكن وأجمعوا على أنه لا بد من معرفة صفة الشئ المسلم فيه صفة تميزه عن غيره وكأنه لم يذكر في الحديث لأنهم كانوا يعملون به وإنما تعرض لذكر ما كانوا يهملونه قوله باب السلم إلى من ليس عنده أصل أي مما أسلم فيه وقيل المراد بالأصل أصل الشئ الذي يسلم فيه فأصل الحب مثلا الزرع وأصل الثمر مثلا الشجر والغرض من الترجمة أن ذلك لا يشترط وأورد المصنف حديث بن أبي أوفي من طريق الشيباني فأورده أولا من طريق عبد الواحد وهو بن زياد عنه فذكر الحنطة والشعير والزيت ومن طريق خالد عن الشيباني ولم يذكر الزيت ومن طريق جرير عن الشيباني فقال الزبيب بدل الزيت ومن طريق سفيان عن الشيباني فقال وذكره بعد ثلاثة أبواب من وجه آخر عن سفيان كذلك قوله نبيط أهل الشام في رواية سفيان أنباط من أنباط الشام وهم قوم من العرب دخلوا في العجم والروم واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم وكان الذين اختلطوا بالعجم منهم ينزلون البطائح بين العراقين والذين اختلطوا بالروم ينزلون في بوادي الشام ويقال لهم النبط بفتحتين والنبيط بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية والانباط قيل سموا بذلك لمعرفتهم بأنباط الماء أي استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة قوله قلت إلى من كان أصله عنده أي المسلم فيه وسيأتي من طريق سفيان بلفظ قلت أكان لهم زرع أو لم يكن لهم قوله ما كنا نسألهم عن ذلك كأنه استفاد

[ 357 ]

الحكم من عدم الاستفصال وتقرير النبي صلى لله عليه وسلم على ذلك قوله وقال عبد الله بن الوليد هو العدني وسفيان هو الثوري وطريقه موصولة في جامع سفيان من طريق علي بن الحسن الهلالي عن عبد الله بن الوليد المذكور واستدل بهذا الحديث على صحة السلم إذا لم يذكر مكان القبض وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور وبه قال مالك وزاد ويقبضه في مكان السلم فإن اختلفا فالقول قول البائع وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي لا يجوز السلم فيما له حمل ومؤنة إلا أن يشترط في تسليمه مكانا معلوما واستدل به على جواز السلم فيما ليس موجودا في وقت السلم إذا أمكن الجوزي في وقت حلول السلم وهو قول الجمهور ولا يضر انقطاعه قبل المحل وبعده عندهم وقال أبو حنيفة لا يصح فيما ينقطع قبله ولو أسلم فيما يعم فانقطع في محله لم ينفسخ البيع عند الجمهور وفي وجه للشافعية ينفسخ واستدل به على جواز التفرق في السلم قبل القبض لكونه لم يذكر في الحديث وهو قول مالك إن كان بغير شرط وقال الشافعي والكوفيون يفسد بالافتراق قبل القبض لأنه يصير من باب بيع الدين بالدين وفي حديث بن أبي أوفي جواز مبايعة أهل الذمة والسلم إليهم ورجوع المختلفين عند التنازع الى السنة والاحتجاج بتقرير النبي صلى الله عليه وسلم وأن السنة إذا وردت بتقرير حكم كان أصلا برأسه لا يضره مخالفة أصل آخر ثم أورد المصنف في الباب حديث بن عباس الآتي في الباب الذي يليه وزعم بن بطال أنه غلط من الناسخ وأنه لا مدخل له في هذا الباب إذ لا ذكر للسلم فيه وغفل عما وقع في السياق من قول الراوي إنه سأل بن عباس عن السلم في النخل وأجاب بن المنير أن الحكم مأخوذ بطريق المفهوم وذلك أن بن عباس لما سئل عن السلم مع من له نخل في ذلك النخل رأى أن ذلك من معي بيع الثمار قبل بدو الصلاح فإذا كان السلم في النخل المعين لا يجوز تعين جوازه في غير المعين للأمن فيه من غائلة الاعتماد على ذلك النخل بعينه لئلا يدخل في باب بيع الثمار قبل بدو الصلاح ويحتمل أن يريد بالسلم معناه اللغوي أي السلف لما كانت الثمرة قبل بدو صلاحها فكأنها موصوفة في الذمة قوله أخبرنا عمرو في رواية مسلم عمرو بن مرة وكذلك أخرجه الاسماعيلي من طرق عن شعبة قوله فقال رجل ما يوزن لم أقف على اسمه وزعم الكرماني أنه أبو البختري نفسه لقوله في بعض طرقه فقال له الرجل بالتعريف قوله فقال له رجل إلى جانبه لم أقف على اسمه وقوله حتى يحرز بتقديم الراء على الزاي أي يحفظ ويصان وفي رواية الكشميهني بتقدمي الزاي على الراء أي يوزن أو يخرص وفائدة ذلك معرفة كمية حقوق الفقراء قبل أن يتصرف فيه المالك وصوب عياض الأول ولكن الثاني أليق بذكر الوزن ورأيته في رواية النسفي حتى يحرر براءين الأولى ثقيلة ولكنه رواه بالشك قوله وقال معاذ حدثنا شعبة وصله الاسماعيلي عن يحيى بن محمد عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه به قوله باب السلم في النخل أي في ثمر النخل قوله فقال أي بن عمر نهى عن بيع النخل حتى يصلح أي نهى عن بيع ثمر النخل واتفقت الروايات في هذا الموضع على أنه نهى على البناء للمجهول واختلف في الرواية الثانية وهي رواية غندر فعند أبي ذر وأبي الوقت فقال نهى عمر عن بيع الثمر الحديث وفي رواية غيرهما نهى النبي صلى الله عليه وسلم واقتصر مسلم على حديث بن عباس قوله وعن بيع الورق أي بالذهب كما في الرواية الثانية قوله نساء بفتح النون والمهملة والمد أي تأخيرا تقول نسأت الدين أي

[ 358 ]

أخرته نساء أي تأخيرا وسيأتي البحث في اشتراط الأجل في السلم في الباب الذي يليه وحديث بن عمر إن صح فمحمول على السلم الحال عند من يقول به أو ما قرب أجله واستدل به على جواز السلم في النخل المعين من البستان المعين لكن بعد بدو صلاحه وهو قول المالكية وقد روى أبو داود وابن ماجة من طريق النجراني عن بن عمر قال لا يسلم في نخل قبل أن يطلع فإن رجلا أسلم في حديقة نخل قبل أن تطلع فلم تطلع ذلك العام شيئا فقال المشتري هو لي حتى تطلع وقال البائع إنما بعتك هذه السنة فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اردد عليه ما أخذت منه ولا تسلموا في نخل حتى يبدو صلاحه وهذا الحديث فيه ضعف ونقل بن المنذر اتفاق الأكثر على منع السلم في بستان معين لأنه غرر وقد حمل الأكثر الحديث المذكور على السلم الحال وقد روى بن حبان والحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن سلام في قصة إسلام زيد بن سعنة بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة بعدها نون أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل لك أن تبيعني تمرا معلوما إلى أجل معلوم من حائط بني فلان قال لا أبعك من حائط مسمى بل أبيعك أو سقا مسماة إلى أجل مسمى قوله باب الكفيل في السلم أورد فيه حديث عائشة اشترى النبي صلى الله عليه وسلم طعاما من يهودي نسيئة ورهنه درعا من حديث ثم ترجم له باب الرهن في السلم وهو ظاهر فيه وأما الكفيل فقال الاسماعيلي ليس في هذا الحديث ما ترجم به ولعله أراد إلحاق الكفيل بالرهن لأنه حق ثبت الرهن به فيجوز أخذ الكفيل فيه قلت هذا الاستنباط بعينه سبق إليه إبراهيم النخعي راوي الحديث وإلى ذلك أشار البخاري في الترجمة فسيأتي في الرهن عن مسدد عن عبد الواحد عن الأعمش قال تذاكرنا عند إبراهيم الرهن والكفيل في السلف فذكر إبراهيم هذا الحديث فوضح أنه هو المستنبط لذلك وأن البخاري أشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث على عادته وفي الحديث الرد على من قال إن الرهن في السلم لا يجوز وقد أخرج الاسماعيلي من طريق بن نمير عن الأعمش أن رجلا قال لإبراهيم النخعي أن سعيد بن جبير يقول إن الرهن في السلم هو الربا المضمون فرد عليه إبراهيم بهذا الحديث وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في كتاب الرهن إن شاء الله تعالى قال الموفق رويت كراهة ذلك عن بن عمر والحسن والأوزاعي وإحدى الكلب عن أحمد ورخص فيه الباقون والحجة فيه قوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى أن قال فرهن مقبوضة واللفظ عام فيدخل السلم في عمومه لأنه أحد نوعي البيع واستدل لأحمد بما رواه أبو داود من حديث أبي سعيد من أسلم في شئ فلا يصرفه إلى غيره وجه الدلالة منه أنه لا يأمن هلاك الرهن في يده بعد وان فيصير مستوفيا لحقه من غير المسلم فيه وروى الدارقطني من حديث بن عمر رفعه من أسلف في شئ فلا يشترط على صاحبه غير قضائه وإسناده ضعيف ولو صح فهو أمرهم على شرط ينافي مقتضى العقد والله أعلم قوله باب السلم إلى أجل معلوم يشير إلى الرد على من أجاز السلم الحال وهو قول الشافعية وذهب الأكثر إلى المنع وحمل من أجاز الأمر في قوله إلى أجل معلوم على العلم بالأجل فقط فالتقدير عندهم من أسلم إلى أجل فليسلم إلى أجل معلوم لا مجهول وأما السلم لا إلى أجل فجوازه بطريق الأولى لأنه إذا جاز مع الأجل وفيه الغرر فمع الحال أولى لكونه أبعد عن الغرر وتعقب بالكتابة وأجيب بالفرق لأن الأجل في الكتابة شرع لعدم

