الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




فتح الباري - ابن حجر ج 6

فتح الباري

ابن حجر ج 6


[ 1 ]

فتح الباري شرح صحيح البخاري للامام الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى الجزء الاول دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت - لبنان الطبعة الثانية أعيد طبعه بالاوفست

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قوله كتاب الجهاد كذا لابن شبويه وكذا النسفي لكن قدم البسمله وسقط كتاب للباقين واقتصروا على باب فضل الجهاد لكن عند القابسي كتاب فضل الجهاد ولم يذكر باب ثم قال بعد أبواب كثيرة كتاب الجهاد باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام وسيأتي والجهاد بكسر الجيم أصله لغة المشقة يقال جهدت جهادا بلغت المشقة وشرعا بذل الجهد في قتال الكفار ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب وقد روى النسائي من حديث سبرة بفتح المهملة وسكون الموحدة بن الفاكه بالفاء وكسر الكاف بعدها هاء في اثناء حديث طويل قال فيقول أي الشيطان يخاطب الانسان تجاهد فهو جهد النفس والمال واختلف في جهاد الكفار هل كان أولا فرض عين أو كفاية وسيأتي البحث فيه في باب وجوب النفير قوله باب فضل الجهاد والسير بكسر المهملة وفتح التحتانية جمع سيرة وأطلق ذلك على أبواب الجهاد لانها متلقاة من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته قوله وقول الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة الآيتين إلى قوله وبشر المؤمنين كذا للنسفي وابن شبويه وساق في رواية الاصيلي وكريمة

[ 3 ]

الآيتين جميعا وعند أبي ذر إلى قوله وعدا عليه حقا ثم قال إلى قوله والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين والمراد بالمبايعة في الآية ما وقع في ليلة العقبة من الانصار أو أعم من ذلك وقد ورد ما يدل على الاحتمال الاول عند أحمد عن جابر وعند الحاكم في الاكليل عن كعب بن مالك وفي مرسل محمد بن كعب قال عبد الله بن رواحة يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم قالوا فما لنا إذا فعلنا ذلك قال الجنة قالوا ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزل إن الله اشترى الآية قوله قال بن عباس الحدود الطاعة وصله بن أبي حاتم من طريق على بن أبي طلحة عنه في قوله تلك حدود الله يعني طاعة الله وكأنه تفسير باللازم لان من أطاع وقف عند امتثال أمره واجتناب نهيه ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث الاول حديث بن مسعود أي العمل أفضل وقد تقدم الكلام عليه في المواقيت وأغرب الداودي فقال في شرح هذا الحديث أن أوقع الصلاة في ميقاتها كان الجهاد مقدما على بر الوالدين وإن أخرها كان البر مقدما على الجهاد ولا أعرف له في ذلك مستندا فالذي يظهر أن تقديم الصلاة على الجهاد والبر لكونها لازمة للمكلف في كل أحيانه وتقديم البر على الجهاد لتوقفه على إذن الابوين وقال الطبري إنما خص النبي صلى الله عليه وسلم هذه الثلاثة بالذكر لانها عنوان على ما سواها من الطاعات فإن من ضيع الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها من غير عذر مع خفة مؤنتها عليه وعظيم فضلها فهو لما سواها أضيع ومن لم يبر والديه مع وفور حقهما عليه كان لغيرهما أقل برا ومن ترك جهاد الكفار مع شدة عداوتهم للدين كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك فظهر أن الثلاثة تجتمع في أن من حافظ عليها كان لما سواها أحفظ ومن ضيعها كان لما سواها أضيع الثاني حديث بن عباس لا هجرة بعد الفتح وسيأتي شرحه بعد أبواب في باب وجوب النفير الثالث حديث عائشة جهادكن الحج وقد تقدم شرحه في كتاب الحج ووجه دخوله في هذا الباب من تقريره صلى الله عليه وسلم لقولها نرى الجهاد أفضل الاعمال الرابع قوله حدثنا إسحاق كذا للاكثر غير منسوب وللاصيلي وابن عساكر حدثنا إسحاق بن منصور وأما أبو على الجياني فقال لم أره منسوبا لاحد وهو إما بن راهويه أو بن منصور قوله جاء رجل لم أقف على اسمه قوله قال لا أجده هو جواب النبي صلى الله عليه وسلم وقوله قال هل تستطيع كلام مستأنف ولمسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه بلفظ قيل ما يعدل الجهاد قال لا تستطيعونه فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثة كل ذلك يقول لا تستطيعونه وقال في الثالثة مثل الجهاد في سبيل الله الحديث وأخرج الطبراني نحو هذا الحديث من حديث سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه وقال في آخره لم يبلغ العشر من عمله وسيأتي بقية الكلام عليه في الباب الذي يليه قوله قال ومن يستطيع ذلك في رواية أبي بكربن أبي شيبة عن سفيان قال لا أستطيع ذلك وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل الله تقتضي أن لا يعدل الجهاد شئ من الاعمال وأما ما تقدم في كتاب العيدين من حديث بن عباس مرفوعا ما العمل في أيام أفضل منه في هذه يعني أيام العشر قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد فيحتمل أن يكون عموم حديث الباب خص بما دل عليه حديث بن عباس ويحتمل أن يكون الفضل الذي في حديث الباب مخصوصا بمن خرج قاصدا المخاطرة بنفسه وماله فأصيب كما في بقية

[ 4 ]

حديث بن عباس خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشئ فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة المذكورة لكن يشكل عليه ما وقع في آخر حديث الباب وتوكل الله للمجاهد الخ ويمكن أن يجاب بأن الفضل المذكور أولا خاص بمن لم يرجع ولا يلزم من ذلك أن لا يكون لمن يرجع أجر في الجملة كما سيأتي البحث فيه في الذي بعده وأشد مما تقدم في الاشكال ما أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعا ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من انفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى قال ذكر الله فإنه ظاهر في أن الذكر بمجرده أفضل من أبلغ ما يقع للمجاهد وأفضل من الانفاق مع ما في الجهاد والنفقة من النفع المتعدي قال عياض اشتمل حديث الباب على تعظيم أمر الجهاد لان الصيام وغيره مما ذكر من فضائل الاعمال قد عدلها كلها الجهاد حتى صارت جميع حالات المجاهد وتصرفاته المباحة معادلة لاجر المواظب على الصلاة وغيرها ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لا تستطيع ذلك وفيه أن الفضائل لا تدرك بالقياس وإنما هي إحسان من الله تعالى لمن شاء واستدل به على أن الجهاد أفضل الاعمال مطلقا لما تقدم تقريره وقال بن دقيق العيد القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الاعمال التي هي وسائل لان الجهاد وسيلة إلى اعلان الدين ونشره وإخماد الكفر ودحضه ففضيلته بحسب فضيلة ذلك والله أعلم قوله قال أبو هريرة إن فرس المجاهد ليستن أي يمرح بنشاط وقال الجوهري هو أن يرفع يديه ويطرحهما معا وقال غيره أن يلج في عدوه مقبلا أو مدبرا وفي المثل استنت الفصال حتى القرعى يضرب لمن يتشبه بمن هو فوقه وقوله في طوله بكسر المهملة وفتح الواو وهو الحبل الذي يشد به الدابة ويمسك طرفه ويرسل في المرعى وقوله فيكتب له حسنات بالنصب على أنه مفعول ثان أي يكتب له الاستنان حسنات وهذا القدر ذكره أبو حصين عن أبي صالح هكذا موقوفا وسيأتي بعد بضعة وأربعين بابا في باب الخيل ثلاثة من طريق زيد بن أسلم عن أبي صالح مرفوعا ويأتي بقية الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى قوله باب أفضل الناس مؤمن مجاهد في رواية الكشميهني يجاهد بلفظ المضارع قوله وقوله يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة أي تفسير هاتين الآيتين وقد روى بن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير أن هذه الآية لما نزلت قال المسلمون لو علمنا هذه التجارة لاعطينا فيها الاموال والاهلين فنزلت تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدوا الآية هكذا ذكره مرسلا وروى هو والطبري من طريق قتادة قال لولا أن الله بينها ودل عليها لتلهف عليها رجال أن يكونوا يعلمونها حتى يطلبونها قوله قيل يا رسول الله لم أقف على اسمه وقد تقدم أن أبا ذر سأله عن نحو ذلك قوله أي الناس أفضل في رواية مالك من طريق عطاء بن يسار مرسلا ووصله الترمذي والنسائي وابن حبان من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن عن عطاء بن يسار عن بن عباس خير الناس منزلا وفي رواية للحاكم أي الناس أكمل إيمانا وكأن المراد بالمؤمن من قام بما تعين عليه القيام به ثم حصل هذه الفضيلة وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية وحينئذ فيظهر فضل المجاهد لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى ولما فيه من النفع المتعدي وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة لان الذي يخالط الناس لا يسلم من ارتكاب الاثام فقد

[ 5 ]

لا يفي هذا بهذا وهو مقيد بوقوع الفتن قوله مؤمن في شعب في رواية مسلم من طريق معمر عن الزهري رجل معتزل قوله يتقي الله في رواية مسلم من طريق الزبيدي عن الزهري يعبد الله وفي حديث بن عباس معتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور الناس والترمذي وحسنه والحاكم وصححه من طريق بن أبي ذئاب عن أبي هريرة أن رجلا مر بشعب فيه عين عذبة فأعجبه فقال لو اعتزلت ثم استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما وفي الحديث فضل الانفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك وأما اعتزال الناس أصلا فقال الجمهور محل ذلك عند وقوع الفتن كما سيأتي بسطه في كتاب الفتن ويؤيد ذلك رواية بعجة بن عبد الله عن أبي هريرة مرفوعا يأتي على الناس زمان يكون خير الناس فيه منزلة من أخذ بعنان فرسه في سبيل الله يطلب الموت في مظانه ورجل في شعب من هذه الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس الا من خير أخرجه مسلم وابن حبان من طريق أسامة بن زيد الليثي عن بعجة وهو بموحدة وجيم مفتوحتين بينهما مهملة ساكنة قال بن عبد البر إنما أوردت هذه الاحاديث بذكر الشعب والجبل لا ذلك في الاغلب يكون خاليا من الناس فكل موضع يبعد على الناس فهو داخل في هذا المعنى قوله مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله فيه إشارة إلى اعتبار الاخلاص وسيأتي بيانه في حديث أبي موسى بعد اثنى عشر بابا قوله كمثل الصائم القائم ولمسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا وصيام زاد النسائي من هذا الوجه الخاشع الراكع الساجد وفي الموطأ وابن حبان كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع ولاحمد والبزار من حديث النعمان بن بشير مرفوعا مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم نهاره القائم ليله وشبه حال الصائم القائم بحال المجاهد في سبيل الله في نيل الثواب في كل حركة وسكون لان المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة فأجره مستمر وكذلك المجاهد لا تضيع ساعة مساعاته بغير ثواب لما تقدم من حديث أن المجاهد لتستن فرسه فيكتب له حسنات وأصرح منه قوله تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب الآيتين قوله وتوكل الله الخ تقدم معناه مفردا في كتاب الايمان من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة وسياقه أتم ولفظه انتدب الله ولمسلم من هذا الوجه بلفظ تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وفيه التفات وأن فيه انتقالا من ضمير الحضور إلى ضمير الغيبة وقال بن مالك فيه حذف القول والاكتفاء بالمقول وهو سائغ شائع سواء كان حالا أو غير حال فمن الحال قوله تعالى ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت أي قائلين ربنا وهذا مثله أي قائلا لا يخرجه الخ وقد اختلفت الطرق عن أبي هريرة في سياقه فرواه مسلم من طريق الاعرج عنه بلفظ تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله وتصديق كلمته وسيأتي كذلك من طريق أبي الزناد في كتاب الخمس وكذلك أخرجه مالك في الموطأ عن أبي الزناد في كتاب الخمس وأخرجه الدارمي من وجه آخر عن أبي الزناد بلفظ لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل الله وتصديق كلماته نعم أخرجه أحمد والنسائي من حديث بن عمر فوقع في روايته التصريح بأنه من الاحاديث الالهية ولفظه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه قال أيما عبد من عبادي خرج مجاهدا في سبيلي

[ 6 ]

ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن رجعته أن أرجعه بما أصاب من أجرأو غنيمة الحديث رجاله ثقات وأخرجه الترمذي من حديث عبادة بلفظ يقول الله عزوجل المجاهد في سبيلي هو علي ضامن إن رجعته رجعته بأجر أو غنيمة الحديث وصححه الترمذي وقوله تضمن الله وتكفل الله وانتدب الله بمعنى واحد ومحصله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وذلك التحقيق على وجه الفضل منه سبحانه وتعالى وقد عبر صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى بتفضله بالثواب بلفظ الضمان ونحوه مما جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئن به نفوسهم وقوله لا يخرجه إلا الجهاد نص على اشتراط خلوص النية في الجهاد وسيأتي بسط القول فيه بعد أحد عشر بابا وقوله فهو على ضامن أي مضمون أو معناه أنه ذو ضمان قوله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أي بأن يدخله الجنة إن توفاه في رواية أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان ان توفاه بالشرطية والفعل الماضي أخرجه الطبراني وهو أوضح قوله أن يدخله الجنة أي بغير حساب ولا عذاب أو المراد أن يدخله الجنة ساعة موته كما ورد أن أرواح الشهداء تسرح في الجنة وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال ظاهر الحديث التسوية بين الشهيد والراجع سالما لان حصول الاجر يستلزم دخول الجنة ومحصل الجواب أن المراد بدخول الجنة دخول خاص قوله أو يرجعه بفتح أوله وهو منصوب بالعطف على يتوفاه قوله مع أجر أو غنيمة أي مع أجر خالص إن لم يغنم شيئا أو مع غنيمة خالصة معها الجر وكأنه سكت عن الاجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الاجر الذي بلا غنيمة والحامل على هذا لتأويل أن ظاهر الحديث أنه إذا غنم لا يحصل له أجر وليس ذلك مرادا بل المراد أو غنيمة معها أجر انقص من أجر من لم يغنم لان القواعد تقتضي أنه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجرا عند وجودها فالحديث صريح في نفي الحرمان وليس صريحا في نفي الجمع وقال الكرماني معنى الحديث أن المجاهد إما يستشهد أو لا والثاني لا ينفك من أجر أو غنيمة مع إمكان اجتماعهما فهي قضية مانعة الخلو لا الجمع وقد قيل في الجواب عن هذا الاشكال إن أو بمعنى الواو وبه جزم بن عبد البر والقرطبي ورجحها التوربشتي والتقدير بأجر وغنيمة وقد وقع كذلك في رواية لمسلم من طريق الاعرج عن أبي هريرة رواه كذلك عن يحيى بن يحيى عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد وقد رواه جعفر الفريابي وجماعة عن يحيى بن يحيى فقالوا أجر أو غنيمة بصيغة أو وقد رواه مالك في الموطأ بلفظ أو غنيمة ولم يختلف عليه إلا في رواية يحيى بن بكير عنه فوقع فيه بلفظ وغنيمة ورواية يحيى بن بكير عن مالك فيها مقال ووقع عند النسائي من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بالواو أيضا وكذا من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة وكذلك أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة بلفظ بما نال من أجر وغنيمة فإن كانت هذه الروايات محفوظة تعين القول بأن أو في هذا الحديث بمعنى الواو كما هو مذهب نحاة الكوفيين لكن فيه إشكال صعب لانه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الامرين لكل من رجع وقد لا يتفق ذلك فإن كثيرا من الغزاة يرجع بغير غنيمة فما فر منه الذي ادعى أن أو بمعنى الواو وقع في نظيره لانه يلزم على ظاهرها أن من رجع بغنيمة رجع بغير أجر كما يلزم على أنها بمعنى الواو أن كل غاز يجمع له بين الاجر والغنيمة معا وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا ما من

[ 7 ]

غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث فإن لم ليصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم وهذا يؤيد التأويل الاول وأن الذي يغنم يرجع بأجر لكنه انقص من أجر من لم يغنم فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من أجر الغزو فإذا قوبل أجر الغانم بما حصل له من الدنيا وتمتعه به بأجر من لم يغنم مع اشتراكهما في التعب والمشقة كان أجر من غنم دون أجر من لم يغنم وهذا موافق لقول خباب في الحديث الصحيح الآتي فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئا الحديث واستشكل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة وهو مخالف لما يدل عليه أكثر الاحاديث وقد اشتهر تمدح النبي صلى الله عليه وسلم بحل الغنيمة وجعلها من فضائل أمته فلو كانت تنقص الاجر ما وقع التمدح بها وأيضا فإن ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلا مع أن أهل بدر أفضل بالاتفاق وسبق إلى هذا الاشكال بن عبد البر وحكاه عياض وذكر أن بعضهم أجاب عنه بأنه ضعف حديث عبد الله بن عمرو لانه من رواية حميد بن هانئ وليس بمشهور وهذا مردود لانه ثقة يحتج به عند مسلم وقد وثقه النسائي وابن يونس وغيرهما ولا يعرف فيه تجريح لاحد ومنهم من حمل نقص الاجر على غنيمة أخذت على غير وجهها وظهور فساد هذا الوجه يغني عن الاطناب في رده إذ لو كان الامر كذلك لم يبقى لهم ثلث الاجر ولا أقل منه ومنهم من حمل نقص الاجر من قصد الغنيمة في ابتداء جهاده وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضا وفيه نظر لان صدر الحديث مصرح بأن المقسم راجع إلى من أخلص لقوله في أوله لا يخرجه الا ايمان بي وتصديق برسلي وقال عياض الوجه عندي اجراء الحديثين على ظاهرهما واستعمالهما على وجههما ولم يجب عن الاشكال المتعلق باهل بدر وقال ابن دقيق العيد لا تعارض بين الحديثين بل الحكم فيهما جار على القياس لان الاجور تتفاوت بحسب زيادة المشقة فيما كان أجره بحسب مشقته إذ للمشقة دخول في الاجر وإنما المشكل العمل المتصل بأخذ الغنائم يعني فلو كانت تنقص الاجر لما كان السلف الصالح يثابرون عليها فيمكن أن يجاب بأن أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض لان أخذ الغنائم أول ما شرع كان عونا على الدين وقوة لضعفاء المسلمين وهي مصلحة عظمي يغتفر لها بعض النقص في الاجر من حيث هو وأما الجواب عمن استشكل ذلك بحال أهل بدر فالذي ينبغي أن يكون التقابل بين كمال الاجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم أو يغزو فيغنم فغايته أن حال أهل بدر مثلا عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى ولم يرد فيهم نص أنهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة ولا يلزم من كونه مغفورا لهم وأنهم أفضل المجاهدين أن لا يكون وراءهم مرتبة أخرى وأما الاعتراض بحل الغنائم فغير وارد إذ لا يلزم من الحل ثبوت وفاء الاجر لكل غاز والمباح في الاصل لا يستلزم الثواب بنفسه لكن ثبت أن أخذ الغنيمة واستيلاءها من الكفار يحصل الثواب ومع ذلك فمع صحة ثبوت الفضل في أخذ الغنيمة وصحة التمدح بأخذها لا يلزم من ذلك أن كل غاز يحصل له من أجر غزاته نظير من لم يغنم شيئا البتة قلت والذي مثل بأهل بدر أراد التهويل وإلا فالامر على ما تقرر آخرا بأنه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجرا مما لو لم يحصل لهم أجر الغنيمة أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بعدهم كمن شهد

[ 8 ]

أحدا لكونهم لم يغنموا شيئا بل أجر البدري في الاصل أضعاف أجر من بعده مثال ذلك أن يكون لو فرض أن أجر البدري بغير غنيمة ستمائة وأجر الاحدى مثلا بغير غنيمة مائة فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد الله بن عمرو كان للبدري لكونه أخذ الغنيمة مائتان وهي ثلث الستمائة فيكون أكثر أجرا من الاحدى وإنما امتاز أهل بدربذلك لكونها أول غزوة شهدها النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار وكان مبدأ اشتهار الاسلام وقوة أهله فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعا فصارت لا يوازيها شئ في الفضل والله أعلم واختار بن عبد البر أن المراد بنقص أجر من غنم أن الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على ما فاته من الغنيمة كما يؤجر من أصيب بما له فكان الاجر لما نقص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الاجر ولا يخفى مباينة هذا التأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو الذي تقدم ذكره وذكر بعض المتأخرين للتعبير بثلثي الاجر في حديث عبد الله بن عمرو حكمة لطيفة بالغة وذلك أن الله أعد للمجاهدين ثلاث كرامات دنيويتان وأخروية فالدنيويتان السلامة والغنيمة والاخروية دخول الجنة فإذا رجع سالما غانما فقد حصل له ثلثا ما أعد الله له وبقي له عند الله الثلث وإن رجع بغير غنيمة عوضه الله عن ذلك ثوابا في مقابلة ما فاته وكأن معنى الحديث أنه يقال للمجاهد إذا فات عليك شئ من أمر الدنيا عوضتك عنه ثوابا وأما الثواب المختص بالجهاد فهو حاصل للفريقين معا قال وغاية ما فيه عد ما يتعلق بالنعمتين الدنيويتين أجرا بطريق المجاز والله أعلم وفي الحديث أن الفضائل لا تدرك دائما بالقياس بل هي بفضل الله وفيه استعمال التمثيل في الاحكام وأن الاعمال الصالحة لا تستلزم الثواب لاعيانها وإنما تحصل بالنية الخالصة إجمالا وتفصيلا والله أعلم قوله باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء قال بن المنير وغيره وجه دخول هذه الترجمة في الفقه أن الظاهر من الدعاء بالشهادة يستلزم طلب نصر الكافر على المسلم واعانة من يعصي الله على من يطيعه لكن القصد الاصلي إنما هو حصول الدرجة العليا المترتبة على حصول الشهادة وليس ما ذكره مقصودا لذاته وإنما يقع من ضرورة الوجود فاغتفر حصول المصلحة العظمى من دفع الكفار واذلالهم وقهرهم بقصد قتلهم بحصول ما يقع في ضمن ذلك من قتل بعض المسلمين وجاز تمني الشهادة لما يدل عليه من صدق من وقعت له من اعلاء كلمة الله حتى بذل نفسه في تحصيل ذلك ثم أورد المصنف فيه حديث أنس في قصة أم حرام والمراد منه قول أم حرام أدع الله أن يجعلني منهم فدعا لها وسيأتي الكلام على استيفاء شرحه في كتاب الاستئذان إن شاء الله تعالى وهو ظاهر فيما ترجم له في حق النساء ويؤخذ منه حكم الرجال بطريق الاولى وأغرب بن التين فقال ليس في الحديث تمني الشهادة وإنما فيه تمني الغزو ويجاب بأن الشهادة هي الثمرة العظمى المطلوبة في الغزو وأم حرام بفتح المهملتين هي خالة أنس ولم يختلف على مالك في إسناده لكن رواه بشر بن عمر عنه فقال عن أنس عن أم حرام وهو موافق رواية محمد بن يحيى بن حبان عن أنس التي ستأتي قوله وقال عمر الخ تقدم في أواخر الحج بأتم من هذا السياق وتقدم هناك شرحه وبيان من وصله قوله باب درجات المجاهدين في سبيل الله أي بيانها وقوله يقال هذه سبيلي أي أن السبيل يذكر ويؤنث وبذلك جزم الفراء فقال في قوله تعالى ليضل عن سبيل الله ويتخذها هزؤا الضمير يعود على آيات القرآن

[ 9 ]

وإن شئت جعلته للسبيل لانها قد تؤنث قال الله تعالى قل هذه سبيلي وفي قراءة أبي بن كعب وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوها سبيلا انتهى ويحتمل أن يكون قوله تعالى هذه إشارة إلى الطريقة أي هذه الطريقة المذكورة هي سبيلي فلا يكون فيه دليل على تأنيث السبيل قوله غزا بضم المعجمة وتشديد الزاي مع التنوين وأحدها غاز وقع هذا في رواية المستملى وحده وهو من كلام أبي عبيدة قال وهو مثل قول وقائل انتهى قوله هم درجات لهم درجات هو مكلام أبي عبيدة أيضا قال قوله هم درجات أي منازل ومعناه لهم درجات وقال غيره التقدير هم ذوو درجات قوله عن هلال بن علي في رواية محمد بن فليح عن أبيه حدثني هلال قوله عن عطاء بن يسار كذا لاكثر الرواة عن فليح وقال أبو عامر العقذي عن فليح عن هلال عن عبد الرحمن بن أبي عمرة بدل عطاء بن يسار أخرجه أحمد وإسحاق في مسنديهما عنه وهو وهم من فليح في حال تحديثه لابي عامر وعند فليح بهذا الاسناد حديث غير هذا سيأتي في الباب الذي بعد هذا فلعله انتقل ذهنه من حديث إلى حديث وقد نبه يونس بن محمد في روايته عن فليح على أنه كان ربما شك فيه فأخرج أحمد عن يونس عن فليح عن هلال عن عبد الرحمن بن أبي عمرة وعطاء بن يسار عن أبي هريرة فذكر هذا الحديث قال فليح ولا أعلمه إلا بن أبي عمرة قال يونس ثم حدثنا به فليح فقال عطاء بن يسار ولم يشك انتهى وكأنه رجع إلى الصواب فيه ولم يقف بن حبان على هذه العلة فأخرجه من طريق أبي عامر والله الهادي إلى الصواب وقد وافق فليحا على روايته إياه عن هلال عن عطاء عن أبي هريرة محمد بن جحادة عن عطاء أخرجه الترمذي من روايته مختصرا ورواه زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار فاختلف عليه فقال هشام بن سعد وحفص بن ميسرة والدراوردي عنه عن عطاء عن معاذ بن جبل أخرجه الترمذي وابن ماجة وقال همام عن زيد عن عطاء عن عبادة بن الصامت أخرجه الترمذي والحاكم ورجح رواية الدراوردي ومن تابعه على رواية همام ولم يتعرض لرواية هلال مع أن بين عطاء بن يسار ومعاذ انقطاعا قوله وصام رمضان الخ قال بن بطال لم يذكر الزكاة والحج لكونه لم يكن فرض قلت بل سقط ذكره على أحد الرواة فقد ثبت الحج في الترمذي في حديث معاذ بن جبل وقال فيه لا أدري أذكر الزكاة أم لا وأيضا فإن الحديث لم يذكر لبيان الاركان فكان الاقتصار على ما ذكر إن كان محفوظا لانه هو المتكرر غالبا وأما الزكاة فلا تجب الا على من له مال بشرطه والحج فلا يجب الا مرة على التراخي قوله وجلس في بيته فيه تأنيس لمن حرم الجهاد وأنه ليس محروما من الاجر بل له من الايمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة وإن قصر عن درجة المجاهدين قوله فقالوا يا رسول الله الذي خاطبه بذلك هو معاذ بن جبل كما في رواية الترمذي أو أبو الدرداء كما وقع عند الطبراني وأصله في النسائي لكن قال فيه فقلنا قوله وأن في الجنة مائة درجة قال الطيبي هذا الجواب من أسلوب الحكيم أي بشرهم بدخولهم الجنة بما ذكر من الاعمال ولا تكتف بذلك بل بشرهم بالدرجات ولا تقتنع بذلك بل بشرهم بالفردوس الذي هو أعلاها قلت لو لم يرد الحديث إلا كما وقع هنا لكان ما قال متجها لكن وردت في الحديث زيادة دلت على أن قوله في الجنة مائة درجة تعليل لترك البشارة المذكورة فعند الترمذي من اية معاذ المذكورة قلت يا رسول الله ألا أخبر الناس قال ذر الناس يعملون فإن في الجنة مائة درجة فظهر أن المراد لا تبشر الناس بما

[ 10 ]

ذكرته من دخول الجنة لمن آمن وعمل الاعمال المفروضة عليه فيقفوا عند ذلك ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه من الدرجات التي تحصل بالجهاد وهذه هي النكتة في قوله أعدها الله للمجاهدين وإذا تقرر هذا كان فيه تعقب أيضا على قول بعض شراح المصابيح سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين الجهاد في سبيل الله وبين عدمه وهو الجلوس في الارض التي ولد المرء فيها ووجه التعقب أن التسوية ليست على عمومها وإنما هي في أصل دخول الجنة لا في تفاوت الدرجات كما قررته والله أعلم وليس في هذا السياق ما ينفي أن يكون في الجنة درجات أخرى أعدت لغير المجاهدين دون درجة المجاهدين قوله كما بين السماء والارض في رواية محمد بن جحادة عند الترمذي ما بين كل درجتين مائة عام وللطبراني من هذا الوجه خمسمائة عام فإن كانتا محفوظتين كان اختلاف العدد بالنسبة إلى اختلاف السير زاد الترمذي من حديث أبي سعيد لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم قوله أوسط الجنة وأعلى الجنة المراد بالاوسط هنا الاعدل والافضل كقوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا فعلى هذا فعطف الاعلى عليه للتأكيد وقال الطيبي المراد بأحدهما العلو الحسي وبالآخر العلو المعنوي وقال بن حبان المراد بالاوسط السعة وبالاعلى الفوقية قوله وأرى بضم الهمزة وهو شك من يحيى بن صالح شيخ البخاري فيه وقد رواه غيره عن فليح فلم يشك منهم يونس بن محمد عند الاسماعيلي وغيره قوله ومنه تفجر انهار الجنة أي من الفردوس ووهم من زعم أن الضمير للعرش فقد وقع في حديث عبادة بن الصامت عند الترمذي والفردوس أعلاها درجة ومنها أي من الدرجة التي فيه الفردوس تفجر أنهار الجنة الاربعة ومن فوقها يكون عرش الرحمن وروى إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق شيبان عن قتادة عنه قال الفردوس أوسط الجنة وأفضلها وهو يؤيد التفسير الاول قوله قال محمد بن فليح عن أبيه وفوقه عرش الرحمن يعني أن محمدا روى هذا الحديث عن أبيه بإسناده هذا فلم يشك كما شك يحيى بن صالح بل جزم عنه بقوله وفوقه عرش الرحمن قال أبو علي الجياني وقع في رواية أبي الحسن القابسي حدثنا محمد بن فليح وهو وهم لان البخاري لم يدركه قلت وقد أخرج البخاري رواية محمد بن فليح لهذا الحديث في كتاب التوحيد عن إبراهيم بن المنذر عنه بتمامه ويأتي بقية شرحه هناك ورجال إسناده كلهم مدنيون والفردوس هو البستان الذي يجمع كل شئ وقيل هو الذي فيه العنب وقيل هو بالرومية وقيل بالقبطية وقيل بالسريانية وبه جزم أبو إسحاق الزجاج وفي الحديث فضيلة ظاهرة للمجاهدين وفيه عظم الجنة وعظم الفردوس منها وفيه إشارة إلى أن درجة المجاهد قد ينالها غير المجاهد إما بالنية الخالصة أو بما يوازيه من الاعمال الصالحة لانه صلى الله عليه وسلم أمر الجميع بالدعاء بالفردوس بعد أن أعلمهم أنه أعد للمجاهدين وقيل فيه جواز الدعاء بما لا يحصل للداعي لما ذكرته والاول أولى والله أعلم قوله حدثنا موسى هو بن إسماعيل وجرير هو بن حازم وحديث سمرة تقدم بطوله في الجنائز وهذه القطعة شاهدة لحديث أبي هريرة المذكور قبله ومفسرة لان المراد بالاوسط الافضل لوصفه دار الشهداء في حديث سمرة بأنها أحسن وأفضل قوله باب الغدوة والروحة في سبيل الله أي فضلها والغدوة بالفتح المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه والروحة المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى

[ 11 ]

غروبها قوله في سبيل الله أي الجهاد قوله وقاب قوس أحدكم أي قدره والقاب بتخفيف القاف وآخره موحدة معناه القدر وكذلك القيد بكسر القاف بعدها تحتانية ساكنة ثم دال وبالموحدة بدل الدال وقيل ألقاب ما بين مقبض القوس وسيته وقيل ما بين الوتر والقوس وقيل المراد بالقوس هنا الذراع الذي يقاس به وكأن المعنى بيان فضل قدر الذراع من الجنة قوله عن أنس في رواية أبي إسحاق عن حميد سمعت أنس بن مالك وهو في الباب الذي يليه والاسناد كله بصريون قوله لغدوة في رواية الكشميهني الغدوة بزيادة ألف في أوله بصيغة التعريف والاول أشهر واللام للقسم قوله خير من الدنيا وما فيها قال بن دقيق العيد يحتمل وجهين أحدهما أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس تحقيقا له في النفس لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع فلذلك وقعت المفاضلة بها وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة والثاني أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لانفقها في طاعة الله تعالى قلت ويؤيد هذا الثاني ما رواه بن المبارك في كتاب الجهاد من مرسل الحسن قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيهم عبد الله بن رواحة فتأخر ليشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الارض ما أدركت فضل غدوتهم والحاصل أن المراد تسهيل أما الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا قوله عن عبد الرحمن بن أبي عمرة هو الانصاري والاسناد كله مدنيون قوله لقاب قوس في الجنة في حديث أنس في الباب الذي يليه لقاب قوس أحدكم وهو المطابق لترجمة هذا الباب قوله خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب هو المراد بقوله في الذي قبله خير من الدنيا وما فيها قوله حدثنا سفيان هو التوري قوله عن أبي حازم هو بن دينار قوله الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل في رواية مسلم من طريق وكيع عن سفيان غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا والمعنى واحد وفي الطبراني من طريق أبي غسان عن أبي حازم لروحة بزيادة لام القسم قوله الحور العين وصفتهن كذا لابي ذر بغير باب وثبت لغيره ووقع عند بن بطال باب نزول الحور العين الخ ولم أره لغيره قوله يحار فيها الطرف أي يتحير قال بن التين هذا يشعر بأنه رأى أن اشتقاق الحور من الحيرة وليس كذلك فإن الحور بالواو والحيرة بالياء وأما قول الشاعر حوراء عيناء من العين الحير فهو للاتباع قلت لعل البخاري لم يرد الاشتقاق الاصغر قوله شديدة سواد العين شديدة بياض العين كأنه يريد تفسير العين والعين بالكسر جمع عيناء وهي الواسعة العين الشديدة السواد والبياض قاله أبو عبيدة قوله وزوجناهم بحور أنكحناهم هو تفسير أبي عبيدة ولفظه زوجناهم أي جعلناهم أزواجا أي اثنين اثنين كما تقول زوجت النعل بالنعل وقال في موضع آخر أي جعلنا ذكران أهل الجنة أزواجا بحور من النساء وتعقب بأن زوج لا يتعدى بالباء قاله الاسماعيلي وغيره وفيه نظر لان صاحب المحكم حكاه لكن قال أنه قليل والله أعلم قوله حدثنا عبد الله بن محمد هو

[ 12 ]

الجعفي ومعاوية بن عمرو هو الازدي وهو من شيوخ البخاري يروى عنه تارة بواسطة كما هنا وتارة بلا وساطة كما في كتاب الجمعة قوله حدثنا أبو إسحاق هو الفزاري إبراهيم بن محمد واشتمل هذا السياق على أربعة أحاديث الاول يأتي شرحه بعد ثلاثة عشر بابا الثاني تقدم شرحه في الذي قبله الثالث والرابع يأتي شرحهما في صفة الجنة من كتاب الرقاق وقوله في الباب ولقاب قوس أحدكم تقدم شرح ألقاب في الذي قبله وقوله هنا أو موضع قيد يعني سوطه شك من الراوي هل قال قاب أو قيد وقد تقدم أنهما بمعنى وهو المقدار وقوله يعني سوطه تفسير للقيد غير معروف ولهذا جزم بعضهم بأنه تصحيف وأن الصواب قد بكسر القاف وتشديد الدال وهو السوط المتخذ من الجلد قلت ودعوى الوهم في التفسير أسهل من دعوى التصحيف في الاصل ولا سيما والقيد بمعنى ألقاب كما بينته والمقصود من ذلك لهذه الترجمة الاخير وقوله فيه ولنصيفها بفتح النون وكسر الصاد المهملة بعدها تحتانية ساكنة ثم فاء هو الخمار بكسر المعجمة وتخفيف الميم قال المهلب إنما أورد حديث أنس هذا ليبين المعنى الذي من أجله يتمنى الشهيد أن يرجع إلى الدنيا ليقتل مرة أخرى في سبيل الله لكونه يرى من الكرامة بالشهادة فوق ما في نفسه إذ كل واحدة يعطاها من الحور العين لو اطلت على الدنيا لاضاءت كلها انتهى وروى بن ماجة من طريق شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال ذكر الشهيد عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تجف الارض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجاته من الحور العين وفي يد كل واحدة منها حلة خير من الدنيا وما فيها ولاحمد والطبراني من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا أن للشهيد عند الله سبع خصال فذكر الحديث وفيه ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين إسناده حسن وأخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معد يكرب وصححه قوله باب تمني الشهادة تقدم توجيهه في أول كتاب الجهاد وأن تمنيها والقصد لها مرغب فيه مطلوب وفي الباب أحاديث صريحة في ذلك منها عن أنس مرفوعا من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم يصبها أي أعطي ثوابها ولو لم يقتل أخرجه مسلم وأصرح منه في المراد ما أخرجه الحاكم بلفظ من سأل القتل في سبيل الله صادقا ثم مات أعطاه الله أجر شهيد وللنسائي من حديث معاذ مثله وللحاكم من حديث سهل بن حنيف مرفوعا من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه قوله أن أبا هريرة هذا الحديث رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين منهم سعيد بن المسيب هنا وأبو زرعة بن عمرو في باب الجهاد من الايمان من كتاب الايمان وأبو صالح وهو في باب الجعائل والحملان في أثناء كتاب الجهاد والاعرج وهو في كتاب التمني وهمام وهو عند مسلم وسأذكر ما في رواية كل واحد منهم من زيادة فائدة قوله والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم في رواية أبي زرعة وأبي صالح لولا أن أشق على أمتي ورواية الباب تفسر المراد بالمشقة المذكورة وهي أن نفوسهم لا تطيب بالتخلف ولا يقدرون على التأهب لعجزهم عن آلة السفر من مركوب وغيره وتعذر وجوده عند النبي صلى الله عليه وسلم وصرح بذلك في رواية همام ولفظه لكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي وفي رواية أبي زرعة عند مسلم نحوه ورواه الطبراني من حديث أبي مالك الاشعري وفيه ولو خرجت ما بقي أحد فيخير إلا انطلق معي وذلك يشق علي

[ 13 ]

وعليهم ووقع في رواية أبي صالح من الزيادة ويشق على أن يتخلفوا عني قوله والذي نفسي بيده لوددت وقع في رواية أبي زرعة المذكورة بلفظ ولوددت أني أقتل بحذف القسم وهو مقدر لما بينته هذه الرواية فظهر أن اللام لام القسم وليست بجواب لولا وفهم بعض الشراح أن قوله لوددت معطوف على قوله ما قعدت فقال يجوز حذف اللام وإثباتها من جواب لولا وجعل الودادة ممتنعة خشية وجود المشقة لو وجدت وتقدير الكلام عنده لولا أن أشق على أمتي لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم شرع يتكلف استشكال ذلك والجواب عنه وقد بينت رواية الباب أنها جملة مستأنفة وأن اللام جواب القسم ثم النكتة في إيراد هذه الجملة عقب تلك إرادة تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته لهم وكأنه قال الوجه الذي يسيرون له فيه من الفضل ما أتمنى لاجله أني أقتل مرات فمهما فاتكم من مرافقتي والقعود معي من الفضل يحصل لكم مثله أو فوقه من فضل الجهاد فراعى خواطر الجميع وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المغازي وتخلف عنه المشار إليهم وكان ذلك حيث رجحت مصلحة خروجه على مراعاة حالهم وسيأتي بيان ذلك في باب من حبسه العذر قوله أقتل في سبيل الله استشكل بعض الشراح صدور هذا التمني من النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بأنه لا يقتل وأجاب بن التين بأن ذلك لعله كان قبل نزول قوله تعالى والله يعصمك من الناس وهو متعقب فإن نزولها كان في أوائل ما قدم المدينة وهذا الحديث صرح أبو هريرة بأنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما قدم أبو هريرة في أوائل سنة سبع من الهجرة والذي يظهر في الجواب أن تمنى الفضل والخير لا يستلزم الوقوع فقد قال صلى الله عليه وسلم وددت لو أن موسى صبر كما سيأتي في مكانه وسيأتي في كتاب التمني نظائر لذلك وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه قال بن التين وهذا أشبه وحكى شيخنا بن الملقن أن بعض الناس زعم أن قوله ولوددت مدرج من كلام أبي هريرة قال وهو بعيد قال النووي في هذا الحديث الحض على حسن النية وبيان شدة شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم واستحباب طلب القتل في سبيل الله وجواز قول وددت حصول كذا من الخير وإن علم أنه لا يحصل وفيه ترك بعض المصالح لمصلحة راجحة أو أرجح أو لدفع مفسدة وفيه جواز تمني ما يمتنع في العاد والسعي في إزالة المكروه عن المسلمين وفيه أن الجهاد على الكفاية إذ لو كان على الاعيان ما تخلف عنه أحد قلت وفيه نظر لان الخطاب إنما يتوجه للقادر وأما العاجز فمعذور وقد قال سبحانه غير أولي الضرر وأدلة كون الجهاد فرض كفاية تؤخذ من غير هذا وسيأتي البحث في باب وجوب النفير إن شاء الله تعالى قوله حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار بالمهملة وتشديد الفاء كوفي ثقة يكنى أبا يعقوب لم يخرج عنه البخاري سوى هذا الحديث ورجال الاسناد من شيخه إسماعيل بن علية فصاعدا بصريون وسيأتي شرح المتن في غزوة مؤتة من كتاب المغازي ووجه دخوله في هذه الترجمة من قوله ما يسرهم أنهم عندنا أي لما رأوا من الكرامة بالشهادة فلا يعجبهم أن يعودوا إلى الدنيا كما كانوا من غير أن يستشهدوا مرة أخرى وبهذا التقرير يحصل الجمع بين حديثي الباب ودليل ما ذكرته من الاستثناء ما سيأتي بعد أبواب من حديث أنس أيضا مرفوعا ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا الا الشهيد الحديث قوله باب فضل من يصرع في سبيل الله فمات فهو منهم أي من

[ 14 ]

المجاهدين ومن موصولة وكانه ضمنها معنى الشرط فعطفت عليها بالفاء وعطف الفعل الماضي على المستقبل وهو قليل وكان نسق الكلام ان يقول من صرع فمات أو من يصرع فيموت وقد سقط لفظ فمات من رواية النسفي قوله وقول الله عزوجل ومن يخرج من بيته مهاجرا الآية أي يحصل الثواب بقصد الجهاد إذا خلصت النية فحال بين القاصد وبين الفعل مانع فان قوله ثم يدركه الموت أعم من أن يكون بقتل أو وقوع من دابته وغير ذلك فتناسب الآية الترجمة وقد روى الطبري من طريق سعيد بن جبير والسد وغيرهما أن الآية نزلت في رجل كان مسلما مقيما بمكة فلما سمع قوله تعالى ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها قال لاهله وهو مريض أخرجوني إلى جهة المدينة فأخرجوه فمات في الطريق فنزلت واسمه ضمرة على الصحيح وقد أوضحت ذلك في كتابي في الصحابة قوله وقع وجب ليس هذا في رواية المستملي وثبت لغيره وهو تفسير أبي عبيدة في المجاز قال قوله فقد وقع أجره على الله أي وجب ثوابه ثم ذكر المصنف حديث أم حرام وقد تقدم قريبا أن شرحه يأتي في كتاب الاستئذان والشاهد منه قوله فيه فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت مع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها أن تكون من الاولين وأنهم كالملوك على الاسرة في الجنة وقوله في الرواية الماضية فصرعت عن دابتها لا يعارض قوله في هذه الرواية فقربت لتركبها فصرعتها لان التقدير فقربت إليها دابة لتركبها فركبتها فصرعتها قال بن بطال وروى بن وهب من حديث عقبة بن عامر مرفوعا من صرع عن دابته في سبيل الله فمات فهو شهيد فكأنه لما لم يكن على شرط البخاري أشار إليه في الترجمة قلت هو عند الطبراني وإسناده حسن قال وفي حديث أم حرام أن حكم الراجع من الغزو حكم الذاهب إليه في الثواب ويحيى المذكور في هذا الاسناد هو بن سعيد الانصاري وفي الاسناد تابعيان هو وشيخه وصحابيان أنس وخالته وقوله فيه أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية كان ذلك في سنة ثمان وعشرين في خلافة عثمان قوله باب من ينكب بضم أوله وسكون النون وفتح الكاف بعدها موحدة والنكبة أن يصيب العضو شئ فيدميه والمراد بيان فضل من وقع له ذلك في سبيل الله ثم ذكر فيه حديثين أحدهما حديث أنس في قصة قتل خاله وهو حرام بن ملحان وسيأتي شرحه في كتاب المغازي في غزوة بئر معونة وقوله فيه عن إسحاق هو بن عبد الله بن أبي طلحة قوله بعث النبي صلى الله عليه وسلم أقواما من بني سليم إلى بني عامر قال الدمياطي هو وهم فإن بني سليم مبعوث إليهم والمبعوث هم القراء وهم من الانصار قلت التحقيق أن المبعوث إليهم بنو عامر

[ 15 ]

وأما بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين والوهم في هذا السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري فقد أخرجه هو في المغازي عن موسى بن إسماعيل عن همام فقال بعث أخا لام سليم في سبعين راكبا وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل الحديث ويأتي شرحه مستوفى هناك فلعل الاصل بعث أقواما معهم أخو أ سليم إلى بني عامر فصارت من بني سليم وقد تكلف لتأويله بعض الشراح فقال يحمل على أن أقواما منصوب بنزع الخافض أي بعث إلى أقوام من بني سليم منضمين إلى بني عامر وحذف مفعول بعث اكتفاء بصفة المفعول عنه أو في زائدة ويكون سبعين مفعول بعث ويحتمل أن تكون من ليست بيانية بل ابتدائية أي بعث أقواما ولم يصفهم من بني سليم أو من جهة بني سليم انتهى وهذا أقرب من التوجيه الاول ولا يخفى ما فيهما من التكلف وقوله في آخر الحديث على رعل بكسر الراء وسكون المهملة بعدها لام هم بطن من بني سليم وكذا بعض من ذكر معهم وسيأتي الحديث في أواخر الجهاد أنه دعا على أحياء من بني سليم حيث قتلوا القراء وهو أصرح في المقصود ثانيهما حديث جندب وسيأتي الكلام عليه في باب ما يجوز من الشعر من كتاب الادب ووقع فيه بلفظ نكبت إصبعه وهو الموافق للترجمة وكأنه أشار فيها إلى حديث معاذ الذي أشير إليه في الباب الذي يليه وفي الباب ما أخرجه أبو داود والحاكم والطبراني من حديث أبي مالك الاشعري مرفوعا من وقصه فرسه أو بعيره في سبيل الله أو لدغته هامة أو مات على أي حتف شاء الله فهو شهيد قوله باب من يجر في سبيل الله أي فضله قوله لا يكلم بضم أوله وسكون الكاف وفتح اللام أيجرح قوله أحد قيده في رواية همام عن أبي هريرة بالمسلم قوله والله أعلم بمن يكلم في سبيله جملة معترضة قصد بها التنبيه على شرطية الاخلاص في نيل هذا الثواب قوله الا جاء يوم القيامة واللون لون الدم في رواية همام عن أبي هريرة الماضية في كتاب الطهارة تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجر دما قوله والريح ريح المسك في رواية همام والعرف فتح المهملة وسكون الراء بعدها فاء وهو الرائحة ولاصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث معاذ بن جبل من جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجئ يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها الزعفران وريحها المسك وعرف بهذه الزيادة أن الصفة المذكورة لا تختص بالشهيد بل هي حاصلة لكل من جرح ويحتمل أن يكون المراد بهذا الجرح هو ما يموت صاحبه بسببه قبل اندماله لا ما يندمل في الدنيا فإن أثر الجراحة وسيلان الدم يزول ولا ينفي ذلك أن يكون له فضل في الجملة لكن الظاهر أن الذي يجئ يوم القيامة وجرحه يثعب دما من فارق الدنيا وجرحه كذلك ويؤيده ما وقع عند بن حبان في حديث معاذ المذكور عليه طابع الشهداء وقوله كأغزر ما كانت لا ينافي قوله كهيئتها لان المراد لا ينقص شيئا بطول العهد قال العلماء الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهد بفضيلته ببذله نفسه في طاعة الله تعالى واستدل بهذا الحديث على أن الشهيد يدفن بدمائه وثيابه ولا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره ليجئ يوم القيامة كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم وفيه نظر لانه لا يلزم من غسل الدم في الدنيا أن لا يبعث كذلك ويغني عن الاستدلال لترك غسل الشهيد في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد زملوهم بدمائهم كما سيأتي بسطه في مكانه إن شاء الله تعالى قوله باب قول الله عزوجل قل هل تربصون بنا إلا إحدى

[ 16 ]

الحسنيين سيأتي في تفسير براءة تفسير إحدى الحسنيين بأنه الفتح أو الشهادة وبه تتبين مناسبة قول المصنف بعد هذا والحرب سجال وهو بكسر المهملة وتخفيف الجيم أي تارة وتارة ففي غلبة المسلمين يكون لهم الفتح وفي غلبة المشركين يكون للمسلمين الشهادة ثم أورد المصنف طرفا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل وقد تقدم شرحه في كتاب بدء الوحي والغرض منه قوله فيه فزعمت أن الحرب بينكم سجال أو دول وقال بن المنير التحقيق أنه ما ساق حديث هرقل إلا لقوله وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة قال فبذلك يتحقق أن لهم إحدى الحسنيين إن انتصروا فلهم العاجلة والعاقبة وإن انتصر عدوهم فللرسل العاقبة انتهى وهذا لا يستلزم نفي التقدير الاول ولا يعارضه بل الذي يظهر أن الاول أولى لانه من نقل أبي سفيان عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وأما الآخر فمن قول هرقل مستندا فيه إلى ما تلقفه من الكتب نكتة أفاد القزاز أن دال دول مثلثة قوله باب قول الله عزوجل من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الآية المراد بالمعاهدة المذكورة ما تقدم ذكره من قوله تعالى ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان ذلك أول ما خرجوا إلى أحد وهذا قول بن إسحاق وقيل ما وقع ليلة العقبة من الانصار إذ بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤوه وينصروه ويمنعوه والاول أولى وقوله فمنهم من قضى نحبه أي مات وأصل النحب المنذر فلما كان كل حي لا بد له من الموت فكأنه نذر لازم له فإذا مات فقد قضاه والمراد هنا من مات على عهده لمقابلته بمن ينتظر ذلك وأخرج ذلك بن أبي حاتم بإسناد حسن عن بن عباس قوله حدثنا محمد بن سعيد الخزاعي هو بصري يلقب بمردويه ماله في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في غزوة خيبر وعبد الاعلى هو بن عبد الاعلى السامي بالمهملة قوله سألت أنسا كذا أورد وعطف عليه الطريق الاخرى فأشعر بأن السياق لها وأفادت رواية عبد الاعلى تصريح حميد له بالسماع من أنس فأمن تدليسه وقد أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من رواية ثابت عن أنس قوله حدثنا زياد لم أره منسوبا في شئ من الروايات وزعم الكلاباذي ومن تبعه أنه بن عبد الله البكائي بفتح الموحدة وتشديد الكاف وهو صاحب بن إسحاق وراوي المغازي عنه وليس له ذكر في البخاري سوى هذا الموضع قوله غاب عمي أنس بن النضر زاد ثابت عن أنس الذي سميت به قوله عن قتال بدر زاد ثابت فكبر عليه ذلك قوله أول قتال أي لان بدرا أول غزوة خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه مقاتلا وقد تقدمها غيرها لكن ما خرج فيها صلى الله عليه وسلم بنفسه مقاتلا قوله لئن الله أشهدني أي أحضرني قوله ليرين الله ما أصنع بتشديد النون للتأكيد واللام جواب القسم المقدر ووقع في رواية ثابت عند مسلم ليراني الله بتخفيف النون بعدها تحتانية وقوله ما أصنع أعربه النووي بدلا من ضمير المتكلم وفي رواية محمد بن طلحة عن حميد الآتية في المغازي ليرين الله ما أجد وهو بضم الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدال أو بفتح الهمزة وضم الجيم مأخوذ من الجد ضد الهزل وزاد ثابت وهاب أن يقول غيرها أي خشي أن يلتزم شيئا فيعجز عنه فأبهم وعرف من السياق أن مراده أنه يبالغ في القتال وعدم الفرار قوله وانكشف المسلمون في رواية عبد الوهاب الثقفي عن حميد عند الاسماعيلي وانهزم الناس وسيأتي بيان ذلك في غزوة أحد قوله أعتذر أي من فرار المسلمين

[ 17 ]

وأبرأ أي من فعل المشركين قوله ثم تقدم أي نحو المشركين فاستقبله سعد بن معاذ زاد ثابت عن أنس منهزما كذا في مسند الطيالسي ووقع عند النسائي مكانها مهيم وهو تصحيف فيما أظن قوله فقال يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر كأنه يريد والده ويحتمل أن يريد ابنه فإنه كان له بن يسمه النضر وكان إذ ذاك صغيرا ووقع في رواية عبد الوهاب فوالله وفي رواية عبد الله بن بكر عن حميد عند الحارث بن أبي أسامة عنه والذي نفسي بيده والظاهر أنه قال بعضها والبقية بالمعنى وقوله الجنة بالنصب على تقدير عامل نصب أي أريد الجنة أو نحوه ويجوز الرفع أي هي مطلوبي قوله إني أجد ريحها أي ريح الجنة من دون أحد وفي رواية ثابت واها لريح الجنة أجدها دون أحد قال بن بطال وغيره يحتمل أن يكون على الحقيقة وأنه وجد ريح الجنة حقيقة أو وجد ريحا طيبة ذكره طيبها بطيب ريح الجنة ويجوز أن يكون أراد أنه استحضر الجنة التي أعدت للشهيد فتصور أنها في ذلك الموضع الذي يقاتل فيه فيكون المعنى إني لاعلم أن الجنة تكتسب في هذا الموضع فأشتاق لها وقوله واها قاله إما تعجبا وإما تشوقا إليها فكأنه لما ارتاح لها واشتاق إليها صارت له قوة من استنشقها حقيقة قوله قال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع أنس قال بن بطال يريد ما استطعت أن أصف ما صنع أنس من كثرة ما أغنى وأبلى في المشركين قلت وقع عند يزيد بن هارون عن حميد فقلت أنا معك فلم استطع أن أصنع ما صنع وظاهره أنه نفى استطاعة اقدامه الذي صدر منه حتى وقع له ما وقع من الصبر على تلك الاهوال بحيث وجد في جسده ما يزيد على الثمانين من طعنة وضربة ورمية فاعترف سعد بأنه لم يستطع أن يقدم إقدامه ولا يصنع صنيعه وهذا أولى مما تأوله بن بطال قوله فوجدنا به في رواية عبد الله بن بكر قال أنس فوجدناه بين القتلى وبه قوله بضعا وثمانين لم أر في شئ من الروايات بيان هذا البضع وقد تقدم أنه ما بين الثلاث والتسع وقوله ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم أو هنا للتقسيم ويحتمل أن تكون بمعنى الواو وتفصيل مقدار كل واحدة من المذكورات غير معين قوله وقد مثل به بضم الميم وكسر المثلثة وتخفيفها وقد تشدد وهو من المثلة بضم الميم وسكون المثلثة وهو قطع الاعضاء من أنف وأذن ونحوها قوله فما عرفه أحد إلا أخته في رواية ثابت فقالت عمتي الربيع بنت النضر أخته فما عرفت أخي إلا ببنانه زاد النسائي من هذا الوجه وكان حسن البنان والبنان الاصبع وقيل طرف الاصبع ووقع في رواية محمد بن طلحة المذكورة بالشك ببنانه أو بشامة بالشين المعجمة والاولى أكثر قوله قال أنس كنا نرى أو نظن شك من الراوي وهما بمعنى واحد وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون عن حميد فكنا نقول وكذا لعبد الله بن بكر وفي رواية أحمد بن سنان عن يزيد وكانوا يقولون أخرجه بن أبي حاتم عنه وكأن التردد فيه من حميد ووقع في رواية ثابت وأنزلت هذه الآية بالجزم قوله وقال إن أخته كذا وقع هنا عند الجميع ولم يعين القائل وهو أنس بن مالك راوي الحديث والضمير في قوله أخته للنضر بن أنس ويحتمل أن يكون فاعل قال واحدا من الرواة دون أنس ولم أقف على تعيينه ولا استخرج الاسماعيلي هذا الحديث هنا وهي تسمى الربيع بالتشديد أي أخت أنس بن النضر وهي عمة أنس بن مالك وسيأتي شرح قصتها في كتاب القصاص وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد جواز بذل النفس في الجهاد وفضل

[ 18 ]

الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى اهلاكها وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الالقاء إلى التهلكة وفيه فضيلة ظاهرة لانس بن النضر وما كان عليه من صحة الايمان وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين قال الزين بن المنير من أبلغ الكلام وأفصحه قول أنس بن النضر في حق المسلمين أعتذر إليك وفي حق المشركين أبرأ إليك فأشار إلى أنه لم يرض الامرين جميعا مع تغايرهما في المعنى وسيأتي في غزوة أحد من المغازي بيان ما وقعت الاشارة إليه هنا من انهزام بعض المسلمين ورجوعهم وعفو الله عنهم رضي الله عنهم وقوله أجمعين قوله وحدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس وأخوه هو أبو بكر عبد الحميد وسليمان هو بن بلال وقوله أراه عن محمد بن أبي عتيق هو بضم الهمزة أي أظنه وهو قول إسماعيل المذكور قوله عن خارجة بن زيد أي بن ثابت وللزهري في هذا الحديث شيخ آخر وهو عبيد بن السباق لكن اختلف خارجة وعبيد في تعيين الآية التي ذكر زيد أنه وجدها مع خزيمة فقال خارجة إنها قوله تعالى من المؤمنين رجال صدقوا وقال عبيد إنها قوله تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم وقد أخرج البخاري الحديثين جميعا بالاسنادين المذكورين فكأنهما جميعا صحا عنده ويؤيد ذلك أن شعيبا حدث عن الزهري بالحديثين جميعا وكذلك رواهما عن الزهري جميعا إبراهيم بن سعد كما سيأتي ففضائل القرآن وفي رواية عبيد بن السباق زيادات ليست في رواية خارجة وانفرد خارجة بوصف خزيمة بأنه الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين وسأذكر ما في هذه الزيادة من بحث في تفسير سورة الاحزاب إن شاء الله تعالى والسياق الذي ساقه هنا لابن أبي عتيق وأما سياق شعيب فسيأتي بيانه في تفسير الاحزاب وقال فيه عن الزهري أخبرني خارجة وتأتي بقية مباحثه في فضائل القرآن إن شاء الله تعالى قوله باب عمل صالح قبل القتال وقال أبو الدرداء إنما تقاتلون بأعمالكم هكذا وقع عند الجميع ولعله كان قاله أبو الدرداء وقال إنما تقاتلون بأعمالكم وإنما قلت ذلك لانني وجدت ذلك في المجالسة للدينوري من طريق أبي إسحاق الفزاري عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد أن أبا الدرداء قال أيها الناس عمل صالح قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم ثم ظهر لي سبب تفصيل البخاري وذلك أن هذه الطريق منقطعة بين ربيعة وأبي الدرداء وقد روى بن المبارك في كتاب الجهاد عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن بن حلبس بفتح المهملة والموحدة بينهما لام ساكنة وآخره سين مهملة عن أبي الدرداء قال إنما تقاتلون بأعمالكم ولم يذكر ما قبله فاقتصر البخاري على ما ورد بالاسناد المتصل فعزاه إلى أبي الدرداء ولذلك جزم به عنه واستعمل بقية ما ورد عنه بالاسناد المنقطع في الترجمة إشارة إلى أنه لم يغفله قوله وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون إلى قوله بنيان مرصوص ذكر فيه حديث البراء في قصة الذي قتل حين أسلم قال بن المنير مناسبة الترجمة والآية للحديث ظاهرة وفي مناسبة الترجمة للآية خفاء وكأنه من جهة أن الله عاتب من قال إنه يفعل الخير ولم يفعله وأثنى على من وفي وثبت عند القتال أو من جهة أنه أنكر على من قدم على القتال قولا غير مرضي فكشف الغيب أنه أخلف فمفهومه ثبوت الفضل في تقديم الصدق والعزم الصحيح على الوفاء وذلك من أصلح الاعمال انتهى وهذا الثاني أظهر فيما أرى والله أعلم وقال

[ 19 ]

الكرماني المقصود من الآية في هذه الترجمة قوله في آخرها صفا كأنهم بنيان مرصوص لان الصف في القتال من العمل الصالح قبل القتال انتهى وسيأتي تفسير قوله مرصوص في التفسير قوله حدثني محمد بن عبد الرحيم هو الحافظ المعروف بصاعقة وإسرائيل هو بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قوله أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل لم أقف على اسمه ووقع عند مسلم من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق أنه من الانصار ثم من بني النبيت بفتح النون وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم مثناه فوق ولولا ذلك لامكن تفسيره بعمرو بن ثابت بن وقش بفتح الواو والقاف بعدها معجمة وهو المعروف بأصرم بن عبد الاشهل فإن بني عبد الاشهل بطن من الانصار من الاوس وهم غير بني النبيت وقد أخرج بن إسحاق في المغازي قصة عمرو بن ثابت بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه كان يقول أخبروني عن رجل دخل الجنة لم يصل صلاة ثم يقول هو عمرو بن ثابت قال بن إسحاق قال الحصين بن محمد قلت لمحمود بن لبيد كيف كانت قصته قال كان يأبى الاسلام فلما كان يوم أحد بدا له فأخذ سيفه حتى أتى القوم فدخل في عرض الناس فقاتل حتى وقع جريحا فوجده قومه في المعركة فقالوا ما جاء بك أشفقة على قومك أم رغبة في الاسلام قال بل رغبة في الاسلام قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصابني ما أصابني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه من أهل الجنة وروى أبو داود والحاكم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة كان عمرو يأبى الاسلام لاجل ربا كان له في الجاهلية فلما كان يوم أحد قال أين قومي قالوا بأحد فاخذ سيفه وولحقهم فلما رأوه قالوا له اليك عنا قال اني قد أسلمت فقاتل حتى جرح فجاءه سعد بن معاذ فقال خرجت غضبا لله ولرسوله ثم مات فدخل الجنة وما صلى صلاة فيجمع بين الروايتين بأن الذين رأوه قالوا له اليك عنا ناس غير قومه وأما قومه فما شعروا بمجيئه حتى وجدوه في المعركة ويجمع بينهما وبين حديث الباب بأنه جاء أولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستشاره ثم أسلم ثم قاتل فرآه أولئك الذين قالوا له إليك عنا ويؤيد هذا الجمع قوله لهم قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن قومه وجدوه بعد ذلك فقالوا له ما قالوا ويؤيد الجمع أيضا ما وقع في سياق حديث البراء عند النسائي فإنه أخ رجه من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق نحو رواية إسرائيل وفيه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو أني حملت على القوم فقاتلت حتى أقتل أكان خيرا لي ولم أصل صلاة قال نعم ونحوه لسعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي إسحاق وزاد في أوله أنه قال أخير لي أن أسلم قال نعم فأسلم فإنه موافق لقول أبي هريرة إنه دخل الجنة وما صلى لله صلاة وأما كونه من بني عبد الاشهل ونسب في رواية مسلم إلى بني النبيت فيمكن أن يحمل على أن له في بني النبيت نسبة ما فإنهم إخوة بني عبد الاشهل يجمعهم الانتساب إلى الاوس قوله مقنع بفتح القاف والنون مشددة وهو كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب قوله وأجر كثيرا بالضم على البناء أي أجر أجرا كثيرا وفي هذا الحديث أن الاجر الكثير قد يحصل بالعمل اليسير فضلا من الله واحسانا قوله باب من أتاه سهم غرب بتنوين سهم وبفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة هذا هو الاشهر وسيأتي بيان الخلاف فيه قوله حدثنا محمد بن عبد الله جزم الكلاباذي وتبعه غير واحد بأنه الذهلي وهو محمد بن يحيى بن عبد الله نسبه البخاري إلى جده ووقع في رواية أبي علي بن السكن حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد

[ 20 ]

الراء فإن لم يكن بن السكن نسبه من قبل نفسه وإلا فما قاله هو المعتمد وقد أخرجه بن خزيمة في التوحيد من صحيحه عن محمد بن يحيى الذهلي عن حسين بن محمد وهو المروزي بهذا الاسناد قوله أن أم الربيع بنت البراء كذا لجميع رواة البخاري وقال بعد ذلك وهي أم حارثة بن سراقة وهذا الثاني هو المعتمد والاول وهم نبه عليه غير واحد من آخرهم الدمياطي فقال قوله أم الربيع بنت البراء وهم وإنما هي الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن عمرو وقد تقدم ذكر قتل أخيها أنس بن النضر وذكرها في آخر حديثه قريبا وهي أم حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي من بني عدي بن النجار ذكره بن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما فيمن شهد بدرا واتفقوا على أنه رماه حبان بكسر المهملة بعدها موحدة ثقيلة بن العرقة بفتح المهملة وكسر الراء بعدها قاف وهو على حوض فأصاب نحره فمات قلت ووقع في رواية بن خزيمة المذكورة أن الربيع بنت البراء بحذف أم فهذا أشبه بالصواب لكن ليس في نسب الربيع بنت النضر أحد اسمه البراء فلعله كان فيه الربيع عمة البراء فإن البراء بن مالك أخو أنس بن مالك فكل منهما بن أخيها أنس بن النضر وقد رواه الترمذي وابن خزيمة أيضا من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة فقال عن أنس أن الربيع بنت النضر أتت النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابنها حارثة بن سراقة أصيب يوم بدر الحديث ورواه النسائي من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال انطلق حارثة بن عمتفجاءت عمتي أمه وحكى أبو نعيم الاصبهاني أن الحكم بن عبد الملك رواه عن قتادة كذلك وقال حارثة بن سراقة قال بن الاثير في جامع الاصول الذي الصحابة أن أم حارثة هي الربيع بنت النضر عمة أنس وأجاب الكرماني بأنه لا وهم للبخاري لانه ليس في رواية النسفي إلا الاقتصار على قول أنس أن أم حارثة بن سراقة قال فيحمل على أنه كان في رواية الفربري حاشية لبعض الرواة غير صحيحة فالحقت بالمتن انتهى وقد راجعت أصل النسفي من نسخة بن عبد البر فوجدتها موافقة لرواية الفربري فالنسخة التي وقعت للكرماني ناقصة وادعاء الزيادة في مثل هذا الكتاب مردود على قائله والظاهر أن لفظ أم وبنت وهم كما تقدم توجيهه قريبا والخطب فيه سهل ولا يقدح ذلك في صحة الحديث ولا في ضبط رواته وقد وقع في رواية سعيد بن أبي عروبة التي ضبط فيها اسم الربيع بنت النضر وهم في اسم ابنها فسماه الحارث بدل حارثة وقد روى هذا الحديث أبان عن قتادة فقال أن أم حارثة لم ترد أخرجه أحمد وكذلك أخرجه من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وسيأتي كذلك في المغازي من طريق حميد عن أنس ثم شرع الكرماني في إبداء احتمالات بعيدة متكلفة لتوجيه الرواية التي في البخاري فقال يحتمل أن يكون للربيع بن يسمى الربيع يعني بالتخفيف من زوج آخر غير سراقة يسمى البراء وأيكون بنت البراء خبرا لان وضمير هي راجع إلى الربيع وأن يكون بنت صفة لوالدة الربيع فأطلق الام على الجدة تجوزا وأن تكون إضافة الام إلى الربيع للبيان أي الام التي هي الربيع وبنت مصحف من عمة قال وارتكاب بعض هذه التكلفات أولى من تخطئة العدول الاثباث قلت إنما أختار البخاري رواية شيبان على رواية سعيد لتصريح شيبان في روايته بتحديث أنس لقتادة وللبخاري حرص على مثل ذلك إذا وقعت الرواية عن مدلس أو معاصر وقد قال هو في تسمية من شهد بدرا وحارثة بن الربيع وهو حارثة بن سراقة فلم يعتمد على ما وقع في

[ 21 ]

رواية شيبان أنه حارثة بن أم الربيع بل جزم بالصواب والربيع أمه وسراقة أبوه قوله أصابه سهم غرب أي لا يعرف راميه أو لا يعرف من أين أتى أو جاء على غير قصد من راميه قاله أبو عبيد وغيره والثابت في الرواية بالتنوين وسكون الراء وأنكره بن قتيبة فقال كذا تقوله العامة والاجود فتح الراء والاضافة وحكى الهروي عن بن زيد أن جاء من حيث لا يعرف فهو بالتنوين والاسكان وإن عرف راميه لكن أصاب من لم يقصد فهو بالاضافة وفتح الراء قال وذكره الازهري بفتح الراء لا غير وحكى بن دريد وابن فارس والقزاز وصاحب المنتهى وغيرهم الوجهين مطلقا وقال بن سيده أصابه سهم غرب وغرب إذا لم يدر من رماه وقيل إذا أتاه من حيث لا يدري وقيل إذا قصد غيره فأصابه قال وقد يوصف به قلت فحصلنا من هذا على أربعة أوجه وقصة حارثة منزلة على الثاني فإن الذي رماه قصد غرته فرماه وحارثة لا يشعر به وقد وقع في رواية ثابت عند أحمد أن حارثة خرج نظارا زاد النسائي من هذا الوجه ما خرج لقتال قوله اجتهدت عليه في البكاء قال الخطابي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم على هذا أي فيؤخذ منه الجواز قلت كان ذلك قبل تحريم النوح فلا دلالة فيه فإن تحريمه كان عقب غزوة أحد وهذه القصة كانت عقب غزوة بدر ووقع في رواية سعيد بن أبي عروبة اجتهدت في الدعاء بدل قوله في البكاء وهو خطأ ووقع ذلك في بعض النسخ دون بعض ووقع في رواية حميد الآتية في صفة الجنة من الرقاق وعند النسائي فإن كان في الجنة لم أبك عليه وهو دال على صحة الرواية بلفظ البكاء وقال في رواية حميد هذه وإلا فسترى ما أصنعه ونحوه في رواية حماد عن ثابت عند أحمد قوله إنها جنان في الجنة كذا هنا وفي رواية سعيد بن أبي عروبة أنها جنان في جنة وفي رواية أبان عند أحمد أنها جنان كثيرة في جنة وفي رواية حميد المذكورة أنها جنان كثيرة فقط والضمير في قوله أنها جنان يفسره ما بعده وهو كقولهم هي العرب تقول ما شاءت والقصد بذلك التفخيم والتعظيم ومضى الكلام على الفردوس قريبا قوله باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا أي فضله أو الجواب محذوف تقديره فهو المعتبر قوله عن عمرو هو بن مرة قوله عن أبي وائل عن أبي موسى في رواية غندر عن شعبة في فرض الخمس سمعت أبا وائل حدثنا أبا موسى قوله جاء رجل في رواية غندر المذكورة قال أعرابي وهذا يدل على وهم ما وقع عند الطبراني من وجه آخر عن أبي موسى أنه قال يارسول الله فذكره فإن أبا موسى وإن جاز أن يبهم نفسه لكن لا يصفها بكونه أعرابيا وهذا الاعرابي يصلح أن يفسر بلاحق بن ضميرة وحديثه عند أبي موسى المديني في الصحابة من طريق عفير بن معدان سمعت لاحق بن ضميرة الباهلي قال وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن الرجل يلتمس الاجر والذكر فقال لا شئ له الحديث وفي إسناده ضعف وروينا في فوائد أبي بكر بن أبي الحديد بإسناد ضعيف عن معاذ بن جبل أنه قال يا رسول الله كل بني سلمة يقاتل فمنهم من يقاتل رياء الحديث فلو صلاحتمل أن يكون معاذ أيضا سأل عما سأل عنه الاعرابي لان سؤال معاذ خاص وسؤال الاعرابي عام ومعاذ أيضا لا يقال له أعرابي فيحمل على التعدد قوله الرجل يقاتل للمغنم في رواية منصور عن أبي وائل الماضية في العلم فقال ما القتال في سبيل الله فإن أحدنا يقاتل قوله والرجل يقاتل للذكر أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة وهي رواية الاعمش عن أبي وائل الآتية في التوحيد حيث قال ويقاتل شجاعة قوله والرجل يقاتل ليرى مكانه في رواية الاعمش ويقاتل رياء فمرجع الذي قبله إلى السمعة ومرجع هذا إلى الرياء وكلاهما مذموم

[ 22 ]

وزاد في رواية منصور والاعمش ويقاتل حمية أي لمن يقاتل لاجله من أهل أو عشيرة أو صاحب وزاد في رواية منصور ويقاتل غضبا أي لاجل حظ نفسه ويحتمل أن يفسر القتال للحمية بدفع المضرة والقتال غضبا يجلب المنفعة فالحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء طلب المغنم وإظهار الشجاعة والرياء والحمية والغضب وكل منها يتناوله المدح والذم فلهذا لم يحصل الجواب بالاثبات ولا بالنفي قوله من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله المراد بكلمة الله دعوة الله إلى الاسلام ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببا من الاسباب المذكورة أخل بذلك ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنا لا أصلا ومقصودا وبذلك صرح الطبري فقال إذا كان أصل الباعث هو الاول لا يضره ما عرض له بعد ذلك وبذلك قال الجمهور لكن روى أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة بإسناد جيد قال جاء رجل فقال يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الاجر والذكر ماله قال لا شئ له فأعادها ثلاثا كل ذلك يقول لا شئ له ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغى به وجهه ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الامرين معا على حد واحد فلا يخالف المرجح أولا فتصير المراتب خمسا أن يقصد الشيئين معا أو يقصد أحدهما صرفا أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمنا فالمحذور أن يقصد غير الاعلاء فقد يحصل الاعلاء ضمنا وقد لا يحصل ويدخل تحته مرتبتان وهذا ما دل عليه حديث أبي موسى ودونه أن يقصدهما معا فهو محذور أيضا على ما دل عليه حديث أبي أمامة والمطلوب أن يقصد الاعلاء صرفا وقد يحصل غير الاعلاء وقد لا يحصل ففيه مرتبتان أيضا قال بن أبي جمرة ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الاول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه انتهى ويدل على أن دخول غير الاعلاء ضمنا لا يقدح في الاعلاء إذا كان الاعلاء هو الباعث الاصلي ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقدامنا لنغنم فرجعنا ولم نغنم شيئا فقال اللهم لا تكلهم إلي الحديث وفي إجابة النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكر غاية البلاغة والايجاز وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم لانه لو أجابه بأن جميع ما ذكره ليس في سبيل الله احتمل أن يكون ما عدا ذلك كله في سبيل الله وليس كذلك فعدل إلى لفظ جامع عدل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال المقاتل فتضمن الجواب وزيادة ويحتمل أن يكون الضمير في قوله فهو راجعا إلى القتال الذي في ضمن قاتل أي فقتاله قتال في سبيل الله واشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه وطلب ثوابه وطلب دحض أعدائه وكلها متلازمة والحاصل مما ذكر أن القتال منشؤه القوة العقلية والقوة الغضبية والقوة الشهوانية ولا يكون في سبيل الله إلا الاول وقال بن بطال إنما عدل النبي صلى الله عليه وسلم عن لفظ جواب السائل لان الغضب والحمية قد يكونان لله فعدل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلى لفظ جامع فأفاد دفع الالباس وزيادة الافهام وفيه بيان أن الاعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة وأن الفضل الذي ورد في المجاهد يختص بمن ذكر وقد تقدم بعض مباحثه في أواخر كتاب العلم وفيه جواز السؤال عن العلة وتقدم العلم على العمل وفيه ذم الحرص على الدنيا وعلى

[ 23 ]

القتال لحظ النفس في غير الطاعة قوله إن الله لا يضيع أجر المحسنين قوله باب من اغبرت قدماه في سبيل الله أي بيان ماله من الفضل قوله وقول الله عزوجل ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله إلى قوله إن الله لا يضيع أجر المحسنين قال بن بطال مناسبة الآية للترجمة أنه سبحانه وتعالى قال في الآية ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار وفي الآية إلا كتب لهم به عمل صالح قال ففسر صلى الله عليه وسلم العمل الصالح أن النار لا تمس من عمل بذلك قال والمراد في سبيل الله جميع طاعاته اه وهو كما قال الا أن المتبادر عند الاطلاق من لفظ سبيل الله الجهاد وقد أورده المصنف في فضل المشي إلى الجمعة استعمالا للفظ في عمومه ولفظه هناك حرمه الله على النار وقال بن المنير مطابقة الآية من جهة أن الله أثابهم بخطوات هم وأن لم يباشروا قتالا وكذلك دل الحديث على أن من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار سواء باشر قتالا أم لا انتهى ومن تمام المناسبة إن الوطئ يتضمن المشي المؤثر لتغبير القدم ولا سيما في ذلك الزمان قوله حدثنا إسحاق قال أبو علي الجياني نسبه الاصيلي بن منصور قلت وأخرجه الاسماعيلي من طريق إسحاق بن زيد الخطابي نزيل حران عن محمد بن المبارك المذكور لكن زاد في آخر المتن قوله فتمسهما النار أبدا فالظاهر أنه بن منصور ويؤيده أن أبا نعيم أخرجه من طريق الحسن بن سفيان عن إسحاق بن منصور ويزيد المذكور في الاسناد بالزاي وعباية بفتح المهملة وأبو عبس بسكون الموحدة هو بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة قوله ما اغبرتا كذا في رواية المستملي بالتثنية وهو لغة وللباقين ما اغبرت وهو الافصح زاد أحمد من حديث أبي هريرة ساعة من نهار وقوله فتمسه النار بالنصب والمعنى أن المس ينتفي بوجود الغبار المذكور وفي ذلك إشارة إلى عظيم قدر التصرف في سبيل الله فإذا كان مجرد مس الغبار للقدم يحرم عليها النار فكيف بمن سعى وبذل جهده واستنفذ وسعه وللحديث شواهد منها ما أخرجه الطبراني في الاوسط عن أبي الدرداء مرفوعا من اغبرت قدماه في سبيل الله باعد الله منه النار مسيرة ألف عام للراكب المستعجل وأخرج بن حبان من حديث جابر أنه كان في غزاة فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكر نحو حديث الباب قال فتواثب الناس عن دوابهم فما رؤى أكثر ماشيا من ذلك اليوم قوله باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله قال بن المنير ترجم بهذا وبالذي بعده دفعا لتوهم كراهية غسل الغبار ومسحه لكونه من جملة آثار الجهاد كما كره بعض السلف المسح بعد الوضوء قلت والفرق بينهما من جهة أن التنظيف مطلوب شرعا والغبار أثر الجهاد وإذا انقضى فلا معنى لبقاء أثره وأما الوضوء فالمقصود به الصلاة فاستحب بقاء أثره حتى يحصل المقصود فافترق المسحان ثم أورد حديث أبي سعيد في قصة عمار في بناء المسجد وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في باب التعاون في بناء المسجد في أوائل الصلاة وفيه ما يتعلق بقوله فأتيناه وهو وأخوه في حائط لهما والمراد منه هنا قوله ومر به النبي صلى الله عليه وسلم فمسح عن رأسه الغبار قوله باب الغسل بعد الحرب والغبار تقدم توجيهه في الباب الذي قبله وذكر فيه حديث عائشة في اغتساله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الخندق وسيأتي الكلام عليه مستوفى في المغازي وقوله في هذه الرواية ووضع أي السلاح وصرح بذلك في رواية الاصيلي وغيره قوله حدثنا محمد كذا للاكثر ونسبه أبو ذر فقال بن سلام وقوله عصب بفتح

[ 24 ]

المهملتين والتخفيف أي أحاط به فصار عليه مثل العصابة قوله باب فضل قول الله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون إلى قوله وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين كذا لابي ذر وساق الاصيلي وكريمة الآيتين ومعنى قوله فضل قول الله أي فضل من ورد فيه قول الله وقد حذف الاسماعيلي لفظ فضل من الترجمة ثم ذكر فيه حديثين أحدهما حديث أنس في قصة الذين قتلوا في بئر معونة أوردها مختصرة وستأتي بتمامها في المغازي وأشار بإيراد الآية إلى ما ورد في بعض طرقه كما سأذكره هناك في آخره عند قوله فأنزل فيهم بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه زاد عمر بن يونس عن إسحاق بن أبي طلحة فيه فنسخ بعد ما قرأناه زمانا وأنزل الله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله الآية ثانيهما حديث جابر اصطبح ناس الخمر يوم أحد ثم قتلوا شهداء سيأتي في المغازي أن والد جابر كان من جملة من أشار إليهم قال بن المنير مطابقته للترجمة فيه عسر الا أن يكون مراده أن الخمر التي شربوها يومئذ لم تضرهم لان الله عزوجل أثنى عليهم بعد موتهم ورفع عنهم الخوف والحزن وإنما كان ذلك لانها كانت يومئذ مباحة قلت ويمكن أن يكون أورده للاشارة إلى أحد الاقوال في سبب نزول الآية المترجم بها فقد روى الترمذي من حديث جابر أيضا أن الله لما كلم والد جابر وتمنى أن يرجع إلى الدنيا ثم قال يا رب بلغ من ورائي فانزل الله ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله الآية قوله فقيل لسفيان من آخر ذلك اليوم قال ليس هذا فيه أي أن في الحديث فقتلوا شهداء من آخر ذلك اليوم فأنكر ذلك سفيان وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق القواريري عن سفيان بهذه الزيادة ولكن بلفظ اصطبح قوم الخمر أول النهار وقتلوا آخر النهار شهداء فلعل سفيان كان نسيه ثم تذكر وقد أخرجه المصنف في المغازي عن عبد الله بن محمد عن سفيان بدون الزيادة وأخرجه في تفسير المائدة عن صدقة بن الفضل عن سفيان بإثباتها وسيأتي بقية شرحه في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى قوله باب ظل الملائكة على الشهيد ذكر فيه حديث جابر في قصة قتل أبيه وسيأتي بيانه في غزوة أحد وهو ظاهر فيما ترجم له وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الجنائز قوله قلت لصدقة القائل هو المصنف وصدقة هو بن الفضل شيخه فيه وقد تقدم في الجنائز عن علي بن عبد الله وهو بن المديني عن سفيان وفي آخره حتى رفع وكذلك رواه الحميدي وجماعة عن سفيان قوله باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا أورد فيه حديث قتادة سمعت أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا الحديث وقد ورد بلفظ التمني وذلك فيما أخرجه النسائي والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله تعالى يا بن آدم كيف وجدت منزلك فيقول أي رب خير منزل فيقول سل وتمنه فيقول ما أسألك وأتمنى أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات لما رأى من فضل الشهادة الحديث ولمسلم من حديث بن مسعود رفعه في الشهداء قال فاطلع عيهم ربك اطلاعة فقال هل تشتهون شيئا قالوا نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى ولابن أبي شيبة من مرسل سعيد بن

[ 25 ]

جبير أن المخاطب بذلك حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وللترمذي وحسنه والحاكم وصححه من حديث جابر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبرك ما قال الله لابيك قال يا عبد الله تمن علي أعطك قال يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون قول شعبة في الاسناد سمعت قتادة في رواية أبي خالد الاحمر عن شعبة عن قتادة وحميد كلاهما عن أنس أخرجه مسلم قوله ما أحد في رواية أبي خالد ما من نفس قوله يدخل الجنة في رواية أبي خالد لها عند الله خير صلى الله عليه وسلم قوله وله ما على الارض من شئ في رواية أبي خالد وأن لها الدنيا وما فيها قوله لما يرى من الكرامة في رواية أبي خالد لما يرى من فضل الشهادة ولم يقل عشر مرات وكأن أبا خالد ساقه على لفظ حميد والله أعلم قال بن بطال هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة قال وليس في أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد فلذلك عظم فيه الثواب قوله باب الجنة تحت بارقة السيوف هو من إضافة الصفة إلى الموصوف وقد تطلق البارقة ويراد بها نفس السيف فتكون الاضافة بيانية وقد أورده بلفظ تحت ظلال السيوف وكأنه أشار بالترجمة إلى حديث عمار بن ياسر فأخرج الطبراني بإسناد صحيح عن عمار بن ياسر أنه قال يوم صفين الجنة تحت الابارقة كذا وقع فيه والصواب البارقة وهي السيوف اللامعة وكذا وقع على الصواب في ترجمة عمار من طبقات بن سعد وروى سعيد بن منصور بإسناد رجاله ثقات من مرسل أبي عبد الرحمن الحبلي مرفوعا الجنة تحت الابارقة ويمكن تخريجه على ما قاله الخطابي الابارقة جمع إبريق وسمي السيف ابريقا فهو إفعيل من البريق ويقال أبرق الرجل بسيفه إذا لمع به والبارقة اللمعان قال بن المنير كأن البخاري أراد أن السيوف لما كانت لها بارقة كان لها أيضا ظل قال القرطبي وهو من الكلام النفيس الجامع الموجز المشتمل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة اللفظ فإنه أفاد الحض على الجهاد والاخبار بالثواب عليه والحض على مقاربة العدو واستعمال السيوف والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظل المتقاتلين وقال بن الجوزي المراد أن الجنة تحصل بالجهاد والظلال جمع ظل وإذا تدانى الخصمان صار كل منهما تحت ظل سيف صاحبه لحرصه على رفعه عليه ولا يكون ذلك إلا عند التحام القتال قوله وقال المغيرة الخ هو طرف من حديث طويل وصله المصنف بتمامه في الجزية وقوله هنا عن رسالة ربنا ثبت للكشميهني وحده وهو كذلك في الطريق الموصولة ويحتمل أن يكون حذف هنا اختصارا قوله وقال عمر الخ هو طرف من حديث سهل بن حنيف في قصة عمرة الحديبية وسيأتي بتمامه موصولا في المغازي وتقدمت الاشارة إليه في الشروط قوله حدثنا عبد الله بن محمد هو الجعفي وأبو إسحاق هو الفزاري وعمر بن عبيد الله أي بن معمر هو التيمي وكان أميرا على حرب الخوارج قوله وكان كاتبه أي أن سالما كان كاتب عبد الله بن أبي أوفى قال كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى الضمير لعمر بن عبيد الله قال الدارقطني في التتبع أخرجا حديث موسى بن عقبة عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله قال كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى فقرأته الحديث قال وأبو النضر لم يسمع من بن أبي أوفى فهو حجة في رواية المكاتبة وتعقب بأن شرط الرواية بالمكاتبة عند أهل الحديث أن تكون الرواية صادرة إلى المكتوب إليه وابن أبي أوفى لم يكتب إلى سالم إنما كتب إلى عمر بن عبيد الله فعلى

[ 26 ]

هذا تكون رواية سالم له عن عبد الله بن أبي أوفى من صور الوجادة ويمكن أن يقال الظاهر أنه من رواية سالم عن مولاه عمر بن عبيد الله بقراءته عليه لانه كان كاتبه أبي عن عبد الله بن أبي أوفى أنه كتب إليه فيصير حينئذ من صور المكاتبة وفيه تعقب على من صنف في رجال الصحيحين فإنهم لم يذكروا لعمر بن عبيد الله ترجمة وقد ذكره بن أبي حاتم وذكر له رواية عن بعض التابعين ولم يذكر فيه جرحا قوله واعلموا أن الجنة هكذا أورده هنا مختصرا وذكر طرفا منه أيضا بهذا الاسناد بعد أبواب في باب الصبر عند القتال وأخرجه بعد أبواب كثيرة في باب تأخير القتال حتى تزول الشمس بهذا الاسناد مطولا ثم أخرجه بعد أبواب أيضا مطولا من وجه آخر في النهي عن تمني لقاء العدو ويأتي الكلام على شرحه هناك إن شاء الله تعالى قوله تابعه الاويسي عن بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة قلت الاويسي هو عبد العزيز بن عبد الله أحد شيوخ البخاري وقد حدث عنه بهذا الحديث موصولا خارج الصحيح ورويناه في كتاب الجهاد لابن أبي عاصم قال حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري به وقد رواه عمر بن شبة عن الاويسي فبين أن ذلك كان يوم الخندق قال المهلب في هذه الاحاديث جواز القول بأن قتلى المسلمين في الجنة لكن على الاجمال لا على التعيين قوله باب من طلب الولد للجهاد أي ينوي عند المجامعة حصول الولد ليجاهد في سبيل الله فيحصل له بذلك أجر وإن لم يقع ذلك قوله وقال الليث الخ وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق يحيى بن بكير عن الليث بهذا الاسناد وسيأتي الكلام عليه في كتاب الايمان والنذور إن شاء الله تعالى ثم تعجلت فشرحته في ترجمة سليمان قوله باب الشجاعة في الحرب والجبن أي مدح الشجاعة وذم الجبن والجبن بضم الجيم وسكون الموحدة ضد الشجاعة وأورد فيه حديثين أحدهما عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وسيأتي شرحه بعد عشرين بابا ومضى بعض شرحه في آخر الهبة وقوله وجدناه بحرا أي واسع الجري ثانيهما حديث جبير بن مطعم فمقفله صلى الله عليه وسلم من حنين والغرض منه قوله في آخره ثم لا تجدونني بخيلا ولا جبانا وسيأتي شرحه في كتاب فرض الخمس وعمر بن محمد بن جبير بن مطعم لم يرو عنه غير الزهري وقد وثقه النسائي وهذا مثال للرد على من زعم أن شرط البخاري أن لا يروي الحديث الذي يخرجه أقل من اثنين عن أقل من اثنين فإن هذا الحديث ما رواه عن محمد بن جبير غير ولده عمر ثم ما رواه عن عمر غير الزهري هذا مع تفرد الزهري بالرواية عن عمر مطلقا وقد سمع الزهري من محمد بن جبير أحاديث وكأنه لم يسمع هذا منه فحمله عن ولده والله أعلم وقوله فيه مقفله بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء وباللام يعني زمان رجوعه وقوله فعلقت بفتح العين وكسر اللام الخفيفة بعدها قاف وفي رواية الكشميهني فطفقت وهو بوزنه ومعناه وقوله اضطروه إلى سمرة أي ألجؤه وإلى شجرة من شجر البادية ذات شوك وقوله فخطفت بكسر الطاء وقوله العضاه بكسر المهملة بعدها معجمة خفيفة وفي آخره هاء هو شجر ذو شوك يقرأ في الوصل وفي الوقف بالهاء وقوله نعم بفتح النون والعين كذا لابي ذر بالرفع على أنه اسم كان وعدد بالنصب خبر مقدم ولغيره نعما بالنصب إما على التمييز وإما على أنه الخبر وعدد هو الاسم والله أعلم

[ 27 ]

قوله باب ما يتعوذ من الجبن كذا للجميع بضم أول يتعوذ على البناء للمجهول وذكر فيه حديثين أحدهما حديث سعد وهو بن أبي وقاص في التعوذ من الجبن وغيره وسيأتي شرحه في كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى وقوله في آخره فحدثت به مصعبا فصدقه قائل ذلك هو عبد الملك بن عمير ومصعب هو بن سعد بن أبي وقاص وأغرب المزي فقال في الاطراف في رواية عمرو بن ميمون هذه عن سعد لم يذكر البخاري مصعبا وذكره النسائي كذا قال وهو ثابت عند البخاري في جميع الروايات وقوله في أوله كان سعد يعلم بنيه لم أقف على تعيينهم وقد ذكر محمد بن سعد في الطبقات أولاد سعد فذكر من الذكور أربعة عشر نفسا ومن الاثاث سبع عشرة وروى عنه الحديث منهم خمسة عامر ومحمد ومصعب وعائشة وعمر ثانيهما حديث أنس بن مالك في التعوذ من العجز والكسل وغيرهما وسيأتي شرحه أيضا في الدعوات والفرق بين العجز والكسل أن الكسل ترك الشئ مع القدرة على الاخذ في عمله والعجز عدم القدرة قوله باب من حدث بمشاهده في الحرب قاله أبو عثمان أي النهدي عن سعد أي بن أبي وقاص وأشار بذلك إلى ما سيأتي موصولا في المغازي عن أبي عثمان عن سعد إني أول من رمى بسهم في سبيل الله وإلى ما سيأتي أيضا موصولا في فضل طلحة عن أبي عثمان لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الايام التي قاتل فيها غير طلحة وسعد عن حديثهما أي انهما حدثاه بذلك قوله حدثنا حاتم هو بن إسماعيل ومحمد بن يوسف هو الكندي وهو سبط للسائب المذكور والسائب صحابي صغير بن صحابيين والاسناد كله مدنيون إلا قتيبة قوله وسعدا أي بن أبي وقاص قوله فما سمعت أحدا منهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية يحيى بن سعيد الانصاري عن السائب صحبت سعد بن مالك من المدينة إلى مكة فما سمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث واحد أخرجه بن ماجة وسعد بن مالك هو بن أبي وقاص وأخرجه آدم بن أبي إياس في العلم له من هذا الوجه فقال فيه صحبت سعدا كذا وكذا سنة قوله إلا أني سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد لم يعين ما حدث به من ذلك وقد أخرج أبو يعلى من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عمن حدثه عن طلحة أنه ظاهر بين درعين يوم أحد قال بن بطال وغيره كان كثير من كبار الصحابة لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية المزيد والنقصان وقد تقدم بيان ذلك في العلم وأما تحديث طلحة فهو جائز إذا أمن الرياء والعجب ويترقى إلى الاستحباب إذا كان هناك من يقتدي بفعله قوله باب وجوب النفير بفتح النون وكسر الفاء أي الخروج إلى قتال الكفار وأصل النفير مفارقة مكان إلى مكان لامر حرك ذلك قوله وما يجب من الجهاد والنية أي وبيان القدر الواجب من الجهاد ومشروعية النية في ذلك وللناس في الجهاد حالان إحداهما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والاخرى بعده فأما الاولى فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقا ثم بعد أن شرع هل كان فرض عين أو كفاية قولان مشهوران للعلماء وهما في مذهب الشافعي وقال الماوردي كان عينا على المهاجرين دون غيرهم ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة لنصر الاسلام وقال السهيلي كان عينا على الانصار دون غيرهم ويؤيده مبايعتهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة على أن يؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 28 ]

وينصروه فيخرج من قولهما أنه كان عينا على الطائفتين كفاية في حق غيرهم ومع ذلك فليس في حق الطائفتين على التعميم بل في حق الانصار إذا طرق المدينة طارق وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر فيما ذكره بن إسحاق فإنه كالصريح في ذلك وقيل كان عينا في الغزوة التي يخرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرها والتحقيق أنه كان عينا على من عينه النبي صلى الله عليه وسلم في حقه ولو لم يخرج الحال الثاني بعده صلى الله عليه وسلم فهو فرض كفاية على المشهور إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو ويتعين على من عينه الامام ويتأدي فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلا عنه ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقا فليكن بدلها كذلك وقيل يجب كلما أمكن وهو قوي والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد وانتشر الاسلام في أقطار الارض ثم صار إلى ما تقدم ذكره والتحقيق أيضا أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه والله أعلم قوله وقول الله عزوجل انفروا خفافا وثقالا الآية هذه الآية متأخرة عن التي بعدها والامر فيها مقيد بما قبلها لانه تعالى عاتب المؤمنين الذين يتأخرون بعد الامر بالنفير ثم عقب ذلك بأن قال انفروا خفافا وثقالا وكأن المصنف قدم آية الامر على آية العتاب لعمومها وقد روى الطبري من رواية أبي الضحى قال أول ما نزل من براءة انفروا خفافا وثقالا وقد فهم بعض الصحابة من هذا الامر العموم فلم يكونوا يتخلفون عن الغزو حتى مات منهم أبو أيوب الانصاري والمقداد بن الاسود وغيرهم ومعنى قوله خفافا وثقالا متأهبين أو غير متأهبين نشاطا أو غير نشاط وقيل رجالا وركبانا قوله وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض الآية قال الطبري يجوز أن يكون قوله تعالى إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما خاصا والمراد به من استنفره رسول الله صلى الله عليه وسلم فامتنع وأخرج عن الحسن البصري وعكرمة أنها منسوخة بقوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة ثم تعقب ذلك والذي يظهر أنها مخصوصة وليست بمنسوخة والله أعلم وطريق عكرمة أخرجها أبو داود من وجه آخر حسن عنه عن بن عباس قوله ويذكر عن بن عباس انفروا ثبات سرايا متفرقين وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه بهذا أي اخرجوا سرية بعد سرية أو انفروا جميعا أي مجتمعين وزعم بعضهم أنها ناسخة لقوله تعالى انفروا خفافا وثقالا والتحقيق أن لا نسخ بل الرجوع في الآيتين إلى تعيين الامام وإلى الحاجة إلى ذلك تنبيه وقع في رواية أبي ذر والقابسي ثباتا بالالف وهو غلط لا وجه له لانه جمع ثبة كما سترى قوله ويقال واحد الثبات ثبة أي بضم المثلثة وتخفيف الموحدة بعدها هاء تأنيث وهو قول أبي عبيدة في المجاز وزاد ومعناها جماعات في تفرقة ويؤيده قوله بعده أو انفروا جميعا قال وقد يجمع ثبة على ثبين وقال النحاس ليس من هذا ثبة الحوض وهو وسطه سمي بذلك لان الماء يثوب إليه أي يرجع إليه ويجتمع فيه لانها من ثاب يثوب وتصغيرها ثويبة وثبة بمعنى الجماعة من ثبا يثبو وتصغيرها ثبية والله أعلم قوله لا هجرة بعد الفتح أي فتح مكة قال الخطابي وغيره كانت الهجرة فرضا في أول الاسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع فلما فتح الله مكة دخل الناس في

[ 29 ]

دين الله أفواجا فسقط فرض الهجرة إلى المدينة وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو انتهى وكانت الحكمة أيضا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه وفيهم نزلت ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها الآية وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها وقد روى النسائي من طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده مرفوعا لا يقبل الله من مشرك عملا بعدما أسلم أو يفارق المشركين ولابي داود من حديث سمرة مرفوعا أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين وهذا محمول على من لم يأمن على دينه وسيأتي مزيد لذلك في أبواب الهجرة من أول كتاب المغازي إنشاء الله تعالى قوله ولكل جهاد نية قال الطيبي وغيره هذا الاستدراك يقتضي مخلفة حكم ما بعده لما قبله والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على العيان إلى المدينة انقطعت إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك قوله وإذا استنفرتم فانفروا قال النووي يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة وإذا أمركم الامام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الاعمال الصالحة فاخرجوا إليه وقال الطيبي قوله ولكن جهاد معطوف على محل مدخول ولا هجرة أي الهجرة من الوطن إما للفرار من الكفار أو إلى الجهاد أو إلى غير ذلك كطلب العلم فانقطعت الاولى وبقي الاخريان فاغتنموهما ولا تقاعدوا عنهما بل إذا استنفرتم فانفروا قلت وليس الامر في انقطاع الهجرة من الفرار من الكفار على ما قال وقد تقدم تحرير ذلك وقال بن العربي الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الاسلام وكانت فرضا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت بعده لمن خاف على نفسه والتي انقطعت أصلا هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان وفي الحديث بشارة بأن مكة تبقى دار إسلام أبدا وفيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عينه الامام وأن الاعمال تعتبر بالنيات تكملة قال بن أبي جمرة ما محصله أن هذا الحديث يمكن تنزيله على أحوال السالك لانه أولا يؤمر بهجرة مألوفاته حتى يحصل له الفتح فإذا لم يحصل له أمر بالجهاد وهو مجاهدة النفس والشيطان مع النية الصالحة في ذلك قوله باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم أي القاتل فيسدد بعد أي يعيش على سداد أي استقامة في الدين قوله ويقتل في رواية النسفي أو يقتل وعليها اقتصر بن بطال والاسماعيلي وهي أليق بمراد المصنف قال بن المنير في الترجمة فيسدد والذي وقع في الحديث فيستشهد وكأنه نبه بذلك على أن الشهادة ذكرت للتنبيه على وجوه التسديد وأن كل تسديد كذلك وإن كانت الشهادة أفضل لكن دخول الجنة لا يختص بالشهيد فجعل المصنف الترجمة كالشرح لمعنى الحديث قلت ويظهر لي أن البخاري أشار في الترجمة إلى ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم من طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعا لا يجتمعان في النار مسلم قتل كافرا ثم سدد المسلم وقارب الحديث قوله عن أبي الزناد كذا هو في الموطأ ولمالك فيه إسناد آخر رواه أيضا عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس أخرجه الدارقطني قوله يضحك الله

[ 30 ]

إلى رجلين في رواية النسائي من طريق بن عيينة عن أبي الزناد أن الله يعجب من رجلين قال الخطابي الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح أو الطرب غير جائز على الله تعالى وإنما هذا مثل ضرب لهذا الصنيع الذي يحل محل الاعجاب عند البشر فإذا رأوه أضحكهم ومعناه الاخبار عن رضا الله بفعل أحدهما وقبوله للآخر ومجازاتهما على صنيعهما بالجنة مع اختلاف حاليهما قال وقد تأول البخاري الضحك في موضع آخر على معنى الرحمة وهو قريب وتأويله على معنى الرضا أقرب فإن الضحك يدل على الرضا والقبول قال والكرام يوصفون عند ما يسألهم السائل بالبشر وحسن اللقاء فيكون المعنى في قوله يضحك الله أي يجزل العطاء قال وقد يكون معنى ذلك أن يعجب الله ملائكته ويضحكهم من صنيعهما وهذا يتخرج على المجاز ومثله في الكلام يكثر وقال بن الجوزي أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا ويمرونه كما جاء وينبغي أن يراعى في مثل هذا الامرار اعتقاد أنه لا تشبه صفات الله صفات الخلق ومعنى الامرار عدم العلم بالمراد منه مع اعتقاد التنزيه قلت ويدل على أن المراد بالضحك الاقبال بالرضا تعديته بالى تقول ضحك فلان إلى فلان إذا توجه إليه طلق الوجه مظهرا للرضا عنه قوله يدخلان الجنة زاد مسلم من طريق همام عن أبي هريرة قالوا كيف يا رسول الله قوله يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل زاد همام فيلج الجنة قال بن عبد البر معنى هذا الحديث عند أهل العلم أن القاتل الاول كان كافرا قلت وهو الذي استنبطه البخاري في ترجمته ولكن لا مانع أن يكون مسلما لعموم قوله ثم يتوب الله على القاتل كما لو قتل مسلم مسلما عمدا بلا شبهة ثم تاب القاتل واستشهد في سبيل الله وانما يمنع دخول مثل هذا من يذهب إلى أن قاتل المسلم لا تقبل له توبة وسيأتي البحث فيه في تفسير سورة النساء إن شاء الله تعالى ويؤيد الاول أنه وقع في رواية همام ثم يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الاسلام وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ قيل كيف يا رسول الله قال يكون أحدهما كافرا فيقتل الآخر ثم يسلم فيغزو فيقتل قوله ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد زاد همام فيهديه إلى الاسلام ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد قال بن عبد البر يستفاد من هذا الحديث أن كل من قتل في سبيل الله فهو في الجنة الله تعالى قوله حدثنا الزهري في رواية علي بن المديني في المغازي عن سفيان سمعت الزهري وسأله إسماعيل بن أمية وفي رواية بن أبي عمر في مسنده عن سفيان سمعت إسماعيل بن أمية يسأل الزهري قوله أخبرني عنبسة بفتح المهملة وسكون النون بن سعيد أي بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية قوله عن أبي هريرة في رواية الزبيدي عن الزهري التصريح بسماع عنبسة له من أبي هريرة وسيأتي بيان ذلك في المغازي قوله فقال بعض بني سعيد بن العاص لا تسهم له هو أبان بن سعيد كما بينته رواية الزبيدي قوله فقلت هذا قاتل بن قوقل بقافين وزن جعفر يعني النعمان بن مالك بن ثعلبة بن أصرم بمهملتين وزن أحمد بن فهم بن ثعلبة بن غنم بفتح المعجمة وسكون النون بعدها ميم بن عمرو بن عوف الانصاري الاوسي وقوقل لقب ثعلبة وقيل لقب أصرم وقد ينسب النعمان إلى جده فيقال النعمان بن قوقل وله ذكر في حديث جابر عند مسلم قال جاء النعمان بن قوقل فقال يا رسول الله أرأيت إذا صليت المكتوبات الحديث وروى البغوي في الصحابة أن النعمان بن قوقل قال يوم أحد

[ 31 ]

أقسمت عليك يا رب أن لا تغيب الشمس حتى أطأ بعرجتي في الجنة فاستشهد ذلك اليوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد رأيته في الجنة وذكر بعض أهل المغازي أن صفوان بن أمية هو الذي قتله وهو مرجوح بهذا الحديث الذي في البخاري ولعلهما جميعا اشتركا في قتله وسيأتي بقية شرح حديث أبي هريرة هذا في كتاب المغازي والمراد منه هنا قول أبان أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه وأراد بذلك أن النعمان استشهد بيد أبان فأكرمه الله بالشهادة ولم يقتل أبان على كفره فيدخل النار وهو المراد بالاهانة بل عاش أبان حتى تاب وأسلم وكان إسلامه قبل خيبر بعد الحديبية وقال ذلك الكلام بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأقره عليه وهو موافق لما تضمنته الترجمة قوله من قدوم ضأن قال بن دقيق العيد وقع للجميع هنا بالنون إلا في رواية الهمداني فباللام وهو الصواب وهو السدر البري قلت وسيأتي في غزوة خيبر بأبسط من هذا قوله فلا أدري أسهم له أم لم يسهم سيأتي في غزوة خيبر في آخره فقال له يا أبان اجلس ولم يقسم لهم واحتج به من قال إن من حضر بعد فراغ الوقعة ولو كان خرج مددا لهم أن لا يشارك من حضرها وهو قول الجمهور وعند الكوفيين يشاركهم وأجاب عنهم الطحاوي بان النبي صلى الله عليه وسلم كان أرسل إلى نجد قبل أن يشرع في التجهيز إلى خيبر فلذلك لم يقسم له وأما من أراد الخروج مع الجيش فعاقه عائق ثم لحقهم فإنه الذي يقسم له كما أسهم النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان وغيره ممن لم يحضر الوقعة لكن كانوا ممن أراد الخروج معه فعاقهم عن ذلك عوائق شرعية قوله قال سفيان أي بن عيينة ووقع في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان وحدثنيه السعيدي أيضا وفي رواية بن أبي عمر عن سفيان سمعت السعيدي قوله وحدثنيه السعيدي هو معطوف على قوله حدثنا الزهري وهو موصول بالاسناد الذي قبله قوله السعيدي هو عمرو الخ هو كلام البخاري ووقع لغير أبي ذر قال أبو عبد الله فذكره قوله باب من أختار الغزو على الصوم أي لئلا يضعفه الصوم عن القتال ولا يمتنع ذلك لمن عرف أنه لا ينقصه كما سيأتي بعد ستة أبواب قوله لا يصوم في رواية أبي الوليد عند أبي نعيم وعلي بن الجعد كلاهما عن شعبة عند الاسماعيلي لا يكاد يصوم وفي رواية عاصم بن علي عن شعبة عند الاسماعيلي كان قلما يصوم فدل على أن النفي في رواية آدم ليس على إطلاقه وقد وافق آدم سليمان بن حرب عند الاسماعيلي أيضا قوله الا يوم فطر أو أضحى أي فكان لا يصومهما والمراد بيوم الاضحى ما تشرع فيه الاضحية فيدخل أيام التشريق وفي هذه القصة إشعار بأن أبا طلحة لم يكن يلازم الغزو بعد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ترك التطوع بالصوم لاجل الغزو خشية أن يضعفه عن القتال مع أنه في آخر عمره رجع إلى الغزو فروى بن سعد والحاكم وغيرهما من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أبا طلحة قرأ انفروا خفافا وثقالا فقال استنفرنا الله شيوخا وشبانا جهزوني فقال له بنوه نحن نغزو عنك فأبى فجهزوه فغزا في البحر فمات فدفنوه بعد سبعة أيام ولم يتغير قال المهلب مثل النبي صلى الله عليه وسلم المجاهد بالصائم لا يفطر يعني كما تقدم في أول الجهاد فلذلك قدمه أبو طلحة على الصوم فلما توطأ الاسلام وعلم أنه صار في سعة أراد أن يأخذ حظه من الصوم إذ فاته الغزو وفيه أنه كان لا يرى بصيام الدهر بأسا تنبيه وقع عند الحاكم في المستدرك من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أبا طلحة أقام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 32 ]

أربعين سنة لا يفطر إلا يوم فطر أو أضحى وعلى الحاكم فيه مأخذان أحدهما أن أصله في البخاري فلا يستدرك ثانيهما أن الزيادة في مقدار حياته بعد النبي صلى الله عليه وسلم غلط فإنه لم يقم بعده سوى ثلاث أو أربع وعشرين سنة فلعلها كانت أربعا وعشرين فتغيرت قوله باب الشهادة سبع سوى القتل اختلف في سبب تسمية الشهيد شهيدا فقال النضر بن شميل لانه حي فكأن أرواحهم شاهدة أي حاضرة وقال بن الانباري لان الله وملائكته يشهدون له بالجنة وقيل لانه يشهد عند خروج روحه ما أعد له من الكرامة وقيل لانه يشهد له بالامان من النار وقيل لان عليه شاهدا بكونه شهيدا وقيل لانه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة وقيل لانه الذي يشهد يوم القيامة بابلاغ الرسل وقيل لان الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة وقيل لان الانبياء تشهد له بحسن الاتباع وقيل لان الله يشهد له بحسن نيته وإخلاصه وقيل لانه يشاهد الملائكة عند احتضاره وقيل لانه يشاهد الملكوت من دار الدنيا ودار الآخرة وقيل لانه مشهود له بالامان من النار وقيل لان عليه علامة شاهد بأنه قد نجا وبعض هذه يختص بمن قتل في سبيل الله وبعضها يعم غيره وبعضها قد ينازع فيه وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مالك من رواية جابر بن عتيك بفتح المهملة وكسر المثناة بعدها تحتانية ساكنة ثم كاف أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فذكر الحديث وفيه ما تعدون الشهيد فيكم قالوا من يقتل في سبيل الله وفيه الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله فذكر زيادة على حديث أبي هريرة الحريق وصاحب ذات الجنب والمرأة تموت بجمع وتوارد مع أبي هريرة في المبطون والمطعون والغريق وصاحب الهدم فأما صاحب ذات الجنب فهو مرض معروف ويقال له الشوصة وأما المرأة تموت بجمع فهو بضم الجيم وسكون الميم وقد تفتح الجيم وتكسر أيضا وهي النفساء وقيل التي يموت ولدها في بطنها ثم تموت بسبب ذلك وقيل التي تموت بمزدلفة وهو خطأ ظاهر وقيل التي تموت عذراء والاول أشهر قلت حديث جابر بن عتيك أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن حبان وقد روى مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة شاهدا لحديث جابر ابن عتيك ولفظه ما تعدون الشهداء فيكم وزاد فيه ونقص فمن زيادته ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ولاحمد من حديث عبادة بن الصامت نحو حديث جابر بن عتيك ولفظه وفي النفساء يقتلها ولدها جمعا شهادة وله من حديث راشد بن حبيش نحوه وفيه والسل وهو بكسر المهملة وتشديد اللام وللنسائي من حديث عقبة بن عامر خمس من قبض فيهن فهو شهيد فذكر فيهم النفساء وروى أصحاب السنن وصححه الترمذي من حديث سعيد بن زيد مرفوعا من قتل دون ماله فهو شهيد وقال في الدين والدم والاهل مثل ذلك وللنسائي من حديث سويد بن مقرن مرفوعا من قتل دون مظلمته فهو شهيد قال الاسماعيلي الترجمة مخالفة للحديث وقال بن بطال لا تخرج هذه الترجمة من الحديث أصلا وهذا يدل على أنه مات قبل أن يهذب كتابه وأجاب بن المنير بأن ظاهر كلام بن بطال أن البخاري أراد أن يدخل حديث جابر بن عتيك فاعجلته المنية عن ذلك وفيه نظر قال ويحتمل أن يكون أراد التنبيه على أن الشهادة لا تنحصر في القتل بل لها أسباب أخر وتلك الاسباب اختلفت الاحاديث في عددها ففي بعضها خمسة وفي بعضها سبعة والذي وافق شرط البخاري الخمسة فنبه بالترجمة على أن العدد الوارد ليس على معنى التحديد انتهى وقال

[ 33 ]

بعض المتأخرين يحتمل أن يكون بعض الرواة يعني رواة الخمسة نسي الباقي قلت وهو احتمال بعيد لكن يقربه ما تقدم من الزيادة في حديث أبي هريرة عند مسلم وكذا وقع لاحمد من وجه آخر عنه والمجنوب شهيد يعني صاحب ذات الجنب والذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم أعلم بالاقل ثم أعلم زيادة على ذلك فذكرها في وقت آخولم يقصد الحصر في شئ من ذلك وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة فإن مجموع ما قدمته مما اشتملت عليه الاحاديث التي ذكرتها أربع عشرة خصلة وتقدم في باب من ينكب في سبيل الله حديث أبي مالك الاشعري مرفوعا من وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله تعالى فهو شهيد وصحح الدارقطني من حديث بن عمر موت الغريب شهادة ولابن حبان من حديث أبي هريرة من مات مرابطا مات شهيدا الحديث وللطبراني من حديث بن عباس مرفوعا المرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيد وقال ذلك أيضا في المبطون واللديغ والغريق والشريق والذي يفترسه السبع والخار عن دابته وصاحب الهدم وذات الجنب ولابي داود من حديث أم حرام المائد في البحر الذي يصيبه القئ له أجر شهيد وقد تقدمت أحاديث فيمن طلب الشهادة بنية صادقة أنه يكتب شهيدا في باب تمني الشهادة ويأتي في كتاب الطب حديث فيمن صبر في الطاعون أنه شهيد وتقدم حديث عقبة بن عامر فيمن صرعته دابته وأنه عند الطبراني وعنده من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح أن من يتردى من رءوس الجبال وتأكله السباع ويغرق في البحار لشهيد عند الله ووردت أحاديث أخرى في أمور أخرى لم أعرج عليها لضعفها قال بن التين هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعلها تمحيصا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم بها مراتب الشهداء قلت والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء ويدل عليه ما روى أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث جابر والدارمي وأحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن حبشي وابن ماجة من حديث عمرو بن عنبسة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الجهاد أفضل قال من عقر جواده واهريق دمه وروى الحسن بن علي الحلواني في كتاب المعرفة له بإسناد حسن من حديث بن أبي طالب قال كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد غير أن الشهادة تتفاضل وسيأتي شرح كثير من هذه الامراض المذكورة في كتاب الطب وكذا الكلام على حديث أنس في الطاعون إن شاء الله تعالى ويتحصل مما ذكر في هذه الاحاديث أن الشهداء قسمان شهيد الدنيا وشهيد الآخرة وهو من يقتل في حرب الكفار مقبلا غير مدبر مخلصا وشهيد الآخرة وهو من ذكر بمعنى أنهم يعطون من جنس أجر الشهداء ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا وفي حديث العرباض بن سارية عند النسائي وأحمد ولاحمد من حديث عتبة بن عبد نحوه مرفوعا يختصم الشهداء والمتوفون على الفرش في الذين يتوفون من الطاعون فيقول انظروا إلى جراحهم فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم معهم ومنهم فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم وإذا تقرر ذلك فيكون إطلاق الشهداء على غير المقتول في سبيل الله مجازا فيحتج به من يجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه والمانع يجيب بأنه من عموم المجاز فقد يطلق الشهيد على من قتل في حرب الكفار لكن لا يكون له ذلك في حكم الآخرة لعارض يمنعه كالانهزام وفساد النية والله أعلم قوله الشهداء خمسة ثم قال والشهيد في سبيل الله قال الطيبي يلزم منه حمل الشئ على

[ 34 ]

نفسه لان قوله خمسة خبر للمبتدأ والمعدود بعده بيان له وأجاب بأنه من باب قول الشاعر أنا أبو النجم وشعرى شعرى ويحتمل أن يكون المراد بالشهيد في سبيل الله المقتول فكأنه قال والمقتول فعبر عنه بالشهيد ويؤيده قوله في رواية جابر بن عتيك الشهداء سبعة سوى القتيل في سبيل الله ويجوز أن يكون لفظ الشهيد مكررا في كل واحد منها فيكون من التفصيل بعد الاجمال والتقدير الشهداء خمسة الشهيد كذا والشهيد كذا إلى آخره قوله غفورا رحيما قوله باب قول الله عزوجل لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ذكر فيه حديثي البراء بن عازب وزيد بن ثابت في سبب نزولها وفيه ذكر بن أم مكتوم وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى في تفسير سورة النساء قوله باب الصبر عند القتال ذكر فيه طرفا من حديث بن أبي أوفى وقد تقدم التنبيه عليه قريبا قوله باب التحريض على القتال ذكر فيه حديث أنس في حفر الخندق وسيأتي الكلام عليه مستوفى في المغازي وانتزاع الترجمة منه من جهة أن في مباشرته صلى الله عليه وسلم الحفر بنفسه تحريضا للمسلمين على العمل ليتأسوا به في ذلك قوله باب حفر الخندق ذكر فيه حديث أنس من وجه آخر وسيأتي في المغازي وسياقه هناك أتم وذكر فيه حديث البراء بن عازب في ذلك من وجهين ويأتي هناك شرحه مستوفى إن شاء الله تعالى قوله باب من حبسه العذر عن الغزو العذر الوصف الطارئ على المكلف المناسب للتسهيل عليه ولم يذكر الجواب وتقديره فله أجر الغازي إذا صدقت نيته قوله حدثنا زهير هو بن معاوية أبو خيثمة الجعفي وقرن روايته برواية حماد بن زيد مع أن

[ 35 ]

في رواية زهير تعيين الغزوة وتصريح أنس بالتحديث وفي كل منهما فائدة ليست في رواية حماد لكنه أراد أن زهيرا لم ينفرد بقوله عن حميد عن أنس وقد تابعهما على ترك الواسطة بين حميد وأنس معتمر بن سليمان وجماعة قوله خلفنا بسكون اللام أي وراءنا وضبطه بعضهم بتشديد اللام وسكون الفاء قوله إلا وهم معنا فيه حبسهم العذر في رواية الاسماعيلي من طريق أخرى عن حماد بن زيد إلا وهم معكم فيه بالنية ولابن حبان وأبي عوانة من حديث جابر إلا شركوكم في الاجر بدل قوله إلا كانوا معكم والمراد بالعذر ما هو أعم من المرض وعدم القدرة على السفر وقد رواه مسلم من حديث جابر بلفظ حبسهم المرض وكأنه محمول على الاغلب قوله وقال موسى أي بن إسماعيل حدثنا حماد هو أبن سلمة قوله قال أبو عبد الله هو المصنف الاول عندي أصح يعني حذف موسى بن أنس من الاسناد وقد خالفه الاسماعيلي في ذلك فقال حماد عالم بحديث حميد مقدم فيه على غيره انتهى قلت وإنما قال ذلك لتصريح حميد بتحديث أنس له كما تراه من رواية زهير وكذلك قال معتمر قلت ولا مانع من أن يكونا محفوظين فلعل حميدا سمعه من موسى عن أبيه ثم لقي أنسا فحدثه به أو سمعه من أنس فثبته فيه ابنه موسى ويؤيد ذلك أن سياق حماد عن حميد أتم من سياق زهير ومن وافقه عن حميد فقد أخرجه أبو داود عن موسى بن إسماعيل بالاسناد المذكور بلفظ لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه قالوا يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة قال حبسهم العذر وكذلك أورده أحمد عن عفان عن حماد وأخرجه عن أبي كامل عن حماد فلم يذكر في الاسناد حميدا نعم أخرجه أحمد عن بن أبي عدي عن حميد عن أنس نحو سياق حماد إلا أنه لم يذكر النفقة قال المهلب يشهد لهذا الحديث قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر الآية فإنه فاضل بين المجاهدين والقاعدين ثم استثنى أولي الضرر من القاعدين فكأنه ألحقهم بالفاضلين وفيه أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل قوله باب فضل الصوم في سبيل الله قال ابن الجوزي إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد وقال القرطبي سبيل الله طاعة الله فالمراد من صام قاصدا وجه الله قلت ويحتمل أن يكون ما هو أعم من ذلك ثم وجدته في فوئد أبي الطاهر الذهلي من طريق عبد الله بن عبد العزيز الليثي عن المقبري عن أبي هريرة بلفظ ما من مرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يوما في سبيل الله الحديث وقال ابن دقيق العيد العرف الاكثر استعماله قي الجهاد فان حمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين قال ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت والاول أقرب ولا يعارض ذلك أن الفطر في الجهاد أولى لان الصائم يضعف عن اللقاء كما تقدم تقريره في باب من اختار الغزو على الصوم لان الفضل المذكور محمول على من لم يخش ضعفا ولا سيما من اعتاد به فصار ذلك من الامور النسبية فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين وقد تقدم مزيد لذلك في كتاب الصيام في الكلام على الصوم في السفر قوله أخبرني يحيى بن سعيد هو الانصاري وسهيل بن أبي صالح لم يخرج له البخاري موصولا إلا هذا ولم يحتج به لانه قرنه بيحيى بن سعيد وقد اختلف في إسناده على سهيل فرواه الاكثر عنه هكذا وخالفهم شعبة فرواه عنه عن صفوان بن يزيد عن أبي سعيد أخرجه النسائي ولعل لسهيل فيه شيخين وأخرجه النسائي أيضا

[ 36 ]

من طريق أبي معاوية عن سهيل عن المقبري عن أبي سعيد ووهم فيه أبو معاوية وإنما يرويه المقبري عن أبي هريرة لا عن أبي سعيد وإنما رواه سهيل من حديث أبي هريرة عن أبيه عنه لا عن المقبري كذلك أخرجه النسائي من طريق سعيد بن عبد الرحمن عن سهيل عن أبيه وكذا أخرجه أحمد عن أنس بن عياض عن سهيل قوله سبعين خريفا الخريف زمان معلوم من السنة والمراد به هنا العام وتخصيص الخريف بالذكر دون بقية الفصول الصيف والشتاء والربيع لان الخريف أزكى الفصول لكونه يجنى فيه الثمار ونقل الفاكهاني أن الخريف يجتمع فيه الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة دون غيره ورد بأن الربيع كذلك قال القرطبي ورد ذكر السبعين لارادة التكثير كثيرا انتهى ويؤيده أن النسائي أخرج الحديث المذكور عن عقبة بن عامر والطبراني عن عمرو بن عنبسة وأبو يعلى عن معاذ بن أنس فقالوا جميعا في رواياتهم مائة عام قوله باب فضل النفقة في سبيل الله ذكر فيه حديثين أحدهما عن أبي هريرة من أنفق زوجين في سبيل الله وقد تقدم في أول الصوم من وجه آخر وقوله في هذا الاسناد عن أبي سلمة يأتي الكلام عليه وعلى قوله أي فل في فضل أبي بكر وأن الخطابي جزم أنه ترخيم من فلان وجزم غيره بأنه لغة فيه وتقدم في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين التنبيه على وهم القابسي في قوله سعيد بن حفص وقوله زوجين أي شيئين من أي نوع كان مما ينفق والزوج يطلق على الواحد وعلى الاثنين وهو هنا على الواحد جزما وقوله كل خزينة باب كأنه من المقلوب لان المراد خزنة كل باب قال المهلب في هذا الحديث أن الجهاد أفضل الاعمال لان المجاهد يعطى أجر المصلي والصائم والمتصدق وإن لم يفعل ذلك لان باب الريان للصائمين وقد ذكر في هذا الحديث أن المجاهد يدعى من تلك الابواب كلها بانفاق قليل المال في سبيل الله انتهى وما جرى فيه على ظاهر الحديث يرده ما قدمته في الصيام من زيادة في الحديث لاحمد حيث قال فيه لكل أهل عمل باب يدعون بذلك العمل وهذا يدل على أن المراد بسبيل الله ما هو أعم من الجهاد وغيره من الاعمال الصالحة وقوله لاتوى عليه بالمثناة والاكثر أنه مقصور وحكى بن فارس المد ثانيهما حديث أبي سعيد إنما أخشى عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من بركات الارض وسيأتي شرحه مستوفى في الرقاق إن شاء الله تعالى والغرض منه هنا قوله فجعله في سبيل الله فإنه مطابق لما ترجم له وقد روى النسائي وصححه بن حبان من حديث خريم بالراء مصغر بن فاتك بفاء ومثناة مكسورة رفعه من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف قلت وهو موافق لقوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة الآية وقوله في هذه الرواية وأنه كل ما ينبت الربيع يقتل أو يلم بضم أوله وكسر اللام وتشديد الميم أي يقرب من القتل وقوله أكلت حتى إذا امتدت وقع في السياق حذف تقديره إلا آكلة الخضر أكلت وقد بين في الرواية الاخرى وكذا أثبته الاصيلي هنا وسقط للباقين وكذا سقط قوله حبطا وهو بفتح المهملة والموحدة وهو انتفاخ البطن من كثرة الاكل قوله باب فضل من جهز غازيا أي هيأ له أسباب سفره أو خلفه بفتح المعجمة واللام الخفيفة أي قام بحال من يتركه قوله حدثنا الحسين هو المعلم

[ 37 ]

نسبه الطبراني عن حفص بن عمر عن أبي معمر وكذا صرح به مسلم في روايته من وجه آخر عنه ويحيى هو بن أبي كثير وفي الاسناد ثلاثة من التابعين في نسق هو وأبو سلمة وبسر وهو بضم الموحدة وسكون المهملة وقد سمع أبو سلمة من زيد بن خالد وحدث عنه هنا بواسطة وحدث عنه بلا واسطة في غير هذا عند أبي داود والترمذي وصححه وغيرهما قوله فقد غزا قال بن حبان معناه أنه مثله في الاجر وان لم يغز حقيقة ثم أخرجه من وجه آخر عن بسر بن سعيد بلفظ كتب له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجره شئ ولابن ماجة وابن حبان من حديث عمر نحوه بلفظ من جهز غازيا حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع وأفادت فائديتن إحداهما أن الوعد المذكور مرتب على تمام التجهيز وهو المراد بقوله حتى يستقل ثانيهما أنه يستوي معه في الاجر إلى أن تنقضي تلك الغزوة وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وقال ليخرج من كل رجلين رجل والاجر بينهما وفي رواية له ثم قال للقاعد وأيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج ففيه إشارة إلى أن الغازي إذا جهز نفسه أو قام بكفاية من يخلفه بعده كان له الاجر مرتين وقال القرطبي لفظة نصف يشبه أن تكون مقحمة أي مزيدة من بعض الرواة وقد احتج بها من ذهب إلى أن المراد بالاحاديث التي وردت بمثل ثواب الفعل حصول أصل الاجر له بغير تضعيف وأن التضعيف يختص بمن باشر العمل قال القرطبي ولا حجة له في هذا الحديث لوجهين أحدهما أنه لا يتناول محل النزاع لان المطلوب إنما هو أن الدال على الخير مثلا هل له مثل أجر فاعله مع التضعيف أو بغير تضعيف وحديث الباب إنما يقتضي المشاركة والمشاطرة فافترقا ثانيهما ما تقدم من احتمال كون لفظة نصف زائدة قلت ولا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير فإ الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للآخر فلا تعارض بين الحديثين وأما من وعد بمثل ثواب العمل وإن لم يعمله إذا كانت له فيه دلالة أو مشاركة أو نية صالحة فليس على إطلاقه في عدم التضعيف لكل أحد وصرف الخبر عن ظاهره يحتاج إلى مستند وكأن مستند القائل أن العامل يباشر المشقة بنفسه بخلاف الدال ونحوه لكن من يجهز الغازي بماله مثلا وكذا من يخلفه فيمن يترك بعده يباشر شيئا من المشقة أيضا فإن الغازي لا يتأتى منه الغزو إلا بعد أن يكفي ذلك العمل فصار كأنه يباشر معه الغزو بخلاف من اقتصر على النية مثلا والله أعلم وستكون لنا عودة إلى البحث في هذا في الكلام على قوله قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن في شرح فضائل القرآن إن شاء الله تعالى الله تعالى قوله عن إسحاق بن عبد الله أي بن أبي طلحة وفي رواية عمرو بن عاصم عن همام أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أخرجه بن سعد عنه وعند الاسماعيلي من طريق حبان بن هلال عن همام حدثنا إسحاق قوله لم يكن يدخل بالمدينة بيتا غير بيت أم سليم قال الحميدي لعله أراد على الدوام وإلا فقد تقدم أنه كان يدخل على أم حرام وقال بن التين يريد أنه كان يكثر الدخول على أم سليم وإلا فقد دخل على أختها أم حرام ولعلها أي أم سليم كانت شقيقة المقتول أو وجدت عليه أكثر من أم حرام قلت لا حاجة إلى هذا التأويل فإن بيت أم حرام وأم سليم واحد ولا مانع أن تكون الاختان في بيت واحد كبير لكل منهما فيه معزل فنسب تارة إلى هذه وتارة إلى هذه

[ 38 ]

قوله فقيل له لم أقف على اسم القائل قوله إني أرحمها قتل أخوها معي هذه العلة أولى من قول من قال إنما كان يدخل عليها لانها كانت محرما له وسيأتي بيان ما في هذه القصة في كتاب الاستئذان إن شاء الله تعالى والمراد بقوله أخوها حرام بن ملحان الذي تقدم ذكره في باب من ينكب في سبيل الله وستأتي قصة قتله في غزوة بئر معونة من كتاب المغازي والمراد بقوله معي أي مع عسكري أو على أمري وفي طاعتي لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يشهد بئر معونة وإنما أمرهم بالذهاب إليها وغفل القرطبي فقال قتل أخوها معه في بعض حروبه وأظنه يوم أحد ولم يصب في ظنه والله أعلم تنبيه قال بن المنير مطابقة حديث أنس للترجمة من جهة قوله أو خلفه في أهله لان ذلك أعم من أن يكون في حياته أو بعد موته والنبي صلى الله عليه وسلم كان يجبر قلب أم سليم بزيارتها ويعلل ذلك بأن أخاها قتل معه ففيه أنه خلفه في أهله بخير بعد وفاته وذلك من حسن عهده صلى الله عليه وسلم قوله باب التحنط عند القتال أي استعمال الحنوط وهو ما يطيب به الميت وقد تقدم بيانه في كتاب الجنائز قوله عن موسى بن أنس أي بن مالك قوله ذكر يوم اليمامة كذا للحموي وللباقين وذكر بزيادة الواو وهي للحال قوله يوم اليمامة أي حين حاصرت المسلمون مسيلمة الكذاب وأتباعه في خلافة أبي بكر الصديق قوله أتى أنس بن مالك ثابت بن قيس بالنصب على المفعولية قال الحميدي كذا قال لم يقل عن أنس وأخرجه البرقاني من وجه آخر فقال عن موسى بن أنس عن أبيه قال أتيت ثابت بن قيس قلت وصله الطبري والاسماعيلي من طريق بن أبي زائدة عن بن عون وقال بن سعد في الطبقات حدثنا الانصاري حدثنا بن عون حدثنا موسى بن أنس عن أنس بن مالك قال لما كان يوم اليمامة جئت إلى ثابت بن قيس بن شماس فذكره وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق أخرى عن الانصاري كذلك قوله وقد حسر بمهملتين مفتوحتين أي كشف وزنه ومعناه قوله يا عم إنما دعاه بذلك لانه كان أسن منه ولانه من قبيلة الخزرج قوله ما يحبسك أي يؤخرك وفي رواية الانصاري فقلت يا عم ألا ترى ما يلقى الناس زاد معا بن معاذ عن بن عون عند الاسماعيلي ألا تجئ وكذا أخرجه خليفة في تاريخه عن معاذ وقال في جوابه بلى يا بن أخي الآن قوله ألا بالتشديد وتجئ بالنصب قوله وجعل يتحنط يعني من الحنوط كذا في الاصل وكأن قائلها أراد دفع من يتوهم أنها من الحنطة ولم يقع ذلك في رواية الانصاري المذكورة قوله فذكر من الناس انكشافا في رواية بن أبي زائدة فجاء حتى جلس في الصف والناس ينكشفون أي ينهزمون قوله فقال هكذا عن وجوهنا أي أفسحوا لي حتى أقاتل قوله ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بل كان الصف لا ينحرف عن موضعه قوله بئس ما عودتم أقرانكم كذا للاكثر ووقع في رواية المستملي عودكم أقرانكم أي نظراؤكم وهو جمع قرن بكسر القاف وهو الذي يعادل الآخر في الشدة والقرن بكسر القاف من يعادل في السن وأراد ثابت بقوله هذا توبيخ المنهزمين أي عودتم نظراءكم في القوة من عدوكم الفرار منهم حتى طمعوا فيكم وزاد معاذ بن معاذ الانصاري وابن أبي زائدة في روايتهما فتقدم فقاتل حتى قتل قوله رواه حماد أي بن سلمة عن ثابت عن أنس كذا قال وكأنه أشار إلى أصل الحديث وإلا فرواية حماد أتم من رواية موسى بن أنس وقد أخرجه بن سعد والطبراني والحاكم من طرق عنه ولفظه أن

[ 39 ]

ثابت بن قيس بن شماس جاء يوم اليمامة وقد تحنط ولبس ثوبين أبيضين يكفن فيهما وقد انهزم القوم فقال اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون واعتذر إليك مما صنع هؤلاء ثم قال بئس ما عودتم أقرانكم منذ اليوم خلوا بيننا وبينهم ساعة فحمل فقاتل حتى قتل وكانت درعه قد سرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال انها في قدر تحت إكاف بمكان كذا فأوصاه بوصايا فوجدوا الدرع كما قال وأنفذوا وصاياه وأخرج الحاكم قصة الدرع والوصية مطولة من وجه آخر عن بنت ثابت بن قيس المذكورة وفيها أنه أوصى بعتق بعض رقيقه وسمي الواقدي في كتاب الردة من وجه آخر من أوصى بعتقه وهم سعد وسالم وأفاد الواقدي أن رائي المنام هو بلال المؤذن قال المهلب وغيره فيه جواز استهلاك النفس في الجهاد وترك الاخذ بالرخصة والتهيئة للموت بالتحنط والتكفين وفيه قوة ثابت بن قيس وصحة يقينه ونيته وفيه التداعي إلى الحرب والتحريض عليها وتوبيخ من يفر وفيه الاشارة إلى ما كان الصحابة عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الشجاعة والثبات في الحرب واستدل به على أن الفخذ ليست عورة وقد مضى البحث فيه في أوائل كتاب الصلاة قوله باب فضل الطليعة أي من يبعث إلى العدو ليطلع على أحوالهم وهو اسم جنس يشمل الواحد فما فوقه وقد تقدم في كتاب الشروط في حديث المسور الطويل بيان ذلك قوله حدثنا سفيان هو الثوري قوله من يأتيني بخبر القوم يوم الاحزاب في رواية وهب بن كيسان عن جابر عند النسائي لما أشتد الامر يوم بني قريظة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأتينا بخبرهم الحديث وفيه أن الزبير توجه إلى ذلك ثلاث مرات ومنه يظهر المراد بالقوم في رواية بن المنكدر وسيأتي بيان ذلك في المغازي وأن الاحزاب من قريش وغيرهم لما جاءوا إلى المدينة وحفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق بلغ المسلمين أن بني قريظة من اليهود نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين ووافقوا قريشا على حرب المسلمين وسيأتي الكلام على شرح الحواري في المناقب إن شاء الله تعالى رضي الله تعالى عنه قوله باب هل يبعث الطليعة وحده ذكر فيه حديث جابر المذكور من رواية سفيان بن عيينة وقوله ندب عليه وسلم الناس قال صدقة أظن يوم الخندق صدقة هو بن الفضل شيخ البخاري فيه ومل ظنه هو الواقع فقد رواه الحميدي عن ابن عيينة فقال يوم الخندق ولم يشك وفي الحديث جواز استعمال التجسس في الجهاد وفيه منقبة للزبير وقوت قلبه وصحة يقينه وفيه جواز سفر الرجل وحده وان النهي عن السفر وحده انما هو حيث لا تدعو الحاجة إلى ذلك وسيأتي مزيد بحث في ذلك في أواخر الجهاد في باب السير وحده واستدل به بعض المالكية على أن طليعة اللصوص المحاربين يقتل وان كان لم يباشر قتلا ولا سلبا وفي أخذه من هذا الحديث تكلف قوله باب سفر الاثنين أي جوازه والمراد سفر الشخصين لا سفر يوم الاثنين بخلاف ما فهمه الداودي ثم اعترض على البخاري ورده بن التين بأن البخاري أورد فيه حديث مالك بن الحويرث أذنا وأقيما وأشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما ذلك حين أرادا السفر إلى قومهما فيؤخذ الجواز من إذنه لهما قلت وكأنه لمح بضعف الحديث الوارد في الزجرعن سفر الواحد والاثنين وهو ما أخرجه أصحاب السنن من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة

[ 40 ]

ركب قلت وهو حديث حسن الاسناد وقد صححه بن خزيمة والحاكم وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة وصححه وترجم له بن خزيمة النهي عن سفر الاثنين وأن ما دون الثلاثة عصاة لان معنا قوله شيطان أي عاص وقال الطبري هذا الزجر زجر أدب وارشاد لما يخشى على الواحد من الوحشة والوحدة وليس بحرام فالسائر وحده في فلاة وكذا البائت في بيت وحده لا يأمن من الاستيحاش لا سيما إذا كان ذا فكرة رديئة وقلب ضعيف والحق أن الناس يتباينون في ذلك فيحتمل أن يكون الزجر عن ذلك وقع لحسم المادة فلا يتناول ما إذا وقعت الحاجة لذلك وقيل في تفسير قوله الراكب شيطان أي سفره وحده يحمله عليه الشيطان أو أشبه الشيطان في فعله وقيل إنما كره ذلك لان الواحد لو مات في سفره ذلك لم يجد من يقوم عليه وكذلك الاثنان إذا ماتا أو أحدهما لم يجد من يعينه بخلاف الثلاثة ففي الغالب تؤمن تلك الخشية قلت وسيأتي الالمام بشئ من هذا بعد أبواب كثيرة في باب السير وحده ومضى شرح حديث مالك بن الحويرث في كتاب الصلاة قوله باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة هكذا ترجم بلفظ الحديث من غير مزيد وقد استنبط منه ما يأتي في الباب بعده وذكر فيه ثلاثة أحاديث الاول حديث بن عمر قوله الخيل في نواصيها الخير كذا في الموطأ ليس فيه معقود ووقع بإثباتها عند الاسماعيلي من رواية عبد الله بن نافع عن مالك وسيأتي في علامات النبوة من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع بإثباتها وذلك في رواية أبي ذر عن الكشميهني وحده الحديث الثاني حديث عروة بن الجعد قوله عن حصين بالتصغير هو بن عبد الرحمن وابن أبي السفر بفتح المهملة والفاء هو عبد الله قوله عن عروة بن الجعد في رواية زكريا عن الشعبي حدثنا عروة وهو في الباب الذي بعده قوله قال سليمان هو بن حرب عن شعبة عن عروة بن أبي الجعد يعني أن سليمان بن حرب خالف حفص بن عمر في اسم والد عروة فقال حفص عروة بن الجعد وقال سليمان عروة بن أبي الجعد وطريق سليمان وصلها الطبراني عن أبي مسلم الكجي عنه وأخرجها أبو نعيم في المستخرج من وجه آخر عن أبي مسلم قال الاسماعيلي قال أكثر الرواة عن شعبة عروة بن الجعد الا سليمان وابن أبي عدي قلت رواية بن أبي عدي عند النسائي وتابعهما مسلم بن إبراهيم أخرجه بن أبي خيثمة عنه ولشعبة فيه إسناد آخر فقال فيه عروة بن الجعد أيضا أخرجه مسلم من طريق غندر عنه عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن عروة قوله تابعه مسدد عن هشيم عن حصين الخ هكذا رويناه موصولا في مسند مسدد رواية معاذ بن المثنى عنه وقال فيه عروة بن أبي الجعد كما قال البخاري ولكن رواه أحمد في مسنده عن هشيم فقال عروة البارقي وكذا قال زكريا في الباب الذي بعده وكذا أخرجه مسلم من طريق بن فضيل وابن إدريس عن حصين وأخرجه من طريق جرير عن حصين فقال عروة بن الجعد وصوب بن المديني أنه عروة بن أبي الجعد وذكر بن أبي حاتم أن اسم أبي الجعد سعد وأما الرشاطي فقال هو عروة بن عياض بن أبي الجعد نسب في الرواية إلى جده قال وكان ممن شهد فتوح الشام ونزلها ثم نقله عثمان إلى الكوفة قلت ويأتي في علامات النبوة أنه كان يرتبط الخيل الكثيرة حتى قال الراوي رأيت في داره سبعين فرسا ولمسدد في هذا الحديث شيخ آخر سيأتي في باب حل الغنائم عنه عن خالد وهو الطحان عن حصين وقال فيه أيضا عروة البارقي ووقع في رواية بن إدريس عن حصين في هذا

[ 41 ]

الحديث من الزيادة والابل عز لاهلها والغنم بركة أخرجه البرقاني في مستخرجه ونبه عليه الحميدي والبارقي بالموحدة وكسر الراء بعدها قاف نسبة إلى بارق جبل باليمن وقيل ماء بالسراة نزله بنو عدي بن حارثة بن عمر وقبيلة من الازد ولقب به منهم سعد بن عدي وكان يقال له بارق وزعم الرشاطي أنه منسوب إلى ذي بارق قبيلة من ذي رعين قوله حدثنا يحيى هو القطان وأبو التياح بمثناة وتحتانية ثقيلة وآخره مهملة والاسناد كله بصريون قوله البركة في نواصي الخيل كذا وقع ولا بد فيه من شئ محذوف يتعلق به المجرور وأولى ما يقدر ما ثبت في رواية أخرى فقد أخرجه الاسماعيلي من طريق عاصم بن علي بن شعبة بلفظ البركة تنزل في نواصي الخيل وأخرجه من طريق بن مهدي عن شعبة بلفظ الخير معقود في نواصي الخيل وسيأتي في علامات النبوة من طريق خالد بن الحارث عن شعبة بلفظ حديث عروة البارقي إلا أنه ليس فيه إلى يوم القيامة قال عياض إذا كان في نواصيها البركة فيبعد أن يكون فيها شؤم فيحتمل أن يكون الشؤم الآتي ذكره في غير الخيل التي ارتبطت للجهاد وأن الخيل التي أعدت له هي المخصوصة بالخير والبركة أو يقال الخير والشر يمكن اجتماعهما في ذات واحدة فإنه فسر الخير بالاجر والمغنم ولا يمنع ذلك أن يكون ذلك الفرس مما يتشاءم به قلت وسيأتي مزيد لذلك بعد ثلاثة أبواب قوله الخيل المراد بها ما يتخذ للغزو بأن يقاتل عليه أو يرتبط لاجل ذلك لقوله في الحديث الآتي بعد أربعة أبواب الخيل ثلاثة الحديث فقد روى أحمد من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا الخيل في نواصيها الخير معقود إلى يوم القيامة فمن ربطها عدة في سبيل الله وأنفق عليه احتسابا كان شبعها وجوعها وريها وظمؤها وأرواثها وأبوالها فلاحا في موازينه يوم القيامة الحديث ولقوله في رواية زكريا كما في الباب الذي يليه الاجر والمغنم وقوله الاجر بدل من قوله الخير أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هو الاجر والمغنم ووقع عند مسلم من رواية جرير عن حصين قالوا بم ذاك يا رسول الله قال الاجر والمغنم قال الطيبي يحتمل أن يكون الخير الذي فسر بالاجر والمغنم استعارة لظهوره وملازمته وخص الناصية لرفعة قدرها وكأنه شبهه لظهوره بشئ محسوس معقود على مكان مرتفع فنسب الخير إلى لازم المشبه به وذكر الناصية تجريدا للاستعارة والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة قاله الخطابي وغيره قالوا ويحتمل أن يكون كنى بالناصية عن جميع ذات الفرس كما يقال فلان مبارك الناصية ويبعده لفظ الحديث الثالث وقد روى مسلم من حديث جرير قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوي ناصية فرسه بأصبعه ويقول فذكر الحديث فيحتمل أن تكون الناصية خصت بذلك لكونها المقدم منها إشارة إلى أن الفضل في الاقدام بها على العدو دون المؤخر لما فيه من الاشارة إلى الادبار واستدل به على أن الذي ورد فيها من الشؤم على غير ظاهره لكن يحتمل أن يكون المراد هنا جنس الخيل أي أنها بصدد أن يكون فيها الخير فأما من ارتبطها لعمل غير صالح فحصول الوزر لطريان ذلك الامر العارض وسيأتي مزيد لذلك في مكانه بعد أبواب قال عياض في هذا الحديث مع وجيز لفظه من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير قال الخطابي وفيه إشارة إلى أن المال الذي يكتسب باتخاذ الخيل من خير وجوه الاموال وأطيبها والعرب تسمي المال خيرا كما تقدم في الوصايا في قوله تعالى ان ترك خيرا الوصية وقال بن عبد البر فيه إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها

[ 42 ]

من الدواب لانه لم يأت عنه صلى الله عليه وسلم في شئ غيرها مثل هذا القول وفي النسائي عن أنس بن مالك لم يكن شئ أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخيل الحديث الثالث قوله باب الجهاد ماض مع البر والفاجر هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه بنحوه أبو داود وأبو يعلى مرفوعا وموقوفا عن أبي هريرة ولا بأس برواته إلا أن مكحولا لم يسمع من أبي هريرة وفي الباب عن أنس أخرجه سعيد بن منصور وأبو داود أيضا وفي إسناده ضعف قوله لقول النبي صلى الله عليه وسلم الخيل معقود الخ سبقه إلى الاستدلال بهذا الامام أحمد لانه صلى الله عليه وسلم ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة وفسره بالاجر والمغنم المغنم المقترن بالاجر إنما يكون من الخيل بالجهاد ولم يقيد ذلك بما إذا كان الامام عادلا فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الامام العادل أو الجائر وفي الحديث الترغيب في الغزو على الخيل وفيه أيضا بشرى ببقاء الاسلام وأهله إلى يوم القيامة لان من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون وهو مثل الحديث الآخر لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق الحديث واستنبط منه الخطابي إثبات سهم للفرس يستحقه الفارس من أجله فإن أراد السهم الزائد للفارس على الراجل فلا نزاع فيه وان أراد أن للفرس سهمين غير سهم راكبه فهو محل النزاع ولا دلالة من الحديث عليه وسيأتي القول فيه قريبا إن شاء الله تعالى تنبيه حكى بن التين أنه وقع في رواية أبي الحسن القابسي في لفظ الترجمة الجهاد ماض على البر والفاجر قال ومعناه أنه يجب على كل أحد قلت إلا أنه لم يقع في شئ من النسخ التي وقفنا عليها وقد وجدته في نسخة قديمة من رواية القابسي كالجماعة والذي يليق بلفظ الحديث ما وقع في سائر الاصول بلفظ مع بدل على والله أعلم تكملة روى حديث الخيل معقود في نواصيها الخير جمع من الصحابة غير من تقدم ذكره وهم بن عمر وعروة وأنس وجرير وممن لم يتقدم سلمة بن نفيل وأبو هريرة عند النسائي وعتبة بن عبد عند أبي داود وجابر وأسماء بنت يزيد وأبو ذر عند أحمد والمغيرة وابن مسعود عند أبي يعلى وأبو كبشة عند أبي عوانة وابن حبان في صحيحيهما وحذيفة عند البزار وسوادة بن الربيع وأبو أمامة وعريب وهو بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم موحدة المليكي والنعمان بن بشير وسهل بن الحنظلية عند الطبراني وعن علي عند بن أبي عاصم في الجهاد وفي حديث جابر من الزيادة في نواصيها الخير والنيل وهو بفتح النون وسكون التحتانية بعدها لام وزاد أيضا وأهلها معانون عليها فخذوا بنواصيها وادعوا بالبركة وقوله وأهلها معانون عليها في رواية سلمة بن نفيل أيضا قوله باب من احتبس فرسا في سبيل الله لقوله عزوجل ومن رباط الخيل أي بيان فضله وروى بن مردويه في التفسير من حديث بن عباس في هذه الآية قال ان الشيطان لا يستطيع ناصية فرس قوله حدثنا علي بن حفص هو المروزي قال البخاري في التاريخ لقيته بعسقلان سنة سبع عشرة قلت وما أخرج عنه غير هذا الحديث وآخر في مناقب الزبير موقوفا وآخر في آخر كتاب القدر قرنه فيه ببشر بن محمد وقد تعقب بن أبي حاتم تسميته على البخاري في الجزء الذي جمع فيه أوهامه وقال الصواب أنه بن الحسين بن نشيط بفتح النون وكسر المعجمة بوزن عظيم قال وقد لقيه أبي بعسقلان سنة سبع عشرة قلت فيحتمل أن يكون حفص اسم جده وقد وقع للبخاري نسبة بعض مشايخه إلى أجدادهم

[ 43 ]

قوله أخبرنا طلحة بن أبي سعيد هو المصري نزيل الاسكندرية وكان أصله من المدينة وليس له في البخاري سوى هذا الموضع بل قال أبو سعيد بن يونس ما روى حديثا مسندا غيره قوله وتصديقا بوعده أي الذي وعد به من الثواب على ذلك وفيه إشارة إلى المعاد كما أن في لفظ الايمان إشارة إلى المبدأ وقوله شبعه بكسر أوله أي ما يشبع به وكذا قوله ريه بكسر الراء وتشديد التحتانية ووقع في حديث أسماء بنت يزيد الذي أشرت إليه في الباب الماضي ومن ربطها رياء وسمعة الحديث وقال فيه فإن شبعها وجوعها الخ خسران في موازينه قال المهلب وغيره في هذا الحديث جواز وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين ويستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات ومن غير المنقولات من باب الاولى وقوله وروثه يريد ثواب ذلك لا أن الارواث بعينها توزن وفيه أن المرء يؤجر بنيته كما يؤجر العامل وأنه لا بأس بذكر الشئ المستقذر بلفظه للحاجة لذلك وقال بن أبي جمرة يستفاد من هذا الحديث أن هذه الحسنات تقبل من صاحبها لتنصيص الشارع على أنها في ميزانية بخلاف غيرها فقد لا تقبل فلا تدخل الميزان وروى بن ماجة من حديث تميم الدار مرفوعا من ارتبط فرسا في سبيل الله ثم عالج علفه بيده كان له بكل حبة حسنة قوله باب اسم الفرس والحمار أي مشروعية تسميتهما وكذا غيرهما من الدواب بأسماء تخصها غير أسماء أجناسها وقد اعتنى من ألف في السيرة النبوية بسرد أسماء ما ورد في الاخبار من خيله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من دوابه وفي الاحاديث الواردة في هذا الباب ما يقوي قول من ذكر أنساب بعض الخيول العربية الاصيلة لان الاسماء توضع للتمييز بين أفراد الجنس وذكر البخاري في هذا الباب أربعة أحاديث الاول حديث أبي قتادة في قصة صيد الحمار الوحشي وقد تقدمت مباحثه في كتاب الحج والغرض منه قوله فيه فركب فرسا يقال له الجرادة وهو بفتح الجيم وتخفيف الراء والجراد اسم جنس ووقع في السيرة لابن هشام أن اسم فرس أبي قتادة الحزوة أي بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها واو فاما أن يكون لها اسمان وإما أن أحدهما تصحف والذي في الصحيح هو المعتمد ومحمد بن أبي بكر شيخ البخاري فيه هو المقدمي وحكى أبو علي الجياني أنه وقع في نسخة أبي زيد المروزي محمد بن بكر وهو غلط الثاني حديث سهل وهو بن سعد الساعدي قوله يقال له اللحيف يعني بالمهملة والتصغير قال بن قرقول وضبطوه عن بن سراج بوزن رغيف قلت ورجحه الدمياطي وبه جزم الهروي وقال سمي بذلك لطول ذنبه فعيل بمعنى فاعل وكأنه يلحف الارض بذنبه قوله وقال بعضهم اللخيف بالخاء المعجمة وحكوا فيه الوجهين وهذه رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل وهو أخو أبي بن عباس ولفظه عند بن منده كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند سعد بن سعد والد سهل ثلاثة أفراس فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يسميهن لزاز بكسر اللام وبزايين الاولى خفيفة والظرب بفتح المعجمة وكسر الراء بعدها موحدة واللخيف وحكى سبط بن الجوزي أن البخاري قيده بالتصغير والمعجمة قال وكذا حكاه بن سعد عن الواقدي وقال أهداه له ربيعة بن أبي البراء مالك بن عامر العامري وأبوه الذي يعرف بملاعب الاسنة انتهى ووقع عند بن أبي خيثمة أهداه له فروة بن عمرو وحكى بن الاثير في النهاية أنه روى بالجيم بدل الخاء المعجمة وسبقه إلى ذلك صاحب المغيث ثم قال فإن صح فهو سهم عريض النصل كأنه سمي بذلك لسرعته وحكى بن

[ 44 ]

الجوزي أنه روى بالنون بدل اللام من النحافة الثالث حديث معاذ بن جبل قوله عن عمرو بن ميمون هو الاودي بفتح الهمزة وسكون الواو من كبار التابعين وسيأتي أنه أدرك الجاهلية في أخبار الجاهلية وأبو إسحاق الراوي عنه هو السبيعي والاسناد كله كوفيون إلا الصحابي وأبو الاحوص شيخ يحيى بن آدم فيه كنت أظن أنه سلام بالتشديد وهو بن سليم وعلى ذلك يدل كلام المزي لكن أخرج هذا الحديث النسائي عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي عن يحيى بن آدم شيخ شيخ البخاري فيه فقال عن عمار بن زريق عن أبي إسحاق والبخاري أخرجه ليحيى بن آدم عن أبي الاحوص عن أبي إسحاق وكنية عمار بن زريق أبو الأحوص فهو هو ولم أر من نبه على ذلك وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبو داود عن هناد بن السري كلاهما عن أبي الاحوص عن أبي إسحاق وأبو الاحوص هذا هو سلام بن سليم فإن أبا بكر وهنادا أدركاه ولم يدركا عمارا والله أعلم قوله كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير بالمهملة والفاء مصغر مأخوذ من العفر وهو لون التراب كأنه سمى بذلك للونه والعفرة حمرة يخالطها بياض وهو تصغير أعفر أخرجوه عن بناء أصله كما قالوا سويد في تصغير أسود ووهم من ضبطه بالغين المعجمة وهو غير الحمار الآخر الذي يقال له يعفور وزعم بن عبدوس أنهما واحد وقواه صاحب الهدى ورده الدمياطي فقال عفير أهداه المقوقس ويعفور أهداه فروة بن عمرو وقيل بالعكس ويعفور بسكون المهملة وضم الفاء هو اسم ولد الظبي كأنه سمي بذلك لسرعته قال الواقدي نفق يعفور منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع وبه جزم النووي عن بن الصلاح وقيل طرح نفسه في بئر يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع ذلك في حديث طويل ذكره بن حبان في ترجمة محمد بن مرثد في الضعفاء وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم غنمه من خيبر وأنه كلم النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له أنه كان ليهودي وأنه خرج من جده ستون حمارا لركوب الانبياء فقال ولم يبق منهم غيري وأنت خاتم الانبياء فسماه يعفورا وكان يركبه في حاجته ويرسله إلى الرجل فيقرع بابه برأسه فيعرف أنه أرسل إليه فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بئر أبي الهيثم بن التيهان فتردى فيها فصارت قبره قال بن حبان لا أصل له وليس سنده بشئ قوله أن تعبدوه ولا تشركوا في رواية الكشميهني أن تعبدوا بحذف المفعول قوله فيتكلوا بتشديد المثناة وفي رواية الكشميهني بسكون النون وقد تقدم شرح ذلك في أواخر كتاب العلم وسيأتي هذا الحديث في الرقاق من طريق أنس بن مالك عن معاذ ولم يسم فيه الحمار ونستكمل بقية الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى وتقدم في العلم من حديث أنس بن مالك أيضا لكن فيما يتعلق بشهادة أن لا إله إلا الله وهذا فيما يتعلق بحق الله على العباد فهما حديثان ووهم الحميدي ومن تبعه حيث جعلوهما حديثا واحدا نعم وقع في كل منهما منعه صلى الله عليه وسلم أن يخبر بذلك الناس لئلا يتكلوا ولا يلزم من ذلك أن يكونا حديثا واحدا وزاد في الحديث الذي في العلم فأخبر بها معاذ عند موته تأثما ولم يقع ذلك هنا والله أعلم الحديث الرابع حديث أنس في فرس أبي طلحة وقد تقدم في أواخر الهبة مع شرحه وهو ظاهر فيما ترجم به هنا قوله باب ما يذكر من شؤم الفرس أي هل هو على عمومه أو مخصوص ببعض الخيل وهل هو على ظاهره أو مؤول وسيأتي تفصيل ذلك وقد أشار بإيراد حديث سهل بعد حديث بن عمر إلى أن الحصر الذي

[ 45 ]

في حديث بن عمر ليس على ظاهره وبترجمة الباب الذي بعده وهي الخيل لثلاثة إلى أن الشؤم مخصوص ببعض الخيل دون بعض وكل ذلك من لطيف نظره ودقيق فكره قوله أخبرني سالم كذا صرح شعيب عن الزهري بأخبار سالم له وشذ بن أبي ذئب فأدخل بين الزهري وسالم محمد بن زبيد بن قنقد واقتصر شعيب على سالم وتابعه بن جريج عن بن شهاب عند أبي عوانة وكذا عثمان بن عمر عن يونس عن الزهري كما سيأتي في الطب وكذا قال أكثر أصحاب سفيان عنه عن الزهري ونقل الترمذي عن بن المديني والحميدي أن سفيان كان يقول لم يرو الزهري هذا الحديث الا عن سالم انتهى وكذا قال أحمد عن سفيان إنما نحفظه عن سالم لكن هذا الحصر مردود فقد حدث به مالك عن الزهري عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر عن أبيهما ومالك من كبار الحفاظ ولا سيما في حديث الزهري وكذا رواه بن أبي عمر عن سفيان نفسه أخرجه مسلم والترمذي عنه وهو يقتضي رجوع سفيان عما سبق من الحصر وأما الترمذي فجعل رواية بن أبي عمر هذه مرجوحة وقد تابع مالكا أيضا يونس من رواية بن وهب عنه كما سيأتي في الطب وصالح بن كيسان عند مسلم وأبو أويس عند أحمد ويحيى بن سعيد وابن أبي عتيق وموسى بن عقبة ثلاثتهم عند النسائي كلهم عن الزهري عنهما ورواه إسحاق بن راشد عن الزهري فاقتصر على حمزة أخرجه النسائي وكذا أخرجه بن خزيمة وأبو عوانة من طريق عقيل وأبو عوانة من طريق شبيب بن سعيد كلاهما عن الزهري ورواه القاسم بن مبرور عن يونس فاقتصر على حمزة أخرجه النسائي أيضا وكذا أخرجه أحمد من طريق رباح بن زيد عن معمر مقتصرا على حمزة وأخرجه النسائي من طريق عبد الواحد عن معمر فاقتصر على سالم فالظاهر أن الزهري يجم عهما تارة ويفرد أحدهما أخرى وقد رواه إسحاق في مسنده عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري فقال عن سالم أو حمزة أو كلاهما وله أصل عن حمزة من غير رواية الزهري أخرجه مسلم من طريق عتبة بن مسلم عنه والله أعلم قوله إنما الشؤم بضم المعجمة وسكون الهمزة وقد تسهل فتصير واوا قوله في ثلاث يتعلق بمحذوف تقديره كائن قاله بن العربي قال والحصر فيها بالنسبة إلى العادة لا بالنسبة إلى الخلقة انتهى وقال غيره إنما خصت بالذكر لطول ملازمتها وقد رواه مالك وسفيان وسائر الرواة بحذف إنما لكن في رواية عثمان بن عمر لا عدوى ولا طيرة وإنما الشؤم في الثلاثة قال مسلم لم يذكر أحد في حديث بن عمر لا عدوى الا عثمان بن عمر قلت ومثله في حديث سعد بن أبي وقاص الذي أخرجه أبو داود لكن قال فيه ان تكن الطيرة في شئ الحديث والطيرة والشؤم بمعنى واحد كما سأبينه في أواخر شرح الطب إن شاء الله تعالى وظاهر الحديث أن الشؤم والطيرة في هذه الثلاثة قال بن قتيبة ووجهه أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأعلمهم أن لا طيرة فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الاشياء الثلاثة قلت فمشى بن قتيبة على ظاهره ويلزم على قوله أن من تشاءم بشئ منها نزل به ما يكره قال القرطبي ولا يظن به أنه يحمله على ما كانتت الجاهلية تعتقده بناء على أن ذلك يضر وينفع بذاته فإن ذلك خطأ وإنما عنى أن هذه الاشياء هي أكثر ما يتطير به الناس فمن وقع في نفسه شئ أبيح له أن يتركه ويستبدل به غيره قلت وقد وقع في رواية عمر العسقلاني وهو بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن بن عمر كما سيأتي في النكاح بلفظ ذكروا الشؤم فقال إن كان في شئ ففي ولمسلم إن يك من الشؤم

[ 46 ]

شئ حق وفي رواية عتبة بن مسلم إن كان الشؤم في شئ وكذا في حديث جابر عند مسلم وهو موافق لحديث سهل بن سعد ثاني حديثي الباب وهو يقتضي عدم الجزم بذلك بخلاف رواية الزهري قال ابن العربي معناه إن كان خلق الله الشؤم في شئ مما جرى من بعض العادة فإنما يخلقه في هذه الاشياء قال المازري مجمل هذه الرواية إن يكن الشؤم حقا فهذه الثلاث أحق به بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها وجاء عن عائشة أنها أنكرت هذا الحديث فروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن محمد بن راشد عن مكحول قال قيل لعائشة إن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشؤم في ثلاثة فقالت لم يحفظ إنه دخل وهو يقول قاتل الله اليهود يقولون الشؤم في ثلاثة فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله قلت ومكحول لم يسمع من عائشة فهو منقطع لكن روى أحمد وابن خزيمة والحاكم من طريق قتادة عن أبي حسان أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا ان أبا هريرة قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الطيرة في الفرس والمرأة والدار فغضبت غضبا شديدا وقالت ما قاله وإنما قال إأهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك انتهى ولا معنى لانكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك وقد تأوله غيرها على أن ذلك سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك لا أنه أخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بثبوت ذلك وسياق الاحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها يبعد هذا التأويل قال بن العربي هذا جواب ساقط لانه صلى الله عليه وسلم لم يبعث ليخبر الناس عن معتقداتهم الماضية والحاصلة وإنما بعث ليعلمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه انتهى وأما ما أخرجه الترمذي من حديث حكيم بن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا شؤم وقد يكون اليمن في المرأة والدار والفرس ففي إسناده ضعف مع مخالفته للاحاديث الصحيحة وقال عبد الرزاق في مصنفه عن معمر سمعت من يفسر هذا الحديث يقول شؤم المرأة إذا كانت غير ولود وشؤم الفرس إذا لم يغز عليه وشؤم الدار جار السوء وروى أبو داود في الطب عن بن القاسم عن مالك أنه سئل عنه فقال كم من دار سكنها ناس فهلكوا قال المازري فيحمله مالك على ظاهره والمعنى أن قدر الله ربما اتفق ما يكره عند سكنى الدار فتصير في ذلك كالسبب فتسامح في إضافة الشئ إليه اتساعا وقال بن العربي لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار وإنما هو عبارة عن جرى العادة فيها فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل وقيل معنى الحديث أن هذه الاشياء يطول تعذيب القلب بها مع كراهة أمرها لملازمتها بالسكنى والصحبية ولو لم يعتقد الانسان الشؤم فيها فأشار الحديث إلى الامر بفراقها ليزول التعذيب قلت وما أشار إليه بن العربي في تأويل كلام مالك أولى وهو نظير الامر بالفرار من المجذوم مع صحة نفي العدوى والمراد بذلك حسم المادة وسد الذريعة لئلا يوافق شئ من ذلك القدر فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى أو من الطيرة فيقع في اعتقاد ما نهى عن اعتقاده فأشير إلى اجتناب مثل ذلك والطريق فيمن وقع له ذلك في الدار مثلا أن يبادر إلى التحول منها لانه متى استمر فيها ربما حمله ذلك على اعتقاد صحة الطيرة والتشاؤم وأما ما رواه أبو داود وصححه الحاكم من طريق إسحاق بن طلحة عن أنس قال رجل يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا وأموالنا فتحولنا إلى أخرى فقل فيها ذلك فقال ذروها ذميمة وأخرج من حديث

[ 47 ]

فروة بن مسيك بالمهملة مصغرا ما يدل على أنه هو السائل وله شاهد من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد أحد كبار التابعين وله رواية بإسناد صحيح إليه عند عبد الرزاق قال بن العربي ورواه مالك عن يحيى بن سعيد منقطعا قال والدار المذكورة في حديثه كانت دار مكمل بضم الميم وسكون الكاف وكسر الميم بعدها لام وهو بن عوف أخو عبد الرحمن بن عوف قال وإنما أمرهم بالخروج منها لاعتقادهم أن ذلك منها وليس كما ظنوا لكن الخالق جل وعلا جعل ذلك وفقا لظهور قضائه وأمرهم بالخروج منها لئلا يقع لهم بعد ذلك شئ فيستمر اعتقادهم قال بن العربي وأفاد وصفها بكونها ذميمة جواز ذلك وأن ذكرها بقبيح ما وقع فيها سائغ من غير أن يعتقد أن ذلك كان منها ولا يمتنع ذم محل المكروه وأن كان ليس منه شرعا كما يذم العاصي على معصيته وأن كان ذلك بقضاء الله تعالى وقال الخطابي هو استثناء من غير الجنس ومعناه إبطال مذهب الجاهلية في التطير فكأنه قال أن كانت لاحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس يكره سيره فليفارقه قال وقيل أن شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها وشؤم المرأة أن لا تلد وشؤم الفرس أن لا يغزى عليه وقيل المعنى ما جاء بإسناد ضعيف رواه الدمياطي في الخيل إذا كان الفرس ضروبا فهو مشئوم وإذا حنت المرأة إلى بعلها الاول فهي مشئومة وإذا كانت الدار بعيدة من المسجد لا يسمع منها الاذان فهي مشئومة وقيل كان قوله ذلك في أول الامر ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم الا في كتاب الآية حكاه بن عبد البر والنسخ لا يثبت بالاحتمال لا سيما مع إمكان الجمع ولا سيما وقد ورد في نفس هذا الخبر نفي التطير ثم إثباته في الاشياء المذكورة وقيل يحمل الشؤم على قلة الموافقة وسوء الطباع وهو كحديث سعد بن أبي وقاص رفعه من سعادة المرء المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الهنئ ومن شقاوة المرء المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء أخرجه أحمد وهذا يختص ببعض أنواع الاجناس المذكورة دون بعض وبه صرح بن عبد البر فقال يكون لقوم دون قوم وذلك كله بقدر الله وقال المهلب ما حاصله أن الخاطب بقوله الشؤم في ثلاثة من التزم التطير ولم يستطع صرفه عن نفسه فقال لهم إنما يقع ذلك في هذه الاشياء التي تلازم في غالب الاحوال فإذا كان كذلك فاتركوها عنكم ولا تعذبوا أنفسكم بها ويدل على ذلك تصديره الحديث بنفي الطيرة واستدل لذلك بما أخرجه بن حبان عن أنس رفعه لا طيرة والطيرة على من تطير وأن تكن في شئ ففي المرأة الحديث وفي صحته نظر لانه من رواية عتبة بن حميد عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس وعتبة مختلف فيه وسيكون لنا عودة إلى بقية ما يتعلق بالتطير والفأل في آخر كتاب الطب حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى تكميل اتفقت الطرق كلها على الاقتصار على الثلاثة المذكورة ووقع عند بن إسحاق في رواية عبد الرزاق المذكورة قال معمر قالت أم سلمة والسيف قال أبو عمر رواه جويرية عن مالك عن الزهري عن بعض أهل أم سلمة عن أسلمة قلت أخرجه الدارقطني في غرائب مالك وإسناده صحيح إلى الزهري ولم ينفر به جويرية بل تابعه سعيد بن داود عن مالك أخرجه الدارقطني أيضا قال والمبهم المذكور هو أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة سماه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري في روايته قلت أخرجه بن ماجة من هذا الوجه موصولا فقال عن الزهري عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن زينب بنت أم سلمة

[ 48 ]

عن أم سلمة أنها حدثت بهذه الثلاثة وزادت فيهن والسيف وأبو عبيدة المذكور هو بن بنت أم سلمة أمه زينب بنت أم سلمة وقد روى النسائي حديث الباب من طريق بن أبي ذئب عن الزهري فأدرج فيه السيف وخالف فيه في الاسناد أيضا قوله عن أبي حازم هو سلمة بن دينار قوله أن كان في شئ ففي المرأة والفرس والمسكن كذا في جميع النسخ وكذا هو في الموطأ لكن زاد في آخره يعني الشؤم وكذا رواه مسلم ورواه إسماعيل بن عمر عن مالك ومحمد بن سليمان الحراني عن مالك بلفظ أن كان الشؤم في شئ ففي المرأة الخ أخرجهما الدارقطني لكن لم يقل إسماعيل في شئ وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة والطبراني من رواية هشام بن سعد عن أبي حازم قال ذكروا الشؤم عند سهل بن سعد فقال فذكره وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر لكن لم يسق لفظه قوله باب الخيل لثلاثة هكذا اقتصر على صدر الحديث وأحال بتفسيره على ما ورد فيه وقد فهم بعض الشراح منه الحصر فقال اتخاذ الخيل لا يخرج عن أن يكون مطلوبا أو مباحا أو ممنوعا فيدخل في المطلوب الواجب والمندوب ويدخل في الممنوع المكروه والحرام بحسب اختلاف المقاصد واعترض بعضهم بان المباح لم يذكر في الحديث لان القسم الثاني الذي يتخيل فيه ذلك جاء مقيدا بقوله ولم ينس حق الله فيها فيلتحق بالمندوب قال والسر فيه أنه صلى الله عليه وسلم غالبا إنما يعتني بذكر ما فيه حض أو منع وأما المباح الصرف فيسكت عنه لما عرف أن سكوته عنه عفو ويمكن أن يقال القسم الثاني هو في الاصل المباح الا أنه ربما ارتقى إلى الندب بالقصد بخلاف القسم الاول فإنه من ابتدائه مطلوب والله أعلم قوله وقول الله عزوجل والخيل والبغال والحمير الآية أي أن الله خلقها للركوب والزينة فمن استعملها في ذلك فعل ما أبيح له فإن اقترن بفعله قصد طاعة ارتقى إلى الندب أو قصد معصية حصل له الاثم وقد دل حديث الباب على هذا التقسيم قوله عن زيد بن أسلم الاسناد كله مدنيون قوله الخيل لثلاثة في رواية الكشميهني الخيل ثلاثة ووجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتني الخيل أما أن يقتنيها للركوب أو للتجارة وكل منهما أما أن يقترن به فعل طاعة الله وهو الاول أو معصيته وهو الاخير أو يتجرد عن ذلك وهو الثاني قوله في مرج أو روضة شك من الراوي والمرج موضع الكلا وأكثر ما يطلق على الموضع المطمئن والروضة أكثر ما يطلق في الموضع المرتفع وقد مضى الكلام على قوله أرواثها وآثارها قبل بابين قوله فما أصابت في طيلها بكسر الطاء المهملة وفتح التحتانية بعدها لام هو الحبل الذي تربط به ويطول لها لترعى ويقال له طول بالواو المفتوحة أيضا كما تقدم في أول الجهاد وتقدم تفسير الاستنان هناك وقوله ولم يرد أن يسقيها فيه أن الانسان يؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل الطاعة إذا قصد أصلها وأن لم يقصد تلك التفاصيل وقد تأوله بعض الشراح فقال بن المنير قيل إنما أجر لان ذلك وقت لا ينتفع بشربها فيه فيغتم صاحبها بذلك فيؤجر وقيل أن المراد حيث تشرب من ماء الغير بغير إذنه فيغتم صاحبها لذلك فيؤجر وكل ذلك عدول عن القصد قوله رجل ربطها فخرا هكذا وقع بحذف أحد الثلاثة وهو من ربطها تغنيا وسيأتي بتمامه بهذا الاسناد بعينه في علامات النبوة وتقدم تاما من وجه آخر عن مالك في أواخر كتاب الشرب وقوله تغنيا بفتح المثناة والمعجمة ثم نون ثقيلة مكسورة وتحتانية أي استغناء عن الناس تقول تغنيت بما رزقني الله تغنيا وتغانيت تغانيا واستغنيت

[ 49 ]

استغناء كلها بمعنى وسيأتي بسط ذلك في فضائل القرآن في الكلام على قوله ليس منامن لم يتغن بالقرآن وقوله تعففا أي عن السؤال والمعنى أنه يطلب بنتاجها أو بميحصل من أجرتها ممن يركبها أو نحو ذلك الغنى عن الناس والتعفف عن مسألتهم ووقع في رواية سهيل عن أبيه عند مسلم وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تعففا وتكرما وتجملا وقوله ولم ينس حق الله في رقابها قيل المراد حسن ملكها وتعهد شبعها وريها والشفقة عليها في الركوب وإنما خص رقابها بالذكر لانها تستعار كثيرا في الحقوق اللازمة ومنه قوله تعالى فتحرير رقبة وهذا جواب من لم يوجب الزكاة في الخيل وهو قول الجمهور وقيل المراد بالحق إطراق فحلها والحمل عليها في سبيل الله وهو قول الحسن والشعبي ومجاهد وقيل المراد بالحق الزكاة وهو قول حماد وأبي حنيفة وخالفه صاحباه وفقهاء الامصار قال أبو عمر لا أعلم أحدا سبقه إلى ذلك قوله فخرا أي تعاظما وقوله ورياء أي إظهارا للطاعة والباطن بخلاف ذلك ووقع في رواية سهيل المذكورة وأما الذي هي عليه وزر فالذي يتخذها أشرا وبطرا وبذخا ورياء للناس قوله ونواء لاهل الاسلام بكسر النون والمد هو مصدر تقول ناوأت العدو مناوأة ونواء وأصله من ناء إذا نهض ويستعمل في المعاداة قال الخليل ناوأت الرجل ناهضته بالعداوة وحكى عياض عن الداودي الشارح أنه وقع عنده ونوى بفتح النون والقصر قال ولا يصح ذلك قلت حكاه الاسماعيلي عن رواية إسماعيل بن أبي أويس فإن ثبت فمعناه وبعدا لاهل الاسلام أي منهم والظاهر أن الواو في قوله ورياء ونواء بمعنى أو لان هذه الاشياء قد تفترق في الاشخاص وكل واحد منها مذموم على حدته وفي هذا الحديث بيان أن الخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا كان اتخاذها في الطاعة أو في الامور المباحة وإلا فهي مذمومة قوله وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أقف على تسمية السائل صريحا وسيأتي ما قيل فيه في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى قوله عن الحمر فقال ما أنزل على فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة بالفاء وتشديد المعجمة سماها جامعة لشمولها لجميع الانواع من طاعة ومعصية وسماها فاذة لانفرادها في معناها قال بن التين والمراد أن الآية دلت على أن من عمل في اقتناء الحمير طاعة رأى ثواب ذلك وأن عمل معصية رأى عقاب ذلك قال بن بطال فيه تعليم الاستنباط والقياس لانه شبه ما لم يذكر الله حكمه في كتابه وهو الحمر بما ذكره من عمل مثقال ذرة من خير أو شر إذ كان معناهما واحدا قال وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا فهم عنده وتعقبه بن المنير بأن هذا ليس من القياس في شئ وإنما هو استدلال بالعموم وإثبات لصيغته خلافا لمن أنكر أو وقف وفيه تحقيق لاثبات العمل بظواهر العموم وأنها ملزمة حتى يدل دليل التخصيص وفيه إشارة إلى الفرق بين الحكم الخاص المنصوص والعام الظاهر وأن الظاهر دون المنصوص في الدلالة قوله باب من ضرب دابة غيره في الغزو أي إعانة له ورفقا به بسم الله الرحمن الرحيم قوله حدثنا مسلم هو بن إبراهيم وتقدم هذا الحديث بهذا الاسناد في المظالم مختصرا وساقه هنا تاما وقد تقدمت مباحثه مستوفاة في الشروط قوله أم عمرة في رواية الكشميهني أو بدل أم قوله فليعجل في رواية الكشميهني فليتعجل قوله أرمك براء وكاف وزن أحمر والمراد به ما خالط حمرته سواد قوله ليس فيها شية بكسر المعجمة وفتح التحتانية الخفيفة أي علامة والمراد أنه ليس فيه لمعة من غير لونه ويحتمل أن يريد ليس فيه عيب ويؤيده قوله

[ 50 ]

والناس خلفي فبينا أنا كذلك إذ قام على لانه يشعر بأنه أراد أنه كان قويا في سيره لا عيب فيه من جهة ذلك حتى كأنه صار قدام الناس فطرأ عليه حينئذ الوقوف قوله إذ قام على أي وقف فلم يسر من التعب قوله باب الركوب على الدابة الصعبة بسكون العين أي الشديدة قوله والفحولة بالفاء والمهملة جمع فحل والتاء فيه لتأكيد الجمع كما جوزه الكرماني وأخذ المصنف ركوب الصعبة من ركوب الفحل لانه في الغالب أصعب ممارسة من الانثى وأخذ كونه كان فحلا من ذكره بضمير المذكر وقال بن المنير هو استدلال ضعيف لان العود يصح على اللفظ ولفظ الفرس مذكر وان كان يقع على المؤنث وعكسه الجماعة فيجوز إعادة الضمير على اللفظ وعلى المعنى قال وليس في حديث الباب ما يدل على تفضيل الفحولة الا أن نقول أثنى عليه الرسول وسكت عن الانثى فثبت التفضيل بذلك وقال بن بطال معلوم أن المدينة لم تخل عن اناث الخيل ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا جملة من أصحابه أنهم ركبوا غير الفحول الا ما ذكر عن سعد بن أبي وقاص كذا قال وهو محل توقف وقد روى الدارقطني أن فرس المقداد كان أنثى قوله وقال راشد بن سعد هو المقرأ بفتح الميم وتضم وسكون القاف وفتح الراء بعدها همزة تابعي وسط شامي مات سنة ثلاث عشرة ومائة وما له في البخاري سوى هذا الاثر الواحد قوله كان السلف أي من الصحابة فمن بعدهم وقوله أجرأ وأجسر بهمز أجرأ من الجراءة وبغير همز من الجروأجسر بالجيم والمهملة من الجسارة وحذف المفضل عليه اكتفاء بالسياق أي من الاناث أو المخصية وروى أبو عبيدة في كتاب الخيل له عن عبد الله بن محيريز نحو هذا الاثر وزاد وكانوا يستحبون اناث الخيل في الغارات والبيات وروى الوليد بن مسلم في الجهاد له من طريق عبادة بن نسي بنون ومهملة مصغرا وابن محيريز إنهم كانوا يستحبون اناث الخيل في الغارات والبيات ولما خفي من أمور الحرب ويستحبون الفحول في الصفوف والحصون ولما ظهر من أمور الحرب وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يقاتل الا على أنثى لانها تدفع البول وهي أقل صهلا والفحل يحبسه في جريه حتى ينفتق ويؤذى بصهيله ثم ذكر المصنف حديث أنس في فرس أبي طلحة وقد تقدم قريبا وأن شرحه سبق في كتاب الهبة وأحمد بن محمد شيخه فيه هو المروزي ولقبه مردويه واسم جده موسى وقال الدارقطني هو الذي لقبه شبويه واسم جده ثابت والاول أكثر قوله باب سهام الفرس أي ما يستحقه الفارس من الغنيمة بسبب فرسه قوله وقال مالك يسهم للخيل والبراذين جمع برذون بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح المعجمة والمراد الجفاة الخلقة من الخيل وأكثر ما تجلب من بلاد الروم ولها جلد على السير في الشعاب والجبال والوعر بخلاف الخيل العربية قوله لقوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها قال بن بطال وجه الاحتجاج بالآية أن الله تعالى أمتن بركوب الخيل وقد أسهم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم واسم الخيل يقع على البرذون والهجين بخلاف البغال والحمير وكأن الآية استوعبت ما يركب من هذا الجنس لما يقتضيه الامتنان فلما لم ينص على البرذون والهجين فيها دل على دخولها في الخيل قلت وإنما ذكر الهجين لان مالكا ذكر هذا الكلام في الموطأ وفيه والهجين والمراد بالهجين ما يكون أحد أبويه عربيا والآخر غير عربي وقيل الهجين الذي أبوه فقط عربي وأما الذي أمه فقط عربية فيسمى المقرف وعن أحمد الهجين البرذون ويحتمل

[ 51 ]

أن يكون أراد في الحكم وقد وقع لسعيد بن منصور وفي المراسيل لابي داود عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم هجن الهجين يوم خيبر وعرب العراب فجعل للعربي سهمين وللهجين سهما وهذا منقطع ويؤيده ما روى الشافعي في الام وسعيد بن منصور من طريق علي بن الاقمر قال أغارت الخيل فأدركت العراب وتأخرت البراذن فقام بن المنذر الوادعي فقال لا أجعل ما أدرك كمن لم يدرك فبلغ ذلك عمر فقال هبلت الوادعي أمه لقد أذكرت به أمضوها على ما قال فكان أول من أسهم للبراذين دون سهام العراب وفي ذلك يقول شاعرهم ومنا الذي قد سن في الخيل سنة * * وكانت سواء قبل ذاك سهامها وهذا منقطع أيضا وقد أخذ أحمد بمقتضى حديث مكحول في المشهور عنه كالجماعة وعنه إن بلغت البراذين مبالغ العربية سوى بينهما وإلا فضلت العربية واختارها الجوزجاني وغيره وعن الليث يسهم للبرذون والهجين دون سهم الفرس قوله ولا يسهم لاكثر من فرس هو بقية كلام مالك وهو قول الجمهور وقال الليث وأبو يوسف وأحمد وإسحاق يسهم لفرسين لا لاكثر وفي ذلك حديث أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف عن أبي عمرة قال أسهم لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرسي أربعة أسهم ولي سهما فأخذت خمسة أسهم قال القرطبي ولم يقل أحد أنه يسهم لاكثر من فرسين الا ما روى عن سليمان بن موسى أنه يسهم لكل فرس سهمان بالغا ما بلغت ولصاحبه سهما أي غير سهمي الفرس قوله عن عبيد الله هو بن عمر العمري قوله جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما أي غير سهمي الفرس فيصير للفارس ثلاثة أسهم وسيأتي في غزوة خيبر أن نافعا فسره كذلك ولفظه إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم فإن لم يكن معه فرس فله سهم ولابي داود عن أحمد عن أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر بلفظ أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه وبهذا التفسير يتبين أن لا وهم فيما رواه أحمد بن منصور الرمادي عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة وابن نمير كلاهما عن عبيد الله بن عمر فيما أخرجه الدارقطني بلفظ أسهم للفارس سهمين قال الدارقطني عن شيخه أبي بكر النيسابوري وهم فيه الرمادي وشيخه قلت لا لان المعنى أسهم للفارس بسبب فرسه سهمين غير سهمه المختص به وقد رواه بن أبي شيبة في مصنفه ومسنده بهذا الاسناد فقال للفرس وكذلك أخرجه بن أبي عاصم في كتاب الجهاد له عن بن أبي شيبة وكأن الرمادي رواه بالمعنى وقد أخرجه أحمد عن أبي أسامة وابن نمير معا بلفظ أسهم للفرس وعلى هذا التأويل أيضا يحمل ما رواه نعيم بن حماد عن بن المبارك عن عبيد الله مثل رواية الرمادي أخرجه الدارقطني وقد رواه علي بن الحسن بن شقيق وهو أثبت من نعيم عن بن المبارك بلفظ أسهم للفرس وتمسك بظاهر هذه الرواية بعض من احتج لابي حنيفة في قوله أن للفرس سهما واحدا ولراكبه سهم آخر فيكون للفارس سهمان فقط ولا حجة فيه لما ذكرنا واحتج له أيضا بما أخرجه أبو داود من حديث مجمع بن جارية بالجيم والتحتانية في حديث طويل في قصة خيبر قال فأعطى للفارس سهمين وللراجل سهما وفي إسناده ضعف ولو ثبت يحمل على ما تقدم لانه يحتمل الامرين والجمع بين الروايتين أولى ولا سيما والاسانيد الاولة أثبت ومع رواتها زيادة علم وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود من حديث أبي عمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى للفرس سهمين ولكل إنسان سهما فكان للفارس ثلاثة أسهم وللنسائي من حديث

[ 52 ]

الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب له أربعة أسهم سهمين لفرسه وسهما له وسهما لقرابته قال محمد بن سحنون انفرد أبو حنيفة بذلك دون فقهاء الامصار ونقل عنه أنه قال أكره أن أفضل بهيمة على مسلم وهي شبهة ضعيفة لان السهام في الحقيقة كلها للرجل قلت لو لم يثبت الخبر لكانت الشبهة قوية لان المراد المفاضلة بين الراجل والفارس فلولا الفرس ما ازداد الفارس سهمين عن الراجل فمن جعل للفارس سهمين فقد سوى بين الفرس وبين الرجل وقد تعقب هذا أيضا لان الاصل عدم المساواة بين البهيمة والانسان فلما خرج هذا عن الاصل بالمساواة فلتكن المفاضلة كذلك وقد فضل الحنفية الدابة على الانسان في بعض الاحكام فقالوا لو قتل كلب صيد قيمته أكثر من عشرة آلاف أداها فإن قتل عبدامسلما لم يؤد فيه الا دون عشرة آلاف درهم والحق أن الاعتماد في ذلك على الخبر ولم ينفرد أبو حنيفة بما قال فقد جاء عن عمر وعلي وأبي موسى لكن الثابت عن عمر وعلى كالجمهور واستدل للجمهور من حيث المعنى بأن الفرس يحتاج إلى مؤنة لخدمتها وعلفها وبأنه يحصل بها من الغنى في الحرب ما لا يخفى واستدل به على أن المشرك إذا حضر الوقعة وقاتل مع المسلمين يسهم له وبه قال بعض التابعين كالشعبي ولا حجة فيه إذ لم يرد هنا صيغة عموم واستدل للجمهور بحديث لم تحل الغنائم لاحد قبلنا وسيأتي في مكانه وفي الحديث حض على اكتساب الخيل واتخاذها للغزو لما فيها من البركة واعلاء الكلمة واعظام الشوكة كما قال تعالى ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم واختلف فيمن خرج إلى الغزو ومعه فرس فمات قبل حضور القتال فقال مالك يستحق سهم الفرس وقال الشافعي والباقون لا يسهم له الا إذا حضر القتال فلو مات الفرس في الحرب استحق صاحبه وإن مات صاحبه استمر استحقاقه وهو للورثة وعن الاوزاعي فيمن وصل إلى موضع القتال فباع فرسه يسهم له لكن يستحق البائع مما غنموا قبل العقد والمشتري مما بعده وما اشتبه قسم وقال غيره يوقف حتى يصطلحا وعن أبي حنيفة من دخل أرض العدو راجلا لا يقسم له الا سهم راجل ولو اشترى فرسا وقاتل عليه واختلف في غزاة البحر إذا كان معهم خيل فقال الاوزاعي والشافعي يسهم له تكميل هذا الحديث يذكره الاصوليون في مسائل القياس في مسألة الايماء أي إذا اقترن الحكم بوصف لولا أن ذلك الوصف للتعليل لم يقع الاقتران فلما جاء سياق واحد أنه صلى الله عليه وسلم أعطى للفرس سهمين وللراجل سهما دل على افتراق الحكم قوله باب من قاد دابة غيره في الحرب ذكر فيه حديث البراء بن عازب أن هوازن كانوا قوما رماة الحديث والغرض منه قوله فيه وأبو سفيان وهو بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بلجامها وسيأتي شرحه مستوفى في غزوة حنين من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى قوله باب الركاب والغرز للدابة قيل الركاب يكون من الحديد والخشب والغرز لا يكون الا من الجلد وقيل هما مترادفان أو الغرز للجمل والركاب للفرس وذكر فيه حديث بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أدخل رجله في الغرز أهل الحديث وهو ظاهر فيما ترجم له من الغرز وأما الركاب فألحقه به لانه في معناه وقال بن بطال كأنه أشار إلى أن ما جاء عن عمر أنه قال اقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبا ليس على منع اتخاذ الركب أصلا وإنما أراد تدريبهم على ركوب الخيل قوله باب ركوب الفرس العرى بضم المهملة وسكون الراء أي ليس

[ 53 ]

عليه سرج ولا أداة ولا يقال في الآدميين إنما يقال عريان قاله بن فارس قال وهي من النوادر انتهى وحكى بن التين أنه ضبط في الحديث بكسر الراء وتشديد التحتانية وليس في كتب اللغة ما يساعده ذكر فيه حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبلهم على فرس عرى ما عليه سرج في عنقه سيف وهو طرف من الحديث الذي تقدم في أنه استعار فرسا لابي طلحة وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق أخرى عن حماد بن زيد وفي أوله فزع أهل المدينة ليلة فتلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس بغير سرج وفي رواية له وهو على فرس لابي طلحة وقد سبق في باب الشجاعة في الحرب في حديث أوله كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس بعض هذا الحديث وقد سبق شرحه في الهبة وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع والفروسية البالغة فإن الركوب المذكور لا يفعله الا من أحكم الركوب وأدمن على الفروسية وفيه تعليق السيف في العنق إذا أحتاج إلى ذلك حيث يكون أعون له وفي الحديث ما يشير إلى أنه ينبغي للفارس أن يتعاهد الفروسية ويروض طباعه عليها لئلا يفجأه شدة فيكون قد استعد لها قوله باب الفرس القطوف أي البطئ المشي قال أبو زيد وغيره فطفت الدابة تقطف قطافا وقطوفا والقطوف من الدواب المقارب الخطو وقيل الضيق المشي وقال الثعالبي إن مشى وثبا فهو قطوف وأن كان يرفع يديه ويقوم على رجليه فهو سبوت وأن التوى براكبه فهو قموص وأن منع ظهره فهو شموس ذكر فيه حديث أنس أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب النبي صلى الله عليه وسلم فرسا لابي طلحة كان يقطف الحديث وقوله يقطف بكسر الطاء وبضمها وقد سبق شرحه في الهبة وقوله أو كان فيه قطاف شك من الراوي وسيأتي في باب السرعة والركض من طريق محمد بن سيرين عن أنس بلفظ فركب فرسا لابي طلحة بطيئا وقوله لا يجارى بضم أوله زاد في نسخة الصغاني قال أبو عبد الله أي لا يسابق لانه لا يسبق في الجري وفيه بركة النبي صلى الله عليه وسلم لكونه ركب ما كان بطيئا فصار سابقا وسيأتي في رواية محمد بن سيرين المذكورة فما سبق بعد ذلك اليوم قوله باب السبق بين الخيل أي مشروعية ذلك والسبق بفتح المهملة وسكون الموحدة مصدر وهو المراد هنا وبالتحريك الرهن الذي يوضع لذلك ثم قال باب إضمار الخيل للسبق إشارة إلى أن السنة في المسابقة أن يتقدم إضمار الخيل وأن كانت التي لا تضمر لا تمتنع المسابقة عليها ثم قال باب غاية السباق للخيل المضمرة أي بيان ذلك وبيان غاية التي لم تضمر وذكر في الابواب الثلاثة حديث بن عمر في ذلك وقوله في الطريق الاولى من الحفياء بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانية ومد مكان خارج المدينة من جهة ويجوز القصر وحكى الحازمي تقديم الياء التحتانية على الفاء وحكى عياض ضم أوله وخطأئه وقوله فيها أجرى قال في التي تليه سابق وهو بمعناه وقال فيها ابن عمر وكنت فيمن أجرى وقال في الرواية التي تليها وان عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها وسفيان في الرواية الاولى هو الثوري وشيخه عبيد الله بالتصغير هو ابن عمر العمري والطريق الثانية عن الليث مختصرة وقد اخرجها تامة النسائي عن قتيبة عن الليث وهو عند مسلم لكن لم يسبق لفظه وقوله في الاولى قال عبد الله قال سفيان حدثني عبيد الله فعبد الله هو بن الوليد العدني كذا رويناه في جامع سفيان الثوري من

[ 54 ]

روايته عنه وأراد بذلك تصريح الثوري عن شيخه بالتحديث ووهم من قال فيه وقال أبو عبد الله وزاد الاسماعيلي من طريق إسحاق وهو الازرق عن الثوري في آخره قال بن عمر وكنت فيمن أجرى فوثب بي فرسي جدارا وأخرجه مسلم من طريق أيوب عن نافع وقال فيه فسبقت الناس فطفف بن الفرس مسجد بني زريق أي جاوز بي المسجد الذي كان هو الغاية وأصل التطفيف مجاوزة الحد وقوله في آخر الثانية قال أبو عبد الله هو المصنف وقوله أمدا غاية فطال عليهم الامد وقع هذا في رواية المستملى وحده وهو تفسير أبي عبيدة في المجاز وهو متفق عليه عند أهل اللغة قال النابغة سبق الجواد إذا استولى على الامد ومعاوية في الرواية الثالثة هو بن عمرو الازدي وأبو إسحاق هو الفزاري وقوله فيها قال سفيان هو موصول بالاسناد المذكور ولم يسند سفيان ذلك وقد ذكر نحوه موسى بن عقبة في الرواية الثالثة إلا أن سفيان قال في المسافة التي بين الحفياء والثنية خمسة أو ستة وقال موسى ستة أو سبعة وهو اختلاف قريب وقال سفيان في المسافة الثانية ميل أو نحوه وقد وقع في رواية الترمذي من طريق عبيد الله بن عمر ادراج ذلك في نفس الخبر والخبر بالستة وبالميل قال بن بطال إنما ترجم لطريق الليث بالاضمار وأورده بلفظ سابق بين الخيل التي لم تضمر ليشير بذلك إلى تمام الحديث وقال بن المنير لا يلتزم ذلك في تراجمه بل ربما ترجم مطلقا لما قد يكون ثابتا ولما قد يكون منفيا فمعنى قوله إضمار الخيل للسبق أي هل هو شرط أم لا فبين بالرواية التي ساقها أن ذلك ليس بشرط ولو كان غرضه الاقتصار المجرد لكان الاقتصار على الطرف المطابق للترجمة أولى لكنه عدل عن ذلك للنكتة المذكورة وأيضا فلازالة اعتقاد أن التضمير لا يجوز لما فيه من مشقة سوقها والخطر فيه فبين أنه ليس بممنوع بل مشروع والله أعلم قلت ولا منافاة بين كلامه وكلام بن بطال بل أفاد النكتة في الاقتصار قوله أضمرت بضم أوله وقوله لم تضمر بسكون الضاد المعجمة والمراد به أن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى ثم يقلل علفها بقدر القوت وتدخل بيتا وتغشى بالجلال حتى تحمى فتعرق فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري وفي الحديث مشروعية المسابقة وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة وهي دائرة بين الاستحباب والاباحة بحسب الباعث على ذلك قال القرطبي لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب وعلى الاقدام وكذا الترامي بالسهام واستعمال الاسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب وفيه جواز إضمار الخيل ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدة للغزو وفيه مشروعية الاعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة وفيه نسبة الفعل إلى الآمر به لان قوله سابق أي أمر أو أباح تنبيه لم يتعرض في هذا الحديث للمراهنة على ذلك لكن ترجم الترمذي له باب المراهنة على الخيل ولعله أشار إلى ما أخرجه أحمد من رواية عبد الله بن عمر المكبر عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وراهن وقد أجمع العلماء كما تقدم على جواز المسابقة بغير عوض لكن قصرها مالك والشافعي على الخف والحافر والنصل وخصه بعض العلماء بالخيل وأجازه عطاء في كل شئ واتفقوا على جوازها بعوض بشرط أن يكون من غير المتسابقين كالامام حيث لا يكون له معهم فرس وجوز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من المتسابقين وكذا إذا كان معهما ثالث محلل بشرط أن لا يخرج من عنده شيئا

[ 55 ]

ليخرج العقد عن صورة القمار وهو أن يخرج كل منهما سبقا فمن غلب أخذ السبقين فاتفقوا على منعه ومنهم من شرط في المحلل أن يكون لا يتحقق السبق في مجلس السبق وفيه أن المراد بالمسابقة بالخيل كونها مركوبة لا مجرد إرسال الفرسين بغير راكب لقوله في الحديث وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها كذا استدل به بعضهم وفيه نظر لان الذي لا يشترط الركوب لا يمنع صورة الركوب وإنما احتج الجمهور بأن الخيل لا تهتدي بأنفسها لقصد الغاية بغير راكب وربما نفرت وفيه نظر لان الاهتداء لا يختص بالركوب فلو أن السائس كان ماهرا في الجري بحيث لو كان مع كل فرس ساع يهديها إلى الغاية لامكن وفيه جواز إضافة المسجد إلى قوم مخصوصين وقد ترجم له البخاري بذلك في كتاب الصلاة وفيه جواز معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيبا لها في غير الحاجة كالاجاعة والاجراء وفيه تنزيل الخلق منازلهم لانه صلى الله عليه وسلم غاير بين منزلة المضمر وغير المضمر ولو خلطهما لاتعب غير المضمر قوله باب ناقة النبي صلى الله عليه وسلم كذا أفرد الناقة في الترجمة إشارة إلى أن العضباء والقصواء واحدة قوله وقال بن عمر أردف النبي صلى الله عليه وسلم أسامة على القصواء هو طرف من حديث وصله المصنف في الحج وقد تقدم شرحه في حجة الوداع قوله وقال المسور ما خلات القصواء هو طرف من الحديث الطويل الماضي مع شرحه في كتاب الشروط وفيه ضبط القصواء قوله حدثنا معاوية هو بن عمرو الازدي وأبو إسحاق هو الفزاري قوله طوله موسى عن حماد عن ثابت عن أنس أي رواه مطولا وهذا التعليق وقع في رواية المستملى وحده هنا وموسى هو بن إسماعيل التبوذكي وحماد هو بن سلمة ووقع في رواية من عدا الهروي بعد سياق رواية زهير وقد وصله أبو داود عن موسى ابن إسماعيل المذكور وليس سياقه بأطول من سياق زهير بن معاوية عن حميد نعم هو أطول من سياق أبي إسحاق الفزاري فتترجح رواية المستملي وكأنه اعتمد رواية أبي إسحاق لما وقع فيها من التصريح بسماع حميد من أنس وأشار إلى أنه روى مطولا من طريق ثابت ثم وجده من رواية حميد أيضا مطولا فأخرجه والله أعلم قوله لا تسبق قال حميد أو لا تكاد تسبق شك منه وهو موصول بالاسناد المذكور وفي بقية الروايات بغير شك وقوله أن لا يرتفع شئ من الدنيا وفي رواية موسى بن إسماعيل أن لا يرفع شيئا وكذا للمصنف في الرقاق وكذا قال النفيلي عن زهير عند أبي داود وفي رواية شعبة عند النسائي أن لا يرفع شئ نفسه في الدنيا وقوله فجاء أعرابي فسبقها في رواية بن المبارك وغيره عن حميد عند أبي نعيم فسابقها فسبقها وفي رواية شعبة سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي ولم أقف على اسم هذا الاعرابي بعد التتبع الشديد قوله على قعود بفتح القاف ما استحق الركوب من الابل قال الجوهري هو البكر حتى يركب وأقل ذلك أن يكون بن سنتين إلى أن يدخل السادسة فيسمى جملا وقال الازهري لا يقال الا للذكر ولا يقال للانثى قعودة وإنما يقال لها قلوص قال وقد حكى الكسائي في النوادر قعودة للقلوص وكلام الاكثر على خلافه وقال الخليل القعودة من الابل ما يقعده الراعي لحمل متاعه والهاء فيه للمبالغة قوله حتى عرفه أي عرف أثر المشقة وفي رواية المصنف في الرقاق فلما رأى ما في وجوههم وقالوا سبقت العضباء الحديث والعضباء بفتح المهملة وسكون المعجمة بعدها موحدة ومد هي المقطوعة الاذن أو المشقوقة وقال بن فارس كان ذلك لقبا لها لقوله تسمى العضباء

[ 56 ]

ولقوله يقال لها العضباء ولو كانت تلك صفتها لم يحتج لذلك وقال الزمخشري العضباء منقول من قولهم ناقة عضباء أي قصيرة اليد واختلف هل العضباء هي القصواء أو غيرها فجزم الحربي بالاول وقال تسمى العضباء والقصواء والجدعاء وروى ذلك بن سعد عن الواقدي وقال غيره بالثاني وقال الجدعاء كانت شهباء وكان لا يحمله عند نزول الوحي غيرها وذكر له عدة نوق غير هذه تتبعها من اعتنى بجمع السيرة وفي الحديث اتخاذ الابل للركوب والمسابقة عليها وفيه التزهيد في الدنيا للاشارة إلى أن كل شئ منها لا يرتفع الا أتضع وفيه الحث على التواضع وفيه حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وتواضعه وعظمته في صدور أصحابه قوله باب الغزو على الحمير كذا في رواية المستملى وحده بغير حديث وضم النسفي هذه الترجمة للتي بعدها فقال باب الغزو على الحمير وبغلة النبي صلى الله عليه وسلم البيضاء ولم يتعرض لذلك أحد من الشراح وهو مشكل على الحالين لكن في رواية المستملى أسهل لانه يحمل على أنه وضع الترجمة وأخلى بياضا للحديث اللائق بها فاستمر ذلك وكأنه أراد أن يكتب طريقا لحديث معاذ كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير وقد تقدم قريبا في باب اسم الفرس والحمار وكونه كان راكبه يحتمل أن يكون في الحضر وفي السفر فيحصل مقصود الترجمة على طريقة من لا يفرق بين المطلق والعام والله أعلم وأما رواية النسفي فليس في حديثي الباب الا ذكر البغلة خاصة ويمكن أن يكون أخلى آخر الباب بياضا كما قلنا في رواية المستملى أو يوخذ حكم الحمار من البغلة وقد أخرج عبد بن حميد من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوم خيبر على حمار مخطوم بحبل من ليف وفي سنده مقال قوله باب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم البيضاء قاله أنس يشير إلى حديثه الطويل في قصة حنين وسيأتي موصولا مع شرحه في المغازي وفيه وهو على بغلة بيضاء قوله وقال أبو حميد أهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء يشير إلى حديثه الطويل في غزوة تبوك وقد مضى موصولا في أواخر كتاب الزكاة وفيه هذا القدر وزيادة وتقدمت الاشارة إلى اسم صاحب أيلة هناك مع بقية شر الحديث ومما ينبه عليه هنا أن البغلة البيضاء التي كان عليها في حنين غير البغلة البيضاء التي أهداها له ملك أيلة لان ذلك كان في تبوك وغزوة حنين كانت قبلها وقد وقع في مسلم من حديث العباس أن البغلة التي كانت تحته في حنيه أهداها له فروة بن نفاثة بضم النون بعدها فاء خفيفة ثم مثلثة وهذا هو الصحيح وذكر أبو الحسين بن عبدوس أن البغلة التي ركبها يوم حنين دلدل وكانت شهباء أهداها له المقوقس وأن التي أهداها له فروة يقال لها فضة ذكر ذلك بن سعد وذكر عكسه والصحيح ما في مسلم ثم ذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث عمرو بن الحارث وهو أخو جويرية أم المؤمنين قال ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الا بغلته البيضاء الحديث وقد تقدم في أول الوصايا وأن شرحه يأتي في الوفاة آخر المغازي ثانيهما حديث البراء في قصة حنين وقد تقدم قريبا وفيه والنبي صلى الله عليه وسلم على بغلة بيضاء وسيأتي شرحه في المغازي إن شاء الله تعالى واستدل به على جواز اتخاذ البغال وانزاء الحمر على الخيل وأما حديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بحبان فقال الطحاوي أخذ به قوم فحرموا ذلك ولا حجة فيه لان معناه الحض على تكثير الخيل لما فيها من الثواب وكأن المراد الذين

[ 57 ]

لا يعلمون الثواب المرتب على ذلك قوله باب جهاد النساء ذكر فيه حديث عائشة جهادكن الحج وقد تقدم في أو الجهاد ومضى شرحه في كتاب الحج وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه النسائي بلفجهاد الكبير أي العاجز الضعيف والمرأة الحج والعمرة رضي الله تعالى عنه قوله فيه وقال عبد الله بن الوليد هو العدني وروايته موصولة في جامع سفيان وقوله في الطريق الاخرى وعن حبيب بن أبي عمرة هو موصول من رواية قبيصة المذكورة والحاصل أن عنده فيه عن سفيان اسنادين وقد وصله الاسماعيلي من طريق هناد بن السرى عن قبيصة كذلك وقال بن بطال دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء ولكن ليس في قوله جهادكن الحج أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد وإنما لم يكن عليهن واجبا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد قلت وقد لمح البخاري بذلك في إيراده الترجمة مجملة وتعقيبها بالتراجم المصرحة بخروج النساء إلى الجهاد قوله باب غزو المرأة في البحر ذكر فيه حديث أنس في قصة أم حرام وقد تقدم قريبا في باب فضل من يصرع في سبيل الله ويأتي شرحه في كتاب الاستئذان إن شاء الله تعالى وقوله في آخره قال أنس فتزوجت عبادة بن الصامت ظاهره أنها تزوجته بعد هذه المقالة ووقع في رواية إسحاق عن أنس في أول الجهاد بلفظ وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهره أنها كانت حينئذ زوجته فاما أن يحمل على أنها كانت زوجته ثم طلقها ثم راجعها بعد ذلك وهذا جواب بن التين وإما أن يجعل قوله في رواية إسحاق وكانت تحت عبادة جملة معترضة أراد الراوي وصفها به غير مقيد بحال من الاحوال وظهر من رواية غيره أنه إنما تزوجها بعد ذلك وهذا الثاني أولى لموافقة محمد بن يحيى بن حبان عن أنس على أن عبادة تزوجها بعد ذلك كما سيأتي بعد اثني عشر باباوقوله في آخره فركبت البحر مع بنت قرظة هي زوج معاوية واسمها فاختة وقيل كنود وكانت تحت عتبة بن سهل قبل معاوية ويحتمل أن يكون معاوية تزوج الاختين واحدة بعد أخرى وهذه رواية بن وهب في موطآته عن بن لهيعة عمن سمع قال ومعاوية أول من ركب البحر للغزاة وذلك في خلافة عثمان وأبوها قرظة بفتح القاف والراء والظاء المعجمة هو بن عبد عمرو بنوفل بن عبد مناف وهي قرشية نوفلية وظن بعض الشراح أنها بنت قرظة بن كعب الانصاري فوهم والذي قلته صرح به خليفة بن خياط في تاريخه وزاد أن ذلك كان سنة ثمان وعشرين والبلاذري في تاريخه أيضا وذكر أن قرظة بن عبد عمرو مات كافرا فيكون لها هي رؤية وكذا لاخيها مسلم بن قرظة الذي قتل يوم الجمل مع عائشة تنبيهان يتعلقان بهذا الاسناد أحدهما وقع في هذا الاسناد حدثنا أبو إسحاق هو الفزاري عن عبد الله بن عبد الرحمن الانصاري هكذا هو في جميع الروايات ليس بينهما أحد وزعم أبو مسعود في الاطراف أنه سقط بينهما زائدة بن قدامة وأقره المزي على ذلك وقواه بان المسيب بن واضح رواه عن أبي إسحاق الفزاري عن زائدة عن أبي طوالة وقد قال أبو علي الجياني تأملته في السير لابي إسحاق الفزاري فلم أجد فيها زائدة ثم ساقه من طريق عبد الملك بن حبيب عنه عن أبي طوالة ليس بينهما زائدة ورواية المسيب بن واضح خطأ وهو ضعيف لا يقضى بزيادته على خطأ ما وقع في الصحيح

[ 58 ]

ولا سيما وقد أخرجه الامام أحمد في مسنده عن معاوية بن عمرو شيخ شيخ البخاري فيه كما أخرجه البخاري سواء ليس فيه زائدة وسبب الوهم من أبي مسعود أن معاوية بن عمرو رواه أيضا عن زائدة عن أبي طوالة فظن أبو مسعود أنه عند معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن زائدة وليس كذلك بل هو عنده عن أبي إسحاق وزائدة معا جمعهما تارة وفرقهما أخرى أخرجه أحمد عنه عاطفا لروايته عن أبي إسحاق على روايته عن زائدة وأخرجه الاسماعيلي من طريق أبي خيثمة عن معاوية بن عمرو عن زائدة وحده به وكذا أخرجه أبو عوانة في صحيحه عن جعفر الصائغ عن معاوية فوضحت صحة ما وقع في الصحيح ولله الحمد ثانيهما هذا الحديث رواه عن أنس إسحاق بن أبي طلحة ومحمد بن يحيى بن حبان وأبو طوالة فقال إسحاق في روايته عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام وقال أبو طوالة في روايته دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنت ملحان وكلاهما ظاهر في أنه من مسند أنس وأما محمد بن يحيى فقال عن أنس عن خالته أم حرام وهو ظاهر في أنه من مسند أم حرام وهو المعتمد وكأن أنسا لم يحضر ذلك فحمله عن خالته وقد حدث به عن أم حرام عمير بن الاسود أيضا كما سيأتي بعد أبواب وقد أحال المزي برواية أبي طوالة في مسند أنس على مسند أم حرام ولم يفعل ذلك في رواية إسحاق بن أبي طلحة فأوهم خلاف الواقع الذي حررته والله الهادي قوله باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه ذكر فيه طرفا من حديث عائشة في قصة الافك وهو ظاهر فيما ترجم له وسيأتي شرح حديث الافك تاما في التفسير وفيه التصريح بأن حمل عائشة معه كان بعد القرعة بين نسائه قوله باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال وقع في هذه الترجمة حديث الربيع بنت معوذ وسيأتي بعد باب وفي حديث أم عطية الذي مضى في الحيض وفي حديث بن عباس عند مسلم كان يغزو بهن فيداوين الجرحى الحديث ووقع في حديث آخر مرسل أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال كان النساء يشهدن مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد ويسقين المقاتلة ويداوين الجرحى ولابي داود من طريق حشرج بن زياد عن جدته أنهن خرجن مع النبي صلى الله عليه وسلم في حنين وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهن عن ذلك فقلن خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ونداوي الجرحى ونناول السهام ونسقي السويق ولم أر في شئ من ذلك التصريح بانهن قاتلن ولاجل ذلك قال بن المنير بوب على قتالهن وليس هو في الحديث فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو وإما أن يريد أنهن ما ثبتن لسقي الجرحى ونحو ذلك الا وهن بصدد أن يدافعن عن أنفسهن وهو الغالب انتهى وقد وقع عند مسلم من وجه آخر عن أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين فقالت اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه ويحتمل أن يكون غرض البخاري بالترجمة أن يبين أنهن لا يقاتلن وأن خرجن في الغزو فالتقدير بقوله وقتالهن مع الرجال أي هل هو سائغ أو إذا خرجن مع الرجال في الغزو يقتصرن على ما ذكر من مداواة الجرحى ونحو ذلك ثم ذكر المصنف حديث أنس لما كان يوم أحد انهزم الناس الحديث والغرض منه قوله فيه ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان وقد أخرجه في المغازي بهذا الاسناد بأتم من هذا السياق ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى وقوله خدم سوقهما بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة وهي الخلاخيل وهذه كانت قبل الحجاب ويحتمل أنها كانت عن غير قصد للنظر وقوله تنقزان بضم

[ 59 ]

القاف بعدها زاي والقرب بكسر القاف وبالموحدة جمع قربة وقوله وقال غيره تنقلان القرب يعني باللام دون الزاي وهي رواية جعفر بن مهران عن عبد الوارث أخرجها الاسماعيلي وقوله تنقزان قال الداودي معناه تسرعان المشي كالهرولة وقال عياض قيل معنى تنقزان تثبان والنقز الوثب والقفز كناية عن سرعة السير وضبطوا القرب بالنصب وهو مشكل على هذا التأويل بخلاف رواية تنقلان قال وكان بعض الشيوخ يقرؤه برفع القرب على أن الجملة حال وقد تخرج رواية النصب على نزع الخافض كأنه قال تثبان بالقرب قال وضبطه بعضهم تنقزان بضم أوله أي تحركان القرب لشدة عدوهما وتصح على هذا رواية النصب وقال الخطابي أحسب الرواية تزفران بدل تنقزان والزفر حمل القرب الثقال كما في الحديث الذي بعده قوله باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو أي جواز ذلك قوله قال ثعلبة بن أبي مالك في رواية بن وهب عن يونس عند أبي نعيم في المستخرج عن ثعلبة القرظي بضم القاف وفتح الراء بعدها معجمة مختلف في صحبته قال بن معين له رواية وقال بن سعد قدم أبو مالك واسمه عبد الله بن سام من اليمن وهو من كندة فتزوج امرأة من بني قريظة فعرف بهم وحالف الانصار قلت وكانت اليهودية قد فشت في اليمن فلذلك صاهرهم أبو مالك وكأنه قتل في بني قريظة فقد ذكر مصعب الزبيري أن ثعلبة ممن لم يكن أثبت قوله فترك وكان ثعلبة إمام قومه وله حديث مرفوع عند بن ماجة لكن جزم أبو حاتم بأنه مرسل وقد صرح الزهري عنه بالاخبار في حديث آخر سيأتي في باب لواء النبي صلى الله عليه وسلم قوله فقال له بعض من عنده لم أقف على اسمه قوله يريدون أم كلثوم كان عمر قد تزوج أم كلثوم بنت علي وأمها فاطمة ولهذا قالوا لها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قد ولدت في حياته وهي أصغر بنات فاطمة عليها السلام قوله أم سليط كذا فيه بفتح المهملة وكسر اللام وزن رغيف ولم أر لها في كتب من صنف في الصحابة ذكرا الا في الاستيعاب فذكرها مختصرة بالذي هنا وقد ذكرها بن سعد في طبقات النساء وقال هي أم قيس بنت عبيد بن زياد بن ثعلبة من بني مازن تزوجها أبو سليط بن أبي حارثة عمرو بن قيس من بني عدي بن النجار فولدت له سليطا وفاطمة يعني فلذلك يقال لها أم سليط وذكر أنها شهدت خيبر وحنينا وغفل عن ذكر شهودها أحدا وهو ثابت بهذا الحديث وذكر في ترجمة أم عمارة الانصارية شبيها بهذه القصة من وجه آخر عن عمر لكن فيه فقال بعضهم أعطه صفية بنت أبي عبيد زوج عبد الله بن عمر وقال فيه أيضا لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما التفت يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا وأنا أراها تقاتل دوني فهذا يشعر بأن القصة تعددت قوله تزفر بفتح أوله وسكون الزاي وكسر الفاء أي تحمل وزنا ومعنى قوله قال أبو عبد الله تزفر تخيط كذا في رواية المستملى وحده وتعقب بأن ذلك لا يعرف في اللغة وإنما الزفر الحمل وهو بوزنه ومعناه قال الخليل زفر بالحمل زفرا نهض به والزفر أيضا القربة نفسها وقيل إذا كانت مملوءة ماء ويقال للاماء إذا حملن القرب زوافر والزفر أيضا البحر الفياض وقيل الزافر الذي يعين في حمل القربة قلت وقع عند أبي نعيم في المستخرج بعد أن أخرجه من طريق عبد الله بن وهب عن يونس قال عبد الله تزفر تحمل وقال أبو صالح كاتب الليث تزفر تخرز قلت فلعل هذا مستند البخاري في تفسيره وسيأتي بقية الكلام على فوائد هذا الحديث في غزوة أحد إن شاء الله تعالى

[ 60 ]

قوله باب مداواة النساء الجرحى أي من الرجال وغيرهم في الغزو ثم قال بعده باب رد النساء الجرحى والقتلى كذا للاكثر وزاد الكشميهني إلى المدينة قوله عن الربيع بالتشديد وأبوها معوذ بالتشديد أيضا والذال المعجمة لها ولابيها صحبة قوله كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نقي كذا أورده في الاول مختصرا وأورده في الذي بعده وسياقه أتم وأوفى بالمقصود وزاد الاسماعيلي من طريق أخرى عن خالد بن ذكوان ولا نقاتل وفيه جواز معالجة المرأة الاجنبية الرجل الاجنبي للضرورة قال بن بطال ويختص ذلك بذوات المحارم ثم بالمتجالات منهن لان موضع الجرح لا يلتذ بلمسه بل يقشعر منه الجلد فإن دعت الضرورة لغير المتجالات فليكن بغير مباشرة ولا مس ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس بل يغسلها من ورآه حائل في قول بعضهم كالزهري وفي قول الاكثر تيمم وقال الاوزاعي تدفن كما هي قال بن المنير الفرق بين حال المداواة وتغسيل الميت أن الغسل عبادة والمداواة ضرورة والضرورات تبيح المحظورات الله تعالى قوله باب نزع السهم من البدن ذكر فيه حديث أبي موسى في قصة عمه أبي عامر باختصار وساقه في غزوة حنين بتمامه وسيأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى قال المهلب فيه جواز نزع السهم من البدن وأن كان في غبه الموت وليس ذلك من الالقاء إلى التهلكة إذا كان يرجو الانتفاع بذلك قال ومثله البط والكي وغير ذلك من الامور التي يتداوى بها وقال بن المنير لعله ترجم بهذا لئلا يتخيل أن الشهيد لا ينزع منه السهم بل يبقى فيه كما أمر بدفنه بدمائه حتى يبعث كذلك فبين بهذه الترجمة أن هذا مما شرع انتهى والذي قاله المهلب أولى لان حديث الباب يتعلق بمن أصابه ذلك وهو في الحياة بعد والذي أبداه بن المنير يتعلق بنزعه بعد الوفاة قوله باب الحراسة في الغزو في سبيل الله أي بيان ما فيها من الفضل وذكر فيه حديثين أحدهما عن عائشة قوله أخبرنا يحيى بن سعيد هو الانصاري و عبد الله بن عامر بن ربيعة هو العنزي له رؤية ولابيه صحبة قوله كان النبي صلى الله عليه وسلم سهر فلما قدم المدينة قال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة هكذا في هذه الرواية ولم يبين زمان السهر وظاهره أن السهر كان قبل القدوم والقول بعده وقد أخرجه مسلم من طريق الليث عن يحيى بن سعيد وقال فيه سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال فذكره وظاهره أن السهر والقول معا كانبعد القدوم وقد أخرجه النسائي من طريق أبي إسحاق الفزاري عن يحيى بن سعيد بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة يسهر من الليل وليس المراد بقدومه المدينة أول قدومه إليها من الهجرة لان عائشة إذ ذاك لم تكن عنده ولا كان سعد أيضا ممن سبق وقد أخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت فقلت ما شأنك يا رسول الله الحديث وقد روى الترمذي من طريق عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية والله يعصمك من الناس وإسناده حسن واختلف في وصله وإرساله قوله جئت لاحرسك في رواية الليث المذكورة فقال وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فنام النبي صلى الله عليه وسلم زاد المصنف في التمني من طريق

[ 61 ]

سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد حتى سمعنا غطيطه وفي الحديث الاخذ بالحذر والاحتراس من العدو وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم خشية القتل وفيه الثناء على من تبرع بالخير وتسميته صالحا وإنما عانى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع قوة توكله للاستنان به في ذلك وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا أشتد البأس كان أمام الكل وأيضا فالتوكل لا ينافي تعاطي الاسباب لان التوكل عمل القلب وهي عمل البدن وقد قال إبراهيم عليه السلام ولكن ليطمئن قلبي وقال عليه الصلاة والسلام اعقلها وتوكل قال بن بطال نسخ ذلك كما دل عليه حديث عائشة وقال القرطبي ليس في الآية ما ينافي الحراسة كما أن إعلام الله نصر دينه وإظهاره ما يمنع الامر بالقتال واعداد العدد وعلى هذا فالمراد العصمة من الفتنة والاضلال أو ازهاق الروح والله أعلم ثانيهما عن أبي هريرة قوله وزاد لنا عمرو بن مرزوق هكذا وعمرو هو من شيوخ البخاري وقد صرح بسماعه منه في مواضع أخرى وجميع الاسناد سواه مدنيون وفيه تابعيان عبد الله بن دينار وأبو صالح والمراد بالزيادة قوله في آخره تعس وانتكس الخ وقد وصله أبو نعيم من طريق أبي مسلم الكجي وغيره عن عمرو بن مرزوق وسيأتي مزيد لهذا في التمني إن شاء الله تعالى قوله تعس عبد الدينار الحديث سيأتي بهذا الاسناد والمتن في كتاب الرقاق ونذكر شرحه هناك إن شاء الله تعالى والغرض منه هنا قوله في الطريق الثانية طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه الحديث لقوله أن كان في الحراسة كان في الحراسة قوله تعس بفتح أوله وكسر المهملة ويجوز فتحها وهو ضد سعد تقول تعس فلان أي شقي وقيل معنى التعس الكب على الوجه قال الخليل التعس أن يعثر فلا يفيق من عثرته وقيل التعس الشر وقيل البعد وقيل الهلاك وقيل التعس أن يخر على وجهه والنكس أن يخر على رأسه وقيل تعس أخطأ حجته وبغيته وقوله وانتكس بالمهملة أي عاوده المرض وقيل إذا سقط اشتغل بسقطته حتى يسقط أخرى وحكى عياض أن بعضهم رواه انتكش بالمعجمة وفسره بالرجوع وجعله دعاء له لا عليه والاول أولى قوله وإذا شيك فلا انتقش شيك بكسر المعجمة وسكون التحتانية بعدها كاف وانتقش بالقاف والمعجمة والمعنى إذا أصابته الشوكة فلا وجد من يخرجها منه بالمنقاش تقول نقشت الشوك إذا استخرجته وذكر بن قتيبة أن بعضهم رواه بالعين المهملة بدل القاف ومعناه صحيح لكن مع ذكر الشوكة تقوى رواية القاف ووقع في رواية الاصيلي عن أبي زيد المروزي وإذا شيت بمثناة فوقانية بدل الكاف وهو تغيير فاحش وفي الدعاء بذلك إشارة إلى عكس مقصوده لان من عثر فدخلت في رجله الشوكة فلم يجد من يخرجها يصير عاجزا عن الحركة والسعي في تحصيل الدنيا وقي قوله طوبى لعبد الخ إشارة إلى الحض على العمل بما يحصل به خير الدنيا والآخرة قوله أشعث صفة لعبد وهو مجرور بالفتحة لعدم الصرف ورأسه بالرفع الفاعل قال الطيبي أشعث رأسه مغبرة قدماه حالان من قوله لعبد لانه موصوف وقال الكرماني يجوز الرفع ولم يوجهه وقال غيره ويجوز في أشعث الرفع على أنه صفة رأس أي رأسه أشعث وكذا قوله مغبرة قدماه قوله أن كان في الحراسة كان في الحراسة وأن كان في الساقة كان في الساقة هذا من المواضع التي اتحد فيها الشرط والجزاء لفظا لكن المعنى مختلف والتقدير أن كان المهم في الحراسة كان فيها وقيل معنى فهو في الحراسة أي فهو في ثواب الحراسة وقيل هو للتعظيم أي أن كان في الحراسة فهو في أمر عظيم والمراد منه لازمه أي فعليه أن يأتي بلوازمه

[ 62 ]

ويكون مشتغلا بخويصة عمله وقال بن الجوزي المعنى أنه خامل الذكر لا يقصد السمو فإن اتفق له السير سار فكأنه قال أن كان في الحراسة استمر فيها وأن كان في الساقة استمر فيها قوله أن استأذن لم يؤذن له وأن شفع لم يشفع فيه ترك حب الرياسة والشهرة وفضل الخمول والتواضع وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى قوله فتعسا كأنه يقول فأتعسهم الله وقع هذا في رواية المستملى وهي على عادة البخاري في شرح اللفظة التي توافق ما في القرآن بتفسيرها وهكذا قال أهل التفسير في قوله تعالى والذين كفروا فتعسا لهم قوله طوبى فعلى من كل شئ طيب وهي ياء حولت إلى الواو وهو من يطيب كذا في رواية المستملي أيضا والقول فيه كالقول في الذي قبله وقال غيره المراد الدعاء له بالجنة لان طوبى أشهر شجرها وأطيبه فدعاله أن ينالها ودخول الجنة ملزوم نيلها تكميل ورد في فضل الحراسة عدة أحاديث ليست على شرط البخاري منها حديث عثمان مرفوعا حرس ليلة في سبيل الله خيرمن ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها أخرجه ابن ماجة والحاكم وحديث سهل بن معاذ عن أبيه مرفوعا من حرس وراء المسلمين متطوعا لم ير النار بعينه الا تحلة القسم أخرجه أحمد وحديث أبي ريحانة مرفوعا حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله أخرجه النسائي ونحوه للترمذي عن بن عباس وللطبراني من حديث معاوية بن حيدة ولابي يعلى من حديث أنس واسنادها حسن وللحاكم عن أبي هريرة نحوه قوله باب الخدمة في الغزو أي فضلها سواء كانت من صغير لكبير أو عكسه أو مع المساواة وأحاديث الباب الثلاثة يؤخذ منها حكم هذه الاقسام وثلاثتها عن أنس الاول قوله حدثنا محمد بن عرعرة بمهملتين وقد ذكر الطبراني في الاوسط أنه تفرد به عن شعبة وهو من كبار شيوخ البخاري ممن روى عنه الباقون بواسطة قوله صحبت جرير بن عبد الله في رواية مسلم عن نصر بن علي عن محمد بن عرعرة خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي في سفر قوله فكان يخدمني وهو أكبر من أنس فيه التفات أو تجريد لانه قال من أنس ولم يقل مني وفي رواية مسلم عن محمد بن المثنى عن بن عرعرة وكان جرير أكبر من أنس ولعل هذه الجملة من قول ثابت وزاد مسلم عن نصر بن علي فقلت لا تفعل قوله يصنعون شيئا في رواية نصر يصنعون برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أي من التعظيم وأبهم ذلك مبالغة في تكثير ذلك قوله لا أجد أحدا منهم الا أكرمته في رواية نصر آليت أي حلفت أن لا أصحب أحدا منهم الا خدمته وفي رواية للاسماعيلي من وجه آخر عن بن عرعرة لا أزال أحب الانصار وفي هذا الحديث فضل الانصار وفضل جرير وتواضعه ومحبته للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث من الاحاديث التي أوردها المصنف في غير مظنتها وأليق المواضع بها المناقب الحديث الثاني حديث أنس أيضا خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر أخدمه وسيأتي بأتم من هذا السياق بعد بابين الحديث الثالث حديث أنس أيضا وعاصم هو بن سليمان ومور بتشديد الراء المكسورة وهما تابعيان في نسق والاسناد كله بصريون قوله كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم زاد مسلم من وجه آخر عن عاصم في سفر فمنا الصائم ومنا المفطر قال فنزلنا منزلا في يوم حار قوله أكثرنا ظلا من يستظل بكسائه في رواية مسلم وأكثرنا ظلا صاحب الكساء وزاد ومنا من يتقي الشمس بيده قوله فأما الذين صاموا فلم يصنعوا شيئا في رواية مسلم فسقط الصوام أي عجزوا عن العمل قوله وأما الذين

[ 63 ]

أفطروا فبعثوا الركاب أي أثاروا الابل لخدمتها وسقيها وعلفها وفي رواية مسلم فضربوا الاخبية وسقوا الركاب قوله بالاجر أي الوافر وليس المراد نقص أجر الصوام بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصوام فلذلك قال بالاجر كله لوجود الصفات المقتضية لتحصيل الاجر منهم قال بن أبي صفرة فيه أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام قلت وليس ذلك على العموم وفيه الحض على المعاونة في الجهاد وعلى أن الفطر في السفر أولى من الصيام وأن الصيام في السفر جائز خلافا لمن قال لا ينعقد وليس في الحديث بيان كونه إذ ذاك كان صوم فرض أو تطوع وهذا الحديث من الاحاديث التي أوردها المصنف أيضا في غير مظنتها لكونه لم يذكره في الصيام واقتصر على إيراده هنا والله أعلم قوله باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر ذكر فيه حديث أبي هريرة وهو ظاهر فيما ترجم له لانه يتناول حالة السفر من هذا الاطلاق بطريق الاولى والسلامي تقدم تفسيره في الصلح مع بعض الكلام عليه ويأتي بقيته بعد خمسين بابا في باب من أخذ بالركاب وقوله حدثنا إسحاق بن نصر هو بن إبراهيم بن نصر نسب لجده السعدي وهو بالمهملة الساكنة وفتح أوله وقيل بالضم والمعجمة وقوله كيوم منصوب على الظرفية وقوله يعين يأتي توجيهه وقوله يحامله أي يساعده في الركوب وفي الحمل على الدابة قال بن بطال وبين في الرواية الآتية في باب من أخذ بالركاب أن المراد من أعان صاحب الدابة عليها حيث قال ويعين الرجل على دابته قال وإذا أجر من فعل ذلك بدابة غيره فإذا حمل غيره على دابة نفسه احتسابا كان أعظم أجرا وقوله دل الطريق بفتح الدال أي بيانه لمن أحتاج إليه وهو بمعنى الدلالة قوله باب فضل رباط يوم في سبيل الله وقول الله عزوجل يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا الآية الرباط بكسر الراء وبالموحدة الخفيفة ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم قال بن التين بشرط أن يكون غير الوطن قاله بن حبيب عن مالك قلت وفيه نظر في إطلاقه فقد يكون وطنه وينوي بالاقامة فيه دفع العدو ومن ثم أختار كثير من السلف سكنى الثغور فبين المرابطة والحراسة عموم وخصوص وجهي واستدلال المصنف بالآية اختيار لاشهر التفاسير فعن الحسن البصري وقتادة اصبروا على طاعة الله وصابروا أعداء الله في الجهاد ورابطوا في سبيل الله وعن محمد بن كعب القرظي اصبروا على الطاعة وصابروا لانتظار الوعد ورابطوا العدو واتقوا الله فيما بينكم وعن زيد بن أسلم اصبروا على الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل قال بن قتيبة أصل الرباط أن يربط هؤلاء خيلهم وهؤلاء خيلهم استعدادا للقتال قال الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل وأخرج ذلك بن أبي حاتم وابن جرير وغيرهما وتفسيره برباط الخيل يرجع إلى الاول وفي الموطأ عن أبي هريرة مرفوعا وانتظار الصلاة فذلكم الرباط وهو في السنن عن أبي سعيد وفي المستدرك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن الآية نزلت في ذلك واحتج بأنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو فيه رباط انتهى وحمل الآية على الاول أظهر وما احتج به أبو سلمة لا حجة فيه ولا سيما مع ثبوت حديث الباب فعلى تقدير تسليم أنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رباط فلا يمنع ذلك من الامر به والترغيب فيه ويحتمل أن يكون المراد كلا من الامرين أو ما هو أعم من ذلك وأما التقييد باليوم في الترجمة واطلاقه في

[ 64 ]

الآية فكأنه أشار إلى أن مطلقها يقيد بالحديث فإنه يشعر بأن أقل الرباط يوم لسياقه في مقام المبالغة وذكره مع موضع سوط يشير إلى ذلك أيضا قوله سمع أبا النضر هو هاشم بن القاسم والتقدير أنه سمع وهي تحذف من الخط كثيرا قوله خير من الدنيا وما عليها تقدم في أوائل الجهاد من حديث سهل بن سعد هذا مختصرا بلفظ وما فيها والتعبير بقوله وما عليها أبلغ وتقدم الكلام هناك على حديث الروحة والغدوة وكذا على حديث موضع سوط أحدكم لكن من حديث أنس وسيأتي من حديث سهل بن سعد أيضا في صفة الجنة ووقع في حديث سلمان عند أحمد والنسائي وابن حبان رباط يوم أو ليلة خير من صيام شهر وقيامه ولاحمد والترمذي وابن ماجة عن عثمان رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل قال بن بزيزة ولا تعارض بينهما لانه يحمل على الاعلام بالزيادة في الثواب عن الاول أو باختلاف العاملين قلت أو باختلاف العمل بالنسبة إلى الكثرة والقلة ولا يعارضان حديث الباب أيضا لان صيام شهر وقيامه خير من الدنيا وما عليها قوله باب من غزا بصبي للخدمة يشير إلى أن الصبي لا يخاطب بالجهاد ولكن يجوز الخروج به بطريق التبعية ويعقوب المذكور في الاسناد هو بن عبد الرحمن الاسكندراني وعمرو هو بن أبي عمرو مولى المطلب وسأذكر معظم شرحه في غزوة خيبر من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى وقد اشتمل على عدة من أحاديث الاستعاذة ويأتي شرحها في الدعوات وقصة صفية بنت حيي والبناء بها ويأتي شرح ذلك في النكاح وقوله صلى الله عليه وسلم لاحد هذا جبل يحبنا ونحبه وقوله عن المدينة اللهم إني أحرم ما بين لابتيها وقد تقدم شرحه في أواخر الحج وقد تقدم من أصل الحديث شئ يتعلق بستر العورة في كتاب الصلاة لكن ذلك القدر ليس في هذه الرواية والغرض من الحديث هنا صدره وقد استشكل من حيث أن ظاهره أن ابتداء خدمة أنس للنبي صلى الله عليه وسلم من أول ما قدم المدينة لانه صح عنه أنه قال خدمت النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين وفي رواية عشر سنين وخيبر كانت سنة سبع فيلزم أن يكون إنما خدمه أربع سنين قاله الداودي وغيره وأجيب بأن معنى قوله لابي طلحة التمس لي غلاما من غلمانكم تعيين من يخرج معه في تلك السفرة فعين له أبو طلحة أنسا فيسخط الالتماس على الاستئذان في المسافرة به لا في أصل الخدمة فانها كانت متقدمة فيجمع بين الحديثين بذلك وفي الحديث جواز استخدام اليتيم بغير أجرة لان ذلك لم يقع ذكره في هذا الحديث وحمل الصبيان في الغزو وكذا قاله بعض الشراح وتبعوه وفيه نظر لان أنسا حينئذ كان قد زاد على خمسة عشر لان خيبر كانت سنة سبع من الهجرة وكان عمره عند الهجرة ثمان سنين ولا يلزم من عدم ذكر الاجرة عدم وقوعها قوله هذا جبل يحبنا ونحبه قيل هو على الحقيقة ولا مانع من وقوع مثل ذلك بأن يخلق الله المحبة في بعض الجمادات وقيل هو على المجاز والمراد أهل أحد على حد قوله تعالى واسأل القرية وقال الشاعر وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا

[ 65 ]

رضي الله تعالى عنه قوله باب ركوب البحر كذا أطلق الترجمة وخصوص إيراده في أبواب الجهاد يشير إلى تخصيصه بالغزو وقد اختلف السلف في جواز ركوبه وتقدم في أوائل البيوع قول مطر الوراق ما ذكره الله الا بحق واحتج بقوله تعالى هو الذي يسيركم في البر والبحر وفي حديث زهير بن عبد الله يرفعه من ركب البحر إذا ارتج فقد برئت منه الذمة وفي رواية فلا يلومن الا نفسه أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث وزهير مختلف في صحبته وقد أخرج البخاري حديثه في تاريخه فقال في روايته عن زهير عن رجل من الصحابة وإسناده حسن وفيه تقييد المنع بالارتجاج ومفهومه الجواز عند عدمه وهو المشهور من أقوال العلماء فإذا غلبت السلامة فالبر والبحر سواء ومنهم من فرق بين الرجل والمرأة وهو عن مالك فمنعه للمرأة مطلقا وهذا الحديث حجة للجمهور وقد تقدم قريبا أن أول من ركبه للغزو معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان وذكر مالك أن عمر كان يمنع الناس من ركوب البحر حتى كان عثمان فما زال معاوية يستأذنه حتى أذن له قوله عن يحيى هو بن سعيد الانصاري وقد سبق الحديث قريبا وأن شرحه سيأتي في كتاب الاستئذان قوله باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب أي ببركتهم ودعائهم قوله وقال بن عباس أخبرني أبو سفيان أي بن حرب فذكر طرفا من الحديث الطويل وقد تقدم موصولا في بدء الوحي والغرض منه قوله في الضعفاء وهم أتباع الرسل وطريق الاحتجاج به حكاية بن عباس ذلك وتقريره له ثم ذكر في الباب حديثين الاول قوله حدثنا محمد بن طلحة أي أبو مصرف وقوله عن طلحة أي ابن مصرف وهو والد محمد بن طلحة الراوي عنه ومصعب بن سعد أي بن أبي وقاص وقوله رأى سعد أي بن أبي وقاص وهو والد مصعب الراوي عنه ثم أن صورة هذا السياق مرسل لان مصعبا لم يدرك زمان هذا القول لكن هو محمول على أنه سمع ذلك من أبيه وقد وقع التصريح عن مصعب بالرواية له عن أبيه عند الاسماعيلي فأخرجه من طريق معاذ بن هانئ حدثنا محمد بن طلحة فقال فيه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر المرفوع دون ما في أوله وكذا أخرجه هو والنسائي من طريق مسعر عن طلحة بن مصرف عن مصعب عن أبيه ولفظه أنه ظن أن له فضلا على من دونه الحديث ورواه عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد عن أبيه مرفوعا أيضا لكنه اختصره ولفظه ينصر المسلمون بدعاء المستضعفين أخرجه أبو نعيم في ترجمته في الحلية من رواية عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عن عمرو بن مرة وقال غريب من حديث عمرو تفرد به عبد السلام قوله رأى أي ظن وهي رواية النسائي قوله على من دونه زاد النسائي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بسبب شجاعته ونحو ذلك قوله هل تنصرون وترزقون الا بضعفائكم في رواية النسائي إنما نصرالله هذه الامة بضعفتهم بدعواتهم وصلاتهم واخلاصهم وله شاهد من حديث أبي الدرداء عند أحمد والنسائي بلفظ إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم قال بن بطال تأويل الحديث أن الضعفاء أشد اخلاصا في الدعاء وأكثر خشوعا في العبادة لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا وقال المهلب أراد صلى الله عليه وسلم بذلك حض سعد على التواضع ونفي الزهو على غيره وترك احتقار المسلم في كل حالة وقد روى عبد الرزاق من طريق مكحول في قصة سعد هذه زيادة مع إرسالها فقال قال سعد يا رسول الله أرأيت رجلا يكون حامية القوم ويدفع عن أصحابه أيكون

[ 66 ]

نصيبه كنصيب غيره فذكر الحديث وعلى هذا فالمراد بالفضل إرادة الزيادة من الغنيمة فأعلمه صلى الله عليه وسلم أن سهام المقاتلة سواء فإن كان القوي يترجح بفضل شجاعته فإن الضعيف يترجح بفضل دعائه وإخلاصه وبهذا يظهر السر في تعقيب المصنف له بحديث أبي سعيد الثاني قوله عن عمرو هو بن دينار وجابر هو بن عبد الله وروايته عن أبي سعيد من رواية الاقران قوله يغزو فئام بكسر الفاء ويجوز فتحها وبهمزة على التحتانية ويجوز تسهيلها أي جماعة وسيأتي شرحه في علاما ت النبوة وفضائل الصحابة قال بن بطال هو كقوله في الحديث الآخر خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم لانه يفتح للصحابة لفضلهم ثم للتابعين لفضلهم ثم لتابعيهم لفضلهم قال ولذلك كان الصلاح والفضل والنصر للطبقة الرابعة أقل فكيف بمن بعدهم والله المستعان قوله باب لا يقال فلان شهيد أي على سبيل القطع بذلك الا أن كان بالوحي وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال تقولون في مغازيكم فلان شهيد ومات فلان شهيدا ولعله قد يكون قد أوقر راحلته ألا لا تقولوا ذلكم ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبي العجفاء بفتح المهملة وسكون الجيم ثم فاء عن عمر وله شاهد في حديث مرفوع أخرجه أبو نعيم من طريق عبد الله بن الصلت عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعدون الشهيد قالوا من أصابه السلاح قال كم من أصابه السلاح وليس بشهيد ولا حميد وكم من مات على فراشه حتف أنفه عند الله صديق وشهيد وفي إسناده نظر فإنه من رواية عبد الله بن خبيق بالمعجمة والموحدة والقاف مصغر عن يوسف بن أسباط الزاهد المشهور وعلى هذا فالمراد النهي عن تعيين وصف واحد بعينه بأنه شهيد بل يجوز أن يقال ذلك على طريق الاجمال قوله وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الله أعلم بمن يجاهد في سبيله والله أعلم بمن يكلم في سبيله أي يجرح وهذا طرف من حديث تقدم في أوائل الجهاد من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة باللفظ الاول ومن طريق الاعرج عنه باللفظ الثاني ووجه أخذ الترجمة منه يظهر من حديث أبي موسى الماضي من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ولا يطلع على ذلك إلا بالوحي فمن ثبت أنه في سبيل الله أعطى حكم الشهادة فقوله والله أعلم بمن يكلم في سبيله أي فلا يعلم ذلك إلا من أعلمه الله فلا ينبغي إطلاق كون كل مقتول في الجهاد أنه في سبيل الله ثم ذكر المصنف حديث سهل بن سعد في قصة الذي بالغ في القتال حتى قال المسلمون ما أجزأ أحد ما أجزأ ثم كان آخر أمره أن قتل نفسه وسيأتي شرحه مستوفى في المغازي حيث ذكره المصنف ووجه أخذ الترجمة منه أنهم شهدوا برجحانه في أمر الجهاد فلو كان قتل لم يمتنع

[ 67 ]

أن يشهدوا له بالشهادة وقد ظهر منه أنه لم يقاتل لله وإنما قاتل غضبا لقومه فلا يطلق على كل مقتول في الجهاد أنه شهيد لاحتمال أن يكون مثل هذا وأن كان مع ذلك يعطى حكم الشهداء في الاحكام الظاهرة ولذلك أطبق السلف على تسمية المقتولين في بدر وأحد وغيرهما شهداء والمراد بذلك الحكم الظاهر المبني على الظن الغالب والله أعلم وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن مجاهد قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك قال لا يخرج معنا الا مقوى فخرج رجل على بكر ضعيف فوقص فمات فقال الناس الشهيد الشهيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال ناد أن الجنة لا يدخلها عاص وفيه إشارة إلى أن الشهيد لا يدخل النار لانه صلى الله عليه وسلم قال أنه من أهل النار ولم يتبين منه الا قتل نفسه وهو بذلك عاص لا كافر لكن يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على كفره في الباطن أو أنه أستحل قتل نفسه وقد يتعجب من المهلب حيث قال أن حديث الباب ضد ما ترجم به البخاري لانه قال لا يقال فلان شهيد والحديث فيه ضد الشهادة وكأنه لم يتأمل مراد البخاري وهو ظاهر كما قررته بحمد الله تعالى قوله باب التحريض على الرمي وقول الله عزوجل وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل الآية لمح بما جاء في تفسير القوة في هذه الآية أنها الرمي وهو عند مسلم من حديث عقبة بن عامر ولفظه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الا أن القوة الرمي ثلاثا ولابي داود وابن حبان من وجه آخر عن عقبة بن عامر رفعه أن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله فارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلى من أن تركبوا الحديث وفيه ومن ترك الرمي بعد علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها ولمسلم من وجه آخر عن عقبة رفعه من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو فقد عصى ورواه بن ماجة بلفظ فقد عصاني قال القرطبي إنما فسر القوة بالرمي وأن كانت القوة تظهر باعداد غيره من آلات الحرب لكون الرمي أشد نكاية في العدو وأسهل مؤنة لانه قد يرمي رأس الكتيبة فيصاب فينهزم من خلفه وذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث سلمة بن الاكوع قوله مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم أي من بني أسلم القبيلة المشهورة وهي بلفظ أفعل التفضيل من السلامة قوله ينتضلون بالضاد المعجمة أي يترامون والتناضل الترامي للسبق ونضل فلان فلانا إذا غلبه قوله وأنا مع بني فلان في حديث أبي هريرة في نحو هذه القصة عند بن حبان والبزار وأنا مع بن الادرع انتهى واسم بن الادرع محجن وقع ذلك من حديث حمزة بن عمرو الاسلمي في هذا الحديث عند الطبراني قال فيه وأنا مع محجن بن الادرع ومثله في مرسل عروة أخرجه السراج عن قتيبة عن بن لهيعة عن أبي الاسود عنه وهو صحابي معروف له حديث آخر في الادب المفرد للبخاري وفي أبي داود والنسائي وابن خزيمة وقيل اسم بن الادرع سلمة حكاه بن منده قال والادرع لقب واسمه ذكوان والله أعلم قوله قالوا كيف نرمي وأنت معهم اسم قائل ذلك منهم نضلة الاسلمي ذكره بن إسحاق في المغازي عن سفيان بن فروة الاسلمي عن أشياخ من قومه من الصحابة قالوا بينا محجن بن الادرع يناضل رجلا من أسلم يقال له نضلة فذكر الحديث وفيه فقال نضلة وألقى قوسه من يده والله لا أرمى معه وأنت معه قوله وأنا معكم كلكم بكسر اللام ووقع في رواية عروة وأنا مع جماعتكم والمراد بالمعية معية القصد إلى الخير

[ 68 ]

ويحتمل أن يكون قام مقام المحلل فيخرج السبق من عنده ولا يخرج كما تقدم ولا سيما وقد خصه بعضهم بالامام قال المهلب يستفاد منه أن من صار السلطان عليه في جملة المناضلين له أن لا يتعرض لذلك كما فعل هؤلاء القوم حيث أمسكوا لكون النبي صلى الله عليه وسلم مع الفريق الآخر خشية أن يغلبوهم فيكون النبي صلى الله عليه وسلم مع من وقع عليه الغلب فأمسكوا عن ذلك تأدبا معه انتهى وتعقب بأن المعنى الذي أمسكوا له لم ينحصر في هذا بل الظاهر أنهم أمسكوا لما استشعروا من قوة قلوب أصحابهم بالغلبة حيث صار النبي صلى الله عليه وسلم معهم وذلك من أعظم الوجوه المشعرة بالنصر وقد وقع في رواية حمزة بن عمر عند الطبراني فقالوا من كنت معه فقد غلب وكذا في رواية بن إسحاق فقال نضلة لا نغلب من كنت معه واستدل بهذا الحديث على أن اليمن من بني إسماعيل وفيه نظر لما سيأتي في مناقب قريش من أنه استدلال بالاخص على الاعم وفيه أن الجد الاعلى يسمى أبا وفيه التنويه بذكر الماهر في صناعته ببيان فضله وتطييب قلوب من هم دونه وفيه حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بأمور الحرب وفيه الندب إلى أتباع خصال الآباء المحمودة والعمل بمثلها وفيه حسن أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم الحديث الثاني حديث أبي أسيد بضم الهمزة ووقع في رواية السرخسي وحده بفتحها وهو خطأ وقوله إذا أكثبوكم كذا في نسخ البخاري بمثلثة ثم موحدة والكثب بفتحتين القرب فالمعنى إذا دنوا منكم وقد استشكل بأن الذي يليق بالدنو المطاعنة بالرمح والمضاربة بالسيف وأما الذي يليق برمي النبل فالبعد وزعم الداودي أن معنى أكثبوكم كاثروكم قال وذلك أن النبل إذا رمى في الجمع لم يخطئ غالبا ففيه ردع لهم وقد تعقب هذا التفسير بأنه لا يعرف وتفسير الكثب بالكثرة غريب والاول هو المعتمد وفد بينته رواية أبي داود حيث زاد في آخره واستبقوا نبلكم وفي رواية له ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم فظهر أن معنى الحديث الامر بترك الرمي والقتال حتى يقربوا لانهم إذا رموهم على بعد قد لا تصل إليهم وتذهب في غير منفعة وإلى ذلك الاشارة بقوله واستبقوا نبلكم وعرف قوله ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم أن المراد بالقرب المطلوب في الرمي قرب نسبي بحيث تنالهم السهام لاقرب قريب بحيث يلتحمون معهم والنبل بفتح النون وسكون الموحدة جمع نبله ويجمع أيضا على نبال وهي السهام العربية اللطاف تنبيه وقع في إسناد هذا الحديث اختلاف سأبينه إن شاء الله تعالى في غزوة بدر قوله باب اللهو بالحراب ونحوها أي من آلات الحرب وكأنه يشير بقوله ونحوها إلى ما روى أبو داود والنسائي وصححه بن حبان من حديث عقبة بن عامر مرفوعا ليس من اللهو أي مشروع أو مطلوب الا تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ثم أورد فيه حديث أبي هريرة بينا الحبشة يلعبون عند النبي صلى الله عليه وسلم الحديث ولم يقع في هذه الرواية ذكر الحراب وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما تقدم بيانه في باب أصحاب الحراب في المسجد من كتاب الصلاة وذكرنا فوائده هناك وفي كتاب العيدين قال بن التين يحتمل أن يكون عمر لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلم أنه رآهم أو ظن أنه رآهم واستحيا أن يمنعهم وهذا أولى لقوله في الحديث وهم يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت وهذا لا يمنع الاحتمال المذكور أو ويحتمل أن يكون إنكاره لهذا شبيه إنكاره على المغنيتين وكان من شدته

[ 69 ]

في الدين ينكر خلاف الاولى والجد في الجملة أولى من اللعب المباح وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان بصدد بيان الجواز وقوله زاد على حدثنا عبد الرزاق وقع في رواية الكشميهني زادنا علي قوله باب المجن في رواية بن شبويه الترسة جمع ترس والمجن بكسر الميم وفتح الجيم وتثقيل النون أي الدرقة قال بن المنير وجه هذه التراجم دفع من يتخيل أن اتخاذ هذه الآلات ينافي التوكل والحق أن الحذر لا يرد القدر ولكن يضيق مسالك الوسوسة لما طبع عليه البشر قوله ومن يترس بترس صاحبه أي فلا بأس به ثم ذكر فيه أربعة أحاديث الاول حديث أنس كان أبو طلحة يترس مع النبي صلى الله عليه وسلم بترس واحد الحديث أورده مختصرا من هذا الوجه وسيأتي بأتم من هذا السياق في المناقب في غزوة أحد قيل أن الرامي يحتاج إلى من يستره لشغله يديه جميعا بالرمي فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يترسه بترسه ثانيها حديث سهل وهو بن سعد لما كسرت بيضة النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه الحديث والغرض منه قوله وكان على يختلف بالماء في المجن وقد تقدمت له طريق أخرى قريبا ويأتي الكلام عليه في غزوة أحد إن شاء الله تعالى ثالثها حديث عمر كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله الحديث ذكر منه طرفا وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب فرض الخمس وفي الفرائض والغرض منه قوله هنا ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة لان المجن من جملة آلات السلاح كما روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن بن عمر أنه كانت عنده درقة فقال لولا أن عمر قال لي أحبس سلاحك لاعطيت هذه الدرقة لبعض أولادي رابعها حديث علي في قوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص إرم فداك أبي وأمي وسيأتي شرحه مستوفى في المناقب وفي غزوة أحد وقوله فيه حدثنا قبيصة هو ابن عقبة وسفيان هو الثوري وزعم أبو نعيم في المستخرج أن لفظ قبيصة هنا تصحيف ممدون البخاري وأن الصواب حدثنا قتيبة وعلى هذا فسفيان هو بن عيينة لان قتيبة لم يسمع من الثوري لكن لا أعرف لانكاره معنى إذ لا مانع أن يكون عند السفيانين وقد أخرجه المصنف في الادب من طريق يحيى القطان عن سفيان الثوري ووقع في رواية النسفي هنا عن مسدد عن يحيى أيضا ودخول هذا الحديث هنا غير ظاهر لانه لا يوافق واحدا من ركني الترجمة وقد أثبت بن شبويه في روايته قبله لفظ باب بغير ترجمة وله مناسبة بالترجمة التي قبله من جهة أن الرامي لا يستغني عن شئ يقي به عن نفسه سهام من يراميه وفي حديث علي جواز التفدية وسيأتي بسط ذلك بادلته وبيان ما يعارضه في كتاب الادب إن شاء الله تعالى قوله باب الدرق جمع درقة أي جواز اتخاذ ذلك أو مشروعيته قوله حدثنا إسماعيل

[ 70 ]

هو بن أبي أويس كما جزم به المزي في الاطراف وأغفل ذلك في التهذيب وهذا الحديث قد تقدم في أول العيدين عن أحمد عن بن وهب وبينت هناك الاختلاف في أبيه وهو المراد بقوله في هذا الباب قال أحمد يعني عن بن وهب بهذا السند وقوله فيه فقال دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا في رواية أبي ذر عمد بدل غفل وكذا في رواية أبي زيد المروزي قال عياض ورواية الاكثر هي الوجه قوله باب الحمائل وتعليق السيف بالعنق الحمائل بالمهملة جمع حميلة وهي ما يقلد به السيف وأورد فيه حديث أنس وقد تقدم في باب الفرس العرى وباب الشجاعة في الحرب وسياقه هنا أتم وسبق شرحه في الهبة والغرض منه هنا قوله وفي عنقه السيف فدل على جواز ذلك وقوله لم تراعوا وقع في رواية الحموي والكشميهني مرتين قال بن المنير مقصود المصنف من هذه التراجم أن يبين رأى السلف في آلة الحرب وما سبق استعماله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أطيب للنفس وأنفى للبدعة قوله باب ما جاء في حلية السيوف أي من الجواز وعدمه قوله سمعت سليمان بن حبيب هو المحاربي قاضي دمشق في زمن عمر بن عبد العزيز وغيره ومات سنة عشرين أو بعدها وليس له في البخاري سوى هذا الحديث قوله لقد فتح الفتوح قوم وقع عند بن ماجة لتحديث أبي أمامة بذلك سبب وهو دخلنا على أبي أمامة فرأى في سيوفنا شيئا من حلية فضة فغضب وقال فذكره وزاد الاسماعيلي في روايته أنه دخل عليه بحمص وزاد فيه لانتم أبخل من أهل الجاهلية أن الله يرزق الرجل منكم الدرهم ينفقه في سبيل الله بسبعمائة ثم أنتم تمسكون وأخرجه هشام بن عمار في فوائده والطبراني من طريقه من وجه آخر عن سليمان بن حبيب قال نزلنا حمص قافلين من الروم فإذا عبد الله بن أبي زكريا ومكحول فانطلقنا إلى أبي أمامة فإذا شيخ هرم فلما تكلم إذا رجل يبلغ حاجته ثم قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ ما أرسل به وأنتم تبلغون عنا ثم نظر إلى سيوفنا فإذا فيها شئ من الفضة فغضب حتى أشتد غضبه قوله العلابي بفتح المهملة وتخفيف اللام وكسر الموحدة جمع علباء بسكون اللام وقد فسره الاوزاعي في رواية أبي نعيم في المستخرج فقال العلابي الجلود الخام التي ليست بمدبوغة وقال غيره العلابي العصب تؤخذ رطبة فيشد بها جفون السيوف وتلوى عليها فتجف وكذلك تلوى رطبة على ما يصدع من الرماح وقال الخطابي هي عصب العنق وهي أمتن ما يكون من عصب البعير وزعم الداودي أن العلابي ضرب من الرصاص فأخطأ كما نبه عليه القزاز في شرح غريب الجامع وكأنه لما رآه قرن بالآنك ظنه ضربا منه وزاد هشام بن عمار في روايته والحديد وزاد فيه أشياء لا تتعلق بالجهاد والآنك بالمد وضم النون بعدها كاف وهو الرصاص وهو واحد لا جمع له وقيل هو الرصاص الخالص وزعم الداودي أن الآنك القصدير وقال بن الجوزي الآنك الرصاص القلعي وهو بفتح اللام منسوب إلى القلعة موضع بالبادية ينسب ذلك إليه وتنسب إليه السيوف أيضا فيقال سيوف قلعية وكأنه معدن يوجد فيه الحديد والرصاص وفي هذا الحديث أن تحلية السيوف وغيرها من آلات الحرب بغير الفضة والذهب أولى وأجاب من أباحها بأن تحلية السيوف بالذهب والفضة إنما شرع لارهاب العدو وكان لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك غنية لشدتهم في أنفسهم

[ 71 ]

وقوتهم في إيمانهم قوله باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة ذكر فيه حديث جابر في قصة الاعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم والغرض منه قوله فنزل تحت شجرة فعلق بها سيفه وسيأتي شرحه في كتاب المغازي قوله باب لبس البيضة بفتح الموحدة وهي ما يلبس في الرأس من آلات السلاح ذكر فيه حديث سهل بن سعد الماضي قبل أربعة أبواب لقوله فيه وهشمت البيضة على رأسه وقد تقدمت الاشارة إلى مكان شرحه قوله باب من لم ير كسر السلاح وعقر الدواب عند الموت كأنه يشير إلى رد ما كان عليه أهل الجاهلية من كسر السلاح وعقر الدواب إذا مات الرئيس فيهم وربما كان يعهد بذلك لهم قال بن المنير وفي ذلك إشارة إلى انقطاع عمل الجاهلي الذي كان يعمله لغير الله وبطلان آثاره وخمول ذكره بخلاف سنة المسلمين في جميع ذلك انتهى ولعل المصنف لمح بذلك إلى من نقل عنه أنه كسر رمحه عند الاصطدام حتى لا يغنمه العدو أن لو قتل وكسر جفن سيفه وضرب بسيفه حتى قتل كما جاء نحو ذلك عن جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة فأشار إلى أن هذا شئ فعله جعفر وغيره عن اجتهاد والاصل عدم جواز اتلاف المال لانه يفعل شيئا محققا في أمر غير محقق وذكر فيه حديث عمرو بن الحارث الخزاعي ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم أي عند موته الا سلاحه الحديث وقد تقدم في الوصايا وسيأتي شرحه في المغازي وزعم الكرماني أن مناسبته للترجمة أنه صلى الله عليه وسلم مات وعليه دين ولم يبع فيه شيئا من سلاحه ولو كان رهن درعه وعلى هذا فالمراد بكسر السلاح بيعه ولا يخفى بعده قوله باب تفرق الناس عن الامام عند القائلة والاستظلال بالشجر ذكر فيه حديث جابر الماضي قبل بابين من وجهين وهو ظاهر فيما ترجم له وقد تقدمت الاشارة إلى مكان شرحه قال القرطبي هذا يدل على انه صلى الله عليه وسلم كان في هذا الوقت لا يحرسه أحد من الناس بخلاف ما كان عليه في أول الامر فانه كان يحرس حتى نزل قوله تعالى والله يعصمك من الناس قلت قد تقدم ذلك قبل أبواب لكن قد قيل ان هذه القصة سبب نزول قوله تعالى والله يعصمك من الناس وذلك فيما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمر وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال كنا إذا نزلنا طلبنا للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم شجرة وأظلها فنزل تحت شجرة فجاء رجل فأخذ سيفه فقال يا محمد من يمنعك مني قال الله فانزل الله والله يعصمك من الناس وهذا إسناد حسن فيحتمل أن كان محفوظا أن يقال كان مخيرا في اتخاذ الحرس فتركه مرة لقوة يقينه فلما وقعت هذه القصة ونزلت هذه الآية ترك ذلك قوله

[ 72 ]

باب ما قيل في الرماح أي في اتخاذها واستعمالها أي من الفضل قوله ويذكر عن بن عمر الخ هو طرف من حديث أخرجه أحمد من طريق أبي منيب بضم الميم وكسر النون ثم تحتانية ساكنة ثم موحدة الجرشي بضم الجيم وفتح الراء بعدها معجمة عن بن عمر بلفظ بعثت بين يدي الساعة مع السيف وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم وأخرج أبو داود منه قوله من تشبه بقوم فهو منهم حسب من هذا الوجه وأبو منيب لا يعرف اسمه وفي الاسناد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان مختلف في توثيقه وله شاهد مرسل بإسناد حسن أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الاوزاعي عن سعيد بن جبلة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتمامه وفي الحديث إشارة إلى فضل الرمح وإلى حل الغنائم لهذه الامة وإلى أن رزق النبي صلى الله عليه وسلم جعل فيها لا في غيرها من المكاسب ولهذا قال بعض العلماء أنها أفضل المكاسب والمراد بالصغار وهو بفتح المهملة وبالمعجمة بذل الجزية وفي قوله تحت ظل رمحي إشارة إلى أن ظله ممدود إلى أبد الآباد والحكمة في الاقتصار على ذكر الرمح دون غيره من آلات الحرب كالسيف أن عادتهم جرت بجعل الرايات في أطراف الرمح فلما كان ظل الرمح أسبغ كان نسبة الرزق إليه أليق وقد تعرض في الحديث الآخر لظل السيف كما سيأتي قريبا من قوله صلى الله عليه وسلم الجنة تحت ظلال السيوف فنسب الرزق إلى ظل الرمح لما ذكرته أن المقصود بذكر الرمح الراية ونسبت الجنة إلى ظل السيف لان الشهادة تقع به غالبا ولان ظل السيف يكثر ظهوره بكثرة حركة السيف في يد المقاتل ولان ظل السيف لا يظهرالا بعد الضرب به لانه قبل ذلك يكون مغمودا معلقا وذكر المصنف في الباب حديث أبي قتادة في قصة الحمار الوحشي بإسنادين لمالك وقد تقدم شرحه مستوفى في الحج والغرض منه قوله فسألهم رمحه فأبوا قوله باب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم أي من أي شئ كانت وقوله والقميص في الحرب أي حكمه وحكم لبسه قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم أما خالد فقد احتبس أدراعه في سبيل الله هو طرف من حديث لابي هريرة تقدم شرحه في كتاب الزكاة والادراع جمع درع وهو القميص المتخذ من الزرد وأشار المصنف بذكر هذا الحديث إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كما لبس الدرع فيما ذكره في الباب ذكر الدرع ونسبه إلى بعض الشجعان من الصحابة فدل على مشروعيته وأن لبسها لا ينافي التوكل ثم ذكر فيه أحاديث الاول حديث بن عباس في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر والغرض منه قوله وهو في الدرع وقوله فيه حدثنا عبد الوهاب هو بن عبد المجيد الثقفي وقوله وقال وهيب يعني بن خالد حدثنا خالد يوم بدر يعني أن وهيب بن خالد رواه عن خالد وهو الحذاء شيخ عبد الوهاب فيه عن عكرمة عن بن عباس فزاد بعد قوله وهو في قبة يوم بدر وقد رواه محمد بن عبد الله بن حوشب عن عبد الوهاب كذلك كما سيأتي في المغازي وكذلك قال إسحاق بن راهويه عن عبد الوهاب الثقفي فلعل محمد بن المثنى شيخ البخاري لم

[ 73 ]

يحفظها ورواية وهيب وصلها المؤلف في تفسير سورة القمر ويأتي بيان ما استشكل من هذا الحديث في غزوة بدر وهو من مراسيل الصحابة لان بن عباس لم يحضر ذلك وسيأتي ما فيه هناك ثانيها حديث عائشة توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة الحديث قوله وقال يعلى حدثنا الاعمش درع من حديد يعني أن يعلى وهو بن عبيد رواه عن الاعمش بالاسناد المذكور فزاد أن الدرع كانت من حديد وقد وصله المؤلف في السلم كذلك قوله وقال معلى عن عبد الواحد يعني أن معلى بن أسد رواه عن عبد الواحد بن زياد فقال فيه أيضا رهنه درعا من حديد وقد وصله المصنف في الاستقراض وتقدم الكلام على شرحه مستوفى في كتاب الرهن ثالثها حديث أبي هريرة في البخيل المتصدق وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الزكاة والغرض منه هنا ذكر الجبتين فإنه روى بالموحدة وهو المناسب لذكر القميص في الترجمة وروى بالنون وهو المناسب للدرع وقد تقدم بيان اختلاف الرواة في ذلك هناك والجبة بالموحدة ما قطع من الثياب مشمرا قاله في المطالع ومحل استشهاده للترجمة وأن كان الممثل به في المثل لا يشترط وجوده فضلا عن مشروعيته من جهة أنه مثل بدرع الكريم فتشبيه الكريم المحمود بالدرع يشعر بأن الدرع محمود وموضع الشاهد منه درع الكريم لا درع البخيل وكأنه أقام الكريم مقام الشجاع لتلازمهما غالبا وكذلك ضدهما قوله باب الجبة في السفر والحرب ذكر فيه حديث المغيرة في قصة المسح على الخفين وفيه وعليه جبة شامية وفيه فذهب يخرج يديه من كميه وكانا ضيقين وهو ظاهر فيما ترجم له وقد تقدم الكلام على الحديث مستوفى في باب المسح على الخفين من كتاب الطهارة قوله باب الحرير في الحرب ذكر فيه حديث أنس في الرخصة للزبير و عبد الرحمن بن عوف في قميص الحرير ذكره من خمسة طرق ففي رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة من حكة كانت بهما وكذا قال شعبة في أحد الطريقين وفي رواية همام عن قتادة في أحد الطريقين يعني القمل ورجح بن التين الرواية التي فيه الحكة وقال لعل أحد الرواة تأولها فأخطأ وجمع الداودي باحتمال أن يكون إحدى العلتين بأحد الرجلين وقال بن العربي قد ورد أنه أرخص لكل منهما فالافراد يقتضي أن لكل حكمة قلت ويمكن الجمع بأن الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب وتارة إلى سبب السبب ووقع في رواية محمد بن بشارعن غندر رخص أو أرخص كذا بالشك وقد أخرجه أحمد عن غندر بلفظ رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا قال وكيع عن شعبة كما سيأتي في كتاب اللباس وأما تقييده بالحرب فكأنه أخذه من قوله في رواية همام فرأيته عليهما في غزاة ووقع في رواية أبي داود في السفر من حكة وقد ترجم له في اللباس ما يرخص للرجال من الحرير للحكة ولم يقيده بالحرب فزعم

[ 74 ]

بعضهم أن الحرب في الترجمة بالجيم وفتح الراء وليس كما زعم لانها لا يبقى لها في أبواب الجهاد مناسبة ويلزم منه إعاد الترجمة في اللباس إذ الحكة والجرب متقاربان وجعل الطبري جوازه في الغزو مستنبطا من جوازه للحكة فقال دلت الرخصة في لبسه بسبب الحكة أن من قصد بلبسه ما هو أعظم من أذى الحكة كدفع سلاح العدو ونحو ذلك فإنه يجوز وقد تبع الترمذي البخاري فترجم له باب ما جاء في لبس الحرير في الحرب ثم المشهور عن القائلين بالجواز أنه لا يختص بالسفر وعن بعض الشافعية يختص وقال القرطبي الحديث حجة على من منع الا أن يدعي الخصوصية بالزبير و عبد الرحمن ولا تصح تلك الدعوى قلت قد جنح إلى ذلك عمر رضي الله عنه فروى بن عساكر من طريق بن عوف عن بن سيرين ان عمر رأى على خالد بن الوليد قميص حرير فقال ما هذا فذكر له خالد قصة عبد الرحمن بن عوف فقال وأنت مثل عبدالحمن أو لك مثل ما لعبد الحمن ثم إمر من حضره فمزقوه رجاله ثقات الا أن فيه انقطاعا وقد اختلف السلف في لباسه فمنع مالك وأبو حنيفة مطلقا وقال الشافعي وأبو يوسف بالجواز للضرورة وحى ابن حبيب عن ابن الماجشون انه يستحب في الحرب وقال المهلب لباسه في الحرب لارهاب العدو وهو مثل الرخصة في الاختيال في الحرب انتهى ووقع في كلام النووي تبعا لغيره ان الحكمة في لبس الحرير للحكة لما فيه من البرودة وتعقب بان الحرير حار فالصواب أن الحكمة فيه لخاصة فيه لدفع ما تنشأ عنه الحكة كالقمل والله أعلم قوله باب ما يذكر في السكين ذكر فيه حديث جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاة الحديث وفي الطريق الاخرى فألقى السكين وقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة قوله باب ما قيل قي قتال الروم أي من الفضل واختلف في الروم فالاكثر أنهم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم واسم جدهم قيل روماني وقيل هو بن ليطا بن يونان بن يافث بن نوح قوله عن خالد بن معدان بفتح الميم وسكون المهملة والاسناد كله شاميون وإسحاق بن يزيد شيخ البخاري فيه هو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الفراديسي نسب لجده قوله عمير بن الاسود العنسي بالنون والمهملة وهو شامي قديم يقال اسمه عمرو وعمير بالتصغير لقبه وكان عابدا مخضرما وكان عمر يثني عليه ومات في خلافة معاوية وليس له في البخاري سوى هذا الحديث عند من يفرق بينه وبين أبي عياض عمرو بن الاسود والراجح التفرقة وأم حرام بمهملتين تقدم ذكرها في أوائل الجهاد في حديث أنس وقد حدث عنها أنس هذا الحديث أتم من هذا السياق وأخرج الحسن بن سفيان هذا الحديث في مسنده عن هشام بن عمار عن يحيى بن حمزة بسند البخاري وزاد في آخره قال هشام رأيت قبرها بالساحل قوله يغزون مدينة قيصر يعني القسطنطينية قال المهلب في هذا الحديث منقبة لمعاوية لانه أول من غزا البحر ومنقبة لولده يزيد لانه أول من غزا مدينة قيصر وتعقبه بن التين وابن المنير بما حاصله أنه لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله صلى الله عليه وسلم مغفور لهم مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتى لو ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتفاقا فدل على أن المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم وأما قول بن التين يحتمل أن يكون لم يحضر مع الجيش فمردود الا أن يريد لم يباشر القتال فيمكن فإنه كان أمير ذلك الجيش بالاتفاق وجوز بعضهم أن المراد بمدينة قيصر

[ 75 ]

المدينة التي كان بها يوم قال النبي صلى الله عليه وسلم تلك المقالة وهي حمص وكانت دار مملكته إذ ذاك وهذا يندفع بأن في الحديث أن الذين يغزون البحر قبل ذلك وأن أم حرام فيهم وحمص كانت قد فتحت قبل الغزوة التي كانت فيها أم حرام والله أعلم قلت وكانت غزوة يزيد المذكورة في سنة اثنتين وخمسين من الهجرة وفي تلك الغزاة مات أبو أيوب الانصاري فأوصى أن يدفن عند باب القسطنطينية وأن يعفى قبره ففعل به ذلك فيقال أن الروم صاروا بعد ذلك يستسقون به وفي الحديث أيضا الترغيب في سكنى الشام وقوله قد أوجبوا أي فعلوا فعلا وجبت لهم به الجنة قوله باب قتال اليهود ذكر فيه حديثي بن عمر وأبي هريرة في ذلك وهو أخبار بما يقع في مستقبل الزمان قوله الفروي بفتح الفاء والراء منسوب إلى جده أبي فروة وإسحاق هذا غير إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة الضعيف وهو أعني إسحاق بن عبد الله عم والد هذا وإسحاق هذا ربما روى عنه البخاري بواسطة وهذا الحديث مما حدث به مالك خارج الموطأ ولم ينفرد به إسحاق المذكور بل تابعه بن وهب ومعن بن عيسى وسعيد بن داود والوليد بن مسلم أخرجها الدارقطني في غرائب مالك وأخرج الاسماعيلي طريق بن وهب فقط قوله تقاتلون فيه جواز مخاطبة الشخص والمراد غيره ممن يقول بقوله ويعتقد اعتقاده لانه من المعلوم أن الوقت الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم لم يأت بعد وإنما أراد بقوله تقاتلون مخاطبة المسلمين ويستفاد منه أن الخطاب الشفاهي يعم المخاطبين ومن بعدهم وهو متفق عليه من جهة الحكم وإنما وقع الاختلاف فيه في حكم الغائبين هل وقع بتلك المخاطبة نفسها أو بطريق الالحاق وهذا الحديث يؤيد من ذهب إلى الاول وفيه إشارة إلى بقاء دين الاسلام إلى أن ينزل عيسى عليه السلام فإنه الذي يقاتل الدجال ويستأصل اليهود الذين هم تبع الدجال على ما ورد من طريق أخرى وسيأتي بيانها مستوفى في علامات النبوة إن شاء الله تعالى صلى الله عليه وسلم قوله باب قتال الترك اختلف في أصل الترك فقال الخطابي هم بنو قنطوراء أمة كانت لابراهيم عليه السلام وقال كراع هم الديلم وتعقب بأنهم جنس من الترك وكذلك الغز وقال أبو عمرو هم من أولاد يافث وهم أجناس كثيرة وقال وهب بن منبه هم بنو عم يأجوج ومأجوج لما بنى ذو القرنين السد كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين فتركوا لم يدخلوا مع قومهم فسموا الترك وقيل إنهم من نسل تبع وقيل من ولد افريدون بن سام بن نوح وقيل بن يافث لصلبه وقيل بن كومى بن يافث ذكر فيه حديثين أحدهما حديث عمرو بن تغلب بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام بعدها موحدة والحسن هو البصري والاسناد كله بصريون قوله من أشراط الساعة زاد الكشميهني في أوله أن قوله ينتعلون نعال الشعر هذا والحديث الذي بعده ظاهر في أن الذين ينتعلون الشعر غير الترك وقد وقع للاسماعيلي من طريق محمد بن عباد قال بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر قلت بابك بموحدتين مفتوحتين وآخره كاف يقال له الخرمي بضم المعجمة وتشديد الراء المفتوحة وكان من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرمات وقامت لهم شوكة كبيرة في أيام المأمون وغلبوا على كثير من بلاد العجم كطبرستان والرى إلى أن قتل بابك المذكور في أيام المعتصم وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين أو قبلها وقتله في سنة اثنتين وعشرين قوله المجان بالجيم وتشديد النون جمع مجن وقد تقدم ذكره قبل أبواب والمطرقة التي

[ 76 ]

ألبست الاطرقة من الجلود وهي الاغشية تقول طارقت بين النعلين أي جعلت إحداهما على الاخرى وقال الهروي هي التي أطرقت بالعصب أي ألبست به ثانيهما حديث أبي هريرة في ذلك رحمه الله قوله باب قتال الذين ينتعلون الشعر ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور من وجه آخر قوله قال سفيان وزاد فيه أبو الزناد هو موصول بالاسناد المذكور وأخطأ من زعم أنه معلق وقد وصله الاسماعيلي من طريق محمد بن عبادة عن سفيان بالاسنادين معا قوله رواية هو عوض عن قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد وقع عند الاسماعيلي من طريق محمد بن عباد عن سفيان بلفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ووقع في الباب الذي قبله من وجه آخر عن الاعرج بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد فيه حمر الوجوه ولم يذكر صغار الاعين وقوله ذلف الانوف أي صغارها والعرب تقول أملح النساء الذلف وقيل الذلف الاستواء في طرف الانف وقيل قصر الانف وانبطاحه وسيأتي بقية شرح هذا الحديث في علامات النبوة إن شاء الله تعالى قوله باب من صف أصحابه عند الهزيمة أي صف من ثبت معه بعد هزيمة من انهزم ذكر فيه حديث البراء في قصة حنين وهو ظاهر فيما ترجم له ووقع في آخره ثم صف أصحابه وذلك بعد أن نزل واستنصر والمراد بقوله واستنصر أي استنصر الله بعد أن رمى الكفار بالتراب وسيأتي شرح ذلك مستوفى في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى قوله باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة ذكر فيه خمسة أحاديث الاول حديث علي لما كان يوم الاحزاب الحديث قوله عن هشام هو الدستوائي وزعم الاصيلي أنه بن حسان ورام بذلك تضعيف الحديث فأخطأ من وجهين وتجاسر الكرماني فقال

[ 77 ]

المناسب أنه هشام بن عروة وسيأتي شرح هذا الحديث مستوفى في تفسير سورة البقرة إن شاء الله تعالى وفيه الدعاء عليهم بأن يملا الله بيوتهم وقبورهم نار وليس فيه الدعاء عليهم بالهزيمة لكن يؤخذ ذلك من لفظ الزلزلة لان في احراق بيوتهم غاية التزلزل لنفوسهم ثانيها حديث أبي هريرة في الدعاء في القنوت وفيه اللهم اشدد وطأتك على مضر ودخوله في الترجمة بطريق العموم لان شدة الوطأة يدخل تحتها ما ترجم به فإن المراد اشدد عليهم البأس والعقوبة والاخذ الشديد وابن ذكوان المذكور في الاسناد هو أبو الزناد واسمه عبد الله وقد تقدم من وجه آخر في كتاب الوتر ويأتي شرحه مستوفى في التفسير إن شاء الله تعالى ثالثها حديث بن أبي أوفى وهو ظاهر فيما ترجم له والمراد الدعاء عليهم إذا انهزموا أن لا يستقر لهم قرار وقال الداودي أراد أن تطيش عقولهم وترعد أقدامهم عند اللقاء فلا يثبتوا وقد ذكر الاسماعيلي من وجه آخر زيادة في هذا الدعاء وسيأتي التنبيه عليها في باب لا تتمنوا لقاء العدو إن شاء الله تعالى رابعها حديث عبد الله بن مسعود في قصة الجزور التي نحرت بمكة وفيه اللهم عليك بقريش وفيه ما قررته في الحديث الثاني قوله قال أبو إسحاق هو بالاسناد المذكور وكأنه لما حدث سفيان بهذا الحديث كان نسي السابع وقول المصنف قال يوسف بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق أمية بن خلف وقال شعبة أمية أو أبي والصحيح أمية أراد بذلك أن أبا إسحاق حدث به مرة فقال أبي بن خلف وهذه رواية سفيان وهو الثوري هنا وحدث به أخرى فقال أمية وهي رواية شعبة وحدث به أخرى فشك فيه ويوسف المذكور هو بن إسحاق بن أبي إسحاق نسبه إلى جده وقد وصل المصنف حديثه بطوله في الطهارة وطريق شعبة وصلها المؤلف أيضا في كتاب المبعث وقد بينت في الطهارة أن إسرائيل روى عن أبي إسحاق هذا الحديث فسمى السابع وذكرت ما فيه من البحث خامسها حديث عائشة في قصة اليهود وفيه فلم تسمعي ما قلت وعليكم وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه في آخره يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا وقد ذكرها الاسماعيلي هنا من الوجه الذي أخرجه البخار ففيه مشروعية الدعاء على المشركين ولو خشي الداعي أنهم يدعون عليه وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الاستئذان إن شاء الله تعالى قوله باب هل يرشد المسلم أهل الكتاب أو يعلمهم الكتاب المراد بالكتاب الاول التوراة والانجيل وبالكتاب الثاني ما هو أعم منهما ومن القرآن وغير ذلك وأورد فيه طرفا من حديث بن عباس في شان هرقل وقد ذكره بعد بابين من وجه آخر عن بن شهاب بطوله وإسحاق شيخه فيه هو بن منصور وهذه الطريق أهملها المزي في الاطراف وارشادهم منه ظاهر وأما تعليمهم الكتاب فكأنه استنبطه من كونه كتب إليهم بعض القرآن بالعربية وكأنه سلطهم على تعليمه إذ لا يقرءونه حتى يترجم لهم ولا يترجم لهم حتى يعرف المترجم كيفية استخراجه وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف فمنع مالك من تعليم الكافر القرآن ورخص أبو حنيفة واختلف قول الشافعي والذي يظهر أن الراجح التفصيل بين من يرجى منه الرغبة في الدين والدخول فيه مع الامن منه أن يتسلط بذلك إلى الطعن فيه وبين من يتحقق أن ذلك لا ينجع فيه أو يظن أنه يتوصل بذلك إلى الطعن في الدين والله أعلم ويفرق أيضا بين القليل منه والكثير كما تقدم في أوائل كتاب الحيض قوله باب الدعاء للمشركين بالهدي ليتألفهم ذكر فيه حديث أبي

[ 78 ]

هريرة في قدوم الطفيل بن عمرو الدوسي وقول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اهد دوسا وهو ظاهر فيما ترجم له وقوله ليتألفهم من تفقه بالمصنف إشارة منه إلى الفرق بين المقامين وأنه صلى الله عليه وسلم كان تارة يدعو عليهم وتارة يدعو لهم فالحالة الاولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم كما تقدم في الاحاديث التي قبل هذا بباب والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم كما في قصة دوس وسيأتي شرح الحديث المذكور في المغازي إن شاء الله تعالى قوله باب دعوة اليهود والنصارى أي إلى الاسلام وقوله وعلى ما يقاتلون إشارة إلى أن ما ذكر في الباب الذي بعده عن علي حيث قال تقاتلوهم حتى يكونوا مثلنا وفيه أمره صلى الله عليه وسلم له بالنزول بساحتهم ثم دعائهم إلى الاسلام ثم القتال ووجه أخذه من حديثي الباب أنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى الروم يدعوهم إلى الاسلام قبل أن يتوجه إلى مقاتلتهم قوله وما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر قد ذكر ذلك في الباب مسندا وقوله والدعوة قبل القتال كأنه يشير إلى حديث بن عون في اغارة النبي صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق على غرة وهو متخرج عنده في كتاب الفتن وهو محمول عند من يقول باشتراط الدعاء قبل القتال على أنه بلغتهم الدعوة وهي مسألة خلافية فذهب طائفة منهم عمر بن عبد العزيز إلى اشتراط الدعاء إلى الاسلام قبل القتال وذهب الاكثر إلى أن ذلك كان في بدء الامر قبل انتشار دعوة الاسلام فإن وجد من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعى نص عليه الشافعي وقال مالك من قربت داره قوتل بغير دعوة لاشتهار الاسلام ومن بعدت داره فالدعوة أقطع للشك وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي أحد كبار التابعين قال كنا ندعو وندع قلت وهو منزل على الحالين المتقدمين ثم ذكر في الباب حديثين أحدهما حديث أنس في اتخاذ الخاتم وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب اللباس ثانيهما حديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث كتابه إلى كسرى وسيأتي شرحه في أواخر المغازي وفيه أن المبعوث به كان عبد الله بن حذافة السهمي ونذكر هناك ما يتعلق بكسرى وما المراد بعظيم البحرين وفي الحديث الدعاء إلى الاسلام بالكلام والكتابة وأن الكتابة تقوم مقام النطق وفيه إرشاد المسلم إلى الكافر وأن العادة جرت بين الملوك بترك قتل الرسل ولهذا مزق كسرى الكتاب ولم يتعرض للرسول قوله باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الاسلام والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله وقوله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب الآية أورد فيه أحاديث أحدها

[ 79 ]

حديث بن عباس في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر وفيه حديث عن أبي سفيان بن حرب وقد تقدم بطوله في بدء الوحي والكلام عليه مستوفى وهو ظاهر فيما ترجم به ويأتي شئ من الكلام عليه في تفسير سورة آل عمران إن شاء الله تعالى وأما قوله تعالى ما كان لبشر فالمراد من الآية الانكار على من قال كونوا عبادا لي من دون الله ومثلها قوله تعالى يا عيسى بن مريم أأنت قلت

[ 80 ]

للناس الآية وقوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله الآية ثانيها حديث سهل بن سعد في إعطاء على الراية يوم خيبر وسيأتي شرحه في المغازي والغرض منه قوله ثم ادعهم إلى الاسلام ثالثها حديث أنس في ترك الاغارة على من سمع منهم الاذان ذكره من وجهين وسيأتي شرحه في غزوة خيبر أيضا وهو دال على جواز قتال من بلغته الدعوة بغير دعوة فيجمع بينه وبين حديث سهل الذي قبله بان الدعوة مستحبة لا شرط وفيه دلالة على الحكم بالدليل لكونه كف عن القتال بمجرد سماع الاذان وفيه الاخذ بالاحوط في أمر الدعاء لانه كف عنهم في تلك الحالة مع احتمال أن لا يكون ذاك على الحقيقة ووقع هنا فلما أصبح خرجت يهود خيبر بمساحيهم ووقع في رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عند مسلم فأتيناهم حين بزغت الشمس ويجمع بأنهم وصلوا أول البلد عند الصبح فنزلوا فصلوا فتوجهوا وأجرى النبي صلى الله عليه وسلم فرسه حينئذ في زقاق خيبر كما في الرواية الاخرى فوصل في آخر الزقاق إلى أول الحصون حين بزغت الشمس رابعها حديث أبي هريرة أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله الحديث وهو ظاهر فيما ترجم له أولا حيث قال وعلام تقاتلون وقد مضى شرحه في كتاب الايمان في الكلام على حديث بن عمر لكن في حديث بن عمر زيادة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وقد وردت الاحاديث بذلك زائدا بعضها على بعض ففي حديث أبي هريرة الاقتصار على قول لا إله إلا الله وفي حديثه من وجه آخر عند مسلم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وفي حديث بن عمر ما ذكرت وفي حديث أنس الماضي في أبواب القبلة فإذا صلوا واستقبلوا واكلوا ذبيحتنا قال الطبري وغيره أما الاول فقال له في حالة قتاله لاهل الاوثان الذين لا يقرون بالتوحيد وأما الثاني فقال له في حالة قتال أهل الكتاب الذين يعترفون بالتوحيد ويجحدون نبوته عموما أو خصوصا وأما الثالث ففيه الاشارة إلى أن من دخل في الاسلام وشهد بالتوحيد وبالنبوة ولم يعمل بالطاعات أن حكمهم أن يقاتلوا حتى يذعنوا إلى ذلك وقد تقدمت الاشارة إلى شئ من ذلك في أبواب القبلة قوله رواه عمر وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أي مثل حديث أبي هريرة أما رواية عمر فوصلها المؤلف في الزكاة وأما رواية بن عمر فوصلها المؤلف في الايمان قوله باب من أراد غزوة فورى بغيرها ومن أحب الخروج إلى السفر يوم الخميس أما الجملة الاولى فمعنى ورى ستر وتستعمل في إظهار شئ مع إرادة غيره وأصله من الورى بفتح ثم سكون وهو ما يجعل وراء الانسان لان من ورى

[ 81 ]

بشئ كأنه جعله وراءه وقيل هو في الحرب أخذ العدو على غرة وقيده السيرافي في شرح سيبويه بالهمزة قال وأصحاب الحديث لم يضبطوا فيه الهمز وكأنهم سهلوها وأما الخروج يوم الخميس فلعل سببه ما روى من قوله صلى الله عليه وسلم بورك لامتي في بكورها يوم الخميس وهو حديث ضعيف أخرجه الطبراني من حديث نبيط بنون وموحدة مصغر بن شريط بفتح المعجمة أوله وكونه صلى الله عليه وسلم كان يحب الخروج يوم الخميس لا يستلزم المواظبة عليه لقيام مانع منه وسيأتي بعد باب أنه خرج في بعض أسفاره يوم السبت ثم أورد المصنف أطرافا من حديث كعب بن مالك الطويل في قصة غزوة تبوك ظاهرة فيما ترجم له وروى سعيد بن منصور عن مهدي بن ميمون عن واصل مولى أبي عتيبة قال بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر أحب أن يخرج يوم الخميس وقوله في الطريق الثانية وعن يونس عن الزهري هو موصول بالاسناد الاول عن عبد الله وهو بن المبارك عن يونس ووهم من زعم أن الطريق الثانية معلقة وقد أخرجه الاسماعيلي من وجه آخر عن بن المبارك عن يونس بالحديثين جميعا بالوجهين نعم توقف الدارقطني في هذه الرواية التي وقع فيها التصريح بسماع عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك من جده وقد أوضحت ذلك في المقدمة والحاصل أن رواية الزهري للجملة الاولى هي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك وروايته للجملة الثانية المتعلقة بيوم الخميس هي عن عمه عبد الرحمن بن كعب بن مالك وقد سمع الزهري منهما جميعا وحدث يونس عنه بالحديثين مفصلا وأراد البخاري بذلك دفع الوهم واللبس عمن يظن فيه اختلافا وسيأتي مزيد بسط لذلك في المغازي إن شاء الله تعالى قوله باب الخروج بعد الظهر ذكر فيه حديث أنس وقد تقدم في الحج وكأنه أورده إشارة إلى أن قوله صلى الله عليه وسلم بورك لامتي في بكورها لا يمنع جواز التصرف في غير وقت البكور وإنما خص البكور بالبركة لكونه وقت النشاط وحديث بورك لامتي في بكورها أخرجه أصحاب السنن وصححه بن حبان من حديث صخر الغامدي بالغين المعجمة وقد اعتنى بعض الحفاظ بجمع طرقه فبلغ عدد من جاء عنه من الصحابة نحو العشرين نفسا قوله باب الخروج آخر الشهر أي ردا على من كره ذلك من طريق الطيرة وقد نقل بن بطال أن أهل الجاهلية كانوا يتحرون أوائل الشهور للاعمال ويكرهون التصرف في محاق القمر قوله وقال كريب عن بن عباس رضي الله عنهما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة لخمس بقين هو طرف من حديث وصله المصنف في الحج ثم أورد حديث عمرة عن عائشة في ذلك وقد مضى الكلام عليهما في كتاب الحج وفيه استعمال الفصيح في التاريخ وهو ما دام في النصف الاول من الشهر يؤرخ بما خلا وإذا دخل النصف الثاني يؤرخ بما بقي وقد استشكل قول بن عباس وعائشة أنه خرج لخمس بقين لان ذا الحجة كان أوله الخميس للاتفاق على أن الوقفة كانت الجمعة فيلزم من ذلك أن يكون خرج يوم الجمعة ولا يصح ذلك لقول أنس في الحديث الذي قبله أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم خرج وأجيب بأن الخروج كان يوم السبت وإنما قال الصحابة لخمس بقين بناء على العدد لان ذا القعدة كان أوله الاربعاء فاتفق أن جاء ناقصا فجاء أول ذي الحجة الخميس فظهر أن الذي كان بقي من الشهر أربع لا خمس كذا أجاب به جمع من العلماء ويحتمل أن يكون الذي قال لخمس بقين أراد ضم يوم الخروج إلى ما بقي لان التأهب وقع في أوله وأن اتفق التأخير إلى أن صليت الظهر فكأنهم

[ 82 ]

لما تأهبوا باتوا ليلة السبت على سفر اعتدوا به من جملة أيام السفر والله أعلم قوله باب الخروج في رمضان ذكر فيه حديث بن عباس في ذلك وقد مضى شرحفي كتاب الصيام وأراد به رفع وهم من يتوهم كراهة ذلك قوله باب التوديع عند السفر أي أعم من أن يكون من المسافر للمقيم أو عكسه وحديث الباب ظاهر للاول ويؤخذ الثاني منه بطريق الاولى وهو الاكثر في الوقوع قوله وقال بن وهب الخ وصله النسائي والاسماعيلي من طريقه وسيأتي موصولا للمصنف من وجه آخر ويأتي شرحه هناك بعد اثنين وأربعين بابا وفيه تسمية من أبهم في هذا قوله باب السمع والطاعة للامام زاد في رواية الكشميهني ما لم يأمر بمعصية والاطلاق محمول عليه كما هو في نص الحديث ثم ساق حديث ابن عمر في ذلك من وجهين وساقه على لفظ الرواية الثانية وسيأتي الكلام عليه في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى وساقه هنا بلفظ الرواية الاولى وقيد الترجمة هناك بما وقع هنا في رواية الكشميهني وقوله فلا سمع ولا طاعة بالفتح فيهما والمراد نفي الحقيقة الشرعية لا الوجودية قوله باب يقاتل من وراء الامام ويتقى به يقاتل بفتح المثناة ولم يزد البخار على لفظ الحديث والمراد به المقاتلة للدفع عن الامام سواء كان ذلك من خلفه حقيقة أو قدامه ووراء يطلق على المعنيين قوله نحن الآخرون السابقون وبهذا الاسناد من أطاعني فقد أطاع الله الحديث الجملة الاولى طرف من حديث سبق بيانه في كتاب الجمعة وسبق في الطهارة أن عادته في إيراد هذه النسخة وهي شعيب عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة أن يصدر بأول حديث فيها ويعطف الباقي عليه لكونه سمعها هكذا وأن مسلما في نسخة معمر عن همام عن أبي هريرة سلك طريقا نحو هذه فإنه يقول في أول كل حديث منها فذكر أحاديث منها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيت وكيت وتكلف بن المنير فقال وجه مطابقة الترجمة لقوله نحن الآخرون السابقون الاشارة إلى أنه الامام وأنه يجب على كل أحد أن يقاتل عنه وينصره لانه وأن تأخر في الزمان لكنه متقدم في أخذ العهد على كل من تقدمه أنه أن أدرك زمانه أن يؤمن به وينصره فهم في الصورة أمامه وفي الحقيقة خلفه فناسب ذلك قوله يقاتل من ورائه لانه أعم من أن يراد بها الخلف أو الامام وقوله فيه وأن قال بغيره فإن عليه منه كذا هنا قيل استعمل القول بمعنى الفعل حيث قال فإن قال بغيره كذا قال بعض الشراح وليس بظاهر فإنه قسيم قوله فإن أمر فيحمل على أن المراد وأن أمر والتعبير عن الامر بالقول لا اشكال فيه وقيل معنى قال هنا حكم ثم قيل أنه مشتق من القيل بفتح القاف وسكون التحتانية وهو الملك الذي ينفذ حكمه بلغة حمير وقوله فإن عليه منه أي وزرا وحذف في هذه الرواية على طريق الاكتفاء لدلالة مقابله عليه وقد ثبت في غير هذه الرواية كما سيأتي إن شاء الله تعالى ويحتمل أن يكون من في قوله فإن عليه منه تبعيضية أي فإن عليه بعض ما يقول وفي رواية أبي زيد المروزي منة بضم الميم وتشديد النون بعدها هاء تأنيث وهو تصحيف بلا ريب وبالاول جزم

[ 83 ]

أبو ذر وقوله إنما الامام جنة بضم الجيم أي سترة لانه يمنع العدو من أذى المسلمين ويكف أذى بعضهم عن بعض والمراد بالامام كل قائم بأمور الناس والله أعلم وسيأتي بقية شرحه في كتاب الاحكام قوله باب البيعة في الحرب على أن لا يفروا وقال بعضهم على الموت كأنه أشار إلى أن لا تنافي بين الروايتين لاحتمال أن يكون ذلك في مقامين أو أحدهما يستلزم الآخر قوله لقوله تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين الآية قال بن المنير أشار البخاري بالاستدلال بالآية إلى أنهم بايعوا على الصبر ووجه أخذه منها قوله تعالى فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم والسكينة الطمأنينة في موقف الحرب فدل ذلك على أنهم أضمروا في قلوبهم أن لا يفروا فأعانهم على ذلك وتعقب بأن البخاري إنما ذكر الآية عقب القول الصائر إلى أن المبايعة وقعت على الموت ووجه انتزاع ذلك منها أن المبايعة فيها مطلقة وقد أخبر سلمة بن الاكوع وهو ممن بايع تحت الشجرة أنه بايع على الموت فدل ذلك على أنه لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت وعلى عدم الفرار لان المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا وليس المراد أن يقع الموت ولا بد وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله بل بايعهم على الصبر أي على الثبات وعدم الفرار سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا والله أعلم وسيأتي في المغازي موافقة المسيب بن حزن والد سعيد لابن عمر على خفاء الشجرة وبيان الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن مشاهدا فيما هو دونها وإلى ذلك أشار بن عمر بقوله كانت رحمة من الله أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى ويحتمل أن يكون معنى قوله رحمة من الله أي كانت الشجرة موضع رحمة الله ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين عندها ثم ذكر فيه خمسة أحاديث أحدها حديث بن عمر رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا أي النبي صلى الله عليه وسلم تحتها أي في عمرة الحديبية قوله فسألنا نافعا قائل ذلك هو جويرية بن أسماء الراوي عنه وقد تعقبه الاسماعيلي بأن هذا من قول نافع وليس بمسند وأجيب بأن الظاهر أن نافعا إنما جزم بما أجاب به لما فهمه عن مولاه بن عمر فيكون مسندا بهذه الطريقة ثانيها حديث عبد الله بن زيد أي بن عاصم الانصاري المازني قوله لما كان زمن الحرة أي الوقعة التي كانت بالمدينة في زمن يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين كما سيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى قوله أن بن حنظلة أي عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الذي يعرف أبوه بغسيل الملائكة والسبب في تلقيبه بذلك أنه قتل بأحد وهو جنب فغسلته الملائكة وعلقت امرأته تلك الليلة بابنه عبد الله بن حنظلة فمات النبي صلى الله عليه وسلم وله سبع سنين وقد حفظ عنه وأتى الكرماني بأعجوبة فقال بن حنظلة هو الذي كان يأخذ البيعة ليزيد بن معاوية والمراد به نفس يزيد لان جده أبا سفيان كان يكنى أيضا أبا حنظلة فيكون التقدير أن بن أبي حنظلة ثم حذف لفظ أبي تخفيفا أو يكون نسب إلى عمه حنظلة بن أبي سفيان استخفافا واستهجانا واستبشاعا بهذه الكلمة المرة انتهى ولقد أطال رحمه الله في غير طائل وأتى بغير الصواب ولو راجع موضعا آخر من البخاري لهذا الحديث بعينه لرأى فيه ما نصه لما كان يوم الحرة والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة فقال عبد الله بن زيد علام يبايع إلى حنظلة الناس

[ 84 ]

الحديث مهذا الموضع في أثناء خزوة الحديبية من كتاب المغازي فهذا يرد احتماله الثاني وأما احتماله الاول فيرده اتفاق أهل النقل على أن الامير الذي كان من قبل يزيد بن معاوية واسمه مسلم بن عقبة لا عبد الله بن حنظلة وأن بن حنظلة كان الامير على الانصار وأن عبد الله بن مطيع كان الامير على من سواهم وأنهما قتلا جميعا في تلك الوقعة والله المستعان قوله لا أبايع على هذا أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه إيماء إلى أنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وليس بصريح ولذلك عقبه المصنف بحديث سلمة بن الاكوع لتصريحه فيه بذلك قال بن المنير والحكمة في قول الصحابي أنه لا يفعل ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان مستحقا للنبي صلى الله عليه وسلم على كل مسلم أن يقيه بنفسه وكان فرضا عليهم أن لا يفروا عنه حتى يموتوا دونه وذلك بخلاف غيره ثالثها حديث سلمة فقوله فقلت له يا أبا مسلم هي كنية سلمة بن الاكوع والقائل فقلت الراوي عنه وهو يزيد بن أبي عبيد مولاه وهذا الحديث أحد ثلاثيات البخاري وقد أخرجه في الاحكام أيضا ويأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى قال بن المنير الحكمة في تكراره البيعة لسلمة أنه كان مقداما في الحرب فأكد عليه العقد احتياطا قلت أو لانه كان يقاتل قتال الفارس والراجل فتعددت البيعة بتعدد الصفة رابعها حديث أنس كانت الانصار يوم الخندق تقول نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وهو ظاهر فيما ترجم به وقد تقدم موصولا في أوائل الجهاد ويأتي الكلام عليه في المغازي إن شاء الله تعالى خامسها حديث مجاشع وهو بن مسعود وأخوه اسمه مجالد بجيم وسيأتي الكلام عليه في المغازي في غزوة الفتح إن شاء الله تعالى قوله باب عزم الامام على الناس فيما يطيقون المراد بالعزم الامر الجازم الذي لا تردد فيه والذي يتعلق به الجار والمجرور محذوف تقديره مثلا محله والمعنى وجوب طاعة الامام محله فيما لهم به طاقة قوله قال عبد الله أي بن مسعود وهذا الاسناد كله كوفيون قوله أتاني اليوم رجل لم أقف على اسمه قوله مؤديا بهمزة ساكنة وتحتانية خفيفة أي كامل الاداء أي أداة الحرب ولا يجوز حذف الهمزة منه لئلا يصير من أودى إذا هلك وقال الكرماني معناه قويا وكأنه فسره باللازم وقوله نشيطا بنون وبمعجمة من النشاط قوله نخرج مع أمرائنا كذا في الرواية بالنون من قوله نخرج وعلى هذا فالمراد بقوله رجلا أحدنا أو هو محذوف الصفة أي رجلا منا وعلى هذا عول الكرماني لان السياق يقتضي أن يقول مع امرائه وفيه حينئذ التفات ويحتمل أن يكون بالتحتانية بدل النون وفيه أيضا التفات قوله لا نحصيها أي لا نطيقها لقوله تعالى علم أن لن تحصوه وقيل لا ندري أهي طاعة أم معصية والاول مطابق لما فهم البخاري فترجم به والثاني موافق لقول بن مسعود وإذا شك في نفسه شئ سأل رجلا فشفاه منه أي من تقوى الله أن لا يقدم المرء على ما يشك فيه حتى يسأل من عنده علم فيدله على ما فيه شفاؤه وقوله شك نفسه في شئ من المقلوب إذ التقدير وإذا شك نفسه في شئ أو ضمن شك معنى لصق والمراد بالشئ ما يتردد في جوازه وعدمه وقوله حتى يفعله غاية لقوله لا يعزم أو للعزم الذي يتعلق به المستثنى وهو مرة والحاصل