[ 359 ]

قدرة العبد غالبا قوله وبه قال بن عباس أي باختصاص السلم بالاجل وقوله وأبو سعيد هو الخدري والحسن أي البصري والأسود أي بن يزيد النخعي فأما قول بن عباس فوصله الشافعي من طريق أبي حسان الأعرج عن بن عباس قال أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه ثم قرأ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وأخرجه الحاكم من هذا الوجه وصححه وروى بن أبي شيبة من وجه آخر عن عكرمة عن بن عباس قال لا يسلف إلى العطاء ولا إلى الحصاد واضرب أجلا ومن طريق سالم ابن أبي الجعد عن بن عباس بلفظ آخر سيأتي وأما قول أبي سعيد فوصله عبد الرزاق من طريق نبيح بنون وموحدة ومهملة مصغر وهو العنزي بفتح المهملة والنون ثم الزاي الكوفي عن أبي سعيد الخدري قال السلم بما يقوم به السعر ربا ولكن أسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم وأما قول الحسن فوصله سعيد بن منصور من طريق يونس بن عبيد عنه أنه كان لا يرى بأسا بالسلف في الحيوان إذا كان شيئا معلوما إلى أجل معلوم وأما قول الأسود فوصله بن أبي شيبة من طريق الثوري عن أبي إسحاق عنه قال سألته عن السلم في الطعام فقال لا بأس به كيل معلوم إلى أجل معلوم ومن طريق سالم بن أبي الجعد عن بن عباس قال إذا سميت في السلم قفيزا وأجلا فلا بأس وعن شريك عن أبي إسحاق عن الأسود مثله واستدل يقول بن عباس الماضي لا تسلف إلى العطاء لاشتراط تعيين وقت الأجل بشئ لا يختلف فإن زمن الحصاد يختلف ولو بيوم وكذلك خروج العطاء ومثله قدوم الحاج وأجاز ذلك مالك ووافقه أبو ثور واختار بن خزيمة من الشافعية تأقيته إلى الميسرة واحتج بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهودي ابعث لي ثوبين إلى الميسرة أخرجه النسائي وطعن بن المنذر في صحته بما وهم فيه الحق أنه لا دلالاة فيه على المطلوب لأنه ليس في الحديث إلا مجرد الاستدعاء فلا يمتنع أنه إذا وقع العقد قيد بشروطه ولذلك لم يصف الثوبين قوله وقال بن عمر لا بأس في الطعام الموصوف بسعر معلوم إلى أجل معلوم ما لم يكن ذلك في زرع لم يبد صلاحه وصله مالك في الموطأ عن نافع عنه قال لا بأس أن يسلف الرجل في الطعام الموصوف فذكر مثله وزاد أو ثمرة لم يبد صلاحها وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع نحوه وقد مضى حديث بن عمر في ذلك مرفوعا في الباب الذي قبله ثم أورد المصنف حديث بن عباس المذكور في أول أبواب السلم قوله وقال عبد الله بن الوليد حدثنا سفيان حدثنا بن أبي نجيح هو موصول في جامع سفيان من طريق عبد الله بن الوليد المذكور وهو العدني عنه وأراد المصنف بهذا التعليق بيان التحديث لأن الذي قبله مذكور بالعنعنة ثم أورد حديث بن أبي أوفى وبأن أبزي وقد تقدم الكلام عليه مستوفي عن قريب قوله باب السلم إلى أن تنتج الناقة أورد فيه حديث بن عمر في النهي عن بيع حبل الحبلة وقد تقدمت مباحثه في كتاب البيوع ويؤخذ منه ترك جواز السلم إلى أجل غير معلوم ولو أسند إلى شئ يعرف بالعادة خلافا لمالك ورواية عن أحمد خاتمة اشتمل كتاب السلم على أحد وثلاثين حديثا المعلق منها أربعة والبقية موصولة الخالص منها خمسة أحاديث والبقية مكررة وافقه مسلم على تخريج حديثي بن عباس خاصة وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين ستة آثار

[ 360 ]

قوله كتاب الشفعة بسم الله الرحمن الرحيم السلم في الشفعة كذا للمستملي وسقط ما سوى البسملة للباقين وثبت للجميع باب الشفعة فيما لم يقسم والشفعة بضم المعجمة وسكون الفاء وغلط من حركها وهي مأخوذة لغة من الشفع وهو الزوج وقيل من الزيادة وقيل من الإعانة وفي الشرع انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى ولم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها قوله حدثنا عبد الواحد هو بن زياد وقد تقدمت الإشارة إلى روايته في باب بيع الأرض من كتاب البيوع والاختلاف في قوله كل ما لم يقسم أو كل مال بياض واللفظ الأول يشعر باختصاص الشفعة بما يكون قابلا للقسمة بخلاف الثاني قوله فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة أي بينت مصارف الطرق وشوارعها كأنه من التصرف أو من التصريف بياض ان مالك معناه خلصت وبانت وهو مشتق من الصرف بكسر المهملة الخالص من كل شئ وهذا الحديث بياض في ثبوت الشفعة وقد أخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر بلفظ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة على بياض كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإذا باع ولم يؤد له فهو أحق به بياض الحديث ثبوت الشفعة في المشاع وصدره يشعر بثبوتها في المنقولات وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار وبما فيه العقار وقد أخذ بعمومها في كل شئ مالك في رواية وهو قول عطاء وعن أحمد تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات وروى البيهقي من حديث بن عباس مرفوعا الشفعة في كل شئ ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال وأخرج الطحاوي له شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته قال عياض لو اقتصر في الحديث على القطعة لكانت فيه دلالة على سقوط شفعة الجوار ولكن أضاف إليها صرف الطرق والمترتب على أمرين لا يلزم منه ترتبه على أحدهما واستدل به على عدم دخول الشفعة فيما لا يقبل القسمة وعلى ثوبتها لكل شريك وعن أحمد لا شفعة لذمي وعن الشعبي لا شفعة لمن لم يسكن المصر تنبيهان الأول اختلف على الزهري في هذا الإسناد فقال مالك عنه عن أبي سلمة وابن المسيب مرسلا كذا رواه الشافعي وغيره ورواه أبو عاصم والماجشون عنه فوصله بذكر أبي هريرة أخرجه البيهقي ورواه بن جريج عن الزهري كذلك لكن قال عنهما أو عن أحدهما أخرجه أبو داود والمحفوظ روايته عن أبي سلمة عن جابر موصولا وعن بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وما سوى ذلك شذوذ ممن رواه ويقوى طريقه عن أبي سلمة عن جابر متابعة يحيى بن أبي كثير له عن أبي سلمة عن جابر ثم ساقه كذلك الثاني حكى بن أبي حاتم عن أبيه أن قوله فإذا وقعت الحدود الخ مدرج من كلام جابر وفيه نظر لأن الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل وقد نقل صالح بن أحمد عن أبيه أنه رجح رفعها قوله باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع أي هل تبطل بذلك شفعته أم لا وسيأتي في كتاب ترك الحيل مزيد بيان لذلك قوله وقال الحكم إذا أذن له قبل البيع فلا شفعة له وقال الشعبي من بيعت شفعته وهو شاهد لا يغيرها فلا شفعة له أما قول الحكم فوصله بن أبي شيبة بلفظ إذا أذن المشتري

[ 361 ]