[ 85 ]

أن الرجل سأل بن مسعود عن حكم طاعة الامير فأجابه بن مسعود بالوجوب بشرط أن يكون المأمور به موافقا لتقوى الله تعالى قوله ما غبر بمعجمة وموحدة مفتوحتين أي مضى وهو من الاضداد يطلق على ما مضى وعلى ما بقي وهو هنا محتمل للامرين قال بن الجوزي هو بالماضي هنا أشبه كقوله ما أذكر والثغب بمثلثة مفتوحة ومعجمة ساكنة ويجوز فتحها قال القزاز وهو أكثر وهو الغدير يكون في ظل فيبرد ماؤه ويروق وقيل هو ما يحتفره السيل في الارض المنخفضة فيصير مثل الاخدو فيبقى الماء فيه فتصفقه الريح فيصير صافيا باردا وقيل هو نقرة في صخرة يبقى فيها الماء كذلك فشبه ما مضى من الدنيا بما شرب من صفوه وما بقي منها بما تأخر من كدره وإذا كان هذا في زمان بن مسعود وقد مات هو قبل مقتل عثمان ووجود تلك الفتن العظيمة فماذا يكون اعتقاده فيما جاء بعد ذلك وهلم جرا وفي الحديث أنهم كانوا يعتقدون وجوب طاعة الامام وأما توقف بن مسعود عن خصوص جوابه وعدوله إلى الجواب العام فللاشكال الذي وقع له من ذلك وقد أشار إليه في بقية حديثه ويستفاد منه التوقف في الافتاء فيما أشكل من الامر كما لو أن بعض الاجناد استفتى أن السلطان عينه في أمر مخوف بمجرد التشهي وكلفه من ذلك ما لا يطيق فمن أجابه بوجوب طاعة الامام أشكل الامر لما وقع من الفساد وأن أجابه بجواز الامتناع أشكل الامر لما قد يفضي به ذلك إلى الفتنة فالصواب التوقف عن الجواب في ذلك وأمثاله والله الهادي إلى الصواب قوله باب كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس أي لان الرياح تهب غالبا بعد الزوال فيحصل بها تبريد حدة السلاح والحرب وزيادة في النشاط أورد فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى بمعنى ما ترجم به لكن ليس فيه إذا لم يقاتل أول النهار وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه فعند أحمد من وجه آخر عن موسى بن عقبة بهذا الاسناد أنه كان صلى الله عليه وسلم يحب أن ينهض إلى عدوه عند زوال الشمس ولسعيد بن منصور من وجه آخر عن بن أبي أوفى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمهل إذا زالت الشمس ثم ينهض إلى عدوه وللمصنف في الجزية من حديث النعمان بن مقرن كان إذا لم يقاتل أول النهار أنتظر حتى تهب الارواح وتحضر الصلوات وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان من وجه آخر وصححاه وفي روايتهم حتى تزول الشمس وتهب الارواح وينزل النصر فيظهر أن فائدة التأخير لكون أوقات الصلاة مظنة إجابة الدعاء وهبوب الريح قد وقع النصر به في الاحزاب فصار مظنة لذلك والله أعلم وقد أخرج الترمذي حديث النعمان بن مقرن من وجه آخر عنه لكن فيه انقطاع ولفظه يوافق ما قلته قال غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قاتل فإذا انتصف النهار أمسك حتى تزول الشمس فإذا زالت الشمس قاتل فإذا دخل وقت العصر أمسك حتى يصليها ثم يقاتل وكان يقال عند ذلك تهيج رياح النصر ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم تنبيه وقع في رواية الاسماعيلي من هذا الوجه زيادة في الدعاء وسيأتي التنبيه عليها في باب لا تتمنوا لقاء العدو مع بقية الكلام على شرحه إن شاء الله تعالى قوله باب استئذان الرجل أي من الرعية الامام أي في الرجوع أو التخلف عن الخروج أو نحو ذلك قوله انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا

[ 86 ]

كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه قال بن التين هذه الآية احتج بها الحسن على أنه ليس لاحد أن يذهب من العسكر حتى يستأذن الامير وهذا عند سائر الفقهاء كان خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم كذا قال والذي يظهر أن الخصوصية في عموم وجوب الاستئذان وإلا فلو كان ممن عينه الامام فطرأ له ما يقتضي التخلف أو الرجوع فإنه يحتاج إلى الاستئذان ثم أورد فيه حديث جابر في قصة جمله وقد تقدم شرحه في كتاب الشروط والغرض منه هنا قوله إني عروس فاستأذنته فأذن لي وسيأتي الكلام على ما يتعلق بتزويجه في النكاح تنبيه قوله في آخر هذا الحديث قال المغيرة هذا في قضائنا حسن لا نرى به بأسا هذا موصول بالاسناد المذكور إلى المغيرة وهو بن مقسم الضبي أحد فقهاء الكوفة ومراده بذلك ما وقع من جابر من اشتراط ركوب جمله إلى المدينة وأغرب الداودي فقال مراده جواز زيادة الغريم على حقه وأن ذلك ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد تعقبه بن التين بأن هذه الزيادة لم ترد في هذه الطريق هنا وهو كما قال قوله باب من غزا وهو حديث عهد بعرسة بكسر العين أي بزوجته وبضمها أي بزمان عرسه وفي رواية الكشميهني بعرس وهو يؤيد الاحتمال الثاني قوله فيه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى حديثه المذكور في الباب قبله وأن ذلك في بعض طرقه وسيأتي في أوائل النكاح من طريق سيار عن الشعبي بلفظ فقال ما يعجلك قلت كنت حديث عهد بعرس الحديث قوله باب من أختار الغزو بعد البناء فيه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى حديثه الآتي في الخمس من طريق همام عنه فقال غزا نبي من الانبياء فقال لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة ولما يبن بها الحديث وسيأتي شرحه هناك وترجم عليه في النكاح من أحب البناء بعد الغزو وساق الحديث والغرض هنا من ذلك أن يتفرغ قلبه للجهاد ويقبل عليه بنشاط لان الذي يعقد عقده على امرأة يبقى متعلق الخاطر بها بخلاف ما إذا دخل بها فإنه يصير الامر في حقه أخف غالبا ونظيره الاشتغال بالاكل قبل الصلاة تنبيهان أحدهما أورد الداودي هذه الترجمة محرفة ثم اعترضها وذلك أنه وقع عنده باب من أختار الغزو قبل البناء فاعترضه بأن الحديث فيه أنه أختار البناء قبل الغزو قلت وعلى تقدير صحة ما وقع عند الداودي فلا يلزمه الاعتراض لانه أورد الترجمة مورد الاستفهام فكأنه قال ما حكم من أختار الغزو قبل البناء هل يمنع كما دل عليه الحديث أو يسوغ ويحمل الحديث على الاولوية ثانيهما قال الكرماني كأنه اكتفى بالاشارة إلى هذا الحديث لانه لم يكن على شرطه قلت ولم يستحضر أنه أورده موصولا في مكان آخر كما سيأتي قريبا والجواب الصحيح أنه جرى على عادته الغالبة في أنه لا يعيد الحديث الواحد إذا اتحد مخرجه في مكانين بصورته غالبا بل يتصرف فيه بالاختصار ونحوه في أحد الموضعين قوله باب مبادرة الامام عند الفزع ذكر فيه حديث أنس

[ 87 ]

في ركوب النبي صلى الله عليه وسلم فرس أبي طلحة وقد تقدم الكلام عليه في الهبة ومضى مرارا منها في باب الشجاعة في الحرب قوله باب السرعة والركض في الفزع ذكر فيه حديث أنس المذكور من وجه آخر وقد تقدم ومحمد المذكور في إسناده هو بن سيرين قوله باب الخروج في الفزع وحده كذا ثبتت هذه الترجمة بغير حديث وكأنه أراد أن يكتب فيه حديث أنس المذكور من وجه آخر فاخترم قبل ذلك قال الكرماني ويحتمل أن يكون اكتفى بالاشارة إلى الحديث الذي قبله كذا قال وفيه بعد وقد ضم أبو علي بن شبويه هذه الترجمة إلى التي بعدها فقال باب الخروج في الفزع وحده والجعائل الخ وليس في أحاديث باب الجعائل مناسبة لذلك أيضا الا أنه يمكن حمله على ما قلت أولا قال بن بطال جملة ما في هذه التراجم أن الامام ينبغي له أن يشح بنفسه لما في ذلك من النظر للمسلمين الا أن يكون من أهل الغناء الشديد والثبات البالغ فيحتمل أن يسوغ له ذلك وكان في النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ما ليس في غيره ولا سيما مع ما علم أن الله يعصمه وينصره قوله باب الجعائل والحملان في السبيل الجعائل بالجيم جمع جعيلة وهي ما يجعله القاعد من الاجرة لمن يغزو عنه والحملان بضم المهملة وسكون الميم مصدر كالحمل تقول حمل حملا وحملانا قال بن بطال أن أخرج الرجل من ماله شيئا فتطوع به أو أعان الغازي على غزوه بفرس ونحوها فلا نزاع فيه وإنما اختلفوا فيما إذا أجر نفسه أو فرسه في الغزو فكره ذلك مالك وكره أن يأخذ جعلا على أن يتقدم إلى الحصن وكره أصحاب أبي حنيفة الجعائل الا أن كان بالمسلمين ضعف وليس في بيت المال شئ وقالوا أن أعان بعضهم بعضا جاز لا على وجه البدل وقال الشافعي لا يجوز أن يغزو بجعل يأخذه وإنما يجوز من السلطان دون غيره لان الجهاد فرض كفاية فمن فعله وقع عن الفرض ولا يجوز أن يستحق على غيره عوضا انتهى ويؤيده ما رواه عبد الرزاق من طريق بن سيرين عن بن عمر قال يمتع القاعد الغازي بما شاء فأما أنه يبيع غزوه فلا ومن وجه آخر عن بن سيرين سئل بن عمر عن الجعائل فكرهه وقال أرى الغازي يبيع غزوه والجاعل يفر من غزوه والذي يظهر أن البخاري أشار إلى الخلاف فيما يأخذه الغازي هل يستحقه بسبب الغزو فلا يتجاوزه إلى غيره أو يملكه فيتصرف فيه بما شاء كما سيأتي بيان ذلك قوله وقال مجاهد قلت لابن عمر الغزو هو بالنصب على الاغراء والتقدير عليك الغزو أو على حذف فعل أي أريد الغزو وفي رواية الكشميهني أتغزو بالاستفهام وهذا الاثر وصله في المغازي في غزوة الفتح بمعناه وسيأتي بيانه هناك ونبه به على مراد بن عمر بالاثر الذي رواه عنه بن سيرين وأنه لا يكره إعانة الغازي قوله وقال عمر الخ وصله بن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق سليمان الشيباني عن عمرو بن قرة قال جاءنا كتاب عمر بن الخطاب أن ناسا فذكر مثله قال أبو إسحاق فقمت إلى أسير بن عمرو فحدثته بما قال فقال صدق جاءنا كتاب عمر بذلك وأخرجه البخاري في تاريخه من هذا الوجه وهو إسناد صحيح قوله وقال طاوس ومجاهد الخ وصله بن أبي شيبة بمعناه

[ 88 ]

عنهما ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث عمر في قصة الفرس الذي حمل عليه فوجده يباع الحديث وقد تقدم شرحه في الهبة ثانيها حديث بن عمر في هذه القصة نفسها وقد تقدم أيضا ثالثها حديث أبي هريرة في التحريض على الغزو وقد تقدم في أول الجهاد ووجه دخول قصة فرس عمر من جهة أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر المحمول عليه على التصرف فيه بالبيع وغيره فدل على تقوية ما ذهب إليه طاوس من أن للآخذ التصرف في المأخوذ وقال بن المنير كل من أخذ مالا من بيت المال على عمل إذا أهمل العمل يرد ما أخذ وكذا الاخذ على عمل لا يتأهل له ويحتاج إلى تأويل ما ذهب إليه عمر في الامر المذكور بأن يحمل على الكراهة وقد قال سعيد بن المسيب من أعان بشئ في الغزو فإنه للذي يعطاه إذا بلغ رأس المغزى أخرجه بن أبي شيبة وغيره وروى مالك في الموطأ عن بن عمر إذا بلغت وادي القرى فشأنك به أي تصرف فيه وهو قول الليث والثوري ووجه دخول حديث أبي هريرة أنه متعلق بالركن الثاني من الترجمة وهو الحملان في سبيل الله لقوله أولا ولا أجد ما أحملهم عليه قوله باب الاجير للاجير في الغزو حالان أما أن يكون استؤجر للخدمة أو استؤجر ليقاتل فالاول قال الاوزاعي وأحمد وإسحاق لا يسهم له وقال الاكثر يسهم له لحديث سلمة كنت أجيرا لطلحة أسوس فرسه أخرجه مسلم وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم له وقال الثوري لا يسهم للاجير الا أن قاتل وأما الاجير إذا استؤجر ليقاتل فقال المالكية والحنفية لا يسهم له وقال الاكثر له سهمه وقال أحمد واستأجر الامام قوما على الغزو لم يسهم لهم سوى الاجرة وقال الشافعي هذا فيمن لم يجب عليه الجهاد أما الحر البالغ المسلم إذا حضر الصف فإنه يتعين عليه الجهاد فيسهم له ولا يستحق أجرة قوله وقال الحسن وابن سيرين يقسم للاجير من المغنم وصله عبد الرزاق عنهما بلفظ يسهم للاجير ووصله بن أبي شيبة عنهما بلفظ العبد والاجير إذا شهدا القتال أعطوا من الغنيمة قوله وأخذ عطية بن قيس فرسا على النصف الخ وهذا الصنيع جائز عند من يجيز المخابرة وقال بصحته هنا الاوزاعي وأحمد خلافا للثلاثة وقد تقدمت مباحث المخابرة في كتاب المزارعة ثم ذكر المصنف حديث صفوان بن يعلى عن أبيه وهو يعلى بن أمية قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك الحديث وسيأتي شرحه في القصاص والغرض منه قوله فاستأجرت أجيرا قال المهلب استنبط البخاري من هذا الحديث جواز استئجار الحر في الجهاد وقد خاطب الله المؤمنين بقوله واعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه الآية فدخل الاجير في هذا الخطاب قلت وقد أخرج الحديث أبو داود من وجه آخر عن يعلى بن أمية أوضح من الذي هنا ولفظه إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو وأنا شيخ ليس لي خادم فالتمست أجيرا يكفيني وأجري له سهمي فوجدت رجلا فلما دنا الرحيل أتاني فقال ما أدري ما سهمك وما يبلغ فسم لي شيئا كان السهم أو لم يكن فسميت له ثلاثة دنانير الحديث وقوله في هذه الرواية فهو أوثق أعمالي في رواية السرخسي أحمالي بالمهملة وللمستملي بالجيم والذي قاتل الاجير هو يعلى بن أمية نفسه كما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين تنبيهان الاول وقع في رواية المستملي بين أثر عطية بن قيس وحديث يعلى بن أمية باب استعارة الفرس في الغزو وهو خطأ لانه يستلزم أن يخلو باب الاجير من حديث مرفوع ولا مناسبة بينه وبين حديث يعلى بن أمية وكأنه وجد هذه الترجمة في الطرة خالية عن حديث

[ 89 ]

فظن أن هذا موضعها وأن كان كذلك فحكمها حكم الترجمة الماضية قريبا وهي باب الخروج في الفزع وحده وكأنه أراد أن يورد فيه حديث أنس في قصة فرس أبي طلحة أيضا فلم يتفق ذلك ويقوي هذا أن بن شبويه جعده هذه الترجمة مستقلة قبل باب الاجير بغير حديث وأوردها الاسماعيلي عقب باب الاجير وقال لم يذكر فيها حديثا ثانيهما وقع في رواية أبي ذر تقديم باب الجعائل وما بعده إلى هنا وأخر ذلك الباقون وقدموا عليه باب ما قيل في لواء النبي صلى الله عليه وسلم والخطب فيه قريب الرب عز وجلقوله باب ما قيل في لواء النبي صلى الله عليه وسلم اللواء بكسر اللام والمد هي الراية ويسمى أيضا العلم وكان الاصل أن يمسكها رئيس الجيش ثم صارت تحمل على رأسه وقال أبو بكر بن العربي اللواء غير الراية فاللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه والراية ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح وقيل اللواء دون الراية وقيل اللواء العلم الضخم والعلم علامة لمحل الامير يدور معه حيث دار والراية يتولاها صاحب الحرب وجنح الترمذي إلى التفرقة فترجم بالالوية وأورد حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض ثم ترجم للرايات وأورد حديث البراء أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت سوداء مربعة من نمرة وحديث بن عباس كانت رايته سوداء ولواؤه أبيض أخرجه الترمذي وابن ماجة وأخرج الحديث أبو داود والنسائي أيضا ومثله لابن عدي من حديث أبي هريرة ولابي يعلى من حديث بريدة وروى أبو داود من طريق سماك عن رجل من قومه عن آخر منهم رأيت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم صفراء ويجمع بينها باختلاف الاوقات وروى أبو يعلى عن أنس رفعه أن الله أكرم أمتي بالالوية إسناده ضعيف ولابي الشيخ من حديث بن عباس كان مكتوبا على رايته لاإله إلا الله محمد رسول الله وسنده واه وقيل كانت له راية تسمى العقاب سوداء مربعة وراية تسمى الراية البيضاء وربما جعل فيها شئ أسود وذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها قوله عن ثعلبة بن أبي مالك تقدم ذكره في باب حمل النساء القرب في الغزو قوله أن قيس بن سعد أي بن عبادة الصحابي بن الصحابي وهو سيد الخزرج بن سيدهم وسيأتي للمصنف من حديث أنس في الاحكام أنه كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة قوله وكان صاحب لواء النبي صلى الله عليه وسلم أي الذي يختص بالخزرج من الانصار وكان النبي صلى الله عليه وسلم في مغازيه يدفع إلى رأس كل قبيلة لواء يقاتلون تحته وأخرج أحمد بإسناد قوي من حديث بن عباس أن راية النبي صلى الله عليه وسلم كانت تكون مع علي وراية الانصار مع سعد بن عبادة الحديث قوله أراد الحج فرجل هو بتشديد الجيم وأخطأ من قالها بالمهملة واقتصر البخاري على هذا القدر من الحديث لانه موقوف وليس من غرضه في هذا الباب وإنما أراد منه أن قيس بن سعد كان صاحب اللواء النبوي ولا يتقرر في ذلك الا بإذن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا القدر هو المرفوع من الحديث تاما وهو الذي يحتاج إليه هنا وقد أخرج الاسماعيلي الحديث تاما من طريق الليث التي أخرجها المصنف منها فقال بعد قوله فرجل أحد شقى رأسه فقام غلام له فقلد هديه فنظر قيس هديه وقد قلد فأهل بالحج ولم يرجل شق رأسه الآخر وأخرجه من طريق أخرى عن الزهري بتمامه نحوه وفي ذلك مصير من قيس بن سعد إلى أن الذي يريد الاحرام إذا قلد هديه يدخل في حكم المحرم وقرأت في كلام بعض المتأخرين أن بعض الشارحين تحير في شرح

[ 90 ]

القدر الذي وقع في البخاري وتكلف له وجوها عجيبة فلينظر المراد بالشارح المذكور فاني لم أقف عليه ثم رأيت ما نقله المتأخر المذكور في كلام صاحب المطالع وأبهم الشارح الذي تحير وقال انه حمل الكلام ما لا يحتمله وذكر الدمياطي في الحاشية ان البخاري ذكر بقية الحديث في آخر الكتاب وليس في الكتاب شئ من ذلك ثانيها حديث سلمة بن الاكوع في قصة علي يوم خيبر وسيأتي شرحه في كتاب المغازي والغرض منه قوله لاعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله فإنه مشعر بأن الراية لم تكن خاصة بشخص معين بل كان يعطيها في كل غزوة لمن يريد وقد أخرجه أحمد من حديث بريدة بلفظ اني دافع اللواء إلى رجل يحبه الله ورسوله الحديث وهذا مشعر بأن الراية واللواء سواء ثالثها حديث نافع بن جبير سمعت العباس أي بن عبد المطلب يقول للزبير أي بن العوام ههنا أمرك النبي صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية وهو طرف من حديث أورده المصنف في غزوة الفتح وسيأتي شرحه مستوفى هناك وأبين هناك إن شاء الله تعالى ما في سياقه من صورة الارسال والجواب عن ذلك وأبين تعيين المكان المشار إليه وأنه الحجون وهو بفتح المهملة وضم الجيم الخفيفة قال الطبري في حديث علي أن الامام يؤمر على الجيش من يوثق بقوته وبصيرته ومعرفته وسيأتي بقية شرحه في المغازي إن شاء الله تعالى وقال المهلب وفي حديث الزبير أن الراية لا تركز الا بإذن الامام لانها علامة على مكانه فلا يتصرف فيها الا بأمره وفي هذه الاحاديث استحباب اتخاذ الالوية في الحروب وأن اللواء يكون مع الامير أو من يقيمه لذلك عند الحرب وقد تقدم حديث أنس أخذ الراية زيد بن حارثة فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب الحديث ويأتي تمام شرحه في المغازي إن شاء الله تعالى أيضا قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم نصرت بالرعب مسيرة شهر وقول الله عزوجل سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب قاله جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى حديثه الذي أوله أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الانبياء قبلي فإن فيه ونصرت بالرعب مسيرة شهر وقد تقدم شرحه في التيمم ووقع في الطبراني من حديث أبي أمامة شهرا أو شهرين وله من حديث السائب بن يزيد شهرا أمامي وشهرا خلفي وظهر لي أن الحكمة في الاقتصار على الشهر أنه لم يكن بينه وبين الممالك الكبار التي حوله أكثر من ذلك كالشام والعراق واليمن ومصر ليس بين المدينة النبوية للواحدة منها الا شهر فما دونه ودل حديث السائب على أن التردد في الشهر والشهرين أما أن يكون الراوي سمعه كما في حديث السائب وأما أنه لا أثر لتردده وحديث السائب لا ينافي حديث جابر وليس المراد بالخصوصية مجرد حصول الرعب بل هو وما ينشأ عنه من الظفر بالعدو ثم ذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث أبي هريرة الذي أوله بعثت بجوامع الكلم وفيه ونصرت بالرعب وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الارض وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب ا لتعبير إن شاء الله تعالى وجوامع الكلم القرآن فإنه تقع فيه المعاني الكثيرة بالالفاظ القليلة وكذلك يقع في الاحاديث النبوية الكثير من ذلك ومفاتيح خزائن الارض المراد منها ما يفتح لامته من بعده من الفتوح وقيل المعادن وقول أبي هريرة وأنتم تنتثلونها بوزن تفتعلونها من النثل بالنون والمثلثة أي تستخرجونها تقول نثلت البئر إذا استخرجت ترابها ثانيهما حديث أبي سفيان في قصة هرقل ذكر طرفا منها وقد تقدم بهذا الاسناد بطوله في بدء الوحي والغرض منه هنا قوله أنه يخافه

[ 91 ]

ملك بني الاصفر لانه كان بين المدينة وبين المكان الذي كان قيصر ينزل فيه مدة شهر أو نحوه قوله باب حمل الزاد في الغزو وقول الله عزوجل وتزودوا فإن خير الزاد التقوى أشار بهذه الترجمة إلى أن حمل الزاد في السفر ليس منافيا للتوكل وقد تقدم في الحج في تفسير الآية من حديث بن عباس ما يؤيد ذلك ثم ذكر فيه أربعة أحاديث أحدها حديث أسماء بنت أبي بكر في تسميتها ذات النطاقين والغرض منه قولها فلم نجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به فإنه ظاهر في حمل آلة الزاد في السفر وسيأتي الكلام على شرحه في أبواب الهجرة والنطاق بكسر النون ما تشد به المرأة وسطها ليرتفع به ثوبها من الارض عند المهنة ثانيها حديث جابر كنا نتزود لحوم الاضاحي الحديث وسيأتي شرحه في كتاب الاضاحي إن شاء الله تعالى ثالثها حديث سويدم بن النعمان وفيه فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالاطعمة وفي رواية مالك بالازواد وقد تقدم في الطهارة مع الكلام عليه وقوله في هذه الرواية فلكنا بضم اللام أي أدرنا اللقمة في الفم وقوله وشربنا قال الداودي لا أراه محفوظا الا أن كان أراد المضمضة كذا قال ويحتمل أن يكون بعضهم استف السويق وبعضهم جعله في الماء وشربه فلا اشكال رابعها حديث سلمة وهو بن الاكوع خفت أزواد الناس وأملقوا فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر ابلهم الحديث وهو ظاهر فيما ترجم به وقوله فيه أملقوا أي فني زادهم ومعنى أملق افتقر وقد يأتي متعديا بمعنى أفنى قوله فاتوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر ابلهم أي بسبب نحر ابلهم أو فيه حذف تقديره فاستأذنوه في نحر ابلهم قوله ناد في الناس يأتون أي فهم يأتون ولذلك رفعه وزاد في الشركة فبسط لذلك نطع وقد تقدم أن فيه أربع لغات فتح النون وكسرها وفتح الطاء وسكونها قوله وبرك بالتشديد أي دعا بالبركة وقوله عليهم في رواية الكشميهني عليه أي على الطعام ومثله في الشركة قوله فاحتثى الناس بمهملة ساكنة ثم مثناة ثم مثلثة أي أخذوا حثية حثية وقوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد إلى آخر الشهادتين أشار إلى أن ظهور المعجزة مما يؤيد الرسالة وفي الحديث حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم واجابته إلى ما يلتمس منه أصحابه واجراؤهم على العادة البشرية في الاحتياج إلى الزاد في السفر ومنقبة ظاهرة لعمر دالة على قوة يقينه بإجابة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى حسن نظره للمسلمين على أنه ليس في اجابه النبي صلى الله عليه وسلم لهم على نحر ابلهم ما يتحتم أنهم يبقون بلا ظهر لاحتمال أن يبعث الله لهم يا يحملهم من غنيمة ونحوها لكن أجاب عمر إلى ما أشار به لتعجيل المعجزة بالبركة التي حصلت في الطعام وقد وقع لعمر شبيه بهذه القصة في الماء وذلك فيما أخرجه بن خزيمة وغيره وستأتي الاشارة إليه في علامات النبوة وقول عمر ما بقاؤكم بعد إبلكم أي لان توالي المشي ربما أفضى إلى الهلاك وكأن عمر أخذ ذلك من النهي عن الحمر الاهلية يوم خيبر استبقاء لظهورها قال بن بطال استنبط منه بعض الفقهاء أنه يجوز للامام في الغلاء الزام من عنده ما يفضل عن قوته أن

[ 92 ]

يخرجه للبيع لما في ذلك من صلاح الناس وفي حديث سلمة جواز المشورة على الامام بالمصلحة وأن لم يتقدم منه الاستشارة قوله باب حمل الزاد على الرقاب أي عند تعذر حمله على الدواب ذكر فيه حديث جابر في قصة العنبر مقتصرا على بعضه والغرض منه قوله ونحن ثلاثمائة نحمل زادنا على رقابنا وسيأتي شرحه مستوفى في أواخر المغازي قوله باب أرداف المرأة خلف أخيها ذكر فيه حديث عائشة في ارتدافها في العمرة خلف أخيها عبد الرحمن وحديث عبد الرحمن بن أبي بكر في ذلك وقد تقدم الكلام عليهما مستوفى في كتاب الحج ويشبه أن يكون وجه دخوله هنا حديث عائشة المتقدم جهادكن الحج قوله باب الارتداف في الغزو والحج ذكر فيه حديث أنس كنت رديف أبي طلحة وإنهم ليصرخون بهما وقد تقدم شرحه في الحج قوله باب الردف على الحمار ذكر فيه حديث أسامة بن زيد مختصر في ارتدافه النبي صلى الله عليه وسلم وقد سبقت الاشارة إليه في الصلح ويأتي شرحه مستوفى في آخر تفسير آل عمران ويظهر وجه دخوله في أبواب الجهاد وحديث عبد الله وهو بن عمر في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة وقد تقدم في الصلاة وفي الحج والغرض من الله تعالى قوله في أوله أقبل يوم الفتح مردفا أسامة بن زيد لكنه كان يومئذ راكبا على راحلة قوله باب من أخذ بالركاب ونحوه أي من الاعانة على الركوب وغيره قوله حدثنا إسحاق أخبرنا عبد الرزاق كذا هو غير منسوب وقد تقدم في باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر عن إسحاق بن نصر عن عبد الرزاق لكن سياقه مغاير لسياقه هنا وتقدم في الصلح عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق مقتصرا على بعضه وهو أشبه بسياقه هنا فليفسر به هذا المهمل هنا قوله كل سلامى بضم المهملة وتخفيف اللام أي أنملة وقيل كل عظم مجوف صغير وقيل هو في الاصل عظم يكون في فرسن البعير واحده وجمعه سواء وقيل جمعه سلاميات وقوله كل يوم عليه صدقة بنصب كل على الظرفية وقوله عليه مشكل قال بن مالك المعهود في كل إذا أضيفت إلى نكرة من خبر وتمييز وغيرهما أن تجئ على وفق المضاف كقوله تعالى كل نفس ذائقة الموت وهنا جاء على وفق كل في قوله كل سلامى عليه صدقة وكان القياس أن يقول عليها صدقة لان السلامى مؤنثة لكن دل مجيئها في هذا الحديث على الجواز ويحتمل أن يكون ضمن

[ 93 ]

السلامى معنى العظم أو المفصل فأعاد الضمير عليه كذلك والمعنى على كل مسلم مكلف بعد كل مفصل من عظامه صدقة لله تعالى على سبيل الشكر له بان جعل عظامه مفاصل يتمكن بها من القبض والبسط وخصت بالذكر لما في التصرف بها من دقائق الصنائع التي اختص بها الآدمي قوله يعدل فاعله الشخص المسلم المكلف وهو مبتدأ على تقدير العدل نحو تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وقد قال سبحانه وتعالى ومن آياته يريكم البرق قوله ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها هو موضع الترجمة فإن قوله فيحمل عليها أعم من أن يريد يحمل عليها المتاع أو الراكب وقوله أو يرفع عليها متاعه أما شك من الراوي أو تنويع وحمل الراكب أعم من أن يحمله كما هو أو يعينه في الركوب فتصح الترجمة قال بن المنير لا تؤخذ الترجمة من مجرد صيغة الفعل فإنه مطلق بل من جهة عموم المعنى وقد روى مسلم من حديث العباس في غزوة حنين قال وأنا آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث قوله ويميط الاذى عن الطريق تقدم في باب إماطة الاذى عن الطريق من هذا الوجه معلقا وحكى بن بطال عن بعض من تقدمه أن هذا من قول أبي هريرة موقوف وتعقبه بأن الفضائل لا تدرك بالقياس وإنما تؤخذ توقيفا من النبي صلى الله عليه وسلم قوله باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو سقط لفظ كراهية الا للمستملي فاثبتها وبثبوتها يندفع الاشكال الآتي قوله وكذلك يروى عن محمد بن بشر عن عبيد الله هو بن عمر عن نافع عن بن عمر وتابعه بن إسحاق عن نافع أما رواية محمد بن بشر فوصلها إسحاق بن راهويه في مسنده عنه ولفظه كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو وقال الدارقطني والبرقاني لم يروه بلفظ الكراهة الا محمد بن بشر وأما متابعة بن إسحاق فهي بالمعنى لان أحمد أخرجه من طريقه بلفظ نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو والنهي يقتضي الكراهة لانه لا ينفك عن كراهة التنزيه أو التحريم قوله وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر بالقرآن السفر بالمصحف خشية أن يناله العدو لا السفر بالقرآن نفسه وقد تعقبه الاسماعيلي بأنه لم يقل أحد أن من يحسن القرآن لا يغزو العدو في دارهم وهو اعتراض من لم يفهم مراد البخاري وادعى المهلب أن مراد البخاري بذلك تقوية القول بالتفرقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة فيجوز في تلك دون هذه والله أعلم ثم ذكر المصنف حديث مالك في ذلك وهو بلفظ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو وأورده بن ماجة من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك وزاد مخافة أن يناله العدو رواه بن وهب عن مالك فقال خشية أن يناله العدو وأخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك فقال قال مالك أراه مخافة فذكره قال أبو عمر كذا قال يحيى بن يحيى الاندلسي ويحيى بن بكير وأكثر الرواة عن مالك جعلوا التعليل من كلامه ولم يرفعوه وأشار إلى أن بن وهب تفرد برفعها وليس كذلك لما قدمته من رواية بن ماجة وهذه الزيادة رفعها بن إسحاق أيضا كما تقدم وكذلك أخرجها مسلم والنسائي وابن ماجة من طريق الليث عن نافع ومسلم من طريق أيوب بلفظ فإني لا آمن أن يناله العدو فصح أنه مرفوع وليس بمدرج ولعل مالكا كان يجزم به ثم صار يشك في رفعه فجعله من تفسير نفسه قال بن عبد البر أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه

[ 94 ]

واختلفوا في الكبير المأمون عليه فمنع مالك أيضا مطلقا وفصل أبو حنيفة وأدار الشافعية الكراهة مع الخوف وجودا وعدما وقال بعضهم كالمالكية واستدل به على منع بيع المصحف من الكافر لوجود المعنى المذكور فيه وهو التمكن من الاستهانة به ولا خلاف في تحريم ذلك وإنما وقع الاختلاف هل يصح لو وقع ويؤمر بإزالة ملكه عنه أم واستدل به على منع تعلم الكافر القرآن فمنع مالك مطلقا وأجاز الحنفية مطلقا وعن الشافعي قولان وفصل بعض المالكية بين القليل لاجل مصلحة قيام الحجة عليهم فأجاز وبين الكثير فمنعه ويؤيده قصة هرقل حيث كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم بعض الآيات وقد سبق في باب هل يرشد بشئ من هذا وقد نقل النووي الاتفاق على جواز الكتابة إليهم بمثل ذلك تنبيه ادعى بن بطال أن ترتيب هذا الباب وقع فيه غلط من الناسخ وأن الصواب أن يقدم حديث مالك قبل قوله وكذلك يروى عن محمد ببشر الخ قال وإنما أحتاج إلى المتابعة لان بعض الناس زاد في الحديث مخافة أن يناله العدو ولم تصح هذه الزيادة عند مالك ولا عند البخاري انتهى وما ادعاه من الغلط مردود فإنه استند إلى أنه لم يتقدم شئ يشار إليه بقوله كذلك وليس كما قال لانه أشار بقوله كذلك إلى لفظ الترجمة كما بينته من رواية المستملى وأما ما ادعاه من سبب المتابعة فليس كما قال فإن لفظ الكراهية تفرد به محمد بن بشر ومتابعة بن إسحاق له إنما هي في أصل الحديث لكنه أفاد أن المراد بالقرآن المصحف لا حامل القرآن بسم الله الرحمن الرحيم قوله باب التكبير عند الحرب أي جوازه أو مشروعيته وذكر فيه حديث أنس في قصة خيبر وفيه قوله صلى الله عليه وسلم الله أكبر خربت خيبر وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب المغازي والذي نادى بالنهي عن لحوم الحمر الاهلية هو أبو طلحة كما وقع عند مسلم وقوله تابعه علي عن سفيان يعني علي بن المديني شيخه وسيأتي في علامات النبوة قوله باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير أورد فيه حديث أبي موسى كنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا الحديث وسيأتي شرحه في كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى قوله أربعوا بفتح الموحدة أي ارفقوا قال الطبري فيه كراهية رفع الصوت بالدعاء والذكر وبه قال عامة السلف من الصحابة والتابعين انتهى وتصرف البخاري يقتضي أن ذلك خاص بالتكبير عند القتال وأما رفع الصوت في غيره فقد تقدم في كتاب الصلاة حديث بن عباس أن رفع الصوت بالذكر كان على العهد النبوي إذا انصرفوا من المكتوبة وتقدم البحث فيه هناك قوله باب التسبيح إذا هبط واديا وأورد فيه حديث جابر كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا ثم قال باب التكبير إذا علا شرفا وأورد فيه حديث جابر المذكور وفيه وإذا تصوبنا سبحنا أي انحدرنا والتصويب النزول والفدفد بفاء ين مفتوحتين بينهما مهملة هي الارض الغليظة ذات الحصى وقيل المستوية وقيل المكان المرتفع الصلب وقوله

[ 95 ]

حدثنا عبد الله حدثني عبد العزيز بن أبي سلمة زعم أبو مسعود أن عبد الله هو بن صالح وتعقبه الجياني بأنه وقع في رواية بن السكن عبد الله بن يوسف وهو المعتمد وسالم المذكور في إسناده هو بن أبي الجعد وأما سالم المذكور في الذي بعده فهو بن عبد الله بن عمر وقد تقدم الحديث من طريق أخرى عن بن عمر في أواخر الحج والغرض من حديث بن عمر قوله فيه كلما أوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثا قال المهلب تكبيره صلى الله عليه وسلم عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله عزوجل وعند ما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شئ وتسبيحه في بطون الاودية مستنبط من قصة يونس فان بتسبيحة في بطن الحوت تجاه الله من الظلمات فسبح النبي صلى الله عليه وسلم في بطون الاودية لينجيه الله منها وقيل مناسبة التسبيح في الاماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنزيه فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الاماكن المرتفعة ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله أن لا يوصف بالعلو لان وصفه بالعلو من جهة المعنى والمستحيل كون ذلك من جهة الحس ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي ولم يرد ضد ذلك وأن كان قد أحاط بكل شئ علما عزوجل قوله باب يكتب للمسافر ما كان يعمل في الاقامة أي إذا كان سفره في غير معصية قوله أخبرنا العوام هو بن حوشب بمهملة ثم معجمة وزن جعفر قوله سمعت أبا بردة هو بن أبي موسى الاشعري قوله واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر أي مع يزيد ويزيد بن أبي كبشة هذا شامي واسم أبيه حيويل بفتح المهملة وسكون التحتانية وكسر الواو بعدها تحتانية أخرى ساكنة ثم لام وهو ثقة ولي خراج السند لسليمان بن عبد الملك ومات في خلافته وليس له في البخاري ذكر الا في هذا الموضع قوله فكان يزيد يصوم في السفر في رواية هشيم عن العوام بن حوشب وكان يزيد بن أبي كبشة يصوم الدهر أخرجه الاسماعيلي قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية هشيم عن العوام عند أبي داود سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول غير مرة ولا مرتين قوله إذا مرض العبد أو سافر في رواية هشيم إذا كان العبد يعمل عملا صالحا فشغله عن ذلك مرض قوله كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا هو من اللف والنشر المقلوب فالاقامة في مقابل السفر والصحة في مقابل المرض وهو في حق من كان يعمل طاعة فمنع منها وكانت نيته لولا المانع أن يدوم عليها كما ورد ذلك صريحا عند أبي داود من طريق العوام بن حوشب بهذا الاسناد في رواية هشيم وعنده في آخره كأصلح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ووقع أيضا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا أن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه أو أكفته إلي أخرجه عبد الرزاق وأحمد وصححه الحاكم ولاحمد من حديث أنس رفعه إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده قال الله اكتب له صالح عمله الذي كان يعمله فإن شفاه غسله وطهره وأن قبضه غفر له ورحمه ولرواية إبراهيم السكسكي عن أبي بردة متابع أخرجه الطبراني من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده بلفظ أن الله يكتب للمريض أفضل ما كان يعمل في صحته ما دام في وثاقه الحديث وفي حديث عائشة عند النسائي ما من امرئ تكون له صلاة من الليل يغلبه عليها نوم أو وجع الا كتب له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة

[ 96 ]

قال بن بطال وهذا كله في النوافل وأما صلاة الفرائض فلا تسقط بالسفر والمرض والله أعلم وتعقبه بن المنير بأنه تحجر واسعا ولا مانع من دخول الفرائض في ذلك بمعنى أنه إذا عجز عن الاتيان بها على الهيئة الكاملة أن يكتب له أجر ما عجز عنه كصلاة المريض جالسا يكتب له أجر القائم انتهى وليس اعتراضه بجيد لانهما لم يتواردا على محل واحد واستدل به على أن المريض والمسافر إذا تكلف العمل كان أفضل من عمله وهو صحيح مقيم وفي هذه الاحاديث تعقب على من زعم أن الاعذار المرخصة لترك الجماعة تسقط الكراهة والاثم خاصة من غير أن تكون محصلة للفضيلة بذلك جزم النووي في شرح المهذب وبالاول جزم الروياني في التلخيص ويشهد لما قال حديث أبي هريرة رفعه من توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلى وحضر لا ينقص ذلك من أجره شيئا أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وإسناده قوي وقال السبكي الكبير في الحلبيات من كانت عادته أن يصلي جماعة فتعذر فانفرد كتب له ثواب الجماعة ومن لم تكن له عادة لكن أراد الجماعة فتعذر فانفرد يكتب له ثواب قصده لا ثواب الجماعة لانه وأن كان قصده الجماعة لكنه قصد مجرد ولو كان يتنزل منزلة من صلى جماعة كان دون من جمع والاولى سبقها فعل ويدل للاول حديث الباب وللثاني أن أجر الفعل يضاعف وأجر القصد لا يضاعف بدليل من هم بحسنة كتبت له حسنة واحدة كما سيأتي في كتاب الرقاق قال ويمكن أن يقال أن الذي صلى منفردا ولو كتب له أجر صلاة الجماعة لكونه اعتادها فيكتب له ثواب صلاة منفرد بالاصالة وثواب مجمع بالفضل انتهى ملخصا قوله باب السير وحده ذكر فيه حديثين أحدهما عن جابر في انتداب الزبير وحده وقد تقدم في باب هل يبعث الطليعة وحده وتعقبه الاسماعيلي فقال لا أعلم هذا الحديث كيف يدخل في هذا الباب وقرره بن المنير بأنه لا يلزم من كون الزبير انتدب أن لا يكون سار معه غيره متابعا له قلت لكن قد ورد من وجه آخر ما يدل على أن الزبير توجه وحده وسيأتي في مناقب الزبير من طريق عبد الله بن الزبير ما يد على ذلك وفيه قلت يا أبت رأيتك تختلف فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأتيني بخبر بني قريظة فانطلقت الحديث قوله قال سفيان الحواري الناصر هو موصول عن الحميدي عنه ثانيهما حديث بن عمر قوله لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده ساقه على لفظ أبي نعيم وقوله ما أعلم أي الذي أعلمه من الآفات التي تحصل من ذلك والوحدة بفتح الواو يجوز كسرها ومنعه بعضهم تنبيهان أحدهما قال المزي في الاطراف قال البخاري حدثنا أبو الوليد عن عاصم بن محمد به وقال بعده وأبو نعيم عن عاصم ولم يقل حدثنا أبو نعيم ولا في كتاب حماد بن شاكر حدثنا أبو نعيم انتهى والذي وقع لنا في جميع الروايات عن الفربري عن البخاري حدثنا أبو نعيم وكذلك وقع في رواية النسفي عن البخاري فقال حدثنا أبو الوليد فساق الاسناد ثم قال وحدثنا أبو الوليد وأبو نعيم قالا حدثنا عاصم فذكره وبذلك جزم أبو نعيم الاصبهاني في المستخرج فقال بعد أن أخرجه من طريق عمرو بن مرزوق عن عاصم بن محمد أخرجه البخاري عن أبي نعيم وأبي الوليد فلعل لفظ حدثنا في رواية أبي نعيم سقط من رواية حماد بن شاكر وحده ثانيهما ذكر الترمذي أن عاصم بن محمد تفرد برواية هذا الحديث وفيه نظر لان

[ 97 ]

عمر بن محمد أخاه قد رواه معه عن أبيه أخرجه النسائي قال بن المنير السير لمصلحة الحرب أخص من السفر والخبر ورد في السفر فيؤخذ من حديث جابر جواز السفر منفردا للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم الا بالانفراد كارسال الجاسوس والطليعة والكراهة لما عدا ذلك ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيدة بالحاجة عند الامن وحالة المنع مقيدة بالخوف حيث لا ضرورة وقد وقع في كتب المغازي بعث كل من حذيفة ونعيم بن مسعود و عبد الله بن أنيس وخوات بن جبير وعمرو بن أمية وسالم بن عمير وبسبسة في عدة مواطن وبعضها في الصحيح وتقدم في الشروط شئ من ذلك ويأتي في باب الجاسوس بعد قليل قوله باب السرعة في السير أي في الرجوع إلى الوطن قوله وقال أبو حميد قال النبي صلى الله عليه وسلم إني متعجل الخ هو طرف من حديث سبق في الزكاة بطوله وتقدم الكلام عليه هناك ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدها حديث أسامة بن زيد في سير العنق وقد تقدم شرحه مستوفى في الحج وقوله قال سئل أسامة بن زيد كان يحيى يقول وأنا أسمع فسقط عني القائل ذلك هو محمد بن المثنى شيخ البخاري وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق بندار والدورقي وغيرهما عن يحيى بن سعيد وقال فيه سئل أسامة وأنا شاهده ثانيها حديث بن عمر في جمعه بين الصلاتين لما بلغه وجع صفية بنت أبي عبيد وهي زوجته وقد تقدم في أواخر أبواب العمرة بهذا الاسناد مع الكلام عليه ثالثها حديث أبي هريرة السفر قطعة من العذاب وقد تقدم شرحه في أواخر أبواب العمرة وقوله نهمته بفتح النون على المشهور أي رغبته قال المهلب تعجله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ليريح نفسه ويفرح أهله وتعجله إلى المزدلفة ليعجل الوقوف بالمشعر الحرام وتعجل بن عمر إلى زوجته ليدرك من حياتها ما يمكنه أن تعهد إليه بما لا تعهد إلى غيره قوله باب إذا حمل على فرس فرآها تباع ذكر فيه حديث بن عمر في ذلك وحديث عمر نفسه وقد تقدما قريبا وبيان مكان شرحهما وقوله في حديث عمر ابتاعه أو أضاعه شك من الراوي ولا معنى لقوله ابتاعه لانه لم يشتره وإنما عرضه للبيع فيحتمل أن يكون في الاصل باعه فهو بمعنى عرضه للبيع والله أعلم قوله باب الجهاد بإذن الابوين كذا أطلق وهو قول الثوري وقيده بالاسلام الجمهور ولم يقع في حديث الباب أنهما منعاه لكن لعله أشار إلى حديث أبي سعيد الآتي قوله سمعت أبا العباس الشاعر وكان لايتهم في حديثه تقدم القول في ذلك في باب صوم داود من كتاب الصيام وقد خالف الاعمش شعبة فرواه ابن ماجة من طريق أبي معاوية عن الاعمش عن حبيب بن أبي ثلبت عن عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عمرو فلعل لحبيب فيه اسنادين ويؤيده ان بكر بن

[ 98 ]

بكار رواه عن شعبة عن حبيب عن عبد الله بن باباه كذلك قوله جاء رجل يحتمل أن يكون هو جاهمة بن العباس بن مرداس فقد روى النسائي وأحمد من طريق معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أردت الغزو وجئت لاستشيرك فقال هل لك من أم قال نعم قال الزمها الحديث ورواه البهيقي من طريق بن جريج عن محمد بن طلحة بن ركانة عن معاوية بن جاهمة السلمي عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستأذنه في الجهاد فذكره وقد اختلف في إسناده على محمد بن طلحة اختلافا كثيرا بينته في ترجمة جاهمة من كتابي في الصحابة قوله فيهما فجاهد أي خصصهما بجهاد النفس في رضاهما ويستفاد منه جواز التعبير عن الشئ‌بضده إذا فهم المعنى لان صيغة الامر في قوله فجاهد ظاهرها إيصال الضرر الذي كان يحصل لغيرهما لهما وليس ذلك مرادا قطعا وإنما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد وهو تعب البدن والمال ويؤخذ منه أن كل شئ يتعب النفس يسمى جهادا وفيه أن بر الوالد قد يكون أفضل من الجهاد وأن المستشار يشير بالنصيحة المحضة وأن المكلف يستفصل عن الافضل في أعمال الطاعة ليعمل به لانه سمع فضل الجهاد فبادر إليه ثم لم يقنع حتى استأذن فيه فدل على ما هو أفضل منه في حقه ولولا السؤال ما حصل له العلم بذلك ولمسلم وسعيد بن منصور من طريق ناعم مولى أم سلمة عن عبد الله بن عمرو في نحو هذه القصة قال ارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ولابي داود وابن حبان من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما وأصرح من ذلك حديث أبي سعيد عند أبي داود بلفظ ارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما وصححه بن حبان قال جمهور العلماء يحرم الجهاد إذا منع الابوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين لان برهما فرض عين عليه والجهاد فرض كفاية فإذا تعين الجهاد فلا إذن ويشهد له ما أخرجه بن حبان من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أفضل الاعمال قال الصلاة قال ثم مه قال الجهاد قال فإن لي والدين فقال آمرك بوالديك خيرا فقال والذي بعثك بالحق نبيا لاجاهدن ولاتركنهما قال فأنت أعلم وهو محمول على جهاد فرض العين توفيقا بين الحديثين وهل يلحق الجد والجدة بالابوين في ذلك الاصح عند الشافعية نعم والاصح أيضا أن لا يفرق بين الحر والرقيق في ذلك لشمول طلب البر فلو كان الولد رقيقا فأذن له سيده لم يعتبر إذن أبويه ولهما الرجوع في الاذن الا أن حضر الصف وكذا لو شرطا أن لا يقاتل فحضر الصف فلا أثر للشرط واستدل به على تحريم السفر بغير إذن لان الجهاد إذا منع مع فضيلته فالسفر المباح أولى نعم أن كان سفره لتعلم فرض عين حيث يتعين السفر طريقا إليه فلا منع وأن كان فرض كفاية ففيه خلاف وفي الحديث فضل بر الولدين وتعظيم حقهما وكثرة الثواب على برهما وسيأتي بسط ذلك في كتاب الادب إن شاء الله تعالى قوله باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الابل أي من الكراهة وقيده بالابل لورود الخبر فيها بخصوصها قوله عن عبد الله بن أبي بكر أي بن محمد بن عمرو بن حزم وعباد بن تميم هو المازني وهو وشيخه والراوي عنه أنصاريون مدنيون و عبد الله وعباد تابعيان قوله أن أبا بشير الانصاري أخبره ليس لابي بشير وهو بفتح الموحدة ثم معجمة في البخاري غير هذا الحديث الواحد وقد ذكره الحاكم أبو أحمد فيمن لا يعرف اسمه وقيل اسمه قيس بن عبد الحرير بمهملات

[ 99 ]

مصغر بن عمرو ذكر ذلك بن سعد وساق نسبه إلى مازن الانصاري وفيه نظر لانه وقع في رواية عثمان بن عمر عن مالك عند الدارقطني نسبة أبي بشير ساعديا فإن كان قيس يكنى أبا بشير أيضا فهو غير صاحب هذا الحديث وأبو بشير المازني هذا عاش إلى بعد الستين وشهد الحرة وجرح بها ومات من ذلك قوله في بعض أسفاره لم أقف على تعيينها قوله قال عبد الله حسبت أنه قال عبد الله هو بن أبي بكر الراوي وكأنشك في هذه الجملة ولم أرها من طريقه الا هكذا قوله فأرسل قال بن عبد البر في رواية روح بن عبادة عن مالك أرسل مولاه زيدا قال بن عبد البر وهو زيد بن حارثة فيما يظهر لي قوله في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة كذا هنا بلفظ أو وهي للشك أو للتنويع ووقع في رواية أبي داود عن القعنبي بلفظ ولا قلادة وهو من عطف العام على الخاص وبهذا جزم المهلب ويؤيد الاول ما روى عن مالك أنه سئل عن القلادة فقال ما سمعت بكراهتها الا في الوتر وقوله وتر بالمثناة في جميع الروايات قال بن الجوزي ربما صحف من لا علم له بالحديث فقال وبر بالموحدة قلت حكى بن التين أن الداودي جزم بذلك وقال هو ما ينتزع عن الجمال يشبه الصوف قال بن التين فصحف قال بن الجوزي وفي المراد بالاوتار ثلاثة أقوال أحدها أنهم كانوا يقلدون الابل أوتار القسي لئلا تصيبها العين بزعمهم فأمروا بقطعها أعلاما بأن الاوتار لا ترد من أمر الله شيئا وهذا قول مالك قلت وقع ذلك متصلا بالحديث من كلامه في الموطأ وعند مسلم وأبي داود وغيرهما قال مالك أرى أن ذلك من أجل العين ويؤيده حديث عقبة بن عامر رفعه من علق تميمة فلا أتم الله له أخرجه أبو داود أيضا والتميمة ما علق من القلائد خشية العين ونحو ذلك قال بن عبد البر إذا اعتقد الذي قلدها أنها ترد العين فقد ظن أنها ترد القدر وذلك لا يجوز اعتقاده ثانيها النهي عن ذلك لئلا تختنق الدابة بها عند شدة الركض ويحكى ذلك عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وكلام أبي عبيد يرجحه فإنه قال نهى عن ذلك لان الدواب تتأذى بذلك ويضيق عليها نفسها ورعيها وربما تعلقت بشجرة فاختنقت أو تعوقت عن السير ثالثها أنهم كانوا يعقلون فيها الاجراس حكاه الخطابي وعليه يدل تبويب البخاري وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أم حبيبة أم المؤمنين مرفوعا لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس وأخرجه النسائي من حديث أم سلمة أيضا والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه فقد أخرجه الدارقطني من طريق عثمان بن عمر المذكور بلفظ لا تبقين قلادة من وتر ولا جرس في عنق بعير الا قطع قلت ولا فرق بين الابل وغيرها في ذلك الا على القول الثالث فلم تجر العادة بتعليق الاجراس في رقاب الخيل وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي وهب الحساني رفعه اربطوا الخيل وقلدوها ولا تقلدوها الاوتار فدل على أن لا اختصاص للابل فلعل التقييد بها في الترجمة للغالب وقد حمل النضر بن شميل الاوتار في هذا الحديث على معنى الثأر فقال معناه لا تطلبوا بها ذحول الجاهلية قال القرطبي وهو تأويل بعيد وقال للثوري ضعيف وإلى نحو قول النضر جنح وكيع فقال المعنى لا تركبوا الخيل في الفتن فإن من ركبها لم يسلم أن يتعلق به وتر يطلب به والدليل على أن المراد بالاوتار جمع الوتر بالتحريك لا الوتر بالاسكان ما رواه أبو داود أيضا من حديث رويفع بن ثابت رفعه من عقد لحيته أو تقلد وترا فإن محمدا برئ منه فإنه عند الرواة أجمع بفتح المثناة والجرس بفتح الجيم والراء ثم مهملة معروف وحكى عياض اسكان الراء

[ 100 ]

والتحقيق أن الذي بالفتح اسم الآلة وبالاسكان اسم الصوت وروى مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رفعه الجرس مزمار الشيطان وهو دال على أن الكراهية فيه لصوته لان فيها شبها بصوت الناقوس وشكله قال النووي وغيره الجمهور على أن النهي للكراهة وأنها كراهة تنزيه وقيل للتحريم وقيل يمنع منه قبل الحاجة ويجوز إذا وقعت الحاجة وعن مالك تختص الكراهة من القلائد بالوتر ويجوز بغيرها إذا لم يقصد دفع العين هذا كله في تعليق التمائم وغيرها مما ليس فيه قرآن ونحوه فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه فإنه إنما يجعل للتبرك به والتعوذ بأسمائه وذكره وكذلك لا نهي عما يعلق لاجل الزينة ما لم يبلغ الخيلاء أو السرف واختلفوا في تعليق الجرس أيضا ثالثها يجوز بقدر الحاجة ومنهم من أجاز الصغير منها دون الكبير وأغرب بن حبان فزعم أن الملائكة لا تصحب الرفقة التي يكون فيها الجرس إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها قوله باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة أو كان له عذر هل يؤذن له ذكر فيه حديث بن عباس في ذلك وفيه قوله أذهب فاحجج مع امرأتك وقد سبق الكلام عليه في أواخر أبواب المحضر من الحج ويستفاد منه أن الحج في حق مثله أفضل من الجهاد لانه اجتمع له مع حج التطوع في حقه تحصيل حج الفرض لامرأته وكان اجتماع ذلك له أفضل من مجرد الجهاد الذي يحصل المقصود منه بغيره وفيه مشروعية كتابة الجيش ونظر الامام لرعيته بالمصلحة قوله باب الجاسوس بجيم ومهملتين أي حكمه إذا كان من جهة الكفار ومشرعيته إذا كان من جهة المسلمين قوله والتجسس التبحث هو تفسير أبي عبيدة قوله وقول الله عزوجل لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء الآية مناسبة الآية أما لما سيأتي في التفسير أن القصة المذكورة في حديث الباب كانت سبب نزولها وأما لان ينتزع منها حكم جاسوس الكفار فإذا اطلع عليه بعض المسلمين لا يكتم أمره بل يرفعه إلى الامام ليرى فيه رأيه وقد اختلف العلماء في جواز قتل جاسوس الكفار وسيأتي البحث فيه بعد أحد وثلاثين بابا ثم ذكر فيه حديث علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة وسيأتي الكلام على شرحه في تفسير سورة الممتحنة إن شاء الله تعالى ونذكر فيه المرأة وتسمية من عرف ممن كاتبه حاطب من أهل مكة وقوله فيه روضة خاخ بمنقوطتين من فوق والظعينة بالظاء المعجمة المرأة وقوله في آخره قال سفيان وأي إسناد هذا أي عجبا لجلالة رجاله وصريح اتصاله قوله باب الكسوة للاسارى أي بما يواري عوراتهم إذ لا يجوز النظر إليها قوله عن عمرو هو بن دينار قوله لما كان يوم بدر أتى

[ 101 ]

بأسارى من المشركين قوله وأتى بالعباس أي بن عبد المطلب قوله يقدر عليه بضم الدال وإنما كان ذلك لان العباس كان بين الطول وكذلك كان عبد الله بن أبي قوله فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه أي لعبد الله بن أبي عند دفنه وقد تقدم شرح ذلك في أواخر الجنائز وما يحتمل في ذلك من الادراج وقوله في آخر الحديث قال بن عيينة كانت له أي لعبد الله بن أبي وقوله يد أي نعمة وهو محصل ما سبق من قوله في الجنائز كانوا يرون الخ قوله باب فضل من أسلم على يديه رجل ذكر فيه حديث سهل بن سعد في قصة علي يوم خيبر والمراد منه قوله صلى الله عليه وسلم لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم وهو ظاهر فيما ترجم له وسيأتي شرح الحديث في المغازي إن شاء الله تعالى قوله باب الاسارى في السلاسل ذكر فيه حديث أبي هريرة عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل وقد أخرجه أبو داود من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زياد بلفظ يقادون إلى الجنة بالسلاسل وقد تقدم توجيه العجب في حق الله في أوائل الجهاد وأن معناه الرضا ونحو ذلك قال بن المنير أن كان المراد حقيقة وضع السلاسل في الاعناق فالترجمة مطابقة وأن كان المراد المجاز عن الاكراه فليست مطابقة قلت المراد بكون السلاسل في أعناقهم مقيد بحالة الدنيا فلا مانع من حمله على حقيقته والتقدير يدخلون الجنة وكانوا قبل أن يسلموا في السلاسل وسيأتي في تفسير آل عمران من وجه آخر عن أبي هريرة في قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس قال خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الاسلام قال بن الجوزي معناه أنهم أسروا وقيدوا فلما عرفوا صحة الاسلام دخلوا طوعا فدخلوا الجنة فكان الاكراعلى الاسر والتقييد هو السبب الاول وكأنه أطلق على الاكراه التسلسل ولما كان هو السبب في دخول الجنة أقام المسبب مقام السبب وقال الطيبي ويحتمل أن يكون المراد بالسلسلة الجذب الذي يجذبه الحق من خلص عباده من الضلالة إلى الهدى ومن الهبوط في مهاوي الطبيعة إلى العروج للدرجات لكن الحديث في تفسير آل عمران يدل على أنه على الحقيقة ونحوه ما أخرجه من طريق أبي الطفيل رفعه رأيت ناسا من أمتي يساقون إلى الجنة في السلاسل كرها قلت يا رسول الله من هم قال قوم من العجم يسبيهم المهاجرون فيدخلونهم في الاسلام مكرهين وأما إبراهيم الحربي فمنع حمله على حقيقة التقييد وقال المعنى يقادون إلى الاسلام مكرهين فيكون ذلك سبب دخولهم الجنة وليس المراد أن ثم سلسلة وقال غيره يحتمل أن يكون المراد المسلمين المأسورين عند أهل الكفر يموتون على ذلك أو يقتلون فيحشرون كذلك وعبر عن الحشر بدخول الجنة لثبوت دخولهم عقبة والله أعلم قوله باب فضل من أسلم من أهل الكتابين ذكر فيه حديث أبي بردة وأنه سمع أباه

[ 102 ]

يقول ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين الحديث وقد تقدم الكلام عليه في العتق قال المهلب جاء النص في هؤلاء الثلاثة لينبه به على سائر من أحسن في معنيين في أي فعل كان من أفعال البر وقد تقدمت مباحث هذا الحديث في كتاب العلم ويأتي الكلام على ما يتعلق بمن يعتق الامة ثم يتزوجها في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى قال بن المنير مؤمن أهل الكتاب لا بد أن يكون مؤمنا بنبينا صلى الله عليه وسلم لما أخذ الله عليهم من العهد والميثاق فإذا بعث فإيمانه مستمر فكيف يتعدد ايمانه حتى يتعدد أجره ثم أجاب بأن ايمانه الاول بأن الموصوف بكذا رسول والثاني بأن محمدا هو الموصوف فظهر التغاير فثبت التعدد انتهى ويحتمل أن يكون تعدد أجره لكونه لم يعاند كما عاند غيره ممن أضله الله على علم فحصل له الاجر الثاني بمجاهدته نفسه على مخالفة أنظاره قوله باب أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذراري أي هل يجوز ذلك أم لا ويبيتون مبني للمفعول وفهم من تقييده باصابة من ذكر قصر الخلاف عليه وجواز البيات إذا عري عن ذلك قال أحمد لا بأس بالبيات ولا أعلم أحدا كرهه قوله بياتا ليلا كذا في جميع النسخ بالموحدة ثم التحتانية الخفيفة وبعد الالف مثناة وهذه عادة المصنف إذا وقع في الخبر لفظة توافق ما وقع في القرآن أورد تفسير اللفظ الواقع في القرآن جمعا بين المصلحتين وتبركا بالامرين ووقع عند غير أبي ذر من الزيادة هنا لنبيتنه ليلا بيت ليلا وهذا جميع ما وقع في القرآن من هذه المادة وهذه الاخيرة بيت يريد قوله بيت طائفة منهم غير الذي تقول وهي في السبعة قال أبو عبيدة كل شئ قدر بليل يبيت قال الشاعر هبت لتعذلني بليل أسمع سفها تبيتك الملامة فاهجعي وأغرب بن المنير فصحف بياتا فجعلها نياما بنون وميم من النوم فصارت هكذا فيصاب الولدان والذراري نياما ليلا ثم تعقبه فقال العجب من زيادته في الترجمة نياما وما هو في الحديث الا ضمنا الا أن الغالب أنهم إذا وقع بهم ليلا كان أكثرهم نياما لكن ما الحاجة إلى التقييد بالنوم والحكم سواء نياما كانوا أو أيقاظا الا أن يقال أن قتلهم نياما أدخل في الاغتيال من كونهم أيقاظا فنبه على جواز مثل ذلك انتهى وقد صحف ثم تكلف ومعنى البيات المراد في الحديث أن يغار على الكفار بالليل بحيث لا يميز بين أفرادهم قوله عن عبيد الله هو بن عبد الله بن عتبة ووقع في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان عن الزهري أخبرني عبيد الله قوله فسئل لم أقف على اسم السائل ثم وجدت في صحيح بن حبان من طريق محمد بن عمرو عن الزهري بسنده عن الصعب قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم قال نعم فظهر أن الراوي هو السائل قوله عن أهل الدار أي المنزل هكذا في البخاري وغيره ووقع في بعض النسخ من مسلم سئل عن الذراري قال عياض الاول هو الصواب ووجه النووي الثاني وهو واضح قوله هم منهم أي في الحكم تلك الحالة وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء الا بوطئ الذرية فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم قوله وسمعته يقول كذا للاكثر ولابي ذر فسمعته بالفاء والاول أوضح وقوله لا حمى الا لله ولرسوله تقدم الكلام عليه في الشرب وقوله وعن الزهري هو موصول بالاسناد الاول وكان بن عيينة يحدث بهذا الحديث مرتين مرة مجردا هكذا ومرة يذكر فيه سماعه إياه أولا من عمرو بن دينار

[ 103 ]

عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يذكر سماعه إياه من الزهري وننبه على نكتة في المتن وهي أن في رواية عمرو بن دينار قال هم من آبائهم وفي رواية الزهري قال هم منهم وقد أوضح ذلك الاسماعيلي في روايته عن جعفر الفريابي عن علي بن المديني وهو شيخ البخاري فيه فذكر الحديث وقال قال علي ردده سفيان في هذا المجلس مرتين وقوله في سياق هذا الباب عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم يوهم أن رواية عمرو بن دينار عن الزهري هكذا بطريق الارسال وبذلك جزم بعض الشراح وليس كذلك فقد أخرجه الاسماعيلي من طريق العباس بن يزيد حدثنا سفيان قال كان عمرو يحدثنا قبل أن يقدم المدينة الزهري عن الزهري عن عبيد الله عن بن عباس عن الصعب قال سفيان فقدم علينا الزهري فسمعته يعيده ويبديه فذكر الحديث وزاد الاسماعيلي في طريق جعفر الفريابي عن علي عن سفيان وكان الزهري إذا حدث بهذا الحديث قال وأخبرني بن كعب بن مالك عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث إلى بن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان انتهى وهذا الحديث أخرجه أبو داود بمعناه من وجه آخر عن الزهري وكأن الزهري أشار بذلك إلى نسخ حديث الصعب وقال مالك والاوزاعي لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم وقد أخرج بن حبان في حديث الصعب زيادة في آخره ثم نهى عنهم يوم حنين وهي مدرجة في حديث الصعب وذلك بين في سنن أبي داود فإنه قال في آخره قال سفيان قال الزهري ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان ويؤيد كون النهي في غزوة حنين ما سيأتي في حديث رياح بن الربيع الآتي فقال لاحدهم الحق خالدا فقل له لا تقتل ذرية ولا عسيفا والعسيف بمهملتين وفاء الاجير وزنا ومعنى وخالد أول مشاهده مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح وفي ذلك العام كانت غزوة حنين وأخرج الطبراني في الاوسط من حديث بن عمر قال لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة أتى بامرأة مقتولة فقال ما كانت هذه تقاتل ونهى فذكر الحديث وأخرج أبو داود في المراسيل عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال ألم أنه عن قتل النساء من صاحبها فقال رجل أنا يا رسول الله أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني فقتلتها فأمر بها أن توارى ويحتمل في هذه التعدد والذي جنح إليه غيرهم الجمع بين الحديثين كما تقدمت الاشارة إليه وهو قول الشافعي والكوفيين وقالوا إذا قاتلت المرأة جاز قتلها وقال بن حبيب من المالكية لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت الا أن باشرت القتل وقصدت إليه قال وكذلك الصبي المراهق ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث رياح بن الربيع وهو بكسر الراء والتحتانية التميمي قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين فرأى امرأة مقتولة فقال ما كانت هذه لتقاتل فإن مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت واتفق الجميع كما نقل بن بطال وغيره على منع القصد إلى قتل النساء والولدان أما النساء فلضعفهن وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر ولما في استبقائهم جميعا من الاتنفاع بهم أما بالرق أو بالفداء فيمن يجوز أن يفادى به وحكى الحازمي قولا بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر حديث الصعب وزعم أنه ناسخ لاحاديث النهي وهو غريب وسيأتي الكلام على قتل المرأة المرتدة

[ 104 ]

في كتاب القصاص وفي الحديث دليل على جواز العمل بالعام حتى يرد الخاص لان الصحابة تمسكوا بالعمومات الدالة على قتل أهل الشرك ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان فحص ذلك العموم ويحتمل أن يستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة ويستنبط منه الرد على من يتخلى عن النساء وغيرهن من أصناف الاموال زهدا لانهم وأن كان قد يحصل منهم الضرر في الدين لكن يتوقف تجنبهم على حصول ذلك الضرر فمتى حصل اجتنبت وإلا فليتناول من ذلك بقدر الحاجة قوله باب قتل الصبيان في الحرب أورد فيه حديث بن عمر من طريق ليث وهو بن سعد بلفظ فأنكر ثم قال باب قتل النساء في الحرب وأورد الحديث المذكور من طريق عبيد الله وهو ابن عمر بلفظ فنهى واسحق بن ابراهيم شيخه فيه هو ابن راهويه هكا أورده في مسند بهذا السياق وزاد في آخره فاقربه أبواستامة وقال نعم وعلى هذا فلا حجة فيه لمن قال فيه أن من قال لشيخه حدثكم فلان فسكت جاز ذلك مع القرينة لانه تبين من هذه الطريق الاخرى أنه لم يسكت وقد تقدمت أحكامه في الباب الذى قبله ورواه الطبراني في الاوسط من حديث أبى سعيد قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان وقال هما لمن غلب (قوله باب لا يعذب بعذاب الله) هكذا بت الحكم في هذه المسألة لوضوح دليلها عنده ومخله إذا لم يتعين التحريق طريقا إلى الغلبة على الكفار حال الحرب (قوله عن بكير) بموحدة وكاف مصغر ولاحمد عن هشام بن القاسم عن الليث حدثني بكير بن عبد الله بن الاشج فأفاد نسبته وتصريحه بالتحديث قوله عن أبي هريرة كذا في جميع الطرق عن الليث ليس بين سليمان بن يسار وأبي هريرة فيه أحد وكذلك أخرجه النسائي من طريق عمرو بن الحارث وغيره عن بكير ومضى قبل أبواب معلقا وخالفهم محمد بن إسحاق فرواه في السيرة عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير فأدخل بين سليمان وأبي هريرة رجلا وهو أبو إسحاق الدوسي وأخرجه الدارمي وابن السكن وابن حبان في صحيحه من طريق بن إسحاق وأشار الترمذي إلى هذه الرواية ونقل عن البخاري أن رواية الليث أصح وسليمان قد صح سماعه من أبي هريرة يعني وهو غير مدلس فتكون رواية بن إسحاق من المزيد في متصل الاسانيد قوله بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال أن وجدتم فلانا وفلانا زاد الترمذي عن قتيبة بهذا الاسناد رجلين من قريش وفي رواية بن إسحاق بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها قلت وكان أمير السرية المذكورة حمزة بن عمرو الاسلمي أخرجه أبو داود من طريقه بإسناد صحيح لكن قال في روايته أن وجدتم فلانا فأحرقوه بالنار هكذا بالافراد وكذلك رويناه في فوائد علي بن حرب عن بن عيينة عن بن أبي نجيح مرسلا وسماه هبار بن الاسود ووقع في رواية بن إسحاق أن وجدتم هبار بن الاسود والرجل الذي سبق منه إلى زينب ما سبق فحرقوهما بالنار يعني زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زوجها أبو العاص بن الربيع لما أسره الصحابة ثم أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة شرط عليه أن يجهز له ابنته زينب فجهزها فتبعها هبار بن الاسود ورفيقه فنخسا بعيرها فأسقطت ومرضت من ذلك والقصة مشهورة عند بن إسحاق وغيره وقال في روايته وكانا نخسا بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجت من مكة وقد أخرجه سعيد بن منصور عن بن عيينة عن بن أبي نجيح أن هبار بن الاسود

[ 105 ]

أصاب زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ وهي في خدرها فاسقطت فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فقال أن وجدتموه فاجعلوه بين حزمتي حطب ثم أشعلوا فيه النار ثم قال إني لاستحي من الله لا ينبغي لاحد أن يعذب بعذاب الله الحديث فكأن افراد هبار بالذكر لكونه كان الاصل في ذلك والآخر كان تبعا له وسمي بن السكن في روايته من طريق بن إسحاق الرجل الآخر نافع بن عبد قيس وبه جزم بن هشام في زوائد السيرة عليه وحكى السهيلي عن مسند البزار أنه خالد بن عبد قيس فلعله تصحف عليه وإنما هو نافع كذلك هو في النسخ المعتمدة من مسند البزار وكذلك أورده بن بشكوال من مسند البزار وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه من طريق بن لهيعة كذلك قلت وقد أسلم هبار هذا ففي رواية بن أبي نجيح المذكورة فلم تصبه السرية وأصابه الاسلام فهاجر فذكر قصة إسلامه وله حديث عند الطبراني وآخر عند بن منده وذكر البخاري في تاريخه لسليمان بن يسار عنه رواية في قصة جرت له مع عمر في الحج وعاش هبار هذا إلى خلافة معاوية وهو بفتح الهاء وتشديد الموحدة ولم أقف لرفيقه على ذكر في الصحابة فلعله مات قبل أن يسلم قوله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج في رواية بن إسحاق حتى إذا كان من الغد وفي رواية عمرو بن الحارث فأتيناه نودعه حين أردنا الخروج وفي رواية ابن لهيعة فلما ودعنا وفي رواية حمزة الاسلمي فوليت فناداني فرجعت قوله وان النار لا يعذب بها الا الله هو خبر بمعنى النهي ووقع في رواية ابن لهيعة وانه لا ينبغي وفي رواية ابن إسحاق ثم رأيت انه لا ينبغي أن يعذب بالنار الا الله وروى أبو داود من حديث ابن مسعود رفعه أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار الا رب النار وفي الحديث قصة واختلف السلف في التحريق فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقا سواء كان ذلك بسبب كفر أو كان قصاصا وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما وسيأتي ما يتعلق بالقصاص قريبا وقال المهلب ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة وقد سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين بالحديد المحمى وقد حرق أبو بكر البغاة بالنار بحضرة الصحابة وحرق خالد بن الوليد بالنار ناسا من أهل الردة وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها قاله الثوري والاوزاعي وقال بن المنير وغيره لا حجة فيما ذكر للجواز لان قصة العرنيين كانت قصاصا أو منسوخة كما تقدم وتجويز الصحابي معارض بمنع صحابي آخر وقصة الحصون والمراكب مقيدة بالضرورة إلى ذلك إذا تعين طريقا للظفر بالعدو ومنهم من قيده بأن لا يكون معهم نساء ولا صبيان كما تقدم وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم وهو نسخ لامره المتقدم سواء كان بوحي إليه أو باجتهاد منه وهو محمول على من قصد إلى ذلك في شخص بعينه وقد اختلف في مذهب مالك في أصل المسألة وفي التدخين وفي القصاص بالنار وفي الحديث جواز الحكم بالشئ اجتهادا ثم الرجوع عنه واستحباب ذكر الدليل عند الحكم لرفع الالباس والاستنابة في الحدود ونحوها وأن طول الزمان لا يرفع العقوبة عمن يستحقها وفيه كراهة قتل مثل البرغوث بالنار وفيه نسخ السنة بالسنة وهو اتفاق وفيه مشروعية توديع المسافر لاكابر أهل بلده وتوديع أصحابه له أيضا وفيه جواز نسخ الحكم قبل العمل به أو قبل التمكن من العمل به وهو اتفاق الا عن بعض المعتزلة فيما حكاه أبو بكر بن العربي وهذه المسألة غير المسألة المشهورة في الاصول في وجوب العمل بالناسخ قبل العلم به وقد تقدم شئ من ذلك في أوائل الصلاة في الكلام على حديث الاسراء

[ 106 ]

وقد أنفقوا على أنهم أن تمكنوا من العلم به ثبت حكمة في حقهم اتفاقا فإن لم يتمكنوا فالجمهور أنه لا يثبت وقيل يثبت في الذمة كما لو كان نائما ولكنه معذور قوله عن أيوب صرح الحميدي عن سفيان بتحديث أيوب له به قوله أن عليا حرق قوما في رواية الحميدي المذكورة أن عليا أحرق المرتدين يعني الزنادقة وفي رواية بن أبي عمر ومحمد بن عباد عند الاسماعيلي جميعا عن سفيان قال رأيت عمرو بن دينار وأيوب وعمارا الدهني اجتمعوا فتذاكروا الذين حرقهم علي فقال أيوب فذكر الحديث فقال عمار لم يحرقهم ولكن حفر لهم حفائر وخرق بعضها إلى بعض ثم دخن عليهم فقال عمرو بن دينار قال الشاعر لترم بي المنايا حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين إذا ما أججوا حطبا ونارا هنا ك الموت نقدا غير دين انتهى وكأن عمرو بن دينار أراد بذلك الرد على عمار الدهني في إنكاره أصل التحريق ثم وجدت في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص حدثنا لوين حدثنا سفيان بن عيينة فذكره عن أيوب وحده ثم أورده عن عمار وحده قال بن عيينة فذكرته لعمرو بن دينار فأنكره وقال فأين قوله أوقدت ناري ودعوت قنبرا فظهر بهذا صحة ما كنت ظننته وسيأتي للمصنف في استتابة المرتدين في آخر الحدود من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال أتى على بزنادقة فأحرقهم ولاحمد من هذا الوجه أن عليا أتى بقوم من هؤلاء الزنادقة ومعهم كتب فأمر بنار فأججت ثم أحرقهم وكتبهم وروى بن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن عبيد عن أبيه قال كان ناس يعبدون الاصنام في السر ويأخذون العطاء فأتى بهم على فوضعهم في السجن واستشار الناس فقالوا اقتلهم فقال لا بل أصنع بهم كما صنع بأبينا إبراهيم فحرقهم بالنار قوله لان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تعذبوا بعذاب الله هذا أصرح في النهي من الذي قبله وزاد أحمد وأبو داود والنسائي من وجه آخر عن أيوب في آخره فبلغ ذلك عليا فقال ويح بن عباس وسيأتي الكلام على قوله من بدل دينه فاقتلوه في استتابة المرتدين إن شاء الله تعالى قوله باب فإما منا بعد وأما فداء فيه حديث ثمامة كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة في قصة إسلام ثمامة بن آثال وستأتي موصولة مطولة في أواخر كتاب المغازي والمقصود منها هنا قوله فيه أن تقتل تقتل ذا دم وأن تنعم تنعم على شاكر وأن كنت تريد المال فسل منه ما شئت فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك ولم ينكر عليه التقسيم ثم من عليه بعد ذلك فكان في ذلك تقوية لقول الجمهور أن الامر في أسرى الكفرة من الرجال إلى الامام يفعل ما هو الاحظ للاسلام والمسلمين وقال الزهري ومجاهد وطائفة لا يجوز أخذ الفداء من أسارى الكفار أصلا وعن الحسن وعطاء لا تقتل الاسارى بل يتخير بين المن والفداء وعن مالك لا يجوز المن بغير فداء وعن الحنفية لا يجوز المن أصلا لا بفداء ولا بغيره فيرد الاسير حربيا قال الطحاوي وظاهر الآية حجة للجمهور وكذا حديث أبي هريرة في قصة ثمامة لكن في قصة ثمامة ذكر القتل وقال أبو بكر الرازي احتج أصحابنا لكراهة فداء المشركين بالمال بقوله تعالى لولا كتاب من الله سبق الآية ولا حجة لهم لان ذلك كان قبل حل الغنيمة فإن فعله بعد إباحة الغنيمة فلا كراهة انتهى وهذا هو الصواب فقد حكى بن القيم في الهدى اختلافا أي الامرين أرجح ما أشار به أبو بكر من أخذ الفداء أو ما أشار به عمر من القتل فرجحت طائفة رأى عمر لظاهر الآية ولما في القصة من حديث عمر من قول النبي صلى الله عليه

[ 107 ]

وسلم أبكي لما عرض على أصحابك من العذاب لاخذهم الفداء ورجحت طائفة رأي أبي بكر لانه الذي استقر عليه الحال حينئذ ولموافقة رأيه الكتاب الذي سبق ولموافقة حديث سبقت رحمتي غضبي ولحصول الخير العظيم بعد من دخول كثير منهم في الاسلام والصحبة ومن ولد لهم من كان ومن تجدد إلى غير ذلك مما يعرف بالتأمل وحملوا التهديد بالعذاب على من أختار الفداء فيحصل عرض الدنيا مجردا وعفا الله عنهم ذلك وحديث عمر المشار إليه في هذه القصة أخرجه أحمد مطولا وأصله في صحيح مسلم بالسند المذكور قوله وقوله عزوجل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض يعني يغلب في الارض تريدون عرض الدنيا الآية كذا وقع في رواية أبي ذر وكريمة وسقط للباقين وتفسير يثخن بمعنى يغلب قاله أبو عبيدة وزاد ويبالغ وعن مجاهد الاثخان القتل وقيل المبالغة فيه وقيل معناه حتى يتمكن في الارض وأصل الاثخان في اللغة الشدة والقوة وأشار المصنف بهذه الآية إلى قول مجاهد وغيره ممن منع أخذ الفداء من أسارى الكفار وحجتهم منها أنه تعالى أنكر إطلاق أسرى كفار بدر على مال فدل على عدم جواز ذلك بعد واحتجوا بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم قال فلا يستثنى من ذلك الا من يجوز أخذ الجزية منه وقال الضحاك بل قوله تعالى فاما منابعد وأما فداء ناسخ لقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقال أبو عبيد نسخ في شئ من هذه الآيات بل هي محكمة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم عمل بما دلت عليه كلها في جميع أحكامه فقتل بعض الكفار يوم بدر وفدى بعضا ومن على بعض وكذا قتل بني قريظة ومن على بني المصطلق وقتل بن خطل وغيره بمكة ومن على سائرهم وسبى هوازن ومن عليهم ومن على ثمامة بن أثال فدل كل ذلك على ترجيح قول الجمهور أن ذلك راجع إلى رأي الامام ومحصل أحوالهم تخيير الامام بعد الاسر بين ضرب الجزية لمن شرع أخذها منه أو القتل أو الاسترقاق أو المن بلا عوض أو بعوض هذا في الرجال وأما النساء والصبيان فيرقون بنفس الاسر ويجوز المفاداة بالاسيرة الكافرة باسير مسلم أو مسلمة عند الكفار ولو أسلم الاسير زال القتل اتفاقا وهل يصير رقيقا أو تبقى بقية الخصال قولان للعلماء قوله باب هل للاسير ان يقتل أو يخدع الذين أسروه حتى ينجو من الكفرة فيه المسور عن النبي صلى الله عليه وسلم يشير بذلك إلى قصة أبي بصير وقد تقدم بسطها في أواخر الشروط وهي ظاهرة فيما ترجم له وهي من مسائل الخلاف أيضا ولهذا لم يبت الحكم فيها قال الجمهور ان ائتمنوه يف لهم بالعهد حتى قال مالك لا يجوز أن يهرب منهم وخالفه أشهب فقال لو خرج به الكافر ليفادي به فله أن يقتله وقال أبو حنيفة والطبري إعطاؤه العهد على ذلك باطل ويجوز له أن لا يفي لهم به وقال الشافعية يجوز أن يهرب من أيديهم ولا يجوز أن يأخذ من أموالهم قالوا وأن لم يكن بينهم عهد جاز له أن يتخلص منهم بكل طريق ولو بالقتل وأخذ المال وتحريق الدار وغير ذلك وليس في قصة أبي بصير تصريح بأنه كان بينه وبين من تسلمه ليرده إلى المشركين عهد ولهذا تعرض للقتل فقتل أحد الرجلين وانفلت الآخر ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم مستوفى قوله باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق أي جزاء بفعله هذه الترجمة تليق أن تذكر قبل بابين فلعل تأخيرها من تصرف النقلة ويؤيد ذلك أنهما سقطا جميعا للنسفي وثبت عنده ترجمة إذا حرق المشرك تلو ترجمة لا يعذب بعذاب الله وكأنه أشار بذلك إلى تخصيص النهي قي قوله لا يعذب بعذاب الله بما إذا لم يكن ذلك على سبيل القصاص وقد

[ 108 ]

تقدمت الاشارة إلى ذلك وقد أورد المصنف في الباب حديث أنس في قصة العرنيين وليس فيه التصريح بأنهم فعلوا ذلك بالرعاء لكنه أشار إلما ورد في بعض طرقه وذلك فيما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أنس قال إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين لانهم سملوا أعين الرعاء قال بن بطال ولو لم يرد ذلك لكان أخذ ذلك من قصة العرنيين بطريق الاولى لانه إذا جاز سمل أعينهم وهو تعذيب بالنار ولو لم يفعلوا ذلك بالمسلمين فجوازه أن فعلوه أولى وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الطهارة في باب أبوال الابل وهو في أواخر أبواب الوضوء قبيل كتاب الغسل وقوله حدثنا معلى بضم الميم وهو بن أسد وثبت كذلك في رواية الاصيلي وآخرين وقوله فيه أبغنا رسلا أي أعنا على طلبه والرسل بكسرالراء الدر من اللبن والذود بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة الثلاث من الابل إلى العشرة والصريخ صوت المستغيث وترجل بالجيم أي ارتفع) قوله باب كذا لهم بغير ترجمة وهو كالفصل من الباب قبله والمناسبة بينهما أن لا يتجاوز بالتحريق حيث يجوز إلى من لم يستوجب ذلك فإنه أورد حديث أبي هريرة في تحريق قرية النمل وأشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه أن الله أوحى إليه فهلا نملة واحدة فإن فيه إشارة إلى أنه لو حرق التي قرصته وحدها لما عوتب ولا يخفى أن صحة الاستدلال بذلك متوقفة على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا وسيأتي الكلام على شرحه مستوفى في بدء الخلق إن شاء الله تعالى قوله باب حرق الدور والنخيل أي التي للمشركين كذا وقع في جميع النسخ حرق وضبطوه بفتح أوله واسكان الراء وفيه نظر لانه لا يقال في المصدر حرق وإنما يقال تحريق واحراق لانه رباعي فلعله كان حرق بتشديد الراء بلفظ الفعل الماضي وهو المطابق للفظ الحديث والفاعل محذوف تقديره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله أو بإذنه وقد ترجم في التي قبلها باب إذا حرق وعلى هذا فقوله الدور منصوب بالمفعولية والنخيل كذلك نسقا عليه ثم ذكر فيه حديثين ظاهرين فيما ترجم له أحدهما عن جرير في قصة ذي الخلصة بفتح المعجمة واللام والمهملة وحكى تسكين اللام وسيأتي شرحه في أواخر المغازي وقوله فيه كعبة اليمانية أي كعبة الجهة اليمانية على رأي البصريين ثانيهما حديث بن عمر حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير أورده مختصرا هكذا وسيأتي بتمامه في المغازي مع شرحه إن شاء الله تعالى وقد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو وكرهه الاوزاعي والليث وأبو ثور واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئا من ذلك وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان وبهذا قال أكثر أهل العلم ونحو ذلك القتل بالتغريق وقال غيره إنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لانه علم أن تلك البلاد ستفتح فأراد ابقاءها على المسلمين والله

[ 109 ]

أعلم قوله باب قتل المشرك النائم ذكر فيه قصة قتل أبي رافع اليهودي من حديث البراء بن عازب أورده من وجهين مطولا ومختصرا وسيأتي شرحها في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى وهي ظاهرة فيما ترجم له لان الصحابي طلب قتل أبي رافع وهو نائم وإنما ناداه ليتحقق أنه هو لئلا يقتل غيره ممن لا غرض له إذ ذاك في قتله وبعد أن أجابه كان في حكم النائم لانه حينئذ استمر على خيال نومه بدليل أنه بعد أن ضربه لم يفر من مكانه ولا تحول من مضجعه حتى عاد إليه فقتله وفيه جواز التجسيس على المشركين وطلب غرتهم وجواز اغتيال ذوي الاذية البالغة منهم وكان أبو رافع يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤلب عليه الناس ويؤخذ منه جواز قتل المشرك بغير دعوة أن كان قد بلغته الدعوة قبل ذلك وأما قتله إذا كان نائما فمحله أن يعلم أنه مستمر على كفره وأنه قد يئس من فلاحه وطريق العلم بذلك أما بالوحي وأما بالقرائن الدالة على ذلك قوله باب لا تمنوا لقاء العدو ذكر فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى في ذلك وقد تقدم مقطعا في أبواب منها الجنة تحت البارقة واقتصر على قوله واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ومنها الصبر عند القتال والقتصر على قوله وإذا لقيتموهم فاصبروا ومنه الدعاء على المشركين بالهزيمة واقتصر على الفصل المتعلق بالحديث منه وقد تقدم الكلام فيه على شئ في إسناده في أول ترجمة وأورده بتمامه في القتال بعد الزوال وتقدم الكلام فيما يتعلق بذلك فيه قوله لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا قال بن بطال حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الامر وهو نظير سؤال الله العافية من الفتن وقد قال الصديق لان اعافى فاشكرا حب إلى من ان ابتلى فاصبر وقال غيره انما نهى عن تمنى لقاء العدو لما فيه من صورة الاعجاب والاتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو وكل ذلك يباين الاحتياط والاخذ بالحزم وقيل يحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة أو حصول الضرر وإلا فالقتال فضيلة وطاعة ويؤيد الاول تعقيب النهي بقوله وسلوا الله العافية وأخرج سعيد بن منصور من طريق يحيى بن أبي كثير مرسلا لا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم وقال بن دقيق العيد لما كان لقاء الموت من أشق الاشياء على النفس وكانت الامور الغائبة ليست كالامور المحققة لم يؤمن أن يكون عند الوقوع كما ينبغي فيكره التمني لذلك ولما فيه لو وقع من احتمال أن يخالف الانسان ما وعد من نفسه ثم أمر بالصبر عند وقول الحقيقة انتهى واستدل بهذا الحديث على منع طلب المبارزة وهو رأي الحسن البصري وكان علي يقول لا تدع إلى المبارزة فإذا

[ 110 ]

دعيت فأجب تنصر لان الداعي باغ وقد تقدم قول على في ذلك قوله ثم قال اللهم منزل الكتاب الخ أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم فبالكتاب إلى قوله تعالى قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وبمجرى السحاب إلى القدرة الظاهرة في تسخير السحاب حيث يحرك الريح بمشيئة الله تعالى وحيث يستمر في مكانه مع هبوب الريح وحيث تمطر تارة وأخرى لا تمطر فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم وبانزال المطر إلى غنيمة ما معهم حيث يتفق قتلهم وبعدمه إلى هزيمتهم حيث لا يحصل الظفر بشئ منهم وكلها أحوال صالحة للمسلمين وأشار بهازم الاحزاب إلى التوسل بالنعمة السابقة وإلى تجريد التوكل واعتقاد أن الله هو المنفرد بالفعل وفيه التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث فإن بانزال الكتاب حصلت النعمة الاخروية وهي الاسلام وباجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق وبهزيمة الاحزاب حصل حفظ النعمتين وكأنه قال اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الاخروية والدنيوية وحفظتهما فأبقهما وروى الاسماعيلي في هذا الحديث من وجه آخر أنه صلى الله عليه وسلم دعا أيضا فقال اللهم أنت ربنا وربهم ونحن عبيدك وهم عبيدك نواصينا ونواصيهم بيدك فاهزمهم وانصرنا عليهم ولسعيد بن منصور من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا نحوه لكن بصيغة الامر عطفا على قوله وسلوا الله العافية فإن بليتم بهم فقولوا اللهم فذكره وزاد وغضوا أبصاركم واحملوا عليهم على بركة الله قوله وقال موسى بن عقبة الخ هو معطوف على الاسناد الماضي وكأنه يشير إلى أنه عنده بالاسناد الواحد على وجهين مطولا ومختصرا وهذا ما في رواية أبي ذر واقتصر غيره لهذا المتن المختصر على الاسناد المذكور ولم يسوقوه مطولا والله أعلم قوله وقال أبو عامر هو العقدي وقال الكرماني لعله عبد الله بن براد الاشعري كذا قال ولم يصب فإنه ما لا بن براد رواية عن المغيرة وقد وصله مسلم والنسائي والاسماعيلي وغيرهم من طرق عن أبي عامر العقدي عن مغيرة به وفي الحديث استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار ووصية المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم وتعليمهم بما يحتاجون إليه وسؤال الله تعالى بصفاته الحسنى وبنعمه السالفة ومراعاة نشاط النفوس لفعل الطاعة والحث على سلوك الادب وغير ذلك قوله باب الحرب خدعة أورده من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مطولا ومختصرا ومن حديث جابر مختصرا وفي أول المطول ذكر كسرى وقيصر وسيأتي الكلام على هذا في علامات النبوة وقوله خدعة بفتح المعجمة وبضمها مع سكون المهملة فيهما وبضم أوله وفتح ثانيه قال النووي اتفقوا على أن الاولى الأفصح حتى قال ثعلب بلغنا أنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك جزم أبو ذر الهروي والقزاز والثانية ضبطت كذلك في رواية الاصيلي قال أبو بكر بن طلحة أراد ثعلب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل هذه البنية كثيرا لو جازة لفظها ولكونها تعطي معنى البنيتين الاخيرتين قال ويعطى معناها أيضا الامر باستعمال الحيلة مهما أمكن ولو مرة وإلا فقاتل قال فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى ومعنى خدعة بالاسكان أنها تخدع أهلها من وصف الفاعل باسم المصدر أو أنها وصف المفعول كما يقال هذا الدرهم ضرب الامير أي مضروبه وقال الخطابي معناه أنها مرة واحدة أي إذا خدع مرة واحدة لم تقل عثرته وقيل الحكمة في الاتيان بالتاء للدلالة على الوحدة فإن الخداع

[ 111 ]

أن كان من المسلمين فكأنه حضهم على ذلك ولو مرة واحدة وأن كان من الكفار فكأنه حذرهم من مكرهم ولو وقع مرة واحدة فلا ينبغي التهاون بهم لما ينشأ عنهم من المفسدة ولو قل وفي اللغة الثالثة صيغة المبالغة كهمزة ولمزة وحكى المنذري لغة رابعة بالفتح فيهما قال وهو جمع خادع أي أن أهلها بهذه الصفة وكأنه قال أهل الحرب خدعة قلت وحكى مكي ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة كسر أوله مع الاسكان قرأت ذلك بخط مغلطاي وأصل الخد إظهار أمر واضمار خلافه وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب والندب إلى خداع الكفار وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الامر عليه قال النووي واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن الا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز قال بن العربي الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك وفي الحديث الاشارة إلى استعمال الرأي في الحرب بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث وهو كقوله الحج عرفة قال بن المنير معنى الحرب خدعة أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر تكميل ذكر الواقدي أن أول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة في غزوة الخندق قوله باب الكذب في الحرب ذكر فيه حديث جابر في قصة قتل كعب بن الاشرف وسيأتي مطولا مع شرحه في كتاب المغازي قال بن المنير الترجمة غير مطابقة لان الذي وقع منهم في قتل كعب بن الاشرف يمكن أن يكون تعريضا لان قولهم عنانا أي كلفنا بالاوامر والنواهي وقولهم سألنا الصدقة أي طلبها منا ليضعها مواضعها وقولهم فنكره أن ندعه الخ معناه نكره فراقه ولا شك أنهم كانوا يحبون الكون معه أبد انتهى والذي يظهر أنه لم يقع منهم فيما قالوه بشئ من الكذب أصلا وجميع ما صدر منهم تلويح كما سبق لكن ترجم بذلك لقول محمد بن مسلمة للنبي صلى الله عليه وسلم أولا ائذن لي أن أقول قال قل فإنه يدخل فيه الاذن في الكذب تصريحا وتلويحا وهذه الزيادة وأن لم تذكر في سياق حديث الباب فهي ثابتة فيه كما في الباب الذي بعده على أنه لو لم يرد ذلك لما كانت الترجمة منافرة للحديث لان معناها حينئذ باب الكذب في الحرب هل يسوغ مطلقا أو يجوز منه الايماء دون التصريح وقد جاء من ذلك صريحا ما أخرجه الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا لا يحل الكذب الا في ثلاث تحدث الرجل امرأته ليرضيها والكذب في الحرب وفي الاصلاح بين الناس وقد تقدم في كتاب الصلح ما في حديث أم كلثوم بنت عقبة لهذا المعنى من ذلك ونقل الخلاف في جواز الكذب مطلقا أو تقييده بالتلويح قال النووي الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الامور الثلاثة لكن التعريض أولى وقال بن العربي الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا انتهى ويقويه ما أخرجه أحمد وابن حبان من حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط الذي أخرجه النسائي وصححه الحاكم في استئذانه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة وأذن له النبي صلى الله عليه وسلم واخباره لاهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين وغير ذلك مما هو مشهور فيه ولا يعارض ذلك ما أخرجه النسائي من طريق مصعب بن سعد عن أبيه في قصة عبد الله بن أبي سرح وقول

[ 112 ]

الانصاري للنبي صلى الله عليه وسلم لما كف عن بيعته هلا أومأت إلينا بعينك قال ما ينبغي لنبي أن تكن وله خائنة الاعين لان طريق الجمع بينهما أن المأذون فيه بالخداع والكذب في الحرب حالة الحرب خاصة وأما حال المبايعة فليست بحال حرب كذا قال وفيه نظر لان قصة الحجاج بن علاط أيضا لم تكن في حال حرب والجواب المستقيم أن تقول المنع مطلقا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم فلا يتعاطى شيئا من ذلك وأن كان مباحا لغيره ولا يعارض ذلك ما تقدم من أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها فإن المراد أنه كان يريد أمرا فلا يظهره كأن يريد أن يغزو وجهة الشرق فيسأل عن أمر في جهة الغرب ويتجهز للسفر فيظن من يراه ويسمعه أنه يريد جهة الغرب وأما أن يصرح بإرادته الغرب وإنما مراده الشرق فلا والله أعلم وقال بن بطال سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث فقال الكذب المباح في الحرب ما يكون من المعاريض لا التصريح بالتأمين مثلا قال وقال المهلب موضع الشاهد للترجمة من حديث الباب قول محمد بن مسلمة قد عنانا فإنه سألنا الصدقة لان هذا الكلام يحتمل أن يفهم أن أتباعهم له إنما هو للدنيا فيكون كذبا محضا ويحتمل أن يريد أنه أتعبنا بما يقع لنا من محاربة العرب فهو من معاريض الكلام وليس فيه شئ من الكذب الحقيقي الذي هو الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه ثم قال ولا يجوز الكذب الحقيقي في شئ من الدين أصلا قال ومحال أن يأمر بالكذب من يقول من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار انتهى وقد تقدم جواب ذلك بما يغني عن اعادته قوله باب الفتك بأهل الحرب أي جواز قتل الحربي سرا وبين هذه الترجمة وبين الترجمة الماضية وهي قتل المشرك النائم عموم وخصوص وجهي وذكر هنا طرفا من حديث جابر في قصة قتل كعب بن الاشرف وقد تقدم التنبيه عليه في الباب الذي قبله وإنما فتكوا به لانه نقض العهد وأعان على حرب النبي صلى الله عليه وسلم وهجاه ولم يقع لاحد ممن توجه إليه تأمين له بالتصريح وإنما أوهموه ذلك وآنسوه حتى تمكنوا من قتله قوله باب ما يجوز من الاحتيال والحذر مع من يخشى معرته بفتح الميم والمهملة وتشديد الراء أي شره وفساده قوله وقال الليث إلى آخره وصله الاسماعيلي من طريق يحيى بن بكير وأبي صالح كلاهما عن الليث وقد علق المصنف طرفا منه في أواخر الجنائز كما مضى وسيأتي شرحه قريبا بعد ستة عشر بابا قوله باب الرجز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق الرجز بفتح الراء والجيم والزاي من بحور الشعر على الصحيح وجرت عادة العرب باستعماله في الحرب ليزيد في النشاط ويبعث الهمم وفيه جواز تمثل النبي صلى الله عليه وسلم بشعر غيره وسيأتي بسط ذلك في أوائل المغازي إن شاء الله تعالى وفيه جواز رفع الصوت في عمل الطاعة لينشط نفسه وغيره قوله فيه سهل وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه يزيد عن سلمة أما حديث سهل وهو بن سعد فوصله في غزوة الخندق وفيه اللهم لا عيش الا عيش الآخرة وسيأتي وأما حديث أنس فقد تقدم موصولا في باب حفر الخندق في أوائل الجهاد وفيه مثل ذلك أيضا بزيادة وأما حديث يزيد وهو بن أبي عبيد عن سلمة وهو بن الاكوع فسيأتي في غزوة خيبر وفيه اللهم لولا أنت ما اهتدينا وقصة

[ 113 ]

عامر بن الاكوع وسيأتي أيضا بعد أربعة أبواب ارتجاز سلمة أيضا بقوله واليوم يوم الرضع وقوله هنفي حديث البراء أن العدا قد بغوا علينا يأتي الكلام عليه في كتاب التمني عقب كتاب الاحكام وكأن المصنف أشار في الترجمة بقوله ورفع الصوت في حفر الخندق إلى أن كراهة رفع الصوت في الحرب مختصة بحالة القتال وذلك فيما أخرجه أبو داود من طريق قيس بن عباد قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال قوله باب من لا يثبت على الخيل أي ينبغي لاهل الخير أن يدعوا له بالثبات وفيه إشارة إلى فضيلة ركوب الخيل والثبات عليها ذكر فيه حديث جرير ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت وسيأتي الكلام عليه في المناقب وقوله الا تبسم في وجهه فيه التفات من التكلم إلى الغيبة ووقع في رواية السرخسي والكشميهني على الاصل بلفظ في وجهي وقوله ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل وهو موضع الترجمة وقد تقدم في باب حروق الدور والنخيل وياتي شرحه في المغازي ان شاء الله تعالى وقوله هاديا مهديا زعم ابن بطال ان فيه تقديما وتأخيرا قال لانه لا يكون هاديا لغيره الا بعد ان يهتدي هو فيكون مهديا انتهى وليست هنا صيغة ترتيب قوله باب دواء الجرحى باحراق الحصير وغسل المرأة عن ابيها الدم عن وجهه وحمل الماء في الترس اشتمل هذا الباب على ثلاثة احكام وحديث الباب ظاهر فيها وقد أفرد الثاني منها في كتاب الطهارة وأورد فيه هذا الحديث بعينه وسيأتي شرحه مستوفى في المغازي إن شاء الله تعالى قوله باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب أي من المقاتلة في أحوال الحرب قوله وعقوبة من عصى امامه أي بالهزيمة وحرمان الغنيمة قوله وقال الله عزوجل ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم يعني الحرب كذا لابي ذر وقوله يعني الحرب للكشميهني

[ 114 ]

وحده ووقع في رواية الاصيلي في هذا الموضع قال قتادة الريح الحرب وهذا قد وصله عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة بهذا نحوه وهو تفسير مجازي فالمراد بالريح القوة في الحرب والفشل بفتح الفاء والمعجمة الجبن يقال فشل إذا هاب أن يقدم جبنا وذكر في الباب حديثين أحدهما حديث أبي موسى وفيه ولا تختلفا وسيأتي شرحه في مكانه من أواخر المغازي ثانيهما حديث البراء في قصة غزاة أحد والغرض منه أن الهزيمة وقعت بسبب مخالفة الرماة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تبرحوا من مكانكم وسيأتي شرحه أيضا مستوفى في الكلام على غزوة أحد إن شاء الله تعالى قوله باب إذا فزعوا بالليل أي ينبغي لامير العسكر أن يكشف الخبر بنفسه أو بمن يندبه لذلك ذكر فيه حديث أنس في فرس أبي طلحة وقد تقدم شرحه في أواخر الهبة وتقدم في كتاب الجهاد مرارا قوله باب من رأى العدو فنادى بأعلى صوته يا صباحاه حتى يسمع الناس ذكر فيه حديث سلمة بن الاكوع في قصة غطفان وفزارة وسيأتي شرحه في غزوة ذي قرد من كتاب المغازي وقوله يا صباحاه هو منادى مستغاث والالف للاستغاثة والهاء للسكت وكأنه نادى الناس استغاثة بهم في وقت الصباح وقال بن المنير الهاء للندبة وربما سقطت في الوصل وقد ثبتت في الرواية فيوقف عليها بالسكون وكانت عادتهم يغيرون في وقت الصباح فكأنه قال تأهبوا لما دهمكم صباحا وقوله الرضع بتشديد المعجمة بصيغة الجمع والمراد بهم اللئام أي اليوم يوم هلاك اللئام وقوله فأسجح بخمزة قطع أي أحسن أو أرفق وقوله يقرون بضم أوله والتخفيف من القرى والراء مفتوحة ومضمومة وقيل معنى الضم يجمعون الماء واللبن وقيل يغزون بغين معجمة وزاي وهو تصحيف قال بن المنير موضع هذه الترجمة أن هذه الدعوة ليست من دعوى الجاهلية المنهي عنها لانها استغاثة على الكفار قوله باب من قال خذها وأنا بن فلان هي كلمة تقال عند التمدح قال بن المنير موقعها من الاحكام أنها خارجة عن الافتخار المنهي عنه لاقتضاء الحال ذلك قلت وهو قريب من جواز الاختيال بالخاء المعجمة في الحرب دون غيرها قوله وقال سلمة خذها وأنا بن الاكوع هذا طرف من حديثه المذكور في الباب الذي قبله لكنه بمعناه وقد أخرجه مسلم بلفظه من طريق أخرى عن سلمة بن الاكوع وقال فيه فخرجت في آثار القوم وألحق رجلا منهم فاصكه سهما في رجله حتى خلص نصل السهم من كتفه قال قلت خذها وأنا بن الاكوع واليوم يوم الرضع الحديث ثم ذكر المصنف حديث البراء بن عازب في ثبات النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين وقوله الله تعالى أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب وسيأتي شرحه في غزوة حنين إن شاء

[ 115 ]

الله تعالى قوله باب إذا نزل العدو على حكم رجل أي فأجازه الامام نفذ ذكر فيه حديث أبي سعيد في نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ وسيأتي شرحه في غزوة بني قريظة إن شاء الله تعالى قال بن المنير يستفاد من الحديث لزوم حكم المحكم برضا الخصمين قوله باب قتل الاسير وقتل الصبر في رواية الكشميهني قتل الاسير صبرا وهي أخصر أورد فيه حديث أنس في قتل بن خطل وقد تقدم شرحه في أواخر الحج وقد تقدم أن الامام يتخير متبعا ما هو الاحظ للاسلام والمسلمين بين قتل الاسير أو المن عليه بفداء أو بغير فداء أو استرقاقه قوله باب هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر أي هل يسلم نفسه للاسر أم لا ومن صلى ركعتين عند القتل ذكر فيه حديث أبي هريرة في بعث عاصم بن ثابت ومن معه مع بني لحيان وقصة قتل خبيب بن عدي وسيأتي شرحها مستوفى في المغازي وفيها ما ترجم له من الامور الثلاثة وقوله الله تعالى فيه فأخبرني عبيد الله بن عياض القائل فأخبرني هو بن شهاب

[ 116 ]

كما سيأتي إيضاحه هناك قوله باب فكاك الاسير أي من أيدي العدو بمال أو بغيره والفكاك بفتح الفاء ويجوز كسرها التخليص وأورد فيه حديثين أحدهما حديث أبي موسى فكوا العاني أي الاسير كذا وقع في تفسير العاني في الحديث وهو بالمهملة والنون وزن القاضي والتفسير من قبل جرير أو قتيبة وإلا فقد أخرج المصنف في الطب من طريق أبي عوانة عن منصور فلم يذكره وأخرجه في الاطعمة من طريق الثوري عن منصور وقال في آخره قال سفيان العاني الاسير قال بن بطال فكاك الاسير واجب على الكفاية وبه قال الجمهور وقال إسحاق بن راهويه من بيت المال وروى عن مالك أيضا وقال أحمد يفادى بالرءوس وأما بالمال فلا أعرفه ولو كان عند المسلمين أسارى وعند المشركين أسارى واتفقوا على المفاداة تعينت ولم تجز مفاداة أسارى المشركين بالمال ثانيهما حديث أبي جحيفة قلت لعلي هل عندكم شئ من الوحي الحديث وقد مضى شرحه في كتاب العلم وسيأتي الكلام على بقية ما فيه في الديات إن شاء الله تعالى قوله باب فداء المشركين أي بمال يؤخذ منهم تقدم في الباب الذي قبله القول في شئ من ذلك وأورد فيه ثلاثة أحاديث أولها حديث أنس في استئذان الانصار أن يتركوا للعباس فداءه وقد تقدم إيراده في كتاب العتق ثانيها حديثه قال أتى بمال من البحرين فقال العباس أعطني فإني فاديت نفسي وعقيلا وأورده معلقا مختصرا وقد تقدم بأتم منه في المساجد وبيان من وصله وقوله فاديت نفسي وعقيلا يريد بن أبي طالب ويقال أنه أسر معهما أيضا الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأن العباس افتداه أيضا وقد ذكر بن إسحاق كيفية ذلك واستدل به بن بطال على جواز إعطاء بعض الاصناف من الزكاة ولا دلالة فيه لان المال لم يكن من الزكاة وعلى تقدير كونه منها فالعباس ليس من أهل الزكاة فإن قيل إنما أعطاه من سهم الغارمين كما أشار إليه الكرماني فقد تعقب ولكن الحق أن المال المذكور كان من الخراج أو الجزية وهما من مال المصالح وسيأتي بيان ذلك في كتاب الجزية ثالثها حديث جبير بن مطعم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور ذكره لقوله فيه وكان جاء في أسارى بدر أي في طلب فداء أسارى بدر وقد تقدم شرح المتن في القراءة في الصلاة ويأتي الكلام على ما تضمنته هذه الاحاديث الثلاثة في غزوة بدر من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى قوله باب الحربي إذا دخل دار الاسلام بغير أمان هل يجوز قتله وهي من مسائل الخلاف قال مالك يتخير فيه الامام وحكمه حكم أهل الحرب وقال الاوزاعي والشافعي أن ادعى أنه رسول قبل منه وقال أبو حنيفة وأحمد لا يقبل ذلك منه وهو فئ للمسلمين قوله أبو العميس بالمهملتين مصغر قوله عن إياس بكسر الهمزة وتخفيف التحتانية وفي رواية الطحاوي من طريق أخرى عن أبي نعيم عن أبي العميس حدثنا إياس قوله أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين لم أقف على اسمه ووقع في رواية عكرمة بن عمار عن إياس عند مسلم أن ذلك كان في غزوة هوازن وسمي الجاسوس عينا لان جل عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها كأن جميع بدنه صار عينا قوله فجلس عند

[ 117 ]

أصحابه يتحدث ثم انفتل في رواية النسائي من طريق جعفر بن عون عن أبي العميس فلما طعم انسل وفي رواية عكرمة عند مسلم فقيد الجمل ثم تقدم يتغدى مع القوم وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في الظهر إذ خرج يشتد قوله اطلبوه واقتلوه زاد أبو نعيم في المستخرج من طريق يحيى الحماني عن أبي العميس أدركوه فإنه عين زاد أبو داود عن الحسن بن علي عن أبي نعيم فيه فسبقتهم إليه فقتلته قوله فقتلته فنفله سلبه كذا فيه وفيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة وكان السياق يقتضي أن يقول فنفلني وهي رواية أبي داود وزاد هو ومسلم من طريق عكرمة بن عمار المذكور فاتبعه رجل من أسلم على ناقة ورقاء فخرجت أعدو حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته فلما وضع ركبته بالارض اخترطت سيفي فأضرب رأسه فبدر فجئت براحلته وما عليها أقودها فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من قتل الرجل قالوا بن الاكوع قال له سلبه أجمع وترجم عليه النسائي قتل عيون المشركين وقد ظهر من رواية عكرمة الباعث على قتله وأنه اطلع على عورة المسلمين وبادر ليعلم أصحابه فيغتنمون غرتهم وكان في قتله مصلحة للمسلمين قال النووي فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر وهو باتفاق وأما المعاهد والذمي فقال مالك والاوزاعي ينتقض عهده بذلك وعند الشافعية خلاف أملو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتفاقا وفيه حجة لمن قال أن السلب كله للقاتل وأجاب من قال لا يستحق ذلك الا بقول الامام أنه ليس في الحديث ما يدل على أحد الامرين بل هو محتمل لهما لكن أخرجه الاسماعيلي من طريق محمد بن ربيعة عن أبي العميس بلفظ قام رجل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عين للمشركين فقال من قتله فله سلبه قال فأدركته فقتلته فنفلني سلبه فهذا يؤيد الاحتمال الثاني بل قال القرطبي لو قال القاتل يستحق السلب بمجرد القتل لم يكن لقول النبي صلى الله عليه وسلم له سلبه أجمع مزيد فائدة وتعقب باحتمال أن يكون هذا الحكم إنما ثبت من حينئذ وقد استدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لان قوله تعالى واعلموا إنما غنمتم من شئ عام في كال غنيمة فبين صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بزمن طويل أن السلب للقاتل سواء قيدنا ذلك بقول الامام أم لا وأما قول مالك لم يبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك الا يوم حنين فإن أراد أن ابتداء هذا الحكم كان يوم حنين فهو مردود لكن على غير مالك ممن منعه فإن مالكا إنما نفى البلاغ وقد ثبت في سنن أبي داود عن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد في غزوة مؤتة ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل وكانت مؤتة قبل حنين بالاتفاق وقال القرطبي فيه أن للامام أن ينفل جميع ما أخذته السرية من الغنيمة لمن يراه منهم وهذا يتوقف على أنه لم يكن هناك غنيمة الا ذلك السلب قلت وما أبداه احتمالا هو الواقع فقد وقع في رواية عكرمة بن عمار أن ذلك كان في غزوة هوازن وقد اشتهر ما وقع فيها بعد ذلك من الغنائم قال بن المنير ترجم بالحربي إذا دخل بغير أمان وأورد الحديث المتعلق بعين المشركين وهو جاسوسهم وحكم الجاسوس مخالف لحكم الحربي المطلق الداخل بغير أمان فالدعوى أعم من الدليل وأجيب بأن الجاسوس المذكور أوهم أنه ممن له أمان فلما قضى حاجته من التجسيس انطلق مسرعا ففطن له فظهر أنه حربي دخل بغير أمان وقد تقدم بيان الاختلاف فيه قوله باب يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون أي ولو نقضوا العهد أورد فيه طرفا من قصة قتل عمر بن الخطاب وهو قوله وأوصيه بذمة

[ 118 ]

الله وذمة رسوله الحديث وسيأتي مبسوطا في المناقب وقد تعقبه بن التين بأنه ليس في الحديث ما يدل على ما ترجم به من عدم الاسترقاق وأجاب بن المنير بأنه أخذ من قوله وأوصيه بذمة الله فإن مقتضى الوصية بالاشفاق أن لا يدخلوا في الاسترقاق والذي قال إنهم يسترقون إذا نقضوا العهد بن القاسم وخالفه أشهب والجمهور ومحل ذلك إذا سبى الحربي الذمي ثم أسر المسلمون الذمي وأغرب بن قدامة فحكى الاجماع وكأنه لم يطلع على خلاف بن القاسم وكأن البخاري اطلع عليه فلذلك ترجم به قوله باب جوائز الوفد باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم كذا في جميع النسخ من طريق الفربري الا أن في رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري تأخير ترجمة جوائز الوفد عن الترجمة هل يستشفع وكذا هو عند الاسماعيلي وبه يرتفع الاشكال فإن حديث بن عباس مطابق لترجمة جوائز الوفد لقوله فيه واجيزوا الوفد بخلاف الترجمة الاخرى وكأنه ترجم بها وأخلى بياضا ليورد فيها حديثا يناسبها فلم يتفق ذلك ووقع للنسفي حذف ترجمة جوائز الوفد أصلا واقتصر على ترجمة هل يستشفع وأورد فيها حديث بن عباس المذكور وعكسه رواية محمد بن حمزة عن الفربري وفي مناسبته لها غموض ولعله من جهة أن الاخراج يقتضي رفع الاستشفاع والحض على إجازة الوفد يقتضي حسن المعاملة أو لعل إلى في الترجمة بمعنى اللام أي هل يستشفع لهم عند الامام وهل يعاملون ودلالة أخرجوهم من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد لذلك ظاهرة والله أعلم وسيأتي شرح حديث بن عباس المذكور في الوفاة من آخر المغازي وقوله حدثنا قبيصة حدثنا بن عيينة كذا لاكثر الرواة عن الفربري وكذا في رواية النسفي ولم يقع في الكتاب لقبيصة رواية عن سفيان بن عيينة الا هذه وروايته فيه عن سفيان الثوري كثيرة جدا وحكى الجياني عن رواية بن السكن عن الفربري في هذا قتيبة بدل قبيصة وروايته عن قتيبة لهذا الحديث بعينه ستأتي في أواخر المغازي وقتيبة مشهور بالرواية عن بن عيينة دون قبيصة والحديث حديث بن عيينة لا الثوري قوله وقال يعقوب بن محمد أي بن عيسى الزهري وأثره هذا وصله إسماعيل القاضي في كتاب أحكام القرآن عن أحمد بن المعدل عن يعقوب وأخرجه يعقوب بن شبة عن أحمد بن المعدل عن يعقوب بن محمد عن مالك بن أنس مثله وقال الزبير بن بكار في أخبار المدينة أخبرت عن مالك عن بن شهاب قال جزيرة العرب المدينة قال الزبير قال غيره جزيرة العرب ما بين العذيب إلى حضرموت قال الزبير وهذا أشبه وحضرموت آخر اليمن وقال الخليل بن أحمد سميت جزيرة العرب لان بحر فارس وبحر الحبشة والفرات ودجلة أحاطت بها وهي أرض العرب ومعدنها وقال الاصمعي هي ما لم يبلغه ملك فارس من أقصى عدن إلى أطراف الشام وقال أبو عبيد من أقصى عدن إلى ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها من الساحل إلى أطراف الشام عرضا قوله قال يعقوب والعرج أول تهامة العرج بفتح المهملة وسكون الراء بعدها جيم موضع بين مكة والمدينة وهو غير العرج بفتح الراء الذي من الطائف وقال الاصمعي جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام عرضا وسميت جزيرة العرب لاحاطة البحار بها يعني بحر الهند وبحر القلزم وبحر فارس وبحر الحبشة وأضيفت إلى العرب لانها كانت بأيديهم قبل الاسلام وبها أوطانهم ومنازلهم لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة وهو

[ 119 ]

مكة والمدينة واليمامة وما والاها لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من شبه جزيرة العرب هذا مذهب الجمهور وعن الحنفية يجوز مطلقا الا المسجد وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة وقال الشافعي لا يدخلون الحرم أصلا الا بإذن الامام لمصلحة المسلمين خاصة قوله باب التجمل للوفد ذكر فيه حديث بن عمر في حلة عطارد وسيأتي شرحه في اللباس قال بن المنير موضع الترجمة أنه ما أنكر عليه طلبه للتجمل للوفود ولما ذكر وإنما أنكر التجمل بهذا الصنف المنهي عنه الله تبارك وتعالى قوله باب كيف يعرض الاسلام على الصبي ذكر فيه حديث بن عمر في قصة بن صياد وقد تقدم توجيه هذه الترجمة في باب هل يعرض الاسلام على الصبي في كتاب الجنائز ووجه مشروعية عرض الاسلام على الصبي في حديث الباب من قوله صلى الله عليه وسلم لابن صياد أتشهد أني رسول الله وكان إذ ذاك لم يحتلم فإنه يدل على المدعى ويدل على صحة إسلام الصبي وأنه لو أقر لقبل لانه فائدة العرض قوله أن عمر انطلق الخ هذا الحديث فيه ثلاث قصص أوردها المصنف تامة في الجنائز من طريق يونس وهنا من طريق معمر وفي الادب من طريق شعيب واقتصر في الشهادات على الثانية وذكرها أيضا فيما مضى من الجهاد من وجه آخر واقتصر في الفتن على الثالثة وقد مضى شرح أكثر مفرداته في الجنائز وقوله قبل بن صياد بكسر القاف وفتح الموحدة أي إلى جهته وقوله وقد قارب بن صياد يومئذ يحتلم في رواية يونس وشعيب وقد قارب ابن صياد الحلم ولم يقع ذلك في رواية الاسماعيلي فاعترض به فقال لا يلزم من كونه غلاما أن يكون لم يحتلم قوله اشهد أنك رسول الاميين فيه اشعار بان اليهود الذين كان ابن صياد منهم كانوا معترفين ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن يدعون انها مخصوصة بالعرب وفساد حجتهم واضح جدا لانهم إذا أقروا بانه رسول الله استحال ان يكذب على الله فإذا ادعى انه رسول إلى العرب والى غيرها تعين صدقه فوجب تصديقه قله فقال ابن صياد أتشهد اني رسول الله في حديث ابي سعيد عند الترمذي فقال اتشد انت اني رسول الله قوله قال النبي صلى الله عليه وسلم آمنت بالله ورسله وللمستملي ورسوله بالافراد وفي حديث أبي سعيد آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر قال الزين بن المنير إنما عرض النبي صلى الله عليه وسلم الاسلام على بن صياد بناء على أنه ليس الدجال المحذر منه قلت ولا يتعين ذلك بل الذي يظهر أن أمره كان محتملا فأراد اختباره بذلك فإن أجاب غلب ترجيح أنه ليس هو وأن لم يجب تمادى الاحتمال أو أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النبوة ولما كان ذلك هو المراد أجابه بجواب منصف فقال آمنت بالله ورسله وقال القرطبي كان بن صياد على طريقة الكهنة يخبر بالخبر فيصح تارة ويفسد أخرى فشاع ذلك ولم ينزل في شأنه وحي فأراد النبي صلى الله عليه وسلم سلوك طريقة يختبر حاله بها أي فهو السبب في انطلاق النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقد روى أحمد من حديث جابر قال ولدت امرأة من اليهود غلاما ممسوحة عينه والاخرى طالعة ناتئة فأشفق النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الدجال وللترمذي عن أبي بكرة مرفوعا يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عاما لا يولد

[ 120 ]

لهما ثم يولد لهما غلام أضر شئ وأقله منفعة قال ونعتهما فقال أما أبوه فطويل ضرب اللحم كأن أنفه منقار وأما أمه ففرضاخة أي بفاء مفتوحة وراء ساكنة وبمعجمتين والمعنى أنها ضخمة طويلة اليدين قال فسمعنا بمولود بتلك الصفة فذهبت أنا والزبير بن العوام حتى دخلنا على أبويه يعني بن صياد فإذا هما بتلك الصفة ولاحمد والبزار من حديث أبي ذر قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمه فقال سلها كم حملت به فقالت حملت به اثني عشر شهرا فلما وقع صاح صياح الصبي بن شهر انتهى فكأن ذلك هو الاصل في إرادة استكشاف أمره قوله ماذا ترى قال بن صياد يأتيني صادق وكاذب في حديث جابر عند الترمذي ونحوه لمسلم فقال أرى حقا وباطلا وأرى عرشا على الماء وفي حديث أبي سعيد عنده أرى صادقين وكاذبا ولاحمد أرى عرشا على البحر حوله الحيتان قوله قال لبس بضم اللام وتحفيف الموحدة المكسورة بعدها مهملة أي خلط وفي حديث أبي الطفيل عند أحمد فقال تعوذوا بالله من شر هذا قوله إني قد خبأت لك خبئا بكسر المعجمة وبفتحها وسكون الموحدة بعدها همز وبفتح المعجمة وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم همز أي أخفيت لك شيئا قوله هو الدخ بضم المهملة بعدها معجمة وحكى صاحب المحكم الفتح ووقع عند الحاكم الزخ بفتح الزاي بدل الدال وفسره بالجماع واتفق الائمة على تغليطه في ذلك ويرده ما وقع في حديث أبي ذر المذكور فأراد أن يقول الدخان فلم يستطع فقال الدخ وللبزار والطبراني في الاوسط من حديث زيد بن حارثة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم خبأله سورة الدخان وكأنه أطلق السورة وأراد بعضها فإن عند أحمد عن عبد الرزاق في حديث الباب وخبأت له يوم تأتي السماء بدخان مبين وأما جواب بن صياد بالدخ فقيل أنه اندهش فلم يقع من لفظ الدخان الا على بعضه وحكى الخطابي أن الآية حينئذ كانت مكتوبة في يد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يهتد بن صياد منها الا لهذا القدر الناقص على طريقة الكهنة ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم لن تعدو قدرك أي قدر مثلك من الكهان الذين يحفظون من إلقاء شياطينهم ما يحفظونه مختلطا صدقه بكذبه وحكى أبو موسى المديني أن السر في امتحان النبي صلى الله عليه وسلم له بهذه الآية الاشارة إلى أن عيسى بن مريم يقتل الدجال بحبل الدخان فأراد التعريض لابن صياد بذلك واستبعد الخطابي ما تقدم وصوب أنه خبأ له الدخ وهو نبت يكون بين البساتين وسبب استبعاده له أن الدخان لا يخبأ في اليد ولا الكم ثم قال الا أن يكون خبأ له اسم الدخان في ضميره وعلى هذا فيقال كيف اطلع بن صياد أو شيطانه على ما في الضمير ويمكن أن يجاب باحتمال أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تحدث مع نفسه أو أصحابه بذلك قبل أن يختبره فاسترق الشيطان ذلك أو بعضه قوله اخسأ سيأتي الكلام عليها في كتاب الادب في باب مفرد قوله فلن تعدو قدرك أي لن تجاوز ما قدر الله فيك أو مقدار أمثالك من الكهان قال العلماء استكشف النبي صلى الله عليه وسلم أمره ليبين لاصحابه تمويهه لئلا يلتبس حاله على ضعيف لم يتمكن في الاسلام ومحصل ما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له على طريق الفرض والتنزل أن كنت صادقا في دعواك الرسالة ولم يختلط عليك الامر آمنت بك وأن كنت كاذبا وخلط عليك الامر فلا وقد ظهر كذبك والتباس الامر عليك فلا تعدو قدرك قوله أن يكن هو كذا للاكثر وللكشميهني أن يكن على وصل الضمير واختار بن مالك

[ 121 ]

جوازه ثم الضمير لغير مذكور لفظا وقد وقع في حديث بن مسعود عند أحمد أن يكون هو الذي تخاف فلن تستطيعه وفي مرسل عروة عند الحارث بن أبي أسامة أن يكن هو الدجال قوله فلن تسلط عليه في حديث جابر فلست بصاحبه إنما صاحبه عيسى بن مريم قوله وأن لم يكن هو فلا خير لك في قتله قال الخطابي وإنما لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتله مع ادعائه النبوة بحضرته لانه كان غير بالغ ولانه كان من جملة أهل العهد قلت الثاني هو المتعين وقد جاء مصرحا به في حديث جابر عند أحمد وفي مرسل عروة فلا يحل لك قتله ثم أن في السؤال عندي نظرا لانه لم يصرح بدعوى النبوة وإنما أوهم أنه يدعي الرسالة ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى النبوة قال الله تعالى إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين الآية قوله قال بن عمر انطلق النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبي بن كعب هذه هي القصة الثانية من هذا الحديث وهو موصول بالاسناد الاول وقد أفردها أحمد عن عبد الرزاق بإسناد حديث الباب ووقع في حديث جابر ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر ونفر من المهاجرين والانصار وأنا معهم ولاحمد من حديث أبي الطفيل أنه حضر ذلك أيضا وقد تقدم في الجنائز شرح ما في هذا الفصل من المفردات وبيان اختلاف الرواة وقوله طفق أي جعل ويتقي أي يستتر ويختل أي يسمع في خفية ووقع في حديث جابر رجاء أن يسمع من كلامه شيئا ليعلم أصادق هو أم كاذب قوله أي صاف بمهملة وفاء وزن باغ زاد في رواية يونس هذا محمد وفي حديث جابر فقالت يا عبد الله هذا أبو القاسم قد جاء وكأن الراوي عبر باسمه الذي تسمى به في الاسلام وأما اسمه الاول فهو صاف قوله لو تركته بين أي أظهر لنا من حاله ما نطلع به على حقيقته والضمير لام ابن صياد أي لو لم تعلمه بمجيئنا لتمادي على ما كان فيه فسمعنا ما يستكشف به أمره وغفل بعض الشراح فجعل الضمير للزمزمة أي لو لم يتكلم بها لفهمنا كلامه لكن عدم فهمنا لما يقول كونه يهمهم كذا قال والاول هو المعتمد قوله وقال سالم قال بن عمر هذه هي القصة الثالثة وهي موصولة بالاسناد المذكور وقد أفردها أحمد أيضا وسيأتي الكلام عليها في الفتن وفي قصة بن صياد اهتمام الامام بالامور التي يخشى منها الفساد والتنقيب عليها وإظهار كذب المدعى الباطل وامتحانه بما يكشف حاله والتجسس على أهل الريب وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فيما لم يوح إليه فيه وقد اختلف العلماء في أمر بن صياد اختلافا كثيرا سأستوفيه إن شاء الله تعالى في الكلام على حديث جابر أنه كأنه يحلف أن بن صياد هو الدجال حيث ذكره المصنف في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى وفيه الرد على من يدعي الرجعة إلى الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر أن يكن هو الذي تخاف منه فلن تستطيعه لانه لو جاز أن الميت يرجع إلى الدنيا لما كان بين قتل عمر له حينئذ وكون عيسى بن مريم هو الذي يقتله بعد ذلك منافاة والله أعلم قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لليهود أسلموا تسلموا قاله المقبري عن أبي هريرة هو طرف من حديث سيأتي موصولا مع الكلام عليه في الجزية قوله باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم أشار بذلك إلى الرد على من قال من الحنفية أن الحربي إذا أسلم في دار الحرب وأقام بها حتى غلب المسلمون عليها فهو أحق بجميع ماله الا أرضه وعقاره فإنها تكون فيئا للمسلمين وقد خالفهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور ويوافق الترجمة حديث أخرجه أحمد عن صخر بن العيلة البجلي

[ 122 ]

قال فرقوم من بني سليم عن أرضهم فأخذتها فأسلموا وخاصموني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فردها عليهم وقال إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وما له قوله حدثنا محمود هو بن غيلان وقوله حدثنا عبد الله هو بن المبارك وهذه رواية أبي ذر وحده وللباقين عبد الرزاق بدل عبد الله وبه جزم الاسماعيلي وأبو نعيم قوله قلت يارسول الله أين تنزل غدا الحديث ذكره مختصرا وقد تقدم في باب توريث دور مكة وشرائها من كتاب الحج بتمامه وتقدم شرحه هناك وفيه ما ترجم له هنا لكنه مبني على أن مكة فتحت عنوة والمشهور عند الشافعية أنها فتحت صلحا وسيأتي تحرير مباحث ذلك في غزوة الفتح من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى ويمكن أن يقال لما أقر النبي صلى الله عليه وسلم عقيلا على تصرفه فيما كان لاخويه على وجعفر وللنبي صلى الله عليه وسلم من الدور والرباع بالبيع وغيره ولم يغير النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولا انتزعها ممن هي في يده لما ظفر كان في ذلك دلالة على تقرير من بيده دار أو أرض إذا أسلم وهي في يده بطريق الاولى وقال القرطبي يحتمل أن يكون مراد البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم من على أهل مكة بأموالهم ودورهم من قبل أن يسلموا فتقرير من أسلم يكون بطريق الاولى قوله وذلك أن بني كنانة حالفت قريشا على بني هاشم أن لا يبايعوهم ولا يؤووهم هكذا وقع هذا القدر معطوفا على حديث أسامة وذكر الخطيب أن هذا مدرج في رواية الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة وإنما هو عند الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وذلك أن بن وهب رواه عن يونس عن الزهري ففصل بين الحديثين وروى محمد بن أبي حفصة عن الزهري الحديث الاول فقط وروى شعيب والنعمان بن راشد وإبراهيم بن سعد والاوزاعي عن الزهري الحديث الثاني فقط لكن عن أبي سلمة عن أبي هريرة قلت أحاديث الجميع عند البخاري وطريق بن وهب عنده لحديث أسامة في الحج ولحديث أبي هريرة في التوحيد وأخرجهما مسلم معا في الحج وقد قدمت في الكلام على حديث أسامة في الحج ما وقع فيه من ادراج أيضا والله المستعان قوله أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يدعى هنيا بالنون مصغر بغير همز وقد يهمز وهذا المولى لم أر من ذكره في الصحابة مع ادراكه وقد وجدت له رواية عن أبي بكر وعمر وعمرو بن العاص روى عنه ابنه عمير وشيخ من الانصار وغيرهما وشهد صفين مع معاوية ثم تحول إلى علي لما قتل عمار ثم وجدت في كتاب مكة لعمر بن شبة أن آل هني ينتسبون في همدان وهم موالي آل عمر انتهى ولولا أنه كان من الفضلاء النبهاء الموثوق بهم لما استعمله عمر قوله على الحمى بين بن سعد من طريق عمير بن هنى عن أبيه أنه كان على حمى الربذة وقد تقدم بعض ذلك في كتاب الشرب قوله اضمم جناحك عن المسلمين أي اكفف يدك عن ظلمهم وفي رواية معن بن عيسى عن مالك عند الدارقطني في الغرائب اضمم جناحك للناس وعلى هذا فمعناه استرهم بجناحك وهو كناية عن الرحمة والشفقة قوله واتق دعوة المسلمين في رواية الاسماعيلي والدارقطني وأبي نعيم دعوة المظلوم قوله وأدخل بهمزة مفتوحة ومعجمة مكسورة والصريمة بالمهملة مصغر وكذا الغنيمة أي صاحب القطعة القليلة من الابل والغنم ومتعلق الادخال محذوف والمراد المرعى قوله وإياي فيه تحذير المتكلم نفسه وهو شاذ عند النحاة كذا قيل والذي يظهر أن الشذوذ في لفظه وإلا فالمراد في التحقيق إنما هو تحذير المخاطب وكأنه بتحذير نفسه حذره بطريق الاولى فيكون أبلغ ونحوه نهي المرء نفسه ومراده نهى من يخاطبه كما سيأتي

[ 123 ]

قريبا في باب الغلول وقوله فيه بن عوف هو عبد الرحمن وابن عفان هو عثمان وخصهما بالذكر على طريق المثال لكثرة نعمهما لانهما كانا من مياسير الصحابة ولم يرد بذلك منعهما البتة وإنما أراد أنه إذا لم يسع المرعى الا نعم أحد الفريقين فنعم المقلين أولى فنهاه عن ايثارهما على غيرهما أو تقديمهما قبل غيرهما وقد بين حكمة ذلك في نفس الخبر قوله ببيته كذا للاكثر بمثناة قبلها تحتانية ساكنة بلفظ مفرد البيت وللكشميهني بنون قبل التحتانية بلفظ جمع البنين والمعنى متقارب قوله يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين حذف المقول لدلالة السياق عليه ولانه لا يتعين في لفظ والتقدير يا أمير المؤمنين أنا فقير يا أمير المؤمنين أنا أحق ونحو ذلك قوله أفتاركهم أنا استفهام إنكار ومعناه لا أتركهم محتاجين وقوله لا أبا لك بفتح الهمزة والموحدة وظاهره الدعاء عليه لكنه على مجازه لا على حقيقته وهو بغير تنوين لانه صار شبيها بالمضاف وإلا فالاصل لا أبا لك والحاصل أنهم لو منعوا من الماء والكلا لهلكت مواشيهم فاحتاج إلى تعويضهم بصرف الذهب والفضة لهم لسد خلتهم وربما عارض ذلك الاحتياج إلى النقد في صرفه في مهم آخر قوله إنهم ليرون بضم التحتانية أوله بمعنى الظن وبفتحها بمعنى الاعتقاد وقوله أني قد ظلمتهم قال بن التين يريد أرباب المواشي الكثيرة كذا قال والذي يظهر لي أنه أراد أرباب المواشي القليلة لانهم المعظم والاكثر وهم أهل تلك البلاد من بوادي المدينة ويدل على ذلك قول عمر أنها لبلادهم وإنما ساغ لعمر ذلك لانه كان مواتا فحماه لنعم الصدقة لمصلحة عموم المسلمين وقد أخرج بن سعد في الطبقات عن معن بن عيسى عن مالك عن زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن عمر أتاه رجل من أهل البادية فقال يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الاسلام ثم تحمى علينا فجعل عمر ينفخ ويفتل شاربه وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق بن وهب عن مالك بنحوه وزاد فلما رأى الرجل ذلك ألح عليه فلما أكثر عليه قال المال مال الله والعباد عباد الله ما أنا بفاعل وقال بن المنير لم يدخل بن عفان ولا بن عوف في قوله قاتلوا عليها في الجاهلية فالكلام عائد على عموم أهل المدينة لا عليهما والله أعلم وقال المهلب إنما قال عمر ذلك لان أهل المدينة أسلموا عفوا وكانت أموالهم لهم ولهذا ساوم بني النجار بمكان مسجده قال فاتفق العلماء على أن من أسلم من أهل الصلح فهو أحق بأرضه ومن أسلم من أهل العنوة فأرضه فئ للمسلمين لان أهل العنوة غلبوا على بلادهم كما غلبوا على أموالهم بخلاف أهل الصلح في ذلك وفي نقل الاتفاق نظر لما بينا أول الباب وهو ومن بعده حملوا الارض على أرض أهل المدينة التي أسلم أهلها عليها وهي في ملكهم وليس المراد ذلك هنا وإنما حمى عمر بعض الموات مما فيه نبات من غير معالجة أحد وخص إبل الصدقة وخيول المجاهدين وأذن لمن كان مقلا أن يرعى فيه مواشيه رفقا به فلا حجة فيه للمخالف وأما قوله يرون أني ظلمتهم فأشار به إلى أنهم يدعون أنهم أولى به لا أنهم منعوا حقهم الواجب لهم قوله لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله أي من الابل التي كان يحمل عليها من لا يجد ما يركب وجاء عن مالك أن عدة ماكان في الحمى في عهد عمر بلغ أربعين ألفا من إبل وخيل وغيرها وفي الحديث ما كافيه عمر من القوة وجودة النظر والشفقة على المسلمين وهذا الحديث ليس في الموط قال الدارقطني في غرائب مالك هو حديث غريب صحيح قوله باب كتابة الامام الناس أي من المقاتلة أو غيرهم والمراد

[ 124 ]

ما هو أعم من كتابته بنفسه أو بأمره قوله حدثنا محمد بن يوسف هو الفريابي وسفيان هو الثوري قوله اكتبوا لي من تلفظ بالاسلام في رواية أبي معاوية عن الاعمش عند مسلم احصوا بدل اكتبوا وهي أعم من اكتبوا وقد يفسر احصوا باكتبوا قوله فقلنا نخاف هو استفهام تعجب وحذفت منه أداة الاستفهام وهي مقدرة وزاد أبو معاوية في روايته فقال إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا وكأن ذلك وقع عند ترقب ما يخاف منه ولعله كان عند خروجهم إلى أحد أو غيرها ثم رأيت في شرح بن التين الجزم بأن ذلك كان عند حفر الخندق وحكى الداودي احتمال أن ذلك وقع لما كانوا بالحديبية لانه قد اختلف في عددهم هل كانوا ألفا وخمسمائة أو ألفا وأربعمائة أو غير ذلك مما سيأتي في مكانه وأما قول حذيفة فلقد رأيتنا ابتلينا الخ فيشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان من ولاية بعض أمراء الكوفة كالوليد بن عقبة حيث كان يؤخر الصلاة أو لا يقيمها على وجهها وكان بعض الورعين يصلي وحده سرا ثم يصلي معه خشية من وقوع الفتنة وقيل كان ذلك حين أتم عثمان الصلاة في السفر وكان بعضهم يقصر سرا وحده خشية الانكار عليه ووهم من قال أن ذلك كان أيام قتل عثمان لان حذيفة لم يحضر ذلك وفي ذلك علم من أعلام النبوة من الاخبار بالشئ قبل وقوعه وقد وقع أشد من ذلك بعحذيفة في زمن الحجاج وغيره قوله حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الاعمش فوجدناهم خمسمائة يعني أن أبا حمزة خالف الثوري عن الاعمش في هذا الحديث بهذا السند فقال خمسمائة ولم يذكر الالف قوله قال أبو معاوية ما بين ستمائة إلى سبعمائة أي أن أبا معاوية خالف الثوري أيضا عن الاعمش بهذا الاسناد في العدة وطريق أبي معاوية هذه وصلها مسلم وأحمد والنسائي وابن ماجة وكأن رواية الثوري رجحت عند البخاري فلذلك اعتمدها لكونه أحفظهم مطلقا وزاد عليهم وزيادة الثقة الحافظ مقدمة وأبو معاوية وأن كان أحفظ أصحاب الاعمش بخصوصه ولذلك اقتصر مسلم على روايته لكنه لم يجزم بالعدد فقدم البخاري رواية الثوري لزيادتها بالنسبة لرواية الاثنين ولجزمها بالنسبة لرواية أبي معاوية وأما ما ذكره الاسماعيلي أن يحيى بن سعيد الاموي وأبا بكر بن عياش وافقا أبا حمزة في قوله خمسمائة فتتعارض الاكثرية والاحفظية فلا يخفى بعد ذلك الترجيح بالزيادة وبهذا يظهر رجحان نظر البخاري على غيره وسلك الداودي الشارح طريق الجمع فقال لعلهم كتبوا مرات في مواطن وجمع بعضهم بأن المراد بالالف وخمسمائة جميع من أسلم من رجل وامرأة وعبد وصبي وبما بين الستمائة إلى السبعمائة الرجال خاصة وبالخمسمائة المقاتلة خاصة وهو أحسن من الجمع الاول وأن كان بعضهم أبطله بقوله في الرواية الاولى ألف وخمسمائة رجل لا مكان أن يكون الراوي أراد بقوله رجل نفس وجمع بعضهم بأن المراد بالخمسمائة المقاتلة من أهل المدينة خاصة وبما بين الستمائة إلى السبعمائة هم ومن ليس بمقاتل وبالاف وخمسمائة هم ومن حولهم من أهل القرى والبوادي قلت ويخدش في وجوه هذه الاحتمالات كلها اتحاد مخرج الحديث ومداره على الاعمش بسنده واختلاف أصحابه عليه في العدد المذكور والله أعلم وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة بمن لا يصلح وفيه وقوع العقوبة على الاعجاب بالكثرة وهو نحو قوله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم الآية وقال بن المنير

[ 125 ]

موضع الترجمة من الفقه أن لا يتخيل أن كتابة الجيش واحصاء عدده يكون ذريعة لارتفاع البركة بل الكتابة المأمور بها لمصلحة دينية والمؤاخذة التي وقعت في حنين كانت من جهة الاعجاب ثم ذكر المصنف حديث ابن عباس قال رجل يا رسول الله اني اكتتبت في غزوة كذا وهو يرجح الرواية الاولى بلفظ اكتبوا لانها مشعرة بانه كان من عادتهم كتابة من يتعين للخروج في المغازى وقد تقدم شرح الحديث في الحج مستوفي قوله باب ان الله ليؤيد الدين بالرجل الفاجر ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي قاتل وقال النبي صلى الله عليه وسلم انه من أهل النار وظهر بعد ذلك انه قتل نفسه وسأتي شرحه مستوفي في المغازي وهو ظاهر فيما ترجم به وساقه هنا على لفظ معمر وهذا هو السبب في عطفه لطريقه على طريق شعيب وقال المهلب وغيره لا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم لا نستعين بمشرك لانه أما خاص بذلك الوقت وأما أن يكون المراد به الفاجر غير المشرك قلت الحديث أخرجه مسلم وأجاب عنه الشافعي بالاول وحجة النسخ شهود صفوان بن أمية حنينا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشرك وقصته مشهورة في المغازي وأجاب غيره في الجمع بينهما بأوجه غير هذه منها أنه صلى الله عليه وسلم تفرس في الذي قال له لا أستعين بمشرك الرغبة في الاسلام فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه ومنها أن الامر فيه إلى رأي الامام وفي كل منهما نظر من جهة أنها نكرة في سياق النفي فيحتاج مدعى التخصيص إلى دليل وقال الطحاوي قصة صفوان لا تعارض قوله لا أستعين بمشرك لان صفوان خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم باختياره لا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك قلت وهي تفرقة لا دليل عليها ولا أثر لها وبيان ذلك أن المخالف لا يقول به مع الاكراه وأما الامر فالتقرير يقوم مقامه قال بن المنير موضع الترجمة من الفقه أن لا يتخيل في الامام إذا حمى حوزة الاسلام وكان غير عادل أنه يطرح النفع في الدين لفجوره فيجوز الخروج عليه فأراد أن هذا التخيل مندفع بهذا النص وأن الله قد يؤيد دينه بالفاجر وفجوره على نفسه قوله باب من تأمر في الحرب من غير إمرة إذا خاف العدو أي جاز ذلك ذكر فيه حديث أنس في قصة أخذ خالد الراية في يوم مؤتة وسيأتي شرحه في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى وهو ظاهر فيما ترجم له به أيضا قال بن المنير يؤخذ من حديث الباب أن من تعين لولاية وتعذرت مراجعة الامام أن الولاية تثبت لذلك المعين شرعا وتجب طاعته حكما كذا قال ولا يخفى أن محله ما إذا اتفق الحاضرون عليه قال ويستفاد منه صحمذهب مالك في أن المرأة إذا لم يكن لها ولي الا السلطان فتعذر إذن السلطان أن يزوجها الآحاد وكذا إذا غاب إمام الجمعة قدم الناس لانفسهم قوله باب العون بالمدد بفتح الميم ما يمد به الامير بعض العسكر من الرجال ذكر فيه حديث أنس في قصة بئر معونة وسيأتي شرحه مستوفى في المغازي وهو ظاهر فيما ترجم به أيضا قال بن المنير وفيه أن الاجتهاد والعمل بالظاهر لا يضر صاحبه أن يقع التخلف ممن ظن به الوفاء

[ 126 ]

تنبيه قال الدمياطي قوله في هذه الطريق أتاه رعل وذكوان وعصية ولحيان وهم لان هؤلاء ليسوا أصحاب بئر معونة وإنما هم أصحاب الرجيع وهو كما قال وسأبين ذلك واضحا في المغازي إن شاء الله تعالى قوله باب من غلب العدو فأقام على عرصتهم ثلاثا العرصة بفتح المهملتين وسكون الراء بينهما هي البقعة الواسعة بغير بناء من دار وغيرها قوله ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة كذا رواه قتادة ورواه ثابت عن أنس بغير ذكر أبي طلحة وهذه الطريق عن روح بن عبادة عن سعيد وهو بن أبي عروبة مختصرة وقد أوردها المصنف في المغازي في غزوة بدر عن شيخ آخر عن روح بأتم من هذا السياق ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى قوله تابعه معاذ و عبد الاعلى عن قتادة الخ أما متابعة معاذ وهو بن معاذ العنبري فوصلها أصحاب السنن الثلاثة من طريقه ولفظه أحب أن يقيم بالعرصة ثلاثا وأما متابعة عبد الاعلى وهو بن عبد الاعلى السامي بالمهملة فوصلها أبو بكر بن أبي شيبة عنه ومن طريق الاسماعيلي وأخرجها مسلم عن يوسف بن حماد عنه قال المهلب حكمة الاقامة لاراحة الظهر والانفس ولا يخفى أن محله إذا كان في أمن من عدو وطارق والاقتصار على ثلاث يؤخذ منه أن الاربعة إقامة وقال بن الجوزي إنما كان يقيم ليظهر تأثير الغلبة وتنفيذ الاحكام وقلة الاحتفال فكأنه يقول من كانت فيه قوة منكم فليرجع إلينا وقال بن المنير يحتمل أن يكون المراد أن تقع ضيافة الارض التي وقعت فيها المعاصي بايقاع الطاعة فيها بذكر الله وإظهار شعار المسلمين وإذا كان ذلك في حكم الضيافة ناسب أن يقيم عليها ثلاثا لان الضيافة ثلاثة قوله باب من قسم الغنيمة في غزوه وسفره أشار بذلك إلى الرد على قول الكوفيين أن الغنائم لا تقسم في دار الحرب واعتلوا بأن الملك لا يتم عليها الا بالاستيلاء ولا يتم الاستيلاء الا باحرازها في دار الاسلام وقال الجمهور هو راجع إلى نظر الامام واجتهاده وتمام الاستيلاء يحصل باحرازها بأيدي المسلمين ويدل على ذلك أن الكفار لو أعتقوا حينئذ رقيقا لم ينفذ عتقهم ولو أسلم عبد الحربي ولحق بالمسلمين صار حرا ثم ذكر فيه طرفا من حديث رافع وهو بن خديج معلقا وسيأتي بتمامه موصولا مع شرحه في كتاب الذبائح وحديث أنس اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين وهو طرف من حديثه المتقدم في الحج بهذا الاسناد وسيأتي في غزوة الحديبية أيضا بتمامه وكلا الحديثين ظاهر فيما ترجم له قوله باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم أي هل يكون أحق به أو يدخل الغنيمة وهذا مما اختلف فيه فقال الشافعي وجماعة لا يملك أهل الحرب بالغلبة شيئا من مال المسلم ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها وعن علي والزهري وعمرو بن دينار والحسن لا يرد أصلا ويختص به أهل المغانم وقال عمر وسليمان بن ربيعة وعطاء والليث ومالك وأحمد وآخرون وهي رواية عن الحسن أيضا ونقلها بن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء السبعة أن وجده صاحبه قبل القسمة فهو أحق به وأن وجده بعد القسمة فلا يأخذه الا بالقسمة واحتجوا بحديث عن بن عباس مرفوعا بهذا التفصيل أخرجه الدارقطني وإسناده ضعيف جدا وعن أبي حنيفة كقول مالك الا في الآبق فقال هو والثوري صاحبه أحق به مطلقا قوله وقال بن نمير يعني عبد الله وطريقه هذه وصلها أبو داود وابن ماجة قوله ذهب وقوله فأخذه

[ 127 ]