في الشراء فلا شفعة له وأما قول الشعبي فوصله بن أبي شيبة أيضا بنحوه قوله عن عمرو بن الشريد في رواية سفيان الآتية في ترك الحيل عن إبراهيم بن ميسرة سمعت عمرو بن الشريد والشريد بفتح المعجمة وزن طويل صحابي شهير وولده من أوساط التابعين ووهم من ذكره في الصحابة وما له في البخاري سوى هذا الحديث وقد أخرج الترمذي معلقا والنسائي وابن ماجة هذا الحديث من وجه آخر عنه عن أبيه ولم يذكر القصة فيحتمل أن يكون سمعه من أبيه ومن أبي رافع قال الترمذي سمعت محمدا يعني البخاري يقول كلا الحديثين عندي صحيح قوله وقفت عن سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي في رواية سفيان المذكورة مخالفة لهذا يأتي بيانها إن شاء الله تعالى قوله ابتع مني بيتي في دارك أي الكائنين في دارك قوله فقال المسور والله لتبتاعنهما بين سفيان في روايته أن أبا رافع سأل المسور أن يساعده على ذلك قوله أربعة آلاف في رواية سفيان أربعمائة وفي رواية الثوري في ترك الحيل أربعمائة مثقال وهو يدل على أن المثقال إذ ذاك كان بعشرة دراهم قوله منجمة أو مقطعة شك من الراوي والمراد مؤجلة على أقساط معلومة قوله الجار أحق بسقبه بفتح المهملة والقاف بعدها موحدة السقب بالسين المهملة وبالصاد أيضا ويجوز فتح القاف واسكانها القرب والملاصقة ووقع في حديث جابر عند الترمذي الجار أحق بسقبه ينتظر به إذا كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا قال بن بطال استدل به أبو حنيفة وأصحابه على إثبات الشفعة للجار وأوله غيرهم على أن المراد به الشريك بناء على أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين ولذلك دعاه إلى الشراء منه قال وأما قولهم إنه ليس في اللغة ما يقتضي تسمية الشريك جارا فمردود فإن كل شئ قارب شيئا قيل له جار وقد قالوا لا مرأة الرجل جارة لما بينهما من المخالطة انتهى وتعقبه بن المنير بأن ظاهر الحديث أن أبا رافع كان يملك بيتين من جملة دار سعد لا شقصا شائعا من منزل سعد وذكر عمر بن شبة أن سعدا كان أتخذ دارين بالبلاط متقابلتين بينهما عشرة أذرع وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع فاشتراها سعد منه ثم ساق حديث الباب فاقتضى كلامه أن سعدا كان جارا لأبي رافع قبل أن عمي منه داره لا شريكا وقال بعض الحنفية يلزم الشافعية القائلين بحمل اللفظ على حقيقته ومجازه أن يقولا بشفعة الجار لأن الجار حقيقة في المجاور مجاز في الشريك وأجيب بأن محل ذلك عند التجرد وقد قامت القرينة هنا على المجاز فاعتبر للجمع بين حديثي جابر وأبي رافع فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقا ثم المشارك في الطريق ثم الجار على من ليس بمجاور فعلى هذا فيتعين تأويل قوله أحق بالحمل على الفضل أو التعهد ونحو ذلك واحتج من لم يقل بشفعة الجوار أيضا بأن الشفعة ثبتت على خلاف الأصل لمعنى معدوم في الجار وهو أن الشريك ربما دخل عليه شريكه فتأذى به فدعت الحاجة إلى مقاسمته فيدخل عليه الضرر بنقص قيمة ملكه وهذا لا يوجد في المقسوم والله أعلم قوله باب أي الجوار أقرب كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن لفظ الجار في الحديث الذي قبله ليس على مرتبة واحدة قوله حدثنا حجاج هو بن منهال وقد روى البخاري لحجاج بن محمد بواسطة واشتركا في

[ 362 ]

الرواية عن شعبة لكنه سمع من بن منهال دون بن محمد قوله وحدثنا علي كذا للأكثر غير منسوب وفي رواية بن السكن وكريمة علي بن عبد الله ابن $ بن شبويه على بن المديني ورجح أبو علي الحياني أنه علي بن سلمة اللبقي بفتح اللام والموحدة بعدها قاف وبه جزم الكلاباذي وابن طاهر وهو الذي ثبت في رواية المستملي وهذا يشعر بأن البخاري لم ينسبه وإنما نسبه من نسبه من الرواة بحسب ما ظهر له فإن كان كذلك فالأرجح أنه بن المدنين لأن العادة أن الإطلاق إنما ينصرف لمن يكون أشهر وابن المديني أشهر من اللبقي ومن عادة البخاري إذا أطلق الرواية عن علي إنما يقصد به علي بن المديني تنبيه ساق المتن هنا على لفظ على المذكرو وقد أخرجه المصنف في كتاب الأدب عن حجاج بن منهال وحده وساقه هناك على يسير قوله حدثنا أبو عمران هو الجوني قوله سمعت طلحة بن عبد الله جزم المزي بأنه بن عثمان بن عبيد الله بن معمر التيمي وقال بعضهم هو طلحة بن عبد الله الهدي لأن عبد الرحمن بن مهدي روى عن الثوري عن سعد بن إبراهيم عن طلحة بن عبد الله عن عائشة حديثا غير هذا ويترجح ما قال المزي بأن المصنف أخرج حديث الباب في الهبة من طريق غندر عن شعبة فقال طلحة بن عبد الله رجل من بني تيم بن مرة وليس لطلحة بن عبد الله في البخاري سوى هذا الحديث وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى والجوار بضم الجيم وبكسرها وقوله قال إلى أقربهما يروي قال أقربهما بحذف حرف الجر وهو بالرفع ويجوز الجر على إبقاء عمل حرف الجر بعد حذفه أي أقرب الجارين قال بن بطال لا حجة في هذا الحديث لمن أوجب الشفعة بالجوار لأن عائشة إنما سألت عمن تبدأ به من جيرانها بالهدية فأخبرها بأن الأقرب أولى وأجيب بأن وجه دخوله في الشفعه أن حديث أبي رافع يثبت شفعة الجوار فاستنبط من حديث عائشة تقديم الأقرب على الأبعد للعلة في مشروعية الشفعة لما يحصل من كلاهما بمشاركة الغير الأجنبي بخلاف الشريك في نفس الدار واللصيق للدار خاتمة جميع ما في الشفعة ثلاثة أحاديث موصولة الأول منها مكرر والآخران انفرد بهما المصنف عن مسلم وفيه من الآثار اثنان غير قصة المسور وأبي رافع مع سعد وهي موصولة والله أعلم قوله كتاب الإجارة بسم الله الرحمن الرحيم في الإجارات كذا في رواية المستملي وسقط للنسفي قوله في الاجارات وسقط للباقين كتاب الإجارة والإجارة بكسر أوله على المشهور وحكى ضمها وهي لغة الإثابة يقال آجرته بالمد وغير المد إذا أثبته واصطلاحا تمليك منفعة رقبة بعوض قوله باب استئجار الرجل الصالح وقول الله تعالى إن خير من استأجرت القوي الآمين في رواية أبي ذر وقال الله وأشار بذلك إلى قصة موسى عليه السلام مع ابنة شعيب وقد روى بن جرير من طريق شعيب الجبئي بفتح الجيم والموحدة بعدها همزة مقصورا أنه قال اسم المرأة التي تزوجها موسى صفورة واسم أختها ليا وكذا روى من طريق بن إسحاق إلا أنه قال اسم أختها شرقا وقيل ليا وقال غيره إن إسمهما صفورا وعبرا وأنهما كانتا توأما وذكر بن جرير اختلافا في أن أباهما هل هو شعيب النبي أو بن أخيه أو آخر اسمه يثرون أو يثري أقوال لم يرجح منها شيئا وروى من

[ 363 ]

طريق على بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله إن خير من استأجرت القوي الأمين قال قوي فيما ولي أمين فيما أستودع وروى من طريق بن عباس ومجاهد في آخرين أن أباها سألها عما رأت من قوته وأمانته فذكرت قوته في حال السقي وأمانته في غض طرفه عنها وقوله لها امشي خلفي ودليني على الطريق وهذا أخرجه البيهقي بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب وزاد فيه فزوجه وأقام موسى معه يكفيه ويعمل له في رعاية غنمه قوله والخازن الأمين ومن لم يستعمل من أراده ثم أورد في الباب من طريق أبي موسى الأشعري حديث الخازن الأمين أحد المتصدقين وحديثه الآخر في قصة الرجلين اللذين جاءا يطلبان من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعملهما والأول قد مضى الكلام عليه في الزكاة والثاني سيأتي شرحه مستوفى في كتاب الأحكام قال الاسماعيلي ليس في الحديثين جميعا معنى الإجارة وقال الداودي ليس حديث الخازن الأمين من هذا الباب لأنه لا ذكر للإجارة فيه وقال بن التين وإنما أراد البخاري أن الخازن لا شئ له في المال وإنما هو أجير وقال بن بطال إنما أدخله في هذا الباب لأن من أستؤجر على شئ فهو أمين فيه وليس عليه في شئ منه ضمان أن فسد أو أسيد إلا إن كان ذلك بتضييعه إياه وقال الكرماني دخول هذا الحديث في باب الإجارة للإشارة إلى أن خازن مال الغير كالأجير لصاحب المال وأما دخول الحديث الثاني في الإجارة فظاهر من جهة أن الذي يطلب العلم إنما يطلبه غالبا لتحصيل الأجرة التي شرعت للعامل والعمل المطلوب يشمل العمل على الصدقة في جمعها وتفرقتها في وجهها وله سهم منها كما قال الله تعالى والعاملين عليها فدخوله في الترجمة من جهة طلب الرجلين أن يستعملهما النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة أو غيرها ويكون لهما على ذلك أجرة معلومة قوله في الحديث الثاني ومعي رجلان من الأشعريين قال فقلت ما علمت أنهما يطلبان العمل كذا وقع مختصرا وسيأتي في استتابة المرتدين بهذا الإسناد بعينه تاما وفيه ومعي رجلان من الأشعريين وكلاهما سأل أي للعمل فقلت والذي بعثك ما اطلعت على ما في أنفسهما ولا علمت أنهما يطلبان العمل الحديث قوله قال لن أولا نستعمل على عملنا من أراده هكذا ثبت في جميع الروايات التي وقفت عليها وهو شك من الرواي هل قال لن أو قال لا وحكى ابن التين أنه ضبط في بعض النسخ أولى بضم الهمزة وفتح الواو وتشديد اللام مع كسرها فعل مستقبل من الولاية قال القطب الحلبي فعلى هذه الرواية يكون لفظ نستعمل زائدا ويكون تقدير الكلام لن أولى على عملنا وقد وقع هذا الحديث في الأحكام من طريق بريد بن عبد الله عن أبي بردة بلفظ أنا لا نولي على عملنا وهو يعضد هذا التقرير والله أعلم قال المهلب لما كان طلب العمالة دليلا على الحرص ابتغى أن يحترص من الحريص فلذلك قال صلى الله عليه وسلم لا نستعمل على عملنا من أراده وظاهر الحديث منع تولية من يحرص على الولاية إما على سبيل التحريم أو الكراهة وإلى التحريم جنح القرطبي ولكن يستثنى من ذلك من تعين عليه قوله باب رعي الغنم على قراريط على بمعنى الباء وهي للسببية أو المعاوضة وقيل أنها هنا للظرفية كما سنبين قوله عمرو بن يحيى عن جده وهو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي قوله الا رعى الغنم في رواية الكشميهني الا راعي الغنم قوله على قراريط لأهل مكة في رواية بن ماجة عن سويد بن سعيد عن عمرو بن يحيى كنت أرعاها لأهل مكة

[ 364 ]

بالقراريط وكذا رواه الاسماعيلي عن المنيعي عن محمد بن حسان عن عمرو بن يحيى قال سويد أحد رواته يعني كل شاة بقيراط يعني القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم قال إبراهيم الحربي قراريط اسم موضع بمكة ولم يرد القراريط من الفضة وصوبه بن الجوزي تبعا لابن ناصر وخطأ سويدا في تفسيره لكن رجح الأول لأن أهل مكة لا يعرفون بها مكانا يقال له قراريط وأما ما رواه النسائي من حديث نصر بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون قال افتخر أهل الإبل وأهل الغنم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث موسى وهو راعي غنم وبعث داود وهو راعي غنم وبعثت وأنا أرعى غنم أهلي بجياد فزعم بعضهم أن فيه ردا لتأويل سويد بن سعيد لأنه ما كان يرعى بالأجرة لأهله فيتعين أنه أراد المكان فعبر تارة بجياد وتارة بقراريط وليس الرد بجيد إذ لا مانع من الجمع بين أن يرعى لأهله بغير أجرة ولغيره بأجرة أو المراد بقوله أهلي أهل مكة فيتحد الخبران ويكون في أحد الحديثين بين الأجرة وفي الآخر بين المكان فلا ينافي ذلك والله أعلم وقال بعضهم لم تكن العرب تعرف القيراط الذي هو من النقد ولذلك جاء في الصحيح يستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط وليس الاستدلال لما ذكر من نفي المعرفة بواضح قال العلماء الحكمة في إلهام الأنبياء من رعى الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادا من غيرها وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء قوله باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام وعامل النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر هذه الترجمة مشعرة بأن المصنف يرى بامتناع إستئجار المشرك حربيا كان أو ذميا إلا عند الاحتياج إلى ذلك كتعذر وجود مسلم يكفي في ذلك وقد روى عبد الرزاق عن بن جريج عن بن شهاب قال لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم عمال يعملون بها نخل خيبر وزرعها فدعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر فدفعها إليهم الحديث وفي استشهاده بقصة معاملة النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على أن يزرعوها وباستئجاره الدليل المشرك لما هاجر على ذلك نظر لأنه ليس فيهما تصريح بالمقصود من منع استئجارهم وكأنه أخذ ذلك من هذين الحديثين مضموما إلى قوله صلى الله عليه وسلم إنا لا نستعين بمشرك أخرجه مسلم وأصحاب السنن فأراد الجمع بين الأخبار بما ترجم به قال بن بطال عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من المذلة لهم وإنما الممتنع أن يؤجرا المسلم نفسه من المشرك نفسه من المشرك لما فيه من اذلال المسلم اه وحديث معاملة أهل خيبر يأتي في أواخر كتاب

[ 365 ]

الإجارة موصولا وأشار في الترجمة بقوله إذا لم يوجد أهل الإسلام إلى ما أخرجه أبو داود من طريق حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر أحسبه عن نافع عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر فذكر الحديث وقال فيه وأراد أن يجليهم فقالوا يا محمد دعنا نعمل في هذه الأرض ولنا الشطر ولكم الشطر الحديث وإنما أجابهم إلى ذلك لمعرفتهم بما يصلح أرضهم دون غيرهم فنزل المصنف من لا يعرف منزلة من لم يوجد وحديث الدليل يأتي الكلام عليه مستوفى في أول الهجرة إن شاء الله تعالى وقوله في أول الحديث استأجر وقع في رواية الأصيلي وأبي الوقت واستأجر بزايدة واو وهي ثابتة في الأصل في نفس الحديث الطويل لأن القصة معطوفة على قصة قبلها وقد ساقه المصنف في الترجمة بعدها بسنده الآتي مطولا ووقع هنا فاستأجر بالفاء ووهم من زعم أن المصنف زاد الواو للتنبيه على أنه اقتطع هذا القدر من الحديث قوله هاديا زاد الكشميهني في روايته خريتا وهو بكسر المعجمة وتشديد الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم مثناة وقوله الماهر بالهداية كذا وقع في نفس الحديث وهو مدرج من قول الزهري كما سنبينه هناك ونحكي الخلاف في تسمية الهادي المذكور وفي الحديث استئجار المسلم الكافر على هداية الطريق إذا أمن إليه واستئجار الإثنين واحدا على عمل واحد قوله باب إذا استأجر أجيرا ليعمل له بعد ثلاثة أيام أو بعد شهر أو بعد سنة جاز وهما على شرطهما الذي اشترطاه إذا جاء الأجل أورد فيه طرفا من حديث عائشة المذكور وفيه أنهما واعدا الدليل براحلتيهما بعد ثلاث وتعقبه الاسماعيلي بأنه ليس في الخبر على أنهما استأجراه على أن لا يعمل إلا بعد ثلاث بل الذي في الخبر أنهما استأجراه وابتدأ في اعمل من وقته بتسليمه راحلتيهما منهما يرعاهما ويحفظهما إلي أن يتهيأ لهما الخروج قلت ليس في ترجمة البخاري ما ألزمه به والذي ترجم به هو ظاهر القصة ومن قال ببطلان الإجارة إذا لم يشرع في العمل من حين الإجارة هو المحتاج إلى دليل والله أعلم وقد قال بن المنير متعقبا على من اعترض على البخاري بذلك أن الخدمة المقصودة بالإجارة المذكورة كانت على الدلالة على الطريق من غير زيادة على ذلك ولا شك أنها تأخرت قلت ويؤيده أن الذي كان يرعى رواحلهما عامر بن فهيرة لا الدليل وقال بن المنير ليس في هذا الحديث تصريح بهذا الحكم لا إثباتا ولا نفيا وقد يحتمل في المدة القصيرة لندور الغرر فيها ما لا يحتمل في المدة الطويلة وهذا مذهب مالك حيث حد الجواز في البيع بما لا تتغير السلعة في مثله واستنبط من هذه القصة جواز إجارة الدار مدة معلومة قبل مجئ أول المدة وهو مبني على صحة الأصل فيلحق به الفرع والله أعلم قوله باب الأجير في الغزو قال بن بطال استئجار الأجير للخدمة وكفاية مؤنة العمل في الغزو وغيره سواء اه ويحتمل أن يكون أشار إلى أن الجهاد وأن كان القصد به تحصيل الأجر فلا ينافي ذلك الاستعانة بمن يخدم المجاهد ويكفيه كثيرا من الأمور التي لا يتعاطاها بنفسه قوله عن صفوان بن يعلى في رواية همام الماضية في الحج حدثني صفوان بن يعلى قوله العسرة بضم العين وسكون السين المهملتين هي غزوة تبوك وسيأتي الكلام على الحديث في الديات ورواية همام المذكورة مختصرة قوله فأنذر أي أسقط قوله فأهدر أي لم يجعل له دية ولا قصاصا قوله تقضمها بفتح

[ 366 ]