في رواية الكشميهني ذهبت وقال فأخذها والفرس اسم جنس يذكر ويؤنث قوله في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وقع في رواية بن نمير أن قصة الفرس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقصة العبد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وخالفه يحيى وهو القطان عن عبيد الله وهو العمري كما هي الرواية الثانية في الباب فجعلهما معا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وكذا وقع في رواية موسى بن عقبة عن نافع وهي الرواية الثالثة في الباب فصرح بأن قصة الفرس كانت في زمن أبي بكر وقد وافق بن نمير إسماعيل بن زكريا أخرجه الاسماعيلي من طريقه وأخرجه من طريق بن المبارك عن عبيد الله فلم يعين الزمان لكن قال في روايته أنه افتدى الغلام بروميين وكأن هذا الاختلاف هو السبب في ترك المصنف الجزم في الترجمة بالحكم لتردد الرواة في رفعه ووقفه لكن للقائل به أن يحتج بوقوع ذلك في زمن أبي بكر الصديق والصحابة متوافرون من غير نكير منهم وقوله في رواية موسى بن عقبة يوم لقي المسلمون كذا هنا بحذف المفعول وبينه الاسماعيلي في روايته عن محمبن عثمان بن أبي شيبة وأبو نعيم من طريق أحمد بن يحيى الحلواني كلاهما عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه فقال فيه يوم لقي المسلمون طيئا وأسدا وزاد فيه سبب أخذ العدو لفرس بن عمر ففيه فاقتحم الفرس بعبد الله بن عمر جرفا فصرعه وسقط بن عمر فعار الفرس والباقي مثله وروى عبد الرزاق أن العبد الذي أبق لابن عمر كان يوم اليرموك أخرجه عن معمر عن أيوب عن نافع عنه قوله قال أبو عبد الله عار بمهملة وراء مشتق من العير وهو حمار وحش أي هرب قال بن التين أراد أنه فعل فعله في النفار وقال الخليل يقال عار الفرس والكلب عيارا أي أفلت وذهب وقال الطبري يقال ذلك للفرس إذا فعله مرة بعد مرة ومنه قيل للبطال من الرجال الذي لا يثبت على طريقه عيار ومنه سهم عاير إذا كان لا يدري من أين أتى قوله باب من تكلم بالفارسية أي بلسان الفرس قيل إنهم ينتسبون إلى فارس بن كومرث واختلف في كومرث قيل أنه من ذرية سام بن نوح وقيل من ذرية يافث بن نوح وقيل أنه ولد آدم لصلبه وقيل أنه آدم نفسه وقيل لهم الفرس لان جدهم الاعلى ولد له سبعة عشر ولدا كان كل منهم شجاعا فارسا فسموا الفرس وفيه نظر لان الاشتقاق يختص باللسان العربي والمشهور أن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أول من ذللت له الخيل والفروسية ترجع إلى الفرس من الخيل وأمة الفرس كانت موجودة قوله والرطانة بكسر الراء ويجوز فتحها هو كلام غير العربي قالوا فقه هذا الباب يظهر في تأمين المسلمين لاهل الحرب بألسنتهم وسيأتي مزيد لذلك في أواخر الجزية في باب إذا قالوا صبأنا ولم يقولوا أسلمنا وقال الكرماني الحديث الاول كان في غزوة الخندق والآخران بالتبعية كذا قال ولا يخفى بعده والذي أشرت إليه أقرب قوله وقول الله عزوجل واختلاف ألسنتكم وألوانكم وقال وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه كأنه أشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف الالسنة لانه أرسل إلى الامم كلها على اختلاف ألسنتهم فجميع الامم قومه بالنسبة إلى عموم رسالته فاقتضى أن يعرف ألسنتهم ليفهم عنهم ويفهموا عنه ويحتمل أن يقال لا يستلزم ذلك نطقه بجميع الالسنة لا مكان الترجمان الموثوق به عندهم ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها طرف من حديث جابر في قصة بركة الطعام الذي صنعه بالخندق وسيأتي بتمامه بهذا الاسناد مع شرحه في المغازي إن شاء الله تعالى والغرض منه قوله أن جابرا قد صنع سورا

[ 128 ]

وهو بضم المهملة وسكون الواو قال الطبري السور بغير همز الصنيع من الطعام الذي يدعى إليه وقيل الطعام مطلقا وهو بالفارسية وقيل بالحبشية وبالهمز بقية الشئ والاول هو المراد هنا قال الاسماعيلي السور كلمة بالفارسية قيل له أليس هو الفضلة قال لم يكن هناك شئ فضل ذلك منه إنما هو بالفارسية من أتى دعوة وأشار المصنف إلى ضعف ما ورد من الاحاديث الواردة في كراهة الكلام بالفارسية كحديث كلام أهل النار بالفارسية وكحديث من تكلم بالفارسية زادت في خبثه ونقصت من مروءته أخرجه الحاكم في مستدركه وسنده واه وأخرج فيه أيضا عن عمر رفعه من أحسن العربية فلا يتكلمن بالفارسية فإنه يورث النفاق الحديث وسنده واه أيضا ثانيها حديث أم خالد بنت خالد وسيأتي بهذا الاسناد في كتاب الادب ويأتي شرحه في اللباس والغرض منه قوله سنه سنه وهو بفتح النون وسكون الهاء وفي رواية الكشميهني سناه بزيادة ألف والهاء فيهما للسكت وقد تحذف قال بن قرقول هو بفتح النون الخفيفة عند أبي ذر وشددها الباقون وهي بفتح أوله للجميع الا القابسي فكسره قوله في آخره قال عبد الله فبقيت حتى ذكر أي ذكر الراوي من بقائها أمدا طويلا وفي نسخة الصغاني وغيرها حتى ذكرت ولبعضهم حتى دكن بمهملة وآخره نون أي اتسخ وسيأتي في كتاب الادب ووقع في نسخة الصغاني هنا من الزيادة في آخر الباب قال أبو عبد الله هو المصنف لم تعش امرأة مثل ما عاشت هذه يعني أم خالد قلت وادراك موسى بن عقبة لها دال على طول عمرها لانه لم يلق من الصحابة غيرها تنبيه خالد بن سعيد المذكور في السند شيخ عبد الله وهو بن المبارك هو خالد بن سعيد بن عمر بن سعيد بن العاص أخو إسحاق بن سعيد وليس له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد وقد كرره عنه كما نبهت عليه وفي طبقته خالد بن سعيد بن أبي مريم المدني لكن لم يخرج له البخاري ولا لابن المبارك عنه رواية وأوهم الكرماني أن شيخ بن المبارك هنا هو خالد بن الزبير بن العوام ولا أدري من أين له ذلك بل لم أر لخالد بن الزبير رواية في شئ من الكتب الستة ثم راجعت كلامه فعلمت مراده فإنه قال لفظ خالد المذكور هنا ثلاث مرار والثاني غير الاول وهو خالد بن الزبير بن العوام والثالث غير الثاني وهو خالد بن سعيد بن العاص فقوله والثاني يوهم أن المراد خالد بن سعيد وإنما مراده خالد المذكور في كنية أم خالد وكان يغني عن هذا التطويل أن يقول أن أم خالد سمعت ولدها باسم والدها وكان الزبير بن العوام تزوجها فولدت له خالد بن الزبير فهذا يوضح المراد مع مزيد الفائدة والذي نبه عليه ليس تحته كبير أمر فإن خالد بن سعيد الراوي عن أم خالد لا يظن أحد أنه أبوها الا من يقف مع مجرد التجويز العقلي فإن من المقطوع به عند المحدثين أن عبد الله بن المبارك ما أدركها فضلا عن أن يروي عن أبيها وأبوها استشهد في خلافة أبي بكر أو عمر فانحصرت الفائدة في التنبيه على سبب كنية أم خالد ثالثها حديث أبي هريرة أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة الحديث والغرض منه قوله كخ كخ وهي كلمة زجر للصبي عما يريد فعله وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب الزكاة وقد نازع الكرماني في كون الالفاظ الثلاثة عجمية لان الاول يجوز أن يكون من توافق اللغتين والثاني يجوز أن يكون أصله حسنة فحذف أوله ايجازا والثالث من أسماء الاصوات وقد أجاب عن الاخير بن المنير فقال وجه مناسبته أنه صلى الله عليه وسلم خاطبه بما يفهمه مما لا يتكلم به الرجل مع الرجل فهو كمخاطبة العجمي بما يفهمه من لغته قلت

[ 129 ]

وبهذا يجاب عن الباقي ويزاد بأن تجويزه حذف أول حرف من الكلمة لا يعرف وتشبيهه بقوله كفى بالسيف شا لا يتجه لان حذف الاخير معهود في الترخيم والله أعلم قوله باب الغلول بضم المعجمة واللام أي الخيانة في المغنم قال بن قتيبة سمي بذلك لان آخذه يغله في متاعه أي يخفيه فيه ونقل النووي الاجماع على أنه من الكبائر قوله وقول الله عزوجل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة أورد فيه حديث أبي هريرة قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظمه الحديث ويحيى هو القطان وأبو حيان هو يحيى بن سعيد التيمي قوله لا ألفين بضم أوله وبالفاء أي لا أجد هكذا الرواية للاكثر بلفظ النفي المؤكد والمراد به النهي وبالفاء وكذا عند الحموي والمستملي لكن روى بفتح الهمزة وبالقاف من اللقاء وكذا لبعض رواة مسلم والمعنى قريب ومنهم من حذف الالف على أن اللام للقسم وفي توجيهه تكلف والمعروف أنه بلفظ النفي المراد به النهي وهو وأن كان من نهى المرء نفسه فليس المراد ظاهره وإنما المراد نهي من يخاطبه عن ذلك وهو أبلغ قوله أحدكم يوم القيامة على رقبته في رواية مسلم يجئ يوم القيامة وعلى رقبته وهو حال من الضمير في يجئ وشاة فاعل الظرف لاعتماده أي هي حالة شنيعة ولا ينبغي لكم أن أراكم عليها يوم القيامة وفي حديث عبادة بن الصامت في السنن إياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة قوله على رقبته شاة لها ثغاء بضم المثلثة وتخفيف المعجمة وبالمد صوت الشاة يقال ثغت تثغو وقوله فرس له حمحمة يأتي في آخر الحديث قوله لا أملك لك شيئا أي من المغفرة لان الشفاعة أمرها إلى الله وقوله قد بلغتك أي فليس لك عذر بعد الابلاغ وكأنه صلى الله عليه وسلم أبرز هذا الوعيد في مقام الزجر والتغليظ وإلا فهو في القيامة صاحب الشفاعة في مذنبي الامة قوله بعير له رغاء بضم الراء وتخفيف المعجمة وبالمد صوت البعير قوله صامت أي الذهب والفضة وقيل ما لا روح فيه من أصناف المال وقوله رقاع تخفق أي تتقعقع وتضطرب إذا حركتها الرياح وقيل معناه تلمع والمراد بها الثياب قاله بن الجوزي وقال الحميدي المراد بها ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع واستبعده بن الجوزي لان الحديث سيق لذكر الغلول الحسي فحمله على الثياب أنسب وزاد في رواية مسلم نفس لها صياح وكأنه أراد بالنفس ما يغله من الرقيق من امرأة أو صبي قال المهلب هذا الحديث وعيد لمن أنفذه الله عليه من أهل العاصي ويحتمل أن يكون الحمل المذكور لا بد منه عقوبة له بذلك ليفتضح على رؤوس الاشهاد وأما بعد ذلك فإلى الله الامر في تعذيبه أو العفو عنه وقال غيره هذا الحديث يفسر قوله عزوجل يأت بما غل يوم القيامة أي يأت به حاملا له على رقبته ولا يقال أن بعض ما يسرق من النقد أخف من البعير مثلا والبعير أرخص ثمنا فكيف يعاقب الاخف جناية بألاثقل وعكسه لان الجواب أن المراد بالعقوبة بذلك فضيحة الحامل على رءوس الاشهاد في ذلك الموقف العظيم لا بالثقل والخفة قال بن المنير أظن الامراء فهموا تجريس السارق ونحوه من هذا الحديث وقد تقدم شرح بعض هذا الحديث في أوائل الزكاة تكميل قال بن المنذر أجمعوا على أن على الغال أن يعيد ما غل قبل القسمة وأما بعدها فقال الثوري والاوزاعي والليث ومالك يدفع إلى الامام خمسة ويتصدق بالباقي وكان الشافعي لا يرى بذلك ويقول أن كان ملكه فليس عليه أن يتصدق به وأن كان لم يملكه فليس له الصدقة بمال غيره قال والواجب أن يدفعه إلى الامام كالاموال الضائعة

[ 130 ]

قوله وقال أيوب عن أبي حيان فرس له حمحمة كذللاكثر في الموضعين فرس له حمحمة بمهملتين مفتوحتين بينهما ميم ساكنة ثم ميم قبل الهاء وهو صوت الفرس عند العلف وهو دون الصهيل ووقع في رواية الكميهني في الرواية الاولى على رقبته له حمحمة بحذف لفظ فرس وكذا هو في رواية النسفي وأبي علي بن شبويه فعلى هذا تكون فائدة ذكر طريق أيوب التنصيص على ذكر الفرس ولمسلم من طريق بن علية عن أبي حيان بالاسناد الاول فرس له حمحمة وهو الموجود في الروايات كلها وطريق أيوب وصلها مسلم من طريق حماد ومن طريق عبد الوارث جميعا عن أيوب عن أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة ولم يسق لفظها وقد رويناها في كتاب الزكاة ليوسف القاضي بالحديث بتمامه وفيه ويجئ رجل على عنقه فرس له حمحمة ورأيت في بعص النسخ في الرواية الاولى فرس له حمحة بميم واحدة ولا معنى له فإن كان مضبوطا فكأنه نبه بهذه الرواية المعلقة على وجه الصواب قوله باب القليل من الغلول أي هل يلتحق بالكثير في الحكم أم لا قوله ولم يذكر عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرق متاعه يعني في حديثه الذي ساقه في الباب في قصة الذي غل العباءة وقوله وهذا أصح أشار إلى تضعيف ما روى عن عبد الله بن عمرو في الامر بحرق رحل الغال والاشارة بقوله هذا إلى الحديث الذي ساقه والامر بحرق رحل الغال أخرجه أبو داود من طريق صالح بن محمد بن زائدة الليثي المدني أحد الضعفاء قال دخلت مع مسلمة بن عبد الملك أرض الروم فأتى برجل قد غل فسأل سالما أي بن عبد الله بن عمر عنه فقال سمعت أبي يحدث عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه ثم ساقه من وجه آخر عن سالم موقوفا قال أبو داود هذا أصح وقال البخاري في التاريخ يحتجون بهذا الحديث في احراق رحل الغال وهو باطل ليس له أصل وراويه لا يعتمد عليه وروى الترمذي عنه أيضا أنه قال صالح منكر الحديث وقد جاء في غير حديث ذكر الغال وليس فيه الامر بحرق متاعه قلت وجاء من غير طريق صالح بن محمد أخرجه أبو داود أيضا من طريق زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثم أخرجه من وجه آخر عن زهير عن عمربن شعيب موقوفا عليه وهو الراجح وقد أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد في رواية وهو قول مكحول والاوزاعي وعن الحسن يحرق متاعه كله الا الحيوان والمصحف وقال الطحاوي لو صح الحديث لاحتمل أن يكون حين كانت العقوبة بالمال تنبيه حكى بعض الشراح عن رواية الاصيلي أنه وقع فيها هنا ويذكر عن عبد الله بن عمرو الخ بدل قوله ولم يذكر عبد الله بن عمرو فإن كان كما ذكر فقد عرف المراد بذلك ويكون قوله هذا أصح إشارة إلى أن حديث الباب الذي لم يذكر فيه التحريق أصح من الرواية التي ذكرها بصيغة التمريض وهي التي أشرت إليها من نسخة عمرو بن شعيب قوله عن عمرو هو بن دينار وكذا هو عند بن ماجة عن هشام بن عمار عن سفيان قوله على ثقل بمثلثة وقاف مفتوحتين العيال وما يثقل حمله من الامتعة قوله كركرة ذكر الواقدي أنه كان أسود يمسك دابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال وروى أبو سعيد النيسابوري في شرف المصطفى أنه كان نوبيا أهداه له هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة فأعتقه وذكر البلاذري أنه مات في الرق أو اختلف في ضبطه فذكر عياض أنه يقال بفتح الكافين وبكسرهما وقال النووي إنما اختلف في كافه الاولى وأما

[ 131 ]

الثانية فمكسورة اتفاقا وقد أشار البخاري إلى الخلاف في ذلك بقوله في آخر الحديث قال بن سلام كركرة وأراد بذلك أن شيخه محمد بن سلام رواه عن بن عيينة بهذا الاسناد بفتح الكاف وصرح بذلك الاصيلي في روايته فقال يعني بفتح الكاف والله أعلم قال عياض هو للاكثر بالفتح في رواية علي وبالكسر في رواية بن سلام وعند الاصيلي بالكسر في الاول وقال القابسي لم يكن عند المروزي فيه ضبط الا إني أعلم أن الاول خلا ف الثاني وفي الحديث تحريم قليل الغلول وكثيره وقوله هو في النار أي يعذب على معصيته أو المراد هو في النار ان لم يعف الله عنه قوله باب ما يكره من ذبح الابل والغنم في المغانم ذكر فيه حديث رافع بن خديج في ذبحهم الابل التي اصابوها لاجل الجوع ونصيبهم وامر النبي صلى الله عليه وسلم باگفاء القدور وفيه قصة البعير الذي ندو فيه السؤال عن الذبح بالنصب وسيأتي الكلام على شرحه مستوفي في كتاب الذبائح وقد مضى في الشركة وغيرها وموضع الترجمة منه أمره صلى الله عليه وسلم باكفاء القدور فانه مشعر بكراهة ما صنعوا من الذبح بغير اذن وقال المهلب انما أكفا القدور ليعلم أن الغنيمة انما يستحقونها بعد قسمته لها وذلك ان القصة وقعت في دار الاسلام لقوله فيها بذي الحليفة وأجاب بن المنير بأنه قد قيل أن الذبح إذا كان على طريق التعدي كان المذبوح ميتة وكأن البخاري انتصر لهذا المذهب أو حمل الاكفاء على العقوبة بالمال وأن كان ذلك المال لا يختص بأولئك الذين ذبحوا لكن لما تعلق به طمعهم كانت النكاية حاصلة لهم قال وإذا جوزنا هذا النوع من العقوبة فعقوبة صاحب المال في ماله أولى ومن ثم قال مالك يراق اللبن المغشوش ولا يترك لصاحبه وأن زعم أنه ينتفع به بغير البيع أدبا له انتهى وقال القرطبي المأمور باكفائه إنما هو المرق عقوبة للذين تعجلوا وأما نفس اللحم فلم يتلف بل يحمل على أنه جمع ورد إلى المغانم لان النهي عن إضاعة المال تقدم والجناية بطبخه لم تقع من الجميع إذ من جملتهم أصحاب الخمس ومن الغانمين من لم يباشر ذلك وإذا لم ينقل إنهم أحرقوه وأتلفوه تعين تأويله على وفق القواعد الشرعية ولهذا قال في الحمر الاهلية لما أمر باراقتها أنها رجس ولم يقل ذلك في هذه القصة فدل على أن لحومها لم تترك بخلاف تلك والله أعلم وسيأتي بيان ما أبيح للغازي من الاكل من المغانم ما داموا في بلاد العدو في باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب في أواخر فرض الخمس قوله باب البشارة في الفتوح ذكر فيه حديث جرير في قصة ذي الخلصة وسيأتي شرحه في أواخر المغازي والمراد منه قوله في آخره فأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره وقوله في آخره قال مسدد بيت في خثعم يريد أن مسددا رواه عن يحيى القطان بالاسناد الذي ساقه المصنف عن محمد بن المثنى عن يحيى فقال بدل قوله وكان بيتا في خثعم وهذه الرواية هي

[ 132 ]

الصواب وقد رواه أحمد في مسنده عن يحيى فقال بيتا لخثعم وهي موافقة لرواية مسدد قوله باب ما يعطى للبشير وأعطى كعب بن مالك ثوبين حين بشر بالتوبة يشير إلى حديثه الطويل في قصة تخلفه في غزوة تبوك وسيأتي في المغازي وهو ظاهر فيما ترجم له وسيأتي أن البشير هو سلمة بن الاكوع قوله باب لا هجرة بعد الفتح أي فتح مكة أو المراد ما هو أعم من ذلك إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة الاول قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة الثاني قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته فمستحبة لتكثير المسلمين بها ومعونتهم وجهاد الكفار والامن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم الثالث عاجز يعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الاقامة فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر وقد ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث بن عباس وقد تقدم في باب وجوب النفير في أوائل الجهاد الثاني حديث مجاشع بن مسعود وقد تقدم في باب البيعة في الحرب الثالث حديث عائشة انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه مكة وسيأتي بأتم من هذا السياق في باب الهجرة إلى المدينة أول المغازي قوله باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن أورد فيه حديث علي في قصة المرأة التي كتب معها حاطب إلى أهل مكة ومناسبته للترجمة ظاهرة في رؤية الشعر من قوله في الرواية الاخرى فأخرجته من عقاصها وهي ذوائبها المضفورة وفي التجريد من قول علي لاجردنك وقد تقدم في باب الجاسوس من وجه آخر عن علي ويأتي شرحه في تفسير سورة الممتحنة وقوله في الاسناد عن أبي عبد الرحمن هو السلمي وقوله وكان عثمانيا أي يقدم عثمان على علي في الفضل وقوله فقال لابن عطية هو حبان بكسر المهملة وبالموحدة على الصحيح كما سيأتي في استتابة المرتدين وقوله وكان علويا أي يقدم عليا في الفضل على عثمان وهو مذهب مشهور لجماعة من أهل السنة بالكوفة قال بن المنير ليس في الحديث بيان هل كانت المرأة مسلمة أو ذمية لكن لما استوى حكمهما في تحريم النظر لغير حاجة شملهما الدليل وقال بن التين أن كانت مشركة لم توافق الترجمة وأجيب بأنها كانت ذات عهد فحكمها حكم أهل الذمة وقوله فأخرجت من حجزتها كذا هنا بحذف المفعول وفي الاخرى فأخرجته والحجزة بضم المهملة وسكون الجيم بعدها زاي معقد الازار والسراويل ووقع في رواية القابسي من حزتها بحذف الجيم قيل هي لغة عامية وتقدم في باب الجاسوس أنها أخرجته من عقاصها وجمع بينهما بأنها أخرجته من حجزتها فاخفته في عقاصها ثم اضطرت إلى إخراجه أو بالعكس أو بان تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها فربطته في عقيصتها وغرزته بحجزتها وهذا الاحتمال أرجح وأجاب بعضهم باحتمال أن

[ 133 ]

يكون معها كتابان إلى طائفتين أو المراد بالحجزة العقدة مطلقا وتكون رواية العقيصة أوضح من رواية الحجزة أو المراد بالحجزة الحبل لان الحجز هو شد وسط يدي البعير بحبل ثم يخالف فتعقد رجلاه ثم يشد طرفاه إلى حقويه ويسمى أيضا الحجاز قوله باب استقبال الغزاة أي عند رجوعهم قوله حدثنا عبد الله بن الاسود في رواية الكشميهني ابن أبي الاسود وهو عبد الله بن محمد بن حميد الاسود وحميد جده يكنى أبا الاسود وهو الذي قرنه بيزيد بن زريع فنسب تارة إلى جده وأخرى إلى جد أبيه وما لحميد بن الاسود في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في تفسير سورة البقرة وقرنه فيه أيضا بيزيد بن زريع وعبد الله شيخ البخاري يكنى أبا بكر وهو بها أشهر وكان من الحفاظ وهو بن أخت عبد الرحمن بن مهدي قوله قال بن الزبير لابن جعفر كل منهما يسمى عبد الله قوله قال نعم فحملنا وتركك ظاهره أن القائل فحملنا هو عبد الله بن جعفر وأن المتروك هو بن الزبير وأخرجه مسلم من طريق أبي أسامة وابن علية كلاهما عن حبيب بن الشهيد بهذا الاسناد مقلوبا ولفظه قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير جعل المستفهم عبد الله بن جعفر والقائل فحملنا عبد الله بن الزبير والذي في البخاري أصح ويؤيده ما تقدم في الحج عن بن عباس قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة استقبلته أغيلمة من بني عبد المطلب فحمل واحدا بين يديه وآخر خلفه فإن بن جعفر من بني عبد المطلب بخلاف بن الزبير وأن كان عبد المطلب جد أبيه لكنه جده لامه وأخرج أحمد والنسائي من طريق خالد بن سارة عن عبد الله بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم حمله خلفه وحمل قثم بن عباس بين يديه وقد حكى بن التين عن الداودي أنه قال في هذا الحديث من الفوائد حفظ اليتيم يشير إلى أن جعفر بن أبي طالب كان مات فعطف النبي صلى الله عليه وسلم على ولده عبد الله فحمله بين يديه وهو كما قال وأغرب بن التين فقال أن في الحديث النص بأنه صلى الله عليه وسلم حمل بن عباس وابن الزبير ولم يحمل بن جعفر قال ولعل الداودي ظن أن قوله فحملنا وتركك من كلام بن جعفر وليس كذلك كذا قال والذي قاله الداودي هو الظاهر من سياق البخاري فما أدري كيف قال بن التين أنه نص في خلافه وقد نبه عياض على أن الذي وقع في البخاري هو الصواب قال وتأويل رواية مسلم أن يجعل الضمير في حملنا لابن جعفر فيكون المتروك بن الزبير قال ووقع على الصواب أيضا عند بن أبي شيبة وابن أبي خيثمة وغيرهما قلت وقد روى أحمد الحديث عن بن علية فبين سبب الوهم ولفظه مثل مسلم لكن زاد بعد قوله قال نعم قال فحملنا قال أحمد وحدثنا به مرة أخرى فقال فيه قال نعم فحملنا يعني وأسقط قال التي بعد نعم قلت وباثباتها توافق رواية البخاري وبحذفها تخالفها والله أعلم وفي حديث بن جعفر أيضا جواز الفخر بما يقع من إكرام النبي صلى الله عليه وسلم وثبوت الصحبة له ولابن الزبير وهما متقاربان في السن وقد حفظا غير هذا ثم ذكر المصنف حديث السائب بن يزيد في الملاقاة وسيأتي في أواخر المغازي ووقع لابن التين هنا في المراد بثنية الوداع شئ رده عليه شيخنا بن الملقن والصواب مع بن التين قوله باب ما يقول إذا رجع من الغزو ذكر فيه حديثين أحدهما حديث بن عمر في قوله آيبون تائبون الحديث وقد تقدم شرحه في أواخر الحج ثانيهما حديث أنس في قصة وقوع صفية عن الناقة أخرجه من وجهين الثاني منهما في رواية الكشميهني وحده وسيأتي شرحه في غزوة خيبر إن شاء الله تعالى وقوله فيه كنا مع النبي

[ 134 ]

صلى الله عليه وسلم مقفله من عسفان قال الدمياطي هذا وهم لان غزوة عسفان إلى بني لحيان كانت سنة ست وارداف صفية كان في غزوة خيبر سنة سبع وجوز بعضهم أن يكون في طريق خيبر مكان يقال له عسفان وهو مردود والذي يظهر أن الراوي أضاف المقفل إلى عسفان لان غزوة خيبر كانت عقبها وكأنه لم يعتد بالاقامة المتخللة بين الغزوتين لتقاربهما وهذا كما قيل في حديث سلمة بن الاكوع الآتي في تحريم المتعة في غزوة أوطاس وإنما كان تحريم المتعة بمكة فأضافها إلى أوطاس لتقاربهما والعلم عند الله تعالى قوله باب الصلاة إذا قدم من سفر ذكر فيه حديث جابر في ذلك وقد تقدم في أبواب الصلاة وهو ظاهر فيما ترجم له وكذا الذي بعده وحديث كعب بن مالك تقدم في الصلاة أيضا وهو طرف من حديثه الطويل قوله باب الطعام عند القدوم أي من السفر وهذا الطعام يقال له النقيعة بالنون والقاف قيل اشتق من النقع وهو الغبار لان المسافر يأتي وعليه غبار السفر وقيل النقيعة من اللبن إذا برد وقيل غير ذلك قوله وكان بن عمر يفطر لمن يغشاه أي لاجل من يغشاه والاصل فيه أن بن عمر كان لا يصوم في السفر لا فرضا ولا تطوعا وكان يكثر من ص وم التطوع في الحضر وكان إذا سافر أفطر وإذا قدم صام أما قضاء أن كان سافر في رمضان وأما تطوعا أن كان في غيره لكنه يفطر أول قدومه لاجل الذين يغشونه للسلام عليه والتهنئة بالقدوم ثم يصوم ووقع في رواية الكشميهني يصنع بدل يفطر والمعنى صحيح لكن الاول أصوب فقد وصله إسماعيل القاضي في كتاب أحكام القرآن من طريق أيوب عن نافع قال كان بن عمر إذا كان مقيما لم يفطر وإذا كان مسافرا لم يصم فإذا قدم أفطر أياما لغاشيته ثم يصوم قال بن بطال فيه إطعام الامام والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر وهو مستحب عند السلف ويسمى النقيعة بنون وقاف وزن عظيمة ونقل عن المهلب أن بن عمر كان إذا قدم من سفر أطعم من يأتيه ويفطر معهم ويترك قضاء رمضان لانه كان لا يصوم في السفر فإذا انتهى الطعام ابتدأ قضاء رمضان قال وقد جاء هذا مفسرا في كتاب الاحكام لاسماعيل القاضي وتعقبه بن بطال بأن الاثر الذي أخرجه إسماعيل ليس فيه ما ادعاه المهلب يعني من التقييد برمضان وأن كان يتناوله بعمومه وإنما حمل المهلب على ذلك ما جاء عن بن عمر أنه كان يقول فيمن نوى الصوم ثم أفطر أنه متلاعب وأنه دعي إلى وليمة فحضر ولم يأكل واعتذر بأنه نوى الصوم فاحتاج أن يقيده بقضاء رمضان والحق أنه لا يحتاج إلى ذلك إذا حمل على الصورة

[ 135 ]

التي ابتدأت بها وهو أنه لا ينوي الصوم حينئذ بل يقصد الفطر لاجل ما ذكر ثم يستأنف الصوم تطوعا كان أو قضاء والله أعلم ثم ذكر المصنف حديث جابر في قصة بيع جمله من طريق محارب عنه باختصار والغرض منه قوله فلما قدم صرارا أمر ببقرة فذبحت فأكلوا منها الحديث وصرار بكسر المهملة والتخفيف ووهم من ذكره بمعجمة أوله وهو موضع بظاهر المدينة على ثلاثة أميال منها من جهة المشرق وقوله في أول السند حدثنا محمد هو بن سلام وقد حدث به عن وكيع وممن يسمى محمد من شيوخ البخاري محمد بن المثنى ومحمد بن العلاء وغيرهما ولكن تقرر أن البخاري حيث يطلق محمد لا يريد الا الذهلي أو بن سلام ويعرف تعيين أحدهما من معرفة من يروي عنه والله أعلم وقوله زاد معاذ أي بن معاذ العنبري وهو موصول عند مسلم وأراد البخاري بإيراد طريق أبي الوليد الاشارة إلى أن القدر الذي ذكره طرف من الحديث وبهذا يندفع اعتراض من قال أن حديث أبي الوليد لا يطابق الترجمة وأن اللائق به الباب الذي قبله والحاصل أن الحديث عند شعبة عن محارب فروى وكيع طرفا منه وهو ذبح البقرة عند قدوم المدينة وروى أبو الوليد وسليمان بن حرب عنه طرفا منه وهو أمره جابرا بصلاة ركعتين عند القدوم وروى عنه معاذ جميعه وفيه قصة البعير وذكر ثمنه لكن باختصار وقد تابع كلا من هؤلاء عن شعبة في سياقه جماعة خاتمة اشتمل كتاب الجهاد من أوله إلى هنا من الاحاديث المرفوعة على ثلاثمائة وستة وسبعين حديثا المعلق منها أربعون طريقا والبقية موصولة المكرر منها فيه وفيما مضى مائتان وستة وستون والخالص مائة وعشرة أحاديث وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة الجنة مائة درجة وحديثه لولا أن رجالا وحديث جابر اصطبح ناس الخمر وحديث أنس عن أبي طلحة وحديثه في قصة ثابت بن قيس وحديث سهل في أسماء الخيل وحديث أنس في العضباء لا تسبق وحديث سعد إنما تنصرون بضعفائكم وحديث سلمة ارموا وأنا مع بن الادرع وحديث أبي أسيد إذا أكثبوكم وحديث أبي أمامة في حلية السيوف وحديث بن عمر بعثت بين يدي الساعة وحديث بن عباس في الدعاء ببدر لكن أخرجه من طريق أخرى عن بن عباس عن عمر وحديث عمرو بن تغلب في قتال الترك وحديث أبي هريرة في التحريق وحديث بن مسعود فيما غبر من الدنيا وحديث قيس بن سعد في الترجيل وحديث العباس في الراية وحديث جابر في التسبيح وحديث أبي موسى إذا مرض العبد وحديث بن عمر في السير وحده وحديث أبي هريرة في الاسارى وحديث بن عباس مع علي وحديث أبي هريرة في قصة قتل خبيب وفيه حديث بنت عياض وحديث سلمة في عين المشركين وحديث عمر في مني وحديث عبد الله بن عمرو في قصة الغال وحديث السائب بن يزيد في الملاقاة وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم سبعة وعشرون أثرا والله أعلم بسم الله الرحمن الرحيم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب فرض الخمس كذا وقع عند الاسماعيلي وللاكثر باب وحذفه بعضهم وثبتت البسملة للاكثر والخمس بضم المعجمة والميم ما يؤخذ من الغنيمة والمراد بقوله فرض الخمس أي وقت فرضه أو كيفية فرضه أو ثبوت فرضه والجمهور على أن ابتداء فرض الخمس كان بقوله تعالى واعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول الآية وكانت الغنائم تقسم على خمسة أقسام فيعزل خمس منها يصرف فيمن ذكر في

[ 136 ]

الآية وسيأتي البحث في مستحقيه بعد أبواب وكان خمس هذا الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف فيمن يستحقه بعده فمذهب الشافعي أنه يصرف في المصالح وعنه يرد على الاصناف الثمانية المذكورين في الآية وهو قول الحنفية مع اختلافهم فيهم كما سيأتي وقيل يختص به الخليفة ويقسم أربعة أخماس الغنيمة على الغانمين الا السلب فإنه للقاتل على الراجح كما سيأتي وذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث علي بن أبي طالب في قصة الشارفين قوله كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر الشارف المسن من النوق ولا يقال للذكر عند الاكثر وحكى إبراهيم الحربي عن الاصمعي جوازه قال عياض جمع فاعل على فعل بضمتين قليل قوله وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس قال بن بطال ظاهره أن الخمس شرع يوم بدر ولم يختلف أهل السير أن الخمس لم يكن يوم بدر وقد ذكر إسماعيل القاضي في غزوة بني قريظة قال قيل أنه أول يوم فرض فيه الخمس قاوقيل نزل بعد ذلك قال ولم يأت ما فيه بيان شاف وإنما جاء صريحا في غنائم حنيقال بن بطال وإذا كان كذلك فيحتاج قول على إلى تأويل قال ويمكن أن يكون ما ذكر ابن اسحاق في سرية عبد الله بن جحش التي كانت في رجب قبل بدر بشهرين وان ابن اسحق قال ذكر لي بعض آل جحش ان عبد الله قال لاصحابه ان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس وذلك قبل ان يفرض الله الخمس فعزل له الخمس وقسم سائر الغنيمة بين أصحابه قال فوقع رضا الله بذلك قال فيحمل قول على وكن قد اعطاني شارفا من الخمس أي من الذي حصل من سرية عبد الله بن جحش (قلت) ويعكر عليه ان في الرواية الآتية في المغاز كان النبي صلى الله عليه وسلم اعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ والعجب أن بن بطال عزا هذه الرواية لابي داود وجعلها شاهدة لما تأوله وغفل عن كونها في البخاري الذي شرحه وعن كون ظاهرها شاهدا عليه لا له ولم أقف على ما نقله عن أهل السير صريحا في أنه لم يكن في غنائم بدر خمس والعجب أنه يثبت في غنيمة السرية التي قبل بدر الخمس ويقول أن الله رضي بذلك وينفيه في يوم بدر مع أن الانفال التي فيها التصريح بفرض الخمس نزل غالبها في قصة بدر وقد جزم الداودي الشارح بأن آية الخمس نزلت يوم بدر وقال السبكي نزلت الانفال في بدر وغنائمها والذي يظهر أن آية قسمة الغنيمة نزلت بعد تفرقة الغنائم لان أهل السير نقلوا أنه صلى الله عليه وسلم قسمها على السواء واعطاها لمن شهد الوقعة أو غاب لعذر تكرما منه لان الغنيمة كانت أولا بنص أول سورة الانفال للنبي صلى الله عليه وسلم قال ولكن يعكر على ما قال أهل السير حديث علي يعني حديث الباب حيث قال أعطاني شارفا من الخمس يومئذ فإنه ظاهر في أنه كان فيها خمس قلت ويحتمل أن تكون قسمة غنائم بدر وقعت على السواء بعد أن أخرج الخمس للنبي صلى الله عليه وسلم على ما تقدم من قصة سرية عبد الله بن جحش وأفادت آية الانفال وهي قوله تعالى واعلموا إنما غنمتم إلى آخرها بيان مصرف الخمس لا مشروعية أصل الخمس والله أعلم وأما ما نقله عن أهل السير فأخرجه بن إسحاق بإسناد حسن يحتج بمثله عن عبادة بن الصامت قال فلما اختلفنا في الغنيمة وساءت أخلاقنا انتزعها الله منا فجعلها لرسوله فقسمها على الناس عن سواء أي على سواء ساقه مطولا وأخرجه أحمد والحاكم من طريقه وصححه بن حبان من وجه آخر ليس فيه بن إسحاق قوله ابنتي بفاطمة أي ادخل بها والبناء الدخول بالزوجة وأصله أنهم كانوا من أراد ذلك بنيت له

[ 137 ]

قبة فخلا فيها بأهله واختلف في وقت دخول علي بفاطمة وهذا الحديث يشعر بأنه كان عقب وقعة بدر ولعله كان في شوال سنة اثنتين فإن وقعة بدر كانت في رمضان منها وقيل تزوجها في السنة الاولى ولعل قائل ذلك أراد العقد ونقل بن الجوزي أنه كان في صفر سنة اثنتين وقيل في رجب وقيل في ذي الحجة قلت وهذا الاخير يشبه أن يحمل على شهر الدخول بها وقيل تأخر دخوله بها إلى سنة ثلاث فدخل بها بعد وقعة أحد حكاه بن عبد البر وفيه بعد قوله واعدت رجلا صواغا بفتح الصاد المهملة والتشديد ولم أقف على اسمه ووقع في رواية بن جريج في الشرب طابع بمهملتين وموحدة وطالع بلام بدل الموحدة أي من يدله ويساعده وقد يقال أنه اسم الصائغ المذكور كذا قال بعضهم وفيه بعد قوله مناختان كذا للاكثر وهو باعتبار المعنى لانهما ناقتان وفي رواية كريمة مناخان باعتبار لفظ الشارف قوله إلى جنب حجرة رجل من الانصار لم اقف على اسمه قوله فرجعت حين جمعت ما جمعت زاد في رواية بن جريج عن بن شهاب في الشرب وحمزة بن عبد المطلب يشرب في ذلك البيت أي الذي أناخ الشارفين بجانبه ومعه قينه بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون هي الجارية المغنية فقالت ألا يا حمز للشرف النواء والشرف جمع شارف كما تقدم والنواء بكسر النون والمد مخففا جمع ناوية وهي الناقة السمينة وحكى الخطابي أن بن جرير الطبري رواه ذا الشرف بفتح الشين وفسره بالرفعة وجعله صفة لحمزة وفتح نون النواء وفسره بالبعد أي الشرف البعيد أي مناله بعيد قال الخطابي وهو خطأ وتصحيف وحكى الاسماعيلي أن أبا يعلى حدثه به من طريق بن جريج فقال الثواء بالثاء المثلثة قال فلم نضبطه ووقع في رواية القابسي والاصيلي النوى بالقصر وهو خطأ أيضا وقال الداودي النواء الخباء وهذا أفحش في الغلط وحكى المرزباني في معجم الشعراء أن هذا الشعر لعبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي جد أبي السائب المخزومي المدني وبقيته وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها وضرجهن حمرة بالدماء وعجل من أطايبها لشرب قديدا من طبيخ أو شواء والشرب بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة جمع شارب كتاجر وتجر والفناء بكسر الفاء والمد الجانب أي جانب الدار التي كانوا فيها والقديد اللحم المطبوخ والتضريج بمعجمة وجيم التلطيخ فإن كان ثابتا فقد عرف بعض المبهم في قوله في شرب من الانصار لكن المخزومي ليس من الانصار وكأن قائل ذلك أطلقه عليهم بالمعنى الاعم وأراد الذي نظم هذا الشعر وأمر القينة أن تغنى به أن يبعث همة حمزة لما عرف من كرمه على نحر الناقتين ليأكلوا من لحمهما وكأنه قال انهض إلى الشرف فانحرها وقد تبين ذلك من بقية الشعر وفي قولها للشرف بصيغة الجمع مع أنه لم يكن هناك الا ثنتان دلالة على جواز إطلاق صيغة الجمع على الاثنين وقوله يا حمز ترخيم وهو بفتح الزاي ويجوز ضمها قوله قد أجبت وقع مثله في رواية عنبسة في المغازي وهو بضم أوله وفي رواية الكشميهني هنا قد جبت بضم الجيم بغير ألف أي قطعت وهو الصواب وعند مسلم من طريق بن وهب عن يونس قد اجتبت وهو صواب أيضا والجب الاستئصال في القطع قوله وأخذ من أكبادهما زاد بن جريج قلت لابن شهاب ومن السنام قال قد جب اسنمتهما والسنام

[ 138 ]

ما على ظهر البعير وقوله بقر بفتح الموحدة والقاف أي شق قوله فلم أملك عيني حين رأيت في رواية الكشميهني حيث رأيت والمراد أنه بكى من شدة القهر الذي حصل له وفي رواية بن جريج رأيت منظرا افظعني بفاء وظاء مشالة معجمة أي نزل بي أمر مفظع أي مخيف مهول وذلك لتصوره تأخر الابتناء بزوجته بسبب فوات ما يستعان به عليه أو لخشية أن ينسب في حقها إلى تقصير لا لمجرد فوات الناقتين قوله حتى أدخل كذا فيه بصيغة المضارع مبالغة في استحضار صورة الحال قوله فطفق يلوم حمزة في رواية بن جريج فدخل على حمزة فتغيظ عليه قوله هل أنتم الا عبيد لابي في رواية بن جريج لآبائي قيل أراد أن أباه عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم ولعلي أيضا والجد يدعى سيدا وحاصله أن حمزة أراد الافتخار عليهم بأنه أقرب إلى عبد المطلب منهم قوله القهقرى هو المشي إلى خلف وكأنه فعل ذلك خشية أن يزداد عبث حمزة في حال سكره فينتقل من القول إلى الفعل فأراد أن يكون ما يقع من حمزة بمرأى منه ليدفعه أن وقع منه شئ قوله وخرجنا معه زاد بن جريج وذلك قبل تحريم الخمر أي ولذلك لم يؤاخذ النبي صلى الله عليه وسلم حمزة بقوله وفي هذه الزيادة رد على من احتج بهذه القصة على أن طلاق السكران لا يقع فإنه إذا عرف أن ذلك كان قبل تحريم الخمر كات ترك المؤاخذة لكونه لم يدخل على نفسه الضرر والذي يقول يقع طلاق السكران يحتج بأنه أدخل على نفسه السكر وهو محرم عليه فعوقب بامضاء الطلاق عليه فليس في هذا الحديث حجة لاثبات ذلك ولا نفيه قال أبو داود سمعت أحمد بن صالح يقول في هذا الحديث أربع وعشرون سنة قلت وفيه أن الغانم يعطي من الغنيمة من جهتين من الاربعة اخماس بحق الغنيمة ومن الخمس إذا كان ممن له فيه حق وأن لمالك الناقة الانتفاع بها في الحمل عليها وفيه الاناخة على باب الغير إذا عرف رضاه بذلك وعدم تضرره به وأن البكاء الذي يجلبه الحزن غير مذموم وأن المرء قد لا يملك دمعه إذا غلب عليه الغيظ وفيه ما ركب في الانسان من الاسف على فوت ما فيه نفعه وما يحتاج إليه وأن استعداء المظلوم على من ظلمه واخباره بما ظلم به خارج عن الغيبة والنميمة وفيه قبول خبر الواحد وجواز الاجتماع في الشرب المباح جواز تناول ما يوضع بين أيدي القوم وجواز الغناء بالمباح من القول وانشاد الشعر والاستماع من الامة والتخير فيما يأكله وأكل الكبد وأن كانت دما وفيه أن السكر كان مباحا في صدر الاسلام وهو رد على من زعم أن السكر لم يبح قط ويمكن حمل ذلك على السكر الذي يفقد معه التمييز من أصله وفيه مشروعية وليمة العرس وسيأتي شرحها في النكاح ومشروعية الصياغة والتكسب بها وقد تقدم في أوائل البيوع وجواز جمع الاذخر وغيره من المباحات والتكسب بذلك وقد تقدم في أواخر الشرب وفيه الاستعانة في كل صناعة بالعارف بها قال المهلب وفيه أن العادة جرت بأن جناية ذوي الرحم مغتفرة قلت وفيه نظر لان بن أبي شيبة روى عن أبي بكر بن عياش أن النبي صلى الله عليه وسلم أغرم حمزة ثمن الناقتين وفيه علة تحريم الخمر وفيه أن للامام أن يمضي إلى بيت من بلغه أنهم على منكر ليغيره وقال غيره فيه حل تذكية الغاصب لان الظاهر أنه ما بقر خواصرهما وجب أسنمتهما الا بعد التذكية المعتبرة وفيه سنة الاستئذان في الدخول وأن الاذن للرئيس يشمل أتباعه لان زيد بن حارثة وعليا دخلا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي كان استأذن فأذنوا له وأن السكران يلام إذا كان يعقل اللوم وأن للكبير في بيته أن يلقي

[ 139 ]

رداءه تخفيفا وأنه إذا أراد لقاء أتباعه يكون على أكمل هيئة لانه صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يخرج إلى حمزة أخذ رداءه وأن الصاحي لا ينبغي له أن يخاطب السكران وأن الذاهب من بين يدي زائل العقل لا يوليه ظهره كما تقدم وفيه إشارة إلى عظم قدر عبد المطلب وجواز المبالغة في المدح لقول حمزة هل أنتم الا عبيد لابي ومراده كالعبيد ونكتة التشبيه إنهم كانوا عنده في الخضوع له وجواز تصرفه في مالهم في حكم العبيد وفيه أن الكلام يختلف باختلاف القائلين قلت وفي كثير من هذه الانتزاعات نظر والله أعلم الثاني حديث عائشة في قصة فاطمة قوله عن صالح هو بن كيسان قوله أن فاطمة سألت أبا بكر زاد معمر عن الزهري والعباس أتيا أبا بكر وسيأتي في الفرائض قوله ما ترك هو بدل من قوله ميراثها وفي رواية الكشميهني مما ترك وفي هذه القصة رد على من قرأ قوله لا يورث بالتحتانية أوله وصدقة بالنصب على الحال وهي دعوى من بعض الرافضة فادعى أن الصواب في قراءة هذا الحديث هكذا والذي توارد عليه أهل الحديث في القديم والحديث لا نورث بالنون وصدقة بالرفع وأن الكلام جملتان وما تركنا في موضع الرفع بالابتداء وصدقة خبره يؤيده وروده في بعض طرق الصحيح ما تركنا فهو صدقة وقد احتج بعض المحدثين على بعض الامامية بأن أبا بكر احتج بهذا الكلام على فاطمة رضي الله عنهما فيما التمست منه من الذي خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاراضي وهما من أفصح الفصحاء وأعلمهم بمدلولات الالفاظ ولو كان الامر كما يقرؤه الرافضي لم يكن فيما احتج به أبو بكر حجة ولا كان جوابه مطابقا لسؤالها وهذا واضح لم أنصف قوله مما أفاء الله عليه سيأتي بيانه قريبا قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية معمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يرد تأويل الداودي الشارح في قوله أن فاطمة حملت كلام أبي بكر على أنه لم يسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما سمعه من غيره ولذلك غضبت وما قدمته من التأويل أولى قوله فغضبت فاطمة فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته في رواية معمر فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت ووقع عند عمر بن شبة من وجه آخر عن معمر فلم تكلمه في ذلك المال وكذا نقل الترمذي عن بعض مشايخه أن معنى قول فاطمة لابي بكر وعمر لا أكلمكما أي في هذا الميراث وتعقبه الشاشي بان قرينة قوله غضبت تدل على أنها امتنعت من الكلام جملة وهذا صريح الهجر وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود من طريق أبي الطفيل قال أرسلت فاطمة إلى أبي بكر أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله قال لا بل أهله قالت فأيسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم من بعده فرأيت أن أرده على المسلمين قالت فأنت وما سمعته فلا يعارض ما في الصحيح من صريح الهجران ولا يدل على الرضا بذلك ثم مع ذلك ففيه لفظة منكرة وهي قول أبي بكر بل أهله فإنه معارض للحديث الصحيح أن النبي لا يورث نعم روى البيهقي من طريق الشعبي أن أبا بكر عاد فاطمة فقال لها علي هذا أبو بكر يستأذن عليك قالت أتحب أن آذن له قال نعم فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت وهو وأن كان مرسلا فإسناده إلى الشعبي صحيح وبه يزول الاشكال في جواز تمادي فاطمة عليها السلام على هجر أبي بكر وقد قال بعض الائمة إنما كانت هجرتها انقباضا عن لقائه والاجتماع به وليس ذلك من الهجران المحرم لان شرطه أن يلتقيا فيعرض

[ 140 ]

هذا وهذا وكأن فاطمة عليها السلام لما خرجت غضبى من عند أبي بكر تمادت في اشتغالها بحزنها ثم بمرضها وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله لا نورث ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه وتمسك أبو بكر بالعموم واختلفا في أمر محتمل للتأويل فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك فإن ثبت حديث الشعبي أزال الاشكال وأخلق بالامر أن يكون كذلك لما علم من وفور عقلها ودينها عليها السلام وسيأتي في الفرائض زيادة في هذه القصة ويأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى وقد وقع في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عند الترمذي جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت من يرثك قال أهلي وولدي قالت فما لي لا أرث أبي قال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نورث ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله قوله وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة هذا يؤيد ما تقدم من أنها لم تطلب من جميع ما خلف وإنما طلبت شيئا مخصوصا فأما خيبر ففي رواية معمر المذكورة وسهمه من خيبر وقد روى أبو داود بإسناد صحيح إلى سهل بن أبي خيثمة قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين نصفها لنوائبه وحاجته ونصفها بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما ورواه بمعناه من طرق أخرى عن بشير بن يسار مرسلا ليس فيه سهل وأما فدك وهي بفتح الفاء والمهملة بعدها كاف بلد بينها وبين المدينة ثلاث مراحل وكان من شأنها ما ذكر أصحاب المغازي قاطبة أن أهل فدك كانوا من يهود فلما فتحت خيبر أرسل أهل فدك يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم الامان على أن يتركوا البلد ويرحلوا وروى أبو داود من طريق بن إسحاق عن الزهري وغيره قالوا بقيت بقية من خيبر تحصنوا فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم ويسيرهم ففعل فسمع بذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ولابي داود أيضا من طريق معمر عن بن شهاب صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل فدك وقرى سماها وهو يحاصر قوما آخرين يعني بقية أهل خيبر وأما صدقته بالمدينة فروى أبو داود من طريق معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر قصة بني النضير فقال في آخره وكانت نخل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة أعطاها إياه فقال ما أفاء الله على رسوله منهم الآية قال فأعطى أكثرها للمهاجرين وبقي منها صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي في أيدي بني فاطمة وروى عمر بن شبة من طريق أبي عون عن الزهري قال كانت صدقة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أموالا لمخيريق بالمعجمة والقاف مصغر وكان يهوديا من بقايا بني قينقاع نازلا ببني النضير فشهد أحدا فقتل به فقال النبي صلى الله عليه وسلم مخيريق سابق يهود وأوصى مخيريق بأمواله للنبي صلى الله عليه وسلم ومن طريق الواقدي بسنده عن عبد الله بن كعب قال قال مخيريق أن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله فهي عامة صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وكانت أموال مخيريق في بني النضير وعلى هذا فقوله في الحديث الآتي وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من بني النضير شمل جميع ذلك قوله لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به الا عملت به

[ 141 ]

في رواية شعيب عن الزهري الآتية في المناقب وإني والله لا أغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا تمسك به من قال أن سهم النبي يصرفه الخليفة بعده لمن كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرفه له وما بقي منه يصرف في المصالح وعن الشافعي يصرف في المصالح وهو لا ينافي الذي قبله وفي وجه هو للامام وقال مالك والثوري يجتهد فيه الامام وقال أحمد يصرف في الخيل والسلاح وقال بن جرير يرد إلى الاربعة قال بن المنذر كان أحق الناس بهذا القول من يوجب قسم الزكاة بين جميع الاصناف فإن فقد صنف رد على الباقين يعني الشافعي وقال أبو حنيفة يرد مع سهم ذوي القربى إلى الثلاثة وقيل يرد خمس الخمس من الغنيمة إلى الغانمين ومن الفئ إلى المصالح قوله فأما صدقته أي صدقة النبي صلى الله عليه وسلم قوله فدفعها عمر إلى علي ئعباس سيأتي بيان ذلك في الحديث الذي يليه قوله وأما خيبر أي الذز كان يخص النبي صلى الله عليه وسلم منها وفدك فامسكها عمر أي لم يدفعها لغيره وبين سبب ذلك وقد ظهر بهذا ان صدقة النبي صلى الله على وسلم تختص بما كان من بني النضير واما سهمه من خيبر وفدك فكان حكمه إلى من يقوم بالامر بعده وكان ابو بكر يقدم نفقة نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها مما كان يصرفه فيصرفه من خيبر وفدك وما فضل من ذلك جعله في المصالح وعمل عمر بعده بذلك فلما كان عثمان تصرف في فدك بحسب ما رآه فروى أبو داود من طريق مغيرة بن مقسم قال جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان فقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفق من فدك على بني هاشم ويزوج أيمهم وأن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى وكانت كذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ثم أقطعها مروان يعني في أيام عثمان قال الخطابي إنما أقطع عثمان فدك لمروان لانه تأول أن الذي يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون للخليفة بعده فاستغنى عثمان عنها بأمواله فوصل بها بعض قرابته ويشهد لصنيع أبي بكر حديث أبي هريرة المرفوع الآتي بعد باب بلفظ ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة فقد عمل أبو بكر وعمر بتفصيل ذلك بالدليل الذي قام لهما وسيأتي تمام البحث في قوله لا نورث في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى قوله فهما على ذلك إلى اليوم هو كلام الزهري أي حين حدث بذلك قوله قال أبو عبد الله أي المصنف اعتراك افتعلت كذا فيه ولعله كان افتعلك وكذا وقع في المجاز لابي عبيدة وقوله من عروته فأصبته ومنه يعروه واعتراني أراد بذلك شرح قوله يعروه وبين تصاريفه وأن معناه الاصابة كيفما تصرف وأشار إلى قوله تعالى ان تقول الا اعتراك بعض آلهتنا بسوء وهذه عادة البخاري يفسر اللفظة الغريبة من الحديث بتفسير اللفظة الغريبة من القرآن الحديث الثالث حديث عمر مع العباس وعلي وقع قبله في رواية أبي ذر وحده قصة فدك وكأنها ترجمة لحديث من أحاديث الباب وقد بينت أمر فدك في الذي قبله قوله حدثنا إسحاق بن محمد الفروي هو شيخ البخاري الذي تقدم قريبا في باب قتال اليهود وقد حدث عنه بواسطة كما تقدم في الصلح وفي رواية بن شبويه عن الفربري حدثنا محمد بن إسحاق الفروي وهو مقلوب وحكى عياض عن رواية القابسي مثله قال وهو وهم قلت وهذا الحديث مما رواه مالك خارج الموطأ وفي هذا الاسناد لطيفة من علوم الحديث مما لم يذكره بن الصلاح وهي تشابه الطرفين مثاله ما وقع هنا بن شهاب عن مالك وعنه

[ 142 ]

مالك الاعلى بن أوس والادنى بن أنس قوله وكان محمد بن جبير أي بن مطعم قد ذكر لي ذكرا من حديثه ذلك أي الآتي ذكره قوله فانطلقت حتى أدخل كذا فيه بصيغة المضارعة في موضع الماضي في الموضعين وهي مبالغة لارادة استحضار صورة الحال ويجوز ضم أدخل على أن حتى عاطفة أي انطلقت فدخلت والفتح على أن حتى بمعنى إلى أن قوله مالك بن أوس بن الحدثان بفتح المهملتين والمثلثة وهو نصرى بالنون المفتوحة والصاد المهملة الساكنة وأبوه صحابي وأما هو فقد ذكر في الصحابة وقال بن أبي حاتم وغيره لا تصح له صحبة وحكى بن أبي خيثمة عن مصعب أو غيره أنه ركب الخيل في الجاهلية قلت فعلى هذا لعله لم يدخل المدينة الا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم كما وقع لقيس بن أبي حازم دخل أبوه وصحب وتأخر هو مع إمكان ذلك وقد تشارك أيضا في أنه قيل في كل منهما أنه أخذ عن العشرة وليس لمالك بن أوس هذا في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في البيوع وفي صنيع بن شهاب ذلك أصفي طلب علو الاسناد لانه لم يقتنع بالحديث عنه حتى دخل عليه ليشافهه به وفيه حرص بن شهاب على طلب الحديث وتحصيله تنبيه ظن قوم أن الزهري تفرد برواية هذا الحديث فقال أبو علي الكرابيسي أنكره قوم وقالوا هذا من مستنكر ما رواه بن شها ب قال فإن كانوا علموا أنه ليس بفرد فهيهات وأن لم يعلموا فهو جهل فقد رواه عن مالك بن أوس عكرمة بن خالد وأيوب بن خالد ومحمد بن عمرو بن عطاء وغيرهم قوله حين متع النهار بفتح الميم والمثناة الخفيفة بعدها مهملة أي علا وامتد وقيل هو ما قيل الزوال ووقع في رواية مسلم من طريق جويرية عن مالك حين تعالى النهار وفي رواية يونس عن بن شهاب عند عمر بن شبة بعد ما ارتفع النهار قوله إذا رسول عمر لم اقف على اسمه ويحتمل أن يكون هو يرفأ الحاجب الآتي ذكره قوله على رمال سرير بكسر الراء وقد تضم وهو ما ينسج من سعف النخل وأغرب الداودي فقال هو السرير الذي يعمل من الجريد وفي رواية جويرية فوجدته في بيته جالسا على سرير مفضيا إلى رماله أي ليس تحته فراش والافضاء إلى الشئ لا يكون بحائل وفيه إشارة إلى أن العادة أن يكون على السرير فراش قوله فقال يا مال كذا هو بالترخيم أي مالك ويجوز في اللام الكسر على الاصل والضم على أنه صار اسما مستقلا فيعرب اعراب المنادى المفرد قوله أنه قدم علينا من قومك أي من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن وفي رواية جويرية عند مسلم دف أهل أبيات أي ورد جماعة بأهليهم شيئا بعد شئ يسيرون قليلا قليلا والدفيف السير اللين وكأنهم كانوا قد أصابهم جدب في بلادهم فانتجعوا المدينة قوله يرضخ بفتح الراء وسكون المعجمة بعدها خاء معجمة أي عطية غير كثيرة ولا مقدرة وقوله لو أمرت به غيري قاله تحرجا من قبول الامانة ولم يبين ما جرى له فيه اكتفاء بقرينة الحال والظاهر أنه قبضه لعزم عمر عليه ثاني مرة قوله أتاه حاجبه يرفا بفتح التحتانية وسكون الراء بعدها فاء مشبعة بغير همز وقد تهمز وهي روايتنا من طريق أبي ذر ويرفا هذا كان من موالي عمر أدرك الجاهلية ولا تعرف له صحبة وقد حج مع عمر في خلافة أبي بكر وله ذكر في حديث ابن عمر قال قال عمر لمولى له يقال له يرفا إذا جاء طعام يزيد بن أبي سفيان فأعلمني فذكر قصة وروى سعيد بن منصور عن أبي الاحوص عن أبي إسحاق عن يرفا قال قال لي عمر إني أنزلت نفسي من مال المسلمين منزلة مال اليتيم وهذا يشعر بأنه عاش إلى خلافة معاوية قوله هل لك في عثمان أي بن عفان و عبد الرحمن ولم أر في شئ من طرقه زيادة على

[ 143 ]

الاربعة المذكورين الا في رواية للنسائي وعمر بن شبة من طريق عمرو بن دينار عن بن شهاب وزاد فيها وطلحة بن عبيد الله وكذا في رواية الامامي عن بن شهاب عند عمر بن شبة أيضا وكذا أخرجه أبو داود من طريق أبي البختري عن رجل لم يسمه قال دخل العباس وعلي فذكر القصة بطولها وفيها ذكر طلحة لكن لم يذكر عثمان قوله فأذن لهم فدخلوا في رواية شعيب في المغازي فأدخلهم قوله ثم قال هل لك في علي وعباس زاد شعيب يستأذنان قوله فقال عباس يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا زاد شعيب ويونس فاستب علي وعباس وفي رواية عقيل عن بن شهاب في الفرائض اقض بيني وبين هذا الظالم استبا وفي رواية جويرية وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن ولم أر في شئ من الطرق أنه صدر من علي في حق العباس شئ بخلاف ما يفهم قوله في رواية عقيل استبا واستصوب المازري صنيع من حذف هذه الالفاظ من هذا الحديث وقال لعل بعض الرواة وهم فيها وأن كانت محفوظة فأجود ما تحمل عليه أن العباس قاله دلالا على علي لانه كان عنده بمنزلة الولد فأراد ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه وأن هذه الاوصاف يتصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن عمد قال ولا بد من هذا التأويل لوقوع ذلك بمحضر الخليفة ومن ذكر معه ولم يصدر منهم إنكار لذلك مع ما علم من تشددهم في إنكار المنكر قوله وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من مال بني النضير يأتي القول فيه قريبا قوله فقال الرهط في رواية مسلم فقال القوم وزاد فقال مالك بن أوس يخيل إلي إنهم قد كانوا قدموهم لذلك قلت ورأيت في رواية معمر عن الزهري في مسند بن أبي عمر فقال الزبير بن العوام اقض بينهما فأفادت تعيين من باشر سؤال عمر في ذلك قوله تئيدكم كذا في رواية أبي ذر بفتح المثناة وكسر التحتانية مهموز وفتح الدال قال بن التين أصلها تيدكم والتؤدة الرفق ووقع في رواية الاصيلي بكسر أوله وضم الدال وهو اسم فعل كرويدا أي اصبروا وأمهلوا وعلى رسلكم وقيل أنه مصدر تاد يتيد كما يقال سيروا سيركم ورد بأنه لم يسمع في اللغويؤيد الاول ما وقع في رواية عقيل وشعيب ايتدوا أي تمهلوا وكذا عند مسلم وأبي داود وللاسماعيلي من طريق بشر بن عمر عن مالك فقال عمر ايتد بلفظ الامر للمفرد قوله أنشدكما أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك كذا فيه وفي رواية مسلم قالا نعم ومعنى أنشدكما أسألكما رافعا نشدى أي صوتي قوله أن الله قد خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفئ بشئ في رواية مسلم بخاصة لم يخصص بها غيره وفي رواية عمرو بن دينار عن بن شهاب في التفسير كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله فكانت له خاصة وكان ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله وفي رواية سفيان عن معمر عن الزهري الآتية في النفقات كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيع نخل بني النضير ويحبس لاهله قوت سنتهم أي ثمر النخل وفي رواية أبي داود من طريق أسامة بن زيد عن بن شهاب كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا بنو النضير وخيبر وفدك فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه وأما فدك فكانت حبسا لابناء السبيل وأما خيبر فجزأها بين المسلمين ثم قسم جزءا لنفقة أهله وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يقسم في فقراء المهاجرين وفي مشترى السلاح والكراع وذلك مفسر لرواية معمر عند مسلم ويجعل ما بقي منه مجعل مال الله وزاد أبو داود في رواية أبي البختري المذكورة وكان ينفق على أهله

[ 144 ]

ويتصدق بفضله وهذا لا يعارض حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة على شعير لانه يجمع بينهما بأنه كان يدخر لاهله قوت سنتهم ثم في طول السنة يحتاج لمن يطرقه إلى إخراج شئ منه فيخرجه فيحتاج إلى أن يعوض من يأخذ منها عوضه فلذلك استدان قوله ما احتازها كذا للاكثر بحاء مهملة وزاي معجمة وفي رواية الكشميهني بخاء معجمة وراء مهملة هذا ظاهر في أن ذلك كان مختصا بالنبي صلى الله عليه وسلم الا أنه واسى به اقرباءه وغيرهم بحسب حاجتهم ووقع في رواية عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس عند النسائي ما يؤيد ذلك قوله ثم قال لعلي وعباس أنشدكما الله هل تعلمان ذلك زاد في رواية عقيل قالا نعم قوله ثم توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد في رواية عقيل وأنتما حينئذ وأقبل على علي وعباس تزعمان أن أبا بكر كذا وكذا وفي رواية شعيب كما تقولان وفي رواية مسلم من الزيادة فجئتما تطلب ميراثك من بن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها فقال أبو بكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركنا صدقة فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا وكأن الزهري كان يحدث به تارة فيصرح وتارة فيكنى وكذلك مالك وقد حذف ذلك في رواية بشر بن عمر عنه عند الاسماعيلي وغيره وهو نظير ما سبق من قول العباس لعلي وهذه الزيادة من رواية عمر عن أبي بكر حذفت من رواية إسحاق الفروي شيخ البخاري وقد ثبت أيضا في رواية بشر بن عمر عنه عند أصحاب السنن والاسماعيلي وعمرو بن مرزوق وسعيد بن داود كلاهما عند الدارقطني عن مالك على ما قال جويرية عن مالك واجتماع هؤلاء عن مالك يدل على إنهم حفظوه وهذا القدر المحذوف من رواية إسحاق ثبت من روايته في موضع آخر من الحديث لكن جعل القصة فيه لعمر حيث قال جئتني يا عباس تسألني نصيبك من بن أخيك وفيه فقلت لكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث فاشتمل هذا الفصل على مخالفة إسحاق لبقية الرواة عن مالك في كونهم جعلوا القصة عند أبي بكر وجعلوا الحديث المرفوع من حديث أبي بكر من رواية عمر عنه وإسحاق الفروي جعل القصة عند عمر وجعل الحديث المرفوع من روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير واسطة أبي بكر وقد وقع في رواية شعيب عن بن شهاب نظير ما وقع في رواية إسحاق الفروي سواء وكذلك وقع في رواية يونس عن بن شهاب عند عمر بن شبة وأما رواية عقيل الآتية في الفرائض فاقتصر فيها على أن القصة وقعت عند عمر بغير ذكر الحديث المرفوع أصلا وهذا يشعر بأن لسياق إسحاق الفروي أصلا فلعل القصتين محفوظتان واقتصر بعض الرواة على ما لم يذكره الآخر ولم يتعرض أحد من الشراح لبيان ذلك وفي ذلك اشكال شديد وهو أن أصل القصة صريح في أن العباس وعليا قد علما بأنه صلى الله عليه وسلم قال لا نورث فإن كانا سمعاه من النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يطلبانه من أبي بكر وأن كانا إنما سمعاه من أبي بكر أو في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك فكيف يطلبانه بعد

[ 145 ]

ذلك من عمر والذي يظهر والله أعلم حمل الامر في ذلك على ما تقدم في الحديث الذي قبله في حق فاطمة وأن كلا من علي وفاطمة والعباس اعتقد أن عموم قوله لا نورث مخصوص ببعض ما يخلفه دون بعض ولذلك نسب عمر إلى علي وعباس إنهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما في ذلك وأما مخاصمة علي وعباس بعد ذلك ثانيا عند عمر فقال إسماعيل القاضي فيما رواه الدارقطني من طريقه لم يكن في الميراث إنما تنازعا في ولاية الصدقة وفي صرفها كيف تصرف كذا قال لكن في رواية النسائي وعمر بن شبة من طريق أبي البختري ما يدل على إنهما أرادا أن يقسم بينهما على سبيل الميراث ولفظه في آخره ثم جئتماني الآن تختصمان يقول هذا أريد نصيبي من بن أخي ويقول هذا أريد نصيبي من امرأتي والله لا أقضي بينكما الا بذلك أي الا بما تقدم من تسليمها لهما على سبيل الولاية وكذا وقع عند النسائي من طريق عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس نحوه وفي السنن لابي داود وغيره أرادا أن عمر يقسمها لينفرد كل منهما بنظر ما يتولاه فامتنع عمر من ذلك وأراد أن لا يقع عليها اسم قسم ولذلك أقسم على ذلك وعلى هذا اقتصر أكثر الشراح واستحسنوه وفيه من النظر ما تقدم وأعجب من ذلك جزم بن الجوزي ثم الشيخ محيي الدين بأن عليا وعباسا لم يطلبا من عمر الا ذلك مع أن السياق صريح في أنهماجاآه مرتين في طلب شئ واحد لكن العذر لابن الجوزي والنووي إنهما شرحا اللفظ الوارد في مسلم دون اللفظ الوارد في البخاري والله أعلم وأما قول عمر جئتني يا عباس تسألني نصيبك من بن أخيك فإنما عبر بذلك لبيان قسمة الميراث كيف يقسم أن لو كان هناك ميراث لا أنه أراد الغض منهما بهذا الكلام وزاد الامامي عن بن شهاب عند عمر بن شبة في آخره فأصلحا أمركما وإلا لم يرجع والله إليكما فقاما وتركا الخصومة وأمضيت صدقة وزاد شعيب في آخره قال بن شهاب فحدثت به عروة فقال صدق مالك بن أوس أنا سمعت عائشة تقول فذكر حديثا قال وكانت هذه الصدقة بيد على منعها عباسا فغلبه عليها ثم كانت بيد الحسن ثم بيد الحسين ثم بيد علي بن الحسين والحسن بن الحسن ثم بيد زيد بن الحسن وهي صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري مثله وزاد في آخره قال معمر ثم كانت بيد عبد الله بن حسن حتى ولي هؤلاء يعني بني العباس فقبضوها وزاد إسماعيل القاضي أن أعراض العباس عنها كان في خلافة عثمان قال عمر بن شبة سمعت أبا غسان هو محمد بن يحيى المدني يقول أن الصدقة المذكورة اليوم بيد الخليفة يكتب في عهده يولى عليها من قبله من يقبضها ويفرقها في أهل الحاجة من أهل المدينة قلت كان ذلك على رأس المائتين ثم تغيرت الامور والله المستعان واختلف العلماء في مصرف الفئ فقال مالك الفئ والخمس سواء يجعلان في بيت المال ويعطى الامام أقارب النبي صلى الله عليه وسلم بحسب اجتهاده وفرق الجمهور بين خمس الغنيمة وبين الفئ فقال الخمس موضوع فيما عينه الله فيه من الاصناف المسمين في آية الخمس من سورة الانفال لا يتعدى به إلى غيرهم وأما الفئ فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى رأي الامام بحسب المصلحة وانفرد الشافعي كما قال بن المنذر وغيره بأن الفئ يخمس وأن أربعة أخماسه للنبي صلى الله عليه وسلم وله خمس الخمس كما في الغنيمة وأربعة أخماس الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة وقال الجمهور مصرف الفئ كله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتجوا بقول عمر فكانت هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وتأول الشافعي قول عمر المذكور بأنه يريد

[ 146 ]

الاخماس الاربعة قال بن بطال مناسبة ذكر حديث عائشة في قصة فاطمة في باب فرض الخمس أن الذي سألت فاطمة أن تأخذه من جملته خيبر والمراد به سهمه صلى الله عليه وسلم منها وهو الخمس وسيأتي في المغازي بلفظ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر وفي حديث عمر أنه يجب أن يتولى أمر كل قبيلة كبيرهم لانه أعرف باستحقاق كل رجل منهم وأن للامام أن ينادي الرجل الشريف الكبير باسمه وبالترخيم حيث لم يرد بذلك تنقيصه وفيه استعفاء المرء من الولاية وسؤاله الامام ذلك بالرفق وفيه اتخاذ الحاجب والجلوس بين يدي الامام والشفاعة عنده في انفاذ الحكم وتبيين الحاكم وجه حكمه وفيه إقامة الامام من ينظر على الوقف نيابة عنه والتشريك بين الاثنين في ذلك ومنه يؤخذ جواز أكثر منهما بحسب المصلحة وفيه جواز الادخار خلافا لقول من أنكره من مشددي المتزهدين وأن ذلك لا ينافي التوكل وفيه جواز اتخاذ العقار واستغلال منفعته ويؤخذ منه جواز اتخاذ غير ذلك من الاموال التي يحصل بها النماء والمنفعة من زراعة وتجارة وغير ذلك وفيه أن الامام إذا قام عنده الدليل صار إليه وقضى بمقتضاه ولم يحتج إلى أخذه من غيره ويؤخذ منه جواز حكم الحاكم بعلمه وأن الاتباع إذا رأوا من الكبير انقباضا لم يفاتحتهم حتى يفتحهم بالكلام واستدل به على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يملك شيئا من الفئ ولا خمس الغنيمة الا قدر حاجته وحاجة من يمونه وما زاد على ذلك كان له فيه التصرف بالقسم والعطية وقال آخرون لم يجعل الله لنبيه ملك رقبة ما غنمه وإنما ملكه منافعه وجعل له منه قدر حاجته وكذلك القائم بالامر بعده وقال بن الباقلاني في الرد على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم يورث احتجوا بعموم قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم قال أما من أنكر العموم فلا استغراق عنده لكل من مات أنه يورث وأما من أثبته فلا يسلم دخول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ولو سلم دخوله لوجب تخصيصه لصحة الخبر وخبر الآحاد يخصص وأن كان لا ينسخ فكيف بالخبر إذا جاء مثل مجئ هذا الخبر وهو لا نورث قوله باب أداء الخمس من الدين أورد فيه حديث بن عباس في قصة وفد عبد القيس وقد تقدم شرحه في كتاب الايمان وترجم عليه هناك أداء الخمس من الايمان وهو على قاعدته في ترادف الايمان والاسلام والدين وقد تقدم في كتاب الايمان من شرح ذلك ما فيه كفاية وتقدم في أول الخمس بيان ما يتعلق به قوله باب نفقة نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدها حديث أبي هريرة لا تقتسم ورثتي دينارا وقد تقدم بهذا الاسناد في أواخر الوقف وقد تقدم ما يتعلق بشرحه قبل بباب وسيأتي بقية ما يتعلق منه بالميراث في الفرائض واختلف في المراد بقوله عاملي فقيل الخليفة بعده وهذا هو المعتمد وهو الذي يوافق ما تقدم في حديث عمر وقيل يريد بذلك العامل على النخل وبه جزم الطبري وابن بطال وأبعد من قال المراد بعامله حافر قبره عليه الصلاة والسلام وقال بن دحية في الخصائص المراد بعامله خادمه وقيل العامل على الصدقة وقيل العامل فيها كالاجير وقوله في هذه الرواية دينار كذا وقع في رواية مالك عن أبي الزناد في الصحيحين فقيل هو تنبيه بالادنى على الاعلى وأخرجه مسلم من رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد بلفظ دينارا ولا درهما وهي زياد حسنة وتابعه عليها سفيان الثوري عن أبي الزناد عند الترمذي في الشمائل واستدل به

[ 147 ]

على أجرة القسام ثانيها حديث عائشة في قصة الشعير الذي كان في رفها فكالته ففني وسيأتي بسنده ومتنه وشرحه في الرقاق وتقدم الالمام بشئ من ذلك في باب ما يستحب من الكيل أوائل البيوع قال بن المنير وجه دخول حديث عائشة في الترجمة أنها لو لم تستحق النفقة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لاخذ الشعير منها ثالثها حديث أبي إسحاق وهو السبيعي عن عمرو بن الحرث ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الا سلاحه الحديث وقد تقدم في الوصايا وأن شرحه يأتي مستوفى في أواخر المغازي ووقع عند القابسي في أوله حدثنا يحيى عن سفيان فسقط عليه شيخ البخاري مسدد ولا بد منه نبه عليه الجياني ولو كان على ظاهر ما عنده لامكن أن يكون يحيى هو بن موسى أو بن جعفر وسفيان هو بن عيينة قوله باب ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وما نسب من البيوت إليهن وقول الله عزوجل وقرن في بيوتكن ولا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم قال بن المنير غرضه بهذه الترجمة أن يبين أن هذه النسبة تحقق دوام استحقاقهن للبيوت ما بقين لان نفقتهن وسكناهن من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم والسر فيه حبسهن عليه ثم ذكر فيه سبعة أحاديث الاول حديث عائشة استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي ذكره مختصرا ثانيها حديثها توفي في بيتي وفي نوبتي وفيه ذكر السواك مع عبد الرحمن وسيأتي الكلام عليهما مستوفى في أواخر المغازي إن شاء الله تعالى ثالثا حديث صفية بنت حيي أنها جاءت تزوره وهو معتكف والغرض منه قولها فيه عند باب أم سلمة وقد تقدم شرحه في الاعتكاف رابعها حديث بن عمر ارتقيت فوق بيت حفصة وقد تقدم شرحه في الطهارة خامسها حديث عائشة كان يصلي العصر والشمس لم تخرج من حجرتها وقد تقدم شرحه في المواقيت سادسها حديث عبد الله وهو بن عمر الفتنة ههنا وسيأتي شرحه في الفتن والغرض منه قوله وأشار نحو مسكن عائشة واعترض الاسماعيلي بأن ذكر المسكن لا يناسب ما قصد لانه يستوي فيه المالك والمستعير وغيرهما سابعها حديث عائشة أنها سمعت صوت أنسان يستأذن

[ 148 ]

في بيت حفصة وقد تقدم بهذا الاسناد في الشهادات ويأتي شرحه في الرضاع تنبيه وقع في سياقه في الشهادات زيادة على سبيل الوهم في رواية أبي ذر وكذا في رواية الاصيلي عن شيخه وقد ضرب عليها في بعض نسخ أبي ذر والصواب حذفها ولفظ الزيادة فقلت يا رسول الله أراه فلانا لعم حفصة من الرضاعة فقالت عائشة فهذا القدر زائد والصواب حذفه كما نبه عليه صاحب المشارق قال الطبري قيل كان النبي صلى الله عليه وسلم ملك كلا من أزواجه البيت الذي هي فيه فسكن بعده فيهن بذلك التمليك وقيل إنما لم ينازعهن في مساكنهن لان ذلك من جملة مؤنتهن التي كان النبي صلى الله عليه وسلم استثناها لهن مما كان بيده أيام حياته حيث قال ما تركت بعد نفقة نسائي قال وهذا أرجح ويؤيده أن ورثتهن لم يرثن عنهن منازلهن ولو كانت البيوت ملكا لهن لانتقلت إلى ورثتهن وفي ترك ورثتهن حقوقهم منها دلالة على ذلك ولهذا زيدت بيوتهن في المسجد النبوي بعد موتهن لعموم نفعه للمسلمين كما فعل فيما كان يصرف لهن من النفقات والله أعلم وادعى المهلب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حبس عليهن بيوتهن ثم استدل به على أن من حبس دارا جاز له أن يسكن منها في موضع وتعقبه بن المنير بمنع أصل الدعوى ثم على التنزل لا يوافق ذلك مذهبه الا أن صرح بالاستثناء ومن أين له ذلك قوله باب ما ذكر من درع النبي صلى الله عليه وسلم وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك الغرض من هذه الترجمة تثبيت أنه صلى الله عليه وسلم لم يورث ولا بيع موجوده بل ترك بيد من صار إليه للتبرك به ولو كانت ميراثا لبيعت وقسمت ولهذا قال بعد ذلك مما لم تذكر قسمته وقوله مما تبرك أصحابه أي به وحذفه للعلم به كذا للاصيلي ولابي ذر عن شيخيه شرك بالشين من الشركة وهو ظاهر وفي رواية الكشميهني مما يتبرك به أصحابه وهو يقوي رواية الاصيلي وأما قول المهلب أنه إنما ترجم بذلك ليتأسى به ولاة الامور في اتخاذ هذه الآلات ففيه نظر وما تقدم أولى وهو الاليق لدخوله في أبواب الخمس ثم ذكر فيه أحاديث ليس فيها مما ترجم به الا الخاتم والنعل والسيف وذكر فيه الكساء والازار ولم يصرح بهما في الترجمة فمما ذكره في الترجمة ولم يخرج حديثه في الباب الدرع ولعله أراد أن يكتب فيها حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة فلم يتفق ذلك وقد سبق في البيوع والرهن ومن ذلك العصا ولم يقع لها ذكر في الاحاديث التي أوردها ولعله أراد أن يكتب حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان يستلم الركن بمحجن وقد مضى في الحج وسيأتي في حديث علي في تفسير سورة والليل إذا يغشى ذكر المخصرة وأنه صلى الله عليه وسلم جعل ينكت بها في الارض وهي عصا يمسكها الكبير يتكئ عليها وكان قضيبه صلى الله عليه وسلم من شوحط وكانت عند الخلفاء بعده حتى كسرها جهجاه الغفاري في زمن عثمان ومن ذلك الشعر ولعله أراد أن يكتب فيه حديث أنس الماضي في الطهارة في قول بن سيرين عندنا شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم صار إلينا من قبل أنس وأما قوله وآنيته بعد ذكر القدح فمن عطف العام على الخاص ولم يذكر في الباب من الآنية سوى القدح وفيه كفاية لانه يدل على ما عداه وأما الاحاديث التي أوردها في الباب فالاول منها حديث أنس في الخاتم والغرض منه قوله فيه أن أبا بكر ختم الكتاب بخاتم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه مطابق لقوله في الترجمة وما استعمل الخلفاء من ذلك وسيأتي في اللباس فيه من الزيادة أنه كان في يد أبي بكر وفي

[ 149 ]

يد عمر بعده وأنه سقط من يد عثمان ويأتي شرحه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى الثاني حديثه أنه أخرج نعلين جرداوين بالجيم أي لا شعر عليهما وقيل خلقتين قوله لهما في رواية الكشميهني لها قبالان بكسر القاف وتخفيف الموحدة قوله فحدثني ثابت القائل هو عيسى بن طهمان راوي الحديث عن أنس وكأنه رأى النعلين مع أنس ولم يسمع منه نسبتهما فحدثه بذلك ثابت عن أنس وسيأتي شرحه في اللباس أيضا إن شاء الله تعالى الثالث حديث عائشة قوله عن أبي بردة هو بن أبي موسى قوله كساء ملبدا أي ثخن وسطه وصفق حتى صار يشبه اللبد ويقال المراد هنا المرقع قوله وزاد سليمان هو بن المغيرة عن حميد هو بن هلال وصله مسلم عن شيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة به وسيأتي بقية شرحه في كتاب اللباس أيضا الرابع حديث أنس قوله عن أبي حمزة هو السكري قوله عن عاصم عن بن سيرين كذا للاكثر ووقع في رواية أبي زيد المروزي بإسقاط بن سيرين وهو خطأ وقد أخرجه البزار في مسنده عن البخاري بهذا الاسناد وقال لا نعلم من رواه عن عاصم هكذا الا أبا حمزة وقال الدارقطني خالفه شريك عن عاصم عن أنس لم يذكر بن سيرين والصحيح قول أبي حمزة قلت قد رواه أبو عوانة عن عاصم ففصل بعضه عن أنس وبعضه عن بن سيرين عن أنس وسيأتي بيانه في الاشربة ونبه على ذلك أبو علي الجياني وسيأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى قوله أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ في رواية أبي ذر بضم المثناة على البناء للمفعول وفي رواية غيره بفتحها على البناء للفاعل والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم أو لانس وجزم بعض الشراح بالثاني واحتج برواية بلفظ فجعلت مكان الشعب سلسلة ولا حجة فيه لاحتمال أن يكون فجعلت بضم الجيم على البناء للمجهول فرجع إلى الاحتمال لابهام الجاعل قوله قال عاصم هو الاحول الراوي رأيت القدح وشربت فيه الخامس حديث المسور بن مخرمة في خطبة على بنت أبي جهل وسيأتي الكلام عليه مستوفى في النكاح والغرض منه ما دار بين المسور بن مخرمة وعلي بن الحسين في أمر سيف النبي صلى الله عليه وسلم وأراد المسور بذلك صيانة سيف النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يأخذه من لا يعرف قدره والذي يظهر أن المراد بالسيف المذكور ذو الفقار الذي تنفله يوم بدر ورأى فيه الرؤيا يوم أحد وقال الكرماني مناسبة ذكر المسور لقصة خطبة بنت أبي جهل عند طلبه للسيف من جهة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحترز عما يوجب وقوع التكدير بين الاقرباء أي فكذلك ينبغي أن تعطيني السيف حتى لا يحصل بينك وبين اقربائك كدورة بسببه أو كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يراعي جانب بني عمه العبشميين فأنت أيضا راع جانب بني عمك النوفليين لان المسور نوفلي كذا قال والمسور زهري لا نوفلي قال أو كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب رفاهية خاطر فاطمة عليها السلام

[ 150 ]

فأنا أيضا أحب رفاهية خاطرك لكونك بن ابنها فأعطني السيف حتى أحفظه لك قلت وهذا الاخير هو المعتمد وما قبله ظاهر التكلف وسأذكر اشكالا يتعلق بذلك في كتاب المناقب إن شاء الله تعالى السادس قوله عن محمد بسوقة بضم المهملة وسكون الواو ثقة عابد مشهور وهو وشيخه منذر بن يعلى أبو يعلى الثوري كوفيان قرينان من صغار التابعين قوله لو كان على ذاكرا عثمان زاد الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن قتيبة ذاكرا عثمان بسوء وروى بن أبي شيبة من وجه آخر عن محمد بن سوقة حدثني منذر قال كنا عند بن الحنفية فنال بعض القوم من عثمان فقال مه فقلنا له أكان أبوك يسب عثمان فقال ما سبه ولو سبه يوما لسبه يوم جئته فذكره قوله جاءه ناس فشكوا سعاة عثمان لم اقف على تعيين الشاكي ولا المشكو والسعاة جمع ساع وهو العامل الذي يسعى في استخراج الصدقة ممن تجب عليه ويحملها إلى الامام قوله فقال لي علي أذهب إلى عثمان فأخبره أنها صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أن الصحيفة التي أرسل بها إلى عثمان مكتوب فيها بيان مصارف الصدقات وقد بين في الرواية الثانية أنه قال له خذ هذا الكتاب فإن فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة وفي رواية بن أبي شيبة خذ كتاب السعاة فاذهب به إلى عثمان قوله أغنها بهمزة مفتوحة ومعجمة ساكنة وكسر النون أي اصرفها تقول أغن وجهك عني أي اصرفه ومثله قوله لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه أي يصده ويصرفه عن غيره ويقال قوله اغنها عنا بألف وصل من الثلاثي وهي كلمة معناها الترك والاعراض ومنه واستغنى الله أي تركهم الله لان كل من استغنى عن شئ تركه تقول غنى فلان عن كذا فهو غان بوزن علم فهو عالم وفي رواية بن أبي شيبة لا حاجة لنا فيه وقيل كان علم ذلك عند عثمان فاستغنى عن النظر في الصحيفة وقال الحميدي في الجمع قال بعض الرواة عن بن عيينة لم يجد علي بدا حين كان عنده علم منه أن ينهيه إليه ونرى أن عثمان إنما رده لان عنده علما من ذلك فاستغنى عنه ويستفاد من الحديث بذل النصيحة للامراء وكشف أحوال من يقع منه الفساد من أتباعهم وللامام التنقيب عن ذلك ويحتمل أن يكون عثمان لم يثبت عنده ما طعن به على سعاته أو ثبت عنده وكان التدبير يقتضي تأخير الانكار أو كان الذي أنكره من المستحبات لا من الواجبات ولذلك عذره على ولم يذكره بسوء قوله فأخبرته فقال ضعها حيث أخذتها في رواية بن أبي شيبة ضعه موضعه قوله وقال الحميدي الخ هو في كتاب النوادر له بهذا الاسناد والحميدي من شيوخ البخاري في الفقه والحديث كما تقدم في أول هذا الكتاب وأراد بروايته هذه بيان تصريح سفيان بالتحديث وكذا التصريح بسماع محمد بن سوقة من منذر ولم أقف في شئ من طرقه على تعيين ما كان في الصحيفة لكن أخرج الخطابي في غريب الحديث من طريق عطية عن بن عمر قال بعث على إلى عثمان بصحيفة فيها لا تأخذوا الصدقة من الرخة ولا من النخة قال الخطابي النخة بنون ومعجمة أولاد الغنم والرخة براء ومعجمة أيضا أولاد الابل انتهى وسنده ضعيف لكنه مما يحتمل صلى الله عليه وسلم قوله باب الدليل على أن الخمس أي خمس الغنيمة لنوائب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمساكين النوائب جمع نائبة وهوما ينوب الانسان من الامر الحادث وايثار النبي صلى الله عليه وسلم أهل الصفة والارامل حين سألته فاطمة وشكت إليه الطحن في رواية الكشميهني والطحين والرحى أن يخدمها من السبي فوكلها إلى الله تعالى

[ 151 ]

ثم ذكر حديث علي أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحن فبلغها أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسبي فأتته تسأله خادما فذكر الحديث وفيه ألا أدلكما على خير مما سألتما فذكر الذكر عند النوم وسيأتي شرحه في كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى وليس فيه ذكر أهل الصفة ولا الارامل وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته وهو ما أخرجه أحمد من وجه آخر عن علي في هذه القصة مطولا وفيه والله لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم ولكن ابيعهم وأنفق عليهم أثمانهم وفي حديث الفضل بن الحسن الضمري عن ضباعة أو أم الحكم بنت الزبير قالت أصاب النبي صلى الله عليه وسلم سبيا فذهبت أنا وأختي فاطمة نسأله فقال سبقكما يتامى بدر الحديث أخرجه أ بوداود وتقدم من حديث بن عمر في الهبة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة أن ترسل الستر إلى أهل بيت بهم حاجة قال إسماعيل القاضي هذا الحديث يدل على أن للامام أن يقسم الخمس حيث يرى لان الاربعة الاخماس استحقاق للغانمين والذي يختص بالامام هو الخمس وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم ابنته وأعز الناس عليه من اقربيه وصرفه إلى غيرهم وقال نحوه الطبري لو كان سهم ذوي القربى قسما مفروضا لاخدم ابنته ولم يكن ليدع شيئا اختاره الله لها وامتن به على ذوي القربى وكذا قال الطحاوي وزاد وأن أبا بكر وعمر أخذا بذلك وقسما جميع الخمس ولم يجعلا لذوي القربى منه حقا مخصوصا به بل بحسب ما يرى الامام وكذلك فعل علي قلت في الاستدلال بحديث على هذا نظر لانه يحتمل أن يكون ذلك من الفئ وأما خمس الخمس من الغنيمة فقد روى أبو داود من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال قلت يا رسول الله أن رأيت أن توليني حقنا من هذا الخمس الحديث وله من وجه آخر عنه ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس فوضعته مواضعه حياته الحديث فيحتمل أن تكون قصة فاطمة وقعت قبل فرض الخمس والله أعلم وهو بعيد لان قوله تعالى واعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه الآية نزلت في غزوة بدر وقد مضى قريبا أن الصحابة اخرجوا الخمس من أول غنيمة غنموها من المشركين فيحتمل أن حصة خمس الخمس وهو حق ذوي القربى من الفئ المذكور لم يبلغ قدر الرأس الذي طلبته فاطمة فكان حقها من ذلك يسيرا جدا يلزم منه أن لو أعطاها الرأس أثر في حق بقية المستحقين ممن ذكر وقال المهلب في هذا الحديث أن للامام أن يؤثر بعض مستحقي الخمس على بعض ويعطى الاوكد فالاوكد ويستفاد من الحديث حمل الانسان أهله على ما يحمل عليه نفسه من التقلل والزهد في الدنيا والقنوع بما أعد الله لاوليائه الصابرين في الآخرة قلت وهذا كله بناء على ما يقتضيه ظاهر الترجمة وأما مع الاحتمال الذي ذكرته أخيرا فلا يمكن أن يؤخذ من ذكر الايثار عدم وقوع الاشتراك في الشئ ففي ترك القسمة واعطاء أحد المستحقين دون الآخر إيثار الآخذ على الممنوع فلا يلزم منه نفي الاستحقاق وسيأتي مزيد في هذه المسألة بعد ثمانية أبواب قوله باب قوله تعالى فان لله خمسه وللرسول يعني وللرسول قسم ذلك هذا اختيار منه لاحد الاقوال في تفسير هذه الآية والاكثر على أن اللام في قوله للرسول للملك وأن للرسول خمس الخمس من الغنيمة سواء حضر القتال أو لم يحضر وهل كان يملكه أو لا وجهان للشافعية ومال البخاري إلى الثاني واستدل له قال إسماعيل

[ 152 ]

القاضي لا حجة لمن ادعى أن الخمس يملكه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى واعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول لانه تعالى قال يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول واتفقوا على أنه قبل فرض الخمس كان يعطي الغنيمة للغانمين بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده فلما فرض الخمس تبين للغانمين أربعة اخماس الغنيمة لا يشاركهم فيها أحد وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بنسبة الخمس إليه إشارة إلى أنه ليس للغانمين فيه حق بل هو مفوض إلى رأيه وكذلك إلى الامام بعده وقد تقدم نقل الخلاف فيه في الباب الاول واجمعوا على أن اللام في قوله تعالى لله للتبرك الا ما جاء عن أبي العالية فإنه قال تقسم الغنيمة خمسة أسهم ثم السهم الاول يقسم قسمين قسم لله وهو للفقراء وقسم الرسول له وأما من بعده فيضعه الامام حيث يراه قوله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي لم يقع هذا اللفظ في سياق واحد وإنما هو مأخوذ من حديثين أما حديث إنما أنا قاسم فهو طرف من حديث أبي هريرة المذكور في الباب وتقدم في العلم من حديث معاوية بلفظ وإنما أنا قاسم والله يعطي في اثناء حديث وأما حديث إنما أنا خازن والله يعطي فهو طرف من حديث معاوية المذكور ويأتي موصولا في الاعتصام بهذا اللفظ ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث الاول حديث جابر ذكره من طرق قوله عن سليمان هو الاعمش وبين البخاري الاختلاف على شعبة هل أراد الانصاري أن يسمي ابنه محمدا أو القاسم وأشار إلى ترجح أنه أراد أن يسميه القاسم برواية سفيان وهو الثوري له عن الاعمش فسماه القاسم ويترجح أنه أيضا من حيث المعنى لانه لم يقع الانكار من الانصار عليه الا حيث لزم من تسمية ولده القاسم أن يصير يكنى أبا القاسم وسيأتي البحث في هذه المسألة في كتاب الادب إن شاء الله تعالى قوله قال شعبة في حديث منصور أن الانصاري قال حملته على عنقي هذا يقتضي أن يكون الحديث من رواية جابر عن الانصاري بخلاف رواية غيره فإنها من مسند جابر قوله وقال حصين بعثت قاسما أقسم بينكم هو من رواية شعبة عن حصين أيضا كما سيأتي في الادب قوله وقال عمرو هو بن مرزوق وهو من شيوخ البخاري وطريقه هذه وصلها أبو نعيم في المستخرج وكأن شبعة كان تارة يحدث به عن بعض مشايخه دون بعض وتارة يجمعهم ويفصل ألفاظهم وقوله لا تكنوا وقع في رواية الكشميهني ولا تكنوا بفتح الكاف وتشديد النون وقوله في رواية سفيان عن الاعمش لا نكنيك ولا ننعمك عينا وقع في رواية الكشميهني بالجزم فيهما في الموضعين ومعنى قوله لا ننعمك عينا لا نكرمك ولا تقر عينك بذلك وسيأتي في الادب من الزيادة من وجه آخر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لانصاري سم ابنك عبد الرحمن الثاني حديث معاوية وهو يشتمل على ثلاثة أحكام من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وقد تقدم شرح صدره في كتاب العلم ويأتي شرح الاخير منه في الاعتصام والغرض منه عزوجل

[ 153 ]

قوله والله المعطي وأنا القاسم وهذا مطابق لاحاديث الباب الحديث الثالث حديث أبي هريرة قوله ما أعطيكم ولا أمنعكم في رواية أحمد عن شريح بن النعمان عن فليح في أوله والله المعطي والمعنى لا اتصرف فيكم بعطية ولا منع برأيي وقوله إنما أنا القاسم اضع حيث أمرت أي لا أعطى أحدا ولا أمنع أحدا الا بأمر الله وقد أخرجه أبو داود من طريق همام عن أبي هريرة بلفظ أن أنا الا خازن الرابع قوله حدثنا عبد الله بن يزيد هو أبو عبد الرحمن المقري قوله حدثنا سعيد زاد المستملي بن أبي أيوب وأبو الاسود هو النوفلي الذي يقال له يتيم عروة والنعمان بن أبي عياش بالتحتانية والمعجمة أنصاري وهو زرقي وبذلك وصفه الدورقي واسم أبي عياش عبيد وقيل زيد بن معاوية بن الصامت قوله عن خولة الانصارية في رواية الاسماعيلي بنت ثامر الانصارية وزاد في أوله الدنيا خضرة حلوة وأن رجالا أخرجه الترمذي من طريق سعيد المقبري عن أبي الوليد سمعت خولة بنت قيس وكانت تحت حمزة بن عبد المطلب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن هذا المال خضرة حلوة من أصابه بحقه بورك له فيه ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة الا النار قال الترمذي حسن صحيح وأبو الوليد اسمه عبيد قلت فرق غير واحد بين خولة بنت ثامر وبين خولة بنت قيس وقيل أن قيس بن قهد بالقاف لقبه ثامر وبذلك جزم علي بن المديني فعلى هذا فهي واحدة وقوله خضرة انث على تأويل الغنيمة بدليل قوله من مال الله ويحتمل ما هو أعم من ذلك وقوله خضرة أي مشتهاة والنفوس تميل إلى ذلك وقوله من مال الله مظهر أقيم مقام المضمر أشعارا بأنه لا ينبغي التخوض في مال الله ورسوله والتصرف فيه بمجرد التشهي وقوله ليس له يوم القيامة الا النار حكم مرتب على الوصف المناسب وهو الخوض في مال الله ففيه اشعار بالغلبة قوله يتخوضون بالمعجمتين في مال الله بغير حق أي يتصرفون في مال المسلمين بالباطل وهو أعم من أن يكون بالقسمة وبغيرها وبذلك تناسب الترجمة تنبيه قال الكرماني مناسبة حديث خولة للترجمة خفية ويمكن أن تؤخذ من قوله يتخوضون في مال الله بغير حق أي بغير قسمة حق واللفظ وأن كان عاما لكن خصصناه بالقسمة لتفهم منه الترجمة قلت ولا تحتاج إلى قيد الاعتذار لان قوله بغير يدخل في عمومه الصورة المذكورة فيصح الاحتجاج به على شرطية القسمة في أموال الفئ والغنيمة بحكم العدل واتباع ما ورد في الكتاب والسنة وكأن المصنف أراد بإيراده تخويف من يخالف ذلك ويستفاد من هذه الاحاديث أن بين الاسم والمسمى به مناسبة لكن لا يلزم اطراد ذلك وأن من أخذ من الغنائم شيئا بغير قسم الامام كان عاصيا وفيه ردع الولاة أن يأخذوا من المال شيئا بغير حقه أو يمنعوه من أهله قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم أحلت لكم الغنائم كذا للجميع ووقع عندبن التين أحلت لي وهو أشبه لانه ذكر بهذا اللفظ في هذا الباب وهذا الثاني طرف من حديث جابر الماضي في التيمم وقد تقدم بيان ما كان من قبلنا يصنع في الغنيمة قوله وقال الله عزوجل وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها الآية هذه الآية نزلت في أهل الحديبية بالاتفاق ولما انصرفوا من الحديبية فتحوا خيبر كما سيأتي في مكانه قوله فهي للعامة أي الغنيمة لعموم المسلمين ممن قاتل قوله حتى يبينه الرسول أي حتى يبين الرسول من يستحق ذلك ممن لا يستحقه وقد وقع بيان ذلك بقوله تعالى واعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه الآية

[ 154 ]

ثم ذكر فيه ستة أحاديث أحدها حديث عروة البارقي في الخيل وقد تقدم الكلام عليه في ا لجهاد والغرض منه قوله في آخره الاجر والمغنم ثانيها حديث أبي هريرة إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وسيأتي الكلام عليه في علامات النبوة والغرض منه 2952) قوله لتنفقن كنوزهما في سبيل الله وقد أنفقت كنوزهما في المغانم ثالثها حديث جابر بن سمرة مثله وإسحاق هو بن راهويه وجرير هو بن عبد الحميد و عبد الملك هو بن عمير وذكر أبو علي الجياني أنه لم ير إسحاق هذا منسوبا لاحد من الرواة لكن وجدناه بعده في مسند إسحاق بهذا السياق فغلب على الظن أنه المراد رابعها حديث جابر بن عبد الله ذكره مختصرا بلفظ أحلت لي الغنائم وقد تقدم شرحه مستوفى في التيمم خامسها حديث أبي هريرة تكفل الله لمن جاهد في سبيله وقد تقدم شرحه في أوائل الجهاد والغرض منه قوله في آخره من أجر أو غنيمة سادسها حديثه في قصة النبي الذي غزا القرية قوله عن بن المبارك كذا في جميع الروايات لكن قال أبو نعيم في المستخرج أخرجه البخاري عن محمد بن العلاء عن بن المبارك أو غيره وهذا الشك إنما هو من أبي نعيم فقد أخرجه الاسماعيلي عن أبي يعلى عن محمد بن العلاء عن بن المبارك وحده به قوله غزا نبي من الانبياء أي أراد أن يغزو وهذا النبي هو يوشع بن نون كما رواه الحاكم من طريق كعب الاحبار وبين تسمية القرية كما سيأتي وقد ورد أصله من طريق مرفوعة صحيحة أخرجها أحمد من طريق هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشمس لم تحبس لبشر الا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس وأغرب بن بطال فقال في باب استئذان الرجل الامام في هذا المعنى حديث لداود عليه الصلاة والسلام أنه قال في غزوة خرج إليها لا يتبعني من ملك بضع امرأة ولم يبن بها أو بنى دارا ولم يسكنها ولم أقف على ما ذكره مسندا لكن أخرج الخطيب في ذم النجوم له من طريق أبي حذيفة والبخاري في المبتدأ له بإسناد له عن علي قال سأل قوم يوشع منه أن يطلعهم على بدء الخلق وآجالهم فاراهم ذلك في ماء من غمامة أمطرها الله عليهم فكان أحدهم يعلم متى يموت فبقوا على ذلك إلى أن قاتلهم داود على الكفر فاخرجوا إلى داود من لم يحضر أجله فكان يقتل من أصحاب داود ولا يقتل منهم فشكى إلى الله ودعاه فحبست عليهم الشمس فزيد في النهار فاختلطت الزيادة بالليل والنهار فاختلط عليهم حسابهم قلت وإسناده ضعيف جدا وحديث أبي هريرة المشار إليه عند أحمد أولى فإن رجال إسناده محتج بهم في الصحيح فالمعتمد أنها لم تحبس الا ليوشع ولا يعارضه ما ذكره بن إسحاق في المبتدأ من طريق يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه أن الله لما أمر موسى بالمسير ببني إسرائيل أمره أن يحمل تابوت يوسف فلم يدل عليه حتى كاد الفجر أن يطلع وكان وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر فدعا ربه أن يؤخر الطلوع حتى فرغ من أمر يوسف ففعل لان الحصر إنما وقع في حق يوشع بطلوع الشمس فلا ينفي أن يحبس طلوع الفجر لغيره وقد اشتهر حبس الشمس ليوشع حتى قال أبو تمام فقصيدة فوالله لا أدري أحلام نائم ألمت بنا أم كان في الركب يوشع ولا يعارضه أيضا ما ذكره يونس بن بكير في زياداته في مغازي بن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما

[ 155 ]

أخبر قريشا صبيحة الاسراء أنه رأى العير التي لهم وإنها تقدم مع شروق الشمس فدعا الله فحبست الشمس حتى دخلت العير وهذا منقطع لكن وقع في الاوسط للطبراني من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار وإسناده حسن ووجه الجمع أن الحصر محمول على ما مضى للانبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم فلم تحبس الشمس الا ليوشع وليس فيه نفي أنها تحبس بعد ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم وروى الطحاوي والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أسماء بنت عميس أنه صلى الله عليه وسلم دعا لما نام على ركبة علي ففاتته صلاة العصر فردت الشمس حتى صلى علي ثم غربت وهذا أبلغ في المعجزة وقد أخطأ بن الجوزي بإيراده له في الموضوعات وكذا بن تيمية في كتاب الرد على الروافض في زعم وضعه والله أعلم وأما ما حكى عياض أن الشمس ردت للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق لما شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فردها الله عليه حتى صلى العصر كذا قال وعزاه للطحاوي والذي رأيته في مشكل الآثار للطحاوي ما قدمت ذكره من حديث أسماء فإن ثبت ما قال فهذه قصة ثالثة والله أعلم وجاء أيضا أنها حبست لموسى لما حمل تابوت يوسف كما تقدم قريبا وجاء أيضا أنها حبست لسليمان بن داود عليهما السلام وهو فيما ذكره الثعلبي ثم البغوي عن بن عباس قال قال لي علي ما بلغك في قول الله تعالى حكاية عن سليمان عليه الصلاة والسلام ردوها علي فقلت قال لي كعب كانت أربعة عشر فرسا عرضها فغابت الشمس قبل أن يصلي العصر فأمر بردها فضرب سوقها وأعناقها بالسيف فقتلها فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوما لانه ظلم الخيل بقتلها فقال علي كذب كعب وإنما أراد سليمان جهاد عدوه فتشاغل بعرض الخيل حتى غابت الشمس فقال للملائكة الموكلين بالشمس باذن الله لهم ردوها علي فردوها عليه حتى صلى العصر في وقتها وان أنبياء الله لا يظلمون ولا يامرون بالظلم قلت أورد هذا الاثر جماعة ساكتين عليه جازمين بقولهم قال ابن عباس قلت لعلي وهذا لا يثبت عن ابن عباس ولا عن غيره والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة ومن بعدهم ان الضمير المؤنث في قوله ردوها للخيل والله اعلم قوله بضع امرأة بضم الموحدة وسكون المعجمة البضع يطلق على الفرج والتزويج والجماع والمعاني الثلاثة لائقة هنا ويطلق أيضا على المهر وعلى الطلاق وقال الجوهري قال بن السكيت البضع النكاح يقال ملك فلان بضع فلانة قوله ولما يبن بها أي ولم يدخل عليها لكن التعبير بلما يشعر بتوقع ذلك قاله الزمخشري في قوله تعالى ولما يدخل الايمان في قلوبكم ووقع في رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عند النسائي وابن عوانة وابن حبان لا ينبغي لرجل بنى دارا ولم يسكنها أو تزوج امرأة ولم يدخل بها وفي التقييد بعدم الدخول ما يفهم أن الامر بعد الدخول بخلاف ذلك فلا يخفى فرق بين الامرين وأن كان بعد الدخول ربما استمر تعلق القلب لكن ليس هو كما قبل الدخول غالبا قوله ولم يرفع سقوفها في صحيح مسلم ومسند أحمد ولما يرفع سقفها وهو بضم القاف والفاء لتوافق هذه الرواية ووهم من ضبط بالاسكان وتكلف في توجيه الضمير المؤنث للسقف قوله أو خلفات بفتح المعجمة وكسر اللام بعدها فاء خفيفة جمع خلفة وهي الحامل من النوق وقد يطلق على غير النوق وأو في قوله غنما أو خلفات للتنويع ويكون قد حذف وصف الغنم بالحمل لدلالة الثاني عليه أو هو على إطلاقه لان الغنم يقل صبرها فيخشى عليها

[ 156 ]

الضياع بخلاف النوق فلا يخشى عليها الا مع الحمل ويحتمل أن يكون قوله أو للشك أي هل قال غنما بغير صفة أو خلفات أي بصفة أنها حوامل كذا قال بعض الشراح والمعتمد أنها للتنويع فقد وقع في رواية أبي يعلى عن محمد بن العلاء ولا رجل له غنم أو بقر أو خلفات قوله وهو ينتظر ولادها بكسر الواو وهو مصدر ولد ولادا وولادة قوله فغزا أي بمن تبعه ممن لم يتصف بتلك الصفة قوله فدنا من القرية هي أريحا بفتح الهمزة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ومهملة مع القصر سماها الحاكم في روايته عن كعب وفي رواية مسلم فأدنى للقرية أي قرب جيوشه لها قوله فقال للشمس انك مأمورة في رواية سعيد بن المسيب فلقي العدو عند غيبوبة الشمس وبين الحاكم في روايته عن كعب سبب ذلك فإنه قال أنه وصل إلى القرية وقت عصر يوم الجمعة فكادت الشمس أن تغرب ويدخل الليل وبهذا يتبين معنى قوله وأنا مأمور والفرق بين المأمورين أن أمر الجمادات أمر تسخير وأمر العقلاء أمر تكليف وخطابه للشمس يحتمل أن يكون على حقيقته وأن الله تعالى خلق فيها تمييزا وادراكا كما سيأتي البحث فيه في الفتن في سجودها تحت العرش واستئذانها من أن تطلع ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل استحضاره في النفس لما تقرر أنه لا يمكن تحولها عن عادتها الا بخرق العادة وهو نحو قول الشاعر شكى إلي جملي طول السرى ومن ثم قال اللهم احبسها ويؤيد الاحتمال الثاني أن فرواية سعيد بن المسيب فقال اللهم أنها مأمورة وإني مأمور فاحبسها علي حتى تقضي بيني وبينهم فحبسها الله عليه قوله اللهم احبسها علينا في رواية أحمد اللهم احبسها علي شيئا وهو منصوب نصب المصدر أي قدر ما تنقضي حاجتنا من فتح البلد قال عياض اختلف في حبس الشمس هنا فقيل ردت على ادراجها وقيل وقفت وقيل بطئت حركتها وكل ذلك محتمل والثالث أرجح عند بن بطال وغيره ووقع في ترجمة هارون بن يوسف الرمادي أن ذلك كان في رابع عشرى حزيران وحينئذ يكون النهار في غاية الطول قوله فحبست حتى فتح الله عليه في رواية أبي يعلى فواقع القوم فظفر قوله فجمع الغنائم فجاءت يعني النار في رواية عبد الرزاق عند أحمد ومسلم فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار زاد في رواية سعيد بن المسيب وكانوا إذا غنموا غنيمة بعث الله عليها النار فتأكلها قوله فلم تطعمها أي لم تذق لها طعما وهو بطريق المبالغة قوله فقال أن فيكم غلولا هو السرقة من الغنيمة كما تقدم قوله فليبايعني من كل قبيلة رجل فلزقت فيه حذف يظهر من سياق الكلام أي فبايعوه فلزقت قوله فلزقت يد رجلين أو ثلاثة في رواية أبي يعلى فلزقت يد رجل أو رجلين وفي رواية سعيد بن المسيب رجلان بالجزم قال بن المنير جعل الله علامة الغلول إلزاق يد الغال وفيه تنبيه على أنها يد عليها حق يطلب أن يتخلص منه أو أنها يد ينبغي أن يضرب عليها ويحبس صاحبها حتى يؤدي الحق إلى الامام وهو من جنس شهادة اليد على صاحبها يوم القيامة قوله فيكم الغلول زاد في رواية سعيد بن المسيب فقالا أجل غللنا قوله فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها فجاءت النار فآكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم في رواية النسائي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك أن الله أطعمنا الغنائم رحمة رحمناها وتخفيفا خففه عنا قوله رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا في رواية سعيد بن المسيب لما رأى من ضعفنا وفيه اشعار بان إظهار العجز بين يدي الله تعالى يستوجب ثبوت الفضل وفيه اختصاص هذه الامة بحل الغنيمة وكان ابتداء ذلك

[ 157 ]

من غزوة بدر وفيها نزل قوله تعالى فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فأحل الله لهم الغنيمة وقد ثبت ذلك في الصحيح من حديث بن عباس وقد قدمت في أوائل فرض الخمس أن أول غنيمة خمست غنيمة السرية التي خرج فيها عبد الله بن جحش وذلك قبل بدر بشهرين ويمكن الجمع بما ذكر بن سعد أنه صلى الله عليه وسلم أخر غنيمة تلك السرية حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم بدر قال المهلب في هذا الحديث أن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع ومحبة البقاء لان من ملك بضع امرأة ولم يدخل بها أو دخل بها وكان على قرب من ذلك فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها ويجد الشيطان السبيل إلى شغل قلبه عما هو عليه من الطاعة وكذلك غير المرأة من أحوال الدنيا وهو كما قال لكن تقدم ما يعكر على الحاقه بما بعد الدخول وأن لم يطل بما قبله ويدل على التعميم في الامور الدنيوية ما وقع في رواية سعيد بن المسيب من الزيادة أو له حاجة في الرجوع وفيه أن الامور المهمة لا ينبغي أن تفوض الا لحازم فارغ البال لها لان من له تعلق ربما ضعفت عزيمته وقلت رغبته في الطاعة والقلب إذا تفرق ضعف فعل الجوارح وإذا اجتمع قوي وفيه أن من مضى كانوا يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وأسلابهم لكن لا يتصرفون فيها بل يجمعونها وعلامة قبول غزوهم ذلك أن تنزل النار من السماء فتأكلها وعلامة عدم قبوله أن لا تنزل ومن أسباب عدم القبول أن يقع فيهم الغلول وقد من الله على هذه الامة ورحمها لشرف نبيها عنده فأحل لهم الغنيمة وستر عليهم الغلول فطوى عنهم فضيحة أمر عدم القبول فلله الحمد على نعمه تترى ودخل في عموم أكل النار الغنيمة والسبي وفيه بعد لان مقتضاه اهلاك الذرية ومن لم يقاتل من النساء ويمكن أن يستثنوا من ذلك ويلزم استثناؤهم من تحريم الغنائم عليهم ويؤيده إنهم كانت لهم عبيد واماء فلو لم يجز لهم السبي لما كان لهم ارقاء ويشكل على الحصر أنه كان السارق يسترق كما في قصة يوسف ولم أر من صرح بذلك وفيه معاقبة الجماعة بفعل سفهائها وفيه أن أحكام الانبياء قد تكون بحسب الامر الباطن كما في هذه القصة وقد تكون بحسب الامر الظاهر كما في حديث إنكم تختصمون إلي الحديث واستدل به بن بطال على جواز احراق أموال المشركين وتعقب بأن ذلك كان في تلك الشريعة وقد نسخ بحل الغنائم لهذه الامة وأجيب عنه بأنه لا يخفى عليه ذلك ولكنه استنبط من احراق الغنيمة بأكل النار جواز احراق أموات الكفار إذا لم يوجد السبيل إلى أخذها غنيمة وهو ظاهر لان هذا القدر لم يرد التصريح بنسخه فهو محتمل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخه واستدل به أيضا على أن قتال آخر النهار أفضل من أوله وفيه نظر لان ذلك في هذه القصة إنما وقع اتفاقا كما تقدم نعم في قصة النعمان بن مقرن مع المغيرة بن شعبة في قتال الفرس التصريح باستحباب القتال حين تزول الشمس وتهب الرياح فالاستدلال به يغنى عن هذا قوله باب بالتنوين الغنيمة لمن شهد الوقعة هذا لفظ أثر أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب أن عمر كتب إلى عمار أن الغنيمة لمن شهد الوقعة ذكره في قصة قوله حدثنا صدقة هو بن الفضل وقد تقدم هذا الحديث سندا ومتنا في المزارعة ووجه أخذه من الترجمة أن عمر في هذا الحديث أيضا قد صرح بما دل عليه هذا الاثر الا أنه عارض عنده حسن النظر لآخر المسلمين فيما يتعلق بالارض خاصة فوقفها على المسلمين وضرب عليها الخراج الذي يجمع مصلحتهم وتأول قوله تعالى والذين جاءوا من بعدهم الآية وروى أبو عبيد

[ 158 ]

في كتاب الاموال من طريق بن إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر أنه أراد أن يقسم السواد فشاور في ذلك فقال له علي دعهم يكونوا مادة للمسلمين فتركهم ومن طريق عبد الله بن أبي قيس أن عمر أراد قسمة الارض فقال له معاذ أن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم يبتدرون فيصير إلى الرجل الواحد أو المرأة ويأتي القوم يسدون من الاسلام مسدا فلا يجدون شيئا فأنظر أمرا يسع أولهم وآخرهم فاقتضى رأى عمر تأخير قسم الارض وضرب الخراج عليها للغانمين ولمن يجئ بعدهم فبقي ما عدا ذلك على اختصاص الغانمين به وبه قال الجمهور وذهب أبو حنيفة إلى أن الجيش إذا فصلوا من دار الاسلام مددا لجيش آخر فوافوهم بعد الفتح إنهم يشتركون معهم في الغنيمة واحتج بما قسم صلى الله عليه وسلم للاشعريين لما قدموا مع جعفر من خيبر وبما قسم النبي صلى الله عليه وسلم لمن لم يحضر الوقعة كعثمان في بدر ونحو ذلك فأما قصة الاشعريين فسيأتي سياقها في غزوة خيبر والجواب عنها سيأتي بعد أبواب وأما الجواب عن مثل قصة عثمان فأجاب الجمهور عنها بأجوبة أحدها أن ذلك خاص به لا بمن كان مثله ثانيها أن ذلك حيث كانت الغنيمة كلها للنبي صلى الله عليه وسلم عند نزول يسألونك عن الانفال ثم نزلت بعد ذلك واعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول فصارت أربعة اخماس الغنيمة للغانمين ثالثها على تقدير أن يكون ذلك بعد فرض الخمس فهو محمول على أنه إعطاء من الخمس وإلى ذلك جنح المصنف كما سيأتي رابعها التفرقة بين من كان في حاجة تتعلق بمنفعة الجيش أو بإذن الامام فيسهم له بخلاف غيره وهذا مشهور مذهب مالك وقال بن بطال لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم في غير من شهد الوقعة الا في خيبر فهي مستثناة من ذلك فلا يجعل أصلا يقاس عليه فإنه قسم لاصحاب السفينة لشدة حاجتهم ولذلك أعطى الانصار عوض ما كانوا أعطوا المهاجرين أول ما قدموا عليهم قال الطحاوي ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم استطاب أنفس أهل الغنيمة بما أعطى الاشعريين وغيرهم وهذا كله في الغنيمة المنقولة وقد تقدم في المزارعة بيان الاختلاف في الارض التي يملكها المسلمون عنوة قال بن المنذر ذهب الشافعي إلى أن عمر استطاب أنفس الغانمين الذين افتتحوا أرض السواد وأن الحكم في أرض العنوة أن تقسم كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر وتعقب بأنه مخالف لتعليل عمر بقوله لولا آخر المسلمين لكن يمكن أن يقال معناه لولا آخر المسلمين ما استطبت أنفس الغانمين وأما قول عمر كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فإنه يريد بعض خيبر لا جميعها قاله الطحاوي وأشار إلى ما روي عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم خيبر عزل نصفها لنوائبه وما ينزل به وقسم النصف الباقي بين المسلمين فلم يكن لهم عمال فدفعوها إلى اليهود ليعملوها على نصف ما يخرج منها الحديث والمراد بالذي عزله ما افتتح صلحا وبالذي قسمه ما افتتح عنوة وسيأتي بيان ذلك بأدلته في المغازي إن شاء الله تعالى قال بن المنير ترجم البخاري بأن الغنيمة لمن شهد الوقعة وأخرج قول عمر المقتضي لوقف الارض المغنومة وهذا ضد ما ترجم به ثم أجاب بأن المطابق لترجمته قول عمر كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فأومأ البخاري إلى ترجيح القسمة الناجزة والحجة فيه أن الآتي الذي لم يوجد بعد لا يستحق شيئا من الغنيمة الحاضرة بدليل أن الذي يغيب عن الوقعة لا يستحق شيئا بطريق الاولى قلت ويحتمل أن يكون البخاري أراد التوفيق بين ما جاء عن عمر أن الغنيمة لمن شهد الوقعة وبين

[ 159 ]

ما جاء عنه أنه يرى أن توقف الارض بحمل الاول على أن عمومه مخصوص بغير الارض قال بن المنير وجه احتجاج عمر بقوله تعالى والذين جاءوا من بعدهم أن الواو عاطفة فيحصل اشتراك من ذكر في الاستحقاق والجملة في قوله تعالى يقولون في موضع الحال فهي كالشرط للاستحقاق والمعنى إنهم يستحقون في حال الاستغفار ولو أعربناها استئنافية للزم أن كل من جاء بعدهم يكون مستغفرا لهم والواقع بخلافه فتعين الاول واختلف في الارض التي أبقاها عمر بغير قسمة فذهب الجمهور إلى أنه وقفها لنوائب المسلمين وأجرى فيها الخراج ومنع بيعها وقال بعض الكوفيين ابقاها ملكا لمن كان بها من الكفرة وضرب عليهم الخراج وقد أشتد نكير كثير من فقهاء أهل الحديث على هذه المقالة ولبسطها موضع غير هذا والله أعلم قوله باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره ذكر فيه حديث أبي موسى قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم الرجل يقاتل للمغنم الحديث وقد تقدم شرحه في أثناء الجهاد قال بن المنير أراد البخاري أن قصد الغنيمة لا يكون منافيا للاجر ولا منقصا إذا قصد معه اعلاء كلمة الله لان السبب لا يستلزم الحصر ولهذا يثبت الحكم الواحد بأسباب متعددة ولو كان قصد الغنيمة ينافي قصد الاعلاء لما جاء الجواب عاما ولقال مثلا من قاتل للمغنم فليس هو في سبيل الله قلت وما ادعى أن مراد البخاري فيه بعد والذي يظهر أن النقص من الاجر أمر نسبي كما تقدم تحرير ذلك في أوائل الجهاد فليس من قصد اعلاء كلمة الله محضا في الاجر مثل من ضم إلى هذا القصد قصدا آخر من غنيمة أو غيرها وقال بن المنير في موضع أخر ظاهر الحديث أن من قاتل للمغنم يعني خاصة فليس في سبيل الله وهذا لا أجرا له البتة فكيف يترجم بنقص الاجر وجوابه ما قدمته قوله باب قسمة الامام ما يقدم عليه أي من جهة أهل الحرب قوله ويخبأ لمن لم يحضره أي في مجلس القسمة أو غاب عنه أي في غير بلد القسمة قال بن المنير فيه رد لما اشتهر بين الناس أن الهدية لم ن حضر قلت قد سبق الكلام في الهبة على شئ من ذلك قوله عن عبد الله بن أبي ملكة أن النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو المعتمد أنه من هذا الوجه مرسل ووقع في رواية الاصيلي عن بن أبي مليكة عن المسور وهو وهم ويدل عليه أن المصنف قال في آخره رواه بن علية عن أيوب أي مثل الرواية الاولى قال وقال حاتم بن وردان عن أيوب عن بن أبي مليكة عن المسور وتابعه الليث عن بن أبي مليكة فاتفق اثنان عن أيوب على إرساله ووصله ثالث عن أيوب ووافقه آخر عن شيخهم واعتمد البخاري الموصول لحفظ من وصله ورواية إسماعيل بن علية تأتي موصولة في الادب ورواية حاتم بن وردان تقدمت موصولة في الشهادات ورواية الليث تقدمت موصولة في الهبة وسيأتي شرح الحديث في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى والغرض منه قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت له أقبية وقوله فيه خبأت لك هذا وهو مطابق لما ترجم له قال بن بطال ما أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين فحلال له أخذه لانه فئ وله أن يهب منه ما شاء ويؤثر به من شاء كالفئ وأما من بعده فيجوز له أن يختص به لانه إنما أهدى إليه لكونه أميرهم وقد مضى ما يتعلق بذلك في كتاب الهبة قوله باب كيف قسم النبي صلى الله عليه وسلم قريظة والنضير وما أعطى من ذلك من نوائبه ذكر فيه حديث أنس كان الرجل يجعل

[ 160 ]

للنبي صلى الله عليه وسلم النخلات حتى افتتح قريظة والنضير وهو مختصر من حديث سيأتي بتمامه مع بيان الكيفية المترجم بها في المغازي وتقدم التنبيه عليه في أواخر الهبة ومحصل القصة أن أرض بني النضير كانت مما أفاء الله على رسوله وكانت له خالصة لكنه آثر بها المهاجرين وأمرهم أن يعيدوا إلى الانصار ما كانوا واسوهم به لما قدموا عليهم المدينة ولا شئ لهم فا ستغنى الفريقان جميعا بذلك ثم فتحت قريظة لما نقضوا العهد فحوصروا فنزلوا على حكم سعد بن معاذ وقسمها النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه وأعطى من نصيبه في نوائبه اي في نفقات أهله ومن يطرأ عليه ويجعل الباقي في السلاح وللكراع عدة في سبيل الله كما ثبت في الصحيحين من حديث مالك بن أوس عن عمر في بعض طرقه مختصرا (قوله باب بركة الغازي في ماله) هو بالموحدة من البركة وصحفها بعضهم فقال تركة بالمثناة قال عياض وهي وان كانت متجهة باعتبار أن في القصة ذكر ما خلفه الزبير لكن قوله حيا وميتا مع النبي صلى الله عليه وسلم وولاة الامر يدل على أن الصواب ما وقع عند الجمهور بالموحدة وقصة الزبير بن العوام في دينه وما جرى لابنه عبد الله في وفاته من الاحاديث المذكورة في غير مظنتها والذي يدخل في المرفوع منه قول بن الزبير وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئا الا أن يكون في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا القدر هو المطابق للترجمة وما عدا ذلك كله موقوف وقد ذكروه في مسند الزبير والاولى أن يذكر في مسند عبد الله بن الزبير الا أن يحمل على أنه تلقى ذلك عن أبيه ومع ذلك فلا بد من ذكره في حديث عبد الله بن الزبير لان أكثره موقوف عليه وقد روى الترمذي من وجه آخر عن هشام بن عروة عن أبيه قال أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله يوم الجمل وقال ما مني عضو الا وقد خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله قلت لابي أسامة أحدثكم هشام بن عروة الخ لم يقل في آخره نعم وهو ثابت في مسند إسحاق بن راهويه بهذا الاسناد ولم أر هذا الحديث بتمامه الا من طريق أبي أسامة وقد ساقه أبو ذر الهروي في روايته من وجه آخر عنه عاليا فقال حدثنا أبو إسحاق المستملي حدثنا محمد بن عبيد حدثنا جويرية بن محمد حدثنا أبو أسامة ووقفت على قطع منه من رواية علي بن مسهر وغيرها سأبينها إن شاء الله تعالى قوله لما وقف الزبير يوم الجمل يريد الوقعة المشهورة التي كانت بين علي بن أبي طالب ومن معه وبين عائشة رضي الله عنها ومن معها ومن جملتهم الزبير ونسبت الوقعة إلى الجمل لان يعلى بن أمية الصحابي المشهور كان معهم فأركب عائشة على جمل عظيم اشتراه بمائة دينار وقيل ثمانين وقيل أكثر من ذلك فوقفت به في الصف فلم يزل الذين معها يقاتلون حول الجمل حتى عقر الجمل فوقعت عليهم الهزيمة هذا ملخص القصة وسيأتي الالمام بشئ من سببها في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى وكان ذلك في جمادى الاولى أو الآخرة سنة ست وثلاثين قوله لا يقتل اليوم الا ظالم أو مظلوم قال بن بطال معناه ظالم عند خصمه مظلوم عند نفسه لان كلا من الفريقين كان يتأول أنه على الصواب وقال بن التين معناه إنهم أما صحابي متأول فهو مظلوم وأما غير صحابي قاتل لاجل الدنيا فهو ظالم وقال الكرماني أن قيل جميع الحروب كذلك فالجواب أنها أول حرب وقعت بين المسلمين قلت ويحتمل أن تكون أو للشك من الراوي وأن الزبير إنما قال أحد اللفظين أو للتنويع والمعنى لا يقتل اليوم الا ظالم بمعنى أنه ظن أن الله يعجل للظالم منهم العقوبة أو لا يقتل اليوم الا مظلوم بمعنى أنه ظن أن الله يعجل له الشهادة وظن

[ 161 ]

على التقديرين أنه يقتل مظلوما أما لاعتقاده أنه كان مصيبا وأما لانه كان سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ما سمع علي وهو قوله لما جاءه قاتل الزبير بشر قاتل بن صفية بالنار ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أحمد وغيره من طريق زر بن حبيش عن علي بإسناد صحيح ووقع عند الحاكم من طريق عثام بن علي عن هشام بن عروة في هذا الحديث مختصرا قال والله لئن قتلت لاقتلن مظلوما والله ما فعلت وما فعلت يعني شيئا من المعاصي قوله وإني لا أراني بضم الهمزة من الظن ويجوز فتحها بمعنى الاعتقاد وظنه أنه سيقتل مظلوما قد تحقق لانه قتل غدرا بعد أن ذكره علي فانصرف عن القتال فنام بمكان ففتك به رجل من بني تميم يسمى عمرو بن جرموز بضم الجيم والميم بينهما راء ساكنة وآخره زاي فروى بن أبي خيثمة في تاريخه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى قال أنا لمع علي لما التقي الصفان فقال أين الزبير فجاء الزبير فجعلنا ننظر إلى يد علي يشير بها إذ ولي الزبير قبل أن يقع القتال وروى الحاكم من طرق متعددة أن عليا ذكر الزبير بان النبي صلى الله عليه وسلم قال له لتقاتلن عليا وأنت ظالم له فرجع لذلك وروى يعقوب بن سفيان وخليفة في تاريخهما من طريق عمرو بن جاوان بالجيم قال فانطلق الزبير منصرفا فقتله عمرو بن جرموز بوادي السباع قوله وأن من أكبر همي لديني في رواية عثام انظر يا بني ديني فإني لا أدع شيئا أهم إلي منه قوله وأوصى بالثلث أي ثلث ماله وثلثه أي ثلث الثلث وقد فسره في الخبر قوله فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين فثلثه لولدك قال المهلب معناه ثلث ذلك الفضل الذي أوصى به من الثلث لبنيه كذا قال وهو كلام معروف من خارج لكنه لا يوضح اللفظ الوارد وضبط بعضهم قول فثلثه لولدك بتشديد اللام بصيغة الامر من التثليث وهو أقرب قوله قال هشام هو بن عروة راوي الخبر وهو متصل بالاسناد المذكور قوله وكان بعض ولد عبد الله أي بن الزبير قد وازى بالزاي أي ساوى وفيه استعمال وازى بالواو خلافا للجوهري فإنه قال يقال آزى بالهمز ولا يقال وازى والمراد أنه ساواهم في السن قال بن بطال يحتمل أنه ساوى بنو عبد الله في انصبائهم من الوصية أولاد الزبير في انصبائهم من الميراث قال وهذا أولى وإلا لم يكن لذكر كثرة أولاد الزبير معنى قلت وفيه نظر لانه في تلك الحالة لم يظهر مقدار المال الموروث ولا الموصى به وأما قوله لا يكون له معنى فليس كذلك لان المراد أنه إنما خص أولاد عبد الله دون غيرهم لانهم كبروا وتأهلوا حتى ساووا أعمامهم في ذلك فجعل لهم نصيبا من المال ليتوفر على أبيهم حصته وقوله خبيب بالمعجمة والموحدتين مصغر وهو أكبر ولد عبد الله بن الزبير وبه كان يكنيه من لا يريد تعظيمه لانه كنى في الاول بكنية جده لامه أبي بكر وقوله خبيب وعباد بالرفع أي هم خبيب وعباد وغيرهما واقتصر عليهما كالمثال وإلا ففي أولاده أيضا من ساوى بعض ولد الزبير في السن ويجوز جره على أنه بيان للبعض وقوله وله أي للزبير وأغرب الكرماني فجعله ضميرا لعبد الله فلا يغتر به وقوله تسعة بنين وتسع بنات فأما أولاد عبد الله إذ ذاك فهم خبيب وعباد وقد ذكرا وهاشم وثابت وأما سائر ولده فولدوا بعد ذلك وأما أولاد الزبير فالتسعة الذكور هم عبد الله وعروة والمنذر أمهم أسماء بنت أبي بكر وعمرو وخالد أمهما أم خالد بنت خالد بن سعيد ومصعب وحمزة أمهما الرباب بنت أنيف وعبيدة وجعفر أمهما زينب بنت بشر وسائر ولد الزبير غير هؤلاء ماتوا قبله والتسع الاناث هن خديجة الكبرى وأم الحسن وعائشة امهن أسماء بنت أبي بكر وحبيبة وسودة وهند امهن أم خالد ورملة

[ 162 ]

أمها الرباب وحفصة أمها زينب وزينب أمها أم كلثوم بنت عقبة قوله الا أرضين منها الغابة كذا فيه وصوابه منهما بالتثنية والغابة بالغين المعجمة والموحدة الخفيفة أرض عظيم شهيرة من عوالي المدينة قوله ودارا بمصر استدل به على أن مصر فتحت صلحا وفيه نظر لانه لا يلزم من قولنا فتحت عنوة امتناع بناء أحد الغانمين ولا غيرهم فيها قوله لا ولكنه سلف أي ما كان يقبض من أحد وديعة الا أن رضي صاحبها أن يجعلها في ذمته وكان غرضه بذلك أنه كان يخشى على المال أن يضيع فيظن به التقصير في حفظه فرأى أن يجعله مضمونا فيكون أوثق لصاحب المال وأبقى لمروءته زاد بن بطال وليطيب له ربح ذلك المال قلت وروى الزبير بن بكار من طريق هشام بن عروة أن كلا من عثمان و عبد الرحمن بن عوف ومطيع بن الاسود وأبي العاص بن الربيع و عبد الله بن مسعود والمقداد بن عمرو أوصى إلى الزبير بن العوام قوله وما ولي خراجا قط الخ أي أن كثرة ماله ما حصلت من هذه الجهات المقتضية لظن السوء باصحابها بل كان كسبه من الغنيمة ونحوها وقد روى الزبير بن بكار بإسناده أن الزبير كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج وروى يعقوب بن سفيان مثله من وجه آخر قوله قال عبد الله بن الزبير هو متصل بالاسناد المذكور وقوله فحسبت بفتح السين المهملة من الحساب قوله فلقي حكيم بن حزام بالرفع على الفاعلية و عبد الله بالنصب على المفعولية قال بن بطال إنما قال له مائة ألف وكتم الباقي لئلا يستعظم حكيم ما استدان به الزبير فيظن به عدم الحزم وبعبد الله عدم الوفاء بذلك فينظر إليه بعين الاحتياج إليه فلما استعظم حكيم أمر مائة ألف أحتاج عبد الله أن يذكر له الجميع ويعرفه أنه قادر على وفائه وكان حكيم بن حزام بن عم الزبير بن العوام قال بن بطال ليس في قوله مائة ألف وكتمانه الزائد كذب لانه أخبر ببعض ما عليه وهو صادق قلت لكن من يعتبر مفهوم العدد يراه اخبارا بغير الواقع ولهذا قال بن التين في قوله فإن عجزتم عن شئ فاستعينوا بي مع قوله في الاول ما أراكم تطيقون هذا بعض التجوز وكذا في كتمان عبد الله بن الزبير ما كان على أبيه وقد روى يعقوب بن سفيان من طريق عبد الله بن المبارك أن حكيم بن حزام بذل لعبد الله بن الزبير مائة ألف إعانة له على وفاء دين أبيه فامتنع فبذل له مائتي ألف فامتنع إلى أربعمائة ألف ثم قال لم أرد منك هذا ولكن تنطلق معي إلى عبد الله بن جعفر فانطلق معه وبعبد الله بن عمر يستشفع بهم عليه فلما دخلوا عليه قال أجئت بهؤلاء تستشفع بهم علي هي لك قال لا أريد ذلك قال فأعطني بها نعليك هاتين أو نحوها قال لا أريد قال فهي عليك إلى يوم القيامة قال لا قال فحكمك قال أعطيك بها أرضا فقال نعم فأعطاه قال فرغب معاوية فيها فاشتراها منه بأكثر من ذلك قوله وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف فباعها عبد الله أي بن الزبير بألف ألف وستمائة ألف كأنه قسمها ستة عشر سهما لانه قال بعد ذلك لمعاوية أنها قومت كل سهم بمائة ألف قوله فأتاه عبد الله بن جعفر أي بن أبي طالب قوله وقال عبد الله أي بن الزبير قوله فباع منها أي من الغابة والدور لا من الغابة وحدها لانه تقدم أن الدين ألف ألف ومائتا ألف وأنه باع الغابة بألف ألف وستمائة ألف وقد جاء من وجه آخر أنه باع نصيب الزبير من الغابة لعبد الله بن جعفر في دينه فذكر الزبير بن بكار في ترجمة حكيم بن حزام عن عمه

[ 163 ]

مصعب بن عبد الله بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال سمعت أبي يقول قال عبد الله بن الزبير قتل أبي وترك دينا كثيرا فأتيت حكيم بن حزام استعين برأيه وأستشيره فذكر قصة وفيها فقال بن أخي ذكرت دين أبيك فإن كان ترك مائة ألف فنصفها على قلت أكثر من ذلك إلى أن قال لله أنت كم ترك أبوك قال فذكرت له أنه ترك الفي ألف قال ما أراد أبوك الا أن يدعنا عالة قلت فإنه ترك وفاء وإنما جئت استشيرك فيها بسبعمائة ألف لعبد الله بن جعفر وله شرك في الغابة فقال أذهب فقاسمه فإن سألك البيع قبل القسمة فلا تبعه ثم اعرض عليه فإن رغب فبعه قال فجئت فجعل أمر القسمة إلى فقسمتها وقلت اشتر مني أن شئت فقال قد كان لي دين وقد أخذتها منك به قال قلت هي لك فبعث معاوية فاشتراها كلها منه بألفي ألف ويمكن الجمع بإطلاق الكل على المعظم فقد تقدم أنه كان بقي منها بغير بيع أربعة أسهم ونصف بأربعمائة ألف وخمسين ألفا فيكون الحاصل من ثمنها إذ ذاك ألف ألف ومائه ألف وخمسين ألفا خاصة فيبقى من الدين ألف ألف وخمسون ألفا وكأنه باع بها شيئا من الدور وقد وقع عند أبي نعيم في المستخرج من طريق علي بن مسهر عن هشام بن عروة قال توفي الزبير وترك عليه من الدين الفي ألف فضمنها عبد الله بن الزبير فأداها ولم تقع في التركة داره التي بمكة ولا التي بالكوفة ولا التي بمصر هكذا أورده مختصرا فأفاد أنه كان له دار بمكة ولم يقع ذكرها في الحديث الطويل ويستفاد منه ما أولته لانه تقدم أنه كان له إحدى عشرة دارا بالمدينة وداران بالبصرة غير ما ذكر وروى أبو العباس السراج في تاريخه حدثنا أحمد بن أبي السفر حدثنا أبو أسامة بسنده المذكور قال لما قدم يعني عبد الله بن الزبير مكة فاستقر عنده أي ثبت قتل الزبير نظر فيما عليه من الدين فجاءه عبد الله بن جعفر فقال أنه كان لي على أخي شئ ولا أحسبه ترك به وفاء أفتحب أن أجعله في حل فقال له بن الزبير وكم هو قال أربعمائة ألف قال فإنه ترك بها وفاء بحمد الله قوله فقدم على معاوية أي في خلافته وهذا فيه نظر لانه ذكر أنه أخر القسمة أربع سنين استبراء للدين كما سيأتي فيكون آخر الاربع سنة أربعين وذلك قبل أن يجتمع الناس على معاوية فلعل هذا القدر من الغابة كان بن الزبير أخذه من حصته أو من نصيب أولاده ويؤيده أن في سياق القصة ما يؤخذ منه أن هذا القدر دار بينهم بعد وفاء الدين ولا يمنعه قوله بعد ذلك فلما فرغ عبد الله من قضاء الدين لانه يحمل على أن قصة وفادته على معاوية كانت بعد وفاء الدين وما اتصل به من تأخر القسمة بين الورثة لاستبراء بقية من له دين ثم وفد بعد ذلك وبهذا يندفع الاشكال المتقدم وتكون وفادته على معاوية في خلافته جزما والله أعلم قوله وقال بن زمعة هو عبد الله قد أخذت سهما مائة ألف هو بنصب مائة على نزع الخافض قوله فباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية أي بعد ذلك بستمائة ألف أي فربح مائتي ألف قوله وكان للزبير أربع نسوة أي مات عنه وهن أم خالد والرباب وزينب المذكورات قبل وعاتكة بنت زيد أخت سعيد بن زيدأحد العشرة وأما أسماء وأم كلثوم فكان طلقهما وقيل أعاد أسماء وطلق عاتكة فقتل وهي في عدتها منه فصولحت كما سيأتي قوله ورفع الثلث أي الموصى به قوله فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف هذا يقتضي أن الثمن كان أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف قوله فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف في رواية أبي نعيم من طريق أبي مسعود الراوي عن أبي أسامة أن ميراث الزبير قسم على خمسين ألف ألف ومائتي ألف ونيف زاد على رواية

[ 164 ]

إسحاق ونيف وفيه نظر لانه إذا كان لكل زوجة ألف ألف ومائتا ألف فنصيب الاربع أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف وهذا هو الثمن ويرتفع من ضربه في ثمانية ثمانية وثلاثون ألف ألف وأربعمائة ألف وهذا القدر هو الثلثان فإذا ضم إليه الثلث الموصى به وهو قدر نصف الثلثين وجملته تسعة عشر ألف ألف ومائتا ألف كان جملة ماله على هذا سبعة وخمسين ألف ألف وستمائة ألف وقد نبه على ذلك قديما بن بطال ولم يجب عنه لكنه وهم فقال وتسعمائة ألف وتعقبه بن المنير فقال الصواب وستمائة ألف وهو كما قال بن التين نقص عن التحرير سبعة آلاف ألف وأربعمائة ألف يعني خارجا عن قدر الدين وهو كما قال وهذا تفاوت شديد في الحساب وقد ساق البلاذري في تاريخه هذا الحديث عن الحسين بن علي بن الاسود عن أبي أسامة بسنده فقال فيه وكان للزبير أربع نسوة فأصاب كل امرأة من ثمن عقاراته ألف ألف ومائة ألف وكان الثمن أربعة آلاف ألف وأربعمائة ألف وكان ثلثا المال الذي اقتسمه الورثة خمسة وثلاثين ألف ألف ومائتي ألف وكذلك أخرجه بن سعد عن أبي أسامة فعلى هذا إذا انضم إليه نصفه وهو سبعة عشر ألف ألف وستمائة ألف كان جميع المال اثنين وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف فيزيد عما وقع في الحديث الفي ألف وستمائة ألف وهو أقرب من الاول فلعل المراد أن القدر المذكور وهو أن لكل زوجة ألف ألف ومائة ألف كان لو قسم المال كله بغير وفاء الدين لكن خرج الدين من حصة كل أحد منهم فيكون الذي يورث ما عدا ذلك وبهذا التقرير يخف الوهم في الحساب ويبقى التفاوت أربعمائة ألف فقط لكن روى بن سعد بسند آخر ضعيف عن هشام بن عروة عن أبيه أن تركة الزبير بلغت أحدا أو اثنين وخمسين ألف ألف وهذا أقرب من الاول لكنه أيضا لا تحرير فيه وكأن القوم أتوا من عدم إلقاء البال لتحرير الحساب إذ الغرض فيه ذكر الكثرة التي نشأت عن البركة في تركة الزبير إذ خلف دينا كثيرا ولم يخلف الا العقار المذكور ومع ذلك فبورك فيه حتى تحصل منه هذا المال العظيم وقد جرت للعرب عادة بالغاء الكسور تارة وجبرها أخرى فهذا من ذاك وقد وقع الغاء الكسور في هذه القصة في عدة روايات بصفات مختلفة ففي رواية علي بن مسهر عن هشام عند أبي نعيم بلغ ثم نساء الزبير ألف ألف وترك عليه من الدين الفي ألف وفي رواية عثام بن علي عن هشام عند يعقوب بن سفيان أن الزبير قال لابنه انظر ديني وهو ألف ألف ومائتا ألف وفي رواية أبي معاوية عن هشام أن قيمة ما تركه الزبير كان خمسين ألف ألف وفي رواية السراج أن جملة ما حصل من عقاره نيف وأربعون ألف ألف وعند بن سعد من حديث بن عيينة أن ميراثه قسم على أربعين ألف ألف وهكذا أخرجه الحميدي في النوادر عن سفيان عن هشام بن عروة وفي المجالسة للدينوري من طريق محمد بن عبيد عن أبي أسامة أن الزبير ترك من العروض قيمة خمسين ألف ألف والذي يظهر أن الرواة لم يقصدوا إلى التحرير البالغ في ذلك كما تقدم وقد حكى عياض عن بن سعد ما تقدم ثم قال فعلى هذا يصح قوله أن جميع المال خمسون ألف ألف ويبقى الوهم في قوله ومائتا ألف قال فإن الصواب أن يقول مائة ألف واحدة قال وعلى هذا فقد وقع في الاصل الوهم في لقظ مائتا ألف حيث وقع في نصيب الزوجات وفي الجملة فإنما الصواب مائة ألف واحدة حيث وقع في الموضعين قلت وهو غلط فاحش يتعجب من وقوع مثله فيه مع تيقظه للوهم الذي في الاصل وتفرغ باله للجمع والقسمة وذلك أن نصيب كل زوجة إذا كان

[ 165 ]

ألف ألف ومائة ألف لا يصح معه أن يكون جميع المال خمسين ألف ألف ومائة ألف بل إنما يصح أن يكون جميع المال خمسين ألف ألف ومائة ألف إذا كان نصيب كل زوجة ألف ألف وثلاثة وأربعين ألفا وسبعمائة وخمسين على التحرير وقرأت بخط القطب الحلبي عن الدمياطي أن الوهم إنما وقع في رواية أبي أسامة عند البخاري في قوله في نصيب كل زوجة أنه ألف ألف ومائتا ألف وأن الصواب أنه ألف ألف سواء بغير كسر وإذا اختص الوهم بهذه اللفظة وحدها خرج بقية ما فيه على الصحة لانه يقتضي أن يكون الثمن أربعة آلاف ألف فيكون ثمنا من أصل اثنين وثلاثين وإذا انضم إليه الثلث صار ثمانية وأربعين وإذا انضم إليها الدين صار الجميع خمسين ألف ألف ومائتي ألف فلعل بعض رواته لما وقع له ذكر مائتا ألف عند الجملة ذكرها عند نصيب كل زوجة سهوا وهذا توجيه حسن ويؤيده ما روى أبو نعيم في المعرفة من طريق أبي معشر عن هشام عن أبيه قال ورثت كل امرأة للزبير ربع الثمن ألف ألف درهم وقد وجهه الدمياطي أيضا بأحسن منه فقال ما حاصله أن قوله فجميع مال الزبير خمسون ألف ألف ومائتا ألف صحيح والمراد به قيمة ما خلفه عند موته وأن الزائد على ذلك وهو تسعة آلاف ألف وستمائة ألف بمقتضى ما يحصل من ضرب ألف ألف ومائتي ألف وهو ربع الثمن في ثمانية مع ضم الثلث كما تقدم ثم قدر الدين حتى يرتفع من الجميع تسعة وخمسون ألف ألف وثمانمائة ألف حصل هذا الزائد من نماء العقار والاراضي في المدة التي أخر فيها عبد الله بن الزبير قسم التركة استبراء للدين كما تقدم وهذا التوجيه في غاية الحسن لعدم تكلفه وتبقية الرواية الصحيحة على وجهها وقد تلقاه الكرماني فذكره ملخصا ولم ينسبه لقائله ولعله من توارد الخواطر والله أعلم وأما ما ذكره الزبير بن بكار في النسب في ترجمة عاتكة وأخرجه الحاكم في المستدرك أن عبد الله بن الزبير صالح عاتكة بنت زيد عن نصيبها من الثمن على ثمانين ألفا فقد استشكله الدمياطي وقال بينه وبين ما في الصحيح بون بعيد والعجب من الزبير كيف ما تصدى لتحرير ذلك قلت ويمكن الجمع بأن يكون القدر الذي صولحت به قدر ثلثي العشر من استحقاقها وكان ذلك برضاها ورد عبد الله بن الزبير بقية استحقاقها على من صالحها له ولا ينافي ذلك أصل الجملة وأما ما أخرجه الواقدي عن أبي بكر بن أبي سبرة عن هشام بن عروة عن أبيه قال قيمة ما ترك الزبير أحد وخمسون ألف ألف فلا يعارض ما تقدم لعدم تحريره وقال بن عيينة قسم مال الزبير على أربعين ألف ألف أخرجه بن سعد وهو محمول على الغاء الكسر وفي هذا الحديث من الفوائد ندب الوصية عند حضور أمر يخشى منه الفوت وأن للوصي تأخير قسمة الميراث حتى توفى ديون الميت وتنفذ وصاياه أن كان له ثلث وأن له ان يستبرئ أمر الديون وأصحابها قبل القسمة وأن يؤخرها بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده ولا يخفى أن ذلك يتوقف على إجازة الورثة وإلا فمن طلب القسمة بعد وفاء الدين الذي وقع العلم به وصمم عليها أجيب إليها ولم يتربص به انتظار شئ متوهم فإذا ثبت بعد ذلك شئ استعيد منه وبهذا يتبين ضعف من استدل بهذه القصة لمالك حيث قال أن أجل المفقود أربع سنين والذي يظهر أن بن الزبير إنما أختار التأخير أربع سنين لان المدن الواسعة التي يؤتى الحجاز من جهتها إذ ذاك كانت أربعا اليمن والعراق والشام ومصر فبنى على أن كل قطر لا يتأخر أهله في الغالب عن الحج أكثر من ثلاثة أعوام فيحسن استيعابهم في مدة الاربع ومنهم في طول المدة يبلغ الخبر

[ 166 ]

من وراءهم من الاقطار وقيل لان الاربع هي الغاية في الآحاد بحسب ما يمكن أن يتركب منه العشرات لان فيها واحدا واثنين وثلاثة وأربعون مجموع ذلك عشرة واختار الموسم لانه مجمع الناس من الآفاق وفيه جواز التربص بوفاء الدين إذا لم تكن التركة نقدا ولم يختر صاحب الدين الا النقد وفيه جواز الوصية للاحفاد إذا كان من يحجبهم من الآباء موجودا وفيه أن الاستدانة لا تكره لمن كان قادرا على الوفاء وفيه جواز شراء الوارث من التركة وأن الهبة لا تملك الا بالقبض وأن ذلك لا يخرج المال عن ملك الاول لان بن جعفر عرض على بن الزبير أن يحللهم من دينه الذي كان على الزبير فامتنع بن الزبير وفيه بيان جود بن جعفر لسماحته بهذا المال العظيم وأن من عرض على شخص أن يهبه شيئا فامتنع أن الواهب لا يعد راجعا في هبته وأما امتناع بن الزبير فهو محمول على أن بقية الورثة وافقوا على ذلك وعلم أن غير البالغين ينفذون له ذلك إذا بلغوا وأجاب ابن بطال بأن هذا ليس من الامر المحكوم به عند التشاح وإنما يؤمر به في شرف النفوس ومحاسن الاخلاق اه والذي يظهر أن بن الزبير تحمل بالدين كله على ذمته والتزم وفاءه ورضي الباقون بذلك كما تقدمت الاشارة إليه قريبا لانهم لو لم يرضوا لم يفدهم ترك بعض أصحاب الدين دينه لنقص الموجود في تلك الحالة عن الوفاء لظهور قلته وعظم كثرة الدين وفيه مبالغة الزبير في الاحسان لاصدقائه لانه رضي أن يحفظ لهم ودائعهم في غيبتها ويقوم بوصاياهم على أولادهم بعد موتهم ولم يكتف بذلك حتى احتاط لاموالهم وديعة أو وصية بأن كان يتوصل إلى تصييرها في ذمته مع عدم احتياجه إليها غالبا وإنما ينقلها من اليد للذمة مبالغة في حفظها لهم وفي قول بن بطال المتقدم كان يفعل ذلك ليطيب له ريح ذلك المال نظرا لانه يتوقف على ثبوت أنه كان يتصرف فيه بالتجارة وأن كثرة ماله إنما زادت بالتجارة والذي يظهر خلاف ذلك لانه لو كان كذلك لكان الذي خلفه حال موته يفي بالدين ويزيد عليه والواقع أنه كان دون الديون بكثير الا أن الله تعالى بارك فيه بأن ألقى في قلب من أراد شراء العقار الذي خلفه الرغبة في شرائه حتى زاد على قيمته اضعافا مضاعفة ثم سرت تلك البركة إلى عبد الله بن جعفر لما ظهر منه في هذه القصة من مكارم الاخلاق حتى ربح في نصيبه من الارض ما أربحه معاوية وفيه أن لا كراهة في الاستكثار من الزوجات والخدم وقال بن الجوزي فيه رد على من كره جمع الاموال الكثيرة من جهلة المتزهدين وتعقب بأن هذا الكلام لا يناسب مقامه من حيث كونه لهجا بالوعظ فإن من شأن الواعظ التحريض على الزهد في الدنيا والتقلل منها وكون مثل هذا لا يكره للزبير وأنظاره لا يطرد وفيه بركة العقار والارض لما فيه من النفع العاجل والآجل بغير كثير تعب ولا دخول في مكروه كاللغو الواقع في البيع والشراء وفيه إطلاق اللفظ المشترك لمن يظن به معرفة المراد والاستفهام لمن لم يتبين له لان الزبير قال لابنه استعن عليه مولاي والمولى لفظ مشترك فجوز بن الزبير أن يكون أراد بعض عتقائه مثلا فاستفهمه فعرف حينئذ مراده وفيه منزلة الزبير عند نفسه وأنه في تلك الحالة كان في غاية الوثوق بالله والاقبال عليه والرضا بحكمه والاستعانة به ودل ذلك على أنه كان في نفسه محقا مصيبا في القتال ولذلك قال أن أكبر همه دينه ولو كان يعتقد أنه غير مصيب أو أنه آثم باجتهاده ذلك لكان اهتمامه بما هو فيه من أمر القتال أشد ويحتمل أن يكون اعتمد على أن المجتهد يؤجر على اجتهاده ولو أخطأ وفيه شدة

[ 167 ]

أمر الدين لان مثل الزبير مع ما سبق له من السوابق وثبت له من المناقب رهب من وجوه مطالبة من له في جهته حق بعد الموت وفيه استعمال التجوز في كثير من الكلام كما تقدم وقد وقع ذلك أيضا في قوله أربع سنين في المواسم لانه أن عد موسم سنة ست وثلاثين فلم يؤخر ذلك الا ثلاث سنين ونصفا وأن لم يعده فقد أخر ذلك أربع سنين ونصفا ففيه الغاء الكسر أو جبره وفيه قوة نفس عبد الله بن الزبير لعدم قبوله ما سأله حكيم بن حزام من المعاونة وما سأله عبد الله بن جعفر من المحاللة قوله باب إذا بعث الامام رسولا في حاجة أو أمره بالمقام أي ببلده هل يسهم له أي مع الغانمين أم لا الرب عز وجلقوله حدثنا موسى هو بن إسماعيل وقوله عثمان بن موهب بوزن جعفر قال أبو علي الجياني وقع في نسخة أبي محمد عن أبي أحمد يعني الاصيلي عن الجرجاني عمرو بن عبد الله وهو غلط وذكر الحديث عن بن عمر مختصرا في قصة تخلف عثمان عن بدر وسيأتي مطولا بهذا الاسناد على الصواب في مناقب عثمان وقد تقدم بيان الاختلاف في هذه المسألة في باب الغنيمة لمن شهد الوقعة قوله باب بالتنوين ومن الدليل هو عطف على الترجمة التي قبل ثمانية أبواب حيث قال الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هنا لنوائب المسلمين وقال بعد باب ومن الدليل على أن الخمس للامام والجمع بين هذه التراجم أن الخمس لنوائب المسلمين وإلى النبي صلى الله عليه وسلم مع تولي قسمته أن يأخذ منه ما يحتاج إليه بقدر كفايته والحكم بعده كذلك يتولى الامام ما كان يتولاه هذا محصل ما ترجم به المصنف وقد تقدم توجيهه وتبيين الاختلاف فيه وجوز الكرماني أن تكون كل ترجمة على وفق مذهب من المذاهب وفيه بعد لان أحدا لم يقل أن الخمس للمسلمين دون النبي صلى الله عليه وسلم ودون الامام ولا للنبي صلى الله عليه وسلم دون المسلمين وكذا للامام فالتوجيه الاول هو اللائق وقد أشار الكرماني أيضا إلى طريق الجمع بينها فقال لا تفاوت من حيث المعنى إذ نوائب رسول الله صلى الله عليه وسلم نوائب المسلمين والتصرف فيه له وللامام بعده قلت والاولى أن يقال ظاهر لفظ التراجم التخالف ويرتفع بالنظر في المعنى إلى التوافق وحاصل مذاهب العلماء أكثر من ثلاثة أحدها قول أئمة المخالفة الخمس يؤخذ من سهم الله ثم يقسم الباقي خمسة كما في الآية الثاني عن بن عباس خمس الخمس لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم وأربعة للمذكورين وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد سهم الله ورسوله لذوي القربى ولا يأخذ لنفسه شيئا الثالث قول زين العابدين الخمس كله لذوي القربى والمراد باليتامى يتامى ذوي القربى وكذلك المساكين وابن السبيل أخرجه بن جرير عنه لكن السند إليه واه الرابع هو للنبي صلى الله عليه وسلم فخمسه لخاصته وباقيه لتصرفه الخامس هو للامام ويتصرف فيه بالمصلحة كما يتصرف في الفئ السادس يرصد لمصالح المسلمين السابع يكون بعد النبي صلى الله عليه وسلم لذوي القربى ومن ذكر بعدهم في الآية قوله ما سأل هوازن النبي صلى الله عليه وسلم برضاعه فيهم فتحلل من المسلمين هوازن فاعل والمراد القبيلة وأطلقها على بعضهم مجازا والنبي بالنصب على المفعولية وقوله برضاعه أي بسبب رضاعه لان حليمة السعدية مرضعته كانت منهم وقد ذكر قصة سؤال هوازن من طريق المسور بن مخرمة ومروان موصولة ولكن ليس فيها تعرض لذكر الرضاع و إنما وقع ذلك فيما أخرجه بن إسحاق في المغازي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده

[ 168 ]

فذكر القصة مطولة وفيها شعر زهير بن صرد حيث قال فيه امنن على نسوة قد كنت ترضعها إذ فوك يملؤه ممحضها الدرر وسيأتي بيان ما في سياقه من فائدة زائدة عند الكلام على حديث المسور في المغازي إن شاء الله تعالى وتقدم شرح بعض ألفاظه في أواخر العتق قوله وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعد الناس أن يعطيهم من الفئ والانفال من الخمس وما أعطى الانصار وما أعطى جابر بن عبد الله من تمر خيبر أما حديث الوعد من الفئ فيظهر من سياق حديث جابر وأما حديث الانفال من الخمس فمذكور في الباب من حديث بن عمر وأما حديث إعطاء الانصار فتقدم من حديث أنس قريبا وأما حديث إعطاء جابر من تمر خيبر فهو في حديث أخرجه أبو داود وظهر من سياقه أن حديث جابر الذي ترجم به المصنف للباب طرف منه ثم ذكر المصنف في الباب سبعة أحاديث الاول حديث المسور وقد نبهت عليه وتقدم بعضه بهذا الاسناد بعينه في الوكالة الثاني حديث أبي موسى الاشعري قوله قال وحدثني القاسم بن عاصم الكليبي بموحدة مصغر والقائل ذلك هو أيوب بين ذلك عبد الوهاب الثقفي عن أيوب كما سيأتي في الايمان والنذور قوله فأتى ذكر دجاجة كذا لابي ذر فأتى بصيغة الفعل الماضي من الاتيان وذكر بكسر الذال وسكون الكاف ودجاجة بالجر والتنوين على الاضافة وكذا للنسفي وفي رواية الاصيلي فأتى بضم الهمزة على البناء لما لم يسم فاعله وذكر بفتحتين ودجاجة بالنصب والتنوين على المفعولية كأن الراوي لم يستحضر اللفظ كله وحفظ منه لفظ دجاجة قال عياض وهذا أشبه لقوله في الطريق الاخرى فأتى بلحم دجاج ولقوله في حديث الباب فدعاه للطعام أي الذي في الدجاجة وسيأتي في النذور بلفظ فأتى بطعام فيه دجاج وهو المراد قوله وعنده رجل من بني تيم الله هو نسبة إلى بطن من بني بكر بن عبد مناة وسيأتي الكلام على شرحه مستوفى في الايمان والنذور وأبين هناك ما قيل في اسمه ومناسبته للترجمة من جهة أنهم سألوه فلم يجد ما يحملهم عليه ثم حضر شئ من الغنائم فحملهم منها وهو محمول على أنه حملهم على ما يختص بالخمس وإذا كان له التصرف

[ 169 ]

بالتنجيز من غير تعليق فكذا له التصر ف بتنجيز ما علق الثالث حديث بن عمر قوله بعث سرية ذكرها المصنف في المغازي بعد غزوة الطائف وسيأتي بيان ذلك في مكانه قوله قبل نجد بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهتها قوله فغنموا إبلا كثيرة في رواية عند مسلم فأصبنا إبلا وغنما قوله فكانت سهمانهم أي أنصباؤهم والمراد أنه بلغ نصيب كل واحد منهم هذا القدر وتوهم بعضهم أن ذلك جميع الانصباء قال النووي وهو غلط قوله أثنى عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا هكذا رواه مالك بالشك والاختصار وإبها الذي نفلهم وقد وقع بيان ذلك في رواية بن إسحاق عن نافع عند أبي داود ولفظه فخرجت فيها فأصبنا نعما كثيرا وأعطانا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان ثم قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فقسم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيرا بعد الخمس وأخرجه أبو داود أيضا من طريق شعيب بن أبي حمزة عن نافع ولفظه بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد وأتبعت سرية من الجيش وكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرا اثني عشر بعيرا ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا ثلاثة عشر بعيرا وأخرجه بن عبد البر من هذا الوجه وقال في روايته أن ذلك الجيش كان أربعة آلاف قال بن عبد البر اتفق جماعة رواة الموطأ على روايته بالشك الا الوليد بن مسلم فإنه رواه عن شعيب ومالك جميعا فلم يشك وكأنه حمل رواية مالك على رواية شعيب قلت وكذا أخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك والليث بغير شك فكأنه أيضا حمل رواية مالك على رواية الليث قال بن عبد البر وقال سائر أصحاب نافع اثني عشر بعيرا بغير شك لم يقع الشك فيه الا من مالك قوله ونفلوا بعيرا بعيرا بلفظ الفعل الماضي من غير مسمى والنفل زيادة يزادها الغازي على نصيبه من الغنيمة ومنه نفل الصلاة وهو ما عدا الفرض واختلف الرواة في القسم والتنفيل هل كانا جميعا من أمير ذلك الجيش أو من النبي صلى الله عليه وسلم أو أحدهما من أحدهما فرواية بن إسحاق صريحة أن التنفيل كان من الامير والقسم من النبي صلى الله عليه وسلم وظاهر رواية الليث عن نافع عند مسلم أن ذلك صدر من أمير الجيش وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مقررا لذلك ومجيزا له لانه قال فيه ولم يغيره النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية عبد الله بن عمر عنده أيضا ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا وهذا يمكن أن يحمل على التقرير فتجتمع الروايتان قال النووي معناه أن أمير السرية نفلهم فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم فجازت نسبته لكل منهما وفي الحديث أن الجيش إذا انفرد منه قطعة فغنموا شيئا كانت الغنيمة للجميع قال بن عبد البر لا يختلف الفقهاء في ذلك أي إذا خرج الجيش جميعه ثم انفردت منه قطعة انتهى وليس المراد الجيش القاعد في بلاد الاسلام فإنه لا يشارك الجيش الخارج إلى بلاد العدو بل قال بن دقيق العيد أن الحديث يستدل به على أن المنقطع من الجيش عن الجيش الذي فيه الامام ينفرد بما يغنمه قال وإنما قالوا بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريبا منهم يلحقهم عونه وغوثه لو احتاجوا انتهى وهذا القيد في مذهب مالك وقال إبراهيم النخعي للامام أن ينفل السرية جميع ما غنمته دون بقية الجيش مطلقا وقيل أنه انفرد بذلك وفيه مشروعية التنفيل ومعناه تخصيص من له أثر في الحرب بشئ من المال لكنه خصه عمرو بن شعيب بالنبي صلى الله عليه وسلم دون من بعده نعم وكره مالك أن يكون بشرط من أمير الجيش كأن

[ 170 ]

يحرض على القتال ويعد بأن ينفل الربع إلى الثلث قبل القسم واعتل بأن القتال حينئذ يكون للدنيا قال فلا يجوز مثل هذا انتهى وفي هذا رد على من حكى الاجماع على مشروعيته وقد اختلف العلماء هل همن أصل الغنيمة أو من الخمس أو من خمس الخمس أو مما عدا الخمس على أقوال والثلاثة الاول مذهب الشافعي والاصح عندهم أنها من خمس الخمس ونقله منذر بن سعيد عن مالك وهو شاذ عندهم قال بن بطال وحديث الباب يرد على هذا لانهم نفلوا نصف السدس وهو أكثر من خمس الخمس وهذا واضح وقد زاده ابن المنير ايضاحا فقال لو فرضنا أنهم كانوا مائة لكان قد حصل لهم ألف ومائتا بعير ويكون الخمس من الاصل ثلاثمائة بعير وخمسها ستون وقد نطق الحديث بأنهم نفلوا بعيرا بعيرا فتكون جملة ما نفلوا مائة بعير وإذا كان خمس الخمس ستين لم يف كله ببعير بعير لكل من المائة وهكذا كيفما فرضت العدد قال وقد ألجأ هذا الالزام بعضهم فادعى أن جميع ما حصل للغانمين كان اثني عشر بعيرا فقيل له فيكون خمسها ثلاثة أبعرة فيلزم أن تكون السرية كلها ثلاثة رجال كذا قيل قال بن المنير وهو سهو على التفريع المذكور بل يلزم أن يكون أقل من رجل بناء على أن النفل من خمس الخمس وقال بن التين قد انفصل من قال من الشافعية بأن النفل من خمس الخمس بأوجه منها أن الغنيمة لم تكن كلها أبعرة بل كان فيها أصناف أخرى فيكون التنفيل وقع من بعض الاصناف دون بعض ثانيها أن يكون نفلهم من سهمه من هذه الغزاة وغيرها فضم هذا إلى هذا فلذلك زادت العدة ثالثها أن يكون نفل بعض الجيش دون بعض قال وظاهر السياق يرد هذه الاحتمالات قال وقد جاء أنهم كانوا عشرة وأنهم غنموا مائة وخمسين بعيرا فخرج منها الخمس وهو ثلاثون وقسم عليهم البقية فحصل لك ل واحد اثنا عشر بعيرا ثم نفلوا بعيرا بعيرا فعلى هذا فقد نفلوا ثلث الخمس قلت أن ثبت هذا لم يكن فيه رد للاحتمال الاخير لانه يحتمل أن يكون الذين نفلوا ستة من العشرة والله أعلم قال الاوزاعي وأحمد وأبو ثور وغيرهم النفل من أصل الغنيمة وقال مالك وطائفة لا نفل الا من الخمس وقال الخطابي أكثر ما روى من الاخبار يدل على أن النفل من أصل الغنيمة والذي يقرب من حديث الباب أنه كان من الخمس لانه أضاف الاثني عشر إلى سهمانهم فكأنه أشار إلى أن ذلك قد تقرر لهم استحقاقه من الاخماس الاربعة الموزعة عليهم فيبقى للنفل من الخمس قلت ويؤيده ما رواه مسلم في حديث الباب من طريق الزهري قال بلغني عن بن عمر قال نفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية بعثها قبل نجد من إبل جاءوا بها نفلا سوى نصيبهم من المغنم لم يسق مسلم لفظه وساقه الطحاوي ويؤيده أيضا ما رواه مالك عن عبد ربه بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مالي مما أفاء الله عليكم الا الخمس وهو مردود عليكم وصله النسائي من وجه آخر حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأخرجه أيضا بإسناد حسن من حديث عبادة بن الصامت فإنه يدل على أن ما سوى الخمس للمقاتلة وروى مالك أيضا عن أبي الزناد أنه سمع سعيد بن المسيب قال كان الناس يعطون النفل من الخمس قلت وظاهره اتفاق الصحابة على ذلك وقال بن عبد البر أن أراد الامام تفضيل بعض الجيش لمعنى فيه فذلك من الخمس لا من رأس الغنيمة وأن انفردت قطعة فأراد أن ينفلها مما غنمت دون سائر الجيش فذلك من غير الخمس بشرط أن لا يزيد على الثلث انتهى وهذا الشرط قال به الجمهور وقال الشافعي لا يتحدد بل هو راجع إلى

[ 171 ]

ما يراه الامام من المصلحة وبدل له قوله تعالى قل الانفال لله والرسول ففوض إليه أمرها والله أعلم وقال الاوزاعي لا ينفل من أول الغنمية ولا ينفل ذهبا ولا فضة وخالفه الجمهور وحديث الباب من رواية بن إسحاق يدل لما قالوا واستدل به على تعين قسمة أعيان الغنيمة لا أثمانها وفيه نظر لاحتمال أن يكون وقع ذلك اتفاقا أبيانا للجواز وعند المالكية فيه أقوال ثالثها التخيير وفيه أن أمير الجيش إذا فعل مصلحة لم ينقضها الامام الرابع حديثه كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لانفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش وأخرجه مسلم وزاد في آخره والخمس واجب في ذلك كله وليس فيه حجة لان النفل من الخمس لا من غيره بل هو محتمل لكل من الاقوال نعم فيه دليل على أنه يجوز تخصيص بعض السرية بالتنفيل دون بعض قال بن دقيق العيد للحديث تعلق بمسائل الاخلاص في الاعمال وهو موضع دقيق المأخذ ووجه تعلقه به أن التنفيل يقع للترغيب في زيادة العمل والمخاطرة في الجهاد ولكن لم يضرهم ذلك قطعا لكونه صدر لهم من النبي صلى الله عليه وسلم فيدل على أن بعض المقاصد الخارجة عن محض التعبد لا تقدح في الاخلاص لكن ضبط قانونها وتمييزها مما تضر مداخلته مشكل جدا الخامس حديث أبي موسى في مجيئهم من الحبشة وفي آخره وما قسم لاحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا الا لمن شهد معه الا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم وسيأتي شرحه مستوفى في غزوة خيبر من كتاب المغازي والغرض منه هذا الكلام الاخير قال بن المنير أحاديث الباب مطابقة لما ترجم به الا هذا الاخير فإن ظاهره أنه عليه الصلاة والسلام قسم لهم من أصل الغنيمة لا من الخمس إذ لو كان من الخمس لم يكن لهم بذلك خصوصية والحديث ناطق بها قال لكن وجه المطابقة أنه إذا جاز للامام أن يجتهد وينفذ اجتهاده في الاخماس الاربعة المختصة بالغانمين فيقسم منها لم لم يشهد الوقعة فلان ينفذ اجتهاده في الخمس الذي لا يستحقه معين وأن استحقه صنف مخصوص أولى وقال بن التين يحتمل أن يكون أعطاهم برضا بقية الجيش انتهى وهذا جزم به موسى بن عقبة في مغازيه ويحتمل أن يكون إنما أعطاهم من الخمس وبهذا جزم أبو عبيد في كتاب الاموال وهو الموافق لترجمة البخاري وأما قول بن المنير لو كان من الخمس لم يكن هناك تخصيص فظاهر لكن يحتمل أن يكون من الخمس وخصهم بذلك دون غيرهم ممن كان من شأنه أن يعطي من الخمس ويحتمل أن يكون أعطاهم من جميع الغنيمة لكونهم وصلوا قبل قسمة الغنيمة وبعد حوزها وهو أحد القولين للشافعي وهذا الاحتمال يترجح بقوله أسهم لهم لان الذي يعطي من الخمس لا يقال في حقه أسهم له الا تجوزا ولان سياق الكلام يقتضي الافتخار ويستدعي الاختصاص بما لم يقع لغيرهم كما تقدم والله أعلم السادس حديث جابر قوله حدثنا علي هو بن عبد الله المديني وسفيان هو بن عيينة قوله لو قد جاءني مال البحرين سيأتي ذلك في أول باب الجزية من حديث عمرو بن عوف وأنه من الجزية لكن فيه فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فيحمل على أن الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم جابرا كان بعد السنة التي قدم فيها أبو عبيدة بالمال وظهر بذلك جهة المال المذكور وأنه من الجزية فأغنى ذلك عن قول بن بطال يحتمل أن يكون من الخمس أو من الفئ قوله أمر أبو بكر مناديا فنادى لم أقف على اسمه ويحتمل أن يكون بلالا قوله فحثى لي بالمهملة والمثلثة قوله وقال مرة القائل هو سفيان بهذا السند وقد تقد الحديث في الهبة بالسند

[ 172 ]

الاول بدون هذه الزيادة إلى آخرها وتقدمت الزيادة بهذالاسناد في الكفالة والحوالة إلى قوله خذ مثليها قوله قال سفيان هو متصل بالسند المذكور وعمرو هو بن دينار ومحمد بن علي أي بن الحسين بن علي وظهر من هذه الروية المراد من قوله في رواية بن المنكدر فحثي لي ثلاثا لكن قوله فحثي لي حثية مع قوله في الرواية التي قبلها وجعل سفيان يحثو بكفيه يقتضي أن الحثية ما يؤخذ باليدين جميعا والذي قاله أهل اللغة أن الحثية ما يملا الكف والحفنة ما يملا الكفين نعم ذكر أبو عبيد الهروي أن الحثية والحفنة بمعنى وهذا الحديث شاهد لذلك وقوله حثية من حثى يحثي ويجوز حثوة من حثا يحثوا وهما لغتان وقوله تبخل عني أي من جهتي قوله وقال يعني بن المنكدر الذي قال وقال هو سفيان والذي قال يعني هو علي بن المديني قوله وأي داء أدوى من البخل قال عياض كذا وقع أدوى غير مهموز من دوى إذا كان به مرض في جوفه والصواب أدوأ بالهمز لانه من الداء فيحمل على أنهم سهلوا الهمزة ووقع في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان في هذا الحديث وقال بن المنكدر في حديثه فظهر بذلك اتصاله إلى أبي بكر بخلاف رواية الاصيلي فإنها تشعر بأن ذلك من كلام بن المنكدر وقد روى حديث أي داء أدوأ من البخل وقد تقدم في الكفالة توجيه وفاء أبي بكر لعدات النبي صلى الله عليه وسلم وكذا في كتاب الهبة وأن وعده صلى الله عليه وسلم لا يجوز اخلافه فنزل منزلة الضمان في الصحة وقيل إنما فعله أبو بكر على سبيل التطوع ولم يكن يلزمه قضاء ذلك وما تقدم في باب من أمر بانجاز الوعد من كتاب الشهادات أولى وأن جابرا لم يدع أن له دينا في ذمة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يطالبه أبو بكر ببينة ووفى ذلك له من بيت المال الموكول الامر فيه إلى اجتهاد الامام وعلى ذلك يحوم المصنف وبه ترجم وإنما أخر أبو بكر إعطاء جابحتى قال له ما قال إما لامر أهم من ذلك أو خشية أن يحمله ذلك على الحرص على الطلب أو لئلا يكثر الطالبون لمثل ذلك ولم يرد به المنع على الاطلاق ولهذا قال ما من مرة الا وأنا أريد أن أعطيك وسيأتي في أوائل الجزية بيان الخلاف في مصرفها وظاهر إيراد البخاري هذا الحديث هنا أن مصرفها عنده مصرف الخمس والله أعلم الحديث السابع قوله حدثنا قرة بضم القاف وتشديد الراء ثم هاء وفي الاسناد بصريان هو والراوي عنه وحجازيان شيخه والضحاك وقد خالف زيد بن الحباب مسلم بن إبراهيم فيه فقال عن قرة عن أبي الزبير بدل عمرو بن دينار أخرجه مسلم وسياقه أتم ورواية البخاري أرجح فقد وافق شيخه على ذلك عن قرة عثمان بن عمرو عند الاسماعيلي والنضر بن شميل عند أبي نعيم فاتفاق هؤلاء الحفاظ الثلاثة أرجح من انفراد زيد بن الحباب عنهم ويحتمل أن يكون الحديث عند قرة عن شيخين بدليل أن في رواية أبي الزبير زيادة على ما في رواية هؤلاء كلهم عن قرة عن عمرو وسيأتي شرحه مستوفى في استتابة المرتدين عند الكلام على حديث أبي سعيد في المعنى وفي حديث أبي سعيد بيان تسمية القائل المذكور وقوله في هذه الرواية لقد شقيت بضم المثناة للاكثر ومعناه ظاهر ولا محذور فيه والشرط لا يستلزم الوقوع لانه ليس ممن لا يعدل حتى يحصل له الشقاء بل هو عادل فلا يشقى وحكى عياض فتحها ورجحه النووي وحكاه الاسماعيلي عن رواية شيخه المنيعي من طريق عثمان بن عمر عن قرة والمعنى لقد شقيت أي ضللت أنت أيها التابع حيث تقتدي بمن لا يعدل أو حيث تعتقد في نبيك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمن قوله باب

[ 173 ]

ما من النبي صلى الله عليه وسلم على الاسارى من غير أن يخمس أراد بهذه الترجمة أنه كان له صلى الله عليه وسلم أن يتصرف في الغنيمة بما يراه مصلحة فينفل من رأس الغنيمة وتارة من الخمس واستدل على الاول بأنه كان يمن على الاسارى من رأس الغنيمة وتارة من الخمس فدل على أنه كان له أن ينفل من رأس الغنيمة وقد تقدم بيان الاختلاف في ذلك وذكر فيه حديث جبير بن مطعم لو كان المطعم حيا وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له قال بن بطال وجه الاحتجاج به أنه صلى الله عليه وسلم لا يجوز في حقه أن يخبر عن شئ لو وقع لفعله وهو غير جائز فدل على أن الامام أن يمن على الاسارى بغير فداء خلافا لمن منع ذلك كما تقدم واستدل به على أن الغنائم لا يستقر ملك الغانمين عليها إلا بعد القسمة وبه قال المالكية والحنفية وقال الشافعي يملكون بنفس الغنيمة والجواب عن حديث الباب أنه محمول على أنه كان يستطيب أنفس الغانمين وليس في الحديث ما يمنع ذلك فلا يصلح للاحتجاج به وللفريقين احتجاجات أخرى وأجوبة تتعلق بهذه المسألة لم أطل بها هنا لانها لا تؤخذ من حديث الباب لا نفيا ولا اثباتا واستبعد بن المنير الحمل المذكور فقال إن طيب قلوب الغانمين بذلك من العقود الاختيارية فيحتمل أن لا يذعن بعضهم فكيف بت القول بأنه يعطيه إياهم مع أن الامر موقوف على اختيار من يحتمل أن لا يسمح قلت والذي يظهر أن هذا كان باعتبار ما تقدم في أول الامر أن الغنيمة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم يتصرف فيها حيث شاء وفرض الخمس إنما نزل بعد قسمة غنائم بدر كما تقرر فلا حجة إذا في هذا الحديث لما ذكرنا وقد أنكر الداودي دخول التخميس في أسارى بدر فقال لم يقع فيهم غير أمرين إما المن بغير فداء وإما الفداء بمال ومن لم يكن له مال علم أولاد الانصار الكتابة وأطال في ذلك ولم يأت بطائل ولا يلزم من وقوع شئ أو شيئين مما خير فيه منع التخيير وقد قتل النبي صلى الله عليه وسلم منهم عقبة بن أبي معيط وغيره وادعاؤه أن قريشا لا يدخلون تحت الرق يحتاج إلى دليل خاص وإلا فأصل الخلاف هل يسترق العربي أولا ثابت مشهور والله أعلم وسيأتي بقية شرحه في غزوة بدر إن شاء الله تعالى وقوله النتنى بنونين مفتوحتين بينهما مثناة ساكنة مقصور جمع نتن أو نتين كزمن وزمنى أو جريح وجرحى وروى بمهملة فموحدة ساكنة وهو تصحيف وأبعد من جعله هو الصواب قوله باب ومن الدليل على أن الخمس للامام تقدم توجيه ذلك قبل بباب قوله وقال عمر بن عبد العزيز لم يعمهم أي لم يعم قريشا وقوله ولم يخص قريبا دون من أحوج إليه أي دون من هو أحوج إليه قال بن مالك فيه حذف العائد على الموصول وهو قليل ومنه قراءة يحيى بن يعمر تماما على الذي أحسن بضم النون أي الذي هو أحسن قال وإذا طال الكلام فلا ضعف ومنه وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله أي وفي الارض هو إله قوله وإن كان الذي أعطى أي أبعد قرابة ممن لم يعط ووقع في هذا اختصار اقتضى توقفا في فهمه وقد من الله وله الحمد بتوجيهه وسياقه عند عمر بن شبة في أخبار المدينة موصولا مطولا فقال فيه وقسم لهم قسما لم يعم عامتهم ولم يخص به قريبا دون من أحوج منه ولقد كان يومئذ فيمن أعطى من هو أبعد قرابة أي ممن لم يعط وقوله لما يشكو تعليل لعطية الا بعد قرابة وقوله في جنبه أي جانبه وقوله من قومهم وحلفائهم أي وحلفاء قومهم بسبب الاسلام وأشار بذلك إلى ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة من قريش بسبب الاسلام وسيأتي بسطه في موضعه إن شاء الله تعالى قوله عن بن المسيب في رواية يونس

[ 174 ]

عن بن شهاب عند أبي داود وأخبرني سعيد بن المسيب قوله عن جبير بن مطعم في المغازي من رواية يونس عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب أن جبير بن مطعم أخبره قوله مشيت أنا وعثمان بن عفان زاد أبو داود والنسائي من طريق يونس عن بن شهاب فيما قسم من الخمس بين بني هاشم وبني المطلب ولهما من رواية بن إسحاق عن بن شهاب وضع سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك بني نوفل وبني عبد شمس وإنما اختص جبير وعثمان بذلك لان عثمان من بني عبد شمس وجبير بن مطعم من بني نوفل وعبد شمس ونوفل وهاشم والمطلب سواء الجميع بنو عبد مناف فهذا معنى قولهما ونحن وهم منك بمنزلة واحدة أي في الانتساب إلى عبد مناف ووقع في رواية أبي داود المذكورة وقرابتنا وقرابتهم منك واحدة وله في رواية بن إسحاق فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضعك الله منهم فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا قوله شئ واحد للاكثر بالشين المعجمة المفتوحة والهمزة وقال عياض رويناه هكذا في البخاري بغير خلاف انتهى وقد وجدته في أصلي هنا من رواية الكشميهني وفي المغازي من رواية المستملي وفي مناقب قريش من روايته وفي رواية الحموي بكسر المهملة وتشديد التحتانية وكذلك كان يرويه يحيى بن معين وحده قال الخطابي هو أجود في المعنى وحكاها عياض رواية خارج الصحيح وقال الصواب رواية الكافة لقوله فيه وشبك بين أصابعه وهذا دليل على الاختلاط والامتزاج كالشئ الواحد لا على التمثيل والتنظير وهذه الزيادة التي أشار إليها وقعت في رواية بن إسحاق المذكورة ولفظه فقال إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شئ واحد وشبك بين أصابعه ووقع في رواية أبي زيد المروزي شئ أحد بغير واو وبهمز الالف فقيل هما بمعنى وقيل الاحد الذي ينفرد بشئ لا يشاركه فيه غيره والواحد أول العدد وقيل الاحد المنفرد بالمعنى والواحد المنفرد بالذات وقيل الاحد لنفي ما يذكر معه من العدد والواحد اسم لمفتاح العدد من جنسه وقيل لا يقال أحد إلا لله تعالى حكاه جميعه عياض قوله وقال الليث حدثني يونس أي بهذا الاسناد وزاد قال جبير ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل هو عندي من رواية عبد الله بن يوسف أيضا عن الليث فهو متصل ويحتمل أن يكون معلقا وقد وصله المصنف في المغازي عن يحيى بن بكير عن الليث عن يونس بتمامه وزاد أبو داود في رواية يونس بهذا الاسناد وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمر يعطيهم منه وعثمان بعده وهذه الزيادة بين الذهلي في جمع حديث الزهري أنها مدرجة من كلام الزهري وأخرج ذلك مفصلا من رواية الليث عن يونس وكأن هذا هو السر في حذف البخاري هذه الزيادة مع ذكره لرواية يونس وروى مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم من طريق بن شهاب عن يزيد بن هرمز عن بن عباس في سهم ذوي القربى قال هو لقربي رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمه لهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان عمر عرض علينا من ذلك شيئا رأيناه دون حقنا فرددناه وللنسائي من وجه آخر وقد كان عمر دعانا أن ينكح أيمنا ويخدم عائلنا ويقضي عن غارمنا فأبينا الا أن يسلمه لنا قال فتركناه قوله وقال بن إسحاق الخ وصله المصنف في التاريخ وقوله عاتكة بنت مرة أي بن هلال من بني سليم وقوله وكان نوفل أخاهم لابيهم لم يسم أمه وهي واقدة بالقاف بنت أبي عدي واسمه نوفل

[ 175 ]

بن عبادة من بني مازن بن صعصعة وذكر الزبير بن بكار في النسب أنه كان يقال لهاشم والمطلب البدران ولعبد شمس ونوفل الابهران وهذا يدل على أن بين هاشم والمطلب ائتلافا سرى في أولادهما من بعدهما ولهذا لما كتبت قريش الصحيفة بينهم وبين بني هاشم وحصر وهم في الشعب دخل بنو المطلب مع بني هاشم ولم تدخل بنو نوفل وبنو عبد شمس وستأتي الاشارة إلى ذلك في أول المبعث إن شاء الله تعالى وفي الحديث حجة للشافعي ومن وافقه أن سهم ذوي القربي لبني هاشم والمطلب خاصة دون بقية قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من قريش وعن عمر بن عبد العزيز هم بنو هاشم خاصة وبه قال زيد بن أرقم وطائفة من الكوفيين وهذا الحديث يدل لالحاق بني المطلب بهم وقيل هم قريش كلها لكن يعطي الامام منهم من يراه وبهذا قال أصبغ وهذا الحديث حجة عليه وفيه توهين قول من قال أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطاهم بعلة الحاجة إذ لو أعطاهم بعلة الحاجة لم يخص قوما دون قوم والحديث ظاهر في أنه أعطاهم بسبب النصرة وما أصابهم بسبب الاسلام من بقية قومهم الذين لم يسلموا والملخص أن الآية نصت على استحقاق قربى النبي صلى الله عليه وسلم وهي متحققة في بني عبد شمس لانه شقيق وفي بني نوفل إذا لم تعتبر قرابة الام واختلف الشافعية في سبب اخراجهم فقيل العلة القرابة مع النصرة فلذلك دخل بنو هاشم وبنو المطلب ولم يدخل بنو عبد شمس وبنو ونوفل لفقدان جزء العلة أو شرطها وقيل الاستحقاق بالقرابة ووجد ببني عبد شمس ونوفل مانع لكونهم انحازوا عن بني هاشم وحاربوهم والثلث أن القربى عام مخصوص وبينته السنة قال ابن بطال وفيه رد لقول الشافعي ان خمس الخمس يقسم بين ذوي القربى لا يفضل غني على فقير وانه يقسم بينهم للذكر مثل حظ الانثيين قلت ولا حجة فيه لما ذكر لا اثبات ولا نفي أما الاول فليس في الحديث إلا أنه قسم خمس الخمس بين بني هاشم والمطلب ولم يتعرض لتفضيل ولا عدمه وإذا لم يتعرض فالاصل في القسمة إذا أطلقت التسوية والتعميم فالحديث إذا حجة للشافعي لا عليه ويمكن التوصل إلى التعميم بأن يأمر الامام نائبه في كل إقليم بضبط من فيه ويجوز النقل من مكان إلى مكان للحاجة وقيل لا بل يختص كل ناحية بمن فيها وأما الثاني فليس فيه تعرض لكيفية القسم لكن ظاهره التسوية وبها قال المزني وطائفة فيحتاج من جعل سبيله سبيل الميراث إلى دليل والله أعلم وذهب الاكثر إلى تعميم ذوي القربى في قسمة سهمهم عليهم بخلاف اليتامى فيخص الفقراء منهم عند الشافعي وأحمد وعن مالك يعمهم في الاعطاء وعن أبي حنيفة يخص الفقراء من الصنفين وحجة الشافعي أنهم لما منعوا الزكاة عموا بالسهم ولانهم أعطوا بجهة القرابة إكراما لهم بخلاف اليتامى فإنهم أعطوا لسد الخلة واستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فإن ذوي القربى لفظ عام خص ببني هاشم والمطلب قال بن الحاجب ولم ينقل اقتران اجمالي مع أن الاصل عدمه قوله باب من لم يخمس الاسلاب السلب بفتح المهملة واللام بعدها موحدة هو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور وعن أحمد لا تدخل الدابة وعن الشافعي يختص بأداة الحرب قوله ومن قتل قتيلا فله سلبه من غير أن يخمس وحكم الامام فيه أما قوله ومن قتل قتيلا فله سلبه فهو قطعة من حديث أبي قتادة ثاني حديثي الباب وقد أخرجه المصنف بهذا القدر حسب من حديث أنس وأما قوله من غير أن يخمس فهو من تفقهه وكأنه أشار بهذه الترجمة

[ 176 ]

إلى الخلاف في المسألة وهو شهير وإلى ما تضمنته الترجمة ذهب الجمهور وهو أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه أو لم يقل ذلك وهو ظاهر حديث أبي قتادة ثاني حديثي الباب وقال إنه فتوى من النبي صلى الله عليه وسلم وإخبار عن الحكم الشرعي وعن المالكية والحنفية لا يستحقه القاتل إلا إن شرط له الامام ذلك وعن مالك يخير الامام بين أن يعطي القاتل السلب أو يخمسه واختاره إسماعيل القاضي وعن إسحاق إذا كثرت الاسلاب خمست ومكحول والثوري بخمس مطلقا وقد حكى عن الشافعي أيضا وتمسكوا بعموم قوله واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه ولم يستثن شيئا واحتج الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه فإنه خصص ذلك العموم وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين قال مالك لم يبلغني ذلك في غير حنين وأجاب الشافعي وغيره بأن ذلك حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن منها يوم بدر كما في أول حديثي الباب ومنها حديث حاطب بن أبي بلتعة أنه قتل رجلا يوم أحد فسلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه أخرجه البيهقي ومنها حديث جابر أن عقيل بن أبي طالب قتل يوم مؤتة رجلا فنفله النبي صلى الله عليه وسلم درعه ثم كان ذلك مقررا عند الصحابة كما روى مسلم من حديث عوف بن مالك في قصته مع خالد بن الوليد وإنكاره عليه أخذه السلب من القاتل الحديث بطوله وكما روى الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقا ص أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد تعال بنا ندعو فدعا سعد فقال اللهم ارزقني رجلا شديدا بأسه فأقاتله ويقاتلني ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه الحديث وكما روى أحمد بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير قال كانت صفية في حصن حسان بن ثابت يوم الخندق فذكر الحديث في قصة قتلها اليهودي وقولها لحسان انزل فاسلبه فقال مالي بسلبه حاجة وكما روى بن إسحاق في المغازي في قصة قتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبد ود يوم الخندق أيضا فقال له عمر هلا استلبت درعه فإنه ليس للعرب خير منها فقال إنه اتقاني بسوأته وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك يوم حنين بعد أن فرغ القتال كما هو صريح في ثاني حديثي الباب حتى قال مالك يكره للامام أن يقول من قتل قتيلا فله سلبه لئلا تضعف نيات المجاهدين ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الا بعد انقضاء الحرب وعن الحنفية لا كراهة في ذلك وإذا قاله قبل الحرب أو في أثنائها استحق القاتل ثم أخرج المصنف فيه حديثين أحدهما حديث عبد الرحمن بن عوف في قصة قتل أبي جهل والغرض منه هنا قوله في آخره كلاكما قتله سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح فقد احتج به من قال إن إعطاء القاتل السلب مفوض إلى رأي الامام وقرره الطحاوي وغيره بأنه لو كان يجب للقاتل لكان السلب مستحقا بالقتل ولكان جعله بينهما لاشتراكهما في قتله فلما خص به أحدهما دل على أنه لا يستحق بالقتل وإنما يستحق بتعيين الامام وأجاب الجمهور بان في السياق دلالة على أن السلب يستحقه من أثخن في القتل ولو شاركه غيره في الضرب أو الطعن قال المهلب نظره صلى الله عليه وسلم في السيفين واستلاله لهما هو ليرى ما بلغ الدم من سيفيهما ومقدار عمق دخولهما في جسم المقتول ليحكم بالسلب لمن كان في ذلك أبلغ ولذلك سألهما أولا هل مسحتما سيفيكما أم لا لانهما لو مسحاهما لما تبين المراد من ذلك وإنما قال كلا كما قتله وإن كان أحدهما هو الذي أثخنه ليطيب نفس الآخر وقال الاسماعيلي أقول

[ 177 ]

أن الانصاريين ضرباه فاثخناه وبلغا به المبلغ الذي يعلم معه أنه لا يجوز بقاؤه على تلك الحال إلا قدر ما يطفأ وقد دل قوله كلاكما قتله على أن كلا منهما وصل إلى قطع الحشوة وإبانتها أو بما يعلم أن عمل كل من سيفيهما كعمل الآخر غير أن أحدهما سبق بالضرب فصار في حكم المثبت لجراحه حتى وقعت به ضربة الثاني فاشتركا في القتل إلا أن أحدهما قتله وهو ممتنع والآخر قتله وهو مثبت فلذلك قضى بالسلب للسابق إلى اثخانه وسيأتي تتمة شرحه في غزوة بدر مع قول بن مسعود أنه قتله وتأتي كيفية الجمع هناك إن شاء الله تعالى قوله حديثة بالجر صفة للغلامين وأسنانهما بالرفع قوله بين أضلمنهما كذا للاكثر بفتح أوله وسكون المعجمة وضم اللام فجمع ضلع وروى بضم اللام وفتح العين من الضلاعة وهي القوة ووقع في رواية الحموي وحده بين أصلح منهما بالصاد والحاء المهملتين ونسبه بن بطال لمسدد شيخ البخاري وقد خالفه إبراهيم بن حمزة عند الطحاوي وموسى بن إسماعيل عند بن سنجر وعفان عند بن أبي شيبة يعني كلهم عن يوسف شيخ البخاري فيه فقالوا أضلع بالضاد المعجمة والعين قال واجتماع ثلاثة من الحفاظ أولى من انفراد واحد انتهى وقد ظهر أن الخلاف على الرواة عن الفربري فلا يليق الجزم بأن مسددا نطق به هكذا وقد رواه أحمد في مسنده وأبو يعلى عن عبيد الله القواريري وبشر بن الوليد وغيرهما كلهم عن يوسف كالجماعة وكذلك أخرجه الاسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة عن عفان كذلك وقوله لا يفارق سواده بفتح السين وهو الشخص قوله حتى يموت الاعجل منا أي الاقرب أجلا وقيل إن لفظ الاعجل تحريف وإنما هو الاعجز وهو الذي يقع في كلام العرب كثيرا والصواب ما وقع في الرواية لوضوح معناه قوله قال محمد هو المصنف سمع يوسف يعني بن الماجشون صالحا يعني بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المذكور في الاسناد وسمع إبراهيم أباه عبد الرحمن بن عوف وهذه الزيادة لابي ذر وأبي الوقت هنا وتقدم في الوكالة في حديث آخر بهذا الاسناد مثله وبينت هناك سماع إبراهيم من أبيه وأما سماع يوسف من صالح فوقع في رواية عفان عند الاسماعيلي ولعل البخاري أشار إلى أن الذي أدخل بين يوسف وصالح في هذا الحديث رجلا لم يضبط وذلك فيما أخرجه البزار والرجل هو عبد الواحد بن أبي عون ويحتمل أن يكون يوسف سمعه من صالح وثبته فيه عبد الواحد والله أعلم الحديث الثاني حديث أبي قتادة وسيأتي شرحه مستوفى في المغازي وقوله فيه عن بن أفلح نسبه إلى جده وهو عمر بن كثير بن أفلح وفي الاسناد ثلاثة من التابعين في نسق وكلهم مدنيون إلا الراوي عن مالك وقد نزلها وقوله فاستدبرت كذا للاكثر وللكشميهني فاستدرت بغير موحدة قوله فقال رجل صدق يا رسول الله وسلبه عندي لم أقف على اسمه

[ 178 ]

واستدل به على دخول من لا يسهم له في عموم قوله من قتل قتيلا وعن الشافعي في قول وبه قال مالك لا يستحق السلب إلا من استحق السهم لانه قال إذا لم يستحق السهم فلا يستحق السلب بطريق الاولى وعورض بأن السهم علق على المظنة والسلب يستحق بالفعل فهو أولى وهذا هو الاصل واستدل به على أن السلب للقاتل في كل حال حتى قال أبو ثور وابن المنذر يستحقه ولو كان المقتول منهزما وقال أحمد لا يستحقه إلا بالمبارزة وعن الاوزاعي إذا التقي الزحفان فلا سلب واستدل به على أنه مستحق للقاتل الذي أثخنه بالقتل دون من ذهب عليه كما سيأتي في قصة بن مسعود مع أبي جهل في غزوة بدر واستدل به على أن السلب يستحقه القاتل من كل مقتول حتى لو كان المقتول امرأة وبه قال أبو ثور وابن المنذر وقال الجمهور شرطه أن يكون المقتول من المقاتلة واتفقوا على أنه لا يقبل قول من ادعى السلب إلا ببينة تشهد له بأنه قتله والحجة فيه قوله في هذا الحديث له عليه بينة فمفهومه أنه إذا لم تكن له بينة لا يقبل وسياق أبي قتادة يشهد لذلك وعن الاوزاعي يقبل قوله بغير بينة لان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه لابي قتادة بغير بينة وفيه نظر لانه وقع في مغازي الواقدي أن أوس بن خولى شهد لابي قتادة وعلى تقدير أن لا يصح فيحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه القاتل بطريق من الطرق وأبعد من قال من المالكية أن المراد بالبينة هنا الذي أقر له أن السلب عنده فهو شاهد والشاهد الثاني وجود السلب فإنه بمنزلة الشاهد على أنه قتله ولذلك جعل لوثا في باب القسامة وقيل إنما استحقه أبو قتادة بإقرار الذي هو بيده وهذا ضعيف لان الاقرار إنما يفيد إذا كان المال منسوبا لمن هو بيده فيؤاخذ بإقراره والمال هنا منسوب لجميع الجيش ونقل بن عطية عن أكثر الفقهاء أن البينة هنا شاهد واحد يكتفى به رضي الله تعالى عنهما قوله باب ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم سيأتي بيانهم وأنهم من أسلم ونيته ضعيفة أو كان يتوقع باعطائه إسلام نظرائه في تفسير براءة قوله وغيرهم أي غير المؤلفة ممن تظهر له المصلحة في إعطائه قوله من الخمس ونحوه أي من مال الخراج والجزية والفئ قال إسماعيل القاضي في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم للمؤلفة من الخمس دلالة على أن الخمس إلى الامام يفعل فيه ما يرى من المصلحة وقال الطبري استدل بهذه الاحاديث من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي من أصل الغنيمة لغير المقاتلين قال وهو قول مردود بدليل القرآن والآثار الثابتة واختلف بعد ذلك من أين كان يعطي المؤلفة فقال مالك وجماعة من الخمس وقال الشافعي وجماعة من خمس الخمس قيل ليس في أحاديث الباب شئ صريح بالاعطاء من نفس الخمس قوله رواه عبد الله بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى حديثه الطويل في قصة حنين وسيأتي هناك موصولا مع الكلام عليه والغرض منه هنا قوله لما أفاء الله على رسوله يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم الحديث ثم أورد في الباب تسعة أحاديث أحدها حديث حكيم بن حزام سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني الحديث بطوله وفيه قصته مع عمر وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى في كتاب الزكاة ثانيها حديث بن عمر في نذر عمر في الجاهلية وفيه وأصاب عمر جاريتين من سبحنين وهو موضع الترجمة قوله عن نافع أن عمر قال يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم كذا رواه حماد بن زيد عن أيوب عن نافع مرسلا ليس فيه بن عمروسيأتي في المغازي أن البخاري نقل أن بعضهم رواه

[ 179 ]

عن حماد بن زيد موصولا وهو عند مسلم وابن خزيمة لكن في القصة الثالثة المتعلقة بعمرة الجعرانة لا في جميع الحديث وذكر هنا أن معمرا وصله أيضا عن أيوب ورواية معمر وصلها في المغازي وهو في قصة المنذر فقط وذكر في المغازي أيضا أن حماد بن سلمة رواه موصولا وسيأتي بيان ذلك واضحا أيضا هناك وأنه أيضا في النذر فقط ويأتي الكلام على ما يتعلق منه بالنذر في كتاب الايمان والنذور والذي قدمته اتفق عليه جميع رواة البخاري إلا الجرجاني فقال عن نافع عن بن عمر وهو وهم منه ويظهر ذلك من تصرف البخاري هنا وهو في المغازي وبذلك جزم أبو علي الجياني وقال الدارقطني حديث حماد بن زيد مرسل وحديث جرير بن حازم موصول وحماد أثبت في أيوب من جرير فأما رواية معمر الموصولة فهي في قصة النذر فقط دون قصة الجاريتين قال وقد روى سفيان بن عيينة عن أيوب حديث الجاريتين فوصله عنه قوم وأرسله آخرون قوله فأمره في رواية جرير بن حازم عند مسلم أن سؤاله لذلك وقع وهو بالجعرانة بعد أن رجع إلى الطائف قوله وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين أي من هوازن لم أر من سماهما وفي رواية بن عيينة عند الاسماعيلي موصولا أن عمر قال فذكر حديث النذر قال فأمرني أن أعتكف فلم أعتكف حتى كان بعد حنين وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني جارية فبينا أنا معتكف إذ سمعت تكبيرا الحديث قوله قال من رسول الله صلى الله عليه وسلم على السبي ستأتي صفة ذلك في المغازي وفي هذا السياق حذف تقديره فنظر أو سأل عن سبب سعيهم في السكك فقيل له فقال لعمر وفي رواية بن عيينة المذكورة فقلت ما هذا فقالوا السبي أسلموا فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم فقلت والجارية فأرسلها قوله قال اذهب فأرسل الجاريتين يستفاد منه الاخذ بخبر الواحد تنبيه اتفقت الروايات كلها على أن قوله ورواه معمر بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة وحكى بعض الشراح أنه بضم الميم وبعد العين مثناة مفتوحة ثم ميم مكسورة وهو تصحيف قوله قال نافع ولم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على عبد الله هكذا رواه أبو النعمان شيخ البخاري مرسلا ووصله مسلم وابن خزيمة جميعا عن أحمد بن عبدة عن حماد بن زيد فقال في روايته عن نافع ذكر عند بن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فقال لم يعتمر منها وقد ذكرت في أبواب العمرة الاحاديث الوارد في اعتماره من الجعرانة وتقدم في أواخر الجهاد في باب من قسم الغنيمة في غزوه أيضا حديث أنس في ذلك وذكرت في أبواب العمرة سبب خفاء عمرة النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة على كثير من أصحابه فليراجع منه ومن حفظ حجة على من لم يحفظ قال بن التين ليس كل ما علمه بن عمر حدث به نافعا ولا كل ما حدث به نافعا حفظه قلت وهذا يرده رواية مسلم التي ذكرتها فإن حاصله أن بن عمر كان يعرفها ولم يحدث بها نافعا ودلت رواية مسلم على أبن أبي عمر كان ينفيها قل وليس كل ما علمه بن عمر لم يدخل عليه فيه نسيان انتهى وهذا أيضا يقتضي أنه كان عرف بها ونسيها وليس كذلك بل لم يعرف بها لا هو ولا عدد كثير من الصحابة ثالثها حديث عمرو بن تغلب بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام بعدها موحدة وهو النمري بفتح النون والميم قوله أخاف ظلعهم بفتح الظاء المعجمة المشالة واللام وبالمهملة أي اعوجاجهم وجزعهم بالجيم والزاي بوزنه وأصل الظلع الميل وأطلق هنا على مرض القلب وضعف اليقين قوله والغناء بفتح المعجمة

[ 180 ]

ثم النون ومد وهو الكفاية وفي رواية الكشميهني بالكسر والقصر بلفظ ضد الفقر وقوله بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي التي قالها في حقه وهي إدخاله إياه في أهل الخير والغناء وقيل المراد الكلمة التي قالها في حق غيره فالمعنى لا أحب أن يكون لي حمر النعم بدلا من الكلمة المذكورة التي لي أو يكون لي ذلك وتقال تلك الكلمة في حقي قوله زاد أبو عاصم عن جرير هو بن حازم وقتقدم موصولا في أواخر الجمعة عن محمد بن معمر عن أبي عاصم وهو من المواضع التي تمسك بها من زعم أن البخاري قد يعلق عن بعض شيوخه ما بينه وبينهم فيه واسطة مثل هذا فإن أبا عاصم شيخه وقد علق عنه هذا هنا ولما ساقه موصولا أدخل بينه وبين أبي عاصم واسطة قوله أو بسبي في رواية الكشميهني بشئ وهو أشمل رابعها حديث أنس في عطية المؤلفين يوم حنين ذكره مطولا ومختصرا وسيأتي شرحه مستوفى في غزوة حنين فقد ذكره هناك من أربعة أوجه عن أنس خامسها حديث جبير بن مطعم وإبراهيم في إسناده هو بن سعد وصالح هو بن كيسان وعمر بن محمد بن جبير تقدم ذكره في أوائل الجهاد في باب الشجاعة في الحرب مع الكلام على بعض شرح المتن وقوله مقفله من حنين أي مرجعه كذا للكشميهني ووقع لغيره هنا مقبلا وهو منصوب على الحال والسمرة بفتح المهملة وضم الميم شجرة طويلة متفرقة الرأس قليلة الظل صغيرة الورق والشوك صلبة الخشب قاله بن التين وقال القزاز والعضاه شجر الشوك كالطلح والعوسج والسدر وقال الداودي السمرة هي العضاه وقال الخطابي ورق السمرة أثبت وظلها أكثف ويقال هي شجرة الطلح واختلف في واحدة العضاه فقيل عضة بفتحتين مثل شفة وشفاه والاصل عضهة وشفهة فحذفت الهاء وقيل واحدها عضاهة قوله فخظفت رداءه في مرسل

[ 181 ]

عمرو بن سعيد عند عمر بن شبة في كتاب مكة حتى عدلوا بناقته عن الطريق فمر بسمرات فانتهسن ظهره وانتزعن رداءه فقال ناولوني ردائي فذكر نحو حديث جبير بن مطعم وفيه فنزل ونزل الناس معه فأقبلت هوازن فقالوا جئنا نستشفع بالمؤمنين إليك ونستشفع بك إلى المؤمنين فذكر القصة وفيه ذم الخصال المذكورة وهي البخل والكذب والجبن وأن إمام المسلمين لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها وفيه ما كان في النبي صلى الله عليه وسلم من الحلم وحسن الخلق وسعة الجود والصبر على جفاة الاعراب وفيه جواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة كخوف ظن أهل الجهل به خلاف ذلك ولا يكون ذلك من الفخر المذمون وفيه رضاالسائل للحق بالوعد إذا تحقق عن الواعد التنجيز وفيه أن الامام مخير في قسم الغنيمة أن شاء بعد فراغ الحرب وأن شاء بعد ذلك وقد تقدم البحث فيه سادسها حديث أنس في قصة الاعرابي الذي جبذ رداء النبي صلى الله عليه وسلم وهو في معنى الذي قبله ونجران بنون وجيم وزن شعبان بلدة مشهورة وسيأتي شرحه في الادب والغرض منه قوله ثم أمر له بعطاء سابعها حديث بن مسعود قال لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسا في القسمة الحديث وسيأتي شرحه في غزوة حنين إن شاء الله تعالى وعيينة بمهملة وتحتانية مصغرا هو بن حصن الفزاري ثامنها حديث أسماء بنت أبي بكر كنت أنقل النوى من أرض الزبير الحديث وسيأتي في كتاب النكاح بأتم من هذا السياق ويأتي شرحه هناك وقوله وقال أبو ضمرة هو أنس بن عياض وهشام هو بن عروة بن الزبير والغرض بهذا التعليق بيان فائدتين إحداهما أن أبا ضمرة خالف أبا أسامة في وصله فأرسله ثانيتهما أن في رواية أبي ضمرة تعيين الارض المذكورة وإنها كانت مما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير فأقطع الزبير منها وبذلك يرتفع استشكال الخطابي حيث قال لا أدري كيف أقطع النبي صلى الله عليه وسلم أرض المدينة وأهلها قد أسلموا راغبين في الدين الا أن يكون المراد ما وقع من الانصار إنهم جعلوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يبلغه المأمن من أرضهم فأقطع النبي صلى الله عليه وسلم من شاء منه تاسعها حديث بن عمر في معاملة أهل خيبر وفيه قصة اجلاء عمر لهم باختصار وقد مر شرحه في كتاب المزارعة وقوله فيه نترككم من الترك وفي رواية الكشميهني نقركم من التقرير وقوله هنا وكانت الارض لما ظهر عليها لليهود وللرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين كذا للاكثر وفي رواية بن السكن لما ظهر عليها لله وللرسول وللمسلمين فقد قيل أن هذا هو الصواب وقال بن أبي صفرة والذي في الاصل صحيح أيضا قال والمراد بقوله لما ظهر عليها أي لما ظهر على فتح أكثرها قبل أن يسأله اليهود أن يصالحوه فكانت لليهود فلما صالحهم على أن يسلموا له الارض كانت لله ولرسوله ويحتمل أن يكون على حذف مضاف أي ثمرة الارض ويحتمل أن يكون المراد بالارض ما هو أعم من المفتتحة وغير المفتتحة والمراد بظهوره عليها غلبته لهم فكان حينئذ بعض الارض لليهود وبعضها للرسول وللمسلمين وقال بن المنير أحاديث الباب مطابقة للترجمة الا هذا الاخير فليس فيه للعطاء ذكر ولكن فيه ذكر جهات مطابقة للترجمة قد علم من مكان آخر أنها كانت جهات عطاء فبهذه الطريق تدخل تحت الترجمة والله أعلم قوله باب ما يصيب أي المجاهد من الطعام في أرض الحرب أي هل يجب تخميسه في الغانمين أو يباح أكله للمقاتلين وهي مسألة خلاف والجمهور

[ 182 ]

على جواز أخذ الغانمين من القوت وما يصلح به وكل طعام يعتاد أكله عموما وكذلك علف الدواب سواء كان قبل القسمة أو بعدها بإذن الامام وبغير إذنه والمعنى فيه أن الطعام يعز في دار الحرب فأبيح للضرورة والجمهور أيضا على جواز الاخذ ولو لم تكن الضرورة ناجزة واتفقوا على جواز ركوب دوابهم ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم في حال الحرب ورد ذلك بعد انقضاء الحرب وشرط الاوزاعي فيه إذن الامام وعليه أن يرده كلما فرغت حاجته ولا يستعمله في غير الحرب ولا ينتظر برده انقضاء الحرب لئلا يعرضه للهلاك وحجته حديث رويفع بن ثابت مرفوعا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا أعجفها ردها إلى المغانم وذكر في الثوب مثل ذلك وهو حديث حسن أخرجه أبو داود والطحاوي ونقل عن أبي يوسف أنه حمله على ما إذا كان الآخذ غير محتاج يبقى دابته أو ثوبه بخلاف من ليس له ثوب ولا دابة وقال الزهر لا يأخذ شيئا من الطعام ولا غيره الا بإذن الامام وقال سليمان بن موسى يأخذ الا أن نهى الامام وقال بن المنذر قد وردت الاحاديث الصحيحة في التشديد في الغلول واتفق علماء الامصار على جواز أكل الطعام وجاء الحديث بنحو ذلك فليقتصر عليه وأما العلف فهو في معناه وقال مالك يباح ذبح الانعام للاكل كما يجوز أخذ الطعام وقيده الشافعي بالضرورة إلى الاكل حيث لا طعام وقد تقدم في باب ما يكره من ذبح الابل في أواخر الجهاد شئ من ذلك ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها قوله عن عبد الله بن مغفل بالمعجمة والغاء وزن محمد وفي رواية بهز بن أسد عن شعبة عند مسلم سمعت عبد الله بن مغفل وفي رواية سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال حدثني عبد الله بن مغفل والاسناد كله بصريون قوله فرمى إنسان لم أقف على اسمه ولابي داود من طريق سليمان بن المغيرة دلى بجراب يوم خيبر فالتزمته قوله بجراب بكسر الجيم قوله فنزوت بالنون والزاي أي وثبت مسرعا ووقع في رواية سليمان بن المغيرة فالتزمته فقلت لا أعطى اليوم أحدا من هذا شيئا وقد أخرج بن وهب بسند معضل أن صاحب المغانم كعب بن عمرو بن زيد الانصاري أخذ منه الجراب فقال النبي صلى الله عليه وسلم خل بينه وبين جرابه وبهذا يتبين معنى قوله فاستحييت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعله استحيا من فعله ذلك ومن قوله معا وموضع الحجة منه عدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم بل في رواية مسلم ما يدل على رضاه فإنه قال فيه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما وزاد أبو داود الطيالسي في آخره فقال هو لك وكأنه عرف شدة حاجته إليه فسوغ له الاستئثار به وفي قوله فاستحييت إشارة إلى ما كانوا عليه من توقير النبي صلى الله عليه وسلم ومن معاناة التنزه عن خوارم المروءة وفيه جواز أكل الشحوم التي توجد عند اليهود وكانت محرمة على اليهود وكرهها مالك وعن أحمد تحريمها وسيأتي ذلك في باب مفرد في كتاب الذبائح إن شاء الله تعالى ثانيها حديث بن عمر كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه رواه يونس بن محمد عند أبي نعيم وأحمد بن إبراهيم عند الاسماعيلي كلاهما عن حماد بن زيد فزاد فيه والفواكه ورواه الاسماعيلي من طريق بن المبارك عن حماد بن زيد بلفظ كنا نصيب العسل والسمن في المغازي فنأكله ومن طريق جرير بن حازم عن أيوب بلفظ أصبنا طعاما وأغناما يوم اليرموك فلم يقسم وهذا الموقوف لا يغاير الاول لاختلاف السياق وللاول حكم المرفوع للتصريح بكونه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما يوم اليرموك فكان بعده فهو

[ 183 ]

موقوف يوافق المرفوع قوله ولا نرفعه أي ولا نحمله على سبيل الادخار ويحتمل أن يريد ولا نرفعه إلى متولى أمر الغنيمة أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونستأذنه في أكله اكتفاء بما سبق منه من الاذن ثالثها حديث عبد الله بن أبي أوفى في ذبحهم الحمر الاهلية يوم خيبر وفيه الامر باراقتها وفيه اختلافهم في سبب النهي هل هو لكونها لم تخمس أو لتحريم الحمر الاهلية وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الذبائح والغرض منه هنا أنه يشعر بأن عادتهم جرت بالاسراع إلى المأكولات وانطلاق الايدي فيها ولولا ذلك ما قدموا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وقد ظهر أنه لم يأمرهم بإراقة لحوم الحمر الا لانها لم تخمس وأما حديث ثعلبة بن الحكم قال أصبنا يوم خيبر غنما فذكر الامر باكفائها وفيه فإنها لا تحل النهبة قال بن المنذر إنما كان ذلك لاجل ما وقع من النهبة لان أكل نعم أهل الحرب غير جائز ومن أحاديث الباب حديث عبد الله بن أبي أوفى أيضا أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل يجئ فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف أخرجه أبو داود والحاكم والطحاوي ولفظه فيأخذ منه حاجته قوله قال عبد الله هو بن أبي أوفى راوي الحديث وبين ذلك في المغازي من وجه آخر عن الشيباني بلفظ قال بن أبي أوفى فتحدثنا فذكر نحوه ولمسلم من طريق علي بن مسهر عن الشيباني قال فتحدثنا بيننا أي الصحابة وقوله وقال آخرون أي من الصحابة والحاصل أن الصحابة اختلفوا في علة النهي عن لحم الحمر هل هو لذاتها أو لعارض وسيأتي في المغازي في هذا الحديث قول من قال لانها كانت تأكل العذرة قوله وسألت سعيد بن جبير قائل ذلك هو الشيباني ورواية الشيباني عن سعيد بن جبير لغير هذا الحديث عند النسائي بسم الله الرحمن الرحيم قوله باب الجزية كذا للاكثر ووقع عند بن بطال وأبي نعيم كتاب الجزية ووقع لجميعهم البسملة أوله سوى أبي ذر قوله الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب فيه لف ونشر مرتب لان الجزية مع أهل الذمة والموادعة مع أهل الحرب والجزية من جزأت الشئ إذا قسمته ثم سهلت الهمزة وقيل من الجزاء أي لانها جزاء تركهم ببلاد الاسلام أو من الاجزاء لانها تكفى من توضع عليه في عصمة دمه والموادعة المتاركة والمراد بها متاركة أهل الحرب مدة معينة لمصلحة قال بن المنير وليس في أحاديث الباب ما يوافقها الا الحديث الاخير في تأخير النعمان بن مقرن القتال وانتظاره زوال الشمس قلت وليست هذه الموادعة المعروفة والذي يظهر أن الصواب ما وقع عند أبي نعيم من اثبات لفظ كتاب في صدر هذه الترجمة ويكون الكتاب معقودا للجزية والمهادنة والابواب المذكورة بعد ذلك مفرعة عنه والله أعلم قال العلماء الحكمة في وضع الجزية أن الذل الذي يلحقهم ويحملهم على الدخول في الاسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الاسلام واختلف في سنة مشروعيتها فقيل في سنة ثمان وقيل في سنة تسع قوله وقول الله عزوجل قاتلوا الذين الخ هذه الآية هي الاصل في مشروعية الجزية ودل منطوق الآية على مشروعيتها مع أهل الكتاب ومفهومها أن غيرهم لا يشاركهم فيها قوله يعني أذلاء هو تفسير وهم صاغرون قال أبو عبيدة في المجاز الصاغر الذليل الحقير قال وقوله عن يد أي عن طيب نفس وكل من أطاع لقاهر وأعطاه عن طيب نفس من يده فقد أعطاه عن يد وقيل معنى قوله عن يد أي نعمة منكم عليهم وقيل يعطيها من يده ولا يبعث بها وعن الشافعي المراد بالصغار هنا التزام حكم الاسلام وهو يرجع إلى التفسير اللغوي لان الحكم على

[ 184 ]

الشخص بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله يستلزم الذل قوله والمسكنة مصدر المسكين فلان أسكن من فلان أحوج منه ولم يذهب إلى السكون هذا الكلام ثبت في كلام أبي عبيدة في المجاز والقائل ولم يذهب إلى السكون قيل هو الفربري الراوي عن البخاري أراد أن ينبه على أن قول البخاري أسكن من المسكنة لا من السكون وأن كان أصل المادة واحدا ووجه ذكر المسكنة هنا أنه لما فسر الصغار بالذلة وجاء في وصف أهل الكتاب أنهم ضربت عليهم الذلة والمسكنة ناسب ذكر المسكنة عند ذكر الذلة قوله وما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم هذه بقية الترجمة قيل وعطف العجم على من تقدم ذكره من عطف الخاص على العام وفيه نظر والظاهر أن بينهما خصوصا وعموما وجهيا فأما اليهود والنصارى فهم المراد بأهل الكتاب بالاتفاق وأما المجوس فقد ذكر مستنده في الباب وفرق الحنفية فقالوا تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب وحكى الطحاوي عنهم تقبل الجزية من أهل الكتاب ومن جميع كفار العجم ولا يقبل من مشركي العرب الا الاسلام أو السيف وعن مالك تقبل من جميع الكفار الا من ارتد وبه قال الاوزاعي وفقهاء الشام وحكى بن القاسم عنه لا تقبل من قريش وحكى بن عبد البر الاتفاق على قبولها من المجوس لكن حكى بن التين عن عبد الملك أنها لا تقبل الا من اليهود والنصارى فقط ونقل أيضا الاتفاق على أنه لا يحل نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم لكن حكى غيره عن أبي ثور حل ذلك قال بن قدامة هذا خلاف إجماع من تقدمه قلت وفيه نظر فقد حكى بن عبد البر عن سعيد بن المسيب أنه لم يكن يرى بذبيحة المجوسي بأسا إذا أمره المسلم بذبحها وروى بن أبي شيبة عنه وعن عطاء وطاوس وعمرو بن دينار أنهم لم يكونوا يرون بأسا بالتسري بالمجوسية وقال الشافعي تقبل من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ويلتحق بهم المجوس في ذلك واحتج بالآية المذكورة فإن مفهومها أنها لا تقبل من غير أهل الكتاب وقد أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من المجوس فدل على الحاقهم بهم واقتصر عليه وقال أبو عبيد ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب وعلى المجوس بالسنة واحتج غيره بعموم قوله في حديث بريدة وغيره فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الاسلام فإن أجابوا وإلا فالجزية واحتجوا أيضا بأن أخذها من المجوس يدل على ترك مفهوم الآية فلما انتفى تخصيص أهل الكتاب بذلك دل على أن لا مفهوم لقوله من أهل الكتاب وأجيب بأن المجوس كان لهم كتاب ثم رفع وروى الشافعي وغيره في ذلك حديثا عن علي وسيأتي في هذا الباب ذكره وتعقب بقوله تعالى انما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وأجيب بأن المراد مما اطلع عليه القائلون وهم قريش لانهم لم يشتهر عندهم من جميع الطوائف من له كتاب الا اليهود والنصارى وليس في ذلك نفى بقية الكتب المنزلة كالزبور وصحف إبراهيم وغير ذلك قوله وقال بن عيينة الخ وصله عبد الرزاق عنه به وزاد بعد قوله أهل الشام من أهل الكتاب تؤخذ مهم الجزية الخ وأشار بهذا الاثر إلى جواز التفاوت في الجزية وأقل الجزية عند الجمهور دينار لكل سنة وخصه الحنفية بالفقير وأما المتوسط فعليه ديناران وعلى الغني أربعة وهو موافق لاثر مجاهد كما دل عليه حديث عمر وعند الشافعية أن للامام أن يماكس حتى يأخذها منهم وبه قال أحمد روى أبو عبيد من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر أنه بعث عثمان بن حنيف بوضع الجزية على أهل السواد ثمانية وأربعين وأربعة

[ 185 ]

وعشرين واثني عشر وهذا على حساب الدينار باثني عشر وعن مالك لا يزاد على الاربعين وينقص منها عمن لا يطيق وهذا محتمل أن يكون جعله على حساب الدينار بعشرة والقدر الذي لا بد منه دينار وفيه حديث مسروق عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال خذ من كل حالم دينار أخرجه أصحاب لسنن وصححه الترمذي والحاكم واختلف السلف في أخذها من الصبي فالجمهور لا على مفهوم حديث معاذ وكذا الا تؤخذ من شيخ فان ولا زمن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من أصحاب الصوامع والدارات في قول والاصح عند الشافعية الوجوب على من ذكر آخر ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث يشتمل الاخير على حديثين أحدها حديث عبد الرحمن بن عوف قوله سمعت معر هو ابن دينار قوله كنت جالسا مع جابر بن زيد هو أبو الشعثاء البصري وعمرو بن أوس هو الثقفي المتقدم ذكر روايته عن عبد الرحمن بن أبي بكر في الحج وعن عبد الله بن عمرو في التهجد وليست له هنا رواية بل ذكره عمرو بن دينار ليبين أن بجالة لم يقصده بالتحدث وإنما حدث غيره فسمعه هو وهذا وده من وجه التحمل بالاتفاق وإنما اختلفوا هل يسوغ أن يقول حدثنا والجمهور على الجواز ومنع منه النسائي وطائفة قليلة وقال البرقاني يقول سمعت فلانا قوله حدثهما بجالة هو بفتح الموحدة والجيم الخفيفة تابعي شهير كبير تميمي بصري وهو بن عبدة بفتح المهملة والموحدة ويقال فيه عبد بالسكون بلا هاء وما له في البخاري سوهذا الموضع قوله عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة أي وحج حينئذ بجالة معه وبذلك صرح أحمد في روايته عن سفيان وكان مصعب أميرا على البصرة من قبل أخيه عبد الله بن الزبير وقتل مصعب بعد ذلك بسنة أو سنتين قوله كنت كاتبا لجزء بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة هكذا يقوله المحدثون وضبطه أهل النسب بكسر الزاي بعدها تحتانية ساكنة ثم همزة ومن قاله بلفظ التصغير فقد صحف وهو بن معاوية بن حصن بن عبادة التميمي السعدي عم الاحنف بن قيس وهو معدود في الصحابة وكان عامل عمر على الاهواز ووقع في رواية الترمذي أنه كان على تنادر قلت هي من قرى الاهواز وذكر البلاذري أنه عاش إلى خلافة معاوية وولى لزياد بعض عمله قوله قبل موته بسنة كان ذلك سنة اثنتين وعشرين لان عمر قتل سنة ثلاث قوله فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس زاد مسدد وأبو يعلى في روايتهما اقتلوا كل ساحر قال فقتلنا في يوم ثلاث سواحر وفرقنا بين المحارم منهم وصنع طعاما فدعاهم وعرض السيف على فخذيه فأكلوا بغير زمزمة قال الخطابي أراد عمر بالتفرقة بين المحارم من المجوس منعهم من إظهار ذلك وإفشاء عقودهم به وهو كما شرط على النصارى أن لا يظهروا صليبهم قلت قد روى سعيد بن منصور من وجه آخر عن بجالة ما يبين سبب ذلك ولفظه أن فرقوا بين المجوس وبين محارمهم كيما نلحقهم بأهل الكتاب فهذا يدل على أن ذلك عند عمر شرط في قبول الجزية منهم وأما الامر بقتل الساحر فهو من مسائل الخلاف وقد وقع فرواية سعيد بن منصور المذكورة من الزيادة واقتلوا كل ساحر وكاهن وسيأتي الكلاعلى حكم الساحر في باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر قوله ولم يكن عمر أخذ الجزيمن المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف قلت أن كان هذا من جملة كتاب عمر فهمتصل وتكون فيه رواية عمر عن عبد الرحمن بن عوف وبذلك وقع التصريح في رواية الترمذي ولفظه فجاءنا كتاب عمر انظر مجوس من قبلك فخذ منهم الجزية

[ 186 ]

فإن عبد الرحمن بن عوف أخبرني فذكره لكن أصحاب الاطراف ذكروا هذا الحديث في ترجمة بجالة بن عبدة عن عبد الرحمن بن عوف وليس بجيد وقد أخرج أبو داود من طريق قشير بن عمرو عن بجالة عن أبن عباس قال جاء رجل من مجوس هجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما خرج قلت له ما قضى الله ورسوله فيكم قال شر الاسلام أو القتل قال وقال عبد الرحمن بن عوف قبل منهم الجزية قال بن عباس فأخذ الناس بقول عبد الرحمن وتركوا ما سمعت وعلى هذا فبجالة يرويه عن بن عباس سماعا وعن عمر كتابة كلاهما عن عبد الرحمن بن عوف وروى أبو عبيد بإسناد صحيح عن حذيفة لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها وفي الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر قال لا أدري ما أصنع بالمجوس فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سنوا بهم سنة أهل الكتاب وهذا منقطع مع ثقة رجاله ورواه بن المنذر والدارقطني في الغرائب من طريق أبي على الحنفي عن مالك فزاد فيه عن جده وهو منقطع أيضا لان جده علي بن الحسين لم يلحق عبد الرحمن بن عوف ولا عمر فإن كان الضمير في قوله عن جده يعود على محمد بن علي فيكون متصلا لان جده الحسين بن علي سمع من عمر بن الخطاب ومن عبد الرحمن بن عوف وله شاهد من حديث مسلم بن العلاء بن الحضرمي أخرجه الطبراني في آخر حديث بلفظ سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب قال أبو عمر هذا من الكلام العام الذي أريد به الخاص لان المراد سنة أهل الكتب في أخذ الجزية فقط قلت وقع في آخر رواية أبي على الحنفي قال مالك في الجزية واستدل بقوله سنة أهل الكتاب على أنهم ليسوا أهل كتاب لكن روى الشافعي و عبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي كان المجوس أهل كتاب يقرؤنه وعلم يدرسونه فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال أن آدم كان ينكح أولاده بناته فأطاعوه وقتل من خالفه فأسرى على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شئ وروى عبد بن حميد في تفسير سورة البروج بإسناد صحيح عن بن أبزي لما هزم المسلمون أهل فارس قال عمر اجتمعوا فقال أن المجوس ليسوا أهل كتاب فنضع عليهم ولا من عبدة الاوثان فنجرى عليهم أحكامهم فقال علي بل هم أهل كتاب فذكر نحوه لكن قال وقع على ابنته وقال في آخره فوضع الاخدود لمن خالفه فهذا حجة لمن قال كان لهم كتاب وأما قول بن بطال لو كان لهم كتاب ورفع لرفع حكمه ولما استثنى حل ذبائحهم ونكاح نسائهم فالجواب أن الاستثناء وقع تبعا للاثر الوارد في ذلك لان في ذلك شبهة تقتضي حقن الدم بخلاف النكاح فإنه مما يحتاط له وقال بن المنذر ليس تحريم نسائهم وذبائحهم متفقا عليه ولكن الاكثر من أهل العلم عليه وفي الحديث قبول خبر الواحد وأن الصحابي الجليل قد يغيب عنه علم ما اطلع عليه غيره من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه وأنه لا نقص عليه في ذلك وفيه التمسك بالمفهوم لان عمر فهم من قوله أهل الكتاب اختصاصهم بذلك حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف بالحاق المجوس بهم فرجع إليه ثانيها حديث عمرو بن عوف قوله الانصاري المعروف عند أهل المغازي أنه من المهاجرين وهو موافق لقوله هنا وهو حليف لبني عامر بن لؤي لانه يشعر بكونه من أهل مكة ويحتمل أن يكون وصفه بالانصاري بالمعنى الاعم ولا مانع أن يكون أصله من الاوس والخزرج ونزل مكة وحالف بعض أهلها فبهذا الاعتبار يكون أنصاريا مهاجريا

[ 187 ]

ثم ظهر لي أن لفظة الانصاري وهم وقد تفرد بها شعيب عن الزهري ورواه أصحاب الزهري كلهم عنه بدونها في الصحيحين وغيرهما وهو معدود في أهل بدر باتفاقهم ووقع عند موسى بن عقبة في المغازي أنه عمير بن عوف بالتصغير وسيأتي في الرقاق من طريق موسى بن عقبة عن الزهري بغير تصغير وكأنه كان يقال فيه بالوجهين وقد فرق العسكري بين عمير بن عوف وعمرو بن عوف والصواب الوحدة قوله بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين أي البلد المشهور بالعراق وهي بين البصرة وهجر وقوله يأتي بجزيتها أي بجزية أهلها وكان غالب أهلها إذ ذاك المجوس ففيه تقوية للحديث الذي قبله ومن ثم ترجم عليه النسائي أخذ الجزية من المجوس وذكر بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد قسمة الغنائم بالجعرانة أرسل العلاء إلى المنذر بن ساوى عامل الفرس البحرين يدعوه إلى الاسلام فأسلم وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية قوله وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين كان ذلك في سنة الوفود سنة تسع من الهجرة والعلاء بن الحضرمي صحابي شهير واسم الحضرمي عبد الله بن مالك بن ربيعة وكان من أهل حضرموت فقدم مكة فحالف بها بني مخزوم وقيل كان اسم الحضرمي في الجاهلية زهرمز وذكر عمر بن شبة في كتاب مكة عن أبي غسان عن عبد العزيز بن عمران أن كسرى لما أغار بنو تميم وبنو شيبان على ماله أرسل إليهم عسكرا عليهم زهرمز فكانت وقعة ذي قار فقتلوا الفرس وأسروا أميرهم فاشتراه صخر بن رزين الديلي فسرقه منه رجل من حضرموت فتبعه صخر حتى افتداه منه فقدم به مكة وكان صناعا فعتق وأقام بمكة وولد له أولاد نجباء وتزوج أبو سفيان ابنته الصعبة فصارت دعواهم في آل حرب ثم تزوجها عبيد الله بن عثمان والد طلحة أحد العشرة فولدت له طلحة قال وقال غير عبد العزيز أن كلثوم بن رزين أو أخاه الاسود خرج تاجرا فرأى بحضرموت عبدافارسى نجارا يقال له زهرمز فقدم به مكة ثم اشتراه من مولاه وكان حميريا يكنى أبا رفاعة فأقام بمكة فصار يقال له الحضرمي حتى غلب على اسمه فجاور أبا سفيان وانقطع إليه وكان آل رزين حلفاء لحرب بن أمية وأسلم العلاء قديما ومات الثلاثة المذكورون أبو عبيدة والعلاء باليمن وعمرو بن عوف في خلافة عمر رضي الله عنهم قوله فقدم أبو عبيدة تقدم في كتاب الصلاة بيان المال المذكور وقدره وقصة العباس في الاخذ منه وهي التي ذكرت هنا أيضا قوله فسمعت الانصار بقدوم أبي عبيدة فوافقت صلاة الصبح يؤخذ منه إنهم كانوا لا يجتمعون في كل الصلوات في التجميع الا لامر يطرأ وكانوا يصلون في مساجدهم إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه فلاجل ذلك عرف النبي صلى الله عليه وسلم أنهم اجتمعوا لامر ودلت القرينة على تعيين ذلك الامر وهو احتياجهم إلى المال للتوسعة عليهم فأبوا الا أن يكون للمهاجرين مثل ذلك وقد تقدم هناك من حديث أنس فلما قدم المال رأوا أن لهم فيه حقا ويحتمل أن يكون وعدهم بأن يعطيهم منه إذا حضر وقد وعد جابرا بعد هذا أن يعطيه من مال البحرين فوفى له أبو بكر قوله فتعرضوا له أي سألوه بالاشارة قوله قالوا أجل يا رسول الله قال الاخفش أجل في المعنى مثل نعم لكن نعم يحسن أن تقال جواب الاستفهام وأجل أحسن من نعم في التصديق قوله فأبشروا أمر معناه الاخبار بحصول المقصود قوله فتنافسوها يأتي الكلام عليه في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى وفي هذا الحديث أن طلب العطاء من الامام لا غضاضة فيه

[ 188 ]

وفيه البشرى من الامام لاتباعه وتوسيع أملهم منه وفيه من أعلام النبوة اخباره صلى الله عليه وسلم بما يفتح عليهم وفيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين ووقع في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم مرفوعا تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون أو نحو ذلك وفيه إشارة إلى أن كل خصلة من المذكورات مسببة عن التي قبلها وسيأتي بقية الكلام على ذلك في الرقاق إن شاء الله تعالى ثالثها قوله حدثنا المعتمر بن سليمان كذا في جميع النسخ بسكون العين المهملة وفتح المثناة وكسر الميم وكذا وقع في مستخرج الاسماعيلي وغيره في هذا الحديث وزعم الدمياطي أن الصواب المعمر بفتح المهملة وتشديد الميم المفتوحة بغير مثناة قال لان عبد الله بن جعفر الرقي لا يروي عن المعتمر البصري وتعقب بأن ذلك ليس بكاف في رد الروايات الصحيحة وهب أن أحدهما لم يدخل بلد الآخر أما يجوز أن يكونا التقيا مثلا في الحج أو في الغزو وما ذكره معارض بمثله فإن المعمر بن سليمان رقي وسعيد بن عبيد الله بصري فمهما استبعد من لقاء الرقي البصري جاء مثله في لقاء الرقي للبصري وأيضا فالذين جمعوا رجال البخاري لم يذكروا فيهم المعمر بن سليمان الرقي وأطبقوا على ذكر المعتمر بن سليمان التيمي البصري وأغرب الكرماني فحكى أنه قيل الصواب في هذا معمر بن راشد يعني شيخ عبد الرزاق قلت وهذا هو الخطأ بعينه فليست لعبد الله بن جعفر الرقي عن معمر بن راشد رواية أصلا والله المستعان ثم رأيت سلف الدمياطي فيما جزم به فقال بن قرقول في المطالع وقع في التوحيد وفي الجزية عن الفضل بن يعقوب عن عبد الله بن جعفر عن معتمر بن سليمان عن سعيد بن عبيد الله كذا للجميع في الموضعين قالوا وهو وهم وإنما هو المعمر بن سليمان الرقي وكذا كان في أصل الاصيلي فزاد فيه التاء وأصلحه في الموضعين قال الاصيلي المعتمر هو الصحيح وقال غيره المعمر هو الصحيح والرقي لا يروي عن المعتمر قال ولم يذكر الحاكم ولا الباجي في رجال البخاري المعمر بن سليمان بل قال الباجي في ترجمة عبد الله بن جعفر يروى عن المعتمر ولم يذكر له البخاري عنه رواية قوله حدثنا سعيد بن عبيد الله الثقفي هو بن جبير بن حية المذكور بعد وزياد بن جبير شيخه هو بن عمه قوله عن جبير بن حية هو جد زياد وحية أبوه بمهملة وتحتانية مثقلة وهو من كبار التابعين واسم جده مسعود بن معتب بمهملة ومثناة ثم موحدة ومنهم من عده في الصحابة وليس ذلك عندي ببعيد لان من شهد الفتوح في وسط خلافة عمر يكون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مميزا وقد نقل بن عبد البر أنه لم يبق في سنة حجة الوداع من قريش وثقيف أحدا أسلم وشهدها وهذا منهم وهو من بيت كبير فإن عمه عروة بن مسعود كان رئيس ثقيف في زمانه والمغيرة بن شعبة بن عمه ووقع في رواية الطبري من طريق مبارك بن فضالة عن زياد بن جبير حدثني أبي ولسعيد حفيده رواية أخرى في الاشربة والتوحيد وعمه زياد بن جبير تقدمت له روايات أخرى في الصوم والحج وذكر أبو الشيخ أن جبير بن حية ولي إمرة أصبهان ومات في خلافة عبد الملك بن مروان قوله بعث عمر الناس في أفناء الامصار أي في مجموع البلاد الكبار والافناء بالفاء والنون ممدود جمع فنو بكسر الفاء وسكون النون ويقال فلان من أفناء الناس إذا لم تعين قبيلته والمصر المدينة العظيمة ووقع عند الكرماني الانصار بالنون بدل الميم وشرح عليه ثم قال وفي بعضها الامصار قوله فأسلم الهرمزان في السياق اختصار كثير لان إسلام الهرمزان كان بعد قتال كثير بينه وبين المسلمين بمدينة تستر ثم نزل على حكم عمر فأسره

[ 189 ]

أبو موسى الاشعري وأرسل به إلى عمر مع أنس فأسلم فصار عمر يقربه ويستشيره ثم اتفق أن عبيد الله بالتصغير أن عمر بن الخطاب أتهمه بأنه واطأ أبا لؤلؤة على قتل عمر فعدا على الهرمزان فقتله بعد قتل عمر وستأتي قصة إسلام الهرمزان بعد عشرة أبواب وهو بضم الهاء وسكون الراء وضم الميم بعدها زاي وكان من عظماء الفرس قوله إني مستشيرك في مغازي بالتشديد وهذه إشارة إلى ما في قصده ووقع في رواية بن أبي شيبة من طريق معقل بن يسار أن عمر شاور الهرمزان في فارس وأصبهان وأذربيجان أي بأيها يبدأ وهذا يشعر بأن المراد أنه استشاره في جهات مخصوصة والهرمزان كان من أهل تلك البلاد وكان أعلم باحوالها من غيره وعلى هذا ففي قوله في حديث الباب فالرأس كسرى والجناح قيصر والجناح الآخر فارس نظر لان كسرى هو رأس أهل فارس وأما قيصر صاحب الروم فلم يكن كسرى رأسا لهم وقد وقع عند الطبري من طريق مبارك بن فضالة المذكورة قال فإن فارس اليوم رأس وجناحان وهذا موافق لرواية بن أبي شيبة وهو أولى لان قيصر كان بالشام ثم ببلاد الشمال ولا تعلق لهم بالعراق وفارس والمشرق ولو أراد أن يجعل كسرى رأس الملوك وهو ملك المشرق وقيصر ملك الروم دونه ولذلك جعله جناحا لكان المناسب أن يجعل الجناح الثاني ما يقابله من جهة اليمن كملوك الهند والصين مثلا لكن دلت الروية الاخرى على أنه لم يرد الا أهل بلاده التي هو عالم بها وكأن الجيوش إذ ذاك كانت بالبلاد الثلاثة وأكثرها وأعظمها بالبلدة التي فيها كسرى لانه كان رأسهم قوله فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى في رواية مبارك أن الهرمزان قال فاقطع الجناحين يلن لك الرأس فأنكر عليه عمر فقال ب أقطع الرأس أولا فيحتمل أنه لما أنكر عليه عاد فأشار عليه بالصواب قوله واستعمل علينا النعمان بن مقرن بالقاف وتشديد الراء وهو المزني وكان من أفاضل الصحابة هاجر هو وإخوة له سبعة وقيل عشرة وقال بن مسعود أن للايمان بيوتا وأن بيت آل مقرن من بيوت الايمان وكان النعمان قدم على عمر بفتح القادسية ففي رواية بن أبي شيبة المذكورة فدخل عمر المسجد فإذا هو بالنعمان يصلي فقعد فلما فرغ قال إني مستعملك قال أما جابيا فلا ولكن غازيا قال فإنك غاز فخرج معه الزبير وحذيفة وابن عمر والاشعث وعمرو بن معد يكرب وفي رواية الطبري المذكورة فأراد عمر المسير بنفسه ثم بعث النعمان ومعه بن عمر وجماعة وكتب إلى أبي موسى أن يسير بأهل البصرة وإلى حذيفة أن يسير بأهل الكوفة حتى يجتمعوا بنهاوند وهي بفتح النون والهاء والواو وسكون الثانية قال وإذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرن قوله حتى إذا كنا بأرض العدو وقد عرف من رواية الطبري أنها نهاوند قوله خرج علينا عامل كسرى سماه مبارك بن فضالة في روايته بندار وعند بن أبي شيبة أنه ذو الجناحين فلعل أحدهما لقبه قوله فقام ترجمان في رواية الطبري من الزيادة فلما اجتمعوا أرسل بندار إليهم أن أرسلوا إلينا رجلا نكلمه فأرسلوا إليه المغيرة وفي رواية بن أبي شيبة وكان بينهم نهر فسرح إليهم المغيرة فعبر النهر فشاور ذو الجناحين أصحابه كيف نقعد للرسول فقالوا له أقعد في هيئة الملك وبهجته فقعد على سريره ووضع التاج على رأسه وقام أبناء الملوك حوله سماطين عليهم أساور الذهب والقرطة والديباج قال فأذن للمغيرة فأخذ بضبعيه رجلان ومعه رمحه وسيفه فجعل يطعن برمحه في بسطهم ليتطيروا وفي رواية الطبري قال المغيرة فمضيت

[ 190 ]

ونكتت رأسي فدفعت فقلت لهم أن الرسول لا يفعل به هذا قوله ما أنتم هكذا خاطبه بصيغة من لا يعقل احتقارا له وفي رواية بن أبي شيبة فقال إنكم معشر العرب أصابكم جوع وجهد فجئتم فإن شئتم مرناكم بكسر الميم وسكون الراء أي أعطيناكم الميرة أي الزاد ورجعتم وفي رواية الطبري إنكم معشر العرب أطول الناس جوعا وأبعد الناس من كل خير وما منعني أن آمر هؤلاء الاساورة أن ينتظموكم بالنشاب الا تنجسا لجيفكم قال فحمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت ما أخطأت شيئا من صفتنا كذلك كنا حتى بعث الله إلينا رسوله قوله نعرف أباه وأمه زاد في رواية بن أبي شيبة في شرف منا أوسطنا حسبا وأصدقنا حديثا قوله فأمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية هذا القدر هو الذي يحتاج إليه في هذا الباب وفيه أخبار المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال المجوس حتى يؤدوا الجزية ففيه دفع لقول من زعم أن عبد الرحمن بن عوف تفرد بذلك وزاد في رواية الطبري وأنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء حتى نغلبكم على ما في أيديكم قوله فقال النعمان هكذا وقع في هذه الرواية مختصرا قال بن بطال قول النعمان للمغيرة ربما أشهدك الله مثلها أي مثل هذه الشدة وقوله فلم يندمك أي ما لقيت معه من الشدة ولم يحزنك أي لو قتلت معه لعلمك بما تصير إليه من النعيم وثواب الشهادة قال وقوله ولكني شهدت الخ كلام مستأنف وابتداء قصة أخرى اه وقد بين مبارك بن فضالة في روايته عن زياد بن جبير ارتباط كلام النعمان بما قبله وبسياقه يتبين أنه ليس قصة مستأنفة وحاصله أن المغيرة أنكر على النعمان تأخير القتال فاعتذر النعمان بما قاله وما أول به قوله فلم يندمك الخ فيه أيضا نظر والذي يظهر أنه أراد بقوله فلم يندمك أي على التأني والصبر حتى تزول الشمس وقوله ولم يحزنك شرحه على أنه بالمهملة والنون من الحزن وفي رواية المستملي بالخاء المعجمة بغير نون وهو أوجه لوفاق ما قبله وهو نظير ما تقدم في وفد عبد القيس غير خزايا ولا ندامى ولفظ مبارك ملخصا أنهم أرسلوا إليهم أما أن تعبروا إلينا النهر أو نعبر إليكم قال النعمان اعبروا إليهم قال فتلاقوا وقد قرن بعضهم بعضا وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا يفروا قال فرأى المغيرة كثرتهم فقال لم أر كاليوم فشلا أن عدونا يتركون يتأهبون أما والله لو كان الامر إلي لقد أعجلتهم وفي رواية بن أبي شيبة فصاففناهم فرشقونا حتى أسرعوا فينا فقال المغيرة للنعمان أنه قد أسرع في الناس فلو حملت فقال النعمان انك لذو مناقب وقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها وفي رواية الطبري قد كان الله أشهدك أمثالها والله ما منعني أن أناجزهم الا شئ شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله حتى تهب الارواح جمع ريح وأصله الواو لكن لما انكسر ما قبل الواو الساكنة انقلبت ياء والجمع يرد الاشياء إلى أصولها وقد حكى بن جنى جمع ريح على أرياح قوله وتحضر الصلوات في رواية بن أبي شيبة وتزول الشمس وهو بالمعنى وزاد في رواية الطبري ويطيب القتال وفي رواية بن أبي شيبة وينزل النصر وزادا معا واللفظ لمبارك بن فضالة عن زياد بن جبير فقال النعمان اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الاسلام وذل الكفر والشهادة لي ثم قال إني هاز اللواء فتيسروا للقتال وفي رواية بن أبي شيبة فليقض الرجل حاجته وليتوضأ ثم هازه الثانية فتأهبوا وفي رواية بن أبي شيبة فلينظر الرجل إلى نفسه ويرمي من سلاحه ثم هازه الثالثة فاحملوا ولا يلوين أحد على أحد

[ 191 ]

ولو قتلت فإن قتلت فعلى الناس حذيفة قال فحمل وحمل الناس فوالله ما علمت أن أحدا يومئذ يريد أن يرجع إلى أهله حتى يقتل أو يظفر فثبتوا لنا ثم انهزموا فجعل الواحد يقع على الآخر فيقتل سبعة وجعل الحسك الذي جعلوه خلفهم يعقرهم وفي رواية بن أبي شيبة ووقع ذو الجناحين عن بغلة شهباء فانشق بطنه ففتح الله على المسلمين وفي رواية الطبري وجعل النعمان يتقدم باللواء فلما تحقق الفتح جاءته نشابة في خاصرته فصرعته فسجاه أخوه معقل ثوبا وأخذ اللواء ورجع الناس فنزلوا وبايعوا حذيفة فكتب بالفتح إلى عمر مع رجل من المسلمين قلت وسماه سيف في الفتوح طريف بن سهم وعند بن أبي شيبة من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان هو النهدي أنه ذهب بالبشارة إلى عمر فيمكن أن يكونا ترافقا وذكر الطبري أن ذلك كان سنة تسع عشرة وقيل سنة إحدى وعشرين وفي الحديث منقبة للنعمان ومعرفة المغيرة بالحرب وقوة نفسه وشهامته وفصاحته وبلاغته ولقد اشتمل كلام هذا الوجيز على بيان أحوالهم الدنيوية من المطعم والملبس ونحوهما وعلى أحوالهم الدينية أولا وثانيا وعلى معتقدهم من التوحيد والرسالة والايمان بالمعاد وعلى بيان معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم واخباره بالمغيبات ووقوعها كما أخبر وفيه فضل المشورة وأن الكبير لا نقص عليه في مشاورة من هو دونه وأن المفضول قد يكون أميرا على الافضل لان الزبير بن العوام كان في جيش عليه فيه النعمان بن مقرن والزبير أفضل منه اتفاقا ومثله تأمير عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر وعمر كما سيأتي في أواخر المغازي وفيه ضرب المثل وجودة تصور الهرمزان ولذلك استشاره عمر وتشبيه لغائب المجوس بحاضر محسوس لتقريبه إلى الفهم وفيه البداءة بقتال الاهم فالاهم وبيان ماكان العرب عليه في الجاهلية من الفقر وشظف العيش والارسال إلى الامام بالبشارة وفضل القتال بعد زوال الشمس على ما قبله وقد تقدم ذلك في الجهاد ولا يعارضه ما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان يغير صباحا لان هذا عند المصاففة وذاك عند الغارة قوله باب إذا وادع الامام ملك القرية هل يكون ذلك لبقيتهم أي لبقية أهل القرية أورد فيه طرفا من حديث أبي حميد الساعدي غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم تبوك فأهدى ملك أيلة بغلة الحديث وقد تقدم بتمامه في كتاب الزكاة وقوله وكساه بردا كذا فيه بالواو ولابي ذر بالفاء وهو أولى لان فاعل كسا هو النبي صلى الله عليه وسلم وقوله ببحرهم أي بقريتهم قال بن المنير لم يقع في لفظ الحديث عند البخاري صيغة الامان ولا صيغة الطلب لكنه بناه على العادة في أن الملك الذي أهدى إنما طلب إبقاء ملكه وإنما يبقى ملكه ببقاء رعيته فيؤخذ من هذا أن موادعته موادعة لرعيته قلت وهذا القدر لا يكفي في مطابقة الحديث للترجمة لان العادة بذلك معروفة من غير الحديث وإنما جرى البخاري على عادته في الاشارة إلى بعض طرق الحديث الذي يورده وقد ذكر ذلك بن إسحاق في السيرة فقال لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه بحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم بسم الله الرحمن الرحيم هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله لبحنة بن رؤبة وأهل أيلة فذكره قال بن بطال العلماء مجمعون على أن الامام إذا صالح ملك القرية أنه يدخل في ذلك الصلح بقيتهم واختلفوا في عكس ذلك وهو ما إذا استأمن لطائفة معينة هل يدخل هو فيهم فذهب الاكثر

[ 192 ]

إلى أنه لا بد من تعيينه لفظا وقال أصبغ وسحنون لا يحتاج إلى ذلك بل يكتفى بالقرينة لانه لم يأخذ الامان لغيره الا وهو يقصد إدخال نفسه قوله باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الوصاة بفتح الواو والمهملة مخففا بمعنى الوصية تقول وصيته وأوصيته توصية والاسم الوصاة والوصية وقد تقدم بسطه في أول كتاب الوصايا قوله والذمة العهد والال القرابة هو تفسير الضحاك في قوله تعالى لا يرقبون في مؤمن الا ولا ذمة وهو كقول الشاعر وأشهد أن الك من قريش كال السقب من رأل النعام وقال أبو عبيدة في المجاز الال العهد والميثاق واليمين ومجاز الذمة التذمم والجمع ذمم وقال غيره يطلق الال أيضا على العهد وعلى الجوار وعن مجاهد الال الله وأنكره عليه غير واحد قوله حدثنا أبو جمرة هو بالجيم والراء الضبعي صاحب بن عباس وجويرية بن قدامة بالجيم مصغر ماله في البخاري سوى هذا الموضع وهو مختصر من حديث طويل في قصة مقتل عمر وسأذكر ما فيه من فائدة زائدة في الكلام على حديث عمر المذكور في مناقبه وقيل أن جويرية هذا هو جارية بن قدامة الصحابي المشهور وقد بينت في كتابي في الصحابة ما يقويه فإن ثبت وإلا فهو من كبار التابعين قوله أوصيكم بذمة الله فإنه ذمة نبيكم ورزق عيالكم في رواية عمرو بن ميمون وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا الا طاقتهم قلت ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه وقوله في هذه الرواية ورزق عيالكم أي ما يؤخذ منهم من الجزية والخراج قال المهلب في الحديث الحض على الوفاء بالعهد وحسن النظر في عواقب الامور والاصلاح لمعاني المال وأصول الاكتساب قوله باب ما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم من البحرين وما وعد من مال البحرين والجزية ولمن يقسم الفئ والجزية اشتملت هذه الترجمة على ثلاثة أحكام وأحاديث الباب ثلاثة موزعة عليها على الترتيب فأما اقطاعه صلى الله عليه وسلم من البحرين فالحديث الاول دال على أنه صلى الله عليه وسلم هم بذلك وأشار على الانصار به مرارا فلما لم يقبلوا تركه فنزل المصنف ما بالقوة منزلة ما بالفعل وهو في حقه صلى الله عليه وسلم واضح لانه لا يأمر الا بما يجوز فعله والمراد بالبحرين البلد المشهور بالعراق وقد تقدم في فرض الخمس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صالحهم وضرب عليه الجزية وتقدم في كتاب الشرب في الكلام على هذا الحديث أن المراد باقطاعها للانصار تخصيصهم بما يتحصل من جزيتها وخراجها لا تمليك رقبتها لان أرض الصلح

[ 193 ]

لا تقسم ولا تقطع وأما ما وعد من مال البحرين والجزية فحديث جابر دال عليه وقد مضى في الخمس مشروحا وأما مصرف الفئ والجزية فعطف الجزية على الفئ من عطف الخاص على العام لانها من جملة الفقال الشافعي وغيره من العلماء الفئ كل ما حصل للمسلمين مما لم يوجفوا عليه بخيولا ركاب وحديث أنس المعلق يشعر بأنه راجع إلى نظر الامام يفضل من شاء بما شاء وقد تقدم الحديث بهذا الاسناد المعلق بعينه في المساجد من كتاب الصلاة وذكرت هناك من وصله وبعض فوائده وأعاده في الجهاد وغيره بأخصر من هذا وتقدم في الخمس أن المال الذي أتى به من البحرين كان من الجزية وأن مصرف الجزية مصرف الفئ وتقدم بيان الاختلاف في مصرف الفئ وأن المصنف يختار أنه إلى نظر الامام والله أعلم وروى عبد الرزاق في حديث عمر الطويل حين دخل عليه العباس وعلي يختصمان قال قرأ عمر ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى الآية فقالوا استوعبت هذه المسلمين ورواه أبو عبيدة من وجه آخر وقال فيه فاستوعبت هذه الآية الناس فلم يبق أحد الا له فيها حق الا بعض من تملكون من أرقائكم قال أبو عبيد حكم الفئ والخراج والجزية واحد ويلتحق به ما يؤخذ من مال أهل الذمة من العشر إذا اتجروا في بلاد الاسلام وهو حق المسلمين يعم به الفقير والغني وتصرف منه أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وما ينوب الامام من جميع ما فيه صلاح الاسلام والمسلمين واختلف الصحابة في قسم الفئ فذهب أبو بكر إلى التسوية وهو قول علي وعطاء واختيار الشافعي وذهب عمر وعثمان إلى التفضيل وبه قال مالك وذهب الكوفيون إلى أن ذلك إلى رأي الامام أن شاء فضل وأن شاء سوى قال بن بطال أحاديث الباب حجة لمن قال بالتفضيل كذا قال والذي يظهر أن من قال بالتفضيل يشترط التعميم بخلاف من قال أنه إلى نظر الامام وهو الذي تدل عليه أحاديث الباب والله أعلم وروى أبو داود من حديث عوف بن مالك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه فئ قسمه من يومه فأعطى الآهل حظين وأعطى الاعزب حظا واحدا وقال بن المنذر انفرد الشافعي بقوله أن في الفئ الخمس كخمس الغنيمة ولا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم لان الآيات التاليات لآية الفئ معطوفات على آية الفئ من قوله للفقراء المهاجرين إلى آخرها فهي مفسرة لما تقدم من قوله ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى والشافعي حمل الآية الاولى على أن القسمة إنما وقعت لمن ذكر فيها فقط ثم لما رأى الاجماع على أن أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وغير ذلك من مال الفئ تأول أن الذي ذكر في الآية هو الخمس فجعل خمس الفئ واجبا لهم وخالفه عامة أهل العلم أتباعا لعمر والله أعلم وفي قصة العباس دلالة على أن سهم ذوي القربى من الفئ لا يختص بفقيرهم لان العباس كان من الاغنياء قال إسحاق بن منصور قلت لاحمد في قول عمر ما على الارض مسلم الا وله من هذا الفئ حق الا ما ملكت أيمانكم قال يقول الفئ للغنى والفقير وكذا قال إسحاق بن راهويه قوله باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم كذا قيده في الترجمة وليس التقييد في الخبر لكنه مستفاد من قواعد الشرع ووقع منصوصا في رواية أبي معاوية الآتي ذكرها بلفظ بغير حق وفيما أخرجه النسائي وأبو داود من حديث أبي بكرة بلفظ من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة وسيأتي الكلام على المتن في الديات فإنه ذكره فيه بهذا الاسناد بعينه و عبد الواحد شيخ شيخه هو بن زياد والحسن بن عمرو هو الفقيمي بالفاء والقاف

[ 194 ]

مصغر كوفي ثقة ما له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الادب قوله مجاهد عن عبد الله بن عمرو أي بن العاص كذا قال عبد الواحد عن الحسن بن عمرو وتابعه أبو معاوية عند بن ماجة وعمرو بن عبد الغفار الفقيمي عند الاسماعيلي فهؤلاء ثلاثة رووه هكذا وخالفهم مروان بن معاوية فرواه عن الحسن بن عمرو فزاد فيه رجلا بين مجاهد و عبد الله بن عمرو وهو جنادة بن أبي أمية أخرجه من طريقه النسائي ورجح الدارقطني رواية مروان لاجل هذه الزيادة لكن سماع مجاهد من عبد الله بن عمرو ثابت وليس بمدلس فيحتمل أن يكون مجاهد سمعه أولا من جنادة ثم لقي عبد الله بن عمرو أسمعاه معا وثبته فيه جنادة فحدث به عن عبد الله بن عمرو تارة وحدث به عن جنادة أخرى ولعل السر في ذلك ما وقع بينهما من زيادة أو اختلاف لفظ فإن لفظ النسائي من طريقه من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة فقال من أهل الذمة ولم يقل معاهدا وهو بالمعنى ووقع في رواية أبي معاوية بغير حق كما تقدم ووقع في رواية الجميع أربعين عاما الا عمرو بن عبد الغفار فقال سبعين ووقع مثله في حديث أبي هريرة عند الترمذي تنبيهان أحدهما اتفقت النسخ على أن الحديث من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص الا ما رواه الاصيلي عن الجرجاني عن الفربري فقال عبد الله بن عمر بضم العين بغير واو وهو تصحيف نبه عليه الجياني ثانيهما قوله لم يرح بفتح الياء والراء وأصله يراح أي وجد الريح وحكى بن التين ضم أوله وكسر الراء قال والاول أجود وعليه الاكثر وحكى بن الجوزي ثالثة وهو فتح أوله وكسر ثانيه من راح يريح والله أعلم قوله باب إخراج اليهود من جزيرة العرب تقدم الكلام على جزيرة العرب في باب هل يستشفع إلى أهل الذمة من كتاب الجهاد وتقدم فيه حديث بن عباس ثاني حديثي الباب ولفظه أخرجوا المشركين وكأن المصنف اقتصر على ذكر اليهود لانهم يوحدون الله تعالى الا القليل منهم ومع ذلك أمر بإخراجهم فيكون إخراج غيرهم من الكفار بطريق الاولى قوله وقال عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أقركم ما أقركم الله هو طرف من قصة أهل خيبر وقد تقدم موصولا في المزارعة مع الكلام عليه ثم ذكر فيه حديثين أحدهما حديث أبي هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم لليهود أسلموا تسلموا وسيأتي بأتم من هذا السياق في كتاب الاكراه وفي الاعتصام ولم أر من صرح بنسب اليهود المذكورين والظاهر أنهم بقايا من اليهود تأخروا بالمدينة بعد اجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم لانه كان قبل إسلام أبي هريرة وإنما جاء أبو هريرة بعد فتح خيبر كما سيأتي بيان ذلك كله في المغازي وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على أن يعملوا في الارض كمتقدم واستمروا إلى أن أجلاهم عمر ويحتمل والله أعلم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فتح ما بقي من خيبر هم باجلاء من بقي ممن صالح من اليهود ثم سألوه أن يبقيهم ليعملوا في الارض فبقاهم أو كان قد بقي بالمدينة من اليهود المذكورين طائفة استمروا فيها معتمدين على الرضا بابقائهم للعمل في أرض خيبر ثم منعهم النبي صلى الله عليه وسلم من سكنى المدينة أصلا والله أعلم بل سياق كلام القرطبي في شرح مسلم يقتضي أنه فهم أن المراد بذلك بنو النضير ولكن لا يصح ذلك لتقدمه على مجئ أبي هريرة وأبو هريرة يقول في هذا الحديث أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وبيت المدراس بكسر أوله هو البيت الذي يدرس فيه كتابهم أو المراد بالمدراس العالم الذي يدرس كتابهم والاول أرجح لان في الرواية الاخرى حتى

[ 195 ]

أتى المدراس وقوله أسلموا تسلموا من الجناس الحسن لسهولة لفظه وعدم تكلفه وقد تقدم نظيره في كتاب هرقل أسلم تسلم وقوله اعلموا جملة مستأنفة كأنهم قالوا في جواب قوله أسلموا لم قلت هذا وكررته فقال اعلموا أني أريد أن أجليكم فإن أسلمتم سلمتم من ذلك ومما هو أشق منه وقولهم قد بلغت كلمة مكر ومداجاة ليدافعوه بما يوهمه ظاهرها ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ذلك أريد أي التبليغ قوله فمن يجد منكم بماله من الوجدان أي يجد مشتريا أو من الوجد أي المحبة أي يحبه والغرض أن منهم من يشق عليه فراق شئ من ماله مما يعسر تحويله فقد أذن له في بيعه ثانيهما حديث بن عباس فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاته والغرض منه قوله أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ووقع في رواية الجرجاني أخرجوا اليهود والاول أثبت قوله حدثنا محمد حدثنا بن عيينة محمد هذا هو بن سلام وقد تقدم في كتاب الوضوء في حديث آخر حدثنا محمد بن سلام حدثنا بن عيينة وسيأتي الكلام على شرح المتن في الوفاة آخر المغازي إن شاء الله تعالى قال الطبري فيه أن على الامام إخراج كل من دان بغير دين الاسلام من كل بلد غلب عليها المسلمون عنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم كعمل الارض ونحو ذلك وعلى ذلك أقر عمر من أقر بالسواد والشام وزعم أن ذلك لا يختص بجزيرة العرب بل يلتحق بها ما كان على حكمها قوله باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة اليهود في سم الشاة بعد فتح خيبر وسيأتي الكلام عليه مستوفى في المغازي ولم يجزم البخاري بالحكم إشارة إلى ما وقع من الاختلاف في معاقبة المرأة التي أهدت السم وسيأتي بسطه هناك إن شاء الله تعالى قوله باب دعاء الامام على من نكث عهدا ذكر فيه حديث أنس في القنوت وقد سبق شرحه مستوفى في كتاب الوتر وقوله حدثنا ثابت بن يزيد أوله تحتانية ووهم من قال فيه زيد بغير ياء وعاصم شيخه هو الاحول والاسناد كله بصريون قوله باب أمان النساء وجوارهن الجوار بكسر الجيم وضمها المجاورة والمراد هنا الاجارة

[ 196 ]

تقول جاورته أجاوره مجاورة وجوارا وأجرته أجيره إجارة وجوارا ذكر فيه حديث أم هانئ وقد تقدم في أوائل الصلاة ما يتعلق بالمراد بفلان بن هبيرة وغير ذلك من فوائده ووقع هنا الداودي الشارح وهم فإنه قال قوله عام الحديبية وهم من عبد الله بن يوسف والذي قاله غيره يوم الفتح وتعقبه بن التين بان الروايات كلها على خلاف ما قال الداودي وليس فيها الا يوم الفتح على الصواب قال بن المنذر أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة الا شيئا ذكره عبد الملك يعني بن الماجشون صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره قال أن أمر الامان إلى الامام وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة قال بن المنذر وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم يسعى بذمتهم أدناهم على دلالة على اغفال هذا القائل انتهى وجاء عن سحنون مثل قول بن الماجشون فقال هو إلى الامام أن أجازه جاز وأن رده رد قوله باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة يسعى بذمتهم أدناهم ذكر فيه حديث علي في الصحيفة ومحمد شيخه هو بن سلام نسبه بن السكن والغرض منه قوله فيه وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه مثذلك أي مثل ما ذكر من الوعيد في حق من أحدث في المدينة حدثا وهو ظاهر فيما يتعلق بصدر الترجمة وأما قوله يسعى بذمتهم أدناهم فأشار به إلى ما ورد في بعض طرقه وقد تقدم بيانه في فضل المدينة في أواخر الحج ويأتي بهذا اللفظ بعد خمسة أبواب ودخل في قوله أدناهم أي أقلهم كل وضيع بالنص وكل شريف بالفحوى فدخل في أدناهم المرأة والعبد والصبي والمجنون فأما المرأة فتقدم في الباب الذي قبله وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه قاتل أو لم يقاتل وقال أبو حنيفة أن قاتل جاز أمانه وإلا فلا وقال سحنون إذا أذن له سيده في القتال صح أمانه وإلا فلا وأما الصبي فقال بن المنذر أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز قلت وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره وكذلك المميز الذي يعقل والخلاف عن المالكية والحنابلة وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف كالكافر لكن قال الاوزاعي أن غزا الذمي مع المسلمين فأمن أحدا فإن شاء الامام أمضاه وإلا فليرده إلى مأمنه وحكى بن المنذر عن الثوري أنه استثنى من الرجال الاحرار الاسير في أرض الحرب فقال لا ينفذ أمانه وكذلك الاجير وقد مضى كثير من فوائد هذا الحديث في فضل المدينة وتأتي بقيته في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى قوله باب إذا قالوا أي المشركون حين يقاتلون صبأنا أي وأرادوا الاخبار بأنهم أسلموا ولم يحسنوا أسلمنا أي جريا منهم على لغتهم هل يكون ذلك كافيا في رفع القتال عنهم أم لا قال بن المنير مقصود الترجمة أن المقاصد تعتبر بأدلتها كيفما كانت الادلة لفظية أو غير لفظية بأي لغة كانت قوله وقال بن عمر فجعل خالد يقتل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبرأ إليك مما صنع خالد هذا طرف من حديث طويل أخرجه المؤلف في غزوة الفتح من المغازي ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك وحاصله أن خالد بن الوليد غزا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم قوما فقالوا صبأنا وأرادوا أسلمنا فلم يقبل خالد ذلك منهم وقتلهم بناء على ظاهر اللفظ فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأنكره فدل على أنه يكتفى من كل قوم بما يعرف من لغتهم وقد عذر النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في اجتهاده ولذلك لم يقد منه وقال بن بطال لا خلاف أن الحاكم إذا قضى بجور أو بخلاف قول أهل العلم أنه مردود لكن ينظر فإن كان على وجه الاجتهاد فإن الاثم ساقط وأما الضمان فيلزم عند الاكثر وقال الثوري وأهل الرأي وأحمد وإسحاق ما كان في قتل

[ 197 ]

أو جراح ففي بيت المال وقال الاوزاعي والشافعي وصاحبا أبي حنيفة على العاقلة وقال بن الماجشون لا يلزم فيه ضمان وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الاحكام وهذا من المواضع التي يتمسك بها في أن البخاري يترجم ببعض ما ورد في الحديث وأن لم يورده في تلك الترجمة فإنه ترجم بقوله صبأنا ولم يوردها واكتفى بطرف الحديث الذي وقعت هذه اللفظة فيه قوله وقال عمر إذا قال مترس فقد آمنه أن الله يعلم الالسنة كلها وصله عبد الرزاق من طريق أبي وائل قال جاءنا كتاب عمر ونحن نحاصر قصر فارس فقال إذا حاصرتم قصرا فلا تقولوا انزل على حكم الله فإنكم لا تدرون ما حكم الله ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم وإذا لقي الرجل الرجل فقال لا تخف فقد أمنه وإذا قال مترس فقد أمنه أن الله يعلم الالسنة كلها وأول هذا الاثر أخرجه مسلم من طريق بريدة مرفوعا في حديث طويل ومترس كلمة فارسية معناها لا تخف وهي بفتح الميم وتشديد المثناة واسكان الراء بعدها مهملة وقد تخفف التاء وبه جزم بعض من لقيناه من العجم وقيل بإسكان المثناة وفتح الراء ووقع في الموطأ رواية يحيى بن يحيى الاندلسي مطرس بالطاء بدل المثناة قال بن قرقول هي كلمة أعجمية والظاهر أن الراوي فخم المثناة فصارت تشبه الطاء كما يقع من كثير من الاندلسيين قوله وقال تكلم لا بأس فاعل قال هو عمر وروى بن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان في تاريخه من طرق بإسناد صحيح عن أنس بن مالك قال حاصرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم عمر فلما قدم به عليه استعجم فقال له عمتكلم لا بأس عليك وكان ذلك تأمينا من عمر ورويناه مطولا في سنن سعيد بن منصور حدثنا هشيم أخبرنا حميد وفي نسخة إسماعيل بن جعفر من طريق بن خزيمة عن علي بحجر عنه عن حميد عن أنس قال بعث معي أبو موسى بالهرمزان إلى عمر فجعل عمر يكلمه فلا يتكلم فقال له تكلم قال أكلام حي أم كلام ميت قال تكلم لا بأس فذكر القصة فأل فأراد قتله فقلت لا سبيل إلى ذلك قد قلت له تكلم لا بأس فقال من يشهد لك فشهد لي الزبير بمثل ذلك فتركه فأسلم وفرض له في العطاء قال بن المنير يستفاد منه أن الحاكم إذا نسي حكمه فشهد عنده اثنان به نفذه وأنه إذا توقف في قبول شهادة الواحد فشهد الثاني بوفقه انتفت الريبة ولا يكون ذلك قدحا في شهادة الاول وقوله أن الله يعلم الالسنة كلها المراد اللغات ويقال أنها ثنتان وسبعون لغة ستة عشر في ولد سام ومثلها في ولد حام والبقية في ولد يافث قوله باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره أي كالاسرى قوله وأن جنحوا للسلم جنحوا طلبوا السلم فاجنح لها أي أن هذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين وتفسير جنحوا بطلبوا هو للمصنف وقال غيره معنى جنحوا مالوا وقال أبو عبيدة السلم والسلم واحد وهو الصلح وقال أبو عمر والسلم بالفتح الصلح والسلم بالكسر الاسلام ومعنى الشرط في الآية أن الامر بالصلح مقيد بما إذا كان الاحظ للاسلام المصالحة أما إذا كان الاسلام ظاهرا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا ذكر فيه حديث سهل بن أبي حثمة في قصة عبد الله بن سهل وقتله بخيبر والغرض منه قوله انطلق إلى خيبر وهي يومئذ صلح وفهم المهلب من قوله في آخره فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده أنه يوافق قوله في الترجمة والمصالحة مع المشركين بالمال فقال إنما وداه من عنده استئلافا لليهود وطمعا في دخولهم في الاسلام وهذا الذي قاله يرده ما في نفس الحديث من غير هذه الطريق فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فإنه مشعر بان سبب اعطائه ديته

[ 198 ]

من عنده كان تطييبا لقلوب أهله ويحتمل أن يكون كل منهما سببا لذلك وبهذا تتم الترجمة وأما أصل المسألة فاختلف فيه فقال الوليد بن مسلم سألت الاوزاعي عن موادعة إمام المسلمين أهل الحرب على مال يؤدونه إليهم فقال لا يصلح ذلك الا عن ضرورة كشغل المسلمين عن حربهم قال ولا بأس أن يصالحهم على غير شئ يؤدونه إليهم كما وقع في الحديبية وقال الشافعي إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شئ يعطونهم لان القتل للمسلمين شهادة وأن الاسلام أعز من أن يعطى المشركون على أن يكفوا عنهم الا في حالة مخافة اصطلام المسلمين لكثرة العدو لان ذلك من معاني الضرورات وكذلك إذا أسر رجل مسلم فلم يطلق الا بفدية جاز وأما قول المصنف وإثم من لم يف بالعهد فليس في حديث الباب ما يشعر به وسيأتي البحث فيه في كتاب القسامة من كتاب الديات إن شاء الله تعالى تنبيه قوله في نسب محيصة بن مسعود بن زيد يقال أن الصواب كعب بدل زيد قوله باب فضل الوفاء بالعهد ذكر فيه طرفا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل قال بن بطال أشار البخاري بهذا إلى أن الغدر عند كل أمة قبيح مذموم وليس هو من صفات الرسل قوله باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر قال بن بطال لا يقتل ساحر أهل العهد لكن يعاقب الا أن قتل بسحره فيقتل أو أحدث حدثا فيؤخذ به وهو قول الجمهور وقال مالك أن أدخل بسحره ضررا على مسلم نقض عهده بذلك وقال أيضا يقتل الساحر ولا يستتاب وبه قال أحمد وجماعة وهو عندهم كالزنديق وقوله وقال بن وهب الخ وصله بن وهب في جامعه هكذا قوله وكان من أهل الكتاب قال الكرماني ترجم بلفظ الذمي وسئل الزهري بلفظ أهل العهد وأجاب بلفظ أهل الكتاب فالاولان متقاربان وأما أهل الكتاب فمراده من له منهم عهد وكان الامر في نفس الامر كذلك قال بن بطال لا حجة لابن شهاب في قصة الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم لانه كان لا ينتقم لنفسه ولان السحر لم يضره في شئ من أمور الوحي ولا فبدنه وإنما كان اعتراه شئ من التخيل وهذا كما تقدم أن عفريتا تفلت عليه ليقط صلاته فلم يتمكن من ذلك وإنما ناله من ضرر السحر ما ينال المريض من ضرر الحمى قلت ولهذا الاحتمال لم يجزم المصنف بالحكم ثم ذكر طرفا من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر وأشار بالترجمة إلى ما وقع في بقية القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عوفي أمر بالبئر فردمت وقال كرهت أن أثير على الناس شرا وسيأتي الكلام على شرحه مستوفى حيث ذكره المصنف تاما في كتاب الطب إن شاء الله تعالى قوله باب ما يحذر بضم أوله مخففا ومثقلا من الغدر قوله وقول الله عزوجل وان يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله الآية هو بالجر عطفا على لفظ الغدر وحسب بإسكان المهملة أي كاف وفي هذه الآية إشارة إلى أن احتمال طلب العدو للصلح خديعة لا يمنع من الاجابة إذا ظهر للمسلمين بل يعزم ويتوكل على الله سبحانه قوله سمعت بسر بن عبيد الله بضم الموحدة وسكون المهملة والاسناد كله شاميون الا شيخ البخاري وفي تصريح عبد الله بن العلاء بالسماع له من بسر دلالة على أن الذي وقع في رواية الطبراني من طريق دحيم عن الوليد عن عبد الله بن العلاء عن زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله فزاد في الاسناد زيد بن واقد فهو من المزيد في متصل الاسانيد وقد أخرجه أبو داود وابن ماجة والاسماعيلي وغيرهم من طرق ليس فيها زيد بن واقد قوله أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة

[ 199 ]

تبوك وهو في قبة من أدم زاد في رواية المؤمل بن الفضل عن الوليد عند أبي داود فسلمت فرد فقال ادخل فقلت أكلي يا رسول الله قال كلك فدخلت فقال الوليد قال عثمان بن أبي العاتكة أنما قال ذلك من صغر القبة قوله ستا أي ست علامات لقيام الساعة أو لظهور أشراطها المقتربة منها قوله ثم موتان بضم الميم وسكون الواو قال القزاز هو الموت وقال غيره الموت الكثير الوقوع ويقال بالضم لغة تميم وغيرهم يفتحونها ويقال للبليد موتان القلب بفتح الميم والسكون وقال بن الجوزي يغلط بعض المحدثين فيقول موتان بفتح الميم والواو وإنما ذاك اسم الارض التي لم تحيى بالزرع والاصلاح تنبيه في رواية بن السكن ثم موتتان بلفظ التثنية وحينئذ فهو بفتح الميم قوله كعقاص الغنم بضم العين المهملة وتخفيف القاف وآخره مهملة هو داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شئ فتموت فجأة قال أبو عبيد ومنه أخذ الاقعاص وهو القتل مكانه وقال بن فارس العقاص داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق ويقال أن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس قوله ثم استفاضة المال أي كثرته وظهرت في خلافة عثمان عند تلك الفتوح العظيمة والفتنة المشار إليها افتتحت بقتل عثمان واستمرت الفتن بعده والسادسة لم تجئ بعد قوله هدنة بضم الهاء وسكون المهملة بعدها نون هي الصلح على ترك القتال بعد التحرك فيه قوله بني الاصفر هم الروم قوله غاية أي راية وسميت بذلك لانها غاية المتبع إذا وقفت وقف ووقع في حديث ذي مخبر بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة عند أبي داود في نحو هذا الحديث بلفظ راية بدل غاية وفي أوله ستصالحون الروم صلحا أمنا ثم تغزون أنتم وهم عدوا فتنصرون ثم تنزلون مرجا فيرفع رجل من أهل الصليب الصليب فيقول غلب الصليب فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفعه فعند ذلك تغدر الروم ويجتمعون للملحمة فيأتون فذكره ولابن ماجة من حديث أبي هريرة مرفوعا إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالي يؤيد الله بهم الدين وله من حديث معاذ بن جبل مرفوعا الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر وله من حديث عبد الله بن بسر رفعه بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين ويخرج الدجال في السابعة وإسناده أصح من إسناد حديث معاذ قال بن الجوزي رواه بعضهم غابة بموحدة بدل التحتانية والغابة الاجمة كأنه شبه كثرة الرماح بالاجمة وقال الخطابي الغابة الغيضة فاستعيرت للرايات ترفع لرؤساء الجيش لما يشرع معها من الرماح وجملة العدد المشار إليه تسعمائة ألف وستون ألفا ولعل أصله ألف ألف فألغيت كسوره ووقع مثله في رواية بن ماجة من حديث ذي مخبر ولفظه فيجتمعون للملحمة فيأتون تحت ثمانين غابة تحت كل غابة اثنا عشر ألفا ووقع عند الاسماعيلي من وجه آخر عن الوليد بن مسلم قال تذاكرنا هذا الحديث وشيخا من شيوخ المدينة فقال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه كان يقول في هذا الحديث مكان فتح بيت المقدس عمران بيت المقدس قال المهلب فيه أن الغدر من أشراط الساعة وفيه أشياء من علامات النبوة قد ظهر أكثرها وقال بن المنير أما قصة الروم فلم تجتمع إلى الآن ولا بلغنا أنهم غزوا في البر في هذا العدد فهي من الامور التي لم تقع بعد وفيه بشارة ونذارة وذلك أنه دل على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش وفيه إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه ووقع في رواية للحاكم من طريق الشعبي عن عوف بن مالك في هذا

[ 200 ]

الحديث أن عوف بن مالك قال لمعاذ في طاعون عمواس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي اعدد ستا بين يدي الساعة فقد وقع منهن ثلاث يعني موته صلى الله عليه وسلم وفتح بيت المقدس والطاعون قال وبقي ثلاث فقال له معاذ أن لهذا أهلا ووقع في الفتن لنعيم بن حماد أن هذه القصة تكون في زمن المهدي على يد ملك من آل هرقل قوله باب كيف ينبذ إلى أهل العهد وقول الله عزوجل واما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء أي اطرح إليهم عهدهم وذلك بأن يرسل إليهم من يعلمهم بأن العهد انتقض قال بن عباس أي على مثل وقيل على عدل وقيل أعلمهم إنك قد حاربتهم حتى يصيروا مثلك في العلم بذلك وقال الازهري المعنى إذا عاهدت قوما فخشيت منهم النقض فلا توقع بهم بمجرد ذلك حتى تعلمهم ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى الحديث وقد تقدم شرحه في الحج وأنه سيشرح في تفسير براءة قال المهلب خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم غدر المشركين فلذلك بعث من ينادي بذلك قوله باب إثم من عاهد ثم غدر الغدر حرام باتفاق سواء كان في حق المسلم أو الذمي قوله وقول الله عزوجل الذين عاهدت منهم ذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدها حديث عبد الله بن عمرو في علامات المنافق وهو ظاهر فيما ترجم له وقد مضى شرحه في كتاب الايمان ثانيها حديث علي ما كتبنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الا القرآن الحديث وقد تقدم التنبيه عليه قريبا والمراد منه قوله من أخفر مسلما وهو بالخاء المعجمة والفاء أي نقض عهده ثالثها حديث أبي هريرة قوله وقال أبو موسى هو محمد بن المثنى شيخ البخاري وقد تكرر نقل الخلاف في هذه الصيغة هل تقوم مقام العنعنة فتحمل على السماع أو لا تحمل على السماع الا ممن جرت عادته أن يستعملها فيه وبهذا الاخير جزم الخطيب وهذا الحديث قد وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق موسى بن عباس عن أبي موسى مثله ووقع في بعض نسخ البخاري حدثنا أبو موسى والاول هو الصحيح وبه جزم الاسماعيلي وأبو نعيم وغيرهما وإسحاق بن سعيد أي بن عمرو بن سعيد بن العاص وقد وافقه أخوه خالد بن سعيد أخرجه الاسماعيلي من طريقه بنحوه قوله إذا لم تجتبوا من الجباية بالجيم والموحدة وبعد الالف تحتانية أي لم تأخذوا من الجزية والخراج شيئا قوله تنتهك بضم أوله أي تتناول مما لا يحل من الجور والظلم قوله فيمنعون ما في أيديهم أي يمتنعون من أداء الجزية قال الحميدي أخرج مسلم معنى هذا الحديث من وجه آخر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رفعه منعت العراق درهمها وقفيزها وساق الحديث بلفظ الفعل

[ 201 ]

الماضي والمراد به ما يستقبل مبالغة في الاشارة إلى تحقق وقوعه ولمسلم عن جابر أيضا مرفوعا يوشك أهل العراق أن لا يجتبى إليهم بعير ولا درهم قالوا مم ذلك قال من قبل العجم يمنعون ذلك وفيه علم من أعلام النبوة والتوصية بالوفاء لاهل الذمة لما في الجزية التي تؤخذ منهم من نفع المسلمين وفيه التحذير من ظلمهم وأنه متى وقع ذلك لقضوا العهد فلم يجتب المسلمون منهم شيئا فتضيق أحوالهم وذكر بن حزم أن بعض المالكية احتج بقوله في حديث أبي هريرة منعت العراق درهمها الحديث على أن الارض المغنومة لا تقسم ولا تباع وأن المراد بالمنع منع الخراج ورده بأن الحديث ورد في الانذار بما يكون من سوء العاقبة وأن المسلمين سيمنعون حقوقهم في آخر الامر وكذلك وقع قوله باب كذا هو بلا ترجمة عند الجميع وهو كالفصل من الباب الذي قبله وذكر فيه حديثين أحدهما عن سهل بن حنيف في قصة الحديبية وذكره من وجهين والطريق الاولى منهما مختصرة وقد ساقه منها بتمامه في الاعتصام وقد تقدمت الاشارة إلى فوائده في الكلام على حديث المسور في كتاب الشروط وسيأتي ما يتعلق منه بصفين في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى والثاني في حديث أسماء بنت أبي بكر في وفود أمها ووجه تعلق الاول من جهة ما آل إليه أمر قريش في نقضها العهد من الغلبة عليهم وقهرهم بفتح مكة فإنه يوضح أن مآل الغدر مذموم ومقابل ذلك ممدوح ومن هنا يتبين تعلق الحديث الثاني ووجهه أن عدم الغدر اقتضى جواز صلة القريب ولو كان على غير دين الواصل وقد تقدم حديث أسماء في الهبة مشروحا وقول سهل بن حنيف يوم أبي جندل أراد به يوم الحديبية وإنما نسبه لابي جندل لانه لم يكن فيه على المسلمين أشد من قصته كما تقدم بيانه و عبد العزيز بن سياه في إسناده بالمهملة المكسورة بعدها تحتانية خفيفة وبالهاء وصلاووقفا وهو مصروف مع أنه أعجمي وكأنه ليس بعلم عندهم وإنما قال سهل بن حنيف لاهل صفين ما قال لما ظهر من أصحاب على كراهية التحكيم فأعلمهم بما جرى يوم الحديبية من كراهة أكثر الناس للصلح ومع ذلك فأعقب خيرا كثيرا وظهر أن رأي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلح أتم وأحمد من رأيهم في المناجزة وسيأتي بقية فوائده في كتاب التفسير والاعتصام إن شاء الله تعالى قوله باب المصالحة على ثلاثة أيام أو وقت معلوم أي

[ 202 ]

يستفاد من وقوع المصالحة على ثلاثة أيام جوازها في وقت معلوم ولو لم تكن ثلاثة وأورد فيه حديث البراء في العمرة وقد تقدم في الصلح وسيأتي شرح ما يتعلق بكتابة الصلح منه في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى قوله باب الموادعة من غير وقت وقول النبي صلى الله عليه وسلم أقركم على ما أقركم الله هو طرف من حديث معاملة أهل خيبر وقد تقدم شرحه في المزارعة وبيان الاختلاف في أصل المسألة وأما ما يتعلق بالجهاد فالموادعة فيه لاحد لها معلوم لا يجوز غيره بل ذلك راجع إلى رأي الامام بحسب ما يراه الاحظ والاحوط للمسلمين قوله باب طرح جيف المشركين في البئر ولا يؤخذ لهم ثمن ذكر فيه حديث بن مسعود في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على أبي جهل بن هشام وغيره من قريش وفيه فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر فألقوا في بئر وقد تقدم بهذا الاسناد في باب الطهارة ومضى شرحه أيضا ويأتي في المغازي مزيد لذلك قوله ولا يؤخذ لهم ثمن أشار به إلى حديث بن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم أخرجه الترمذي وغيره وذكر بن إسحاق في المغازي أن المشركين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسد نوفل بن عبد الله بن المغيرة وكان اقتحم الخندق فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده فقال بن هشام بلغنا عن الزهري أنهم بذلوا فيه عشرة آلاف وأخذه محديث الباب من جهة أن العادة تشهد أن أهل قتلى بدر لو فهموا أنه يقبل منهم فداء أجسادهم لبذلوا فيها ما شاء الله فهذا شاهد لحديث بن عباس وأن كان إسناده غير قوي قوله باب إثم الغادر للبر والفاجر أي سواء كان من بر لفاجر أو بر أو من فاجر لبر أو فاجر وبين هذه الترجمة والترجمة السابقة بثلاثة أبواب عموم وخصوص ذكر فيه أربعة أحاديث أحدها وثانيها حديث بن مسعود وأنس معا لكل غادر لواء وقوله وعن ثابت قائل ذلك هو شعبة بينه مسلم في روايته من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن ثابت عن أنس وقد أخرجه الاسماعيلي عن أبي خليفة عن أبي الوليد شيخ البخاري فيه بالاسنادين معا قال في موضعين وبهذا يرد على من جوز أن يكون ذلك معطوفا على قوله عن أبي الوليد فيكون من رواية الاعمش عن ثابت وليس كذلك ولم يرقم المزي في التهذيب في رواية الاعمش عن ثابت رقم البخاري قوله قال أحدهما ينصب وقال الآخر يرى يوم للقيامة يعرف به ليس في رواية مسلم المذكورة ينصب ولا يرى وقد زاد مسلم من طريق غندر عن شعبة يقال هذه غدرة فلان وله من حديث أبي سعيد يرفع له بقدر غدرته وله من حديثه من وجه آخر عند استه قال به المنير كأنه عومل بنقيض قصده لان عادة اللواء أن يكون على الرأس فنصب عند السفل زيادة في فضيحته لان الاعين غالبا تمتد إلى الالوية فيكون ذلك سببا لامتدادها إلى التي بدت له ذلك اليوم فيزداد بها فضيحة ثالثها حديث بن عمر في ذلك قوله ينصب يوم القيامة بغدرته أي بقدر غدرته كما في رواية مسلم قال القرطبي

[ 203 ]

هذا خطاب منه للعرب بنحو ما كانت تفعل لانهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء وللغدر راية سوداء ليلوموا الغادر ويذموه فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته في القيامة فيذمه أهل الموقف وأما الوفاء فلم يرد فيه شئ ولا يبعد أن يقع كذلك وقد ثبت لواء الحمد لنبينا صلى الله عليه وسلم وقد تقدم تفسير الغدر قريبا والكلام على اللواء وما الفرق بينه وبين الراية في باب مفرد في كتاب الجهاد وفي الحديث غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة لان غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير ولانه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء وقال عياض المشهور أن هذا الحديث ورد في ذم الامام إذا غدر في عهوده لرعيته أو لمقاتلته أو للامامة التي تقلدها والتزم القيام بها فمتى خان فيها أو ترك الرفق فقد غدر بعهده وقيل المراد نهي الرعية عن الغدر بالامام فلا تخرج عليه ولا تتعرض لمعصيته لما يترتب على ذلك من الفتنة قال والصحيح الاول قلت ولا أدري ما المانع من حمل الخبر على أعم من ذلك وسيأتي مزيد بيان لذلك في كتاب الفتن حيث أورده المصنف فيه أتم مما هنا وأن الذي فهمه بن عمر راوي الحديث هو هذا والله أعلم وفيه أن الناس يدعون يوم القيامة بآبائهم لقوله فيه هذه غدرة فلان بن فلان وهي رواية بن عمر الآتية في الفتن قال بن دقيق العيد وأن ثبت أنهم يدعون بأمهاتهم فقد يخص هذا من العموم وتمسك به قوم في ترك الجهاد مع ولاة الجور الذي يغدرون كما حكاه الباجي رابعها حديث بن عباس لا هجرة بعد الفتح ساقه بتمامه وقد تقدم شرحه في أواخر الجهاد وباقيه في الحج وفي تعلقه بالترجمة غموض قال بن بطال وجهه أن محارم الله عهوده إلى عباده فمن انتهك منها شيئا كان غادرا وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة أمن الناس ثم أخبر أن القتال بمكة حرام فأشار إلى أنهم آمنون من أن يغدر بهم أحد فيما حصل لهم من الامان وقال بن المنير وجهه أن النص على أن مكة اختصت بالحرمة الا في الساعة المستثناة لا يختص بالمؤمن البر فيها إذ كل بقعة كذلك فدل على أنها اختصت بما هو أعم من ذلك وقال الكرماني يمكن أن يؤخذ من قوله وإذا استنفرتم فانفروا إذ معناه لا تغدروا بالائمة ولا تخالفوهم لان إيجاب الوفاء بالخروج مستلزم لتحريم الغدر أو أشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغدر باستحلال القتال بمكة بل كان بإحلال الله له ساعة ولولا ذلك لما جاز له قلت ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع من سبب الفتح الذي ذكر في الحديث وهو غدر قريش بخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم لما تحاربوا مع بني بكر حلفاء قريش فأمدت قريش بني بكر وأعانوهم على خزاعة وبيتوهم فقتلوا منهم جماعة وفي ذلك يقول شاعرهم يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وسيأتي شرح ذلك في المغازي مفصلا فكان عاقبة نقض قريش العهد بما فعلوه أن غزاهم المسلمون حتى فتحوا مكة واضطروا إلى طلب الامان وصاروا بعد العز والقوة في غاية الوهن إلى أن دخلوا في الاسلام وأكثرهم لذلك كاره ولعله أشار بقوله في الترجمة بالبر إلى المسلمين وبالفاجر إلى خزاعة لان أكثرهم إذ ذاك لم يكن أسلم بعد والله أعلم خاتمة اشتملت أحاديث فرض الخمس والجزية والموادعة وهي في التحقيق بقايا الجهاد وإنما أفردها زيادة في الايضاح كما أفردت العمرة وجزاء الصيد من كتاب الحج من الاحاديث المرفوعة على مائة وستة عشر حديثا

[ 204 ]

المعلق منها سبعة عشر طريقا والبقية موصوله المكرر منها فيها وفيما مضى سبعة وستون حديثا والبقية خالصة وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أنس في صفة نقش الخاتم وحديثه في النعلين وحديثه في القدح وحديث أبي هريرة ما أعطيكم ولا أمنعكم وحديث خولة أن رجالا يخوضون وحديث تركة الزبير وحديث سؤال هوازن من طريق عمرو بن شعيب وحديث إعطاء جابر من تمر خيبر وحديث بن عمر لم يعتمر من الجعرانة وحديثه كنا نصيب في مغازينا العسل فهذه في الخمس وحديث عبد الرحمن بن عوف في المجوس وحديث عمر فيه وحديث بن عمرو من قتل معاهدا وحديث بن شهاب فيمن سحر وحديث عوف في الملاحم وحديث أبي هريرة كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارا ولا درهما وفيها من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم عشرون أثرا والله أعلم بسم الله الرحمن الرحيم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب بدء الخلق كذا للاكثر وسقطت البسملة لابي ذر وللنسفي ذكر بدل كتاب وللصغاني أبواب بدل كتاب وبدء الخلق بفتح أوله وبالهمز أي ابتداؤه والمراد خلق المخلوق قوله باب ما جاء فيقول الله تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وقال الربيع بن خثيم بالمعجمة والمثلثة مصغر وهو كوفي من كبار التابعين والحسن هو البصري قوله كل عليه هين أي البدء والاعادة أي إنهما حملا أهون على غير التفضيل وأن المراد بها الصفة كقوله الله أكبر وكقول الشاعر لعمرك ما أدري وإني لاوجل أي وإني لوجل وأثر الربيع وصله الطبري من طريق منذر الثوري عنه نحوه وأما أثر الحسن فروى الطبري أيضا من طريق قتادة وأظنه عن الحسن ولكن لفظه واعادته أهون عليه من بدئه وكل على الله هين وظاهر هذا اللفظ إبقاء صيغة أفعل على بابها وكذا قال مجاهد فيما أخرجه بن أبي حاتم وغيره وقد ذكر عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة أن بن مسعود كان يقرؤها وهو عليه هين وحكى بعضهم عن بن عباس أن الضمير للمخلوق لانه ابتدئ نطفة ثم علقة ثم مضغة والاعادة أن يقول له كن فيكون فهو أهون على المخلوق انتهى ولا يثبت هذا عن بن عباس بل هو من تفسير الكلبي كما حكاه الفراء لانه يقتضي تخصيصه بالحيوان ولان الضمير الذي بعده وهو قوله وله المثل الاعلى يصير معطوفا على غير المذكور قبله قريبا وقد روى بن أبي حاتم عن بن عباس بإسناد صحيح في قوله أهون عليه أيسر وقال الزجاج خوطب العباد بما يعقلون لان عندهم أن البعث أهون من الابتداء فجعله مثلا وله المثل الاعلى وذكر الربيع عن الشافعي في هذه الآية قال هو أهون عليه أي في القدرة عليه لا أن شيئا يعظم على الله لانه يقول لما لم يكن كن فيخرج متصلا وأخرجه أبو نعيم وأخرج بن أبي حاتم نحوه عن الضحاك واليه نحا الفراء والله أعلم قوله وهين وهين مثل لين ولين وميت وميت وضيق وضيق الاول بالتشديد والثاني بالتخفيف في الجميع قال أبو عبيدة في تفسير الفرقان في قوله تعالى فأحيينا به بلدة ميتا هي مخففة بمنزلة هين ولين وضيق بالتخفيف فيها والتشديد وسيأتي ذلك أيضا في آخر تفسير سورة النحل وعن بن الاعرابي أن العرب تمدح بالهين اللين مخففا وتذم بهما مثقلا فالهين بالتخفيف من الهون وهو السكينة والوقار ومنه يمشون هونا وعينه واو بخلاف الهين بالتشديد قوله أفعيينا أفاعيا علينا حين أنشأكم وأنشأ خلقكم كأنه أراد أن معنى قوله أفعيينا استفهام إنكارأي ما أعجزنا الخلق الاول حين أنشأناكم وكأنه عدل عن التكلم إلى الغيبة لمراعاة اللفظ

[ 205 ]

الوارد في القرآن في قوله تعالى هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الارض وقد روى الطبري من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى أفعيينا بالخلق الاول يقول أفأعيا علينا انشاؤكم خلقا جديدا فتشكوا في البعث وقال أهل اللغة عييت بالامر إذا لم أعرف وجهه ومنه العي في الكلام قوله لغوب النصب أي تفسير قوله وما مسنا من لغوب أي من نصب والنصب التعب وزنا ومعنى وهذا تفسير مجاهد فيما أخرجه بن أبي حاتم وأخرج من طريق قتادة قال أكذب الله جل وعلا اليهود في زعمهم أنه استراح في اليوم السابع فقال وما مسنا من لغوب أي من اعياء وغفل الداودي الشارح فظن أن النصب في كلام المصنف بسكون الصاد وأنه أراد ضبط اللغوب فقال متعقبا عليه لم أر أحدا نصب اللام في الفعل قال وإنما هو بالنصب الاحمق قوله أطوارا طورا كذا وطورا كذا يريد تفسير قوله تعالى وقد خلقكم أطوارا والاطوار الاحوال المختلفة وأحدها طور بالفتح وأخرج بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في معنى الاطوار كونه مرة نطفة ومرة علقة الخ وأخرج الطبري عن بن عباس وجماعة نحوه وقال المراد اختلاف أحوال الانسان من صحة وسقم وقيل معناه أصنافا في الالوان واللغات ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث أحدها حديث عمران بن حصين قوله عن صفوان بن محرز عن عمران في رواية أبي عاصم عن سفيان في المغازي حدثنا صفوان حدثنا عمران قوله جاء نفر من بني تميم يعني وفدهم وسيأتي بيان وقت قدومهم ومن عرف منهم في أواخر المغازي قوله أبشروا بهمزة قطع من البشارة قوله فقالوا بشرتنا القائل ذلك منهم الاقرع بن حابس ذكره بن الجوزي قوله فتغير وجهه إما للاسف عليهم كيف آثروا الدنيا وإما لكونه لم يحضره ما يعطيهم فيتألفهم به أو لكل منهما قوله فجاءه أهل اليمن هم الاشعريون قوم أبي موسى وقد أورد البخاري حديث عمران هذا وفيه ما يستأنس به لذلك ثم ظهر لي أن المراد بأهل اليمن هنا نافع بن زيد الحميري مع من وفد معه من أهل حمير وقد ذكرت مستند ذلك في باب قدوم الاشعريين وأهل اليمن وأن هذا هو السر في عطف أهل اليمن على الاشعريين مع أن الاشعريين من جملة أهل اليمن لما كان زمان قدوم الطائفتين مختلفا ولكل منهما قصة غير قصة الآخرين وقع العطف قوله اقبلوا البشرى بضم أوله وسكون المعجمة والقصر أي أقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا إذا أخذتم به بالجنة كالفقه في الدين والعمل به وحكى عياض أن في رواية الاصيلي اليسرى بالتحتانية والمهملة قال والصواب الاول قوله إذ لم يقبلها في الرواية الاخرى أن لم يقبلها وهو بفتح أن أي من أجل تركها لها ويروي بكسر أن قوله فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يحدث بدء الخلق والعرش أي عن بدء الخلق وعن حال العرش وكأنه ضمن يحدث معنى يذكر وكأنهم سألوا عن أحوال هذا العالم وهو الظاهر ويحتمل أن يكونوا سألوا عن أول جنس المخلوقات فعلى الاول يقتضي السياق أنه أخبر أن أول شئ خلق منه السماوات والارض وعلى الثاني يقتضي أن العرش والماء تقدم خلقهما قبل ذلك ووقع في قصة نافع بن زيد نسألك عن أول هذا الامر قوله قالوا جئناك نسألك كذا للكشميهني ولغيره جئناك لنسألك وزاد في التوحيد ونتفقه في الدين وكذا هي في قصة نافع بن زيد التي أشرت إليها آنفا قوله عن هذا الامر أي الحاضر الموجود والامر يطلق ويراد به المأمور ويراد به الشأن والحكم والحث على الفعل غير ذلك قوله

[ 206 ]