الضاد المعجمة وماضيه بكسرها والاسم القضم بفتح القاف وسكون الضاد المعجمة وهو الأكل بأطراف الأسنان والفحل الذكر من الإبل ونحوه قوله قال بن جريج الخ هو بالإسناد المذكور إليه وهذه الزيادة التي عن أبي بكر الصديق وقعت هنا فقط قوله عن جده كذا للجميع وكذلك أخرجه أبو داود من طريق يحيى بن سعيد عن بن جريج وقال أبو عاصم عن بن جريج عن أبيه عن جده عن أبي بكر زاد فيه عن أبيه أخرجه الحاكم أبو أحمد في الكنى وابن شاهين في الصحابة وعبد الله بن أبي ملكية منسوب إلى جده وقيل إلى جد أبيه فإنه عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة واسمه زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي وله صحبة ومنهم من زاد في نسبه عبد الله بين عبيد الله ابن زهير وقال إن الذي يكنى أبا ملكية هو عبد الله بن زهير فعلى الأول فالحديث من وراية زهير بن عبد الله عن أبي بكر وعلى الثاني هو من رواية عبد الله بن زهير ويتردد عود الضمير في قوله عن جده على من يعود على الخلاف المذكور وزعم مغلطاي أن الطريق التي أخرجها البخاري منقطعة في موضعين وليس كما زعم والله أعلم لقوله قوله باب إذا استأجر أجيرا في رواية غير أبي ذر من استأجر قوله فبين له الأجل في رواية الأصيلي الأجر بسكون الجيم وبالراء والأولى أوجه قوله ولم يبين العمل أي هل يصح ذلك أم لا وقد مال البخاري إلى الجواز لأنه احتج لذلك فقال لقوله تعالى أني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين الآية ولم يفصح مع ذلك بالجواز لأجل الاحتمال ووجه الدلالة منه أنه لم يقع في سياق القصة المذكورة بيان العمل وإنما فيه أن موسى أجر نفسه من والد المرأتين ثم إنما تتم الدلالة بذلك إذا قلنا أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد شرعنا بتقريره وقد احتج الشافعي بهذه الآية على مشروعية الإجارة فقال ذكر الله سبحانه وتعالى أن نبيا من أنبيائه أجر نفسه حججا مسماة ملك بها بضع امرأة وقيل استأجره على أن يرعى له قال المهلب ليس في الآية دليل على جهالة العمل في الإجارة لأن ذلك كان معلوما بينهم وإنما حذف ذكره للعلم به وتعقبه بن المنير بأن البخاري لم يرد جواز أن يكون العمل مجهولا وإنما أراد أن التنصيص على العمل باللفظ ليس مشروعا وأن المتبع المقاصد لا الألفاظ ويحتمل أن يكون المصنف أشار إلى حديث عتبة بن النذر بضم النون وتشديد المهملة قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن مولى أجر نفسه ثمان سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه أخرجه ابن ماجة وفي إسناده ضعف فإنه ليس فيه بيان العمل من قبل موسى وقد أبعد من جوز أن يكون المهر شيئا آخر غير الرعي وإنما أراد شعيب أن يكون يرعى غنمه هذه المدة ويزوجه ابنته فذكر له الأمرين وعلق التزويج على الرعية على وجه المعاهدة لا على وجه المعاقدة فاستأجره لرعي غنمه بشئ معلوم بينهما ثم أنكحه ابنته بمهر معلوم بينهما قوله يأجر بضم الجيم فلانا أي يعطيه أجرا هذا ذكره المصنف تفسيرا لقوله تعالى على أن تأجرني وبذلك جزم أبو عبيدة في المجاز وتعقبه الاسماعيلي بأن معنى الآية في قوله على أن تأجرني أي تكون لي أجيرا والتقدير على أن تأجرني نفسك قوله ومنه في التعزية آجرك الله هو من قول أبي عبيدة أيضا وزاد يأجرك أي يثيبك وكأنه نظر إلى أصل المادة وإن كان المعنى في الأجر والأجرة مختلفا قوله باب إذا استأجر أجيرا على أن يقيم حائطا يريد أن ينقض جاز أورد فيه طرفا من حديث أبي بن كعب في قصة موسى والخضر وقد أورده مستوفي في التفسير بهذا الإسناد ويأتي الكلام عليه مبينا

[ 367 ]

هناك إن شاء الله تعالى وإنما يتم الاستدلال بهذه القصة إذا قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا لقول موسى لو شئت لاتخذت عليه أجرا أي لو تشارطت على عمله بأجرة معينة لنفعنا ذلك قال بن المنير وقصد البخاري أن الإجارة تضبط بتعين العمل كما تضبط بتعين الأجل قوله باب الإجارة إلى نصف النهار أي من أول النهار وترجم في الذي بعده الإجارة إلى صلاة العصر والتقدير أيضا أن الابتداء من أول النهار ثم ترجم بعد ذلك باب الإجارة من العصر إلى الليل أي إلى أول دخول الليل قيل أراد البخاري إثبات صحة الإجارة بأجر معلوم إلى أجل معلوم من جهة أن الشارع ضرب المثل بذلك ولولا الجواز ما أقره ويحتمل أن يكون الغرض من كل ذلك إثبات جواز الإستئجار لقطعة من النهار إذا كانت معينة دفعا لتوهم من يتوهم أن أقل المعلوم أن يكون يوما كاملا قوله مثلكم ومثل أهل الكتابين كذا في رواية أيوب والمراد بأهل الكتابين اليهود والنصارى قوله كمثل رجل في السياق حذف تقديره مثلكم مع نبيكم ومثل أهل الكتابين مع أنبيائهم كمثل رجل استأجر فالمثل مضروب للأمة مع نبيهم والمثل به الأجراء مع من استأجرهم قوله على قيراط زاد في رواية عبد الله بن دينار على قيراط قيراط وهو المراد قوله فعملت اليهود زاد بن دينار على قيراط قيراط وزاد الزهري عن سالم عن أبيه كما تقدم في الصلاة حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا وكذا وقع في بقية الأم والمراد بالقيراط النصيب وهو في الأصل نصف دانق والدانق سدس درهم وقلة إلى صلاة العصر يحتمل أن يريد به أول وقت دخولها ويحتمل أن يريد أول حين الشروع فيها والثاني يرفع الإشكال السابق في المواقيت على تقدير تسليم أن الوقتين متساويان أي ما بين الظهر والعصر وما بين العصر والمغرب فكيف يصح قول النصارى إنهم أكثر وأشار من هذه الأمة وقد قدمت هناك عدة أجوبة عن ذلك فلتراجع من ثم ومن الأجوبة التي لم تتقدم أن قائل مالنا أكثر وأشار اليهود خاصة ويؤيده ما وقع في التوحيد بلفظ فقال أهل التوراة ويحتمل أن يكون كل من الفريقين قال ذلك أما اليهود فلأنهم أطول زمانا فيستلزم أن الريح أكثر وأشار وأما النصارى فلأنهم وازنوا كثرة أتباعهم بكثرة زمن اليهود لأن النصارى آمنوا بموسى وعيسى جميعا أشار إلى ذلك الاسماعيلي ويحتمل أن تكون أكثرية النصارى باعتبار أنهم عملوا إلى آخر صلاة العصر وذلك بعد دخول وقتها أشار إلى ذلك بن القصار وابن العربي وقد قدمنا أنه لا يحتاج إليه لأن المدة التي بين الظهر والعصر أكثر من المدة التي بين العصر والمغرب ويحتمل أن تكون نسبة ذلك إليهم على سبيل التوزيع فالقائل نحن أكثر وأشار اليهود والقائل نحن أقل أجرا النصارى وفيه بعد وحكى بن التين أن معناه أن عمل الفريقين جميعا أكثر وزمانهم أطول وهو خلاف ظاهر السياق قوله فغضبت اليهود والنصارى أي الكفار منهم قوله ما لنا أكثر وأشار وأقل عطاء بنصب أكثر وأقل على الحال كقوله تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين وقد تقدمت مباحث هذه الجملة في كتاب المواقيت قوله من حقكم أطلق لفظ الحق لقصد المماثلة وإلا فالكل من فضل الله تعالى قوله فذلك فضلى أوتيه من أشاء فيه حجة لأهل السنة على أن النصارى من الله على سبيل الإحسان منه جل جلالة قوله باب الإجارة إلى صلاة العصر ذكر فيه حديث بن عمر من طريق مالك عن عبد الله بن دينار وليس في سياقه التصريح بالعمل إلى صلاة العصر وإنما يؤخذ

[ 368 ]

ذلك من قوله ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر فإن ابتداء عمل الطائفة عند انتهاء عمل الطائفة التي قبلها نعم في رواية أيوب في الباب قبله التصريح بذلك حيث قال من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر قوله في رواية عبد الله بن دينار إنما مثلكم واليهود والنصارى هو بخفض اليهود عطفا على الضمير المجرور بغير إعادة الجار قاله بن التين وإنما يأتي على أجرة الكوفيين وقال بن مالك يجوز الرفع على تقدير ومثل اليهود والنصارى على حذف المضاف وإعطاء المضاف إليه إعرابه قلت ووجدته مضبوطا في أصل أبي ذر بالنصب وهو موجه على إرادة المعية ويرجح توجيه بن مالك ما سيأتي في أحاديث الأنبياء من طريق الليث عن نافع بلفظ وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى قوله إلى مغارب الشمس كذا ثبت في رواية لمالك بلفظ الجمع وكأنه باعتبار الأزمنة المتعددة باعتبار الطوائف ووقع في رواية سفيان الآتية في فضائل القرآن إلى مغرب الشمس على الإفراد وهو الوجه ومثله في رواية الليث عن نافع الآتية في أحاديث الأنبياء ونحوه في رواية أيوب في الباب الذي بعده بلفظ إلى أن تغيب الشمس قوله هل ظلمتكم أي نقصتكم كما في رواية نافع في الباب الذي قبله وسأذكر بقية فوائده بعد بابين قوله باب إثم من منع أجر الأجير أورد فيه حديث أبي هريرة وقد تقدم الكلام عليه مستوفي في باب إثم من باع حرا في أواخر البيوع تنبيه أخر بن بطال هذا الباب عن الذي بعده وكأنه صنع ذلك للمناسبة قوله باب الإجارة من العصر إلى الليل أي من أول وقت العصر إلى أول دخول الليل أورد فيه حديث أبي موسى وقد مضى سنده ومتنه في المواقيت وشيخه أبو كريب المذكور هناك هو محمد بن العلاء المذكور هناك وبريد بالموحدة والتصغير هو ابن عبد الله بن أبي بردة قوله كمثل رجل استأجر قوما هو من باب القلب والتقدير كمثل قوم استأجرهم رجل أو هو من باب التشبيه بالمركب قوله يعملون له وأشار يوما إلى الليل هذا مغاير لحديث بن عمر لأن فيه أنه استأجرهم على أن يعملوا إلى نصف النهار وقد تقدم ذكر التوفيق بينهما في المواقيت وأنهما حديثان سيقا في قصتين نعم وقع في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الماضية في المواقيت الآتية في التوحيد ما يوافق رواية أبي موسى فرحجها الخطابي على رواية نافع وعبد الله بن دينار لكن يحتمل أن تكون القصتان جميعا كانتا عند بن عمر فحدث بهما في وقتين وجمع بينهما بن التين باحتمال أن الريح غضبوا أولا فقالوا ما قالوا إشارة إلى طلب الزيادة فلما لم يعطوا قدرا زائدا تركوا فقالوا لك ما عملنا باطل انتهى وفيه مع بعده مخالفة لصريح ما وقع في رواية الزهري في المواقيت وفي التوحيد ففيها قالوا ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا قيراطا ونحن كنا أكثر وأشار ففيه التصريح بأنهم أعطوا ذلك إلا أن يحمل قولهم أعطيتنا أي أمرت لنا أو وعدتنا ولا يستلزم ذلك أنهم أخذوه ولا يخفى أن الجمع بكونهما قصتين أوضح وظاهر المثل الذي في حديث أبي موسى أن الله تعالى قال لليهود آمنوا بن وبرسلي إلى يوم القيامة فآمنوا بموسى إلى أن بعث عيسى فكفروا به وذلك في