كان الله ولم يكن شئ غيره في الرواية الآتية في التوحيد ولم يكن شئ قبله وفي رواية غير البخاري ولم يكن شئ معه والقصة متحدة فاقتضى ذلك أن الرواية وقعت بالمعنى ولعل راويها أخذها من قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه في صلاة الليل كما تقدم من حديث بن عباس أنت الاول فليس قبلك شئ لكن رواية الباب أصرح في العدم وفيه دلالة على أنه لم يكن شئ غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما لان كل ذلك غير الله تعالى ويكون قوله وكان عرشه على الماء معناه أنه خلق الماء سابقا ثم خلق العرش على الماء وقد وقع في قصة نافع بن زيد الحميري بلفظ كان عرشه على الماء ثم خلق القلم فقال اكتب ما هو كائن ثم خلق السماوات والارض وما فيهن فصرح بترتيب المخلوقات بعد الماء والعرش قوله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ وخلق السماوات والارض ولم يقع بلفظ ثم الا في ذكر خلق السماوات والارض وقد روى م سلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والارض بخمسين ألف سنة مكان عرشه على الماء وهذا الحديث يؤيد رواية من روى ثم خلق السماوات والارض باللفظ الدال على الترتيب تنبيه وقع في بعض الكتب في هذا الحديث كان الله ولا شئ معه وهو الآن على ما عليه كان وهي زيادة ليست في شئ من كتب الحديث نبه على ذلك العلامة تقي الدين بن تيمية وهو مسلم في قوله وهو الآن إلى آخره وأما لفظ ولا شئ معه فرواية الباب بلفظ ولا شئ غيره بمعناها ووقع في ترجمة نافع بن زيد الحميري المذكور كان الله لا شئ غيره بغير واو قوله وكان عرشه على الماء قال الطيبي هو فصل مستقل لان القديم من لم يسبقه شئ ولم يعارضه في الاولية لكن أشار بقوله وكان عرشه على الماء إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونهما خلقا قبل خلق السماوات والارض ولم يكن تحت العرش إذ ذاك الا الماء ومحصل الحديث أن مطلق قوله وكان عرشه على الماء مقيد بقوله ولم يكن شئ غيره والمراد بكان في الاول الازلية وفي الثاني الحدوث بعد العدم وقد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعا أن الماء خلق قبل العرش وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة أن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا أول ما خلق الله القلم ثم قال اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة أي أنه قيل له اكتب أول ما خلق وأما حديث أول ما خلق الله العقل فليس له طريق ثبت وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الاخير هو تأويله والله أعلم وحكى أبو العلاء الهمداني أن للعلماء قولين في أيهما خلق أولا العرش أو القلم قال والاكثر على سبق خلق العرش واختار بن جرير ومن تبعه الثاني وروى بن أبي حازم من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس قال خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة خمسمائة عام فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش اكتب فقال وما أكتب قال على في خلقي إلى يوم القيامة ذكره في تفسير سورة سبحان وليس فيه سبق خلق القلم على العرش بل فيه سبق العرش وأخرج البيهقي في الاسماء والصفات من طريق الاعمش عن أبي ظبيان عن بن عباس قال أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال يا رب وما أكتب قال أكتب القدر فجرى

[ 207 ]

بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة وأخرج سعيد بن منصور عن أبي عوانة عن أبي بشر عن مجاهد قال بدء الخلق العرش والماء والهواء وخلقت الارض من الماء والجمع بين هذه الآثار واضح قوله وكتب أي قدر في الذكر أي في محل الذكر أي في اللوح المحفوظ كل شئ أي من الكائنات وفي الحديث جواز السؤال عن مبدأ الاشياء والبحث عن ذلك وجواز جواب العالم بما يستحضره من ذلك وعليه الكف إن خشي على السائل ما يدخل على معتقده وفيه أن جنس الزمان ونوعه حادث وأن الله أوجد هذه المخلوقات بعد أن لم تكن لا عن عجز عن ذلك بل مع القدرة واستنبط بعضهم من سؤال الاشعريين عن هذه القصة أن الكلام في أصول الدين وحدوث العالم مستمران في ذريتهم حتى ظهر ذلك منهم في أبي الحسن الاشعري أشار إلى ذلك بن عساكر قوله فنادى مناد في الرواية الاخرى فجاء رجل فقال يا عمران ولم أقف على اسمه في شئ من الروايات قوله ذهبت ناقتك يا بن الحصين أي انفلتت ووقع في الرواية الاولى فجاء رجل فقال يا عمران راحلتك أي أدرك راحلتك فهو بالنصب أو ذهبت راحلتك فهو بالرفع ويؤيده الرواية الاخرى ولم أقف على اسم هذا الرجل وقوله تفلتت بالفاء أي شردت قوله فإذا هي يقطع بفتح أوله دونها السراب بالضم أي يحول بيني وبين رؤيتها والسراب بالمهملة معروف وهو ما يرى نهارا في الفلاة كأنه ماء قوله فوالله لوددت أني كنت تركتها في التوحيد أنها ذهبت ولم أقم يعني لانه قام قبل أن يكمل النبي صلى الله عليه وسلم حديثه في ظنه فتأسف على ما فاته من ذلك وفيه ما كان عليه من الحرص على تحصيل العلم وقد كنت كثير التطلب لتحصيل ما ظن عمران أنه فاته من هذه القصة إلى أن وقفت على قصة نافع بن زيد الحميري فقوي في ظني أنه لم يفته شئ من هذا القصة بخصوصها لخلو قصة نافع بن زيد عن قدر زائد على حديث عمران إلا أن في آخره بعد قوله وما فيهن واستوى على عرشه عزوجل الحديث الثاني حديث عمر قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم الحديث قوله وروى عيسى عن رقبة كذا للاكثر وسقط منه رجل فقال بن الفلكي ينبغي أن يكون بين عيسى ورقبة أبو حمزة وبذلك جزم أبو مسعود وقال الطرقي سقط أبو حمزة من كتاب الفربري وثبت في رواية حماد بن شاكر فعنده عن البخاري روى عيسى عن أبي حمزة عن رقبة قال وكذا قال بن رميح عن الفربري قلت وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج وهو يروي الصحيح عن الجرجاني عن الفربري فالاحتلاف فيه حينئذ عن الفربري ثم رأيته سقط أيضا من رواية النسفي لكن جعل بين عيسى ورقبة ضبة ويغلب على الظن أن أبا حمزة ألحق في رواية الجرجاني وقد وصفوه بقلة الاتقان وعيسى المذكور هو بن موسى البخاري ولقبه غنجار بمعجمة مضمومة ثم نون ساكنة ثم جيم وليس له في البخاري إلا هذ الموضع وقد وصل الحديث المذكور من طريق عيسى المذكور عن أبي حمزة وهو محمد بن ميمون السكري عن رقبة الطبراني في مسند رقبة المذكور وهو بفتح الراء والقاف والموحدة الخفيفة بن مصقلة بفتح الميم وسكون الصاد المهملة وقد تبدل سينا بعدها قاف ولم ينفرد به عيسى فقد أخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسن بن شقيق عن أبي حمزة نحوه لكن بإسناد ضعيف قوله حتى دخل أهل الجنة هي غاية قوله أخبرنا أي أخبرنا عن مبتدأ الخلق شيئا بعد شئ إلى أن انتهى الاخبار عن حال الاستقرار في الجنة والنار ووضع الماضي

[ 208 ]

موضع المضارع مبالغة للتحقق المستفاد من خبر الصادق وكان السياق يقتضي أن يقول حتى يدخل ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدئت إلى أن تفنى إلى أن تبعث فشمل ذلك الاخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد وفي تيسير إيراد ذلك كله في مجلس واحد من خوارق العادة أمر عظيم ويقرب ذلك مع كون معجزاته لا مرية في كثرتها أنه صلى الله عليه وسلم أعطى جوامع الكلم ومثل هذا من جهة أخرى ما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ثم قال للذي في شماله مثله في أهل النار وقال في آخر الحديث فقال بيديه فنبذهما ثم قال فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير وإسناده حسن ووجه الشبه بينهما أن الاول فيه تيسير القول الكثير في الزمن القليل وهذا فيه تيسير الجرم الواسع في الظرف الضيق وظاهر قوله فنبذهما بعد قوله وفي يده كتابان أنهما كانا مرئيين لهم والله أعلم ولحديث الباب شاهد من حديث حذيفة سيأتي في كتاب القدر إن شاء الله تعالى ومن حديث أبي زيد الانصاري أخرجه أحمد ومسلم قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح فصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر ثم نزل فصلى بنا الظهر ثم صعد المنبر فخطبنا ثم صلى العصر كذلك حتى غابت الشمس فحدثنا بما كان وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا لفظ أحمد وأخرجه من حديث أبي سعيد مختصرا ومطولا وأخرجه الترمذي من حديثه مطولا وترجم له باب ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم مما هو كائن إلى يوم القيامة ثم ساقه بلفظ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما صلاة العصر ثم قام يحدثنا فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه ثم ساق الحديث وقال حسن وفي الباب عن حذيفة وأبي زيد بن أخطب وأبي مريم والمغيرة بن شعبة انتهى ولم يقع له حديث عمر حديث الباب وهو على شرطه وأفاد حديث أبي زيد بيان المقام المذكور زمانا ومكانا في حديث عمر رضي الله عنه وأنه كان على المنبر من أول النهار إلى أن غابت الشمس والله أعلم ثالثها حديث أبي هريرة وهو من الالهيات قوله عن أبي أحمد هو محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري وسفيان هو الثوري قوله يشتمني بن آدم بكسر التاء من يشتمني والشتم هو الوصف بما يقتضي النقص ولا شك أن دعوى الولد لله يستلزم الامكان المستدعى للحدوث وذلك غاية النقص في حق الباري سبحانه وتعالى والمراد من الحديث هنا قوله ليس يعيدني كما بدأني وهو قول منكري البعث من عباد الاوثان رابعها حديث أبي هريرة أيضا قوله لما قضى الله الخلق أي خلق الخلق كقوله تعالى فقضاهن سبع سماوات أو المراد أوجد جنسه وقضى يطلق بمعنى حكم وأتقن وفرغ وأمضى قوله كتب في كتابه أي أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ وقد تقدم في حديث عبادة بن الصامت قريبا فقال للقلم اكتب فجرى بما هو كائن ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب اللفظ الذي قضاه وهو كقوله تعالى كتب الله لاغلبن أنا ورسلي قوله فهو عنده فوق العرش قيل معناه دون العرش وهو كقوله تعالى بعوضة فما فوقها والحامل على هذا التأويل استبعاد أن يكون شئ من المخلوقات فوق العرش ولا محذور في إجراء ذلك على ظاهره لان العرش خلق من خلق الله ويحتمل أن يكون المراد بقوله فهو عنده أي

[ 209 ]

ذكره أو علمه فلا تكون العندية مكانية بل هي إشارة إلى كمال كونه مخفيا عن الخلق مرفوعا عن حيز ادراكهم وحكى الكرماني أن بعضهم زعم أن لفظ فوق زائد كقوله فان كن نساء فوق اثنتين والمراد اثنتان فصاعدا ولم يتعقبه وهو متعقب لان محل دعوى الزيادة ما إذا بقي الكلام مستقيما مع حذفها كما في الآية وأما في الحديث فإنه يبقى مع الحذف فهو عنده العرش وذلك غير مستقيم قوله إن رحمتي بفتح إن على أنها بدل من كتب وبكسرها على حكاية مضمون الكتاب قوله غلبت في رواية شعيب عن أبي الزناد في التوحيد سبقت بدل غلبت والمراد من الغضب لازمه وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب لان السبق والغلبة باعتبار التعلق أي تعلق الرحمة غالب سابق على تعليق الغضب لان الرحمة مقتضى ذاته المقدسة وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث وبهذا التقرير يندفع استشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن كمن يدخل النار من الموحدين ثم يخرج بالشفاعة وغيرها وقيل معنى الغلبة الكثرة والشمول تقول غلب على فلان الكرم أي أكثر أفعاله وهذا كله بناء على أن الرحمة والغضب من صفات الذات وقال بعض العلماء الرحمة والغضب من صفات الفعل لا من صفات الذات ولا ومانع من تقدم بعض الافعال على بعض فتكون الاشارة بالرحمة إلى إسكان آدم الجنة أول ما خلق مثلا ومقابلها ما وقع من إخراجه منها وعلى ذلك استمرت أحوال الامم بتقديم الرحمة في خلقهم بالتوسع عليهم من الرزق وغيره ثم يقع بهم العذاب على كفرهم وأما ما أشكل من أمر من يعذب من الموحدين فالرحمة سابقة في حقهم أيضا ولولا وجودها لخلدوا أبدا وقال الطيبي في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب وأنها تنالهم من غير استحقاق وأن الغضب لا ينالهم الا باستحقاق فالرحمة تشمل الشخص جنينا ورضيعا وفطيما وناشئا قبل أن يصدر منه شئ من الطاعة ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك قوله باب ما جاء في سبع أرضين أي في بيان وضعها قوله وقول الله سبحانه وتعالى الله الذي خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن الآية قال الداودي فيه دلالة على أن الارضين بعضها فوق بعض مثل السماوات ونقل عن بعض المتكلمين أن المثلية في العدد خاصة وأن السبع متجاورة وحكى بن التين عن بعضهم أن الارض واحدة قال وهو مردود بالقرآن والسنة قلت لعله القول بالتجاور وإلا فيصير صريحا في المخالفة ويدل للقول الظاهر ما رواه بن جرير من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن بن عباس في هذه الآية ومن الارض مثلهن قال في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الارض من الخلق هكذا أخرجه مختصرا وإسناده صحيح وأخرجه الحاكم والبيهقي من طريق عطاء بن السائب عن أبي الضحى مطولا وأوله أي سبع أرضين في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسى ونبي كنبيكم قال البيهقي إسناده صحيح إلا أنه شاذ بمرة وروى بن أبي حاتم من طريق مجاهد عن بن عباس قال لو حدثتكم بتفسير هذه الآية لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها ومن طريق سعيد بن جبير عن بن عباس نحوه وزاد وهن مكتوبات بعضهن على بعض وظاهر قوله تعالى ومن الارض مثلهن يرد أيضا على أهل الهيئة قولهم أن لا مسافة بين كل أرض وأرض وإن كانت فوقها وأن السابعة صماء لا جوف لها وفي وسطها المركز وهي نقطة

[ 210 ]

مقدرة متوهمة إلى غير ذلك من أقوالهم التي لا برهان عليها وقد روى أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعا أن بين كل سماء وسماء خمسمائة عام وأن سمك كل سماء كذلك وأن بين كل أرض وأرض خمسمائة عام وأخرجه إسحاق بن راهويه والبزار من حديث أبي ذر نحوه ولابي داود والترمذي من حديث العباس بن عبد المطلب مرفوعا بين كل سماء وسماء إحدى أو اثنتان وسبعون سنة وجمع بين الحديثين بان اختلاف المسافة بينهما باعتبار بطء السير وسرعته قوله والسقف المرفوع السماء هو تفسير مجاهد أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وغيرهما من طريق بن أبي نجيح عنه ومن طريق قتادة نحوه وسيأتي عن علي مثله في باب الملائكة ولابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس السقف المرفوع العرش كذا قال والاول أكثر وهو يقتضي الرد على من قال أن السماء كرية لان السقف في اللغة العربية لا يكون كريا قوله سمكها بفتح المهملة وسكون الميم بناءها بالمديريد تفسير قوله تعالى رفع سمكها أي رفع بنيانها وهو تفسير بن عباس أخرجه بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه ومن طريق بن أبي نجيح عن مجاهد مثله وزاد بغير عمد ومن طريق قتادة مثله قوله والحبك استواؤها وحسنها هو تفسير بن عباس أخرجه بن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه وأخرج من طريق سعد الاسكاف عن عكرمة عنه بلفظ ذات الحبك أي البهاء والجمال غير أنها كالبرد المسلسل ومن طريق علي بن أبي طلحة عنه قال ذات الحبك أي الخلق الحسن والحبك بضمتين جمع حبيكة كطرق وطريقة وزنا ومعنى وقيل واحدها حباك كمثال ومثل وقيل الحبك الطريق التي ترى في السماء من آثار الغيم وروى الطبري عن الضحاك نحوه وقيل هي النجوم أخرجه الطبري بإسناد حسن عن الحسن وروى الطبري عن عبد الله بن عمرو أن المراد بالسماء هنا السماء السابعة قوله أذنت سمعت وأطاعت يريد تفسير قوله تعالى إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت ومعنى سمعها وإطاعتها قبولها ما يراد منها وروى بن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس قال وأذنت لربها أي أطاعت ومن طريق الضحاك أذنت لربها أي سمعت ومن طريق سعيد بن جبير وحقت أي حق لها أن تطيع قوله وألقت أخرجت ما فيها من الموتى وتخلت أي عنهم يريد تفسير بقية الآيات وهو عند بن أبي حاتم من طريق مجاهد نحوه ومن طريق سعيد بن جبير ألقت ما استودعها الله من عباده وتخلت عنهم إليه قوله طحاها دحاها هو تفسير مجاهد أخرجه عبد بن حميد وغيره من طريقه والمعنى بسطها يمينا وشمالا من كل جانب وأخرج بن أبي حاتم أيضا من طريق بن عباس والسدي وغيرهما دحاها أي بسطها قوله بالساهرة وجه الارض كان فيها الحيوان نومهم وسهرهم هو تفسير عكرمة أخرجه بن أبي حاتم أو المراد بالارض أرض القيامة وأخرج بن أبي حاتم من طريق مصعب بن ثابت عن أبي حازم عن سهل بن سعد في قوله فإذا هم بالساهرة قال أرض بيضاء عفراء كالخبزة وسيأتي من وجه آخر عن أبي حازم مرفوعا في الرقاق لكن ليس فيه تفسير الساهرة ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث أحدها حديث عائشة من ظلم قيد شبر وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب المظالم ثانيها حديث بن عمر في المعنى وقد تقدم هناك أيضا و عبد الله في إسناده هو بن المبارك والراوي عنه بشر بن محمد مروزي سمع من بن المبارك بخراسان وهو يؤيد البحث الذي قدمته من أنه

[ 211 ]

لا يلزم من كون هذا الحديث ليس في كتب بن المبارك بخراسان أن لا يكون حدث به هناك ويحتمل أن يكون بشر صحب بن المبارك فسمعه منه بالبصرة فيصح أنه لم يحدث به إلا بالبصرة والله أعلم ثالثها حديث أبي بكرة أن الزمان قد استدار كهيئته وسيأتي بأتم من هذا السياق في آخر المغازي في الكلام على حجة الوداع ويأتي شرحه في تفسير براءة ومضى شرح أكثره في العلم وبعضه في الحج قوله عن محمد بن سيرين عن بن أبي بكرة عن أبي بكرة اسم بن أبي بكرة عبد الرحمن كما تقدم في باب رب مبلغ أوعى من سامع في كتاب العلم من وجه آخر عن أيوب وذكر أبو علي الجياني أنه سقمن نسخة الاصيلي هنا عن بن أبي بكرة وثبت لسائر الرواة عن الفربري قلت وكذا ثبت في رواية النسفي عن البخاري قال الجياني ووقع في رواية القابسي هنا عن أيوب عن محمد بن أبي بكرة وهو وهم فاحش قلت وافق الاصيلي لكن صحف عن فصارت بن فلذلك وصفه بفحش الوهم وسيأتي هذا الحديث بالسند المذكور هنا في باب حجة الوداع من كتاب المغازي على الصواب للجماعة أيضا حتى الاصيلي واستمر القابسي على وهمه فقال هناك أيضا عن محمد بن أبي بكرة رابعها حديث سعيد بن زيد في قصته مع أروى بنت أنيس في مخاصمتها له في الارض وقد تقدمت مباحثه مستوفاة في كتاب المظالم قوله كهيئته الكاف صفة مصدر محذوف تقديره استدار استدارة مثل صفته يوم خلق السماء والزمان اسم لقليل الوقت وكثيره وزعم يوسف بن عبد الملك في كتابه تفضيل الازمنة أن هذه المقالة صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم في شهر مارس وهو آذار وهو برمهات بالقبطية وفيه يستوي الليل والنهار عند حلول الشمس برج الحمل قوله وقال بن أبي الزناد عن هشام أي بن عروة عن أبيه قال لي سعيد بن زيد أراد المصنف بهذا التعليق بيان لقاء عروة سعيدا وقد لقي عروة من هو أقدم وفاة من سعيد كوالده الزبير وعلى وغيرهما كقوله ولكم في الارض مستقر نكدا قليلا قوله باب في النجوم وقال قتادة الخ وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عنه به وزاد في آخره وأن ناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة من غرس بنجم كذا كان كذا ومن سافر بنجم كذا كان كذا ولعمري ما من النجوم نجم إلا ويولد به الطويل والقصير والاحمر والابيض والحسن والدميم وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر شئ من هذا الغيب انتهى وبهذه الزيادة تظهر مناسبة إيراد المصنف ما أورده من تفسير الاشياء التي ذكرها من القرآن وإن كان ذكر بعضها وقع استطرادا والله أعلم قال الداودي قول قتادة في النجوم حسن إلا قوله أخطأ وأضاع نفسه فإنه قصر في ذلك بل قائل ذلك كافر انتهى ولم يتعين الكفر في حق من قال ذلك وإنما يكفر من نسب الاختراع إليها وأما من جعلها علامة على حدوث أمر في الارض فلا وقد تقدم تقرير ذلك وتفصيله في الكلام على حديث زيد بن خالد فيمن قال مطرنا بنوء كذا في باب الاستسقاء وقال أبو علي الفارسي في قوله تعالى وجعلناها رجوما الضمير للسماء أي وجعلنا شهبها رجوما على حذف مضاف فصار الضمير للمضاف إليه وذكر بن دحية في التنوير من طريق أبي عثمان النهدي عن سليمان الفارسي قال النجوم كلها معلقة كالقناديل من السماء الدنيا كتعليق القناديل في المساجد قوله وقال بن عباس هشيما متغيرا لم أره عنه من طريق موصولة لكن ذكره إسماعيل بن أبي زياد في تفسيره عن بن عباس وقال أبو عبيدة قوله هشيما أي يابسا متفتتا وتذروه الرياح أي تفرقه قوله والاب ما تأكل الانعام هو

[ 212 ]

تفسير بن عباس أيضا وصله بن أبي حاتم من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عنه قال الاب ما أنبتت الارض مما تأكله الدواب ولا تأكله الناس ومن طريق بن عباس قال الاب الحشيش ومن طريق عطاء والضحاك الاب هو كل شئ ينبت على وجه الارض زاد الضحاك إلا الفاكهة وروى بن جرير من طريق إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن الاب فقال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بغير علم وهذا منقطع وعن عمر أنه قال عرفنا الفاكهة فما الاب ثم قال ان هذا لهو التكلف فهو صحيح عنه أخرجه عبد بن حميد من طريق صحيحة عن أنس عن عمر وسيأتي بيان ذلك في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى قوله والانام الخلق هو تفسير بن عباس أيضا أخرجه بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى والارض وضعها للانام قال للخلق والمراد بالخلق المخلوق ومن طريق سماك عن عكرمة عن بن عباس قال الانام الناس وهذا أخص من الذي قبله ومن طريق الحسن قال الجن والانس وعن الشعبي قال هو كل ذي روح قوله برزخ حاجب في رواية المستملي والكشميهني حاجز بالزاي وهذا تفسير بن عباس أيضا وصله بن أبي حاتم من الوجه المذكور إلا قوله وقال مجاهد ألفافا ملتفة والغلب الملتفة وصلهما عبد بن حميد من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد قال وجنات ألفافا قال ملتفة ومن طريقه قال وحدائق غلبا أي ملتفة وروى بن أبي حاتم من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن بن عباس الحدائق ما التفت والغلب ما غلظ ومن طريق عكرمة عنه الغلب شجر بالجبل لا يحمل يستظل به ومن طريق علي بن أبي طلحة عنه قال وجنات ألفافا أي مجتمعة وقال أهل اللغة الالفاف جمع لف أو لفيف وعن الكسائي هو جمع الجمع وقال الطبري اللفاف جمع لفيفة وهي الغليظة وليس الالتفاف من الغلظ في شئ‌إلا أن يراد أنه غلظ بالالتفاف قوله فراشا مهادا كقوله ولكم في الارض مستقر هو قول قتادة والربيع بن أنس وصله الطبري عنهما ومن طريق السدي بأسانيده فراشا هي فراش يمشي عليها وهي المهاد والقرار قوله نكدا قليلا أخرجه بن أبي حاتم من طريق السدي قال لا يخرج الا نكدا قال النكد الشئ القليل الذي لا ينفع ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال هذا مثل ضرب للكفار كالبلد السبخة المالحة التي لا تخرج منها البركة قوله باب صفة الشمس والقمر بحسبان أي تفسير ذلك وقوله قال مجاهد كحسبان الرحى وصله الفريابي في تفسيره من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد ومراده أنهما يجريان على حسب الحركة الرحوية الدورية وعلى وضعها وقوله وقال غيره بحساب ومنازل لا يعدوانها ووقع في نسخة الصغاني هو بن عباس وقد وصله عبد بن حميد من طريق أبي مالك وهو الغفاري مثله وروى الحربي والطبري عن بن عباس نحوه بإسناد صحيح وبه جزم الفراء قوله حسبان جماعة الحساب يعني أن حسبان جماعة الحساب كشهبان جمع شهاب وهذا قول أبي عبيدة في المجاز وقال الاسماعيلي من جعله من الحساب احتمل الجمع واحتمل المصدر تقول حسب حسبانا ثم هو من الحساب بالفتح ومن الظن بالكسر أي في الماضي قوله ضحاها ضوؤها وصله عبد بن حميد من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد قال والشمس وضحاها قال ضوؤها قال الاسماعيلي يريد أن الضحى يقع في صدر النهار وعنده تشتد إضاءة الشمس وروى بن أبي حاتم من طريق قتادة والضحاك قال ضحاها النهار

[ 213 ]

قوله أن تدرك القمر لا يستر ضوء أحدهما ضوء الآخر الخ وصله الفريابي في تفسيره من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد بتمامه قوله نسلخ نخرج الخ وصله الفريابي من طريقه أيضا بلفظ يخرج أحدهما من الآخر ويجري كل منهما في فلك قوله واهية وهيها تشققها هو قول الفراء وروى الطبري عن بن عباس في قوله واهية قال متمزقة ضعيفة قوله أرجائها ما لم تنشق منها فهو على حافتيها يريد تفسير قوله تعالى والملك على أرجائها ووقع في رواية الكشميهني فهو على حافتها وكأنه أفر باعتبار لفظ الملك وجمع باعتبار الجنس وروى عبد بن حميد من طريق قتادة في قوله والملك على أرجائها أي على حافات السماء وروى الطبري عن سعيد بن المسيب مثله وعن سعيد بن جبير على حافات الدنيا وصوب الاول وأخرج عن بن عباس قال والملك على حافات السماء حين تنشق والارجاء بالمد حمع رجا بالقصر والمراد النواحي قوله أغطش وجن أظلم يريد تفسير قوله تعالى أغطش ليلها وتفسير قوله فلما جن عليه الليل أي أظلم في الموضعين والاول تفسير قتادة أخرجه عبد بن حميد من طريقه قال قوله أغطش ليلها أي أظلم ليلها وقد توقف فيه الاسماعيلي فقال معنى أغطش ليلها جعله مظلما وأما أغطش غير متعد فإن ساغ فهو صحيح بالمعنى ولكن المعروف أظلم الوقت جاءت ظلمته وأظلمنا وقعنا في ظلمة قلت لم يرد البخاري القاصر لانه في نفس الآية متعد وإنما أراد تفسير قوله أغطش فقط وأما الثاني فهو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى فلما جن عليه الليل أي غطى عليه وأظلم قوله وقال الحسن كورت تكور حتى يذهب ضوؤها وصله بن أبي حاتم من طريق أبي رجاء عنه وكأن هذا كان يقوله قبل أن يسمع حديث أبي سلمة عن أبي هريرة الآتي ذكره في هذا الباب وإلا فمعنى التكوير اللف تقول كورت العمامة تكويرا إذا لففتها والتكوير أيضا الجمع تقول كورته إذا جمعته وقد أخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس إذا الشمس كورت يقول أظلمت ومن طريق الربيع بن خيثم قال كورت أي رمى بها ومن طريق أبي يحيى عن مجاهد كورت قال اضمحلت قال الطبري التكوير في الاصل الجمع وعلى هذا فالمراد أنها تلف ويرمى بها فيذهب ضوؤها قوله والليل وما وسق أي جمع من دابة وصله عبد بن حميد من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن نحوه قوله اتسق استوى وصله عبد بن حميد أيضا من طريق منصور عنه في قوله والقمر إذا اتسق قال استوى قوله بروجا منازل الشمس والقمر وصله بن حميد وروى الطبري من طريق مجاهد قال البروج الكواكب ومن طريق أبي صالح قال هي النجوم الكبار وقيل هي قصور في السماء رواه عبد بن حميد من طريق يحيى بن رافع ومن طريق قتادة قال هي قصور على أبواب السماء فيها الحرس وعند أهل الهيئة أن البروج غير المنازل فالبروج اثنا عشر والمنازل ثمانية وعشرون وكل برج عبارة عن منزلتين وثلث منها قوله فالحرور بالنهار مع الشمس وصله إبراهيم الحربي عن الاثرم عن أبي عبيدة قال الحرور بالنهار مع الشمس وقال الفراء الحرور الحر الدائم ليلا كان أو نهارا والسموم بالنهار خاصة قوله وقال بن عباس ورؤبة الحرور بالليل والسموم بالنهار أما قول بن عباس فلم أره موصولا عنه بعد وأما قول رؤبة وهو بن العجاج التميمي الراجز المشهور فذكره أبو عبيدة عنه في المجاز وقال السدي المراد بالظل والحرور في الآية الجنة والنار أخرجه بن أبي حاتم عنه قوله يقال يولج يكور كذا في رواية أبي ذورأيت في رواية بن شبويه يكون بنون وهو أشبه وقال أبو

[ 214 ]

عبيدة يولج أي ينقص من الليل فيزيد في النهار وكذلك النهار وروى عبد بن حميد من طريق مجاهد قال ما نقص من أحدهما دخل في الآخر يتقاصان ذلك في الساعات ومن طريق قتادة نحوه قال يولج ليل الصيف في نهاره أي يدخل ويدخل نهار الشتاء في ليله قوله وليجة كل شئ أدخلته في شئ هو قول عبيدة قال قوله من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة كل شئ أدخلته في شئ ليس منه فهو وليجة والمعنى لا تتخذوا أولياء ليس من المسلمين ثم ذكر المصنف في الباب ستة أحاديث أولها حديث أبي ذر في تفسير قوله تعالى والشمس تجري لمستقر لها وسيأتي شرحه مستوفى في تفسير سورة يس والغرض منه هنا بيان سير الشمس في كل يوم وليلة وظاهره مغاير لقول أهل الهيئة أن الشمس مرصعة في الفلك فإنه يقتضي أن الذي يسير هو الفلك وظاهر الحديث أنها هي التي تسير وتجري ومثله قوله تعالى في الآية الاخرى كل في فلك يسبحون أي يدورون قال بن العربي أنكر قوم سجودها وهو صحيح ممكن وتأوله قوم على ما هي عليه من التسخير الدائم ولا مانع أن تخرج عن مجراها فتسجد ثم ترجع قلت إن أراد بالخروج الوقوف فواضح وإلا فلا دليل على الخروج ويحتمل أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من الملائكة أو تسجد بصورة الحال فيكون عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع في ذلك الحين ثانيها حديث أبي هريرة قوله عن عبد الله الداناج بتخفيف النون وآخره جيم هو لقبه ومعناه العالم بلغة الفرس وهو في الاصل داناه فعرب وعبد الله المذكور تابعي صغير واسم أبيه فيروز وذكر البزار أنه ليرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن غير هذا الحديث ووقع في روايته من طريق يونس بن محمد عن عبد العزيز بن المختار عنه سمعت أبا سلمة يحدث في زمن خالد القسري في هذا المسجد وجاء الحسن أي البصري فجلس إليه فقال أبو سلمة حدثنا أبو هريرة فذكره ومثله أخرجه الاسماعيلي وقال في مسجد البصرة ولم يقل خالد القسري وأخرجه الخطابي من طريق يونس بهذا الاسناد فقال في زمن خالد بن عبد الله أي بن أسيد أي بفتح الهمزة وهو أصح فإن خالدا هذا كان قد ولى البصرة لعبد الملك قبل الحجاج بخلاف خالد القسري قوله مكوران زاد في رواية البزار ومن ذكر معه في النار فقال الحسن وما ذنبهما فقال أبو سلمة أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول وما ذنبهما قال البزار لا يروى عن أبي هريرة الا من هذا الوجه انتهى وأخرج أبو يعلى معناه من حديث أنس وفيه ليراهما من عبدهما كما قال تعالى انكم وما

[ 215 ]

تعبدون من دون الله حصب جهنم وأخرجه الطيالسي من هذا الوجه مختصرا وأخرج بن وهب في كتاب الاهوال عن عطاء بن يسار في قوله تعالى وجمع الشمس والقمر قال يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في النار ولابن أبي حاتم عن بن عباس نحوه موقوفا أيضا قال الخطابي ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلا وقيل إنهما خلقا من النار فأعيدا فيها وقال الاسماعيلي لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما فإن لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لاهل النار عذابا وآله من آلات العذاب وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذبة وقال أبو موسى المديني في غريب الحديث لما وصفه بأنهما يسبحان في قوله كل في فلك يسبحون وأن كل من عبد من دون الله الا من سبقت له الحسنى يكون في النار وكانا في النار يعذب بهما أهلهما بحيث لا يبرحان منهما فصارا كأنهما ثوران عقيران ثالثها بقية الاحاديث عن عبد الله بن عمرو ومن بعده في ذكر الكسوف وقد تقدمت كلها مشروحة في كتاب الكسوف وقوله في الحديث الاخير عن ابي مسعود كذا في الاصول بأداة الكنية وهو أبو مسعود البدري ووقع في بعض النسخ عن بن مسعود بالموحدة والنون وهو تصحيف قوله باب ما جاء في قوله تعالى وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته نشرا بضم النون والمعجمة وسيأتي تفسيره في الباب قوله قاصفا تقصف كل شئ يريد تفسير قوله تعالى فيرسل عليكم قاصفا من الريح قال أبو عبيدة هي التي تقصف كل شئ أي تحطم وروى الطبري من طريق بن جريج قال قال بن عباس القاصف التي تفرق هكذا ذكره منقطعا قوله لواقح ملاقح ملقحة يريد تفسير قوله تعالى وارسلنا الرياح لواقح وأن أصل لواقح ملاقح وواحدها ملقحة وهو قول أبي عبيدة وفاقا لابن إسحاق وأنكره غيرهما قالوا لواقح جمع لاقحة ولاقح وقال الفراء فإن قيل الريح ملقحة لانها تلقح الشجر فكيف قيل لها لواقح فالجواب على وجهين أحدهما أن تجعل الريح هي التي تلقح بمرورها على التراب والماء فيكون فيها اللقاح فيقال ريح لافح كما يقال ماء ملاقح ويؤيده وصف ريح العذاب بأنها عقيم ثانيهما أن وصفها باللقح لكون اللقح يقع فيها كما تقول ليل نائم وقال الطبري الصواب أنها لافحة من وجه ملقحة من وجه لان لقحها حملها الماء والقاحها عملها في السحاب ثم أخرج من طريق قوي عن بن مسعود قال يرسل الله الرياح فتحمل الماء فتلقح السحاب وتمر به فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر وقال الازهري جعل الريح لافحا لانها تقل السحاب وتصرفه ثم تمر به فتستدره والعرب تقول للريح الجنوب لافح وحامل وللشمال حائل وعقيم قوله إعصار ريح عاصف تهب من الارض إلى السماء كعموفيه نار يريد تفسير قوله تعالى فأصابها اعصار وهو تفسير أبي عبيدة بلفظه وروى الطبري عن السدي قال الاعصار الريح والنار السموم وعن الضحاك قال الاعصار ريح فيها برد شديد والاول أظهر لقوله تعالى فيه نار قوله صر برد يريد تفسير قوله تعالى ريح فيها صر قال أبو عبيدة الصر شدة البرد وقد أخرج بن أبي حاتم من طريق معمر قال كان الحسن يقول فأصابها اعصار يقول صر برد كذا قال قوله نشرا متفرقة هو مقتضى كلام أبي عبيدة فإنه قال قوله نشرا أي من كل مهب وجانب وناحية ثم ذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث بن عباس قوله عن الحكم هو بن عتيبة بالمثناة والموحدة

[ 216 ]

مصغر قوله نصرت بالصبا بفتح المهملة وتخفيف الموحدة مقصور هي الريح الشرقية والدبور بفتح أوله وتخفيف الموحدة المضمومة مقابلها يشير صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى في قصة الاحزاب فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وروى الشاقعي بإسناد فيه انقطاع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال نصرب بالصبا وكانت عذابا على من كان قبلنا وقيل إن الصبا هي التي حملت ريح قميص يوسف إلى يعقوب قبل أن يصل إليه قال بن بطال في هذا الحديث تفضيل بعض المخلوقات على بعض وفيه أخبار المرء عن نفسه بما فضله الله به على سبيل التحدث بالنعمة لا على الفخر وفيه الاخبار عن الامم الماضية واهلاكها ثانيهما حديث عائشة وقد تقدم شرحه في كتاب الاستسقاء وقوله فيه مخيلة بفتح الميم وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة هي السحابة التي يخال فيها المطر قوله فإذا أمطرت السماء سري عنه فيه رد على من زعم أنه لا يقال أمطرت الا في العذاب وأما الرحمة فيقال مطرت وقوله سري عنه بضم المهملة وتشديد الراء بلفظ المجهول أي كشف عنه وفي الحديث تذكر ما يذهل المرء عنه مما وقع للامم الخالية والتحذير من السير في سبيلهم خشية من وقوع مثل ما أصابهم وفيه شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم كما وصفه الله تعالى قال بن العربي فإن قيل كيف يخشى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب القوم وهو فيهم مع قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم والجواب أن الآية نزلت بعد هذه القصة ويتعين الحمل على ذلك لان الآية دلت على كرامة له صلى الله عليه وسلم ورفعه فلا يتخيل انحطاط درجته أصلا قلت ويعكر عليه أن آية الانفال كانت في المشركين من أهل بدر وفي حديث عائشة اشعار بأنه كان يواظب على ذلك من صنيعه كان إذا رأى فعل كذا والاولى في الجواب أن يقال أن في آية الانفال احتمال التخصيص بالمذكورين أو بوقت دون وقت أو مقاالخوف يقتضي غلبة عدم الامن من مكر الله وأولى من الجميع أن يقال خشي على من ليس هو فيهم أن يقع بهم العذاب أما المؤمن فشفقة عليه لايمانه وأما الكافر فلرجاء إسلامه وهو بعث رحمة للعالمين قوله باب ذكر الملائكة جمع ملك بفتح اللام فقيل مخفف من مالك وقيل مشتق من الالوكة وهي الرسالة وهذا قول سيبويه والجمهور وأصله لاك وقيل أصله الملك بفتح ثم سكون وهو الاخذ بقوة وحينئذ لا مدخل للميم فيه وأصل وزنه مفعل فتركت الهمزة لكثرة الاستعمال وظهرت في الجمع وزيدت الهاء أما للمبالغة وأما لتأنيث الجمع وجمع على القلب وإلا لقيل مالكة وعن أبي عبيدة الميم في الملك أصلية وزنه فعل كأسد هو من الملك بالفتح وسكون اللام وهو الاخذ بقوة وعلى هذا فوزن ملائكة فعائلة ويؤيده أنهم جوزوا في جمعه أملاك وأفعال لا يكون جمعا لما في أوله ميم زائدة قال جمهور أهل الكلام من المسلمين الملائكة أجسام لطيفة أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة ومسكنها السماوات وأبطل من قال أنها الكواكب أو أنها الانفس الخيرة التي فارقت أجسادها وغير ذلك من الاقوال التي لا يوجد في الأدلة السمعية شئ منها وقد جاء في صفة الملائكة وكثرتهم أحاديث منها ما أخرجه مسلم عن عائشة مرفوعا خلقت الملائكة من نور الحديث ومنها ما أخرجه الترمذي وابن ماجة والبزار من حديث أبي ذر مرفوعا أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع الا وعليه ملك ساجد الحديث ومنها ما أخرجه الطبراني من حديث جابر مرفوعا ما في السماوات

[ 217 ]

السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف الا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد وللطبراني نحوه من حديث عائشة وذكر في ربيع الابرار عن سعيد بن المسيب قال الملائكة ليسوا ذكورا ولا إناثا ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون ولا يتوالدون قلت وفي قصة الملائكة مع إبراهيم وسارة ما يؤيد إنهم لا يأكلون وأما ما وقع في قصة الاكل من الشجرة أنها شجرة الخلد التي تأكل منها الملائكة فليس بثابت وفي هذا وما ورد من القرآن رد على من أنكر وجود الملائكة من الملاحدة وقدم المصنف ذكر الملائكة على الانبياء لا لكونهم أفضل عنده بل لتقدمهم في الخلق ولسبق ذكرهم في القرآن في عدة آيات كقوله تعالى كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين وقد وقع في حديث جابر الطويل عند مسلم في صفة الحج ابدؤا بما بدأ الله به ورواه النسائي بصيغة الامر ابدأ بما بدأ الله به ولانهم وسائط بين الله وبي الرسل في تبليغ الوحي والشرائع فناسب أن يقدم الكلام فيهم على الانبياء ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أفضل من الانبياء وقد ذكرت مسألة تفضيل الملائكة في كتاب التوحيد عند شرح حديث ذكرته في ملا خير منهم والله أعلم ومن أدلة كثرتهم ما يأتي في حديث الاسراء أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون قوله وقال أنس قال عبد الله بن سلام الخ هو طرف من حديث وصله المصنف في كتاب الهجرة وسيأتي بأتم من هذا السياق هناك مع شرحه قوله وقال بن عباس لنحن الصافون الملائكة وصله عبد الرزاق من طريق سماك عن عكرمة عنه وللطبراني عن عائشة مرفوعا ما في السماء موضع قدم الا وعليه ملك قائم أو ساجد فذلك قوله تعالى وانا لنحن الصافون ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث تزيد على ثلاثين حديثا وهو من نوادر ما وقع في هذا الكتاب أعنى كثرة ما فيه من الاحاديث فإن عادة المصنف غالبا يفصل الاحاديث بالتراجم ولم يصنع ذلك هنا وقد اشتملت أحاديث الباب على ذكر بعض من اشتهر من الملائكة كجبريل ووقع ذكره في أكثر أحاديثه وميكائيل وهو في حديث سمرة وحده والملك الموكل بتصوير بن آدم ومالك خازن النار وملك الجبال والملائكة الذين في كل سماء والملائكة الذين ينزلون في السحاب والملائكة الذين يدخلون البيت المعمور والملائكة الذين يكتبون الناس يوم الجمعة وخزنة الجنة والملائكة الذين يتعاقبون ووقع ذكر الملائكة على العموم في كونهم لا يدخلون بيتا فيه تصاوير وأنهم يؤمنون على قراءة المصلي ويقولون ربنا ولك الحمد ويدعون لمنتظر الصلاة ويلعنون من هجر ت فراش زوجها وما بعد الاول محتمل أن يكون المراد خاصا منهم فأما جبريل فقد وصفه الله تعالى بأنه روح القدس وبأنه الروح الامين وبأنه رسول كريم ذو قوة مكين مطاع أمين وسيأتي في التفسير أن معناه عبد الله وهو وأن كان سريانيا لكنه وقع فيه موافقة من حيث المعنى للغة العرب لان الجبر هو إصلاح ما وهي وجبريل موكل بالوحي الذي يحصل به الاصلاح العام وقد قيل أنه عربي وأنه مشتق من جبروت الله واستبعد للاتفاق على منع صرفه وفي اللفظة ثلاث عشرة لغة أولها جبريل بكسر الجيم وسكون الموحدة وكسر الراء وسكون التحتانية بغير همز ثم لام خفيفة وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر ونافع ورواية عن عاصم ثانيها بفتح الجيم قرأها بن كثير ثالثها مثله لكن بفتح الراء ثم همزة قرأها حمزة والكسائي رابعها مثله بحذف ما بين الهمزة واللام قرأها يحيى بن يعمر

[ 218 ]

ورويت عن عاصم خامسها بتشديد اللام رويت عن عاصم سادسها بزيادة ألف بعد الراء ثم همزة ثم ياء ثم لام خفيفة قرأها عكرمة سابعها مثلها بغير همز قرأها الاعمش ثامنها مثل السادسة الا أنها بياء قبل الهمز تاسعها جبرال بفتح ثم سكون وألف بعد الراء ولام خفيفة عاشرها مثله لكن بياء بعد الالف قرأها طلحة بن مصرف حادي عشرها جرين مثل كثير لكن بنون ثاني عشرها مثله لكن بكسر الجيم ثالث عشرها مثل حمزة لكن بنون بدل اللام لخصته من اعراب السمين وروى الطبري عن أبي العالية قال جبريل من الكروبيين وهم سادة الملائكة وروى الطبراني من حديث بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل على أي شئ أنت قال على الريح والجنود قال وعلى أي شئ ميكائيل قال على النبات والقطر قال وعلى أي شئ ملك الموت قال على قبض الارواح الحديث وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ضعف لسوء حفظه ولم يترك وروى الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا وزيد أي من أهل السماء جبريل وميكائيل الحديث وفي الحديث الذي أخرجه الطبراني في كيفية خلق آدم ما يدل على أن خلق جبريل كان قبل خلق آدم وهو مقتضى عموم قوله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وفي التفسير أيضا أنه يموت قبل موت ملك الموت بعد فناء العالم والله أعلم وأما ميكائيل فروى الطبراني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل مالي لم أر ميكائيل ضاحكا قال ما ضحك منذ خلقت النار وأما ملك التصوير فلم أقف على اسمه وأما مالك خازن النار فيأتي ذكره في تفسير سورة الزخرف إن شاء الله تعالى وأما ملك الجبال فلم أقف على اسمه أيضا ومن مشاهير الملائكة اسرافيل ولم يقع له ذكر في أحاديث الباب وقد روى النقاش أنه أول من سجد من الملائكة فجوزي بولاية اللوح المحفوظ وروى الطبراني من حديث بن عباس أنه الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا فأشار إليه جبريل أن تواضع فاختار أن يكون نبيا عبدا وروى أحمد والترمذي عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له الحديث وقد اشتمل كتاب العظمة لابي الشيخ من ذكر الملائكة على أحاديث وآثار كثيرة فليطلبها منه من أراد الوقوف على ذلك وفيه عن علي أنه ذكر الملائكة فقال منهم الامناء على وحيه والحفظة لعباده والسدنة لجنانه والثابتة في الارض السفلى أقدامهم المارقة من السماء العليا أعناقهم الخارجة عن الاقطار أكنافهم الماسة لقوائم العرش أكتافهم الحديث الاول حديث الاسراء أورده بطوله من طريق قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة وسأذكر شرحه في السيرة النبوية قبيل أبواب الهجرة إن شاء الله تعالى والغرض منه هنا ما يتعلق بالملائكة وقد ساقه هنا على لفظ خليفة وهناك على لفظ هدبة بن خالد وسأبين ما بينهما من التفاوت إن شاء الله تعالى وقوله بطست من ذهب ملآن كذا للاكثر وللكشميهني ملاى والتذكير باعتبار الاناء والتأنيث باعتبار الطست لانها مؤنثة ووجدت بخط الدمياطي ملئ بضم الميم على لفظ الفعل الماضي فعلى هذا لا تغاير بينه وبين قوله ملآن وقوله مراق البطن بفتح الميم وتخفيف الراء وتشديد القاف هو ما سفل من البطن ورق من جلده وأصله مرافق

[ 219 ]

وسميت بذلك لانها موضع رقة الجلد وقوله بدابة أبيض ذكره باعتبار كونه مركوبا وقوله في آخره وقال همام عن قتادة الخ يريد أن هماما فصل في سياقه قصة البيت المعمور من قصة الاسراء فروى أصل الحديث عن قتادة عن أنس وقصة البيت عن قتادة عن الحسن وأما سعيد وهو بن أبي عروبة وهشام وهو الدستوائي فأدرجا قصة البيت المعمور في حديث أنس والصواب رواية همام وهي موصولة هنا عن هدبة عنه ووهم من زعم أنها معلقة فقد روى الحسن بن سفيان في مسنده الحديث بطوله عن هدبة فاقتص الحديث إلى قوله فرفع لي البيت المعمور قال قتادة فحدثنا الحسن عن أبي هريرة أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون فيه وأخرجه الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان وأبي يعلى والبغوي وغير واحد كلهم عن هدبة به مفصلا وعرف بذلك مراد البخاري بقوله في البيت المعمور وأخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة لو خر لخر عليها يدخله سبعون ألف ملك كل يوم إذا خرجوا منه لم يعودوا وهذا وما قبله يشعر بأن قتادة كان تارة يدرج قصة البيت المعمور في حديث أنس وتارة يفصلها وحين يفصلها تارة يذكر سندها وتارة يبهمه وقد روى إسحاق في مسنده والطبري وغير واحد من طريق خالد بن عرعرة عن علي أنه سئل عن السقف المرفوع قال السماء وعن البيت المعمور قال بيت في السماء بحيال البيت حرمته في السماء كحرمة هذا في الارض يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون إليه وفي رواية للطبري أن السائل عن ذلك هو عبد الله بن الكوا ولابن مردويه عن بن عباس نحوه وزاد وهو على مثل البيت الحرام لو سقط لسقط عليه من حديث عائشة ونحوه بإسناد صالح ومن حديث عبد الله بن عمرو نحوه بإسناد

[ 220 ]

ضعيف وهو عند الفاكهي في كتاب مكة بإسناد صحيح عنه لكن موقوفا عليه وروى بن مردويه أيضا وابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعا نحو حديث على وزاد وفي السماء نهر يقال له نهر الحيوان يدخله جبريل كل يوم فينغمس ثم يخرج فينتفض فيخر عنه سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكا فهم الذين يصلون فيه ثم لا يعودون إليه وإسناده ضعيف وقد روى بن المنذر نحوه بدون ذكر النهر من طريق صحيحة عن أبي هريرة لكن موقوفا وجاء عن الحسن ومحمد بن عباد بن جعفر أن البيت المعمور هو الكعبة والاول أكثر وأشهر وأكثر الروايات أنه في السماء السابعة وجاء من وجه آخر عن أنس مرفوعا أنه في السماء الرابعة وبه جزم شيخنا في القاموس وقيل هو في السماء السادسة وقيل هو تحت العرش وقيل أنه بناه آدم لما أهبط إلى الارض ثم رفع زمن الطوفان وكأن هذا شبهة من قال أنه الكعبة ويسمى البيت المعمور الضراح والضريح الحديث الثاني حديث بن مسعود حدثنا الصادق المصدوق وسيأتي شرحه في كتاب القدر والغرض منه قوله فيه ثم يبعث الله ملكا ويؤمر بأربع كلمات فإن فيه أن الملك موكل بمذكر عند تصوير الآدمي وسيأتي ما وقع فيه من الاختلاف هناك والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم الصادق أي في قوله والمصدوق أي فيما وعده به ربه الحديث الثالث حديث أبي هريرة أورده من طريقين موصولة ومعلقة وساقه على لفظ المعلقة وهي متابعة أبي عاصم وقد وصلها في الادب عن عمرو بن علي عن أبي عاصم وساقه على لفظه هنا وهو أحد المواضع التي يستدل بها على أنه قد يعلق عن بعض مشايخه ما هو عنده عنه بواسطة لان أبا عاصم من شيوخه قوله إذا أحب الله العبد الخ زاد روح بن عبادة عن بن جريج في آخره عند الاسماعيلي وإذا أبغض فمثل ذلك وقد أخرجه أحمد عن روح بدون الزيادة وسيأتي تمام شرحه في كتاب الادب إن شاء الله تعالى الحديث الرابع حديث عائشة قوله حدثنا محمد حدثنا بن أبي مريم قال الجياني محمد هذا هو الذهلي كذا قال وقد قال أبو ذر بعد أن ساقه محمد هذا هو البخاري وهذا هو الارجح عندي فإن الاسماعيلي وأبا نعيم لم يجدا الحديث من غير رواية البخاري فاخرجاه عنه ولو كان عند غير البخاري لما ضاق عليهما مخرجه ونصف هذا الاسناد الاعلى مدنيون ونصفه الادنى مصريون ولليث في هذا الحديث شيخ آخر سيأتي في صفة إبليس قريبا ويأتي شرحه مستوفى في الطب وقوله العنان هو السحاب وزنا ومعنى وواحده عنانة كسحابة كذلك وقوله وهو السحاب من تفسير بعض الرواة أدرجه في الخبر الحديث الخامس حديث أبي هريرة وقد تقدم شرحه في الجمعة وقوله فيه عن أبي سلمة هو بن عبد الرحمن وقوله والاغر كذا

[ 221 ]

للاكثر بالمعجمة والراء الثقيلة ووقع في رواية الكشميهني والاعرج بالعين المهملة الساكنة وآخره جيم والاول أرجح فإنه مشهور من رواية الاغر نعم أخرجه النسائي من وجهين آخرين عن الزهري عن الاعرج وحده ورواية يحيى بن سعيد الانصاري عن الزهري عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب وأبي عبد الله الاغر ثلاثتهم عن أبي هريرة أفاده الجياني عن بن السكن قال وبان بذلك أن الحديث حديث الاغر لا الاعرج قلت بل ورد من رواية الاعرج أيضا أخرجه النسائي من طريق عقيل ومن طريق عمرو بن الحارث كلاهما عن الزهري عن الاعرج عن أبي هريرة فظهر أن الزهري حمله عن جماعة وكان تارة يفرده عن بعضهم وتارة يذكره عن اثنين منهم وتارة عن ثلاثة والله أعلم وقد تقدم في الجمعة من رواية بن أبي ذئب وأخرجه مسلم من رواية يونس عن الزهري عن الاغر وحده وأخرجه النسائي أيضا من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن أبي سلمة والاغر جمع بينهما كإبراهيم بن سعد وأخرجه مسلم والنسائي من طريق سفيان عن الزهري عن سعيد وحده ورواه مالك عن الزهري عن بن سلمة وحده الحديث السادس حديث أبي هريرة في الدعاء لحسان والغرض منه ذكر روح القدس وقد تقدم شرحه في المساجد من كتاب الصلاة وبينت أنه من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أو عن حسان وأنه لم يحضر مراجعته لحسان وقد أخرجه الاسماعيلي من رواية عبد الجبار بن العلاء عن سفيان قال ما حفظت عن الزهري الا عن سعيد عن أبي هريرة فعلى هذا فكأن أبا هريرة حدث سعيدا بالقصة بعد وقوعها بمدة ولهذا قال الاسماعيلي سياق البخاري صورته صورة الارسال وهو كما قال وقد ظهر الجواب عنه بهذه الرواية الحديث السابع حديث البراء بن عازب في ذكر حسان أيضا والغرض منه الاشارة إلى أن المراد بروح القدس في الحديث الذي قبله جبريل وسيأتي شرحه في كتاب الادب وقوله قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان يقتضي أنه من مسند البراء بن عازب ولكن أخرجه الترمذي من رواية يزيد بن زريع عن سعيد فجعله من رواية البراء عن حسان الحديث الثامن حديث أنس كأني أنظر إلى غبار ساطع في سكة بني غنم السكة بكسر المهملة والتشديد الزقاق وبنو غنم بفتح المعجمة وسكون النون بطن من الخزرج وهم بنو غنم بن مالك بن النجار منهم أبو أيوب الانصاري وآخرون ووهم من زعم أن المراد بهم هنا بنو غنم حي من بني تغلب بفتح المثناة وسكون المعجمة فإن أولئك لم يكونوا بالمدينة يومئذ قوله زاد موسى موكب جبريل موسى هو بن إسماعيل التبوذكي ومراده أنه روى هذا الحديث عن جرير بن حازم بالاسناد المذكور فزاد في المتن هذه الزيادة وطريق موسى هذه موصولة في المغازي عنه وهو مما يدل على أنه قد يعلق عن بعض مشايخه ما سمعه منه فلم يطرد له في ذلك عمل مستمر فإن كلا من أبي عاصم وموسى من مشايخه وقد علق عن أبي عاصم ما أخذه عنه بواسطة وعلق عن موسى ما أخذه عنه بغير واسطة ففيه رد على من قال كل ما يعلقه عن مشايخه محمول على أنه سمعه منهم وفيه رد على من قال أن الذي يذكر عن مشايخه من ذلك يكون مما حمله عنهم بالمناولة لانه صرح في المغازي بتحديث موسى له بهذا الحديث فلو كان مناولة لم يصرح بالتحديث وقوله موكب جبريل يجوز فيه الحركات الثلاث كنظائره ورجح بن التين الخفض وإسحاق المذكور في الرواية الاولى هو بن راهويه كما بينه بن السكن وجزم به الكلاباذي وسيأتي بقية شرح المتن في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى الحديث التاسع حديث عائشة أن الحارث بن

[ 222 ]

هشام سأل عن كيفية مجئ الوحي وقد تقدم شرحه في أول الكتاب وقدمت أن عامر بن صالح الزبيري رواه عن هشام فجعله من رواية عائشة عن الحارث بن هشام وإني وجدت له متابعا على ذلك عند بن منده وهو يتضمن الرد على الحاكم حيث زعم أن عامر بن صالح تفرد بالزيادة المذكورة والمتابع المذكور أخرجه بن منده من طريق عبد الله بن الحارث عن هشام عن عائشة عن الحارث بن هشام قال سألت الحديث العاشر حديث أبي هريرة من أنفق زوجين وقد تقدم الكلام عليه في أول الجهاد والغرض منه ذكر خزنة الجنة وقوله في الاسناد حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال الاسماعيلي في الجهاد أدخل الاوزاعي بين يحيى وأبي سلمة في هذا الحديث محمد بن إبراهيم التيمي قلت روايته عنه عند النسائي ويحيى معروف بالرواية عن أبي سلمة فلعل محمدا أثبته في هذا الحديث الحديث الحادي عشر حديث عائشة في سلام جبريل وسيأتي الكلام عليه في المناقب وإسماعيل شيخ البخاري فيه هو بن أبي أويس وسليمان هو بن بلال ويونس هو بن يزيد الايلي وقد خالفه معمر عن الزهري في إسناده فقال عن عروة عن عائشة أخرجه النسائي وقال هذا خطأ والصواب رواية يونس الحديث الثاني عشر حديث بن عباس في نزول قوله تعالى وما نتنزل الا بأمر ربك وسيأتي شرحه في تفسير سورة مريم وسياقه هنا على لفظ وكيع ويحيى الراوي عنه هو بن موسى ويقال بن جعفر وعمر بن ذر بضم العين اتفاقا وغلط من قال فيه عمرو الحديث الثالث عشر حديثه في الاحرف السبعة وسيأتي شرحه في فضائل القرآن الحديث الرابع عشر حديثه في مدارسة جبريل في رمضان وقد تقدم شرحه في كتاب الصيام وقوله وعن عبد الله أخبرنا معمر بهذا الاسناد هو موصول عن محمد بن مقاتل وكأن بن المبارك كان يفصل الرواية فيه عن شيخيه وقد تقدم نظير ذلك في بدء الوحي الحديث الخامس عشر والسادس عشر قوله وروى أبو هريرة وفاطمة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل كان يعارضه القرآن أما حديث أبي هريرة فوصله في فضائل القرآن ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى وأما حديث فاطمة فوصله في علامات النبوة ويأتي شرحه هناك أيضا إن شاء الله تعالى الحديث السابع عشر حديث أبي مسعود في صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم وتقدم مشروحا في أوائل الصلاة وقوله فصلى إمام رسول

[ 223 ]

الله صلى الله عليه وسلم بفتح الهمزة من إمام وحكى بن مالك أنه روى بالكسر واستشكله لان إمام معرفة والموضع موضع الحال فوجب جعله نكرة بالتأويل الحديث الثامن عشر حديث أبي ذر وقد تقدم مضموما إلى حديث آخر في كتاب الاستقراض ويأتي مطولا في الاستئذان ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى وقوله هنا قال وإن زنى لم يعين القائل وبين في تلك الرواية أنه أبو ذر الراوي وقوله في آخره قال وأن فيه دلالة على جواز حدف فعل الشرط والاكتفاء بحرفه قاله بن مالك وفيه نظر لانه يتبين بالرواية الاخرى أن هذا من تصرف بعض الرواة الحديث التاسع عشر حديث أبي هريرة الملائكة يتعاقبون تقدم مشروحا في أوائل الصلاة * الحديث التاسع عشر حديث أبى هريرة الملائكة يتعاقبون تقدم مشروحا في أوائل الصلاة * الحديث العشرون حديث أبى هريرة إذا قال أحدكم أمين الحديث وهو باسناد الذى قبله عن أبى اليمان عن شعيب عن أبى الزناد عن الاعرج عنه ووقع في كثير من النسخ هنا باب إذا قال أحدكم إلى آخر الحديث فصار ترجمة بغير حديث وصارت الاحاديث التى تتلوه لا تعلق لها به فاشكل أمره جدا وسقط لفظ باب من رواية أبى ذرفخف الاشكال لكن لو قال وبهذا الاسناد أو وبه قال أو نحو ذلك لزال الاشكال وقد صنع ذلك الاسماعيلي فانه ساق حديث يتعاقبون فلما فرغ قال وبهذا الاسناد إذا قال أحدكم فساقه من طريقين عن أبى الزناد كذلك وظهر بهذا أن هذا الحديث وما بعده من الاحاديث بقية ترجمة ذكر الملائكة والله أعلم * الحديث الحادى والعشرون حديث عائشة حشوت وسادة تقدم في البيوع ويأتى شرحه في اللباس ومحمد شيخ البخاري فيه هو ابن سلام وقد تقدم قبل أبواب حديث آخر قال فيه حدثنا ابن سلام حدثنا مخلد بن يزيد * الحديث الثاني والعشرون حديث أبى طلحة وشيخ البخاري فيه هو أحمد بن صالح كما جزم به أبو نعيم قال الدار قطني لم يذكر الاوزاعي ابن عباس في اسناده يعنى حيث رواه عن الزهري (قلت) هو عند الترمذي والنسائي من طريق أبى النضر عن عبيد الله بن عبدا لله قال دخلت على أبى طلحة وأخرج النسائي رواية الاوزاعي فاثبت ابن عباس تارة وإسقطه تارة ورجح رواية من أثبته وسيأتى شرحه مستوفى في كتاب اللباس

[ 224 ]

ان شاء الله تعالى الحديث الثالث والعشرون حديث ابن عمر (قوله حدثنى عمرو) كذا للاكثر وظن بعضهم انه ابن الحرث وهو خطأ لانه لم يدرك سالما والصواب عمر بضم العين بغير واو وهو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وثبت كذلك في رواية الكشميهني وكذا وقع في اللباس عن يحيى بن سليمان بهذا الاسناد وقوله وعد النبي صلى الله عليه وسلم جبريل فقال أنا لا ندخل كذا أورده هنا مختصرا وساقه في اللباس بتمامه وسيأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى الحديث الرابع والعشرون حديث أبي هريرة إذا قال الامام سمع الله لمن حمده تقدم مشروحا في صفة الصلاة الحديث الخامس والعشرون حديثه أحدكم في صلاة مدامت الصلاة تحبسه وقد تقدم مشروحا أيضا في صفة الصلاة وابن فليح هو محمد ووقع في بعض النسخ بن أفلح وهو تصحيف الحديث السادس والعشرون حديث يعلى بن أمية قوله حدثنا سفيان هو بن عيينة وعمرو هو بن دينار وعطاء هو بن أبي رباح وصفوان بن يعلى أي بن أمية وفي الاسناد ثلاثة من التابعين في نسق وهم مكيون قوله يقرأ على المنبر ونادوا يا مال في رواية الكشميهني ونادوا يا مالك وسيأتي الكلام عليه في التفسير قوله قال سفيان هو بن عيينة في قراءة عبد الله أي بن مسعود ونادوا يا مال يعني بغير كاف الحديث السابع والعشرون حديث عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليكم يوم أشد من يوم أحد الحديث قوله بن عبد يا ليل بتحتانية وبعد الالف لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام بن عبد كلال بضم الكاف وتخفيف اللام وآخره لام واسمه كنانة والذي في المغازي أن الذي كلمه هو عبد يا ليل نفسه وعند أهل النسب أن عبد كلال أخوه لا أبوه وأنه عبد ياليل بن عمرو بن عمير بن عوف ويقال اسم بن عبد ياليل مسعود وله أخ أعمى له ذكر في السيرة في قذف النجوم عند المبعث النبوي وكان بن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف وقد روى عبد بن حميد في تفسيره من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى على رجل من القريتين عظيم قال نزلت في عتبة بن ربيعة وابن عبد ياليل الثقفي ومن طريق قتادة قال هما الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود ورواه بن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد وقال فيه يعني كنانة وروى الطبري من طريق السدي قال هما الوليد بن المغيرة وكنانة بن عبد بن عمرو بن عمير عظيم أهل الطائف وقد ذكر موسى بن عقبة وابن إسحاق أن كنانة بن عبد ياليل وفد مع وفد الطائف سنة عشر فأسلموا وذكره بن عبد البر في الصحابة لذلك لكن ذكر المديني أن الوفد أسلموا الا كنانة فخرج إلى الروم ومات بها بعد ذلك والله أعلم وذكر موسى بن عقبة في المغازي عن بن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤوه فعمد إلى ثلاثة نفر من ثقيف وهم سادتهم وهم إخوة عبد ياليل وحبيب ومسعود بنو عمرو فعرض عليهم نفسه وشكى إليهم ما انتهك منه قومه فردوا عليه أقبح رد وكذا ذكره بن إسحاق بغير إسناد مطولا وذكر بن سعد أن ذلك كان في شوال سنة عشر من المبعث وأنه كان بعد موت أبي طالب وخديجة قوله على وجهي أي على الجهة المواجهة لي قوله بقرن

[ 225 ]

الثعالب هو ميقات أهل نجد ويقال له قرن المنازل أيضا وهو على يوم وليلة من مكة وقرن كل جبل صغير منقطع من جبل كبير وحكى عياض أن بعض الرواة ذكره بفتح الراء قال هو غلط وحكى القابسي أن من سكن الراء أراد الجبل ومن حركها أراد الطريق التي بقرب منه وأفاد بن سعد أن مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بالطائف كانت عشرة أيام قوله ملك الجبال أي الموكل بها قوله فسلم علي ثم قال يا محمد فقال ذلك فيما شئت أن شئت كذا لابي ذر عن شيخيه وله عن الكشميهني مثله الا أنه قال فما شئت وقد رواه الطبراني عن مقدام بن داود عن عبد الله بن يوسف شيخ البخاري فقال يا محمد أن الله بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك فيما شئت أن شئت قوله ذلك مبتدأ وخبره محذوف تقديره كما علمت أو كما قال جبريل وقوله ما شئت استفهام وجزاؤه مقدر أي أن شئت فعلت قوله الاخشبين بالمعجمتين هما جبلا مكة أبو قبيس والذي يقابله وكأنه قعيقعان وقال الصغاني بل هو الجبل الاحمر الذي يشرف على قعيقعان ووهم من قال هو ثور كالكرماني وسميا بذلك لصلابتهما وغلظ حجارتهما والمراد باطباقهما أن يلتقيا على من بمكة ويحتمل أن يريد أنهما يصيران طبقا واحدا قوله بل أرجو كذا لاكثرهم وللكشميهني أنا أرجو وفي هذا الحديث بيان شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على قومه ومزيد صبره وحلمه وهو موافق لقوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم وقوله وما أرسلناك الا رحمة للعالمين الحديث الثامن والعشرون حديث بن مسعود في قوله تعالى فكان قاب قوسين وسيأتي الكلام عليه في تفسير سورة النجم الحديث التاسع والعشرون حديثه في قوله تعالى لقد رأى من آيات ربه الكبرى وسيأتي الكلام عليه أيضا في تفسير سورة النجم وقوله فيه رأى رفرفا أخضر كذا للاكثر وفي رواية الحموي والمستملي خضرا وهو بفتح أوله وكسر ثانيه مصروفا يقولون أخضر خضر كما قالوا أعورعور ولبعضهم بسكون ثانيه بلفظ التأنيث ويحتاج إلى ثبوت أن الرفرف يؤنث وقزعم بعضهم أنه جمع رفرفة فعلى هذا فيتجه وقال الكرماني تبعا للخطابي يحتمل أن يكون جبريل بسط أجنحته كما يبسط الثوب وهذا لا يخفى بعده الحديث الثلاثون حديث عائشة ذكره من وجهين أحدهما من رواية القاسم عنها قالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم أي دخل في أمر عظيم أو الخبر محذوف والثاني من رواية مسروق قال قلت لعائشة فأين قوله ثم دنى فتدلى الحديث نحوه ومحمد بن يوسف شيخه فيه هو البيكندي كما جزم به أبو علي الجياني وابن أشوع بالمعجمة وزن أحمد واسمه سعيد بن عمرو بن أشوع نسبة لجده وللاكثر بن الاشوع ووهم من قال هنا عن أبي الاشوع فإنها ليست كنيته وسيأتي شرحه أيضا في تفسير سورة النجم الحديث الحادي والثلاثون حديث سمرة رأيت الليلة رجلين أتياني ذكره مختصرا جدا وقد مضى مطولا في أواخر الجنائز والمقصود منه ذكر مالك

[ 226 ]

خازن النار وجبريل وميكائيل الحديث الثاني والثلاثون حديث أبي هريرة إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه الحديث قوله تابعه شعبة وأبو حمزة وابن داود وأبو معاوية عن الاعمش أي عن أبي حازم عن أبي هريرة فأما متابعة شعبة فوصلها المؤلف في النكاح وسيأتي شرح المتن هناك وأما متابعة أبي حمزة فلم اجدها وأما متابعة بن داود وهو عبد الله الخريبي بالمعجمة والراء والموحدة مصغر فوصلها مسدد في مسنده الكبير عنه وأما متابعة أبي معاوية فوصلها مسلم والنسائي من طريقه الحديث الثالث والثلاثون حديث جابر في فترة الوحي وقد تقدم مشروحا في بدء الوحي الحديث الرابع والثلاثون حديث بن عباس في رؤية الانبياء ومالك خازن النار وغير ذلك وسيأتي شرحه في أحاديث الانبياء إن شاء الله تعالى قال الاسماعيلي جمع البخاري بين روايتي شعبة وسعيد وساقه على لفظ سعيد وفي روايته زيادة ظاهرة على رواية شعبة قلت سأبين ذلك هناك إن شاء الله تعالى الحديث الخامس والثلاثون والسادس والثلاثون قوله قال أنس وأبو بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تحرس الملائكة المدينة من الدجال أما حديث أنس فوصله المؤلف في فضل المدينة أواخر الحج وتقدم الكلام عليه هناك وكذا حديث أبي بكرة وقد وصله المؤلف أيضا في الفتن ويأتي الالمام بما يتعلق به هناك إن شاء الله تعالى وقوله آدم طوالا هو بمد ألف آدم كلفظ جد البشر والمراد هنا وصف موسى بالادمة وهي لون بين البياض والسواد قوله باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة أي موجودة الآن وأشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنها لا توجد الا يوم القيامة وقد ذكر المصنف في الباب أحاديث كثيرة دالة على ما ترجم به فمنها ما يتعلق بكونها موجودة الآن ومنها ما يتعلق بصفتها وأصرح مما ذكره في ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما خلق الله الجنة قال لجبريل أذهب فأنظر إليها الحديث قوله وقال أبو العالية مطهرة من الحيض والبول والبصاق كلما رزقوا منها الخ وصله بن أبي حاتم من طريقه مفرقا دون أوله وأخرج من طريق مجاهد نحوه وزاد ومن المني والولد ومن طريق قتادة لكن قال من الاذى والاثم وروى هذا عن قتادة موصولا قال عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا ولا يصح إسناده وأخرج الطبري نحو ذلك عن عطاء وأتم منه وروى بن أبي حاتم أيضا من طريق يحيى بن أبي كثير قال يطوف الولدان على أهل الجنة بالفواكه فيأكلونها ثم يؤتون بمثلها فيقول أهل الجنة هذا الذي أتيتمونا به آنفا فيقولون لهم كلوا فإن اللون واحد والطعم مختلف وقيل المراد بالقبلية هنا ما كان في الدنيا وروى بن أبي حاتم أيضا والطبري ذلك من طريق السدي بأسانيده قال أتوا بالثمرة في الجنة فلما نظروا إليها قالوا هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا ورجح هذا الطبري من جهة ما دلت عليه الآية من عموم قولهم ذلك في كل ما رزقوه قال فيدخل في ذلك أول رزق رزقوه فيتعين أن لا

[ 227 ]

يكون قبله الا ما كان في الدنيا قوله يشبه بعضه بعضا ويختلف في الطعم هو كقول بن عباس ليس في الدنيا مما في الجنة الا الاسماء وقال الحسن معنى قوله متشابها أي خيارا لا رداءة فيه تنبيه وقع في رواية الكشميهني هذا الذي رزقنا من قبل أتينا ولغيره أوتينا وهو الصواب قال بن التين هو من أوتيته بمعنى أعطيته وليس من أتيته بالقصر بمعنى جئته قوله قطوفها يقطفون كيف شاءوا دانية قريبة أما قوله يقطفون كيف شاءوا فرواه عبد بن حميد من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال في قوله قطوفها دانية قال يتناول منها حيث شاء وأما قوله دانية قريبة فرواه بن أبي حاتم من طريق الثوري عن أبي إسحاق عن البراء أيضا ومن طريق قتادة قال دنت فلا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك قوله الارائك السرر رواه عبد بن حميد بإسناد صحيح من طريق حصين عن مجاهد عن بن عباس قال الارائك السرر في الحجال ومن طريق منصور عن مجاهد نحوه ولم يذكر بن عباس ومن طريق الحسن ومن طريق عكرمة جميعا أن الاريكة هي الحجلة على السرير وعن ثعلب الاريكة لا تكون الا سرير متخذا في قبة عليه شواره قوله وقال الحسن النضرة في الوجه والسرور في القلب رواه عبد بن حميد من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن في قوله تعالى ولقاهم نضرة وسرورا فذكره قوله وقال مجاهد سلسبيلا حديدة الجرية وصله سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق مجاهد وحديدة بفتح المهملة وبدالين مهملتين أيضا أي قوية الجرية وذكر عياض أن القابسي رواها حريدة براء بدل الدال الاولى وفسرها بلينة قال والذي قاله لا يعرف وإنما فسروا السلسبيل بالسهلة اللينة الجرية قلت يشير بذلك إلى تفسير قتادة رواه عبد بن حميد عنه قال في قوله تعالى عينا فيها تسمى سلسبيلا قال سلسة لهم يصرفونها حيث شاءوا وقد روى عبد بن حميد أيضا عن مجاهد قال تجري شبه السيل وهذا يؤيد رواية الاصيلي أنه أراد قوة الجري والذي يظهر إنهما لم يتواردا على محل واحد بل أراد مجاهد صفة جرى العين وأراد قتادة صفة الماء وروى بن أبي حاتم عن عكرمة قال السلسبيل اسم العين المذكورة وهو ظاهر الآية ولكن استبعد لوقوع الصرف فيه وأبعد من زعم أنه كلام مفصول من فعل أمر واسم مفعول قوله غول وجع البطن ينزفون لا تذهب عقولهم رواه عبد بن حميد من طريق مجاهد قال في قوله لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون فذكره قوله وقال بن عباس دهاقا ممتلئة وصله عبد بن حميد من طريق عكرمة عنه قال الكأس الدهاق الممتلئة المتتابعة وسيأتي في أيام الجاهلية من وجه آخر قوله كواعب نواهد وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال في قوله تعالى كواعب اترابا قال نواهد انتهى وهو جمع ناهدو الناهد هي التي بدا نهدها قوله الرحيق الخمر وصله بن جرير من طريق علي بن أبطلحة عن بن عباس في قوله تعالى رحيق مختوم قال الخمر ختم المسك وقيل الرحيق هو الخالص من كل شئ قوله التسنيم يعلو شراب أهل الجنة وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال التسنيم يعلو شراب أهل الجنة وهو صرف للمقربين ويمزج لاصحاب اليمين قوله ختامه طينه مسك وصله بن أبي حاتم من طريق مجاهد في قوله ختامه مسك قال طينه مسك قال بن القيم في حادي الارواح تفسير مجاهد هذا يحتاج إلى تفسير والمراد ما يبقى آخر الاناء من الدردى مثلا قال وقال بعض الناس معناه آخر شربهم يختم برائحة المسك قلت هذا أخرجه بن أبي حاتم أيضا من طريق أبي الدرداء قال في قوله ختامه مسك قال هو

[ 228 ]

شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم وعن سعيد بن جبير ختامه آخر طعمه قوله نضاختان فياضتان وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قوله يقال موضونة منسوجة منه وضين الناقة هو قول الفراء قال في قوله موضونة أي منسوجة وإنما سمعت العرب وضين الناقة وضينا لانه منسوج وقال أبو عبيدة في المجاز في قوله على سرر موضونة يقال متداخلة كما يوصل حلق الدرع بعضها في بعض مضاعفة قال والوضين البطان إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا وهو وضين في موضع موضون وروى بن أبي حاتم من طريق الضحاك في قوله موضونة قال التوضين التشبيك والنسج يقول وسطها مشبك منسوج ومن طريق عكرمة في قوله موضونة قال مشبكة بالدر والياقوت قوله والكوب ما لا أذن لولا عروة والاباريق ذوات الآذان والعرى هو قول الفراء سواء وروى عبد بن حميد من طريق قتادة قال الكوب الذي دون الابريق ليس له عروة قوله عربا مثقلة أي مضمومة الراء واحدها عروب مثل صبور وصبر أي على وزنه وهذا قول الفراء وحكى عن الاعمش قال كنت أسمعهم يقولون عربا بالتخفيف وهو كالرسل والرسل بالتخفيف في لغة تميم وبكر قال الفراء والوجه التثقيل لان كل فعول أو فعيل أو فعال جمع على هذا المثال فهو مثقل مذكرا كان أو مؤنثا قلت مرادهم بالتثقيل الضم وبالتخفيف الاسكان قوله يسميها أهل مكة العربة الخ جزم الفراء بأنها الغنجة وأخرجه بن أبي حاتم عن عكرمة ومن طريق بريدة قال هي الشكلة بلغة أهل مكة والمغنوجة لغة أهل المدينة ومثله في كتاب مكة للفاكهي وروى بن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم قال هي الحسنة الكلام ومن طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرفوعا العرب كلامهن عربي وهو ضعيف منقطع وأخرج الطبري من طريق تميم بن حذام في قوله عربا قال العربة الحسنة التبعل كانت العرب تقول إذا كانت المرأة حسنة التبعل أنها لعربة ومن طريق عبد الله بن عبيد بن عمير المكي قال العربة التي تشتهي زوجها ألا ترى أن الرجل يقول للناقة أنها لعربة قوله وقال مجاهد روح جنة ورخاء والريحان الرزق يريد تفسير قوله تعالى فروح وريحان قال الفريابي حدثنا ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله فروح قال جنة وريحان قال رزق أخرجه البيهقي في الشعب من طريق آدم عن ورقاء بسنده بلفظ فروح وريحان قال الروح جنة ورخاء والريحان رزق قوله والمنضود الموز والمخضود الموقر حملا ويقال أيضا الذي لا شوك له وصله الفريابي والبيهقي عن مجاهد في قوله وطلح منضود قال الموز المتراكم والسدر المخضود الموقر حملا ويقال أيضا الذي لا شوك فيه وذلك لانهم كانوا يعجبون بوج وظلاله من طلح وسدر قلت وج بفتح الواو وتشديد الجيم بالطائف وكأن عياضا لم يقف على ذلك فزعم في أواخر المشارق أن الذي وقع في البخاري تخليط قال والصواب والطلح الموز والمنضود الموقر حملا الذي نضد بعضه على بعض من كثرة حمله كذا قال وقد نقل الطبري القولين عن جمع من العلماء بأسانيده إليهم فنقل الاول عن مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير ونقل الثاني عن بن عباس وقتادة وعكرمة وقسامة بن زهير وغيرهم وكأن عياضا استبعد تفسير الخضد بالثقل لا الخضد في اللغة القطع وقد نقل أهل اللغة أيضا أن الخضد التثني وعليه يحمل التأويل الاول أي أنه من كثرة حمله انثنى وأما التأويل الذي ذكره هو فقد نقل الطبري اتفاق أهل التأويل من الصحابة والتابعين على أن المراد بالطلح المنضود الموز وأسند عن على أنه كان يقولها والطلع بالعين قال فقيل له أفلا تغيرها قال أن القرآن

[ 229 ]

لا يهاج اليوم فظهر بذلك فساد الاعتراض وأن الذي وقع في الاصل هو الصواب والله أعلم قوله والعرب المحببات إلى أزواجهن كذا أخرجه عبد بن حميد والفريابي والطبري وغيرهم من طريق مجاهد وغيره ورواه الفريابي من وجه آخر عن مجاهد قال العرب العواشق وأخرج الطبري نحوه عن أم سلمة مرفوعا قوله مسكوب جار يريد تفسير قوله تعالى وماء مسكوب وقوله وفرش مرفوعة بعضها فوق بعض وصله والذي قبله الفريابي أيضا عن مجاهد وقال أبو عبيدة في المجاز المرفوعة العالية تقول بناء مرتفع أي عال وروى بن حبان والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري في قوله وفرش مرفوعة قال ارتفاعها مسيرة خمسمائة عام قال القرطبي معناه أن الفرش الدرجة وهذا القدر ارتفاع قال وقيل المراد بالفرش المرفوعة النساء المرتفعات القدر لحسنها وجمالهن قوله لغوا باطلا تأثيما كذبا يريد تفسير قوله تعالى لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما وقد وصله أيضا الفريابي عن مجاهد كذلك قوله أفنان أغصان يريد تفسير قوله تعالى ذواتا أفنان وقوله وجنى الجنتين دان ما يجتنى من قريب وصل ذلك الطبري عن مجاهد وعن الضحاك يعني أفنان ألوان من الفاكهة وواحدها على هذا فن وعلى الاول فنن وقوله مدهامتان سوداوان من الري وصله الفريابي عن مجاهد بلفظ مسوادتان وقال الفراء قوله مدهامتان يعني خضراوان إلى السواد من الري وعن عطية كادتا أن تكونا سوداوين من شدة الري وهما خضراوان إلى السواد ثم ذكر المصنف في الباب ستة عشر حديثا الاول حديث بن عمر في عرض مقعد الميت عليه وقد تقدم شرحه في أواخر الجنائز وهو من أوضح الادلة على مقصود الترجمة وقوله في آخر فمن أهل النار زاد إبراهيم بن شريك عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه حتى يبعثه الله يوم القيامة أخرجه الاسماعيلي وقد تقدمت هذه الزيادة أيضا والكلام عليها في الجنائز الثاني حديث أبي رجاء وهو العطاردي عن عمران بن حصين في أكثر أهل الجنة وسيأتي شرحه في كتاب الرقاق مع بيان الاختلاف فيه على أبي رجاء والغرض منه هنا قوله اطلعت في الجنة فإنه يدل على أنها موجودة حالة اطلاعه وهو مقصود الترجمة وسلم بفتح المهملة وسكون اللام وزرير بوزن عظيم أوله زاي بعدها راء وآخره راء أيضا الثالث حديث أبي هريرة في قصة القصر الذي رأى لعمر في الجنة وسيأتي شرحه في مناقبه والغرض منه قوله رأيتني في الجنة وهذا وأن كان مناما لكن رؤيا الانبياء حق ومن ثم أعمل حكم غيرة عمر حتى أمتنع من دخول القصر وقد روى أحمد من حديث معاذ قال أن عمر من أهل الجنة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ما يرى في يقظته أو نومه سواء وأنه قال بينا أنا في الجنة إذ رأيت فيها جارية فقلت لمن هذه فقيل لعمر بن الخطاب الرابع حديث أبي موسى الخيمة درة مجوفة طولها كذا للاكثر وللسرخسي والمستملي در مجوف طوله وقع عندهما بصيغة المذكر ووجهه أن المقصود معنى الخيمة وهو الشئ الساتر ونحو ذلك وسيأتي شرح هذا الحديث في تفسير سورة الرحمن وقوله وقال أبو عبد الصمد والحارث بن عبيد عن أبي عمران ستون ميلا يعني أنهما رويا هذا الحديث بهذا الاسناد فقالا ستون بدل قول همام ثلاثون وطريق أبي عبد الصمد وهو عبد العزيز بن عبد الصمد العمي وصلها المؤلف هناك وطريق

[ 230 ]

الحارث بن عبيد وهو بن قدامة وصلها مسلم ولفظه أن للعبد في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلا الحديث الخامس حديث أبي هريرة فيما أعد لاهل الجنة سيأتي شرحه في تفسير سورة السجدة الحديث السادس والسابع حديث أبي هرير في صفة أهل الجنة أورده من طريقين وقد ذكره من طريق ثالثة سيأتي في هذا الباب أيضا وقد ذكر بعضه في صفة آدم من وجه رابع قوله أول زمرة أي جماعة قوله صورتهم على صورة القمر ليلة البدر أي في الاضاءة وسيأتي بيان ذلك في الرقاق بلفظ يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا تضئ وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر وفي الرواية الثانية هنا والذين على اثرهم كأشد كوكب إضاءة زاد مسلم في رواية أخرى ثم هم بعد ذلك منازل قوله لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون زاد في صفة آدم ولا يبولون ولا يتفلون وفي الرواية الثانية لا يسقمون وقد اشتمل ذلك على نفي جميع صفات النقص عنهم ولمسلم من حديث جابر يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون طعامهم ذلك جشاء كريح المسك وكأنه مختصر مما أخرجه النسائي من حديث زيد بن أرقم قال جاء رجل من أهل الكتاب فقال يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون قال نعم أن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الاكل والشرب والجماع قال الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى قال تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك وسمى الطبراني في روايته هذا السائل ثعلبة بن الحارث قال بن الجوزي لما كانت اغذية أهل الجنة في غاية اللطافة والاعتدال لم يكن فيها أذى ولا فضلة تستقذر بل يتولد عن تلك الاغذية أطيب ريح وأحسنه قوله آنيتهم فيها الذهب زاد في الرواية الثانية والفضة وقال في الامشاط عكس ذلك وكأنه اكتفى في الموضعين بذكر أحدهما عن الآخر فإنه يحتمل أن يكون الصنفان لكل منهم ويحتمل أن يكون أحد الصنفين لبعضهم والآخر للبعض الآخر ويؤيده حديث أبي موسى مرفوعا جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما الحديث متفق عليه ويؤيد الاول ما أخرجه الطبراني بإسناد قوي عن أنس مرفوعا أن أدنى أهل الجنة درجة لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل واحد صحفتان واحدة من ذهب والاخرى من فضة الحديث تنبيه المشط بتثليث الميم والافصح ضمها قوله ومجامرهم الالوة الالوة العود الذي يبخر به قيل جعلت مجامرهم نفس العود لكن في الرواية الثانية ووقود مجامرهم الالوة فعلى هذا في رواية الباب تجوز ووقع في رواية الصغاني بعد قوله الالوة قال أبو اليمان يعني العود والمجامر جمع مجمرة وهي المبخرة سميت مجمرة لانها يوضع فيها الجمر ليفوح به ما يوضع فيها من البخور والالوة بفتح الهمزة ويجوز ضمها وبضم اللام وتشديد الواو وحكى بن التين كسر الهمزة وتخفيف الواو والهمزة اصلية وقيل زائدة قال الاصمعي أراها فارسية عربت وقد يقال أن رائحة العود إنما تفوح بوضعه في النار والجنة لا نار فيها ومن ثم قال الاسماعيلي بعد تخريج الحديث المذكور ينظر هل في الجنة نار ويجاب باحتمال أن يشتعل بغير نار بل بقوله كن وإنما سميت مجمرة باعتبار ما كان في الاصل ويحتمل أن يشتعل بنار لا ضرر فيها ولا احراق أو يفوح بغير اشتعال ونحو ذلك ما أخرجه الترمذ من حديث بن مسعود مرفوعا أن الرجل في الجنة ليشتهي الطير فيخر بين يديه مشويا وفيه الاحتمالات المذكورة وقد ذكر نحو ذلك بن القيم في الباب الثاني

[ 231 ]

والاربعين من حادي الارواح وزاد في الطير أو يشوى خارج الجنة أو بأسباب قدرت لانضاجه ولا تتعين النار قال وقريب من ذلك قوله تعالى هم وأزواجهم في ظلال أكلها دائم وظلها وهي لا شمس فيها وقال القرطبي قد يقال أي حاجة لهم إلى المشط وهم مرد وشعورهم لا تتسخ وأي حاجة لهم إلى البخور وريحهم أطيب من المسك قال ويجاب بان نعيم أهل الجنة من أكل وشرب وكسوة وطيب ليس عن ألم جوع أو ظمأ أو عرى أو نتن وإنما هي لذات متتالية ونعم متوالية ولا حكمة في ذلك إنهم ينعمون بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا وقال النووي مذهب أهل السنة أن تنعم أهل الجنة على هيئة تنعم أهل الدنيا الا ما بينهما من التفاضل في اللذة ودل الكتاب والسنة على أن نعيمهم لا انقطاع له قوله ولكل واحد منهم زوجتان أي من نساء الدنيا فقد روى أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا في صفة أدنى أهل الجنة منزلة وأن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا وفي سنده شهر بن حوشب وفيه مقال ولابي يعلى في حديث الصور الطويل من وجه آخر عن أبي هريرة في حديث مرفوع فيدخل الرجل على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله وزوجتين من ولد آدم وأخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد رفعه أن أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم وثنتان وسبعون زوجة وقال غريب ومن حديث المقدام بن معد يكرب عنده للشهيد ست خصال الحديث وفيه ويتزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين وفي حديث أبي أمامة عند بن ماجة والدارمي رفعه ما أحد يدخل الجنة الا زوجه الله ثنتين وسبعين من الحور العين وسبعين وثنتين من أهل الدنيا وسنده ضعيف جدا وأكثر ما وقفت عليه من ذلك ما أخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في البعث من حديث عبد الله بن أبي أوفى رفعه أن الرجل من أهل الجنة ليزوج خمسمائة حوراء أو أنه ليفضى إلى أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف ثيب وفيه راو لم يسم وفي الطبراني من حديث بن عباس أن الرجل من أهل الجنة ليفضى إلى مائة عذراء وقال بن القيم ليس في الاحاديث الصحيحة زيادة على زوجتين سوى ما في حديث أبي موسى أن في الجنة للمؤمن لخيمة من لؤلؤة له فيها أهلون يطوف عليهم قلت الحديث الاخير صححه الضياء وفي حديث أبي سعيد عند مسلم في صفة أدنى أهل الجنة ثم يدخل عليه زوجتاه والذي يظهر أن المراد أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان وقد أجاب بعضهم باحتمال أن تكون التثنية تنظيرا لقوله جنتان وعينان ونحو ذلك أو المراد تثنية التكثير والتعظيم نحو لبيك وسعديك ولا يخفى ما فيه واستدل أبو هريرة بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال كما أخرجه مسلم من طريق بن سيرين عنه وهو واضح لكن يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الكسوف المتقدم رأيتكن أكثر أهل النار ويجاب بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار نفى أكثريتهن في الجنة لكن يشكل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر اطلعت في الجنة فرأيت أقل ساكنها النساء ويحتمل أن يكون الراوي رواه بالمعنى الذي فهمه من أن كونهن أكثر ساكني النار يلزم منه أن يكن أقل ساكني الجنة وليس ذلك بلازم لما قدمته ويحتمل أن يكون ذلك في أول الامر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة والله أعلم تنبيه قال النووي كذا وقع زوجتان بتاء التأنيث وهي لغة تكررت في الحديث والاكثر خلافها وبه جاء القرآن وذكر أبو حاتم السجستاني أن الاصمعي كان ينكر

[ 232 ]

زوجة ويقول إنما هي زوج قال فأنشدناه قول الفرزدق وأن الذي يسعى ليفسد زوجتي لساع إلى أسد الشرا يستنيلها قال فسكت ثم ذكر له شواهد أخرى قوله مخ سوقهما من وراء اللحم في الرواية الثالثة والعظم والمخ بضم الميم وتشديد المعجمة ما في داخل العظم والمراد به وصفها بالصفاء البالغ وأن ما في داخل العظم لا يستتر بالعظم واللحم والجلد ووقع عند الترمذي ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها ونحوه لاحمد من حديث أبي سعيد وزاد ينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة قوله قلب واحد في رواية الاكثر بالاضافة وللمستملي بالتنوين قلب واحد وهو من التشبيه الذي حذفت اداته أي كقلب رجل واحد وقد فسره بقوله لا تحاسد بنهم ولا اختلاف أي أن قلوبهم طهرت عن مذموم الاخلاق قوله يسبحون الله بكرة وعشيا أي قدرهما قال القرطبي هذا التسبيح ليس عن تكليف والزام وقد فسره جابر في حديثه عند مسلم بقوله يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس ووجه التشبيه أن تنفس الانسان لا كلفة عليه فيه ولا بد له منه فجعل تنفسهم تسبيحا وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه وامتلات بحبه ومن أحب شيئا أكثر من ذكره وقد وقع في خبر ضعيف أن تحت العرش ستارة معلقة فيه ثم تطوى فإذا نشرت كانت علامة البكور وإذا طويت كانت علامة العشي قوله في آخر الرواية الثانية قال مجاهد الابكار أول الفجر والعشي ميل الشمس إلى أن أراه تغرب كذا في الاصل وكأن المصنف شك في لفظ تغرب فأدخل قبلها أراه وهو بضم الهمزة أي أظنه فهي جملة معترضة بين أن والفعل وقد وصله عبد بن حميد والطبري وغيره من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ إلى أن تغيب وهو بالمعنى الذي ظنه المصنف قال الطبري الابكار مصدر تقول أبكر فلان في حاجته يبكر ابكارا إذا خرج من بين طلوع الفجر إلى وقت الضحى وأما العشي فمن بعد الزوال قال الشاعر فلا الظل من برد الضحى يستطيعه ولا الفئ من برد العشي يذوق قال والفئ يكون من عند زوال الشمس ويتناهى بمغيبها الحديث الثامن حديث سهل بن سعد في عدد من يدخل الجنة بغير حساب وسيأتي شرحه في الرقاق إن شاء الله تعالى الحديث التاسع حديث أنس أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم جبة سندس الحديث وسيأتي شرحه في كتاب اللباس ومضى معظمه في كتاب الهبة والغرض منه هنا ذكر مناديل سعد بن معاذ في الجنة الحديث العاشر حديث البراء بن عازب في ذلك وذكره عقب حديث أنس لان في حديث أنس تعجب الناس منها وبين ذلك في حديث البراء حيث وقع فيه فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه وسيأتي شرحه أيضا في اللباس إن شاء الله تعالى الحديث الحادي عشر حديث سهل بن سعد موضع سوط في الجنة خير

[ 233 ]

من الدنيا وما فيها وقد تقدم شرحه في أول الجهاد من حديث أنس الحديث الثاني عشر حديث أنس أن في الجنة لشجرة قوله حدثنا روح بن عبد المؤمن هو بفتح الراء وهو بصري مشهور وكذا بقية رجال الاسناد وسعيد هو بن أبي عروبة وليس لروح بن عبد المؤمن في البخاري سوى هذا الحديث الواحد وقد أخرجه الترمذي من طريق معمر عن قتادة وزاد في آخر الحديث وأن شئتم فاقرءوا وظل ممدود الحديث الثالث عشر حديث أبي هريرة في ذلك وفيه الزيادة المشار إليها وفيه ولقاب قوس وهذا الاخير تقدم في الجهاد مع الكلام عليه والشجرة المذكورة قال بن الجوزي يقال أنها طوبى قلت وشاهد ذلك في حديث عتبة بن عبد السلمي عند أحمد والطبراني وابن حبان فهذا هو المعتمد خلافا لمن قال إنما نكرت للتنبيه على اختلاف جنسها بحسب شهوات أهل الجنة قوله يسير الراكب أي أي راكب فرض ومنهم من حمله على الوسط المعتدل وقوله في ظلها أي في نعيمها وراحتها ومنه قولهم عيش ظليل وقيل معنى ظلها ناحيتها وأشار بذلك إلى امتدادها ومنه قولهم أنا في ظلك أي ناحيتك قال القرطبي والمحوج إلى هذا التأويل أن الظل في عرف أهل الدنيا ما بقي من حر الشمس وأذاها وليس في الجنة شمس ولا أذى وروى بن أبحاتم وابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن بن عباس قال الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام من كل نواحيها فيخرج أهل الجنة يتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم اللهو فيرسل الله ريحا فيحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا الحديث الرابع عشر تقدم في السادس الحديث الخامس عشر حديث البراء لما مات إبراهيم يعني بن النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أن له مرضعا في الجنة وقد تقدم الكلام عليه في الجنائز الحديث السادس عشر حديث أبي سعيد في تفاضل أهل الجنة قوله عن صفوان بن سليم عند مسلم في رواية بن وهب عن مالك أخبرني صفوان وهذا من صحيح أحاديث مالك التي ليست في الموطأ ووهم أيوب بن سويد فرواه عن مالك عن زيد بن أسلم بدل صفوان ذكره الدارقطني في الغرائب وكأنه دخل له إسناد حديث في إسناد حديث فإن رواية مالك عن زيد بدل صفوان فهذا السند وقفت عليه في حديث آخر سيأتي في أواخر الرقاق وفي التوحيد قوله عن أبي سعيد في رواية فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أخرجه الترمذي وصححه وابن خزيمة ونقل الدارقطني في الغرائب عن الذهلي أنه قال لست أدفع حديث فليح يجوز أن يكون عطاء بن يسار حدث به عن أبي سعيد وعن أبي هريرة انتهى وقد رواه أيوب بن سويد عن مالك فقال عن أبي حازم عن سهل بن سعد ذكره الدارقطني في الغرائب وقال أنه وهم فيه أيضا قلت ولكنه له أصل من حديث سهل بن سعد عند مسلم ويأتي أيضا في باب صفة أهل الجنة والنار في الرقاق من حديث سهل أيضا لكنه مختصر عند الشيخين قوله يتراءون في

[ 234 ]

رواية لمسلم يرون والمعنى أن أهل الجنة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في الفضل حتى أن أهل الدرجات العلا ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم وقد بين ذلك في الحديث بقوله لتفاضل ما بينهم قوله الدري هو النجم الشديد الاضاءة وقال الفراء هو النجم العظيم المقدار وهو بضم المهملة وكسر الراء المشددة بعدها تحتانية ثقيلة وقد تسكن وبعدها همزة ومد وقد يكسر أوله على الحالين فتلك أربع لغات ثم قيل أن المعنى مختلف فبالتشديد كأنه منسوب إلى الدر لبياضه وضيائه وبالهمز كأنه مأخوذ من درأ أي دفع لاندفاعه عند طلوعه ونقل بن الجوزي عن الكسائي تثليث الدال قال فبالضم نسبة إلى الدر وبالكسر الجاري وبالفتح اللامع قوله الغابر كذا للاكثر وفي رواية الموطأ الغاير بالتحتانية بدل الموحدة قال عياض كأنه الداخل في الغروب وفي رواية الترمذي الغارب وفي رواية الاصيلي بالمهملة والزاي قال عياض معناه الذي يبعد للغروب وقيل معناه الغائب ولكن لا يحسن هنا لان المراد أن بعده عن الارض كبعد غرف الجنة عن ربضها في رأي العين والرواية الاولى هي المشهورة ومعنى الغابر هنا الذاهب وقد فسره في الحديث بقوله من المشرق إلى المغرب والمراد بالافق السماء وفي رواية مسلم من الافق من المشرق أو المغرب قال القرطبي من الاولى لابتداء الغاية أو هي للظرفية ومن الثانية مبينة لها وقد قيل أنها ترد لانتهاء الغاية أيضا قال وهو خروج عن أصلها وليس معروفا عند أكثر النحويين قال ووقع في نسخ البخاري إلى المشرق وهو أوضح ووقع في رواية سهل بن سهل عند مسلم كما تراءون الكوكب الدري في الافق الشرقي أو الغربي واستشكله بن التين وقال إنما تغور الكواكب في المغرب خاصة فكيف وقع ذكر المشرق وهذا مشكل على رواية الغاير بالتحتانية وأما بالموحدة فالغابر يطلق على الماضي والباقي فلا اشكال قوله قال بلى قال القرطبي بلى حرف جواب وتصديق والسياق يقتضي أن يكون الجواب بالاضراب عن الاول وايجاب الثاني فلعلها كانت بل فغيرت ببلى وقوله رجال خبر مبتدأ محذوف تقديره وهم رجال أي تلك المنازل منازل رجال آمنوا قلت حكى بن التين أن في رواية أبي ذر بل بدل بلى ويمكن توجيه بلى بأن التقدير نعم هي منازل الانبياء بايجاب الله تعالى لهم ذلك ولكن قد يتفضل الله تعالى على غيرهم بالوصول إلى تلك المنازل وقال بن التين يحتمل أن تكون بلى جواب النفي في قولهم لا يبلغها غيرهم وكأنه قال بلى يبلغها رجال غيرهم قوله وصدقوا المرسلين أي حق تصديقهم وإلا لكان كل من آمن بالله وصدق رسله وصل إلى تلك الدرجة وليس كذلك ويحتمل أن يكون التنكير في قوله رجال يشير إلى ناس مخصوصين موصوفين بالصفة المذكورة ولا يلزم أن يكون كل من وصف بها كذلك لاحتمال أن يكون لمن بلغ تلك المنازل صفة أخرى وكأنه سكت عن الصفة التي اقتضت لهم ذلك والسر فيه أنه قد يبلغها من له عمل مخصوص ومن لا عمل له كان بلوغها إنما هو برحمة الله تعالى وقد وقع في رواية الترمذي من وجه آخر عن أبي سعيد وأن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما وروى الترمذي أيضا عن علي مرفوعا أن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها فقال أعرابي لمن هي يا رسول الله قال هي لمن ألان الكلام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام وقال بن التين قيل أن المعنى إنهم يبلغون درجات الانبياء وقال الداودي يعني إنهم يبلغون هذه المنازل التي وصف وأما منازل الانبياء فإنها فوق ذلك قلت وقع في حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي قال بلى والذي نفسي بيده وأقوام آمنوا بالله ورسوله

[ 235 ]

هكذا فيه بزيادة الواو العاطفة ففسد تأويل الداودي والله المستعان ويحتمل أن يقال أن الغرف المذكورة لهذه الامة وأما من دونهم فهم الموحدون من غيرهم أو أصحاب الغرف الذين دخلوا الجنة من أول وهلة ومن دونهم من دخل بالشفاعة ويؤيد الذي قبله قوله في صفتهم هم الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وتصديق جميع المرسلين إنما يتحقق لامة محمد صلى الله عليه وسلم بخلاف من قبلهم من الامم فإنهم وأن كان فيهم من صدق بمن سيجئ من بعده من الرسل فهو بطريق التوقع لا بطريق الواقع والله أعلم قوله باب صفة أبواب الجنة هكذا ترجم بالصفة ولعله أراد بالصفة العدد أو التسمية فإنه أورد فيه حديث سهل بن سعد مرفوعا في الجنة ثمانية أبواب الحديث وقال فيه قال النبي صلى الله عليه وسلم من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من باب الجنة وأشار بهذا إلى حديث أسنده في الصيام وفي الجهاد من حديث أبي هريرة وفيه فمن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة الحديث وقد سبق شرح حديث سهل بن سعد في الصيام وحديث أبي هريرة فيه وفي الجهاد ويأتي بقية شرحه في فضل أبي بكر إن شاء الله تعالى قوله فيه عبادة كأنه يشير إلى ما وصله هو في ذكر عيسى من أحاديث الانبياء من طريق جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من شهد أن لا إله إلا الله الحديث وفيه أدخله الله من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء وقد وردت هذه العدة لابواب الجنة في عدة أحاديث منها حديث أبي هريرة المعلق في الباب ومنها حديث عبادة المعلق فيه أيضا وعن عمر عند أحمد وأصحاب السنن وعن عتبة بن عبد عند الترمذي وابن ماجة وورد في صفة أبواب الجنة أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين سنة ومن حديث أبي سعيد ومعاوية بن حيدة ولقيط بن عامر وأحاديث الثلاثة عند أحمد وهي مرفوعة ولها شاهد عند مسلم من حديث عتبة بن غزوان لكنه موقوف تنبيه وقع حديث سهل المسند مقدما على الحديثين المعلقين في رواية أبي ذر ووقع لغيره تأخير المسند عن المعلقين قوله باب صفة النار وأنها مخلوقة القول فيه كالقول في باب صفة الجنة سواء قوله غساقا يقال غسقت عينه ويغسق الجرح وهذا مأخوذ من كلام أبي عبيدة فإنه قال في قوله تعالى إلا حميما وغساقا الحميم الماء الحار والغساق ما همي وسال يقال غسقت من العين ومن الجرح ويقال عينه تغسق أي تسيل والمراد في الآية ما سأل من أهل النار من الصديد رواه الطبري من قول قتادة ومن قول إبراهيم وعطية بن سعد وغيرهم وقيل من دموعهم أخرجه أيضا من قول عكرمة وغيره وقيل الغساق البارد الذي يحرق ببرده رواه أيضا من قول بن عباس ومجاهد وأبي العالية قال أبو عبيد الهروي من قرأه بالتشديد أراد السائل ومن قرأه بالتخفيف أراد البارد وقيل الغساق المنتن رواه الطبري عن عبد الله بن بريدة وقال أنها بالطخارية وله شاهد من حديث أبي سعيد أخرجه الترمذي والحاكم مرفوعا لو أن دلوا من غساق يهراق إلى الدنيا لانتن أهل الدنيا وأخرج الطبري من حديث عبد الله بن عمر موقوفا الغساق القيح الغليظ لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لانتن أهل المشرق قوله وكأن الغساق والغسيق واحد كذا لابي ذر والغسيق بوزن فعيل ولغيره والغسق بفتحتين قال الطبري في قوله تعالى ومن شر غاسق إذا وقب الغاسق الليل إذا لبس الاشياء وغطاها وإنما أريد بذلك هجومه على الاشياء هجوم السيل وكأن المراد بالآية السائل من الصديد الجامع بين شدة البرد وشدة النتن وبهذا تجتمع

[ 236 ]

الاقوال والله أعلم قوله غسلين كل شئ غسلته فخرج منه شئ فهو غسلين فعلين من الغسل من الجرح والدبر هو كلام أبي عبيدة في المجاز وقد روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال الغسلين صديد أهل النار والدبر بفتح المهملة والموحدة هو ما يصيب الابل من الجراحات تنبيه قوله تعالى في هذه الآية ولا طعام إلا من غسلين يعارضه ظاهر قوله تعالى في الآية الاخرى ليس لهم طعام الا من ضريع وجمع بينهما بأن الضريع من الغسلين وهذا يرده ما سيأتي في التفسير أن الضريع نبات وقيل الاختلاف بحسب من يطعم من أهل النار فمن اتصف بالصفة الاولى فطعامه من غسلين ومن اتصف بالثانية فطعامه من ضريع والله أعلم قوله وقال عكرمة حصب جهنم حطب بالحبشية وقال غيره حاصبا الريح العاصف والحاصب ما يرمى به الريح ومنه حصب جهنم يرمى به في جهنم هم حصبها أما قول عكرمة فوصله بن أبي حاتم من طريق عبد الملك بن أبجر سمعت عكرمة بهذا وروى الطبري عن مجاهد مثله لكن لم يقل بالحبشية وروى الفراء عن علي وعائشة أنهما قرأها حطب بالطاء وروى الطبري عن بن عباس أنه قرأها بالضاد المعجمة قال وكأنه أراد أنهم الذين تسجر بهم النار لان كل شئ هيجت به النار فهو حصب لها وأما قول غيره فقال أبو عبيدة في قوله تعالى أو يرسل عليكم حاصبا أي ريحا عاصفا يحصب وفي قوله حصب جهنم كل شئ ألقيته في النار فقد حصبتها به وروى الطبري عن الضحاك قال في قوله حصب جهنم قال تحصب بهم جهنم وهو الرمي يقول يرمي بهم فيها قوله ويقال حصب في الارض ذهب والحصب مشتق من حصباء الحجارة روى الطبري عن بن جريج في قوله أو يرسل عليكم حاصبا قال مطر الحجارة قوله صديد قيح ودم قال أبو عبيدة في قوله تعالى ويسقى من ماء صديد قال الصديد القيح والدم قوله خبت طفئت أخرج الطبري من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى كلما خبت قال طفئت ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس سكنت ومثله قال أبو عبيدة ورجح لانهم يقولون للنار إذا سكن لهبها وعلا الجمر رماد خبت فإن طفئ معظم الجمر قالوا خمدت فإن طفئ كله قالوا همدت ولا شك أن نار جهنم لا تطفأ قوله تورون تستخرجون أوريت أوقدت يريد تفسير قوله تعالى أفرأيتم النار التي تورون وهو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى تورون أي تستخرجون من أوريت قال وأكثر ما يقال وريت قوله للمقوين للمسافرين والقي القفر روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال للمقوين للمسافرين ومن طريق قتادة والضحا ك مثله ومن طريق مجاهد قال للمقوين أي المستمتعين المسافر والحاضر وقال الفراء قوله تعالى ومتاعا للمقوين أي منفعة للمسافرين إذا نزلوا بالارض والارض القي يعني بكسر القاف والتشديد القفر الذي لا شئ فيه ورجح هذا الطبري واستشهد على ذلك قوله وقال بن عباس صراط الجحيم سواء الجحيم ووسط الجحيم روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال في وسط الجحيم ومن طريق قتادة والحسن مثله قوله لشوبا من حميم يخلط طعامهم ويساط بالحميم روى الطبري من طريق السدي قال في قوله تعالى ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم الشوب الخلط وهو المزج وقال أبو عبيدة تقول العرب كل شئ خلطته بغيره فهو مشوب قوله زفير وشهيق صوت شديد وصوت ضعيف هو تفسير بن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه ومن طريق أبي العالية قال الزفير في الحلق

[ 237 ]

والشهيق في الصدر ومن طريق قتادة قال هو كصوت الحمار أوله زفير وآخره شهيق وقال الداودي الشهيق هو الذي يبقى بعد الصوت الشديد من الحمار قوله وردا عطاشا روى بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا قال عطاشا ومن طريق مجاهد قال منقطعة أعناقهم من الظمأ وقوله وردا هو مصدر وردت والتقدير ذوي ورد وهذا ينافي العطش لكن لا يلزم من الورود على الماء الوصول إلى تناوله فسيأتي في حديث الشفاعة إنهم يشكون العطش فترفع لهم جهنم سراب ماء فيقال الا تردون فيردونها فيتساقطون فيها قوله غياخسرانا أخرجه بن أبي حاتم من هذا الوجه في قوله تعالى فسوف يلقون غيا قال خسرانا وروى بن أبي حاتم من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه في هذه الآية قال واد في جهنم بعيد القصر خبيث الطعم قوله وقال مجاهد يسجرون توقد لهم النار كذا في رواية أبي ذر ولغيره بهم وهو أوضح وكذا أخرجه عبد بن حميد من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد به قوله ونحاس الصفر يصب على رؤوسهم أخرجه عبد بن حميمن طريق منصور عن مجاهد في قوله تعالى يرسل عليكما شواظ من نار قال قطعة من نار حمراء ونحاس قال يذاب الصفر فيصب على رؤوسهم قوله يقال ذوقوا باشروا وجربوا وليس هذا من ذوق الفم لم أر هذا لغير المصنف وهو كما قال والذوق يطلق ويراد به حقيقته وهو ذوق الفم ويطلق ويراد به الذوق المعنوي وهو الادراك وهو المراد في قوله ذوقوا ما كنتم تعملون وقوله ذلكم فذوقوه وقوله ذق انك أنت العزيز الكريم وكذلك في قوله لا يذوقون فيها الموت وبلغني عن بعض علماء العصر أنه فسره هنا بمعنى التخيل وجعل الاستثناء متصلا وهو دقيق وروى بن أبي حاتم من طريق أبي برزة الاسلمي مرفوعا والطبري من حديث عبد الله بن عمرو موقوفا لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية فذوقوا فلن نزيدكم الا عذابا قوله مارج خالص من النار روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى وخلق الجان من مارج من نار قال من خالص النار ومن طريق الضحاك عن بن عباس قال خلقت الجن من مارج وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت وسيأتي قول مجاهد في ذلك في تفسير سورة الرحمن إن شاء الله تعالى وقال الفراء المارج نار دون الحجاب ويروى خلق السماء منها ومنها هذه الصواعق قوله مرج الامير رعيته إذا خلاهم يعدو بعضهم على بعض فهم في أمر مريج أمر ملتبس ومرج أمر الناس اختلط في رواية الكشميهني أمر منتشر وهو تصحيف قال أبو عبيدة في قوله تعالى فهم في أمر مريج أي مختلط يقال مرج أمر الناس أي اختلط وأهمل وروى الطبري عن بن عباس في قوله تعالى فهم في أمر مريج قال مختلط ومن طريق سعيد بن جبير ومجاهد قال ملتبس ومن طريق قتادة قال من ترك الحق مرج عليه رأيه والتبس عليه دينه قوله مرج البحرين مرجت رابتك تركتها قال أبو عبيدة في قوله تعالى مرج البحرين يلتقيان بينهما هو كقولك مرجت دابتك خليت عنها وتركتها وقال الفراء قوله مرج البحرين يلتقيان قال ارسلهما ثيلتقيان بعد وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال المرا بالبحرين هنا بحر السماء والارض يلتقيان كل عام ومن طريق سعيد بن جبير وابن أبزى مثله ومن طريق قتادة والحسن قال هما بحرا فارس والروم قال الطبري والاول أولى لانه سبحانه وتعالى قال بعد ذلك يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وإنما يخرج اللؤلؤ من أصداف بحر الارض عن قطر السماء قلت وفي هذا دفع لمن جزم

[ 238 ]

بأن المراد بهما البحر الحلو والبحر الملح وجعل قوله منهما من مجاز التغليب ثم ذكر المصنف في الباب عشرة أحاديث الاول حديث أبي ذر في الامر بالابراد وفيه قصة وقد تقدم شرحه في المواقيت من كتاب الصلاة والغرض منه قوله فإن شدة الحر من فيح جهنم الثاني حديث أبي سعيد في ذلك وليس فيه قصة وقد تقدم كذلك الثالث حديث أبي هريرة اشتكت النار إلى ربها الحديث وقد تقدم كذلك وهذه الاحاديث من أقوى الادلة على ما ذهب إليه الجمهور من أن جهنم موجودة الآن الرابع حديث بن عباس في أن الحمى من فيح جهنم الخامس حديث رافع بن خديج في ذلك السادس حديث عائشة في ذلك السابع حديث بن عمر في ذلك وسيأتي شرح الجميع في الطب إن شاء الله تعالى الثامن حديث أبي هريرة قوله ناركم جزء زاد مسلم في روايته جزء واحد قوله من سبعين جزءا في رواية لاحمد من مائة جزء والجمع بأن المراد المبالغة في الكثرة لا العدد الخاص أو الحكم للزائد زاد الترمذي من حديث أبي سعيد لكل جزء منها حرها قوله أن كانت لكافية أن هي المخففة من الثقيلة أي أن نار الدنيا كانت مجزئة لتعذيب العصاة قوله فضلت عليهن كذا هنا والمعنى على نيران الدنيا وفي رواية مسلم فضلت عليها أي على النار قال الطيبي ما محصله إنما أعاد صلى الله عليه وسلم حكاية تفضيل نار جهنم على نار الدنيا إشارة إلى المنع من دعوى الاجزاء أي لا بد من الزيادة ليتميز ما يصدر من الخالق من العذاب على ما يصدر من خلقه قوله مثل حرها زاد أحمد وابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما انتفع بها أحد ونحوه للحاكم وابن ماجة عن أنس وزادا فإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها وفي الجامع لابن عيينة عن بن عباس رضي الله عنهما هذه النار ضربت بماء البحر سبع مرات ولولا ذلك ما انتفع بها أحد التاسع حديث يعلى بن أمية وقد تقدمت الاشارة إليه في باب الملائكة العاشر حديث أسامة بن زيد قوله لو أتيت فلانا فكلمته هو عثمان كما في صحيح

[ 239 ]

مسلم وسيأتي بيان ذلك وبيان السبب فيه في كتاب الفتن وكذا طريق غندر عن شعبة التي علقها المصنف هنا فقد وصلها هناك والله أعلم قوله باب صفة إبليس وجنوده إبليس اسم اعجمي عند الاكثر وقيل مشتق من ابلس إذا أيئس قال بن الانباري لو كان عربيا لصرف كاكليل وقال الطبري إنما لم يصرف وأن كان عربيا لقلة نظيره في كلام العرب فشبهوه بالعجمي وتعقب بأن ذلك ليس من موانع الصرف وبأن له نظائر كاخريط واضليت واستبعد كونه مشتقا أيضا بأنه لو كان كذلك لكان إنما سمي إبليس بعد يأسه من رحمة الله بطرده ولعنه وظاهر القرآن أنه كان يسمى بذلك قبل ذلك كذا قيل ولا دلالة فيه لجواز أن يسمى بذلك باعتبار ما سيقع له نعم روى الطبري وابن أبي الدنيا عن بن عباس قال كان اسم إبليس حيث كان مع الملائكة عزازيل ثم إبليس بعد وهذا يؤيد ذلك القول والله أعلم ومن أسمائه الحارث والحكم وكنيته أبو مرة وفي كتاب ليس لابن خالويه كنيته أبو الكروبيين وقوله وجنوده كأنه يشير بذلك إلى حديث أبي موسى الاشعري مرفوعا قال إذا أصبح إبليس بث جنوده فيقول من أضل مسلما ألبسته التاج الحديث أخرجه بن حبان والحاكم والطبراني ولمسلم من حديث جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عرش إبليس على البحر فيبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة واختلف هل كان من الملائكة ثم مسخ لما طرد أو لم يكن منهم أصلا على قولين مشهورين سيأتي بيانهما في التفسير إن شاء الله تعالى قوله وقال مجاهد ويقذفون يرمون دحورا مطرودين يريد تفسير قوله تعالى ويقذفون من كل جانب دحورا الآية وقد وصله عبد بن حميد من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد كذلك وهذه صفة من يسترق السمع من الشياطين وسيأتي بيانه في التفسير أيضا قوله وقال بن عباس مدحورا مطرودا يريد تفسير قوله تعالى فتلقى في جهنم ملوما مدحورا وقد وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة وإنما ذكره البخاري هنا استطرادا لذكره دحورا قبله وأن كان لا يتعلق بابليس وجنوده قوله ويقال مريدا متمردا هو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى وان يدعون الا شيطانا مريدا أي متمردا قوله بتكه قطعه قال أبو عبيدة في قوله فليبتكن آذان الانعام أي ليقطعن يقال بتكه قطعه قوله واستفزز استخف بخيلك الفرسان والرجل الرجالة وأحدها راجل مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر هو كلام أبي عبيدة أيضا قوله لاحتنكن لاستاصلن قال أبو عبيدة في قوله تعالى لاحتنكن ذريته الا قليلا يقول لاستميلنهم ولاستأصلنهم يقال احتنك فلان ما عند فلان إذا أخذ جميع ما عنده قوله قرين شيطان روى بن أبي حاتم من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى قال قائل منهم إني كان لي قرين قال شيطان وعن غير مجاهد خلافه وروى الطبري عن مجاهد والسدي في قوله تعالى وقيضنا لهم قرناء قال شياطين ثم ذكر المصنف في الباب سبعة وعشرين حديثا الاول حديث عائشة قالت سحر النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وسيأتي شرحه في كتاب الطب ووجه إيراده هنا من جهة أن السحر إنما يتم باستعانة الشياطين على ذلك وسيأتي إيضاح ذلك هناك وقد أشكل ذلك على بعض الشراح قوله وقال الليث كتب إلي هشام بن عروة الخ رويناه موصولا في نسخة عيسى بن حماد رواية أبي بكر بن أبي داود عنه الحديث الثاني حديث أبي هريرة في عقد الشيطان على رأس النائم تقدم شرحه في صلاة

[ 240 ]

الليل وأخو إسماعيل هو أبو بكر عبد الحميد بن أبي أويس ووهم من سماه عبد الله الحديث الثالث حديث بن مسعود في بول الشيطان في أذن النائم عن الصلاة تقدم شرحه في صلاة الليل أيضا الحديث الرابع حديث بن عباس في الندب إلى التسمية عند الجماع يأتي شرحه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى الحديث الخامس حديث بن عمر في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس تقدم شرحه في الصلاة والقائل لا أدري أي ذلك قال هشام هو عبدة بن سليمان الراوي عنه وقوله حاجب الشمس هو طرف قرصها الذي يبدو عند طلوع الشمس ويبقى عند الغروب وقرنا الشيطان جانبا رأسه يقال أنه ينتصب في محاذاة مطلع الشمس حتى إذا طلعت كانت بين جانبي رأسه لتقع السجدة له إذا سجد عبدة الشمس لها وكذا عند غروبها وعلى هذا فقوله تطلع بين قرني الشيطان أي بالنسبة إلى من يشاهد الشمس عند طلوعها فلو شاهد الشيطان لرآه منتصبا عندها وقد تمسك به من رد على أهل الهيئة القائلين بأن الشمس في السماء الرابعة والشياطين قد منعوا من ولوج السماء ولا حجة فيه لما ذكرنا والحق أن الشمس في الفلك الرابع والسموات السبع عند أهل الشرع غير الافلاك خلافا لاهل الهيئة ومحمد شيخ البخاري فيه هو بن سلام ثبت كذلك عند بن السكن وبه جزم أبو نعيم والجياني السادس حديث أبي سعيد في الاذن بقتل المار بين يدي المصلي تقدم شرحه في الصلاة السابع حديث أبي هريرة في حفظ زكاة رمضان تقدم شرحه في كتاب الوكالة الثامن حديث يأتي الشيطان قوله من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته أي عن الاسترسال معه في ذلك بل يلجأ إلى الله في دفعه ويعلم أنه يريد افساد دينه وعقله بهذه الوسوسة فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها قال الخطابي وجه هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك فاستعاذ الشخص بالله منه وكف عن مطاولته في ذلك اندفع قال وهذا بخلاف ما لو تعرض أحد من البشر بذلك فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان قال والفرق بينهما أن الآدمي يقع منه الكلام بالسؤال والجواب والحال معه محصور فإذا راعى الطريقة وأصاب الحجة انقطع وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء بل كلما ألزم حجة زاغ إلى غيرها إلى أن يفضى بالمرء إلى الحيرة نعوذ بالله من ذلك قال الخطابي على أن قوله من خلق ربك كلام متهافت ينقض آخره أوله لان الخالق يستحيل أن يكون مخلوقا ثم لو كان السؤال متجها لاستلزم التسلسل وهو محال وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى محدث فلو كان هو مفتقرا إلى محدث

[ 241 ]

لكان من المحدثات انتهى والذي نحا إليه من التفرقة بين وسوسة الشيطان ومخاطبة البشر فيه نظر لانه ثبت في مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه في هذا الحديث لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله فسوى في الكف عن الخوض في ذلك بين كل سائل عن ذلك من بشر وغيره وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة قال سألني عنها اثنان وكان السؤال عن ذلك لما كان واهيا لم يستحق جوابا أو الكف عن ذلك نظير الامر بالكف عن الخوض في الصفات والذات قال المازري الخواطر على قسمين فالتي لا تستقر ولا يجلبها شبهة هي التي تندفع بالاعراض عنها وعلى هذا ينزل الحديث وعلى مثلها ينطلق اسم وسوسة وأما الخواطر المستقرة الناشئة عن الشبهة فهي التي لا تندفع الا بالنظر والاستدلال وقال الطيبي إنما أمر بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج لان العلم باستغناء الله جل وعلا عن الموجد أمر ضروري لا يقبل المناظرة ولان الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء الا حيرة ومن هذا حاله فلا علاج له الا الملجأ إلى الله تعالى والاعتصام به وفي الحديث إشارة إلى ذم كثرة السؤال عما لا يعني المرء وعما هو مستغن عنه وفيه علم من أعلام النبوة لاخباره بوقوع ما سيقع فوقع وسيأتي مزيد لهذا في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى الحديث التاسع حديث أبي هريرة إذا دخل رمضان صفدت الشياطين تقدم شرحه في الصيام العاشر حديث أبي بن كعب في قصة موسى والخضر سيأتي شرحه في التفسير الحديث الحادي عشر حديث بن عمر في طلوع الفتنة من قبل المشرق سيأتي شرحه في الفتن وحاصله أن منشأ الفتن من جهة المشر وكذا وقع الثاني عشر حديث جابر ومحمد بن عبد الله الانصاري المذكور في السند هو من شيوخ البخاري وحدث عنه هنا بواسطة قوله إذا استجنح الليل أو كان جنح الليل في رواية الكشميهني أو قال جنح الليل وهو بضم الجيم وبكسرها والمعنى اقباله بعد غروب الشمس يقال جنح الليل أقبل واستجنح حان جنحه أو وقع وحكى عياض أنه وقع في رواية أبي ذر استنجع بالعين المهملة بدل الحاء وهو تصحيف وعند الاصيلي أول الليل بدل قوله أو كان جنح الليل وكان في قوله وكان جنح الليل تأمل أي حصل قوله فخلوهم كذا للاكثر بفتح الخاء المعجمة وللسرخسي بضم الحاء المهملة قال بن الجوزي إنما خيف على الصبيان في تلك الساعة لان النجاسة التي تلوذ بها الشياطين موجودة معهم غالبا والذكر الذي يحرز منهم مفقود من الصبيان غالبا والشياطين عند انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به فلذلك خيف على الصبيان في ذلك الوقت والحكمة في انتشارهم حينئذ أن حركتهم في الليل أمكن منها لهم في النهار لان الظلام أجمع للقوى الشيطانية من غيره وكذلك كل سواد ولهذا قال في حديث أبي ذر فما يقطع الصلاة قال الكلب الاسود شيطان أخرجه مسلم قوله وأغلق بابك هو خطاب لمفرد والمراد به كل أحد فهو عام بحسب المعنى ولا شك أن مقابلة المفرد بالمفرد تفيد التوزيع وسيأتي بقية الكلام على فوائد هذا الحديث في كتاب الادب إن شاء الله تعالى الثالث عشر حديث صفية

[ 242 ]

تقدم في الاعتكاف وفيه أن الله جعل للشيطان قوة على التوصل إلى باطن الانسان وقيل ورد على سبيل الاستعارة أي أن وسوسته تصل في مسام البدن مثل جرى الدم من البدن الرابع عشر حديث سليمان بن صرد في الاستعاذة يأتي في الادب والودج بفتح الدال وبالجيم عرق في العنق الخامس عشر حديث بن عباس تقدم في الرابع وقوله قال وحدثنا الاعمش قائل ذلك هو شعبة فله فيه شيخان السادس عشر حديث أبي هريرة قوله حدثنا محمود هو بن غيلان وقد تقدم هذا الحديث بهذا الاسناد في أواخر الصلاة وقوله هنا فذكره أي ذكر تمام الحديث وتمامه هناك فدعته ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية الحديث وقد تقدم هناك شرح قوله فدعته ويأتي الكلام على بقية فوائده في أحاديث الانبياء في ترجمة سليمان عليه السلام ويأتي الكلام على إمكان رؤية الجن في أول الباب الذي يلي هذا وفي الحديث إباحة ربط من خشي هربه ممن في قتله حق وفيه إباحة العمل اليسير في الصلاة وأن المخاطبة فيها إذا كانت بمعنى الطلب من الله لا تعد كلاما فلا يقطع الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق هذا الحديث أعوذ بالله منك كما سيأتي إن شاء الله تعالى الحديث السابع عشر حديث أبي هريرة إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وقد تقدم شرحه في أواخر الصلاة في الكلام على سجود السهو الحديث الثامن عشر حديثه كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بإصبعيه وسيأتي شرحه في ترجمة عيسى بن مريم من أحاديث الانبياء وقوله في جنبه كذا للاكثر بالافراد ولابي ذر الجرجاني جنبيه بالتثنية وذكر عياض أن في كتابه من رواية الاصيلي جنبه بالافراد لكن بياء مثناة من تحت بدل الموحدة قال وهو تصحيف قلت لعل نقطته سقطت من القلم فلا ينبغي أن يعد ذلك رواية والله المستعان والمراد بالحجاب الجلدة التي فيها الجنين أو الثوب الملفوف على الطفل الحديث التاسع عشر حديث أبي الدرداء في فضل عمار أورده مختصرا جدا من وجهين وسيأتي بتمامه في المناقب والغرض منه قوله الذي أجاره الله من الشيطان فإنه يشعر بأن له مزية بذلك على غيره ومقتضاه أن للشيطان تسلطا على من لم يجره الله منه الحديث العشرون حديث عائشة في ذكر الكهان أورده معلقا عن

[ 243 ]

الليث وقد تقدمت الاشارة إليه في صفة الملائكة وقد وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي حاتم الرازي عن أبي صالح كاتب الليث عنه وقال يقال أن البخاري حمله عن عبد الله بن صالح الحديث الحادي والعشرون حديث أبي هريرة في التثاؤب وسيأتي شرحه في الادب وبيان الاختلاف فيه على سعيد المقبري هل هو عنده عن أبي هريرة بلا واسطة أو بواسط أبيه الحديث الثاني والعشرون حديث عائشة في قصة قتل والد حذيفة وسيأتي شرحها في غزوة أحد الحديث الثالث والعشرون حديثها في الالتفات في الصلاة وقد تقدم شرحه في الصلاة الحديث الرابع والعشرون حديث أبي قتادة الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان الحديث وأورده من وجهين وسيأتي شرحه في التعبير وفائدة الطريق الثانية وأن كانت الاولى أعلى منها التصريح فيها بتحديث عبد الله بن أبي قتادة ليحيى بن أبي كثير الحديث الخامس والعشرون حديث أبي هريرة في فضل قول لاإله إلا الله وسيأتي شرحه في الدعوات الحديث السادس والعشرون حديث سعد استأذن عمر على النبي صلى الله علي وسلم وعنده نسوة الحديث وسيأتي شرحه في المناقب الحديث السابع والعشرون حديث أبي هريرة في الامر بالاستنثار وفيه فإن الشيطان يبيت على خيشومه والخيشوم بفتح الخاء المعجمة وبسكون الياء التحتانية وضم المعجمة وسكون الواو هو الانف وقيل المنخر وقوله فليستنثر أكثر فائدة من قوله فليستنشق لان الاستنثار يقع على الاستنشاق بغير عكس فقد يستنشق ولا يستنثر والاستنثار من تمام فائدة الاستنشاق لان حقيقة الاستنشاق جذب الماء بريح الانف إلى أقصاه والاستنثار إخراج ذلك الماء والمقصود من الاستنشاق تنظيف داخل الانف والاستنثار يخرج ذلك الوسخ مع الماء فهو من تمام الاستنشاق وقيل أن

[ 244 ]

الاستنثار مأخوذ من النثرة وهي طرف الانف وقيل الانف نفسه فعلى هذا فمن استنشق فقد استنثر لانه يصدق أنه تناول الماء بأنفه أو بطرف أنفه وفيه نظر ثم أن ظاهر الحديث أن هذا يقع لكل نائم ويحتمل أن يكون مخصوصا بمن لم يحترس من الشيطان بشئ من الذكر لحديث أبي هريرة المذكور قبل حديث سعد فإن فيه فكانت له حرزا من الشيطان وكذلك آية الكرسي وقد تقدم فيه ولا يقربك شيطان ويحتمل أن يكون المراد بنفي القرب هنا أنه لا يقرب من المكان الذي يوسوس فيه وهو القلب فيكون مبيته على الانف ليتوصل منه إلى القلب إذا استيقظ فمن استنثر منعه من التوصل إلى ما يقصد من الوسوسة فحينئذ فالحديث متناول لكل مستيقظ ثم أن الاستنشاق من سنن الوضوء اتفاقا لكل من استيقظ أو كان مستيقظا وقالت طائفة بوجوبه في الغسل وطائفة بوجوبه في الوضوء أيضا وهل تتأدى السنة بمجرده بغير استنثار أم لا خلاف وهو محل بحث وتأمل والذي يظهر أنها لا تتم الا به لما تقدم والله أعلم قوله باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم أشار بهذه الترجمة إلى اثبات وجود الجن وإلى كونهم مكلفين فأما اثبات وجودهم فقد نقل إمام الحرمين في الشامل عن كثير من الفلاسفة والزنادقة والقدرية إنهم أنكروا وجودهم رأسا قال ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير المشرعين إنما العجب من المشرعين مع نصوص القرآن والاخبار المتواترة قال وليس في قضية العقل ما يقدح في اثباتهم قال وأكثر ما استروح إليه من نفاهم حضورهم عند الانس بحيث لا يرونهم ولو شاءوا لابدوا أنفسهم قال وإنما يستبعد ذلك من لم يحط علما بعجائب المقدورات وقال القاضي أبو بكر وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم وينفونه الآن ومنهم من يثبتهم وينفي تسلطهم على الانس وقال عبد الجبار المعتزلي الدليل على اثباتهم السمع دون العقل إذ لا طريق إلى اثبات اجسام غائبة لان الشئ لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تعلق ولو كان اثباتهم باضطرار لما وقع الاختلاف فيه الا أنا قد علمنا بالاضطرار أن النبي صلى الله علي وسلم كان يتدين باثباتهم وذلك أشهر من أن يتشاغل بإيراده وإذا ثبت وجودهم فقد تقدم في أوائل صفة النار تفسير قوله تعالى وخلق الجان من مارج من نار واختلف في صفتهم فقال القاضي أبو بكر الباقلاني قال بعض المعتزلة الجن أجساد رقيقة بسيطة قال وهذا عندنا غير ممتنع أن ثبت به سمع وقال أبو يعلى بن الفراء الجن أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة يجوز أن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة خلافا للمعتزلة في دعواهم أنها رقيقة وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها وهو مردود فإن الرقة ليست بمانعة عن الرؤية ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الاجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا ادراكها وروى البيهقي في مناقب الشافعي بإسناده عن الربيع سمعت الشافعي يقول من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته الا أن يكون نبيا انتهى وهذا محمول على من يدعي رؤيتهم على صورهم التي خلقوا عليها وأما من ادعى أنه يرى شيئا منهم بعد أن يتطور على صور شتى من الحيوان فلا يقدح فيه وقد تواردت الاخبار بتطورهم في الصور واختلف أهل الكلام في ذلك فقيل هو تخييل فقط ولا ينتقل أحد عن صورته الاصلية وقيل بل ينتقلون لكن لا باقتدارهم على ذلك بل بضرب من الفعل إذا فعله انتقل كالسحوهذا قد يرجع إلى الاول وفيه أثر عن عمر أخرجه بن أبي شيبة بإسناد صحيح أن الغيلاني ذكروا عند عمر فقال أن أحدا لا يستطيع أن يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها

[ 245 ]

ولكن لهم سحرة كسحرتكم فإذا رأيتم ذلك فأذنوا وإذا ثبت وجودهم فقد اختلف في أصلهم فقيل أن أصلهم من ولد إبليس فمن كان منهم كافرا سمي شيطانا وقيل أن الشياطين خاصة أولاد إبليس ومن عداهم ليسوا من ولده وحديث بن عباس الآتي في تفسير سورة الجن يقوي أنهم نوع واحد من أصل واحد واختلف صنفه فمن كان كافرا سمي شيطانا وإلا قيل له جني وأما كونهم مكلفين فقال بن عبد البر الجن عند الجماعة مكلفون وقال عبد الجبار لا نعلم خلافا بين أهل النظر في ذلك الا ما حكى زرقان عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم وليسوا بمكلفين قال والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين والتحرز من شرهم وما أعد لهم من العذاب وهذه الخصال لا تكون الا لمن خالف الامر وارتكب النهي مع تمكنه من أن لا يفعل والآيات والاخبار الدالة على ذلك كثيرة جدا وإذا تقرر كونهم مكلفين فقد اختلفوا هل كان فيهم نبي منهم أم لا فروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم اثبات ذلك قال ومن قال بقول الضحاك احتج بان الله تعالى أخبر أن من الجن والانس رسلا أرسلوا إليهم فلو جاز أن المراد برسل الجن رسل الانس لجاز عكسه وهو فاسد انتهى وأجاب الجمهور عن ذلك بأن معنى الآية أن رسل الانس رسل من قبل الله إليهم ورسل الجن بثهم الله في الارض فسمعوا كلام الرسل من الانس وبلغوا قومهم ولهذا قال قائلهم انا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى الآية واحتج بن حزم بأنه صلى الله عليه وسلم قال وكان النبي يبعث إلى قومه قال وليس الجن من قوم الانس فثبت أنه كان منهم أنبياء إليهم قال ولم يبعث إلى الجن من الانس نبي الا نبينا صلى الله عليه وسلم لعموم بعثته إلى الجن والانس باتفاق انتهى وقال بن عبد البر لا يختلفون أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى الانس والجن وهذا مما فضل به على الانبياء ونقل عن بن عباس في قوله تعالى في سورة غافر ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات قال هو رسول الجن وهذا ذكره وقال إمام الحرمين في الارشاد في أثناء الكلام مع العيسوية وقد علمنا ضرورة أنه صلى الله عليه وسلم ادعى كونه مبعوثا إلى الثقلين وقال بن تيمية اتفق على ذلك علماء السلف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين قلت وثبت التصريح بذلك في حديث وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الانس والجن فيما أخرجه البزار بلفظ وعن بن الكلبي كان النبي يبعث إلى الانس فقط وبعث محمد إلى الانس والجن وإذا تقرر كونهم مكلفين فهم مكلفون بالتوحيد وأركان الاسلام وأما ما عداه من الفروع فاختلف فيه لما ثبت من النهي عن الروث والعظم وأنهما زاد الجن وسيأتي في السيرة النبوية حديث أبي هريرة وفي آخره فقلت ما بال الروث والعظم قال هما طعام الجن الحديث فدل على جواز تناولهم للروث وذلك حرام على الانس وكذلك روى أحمد والحاكم من طريق عكرمة عن بن عباس قال خرج رجل من خيبر فتبعه رجلان وآخر يتلوهما يقول ارجعا حتى ردهما ثم لحقه فقال له أن هذين شيطانان فإذا أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقرئ عليه السلام وأخبره أنا في جمع صدقاتنا ولو كانت تصلح له لبعثنا بها إليه فلما قدم الرجل المدينة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فنهى عن الخلوة أي السفر منفردا واختلف أيضا هل يأكلون ويشربون ويتناكحون أم لا فقيل بالنفي وقيل بمقابله ثم اختلفوا فقيل أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لا مضغ ولا بلع وهو مردود بما رواه أبو داود من حديث أمية بن مخشى قال كان رسول الله صلى

[ 246 ]

الله عليه وسلم جالسا ورجل يأكل ولم يسم ثم سمى في آخره فقال النبي صلى الله علي وسلم ما زال الشيطان يأكل معه فلما سمى استقاء ما في بطنه وروى مسلم من حديث بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكلن أحدكم بشماله ويشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله وروى بن عبد البر عن وهب بن منبه أن الجن أصناف فخالصهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون وجنس منهم يقع منهم ذلك ومنهم السعالى والغول والقطرب وهذا أن ثبت كان جامعا للقولين الاولين ويؤيده ما روى بن حبان والحاكم من حديث أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن على ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وعقارب وصنف يحلون ويظعنون وروى بن أبي الدنيا من حديث أبي الدرداء مرفوعا نحوه لكن قال في الثالث وصنف عليم الحساب والعقاب وسيأتي شئ من هذا في الباب الذي يليه وروى بن أبي الدنيا من طريق يزيد بن يزيد بن جابر أحد ثقات الشاميين من صغار التابعين قال ما من أهل بيت الا وفي سقف بيتهم من الجن وإذا وضع الغداء نزلوا فتغدوا معهم والعشاء كذلك واستدل مقال بأنهم يتناكحون بقوله تعالى لم يطمثهن أنس قبلهم ولا جان وبقوله تعالى أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني والدلالة من ذلك ظاهرة واعتل من أنكر ذلك بأن الله تعالى أخبر أن الجان خلق من نار وفي النار من اليبوسة والخفة ما يمنع معه التوالد والجواب أن أصلهم من النار كما أن أصل الآدمي من التراب وكما أن الآدمي ليس طينا حقيقة كذلك الجني ليس نارا حقيقة وقد وقع في الصحيح في قصة تعرض الشيطان للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فأخذته فخنقته حتى وجدت برد ريقه على يدي قلت وبهذا الجواب يندفع إيراد من استشكل قوله تعالى الا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب فقال كيف تحرق النار النار وأما قول المصنف وثوابهم وعقابهم فلم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على المعاصي واختلف هل يثابون فروى الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي الزناد موقوفا قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال الله لمؤمن الجن وسائر الامم أي من غير الانس كونوا ترابا فحينئذ يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا وروى بن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال ثواب الجن أن يجاروا من النار يقال لهم كونوا ترابا وروى عن أبي حنيفة نحو هذا القول وذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة وهو قول الائمة الثلاثة والاوزاعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم ثم اختلفوا هل يدخلون مدخل الانس على أربعة أقوال أحدها نعم وهو قول الاكثر وثانيها يكونون في ربض الجنة وهو منقول عن مالك وطائفة وثالثها أنهم أصحاب الاعراف ورابعها التوقف عن الجواب في هذا وروى بن أبي حاتم من طريق أبي يوسف قال قال بن أبي ليلى في هذا لهم ثواب قال فوجدنا مصداق ذلك في كتاب الله تعالى ولكل درجات مما عملوا قلت وإلى هذا أشار المصنف بقوله قبلها يا معشر الجن ألم يأتكم رسل منكم فإن قوله ولكل درجات مما عملوا يلي الآية التي بعد هذه الآية واستدل بهذه الآية أيضا بن عبد الحكم واستدل بن وهب بمثل ذلك بقوله تعالى أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والانس الآية فإن الآية بعدها أيضا ولكل درجات مما عملوا وروى أبو الشيخ في تفسيره عن مغيث بن سمى أحد التابعين قال ما من شئ الا وهو يسمع زفير جهنم الا الثقلين الذين عليهم الحساب

[ 247 ]

والعقاب ونقل عن مالك أنه استدل على أن عليهم العقاب ولهم الثواب بقوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان ثم قال فبأي آلاء ربكما تكذبان والخطاب للانس والجن فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب والله أعلم قوله بخسا نقصانا يريد تفسير قوله تعالى حكاية عن الجن فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا قال يحيى الفراء البخس النقص والرهق الظلم ومفهوم الآية أن من يكفر فإنه يخاف فدل ذلك على ثبوت تكليفهم قوله وقال مجاهد وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا الخ وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد به وفيه فقال أبو بكر فمن أمهاتهم قالوا بنات سروات الجن الخ وفيه قال علمت الجن أنهم سيحضرون للحساب قلت وهذا الكلام الاخير هو المتعلق بالترجمة وسروات بفتح المهملة والراء جمع سرية بتخفيف الراء أي شريفة ووقع هنا في رواية أبي ذر وأمهاتهن ولغيره وأمهاتهم وهو أصوب ووقع أيضا لغير الكشميهني جند محضرون بالافراد روايته أشبه قوله جند محضرون عند الحساب وصله الفريابي أيضا بالاسناد المذكور عن مجاهد ثم ذكر المصنف حديث أبي سعيد لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا أنس الا شهد له وقد تقدم مشروحا في كتاب الاذان والغرض منه هنا أنه يدل على أن الجن يحشرون يوم القيامة والله أعلم قوله أولئك في ضلال مبين مصرفا معدلا صرفنا أي وجهنا قوله باب قوله عزوجل وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن إلى قوله أولئك في ضلال مبين سيأتي القول في تعيينهم وتعيين بلدهم في التفسير إن شاء الله تعالى قوله صرفنا أي وجهنا هو تفسير المصنف وقوله مصرفا معدلا هو تفسير أبي عبيدة واستشهد بقول أبي كبير بالموحدة الهذلي أزهير هل عن ميتة من مصرف أم لا خلود لباذل متكلف تنبيه لم يذكر المصنف في هذا الباب حديثا واللائق به حديث بن عباس الذي تقدم في صفة الصلاة في توجه النبي صلى الله علي وسلم إلى عكاظ واستماع الجن لقراءته وسيأتي شرحه بتمامه في التفسير إن شاء الله تعالى وقد أشار إليه المصنف بالآية التي صدر بها هذا الباب قوله باب قول الله تعالى وبث فيها من كل دابة كأنه أشار إلى سبق خلق الملائكة والجن على الحيوان أو سبق جميع ذلك على خلق آدم والدابة لغة ما دب من الحيوان واستثنى بعضهم الطير لقوله تعالى وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه والاول أشهر لقوله تعالى ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها وعرفا ذوات الاربع وقيل يختص بالفرس وقيل بالحمار والمراد هنا المعنى اللغوي وفي حديث أبي هريرة عند مسلم أن خلق الدواب كان يوم الاربعاء وهو دال على أن ذلك قبل خلق آدم قوله قال بن عباس الثعبان الحية الذكر وصله بن أبي حاتم من طريقه وقيل الثعبان الكبير من الحيات ذكرا كان أو أنثى قوله يقال الحيات أجناس الجان والافاعي والاساود في رواية الاصيلي الجان أجناس قال عياض الاول هو الصواب قلت هو قول أبي عبيدة قاله في تفسير سورة القصص قال في قوله كأنها جان وفي قوله حية تسعى كأنها جان من الحيات أو من حية الجان فجرى على أن ذلك شئ واحد وقيل كانت العصا في أول الحال جانا وهي الحية الصغيرة ثم صارت ثعبانا فحينئذ ألقى العصا وقيل اختلف وصفها باختلاف أحوالها فكانت كالحية في سعيها وكالجان في حركتها وكالثعبان في ابتلاعها والافاعي جمع أفعى وهي الانثى من الحيات

[ 248 ]

والذكر منها أفعوان بضم الهمزة والعين وكنية الافعوان أبو حيان وأبو يحيى لانه يعيش ألف سنة وهو الشجاع الاسود الذي يواثب الانسان ومن صفة الافعى إذا فقئت عينها عادت ولا تغمض حدقتها البتة والاساود جمع أسود قال أبو عبيد هي حية فيها سواد وهي أخبث الحيات ويقال له أسود سالخ لانه يسلخ جلده كل عام وفي سنن أبي داود والنسائي عن بن عمر مرفوعا أعوذ بالله من أسد وأسود وقيل هي حية رقيقة رقشاء دقيقة العنق عريضة الرأس وربما كانت ذات قرنين والهاء في الحية للوحدة كدجاجة وقد عد لها بن خالويه في كتاب ليس سبعين اسما قوله آخذ بناصيتها في ملكه وسلطانه قال أبو عبيدة في قوله تعالى ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها أي في قبضته وملكه وسلطانه وخص الناصية بالذكر على عادة العرب في ذلك تقول ناصية فلان في يد فلان إذا كان في طاعته ومن ثم كانوا يجزون ناصية الاسير إذا أطلقوه قوله ويقال صافات بسط أجنحتهن وقوله يقبضن يضربن بأجنحتهن هو قول أبي عبيدة أيضا قال في قوله تعالى أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات أي باسطات أجنحتهن ويقبضن يضربن بأجنحتهن وروى بن أبي حاتم من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى صافات قال بسط أجنحتهن ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث الاول حديث أبي لبابة قوله واقتلوا ذا الطفيتين تثنية طفية بضم الطاء المهملة وسكون الفاء وهي خوصة المقل والطفي خوص المقل شبة به الخط الذي على ظهر الحية وقال بن عبد البر يقال أن ذا الطفيتين جنس من الحيات يكون على ظهره خطان أبيضان قوله والابتر هو مقطوع الذنب زاد النضر بن شميل أنه أزرق اللون لا تنظر إليه حامل الا ألقت وقيل الابتر الحية القصيرة الذنب قال الداودي هو الافعى التي تكون قدر شبر أو أكبر قليلا وقوله والابتر يقتضي التغاير بين ذي الطفيتين والابتر ووقع في الطريق الآتية لا تقتلوا الحيات الا كل أبتر ذي طفيتين وظاهره اتحادهما لكن لا ينفي المغايرة قوله فإنهما يطمسان البصر أي يمحوان نوره وفي رواية أبن أبي مليكة عن بن عمر ويذهب البصر وفي حديث عائشة فإنه يلتمس البصر قوله ويستسقطان الحبل هو بفتح المهملة والموحدة الجنين وفي رواية بن أبي مليكة عن بن عمر الآتية بعد أحاديث فإنه يسقط الولد وفي حديث عائشة الآتي بعد أحاديث ويصيب الحبل وفي رواية أخرى عنها ويذهب الحبل وكلها بمعنى قوله قال عبد الله هو بن عمر وفي رواية يونس عن الزهري التي يأتي التنبيه عليها قال بن عمر فكنت لا أترك حية الا قتلتها حتى طاردت حية من ذوات البيوت الحديث وقوله أطارد أي أتبع وأطلب قوله فناداني أبو لبابة بضم اللام وبموحدتين صحابي مشهور اسمه بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة وقيل مصغر وقيل بتحتانية ومهملة مصغر وقيل رفاعة وقيل بل اسمه كنيته ورفاعة وبشير أخواه واسم جده زنبر بزاي ونون وموحدة وزن جعفر وهو أوسى من بني أمية بن زيد وشذ من قال اسمه مروان وليس له في الصحيح الا هذا الحديث وكان أحد النقباء وشهد أحدا ويقال شهد بدرا واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة وكانت معه راية قومه يوم الفتح ومات في أول خلافة عثمان على الصحيح قوله أنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت أي اللاتي يوجدن في البيوت وظاهره التعميم في جميع البيوت وعن مالك تخصيصه ببيوت أهل المدينة وقيل يختص ببيوت المدن دون غيرها وعلى كل قول فتقتل في البراري والصحارى من غير انذار وروى الترمذي عن بن المبارك أنها الحية التي

[ 249 ]

تكون كأنها فضة ولا تلتوي في مشيتها قوله وهي العوامر هو كلام الزهري أدرج في الخبر وقد بينه معمر في روايته عن الزهري فساق الحديث وقال في آخره قال الزهري وهي العوامر قال أهل اللغة عمار البيوت سكانها من الجن وتسميتهن عوامر لطول لبثهن في البيوت مأخوذ من العمر وهو طول البقاء وعند مسلم من حديث أبي سعيد مرفوعا أن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليه ثلاثا فإن ذهب وإلا فاقتلوه واختلف في المراد بالثلاث فقيل ثلاث مرات وقيل ثلاثة أيام ومعنى قوله حرجوا عليهن أن يقال لهن أنتن في ضيق وحرج أن لبثت عندنا أو ظهرت لنا أو عدت إلينا قوله وقال عبد الرزاق عن معمر فرآني أبو لبابة أو زيد بن الخطاب يريد أن معمرا رواه عن الزهري بهذا الاسناد على الشك في اسم الذي لقي عبد الله بن عمر وروايته هذه أخرجها مسلم ولم يسق لفظها وساقه أحمد والطبراني من طريقه قوله وتابعه يونس أي بن يزيد وابن عيينة أي سفيان وإسحاق الكلبي والزبيدي أي أن هؤلاء الاربعة تابعوا معمرا على روايته بالشك المذكور فأما رواية يونس فوصلها مسلم ولم يسق لفظها وساقه أبو عوانة وأما رواية بن عيينة فأخرجها أحمد والحميدي في مسنديهما عنه ووصلها مسلم وأبو داود من طريقه وفي رواية مسلم وكان بن عمر يقتل كل حية وجدها فأبصره أبو لبابة بن عبد المنذر أو زيد بن الخطاب وأما رواية إسحاق وهو بن يحيى الكلبي فرويناها في نسخته وأما رواية الزبيدي وهو محمد بن الوليد الحمصي فوصلها مسلم وفي روايته قال عبد الله بن عمر فكنت لا أترك حية أراها الا قتلتها وزاد في روايته قال الزهري وترى ذلك من سميتها قوله وقال صالح وابن أبي حفصة وابن مجمع الخ يعني أن هؤلاء الثلاثة رووا الحديث عن الزهري فجمعوا فيه بين أبي لبابة وزيد بن الخطاب فأما رواية صالح وهو بن كيسان فوصلها مسلم ولم يسق لفظها وساقه أبو عوانة وأما رواية بن أبي حفصة واسمه محمد فرويناها في نسخته من طريق أبي أحمد بن عدي موصولة وأما رواية بن مجمع وهو إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بالجيم وتشديد الميم الانصاري المدني فوصلها البغوي وابن السكن في كتاب الصحابة قال بن السكن لم أجد من جمع بين أبي لبابة وزيد بن الخطاب الا بن مجمع هذا وجعفر بن برقان وفي روايتهما عن الزهري مقال انتهى وغفل عما ذكره البخاري وهو عنده عن الفربري عنه فسبحان من لا يذهل ويحتمل أنه لم تقع له موصولة من رواية بن أبي حفصة وصالح فصار من رواه بالجمع أربعة لكن ليس فيهم من يقارب الخمسة الذين رووه بالشك الا صالح بن كيسان وسيأتي في الباب الذي يليه من وجه آخر أن الذي رأى بن عمر هو أبو لبابة بغير شك وهو يرجح ما جنح إليه البخاري من تقديمه لرواية هشام بن يوسف عن معمر المقتصرة على ذكر أبي لبابة والله أعلم وليس لزيد بن الخطاب أخي عمر رواية في الصحيح الا في هذا الموضع وزعم الداودي أن الجن لا تتمثل بذي الطفيتين والابتر فلذلك أذن في قتلهما وسيأتي التعقب عليه بعد قليل وفي الحديث النهي عن قتل الحيات التي في البيوت الا بعد الانذار الا أن يكون أبتر أو ذا طفيتين فيجوز قتله بغير انذار ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم الاذن في قتل غيرهما بعد الانذار وفيه فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر قال القرطبي والامر في ذلك للارشاد نعم ما كان منها محقق الضرر وجب دفعه * الثاني حديث أبى سعيد الخدرى يوشك أن يكون خير مال المسلم الحديث وقد تقدم في أوائل الايمان ويأتى شرحه في كتاب الفتن * (تنبيهان) * الاول ذكر المزى

[ 250 ]

في الاطراف تبعا لابي مسعود ان البخاري أورد الحديث من هذه الطريق في الجزية وهو وهم وانما هو في بدء الخلق * الثاني وقع في أكثر الروايات قبل حديث أبى سعيد هذا باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال وسقطت هذه الترجمة من رواية النسفى ولم يذكرها الاسماعيلي أيضا وهو اللائق بالحال لان الاحاديث التى تلى حديث أبى سعيد ليس فيها ما يتعلق بالغنم الا حديث أبى هريرة المذكور بعده * الثالث حديث أبى هريرة (قوله رأس الكفر نحو المشرق) في رواية الكشميهني قبل المشرق وهو بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهته وفي ذلك إشارة إلى شدة كفر المجوس لان مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة وكانوا في غاية القسوة والتكبر والتجبر حتى مزق ملكهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في موضعه واستمرت الفتن من قبل المشرق كما سيأتي بيانه واضحا في الفتن قوله والفخر بالخاء المعجمة معروف ومنه الاعجاب بالنفس والخيلاء بضم المعجمة وفتح التحتانية والمد الكبر واحتقار الغير قوله الفدادين بتشديد الدال عند الاكثر وحكى أبو عبيد عن أبي عمرو الشيباني أنه خففها وقال أنه جمع فدان والمراد به البقر التي يحرث عليها وقال الخطابي الفدان آلة الحرث والسكة فعلى الاول فالفدادون جمع فدان وهو من يعلو صوته في إبله وخيله وحرثه ونحو ذلك والفديد هو الصوت الشديد وحكى الاخفش ووهاه أن المراد بالفدادين من يسكن الفدافد جمع فدفد وهي البراري والصحارى وهو بعيد وحكى أبو عبيدة معمر بن المثنى أن الفدادين هم أصحاب الابل الكثيرة من المائتين إلى الالف وعلى ما حكاه أبو عمرو الشيباني من التخفيف فالمراد أصحاب الفدادين على حذف مضاف ويؤيد الاول لفظ الحديث الذي بعده وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الابل وقال أبو العباس الفدادون هم الرعاة والجمالون وقال الخطابي إنما ذم هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمور دينهم وذلك يفضى إلى قساوة القلب قوله أهل الوبر بفتح الواو والموحدة أي ليسوا من أهل المدر لان العرب تعبر عن أهل الحضر بأهل المدر وعن أهل البادية بأهل الوبر واستشكل بعضهم ذكر الوبر بعد ذكر الخيل وقال أن الخيل لا وبر لها ولا اشكال فيه لان المراد ما بينته وقوله في آخر الحديث في ربيعة ومضر أي في الفدادين منهم قوله والسكينة تطلق على الطمأنينة والسكون والوقار والتواضع قال بن خالويه لا نظير لها أي في وزنها الا قولهم على فلان ضريبة أي خراج معلوم وإنما خص أهل الغنم بذلك لانهم غالبا دون أهل الابل في التوسع والكثرة وهما من سبب الفخر والخيلاء وقيل أراد بأهل الغنم أهل اليمن لان غالب مواشيهم الغنم بخلاف ربيعة ومضر فإنهم أصحاب إبل وروى بن ماجة من حديث أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها اتخذي الغنم فإن فيها بركة الرابع حديث أبي مسعود قوله حدثنا يحيى هو القطان وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم قوله أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال الايمان فيه تعقب على من زعم أن المراد بقوله يمان الانصار لكون أصلهم من أهل اليمن لان في اشارته إلى جهة اليمن ما يدل على أن المراد به أهلها حينئذ لا الذين كان أصلهم منها وسبب الثناء على أهل اليمن اسراعهم إلى الايمان وقبولهم وقد تقدم قبولها البشرى حين لم تقبلها بنو تميم في أول بدء الخلق وسيأتي بقية شرحه في أول المناقب وبيان الاختلاف بقوله الايمان يمان وقوله قرنا الشيطان أي جانبا رأسه قال الخطابي ضرب المثل

[ 251 ]

بقرني الشيطان فيما لا يحمد من الامور وقوله أرق أفئدة أي أن غشاء قلب أحدهم رقيق وإذا رق الغشاء أسرع نفوذ الشئ إلى ما وراءه الحديث الخامس حديث أبي هريرة قوله عن جعفر بن ربيعة هذا الحديث مما اتفق الائمة الخمسة أصحاب الاصول على إخراجه عن شيخ واحد وهو قتيبة بهذا الاسناد قوله إذا سمعتم صياح الديكة بكسر المهملة وفتح التحتانية جمع ديك وهو ذكر الدجاج وللديك خصيصة ليست لغيره من معرفة الوقت الليلي فإنه يقسط أصواته فيها تقسيطا لا يكاد يتفاوت ويوالى صياحه قبل الفجر وبعده لا يكاد يخطئ سواء أطال الليل أم قصر ومن ثم أفتى بعض الشافعية باعتماد الديك المجرب في الوقت ويؤيده الحديث الذي سأذكره عن زيد بن خالد قوله فإنها رأت ملكا بفتح اللام قال عياض كان السبب فيه رجاء تأمين الملائكة على دعائه واستغفارهم له وشهادتهم له بالاخلاص ويؤخذ منه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين تبركا بهم وصحح بن حبان وأخرجه أبو داود وأحمد من حديث زيد بن خالد رفعه لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى الصلاة وعند البزار من هذا الوجه سبب قوله صلى الله عليه وسلم ذلك وأن ديكا صرخ فلعنه رجل فقال ذلك قال الحليمي يؤخذ منه أن كل من استفيد منه الخير لا ينبغي أن يسب ولا أن يستهان به بل يكرم ويحسن إليه قال وليس معنى قوله فإنه يدعو إلى الصلاة أن يقول بصوته حقيقة صلوا أو حانت الصلاة بل معناه أن العادة جرت بأنه يصرخ عند طلوع الفجر وعند الزوال فطرة فطره الله عليها قوله وإذا سمعتم نهاق الحمير زاد النسائي والحاكم من حديث جابر ونباح الكلاب قوله فإنها رأت شيطانا روى الطبراني من حديث أبي رافع رفعه لا ينهق الحمار حتى يرى شيطانا أو يتمثل له شيطان فإذا كان ذلك فاذكروا الله وصلوا علي قال عياض وفائدة الامر بالتعوذ لما يخشى من شر الشيطان وشر وسوسته فيلجأ إلى الله في دفع ذلك قال الداودي يتعلم من الديك خمس خصال حسن الصوت والقيام في السحر والغيرة والسخاء وكثرة الجماع السادس حديث جابر أورده من وجه آخر وسيأتي شرحه في أثناء هذا الباب والقائل قال وأخبرني عمرو هو بن جريج وإسحاق المذكور في أوله هو بن راهويه كما عند أبي نعيم ويحتمل أن يكون بن منصور وقد أهمل المزي في الاطراف تبعا لخلف عزوه إلى هذا الموضع السابع حديث أبي هريرة قوله عن خالد هو الحذاء ومحمد هو بن سيرين والاسناد كله بصريون إلى أبي هريرة قوله وإني لا أراها الا الفأر بإسكان الهمزة وعند مسلم من طريق أخرى عن بن سيرين بلفظ الفأرة مسخ وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه ويوضع بين يديها لبن الابل فلا تشربه قوله فحدثت كعبا قائل ذلك هو أبو هريرة ووقع في رواية مسلم فقال له كعب أنت سمعت هذا قوله فقلت أفأقرأ التوراة هو استفهام إنكار وفي رواية مسلم أفأنزلت علي التوراة وفيه أن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب وأن الصحابي الذي يكون كذلك إذا أجبر بما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه يكون للحديث حكم الرفع وفي سكوت كعب عن الرد على أبي هريرة دلالة على تورعه وكأنهما جميعا لم يبلغهما حديث بن مسعود قال وذكر عند النبي صلى الله علي وسلم القردة والخنازير فقال أن الله لم يجعل للمسنسلا ولا عقبا وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم لا أراها الا الفأر وكأنه كان يظن ذلك ثم أعلم بأنها ليست هي قال بن قتيبة أن صح هذا

[ 252 ]

الحديث وإلا فالقردة والخنازير هي الممسوخ بأعيانها توالدت قلت الحديث صحيح وسيأتي مزيد لذلك في أواخر أحاديث الانبياء الثامن حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للوزغ فويسق ولم أسمعه أمر بقتله هو قول عائشة رضي الله عنها قال بن التين هذا لا حجة فيه لانه لا يلزم من عدم سماعها عدم الوقوع وقد حفظ غيرها كما ترى قلت قد جاء عن عائشة من وجه آخر عند أحمد وابن ماجة أنه كان في بيتها رمح موضوع فسئلت فقالت نقتل به الوزغ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن إبراهيم لما ألقي في النار لم يكن في الارض دابة الا أطفأت عنه النار الا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه فأمر النبي صلى الله علي وسلم بقتلها انتهى والذي في الصحيح أصح ولعل عائشة سمعت ذلك من بعض الصحابة وأطلقت لفظ أخبرنا مجازا أي أخبر الصحابة كما قال ثابت البناني خطبنا عمران وأراد أنه خطب أهل البصرة فإنه لم يسمع منه والله أعلم قوله وزعم سعد بن أبي وقاص قائل ذلك يحتمل أن يكون عروة فيكون متصلا فإنه سمع من سعد ويحتمل أن تكون عائشة فيكون من رواية القرين عن قرينه ويحتمل أن يكون من قول الزهري فيكون منقطعا وهذا الاحتمال الاخير أرجح فإن الدارقطني أخرجه في الغرائب من طريق بن وهب عن يونس ومالك معا عن بن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للوزغ فويسق وعن بن شهاب عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقد أخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن حبان حديث عائشة من طريق بن وهب وليس عندهم حديث سعد وقد أخرج مسلم وأبو داود وأحمد وابن حبان من طريق معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا وكأن الزهري وصله لمعمر وأرسله ليونس ولم أر من نبه على ذلك من الشراح ولا من أصحاب الاطراف فلله الحمد التاسع حديث أم شريك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الاوزاغ هكذا أورده مختصرا وسيأتي بأتم من هذا في قصة إبراهيم من أحاديث الانبياء وقد تقدم في الذي قبله حديث عائشة بأتم منه وأم شريك اسمها غزية بالمعجمتين مصغر وقيل غزيلة يقال هي عامرية قرشية ويقال أنصارية ويقال دوسية العاشر حديث عائشة في قتل ذي الطفيتين والابتر أورده بإسنادين إليها في كل واحد منهما وأورد بعده حديث بن عمر في ذلك عن أبي لبابة من وجهين وقد تقدم من وجه آخر في أول الباب قوله في أول طريق حديث عائشة تابعه حماد بن سلمة يريد أن حمادا تابع أبا أسامة في روايته إياه عن هشام واسم أبي أسامة أيضا حماد ورواية حماد بن سلمة وصلها أحمد عن عفان عنه قوله عن أبي يونس القشيري هو حاتم بن أبي صغيرة وهو بصري ومن دونه وأما من فوقه فمدني قوله أن بن عمر كان يقتل الحيات ثم نهى هو بفتح النون وفاعل نهى هو بن عمر وقد بين بعد ذلك سبب نهيه عن ذلك وكان بن عمر أولا يأخذ بعموم أمره صلى الله عليه وسلم بقتل الحيات وقد أخرج أبو داود من حديث عائشة مرفوعا اقتلوا الحيات فمن تركهن مخافة ثأرهن فليس مني قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم هدم حائطا له فوجد فيه سلخ حية هو بكسر السين المهملة وسكون اللابعدها معجمة وهو جلدها كذا وقع هنا مرفوعا وأخرجه مسلم من وجه آخر موقوفا فأخر من طريق الليث عن نافع أن أبا لبابة كلم بن عمر ليفتح له بابا في داره يستقرب بها إلى المسجد فوجد الغلمان جلد جان فقال بن عمر التمسوه فاقتلوه فقال أبو لبابة

[ 253 ]

لا تقتلوه ومن طريق يحيى بن سعيد وعمر بن نافع عن نافع نحوه ويحتمل أن تكون القصة وقعت مرتين ويدل لذلك قول بن عمر في هذه الرواية وكنت أقتلها لذلك وهو القاتل فلقيت أبا لبابة قوله لا تقتلوا الجنان الا كل ذي طفيتين أن كان الاستثناء متصلا ففيه تعقب على من زعم أن ذا الطفيتين والابتر ليس من الجنان ويحتمل أن يكون منقطعا أي لكن كل ذي طفيتين فاقتلوه والجنان بكسر الجيم وتشديد النون جمع جان وهي الحية الصغيرة وقيل الرقيقة الخفيفة وقيل الدقيقة البيضاء الحادي عشر حديث عائشة وابن عمر في الخمس التي لا جناح على المحرم في قتلهن وقع في حديث عائشة الحديا وفي حديث بن عمر الحدأة والحديا بصيغة التصغير وقد أنكر ثابت في الدلائل هذه الصيغة وقال الصواب الحديأه أو الحدية أي بهمزة وزيادة هاء أو بالتشديد بغير همز قال والصواب أن الحدياه ليس من هذا وإنما هو من التحدي يقولون فلان يتحدى فلانا أي ينازعه ويغالبه وعن بن أبي حاتم أهل الحجاز يقولون لهذا الطائر الحديا ويجمعونه الحدادي وكلاهما خطأ وأما الازهري فصوبه وقال الحدياه تصغير الحدى وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الحج * (تنبيه) * وقع في رواية السرخسى هنا باب ادا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ولا معنى لذكره هنا ووقع عنده أيضا باب خمس من الدواب فواسق وسقط من رواية غيره وهو أو بلى * الثاني عشر حديث جابر (قوله حدثنا كثير) هو ابن شنظير بكسر المعجمة وسكون النون بعدها ظاء معجمة بصري قد قال فيه بن معين ليس بشئ قال الحاكم مراده بذلك أنه ليس له من الحديث ما يشتغل به وقد قال فيه بن معين مرة صالح وكذا قال أحمد وقال بن عدي أرجو أن تكون أحاديثه مستقيمة قلت وما له في البخاري سوى هذا الحديث وقد توبع عليه كما تراه في آخر الحديث وآخر في السلام على المصلى وله متابع عند مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر قوله رفعه كذا هنا ووقع عند الاسماعيلي من وجهين عن حماد بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله خمروا الآنية أي غطوها ومضى في الرواية التي في صفة إبليس وخمر إناءك واذكر اسم الله ولو أن تعرض عليه شيئا وهو بضم الراء وبكسرها وسيأتي مزيد لذلك في الاشربة قوله وأوكئوا بكسر الكاف بعدها همزة أاربطوها وشدوها والوكاء اسم ما يسد به فم القربة قوله وأجيفوا بالجيم والفاء أي أغلقوها تقول أجفت الباب إذا أغلقته وقال القزاز تقول جفأت الباب أغلقته قال بن التين لم أر من ذكره هكذا غيره وفيه نظر فإن أجيفوا لامه فاء وجفأت لامه همزة زاد في الرواية الماضية وأغلقوا الابواب واذكروا اسم الله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا قوله وأكفتوا بهمزة وصل وكسر الفاء ويجوز ضمها بعدها مثناة أي ضموهم إليكم والمعنى امنعوهم من الحركة في ذلك الوقت قوله عند المساء في الرواية المتقدمة في هذا الباب إذا جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم قوله فإن للجن انتشارا وخطفة بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة والفاء في الرواية الماضية فإن الشياطين تنتشر حينئذ وإذا ذهبت ساعة من الليل وفي رواية الكشميهني فإذا ذهب وكأنه ذكره باعتبار الوقت قوله فإن الفويسقة هي الفأرة قد تقدم في تفسير ذلك في الحج قوله اجترت بالجيم وتشديد الراء في رواية الاسماعيلي ربما جرت وسيأتي في الاستئذان حديث بن عمر مرفوعا لا تتركوا النار في بيوتكم حين تناموا قال النووي هذا عام يدخل فيه نار السراج وغيره وأما القناديل المعلقة فإن خيف بسببها حريق

[ 254 ]

دخلت في ذلك وأن حصل الامن منها كما هو الغالب فلا بأس بها لانتفاء العلة وقال القرطبي جميع أوامر هذا الباب من باب الارشاد إلى المصلحة ويحتمل أن تكون للندب ولا سيما في حق من يفعل ذلك بنية امتثال الامر وقال بن العربي ظن قوأن الامر بغلق الابواب عام في الاوقات كلها وليس كذلك وإنما هو مقيد بالليل وكأن اختصاص الليل بذلك لان النهار غالبا محل التيقظ بخلاف الليل والاصل في جميع ذلك يرجع إلى الشيطان فإنه هو الذي يسوق الفأرة إلى حرق الدار قوله قال بن جريج وحبيب عن عطاء فإن للشياطين يعني أن بن جريج وحبيبا وهو المعلم رويا هذا الحديث عن عطاء عن عائشة كما رواه كثير بن شنظير الا أنهما قالا في روايتهما فإن للشيطان بدل قول كثير في روايته فإن للجن ورواية بن جريج قد تقدمت موصولة في أوائل هذا الباب ورواية حبيب وصلها أحمد وأبو يعلى من طريق حماد بن سلمة عن حبيب المذكور الحديث الثالث عشر حديث بن مسعود في قصة الحية قوله وعن إسرائيل عن الاعمش يعني أن يحيى بن آدم رواه عن إسرائيل عن شيخين أفردهما ولم يختلف عليه في أنه من رواية إبراهيم وهو النخعي عن علقمة قوله رطبة أي غضة طرية في أول ما تلاها ووصفت هي بالرطوبة والمراد بالرطوبة رطوبة فيه أي أنهم أخذوها عنه قبل أن يجف ريقه من تلاوتها ويحتمل أن يكون وصفها بالرطوبة لسهولتها والاول أشبه وقوله وقيت شركم ووقيتم شرها أي قتلكم إياها هو شر بالنسبة إليها وأن كان خيرا بالنسبة إليهم وفيه جواز قتل الحية في الحرم وجواز قتلها في حجرها والجحر بضم الجيم وسكون المهملة معروف الحديث الرابع عشر والخامس عشر حديث بن عمر وأبي هريرة معا وهو من طريق عبيد الله بالتصغير وهو بن عمر العمري عن نافع عن بن عمر وعن سعيد المقبري عن أبي هريرة والقائل قال وحدثنا عبيد الله هو بن عبد الاعلى المذكور في الاسناد المذكور وهو بن عبد الاعلى البصري قوله وتابعه أبو عوانة عن مغيرة أي عن إبراهيم وطريق أبي عوانة سيأتي في تفسير المرسلات قوله وقال حفص هو بن غياث وأبو معاوية وسليمان بن قرم عن الاعمش عن إبراهيم عن الاسود عن عبد الله يعني أن هؤلاء الثلاثة خالفوا إسرائيل فجعلوا الاسود بدل علقمة ورواية حفص وصلها المؤلف في الحج وأما رواية أبي معاوية فأخرجها أحمد عنه وهي عند مسلم وأما رواية سليمان بن قرم فلم أقف عليها موصولة قوله دخلت امرأة لم أقف على اسمها ووقع في رواية أنها حميرية وفي أخرى أنها من بني إسرائيل وكذا لمسلم ولا تضاد بينهما لان طائفة من حمير كانوا قد دخلوا في اليهودية فنسبت إلى دينها تارة وإلى قبيلتها أخرى وقد وقع ما يدل على ذلك في كتاب البعث للبيهقي وأبداه عياض احتمالا وأغرب النووي فأنكره قوله في هرة أي بسبب هرة ووقع في رواية همام عن أبي هريرة عند مسلم من جرا هرة وهو بمعناه وجرا بفتح الجيم وتشديد الراء مقصور ويجوز فيه المد والهرة أنثى السنور والهر الذكر ويجمع الهر على هررة كقرد وقردة وتجمع الهرة على هرر كقربة وقرب ووقع في حديث جابر الماضي في الكسوف وعرضت علي النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها الحديث قوله من خشاش الارض بفتح المعجمة ويجوز ضمها وكسرها وبمعجمتين بينهما ألف الاولى خفيفة والمراد هوام الارض وحشراتها من فأرة ونحوها وحكى النووي أنه روى بالحاء المهملة والمراد نبات الارض قال وهو ضعيف

[ 255 ]

أو غلط وظاهر هذا الحديث أن المرأة عذبت بسبب قتل هذه الهرة بالحبس قال عياض يحتمل أن تكون المرأة كافرة فعذبت بالنار حقيقة أو بالحساب لان من نوقش الحساب عذب ثم يحتمل أن تكون المرأة كافرة فعذبت بكفرها وزيدت عذابا بسبب ذلك أو مسلمة وعذبت بسبب ذلك قال النووي الذي يظهر أنها كانت مسلمة وإنما دخلت النار بهذه المعصية كذا قال ويؤيد كونها كافرة ما أخرجه البيهقي في البعث والنشور وأبو نعيم في تاريخ أصبهان من حديث عائشة وفيه قصة لها مع أبي هريرة وهو بتمامه عند أحمد وفيه جواز اتخاذ الهرة ورباطها إذا لم يهمل اطعامها وسقيها ويلتحق بذلك غير الهرة مما في معناها وأن الهر لا يملك وإنما يجب اطعامه على من حبسه كذا قال القرطبي وليس في الحديث دلالة على ذلك وفيه وجوب نفقة الحيوان على مالكه كذا قال النووي وفيه نظر لانه ليس في الخبر أنها كانت في ملكها لكن في قوله هرة لها كما هي رواية همام ما يقرب من ذلك الحديث السادس عشر حديث أبي هريرة قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله نزل نبي من الانبياء قيل هو العزيز وروى الحكيم الترمذي في النوادر أنه موسى عليه السلام وبذلك جزم الكلاباذي في معاني الاخبار والقرطبي في التفسير قوله فلدغته بالدال المهملة والغين المعجمة أي قرصته وليس هو بالذال المعجمة والعين المهملة فإن ذاك معناه الاحراق قوله فأمر بجهازه بفتح الجيم ويجوز كسرها بعدها زاي أي متاعه قوله ثم أمر ببيتها فأحرق أي بيت النمل وفي رواية الزهري الماضية في الجهاد فأمر بقرية النمل فأحرقت وقرية النمل موضع اجتماعهن والعرب تفرق في الاوطان فيقولون لمسكن الانسان وطن ولمسكن الابل عطن وللاسد عرين وغابة وللظبي كناس وللضب وجار وللطائر عش وللزنبور كور ولليربوع نافق وللنمل قرية قوله فهلا نملة واحدة يجوز فيه النصب على تقدير عامل محذوف تقديره فهلا أحرقت نملة واحدة وهي التي آذتك بخلاف غيرها فلم يصدر منها جناية واستدل بهذا الحديث على جواز احراق الحيوان المؤذي بالنار من جهة أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما يرفعه ولا سيما أن ورد على لسان الشارع ما يشعر باستحسان ذلك لكن ورد في شرعنا النهي عن التعذيب بالنار قال النووي هذا الحديث محمول على أنه كان جائزا في شرع ذلك النبي جواز قتل النمل وجواز التعذيب بالنار فإنه لم يقع عليه العتب في أصل القتل ولا في الاحراق بل في الزيادة على النملة الواحدة وأما في شرعنا فلا يجوز احراق الحيوان بالنار الا في القصاص بشرطه وكذا لا يجوز عندنا قتل النمل لحديث بن عباس في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة انتهى وقد قيد غيره كالخطابي النهي عن قتله من النمل بالسليماني وقال البغوي النمل الصغير الذي يقال له الذر يجوز قتله ونقله صاحب الاستقصاء عن الصيمري وبه جزم الخطابي وفي قوله أن القتل والاحراق كان جائزا في شرع ذلك النبي نظر لانه لو كان كذلك لم يعاتب أصلا ورأسا إذا ثبت أن الاذى طبعه وقال عياض في هذا الحديث دلالة على جواز قتل كل مؤذ ويقال أن لهذه القصة سببا وهو أن هذا النبي مر على قرية أهلكها الله تعالى بذنوب أهلها فوقف متعجبا فقال يا رب قد كان فيهم صبيان ودواب ومن لم يقترف ذنبا ثم نزل تحت شجرة فجرت له هذه القصة فنبهه الله جل وعلا على أن الجنس المؤذي يقتل وأن لم يؤذ وتقتل أولاده وأن لم تبلغ الاذى انتهى وهذا هو الظاهر وأن ثبتت هذه القصة تعين

[ 256 ]

المصير إليه والحاصل أنه لم يعاتب إنكارا لما فعل بل جوابا له وأيضاحا لحكمة شمول الهلاك لجميع أهل تلك القرية فضرب له المثل بذلك أي إذا اختلط من يستحق الاهلاك بغيره وتعين اهلاك الجميع طريقا إلى اهلاك المستحق جاز اهلاك الجميع ولهذا نظائر كتترس الكفار بالمسلمين وغير ذلك والله سبحانه أعلم وقال الكرماني النمل غير مكلف فكيف أشير في الحديث إلى أنه لو أحرق نملة واحدة جاز مع أن القصاص إنما يكون بالمثل لقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها ثم أجاب بتجويز أن التحريق كان جائزا عنده ثم قال يرد على قولنا كان جائزا لو كان كذلك لما ذم عليه وأجاب بأنه قد يذم الرفيع القدر على خلاف الاولى انتهى والتعبير بالذم في هذا لا يليق بمقام النبي فينبغي أن يعبر بالعتاب وقال القرطبي ظاهر هذا الحديث أن هذا النبي إنما عاتبه الله حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه منه واحد وكان الاولى به الصبر والصفح وكأنه وقع له أن هذا النوع مؤذ لبني آدم وحرمة بني آدم أعظم من حرمة الحيوان فلو انفرد هذا النظر ولم ينضم إليه التشفي لم يعاتب قال والذي يؤيد هذا التمسك بأصل عصمة الانبياء وأنهم أعلم بالله وبأحكامه من غيرهم وأشدهم له خشية انتهى تكملة النملة واحدة النمل وجمع الجمع نمال والنمل أعظم الحيوانات حيلة في طلب الرزق ومن عجيب أمره أنه إذا وجد شيئا ولو قل أنذر الباقين ويحتكر في زمن الصيف للشتاء وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الارض وإذا حفر مكانه اتخذها تعاريج لئلا يجري إليها ماء المطر وليس في الحيوان ما يحمل أثقل منه غيره والذر في النمل كالزنبور في النحل قوله أمة من الامم مسبحة استدل به على أن الحيوان يسبح الله تعالى حقيقة ويتأيد به قول من حمل قوله وان من شئ الا يسبح بحمده على الحقيقة وتعقب بأن ذلك لا يمنع الحمل على المجاز بأن يكون سببا للتسبيح الحديث السابع عشر حديث أبى هريرة في الذباب إذا وقع في الاناء وسيأتى شرحه في كتاب الطب * (تنبيه) * وقع قبل هذا الحديث في رواية أبى ذر عن بعض شيوخه باب إذا وقع الذباب وسقاه بلفظ الحديث وحذف عند الباقين وهو أولى فان الاحاديث التى بعده لا تعلق لها بذلك كما تقدم نظيره * الحديث الثامن عشر حديث أبى هريرة في المرأة التى سقت الكلب وسيأتى شرحه في أواخر أحاديث الانبياء في ترجمة عيسى بن مريم * الحديث التاسع عشر حديث أبى طلحة في الصورة وسيأتى شرحه في كتاب اللباس * الحديث العشرون حديث ابن عمر قال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب وسيأتى شرحه في كتاب الصيد * الحديث الحادى والعشرون حديث أبى هريرة من أمسك كلبا ينقص من عمله وقد تقدم شرحه في المزارعة * الحديث الثاني والعشرون حديث سفيان بن أبى زهير في المعنى وسبق شرحه هناك أيضا * (خاتمة) * اشتمل كتاب بدء الخلق من الاحاديث المرفوعة على مائة وستين

[ 257 ]

حديثا المعلق منها الثنان وعشرون طريقا والبقية موصولة المكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة وتسعون حديثا والخالص سبعة وستون حديثا وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عمران ابن حصين في بدء الخلق وحديث عمر فيه وحديث أبى هريرة تكور الشمس والقمر وحديث ابن عباس في زيارة جبريل وحديث ابن عمر في الكلب وحديث يعلى بن أمية ونادوا يا مال وحديث ابن مسعود في رؤية جبريل وحديث عائشة في الرؤية وحديث عمران اطلعت في الجنة وحديث سهل في درجات الجنة وحديث أنس في الجنة شجرة وحديث أبى هريرة فيه وحديث ابن عباس في الحمى وحديث عائشة في قتل والد حذيفة وحديث أبى هريرة إذا وقع الذباب في الاناء وفيه عن الصحابة ومن بعدهم أربعون أثرا والله جل وعلا أعلم قوله بسم الله الرحمن الرحيم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب أحاديث الانبياء كذا في رواية كريمة في بعض النسخ وفي رواية أبي علي بن شبويه نحوه وقدم الآية الآتية في الترجمة على الباب ووقع في ذكر عدد الانبياء حديث أبي ذر مرفوعا إنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر صححه بن حبان والانبياء جمع نبي وقد قرئ بالهمز فقيل هو الاصل وتركه تسهيل وقيل الذي بالهمز من النبأ والذي بغير همز من النبوة وهي الرفعة والنبوة نعمة يمن بها على من يشاء ولا يبلغها أحد لعلمه ولا كشفه ولا يستحقها باستعداد ولايته ومعناها الحقيقي شرعا من حصلت له النبوة وليست راجعة إلى جسم النبي ولا إلى عرض من أعراضه بل ولا إلى علمه بكونه نبيا بل المرجع إلى أعلام الله له بأني نبأتك أو جعلتك نبيا وعلى هذا فلا تبطل بالموت كما لا تبطل بالنوم والغفلة قوله باب خلق آدم وذريته ذكر المصنف آثارا ثم أحاديث تتعلق بذلك ومما لم يذكره ما رواه الترمذي والنسائي والبزار وصححه بن حبان من طريق سعيد المقبري وغيره عن أبي هريرة مرفوعا أن الله خلق آدم من تراب فجعله طينا ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنونا خلقه وصوره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار كان إبليس يمر به فيقول لقد خلقت لامر عظيم ثم نفخ الله فيه من روحه وكان أول ما جرى في الروح بصره وخياشيمه فعطس فقال الحمد لله فقال الله يرحمك ربك الحديث وفي الباب عدة أحاديث منها حديث أبي موسى مرفوعا أن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض فجاء بنو آدم على قدر الارض الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وصححه بن حبان ومنها حديث أنس رفعه لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه فجعل إبليس يطيف به فلما رآه أجوف عرف أنه لا يتمالك رواه أحمد ومسلم وآدم اسم سرياني وهو عند أهل الكتاب آدام بإشباع فتحة الدال بوزن خانا وزنه فاعال وامتنع صرفه للعجمة والعلمية وقال الثعلبي التراب بالعبرانية آدام فسمى آدم به وحذفت الالف الثانية وقيل هو عربي جزم به الجوهري والجواليقي وقيل هو بوزن أفعل من الادمة وقيل من الاديم لانه حلق من أديم الارض وهذا عن بن عباس ووجهوه بأنه يكون كاعين ومنع الصرف للوزن والعلمية وقيل هو من أدمت بين الشيئين إذا خلطت بينهما لانه كان ماء وطينا فخلطا جميعا قوله صلصال طين خلط برمل فصلصل كما يصلصل الفخار هو تفسير الفراء هكذا ذكره وقال أبو عبيدة الصلصال اليابس الذي لم تصبه نار فإذا نقرته صل فسمعت له صلصلة فإذا

[ 258 ]

طبخ بالنار فهو فخار وكل شئ له صوت فهو صلصال وروى الطبري عن قتادة بإسناده صحيح نحوه قوله ويقال منتن يريدون به صل كما يقولون صر الباب وصرصر عند الاغلاق مثل كبكبته يعني كببته أما تفسيره بالمنتن فرواه الطبري عن مجاهد وروى عن بن عباس أن المنتن تفسيره المسنون وأما بقيته فكأنه من كلام المصنف قوله فمرت به استمر بها الحمل فأتمته هو قول أبي عبيدة قوله أن لا تسجد أن تسجد يعني أن لا زائدة وأخذه من كلام أبي عبيدة وكذا قاله وزاد ولا من حروف الزوائد كما قال الشاعر وتلحينني في اللهوأن لا أحبه وللهو داع دائب غير غافل وقيل ليست زائدة بل فيه حذف تقديره ما منعك من السجود فحملك على أن لا تسجد قوله وقول الله عزوجل وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة كذا وقع هنا ووقع في رواية أبي علي بن شبويه في صدر الترجمة وهو أولى ومثله للنسفي ولبعضهم هنا باب والمراد بالخليفة آدم أسند الطبري من طريق بن سابط مرفوعا قال والارض مكة وذكر الطبري أن مقتضى ما نقله السدي عن مشايخه أنه خليفة الله في الارض ومن وجه آخر أنهم يعنون بني آدم يخلف بعضهم بعضا ومن ثم قالت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها الآية وحكى الماوردي قولين آخرين أنه خليفة الملائكة أو خليفة الجن وكل منهما بناء على أنه كان في الارض من سكنها قبل آدم وذكر الطبري قال زعم أبو عبيدة أن إذ في قوله وإذ قال ربك صلة ورد عليه فقال القرطبي أن جميع المفسرين ردوه حتى قال الزجاج أنها جرأة من أبي عبيدة قوله لما عليها حافظ الا عليها حافظ وصله بن أبي حاتم وزاد الا عليها حافظ من الملائكة وقال أبو عبيدة في قوله ان كل نفس لما عليها حافظ ما زائدة قوله في كبد في شدة خلق هو قول بن عباس أيضا رويناه في تفسير بن عيينة بإسناد صحيح وزاد في آخره ثم ذكر مولده ونبات أسنانه وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال أبو عبيدة الكبد الشدة قال لبيد يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد قوله ورياشا المال هو قول بن عباس أيضا وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه قوله وقال غيره الرياش والريش واحد وهو ما ظهر من اللباس هو قول أبي عبيدة وزاد تقول أعطاني ريشه أي كسوته قال والرياش أيضا المعاش قوله ما تمنوا النطفة في أرحام النساء هو قول الفراء قال يقال أمنى ومنى والاول أكثر وقوله تمنون يعني النطف إذا قذفت في أرحام النساء أأنتم تخلقون ذلك أم نحن قوله وقال مجاهد على رجعه لقادر النطفة في الاحليل وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عنه وقيل معناه قادر على رجع النطفة التي في الاحليل إلى الصلب وهو محتمل ويعكر على تفسير مجاهد أن بقية الآيات دالة على أن الضمير للانسان ورجعه يوم القيامة لقوله يوم تبلى السرائر الخ قوله كل شئ خلقه فهو شفع السماء شفع والوتر الله هو قول مجاهد أيضا وصله الفريابي والطبري ولفظه كل خلق الله شفع السماء والارض والبر والبحر والجن والانس والشمس والقمر ونحو هذا شفع والوتر الله وحده وبهذا زال الاشكال فإن ظاهر إيراد المصنف في اقتصاره على قوله السماء شفع يعترض عليه بأن السماوات سبع والسبع ليس بشفع وليس ذلك مراد مجاهد وإنما مراده أن كل شئ له مقابل يقابله

[ 259 ]

ويذكر معه فهو بالنسبة إليه شفع كالسماء والارض والانس والجن الخ وروى الطبري عن مجاهد أيضا قال في قوله تعالى ومن كل شئ خلقنا زوجين الكفر والايمان والشقاء والسعادة والهدى والضلالة والليل والنهار والسماء والارض والجن والانس والوتر الله وروى من طريق أبي صالح نحوه وأخرج عن بن عباس من طريق صحيحة أنه قال الوتر يوم عرفة والشفع يوم الذبح وفي رواية أيام الذبح وهذا يناسب ما فسروا به قوله قبل ذلك وليال عشر أن المراد بها عشر ذي الحجة قوله في أحسن تقويم في أحسن خلق أسفل سافلين الا من آمن هو تفسير مجاهد أخرجه الفريابي أيضا قوله خسر ضلال ثم استثنى فقال الا من آمن هو تفسير مجاهد أخرجه الفريابي أيضا قال في قوله ان الانسان لفي خسر يعني في ضلال ثم استثنى فقال الا من آمن وكأنه ذكره بالمعنى وإلا فالتلاوة الا الذين آمنوا قوله لازب لازم يريد تفسير قوله تعالى فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا أنا خلقناهم من طين لازب وقد روى الطبري عن مجاهد في قوله من طين لازب قال لازق ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال من التراب والماء يصير طينا يلزق وأما تفسيره باللازم فكأنه بالمعنى وهو تفسير أبي عبيدة قال معنى اللازب اللازم قال النابغة ولا يحسبون الشر ضربة لازب أي لازم قولننشئكم في أي خلق نشاء كأنه يريد تفسير قوله تعالى وننشئكم فيما لا تعلمون وقول في أي خلق نشاء هو تفسير قوله فيما لا تعلمون قوله نسبح بحمدك نعظمك هو تفسير مجاهد نقله الطبري وغيره عنه قوله وقال أبو العالية فتلقى آدم هو قوله تعالى ربنا ظلمنا أنفسنا وصله الطبري بإسناد حسن واستشكل بأن ظاهر الآيات أن هذا التلقي كان قبل الهبوط لان بعده قلنا اهبطوا منها جميعا ويمكن الجواب بأن قوله قلنا اهبطوا كان سابقا للتلقي وليس في الآيات صيغة ترتيب قوله وقال فازلهما استزلهما ويتسنه يتغير آسن المسنون المتغير حمأ جمع حمأة وهو الطين المتغير كذا وقع عند أبي ذر وهو يوهم أنه من كلام أبي العالية وليس كذلك بل هي من تفسير أبي عبيدة وكأنه كان في الاصل وقال غيره ووقع في رواية الاصيلي وغيره بحذف قال فكان الامر فيه أشكل وقوله فازلهما أي دعاهما إلى الزلة وايراد قوله يتسنه يتغير في أثناء قصة آدم ذكر بطريق التبعية للمسنون لانه قد يقال أنه مشتق منه قال الكرماني هنا بعد أن قال أن تفسير يتسنه وآسن لعله ذكره بالتبعية لقوله مسنون وفي هذا تكثير لحجم الكتاب لا لتكثير الفوائد والله أعلم بمقصوده قلت وليس من شأن الشارح أن يعترض على الاصل بمثل هذا ولا ارتياب في أن إيراد شرح غريب الالفاظ الواردة في القرآن فوائد وادعاؤه نفى تكثير الفائدة مردود وهذا الكتاب وأن كان أصل موضوعه إيراد الاحاديث الصحيحة فإن أكثر العلماء فهموا من إيراده أقوال الصحابة والتابعين وفقها الامصار أن مقصوده أن يكون كتابه جامعا للرواية والدراية ومن جملة الدراية شرح غريب الحديث وجرت عادته أن الحديث إذا وردت فيه لفظة غريبة وقعت أو أصلها أو نظيره في القرآن أن يشرح اللفظة القرآنية فيفيد تفسير القرآن وتفسير الحديث معا ولما لم يجد في بدء الخلق وقصص الانبياء ونحو ذلك أحاديث توافق شرطه سد مكانها ببيان تفسير الغريب الواقع في القرآن فكيف يسوغ نفي الفائدة عنه قوله يخصفان أخذ الخصاف من ورق الجنة يؤلفان الورق ويخصفان بعضه إلى بعض هو تفسير أبي عبيدة وروى الطبري عن مجاهد في قوله يخصفان قال يرقعان كهيئة الثوب وتقول العرب خصفت النعل أي خرزتها قوله سوآتهما كناية عن فرجيهما هو تفسير أبي عبيدة أيضا قوله ومتاع إلى حين الحين عند العرب من ساعة

[ 260 ]

إلى ما لا يحصى عدده وهو هنا إلى يوم القيامة قال أبو عبيدة في قوله ومتاع إلى حين أي إلى وقت يوم القيامة ورواه الطبري من طريق بن عباس نحوه قوله قبيله حيله الذي هو منهم هو تفسير أبي عبيدة أيضا وروى الطبري عن مجاهد في قوله وقبيله قال الجن والشياطين ثم ذكر المصنف في الباب أحد عشر حديثا أفرد الاخير منها بباب في بعض النسخ الحديث الاول حديث أبي هريرة خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا كذا وقع من هذا الوجه و عبد الله الراوي عن معمر هو بن المبارك وقد رواه عبد الرزاق عن معمر فقال خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعا وهذه الرواية تأتي في أول الاستئذان وقد تقدم الكلام على معنى هذه اللفظة في أثناء كتاب العتق وهذه الرواية تؤيد قول من قال أن الضمير لآدم والمعنى أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالا ولا تردد في الارحام أطوارا كذريته بل خلقه الله رجلا كاملا سويا من أول ما نفخ فيه الروح ثم عقب ذلك بقوله وطوله ستون ذراعا فعاد الضمير أيضا على آدم وقيل معنى قوله على صورته أي لم يشاركه في خلقه أحد ابطالا لقول أهل الطبائع وخص بالذكر تنبيها بالاعلى على الادنى والله أعلم قوله ستون ذراعا يحتمل أن يريد بقدر الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين والاول أظهر لان ذراع كل أحد بقدر ربعه فلو كان بالذراع المعهود لكانت يده قصيرة في جنب طول جسده قوله فلما خلقه قال أذهب فسلم سيأتي شرحه في أول الاستئذان قوله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم أي على صفته وهذا يدل على أن صفات النقص من سواد وغيره تنتفي عند دخول الجنة وقد تقدم بيان ذلك في باب صفة الجنة وزاد عبد الرزاق في روايته هنا وطوله ستون ذراعا وإثبات الواو فيه لئلا يتوهم أن قوله طوله تفسير لقوله على صورة آدم وعلى هذا فقوله وطوله الخ من الخاص بعد العام ووقع عند أحمد من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا كان طول آدم ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا وأما ما روى عبد الرزاق من وجه آخر مرفوعا أن آدم لما أهبط كانت رجلاه في الارض ورأسه في السماء فحطه الله إلى ستين ذراعا فظاهره أنه كان مفرط الطول في ابتداء خلقه وظاهر الحديث الصحيح أنه خلفي ابتداء الامر على طول ستين ذراعا وهو المعتمد وروى بن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبي بن كعب مرفوعا أن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق قوله فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن أي أن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله فانتهى تناقص الطول إلى هذه الامة واستقر الامر على ذلك وقال بن التين قوله فلم يزل الخلق ينقص أي كما يزيد الشخص شيئا فشيئا ولا يتبين ذلك فيما بين الساعتين ولا اليومين حتى إذا كثرت الايام تبين فكذلك هذا الحكم في النقص ويشكل على هذا ما يوجد الآن من آثار الامم السالفة كديار ثمود فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول على حسب ما يقتضيه الترتيب السابق ولا شك أن عهدهم قديم وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الامة ولم يظهر لي إلى الآن ما يزيل هذا الاشكال الحديث الثاني حديث أبي هريرة في صفة الجنة وقد تقدم في باب صفة الجنة وقوله الالنجوج بفتح الهمزة واللام وسكون النون بجيمين الاولى مضمومة والواو ساكنة هو العود الذي يتبخر به ولفظ الالنجوج هنا تفسير الالوة والعود تفسير التفسير وقوله في آخره على خلق رجل واحد هو

[ 261 ]

بفتح أول خلق لا بضمه وقوله ستون ذراعا في السماء أي في العلو والارتفاع الحديث الثالث حديث أم سلمة في سؤالها عن غسل المرأة إذا احتلمت وقد تقدم الكلام عليه في الطهارة والغرض منه قوله في آخره فبم يشبه الولد الحديث الرابع حديث أنس في قصة إسلام عبد الله بن سلام وسيأتي بأتم من هذا السياق في أوائل الهجرة والغرض منه بيان سبب الشبه وقد علله هنا بالسبق وفي حديث ثوبان عند مسلم بالعلو وسأذكر وجه الجمع بينهما في المكان المذكور إن شاء الله تعالى الحديث الخامس حديث أبي هريرة قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه لم يسبق للمتن المذكور طريق يعود عليها هذا الضمير وكأنه يشير به إلى أن اللفظ الذي حدثه به شيخه هو بمعنى اللفظ الذي ساقه فكأنه كتب من حفظه وتردد في بعضه ويؤيده أنه وقع في نسخة الصغاني بعد قوله نحوه يعني ولم أره من طريق بن المبارك عن معمر الا عند المصنف وسيأتي عنده في ذكر موسى عليه السلام من رواية عبد الرزاق عن معمر بهذا اللفظ الا أنه زاد في آخره الدهر قوله لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم يخنز بفتح أوله وسكون الخاء وكسر النون وبفتحها أيضا بعدها زاي أي ينتن والخنز التغير والنتن قيل أصله أن بني إسرائيل ادخروا لحم السلوى وكانوا نهوا عن ذلك فعوقبوا بذلك حكاه القرطبي وذكره غيره عن قتادة وقال بعضهم معناه لولا أن بني إسرائيل سنوا ادخار اللحم حتى أنتن لما ادخر فلم ينتن وروى أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال في بعض الكتب لولا أني كتبت الفساد على الطعام لخزنه الاغنياء عن الفقراء قوله ولولا حواء أي امرأة آدم وهي بالمد قيل سميت بذلك لانها أم كل حي وسيأتي صفة خلقها في الحديث الذي بعده وقوله لم تخن أنثى زوجها فيه إشارة إلى ما وقع من حواء في تزيينها لآدم الاكل من الشجرة حتى وقع في ذلك فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زينته لآدم ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهنها بالولادة ونزع العرق فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة زوجها بالفعل أو بالقول وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش حاشا وكلا ولكن لما مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة وحسنت ذلك لآدم عد ذلك خيانة له وأما من جاء بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها وقريب من هذا حديث جحد آدم فجحدت ذريته وفي الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم بما وقع من أمهن الكبرى وأن ذلك من طبعهن فلا يفرط في لوم من وقع منها شئ من غير قصد إليه أو على سبيل الندور وينبغي لهن أن لا يتمكن بهذا في الاسترسال في هذا النوع بل يضبطن أنفسهن ويجاهدن هواهن والله المستعان الحديث السادس قوله موسى بن حزام بكسر المهملة بعدها زاي خفيفة وهو ترمذي نزل بلخ وثقه النسائي وغيره وكان زاهدا عالما بالسنة وما له في البخاري الا هذا الموضع قوله عن ميسرة هو بن عمارة الاشجعي

[ 262 ]

الكوفي وما له في البخاري سوى هذا الحديث وقد ذكره في النكاح من وجه آخر وله حديث آخر في تفسير آل عمران قوله استوصوا قيل معناه تواصوا بهن والباء للتعدية والاستفعال بمعنى الافعال كالاستجابة بمعنى الاجابة وقال الطيبي السين للطلب وهو للمبالغة أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن أو اطلبوا الوصية من غيركم بهن كمن يعود مريضا فيستحب له أن يحثه على الوصية والوصية بالنساء آكد لضعفهن واحتياجهن إلى من يقوم بأمرهن وقيل معناه أقبلوا وصيتي فيهن واعملوا بها وارفقوا بهن وأحسنوا عشرتهن قلت وهذا أوجه الاوجه في نظري وليس مخالفا لما قال الطيبي قوله خلقت من ضلع بكسر المعجمة وفتح اللام ويجوز تسكينها قيل فيه إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم الايسر وقيل من ضلعه القصير أخرجه بن إسحاق وزاد اليسرى من قبل أن يدخل الجنة وجعل مكانه لحم ومعنى خلقت أي أخرجت كما تخرج النخلة من النواة قال القرطبي يحتمل أن يكون معناه أن المرأة خلقت من مبلغ ضلع فهي كالضلع زاد في رواية الاعرج عن أبي هريرة عند مسلم لن تستقيم لك على طريقة قوله وأن أعوج شئ في الضلع أعلاه قيل فيه إشارة إلى أن أعوج ما في المرأة لسانها وفي استعمال أعوج استعمال لافعل في العيوب وهو شاذ وفائدة هذه المقدمة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فلا ينكر اعوجاجها أو الاشارة إلى أنها لا تقبل التقويم كما أن الضلع لا يقبله قوله فإن ذهبت تقيمه كسرته قيل هو ضرب مثل للطلاق أي أن أردت منها أن تترك اعوجاجها أفضى الامر إلى فراقها ويؤيد قوله في رواية الاعرج عن أبي هريرة عند مسلم وأن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ويستفاد من حديث الباب أن الضلع مذكر خلافا لمن جزم بأنه مؤنث واحتج برواية مسلم ولا حجة فيه لان التأنيث في روايته للمرأة وقيل أن الضلع يذكر ويؤنث وعلى هذا فاللفظان صحيحان الحديث السابع حديث عبد الله وهو بن مسعود يجمع خلق أحدكم في بطن أمه الحديث بتمامه وسيأتي شرحه في كتاب القدر مستوفى إن شاء الله تعالى ومناسبته للترجمة من قوله فيها ذريته فإن فيه بيان خلق ذرية آدم الحديث الثامن حديث أنس في ذلك وسيأتي أيضا هناك الحديث التاسع حديث أنس قوله يرفعه هي لفظة يستعملها المحدثون في موضع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك قوله أن الله تعالى يقول لاهون أهل النار عذابا يقال هو أبو طالب وسيأتي شرحه في أواخر كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى ومناسبته للترجمة من قوله وأنت في صلب آدم فإن فيه إشارة إلى قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الآية الحديث العاشر حديث عبد الله هو بن مسعود لا تقتل نفس ظلما الا كان على بن آدم الاول كفل من دمها وسيأتي شرحه في القصاص وأورده هنا ليلمح بقصة ابني آدم حيث قتل أحدهما الآخر ولم يصح على شرطه شئ من قصتهما وفيما قصه

[ 263 ]

الله علينا في القرآن من ذلك كفاية عن غيره واختلف في اسم القاتل فالمشهور قابيل بوزن المقتول لكن أوله هاء وقيل اسم المقتول قين بلفظ الحداد وقيل قاين بزيادة ألف وذكر السدي في تفسيره عن مشايخه بأسانيده أن سبب قتل قابيل لاخيه هابيل أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن من ولده بانثى الآخر وأن أخت قابيل كانت أحسن من أخت هابيل فأراد قابيل أن يستائر باخته فمنعه آدم فلما ألح عليه أمرهما أن يقربا قربانا فقرب قابيل حزمة من زرع وكان صاحب زرع وقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب مواش فنزلت نار فأكلت قربان هابيل دون قابيل وكان ذلك سبب الشر بينهما وهذا هو المشهور ونقل الثعلبي بسند واه عن جعفر الصادق أنه أنكر أن يكون آدم زوج ابنا له بابنة له وإنما زوج قابيل جنية وزوج هابيل حورية فغضب قابيل فقال يا بني ما فعلته الا بأمر الله فقربا قربانا وهذا لا يثبت عن جابر ولا عن غيره ويلزم منه أن بني آدم من ذرية إبليس لانه أبو الجن كلهم أو من ذرية الحور العين وليس لذلك أصل ولا شاهد قوله باب الارواح جنود مجندة كذا ثبتت هذه الترجمة في معظم الروايات وهي متعلقة بترجمة خلق آدم وذريته للاشارة إلى إنهم ركبوا من الاجسام والارواح قوله وقال الليث وصله المصنف في الادب المفرد عن عبد الله بن صالح عنه قوله الارواح جنود مجندة الخ قال الخطابي يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر والصلاح والفساد وأن الخير من الناس يحن إلى شكله والشرير نظير ذلك يميل إلى نظيره فتعارف الارواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر فإذا اتفقت تعارفت وإذا اختلفت تناكرت ويحتمل أن يراد الاخبار عن بدء الخلق في حال الغيب على ما جاء أن الارواح خلقت قبل الاجسام وكانت تلتقي فتتشاءم فلما حلت بالاجسام تعارفت بالامر الاول فصار تعارفها وتناكرها على ما سبق من العهد المتقدم وقال غيره المراد أن الارواح أول ما خلقت خلقت على قسمين ومعنى تقابلها أن الاجساد التي فيها الارواح إذا التقت في الدنيا ائتلفت أو اختلفت على حسب ما خلقت عليه الارواح في الدنيا إلى غير ذلك بالتعارف قلت ولا يعكر عليه أن بعض المتنافرين ربما ائتلفا لانه محمول على مبدأ التلاقي فإنه يتعلق بأصل الخلقة بغير سبب وأما في ثاني الحال فيكون مكتسبا لتجدد وصف يقتضي الالفة بعد النفرة كإيمان الكافر واحسان المسئ وقوله جنود مجندة أي أجناس مجنسة أو جموع مجمعة قال بن الجوزي ويستفاد من هذا الحديث أن الانسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فينبغي أن يبحث عن المقتضى لذلك ليسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم وكذلك القول في عكسه وقال القرطبي الارواح وأن اتفقت في كونها أرواحا لكنها تتمايز بأمور مختلفة تتنوع بها فتتشاكل أشخاص النوع الواحد وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاص لذلك النوع للمناسبة ولذلك نشاهد أشخاص كل نوع تألف نوعها وتنفر من مخالفها ثم أنا نجد بعض أشخاص النوع الواحد يتآلف وبعضها يتنافر وذلك بحسب الامور التي يحصل الاتفاق والانفراد بسببها قوله وقال يحيى بن أيوب هو المصري حدثني يحيى بن سعيد بهذا يعني مثل الذي قبله وقد وصله الاسماعيلي من طريق سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب به ورويناه موصولا في مسند أبي يعلى وفيه قصة في أوله عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت كانت امرأة مزاحة بمكة فنزلت على امرأة مثلها في المدينة فبلغ ذلك

[ 264 ]

عائشة فقالت صدق حبي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله ورويناه في فوائد أبي بكر بن زنبور من طريق الليث أيضا بسنده الاول بهذه القصة بمعناها قال الاسماعيلي أبو صالح ليس من شر هذا الكتاب ولا يحيى بن أيوب في الاصول وإنما يخرج له البخاري في الاستشهاد فأورد البخاري هذا الحديث من الطريقين بلا إسناد فصار أقوى مما لو ساقه بإسناده وكان سبب ذلك أن الناظر في كتابه ربما اعتقد أن له عنده إسنادا آخر ولا سيما وقد ساقه بصيغة الجزم فيعتقد أنه على شرطه وليس الامر كذلك قلت وللمتن شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم قوله باب قول الله تعالى ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه كذا لابي ذر ويؤيده ما وقع في الترجمة من شرح الكلمات اللاتي من هذه القصة في سورة هود وفي رواية الحفصي واتل عليهم نبأ نوح إلى قوله من المسلمين وللباقين انا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم إلى آخر السورة وقد ذكر بعض هذا الاخير في رواية أبي ذر قبل الاحاديث المرفوعة ونوح هو بن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف بن متوشلخ بفتح الميم وتشديد المثناة المضمومة بعدها واو ساكنة وفتح الشين المعجمة واللام بعدها معجمة بن خنوخ بفتح المعجمة وضم النون الخفيفة بعدها واو ساكنة ثم معجمة وهو إدريس فيما يقال وقد ذكر بن جرير أن مولد نوح كان بد وفاة آدم بمائة وستة وعشرين عاما وأنه بعث وهو بن ثلاثمائة وخمسين وقيل غير ذلك وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين وقيل أن مدة عمره ألف سنة الا خمسين عاما قبل البعثة وبعدها وبعد الغرق فالله أعلم وصحح بن حبان من حديث أبي أمامة أن رجلا قال يا رسول الله أنبي كان آدم قال نعم قال فكم كان بينه وبين نوح قال عشرة قرون قوله قال بن عباس بادي الرأي ما ظهر لنا وصله بن أبي حاتم عن طريق عطاء عنه أي أول النظر قبل التأمل قوله أقلعي أمسكي وفار التنور نبع الماء وصل ذلك بن أبي حاتم أيضا من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قوله وقال عكرمة وجه الارض وصله بن جرير من طريق أبي إسحاق الشيباني عن عكرمة في قوله وفار التنور قال وجه الارض قوله وقال مجاهد الجودي جبل بالجزيرة وصله بن أبي حاتم من طريق بن أبي نجيح عنه وزاد تشامخت الجبال يوم الغرق وتواضع هو لله فلم يغرق وأرسيت عليه سفينة نوح قوله دأب حال وصله الفريابي من طريق مجاهد أيضا ثم ذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث الاول حديث بن عمر في ذكر الدجال وسيأتي شرحه في الفتن والغرض منه قوله فيه ولقد أنذره نوح قومه وخص نوحا بالذكر لانه أول من ذكره وهو أول الرسل المذكورين في قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا الثاني حديث أبي هريرة في المعنى كذلك الثالث حديث أبي سعيد في شهادة أمة محمد صلى الله عليه وسلم لنوح بالتبليغ وسيأتي شرحه في تفسير سورة البقرة ويأتي في تفسير سورة نوح بيان السبب في عبادة قوم نوح الاصنام الرابع حديث أبي هريرة في الشفاعة قوله فيه دعوة بضم أوله

[ 265 ]

الوليمة وقوله فرفعت إليه الذراع أي ذراع الشاة وسيأتي بيان ذلك في الاطعمة قوله فنهس بنون ومهملة أي أخذ منها بأطراف أسنانه ووقع في رواية أبو ذر في المعجمة وهو قريب من المهملة قوله أنا سيد الناس يوم القيامة خصه بالذكر لظهور ذلك له يومئذ حيث تكون الانبياء كلهم تحت لوائه ويبعثه الله المقام المحمود كما سيأتي بيانه في الرقاق مع تتمة شرح الحديث إن شاء الله تعالى والغرض منه هنا قوله فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الارض وسماك الله عبدا شكورا فأما كونه أول الرسل فقد استشكل بأن آدم كان نبيا وبالضرورة تعلم أنه كان على شريعة من العبادة وأن أولاده أخذوا ذلك عنه فعلى هذا فهو رسول إليهم فيكون هو أول رسول فيحتمل أن تكون الاولية في قول أهل الموقف لنوح مقيده بقولهم إلى أهل الارض لانه في زمن آدم لم يكن للارض أهل أو لان رسالة آدم إلى بنيه كانت كالتربية للاولاد ويحتمل أن يكون المراد أنه رسول أرسل إلى بنيه وغيرهم من الامم الذين أرسل إليهم مع تفرقهم في عدة بلاد وآدم إنما أرسل إلى بنيه فقط وكانوا مجتمعين في بلدة واحدة واستشكله بعضهم بادريس ولا يرد لانه اختلف في كونه جد نوح كما تقدم وقد تقدم شئ من هذا في أول كتاب التيمم فيما يتعلق بخصوصية نبينا بعموم البعثة عليه وعلى جميع الانبياء الصلاة والسلام وأما قولهم وسماك الله عبدا شكورا فإشارة إلى قوله تعالى انه كان عبدا شكورا وروى عبد الرزاق بسند مقطوع أن نوحا كان إذا ذهب إلى الغائط قال الحمد لله الذي رزقني لذته وأبقى في قوته وأذهب عني أذاه الخامس حديث بن مسعود في قراءة فهل من مدكر وسيأتي في تفسير اقتربت قوله باب وان إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون إلى وتركنا عليه في الآخرين سقط لفظ باب من رواية أبي ذر وكأن المصنف رجح عنده كون إدريس ليس من أجداد نوح فلهذا ذكره بعده وسأذكر ما في ذلك في الباب الذي يليه والياس بهمزة قطع وهو اسم عبراني وأما قوله تعالى سلام على الياسين فقرأه الاكثر بصورة الاسم المذكور وزيادة ياء ونون في آخره وقرأ أهل المدينة آل ياسين بفصل آل من ياسين وكان بعضهم يتأول أن المراد سلام على آل محمد صلى الله عليه وسلم وهو بعيد ويؤيد الاول أن الله تعالى إنما أخبر في كل موضع ذكر فيه نبيا من الانبياء في هذه السورة بأن السلام عليه فكذلك السلام في هذا الموضع على إلياس المبدأ بذكره وإنما زيدت فيه الياء والنون كما قالوا في إدريس ادراسين والله أعلم قوله قال بن عباس وصله بن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى سلام على الياسين يذكر بخير قوله ويذكر عن بن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس أما قول بن مسعود فوصله عبد بن حميد وابن أبي حاتم بإسناد حسن عنه قال إلياس هو إدريس ويعقوب هو إسرائيل وأما قول بن عباس فوصله جويبير في تفسيره عن الضحاك عنه وإسناده ضعيف ولهذا لم يجزم به البخاري وقد أخذ أبو بكر بن العربي من هذا أن إدريس لم يكن جدا لنوح وإنما هو من بني إسرائيل لان

[ 266 ]

إلياس قد ورد أنه من بني إسرائيل واستدل على ذلك بقوله عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم مرحبا بالنبي الصالح والاخ الصالح ولو كان من أجداد لقال له كما قال له آدم وإبراهيم والابن الصالح وهو استدلال جيد الا أنه قد يجاب عنه بأنه قال ذلك على سبيل التواضع والتلطف فليس ذلك نصا فيما زعم وقد قال بن إسحاق في أول السيرة النبوية لما ساق النسب الكريم فلما بلغ إلى نوح قال بن لمك بن متوشلخ بن خنوخ وهو إدريس النبي فيما يزعمون وأشار بذلك إلى أن هذا القول مأخوذ عن أهل الكتاب واختلف في ضبطه فالاكثر خنوخ بمعجمتين بعد الاولى نون بوزن ثمود وقيل بزيادة ألف في أوله وسكون المعجمة الاولى وقيل غير ذلك لكن بحذف الواو قيل كذلك لكن بدل الخاء الاولى هاء وقيل كالثاني لكن بدل المعجمة مهملة واختلف في لفظ إدريس فقيل هو عربي واشتقاقه من الدراسة وقيل له ذلك لكثرة درسه الصحف وقيل بل هو سرياني وفي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه بن حبان أنه كان سريانيا ولكن لا يمنع ذلك كون لفظ إدريس عربيا إذا ثبت بأن له اسمين قوله باب ذكر إدريس سقط لفظ باب من رواية أبي ذر وزاد في رواية الحفصي وهو جد أبي نوح وقيل جد نوح قلت الاول أولى من الثاني ما تقدم ولعل الثاني أطلق ذلك مجازا لان جد الاب جد ونقل بعضهم الاجماع على أنه جد لنوح وفيه نظر لانه أن ثبت ما قال بن عباس أن إلياس هو إدريس لزم أن يكون إدريس من ذرية نوح لا أن نوحا من ذريته لقوله تعالى في سورة الانعام ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان إلى أن قال وعيسى والياس فدل على أن إلياس من ذرية نوح سواء قلنا أن الضمير في قوله ومن ذريته لنوح أو لابراهيم لان إبراهيم من ذرية نوح فمن كان من ذرية إبراهيم فهو من ذرية نوح لا محالة وذكر بن إسحاق في المبتدأ أن إلياس هو بن نسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخي موسى بن عمران فالله أعلم وذكر وهب في المبتدأ أن إلياس عمر كما عمر الخضر وأنه يبقى إلى آخر الدنيا في قصة طويلة وأخرج الحاكم في المستدرك من حديث أنس أن إلياس اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم وأكلا جميعا وأن طوله ثلاثمائة ذراع وأنه قال أنه لا يأكل في السنة الا مرة واحدة أورده الذهبي في ترجمة يزيد بن يزيد البلوي وقال أنه خبر باطل قوله وقوله تعالى ورفعناه مكانا عليا ثم ساق حديث الاسراء من رواية أبي ذر وقد تقدم شرحه في

[ 267 ]

أوائل الصلاة وكأنه أشار بالترجمة إلى ما وقع فيه أنه وجده في السماء الرابعة وهو مكان علي بغير شك واستشكل بعضهم ذلك بأن غيره من الانبياء أرفع مكانا منه ثم أجاب بأن المراد أنه لم يرفع إلى السماء من هو حي غيره وفيه نظر لان عيسى أيضا قد رفع وهو حي على الصحيح وكون إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية وقد روى الطبري أن كعبا قال لابن عباس في قوله تعالى ورفعناه مكانا عليا أن إدريس سأل صديقا له من الملائكة فحمله بين جناحيه ثم صعد به فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت فقال له أريد أن تعلمني كم بقي من أجل إدريس قال وأين إدريس قال هو معي فقال أن هذا لشئ عجيب أمرت بأن أقبض روحه في السماء الرابعة فقلت كيف ذلك وهو في الارض فقبض روحه فذلك قوله تعالى ورفعناه مكانا عليا وهذه من الاسرائيليات والله أعلم بصحة ذلك وذكر بن قتيبة أن إدريس رفع وهو بن ثلاثمائة وخمسين سنة وفي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه بن حبان أن إدريس كان نبيا رسولا وأنه أول من خط بالقلم وذكر بن إسحاق له أوليات كثيرة منها أنه أول من خاط الثياب تنبيه وقع في أكثر الروايات وقال عبدان وفي روايتنا من طريق أبي ذر حدثنا عبدان وصله أيضا الجوزقي من طريق محمد بن الليث عن عبد الله بن عثمان وهو عبدان به قوله باب قول الله تعالى وإلى عاد أخاهم هودا هو هود بن عبد الله بن رباح بن جاور بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح وسماه أخا لهم لكونه من قبيلتهم لا من جهة إخوة الدين هذا هو الراجح في نسبه وأما بن هشام فقال اسمه عابر بن ارفخشد بن سام بن نوح قوله إذ أنذر قومه بالاحقاف إلى قوله كذلك نجزي القوم المجرمين الاحقاف جمع حقف بكسر المهملة وهو المعوج من الرمل والمراد به هنا مساكن عاد وروى عبد بن حميد من طريق قتادة أنهكانوا ينزلون الرمل بأرض الشحر وما والاها وذكر بن قتيبة أنهم كانوا ثلاثة عشر قبيلة ينزلون الرمل بالدو والدهناء وعالج ووبار وعمان إلى حضرموت وكانت ديارهم أخصب البلاد وأكثرها جنانا فلما سخط الله جل وعلا عليهم جعلها مفاوز قوله في عطاء وسليمان عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى أما رواية عطاء وهو بن ابي رباح فوصلها المؤلف في باب ذكر الريح من بدء الخلق وأوله كان إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر وفي آخره وما أدري لعله كما قال قوم عاد فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم الآية وأما رواية سليمان وهو بن يسار فوصلها المؤلف في تفسير سورة الاحقاف ويأتي بقية الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى قوله وقول الله عزوجل وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر شديدة عاتية قال بن عيينة عتت على الخزان أما تفسير الصرصر بالشديدة فهو قول أبي عبيدة في المجاز وأما تفسير بن عيينة فرويناه في تفسيره رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه عن غير واحد في قوله عاتية قال عتت على الخزان وما خرج منها الا مقدار الخاتم وقد وقع هذا متصلا بحديث بن عباس الذي في هذا الباب عند الطبراني من طريق مسلم الاعور عن مجاهد عن بن عباس وأخرجه بن مردويه من وجه آخر عن مسلم الاعور فبين أن الزيادة مدرجة من مجاهد وجاء نحوها عن علي موقوفا أخرجه بن أبي حاتم من طريقه قال لم ينزل الله شيئا من الريح الا بوزن على يدي ملك الا يوم عاد فإنه أذن لها دون الخزان فعبت على الخزان ومن طريق قبيصة بن ذؤيب أحد كبار التابعين نحوه بإسناد صحيح قوله حسوما متتابعة هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله سخرها

[ 268 ]

عليهم أي أدامها سبع ليال وثمانية أيام حسوما ولا متتابعة وقال الخليل هو من الحسم بمعنى القطع قوله أعجاز نخل خاوية أصولها فهل ترى لهم من باقية بقية هو تفسير أبي عبيدة أيضا قال قوله خاوية أي أصولها وهي على رأي من أنث النخل وشبههم باعجاز النخل إشارة إلى عظم أجسامهم قال وهب بن منبه كان رأس أحدهم مثل القبة وقيل كان طوله اثني عشرة ذراعا وقيل كان أكثر من عشرة وروى بن الكلبي قال كان طول أقصرهم ستين ذراعا وأطولهم مائة والكلبي بألف وفي قوله فهل ترى لهم من باقية أي من بقية وفي التفسير أن الريح كانت تحمل الرجل فترفعه في الهواء ثم تلقيه فتشدخ رأسه فيبقى جثة بلا رأس فذلك قوله كأنهم أعجاز نخل خاوية وأعجاز النخل هي التي لا رؤوس لها ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث بن عباس وفيه وأهلكت عاد بالدبور وورد في صفة اهلاكهم بالريح ما أخرجه بن أبي حاتم من حديث بن عمر والطبراني من حديث بن عباس رفعاه ما فتح الله على عاد من الريح الا موضع الخاتم فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم بين السماء والارض فرآهم الحاضرة فقالوا هذا عارض ممطرنا فألقتهم عليهم فهلكوا جميعا ثانيها حديث أبي سعيد الخدري في ذكر الخوارج قوله وقال بن كثير عن سفيان كذا وقع هنا وأورده في تفسير براءة قائلا حدثنا محمد بن كثير فوصله لكنه لم يسقه بتمامه وإنما اقتصر على طرف من أوله وسيأتي الكلام عليه مستوفى في المغازي إن شاء الله تعالى والغرض منه هنا قوله لئن أنا أدركتهم لاقتلنهم قتل عاد أي قتلا فلا يبقي منهم أحدا إشارة إلى قوله تعالى فهل ترى لهم من باقية ولم يرد أنه يقتلهم بالآلة التي قتلت بها عاد بعينها ويحتمل أن يكون من الاضافة إلى الفاعل ويراد به القتل الشديد القوي إشارة إلى إنهم موصوفون بالشدة والقوة ويؤيده أنه وقع في طريق أخرى قتل ثمود ثالثها حديث عبد الله سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فهل من مدكر وسيأتي في التفسير إن شاء الله تعالى قوله باب قول الله تعالى وإلى ثمود أخاهم صالحا وقوله كذب أصحاب الحجر هو صالح بن عبيد بن أسيف بن ماشخ بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عامر بن إرم بن سام بن نوح وكانت منازلهم بالحجر وهو بين تبوك والحجاز قوله الحجر موضع ثمود وأما حرث حجر حرام هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى وقالوا هذه أنعام وحرث حجر أي حرام قوله وكل ممنوع فهو حجر ومنه حجرا محجورا قال أبو عبيدة في قوله تعالى ويقولون حجرا محجورا أي حراما محرما قوله والحجر كل بناء بنيته وما حجرت عليه من الارض فهو حجر ومنه سمي حطيم البيت حجرا قال أبو عبيدة ومن الحرام سمي حجر الكعبة وقال غيره سمي حطاما لانه أخرج من البيت وترك هو محطوما وقيل الحطيم ما بين الركن والباب سمي حطيما لازدحام الناس فيه قوله كأنه مشتق من محطوم أي الحطيم مثل قتيل من مقتول وهذا على رأي الاكثر وقيل سمي حطيما لان العرب كانت تطرح فيه ثيابها التي تطوف فيها وتتركها حتى تتحطم وتفسد بطول الزمان وسيأتي هذا فيما بعد عن بن عباس فعلى هذا هو فعيل بمعنى فاعل وقيل سمي حطيما لانه كان من جملة

[ 269 ]

الكعبة فأخرج عنها وكأنه كسر منها فيصح لهم فعيل بمعنى مفعول وقوله مشتق ليس هو محمولا على الاشتقاق الذي حدث اصطلاحه قوله ويقال للانثى من الخيل حجر ويقال للعقل حجر وحجى هو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى لذي حجر أي عقل قال ويقال للانثى من الخيل حجر قوله وأما حجر اليمامة فهو المنزل ذكره استطرادا وإلا فهذا بفتح أوله هي قصبة اليمامة البلد المشهور بين الحجاز واليمن ثم ذكر المصنف في الباب حديث عبد الله بن زمعة في ذكر عاقر الناقة قوله ومنعة بفتح الميم والنون والمهملة قوله في قومه كذا للاكثر وللكشميهني والسرخسي في قوة قوله كأبي زمعة هو الاسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى وسيأتي بيان ذلك في التفسير حيث ساقه المصنف مطولا وليس لعبد الله بن زمعة في البخاري غير هذا الحديث وهو يشتمل على ثلاثة أحاديث وقد فرقها في النكاح وغيره وعاقر الناقة اسمه قدار بن سالف قيل كان أحمر أزرق أصهب وذكر بن إسحاق في المبتدأ وغير واحد أن سبب عقرهم الناقة أنهم كانوا اقترحوها على صالح عليه السلام فأجابهم إلى ذلك بعد أن تقنتوا في وصفها فأخرج الله له ناقة من صخرة بالصفة المطلوبة فآمن بعض وكفر بعض واتفقوا على أن يتركوا الناقة ترعى حيث شاءت وترد الماء يوما بعد يوم وكانت إذا وردت تشرب ماء البئر كله وكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم للغد ثم ضاق بهم الامر في ذلك فانتدب تسعة رهطمنهم قدار المذكور فباشر عقرها فلما بلغ ذلك صالحا عليه السلام أعلمهم بأن العذاب سيقع بهم بعد ثلاثة أيام فوقع كذلك كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه وأخرج أحمد وابن أبي حاتم من حديث جابر رفعه أن الناقة كانت ترد يومها فتشرب جميع الماء ويحتلبون منها مثل الذي كانت تشرب وفي سنده إسماعيل بن عياش وفي روايته عن غير الشاميين ضعف وهذا منها ثم ذكر المصنف حديث بن عمر في بئر ثمود قوله حدثنا سليمان هو بن بلال قوله فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء بين في رواية نافع عقب هذا عن بن عمر أنه أمرهم أن يهريقوا ما استقوا من بيارها وأن يعلفوا الابل العجين قوله ويروى عن سبرة بن معبد وأبي الشموس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإلقاء الطعام أما حديث سبرة بن معبد فوصله أحمد والطبراني من طريق عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد عن أبيه عن جده سبرة وهو بفتح المهملة وسكون الموحدة الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه عليه وسلم لاصحابه حين راح من الحجر من كان عجن منكم من هذا الماء عجينه أو حاس به حيسا فليلقه وليس لسبرة بن معبد في البخاري الا هذا الموضع وقد أغفله المزي في الاطراف كالذي بعده وأما حديث أبي الشموس وهو بمعجمة ثم مهملة وهو بكري لا يعرف اسمه فوصل حديثه البخاري في الادب المفرد والطبراني وابن منده من طريق سليم بن مطير عن أبيه عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فذكر الحديث وفيه فألقى ذو العجين عجينه وذو الحيس حيسه ورواه بن أبي عاصم من هذا الوجه وزاد فقلت يا رسول الله قد حسيت حيسة أفألقمها راحلتي قال نعم قوله وقال أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم من اعتجن بمائه وصله البزار من طريق عبد الله بن قدامة عنه إنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأتوا على واد فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم إنكم بواد ملعون فأسرعوا وقال من اعتجن عجينه أو طبخ فدرا فليكبها الحديث وقال لا أعلمه إلا بهذا الاسناد قوله في آخر حديث نافع وأمرهم

[ 270 ]

أن يستقوا من البئر التي كان تردها الناقة في رواية الكشميهني التي كانت تردها الناقة وتضمنت هذه الرواية زيادة على الروايات الماضية وسئل شيخنا الامام البلقيني من أين علمت تلك البئر فقال بالتواتر إذ لا يشترط فيه الاسلام انتهى والذي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم علمها بالوحي ويحمل كلام الشيخ على من سيجئ بعد ذلك وفي الحديث كراهة الاستقاء من بيار ثمود ويلتحق بها نظائرها من الآبار والعيون التي كانت لمن هلك بتعذيب الله تعالى على كفره واختلف في الكراهة المذكورة هل هي للتنزيه أو للتحريم وعلة التحريم هل يمتنع صحة التطهر من ذلك الماء أم لا وقد تقدم كثير من مباحث هذا الحديث في باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب من أوائل الصلاة قوله تابعه أسامة يعني بن زيد الليثي عن نافع أي عن بن عمر روينا هذه الطريق موصولة في حديث حرملة عن بن وهب قال أخبرنا أسامة بن زيد فذكر مثل حديث عبيد الله وهو بن عمر العمري وفي آخره وأمرهم أن ينزلوا على بئر ناقة صالح ويستقوا منها قوله حدثنا محمد هو بن مقاتل و عبد الله هو بن المبارك قوله لا تدخلوا مساكن الذي ظلموا زاد في رواية الكشميهني أنفسهم وهذا يتناول مساكن ثمود وغيرهم ممن هو كصفتهم وأن كان السبب ورد فيهم قوله في الرواية الاخرى حدثنا وهب هو بن جرير بحازم ويونس هو بن يزيد الايلي قوله الا أن تكونوا باكين كذا للجميع لكن زعم بن التين أنه وقع في رواية القابسي الا أن تكونوا باكين بتحتانيتين قال وليس بصحيح لان الياء الاولى مكسورة في الاصل فاستثقلت الكسرة وحذفت إحدى الياءين لالتقاء الساكنين قوله أن يصيبكم ما أصابهم أي كراهية أو خشية أن يصيبكم والتقدير عند الكوفيين لئلا يصيبكم ويؤيد الاول أنه وقع في رواية لاحمد الا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم وروى أحمد والحاكم بإسناد حسن عن جابر قال لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح وكانت الناقة ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم وكانت تشرب يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم الا رجلا واحدا كان في حرم الله وهو أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال أبو رغال هو الجد الاعلى لثقيف وهو بكسر الراء وتخفيف الغين المعجمة تنبيه وقع هذا الباب في أكثر نسخ البخاري متأخرا عن هذا الموضع بعدة أبواب والصواب إثباته هنا وهذا مما يؤيد ما حكاه أبو الوليد الباجي عن أبي ذر الهروي أن نسخة الاصل من البخاري كانت ورقا غير محبوك فربما وجدت الورقة في غير موضعها فنسخت على ما وجدت فوقع في بعض التراجم اشكال بحسب ذلك وإلا فقد وقع في القرآن ما يدل على أن ثمود كانوا بعد عاد كما كان عاد بعد قوم نوح قوله باب قول الله تعالى ويسألونك عن ذي القرنين إلى قوله سببا كذا لابي ذر وساق غيره الآية ثم اتفقوا إلى قوله تعالى آتوني زبر الحديد وفي إيراد المصنف ترجمة ذي القرنين قبل إبراهيم إشارة إلى توهين قول من زعم أنه الاسكندر اليوناني لان الاسكندر كان قريبا من زمن عيسى عليه السلام وبين زمن إبراهيم وعيسى أكثر من ألفي سنة والذي يظهر أن الاسكندر المتأخر لقب بذي القرنين تشبيها بالمتقدم لسعة ملكه وغلبته على البلاد الكثيرة أو لانه لما غلب على الفرس وقتل ملكهم انتظم

[ 271 ]

له ملك المملكتين الواسعتين الروم والفرس فلقب ذا القرنين لذلك والحق أن الذي قص الله نبأه في القرآن هو المتقدم والفرق بينهما من أوجه أحدها ما ذكرته والذي يدل على تقدم ذي القرنين ما روى الفاكهي من طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين أن ذا القرنين حج ماشيا فسمع به إبراهيم فتلقاه ومن طريق عطاء عن بن عباس أن ذا القرنين دخل المسجد الحرام فسلم على إبراهيم وصافحه ويقال أنه أول من صافح ومن طريق عثمان بن ساج أن ذا القرنين سأل إبراهيم أن يدعو له فقال وكيف وقد أفسدتم بئري فقال لم يكن ذلك عن أمري يعني أن بعض الجند فعل ذلك بغير علمه وذكر بن هشام في التيجان أن إبراهيم تحاكم إلى ذي القرنين في شئ فحكم له وروى بن أبي حاتم من طريق على بن أحمد أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان الكعبة فاستفهم هما عن ذلك فقالا نحن عبدان مأموران فقال من يشهد لكما فقامت خمسة أكبش فشهدت فقال قد صدقتم قال وأظن الاكبش المذكورة حجارة ويحتمل أن تكون غنما فهذه الآثار يشد بعضها بعضا ويدل على قدم عهد ذي القرنين ثاني الاوجه قال الفخر الرازي في تفسيره كان ذو القرنين نبيا وكان الاسكندر كافرا وكان معلمه ارسطا طاليس وكان يأتمر بأمره وهو من الكفار بلا شك وسأذكر ما جاء في أنه كان نبيا أم لا ثالثها كان ذو القرنين من العرب كما سنذكر بعد وأما الاسكندر فهو من اليونان والعرب كلها من ولد سام بن نوح بالاتفاق وأن وقع الاختلاف هل هم كلهم من بني إسماعيل أو لاواليونان من ولد يافث بن نوح على الراجح فافترقا وشبهة من قال أن ذا القرنين هو الاسكندر ما أخرجه الطبري ومحمد بن ربيع الجيزي في كتاب الصحابة الذين نزلوا مصبإسناد فيه بن لهيعة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين فقال كان من الروم فأعطى ملكا فصار إلى مصر وبنى الاسكندرية فلما فرغ أتاه ملك فعرج به فقال انظر ما تحتك قال أرى مدينة واحدة قال تلك الارض كلها وإنما أراد الله أن يريك وقد جعل لك في الارض سلطانا فسر فيها وعلم الجاهل وثبت العالم وهذا لو صح لرفع النزاع ولكنه ضعيف والله أعلم وقد اختلف في ذي القرنين فقيل كان نبيا كما تقدم وهذا مروي أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعليه ظاهر القرآن وأخرج الحاكم من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا أدري ذو القرنين كان نبيا أو لا وذكر وهب في المبتدأ أنه كان عبدا صالحا وأن الله بعثه إلى أربعة أمم أمتين بينهما طول الارض وأمتين بينهما عرض الارض وهي ناسك ومنسك وتاويل وهاويل فذكر قصة طويلة حكاها الثعلبي في تفسيره وقال الزبير في أوائل كتاب النسب حدثنا إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عن هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل سمعت بن الكوا يقول لعلي بن أبي طالب أخبرني ما كان ذو القرنين قال كان رجلا أحب الله فأحبه بعثة الله إلى قومه فضربوه على قرنه ضربة مات منها ثم بعثه الله إليهم فضربوه على قرنه ضربة مات منها ثم بعثه الله فسمى ذو القرنين و عبد العزيز ضعيف ولكن توبة على أبي الطفيل أخرجه سفيان بن عيينة في جامعه عن بن أبي حسين عن أبي الطفيل نحوه وزاد وناصح الله فناصحه وفيه لم يكن نبيا ولا ملكا وسنده صحيح سمعناه في الاحاديث المختارة للحافظ الضياء وفيه اشكال لان قوله ولم يكن نبيا مغاير لقوله بعثه الله إلى قومه الا أن يحمل البعث على غير رسالة النبوة وقيل كان ملكا من الملائكة حكاه الثعلبي

[ 272 ]

وهذا مروي عن عمر أنه سمع رجلا يقول يا ذا القرنين فقال تسمية بأسماء الملائكة وحكى الجاحظ في الحيوان أن أمه كانت من بنات آدم وأن أباه كان من الملائكة قال واسم أبيه فيرى واسم أمه غيرى وقيل كان من الملوك وعليه الاكثر وقد تقدم من حديث على ما يومئ إلى ذلك وسيأتي في ترجمة موسى في الكلام على أخبار الخضر واختلف في سبب تسميته ذا القرنين فتقدم قول علي وقيل لانه بلغ المشرق والمغرب أخرجه الزبير بن بكار من طريق سليمان بن أسيد عن بن شهاب قال إنما سمي ذا القرنين لانه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مطلعها وقيل لانه ملكهما وقيل رأى في منامه أنه أخذ بقرني الشمس وقيل كان له قرنان حقيقة وهذا أنكره علي في رواية القاسم بن أبي بزة وقيل لانه كان له ضفيرتان تواريهما ثيابه وقيل لانه كانت له غديرتان طويلتان من شعره حتى كان يطأ عليهما وتسمية الضفيرة من الشعر قرنا معروف ومنه قول أم عطية وضفرنا شعرها ثلاثة قرون ومنه قول جميل فلثمت فاها آخذا بقرونها وقيل كانت صفحتا رأسه من نحاس وقيل لتاجه قرنان وقيل كان في رأسه شبة القرنين وقيل لانه دخل النور والظلمة وقيل لانه عمر حتى فني في زمنه قرنان من الناس وقيل لان قرني الشيطان عند مطلع الشمس وقد بلغه وقيل لانه كان كريم الطرفين أمه وأبوه من بيت شرف وقيل لانه كان إذا قاتل قاتل بيديه وركابيه جميعا وقيل لانه أعطي علم الظاهر والباطن وقيل لانه ملك فارس والروم وقد اختلف في اسمه فروى بن مردويه من حديث بن عباس وأخرجه الزبير في كتاب النسب عن إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس قال ذو القرنين عبد الله بن الضحاك بن معد بن عدنان وإسناده ضعيف جدا لضعف عبد العزيز وشيخه وهو مباين لمتقدم أنه كان في زمن إبراهيم فكيف يكون من ذريته لا سيما على قول من قال كان بين عدنان وإبراهيم أربعون أبا أو أكثر وقيل اسمه الصعب وبه جزم كعب الاحبار وذكره بن هشام في التيجان عن بن عباس أيضا وقال أبو جعفر بن حبيب في كتاب المحبر هو المنذر بن أبي القيس أحد ملوك الحيرة وأمه ماء السماء ماوية بنت عوف بن جشم قال وقيل اسمه الصعب بن قرن بن همال من ملوك حمير وقال الطبري هو اسكندروس بن فيلبوس وقيل فيلبس وبالثاني جزم المسعودي وقيل اسمه الهميسع ذكره الهمداني في كتب النسب قال وكنيته أبو الصعب وهو بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ وقيل بن عبد الله بن قريب بن منصور بن عبد الله بن الازد وقيل بإسقاط عبد الله الاول وأما قول بن إسحاق الذي حكاه بن هشام عنه أن اسم ذي القرنين مرزبان بن مردية بدال مهملة وقيل بزاي فقد صرح بأنه الاسكندر ولذلك اشتهر على الالسنة لشهرة السيرة لابن إسحاق قال السهيلي والظاهر من علم الاخبار أنهما اثنان أحدهما كان على عهد إبراهيم ويقال أن إبراهيم تحاكم إليه في بئر السبع بالشام فقضى لابراهيم والآخر كان قريبا من عهد عيسى قلت لكن الاشبه أن المذكور في القرآن هو الاول بدليل ما ذكر في ترجمة الخضر حيث جرى ذكره في قصة موسى قريبا أنه كان على مقدمة ذي القرنين وقد ثبتت قصة الخضر مع موسى وموسى كان قبل زمن عيسى قطعا وتأتي بقية أخبار الخضر هناك إن شاء الله تعالى فهذا على طريقة من يقول أنه الاسكندر وحكم السهيلي أنه قيل أنه رجل من ولد يونان بن يافث اسمه هرمس ويقال هرديس

[ 273 ]

وحكى القرطبي المفسر تبعا للسهيلي أنه قيل أنه أفريدون وهو الملك القديم للفرس الذي قتل الضحاك الجبار الذي يقول فيه الشاعر فكأنه الضحاك في فتكاته بالعالمين وأنت أفريدون وللضحاك قصص طويلة ذكرها الطبري وغيره والذي يقوي أن ذا القرنين من العرب كثرة ما ذكروه في أشعارهم قال أعشى بن ثعلبة والصعب ذو القرنين أمسى ثاويا بالحنو في جدث هناك مقيم والحنو بكسر المهملة وسكون النون في ناحية المشرق وقال الربيع بن ضبيع والصعب ذو القرنين عمر ملكه ألفين أمسى بعد ذاك رميما وقال قس بن ساعدة والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا باللحد بين ملاعب الارياح وقال تبع الحميري قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ملكا تدين له الملوك وتحشد من بعده بلقيس كانت عمتي ملكتهم حتى أتاها الهدهد وقال بعض الحارثين يفتخر بكون ذي القرنين من اليمن يخاطب قوما من مضر سموا لنا واحدا منكم فنعرفه في الجاهلية لاسم الملك محتملا كالتبعين وذي القرنين يقبله أهل الحجى وأحق القول ما قبلا وقال النعمان بن بشير الانصاري الصحابي بن الصحابي ومن ذا يعادينا من الناس معشر كرام وذو القرنين منا وحاتم انتهى ويؤخذ من أكثر هذه الشواهد أن الراجح في اسمه الصعب ووقع ذكر ذي القرنين أيضا في شعر امرئ القيس وأوس بن حجر وطرفة بن العبد وغيرهم وأخرج الزبير بن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن الضحاك بن عثمان عن أبيه عن سفيان الثوري قال بلغني أنه ملك الدنيا كلها أربعة مؤمنان وكافران سليمان النبي عليه السلام وذو القرنين ونمرود وبختنصر ورواه وكيع في تفسيره عن العلاء بن عبد الكريم سمعت مجاهدا يقول ملك الارض أربعة فسماهم قوله سببا طريقا هو قول أبي عبيدة في المجاز وروى بن أبي شيبة من حديث علي مرفوعا أنه قيل له كيف بلغ ذو القرنين المشرق والمغرب قال سخر له السحاب وبسط له النور وبدت له الاسباب قوله زبر الحديد وأحدها زبرة وهي القطع هو قول أبي عبيدة أيضا قال زبر الحديد أي قطع الحديد وأحدها زبرة قوله حتى إذا ساوى بين الصدفين يقال عن بن عباس الجبلين وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله بين الصدفين قال بين الجبلين وقال أبو عبيدة قوله بين الصدفين أي ما بين الناحيتين من الجبلين قوله والسدين الجبلين روى بن أبي حاتم من حديث عقبة بن عامر مرفوعا في قصة ذي القرنين وأنه سار حتى بلغ مطلع الشمس ثم أتى السدين وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شئ فبنى السدين وفي إسناده ضعف والسدين بالفتح والضم بمعنى قاله الكسائي وقال أبو عمرو بن العلاء ما كان من صنع الله فبالضم وما كان من صنع الآدمي فبالفتح وقيل بالفتح ما رأيته وبالضم ما توارى عنك قوله خرجا أجرا روى بن أبي حاتم من طريق بن

[ 274 ]

جريج عن عطاء عن بن عباس قال خرجا قال أجرا عظيم قوله أتوني أفرغ عليه قطرا أصب عليه رصاصا ويقال الحديد ويقال الصفر وقال بن عباس النحاس أما القول الاول والثاني فحكاهما أبو عبيدة قال في قوله أفرغ عليه قطرا أي أصب عليه حديدا ذائبا وجعله قوم الرصاص انتهى والرصاص بفتح الراء وبكسرها أيضا وأما الثالث فرواه بن أبي حاتم من طريق الضحاك قال أفرغ عليه قطرا قال صفرا وأما قول بن عباس فوصله بن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى عكرمة عن بن عباس قال أفرغ عليه قطرا قال النحاس ومن طريق السدي قال القطر النحاس المذاب وبناه لهم بالحديد والنحاس ومن طريق وهب بن منبه قال شرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل له عرقا من نحاس أصفر فصار كأنه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد قوله فما اسطاعوا أن يظهروه يعلوه هو قول أبي عبيدة قال فما اسطاعوا أن يظهروه أي أن يعلوه تقول ظهرت فوق الجبل أي علوته قوله اسطاع استفعل من طعت له فلذلك فتح أسطاع يسطيع وقال بعضهم استطاع يستطيع يعني بفتح الهمزة من أسطاع وضم الياء من يسطيع قوله جعله دكاء ألزقه بالارض ويقال ناقة دكاء لا سنام لها والدكداك من الارض مثله حتى صلب وتلبد قال أبو عبيدة جعله دكاء أي تركه مدكوكا أي ألزقه بالارض ويقال ناقة دكاء أي لا سنام لها مستوية الظهر والعرب تصف الفاعل والمفعول بمصدرهما فمن ذلك جعله دكا أي مدكوكا قوله وقال قتادة حدب أكمة قال عبد الرزاق في التفسير عن معمر عن قتادة في قوله حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون قال من كل أكمة ويأجوج ومأجوج قبيلتان من ولد يافث بن نوح روى بن مردويه والحاكم من حديث حذيفة مرفوعا يأجوج أمة ومأجوج أمة كل أمة أربعمائة ألف رجل لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه كلهم قد حمل السلاح لا يمرون على شئ إذا خرجوا الا أكلوه ويأكلون من مات منهم وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى وقد أشار النووي وغيره إلى حكاية من زعم أن آدم نام فاحتلم فاختلط منيه بتراب فتولد منه ولد يأجوج ومأجوج من نسله وهو قول منكر جدا لا أصل له الا عن بعض أهل الكتاب وذكر بن هشام في التيجان أن أمة منهم آمنوا بالله فتركهم ذو القرنين لما بنى السد بأرمينية فسموا الترك لذلك قوله وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم رأيت السد مثل البرد المحبر قال رأيته وصله بن أبي عمر من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن رجل من أهل المدينة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال كيف رأيته قال مثل البرد المحبر طريقة حمراء وطريقة سوداء قال قد رأيته ورواه الطبراني من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن رجلين عن أبي بكرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال فذكر نحوه وزاد فيه زيادة منكرة وهي والذي نفسي بيده لقد رأيته ليلة أسري بي لبنة من ذهب ولبنة من فضة وأخرجه البزار من طريق يوسف بن أبي مريم الحنفي عن أبي بكرة ورجل رأى السد فساقه مطولا ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث موصولة أحدها حديث زينب بنت جحش في ذكر ردم يأجوج ومأجوج وسيأتي شرحه مستوفى في آخر

[ 275 ]

كتاب الفتن ثانيها حديث أبي هريرة نحوه باختصار ويأتي هناك أيضا ثالثها حديث أبي سعيد في بعث النار وسيأتي شرحه في أواخر الرقاق والغرض منه هنا ذكر يأجوج وماجوج والاشارة إلى كثرتهم وأن هذه الامة بالنسبة إليهم نحو عشر عشر العشر وأنهم من ذرية آدم ردا على من قال خلاف ذلك قوله باب قول الله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا وقوله أن إبراهيم كان أمة قانتا لله وقوله ان إبراهيم لاواه حليم وكأنه أشار بهذه الآيات إلى ثناء الله تعالى على إبراهيم عيه السلام وإبراهيم بالسريانية معناه أب راحم والخليل فعيل بمعنى فاعل وهو من الخلة بالضم وهي الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله وهذا صحيح بالنسبة إلى ما في قلب إبراهيم من حب الله تعالى وأما إطلاقه في حق الله تعالى فعلى سبيل المقابلة وقيل الخلة أصلها الاستصفاء وسمي بذلك لانه يوالى ويعادي في الله تعالى وخلة الله له نصره وجعله إماما وقيل هو مشتق من الخلة بفتح المعجمة وهي الحاجة سمي بذلك لانقطاعه إلى ربه وقصره حاجته عليه وسيأتي تفسير الآية في تفسير النحل إن شاء الله تعالى وإبراهيم هو بن آزر واسمه تارح بمثناة وراء مفتوحة وآخره حاء مهملة بن ناحور بنون ومهملة مضمومة بن شاروخ بمعجمة وراء مضمومة وآخره خاء معجمة بن راغوء بغين نعجمة بن فالخ بفاء ولام مفتوحة بعدها معجمة بن عبير ويقال عابر وهو بمهملة وموحدة بن شالخ بمعجمتين بن أرفخشذ بن سام بن نوح لا يختلف جمهور أهل النسب ولا أهل الكتاب في ذلك الا في النطق ببعض هذه الاسماء نعم ساق بن حبان في أول تاريخه خلاف ذلك وهو شاذ قوله وقال أبو ميسرة الرحيم بلسان الحبشة يعني الاواه وهذا الاثر وصله وكيع فتفسيره من طريق أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال الاواه الرحيم بلسان الحبشة وروى بن أبي حاتم من طريق بن مسعود بإسناد حسن قال الاواه الرحيم ولم يقل بلسان الحبشة ومن طريق عبد الله بن شداد أحد كبار التابعين قال قال رجل يا رسول الله الاواه قال الخاشع المتضرع في الدعاء ومن طريق بن عباس قال الاواه الموقن ومن طريق مجاهد قال الاواه الحفيظ الرجل يذنب الذنب سرا ثم يتوب منه سرا ومن وجه آخر عن مجاهد قال الاواه المنيب الفقيه الموفق ومن طريق الشعبي قال الاواه المسبح ومن طريق كعب الاحبار في قوله أواه قال كان إذا ذكر النار قال أواه من عذاب الله ومن طريق أبي ذر قال كان رجل يطوف بالبيت ويقول في دعائه أوه أوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لاواه رجاله ثقات الا أن فيه رجلا مبهما وذكر أبو عبيدة أنه فعال من التأوه ومعناه متضرع شفقا ولزوما لطاعة ربه ثم ذكر المصنف في الباب عشرين حديثا أحدها حديث بن عباس في صفة الحشر والمقصود منه الله تعالى قوله وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام وروى البيهقي في الاسماء من وجه آخر عن بن عباس مرفوعا أول من يكسى إبراهيم حلة من الجنة ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش ويؤتى بي فأكسى حلة لا يقوم لها البشر ويقال أن الحكمة في خصوصية إبراهيم بذلك لكونه ألقي في النار عريانا وقيل لانه أول من لبس السراويل ولا يلزم

[ 276 ]

من خصوصيته عليه السلام بذلك تفضيله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لان المفضول قد يمتاز بشئ يخص به ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة ويمكن أن يقال لا يدخل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك على القول بأن المتكلم لايدخل في عموم خطابه وسيأتي مزيد لهذا في أواخر الرقاق وقد ثبت لابراهيم عليه السلام أوليات أخرى كثيرة منها أول من ضاف الضيف وقص الشارب واختتن ورأى الشيب وغير ذلك وقد أتيت على ذلك بأدلة في كتابي إقامة الدلائل على معرفة الاوائل وسيأتي شرح حديث الباب مستوفى في أواخر الرقاق إن شاء الله تعالى ثانيها حديث أبي هريرة يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وسيأتي شرحه في تفسير الشعراء إن شاء الله تعالى ثالثا حديث بن عباس في رؤية الصور في البيت أخرجه من وجهين وقد مضى أيضا في الحج ويأتي شرحه فيما يتعلق بالازلام في تفسير سورة المائدة إن شاء الله تعالى رابعها حديث أبي هريرة قيل يا رسول الله من أكرم الناس وسيأتي شرحه في قصة يعقوب قوله وقال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة يعني أنهما خالفا يحيى القطان في الاسناد فلم يقولا فيه عن سعيد عن أبيه ورواية أبي أسامة وصلها المصنف في قصة يوسف ورواية معتمر وصلها المؤلف في قصة يعقوب خامسها حديث سمرة في المنام الطويل الذي تقدم مع بعض شرحه في آخر الجنائز ذكر منه هنا طرفا وهو قوله فأتينا على رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا وأنه إبراهيم عليه السلام وسيأتي شرحه مستوفى إن شاء الله تعالى في كتاب التعبير سادسها حديث بن عباس وقد سبق في الحج ويأتي شرحه في ذكر الدجال وغيره والغرض منه قوله أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم وأشار بذلك إلى نفسه فإنه كان أشبه الناس بإبراهيم عليه السلام سابعها حديث أبي هريرة اختتن إبراهيم وهو بن ثمانين سنة بالقدوم رويناه بالتشديد عن الاصيلي والقابسي ووقع في رواية غيرهما بالتخفيف قال النووي لم يختلف الرواة عند مسلم في التخفيف وأنكر يعقوب بن شيبة التشديد أصلا واختلف في المراد به فقيل هو اسم مكان وقيل اسم آله النجار فعلى الثاني هو بالتخفيف لا غير وعلى الاول ففيه اللغتان هذا قول الاكثر وعكسه الداودي وقد أنكر بن السكيت التشديد في الآلة ثم اختلف فقيل هي قرية بالشام وقيل

[ 277 ]

ثنية بالسراة والراجح أن المراد في الحديث الآلة فقد روى أبو يعلى من طريق علي بن رباح قال أمر إبراهيم بالختان فاختتن بقدوم فاشتد عليه فأوحى الله إليه أن عجلت قبل أن نأمرك بآلته فقال يا رب كرهت أن أؤخر أمرك قوله حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد وقال بالقدوم مخففة يعني أنه روى الحديث المذكور بالاسناد المذكور أولا وصرح بتخفيف الدال وهذا يؤيد رواية الاصيلي والقابسي تنبيه وقع في بعض النسخ تقديم رواية أبي اليمان بعد رواية قتيبة والذي هنا هو المعتمد قوله تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد وتابعه عجلان عن أبيه عن أبي هريرة ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أما متابعة عبد الرحمن بن إسحاق فوصلها مسدد في مسنده عن بشر بن المفضل عنه ولفظه اختتن إبراهيم بعد ما مرت به ثمانون واختتن بالقدوم وأما متابعة عجلان فوصلها أحمد عن يحيى القطان عن بن عجلان مثل رواية قتيبة وأما رواية محمد بن عمرو فوصلها أبو يعلى في مسنده من هذا الوجه ولفظه اختتن إبراهيم على رأس ثمانين سنة واختتن بالقدوم فاتفقت هذه الروايات على أنه كان بن ثمانين سنة عند اختتانه ووقع في الموطأ موقوفا عن أبي هريرة وعند بن حبان مرفوعا أن إبراهيم اختتن وهو بن مائة وعشرين سنة والظاهر أنه سقط من المتن شئ فإن هذا القدر هو مقدار عمره ووقع في آخر كتاب العقيقة لابي الشيخ من طريق الاوزاعي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب موصولا مرفوعا مثله وزاد وعاش بعد ذلك ثمانين سنة فعلى هذا يكون عاش مائتي سنة والله أعلم وجمع بعضهم بأن الاول حسب من مبدأ نبوته والثاني من مبدأ مولده الحديث الثامن -) قوله حدثنا سعيد بن تليد بفتح المثناة وكسر اللام وبعد التحتانية الساكنة مهملة الرعيني بمهملتين ونون مصغر مصري مشهور وأيوب هو السختياني ومحمد هو بن سيرين وقد أورده المصنف من وجهين عن أيوب وساقه على لفظ حماد بن زيد عن أيوب ولم يقع التصريح برفعه في روايته وقد رواه في النكاح عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد فصرح برفعه لكن لم يسق لفظه ولم يقع رفعه هنا في رواية النسفي ولا كريمة وهو المعتمد في رواية حمادبن زيد وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر غير مرفوع والحديث في الاصل مرفوع كما في رواية جرير بن حازم وكما في رواية هشام بن حسان عن بن سيرين عند النسائي والبزار وابن حبان وكذا تقدم في البيوع من رواية الاعرج عن أبي هريرة مرفوعا ولكن بن سيرين كان غالبا لا يصرح برفع كثير من حديثه قوله لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام الا ثلاث كذبات قال أبو البقاء الجيد أن يقال بفتح الذال في الجمع لانه جمع كذبة بسكون الذال وهو اسم لا صفة لانك تقول كذب كذبة كما تقول ركع ركعة ولو كاصفة لكن في الجمع وقد أورد على هذا الحصر ما رواه مسلم من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة في حديث الشفاعة الطويل فقال في قصة إبراهيم وذكر كذباته ثم ساقه من طريق أخرى من هذا الوجه وقال في آخره وزاد في قصة إبراهيم وذكر قوله في الكوكب هذربي وقوله لآلهتهم بل فعله كبيرهم هذا وقوله اني سقيم انتهى قال القرطبي ذكر الكوكب يقتضي أنها أربع وقد جاء في رواية بن سيرين بصيغة الحصر فيحتاج في ذكر الكوكب إلى تأويل قلت الذي يظهر أنها وهم من بعض الرواة فإنه ذكر قوله في الكوكب بدل قوله في سارة والذي اتفقت عليه الطرق ذكر سارة دون الكوكب وكأنه لم يعد مع أنه أدخل من ذكر سارة لما نقل أنه قاله في حال الطفولية

[ 278 ]

فلم يعدها لان حال الطفولية ليست بحال تكليف وهذه طريقة بن إسحاق وقيل إنما قال ذلك بعد البلوغ لكنه قاله على طريق الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ وقيل قاله على طريق الاحتجاج على قومه تنبيها على أن الذي يتغير لا يصلح للربوبية وهذا قول الاكثر أنه قال توبيخا لقومه أو تهكما بهم وهو المعتمد ولهذا لم يعد ذلك في الكذبات وأما إطلاقه الكذب على الامور الثلاثة فلكونه قال قولا يعتقده السامع كذبا لكنه إذا حقق لم يكن كذبا لانه من باب المعاريض المحتملة للامرين فليس بكذب محض فقوله اني سقيم يحتمل أن يكون أراد إني سقيم أي سأسقم واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرا ويحتمل أنه أراد إني سقيم بما قدر علي من الموت أو سقيم الحجة على الخروج معكم وحكى النووي عن بعضهم أنه كان تأخذه الحمى في ذلك الوقت وهو بعيد لانه لو كان كذلك لم يكن كذبا لا تصريحا ولا تعريضا وقوله بل فعله كبيرهم قال القرطبي هذا قاله تمهيدا للاستدلال على أن الاصنام ليست بآلهة وقطعا لقومه في قولهم أنها تضر وتنفع وهذا الاستدلال يتجوز فيه في الشرط المتصل ولهذا أردف قوله بل فعله كبيرهم بقوله فاسألوهم أن كانوا ينطقون قال بن قتيبة معناه أن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا فالحاصل أنه مشترط بقوله ان كانوا ينطقون أو أنه أسند إليه ذلك لكونه السبب وعن الكسائي أنه كان يقف عند قوله بل قعله أي فعله من فعله كائنا من كان ثم يبتدئ كبيرهم هذا وهذا خبر مستقل ثم يقول فاسألوهم إلى آخره ولا يخفى تكلفه وقوله هذه أختي يعتذر عنه بأن مراده أنها أخته في الاسلام كما سيأتي واضحا قال بن عقيل دلالة العقل تصرف ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقا به ليعلم صدق ما جاء به عن الله ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه فكيف مع وجود الكذب منه وإنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع وعلى تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم عليه السلام يعني إطلاق الكذب على ذلك الا في حال شدة الخوف لعلو مقامه وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعا لاعظمهما وأما تسميته إياها كذبات فلا يريد أنها تذم فإن الكذب وإن كان قبيحا مخلا لكنه قد يحسن في مواضع وهذا منها قوله ثنتين منهن في ذات الله خصهما بذلك لان قصة سارة وإن كانت أيضا في ذات الله لكن تضمنت حظا لنفسه ونفعا له بخلاف الثنتين الاخيرتين فإنهما في ذات الله محضا وقد وقع في رواية هشام بن حسان المذكورة أن إبراهيم لم يكذب قط الا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله وفي حديث بن عباس عند أحمد والله إن جادل بهن الا عن دين الله قوله بينا هو ذات يوم وسارة في رواية مسلم وواحدة في شأن سارة فأنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت الناس واسم الجبار المذكور عمرو بن امرئ القيس بن سبأ وأنه كان على مصر ذكره السهيلي وهو قول بن هشام في التيجان وقيل اسمه صادوق وحكاه بن قتيبة وكان على الاردن وقيل سنان بن علوان بن عبيد بن عريج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح حكاه الطبري ويقال أنه أخو الضحاك الذي ملك الاقاليم قوله فقيل له أن هذا رجل في رواية المستملي إن هنا رجلا وفي كتاب التيجان أن قائل ذلك رجل كان إبراهيم يشتري منه القمح فنم عليه عند الملك وذكر أن من جملة ما قاله للملك أني رأيتها تطحن وهذا هو السبب في إعطاء الملك لها هاجر في آخر الامر وقال أن هذه لا تصلح أن تخدم نفسها قوله من أحسن

[ 279 ]

الناس في صحيح مسلم في حديث الاسراء الطويل من رواية ثابت عن أنس في ذكر يوسف أعطى شطر الحسن زاد أبو يعلى من هذا الوجه أعطى يوسف وأمه شطر الحسن يعني سارة وفي رواية الاعرج الماضية في أواخر البيوع هاجر إبراهيم بسارة فدخل بها قرية فيها ملك أو جبار فقيل دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء واختلف في والد سارة مع القول بان اسمه هاران فقيل هو ملك حران وأن إبراهيم تزوجها لما هاجر من بلاد قومه إلى حران وقيل هي ابنه أخيه وكان ذلك جائزا في تلك الشريعة حكاه بن قتيبة والنقاش واستبعد وقيل بل هي بنت عمه وتوافق الاسمان وقد قيل في اسم أبيهتوبل قوله فأرسل إليه فسأله عنها فقال من هذه قال أختي فأتى سارة فقال يا سار ليس على وجه الارض الخ هذا ظاهر في أنه سأله عنها أولا ثم أعلمها بذلك لئلا تكذبه عنده وفي رواية هشام بن حسان أنه قال لها أن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي وأنك أختي في الاسلام فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون الا لك فأرسل إليها الحديث فيمكن أن يجمع بينهما بأن إبراهيم أحس بأن الملك سيطلبها منه فأوصاها بما أوصاها فلما وقع ما حسبه أعاد عليها الوصية واختلف في السبب الذي حمل إبراهيم على هذه الوصية مع أن ذلك الظالم يريد اغتصابها على نفسها أختا كانت أو زوجة فقيل كان من دين ذلك الملك أن لا يتعرض الا لذوات الازواج كذا قيل ويحتاج إلى تتمة وهو أن إبراهيم أراد دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما وذلك أن اغتصاب الملك إياها واقع لا محالة لكن إن علم أن لها زوجا في الحياة حملته الغيرة على قتله واعدامه أو حبسه واضراره بخلاف ما إذا علم أن لها أخا فإن الغيرة حينئذ تكون من قبل الاخ خاصة لا من قبل الملك فلا يبالي به وقيل أراد إن علم أنك امرأتي ألزمني بالطلاق والتقرير الذي قررته جاء صريحا عن وهب بن منبه فيما أخرجه بن حميد في تفسيره من طريقه وقيل كان من دين الملك أن الاخ أحق بأن تكون أخته زوجته من غيره فلذلك قال هي أختي اعتمادا على ما يعتقده الجبار فلا ينازعه فيها وتعقب بأنه لو كان كذلك لقال هي أختي وأنا زوجها فلم اقتصر على قوله هي أختي وأيضا فالجواب إنما يفيد لو كان الجبار يريد أن يتزوجها لا أن يغتصبها نفسها وذكر المنذري في حاشية السنن عن بعض أهل الكتاب أنه كان من رأى الجبار المذكور أن من كانت متزوجة لا يقربها حتى يقتل زوجها فلذلك قال إبراهيم هي أختي لانه إن كان عادلا خطبها منه ثم يرجو مدافعته عنها وإن كان ظالما خلص من القتل وليس هذا ببعيد مما قررته أولا وهذا أخذ من كلام بن الجوزي في مشكل الصحيحين فإنه نقله عن بعض علماء أهل الكتاب أنه سأله عن ذلك فأجاب به قوله ليس على وجه الارض مؤمن غيري وغيرك يشكل عليه كون لوط كان معه كما قال تعالى فآمن له لوط ويمكن أن يجاب بأن مراده بالارض الارض التي وقع له فيها ما وقع ولم يكن معه لوط إذ ذاك قوله فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ كذا في أكثر الروايات وفي بعضها ذهب يناولها يده وفي رواية مسلم فقام إبراهيم إلى الصلاة فلما دخلت عليه أي على الملك لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة وفي رواية أبي الزناد عن الاعرج من الزيادة فقام إليها فقامت توضأ وتصلي وقوله في هذه الرواية فغط هو بضم المعجمة في أوله وقوله حتى ركض برجله يعني أنه اختنق حتى صار كأنه مصروع قيل الغط صوت النائم من شدة النفخ

[ 280 ]

وحكى بن التين أنضبط في بعض الاصول فغط بفتح الغين والصواب ضمها ويمكن الجمع بأنه عوقب تارة بقبض يده وتارة بالصراعة وقوله فدعت من الدعاء في رواية الاعرج المذكورة ولفظه فقالت اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي الا على زوجي فلا تسلط علي الكافر ويجاب عن قولها أن كنت مع كونها قاطعة بأنه سبحانه وتعالى يعلم ذلك بأنها ذكرته على سبيل الفرض هضما لنفسها قوله فقال ادعى الله لي ولا أضرك في رواية مسلم فقال لها ادعى الله أن يطلق يدي ففعلت في رواية أبي الزناد المذكورة قال أبو سلمة قال أبو هريرة قالت اللهم أن يمت يقولوا هي التي قتلته قال فأرسل قوله ثم تناولها الثانية في رواية الاعرج ثم قام إليها فقامت توضأ وتصلي قوله فأخذ مثلها أو أشد في رواية مسلم فقبضت أشد من القبضة الاولى قوله فدعا بعض حجبته بفتح المهملة والجيم والموحدة جمع حاجب في رواية مسلم ودعا الذي جاء بها ولم أقف على اسمه قوله انك لم تأتني بإنسان إنما أتيتني بشيطان في رواية الاعرج ما أرسلتم إلي الا شيطانا أرجعوها إلى إبراهيم وهذا يناسب ما وقع له من الصرع والمراد بالشيطان المتمرد من الجن وكانوا قبل الاسلام يعظمون أمر الجن جدا ويرون كل ما وقع من الخوارق من فعلهم وتصرفهم قوله فأخدمها هاجر أي وهبها لها لتخدمها لانه أعظمها أن تخدم نفسها وفي رواية مسلم فأخرجها من أرضي وأعطها آجر ذكرها بهمزة بدل الهاء وهي كذلك في رواية الاعرج والجيم مفتوحة على كل حال وهي اسم سرياني ويقال أن أباها كان من ملوك القبط وإنها من حفن بفتح المهملة وسكون الفاء قرية بمصر قال اليعقوبي كانت مدينة انتهى وهي الآن كفر من عمل ألصنا بالبر الشرقي من الصعيد في مقابلة الاشمونين وفيها آثار عظيمة باقية قوله فأتته في رواية الاعرج فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم قوله مهيم في رواية المستملي متهيا وفي رواية بن السكن مهين بنون وهي بدل الميم وكأن المستملي لما سمعها بنون ظنها نون تنوين ويقال أن الخليل أول من قال هذه الكلمة ومعناها ما الخبر قوله رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره هذا مثل تقوله العرب لمن أراد أمرا باطلا فلم يصل إليه ووقع في رواية الاعرج أشعرت أن الله كبت الكافر وأخد وليدة أي جارية للخدمة وكبت بفتح الكاف والموحدة ثم مثناة أي رده خاسئا ويقال أصله كبد أي بلغ الهم كبده ثم أبدلت الدال مثناة ويحتمل أن يكون وأخدم معطوفا على كبت ويحتمل أن يكون فاعل أخدم هو الكافر فيكون استئنافا قوله قال أبو هريرة تلك أمكم يا بني ماء السماء كأنه خاطب بذلك العرب لكثرة ملازمتهم للفلوات التي بها مواقع القطر لاجل رعى دوابهم ففيه تمسك لمن زعم أن العرب كلهم من ولد إسماعيل وقيل أراد بماء السماء زمزم لان الله أنبعها لهاجر فعاش ولدها بها فصاروا كأنهم أولادها قال بن حبان في صحيحه كل من كان من ولد إسماعيل يقال له ماءالسماء لان إسماعيل ولد هاجر وقد ربي بماء زمزم وهي من ماء السماء وقيل سموا بذلك لخلوص نسبهم وصفائه فأشبه ماء السماء وعلى هذا فلا متمسك فيه وقيل المراد بماء السماء عامر ولد عمرو بن عامر بن بقيا بن حارثة بن الغطريف وهو جد الاوس والخزرج قالوا إنما سمي بذلك لانه كان إذا قحط الناس أقام لهم ماله مقام المطر وهذا أيضا على القول بأن العرب كلها من ولد إسماعيل وسيأتي زيادة في هذه المسألة في أوائل المناقب إن شاء الله تعالى وفي الحديث مشروعية أخوة الاسلام وإباحة المعاريض والرخصة في الانقياد للظالم

[ 281 ]

والغاصب وقبول صلة الملك الظالم وقبول هدية المشرك وإجابة الدعاء بإخلاص النية وكفاية الرب لمن أخلص في الدعاء بعمله الصالح وسيأتي نطيره في قصة أصحاب الغار وفيه ابتلاء الصالحين لرفع درجاتهم ويقال إن الله كشف لابراهيم حتى رأى حال الملك مع سارة معاينة وأنه لم يصل منها إلى شئ ذكر ذلك في التيجان ولفظه فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه ثم نحى إبراهيم إلى خارج القصر وقام إلى سارة فجعل الله القصر لابراهيم كالقارورة الصافية فصار يراهما ويسمع كلامهما وفيه أن من نابه أمر مهم من الكرب ينبغي له أن يفزع إلى الصلاة وفيه أن الوضوء كان مشروعا للامم قبلنا وليس مختصا بهذه الامة ولا بالانبياء لثبوت ذلك عن سارة والجمهور على أنها ليست بنبية الحديث التاسع قوله حدثنا عبيد الله بن موسى أو بن سلام عنه كأن البخاري شك في سماعه له من عبيد الله بن موسى وهو من أكبر مشايخه وتحقق أنه سمعه من محمد بن سلام عنه فأورده هكذا وقد وقع له نظير هذا في أماكن عديدة قوله عن عبد الحميد بن جبير هو بن شيبة بن عثمان الحجني والاسناد كله حجازيون من بن جريج فصاعدا وفي رواية الاسماعيلي من طريق يحيى القطان وأبي عاصم عن بن جريج أخبرني عبد الحميد قوله أم شريك في رواية أبي عاصم إحدى نساء بني عامر بن لؤي ولفظ المتن أنها استأمرت النبي صلى الله عليه وسلم في قتل الوزغات فأمر بقتلهن ولم يذكر الزيادة والوزغات بالفتح جمع وزغة وهي بالفتح أيضا وذكر بعض الحكماء أن الوزغ أصم وأنه لا يدخل في مكان فيه زعفران وأنه يلقح بفيه وأنه يبيض ويقال لكبارها سام أبرص وهو بتشديد الميم الحديث العاشر حديث بن مسعود لما نزل الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم الحديث مضى شرحه في كتاب الايمان قال الاسماعيلي كذا أورد هذا الحديث في ترجمة إبراهيم ولا أعلم فيه شيئا من قصة إبراهيم كذا قال وخفي عليه أنه حكاية عن قول إبراهيم عليه السلام لانه سبحانه لما فرغ من حكاية قول إبراهيم في الكوكب والقمر والشمس ذكر محاجة قومه له ثم حكى أنه قال لهم وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالامن فهذا كله عن إبراهيم وقوله ان كنتم تعلمون خطاب لقومه ثم قال الذين آمنوا الخ يعني أن الذين هم أحق بالامن هم الذين آمنوا وقال بعد ذلك وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه فظهر تعلق ذلك بترجمة إبراهيم وروى الحاكم في المستدرك من حديث علي رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم قال نزلت هذه الآية في إبراهيم وأصحابه واقتصر الكرماني على قوله مناسبة هذا الحديث لقصة إبراهيم اتصال هذه الآية بقوله وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه الحديث الحادي عشر حديث أبي هريرة في الشفاعة ذكر طرفا منه والغرض منه قول أهل الموقف لابراهيم أنت نبي الله وخليله من الارض ووقع عند إسحاق بن راهويه ومن طريقه الحاكم في المستدرك من وجه آخر عن أبي زرعة عن أبي هريرة في هذا الحديث فيقولون يا إبراهيم أنت خليل الرحمن قد سمع بخلتك أهل السماوات والارض وقد تقدم القول في معنى الخلة ويأتي شرح حديث الشفاعة في الرقاق قوله أمر بقتل الوزغ وقال كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام ووقع في حديث عائشة عند بن ماجة وأحمد أن إبراهيم لما ألقى في النار لم يكن في الارض دابة الا أطفأت عنه الا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها رضي الله تعالى عنهما قوله تابع أنس عن النبي صلى

[ 282 ]

الله عليه وسلم وصله المؤلف في التوحيد وفي غيره وسيأتي تنبيه وقع في رواية الحموي والكشميهني قبل حديث أبي هريرة هذا ما صورته يزفون النسلان في المشي وفي رواية المستملي والباقين باب بغير ترجمة وسقط ذلك من رواية النسفي ووهم من وقع عنده باب يزفون النسلان فإنه كلام لا معنى له والذي يظهر ترجيح ما وقع عند المستملي قوله باب بغير ترجمة يقع عندهم كالفصل من الباب وتعلقه بما قبلواضح فإن الكل من ترجمة إبراهيم وأما تفسير هذه الكلمة من القرآن فإنها من جمله قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه حين كسر أصنامهم قال الله تعالى فأقبلوا إليه يزفون قال مجاهد الوزيف النسلان أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق السدي قال رجع إبراهيم عليه السلام إلى آلهتهم فإذا هي في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض فإذا هم قد جعلوا طعاما بين يدي الاصنام وقالوا إذا رجعنا وجدنا الآلهة بركت في طعامنا فأكلنا فلما نظر إليهم إبراهيم قال ألا تأكلون مالكم لا تنطقون فأخذ حديدة فبقر كل صنم في حافتيه ثم علق الفأس في الصنم الاكبر ثم خرج فلما رجعوا جمعوا لابراهيم الحطب حتى أن المرأة لتمرض فتقول لئن عافاني الله لاجمعن لابراهيم حطبا فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب وأرادوا احراقه قالت السماء والارض والجبال والملائكة ربنا خليلك إبراهيم يحرق قال أنا أعلم به وإن دعاكم فأغيثوه فقال إبراهيم اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الارض ليس أحد في الارض يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل انتهى وأظن البخاري إن كانت الترجمة محفوظة أشار إلى هذا القدر فإنه يناسب قولهم في حديث الشفاعة أنت خليل الله من الارض الحديث الثاني عشر حديث بن عباس في قصة إسماعيل وزمزم ساقه من ثلاثة طرق الاولى قوله عن عبد الله بن سعيد بن جبير وقع في رواية بن السكن والاسماعيلي من طريق حجاج بن الشاعر عن وهب بن جرير زيادة أبي بن كعب ورواه النسائي عن أحمد بن سعيد شيخ البخاري بإسقاط عبد الله بن سعيد بن جبير وزيادة أبي بن كعب قال النسائي قال أحمد بن سعيد قال وهب وحدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه ولم يذكر أبي بن كعب فوضح أن وهب بن جرير كان إذا رواه عن أبيه لم يذكر عبد الله بن سعيد وذكر أبي بن كعب وإذا رواه عن حماد بن زيد ذكر عبد الله بن سعيد ولم يذكر أبي بن كعب وفي رواية النسائي أيضا قال وهب بن جرير أتيت سلام بن أبي مطيع فحدثته بهذا عن حماد بن زيد فأنكره إنكارا شديدا ثم قال لي فأبوك ما يقول قلت يقول عن أيوب عن سعيد بن جبير فقال قد غلط إنما هو أيوب عن عكرمة بن خالد انتهى وليس ببعيد أن يكون لايوب فيه عدة طرق فإن إسماعيل بن علية من كبار الحفاظ وقد قال فيه عن أيوب نبئت عن سعيد بن جبير عن بن عباس ولم يذكر أبيا وهو مما يؤيد رواية البخاري أخرجه الاسماعيلي من وجهين عن إسماعيل أحدهما هكذا والآخر قال فيه عن أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير وقد رواه معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير بلا واسطة كما أخرجه البخاري كما ترى وقد عاب الاسماعيلي على البخاري إخراجه رواية أيوب لاضطرابها والذي يظهر أن اعتماد البخاري في سياق الحديث إنما هو على رواية معمر عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير وإن كان أخرجه مقرونا بأيوب فرواية أيوب إما عن سعيد بن جبير بلا واسطة أو بواسطة ولده عبد الله ولا يستلزم ذلك قدحا لثقة الجميع فظهر أنه اختلاف لا يضر لانه

[ 283 ]

يدور على ثقات حفاظ إن كان بإثبات عبد الله بن سعيد بن جبير وأبي بن كعب فلا كلام وإن كان بإسقا طهما فأيوب قد سمع من سعيد بن جبير وأما بن عباس فإن كان لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فهو من مرسل الصحابة ولم يعتمد البخاري على هذا الاسناد الخالص كما ترى وقد سبق إلى الاعتذار عن البخاري ورد كلام الاسماعيلي بنحو هذا الحافظ أبو علي الجياني في تقييد المهمل الطريق الثانية قوله وقال الانصاري حدثنا بن جريج قال أما كثير بن كثير فحدثني قال إني وعثمان بن أبي سليمان جلوس مع سعيد بن جبير فقال ما هكذا حدثني بن عباس ولكنه قال أقبل إبراهيم بإسماعيل وأمه عليهم السلام وهي ترضعه معها شنة لم يرفعه انتهى هكذا ساقه مختصرا معلقا وقد وصله أبو نعيم في المستخرج عن فاروق الخطابي عن عبد العزيز بن معاوية عن الانصاري وهمحمد بن عبد الله لكنه أورده مختصرا أيضا وكذلك أخرجه عمر بن شبة في كتاب مكة عن محمد بن عبد الله الانصاري وزاد في روايته أبي وعثمان وعمر بن أبي سليمان وعثمان بن حبشي جلوس مع سعيد بن جبير فكأنه كان عند الانصاري كذلك وقد رواه الازرقي من طريق مسلم بن خالد الزنجي والفاكهي من طريق محمد بن جعشم كلاهما عن بن جريج فبين فيه سبب قول سعيد بن جبير ما هكذا حدثني بن عباس ولفظه عن بن جريج عن كثير بن كثير قال كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان و عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في أناس مع سعيد بن جبير بأعلى المسجد ليلا فقال سعيد بن جبير سلوني قبل أن لا تروني فسأله القوم فأكثروا فكان مما سئل عنه أن قال رجل أحق ما سمعنا في المقام مقام إبراهيم أن إبراهيم حين جاء من الشام حلف لامرأته أن لا ينزل بمكة حتى يرجع فقربت إليه امرأة إسماعيل المقام فوضع رجله عليه لا ينزل فقال سعيد بن جبير ليس هكذا حدثنا بن عباس ولكن فساق الحديث بطوله وأخرجه الفاكهي عن بن أبي عمر عن عبد الرزاق بلفظ فقال يا معشر الشباب سلوني فإني قد أوشكت أن أذب من بين أظهركم فأكثر الناس مسألته فقال له رجل أصلحك الله أرأيت هذا المقام هو كما كنا نتحدث قال وما كنت تتحدث قال كنا نقول إن إبراهيم حين جاء عرضت عليه امرأة إسماعيل النزول فأبى أن ينزل فجاءته بذا الحجر فوضعته له فقال ليس كذلك وهكذا أخرجه الاسماعيلي من طرق عن معمر قوله أول ما اتخذ النساء المنطق بكسر الميم وسكون النون وفتح الطاء هو ما يشد به الوسط ووقع في رواية بن جريج النطق بضم النون والطاء وهو جمع منطق وكان السبب في ذلك أن سارة كانت وهبت هاجر لابراهيم فحملت منه بإسماعيل فلما ولدته غارت منها فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فاتخذت هاجر منطقا فشدت به وسطها وهربت وجرت ذيلها لتخفي أثرها على سارة ويقال إن إبراهيم شفع فيها وقال لسارة حللي يمينك بأن تثقبي أذنيها وتخفضيها وكانت أول من فعل ذلك ووقع في رواية بن علية عند الاسماعيلي أول ما أحدث العرب جر الذيول عن أم إسماعيل وذكر الحديث ويقال إن سارة اشتدت بها الغيرة فخرج إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة لذلك وروى بن إسحاق عن بن أبي نجيح عن مجاهد وغيره أن الله لما بوأ لابراهيم مكان البيت خرج بإسماعيل وهو طفل صغير وأمه قال وحملوا فيما حدثت على البراق قوله حتى وضعهما في رواية الكشميهني فوضعهما قوله عند دوحة بفتح المهملة وسكون الواو ثم مهملة الشجرة الكبيرة قوله فوق الزمزم في رواية الكشميهني فوق زمزم وهو المعروف وسيأتي

[ 284 ]

شرح أمرها في أوائل السيرة النبوية قوله في أعلى المسجد أي مكان المسجد لانه لم يكن حينئذ بني قوله وسقاء فيه ماء السقاء بكسر أوله قربة صغيرة وفي رواية إبراهيم بن نافع عن كثير التي بعد هذه الرواية ومعها شنة بفتح المعجمة وتشديد النون وهي القربة العتيقة قوله ثم قفي إبراهيم أي ولي راجعا إلى الشام وفي رواية بن إسحاق فانصرف إبراهيم إلى أهله بالشام وترك إسماعيل وأمه عند البيت قوله فتبعته أم إسماعيل في رواية بن جريج فأدركته بكداء وفي رواية عمر بن شبة من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير أنها نادته ثلاثا فأجابها في الثالثة فقالت له من أمرك بهذا قال الله قوله إذن لا يضيعنا في رواية عطاء بن السائب فقالت لن يضيعنا وفي رواية بن جريج فقالت حسبي وفي رواية إبراهيم بن نافع عن كثير المذكورة بعد هذا الحديث في الباب فقالت رضيت بالله قوله حتى إذا كان عند الثنية بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتانية وقوله من طريق كداء بفتح الكاف ممدود هو الموضع الذي دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة منه وهو معروف وقد مضى الكلام عليه في الحج ووقع في رواية الاصيلي البنية بالموحدة بدل المثلثة وهو تصحيف وضبط بن الجوزي كدي بالضم والقصر وقال هي التي بأسفل مكة عند قعيقعان قال لانه وقع في الحديث أنهم نزلوا بأسفل مكة قلت وذلك ليس بمانع أن يرجع من أعلى مكة فالصواب ما وقع في الاصول بفتح الكاف والمد قوله ربنا إني أسكنت من ذريتي في رواية الكشميهني رب أني أسكنت والاول هو الموافق للتلاوة قوله حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت زاد الفاكهي من حديث أبي جهم فانقطع لبنها وفي روايته وكان إسماعيل حينئذ بن سنتين قوله فجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط في رواية الكشميهني يتلمظ وهي رواية معمر أيضا ومعنى يتلبط وهو بموحدة ومهملة يتمرغ ويضرب بنفسه الارض ويقرب منها رواية عطاء بن السائب فلما ظمئ إسماعيل جعل يضرب الارض بعقبيه وفي رواية إبراهيم بن نافع كأنه ينشغ للموت وهو بفتح الياء وسكون النون وفتح المعجمة بعدها غين معجمة أي يشهق ويعلو صوته وينخفض كالذي ينازع قوله ثم استقبلت الوادي في رواية عطاء بن السائب والوادي يومئذ عميق وفي حديث أبي جهم تستغيث ربها وتدعوه قوله ثم سمت سعي الانسان المجهود أي الذي أصابه الجهد وهو الامر المشق قوله سبع مرات في حديث أبي جهم وكان ذلك أول ما سعى بين الصفا والمروة وفي رواية إبراهيم بن نافع أنها كانت في كل مرة تتفقد إسماعيل وتنظر ما حدث له بعدها وقال في روايته فلم تقرها نفسها وهو بضم أوله وكسر القاف ونفسها بالرفع الفاعل أي لم تتركها نفسها مستقرة فتشاهده في حال الموت فرجعت وهذا في المرة الاخيرة قوله فقالت صه بفتح المهملة وسكون الهاء وبكسرها منونة كأنها خاطبت نفسها فقالت لها اسكتي وفي رواية إبراهيم بن نافع وابن جريج فقالت أغثني إن كان عندك خير قوله إن كان عندك غواث

[ 285 ]

بفتح أوله للاكثر وتخفيف الواو وآخره مثلثة قيل وليس في الاصوات فعال بفتح أوله غيره وحكى بن الاثير ضم أوله والمراد به على هذا المستغيث وحكى بن قر قول كسره أيضا والضم رواية أبي ذر وجزاء الشرط محذوف تقديره فأغثني قوله فإذا هي بالملك في رواية إبراهيم بن نافع وابن جريج فإذا جبريل وفي حديث علي عند الطبري بإسناد حسن فناداها جبريل فقال من أنت قالت أنا هاجر أو أم ولد إبراهيم قال فإلى من وكلكما قالت إلى الله قال وكلكما إلى كاف قوله فبحث بعقبه أو قال بجناحه شك من الراوي وفي رواية إبراهيم بن نافع فقال بعقبه هكذا وعمز عقبة على الارض وهي تعين أن ذلك كان بعقبه وفي رواية بن جريج فركض جبريل برجله وفي حديث علي ففحص الارض بأصبعه فنبعت زمزم وقال بن إسحاق في روايته فزعم العلماء أنهم لم يزالوا يسمعون أنها همزة جبريل قوله حتى ظهر الماء في رواية بن جريج ففاض الماء وفي رواية بن نافع فانبثق الماء وهي بنون وموحدة ومثلثة وقاف أي تفجر قوله فجعلت تحوضه بحاء مهملة وضاد معجمة وتشديد أي تجعله مثل الحوض وفي رواية بن نافع فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر وفي رواية الكشميهني من رواية بن نافع تحفن بنون بدل الراء والاول أصوب ففي رواية عطاء بن السائب فجعلت تفحص الارض بيديها قوله وتقول بيدها هكذا هو حكاية فعلها وهذا من إطلاق القول على الفعل وفي حديث علي فجعلت تحبس الماء فقال دعيه فإنها رواء قوله لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من زمزم شك من الراوي وفي رواية بن نافع لو تركته وهذا القدر صرح بن عباس برفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه اشعار بأن جميع الحديث مرفوع قوله عينا معينا أي ظاهرا جاريا على وجه الارض وفي رواية بن نافع كان الماء ظاهرا فعلى هذا فقوله معينا صفة الماء فلذلك ذكره ومعين بفتح أوله أن كان من عانه فهو بوزن مفعل وأصله معون فحذفت الواو وأن كان من المعن وهو المبالغة في الطلب فهو بوزن مفعول قال بن الجوزي كان ظهور زمزم نعمة من الله محضة بغير عمل عامل فلما خالطها تحويط هاجر وداخلها كسب البشر فقصرت على ذلك فأغنى ذلك عن توجيه تذكير معين مع أن الموصوف وهو المعين مؤنث قوله لا تخافوا الضيعة بفتح المعجمة وسكون التحتانية أي الهلاك وفي حديث أبي جهم لا تخافي أن ينفد الماء وفي رواية علي بن الوزع عن أيوب عند الفاكهي لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأ فإنها عين يشرب بها ضيفان الله زاد في حديث أبي جهم فقالت بشرك الله بخير قوله فإن هذا بيت الله في رواية الكشميهني فإن ههنا بيت الله قوله يبني هذا الغلام كذا فيه بحذف المفعول وفي رواية الاسماعيلي يبنيه زاد بن إسحاق في روايته وأشار لها إلى البيت وهو يومئذ مدرة حمراء فقال هذا بيت الله العتيق واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل يرفعانه قوله وكان البيت مرتفعا من الارض كالرابية بالموحدة ثم المثناة وروى بن أبي حاتم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال لما كان زمن الطوفان رفع البيت وكان الانبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لابراهيم وأعلمه مكانه وروى البيهقي في الدلائل من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو مرفوعا بعث الله جبريل إلى آدم فأمره ببناء البيت فبناه آدم ثم أمره بالطواف به وقيل له أنت أول الناس وهذا أول بيت وضع للناس وروى عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء أن آدم أول من بني البيت وقيل بنته الملائكة قبله وعن وهب بن منبه أول من بناه شيث

[ 286 ]

بن آدم والاول أثبت وسيأتي مزيد آخر شرح هذا الحديث قوله فكانت أي هاجر كذلك أي على الحال الموصوفة وفيه اشعار بأنها كانت تغتذي بماء زمزم فيكفيها عن الطعام والشراب قوله حتى مرت بهم رفقة بضم الراء وسكون الفاء ثم قاف وهم الجماعة المختلطون سواء كانوا في سفر أم لا قوله من جرهم ذ هو بن قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وقيل بن يقطن قال بن إسحاق وكان جرهم وأخوه قطورا أول من تكلم بالعربية عند تبلبل الالسن وكان رئيس جرهم مضاض بن عمرو ورئيس قطورا السميدع ويطلق على الجميع جرهم وفي رواية عطاء بن السائب وكانت جرهم يومئذ بواد قريب من مكة وقيل أن أصلهم من العمالقة قوله مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة وقع في جميع الروايات بفتح الكاف والمد واستشكله بعضهم بأن كداء بالفتح والمد في أعلى مكة وأما الذي في أسفل مكة فبالضم والقصر يعني فيكون الصواب هنا بالضم والقصر وفيه نظر لانه لا مانع أن يدخلوها من الجهة العلياء وينزلوا من الجهة السفلى قوله فرأوا طائرا عائفا بالمهملة والفاء هو الذي يحوم على الماء ويتردد ولا يمضي عنه قوله فأرسلوا جريا بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتانية أي رسولا وقد يطلق على الوكيل وعلى الاجير قيل سمي بذلك لانه يجري مجرى مرسله أو موكله أو لانه يجري مسرعا في حوائجه وقوله جريا أو جريين شك من الراوي هل أرسلوا واحدا أو اثنين وفي رواية إبراهيم بن نافع فأرسلوا رسولا ويحتمل الزيادة على الواحد ويكون الافراد باعتبار الجنس لقوله فإذا هم بالماء بصيغة الجمع ويحتمل أن يكون الافراد باعتبار المقصود بالارسال والجمع باعتبار من يتبعه من خادم ونحوه قوله فألفى ذلك بالفاء أي وجد أم إسماعيل بالنصب على المفعولية وهي تحب الانس بضم الهمزة ضد الوحشة ويجوز الكسر أي تحب جنسها قوله وشب الغلام أي إسماعيل وفي حديث أبي جهو نشأ إسماعيل بين ولدانهم قوله وتعلم العربية منهم فيه اشعار بأن لسان أمه وأبيه لم يكن عربيا وفيه تضعيف لقول من روى أنه أول من تكلم بالعربية وقد وقع ذلك من حديث بن عباس عند الحاكم في المستدرك بلفظ أول من نطق بالعربية إسماعيل وروى الزبير بن بكار في النسب من حديث علي بإسناد حسن قال أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وبهذا القيد يجمع بين الخبرين فتكون أوليته في ذلك بحسب الزيادة في البيان لا الاولية المطلقة فيكون بعد تعلمه أصل العربية من جرهم ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة فنطق بها ويشهد لهذا ما حكاه بن هشام عن الشرقي بن قطامي أن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا حمير وجرهم ويحتمل أن تكون الاولية في الحديث مقيدة بإسماعيل بالنسبة إلى بقية إخوته من ولد إبراهيم فاسماعيل أول من نطق بالعربية من ولد إبراهيم وقال بن دريد في كتاب الوشاح أول من نطق بالعربية يعرب بن قحطان ثم إسماعيل قلت وهذا لا يوافق من قال إن العرب كلها من ولد إسماعيل وسيأتي الكلام فيه في أوائل السيرة النبوية قوله وأنفسهم بفتح الفاء بلفظ أفعل التفضيل من النفاسة أي كثرت رغبهم فيه ووقع عند الاسماعيلي وأنسهم بغير فاء من الانس وقال الكرماني أنفسهم أي رغبتهم في مصاهرته لنفاسته عندهم وقال بن الاثير أنفسهم عطفا على قوله تعلم العربية أي رغبهم فيه إذ صار نفيسا عندهم قوله زوجوه امرأة منهم حكى الازرقي عن بن إسحاق أن اسمها عمارة بنت سعد بن أسامة وفي حديث أبي جهم أنها بنت صدى

[ 287 ]

ولم يسمها وحكى السهيلي أن اسمها جدي بنت سعد وعند عمر بن شبة أن اسمها حبى بنت أسعد بن عملق وعند الفاكهي عن بن إسحاق أنه خطبها إلى أبيها فزوجها منه قوله وماتت هاجر أي في خلال ذلك قوله فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل في رواية عطاء بن السائب ف قدم إبراهيم وقد ماتت هاجر قوله يطالع تركته بكسر الراء أي يتفقد حال ما تركه هناك وضبطها بعضهم بالسكون وقال التركة بالكسر بيض النعام ويقال لها التريكة قيل لها ذلك لانها حين تبيض تترك بيضها وتذهب ثم تعود تطلبه فتحضن ما وجدت سواء كان هو أم غيره وفيها ضرب الشاعر المثل بقوله كتاركة بيضها بالعراء وحاضنة بيض أخرى صباحا قال بن التين هذا يشعر بأن الذبيح إسحاق لان المأمور بذبحه كان عندما بلغ السعي وقد قال في هذا الحديث إن إبراهيم ترك إسماعيل رضيعا وعاد إليه وهو متزوج فلو كان هو المأمور بذبحه لذكر في الحديث أنه عاد إليه في خلال ذلك بين زمان الرضاع والتزويج وتعقب بأنه ليس في الحديث نفي هذا المجئ فيحتمل أن يكون جاء وأمر بالذبح ولم يذكر في الحديث قلت وقد جاء ذكر مجيئه بين الزمانين في خبر آخر ففي حديث أبي جهم كان إبراهيم يزور هاجر كشهر على البراق يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام وروى الفاكهي من حديث علي بإسناد حسن نحوه وأن إبراهيم كان يزور إسماعيل وأمه على البراق فعلى هذا فقوله فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل أي بعد مجيئه قبل ذلك مرارا والله أعلم قوله فقالت خرج يبتغي لنا أي يطلب لنا الرزق وفي رواية بن جريج وكان عيش إسماعيل الصيد يخرج فيتصيد وفي حديث أبي جهم وكان إسماعيل يرعى ماشيته ويخرج متنكبا قوسه فيرمى الصيد وفي حديث بن إسحاق وكانت مسارحه التي يرعى فيها السدرة إلى السر من نواحي مكة قوله ثم سألها عن عيشهم زاد في رواية عطاء بن السائب وقال هل عندك ضيافة قوله فقالت نحن بشر نحن في ضيق وشدة فشكت إليه في حديث أبي جهم فقال لها هل من منزل قالت لا ها الله إذن قال فكيف عيشكقال فذكرت جهدا فقالت أما الطعام فلا طعام وأما الشاء فلا تحلب الا المصر أي الشخب وأما الماء فعلى ما ترى من الغلظ انتهى والشخب بفتح المعجمة وسكون الخاء المعجمة ثم موحدة السيلان قوله جاءنا شيخ كذا وكذا في رواية عطاء بن السائب كالمستخفة بشأنه قوله عتبة بابك بفتح المهملة والمثناة والموحدة كناية عن المرأة وسماها بذلك لما فيها من الصفات الموافقة لها وهو حفظ الباب وصون ما هو داخله وكونها محل الوطئ ويستفاد منه أن تغيير عتبة الباب يصح أن يكون من كنايات الطلاق كأن يقول مثلا غيرت عتبة بأبي أو عتبة بابي مغيرة وينوي بذلك الطلاق فيقع أخبرت بذلك عن شيخنا الامام البلقيني وتمامه التفريع على شرع من قبلنا إذا حكاه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره قوله وتزوج منهم امرأة أخرى ذكر الواقدي وتبعه المسعودي ثم السهيلي أن اسمها سامة بنت مهلهل بن سعد وقيل اسمها عاتكة ورأيت في نسخة قديمة من كتاب مكة لعمر بن شبة أنها بشامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف وهي مضبوطة بشامة بموحدة ثم معجمة خفيفة قال وقيل اسمها جدة بنت الحارث بن مضاض وحكى بن سعد عن بن إسحاق أن اسمها رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمية وعن بن الكلبي أنها رعلة بنت يشجب بن يعرب بن لوذان بن جرهم وذكر الدارقطني في المختلف أن اسمها السيدة بنت مضاض وحكاه السهيلي أيضا وفي حديث أبي جهم ونظر إسماعيل

[ 288 ]

إلى بنت مضاض بن عمرو فأعجبته فخطبها إلى أبيها فتزوجها وحكى محمد بن سعد الجواني أن اسمها هالة بنت الحارث وقيل الحنفاء وقيل سلمى فحصلنا من اسمها على ثمانية أقوال ومن اسم أبيها على أربعة قوله نحن بخير وسعة في حديث أبي جهم نحن في خير عيش بحمد الله ونحن في لبن كثير ولحم كثير وماء طيب قوله ما طعامكم قالت اللحم قال فما شرابكم قالت الماء في حديث أبي جهم ذكر اللبن مع اللحم والماء قوله اللهم بارك لهم في اللحم والماء في رواية إبراهيم بن نافع اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم قال قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم بركة بدعوة إبراهيم وفيه حذف تقديره في طعام أهل مكة وشرابهم بركة قوله فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة الا لم يوافقاه في رواية الكشميهني لا يخلوان بالتثنية قال بن القوطية خلوت بالشئ واختليت إذا لم أخلط به غيره ويقال أخلى الرجل اللبن إذا لم يشرب غيره وفي حديث أبي جهم ليس أحد يخلو على اللحم والماء بغير مكة الا اشتكى بطنه وزاد في حديثه وكذا في حديث عطاء بن السائب نحوه فقالت انزل رحمك الله فاطعم واشرب قال إني لا أستطيع النزول قالت فإني أراك أشعث أفلا أغسل رأسك وأدهنه قال بلى أن شئت فجاءته بالمقام وهو يومئذ أبيض مثل المهاة وكان في بيت إسماعيل ملقى فوضع قدمه اليمني وقدم إليها شق رأسه وهو على دابته فغسلت شق رأسه الايمن فلما فرغ حولت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى وقدم إليها برأسه فغسلت شق رأسه الايسر فالاثر الذي في المقام من ذلك ظاهر فيه موضع العقب والاصبع وعند الفاكهي من وجه آخر عن بن جريج عن رجل عن سعيبن جبير عن بن عباس أن سارة داخلتها غيرة فقال لها إبراهيم لا أنزل حتى أرجع إليك ونحوه في رواية عطاء بن السائب عند عمر بن شبة قوله هل أتاكم من أحد في رواية عطاء بن السائب فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت نعم شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا قوله يثبت عتبة بابه زاد في حديث أبي جهم فإنها صلاح المنزل قوله أن أمسكك زاد في حديث أبي جهم ولقد كنت على كريمة وقد ازددت على كرامة فولدت لاسماعيل عشرة ذكور زاد معمر في روايته فسمعت رجلا يقول كان إبراهيم يأتي على البراق يعني في كل مرة وفي رواية عمر بن شبة وأعجب إبراهيم بجدة بنت الحارث فدعا لها بالبركة قوله يبري بفتح أوله وسكون الموحدة والنبل بفتح النون وسكون الموحدة السهم قبل أن يركب فيه نصله وريشه وهو السهم العربي ووقع عند الحاكم من رواية إبراهيم بن نافع في هذا الحديث يصلح بيتا له وكأنه تصحيف والذي في البخاري هو الموافق لغيرها من الروايات قوله دوحة هي التي نزل إسماعيل وأمه تحتها أول قدومهما كما تقدم ووقع في رواية إبراهيم بن نافع من وراء زمزم قوله فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد يعني من الاعتناق والمصافحة وتقبيل اليد ونحو ذلك وفي رواية معمر قال سمعت رجلا يقول بكيا حتى أجابهما الطير وهذا إن ثبت يدل على أنه تباعد لقاؤهما قوله أن الله أمرني بأمر في رواية إبراهيم بن نافع أن ربك أمرني أن أبني له بيتا ووقع في حديث أبي جهم عند الفاكهي أن عمر إبراهيم كان يومئذ مائة سنة وعمر إسماعيل ثلاثين سنة قوله وتعينني قال وأعينك في رواية الكشميهني فاعينك بالفاء وفي رواية إبراهيم بن نافع أن الله قد أمرني أن تعينني عليه قال أن أفعل بنصب اللام قال بن التين يحتمل أن يقال أمره الله أن يبني أو لا وحده ثم أمره أن يعينه إسماعيل قال فيكون الحديث الثاني متأخرا بعد الاول قلت