[ 369 ]

قدر نصف المدة التي من مبعث موسى إلى قيام الساعة فقولهم لا حاجة لنا إلى أجرك إشارة إلى أنهم كفروا وتولوا واستغنى الله عنهم وهذا من إطلاق القول وإرادة لازمه لأن لازمه ترك العمل المعبر به عن ترك الإيمان وقولهم وما عملنا باطل إشارة إلى إحباط عملهم بكفرهم بعيسى إذا لا ينفعهم الإيمان بموسى وحده بعد بعثة عيسى وكذلك القول في النصارى إلا أن فيه إشارة إلى أن مدتهم كانت قدر نصف المدة فاقتصروا على نحو الربع من جميع النهار وقولهم ولكم الذي شرطت زاد في رواية الاسماعيلي الذي شرطت لهؤلاء من الأجر يعني الذي قبلهم وقوله فإنما بقي من النهار شئ يسير أي بالنسبة لما مضى منه والمراد ما بقي من الدنيا وقوله واستكملوا أجر الفريقين أي بإيمانهم بالأنبياء الثلاثة وتضمن الحديث الإشارة إلى قصر المدة التي بقيت من الدنيا وسيأتي الكلام عليه في قوله بعثت أنا والساعة كهاتين قوله حتى إذا كان حين صلاة العصر هو بنصب حين ويجوز فيه الرفع قوله واستكملوا أجر الفريقين كليهما كذا لأبي ذر وغيره وحكى بن التين أن في روايته كلاهم بالرفع وخطأه وليس كما زعم بل له وجه قوله فذلك مثلهم أي المسلمين ومثل ما قبلوا من هذا النور في رواية الاسماعيلي فذلك مثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسوله ومثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله واستدل به على أن بقاء هذه الأمة يزيد على الألف لأنه يقتضي أن مدة اليهود وكما والحكمة النصارى والمسلمين وقد اتفق أهل النقل على أن مدة اليهود إلى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانت أكثر من ألفي سنة ومدة النصارى من ذلك ستمائة وقيل أقل فتكون مدة المسلمين أكثر من ألف قطعا وتضمن الحديث أن أجر النصارى كان أكثر من أجر اليهود لأن اليهود عملوا نصف النهار بقيراط والنصارى نحو ربع النهار بقيراط ولعل ذلك باعتبار ما حصل لمن آمن من النصارى بموسى وعيسى فحصل لهم تضعيف الأجر مرتين بخلاف اليهود فإنهم لما بعث عيسى كفروا به وفي الحديث تفضيل هذه الأمة وتوفير أجرها مع قلة عملها وفيه جواز استدامة صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس وفي قوله فإنما بقي من النهار شئ يسير إشارة إلى قصر مدة المسلمين بالنسبة إلى مدة غيرهم وفيه إشارة إلى أن العمل من الطوائف كان مساويا في المقدار وقد تقدم البحث في ذلك في المواقيت مشروحا قوله باب من استأجر أجيرا فترك أجره في رواية الكشميهني فترك الأجير أجره قوله فعمل فيه المستأجر أي اتجر فيه أو زرع فزاد أي ربح قوله ومن عمل في مال غيره فاستفضل هو من عطف العام على الخاص لأن العامل في مال غيره أعم من أن

[ 370 ]

يكون مستأجرا أو غير مستأجر ولم يذكر المصنف الجواب إشارة إلى الاحتمال كعادته ثم ذكر فيه حديث بن عمر في قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار وقد تقدم من وجه آخر قريبا وقد تعقب المهلب ترجمة البخاري بأنه ليس في القصة دليل لا ترجم له وإنما اتجر الرجل في أجر أجيره ثم أعطاه له على سبيل التبرع وإنما الذي كان يلزمه قدر العمل خاصة وقد تقدم ذلك في أثناء كتاب البيوع وسيأتي شرحه مستوفي في أواخر أحاديث الأنبياء إن شاء الله تعالى وقوله في هذه الرواية لا أغبق هو من الغبوق بالغين المعجمة والموحدة وآخره قاف شرب الشعى وضبطوه بفتح الهمزة أغبق من الثلاثي إلا الأصيلي فبضمها من الرباعي وخطئوه وقوله أهلا ولا ما لا المراد بالأهل ماله من زوج وولد وبالمال ماله من رقيق وخدم وزعم الداودي أن المراد بالمال الدواب وتعقبوه وله وجه وقوله فنأي بفتح النون والهمزة مقصورا بوزن سعى أي بعد وفي رواية كريمة والأصيلي فناء بمد النون بوزن جاء وهو بمعنى الأول وقوله فلم أرح بضم الهمزة وكسر الراء وقوله برق الفجر بفتح الراء أي أضاء وقوله فأفرج بالوصل وضم الراء وبهمزة قطع وكسرا الراء من الفرج أو من الإفراج وقوله كل ما ترى من أجلك كذا للكشميهني ولأبي زيد المروزي وللباقين من أجرك ولكل وجه قوله باب من آجر نفسه ليحمل على ظهره ثم تصدق به في رواية الكشميهني ثم تصدق منه وقوله وأجر الحمال أي وباب أجر الحمال قوله حدثنا أبي هو الأموي صاحب المغازي وقوله عن شقيق هو أبو وائل وقوله فيحامل أي يطلب أن يحمل بالأجرة وقوله بالمد أي يحمل المتاع بالأجرة وهي الفساد من طعام والمحاملة مفاعلة وهي تكون بين اثنين والمراد هنا أن الحمل من أحدهما والأجرة من الآخر كالمساقاة والمزارعة ووقع للنسائي من طريق منصور عن أبي وائل ينطلق أحدنا إلى السوق فيحمل على ظهره قوله وإن لبعضهم لمائة ألف هذه اللام للتأكيد وهي ابتدائية لدخولها على اسم أن وتقدم الخبر وهي كقوله تعالى إن في ذلك لعبرة ومراده أن ذلك في الوقت الذي حدث به وقد تقدم في الزكاة بلفظ وإن لبعضهم اليوم مائة ألف زاد النسائي وما كان له يومئذ درهم أي في الوقت الذي كان يحمل فيه قوله قال ما نراه إلا نفسه بين بن ماجة من طريق زائدة عن الأعمش أن قائل ذلك هو أبو وائل الراوي للحديث عن أبي مسعود وقد تقدم شرح هذا الحديث في كتاب الزكاة قوله باب أجر السمسرة أي حكمه وهي بمهملتين قوله ولم ير بن سيرين وعطاء وإبراهيم والحسن بأجر السمسار بأسا أما قول بن سيرين وإبراهيم فوصله بن أبي شيبة عنهما بلفظ لا بأس بأجر السمسار إذا اشترى يدا بيد وأما قول عطاء فوصله بن أبي شيبة أيضا بلفظ سئل عطاء عن السمسرة فقال لا بأس بها وكأن المصنف أشار إلى الرد على من كرهها وقد نقله بن المنذر عن الكوفيين قوله وقال ابن عباس لا بأس أن يقول بع هذا الثوب فما زاد على كذا وكذا فهو لك وصله بن أبي شيبة من طريق عطاء نحوه وهذه أجر سمسرة أيضا لكنها مجهولة ولذلك لم يجزها الجمهور وقالوا إن باع له على ذلك فله أجر مثله وحمل بعضهم إجازة بن عباس على أنه أجراه مجرى المقارض وبذلك أجاب أحمد وإسحاق ونقل بن التين أن بعضهم شرط في جوازه أن يعلم الناس ذلك الوقت أن ثمن السلعة يساوي أكثر مما سمي له وتعقبه بأن الجهل بمقدار الأجرة باق قوله وقال بن سيرين إذا قال بعه بكذا فما كان من ربح فلك أو بيني وبينك فلا بأس به وصله بن أبي شيبة أيضا من طريق

[ 371 ]

يونس عنه وهذا أشبه بصورة المقارض من السمسار قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون عند شروطهم هذا أحد الأحاديث التي لم يوصلها المنصف في مكان آخر وقد جاء من حديث عمرو بن عوف المزني وابى هريرة وغيرهما أما حديث عمرو بن عوف فأخرجه إسحاق في مسنده من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظه وزاد إلا شرطا حرم حلا لا أو أحل حراما وكثير بن عبد الله ضعيف عند الأكثر لكن البخاري ومن تبعه كالترمذي وابن خزيمة يقولون أمره وأما حديث أبي هريرة فوصله أحمد وأبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح وهو بموحدة عن أبي هريرة بلفظه أيضا دون زيادة كثير فزاد بدلها والصلح جائز بين المسلمين وهذه الزيادة أخرجها الدارقطني والحاكم من طريق أبي رافع عن أبي هريرة ولابن أبي شيبة من طريق عطاء بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمنون عند شروطهم وللدارقطني والحاكم من حديث عائشة مثله وزاد ما وافق الحق تنبيه ظن بن التين أن قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم بقية كلام بن سيرين فشرح على ذلك فوهم وقد تعقبه القطب الحلبي ومن تبعه من علمائنا ثم أورد المصنف حديث بن عباس الماضي في البيوع والمراد منه قوله في تفسير المنع لبيع الحاضر للبادي أن لا يكون له سمسارا فإنه مفهومه أنه يجوز أن يكون سمسارا في بيع الحاضر للحاضر ولكن شرط الجمهور أن تكون الأجرة معلومة وعن أبي حنيفة إن دفع له ألفا على أن عمي بها بزا بأجرة عشرة فهو فاسد فإن اشترى فله أجرة المثل ولا يجوز ما سمي من الأجرة وعن أبي ثور إذا جعل له في كل ألف شيئا معلوما لم يجز لأن ذلك غير معلوم فإن عمل فله أجر مثله وحجة من منع أنها إجارة في أمر لأمد غير معلوم وحجة من أجازه أنه إذا عين له الأجرة كفى ويكون من باب الجعالة والله أعلم قوله باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب أورد فيه حديث خباب وهو إذ ذاك مسلم في عمله للعاص بن وائل وهو مشرك وكان ذلك بمكة وهي إذ ذاك دار حرب واطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وأقره ولم يجزم المصنف بالحكم لاحتمال أن يكون الجواز مقيدا بالضرورة أو أن جواز ذلك كان قبل الأذن في قتال المشركين ومنابذتهم وقبل الأمر بعدم إذلال المؤمن نفسه وقال المهلب كره أهل العلم ذلك إلا لضرروة بشرطين أحدهما أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله والآخر أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين وقال ابن المنير استقرت المذاهب على أن الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة ولا يعد ذلك من الذلة بخلاف أن يخدمه في منزله وبطريق التبعية له والله أعلم وقد تقدم حديث خباب في البيوع ويأتي بقية شرحه في تفسير سورة مريم قوله باب ما يعطي في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب كذا ثبتت هذه الترجمة للجميع والأحياء بالفتح جمع حي والمراد به طائفة من العرب مخصوصة قال الهمداني في الأنساب الشعب والحي بمعنى وسمي الشعب لأن القبيلة تتشعب منه وقد اعترض على المصنف بأن الحكم لا يختلف باختلاف الأمكنة ولا باختلاف الأجناس وتقييده في الترجمة بأحياء العرب يشرع بحصره فيه ويمكن الجواب بأنه ترجم بالواقع ولم يتعرض لنفي غيره وقد ترجم عليه في الطب الشروط في الرقية بقطيع من الغنم ولم يقيده بشئ وترجم فيه أيضا الرقيا بفاتحة الكتاب والرقية كلام يستشفى به من كل عارض

[ 372 ]

أشار إلى ذلك بن درستويه وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب الطب إن شاء الله تعالى قوله وقال بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله هذا طرف من حديث وصله المؤلف رحمه الله في الطب واستدل به للجمهور في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم وأجازوه في الرقي كالدواء قالوا لأن تعليم القرآن عبادة والأجر فيه على الله وهو القياس في الرقي إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الخبر وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على النصارى وسياق القصة التي في الحديث يأبى هذا التأويل وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن وقد رواها أبو داود وغيره وتعقب بأنه إثبات للنسخ بالاحتمال وهو مردود وبأن الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب وبأن الأحاديث المذكورة أيضا ليس فيها ما تقوم به الحجة فلا تعارض الأحاديث الصحيحة وسيكون لنا عودة إلى البحث في ذلك في كتاب النكاح في باب التزويج على تعليم القرآن قوله وقال الشعبي لا يشترط المعلم إلا أن يعطي شيئا فليقبله وقال الحكم لم أسمع أحدا كره أجر المعلم وأعطى الحسن دراهم عشرة أما قول الشعبي فوصله بن أبي شيبة بلفظ وإن أعطى شيئا فليقبله وأما قول الحكم فوصله البغوي في الجعديات حدثنا علي بن الجعد عن شعبة سألت معاوية بن قرة عن أجر المعلم فقال أرى له أجرا وسألت الحكم فقال ما سمعت فقيها يكرهه وأما قول الحسن فوصله بن سعد في الطبقات من طريق يحيى بن سعيد بن أبي الحسن قال لما حذقت قلت لعمي يا عماه إن المعلم يريد شيئا قال ما كانوا يأخذون شيئا ثم قال أعطه خمسة دراهم فلم أزل به حتى قال أعطه عشرة دراهم وروى ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن الحسن قال لا بأس أن يأخذ على الكتابة أجرا وكره الشرط قوله ولم ير بن سيرين بأجر القسام بأسا وقال كان يقال السحت الرشوة في الحكم أما قوله في أجرة القسام فاختلفت الروايات عنه فروى عبد بن حميد في تفسيره من طريق يحيى بن عتيق عن محمد وهو بن سيرين أنه كان يكره أجور القسام ويقول كان يقال السحت الرشوة على الحكم وأرى هذا حكما يؤخذ عليه الأجرة وروى بن أبي شيبة من طريق قتادة قال قلت لابن المسيب ما ترى في كسب القسام فكرهه وكان الحسن يكره كسبه وقال بن سيرين إن لم يكن حسنا فلا أدري ما هو وجاءت عنه رواية يجمع بها بين هذا الاختلاف قال بن سعد حدثنا عارم حدثنا حماد عن يحيى عن محمد هو بن سيرين أنه كان يكره أن يشارط القسام وكأنه يكره له أخذ الأجرة على سبيل المشارطة ولا يكرهها إذا كانت بغير اشتراط كما تقدم عن الشعبي وظهر بما أخرجه بن أبي شيبة أن قول البخاري وكان يقال السحت الرشوة بقية كلام بن سيرين وأشار بن سيرين بذلك إلى ما جاء عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت من قولهم في تفسير السحت إنه الرشوة في الحكم أخرجه بن جرير بأسانيده عنهم ورواه من وجه آخر مرفوعا ورجاله ثقات ولكنه مرسل ولفظه كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به قيل يا رسول الله وما السحت قال الرشوة في الحكم تنبيه القسام بفتح القاف فعال من القسم بفتح القاف وهو القاسم وشرحه الكرماني على أنه بضم القاف جمع قاسم والسحت بضم السين وسكون الحاء المهملتين وحكى ضم الحاء وهو شاذ وضبطه بعضهم بما يلزم من أكله العار فهو أعم من الحرام والرشوة بفتح الراء وقد تكسر

[ 373 ]

وتضم وقيل بالفتح المصدر وبالكسر الاسم قوله وكانوا يعطون على الخرص هو بفتح المعجمة وسكون الراء ثم صاد الركعة هو الحزر وزنا ومعنى وقد تقدم تفسيره في البيوع أي كانوا يعطون أجرة الخارص وفي ذلك دلالة على جواز أجرة القسام لاشتراكهما في أن كلا منهما يفصل التنازع بين المتخاصمين ولأن الخرص يقصد للقسمة ومناسبة ذكر القسام والخارص للترجمة الاشتراك في أن جنسهما وجنس تعليم القرآن والرقية واحد ومن ثم كره مالك أخذ الأجرة على عقد الوثائق لكونها من فروض الكفايات وكره أيضا أجرة القسام وقيل إنما كرهها لأنه كان يرزق من بيت المال فكره له أن يأخذ أجرة أخرى وأشار سحنون إلى الجواز عند فساد أمور بيت المال وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة حالا الناس ثلاثة أشياء لم يكن يؤخذ عليهن أجر ضراب الفحل وقسمة الأموال والتعليم اه‍ وهذا مرسل وهو يشعر بأنهم كانوا قبل ذلك يتبرعون بها فلما فشا الشح طلبوا الأجرة فعد ذلك من غير مكارم الأخلاق فتحمل كراهة من كرهها على التنزيه والله أعلم قوله عن أبي بشر هو جعفر بن أبي وحشية مشهور بكنيته أكثر من اسمه كأبيه اسمه إياس وهو مشهور بكنيته قوله عن أبي المتوكل هو الناجي وقد ذكر المصنف في آخر الباب تصريح أبي بشر بالسماع منه وتابع أبا عوانة على هذا الإسناد شعبة كما في آخر الباب وهشيم كما أخرجه مسلم والنسائي وخالفهم الأعمش فرواه عن جعفر بن أبي وحشية عن أبي نضرة عن أبي سعيد جعل بدل أبي المتوكل أبا نضرة أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريقه فأما الترمذي فقال طريق شعبة أصح من طريق الأعمش وقال بن ماجة أنها الصواب ورجحها الدارقطني في العلل ولم يرجح في السنن شيئا وكذا النسائي والذي يترجح في نقدي أن الطريقين محفوظان لاشتمال طريق الأعمش على زيادات في المتن ليست في رواية شعبة ومن تابعه فكأنه كان عند أبي بشر عن شيخين فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا ولم يصب بن العربي في دعواه أن هذا الحديث مضطرب فقد رواه عن أبي سعيد أيضا معبد بن سيرين كما سيأتي في فضائل القرآن وسليمان بن قته وهو بفتح القاف وتشديد المثناة كما أخرجه أحمد والدارقطني وسأذكر ما في روياتهم من الفوائد قوله انطلق نفر لم أقف على اسم أحد منهم سوى أبي سعيد وليس في سياق هذه الطريق ما يشعر بأن السفر كان في جهاد لكن في رواية الأعمش أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثهم وفي رواية سليمان بن قته عند أحمد بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا زاد الدارقطني فيه بعث سرية عليها أبو سعيد ولم أقف على تعيين هذه السرية في شئ من كتب المغازي بل لم يتعرض لذكرهم أحد منهم وهي واردة عليه ولم أقف على تعيين الحي الذين نزلوا بهم من أي القبائل هم قوله فاستضافوهم أي طلبوا منهم الضيافة وفي رواية الأعمش عند غير الترمذي بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلا فنزلنا بقوم ليلا فسألناهم القرى فأفادت عدد السرية ووقت النزول كما أفادت رواية الدارقطني تعيين أمير السرية والقرى بكسر القاف مقصور الضيافة قوله فأبوا أن يضيفوهم بالتشديد للأكثر وبكسر الضاد المعجمة مخففا قوله فلدغ بضم اللام على البناء للمجهول واللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة وهو اللسع وزنا ومعنى وأما اللذع بالذال المعجمة والعين المهملة فهو الإحراق الخفيف واللدغ المذكور في الحديث هو ضرب ذات الحمة من حية أو عقرب وغيرهما وأكثر

[ 374 ]

ما يستعمل في العقرب وقد أفادت رواية الأعمش تعيين العقرب وأما ما وقع في رواية هشيم عند النسائي أنه مصاب في عقله أو لديغ فشك من هشيم وقد رواه الباقون فلم يشكوا في أنه لديغ ولا سيما تصريح الأعمش بالعقرب وكذلك ما سيأتي في فضائل القرآن من طريق معبد بن سيرين عن أبي سعيد بلفظ أن سيد الحي سليم وكذا في الطب من حديث بن عباس أن سيد الحي سليم والسليم هو اللديغ نعم وقعت للصحابة قصة أخرى في رجل مصاب بعقله فقرأ عليه بعضهم فاتحة الكتاب خبرا أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من طريق خارجة بن الصلت عن عمه أنه مر بقوم وعندهم رجل مجنون موثق في الحديد فقالوا إنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارق لنا هذا الرجل الحديث فالذي يظهر أنهما قصتان لكن الواقع في قصة أبي سعيد أنه لديغ قوله فسعوا له بكل شئ أي مما جرت به العادة أن يتداوي به من لدغة العقرب كذا للأكثر من السعي أي طلبوا له ما يداويه وللكشميهني فشفوا بالمعجمة والفاء وعليه شرح الخطابي فقال معناه طلبوا الشفاء تقول شفى الله مريضي أي أبرأه وشفى له الطبيب أي عالجه بما يشفيه أو وصف له ما فيه الشفاء لكن ادعى بن التين أنها تصحيف قوله لو أتيتم هؤلاء الرهط قال بن التين قال تارة نفرا وتارة رهطا والنفر ما بين العشرة والثلاثة والرهط ما دون العشرة وقيل يصل إلى الأربعين قلت وهذا الحديث يدل له قوله فأتوهم في رواية معبد بن سيرين أن الذي جاء في هذه الرسالة جارية منهم فيحمل على أنه كان معها غيرها زاد البزار في حديث جابر فقالوا لهم قد بلغنا أن صاحبكم جاء بالنور والشفاء قالوا نعم قوله وسعينا في رواية الكشميهني وشفينا بالمعجمة والفاء وقد تقدم ما فيها قوله فهل عند أحد منكم من شئ زاد أبو داود في روايته من هذا الوجه ينفع صاحبنا قوله فقال بعضهم في رواية أبي داود فقال رجل من القوم نعم والله أني لأرقى بكسر القاف وبين الأعمش أن الذي قال ذلك هو أبو سعيد راوي الخبر ولفظه قلت نعم أنا ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غنما فأفاد بيان جنس الجعل وهو بضم الجيم وسكون المهملة ما يعطي على عمل وقد استشكل كون الراقي هو أبو سعيد راوي الخبر مع ما وقع في رواية معبد بن سيرين فقام معها رجل ما كنا نظنه يحسن رقية وأخرجه مسلم وسيأتي للمصنف في فضائل القرآن بلفظ آخر وفيه فلما رجع قلنا له أكنت تحسن رقية ففي ذلك إشعار بأنه غيره والجواب أنه لا مانع من أن يكنى الرجل عن نفسه فلعل أبا سعيد صرح تارة وكنى أخرى ولم ينفرد الأعمش بتعيينه وقد وقع أيضا في رواية سليمان بن قتة بلفظ فأتيته فرقيته بفاتحة الكتاب وفي حديث جابر عند البزار فقال رجل من الأنصار أنا أرقيه وهو مما يقوي رواية الأعمش فإن أبا سعيد أنصاري وأما حمل بعض الشارحين ذلك على تعدد القصة وأن أبا سعيد روى قصتين كان في إحداهما راقيا وفي الأخرى كان الراقي غيره فبعيد جدا ولا سيما مع اتحاد المخرج والسياق والسبب ويكفي في رد ذلك أن الأصل عدم التعدد ولا حامل عليه فإن الجمع بين الكلب ممكن بدونه وهذا بخالف ما قدمته من حديث خارجة بن الصلت عن عمه فإن السياقين مختلفان وكذا السبب فكان الحمل على التعدد فيه قريبا قوله فصالحوهم أي وافقوهم قوله على قطيع من الغنم قال بن التين القطيع هو الطائفة من الغنم وتعقب بأن القطيع هو الشئ المتقطع من غنم كان أو غيرها وقد صرح بذلك بن قرقول وغيره وزاد بعضهم أن الغالب استعماله فيما بين العشرة والأربعين ووقع

[ 375 ]

في رواية الأعمش فقالوا إنا نعطيكم ثلاثين شاة وكذا ثبت ذكر عدد الشياه في رواية معبد بن سيرين وهو مناسب لعدد السرية كما تقدم في أول الحديث وكأنهم اعتبروا عددهم فجعلوا لجعل بإزائه قوله فانطلق يتفل بضم الفاء وبكسرها وهو نفخ معه قليل بزاق وقد تقدم البحث فيه في أوائل كتاب الصلاة قال بن أبي حمزة محل التفل في الرقية يكون بعد القراءة لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق فتحصل البركة في الريق الذي يتفله قوله ويقرأ الحمد لله رب العالمين في رواية شعبة فجعل يقرأ عليها بفاتحة الكتاب وكذا في حديث جابر وفي رواية الأعمش فقرأت عليه الحمد لله ويستفاد منه تسمية الفاتحة الحمد والحمد لله رب العالمين ولم يذكر في هذه الطريق عدد ما قرأ الفاتحة لكنه بينه في رواية الأعمش وأنه سبع مرات ووقع في حديث جابر ثلاث مرات والحكم للزائد قوله فكأنما نشط كذا للجميع بضم النون وكسر المعجمة من الثلاثي قال الخطابي وهو لغة والمشهور نشط إذا عقد وأنشط إذا حل وأصله الأنشوطة بضم الهمزة والمعجمة بينهما نون ساكنة وهي الحبل وقال بن التين حكى بعضهم أن معنى أنشط حل ومعنى نشط أقيم بسرعة ومنه قولهم رجل نشيط ويحتمل أن يكون معنى نشط فزع ولو قرئ بالتشديد لكان له وجه أي حل شيئا فشيئا قوله من عقال بكسر المهملة بعدها قاف هو الحبل الذي يشد به ذراع البهيمة قوله وما به قلبة بحركات أي علة وقيل للعلة قلبة لأن الذي تصيبه يقلب من جنب إلى جنب ليعلم موضع الداء قاله بن الاعرابي ومنه قول الشاعر * وقد برئت فما في الصدر من قلبه * وفي نسخة الدمياطي بخطه قال بن الغلام القلبة داء مأخوذ من القلاب يأخذ البعير فيألم قلبه فيموت من يومه قوله فقال بعضهم أقسموا لم أقف على اسمه قوله فقال الذي رقي بفتح القاف وفي رواية الأعمش فلما قبضنا الغنم عرض في أنفسنا منها شئ وفي رواية معبد بن سيرين فأمر لنا بثلاثين شاة وسقانا لبنا وفي رواية سليمان بن قتة عروبة إلينا بالشياه والنزل فأكلنا الطعام وأبو أن يأكلوا الغنم حتى أتينا المدينة وبين في هذه الرواية أن الذي منعهم من تناولها هو الراقي وأما في باقي الروايات فأبهمه قوله فينظر ما يأمرنا أي فنتبعه و