[ 289 ]

ولا يخفى تكلفه بل الجمع بينهما ممكن بأن يكون أمره أن يبني وأن إسماعيل يعينه فقال إبراهيم لاسماعيل أن الله أمرني أن أبني البيت وتعينني وتخلل بين قوله ابني البيت وبين قوله وتعينني قول إسماعيل فاصنع ما أمرك ربك قوله وأشار إلى أكمة بفتح الهمزة والكاف وقد تقدم بيان ذلك في أوائل الكلام على هذا الحديث وللفاكهي من حديث عثمان فبناه إبراهيم وإسماعيل وليس معهما يومئذ غيرهما يعني في مشاركتهما في البناء وإلا فقد تقدم أنه كان قد نزل الجرهميون مع إسماعيل قوله رفعا القواعد من البيت في رواية أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن سعيد عن بن عباس القواعد التي رفعها إبراهيم كانت قواعد البيت قبل ذلك وفي رواية مجاهد عند بن أبي حاتم أن القواعد كانت في الارض السابعة ومن طريق سعيد بن جبير عن بن عباس رفع القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك ومن طريق عطاء قال قال آدم يا رب إني لا أسمع أصوات الملائكة قال بن لي بيتا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء وفي حديث عثمان وأبي جهم فبلغ إبراهيم من الاساس أساس آدم وجعل طوله في السماء تسعة أذرع وعرضه في الارض يعني دوره ثلاثين ذراعا وكان ذلك بذراعهم زاد أبو جهم وأدخل الحجر في البيت وكان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل وإنما بناه بحجارة بعضها على بعض ولم يجعل له سقفا وجعل له بابا وحفر له بئرا عند بابه خزانة للبيت يلقى فيها ما يهدى للبيت وفي حديثه أيضا أن الله أوحى إلى إبراهيم أن أتبع السكينة فحلقت على موضع البيت كأنها سحابة فحفرا يريدان أساس آدم الاول وفي حديث علي عند الطبري والحاكم رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس فكلمه فقال يا إبراهيم بن علي ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص وذلك حين يقول الله وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت الآية قوله جاء بهذا الحجر يعني المقام وفي رواية إبراهيم بن نافع حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة فقام على حجر المقام زاد في حديث عثمان ونزل عليه الركن والمقام فكان إبراهيم يقوم على المقام يبني عليه ويرفعه له إسماعيل فلما بلغ الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذ موضعه وأخذ المقام فجعله لاصقا بالبيت فلما فرغ إبراهيم من بناء الكعبة جاء جبريل فأراه المناسك كلها ثم قام إبراهيم على المقام فقال يا أيها الناس أجيبوا ربكم فوقف إبراهيم وإسماعيل تلك المواقف وحجه إسحاق وسارة من بيت المقدس ثم رجع إبراهيم إلى الشام فمات بالشام وروى الفاكهي بإسناد صحيح من طريق مجاهد عن بن عباس قال قام إبراهيم على الحجر فقال يا أيها الناس كتب عليكم الحج فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فأجابه من آمن ومن كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك وفي حديث أبي جهم ذهب إسماعيل إلى الوادي يطلب حجرا فنزل جبريل بالحجر الاسود وقد كان رفع إلى السماء حين غرقت الارض فلما جاء إسماعيل فرأى الحجر الاسود قال من أين هذا من جاءك به قال إبراهيم من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك ورواه بن أبي حاتم من طريق السدي نحوه وأنه كان بالهند وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة وهي بالمثلثة والمعجمة طير أبيض كبير وروى الفاكهي من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال والله ما بنياه بقصة ولا مدر ولا كان لهما من السعة والاعوان ما يسقفانه ومن حديث علي كان إبراهيم يبني كل يوم سافا ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عنده وعند بن أبي حاتم أنه كان بناه من خمسة أجبل من حراء وثبير ولبنان وجبل الطور

[ 290 ]

وجبل الخمر قال بن أبي حاتم جبل الخمر يعني بفتح الخاء المعجمة هو جبل بيت المقدس وقال عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء أن آدم بناه من خمسة أجبل حراء وطور زينا وطور سيناء والجودى ولبنان وكان ربضه من حراء ومن طريق محمد بطلحة التيمي قال سمعت أنه أسس البيت من ستة أجبل من أبي قبيس ومن الطور ومن قدس ومن ورقان ومن رضوى ومن أحد الطريق الثالثة قوله حدثنا أبو عامر هو العقدي وإبراهيم بن نافع هو المخزومي المكي قوله لما كان بين إبراهيم وبين أهله يعني سارة ما كان يعني من غيرة سارة لما ولدت هاجر إسماعيل وقد مضت بقية شر الحديث ضمن الذي قبله الحديث الثالث عشر قوله) *) *) * عبد الواحد هو بن زياد وإبراهيم التيمي هو بن يزيد بن شريك وفي رواية لمسلم وابن خزيمة من طريق أخرى عن الاعمش عن إبراهيم التيمي كنت أنا وأبي نجلس في الطريق فيعرض علي القرآن وأعرض عليه فقرأ القرآن فسجد فقلت تسجد في الطريق قال نعم سمعت أبا ذر فذكره قوله أي مسجد وضع في الارض أول بضم اللام قال أبو البقاء وهي ضمة بناء لقطعه عن الاضافة مثل قبل وبعد والتقدير أول كل شئ ويجوز الفتح مصروفا وغير مصروف قوله ثم أي بالتنوين وتركه كما تقدم في حديث بن مسعود أي الاعمال أفضل وهذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة ويدل على أن المراد بالبيت بيت العبادة لا مطلق البيوت وقد ورد ذلك صريحا عن علي أخرجه إسحاق بن راهويه وابن أبي حاتم وغيرهما بإسناد صحيح عنه قبله قال كانت البيوت قبله ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله قوله المسجد الاقصى يعني مسجد بيت المقدس قيل له الاقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة وقيل لانه لم يكن وراءه موضع عبادة

[ 291 ]

وقيل لبعده عن الاقذار والخبائث والمقدس المطهر عن ذلك قوله أربعون سنة قال بن الجوزي فيه اشكال لان إبراهيم بني الكعبة وسليمان بنى بيت المقدس وبينهما أكثر من ألف سنة انتهى ومستنده في أن سليمان عليه السلام هو الذي بني المسجد الاقصى ما رواه النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا بإسناد صحيح أن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا الحديث وفي الطبراني من حديث رافع بن عميرة أن داود عليه السلام ابتدأ ببناء بيت المقدس ثم أوحى الله إليه إني لاقضي بناءه على يد سليمان وفي الحديث قصة قال وجوابه أن الاشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بني الكعبة ولا سليمان أول من بني بيت المقدس فقد روينا أن أول من بني الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الارض فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ثم بني إبراهيم الكعبة بنص القرآن وكذا قال القرطبي أن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان لما بنيا المسجدين ابتدا وضعهما لهما بل ذلك تجديد لما كان اسسه غيرهما قلت وقد مشى بن حبان في صحيحه على ظاهر هذا الحديث فقال في هذا الخبر رد على من زعم أن بين إسماعيل وداود ألف سنة ولو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة وهذا عين المحال لطول الزمان بالاتفاق بين بناء إبراهيم عليه السلام البيت وبين موسى عليه السلام ثم إن في نص القرآن أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة وقد تعقب الحافظ الضياء بنحو ما أجاب به بن الجوزي وقال الخطابي يشبه أن يكون المسجد الاقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء الله قبل داود وسليمان ثم داود وسليمان فزادا فيه ووسعاه فأضيف إليهما بناؤه قال وقد ينسب هذا المسجد إلى إيلياء فيحتمل أن يكون هو بانيه أو غيره ولست أحقق لم أضيف إليه قلت الاحتمال الذي ذكره أولا موجه وقد رأيت لغيره أن أول من أسس المسجد الاقصى آدم عليه السلام وقيل الملائكة وقيل سام بن نوح عليه السلام وقيل يعقوب عليه السلام فعلى الاولين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديدا كما وقع في الكعبة وعلى الاخيرين يكون الواقع من إبراهيم أو يعقوب أصلا وتأسيسا ومن داود تجديدا لذلك وابتداء بناء فلم يكمل على يده حتى أكمله سليمان عليه السلام لكن الاحتمال الذي ذكره بن الجوزي أوجه وقد وجدت ما يشهد له ويؤيد قول من قال أن آدم هو الذي أسس كلا من المسجدين فذكر بن هشام في كتاب التيجان أن آدم لما بني الكعبة أمره الله بالسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه وبناء آدم للبيت مشهور وقد تقدم قريبا حديث عبد الله بن عمرو أن البيت رفع زمن الطوفان حتى بوأه الله لابراهيم وروى بن أبي حاتم من طريق معمر عن قتادة قال وضع الله البيت مع آدم لما هبط ففقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فقال الله له يا آدم إني قد أهبطت بيتا يطاف به كما يطاف حول عرشي فانطلق إليه فخرج آدم إلى مكة وكان قد هبط بالهند ومد له في خطوه فأتى البيت فطاف به وقيل إنه لما صلى إلى الكعبة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس فاتخذ فيه مسجدا وصلى فيه ليكون قبلة لبعض ذريته وأما ظن الخطابي أن إيلياء اسم رجل ففيه نظر بل هو اسم البلد فأضيف إليه المسجد كما يقال مسجد المدينة ومسجد مكة وقال أبو عبيد البكري في معجم البلدان إيلياء مدينة بيت المقدس فيه ثلاث لغات مد آخره وقصره وحذف الياء الاولى قال الفرزدق

[ 292 ]

لوى بن أبي الرقراق عينيه بعدما دنامن أعالي إيلياء وغورا وعلى ما قاله الخطابي يمكن الجمع بأن يقال إنها سميت باسم بانيها كغيرها والله أعلم قوله فصله بهاء ساكنة وهي هاء السكت وللكشميهني بحذفها قوله فإن الفضل فيه أي في فعل الصلاة إذا حضر وقتها زاد من وجه آخر عن الاعمش في آخره والارض لك مسجد أي للصلاة فيه وفي جامع سفيان بن عيينة عن الاعمش فإن الارض كلها مسجد أي صالحة للصلاة فيها ويخص هذا العموم بما ورد فيه النهي والله أعلم الحديث الرابع عشر والخامس عشر حديث أنس موصولا وعبد الله بن زيد معلقا في حرم المدينة وذكر أحد والغرض منهما ذكر إبراهيم وأنه حرم مكة وقد تقدم الكلام عليهما في أواخر الحج وتقدم حديث عبد الله بن زيد موصولا هناك الحديث السادس عشر حديث عائشة في قصة بناء الكعبة تقدم شرحه في أثناء الحج أيضا قوله وقال إسماعيل عبد الله بن أبي بكر يعني إن إسماعيل بن أبي أويس روى الحديث المذكور عن مالك كما رواه عبد الله بن يوسف فقال بدل قول عبد الله بن يوسف أن أبي بكر أخبر أن عبد الله بن أبي بكر أخبر وأبو بكر جد عبد الله المذكور هو الصديق وقد ساق المصنف حديث إسماعيل في التفسير ولفظه عبد الله بن محمد بن أبي بكر وهو الواقع وكأنه عند التعليق نسبه لجده وأغفل المزي ذكر هذا التعليق في أحاديث الانبياء الحديث السابع عشر حديث أبي حميد الساعدي في صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي شرحه في الدعوات والغرض منه قوله فيه كما صليت على إبراهيم الحديث الثامن عشر حديث كعب بن عجرة في صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي شرحه في الدعوات أيضا وقد أورده في أواخر تفسير الاحزاب وتأتي الاشارة إليه هناك إن شاء الله تعالى ووهم المزي في الاطراف فعزا رواية كعب بن عجرة هذه إلى الصلاة فقال روى البخاري في الصلاة عن قيس بن حفص وموسى بن إسماعيل كلاهما عن عبد الواحد بن زياد إلى آخر كلامه واغتر بذلك شيخنا بن الملقن فإنه لما وصل إلى شرح هذا الحديث هنا أحال بشرحه على الصلاة وقال تقدم في الصلاة وكأنه تبع شيخه مغلطاي في ذلك فإنه كذلك صنع ولم يتقدم هذا الحديث عند البخاري في كتاب الصلاة أصلا والله الهادي إلى الصواب الحديث التاسع عشر حديث بن عباس في التعويذ بكلمات الله التامة قوله حدثنا جرير لعثمان بن أبي شيبة فيه شيخ آخر أخرجه الاسماعيلي عن عمران بن موسى وإبراهيم بن موسى قالا حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير وأبو حفص الابار فرقهما عن منصور قوله عن منصور هو بن المعتمر عن المنهال هو

[ 293 ]

بن عمرو والاسناد إلى سعيد بن جبير كوفيون وقد رواه النسائي من طريق جرير عن الاعمش عن المنهال فقال عن عبد الله بن الحارث بدل سعيد ولم يذكر فيه عن بن عباس ورواه الاسماعيلي من طريق أبي حفص الابار عن الاعمش ومنصور فحمل رواية الاعمش على رواية منصور والصواب التفصيل ولذلك لم يخرج رواية الابار قوله أن أباكما يريد إبراهيم عليه السلام وسماه أبا لكونه جدا على قوله بكلمات الله قيل المراد بها كلامه على الاطلاق وقيل أقضيته وقيل ما وعد به كما قال تعالى وتمت كلمة ربك الحسني على بني إسرائيل والمراد بها قوله تعالى ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض المراد بالتامة الكاملة وقيل النافعة وقيل الشافية وقيل المباركة وقيل القاضية التي تمضي وتستمر ولا يردها شئ ولا يدخلها نقص ولا عيب قال الخطابي كان أحمد يستدل بهذا الحديث على أن كلام الله غير مخلوق ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستعيذ بمخلوق قوله من كل شيطان يدخل تحته شياطين الانس والجن قوله وهامة بالتشديد واحدة الهوام ذوات السموم وقيل كل ما له سم يقتل فأما ما لا يقتل سمه فيقال له السوام وقيل المراد كل نسمة تهم بسوء قوله ومن كل عين لامة قال الخطابي المراد به كل داء وآفة تلم بالانسان من جنون وخبل وقال أبو عبيد أصله من ألممت الماما إنما قال لامة لانه أراد أنها ذات لمم وقال بن الانباري يعني أنها تأتي في وقت بعد وقت وقال لامة ليؤاخي لفظ هامة لكونه أخف على اللسان قوله باب قوله ونبئهم عن ضيف إبراهيم الآية لا توجل لا تخف كذا اقتصر في هذا الباب على تفسير هذه الكلمة وبذلك جزم الاسماعيلي وقال ساق الآيتين بلا حديث انتهى والتفسير المذكور مروي عن عكرمة عند بن أبي حاتم ولعله كان عقب هذا في الاصل بياض فحذف وقصة أضياف إبراهيم أوردها بن أبي حاتم من طريق السدي مبينة وفيها أنه لما قرب إليهم العجل قالوا إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن قال إبراهيم إن له ثمنا قالوا وما ثمنه قال تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره قال فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا فلما رأى أنهم لا يأكلون فزع منهم ومن طريق عثمان بن محصقال كانوا أربعة جبريل وميكائيل وإسرافيل ورفاييل ومن طريق نوح بن أبي شداد أن جبريل مسح بجناحيه العجل فقام يدرج حتى لحق بأمه في الدار قوله وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى كذا وقع هذا الكلام لابي ذر متصلا بالباب ووقع في رواية كريمة بدل قوله ولكن ليطمئن قلبي وحكى الاسماعيلي أنه وقع عنده باب قوله وإذ قال إبراهيم الخ وسقط كل ذلك للنسفي فصار حديث أبي هريرة تكملة الباب الذي قبله فكملت به الاحاديث عشرين حديثا وهو متجه قوله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب في رواية الطبري من طريق عمرو بن الحارث عن يونس عن الزهري أخبرني أبو سلمة وسعيد كذا قال يونس بن يزيد عن الزهري ورواه مالك عن الزهري فقال إن سعيد بن المسيب وأبا عبيدة أخبراه عن أبي هريرة وسيأتي ذلك للمصنف قريبا وتابع مالكا أبو أويس عن الزهري أخرجه أبو عوانة من طريقه ورجح ذلك عند النسائي فاقتصر عليه وكأن البخاري جنح إلى تصحيح الطريقين فأخرجهما معا وهو نظر صحيح لان الزهري صاحب حديث وهو معروف بالرواية عن هؤلاء فلعله سمعه منهم جميعا ثم هو من الاحاديث التي حدث بها مالك خارج الموطأ واشتهر أن جويرية تفر به عنه ولكن تابعه سعيد بن داود عن مالك أخرجه

[ 294 ]

الدارقطني في غرائب من طريقه قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم سقط لفظ الشك من بعض الروايات واختلف السلف في المراد بالشك هنا فحمله بعضهم على ظاهره وقال كان ذلك قبل النبوة وحمله أيضا الطبري على ظاهره وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان لكنها لم تستقر ولا زلزلت الايمان الثابت واستند في ذلك إلى ما أخرجه هو وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم من طريق عبد العزيز الماجشون عن محمد بن المنكدر عن بن عباس قال أرجى آية في القرآن هذه الآية وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى الآية قال بن عباس هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان فرضي الله من إبراهيم عليه السلام بأن قال بلى ومن طريق معمر عن قتادة عن بن عباس نحوه ومن طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن بن عباس نحوه وهذه طرق يشد بعضها بعضا وإلى ذلك جنح عطاء فروى بن أبي حاتم من طريق بن جريج سألت عطاء عن هذه الآية قال دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال ذلك وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن إبراهيم أتى على دابة توزعتها الدواب والسباع ومن طريق حجاج عن بن جريج قابلغني أن إبراهيم أتى على جيفة حمار عليه السباع والطير فعجب وقال رب لقد علمت لتجمعنها ولكن رب أرني كيف تحيي الموتى وذهب آخرون إلى تأويل ذلك فروى الطبري وابن أبي حاتم من طريق السدي قال لما أتخذ الله إبراهيم خليلا استأذنه ملك الموت أن يبشره فأذن له فذكر قصة معه في كيفية قبض روح الكافر والمؤمن قال فقام إبراهيم يدعو ربه رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أني خليلك وروى بن أبي حاتم من طريق أبي العوام عن أبي سعيد قال ليطمئن قلبي بالخلة ومن طريق قيس بن مسلم عن سعيد بن جبير قال ليطمئن قلبي أني خليلك ومن طريق الضحاك عن بن عباس لا علم إنك أجبت دعائي ومن طريق علي بن أبي طلحة عنه لاعلم إنك تجيبني إذا دعوتك وإلى هذا الاخير جنح القاضي أبو بكر الباقلاني وحكى بن التين عن الداودي الشارح أنه قال طلب إبراهيم ذلك لتذهب عنه شدة الخوف قال بن التين وليس ذلك بالبين وقيل كان سبب ذلك أن نمرود لما قال له ما ربك قال ربي الذي يحيى ويميت فذكر ما قص الله مما جرى بينهما فسأل إبراهيم بعد ذلك ربه أن يريه كيفية أحياء الموتى من غير شك منه في القدرة ولكن أحب ذلك واشتاق إليه فأراد أن يطمئن قلبه بحصول ما أراده أخرجه الطبري عن بن إسحاق وأخرج بن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة قال المراد ليطمئن قلبي أنهم يعلمون إنك تحيي الموتى وقيل معناه أقدرني على أحياء الموتى فتأدب في السؤال وقال بن الحصار إنما سأل أن يحيى الله الموتى على يديه فلهذا قيل له في الجواب فصرهن إليك وحكى بن التين عن بعض من لا تحصيل عنه أنه أراد بقوله قلبي رجلا صالحا كان يصحبه سأله عن ذلك وأبعد منه ما حكاه القرطبي المفسر عن بعض الصوفية أنه سأل من ربه أن يريه كيف يحيى القلوب وقيل أراد طمأنينة النفس بكثرة الادلة وقيل محبة المراجعة في السؤال ثم اختلفوا في معنى قوله صلى الله عليه وسلم نحن أحق بالشك فقال بعضهم معناه نحن أشد اشتياقا إلى رؤية ذلك من إبراهيم وقيل معناه إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى أن لا يشك أي لو كان الشك متطرقا إلى الانبياء لكنت أنا أحق به منهم وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنه لم يشك وإنما قال ذلك تواضعا منه أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم وهو كقوله

[ 295 ]

في حديث أنس عند مسلم أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا خير البرية قال ذاك إبراهيم وقيل إن سبب هذا الحديث أن الآية لما نزلت قال بعض الناس شك إبراهيم ولم يشك نبينا فبلغه ذلك فقال نحن أحق بالشك من إبراهيم وأراد ما جرت به العادة في المخاطبة لمن أراد أن يدفع عن آخر شيئا قال مهما أردت أن تقوله لفلان فقله لي ومقصوده لا تقل ذلك وقيل أراد بقوله نحن أمته الذين يجوز عليه الشك وإخراجه هو منه بدلالة العصمة وقيل معناه هذا الذي ترون أنه شك أنا أولى به لانه ليس بشك إنما هو طلب لمزيد البيان وحكى بعض علماء العربية أن أفعل ربما جاءت لنفي المعنى عن الشيئين نحو قوله تعالى أهم خير أم قوم تبع أي لا خير في الفريقين ونحو قول القائل الشيطان خير من فلان أي لا خير فيهما فعلى هذا فمعنى قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم لا شك عندنا جميعا وقال بن عطية ترجم الطبري في تفسيره فقال وقال آخرون شك إبراهيم في القدرة وذكر أثر بن عباس وعطاء قال بن عطية ومحمل قول بن عباس عندي أنها أرجى آية لما فيها من الا دلال على الله وسؤال الاحياء في الدنيا أو لان الايمان يكفي فيه الاجمال ولا يحتاج إلى تنقير وبحث قال ومحمل قول عطاء دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس أي من طلب المعاينة قال وأما الحديث فمبني على نفي الشك والمراد بالشك فيه الخواطر التي لا تثبت وأما الشك المصطلح وهو التوقف بين الامرين من غير مزية لاحدهما على الآخر فهو منفي عن الخليل قطعا لانه يبعد وقوعه ممن رسخ الايمان في قلبه فكيف بمن بلغ رتبة النبوة قال وأيضا فإن السؤال لما وقع بكيف دل على حال شئ موجود مقرر عند السائل والمسئول كما تقول كيف علم فلان فكيف في الآية سؤال عن هيئة الاحياء لا عن نفس الاحياء فإنه ثابت مقرر وقال بن الجوزي إنما صار أحق من إبراهيم لما عانى من تكذيب قومه وردهم عليه وتعجبهم من أمر البعث فقال أنا أحق أن أسأل ما سأل إبراهيم لعظيم ما جرى لي مع قومي المنكرين لاحياء الموتى ولمعرفتي بتفضيل الله لي ولكن لا أسأل في ذلك قوله قال أو لم تؤمن الاستفهام للتقرير ووجهه أنه طلب الكيفية وهو مشعر بالتصديق بالاحياء قوله بلى ولكن ليطمئن قلبي أي ليزيد سكونا بالمشاهدة المنضمة إلى اعتقاد القلب لان تظاهر الادلة أسكن للقلوب وكأنه قال أنا مصدق ولكن للعيان لطيف معنى وقال عياض لم يشك إبراهيم بان الله يحيى الموتى ولكن أراد طمأنينة القلب وترك المنازعة لمشاهدة الاحياء فحصل له العلم الاول بوقوعه وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين وأن لم يكن في الاول شك لان العلوم قد تتفاوت في قوتها فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين والله أعلم قوله ويرحم الله لوطا الخ يأتي الكلام عليه قريبا في ترجمة لوط قوله ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لاجبت الداعي أي لاسرعت الاجابة في الخروج من السجن ولما قدمت طلب البراءة فوصفه بشدة الصبر حيث لم يبادر بالخروج وإنما قاله صلى الله عليه وسلم تواضعا والتواضع لا يحط مرتبة الكبير بل يزيده رفعة وجلالا وقيل هو من جنس قوله لا تفضلوني على يونس وقد قيل إنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل من الجميع وسيأتي تكملة لهذا الحديث في قصة يوسف قوله باب قول الله تعالى واذكر في الكتاب إسماعيل أنه كان صادق الوعد تقدم في أواخر الشهادات سبب تسميته صادق الوعد ثم ذكر المصنف حديث سلمة بن الاكوع ارمو بني إسماعيل وقد تقدم شرحه في باب التحريض على الرمي من كتاب الجهاد

[ 296 ]

واحتج به المصنف على أن اليمن من بني إسماعيل كما سيأتي في أوائل المناقب مع الكلام عليه قوله وأنا مع بن فلان وقف في رواية الكشميهني وأنا مع بني فلان وكذا هو في الجهاد قيل والصواب الاول لقوله في حديث أبي هريرة وأنا مع بن الادرع وقد تقدم تسمية بن الادرع في الجهاد وقد تقدم كثير من أخبار إسماعيل فيما مضى قريبا قوله قصة إسحاق بن إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بن إسحاق أن هاجر لما حملت بإسماعيل غارت سارة فحملت بإسحاق فوضعتا معا فشب الغلامان ونقل عن بعض أهل الكتاب خلاف ذلك وأن بين مولدهما ثلاث عشرة سنة والال أولى قوله فيه بن عمر وأبو هريرة كأنه يشير بحديث بن عمر إلى ما سيأتي في قصة يوسف وبحديث أبي هريرة إلى الحديث المذكور في الباب الذي يليه وأغرب بن التين فقال لم يقف البخاري على سنده فأرسله وهو كلام من لم يفهم مقاصد البخاري لانه يستلزم أن يكون البخاري أثبت في كتابه حديثا لا يعرف له سندا ومع ذلك ذكره مرسلا ولم تجر للبخاري بذلك عادة حتى يحمل هذا الموضع عليها ونحوه قول الكرماني قوله فيه أي الباب حديث من رواية بن عمر في قصة إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام فأشار البخاري إليه إجمالا ولم يذكره بعينه لانه لم يكن بشرطه اه وليس الامر كذلك لما بينته والله المستعان قوله باب أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه الآية أورد فيه حديث أبي هريرة أكرم الناس يوسف نبي الله بن نبي الله الحديث ومناسبته لهذه الترجمة من جهة موافقة الحديث الآية في سياق نسب يوسف عليه السلام فإن الآية تضمنت أن يعقوب خاطب أولاده عند موته محرضا لهم على الثبات على الاسلام وقال له أولاده إنهم يعبدون الهه واله آبائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ومن جملة أولاد يعقوب يوسف عليه السلام فنص الحديث على نسب يوسف وأنه بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وزاد أن الاربعة أنبياء في نسق قوله حدثنا إسحاق بن إبراهيم هو بن راهويه الامام المشهور قوله سمع المعتمر أي أنه سمع المعتمر وهم يحذفون أنه خطا كما يحذفون قال خطا ولا بد من ثبوتهما لفظا وعبيد الله هو بن عمر العمري قوله أكرمهم أتقاهم هو موافق لقوله تعالى ان أكرمكم عند الله أتقاكم قوله قالوا يا نبي الله ليس عن هذا نسألك قال فأكرم الناس يوسف الجواب الاول من جهة الشرف بالاعمال الصالحة والثاني من جهة الشرف بالنسب الصالح قوله أفعن معادن العرب أي أصولهم التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها وإنما جعلت معادن لما فيها من الاستعداد المتفاوت أو شبههم بالمعادن لكونهم أوعية الشرف كما أن المعادن أوعية للجواهر قوله فخياركم في الجاهلية خياركم في الاسلام إذا فقهوا يحتمل أن يريد بقوله خياركم جمع خير ويحتمل أن يريد أفعل التفضيل تقول في الواحد خير وأخير ثم القسمة رباعية فإن الافضل من جمع بين الشرف في الجاهلية والشرف في الاسلام وكان شرفهم في الجاهلية بالخصال المحمودة من جهة ملائمة الطبع ومنافرته خصوصا بالانتساب إلى الآباء المتصفين بذلك ثم الشرف في الاسلام بالخصال المحمودة شرعا ثم أرفعهم مرتبة من أضاف إلى ذلك التفقه في الدين ومقابل ذلك من كان مشروفا في ا لجاهلية واستمر مشروفا في الاسلام فهذا أدنى المراتب والقسم الثالث من شرف في الاسلام وفقه ولم يكن شريفا في الجاهلية ودونه من كان كذلك لكن لم يتفقه والقسم الرابع من كان شريفا في الجاهلية ثم صار مشروفا في الاسلام فهذا دون الذي قبله فإن تفقه فهو أعلى رتبة

[ 297 ]

من الشريف الجاهل قوله باب ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة إلى قوله فساء مطر المنذرين يقال إنه لوط بن هاران بن تارخ وهو بن أخي إبراهيم عليه السلام وقد قص الله تعالى قصته مع قومه في الاعراف وهود والشعراء والنمل والصافات وغيرها وحاصلها أنهم ابتدعوا وطئ الذكور فدعاهم لوط إلى التوحيد وإلى الاقلاع عن الفاحشة فأصروا على الامتناع ولم يتفق أن يساعده منهم أحد وكانت مدائنهم تسمى سدوم وهي بغور زغرمن البلاد الشامية فلما أراد الله اهلاكهم بعث جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى إبراهيم فاستضافوه فكأن ما قص الله في سورة هود ثم توجهوا إلى لوط فاستضافوه فخاف عليهم من قومه وأراد أن يخفى عليهم خبرهم فنمت عليهم امرأته فجاءوا إليه وعاتبوه على كتمانه أمرهم وظنوا أنهم ظفروا بهم فأهلكهم الله على يد جبريل فقلب مدائنهم بعد أن خرج عنهم لوط بأهل بيته الا امرأته فإنها تأخرت مع قومها أو خرجت مع لوط فادركها العذاب فقلب جبريل المدائن بطرف جناحه فصارع إليها سافلها وصار مكانها بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها ولا بشئ مما حولها قوله يغفر الله للوط أن كان ليأوي إلى ركن شديد أي إلى الله سبحانه وتعالى يشير صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ويقال أن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه لانهم من سدوم وهي من الشام وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق فلما هاجر إبراهيم إلى الشام هاجر معه لوط فبعث الله لوطا إلى أهل سدوم فقال لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة لكنت أستنصر بهم عليكم ليدفعوا عن ضيفاني ولهذا جاء في بعض طرق هذا الحديث كما أخرجه أحمد من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال لوط لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قال فإنه كان يأوي إلى ركن شديد ولكنه عنى عشيرته فما بعث الله نبيا الا في ذروة من قومه زاد بن مردويه من هذا الوجه ألم تر إلى قول قوم شعيب ولولا رهطك لرجمناك وقيل معنى قوله لقد كان يأوي إلى ركن شديد أي إلى عشيرته لكنه لم يأو إليهم وأوى إلى الله انتهى والاول أظهر لما بيناه وقال النووي يجوز أنه لما اندهش بحال الاضياف قال ذلك أو أنه التجأ إلى الله في باطنه واظهر هذا القول للاضياف اعتذارا وسمي العشيرة ركنا لان الركن يستند إليه ويمتنع به فشبههم بالركن من الجبل لشدتهم ومنعتهم وسيأتي في الباب الذي بعده تفسير الركن بلفظ آخر قوله باب فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون أي أنكرهم لوط قوله بركنه بمن معه لانهم قوته هو تفسير الفراء وقال أبو عبيدة فتولى بركنه وبجانبه سواء إنما يعني ناحيته وقال في قوله أو آوي إلى ركن شديد أي عشيرة عزيزة منيعة كذا أورد المصنف هذه الجملة في قصة لوط وهو وهم فإنها من قصة موسى والضمير لفرعون والسبب في ذلك أن ذلك وقع تلو قصة لوط حيث قال تعالى في آخر قصة لوط وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم ثم قال عقب ذلك وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى بركنه أو ذكره استطرادا لقوله في قصة لوط أو آوي إلى ركن شديد قوله تركنوا تميلوا قال أبو عبيدة في قوله ولا تركنوا إلى الذين ظلموا لا تعدلوا إليهم ولا تميلوا تقول ركنت إلى قولك أي أحببته وقبلته وهذه الآية لا تتعلق بقصة لوط أصلا ثم ظهر لي أنه ذكر هذه اللفظة من أجل مادة ركن بدليل إيراده الكلمة الاخرى وهي ولا تركنوا قوله فأنكرهم ونكرهم واستنكرهم واحد قال أبو عبيدة نكرهم وأنكرهم واحد وكذلك استنكرهم وهذا الانكار

[ 298 ]

من إبراهيم غير الانكار من لوط لان إبراهيم أنكرهم لما لم يأكلوا من طعامه وأما لوط فأنكرهم لما لم يبالوا بمجئ قومه إليهم ولكن لها تعلق مع كونها لابراهيم بقصة لوط قوله يهرعون يسرعون قال أبو عبيدة يهرعون إليه أي يستحثون إليه قا الشاعر بمعجلات نحوهم نهارع أي نسارع وقيل معناه يزعجون مع الاسراع قوله دابر آخقال أبو عبيدة في تفسير قوله ان دابر هؤلاء أي آخرهم قوله صيحة هلكة هو تفسير قوله ان كانت الا صيحة واحدة ولم أعرف وجه دخوله هنا لكن لعله أشار إلى قوله فأخذتهم الصيحة مشرقين فإنها تتعلق بقوم لوط قوله للمتوسمين للناظرين قال الفراء في قوله تعالى ان في ذلك لآيات للمتوسمين أي للمتفكرين ويقال للناظرين المتفرسين وقال أبو عبيدة أي المتبصرين المتثبتين قوله لبسبيل لبطريق هو تفسير أبي عبيدة والضمير في قوله وإنها يعود على مدائن قوم لوط وقيل يعود على الآيات ثم أورد المصنف حديث عبد الله وهو بن مسعود قال قرأ النبي صلى الله عليه وسلم فهل من مدكر يعني بالدال المهملة وسيأتي بيان ذلك في تفسير القمر تنبيهان أحدهما هذه التفاسير وقعت في رواية المستملي وحده ثانيهما أورد المصنف عقب هذا قصة ثمود وصالح وقد قدمتها في مكانها عقب قصة عاد وهود وكأن السبب في ايرادها هنا أنه لما أورد التفاسير من سورة الحجر كان آخرها قوله وانها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآيات للمتوسمين وأن كان أصحاب الايكة لظالمين فانتقمنا منهم وانهما لبامام مبين ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين الخ فجاءت قصة ثمود وهم أصحاب الحجر في هذه السورة تالية لقصة قوم لوط وتخلل بينهما قصة أصحاب الايكة مختصرة فأوردها من أوردها على ذلك وقد قدمت الاعتذار عن ذلك فيما مضى سقط باب قوله باب أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت كذا ثبتت هذه الترجمة هنا وهي مكررة كما سبق قريبا والصواب أن حديثها تلو حديث الباب الذي يليها وهي من قصة يوسف عليه السلام وقوله أخبرنا عبد الصمد هو بن عبد الوارث قوله يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وفي رواية الطبراني من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله وله من حديث بن عباس قالوا يا رسول الله من السيد قال يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله قالوا فما في أمتك سيد قال رجل أعطى ما لا حلالا ورزق سماحة وإسناده ضعيف قوله باب قول الله تعالى لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين اسم إخوة يوسف روبيل بضم الراء وسكون الواو وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام وهو أكبرهم وشمعون بالشين المعجمة ولاوى ويهوذا ودانى ونفتالى بفاء ومثناة وكاد وأشير وأيساجر ورايلون وبنيامين وهم الاسباط وقد اختلف فيهم فقيل كانوا أنبياء ويقال لم يكن فيهم نبي وإنما المراد بالاسباط قبائل من بني إسرائيل فقد كان فيهم من الانبياء عدد كثير ثم ذكر المصنف في الباب سبعة أحاديث أحدها حديث أبي هريرة في أكرم الناس أي أصلا ذكره من وجهين عن عبد الله بن عمر ثانيهما قال فيه أخبرنا محمد بن سلام أخبرني عبدة وهو بن سليمان ووقع في المستخرج لابي نعيم أن البخاري أخرجه عن عثمان بن أبي شيبة عن عبدة فالله أعلم وقد تقدم شرحه قريبا الحديث الثاني حديث عائشة مروا أبا بكر فليصل بالناس

[ 299 ]

وقد تقدم شرحه في أبواب الامامة وأورده هنا مختصرا والغرض منه قوله انكن صواحب يوسف وقوله في أول الاسناد حدثنا الربيع بن يحيى في رواية أبي ذر بغير ألف ولام وزاد في رواية كريمة البصري ووقع في نسخة حدثنا النضر حدثنا زائدة وهو غلط فاحش تصحيف من البصري وقد تقدم ذكر مناسبته هناك وقد قص الله تعالى قصة يوسف مطولة في سورة لم يذكر فيها قصة لغيره وقد روى بن حبان من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث الثالث حديث أبي موسى في المعنى وقد تقدم أيضا الرابع حديث أبي هريرة في الدعاء عند الرفع من الركوع اللهم أنج المستضعفين وقد تقدم شرحه في الصلاة أيضا والغرض منه قوله اجعلها عليهم سنين كسني يوسف المراد بسنى يوسف ما قصه الله من ذكر السنين المجدبة في زمانه ويقال اسم الملك الذي رأى الرؤيا الريان بن الوليد من ذرية لاوذ بن سام بن نوح الخامس حديثه في ذكر لوط ويوسف وقد تقدم في ترجمة إبراهيم السادس حديث أم رومان والدة عائشة في قصة الافك أورده لقول عائشة فيه فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه وسيأتي في تفسير النور في سياق قصة الافك عن عائشة بلفظ والتمست اسم يعقوب فلم أجده فقلت ما أجد لي ولكم مثلا الا أبا يوسف ويأتي الكلام على ما قيل في هذا الاسناد من التعليل بالانقطاع والجواب عنه في غزو بني المصطلق من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى السابع حديث عائشة في تفسير قوله تعالى حتى إذ استيأس الرسل وسيأتي شرحه في آخر تفسير سورة يوسف قوله استيأسوا استفعلوا من يئست منه من يوسف

[ 300 ]

وقع في كثير من الروايات افتعلوا والصواب الاول وفي تفسير بن أبي حاتم من طريق بن إسحاق فلما استيأسوا أي لما حصل لهم اليأس من يوسف قوله ولا تيأسوا من روح الله معناه من الرجاء وروى بن أبي حاتم من طريق سعيد بن بشير عن قتادة لا تيأسوا من روح الله أي من رحمة الله تنبيه مطابقة هذا الحديث للترجمة وقوع الآية في سورة يوسف ودخوله هو في عموم قولوما أرسلنا قبلك الا رجالا نوحي إليهم وكان مقامه في السجن تلك المدة الطويلة إلى أن جاءه النصر من عند الله تعالى بعد اليأس لانه أمر الفتى الذي ظن أنه ناج أن يذكر قصته وأنه حبس ظلما فلم يذكرها الا بعد سبع سنين وفي مثل هذا يحصل اليأس في العادة المطردة الحديث الثامن حديث بن عمر الكريم بن الكريم الحديث تقدم شرحه قبل هذا وعبدة شيخ المصنف هو بن عبد الله المروزي و عبد الصمد هو بن عبد الوارث و عبد الرحمن هو بن عبد الله بن دينار قوله باب قول الله تعالى وأيوب إذ نادى ربه الآية يقال هو أيوب بن ساري بن رغوال بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم وقيل اسم أبيه موص والباقي سواء وقيل موص بن رزاح بن عيص وقيل أيوب بن رزاح بن موص بن عيصو ومنهم من زاد بين موص وعيص ليقرن وزعم بعض المتأخرين أنه من ذرية روم بن عيص ولا يثبت ذلك وحكى بن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام وأن أباه كان ممن آمن بإبراهيم وعلى هذا فكان قبل موسى وقال بن إسحاق الصحيح أنه كان من بني إسرائيل ولم يصح في نسبه شئ الا أن اسم أبيه امص والله أعلم وقال الطبري كان بعد شعيب وقال بن أبي حيثمة كان بعد سليمان وكان عيصو تزوج بشمت بنت عمه إسماعيل فرزق منها رغوال وهو بغين معجمة قوله اركض اضرب يركضون يعدون روى بن جرير من طريق شعبة عن قتادة في قوله اركض برجلك قال ضرب برجله الارض فإذا عينان تنبعان فشرب من إحداهما واغتسل من الاخرى وقال الفراء في قوله تعالى إذا هم منها يركضون أي يهربون وأخرج الطبري من طريق مجاهد في قوله لا تركضوا أي لا تفروا قوله بينا أيوب أصل بينا بين أشبعت الفتحة ويغتسل خبر المبتدأ والجملة في محل الجر بإضافة بين إليه والعامل خر عليه أو هو مقدر وخر مفسر له ووقع عند أحمد وابن حبان من طريق بشير بن نهيك عن أبي هريرة لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب قوله عريانا تقدم القول فيه في كتاب الغسل قوله خر عليه أي سقط عليه وقوله رجل جراد أي جماعة جراد والجراد اسم جمع واحدة جرادة كتمر وتمرة وحكى بن سيده أنه يقال للذكر جراد وللانثى جرادة قوله يحثي بالمثلثة أي يأخذ بيديه جميعا وفي رواية بشير بن نهيك يلتقط قوله في ثوبه في حديث بن عباس عند بن أبي حاتم فجعل أيوب ينشر طرف ثوبه فيأخذ الجراد فيجعله فيه فكلما امتلات ناحية نشر ناحية قوله فناداه ربه يحتمل أن يكون بواسطة أو بالهمام ويحتمل أن يكون بغير واسطة قوله قال بلى أي اغنيتني قوله ولكن لا غنى لي بالقصر بغير تنوين وخبر لا قوله لي أو قوله عن بركتك وفي رواية بشير بن نهيك فقال ومن يشبع من رحمتك أو قال من فضلك وفي الحديث جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه بالشكر عليه وفيه تسمية المال الذي يكون من هذه الجهة بركة وفيه فضل الغني الشاكر وسيأتي بقية مباحث هذه الخصلة الاخيرة في الرقاق إن شاء الله تعالى واستنبط منه الخطابي جواز أخذ النثار في الاملاك وتعقبه بن التين فقال هو شئ خص

[ 301 ]

الله به نبيه أيوب وهو بخلاف النثار فإنه من فعل الآدمي فيكره لما فيه من السرف ورد عليه بأنه أذن فيه من قبل الشارع أن ثبت الخبر ويستأنس فيه بهذه القصة والله أعلم تنبيه لم يثبت عند البخاري في قصة أيوب شئ فاكتفى بهذا الحديث الذي على شرطه وأصح ما ورد في قصته ما أخرجه بن أبي حاتم وابن جريج وصححه بن حبان والحاكم من طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس أن أيوب عليه السلام ابتلى فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد الا رجلين من إخوانه فكانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما للآخر لقد أذنب أيوب ذنبا عظيما وإلا لكشف عنه هذا البلاء فذكره الآخر لايوب يعني فحزن ودعا الله حينئذ فخرج لحاجته وأمسكت امرأته بيده فلما فرغ أبطأت عليه فأوحى الله إليه أن اركض برجلك فضرب برجله الارض فنبعت عين فاغتسل منها فرجع صحيحا فجاءت امرأته فلم تعرفه فسألته عن أيوب فقال إني أنا هو وكان له اندران أحدهما للقمح والآخر للشعير فبعث الله له سحابة فأفرغت في أندر القمح الذهب حتى فاض وفي أندر الشعير الفضة حتى فاض وروى بن أبي حاتم نحوه من حديث بن عباس وفيه فكساه الله حلة من حلل الجنة فجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله هل أبصرت المبتلى الذي كان هنا فلعل الذئاب ذهبت به فقال ويحك أنا هو وروى بن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عبيد بن عمير نحو حديث أنس وفي آخره قال فسجد وقال وعزتك لا أرفع رأسي حتى تكشف عني فكشف عنه وعن الضحاك عن بن عباس رد الله على امرأته شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكرا وذكر وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق في المبتدأ قصة مطولة جدا وحاصلها أنه كان بحوران وكان له البثنية سهلها وجبلها وله أهل ومال كثير وولد فسلب ذلك كله شيئا فشيئا وهو يصبر ويحتسب ثم ابتلى في جسده بأنواع من البلاء حتى ألقى خارجا من البلد فرفضه الناس الا امرأته فبلغ من أمرها أنها كانت تخدم بالاجرة وتطعمه إلى أن تجنبها الناس خشية العدوي فباعت إحدى ضفيرتيها من بعض بنات الاشراف وكانت طويلة حسنة فاشترت له به طعاما طيبا فلما أحضرته له حلف أن لا يأكله حتى تخبره من أين لها ذلك فكشفت عن رأسها فاشتد حزنه وقال حينئذ رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فعافاه الله تعالى وروى بن أبي حاتم عن مجاهد أن أيوب أول من أصابه الجدري ومن طريق الحسن أن إبليس أتى امرأته فقال لها إن أكل أيوب ولم يسم عوفي فعرضت ذلك على أيوب فحلف ليضربنها مائة فلما عوفي أمره الله أن يأخذ عرجونا فيه مائة شمراخ فيضربها ضربة واحدة وقيل بل قعد إبليس على الطريق في صورة طبيب فقال لها إذا داويته فقال أنت شفيتني قنعت بذلك فعرضت ذلك عليه فغضب وكان ما كان وذكر الطبري أن اسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمة بنت يوسف بن يعقوب وقيل بنت افرائيم أو ميشا بن يوسف وأفاد بن خالويه أنه يقال لها أم زيد واختلف في مدة بلائه فقيل ثلاث عشرة سنة كما تقدم وقيل ثلاث سنين وهذا قول وهب وقيل سبع سنين وهو عن الحسن وقتادة وقيل أن امرأته قالت له ألا تدعو الله ليعافيك فقال قد عشت صحيحا سبعين سنة أفلا أصبر سبع سنين والصحيح ما تقدم أنه لبث في بلائه ثلاث عشرة سنة وروى الطبري أن مدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة فعلى هذا فيكون عاش بعد أن عوفي عشر سنين والله أعلم قوله باب واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا إلى قوله نجيا في رواية أبي

[ 302 ]

ذر قول الله واذكر الخ وليس فيه باب وساق في رواية كريمة إلى قوله أخاه هارون نبيا قوله يقال للواحد والاثنين زاد الكشميهني والجمع نجى ويقال خلصوا اعتزلوا نجيا والجمع أنجية يتناجون قال أبو عبيدة في قوله تعالى خلصوا نجيا أي اعتزلوا نجيا يتناجون والنجى يقع لفظه على الواحد والجمع أيضا وقد يجمع فيقال نجى وأنجية قال لبيد وشهدت أنجية الافاقة عاليا كعبي وأرداف الملوك شهود وموسى هو بن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوى بن يعقوب عليه السلام لا اختلاف في نسبه ذكر السدي في تفسير بأسانيده أن بدء أمر موسى أن فرعون رأى كأن نارا أقبلت من بيت المقدس فأحرقت دور مصر وجميع القبط الا دور بني إسرائيل فلما استيقظ جمع الكهنة والسحرة فقالوا هذا غلام يولد من هؤلاء يكون خراب مصر على يده فأمر بقتل الغلمان فلما ولد موسى أوحى الله إلى أمه أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم قالوا فكانت ترضعه فإذا خافت عليه جعلته في تابوت وألقته في البحر وجعلت الحبل عندها فنسيت الحبل يوما فجرى به النيل حتى وقف على باب فرعون فالتقطه الجواري فاحضروه عند امرأته ففتحت التابوت فرأته فأعجبها فاستوهبته من فرعون فوهبه لها فربته حتى كان من أمره ما كان قوله تلقف تلقم هو تفسير أبي عبيدة قاله في سورة الاعراف ثم أورد المصنف طرقا من حديث بدء الوحي وقد تقدم شرحه بتمامه في أول الكتاب والغرض منه قوله الناموس الذي أنزل على موسى قوله الناموس صاحب السر الذي يطلعه بما يستره عن غيره هو قول المصنف وقد تقدم قول من خصه بسر الخير ر ' قوله باب قول الله عزوجل وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا إلى قوله بالوادي المقدس طوى سقط لفظ باب عند أبي ذر وكريمة قوله آنست أبصرت قال أبو عبيدة في قوله آنس من جانب الطور نارا أي أبصر قوله قال بن عباس المقدس المبارك طوى اسم الوادي هكذا وقع هذا التفسير وما بعده في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني خاصة ولم يذكره جميع رواة البخاري هنا وإنما ذكروا بعضه في تفسير سورة طه وها أنا أشرحه هنا وأبين إذا أعيد في تفسير طه إن شاء الله تعالى ما سبق منه هنا وقول بن عباس هذا وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس به وروى هو والطبري من وجه آخر عن بن عباس أنه سمي طوى لان موسى طواه ليلا قال الطبري فعلى هذا فالمعنى انك بالوادي المقدس طويته وهو مصدر أخرج من غير لفظه كأنه قال طويت الوادي المقدس طوى وعن سعيد بن جبير قال قيل له طوى أي طأ الارض حافيا وروى الطبري عن مجاهد مثله وعن عكرمة أي طأ بالوادي ومن وجه آخر عن بن عباس كذلك وروى بن أبي حاتم من طريق مبشر بن عبيد والطبري من طريق الحسن قال قيل له طوى لانه قدس مرتين وقال الطبري قال آخرون معنى قوله طوى أي ثنى أي ناداه ربه مرتين انك بالوادي المقدس وأنشد لذلك شاهدا قول عدي بن زيد أعاذل أن اللوم في غير حينه علي طوى من غيك المتردد وقال أبو عبيدة طوى بكسر أوله قوم كقول الشاعر وأن كان حيانا عدي آخر الدهر قال ومن جعل طوى اسم أرض لم ينونه ومن جعله اسم الوادي صرفه ومن جعله مصدرا بمعنى نودي مرتين صرفه تقول ناديته ثنى وطوى أي مرة بعد مرة وأنشد البيت المذكور قوله سيرتها حالتها

[ 303 ]

وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى سنعيدها سيرتها الاولى يقوحالتها الاولى ورواه بن جرير كذلك ومن طريق مجاهد وقتادة سيرتها هيئتها قوله والنهي التقي وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى يمشون في مساكنهم أن في ذلك لآيات لاولي النهى قال لاولى التقي ومن طريق سعيد عن قتادة لاولى النهى لاولي الورع قال الطبري خص أولى النهى لانهم أهل التفكر والاعتبار قوله بملكنا بأمرنا وصله بن أبي حاتم والطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله ما أخلفنا موعدك بملكنا يقول بأمرنا ومن طريق سعيد عن قتادة بملكنا أي بطاقتنا وكذا قال السدي ومن طريق بن زيد بهوانا واختلف أهل القراءة في ميم ملكنا فقرؤوا بالضم والفتح والكسر ويمكن تخريج هذه التأويلات على هذه القراءات قوله هوى شقى وصله بن أبي حاتم من الطريق المذكورة في قوله تعالومن يحلل عليه غضبي فقد هوى قال يعني شقى وكذا أخرجه الطبري قوله فارغا الا من ذكر موسى وصله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي في تفسير بن عيينة من طريق عكرمة عن بن عباس في قوله تعالى وأصبح فؤاد أم موسى فارغا قال من كل الا من ذكر موسى وأخرج الطبري من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس نحوه ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس فارغا لا تذكر الا موسى ومن طريق مجاهد وقتادة نحوه ومن طريق الحسن البصري أصبح فارغا من العهد الذي عهد إليها أنه سيرد عليها وقال أبو عبيدة في قوله فارغا أي من الحزن لعلمها أنه لم يغرق ورد ذلك الطبري وقال إنه مخالف لجميع أقوال أهل التأويل وأم موسى اسمها بادونا وقيل أباذخت ويقال يوحاند قوله ردءا كي يصدقني وصله بن أبي حاتم من الطريق المذكورة قبل وروى الطبري من طريق السدي قال كيما يصدقني ومن طريق مجاهد وقتادة ردءا أي عونا قوله ويقال مغيثا أو معينا يعني بالمعجمة والمثلثة وبالمهملة والنون قال أبو عبيدة في قوله ردءا يصدقني أي معينا يقال فيه أردأت فلانا على عدوه أي أكنفته وأعنته أي صرت له كنفا قوله يبطش ويبطش يعني بكسر الطاء وبضمها قال أبو عبيدة في تفسير قوله تعالى فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما بالطاء مكسورة ومضمومة لغتان قلت الكسر القراءة المشهورة هنا وفي قوله تعالى يوم يبطش البطشة الكبرى والضم قراءة بن جعفر ورويت عن الحسن أيضا قوله يأتمرون يتشاورون قال أبو عبيدة في قوله تعالى ان الملا يأتمرون بك ليقتلوك أي يهمون بك ويتآمرون ويتشاورون انتهى وهي بمعنى يتآمرون ومنه قول الشاعر أرى الناس قد أحدثوا شيمة وفي كل حادثة يؤتمر وقال بن قتيبة معناه يأمر بعضهم بعضا كقوله وائتمروا بينكم بمعروف قوله والجذوة قطعة غليظة من الخشب ليس لها لهب قال أبو عبيدة في قوله تعالى أو جذوة من النار أي قطعة غليظة من الحطب ليس فيها لهب قال الشاعر باتت حواطب ليليلتمسن لها جزل الجذا غير خوار ولا دعر والجذوة مثلثة الجيم قوله سنشد سنعينك كلما عززت شيئا فقد جعلت له عضدا وقال أبو عبيدة في قوله تعالى سنشد عضدك بأخيك أي سنقويك به ونعينك تقول شد فلان عضد فلان إذا أعانه وهو من عاضدته على أمره أي عاونته قوله وقال غيره كلما لم ينطق بحرف أو فيه تمتمة أو فأفأة

[ 304 ]

فهي عقدة هو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى واحلل عقدة من لساني العقدة في اللسان ما لم ينطق بحرف أو كانت فيه مسكة من تمتمة أو فأفأة وروى الطبري من طريق السدي قال لما تحرك موسى أخذته آسية امرأة فرعون ترقصه ثم ناولته لفرعون فأخذ موسى بلحيته فنتفها فاستدعى فرعون الذباحين فقالت آسية إنه صبي لا يعقل فوضعت له جمرا وياقوتا وقالت أن أخذ الياقوت فاذبحه وأن أخذ الجمرة فاعرف أنه لا يعقل فجاء جبريل فطرح في يده جمرة فطرحها في فيه فاحترق لسانه فصارت في لسانه عقدة من يومئذ ومن طريق مجاهد وسعيد بن جبير نحو ذلك والتمتمة هي التردد في النطق بالمثناة الفوقانية والفأفأة بالهمزة التردد في النطق بالفاء قوله أزرى ظهري قال أبو عبيدة في قوله تعالى اشدد به أزري أي ظهري ويقال قد أزرني أي كان لي ظهرا ومعينا وأورد بإسناد لين عن بن عباس في قوله اشدد به أزري قال ظهري قوله فيسحتكم فيهلككم وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس وهو قول أبو عبيدة قال وتقول سحته وأسحته بمعنى قال الطبري سحت أكثر من أسحت وروى من طريق قتادة في قوله فيسحتكم أي يستأصلكم والخطاب للسحرة ويقال أن اسم رؤسائهم غادون وسانور وخطخط والمصفا قوله المثلى تأنيث الامثل يقول بدينكم يقال خذ المثلى خذ الامثل قال أبو عبيدة في قوله بطريقتكم أي بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه والمثلى تأنيث الامثل تقول خذ المثلى منهما للانثيين وخذ الامثل منهما إذا كان ذكرا والمراد بالمثلى الفضلي قوله ثم ائتوا صفا يقال هل أتيت الصف اليوم يعني المصلي الذي يصلي فيه قال أبو عبيدة في قوله ثم ائتوا صفا أي صفوفا وله معنى آخر من قولهم هل أتيت الصف اليوم أي المصلي الذي يصلي فيه قوله فأوجس أضمر خوفا فذهبت الواو من خيفة لكسرة الخاء قال أبو عبيدة في قوله تعالى فأوجس منهم خيفة أي فأضمر منهم خيفة أي خوفا فذهبت الواو فصارت ياء من أجل كسرة الخاء قال الكرماني مثل هذا الكلام لا يليق بجلالة هذا الكتاب أن يذكر فيه انتهى وكأنه رأى فيه ما يخالف اصطلاح المتأخرين من أهل علم التصريف فقال ذلك حيث قالوا في مثل هذا أصل خيفة خوفة فقلبت الواو ياء لكونها بعد كسرة وما عرف أنه كلام أحد الرؤوس العلماء باللسان العربي وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري قوله في جذوع النخل على جذوع هو قول أبي عبيدة واستشهد بقول الشاعر هم صلبوا العبدي في جذع نخلة وقال إنما جاء على موضع في إشارة لبيان شدة التمكن في الظرفية قوله خطبك بالك قال أبو عبيدة في قوله قال فما خطبك أي ما بالك وشأنك قال الشاعر يا عجبا ما خطبه وخطبي وروى الطبري من طريق السدي في قول الله قال فما خطبك قال مالك يا سامري واسم السامري المذكور يأتي قوله مساس مصدر ماسه مساسا قال الفراء قوله لا مساس أي لا أمس ولا أمس والمراد أن موسى أمرهم أن لا يؤاكلوه ولا يخالطوه وقرئ لا مساس بفتح الميم وهي لغة فاشية واسم السامري موسى بن طفر وكان من قوم يعبدون البقر وقال أبو عبيدة في قوله تعالى لا مساس إذا كسرت الميم جاز النصب والرفع والجر بالتنوين وجاءت هنا منفية ففتحت بغير تنوين قال النابغة فأصبح من ذاك كالسامري إذ قال موسى له لا مساسا قال والمماسة والمخالطة واحد قال ومنهم من جعلها اسما فكسر آخرها بغير تنوين قال الشاعر

[ 305 ]

تميم كرهط السامري وقوله ألا لا مريد السامري مساس أجراها مجرى قطام وحزام قوله لننسفنه لنذرينه وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله لننسفنه في اليم نسفا يقول لنذرينه في البحر قوله الضحاء الحر قال أبو عبيدة في قوله تعالى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى أي لا تعطش ولا تضحى للشمس فتجد الحر وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس لا يصيبك فيها عطش ولا حر قلت وهذا الموضع وقع استطرادا وإلا فلا تعلق له بقصة موسى عليه السلام قوله قصيه اتبعي أثره وقد يكون أن يقص الكلام نحن نقص عليك أما الاول فهو قول مجاهد والسدي وغيرهما أخرجه بن جرير وقال أبو عبيدة في قوله تعالى وقالت لاخته قصيه أي اتبعي أثره تقول قصصت آثار القووأما الثاني فهو من قبل المصنف وأخت موسى اسمها مريم وافقتها في ذلك مريم بنت عمران والدة عيسى عليه السلام قوله عن جنب عن بعد وعن جنابة وعن اجتناب واحد روى ا لطبري من طريق مجاهد في قوله عن جنب قال عن بعد وقال أبو عبيدة في قوله تعالى فبصرت به عن جنب أي عن بعد وتجنب ويقال ما تأتينا الا عن جنابة وعن جنب قال الشاعر فلا تحرمني نائلا عن جنابة فإني امرؤ وسط القباب غريب وفي حديث القنوت الطويل عن بن عباس الجنب أن يسمو بصر الانسان إلى الشئ البعيد وهو إلى جنبه لم يشعر قوله قال مجاهد على قدر موعد وصله الفريابي من طريق أبي نجيح عنه وروى الطبري من طريق العوفي عن بن عباس في قوله على قدر يا موسى أي على ميقات قوله لا تنيا لا تضعفا وصله الفريابي أيضا عن مجاهد وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله لا تنيا في ذكري قال لا تبطئا قوله مكانا سوى منصف بينهم وصله الفريابي أيضا عن مجاهد وقال أبو عبيدة بضم أوله وبكسره كعدي وعدي والمعنى النصف والوسط قوله يبسا يابسا وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا أي يابسا وقال أبو عبيدة في قوله طريقا في البحر يبسا متحرك الحروف وبعضهم يسكن الباء وتقول شاة يبس بالتحريك أي يابسة ليس لها لبن قوله من زينة القوم الحلي الذي استعاروا من آل فرعون وصلى الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ولكنا حملنا اوزارا من زينة القوم أي الحلي الذي استعاروا من آل فرعون وهي الاثقال أي الاوزار وروى الطبري من طريق بن زيد قال الاوزار الاثقال وهي الحلي الذي استعاروه من آل فرعون وليس المراد بها الذنوب ومن طريق فتادة قال كان الله وقت لموسى ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر فلما مضت الثلاثون قال السامري لبني إسرائيل إنما أصابكم الذي أصابكم عقوبة بالحلى الذي كان معكم وكانوا قد استعاروا ذلك من آل فرعون فساروا وهي معهم فقذفوها إلى السامري فصورها صورة بقرة وكان قد صر في ثوبه قبضة من أثر حافر فرس جبريل فقذفها مع الحلي في النار فأخرج عجلا يخور قوله فقذفتها ألقيتها ألقى صنع وقع في رواية الكشميهني فقذفناها وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى فقبضت قبضة من أثر الرسول فقذفناها قال ألقيناها وفي قوله ألقى السامري أي صنع وفي قوله فنبذتها أي ألقيتها قوله فنسي موسى هم يقولونه أخطأ الرب وصله الفريابي عن مجاهد كذلك وروى الطبري من طريق السدي قال لما

[ 306 ]

خرج العجل فخار قال لهم السامري هذا الهكم واله موسى فنسي أي فنسي موسى وضل ومن طريق قتادة نحوه قال نسي موسى ربه ومن طريق سعيد بن جبير عن بن عباس فنسي أي السامري نسي ما كان عليه من الاسلام قوله أن لا يرجع إليهم قولا في العجل وصله الفريابي عن مجاهد كذلك وقال أبو عبيدة تقدير القراءة بالضم أنه لا يرجع ومن لم يضم العين نصب بأن تنبيه لمح المصنف بهذه التفاسير لما جرى لموسى في خروجه إلى مدين ثم في رجوعه إلى مصر ثم في أخباره مع فرعون ثم في غرق فرعون ثم في ذهابه إلى الطور ثم في عبادة بني إسرائيل العجل وكأنه لم يثبت عنده في ذلك من المرفوعات ما هو على شرطه وأصح ما ورد في جميع ذلك ما أخرجه النسائي وأبو يعلى بإسناد حسن عن بن عباس في حديث القنوت الطويل في قدر ثلاث ورقات وهو في تفسير طه عنده وعند بن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه وغيرهم ممن خرج التفسير المسند ثم ذكر المصنف في هذا الباب طرفا من حديث الاسراء من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة وسيأتي بتمامه في السيرة النبوية واقتصر منه هنا على قوله حتى أتى السماء الخامسة فإذا هارون الحديث بهذه القصة خاصة ثم قال تابعه ثابت وعباد بن أبي علي عن أنس وأراد بذلك أن هذين تابعا قتادة عن أنس في ذكر هارون في السماء الخامسة لا في جميع الحديث بل ولا في الاسناد فإن رواية ثابت موصولة في صحيح مسلم من طريق حماد بن سلمة عنه ليس فيها ذكر مالك بن صعصعة نعم فيها ذكر هارون في السماء الخامسة وكذلك في رواية عباد بن أبي علي وهو بصري ليس له في البخاري ذكر الا في هذا الموضوع ووافق ثابتا في أنه لم يذكر لانس فيه شيخا وقد وافقهما شريك عن أنس في ذلك وفي كون هارون في الخامسة وسيأتي حديثه في أثناء السيرة النبوية وأما قتادة فقال عن أنس عن مالك بن صعصعة وأما الزهري فقال عن أنس عن أبي ذر كما مضى في أول الصلاة ولم يذكر في حديثه هارون أصلا وإلى هذا أشار المصنف بالمتابعة والله أعلم قوله باب وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتب ايمانه إلى قوله هو مسرف كذاب كذا وقعت هذه الترجمة بغير حديث ولعله أخلى بياضا في الاصل فوصل كنظائره ووقع هذا في رواية النسفي مضمونا إلى ما في الباب الذي بعده وهو متجه واختلف في اسم هذا الرجل فقيل هو يوشع بن نون وبه جزم بن التين وهو بعيد لان يوشع كان من ذرية يوسف عليه السلام ولم يكن من آل فرعون وقد قيل أن قوله من آل فرعون متعلق بيكتم إيمانه والصحيح أن المؤمن المذكور كان من آل فرعون واستدل لذلك الطبري بأنه لو كان من بني إسرائيل لم يصغ فرعون إلى كلامه ولم يستمع منه وذكر الثعلبي عن السدي ومقاتل أنه بن بن عم فرعون وقيل اسمه شمعان بالشين المعجمة قال الدارقطني في المؤتلف لا يعرف شمعان بالشين المعجمة الا هذا وصححه السهيلي وعن الطبري اسمه حيزور وقيل حزقيل برحايا وقيل حربيال قاله وهب بن منبه وقيل حابوت وعن بن عباس اسمه حبيب وهو بن عم فرعون أخرجه عبد بن حميد وقيل هو حبيب النجار وهو غلط وذكر الوزير أبو القاسم المغربي في أدب الخواص أن اسم صاحب فرعون حوتكة بن سود بن أسلم من قضاعة وعزاه لرواية أبي هريرة قوله باب قول الله تعالى وهل أتاك حديث موسى وكلم الله موسى تكليما ذكر في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث أبي هريرة في صفة موسى وعيسى وغير ذلك ثانيها حديث بن عباس في ذلك وفيه ذكر يونس ثالثها حديثه في صوم عاشوراء وقوله في حديث

[ 307 ]

أبي هريرة رأيت موسى وإذا هو رجل ضرب بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة أي نحيف قوله رجل بفتح الراء وكسر الجيم أي دهين الشعر مسترسله وقال بن السكيت شعر رجل أي غير جعد قوله كأنه من رجال شنوءة بفتح المعجمة وضم النون وسكون الواو بعدها همزة ثم هاء تأنيث حي من اليمن ينسبون إلى شنوءة وهو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد ولقب شنوءة لشنآن كان بينه وبين أهله والنسبة إليه شنوئى بالهمز بعد الواو وبالهمز بغير واو قال بن قتيبة سمي بذلك من قولك رجل فيه شنوءة أي تقزز والتقزز بقاف وزايين التباعد من الادناس قال الداودي رجال الازد معروفون بالطول انتهى ووقع في حديث بن عمر عند المصنف بعد كأنه من رجال الزط وهم معروفون بالطول والادمة قوله ورأيت عيسى سيأتي الكلام على ذلك في ترجمة عيسى قوله وأنا أشبه ولد إبراهيم به أي الخليل عليه السلام وزاد مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر ورأيت جبريل فإذا أقرب الناس به شبها دحية قوله ثم أتيت ب إناءين سيأتي الكلام عليه في حديث الاسراء في السيرة النبوية إن شاء الله تعالى وقوله في حديث بن عباس سمعت أبا العالية وهو الرياحي بكسر الراء وتخفيف التحتانية ثم مهملة واسمه رفيع بالفاء مصغر وروى عن بن عباس آخر يقال له أبو العالية وهو البراء بالتشديد نسبة إلى بري السهام واسمه زياد بن فيروز وقيل غير ذلك وحديثه عن بن عباس سبق في تقصير الصلاة قوله لا ينبغي لعبد يأتي الكلام عليه في ترجمة يونس عليه السلام قوله وذكر النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به في رواية الكشميهني ليلة أسري بي على الحكاية وهذا الحديث الواحد أفرده أكثر الرواة فجعلوه حديثين أحدهما يتعلق بيونس عليه السلام والثاني حديث آخر وقوله فقال موسى آدم طوال زعم بن التين أنه وقع هنا آدم جسيم طوال ولم أر لفظ جسيم في هذه الرواية وقوله آدم بالمد أي أسمر وطوال بضم المهملة وتخفيف الواو وأما حديث بن عباس في صوم عاشوراء فسبق شرحه في كتاب الصيام قوله باب قول الله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة إلى قوله وأنا أول المؤمنين ساق في رواية كريمة الآيتين كلتيهما وقوله وأتممناها بعشر فيه إشارة إلى أن المواعدة وقعت مرتين وقوله صعقا أي مغشيا عليه قوله يقال دكة زلزلة هذا ذكره هنا لقوله في قصة موسى عليه السلام فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال أبو عبيدة جعله دكا أي مستويا مع وجه الارض وهو مصدر جعل صفة ويقال ناقة دكاء أي ذاهبة السنام مستو ظهرها ووقع عند بن مردويه مرفوعا ان الجبل ساخ في الارض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة وسنده واه وأخرجه بن أبي حاتم من طريق أبي مالك رفعه لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بمكة حرى وثور وثبير وثلاثة بالمدينة أحد ورضوى وورقان وهذا غريب مع إرساله قوله فدكتا فدككن جعل الجبال كالواحدة كما قال الله عزوجل إن السماوات والارض كانتا رتقا ولم يقل كن رتقا ذكر هذا استطراد إذ لا تعلق له بقصة موسى وكذا قوله رتقا ملتصقتين وقال أبو عبيدة الرتق التي ليس فيها ثقب ثم فتق الله السماء بالمطر وفتق الارض بالشجر قوله

[ 308 ]

أشربوا ثوب مشرب مصبوغ يشير إلى أنه ليس من الشرب وقال أبو عبيدة في قوله تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل أي سقوه حتى غلب عليهم وهو من مجاز الحذف أي أشربوا في قلوبهم حب العجل ومن قال إن العجل أحرق ثم ذرى في الماء فشربوه فلم يعرف كلام العرب لانها لا تقول في الماء أشرب فلان في قلبه قوله قال بن عباس انبجست انفجرت وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه كذلك قوله وإذ نتفنا الجبل رفعنا وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه أيضا ثم ذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث أبي هريرة في أن الناس يصعقون وسيأتي شرحه قريبا ثانيها حديثه لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم وسبق شرحه في ترجمة آدم قوله باب كذا لهم بغير ترجمة وهو كالفصل من الباب الذي فعله وتعلقه به ظاهر وسقط جميعه من رواية النسفي قوله طوفان من السيل ويقال للموت الكثير طوفان قال أبو عبيدة الطوفان مجاز من السيل وهو من الموت المتتابع الذريع قوله القمل الحنمان يشبه صغار الحلم قال أبو عبيدة القمل عند العرب هي الحمنان قال الاثرم الراوي عنه والحنمان يعني بالمهملة ضرب من القردان وقيل هي أصغر وقيل أكبر وقيل الدبا بفتح المهملة وتخفيف الموحدة مقصور قوله حقيق حق قال أبو عبيدة في قوله تعالى حقيق علي مجازه حق على أن لا أقول على الله إلا الحق وهذا على قراءة من قرأ حقيق علي بالتشديد وأما من قرأها على فإنه يقول معناه حريص أو محق قوله سقط كل من ندم فقد سقط في يده قال أبو عبيدة في قوله ولما سقط في أيديهم يقال لكل من ندم وعجز عن شئ سقط في يده قوله باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام ذكر فيه حديث بن عباس عن أبي بن كعب من وجهين وسيأتي

[ 309 ]

أولهما بأتم من سياقه في تفسير سورة الكهف ونستوفي شرحه هناك ووقع هنا في رواية أبي ذر عن المستملي خاصة عن الفربري حدثنا علي بخشرم حدثنا سفيان بن عيينة الحديث بطوله وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك في كتاب العلم وذكر المصنف في هذا الباب حديث أبي هريرة انما سمي الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء وتعلقه بالباب ظاهر من جهة ذكر الخضر فيه وقد زاد عبد الرزاق في مصنفه بعد أن أخرجه بهذا الاسناد الفرو الحشيش الابيض وما أشبهه قال عبد الله بن أحمد بعد أن رواه عن أبيه عنه أظن هذا تفسيرا من عبد الرزاق انتهى وجزم بذلك عياض وقال الحربي الفروة من الارض قطعة يابسة من حشيش وهذا موافق لقول عبد الرزاق وعن بن الاعرابي الفروة أرض بيضاء ليس فيها نبات وبهذا جزم الخطابي ومن تبعه وحكى عن مجاهد أنه قيل له الخضر لانه كان إذا صلى اخضر ما حوله والخضر قد اختلف في اسمه قبل ذلك وفي اسم أبيه وفي نسبه وفي نبوته وفي تعميره فقال وهب بن منبه هو بليا بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها تحتانية ووجد بخط الدمياطي في أول الاسم بنقطتين وقيل كالاول بزيادة ألف بعد الباء وقيل اسمه إلياس وقيل اليسع وقيل عامر وقيل خضرون والاول أثبت بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفشخند بن سام بن نوح فعلى هذا فمولده قبل إبراهيم الخليل لانه يكون بن عم جد إبراهيم وقد حكى الثعلبي قولين في أنه كان قبل الخليل أو بعده قال وهب وكنيته أبو العباس وروى الدارقطني في الافراد من طريق مقاتل عن الضحاك عن بن عباس قال هو بن آدم لصلبه وهو ضعيف منقطع وذكر أبو حاتم السجستاني في المعمرين أنه بن قابيل بن آدم رواه عن أبي عبيدة وغيره وقيل اسمه ارميا بن طيفاء حكاه بن إسحاق عن وهب وارميا بكسر أوله وقيل بضمه وأشبعها بعضهم واوا واختلف في اسم أبيه فقيل ملكان وقيل كلمان وقيل عاميل وقيل قابل والاول أشهر وعن إسماعيل بن أبي أويس هو المعمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن الازد وحكى السهيلي عن قوم أنه كان ملكا من الملائكة وليس من بني آدم وعن بن لهيعة كان بن فرعون

[ 310 ]

نفسه وقيل بن بنت فرعون وقيل اسمه خضرون بن عاييل بن معمر بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم وقيل كان أبوه فارسيا رواه الطبري مطريق عبد الله بن شوذب وحكى بن ظفر في تفسيره أنه كان من ذرية بعض من آمن بإبراهيم وقيل إنه الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه فلا يموت حتى ينفخ في الصو وروى الدارقطني في الحديث المذكور قال مد للخضر في أجله حتى يكذب الدجال وقال عبد الرزاق في مصنفه عن معمر في قصة الذي يقتله الدجال ثم يحييه بلغني أنه الخضر وكذا قال إبراهيم بن سفيان الراوي عن مسلم في صحيحه وروى بن إسحاق في المبتدئ عن أصحابه أن آدم أخبر بنية عند الموت بأمر الطوفان ودعا بمن يحفظ جسده بالتعمير حتى يدفنه فجمع نوح بنية لما وقع الطوفان وأعلمهم بذلك فحفظوه حتى كان الذي تولى دفنه الخضر وروى خيثمة بن سليمان من طريق جعفر الصادق عن أبيه أن ذا القرنين كان له صديق من الملائكة فطلب منه أن يدله على شئ يطول به عمره فدله على عين الحياة وهي داخل الظلمة فصار إليها والخضر على مقدمته فظفر بها الخضر ولم يظفر بها ذو القرنين وروى عن مكحول عن كعب الاحبار قال أربعة من الانبياء أحياء أمان لاهل الارض اثنان في الارض الخضر والياس واثنبن في السماء إدريس وعيسى وحكى بن عطية البغوي عن أكثر أهل العلم أنه نبي ثم اختلفوا هل هو رسول أم لا وقالت طائفة منهم القشيري هو ولي وقال الطبري في تاريخه كان الخضر في أيام أفريدون في قول عامة علماء الكتاب الاول وكان على مقدمة ذي القرنين الاكبر وأخرج النقاش أخبارا كثيرة تدل على بقائه لا تقوم بشئ منها حجة قاله بن عطية قال ولو كان باقيا لكان له في ابتداء الاسلام ظهور ولم يثبت شئ من ذلك وقال الثعلبي في تفسيره هو معمر على جميع الاقوال محجوب عن الابصار قال وقد قيل إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن وقال القرطبي هو نبي عند الجمهور والآية تشهد بذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتعلم ممن هو دونه ولان الحكم بالباطل لا يطلع عليه إلا الانبياء وقال بن الصلاح هو حي عند جمهور العلماء والعامة معهم في ذلك وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين وتبعه النووي وزاد أن ذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به أكثر من أن تحصر انتهى والذي جزم بأنه غير موجود الآن البخاري وإبراهيم الحربي وأبو جعفر بن المنادى وأبو يعلى بن الفراء وأبو طاهر العبادي وأبو بكر بن العربي وطائفة وعمدتهم الحديث المشهور عن بن عمر وجابر وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أخر حياته لا يبقى على وجه الارض بعد مائة سنة ممن هو عليها اليوم أحد قال بن عمر أراد بذلك إنخرام قرنه وأجاب من أثبت حياته بأنه كان حينئذ على وجه البحر أو هو مخصوص من الحديث كما خص منه إبليس بالاتفاق ومن حجج من أنكر ذلك قوله تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد وحديث بن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه أخرجه البخاري ولم يأت في خبر صحيح أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا قاتل معه وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم بدر اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض فلو كان الخضر موجودا لم يصح هذا النفوقال صلى الله عليه وسلم رحم الله موسى لوددنا لو كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما فلو كان الخضر موجودا لما حسن هذا التمني ولاحضره بين يديه وأراه العجائب وكان أدعى لايمان الكفرة لا سيما أهل الكتاب وجاء في إجتماعه مع النبي صلى الله عليه وسلم حديث ضعيف أخرجه

[ 311 ]

بن عدي من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع وهو في المسجد كلاما فقال يا أنس اذهب إلى هذا القائل فقل له يستغفر لي فذهب إليه فقال قل له إن الله فضلك على الانبياء بما فضل به رمضان على الشهور قال فذهبوا ينظرون فإذا هو الخضر إسناده ضعيف وروى بن عساكر من حديث أنس نحوه بإسناد أو هي منه وروى الدارقطني في الافراد من طريق عطاء عن بن عباس مرفوعا يجتمع الخضر والياس كل عام في الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويفترقان عن هؤلاء الكلمات بسم الله ما شاء الله الحديث في إسناده محمد بن أحمد بن زيد بمعجمة ثم موحدة ساكنة وهو ضعيف وروى بن عساكر من طريق هشام بن خالد عن الحسن بن يحيى عن بن أبي رواد نحوه وزاد ويشربان من ماء زمزم شربة تكفيهما إلى قابل وهذا معضل ورواه أحمد في الزهد بإسناد حسن عن بن أبي رواد وزاد أنهما يصومان رمضان ببيت المقدس وروى الطبري من طريق عبد الله بن شوذب نحوه وروى عن علي أنه دخل الطواف فسمع رجلا يقول يا من لا يشغله سمع عن سمع الحديث فإذا هو الخضر أخرجه بن عساكر من وجهين في كل منهما ضعف وهو في المجالسة من الوجه الثاني وجاء في اجتماعه ببعض الصحابة فمن بعدهم أخبار أكثرها واهي الاسناد منها ما أخرجه بن أبي الدنيا والبيهقي من حديث أنس لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم دخل رجل فتخطاهم فذكر الحديث في التعزية فقال أبو بكر وعلي هذا الخضر في إسناده عباد بن عبد الصمد وهو واه وروى سيف في الردة نحوه بإسناد آخر مجهول وروى بن أبي حاتم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي نحوه وروى بن وهب من طريق بن المنكدر أن عمر صلى على جنازة فسمع قائلا يقول لا تسبقنا فذكر القصة وفيها أنه دعا للميت فقال عمر خذوا الرجل فتوارى عنهم فإذا أثر قدمه ذراع فقال عمر هذا والله الخضر في إسناده مجهول مع انقطاعه وروى أحمد في الزهد من طريق مسعر عن معن بن عبد الرحمن عن عون بن عبد الله قال بينا رجل بمصر في فتنة بن الزبير مهموما إذ لقيه رجل فسأله فأخبره بإهتمامه بما فيه الناس من الفتن فقال قل اللهم سلمني وسلم مني قال فقالها فسلم قال مسعر يرون أنه الخضر وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه وأبو عروبة من طريق رباح بالتحتانية بن عبيدة قال رأيت رجلا يماشي عمر بن عبد العزيز معتمدا على يديه فلما انصرف قلت له من الرجل قال رأيته قلت نعم قال أحسبك رجلا صالحا ذاك أخي الخضر بشرني أني سأولى وأعدل لا بأس برجاله ولم يقع لي إلى الآن خبر ولا أثر بسند جيد غيره وهذا لا يعارض الحديث الاول في مائة سنة فإن ذلك كان قبل المائة وروى بن عساكر من طريق كرز بن وبرة قال أتاني أخ لي من أهل الشام فقال أقبل مني هذه الهدية إن إبراهيم التيمي حدثني قال كنت جالسا بفناء الكعبة أذكر الله فجاءني رجل فسلم علي فلم أر أحسن وجهمنه ولا أطيب ريحا فقلت من أنت فقال أنا أخوك الخضر قال فعلمه شيئا إذا فعله رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وفي إسناده مجهول وضعيف وروى بن عساكر في ترجمة أبي زرعة الرازي بسند صحيح أنه رأى وهو شاب رجلا نهاه عن غشيان أبواب الامراء ثم رآه بعد أن صار شيخا كبيرا على حالته الاولى فنهاه عن ذلك أيضا قال فالتفت لاكلمه فلم أره فوقع في نفسي أنه الخضر وروى عمر الجمحي في فرائده والفاكهي في كتاب مكة بسند فيه مجهول عن جعفر بن محمد أنه رأى شيخا كبيرا يحدث أباه ثم ذهب فقال له أبوه رده علي قال فتطلبته فلم أقدر عليه

[ 312 ]

فقال لي أبي ذاك الخضر وروى البيهقي من طريق الحجاج بن قرافصة أن رجلين كانا يتبايعان عند بن عمر قام عليهم رجل فنهاهما عن الحلف بالله ووعظهم بموعظة فقال بن عمر لاحدهما اكتبها منه فاستعاده حتى حفظها ثم تطلبه فلم يره قال وكانوا يرون أنه الخضر قوله باب كذا لابي ذر وغيره بغير ترجمة وهو كالفصل من الباب الذي قبله وتعلقه به ظاهر وأورد فيه أحاديث أحدها حديث أبي هريرة قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وسيأتي شرحه في تفسير الاعراف ثانيها حديثه أن موسى كان رجلا حييا بفتح المهملة وكسر التحتانية الخفيفة بعدها أخرى مثقلة بوزن فعيل من الحياء وقوله ستيرا بوزنه من الستر ويقال ستيرا بالتشديد قوله في الاسناد حدثنا عوف هو الاعرابي قوله عن الحسن ومحمد وخلاس أما الحسن فهو البصري وأما محمد فهو بن سيرين وسماعه من أبي هريرة ثابت فقد أخرج أحمد هذا الحديث عن عوف عن محمد وحده عن أبي هريرة وأما خلاس فبكسر المعجمة وتخفيف اللام وآخره مهملة هو بن عمر بصري يقال إنه كان على شرطة على وحديثه عنه في الترمذي والنسائي وجزم يحيى القطان بأن روايته عنه من صحيفته وقال أبو داود عن أحمد لم يسمع خلاس من أبي هريرة وقال بن أبي حاتم عن أبي زرعة كان يحيى القطان يقول روايته عن علي من كتاب وقد سمع من عمار وعائشة وابن عباس قلت إذا ثبت سماعه من عمار وكان على شرطة على كيف يمتنع سماعه من علي وقال أبو حاتم يقال وقعت عنده صحيفة عن علي وليس بقوي يعني في علي وقال صالح بن أحمد عن أبيه كان يحيى القطان يتوقى أن يحدث عن خلاس عن علي خاصة وأطلق بقية الائمة توثيقه قلت وما له في البخاري سوى هذا الحديث وقد أخرجه له مقرونا بغيره وأعاده سندا ومتنا في تفسير الاحزاب وله عنه حديث آخر أخرجه في الايمان والنذور مقرونا أيضا بمحمد بن سيرين عن أبي هريرة ووهم المزي فنسبه إلى الصوم وأما الحسن البصري فلم يسمع من أبي هريرة عند الحفاظ النقاد وما وقع في بعض الروايات مما يخالف ذلك فهو محكوم بوهمه عندهم وما له في البخاري عن أبي هريرة سوى هذا مقرونا وله حديث آخر في بدء الخلق مقرونا بابن سيرين وثالث ذكره في أوائل الكتاب في الايمان مقرونا بابن سيرين أيضا قوله لا يرى من جلده شئ استحياء منه هذا يشعر بأن اغتسال بني إسرائيل عراة بمحضر منهم كان جائزا في شرعهم وإنما اغتسل موسى وحده استحياء قوله وإما أدرة بضم الهمزة وسكون الدال على المشهور وبفتحتين أيضا فيما حكاه الطحاوي عن بعض مشايخه ورجح الاول وتقدم بيانه في كتاب الغسل ووقع في رواية بن مردويه من طريق عثمان بن الهيثم عن عوف الجزم بأنهم قالوا إنه آدر قوله فخلا يوما وحده فوضع ثيابه في رواية الكشميهني ثيابا أي ثيابا له والاول هو المعروف وظاهره أنه دخل الماء عريانا وعليه بوب المصنف في الغسل من اغتسل عريانا وقد قدمت توجيهه في كتاب الغسل ونقل بن الجوزي عن الحسن بن أبي بكر النيسابوري أن موسى نزل إلى الماء مؤتزرا فلما خرج تتبع الحجر والمئزر مبتل بالماء علموا عند رؤيته أنه غير آدر لان الادرة تبين تحت الثوب المبلول بالماء انتهى وهذا إن كان هذا الرجل قاله احتمالا فيحتمل لكن المنقول يخالفه لان في رواية علي بن زيد عن أنس عند أحمد في هذا الحديث أن موسى كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء قوله عدا بثوبه بالعين المهملة أي مضى مسرعا قوله ثوبي حجر ثوبي حجر هو بفتح

[ 313 ]

الياء الاخيرة من ثوبي أي أعطني ثوبي أو رد ثوبي وحجر بالضم على حذف حرف النداء وتقدم في الغسل بلفظ ثوبي يا حجر قوله وأبرأه مما يقولون في رواية قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عند بن مردويه وابن خزيمة وأعدله صورة وفي روايته فقالت بنو إسرائيل قاتل الله الافاكين وكانت براءته وفي رواية روح بن عبادة المذكور فرأوه كأحسن الرجال خلقا فبرأه مما قالوا قوله وقام حجر فأخذ بثوبه قلت كذا فيه وفي مسند إسحاق بن إبراهيم شيخ البخاري فيه وقام الحجر بالالف واللام وكذا أخرجه أبو نعيم وابن مردويه من طريقه قوله فوالله إن بالحجر لندبا ظاهره أنه بقية الحديث بين في رواية همام في الغسل أنه قول أبي هريرة قوله ثلاثا أو أربعا أو خمسا في رواية همام المذكور ستة أو سبعة ووقع عند بن مردويه من رواية حبيب بن سالم عن أبي هريرة الجزم بست ضربات قوله فذلك قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا لم يقع هذا في رواية همام وروى بن مردويه من طريق عكرمة عن أبي هريرة قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى الآية قال إن بني إسرائيل كانوا يقولون إن موسى آدر فانطلق موسى إلى النهر يغتسل فذكر نحوه وفي رواية علي بن زيد المذكورة قريبا في آخره فرأوه ليس كما قالوا فأنزل تعالى لا تكونوا كالذين آذوا موسى وفي الحديث جواز المشي عريانا للضرورة وقال بن الجوزي لما كان موسى في خلوة وخرج من الماء فلم يجد ثوبه تبع الحجر بناء على أن لا يصادف أحدا وهو عريان فاتفق أنه كان هناك قوم فاجتاز بهم كما أن جوانب الانهار وإن خلت غالبا لا يؤمن من وجود قوم قريب منها فبنى الامر على أنه لا يراه أحد لاجل خلاء المكان فاتفق رؤية من رآه والذي يظهر أنه استمر يتبع الحجر على ما في الخبر حتى وقف على مجلس لبني إسرائيل كان فيهم من قال فيه ما قال وبهذا تظهر الفائدة وإلا فلو كان الوقوف على قوم منهم في الجملة لم يقع ذلك الموقع وفيه جواز للنظر إلى العورة عند الضرور الداعية لذلك من مداواة أو براءة من عيب كما لو ادعى أحد الزوجين على الآخر البرص ليفسح النكاح فأنكر وفيه أن الانبياء في خلقهم وخلقهم على غاية الكمال وأن من نسب نبيا من الانبياء إلى نقص في خلقته فقد آذاه ويخشى على فاعله الكفر وفيه معجزة ظاهرة لموسى عليه السلام وأن الآدمي يغلب عليه طباع البشر لان موسى علم أن الحجر ما سار بثوبه إلا بأمر من الله ومع ذلك عامله معاملة من يعقل حتى ضربه ويحتمل أنه أراد بيان معجزة أخرى لقومه بتأثير الضرب بالعصا في الحجر وفيه ما كان في الانبياء عليهم الصلاة والسلام من الصبر على الجهال واحتمال أذاهم وجعل الله تعالى العاقبة لهم على من آذاهم وقد روى أحمد بن منيع في مسنده بإسناد حسن والطحاوي وابن مردويه من حديث على أن الآية المذكورة نزلت في طعن بني إسرائيل على موسى بسبب هارون لانه توجه معه إلى زيارة فمات هارون فدفنه موسى فطعن فيه بعض بني إسرائيل وقالوا أنت قتلته فبرأه الله تعالى بأن رفع لهم جسد هارون وهو ميت فخاطبهم بأنه مات وفي الاسناد ضعف ولو ثبت لم يكن فيه ما يمنع أن يكون في الفريقين معا لصدق أن كل منهما آذى موسى فبرأه الله مما قالوا والله أعلم ثم أورد المصنف في الباب حديث بن مسعود في قول الرجل إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله والغرض منه ذكر موسى وقد تقدم في أواخر فرض الخمس من الجهاد في باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي من المؤلفة وعين هناك

[ 314 ]

موضع شرحه والله أعلم قوله باب يعكفون على أصنام لهم متبر خسران وليتبروا يدمروا ما علوا ما غلبوا ثم ساق حديث جابر كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نجني الكباث وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليكم بالاسود منه فإنه أطيبه قالوا أكنت ترعى الغنم قال وهل من نبي إلا وقد رعاها والكباث بفتح الكاف والموحدة الخفيفة وآخره مثلثة هو ثمر الاراك ويقال ذلك للنضيج منه كذا نقله النووي عن أهل اللغة وقال أبو عبيد هو ثمر الاراك إذا يبس وليس له عجم وقال القزاز هو الغض من ثمر الاراك وإنما قال له الصحابة أكنت ترعى الغنم لان في قوله لهم عليكم بالاسود منه دلالة على تمييزه بين أنواع والذي يميز بين أنواع ثمر الاراك غالبا من يلازم رعي الغنم على ما ألفوه وقوله في الترجمة باب يعكفون على أصنام لهم أي تفسير ذلك والمراد تفسير قوله تعالى وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ولم يفسر المؤلف من الآية إلا قوله تعالى فيها إن هؤلاء متبر ما هم فيه فقال إن تفسير متبر خسران وهذا أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال في قوله ان هؤلاء متبر ما هم فيه قال خسران والخسران تفسير التتبير الذي اشتق منه المتبر وأما قوله وليتبروا ليدمروا فذكره استطرادا وهو تفسير قتادة أخرجه الطبري من طريق سعيد عنه في قوله وليتبروا ما علوا تتبيرا قال ليدمروا ما غلبوا عليه تدميرا وأما حديث جابر في رعي الغنم فمناسبته للترجمة غير ظاهرة وقال شيخنا بن الملقن في شرحه قال بعض شيوخنا لا مناسبة قال شيخنا بل هي ظاهر لدخول عيسى فيمن رعى الغنم كذا رأيت في النسخة وكأنه سبق قلم وإنما هو موسى لا عيسى وهذا مناسب لذكر المتن في أخبار موسى وأما مناسبة الترجمة للحديث فلا والذي يهجس في خاطري أنه كان بين التفسير المذكور وبين الحديث بياض أخلى لحديث يدخل في الترجمة ولترجمة تصلح لحديث جابر ثم وصل ذلك كما في نظائره ومناسبة حديث جابر لقصص موسى من جهة عموم قوله وهل من نبي إلا وقد رعاها فدخل فيه موسى كما أشار إليه شيخنا بل وقع في بعض طرق هذا الحديث ولقد بعث موسى وهو يرعى الغنم وذلك فيما أخرجه النسائي في التفسير من طريق أبي إسحاق عن نصر بن حزم قال افتخر أهل الابل والشاه فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعث موسى وهو راعي غنم الحديث ورجال إسناده ثقات ويؤيد هذا الذي قلت أنه وقع في رواية النسفي باب بغير ترجمة وساق فيه حديث جابر ولم يذكر ما قبله وكأنه حذف الباب الذي فيه التفاسير الموقوفة كما هو الاغلب من عادته واقتصر على الباب الذي فيه الحديث المرفوع وقد تكلف بعضهم وجه المناسبة وهو الكرماني فقال وجه المناسبة بينهما أن بني إسرائيل كانوا مجهالا مستضعفين جهالا ففضلهم الله على العالمين وسياق الآية يدل عليه أي فيما يتعلق ببني إسرائيل فكذلك الانبياء كانوا أولا مستضعفين بحيث أنهم كانوا يرعون الغنم انتهى والذي قاله الائمة أن الحكمة في رعاية الانبياء للغنم ليأخذوا أنفسهم بالتواضع وتعتاد قلوبهم بالخلوة ويترقوا من سياستها إلى سياسة الامم وقد تقدم إيضاح هذا في أوائل الاجارة ولم يذكر المصنف من الآيات بالعبارة والاشارة إلا قوله متبر ما هم فيه ولاشك أن قوله وهو فضلكم على العالمين إنما ذكر بعد هذا فكيف يحمل على أنه أشار إليه دون ما قبله فالمعتمد ما ذكرته ونقل الكرماني عن الخطابي قال أراد أن الله لم يضع النبوة في أبناء الدنيا والمترفين منهم وإنما جعلها في أهل التواضع كرعاة الشاة وأصحاب الحرف قلت هذه

[ 315 ]

أيضا مناسبة للمتن لا لخصوص الترجمة وقد نقل القطب الحلبي هذا عن الخطابي ثم قال وينظر في وجه مناسبة هذا الحديث للترجمة قوله باب وإذ قال موسى لقومه أن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة الآية لم يذكر فيه سوى شئ من التفسير عن أبي العالية وقصة البقرة أوردها آدم بن أبي إياس فتفسيره قال حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قال كان رجل من بني إسرائيل غنيا ولم يكن له ولد وكان له قريب وارث فقتله ليرثه ثم ألقاه على مجمع الطريق وأتى موسى فقال إن قريبي قتل وأتى إلى أمر عظيم وإني لا أجد أحدا يبين لي قاتله غيرك يا نبي الله فنادى موسى في الناس من كان عنده علم من هذا فليبينه فلم يكن عندهم علم فأوحى الله إليه قل لهم فليذبحوا بقرة فعجبوا وقالوا كيف نطلب معرفة من قتل هذا القتيل فنؤمر بذبح بقرة وكان ما قصة الله تعالى قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر يعني لا هرمة ولا صغيرة عوان بين ذلك أي نصف بين البكر والهرمة قالوا أدع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها أي صاف تسر الناظرين أي تعجبهم قالوا أدع لنا ربك يبين لنا ماهي الآية قال إنه يقول إنها بقره لا ذلول أي لم يذلها العمل تثير الارض يعني ليست بذلول فتثير الارض ولا تسقي الحرث يقول ولا تعمل في الحرث مسلمة أي من العيوب لا شية فيها أي لا بياض قالوا الآن جئت بالحق قالوا ولو أن القوم حين أمروا بذبح بقرة استرضوا أي بقرة كانت لاجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد عليهم ولولا أنهم استثنوا فقالوا وإنا إن شاء الله لمهتدون لما اهتدوا إليها أبدا فبلغنا أنهم لم يجدوها إلا عند عجوز فأغلت عليهم في الثمن فقال لهم موسى أنتم شددتم على أنفسكم فأعطوها ما سألت فذبحوها فأخذوا عظما منها فضربوا به القتيل فعاش فسمي لهم قاتله ثم مات مكانه فأخذ قاتله وهو قريبه الذي كان يريد أن يرثه فقتله الله على أسوأ عمله وأخرج بن جرير هذه القصة مطولة من طريق العوفي عن بن عباس ومن طريق السدي كذلك وأخرجها هو وابن أبي حاتم وعبد بن حميد بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين عن عبيدة بن عمرو السلماني أحد كبار التابعين وأما قوله صفراء أن شئت سوداء ويقال صفراء كقوله جمالات صفر فهو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى صفراء فاقع لونها إن شئت صفراء وإن شئت سوداء كقوله جمالات صفر أي سود والمعنى أن الصفرة يمكن حملها على معناها المشهور وعلى معنى السواد كما في قوله جمالات صفر فإنها فسرت بأنها صفتضرب إلى سواد وقد روى عن الحسن أنه أخذ أنها سوداء من قوله فاقع لونها وقوله فادارأتم اختلفتم هو قول أبي عبيدة أيضا قال وهو من التدارئ وهو التدافع قوله وفاة موسى وذكره بعد كذا لابي ذر بإسقاط باب ولغيره بإثباته وقوله وذكره بعد بضم دال بعد على البناء ثم أورد فيه أحاديث الاول حديث أبي هريرة في قصة موسى مع ملك الموت أورده موقوفا من طريق طاوس عنه ثم عقبة برواية همام عنه مرفوعا وهذا هو المشهور عن عبد الرزاق وقد رفع محمد بن يحيى عنه رواية طاوس أيضا أخرجه الاسماعيلي قوله أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام فلما جاءه صكه أي ضربه على عينه وفي رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد ومسلم جاء ملك الموت إلى موسى فقال أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها وفي رواية عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عند أحمد والطبري كان ملك الموت يأتي الناس عيانا فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه قوله لا يريد الموت زاد

[ 316 ]

همام وقد فقأ عيني فرد الله عليه عينه وفي رواية عمار فقال يا رب عبدك موسى فقأ عيني ولولا كرامته عليك لشققت عليه قوله فقل له يضع يده في رواية أبي يونس فقل له الحياة تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك قوله على متن بفتح الميم وسكون المثناة هو الظهر وقيل مكتنف الصلب بين العصب واللحم وفي رواية عمار على جلد ثور قوله فله بما غطى يده في رواية الكشميهني بما غطت يده قوله ثم الموت في رواية أبي يونس قال فالآن يا رب من قريب وفي رواية عمار فأتاه فقال له ما بعد هذا قال الموت قال فالآن والآن ظرف زمان غير متمكن وهو اسم لزمان الحال الفاصل بين الماضي والمستقبل قوله فسأل الله أن يدنيه من الارض المقدسة رمية بحجر قد تقدم شرح ذلك وبيانه في الجنائز قوله فلو كنت ثم بفتح المثلثة أي هناك قوله من جانب الطريفي رواية المستملي والكشميهني إلى جانب الطريق وهي رواية همام قوله تحت الكثيب الاحمر في روايتها عند الكثيب الاحمر وهي رواية همام أيضا والكثيب بالمثلثة وآخره موحدة وزن عظيم الرمل المجتمع وزعم بن حبان أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبيت المقدس وتعقبه الضياء بأن أرض مدين ليست قريبة من المدينة ولا من بيت المقدس قال وقد اشتهر عن قبر بأريحاء عنده كثيب أحمر أنه قبر موسى وأريحاء من الارض المقدسة وزاد عمار في روايته فشمه شمة فقبض روحه وكان يأتي الناس خفية يعني بعد ذلك ويقال إنه أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فمات وذكر السدي في تفسيره أن موسى لما دنت وفاته مشى هو وفتاه يوشع بن نون فجاءت ريح سوداء فظن يوشع أنها الساعة فالتزم موسى فانسل موسى من تحت القميص فأقبل يوشع بالقميص وعن وهب بن منبه أن الملائكة تولوا دفنه والصلاة عليه وأنه عاش مائة وعشرين سنة قوله قال وأخبرنا معمر عن همام الخ هو موصول بالاسناد المذكور ووهم من قال إنه معلق فقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر ومسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق كذلك وقوله في آخره نحوه أي أن رواية معمر عن همام بمعنى روايته عن بن طاوس لا بلفظه وقد بينت ذلك فيما مضى قال بن خزيمة أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وقالوا أن كان موسى عرفة لقد استخف به وأن كان لم يعرفه فكيف لم يقتص له من فق ء عينه والجواب أن الله لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ وإنما بعثه إليه اختبارا وإنما لطم موسى ملك الموت لانه رأى آدميا دخل داره بغير إذنه ولم يعلم أنه ملك الموت وقد أباح الشارع فق ء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة آدميين فلم يعرفاهم ابتداء ولو عرفهم إبراهيم لما قدم لهم المأكول ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه وعلى تقدير أن يكون عرفه فمن أين لهذا المبتدع مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر ثم من أين له أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم يقتص له ولخص الخطابي كلام بن خزيمة وزاد فيه أن موسى دفعه عن نفسه لما ركب فيه من الحدة وأن الله رد عين ملك الموت ليعلم موسى أنه جاءه من عند الله فلهذا استسلم حينئذ وقال النووي لا يمتنع أن يأذن الله لموسى في هذه اللطمة امتحانا للملطوم وقال غيره إنما لطمه لانه جاء لقبض روحه من قبل أن يخيره لما ثبت أنه لم يقبض نبي حتى يخير فلهذا لما خيره في المرة الثانية أذعن قيل وهذا أولى الاقوال بالصواب وفيه نظر لانه يعود أصل السؤال فيقال لم أقدم ملك الموت على قبض نبي الله وأخل بالشرط فيعود الجواب أن ذلك وقع

[ 317 ]

امتحانا وزعم بعضهم أن معنى قوله فقأ عينه أي أبطل حجته وهو مردود بقوله في نفس الحديث فرد الله عينه وبقوله لطمه وصكه وغير ذلك من قرائن السياق وقال بن قتيبة إنما فقأ موسى العين التي هي تخييل وتمثيل وليست عينا حقيقية ومعنى رد الله عينه أي أعاده إلى خلقته الحقيقية وقيل على ظاهره ورد الله إلى ملك الموت عينه البشرية ليرجع إلى موسى على كمال الصورة فيكون ذلك أقوى في اعتباره وهذا هو المعتمد وجوز بن عقيل أن يكون موسى أذن له أن يفعل ذلك بملك الموت وأمر ملك الموت بالصبر على ذلك كما أمر موسى بالصبر على ما يصنع الخضر وفيه أن الملك يتمثل بصورة الانسان وقد جاء ذلك في عدة أحاديث وفيه فضل الدفن في الارض المقدسة وقد تقدم شرح ذلك في الجنائز واستدل بقوله فلك بكل شعرة سنة على أن الذي بقي من الدنيا كثير جدالان عدد الشعر الذي تواريه اليد قدر المدة التي بين موسى وبعثه نبيا صلى الله عليه وسلم مرتين وأكثر واستدل به على جواز الزيادة في العمر وقد قال به قوم في قوله تعالى وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب أنه زيادة ونقص في الحقيقة وقال الجمهور والضمير في قوله من عمره للجنس لا للعين أي ولا ينقص من عمر آخر وهذا كقولهم عندي ثوب ونصفه أي ونصف ثوب آخر وقيل المراد بقوله ولا ينقص من عمره أي وما يذهب من عمره فالجميع معلوم عند الله تعالى والجواب عن قصة موسى أن أجله قد كان قرب حضوره ولم يبق منه إلا مقدار ما دار بينه وبين ملك الموت من المراجعتين فأمر بقبض روحه أولا مع سبق علم الله أن ذلك لا يقع إلا بعد المراجعة وإن لم يطلع ملك الموت على ذلك أولا والله أعلم الحديث الثاني حديث أبي هريرة أيضا كذا قوله أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب كذا قال شعيب عن الزهري وتابعه محمد بن أبي عتيق عن بن شهاب كما سيأتي في التوحيد وقال إبراهيم بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة والاعرج كما سيأتي في الرقاق والحديث محفوظ للزهري على الوجهين وقد جمع المصنف بين الروايتين في التوحيد إشارة إلى ثبوت ذلك عنه على الوجهين وله أصل من حديث الاعرج من رواية عبد الله بن الفضل عنه وسيأتي بعد ثلاثة أبواب ومن طريق أبي الزناد عنه كما سيأتي في الرقاق ومن طريق أبي سلمة عن أبي هريرة أخرجه الترمذي وابن ماجة من طريق محمد بن عمرو عنه ورواه مع أبي هريرة أبو سعيد وقد تقدم في الاشخاص بتمامه قوله استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود وقع في رواية عبد الله بن الفضل سبب ذلك وأول حديثه بينما يهودي يعرض سلعة أعطى بها شيئا كرهه فقال لا والذي اصطفى موسى على البشر ولم أقف على اسم هذا اليهودي في هذه القصة وزعم بن بشكوال أنه فنحاص بكسر الفاء وسكون النون ومهملتين وعزاه لابن إسحاق والذي ذكره بن إسحاق لفنحاص مع أبي بكر الصديق في لطمه إياه قصة أخرى في نزول قوله تعالى لقد سمع الله قول الذين قالوا أن الله فقير ونحن أغنياء الآية وأما كون اللاطم في هذه القصة هو الصديق فهو مصرح به فيما أخرجه سفيان بن عيينة في جامعه وابن أبي الدنيا في كتاب البعث من طريقه عن عمرو بن دينار عن عطاء وابن جدعان عن سعيد بن المسيب قال كان بين رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبين رجل من اليهود كلام في شئ فقال عمرو بن دينار هو أبو بكر الصديق فقال اليهودي والذي اصطفى موسى على البشر فلطمه المسلم

[ 318 ]

الحديث قوله فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم اليهودي أي عند سماعه قول اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين وإنما صنع ذلك فهمه من عموم لفظ العالمين فدخل فيه محمد صلى الله عليه وسلم وقد تقرر عند المسلم أن محمدا أفضل وقد جاء ذلك مبينا في حديث أبي سعيد أن الضارب قال لليهودي حين قال ذلك أي خبيث على محمد فدل على أنه لطم اليهودي عقوبة له على كذبه عنده ووقع في رواية إبراهيم بن سعد فلطم وجه اليهودي ووقع عند أحمد من هذا الوجه فلطم على اليهودي وفي رواية عبد الله بن الفضل فسمعه رجل من الانصار فلطم وجهه وقال أتقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وكذا وقع في حديث أبي سعيد أن الذي ضربه رجل من الانصار وهذا يعكر على قول عمرو بن دينار أنه أبو بكر الصديق إلا أن كان المراد بالانصار المعنى الاعم فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعا بل هو رأس من نصره ومقدمهم وسابقهم قوله فأخبره الذي كان من أمر المسلم زاد في رواية إبراهيم بن سعد فدعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلم فسأله عن ذلك فأخبره وفي رواية بن الفضل فقال أي اليهودي يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهدا فما بال فلان لطم وجهي فقال لم لطمت وجهه فذكره فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى رؤى في وجهه وفي حديث أبي سعيد فقال ادعوه لي فجاء فقال أضربته قال سمعته بالسوق يحلف فذكر القصة قوله لا تخيروني على موسى في رواية بن الفضل فقال لا تفضلوا بين أنبياء الله وفي حديث أبي سعيد لا تخيرو بين الانبياء قوله فان الناس يصعقون فأكون أول من يفيق في رواية إبراهيم بن سعد فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون أول من يفيق لم يبين في رواية الزهري من الطريقين محل الافاقة من أي الصعقتين ووقع في رواية عبد الله بن الفضل فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الارض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث وفي رواية الكشميهني أول من يبعث والمراد بالصعق غشي يلحق من سمع صوتا أو رأى شيئا يفزع منه وهذه الرواية ظاهرة في أن الافاقة بعد النفخة الثانية وأصرح من ذلك رواية الشعبي عن أبي هريرة في تفسير الزمر بلفظ إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الاخيرة وأما ما وقع في حديث أبي سعيد فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الارض كذا وقع بهذا اللفظ في كتاب الاشخاص ووقع في غيرها فأكون أول من يفيق وقد استشكل وجزم المزي فيما نقله عنه بن القيم في كتاب الروح أن هذا اللفظ وهم من راوية وأن الصواب ما وقع في رواية غيره فأكون أول من يفيق وأن كونه صلى الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الارض صحيح لكنه في حديث آخر ليس فيه قصة موسى انتهى ويمكن الجمع بأن النفخة الاولى يعقبها الصعق من جميع الخلق أحيائهم وأمواتهم وهو الفزع كما وقع في سورة النمل ففزع من في السماوات ومن في الارض ثم يعقب ذلك الفزع للموتى زيادة فيماهم فيه وللاحياء موتا ثم ينفخ الثانية للبعث فيفيقون أجمعين فمن كان مقبورا انشقت عنه الارض فخرج من قبره ومن ليس بمقبور لا يحتاج إلى ذلك وقد ثبت أن موسى ممن قبر في الحياة الدنيا ففي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مررت على موسى ليلة أسري بن عند الكثيب الاحمر وهو قائم يصلي في قبره أخرجه عقب حديث أبي هريرة وأبي سعيد المذكورين ولعله أشار بذلك إلى ما قررته وقد استشكل

[ 319 ]

كون جميع الخلق يصعقون مع أن الموتى لا إحساس لهم فقيل المراد أن الذين يصعقون هم أحياء وأما الموتى فهم في الاستثناء في قوله تعالى إلا من شاء الله أي إلا من سبق له الموت قبل ذلك فإنه لا يصعق وإلى هذا جنح القرطبي ولا يعارضه ما ورد في هذا الحديث أن موسى ممن استثني الله لان الانبياء أحياء عند الله وأن كانوا في صورة الاموات بالنسبة إلى أهل الدنيا وقد ثبت ذلك للشهداء ولا شك أن الانبياء أرفع رتبة من الشهداء وورد التصريح بأن الشهداء ممن استثنى الله أخرجه إسحاق بن راهويه وأبو يعلى من طريق زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة وقال عياض يحتمل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والارض وتعقبه القرطبي بأنه صرح صلى الله عليه وسلم بأنه حين يخرج من قبره يلقى موسى وهو متعلق بالعرش وهذا إنما هو عند نفخة البعث انتهى ويرده قوله صريحا كما تقدم أن الناس يصعقون فأصعق معهم إلى آخر ما تقدم قال ويؤيده أنه عبر بقوله أفاق لانه إنما يقال أفاق من الغشي وبعث من الموت وكذا عبر عن صعقة الطور بالافاقة لانها لم تكن موتا بلاشك وإذا تقرر ذلك كله ظهر صحة الحمل على أنها غشية تحصل للناس في الموقف هذا حاصل كلامه وتعقبه قوله فأكون أول من يفيق لم تختلف الروايات في الصحيحين في إطلاق الاولية ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عند أحمد والنسائي فأكون في أول من يفيق أخرجه أحمد عن أبي كامل والنسائي من طريق يونس بن محمد كلاهما عن إبراهيم فعرف أن إطلاق الاولية في غيرها محمول عليها وسببه التردد في موسى عليه السلام كما سيأتي وعلى هذا يحمل سائر ما ورد في هذا الباب كحديث أنس عند مسلم رفعه أنا أول من تنشق عنه الارض وحديث عبد الله بن سلام عند الطبراني قوله فإذا موسى باطش بجانب العرش أي آخذ بشئ من العرش بقوة والبطش الاخذ بقوة وفي رواية بن الفضل فإذا موسى آخذ بالعرش وفي حديث أبي سعيدآخذ بقائمة من قوائم العرش وكذا في رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قوله فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله أي فلم يكن ممن صعق أي فإن كان أفاق قبلي فهي فضيلة ظاهرة وأن كان ممن استثنى الله فلم يصعق فهي فضيلة أيضا ووقع في حديث أبي سعيد فلا أدري كان فيمن صعق أي فأفاق قبلي أم حوسب بصعقته الاولى أي التي صعقها لما سأل الرؤية وبين ذلك بن الفضل في روايته بلفظ أحوسب بصعقته يوم الطور والجمع بينه وبين قوله أو كان ممن استثنى الله أن في رواية بن الفضل وحديث أبي سعيد بيان السبب في استثنائه وهو أنه حوسب بصعقته يوم الطور فلم يكلف بصعقة أخرى والمراد بقوله ممن استثنى الله قوله إلا من شاء الله وأغرب الداودي الشارح فقال معنى قوله استثنى الله أي جعله ثانيا كذا قال وهو غلط شنيع وقد وقع في مرسل الحسن في كتاب البعث لابن أبي الدنيا في هذا الحديث فلا أدري أكان ممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة أو بعث قبلي وزعم بن القيم في كتاب الروح أن هذه الرواية وهو قوله أكان ممن استثنى الله وهم من بعض الرواة والمحفوظ أو جوزي بصعقة الطور قال لان الذي استثنى الله قد ماتوا من صعقة النفخة لا من الصعقة الاخرى فظن بعض الرواة أن هذه صعقة النفخة وأن موسى داخل فيمن استثنى الله قال وهذا لا يلتئم على سياق الحديث فإن الاقامة حينئذ هي إفاقة البعث فلا يحسن التردد فيها وأما الصعقة العامة فإنها تقع إذا جمعهم الله تعالى لفصل القضاء فيصعق الخلق حينئذ جميعا إلا من

[ 320 ]

شاء الله ووقع التردد في موسى عليه السلام قال ويدل على ذلك قوله وأكون أول من يفيق وهذا دال على أنه ممن صعق وتردد في موسى هل صعق فأفاق قبله أم لم يصعق قال ولو كان المراد الصعقة الاولى للزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم جزم بأنه مات وتردد في موسى هل مات أم لا والواقع أن موسى قد كان مات لما تقدم من الادلة فدل على أنها صعقة فزع لا صعقة موت والله أعلم ووقع في رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عند ابن مردويه أنا أول من تنشق عنه الارض يوم القيامة فأنفض التراب عن رأسي فأتي قائمة العرش فأجد موسى قائما عندها فلا أدري أنفض التراب عن رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله ويحتمل قوله في هذه الرواية أنفض التراب قبلي تجويز المعية في الخروج من القبر أو هي كناية عن الخروج من القبر وعلى كل تقدير ففيه فضيلة لموسى كما تقدم تكميل زعم بن حزم أن النفخات يوم القيامة أربع الاولى نفخة إماتة يموت فيها من بقي حيا في الارض والثانية نفخة إحياء يقوم بها كل ميت وينشرون من القبور ويجمعون للحساب والثالثة نفخة فزع وصعق يفيقون منها كالمغشي عليه لا يموت منها أحد والرابعة نفخة إفاقة من ذلك الغشي وهذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعا ليس بواضح بل هما نفختان فقط ووقع التغاير في كل واحدة منهما باعتبار من يستمعها فالاول يموت بها كل من كان حيا ويغشى على من لم يمت ممن استثنى الله والثانية يعيش بها من مات ويفيق بها من غشي عليه والله أعلم قال العلماء في نهيه صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين الانبياء إنما نهى عن ذلك من يقوله برأيه لا من يقوله بدليل أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع أو المراد لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائل بحيث لا يترك للمفضول فضيلة فالامام مثلا إذا قلنا إنه أفضل من المؤذن لا يستلزم نقص فضيلة المؤذن بالنسبة إلى الاذان وقيل النهي عن التفضيل إنما هو في حق النبوة نفسها كقوله تعالى لا نفرق بين أحد من رسله ولم ينه عن تفضيل بعض الذوات على بعض لقوله تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض وقال الحليمي الاخبار الواردة في النهي عن التخيير إنما هي في مجادلة أهل الكتاب وتفضيل بعض الانبياء على بعض بالمخايرة لان المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين لا يؤمن أن يخرج أحدهما إلى الازدراء بالآخر فيفضي إلى الكفر فأما إذا كان التخيير مستندا إلى مقابلة الفضائل لتحصيل الرجحان فلا يدخل في النهي وسيأتي مزيد لذلك في قصة يونس إن شاء الله تعالى الحديث الثالث حديث أبي هريرة احتج آدم وموسى سيأتي شرحه في كتاب القدر والغرض منه شهادة آدم لموسى أن الله اصطفاه تنبيه قوله ثم تلومني كذا للاكثر بالمثلثة والميم المشددة ووقع للاصيلي والمستملي بالموحدة وتخفيف الميم الحديث الرابع حديث بن عباس في عرض الامم أورد مختصرا وسيأتي بتمامه مع شرحه في الرقاق إن شاء الله تعالى وفيه أن أمة موسى أكثر الامم بعد أمة محمد صلى الله عليه وسلم قوله باب قول الله تعالى وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إلى قوله وكانت من القانتين كذا للاكثر وسقط من رواية أبي ذر للذين آمنوا امرأة فرعون والغرض من هذه الترجمة ذكر آسية وهي بنت مزاحم امرأة فرعون قيل إنها من بني إسرائيل وإنها عمة موسى وقيل إنها من العماليق وقيل ابنة عم فرعون وأما مريم فسيأتي ذكرها مفردا بعد قوله عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني مرة والد عمرو غير مرة شيخه وهو عمرو بن مرة بن عبيد الله بن طارق الجملي بفتح الجيم

[ 321 ]

والميم المرادي ثقة عابد من صغار التابعين وقد وقع في الاطعمة عمرو بن مرة الجملي وأما شيخه مرة فهو بن شراحيل مخضرم ثقة عابد أيضا من كبار التابعين ويقال له مرة الطيب ومرة الخير قوله كمل بضم الميم وبفتحها قوله ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران استدل بهذا الحصر على أنهما نبيتان لان أكمل النوع الانساني الانبياء ثم الاولياء والصديقون والشهداء فلو كانتا غير نبيتين للزم ألا يكون في النساء ولية ولا صديقة ولا شهيدة والواقع أن هذه الصفات في كثير منهن موجودة فكأنه قال ولم ينبأ من النساء إلا فلانة وفلانة ولو قال لم تثبت صفة الصديقية أو الولاية أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة لم يصح لوجود ذلك في غيرهن إلا أن يكون المراد في الحديث كمال غير الانبياء فلا يتم الدليل على ذلك لاجل ذلك والله أعلم وعلى هذا فالمراد من تقدم زمانه صلى الله عليه وسلم ولم يتعرض لاحد من نساء زمانه الا لعائشة وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة رضي الله عنها على غيرها لان فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير المؤنة وسهولة الاساغة وكان أجل أطعمتهم يومئذ وكل هذه الخصال لا تسلتزم ثبوت الافضلية له من كل جهة فقد يكون مفضولا بالنسبة لغيره من جهات أخرى وقد ورد في هذا الحديث من الزيادة بعد قوله ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد أخرجه الطبراني عن يوسف بن يعقوب القاضي عن عمرو بن مرزوق عن شعبة بالسند المذكور هنا وأخرجه أبو نعيم في الحليه في ترجمة عمرو بن مرة أحد رواته عند الطبراني بهذا الاسناد وأخرجه الثعلبي في تفسيره من طريق عمرو بن مرزوق به وقد ورد من طريق صحيح ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة على غيرهما وذلك فيما سيأتي في قصة مريم من حديث علي بلفظ خير نسائها خديجة وجاء في طريق أخرى ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة وذلك فيما أخرجه بن حبان وأحمد وأبو يعلى والطبراني وأبو داود في كتاب الزهد والحاكم كلهم من طريق موسى بن عقبة عن كريب عن بن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وله شاهد من حديث أبي هريرة في الاوسط للطبراني ولاحمد في حديث أبي سعيد رفعه فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران وإسناده حسن وأن ثبت ففيه حجة لمن قال إن آسية امرأة فرعون ليست نبيه وسيأتي في مناقب فاطمة قوله صلى الله عليه وسلم لها إنها سيدة نساء أهل الجنة مع مزيد بسط لهذه المسألة هناك إن شاء الله تعالى ويأتي في الاطعمة زيادة فيما يتعلق بالثريد قال القرطبي الصحيح أن مريم نبيه لان الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها وقال الكرماني لا يلزم من لفظ الكمال ثبوت نبوتها لانه يطلق لتمام الشئ وتناهيه في بابه فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء قال وقد نقل الاجماع على عدم نبوة النساء كذا قال وقد نقل عن الاشعري أن من النساء من نبئ وهن ست حواء وسارة وأم موسى وهاجر وآسية ومريم والضابط عنده أن من جاءه الملك عن الله بحكم من أمر أو نهى أو بإعلام مما سيأتي فهو نبي وقد ثبت مجئ الملك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك من عند الله عزوجل ووقع التصريح بالايحاء لبعضهن في القرآن وذكر بن حزم في الملل والنحل أن هذه المسألة لم يحدث التنازع فيها إلا في عصره بقرطبة وحكى عنهم أقوالا ثالثها الوقف

[ 322 ]

قال وحجة المانعين قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا قال وهذا لاحجة فيه فإن أحدا لم يدع فيهن الرسالة وإنما الكلام في النبوة فقط قال وأصرح ما ورد في ذلك قصة مريم وفي قصة أم موسى ما يدل على ثبوت ذلك لها من مبادرتها بالقاء ولدها في البحر بمجرد الوحي إليها بذلك قال وقد قال الله تعالى بعد أن ذكر مريم والانبياء بعدها أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين فدخلت في عمومه والله أعلم ومن فضائل آسية امرأة فرعون أنها اختارت القتل على الملك والعذاب في الدنيا على النعيم الذي كانت فيه وكانت فراستها في موسى عليه السلام صادقة حين قالت قرة عين لي قوله باب أن قارون كان من قوم موسى الآية هو قارون بن يصفد بن يصهر بن عم موسى وقيل كان عم موسى والاول أصح فقد روى بن أبي حاتم بإسناد صحيح عن بن عباس أنه كان بن عم موسى قال وكذا قال قتادة وإبراهيم النخعي و عبد الله بن الحارث وسماك بن حرب واختلف في تفسير بغي قارون فقيل الحسد لانه قال ذهب موسى وهارون بالامر فلم يبق لي شئ وقيل إنه وطأ امرأة من البغايا أن تقذف موسى بنفسها فألهمها الله أن اعترفت بأنه هو الذي حملها على ذلك وقيل الكبر لانه طغى بكثرة ماله وقيل هو أول من أطال ثيابه حتى زادت على قامته شبرا قوله لتنوء لتثقل هو تفسير بن عباس أورده بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة يقول تثقل قوله قال بن عباس أولى القوة لا يرفعها العصبة من الرجال واختلف في العصبة فقيل عشرة وقيل خمسة عشر وقيل أربعون وقيل من عشرة إلى أربعين قوله الفرحين المرحين هو تفسير بن عباس أورده بن أبي حاتم أيضا من طريق بن أبي طلحة عنه في قوله ان الله لا يحب الفرحين أي المرحين والمعنى أنهم يبطرون فلا يشكرون الله على نعمه قوله ويكأن الله مثل ألم تر أن الله هو قول أبي عبيدة واستشهد بقول الشاعر ويكأن ميكن له نشب يجيب ومن يفتقر يعش عيش ضر وذهب قطرب إلى أن وي كلمة تفجع وكأن حرف تشبيه وعن الفراء هي كلمة موصولة قوله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر يوسع عليه ويضيق قال أبو عبيدة في قوله قل أن ربي يبسط الرزق لمن يشاء يوسع ويكثر وفي قوله ويقدر هو مثل قوله ومن قدر عليه رزقه أي ضاق تنبيه لم يذكر المصنف في قصة قارون إلا هذه الآثار وهي ثابتة في رواية المستملى والكشميهني فقط وقد أخرج بن أبي حاتم بإسناد صحيح عن بن عباس قال كان موسى يقول لبني إسرائيل إن الله يأمركم بكذا حتى دخل عليهم في أموالهم فشق ذلك على قارون فقال لبني إسرائيل إن موسى يقول من زنى رجم فتعالوا نجعل لبغى شيئا حتى تقول إن موسى فعل بها فيرجم فنستريح منه ففعلوا ذلك فلما خطبهم موسى قالوا له وإن كنت أنت قال وأن كنت أنا فقالوا فقد زنيت فجزع فأرسلوا إلى المرأة فلما جاءت عظم عليها موسى وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل إلا صدقت فأقرت بالحق فخر موسى ساجدا يبكي فأوحى الله إليه إني أمرت الارض أن تطيعك فأمرها بما شئت فأمرها فخسفت بقارون ومن معه وكان من قصة قارون أنه حصل أموالا عظيمة جدا حتى قيل كانت مفاتيح خزائنه كانت من جلود تحمل على أربعين بغلا وكان يسكن تنيس فحكى أن عبد العزيز الحروري ظفر ببعض كنوز قارون وهو أمير على تنيس فلما مات تأمر ابنه علي

[ 323 ]

مكانه وتورع ابنه الحسن بن عبد العزيز عن ذلك فيقال إن عليا كتب إلى أخيه الحسن إني استطيبت لك ممال أبيك مائة ألف دينار فخذها فقال أنا تركت الكثير من ماله لانه لم يطب لي فكيف آخذ هذا القليل وقد روى البخاري في هذا الصحيح عن الحسن بن عبد العزيز هذا قوله باب قول الله تعالى وإلى مدين أخاهم شعيبا هو شعيب بن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يعقوب كذا قال بن إسحاق ولا يثبت وقيل يشجر بن عنقا بن مدين بن إبراهيم وقيل هو شعيب بن صفور بن عنقا بن ثابت بن مدين وكان مدين ممن آمن بإبراهيم لما حرق وروى بن حبان في حديث أبي ذر الطويل أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ومحمد فعلى هذا هو من العرب العاربة وقيل إنه من بني عنزة بن أسد ففي حديث سلمة بن سعيد العنزي أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فانتسب إلى عنزة فقال نعم الحي عنزة مبغي عليهم منصورون رهط شعيب وأختان موسى أخرجه الطبراني وفي إسناده مجاهيل قوله إلى أهل مدين لان مدين بلد ومثله واسأل القرية واسأل العير يعني أهل القرية وأهل العير هو قول أبي عبيدة قاله في تفسير سورة هود قوله وراءكم ظهريا لم يلتفتوا إليه ويقال إذا لم تقض حاجته ظهرت حاجتي وجعلتني ظهريا قال الظهري أن تأخذ معك دابة أو وعاء تستظهر به قال أبو عبيدة في قوله وراءكم ظهريا أي ألقيتموه خلف ظهوركم فلم تلتفتوا إليه وتقول للذي لا يقضي حاجتك ولا يلتفت إليها ظهرت بحاجتي وجعلتها ظهرية أي خلف ظهرك قال الشاعر وجدنا بني البرصاء من ولد الظهر أي من الذين يظهرون بهم ولا يلتفتون إليهم قوله مكانتهم ومكانهم واحد هكذا وقع وإنما هو في قصة شعيب مكانتكم في قوله ويا قوم اعملوا على مكانتكم ثم هو قول أبي عبيدة قال في تفسير سورة يس في قوله مكانتهم المكان والمكانة واحد قوله يغنوا يعيشوا قال أبو عبيدة في قوله تعالى كأن لم يغنوا فيها أي لم ينزلوا فيها ولم يعيشوا فيها قال والمغنى الدار الجمع مغانى يغني بالغين المعجمة قوله تأس تحزن آسي أحزن قال أبو عبيدة في قوله فكيف آسى أي أحزن وأندم وأتوجع والصدر الاسي وأما قوله تأس تحزن فهو من قوله تعالى لموسى فلا تأس على القوم الفاسقين وذكره المصنف هنا استطراد قوله وقال الحسن إنك لانت الحليم الرشيد يستهزئون به وصله بن أبي حاتم من طريق أبي المليح عن الحسن البصر بهذا وأراد الحسن أنهم قالوا له ذلك على سبيل الاستعارة التهكمية ومرادهم عكس ذلك قوله وقال مجاهد ليكة الايكة يوم الظلة اظلال العذاب عليهم وصله بن أبي حاتم من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله كذب أصحاب ليكة كذا قرأها وهي قراءة أهل مكة بن كثير وغيره وفي قوله عذاب يوم الظلة قال اظلال العذاب إياهم تنبيه لم يذكر المصنف في قصة شعيب سوى هذه الآثار وهي للكشميهني والمستملي فقط قد ذكر الله تعالى قصته في الاعراف وهود والشعراء والعنكبوت وغيرها وجاء عن قتادة أنه أرسل إلى أمتين أصحاب مدين وأصحاب الايكة ورجح بأنه وصف في أصحاب مدين بأنه أخوهم بخلاف أصحاب الايكة وقال في أصحاب مدين أخذتهم الرجفة والصيحة وفي أصحاب الايكة أخذهم عذاب يوم الظلة والجمهور على أن أصحاب مدين هم أصحاب الايكة وأجابوا عن ترك ذكر الاخوة في أصحاب الايكة بأنه لما كانوا يعبدون الايكة ووقع في صدر الكلام بأنهم أصحاب الايكة ناسب أن لا يذكر الاخوة وعن الثاني

[ 324 ]

بأن المغايرة في أنواع العذاب أن كانت تقتضي المغايرة في المعذبين فليكن الذين عذبوا بالرجفة غير الذين عذبوا بالصيحة والحق إنهم أصابهم جميع ذلك فإنهم أصابهم حر شديد فخرجوا من البيوت فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فرجفت بهم الارض من تحتهم وأخذتهم الصيحة من فوقهم وسيأتي الكلام على الايكة في التفسير إن شاء الله تعالى قوله باب قول الله تعالى وإن يونس لمن المرسلين إلى قوله وهو مليم هو يونس بن متى بفتح الميم وتشديد المثناة مقصور ووقع في تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمه وهو مردود بما في حديث بن عباس في هذا الباب ونسبه إلى أبيه فهذا أصح ولم أقف في شئ من الاخبار على اتصال نسبه وقد قيل إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس قوله قال مجاهد مذنب يعني تفسير قوله وهو مليم وقد أخرجه بن جرير من طريق مجاهد قال فالتقمه الحوت وهو مليم من ألام الرجل إذا أتى بما يلام عليه ثم قال الطبري المليم هو المكتسب اللوم قوله والمشحون الموقر وصله بن أبي حاتم من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد قال المشحون المملوء ومن طريق سعيد بن جبير عن بن عباس المشحون الموقر قوله فلولا أنه كان من المسبحين الآية فنبدناه بالعراء بوجه الارض قال أبو عبيدة في قوله فنبذناه بالعراء أي بوجه الارض والعرب تقول نبذته بالعراء أي بالارض الفضاء قال الشاعر ونبذت بالبلد العراء ثيابي والعراء الذي لا شئ فيه يواري من شجر ولا غيره وقال الفراء العراء المكان الخالي قوله من يقطين من غير ذات أصل الدباء ونحوه وصله عبد بن حميد من طريق مجاهد وزاد ليس لها ساق وكذا قال أبو عبيدة كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطين نحو الدباء والحنظل والبطيخ والمشهور أنه القرع وقيل التين وقيل الموز وجاء في حديث مرفوع في القرع هي شجرة أخي يونس قوله ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم كظيم مغموم كذا فيه والذي قاله أبو عبيدة في قوله تعالى إذ نادى وهو مكظوم أي من الغم مثل كظيم وروى بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله وهو مكظوم يقول مغموم ثم ذكر حديث بن مسعود لا يقولن أحدكم أني خير من يونس بن متى وحديث بن عباس لا ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه وحديث أبي هريرة في قصة المسلم الذي لطم اليهودي وقد تقدم شرحها في أواخر قصة موسى وقال في آخره في هذه الرواية ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى وحديثه من وجه آخر مختصرا مقتصرا على مثل لفظ حديث بن عباس وقد وقع في حديث عبد الله بن جعفر عند الطبراني بلفظ لا ينبغي لنبي أن يقول الخ وهذا يؤيد أن قوله في الطريق الاولى أن المراد بها النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية للطبراني في حديث بن عباس ما ينبغي لاحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس وفي رواية للطحاوي أنه سبح الله في الظلمات فأشار إلى جهة الخيرية المذكورة وأما قوله في الرواية الاولى ونسبه إلى أبيه ففيه إشارة إلى الرد على من زعم أن متى اسم أمه وهو محكى عن وهب بن منبه في المبتدأ وذكره الطبري وتبعه بن الاثير في الكامل والذي في الصحيح أصح وقيل سبب قوله ونسبه إلى أبيه أنه كان في الاصل يونس بن فلان فنسي الراوي اسم الاب وكنى عنه بفلان وقيل إن ذلك هو السبب في نسبته إلى أمه فقال الذي نسي اسم ابيه يونس بن متى وهو أمه ثم اعتذر فقال ونسبه أي شيخه إلى أبيه أي سماه فنسبه ولا يخفي بعد هذا هذا التأويل وتكلفه قال العلماء إنما قال صلى الله عليه وسلم

[ 325 ]

ذلك تواضعا إن كان قال بعد أن أعلم أنه أفضل الخلق وإن كان قاله قبل علمه بذلك فلا إشكال وقيل خص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له فبالغ في ذكر فضله لسد هذه الذريعة وقد روى قصته السدي في تفسيره لاسانيده عن بن مسعود وغيره أن الله بعث يونس إلى أهل نينوى وهي من أرض الموصل فكذبوه فوعدهم بنزول العذاب في وقت معين وخرج عنهم مغاضبا لهم فلما رأوا آثار ذلك خضعوا وتضرعوا وآمنوا فرحمهم الله فكشف عنهم العذاب وذهب يونس فركب سفينة فلججت به فاقترعوا فيمن يطرحونه منهم فوقعت القرعة عليه ثلاثا فالتقمه الحوت وروى بن أبي حاتم من طريق عمرو بن ميمون عن بن مسعود بإسناد صحيح إليه نحو ذلك وفيه وأصبح يونس فأشرف على القرية فلم ير العذاب وقع عليهم وكان في شريعتهم من كذب قتل فانطلق مغاضبا حتى ركب سفينة وقال فيه فقال لهم يونس إن معهم عبدا آبقا من ربه وإنها لا تسير حتى تلقوه فقالوا لا نلقيك يا نبي الله أبدا قال فاقترعوا فخرج عليه ثلاث مرات فألقوه فالتقمه الحوت فيلغ به قرار الارض فسمع تسبيح الحصي فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت الآية وروى البزار وابن جرير من طريق عبد الله بن نافع عن أبي هريرة رفعه لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أمر الله الحوت أن لا يكسر له عظما ولا يخدش له لحما فلما انتهى به إلى قعر البحر سبح الله فقالت الملائكة يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة قال ذاك عبدي يونس شفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل قال بن مسعود كهيئة الفرخ ليس عليه ريش وروى بن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك قال لبث في بطن الحوت أربعين يوما ومن طريق جعفر الصادق قال سبعة أيام ومن طريق قتادة قال ثلاثا ومن طريق الشعبي قال التقمه ضحى ولفظه عشية قوله باب قوله تعالى واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر الجمهور أن القرية المذكورة أيلة وهي التي على طريق الحاج الذاهب إلى مكة من مصر وحكى بن التين عن الزهري أنها طبرية قوله إيعدون في السبت يتعدون يتجاوزون قال أبو عبيدة في قوله تعالى إذ يعدون في السبت أي يتعدون فيه عما أمروا به ويتجازون قوله شرعا شوارع إلى قوله كونوا قردة خاسئين هو قول أبي عبيدة أيضا قوله بئيس شديد قال أبو عبيدة في قوله تعالى فأخذناهم بعذاب بئيس أي شديد وزنا ومعنا قال الشاعر حنقا علي وما ترى لي فيهم أمرا بئيسا وهذا على إحدى القراءتين والاخرى بوزن حذر وقرئ شاذا بوزن هين وهين مذكرين تنبيه لم يذكر المصنف في هذه القصة حديثا مسندا وقد روى عبد الرزاق من حديث بن عباس في سند فيه مبهم وحكاه مالك عن يزيد بن رومان معضلا وكذا قال قتادة إن أصحاب السبت كانوا من أهل أيلة وأنهم لما تحيلوا على صيد السمك بأن نصبوا الشباك يوم السبت ثم صادوها يوم الاحد فأنكر عليهم قول ونهوهم فأغلظوا لهم فقالت طائفة أخرى دعوهم واعتزلوا بنا عنهم فأصبحوا يوما فلم يروا الذين اعتدوا فتحوا أبوابهم فأمروا رجلا أن يصعد على سلم فأشرف عليهم فرآهم قد صاروا قردة فدخلوا عليهم فجعلوا يلوذون بهم فيقول الذين نهوهم ألم نقل لكم ألم ننهكم فيشيرون برؤوسهم وروى بن أبي حاتم من طريق مجاهد عن بن عباس أنهم لم يعيشوا إلا قليلا وهلكوا وروى بن جرير من طريق العوفي عن بن عباس صار شبابهم قردة وشيوخهم خنازير قوله باب قول الله تعالى وآتينا داود زبورا

[ 326 ]

هو داود بن إيشا بكسر الهمز وسكون التحتانية بعدها معجمة بن عوبد بوزن جعفر بمهملة وموحدة بن باعر بموحدة ومهملة مفتوحة بن سلمون بن يا رب بتحتانية وآخره موحدة بن رام بن حضرون بمهملة ثم معجمة بن فارص بفاء وآخره مهملة بن يهوذا بن يعقوب قوله الزبر الكتب وأحدها زبور زبرت كتبت قال أبو عبيدة في قوله تعالى في زبر الاولين أي كتب الاولين وأحدها زبور وقال الكسائي زبور بمعنى مزبور تقول زبرته فهو مزبور مثل كتبته فهو مكتوب وقرئ بضم أوله وهو جمع زبر قلت الضم قراءة حمزة قوله أوبي معه قال مجاهد سبحي معه وصله الفريابي من طريق مجاهد مثله وعن الضحاك هو بلسان الحبشة وقال قتادة معنى أوبى سيرى قوله أن اعمل سابغات الدروع قال أبو عبيدة في قوله تعالى أن اعمل سابغات أي دروعا واسعة طويلة قوله وقدر في السرد المسامير والحلق ولا ترق المسمار فيسلس ولا تعظم فينفصم كذا في رواية الكشميهني ولغيره لا تدق بالدال بدل الراء وعندهم فيتسلسل وفي آخره فيفصم بغير نون ووافقه الاصيلي في قوله فيسلس وهو بفتح اللام ومعناه فيخرج من ا لثقب برفق أو يصير متحركا فيلين عند الخروج وأما الرواية الاخرى فيتسلسل أي يصير كالسلسلة في اللين والاول أوجه والفصم بالفاء القطع من غير ابانة وهذا التفسير وصله الفريابي من طريق مجاهد في قوله وقدر في السرد أي قدر المسامير والحلق وروى إبراهيم الحربي في غريب الحديث من طريق مجاهد قوله وقدر في السرد لا ترق المسامير فيسلس ولا تفظله فيفصمها وقال أبو عبيدة يقال درع مسردة أي مستديرة الحلق قال أبو ذؤيب وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع وهو مثل مسمار السفينة قوله أفرغ أنزل لم أعرف المراد من هذه الكلمة هنا واستقريت قصة داود في المواضع التي ذكرت فيها فلم أجدها وهذه الكلمة والتي بعدها في رواية الكشميهني وحده قوله بسطة زيادة وفضلا قال أبو عبيدة في قوله وزاده بسطة في العلم والجسم أي زيادة وفضلا وكثرة وهذه الكلمة في قصة طالوت وكأنه ذكرها لما كان آخرها متعلقا بداود فلمح بشئ من قصة طالوت وقد قصها الله في القرآن ثم ذكر ثلاثة أحاديث الاول حديث همام عن أبي هريرة وخفف على داود القرآن في رواية الكشميهني القراءة قيل المراد بالقرآن القراة والاصل في هذه اللفظة الجمع وكل شئ جمعته فقد قرأته وقيل المراد الزبور وقيل التوراة وقراءة كل نبي تطلق على كتابه الذي أوحى إليه وإنما سماه قرآنا للاشارة إلى وقوع المعجزة به كوقوع المعجزة بالقرآن أشار إليه صاحب المصابيح والاول أقرب وإنما ترددوا بين الزبور والتوراة لان الزبور كله مواعظ وكانوا يتلقون الاحكام من التوراة قال قتادة كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود بل كان اعتماده على التوراة أخرجه بن أبي حاتم وغيره وفي الحديث أن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير قال النووي أكثر ما بلغنا من ذلك من كان يقرأ أربع ختمات بالليل وأربعا بالنهار وقد بالغ بعض الصوفية في ذلك فادعى شيئا مفرطا والعلم عند الله قوله بدوابه في رواية موسى بن عقبة الآتية بدابته بالافراد وكذا هو في التفسير ويحمل الافراد على الجنس أو المراد بها ما يختص بركوبه وبالجمع ما يضاف إليها مما يركبه أتباعه قوله فيقرأ القرآن قبل

[ 327 ]

أن تسرج في رواية موسى فلا تسرج حتى يقرأ القرآن قوله ولا يأكل إلا من عمل يده تقدم شرحه في أوائل البيوع وأن فيه دليلا على أنه أفضل المكاسب وقد استدل به على مشروعية الاجارة من جهة أن عمل اليد أعم من أن يكون للغير أو للنفس والذي يظهر أن الذي كان يعمله داود بيده هو نسج الدروع وألان الله له الحديد فكان ينسج الدروع ويبيعها ولا يأكل إلا من ثمن ذلك مع كونه كان من كبار الملوك قال الله تعالى وشددنا ملكه وفي حديث الباب أيضا ما يدل على ذلك وأنه مع سعته بحيث أنه كان له دواب تسرج إذا أراد أن يركب ويتولى خدمتها غيره ومع ذلك كان يتورع ولا يأكل إلا مما يعمل بيده قوله رواه موسى بن عقبة عن صفوان بن سليم الخ وصله المصنف في كتاب خلق أفعال العباد عن أحمد بن أبي عمرو عن أبيه وهو حفص بن عبد الله عن إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة الحديث الثاني والثالث حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل وصيام النهار أورده من طريقين وقد تقدم في صلاة الليل والغرض منه قوله صيام داود قوله باب أحب الصلاة إلى الله صلاة داود الخ يشير إلى الحديث المذكور قبله قوله قال علي هو قول عائشة ما ألفاه السحر عندي الا نائما هكذا وقع في رواية المستملي والكشميهني وأما غيرهما فذكر الطريق الثالثة مضمومة إلى ما قبله دون الباب ودون قول علي ولم أره منسوبا وأظنه علي بن المديني شيخ البخاري وأراد بذلك بيان المراد بقوله وينام سدسه أي السدس الاخير وكأنه قال يوافق ذلك حديث عائشة ما ألفاه بالفاء أي وجده والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم والسحر الفاعل أي لم يجئ السحر والنبي صلى الله عليه وسلم عندي الا وجده نائما كما تقدم بيان ذلك في قيام الليل قوله باب واذكر عبدنا داود ذا الايد إنه أواب إلى قوله وفصل الخطاب الايد القوة وكان داود موصوفا بفرط الشجاعة والاواب يأتي تفسيره قريبا قوله قال مجاهد الفهم في القضاء أي المراد بفصل الخطاب وروى بن أبي حاتم من طريق أبي بشر عن مجاهد قال الحكمة الصواب ومن طريق ليث عن مجاهد فصل الخطاب إصابة القضاء وفهمه ومن طريق بن جريج عن مجاهد قال فصل الخطاب العدل في الحكم وما قال من شئ أنفذه وقال الشعبي فصل الخطاب قوله أما بعد وفي ذلك حديث مسند من طريق بلال بن أبي بردة عن أبيه عن جده قال أول ما قال أما بعد داود النبي صلى الله عليه وسلم وهو فصل الخطاب أخرجه بن أبي حاتم وذكر عن بن جرير بإسناد صحيح عن الشعبي مثله وروى بن أبي حاتم من طريق شريح قال فصل

[ 328 ]

الخطاب الشهود والايمان ومن طريق أبي عبد الرحمن سالمي نحوه قوله ولا تشطط لا تسرف كذا وقع هنا وقال الفراء معناه لا تجر وروى بن جرير من طريق قتادة في قوله ولا تشطط أي لا تمل ومن طريق السدي قال لا تخف قوله يقال للمرأة نعجة ويقال لها أيضا شاة قال أبو عبيدة في قوله ولي نعجة واحدة أي امرأة قال الاعشى فرميت غفلة عينه عن شاته فأصبت حبة قلبها وطحالها قوله فقال أكفلنيها مثل وكفلها زكريا ضمها قال أبو عبيدة في قوله تعالى أكفلنيها وعزني في الخطاب هو كقولة وكفلها زكريا أي ضمها إليه وتقول كفلت بالنفس أو بالمال ضمنته قوله وعزني غلبني صار أعز مني أعززته جعلته عزيزا في الخطاب يقال المحاورة قال أبو عبيدة في قوله وعزني في الخطاب أي صار أعز مني فيه وروى الطبري من طريق العوفي عن بن عباس قال أن دعا ودعوت كان أكثر مني وأن بطشت وبطش كان أشد مني ومن طريق قتادة قال معناه قهرني وظلمني وأما قوله يقال المحاورة فمراده تفسير الخطاب بالمحاورة وهي بالحساء المهملة أي المراجعة بين الخصمين وهذا تفسير قوله تعالى وعزني في الخطاب قوله الخلطاء الشركاء حكاه بن جرير أيضا قوله فتناه قال بن عباس اختبرناه وقرأ عمر فتناه بتشديد التاء أما قول بن عباس فوصله بن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه وأما قراءة عمر فمذكورة في الشواذ ولم يذكرها أبو عبيد في القراءات المشهورة ونقل التشديد أيضا عن أبي رجاء العطاردي والحسن البصري ثم ذكر حديث بن عباس في السجود في ص أورده من وجهين ومحمد شيخه في الطريق الاولى هو بن سلام والعوام هو بن حوشب بمهملة ثم معجمة قوله أنسجد بنون وللكشمهيني والمستملي أأسجد وسيأتي شرح الحديث في التفسير إن شاء الله تعالى قوله قول الله تعالى ووهبنا لداود سليمان في رواية غير أبي ذر باب قوله الله قوله نعم العبد إنه أواب الراجع المنيب هو تفسير الاواب وقد أخرج بن جريج من طريق مجاهد قال الاواب الرجاع عن الذنوب ومن طريق قتادة قال المطيع ومن طريق السدي قال هو المسبح قوله من محاريب قال مجاهد بنيان ما دون القصور وصله عبد بن حميد عنه كذلك وقال أبو عبيدة المحارب جمع محراب وهو مقدم كل بيت وهو أيضا المسجد والمصلى قوله وجفان كالجواب كالحياض للابل وقال بن عباس كالجوبة من الارض أما قول مجاهد فوصله عبد بن حميد عنه وأما قول بن عباس فوصله بن أبي حاتم عنه وقال أبو عبيدة الجوابي جمع جابية وهو الحوض الذي يجبي فيه الماء قوله دابة الارض قوله منسأته عصاه هو قول بن عباس وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه قال أبو عبيدة المنسأة العصا ثم ذكر تصريفها وهي مفعلة من نسأت إذا زجرت الابل أي ضربتها بالمنسأة قوله فطفق مسحا بالسوق والاعناق يمسح أعراف الخيل وعراقيبها هو قول بن عباس أخرجه بن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه

[ 329 ]

وزاد في آخره حبا لها وروى من طريق الحسن قال كشف عراقيبها وضرب أعناقها وقال لا تشغلني عن عبادة ربي مرة أخرى قال أبو عبيدة ومنه قوله مسح علاوته إذا ضرب عنقه قال بن جرير وقول بن عباس أقرب إلى الصواب قوله الاصفاد الوثاق روى بن جرير من طريق السدي قال مقرنين في الاصفاد أي يجمع اليدين إلى العنق بالاغلال وقال أبو عبيدة الاصفاد الاغلال وأحدها صفد ويقال للغطاء أيضا صفد قوله قال مجاهد الصافنات صفن الفرس رفع إحدى رجليه حتى يكون على طرف الحافر وصله الفريابي من طريقه قال صفن الفرس الخ لكن قال يديه ووقع في أصل البخاري رجليه وصوب عياض ما عند الفريابي وقال أبو عبيدة الصافن الذي يجمع بين يديه ويثني مقدم حافر إحدى رجليه قول الجياد السراع وصله الفريابي من طريق مجاهد أيضا روى بن جرير من طريق إبراهيم التيمي أنها كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة قوله جسدا شيطانا قال الفريابي حدثنا ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله وألقينا على كرسيه جسدا قال شيطانا يقال له آصف قال له سليمان كيف تفتن الناس قال أرني خاتمك أخبرك فأعطاه فنبذه آصف في البحر فساخ فذهب ملك سليمان وقعد آصف على كرسيه ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهن فأنكرته أم سليمان وكان سليمان يستطعم ويعرفهم بنفسه فيكذبونه حتى أعطته امرأة حوتا فطيب بطنه فوجد خاتمه في بطنه فرد الله إليه ملكه وفر آصف فدخل البحر وروى بن جرير من وجه آخر عن مجاهد أن اسمه آصر آخره راء ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس عن اسم الجني صخر ومن طريق السدي كذلك وأخرج القصة من طريقه مطولة والمشهور أن آصف اسم الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب والله أعلم قوله رخاء طيبة برواية الكشميهني طيبا رواه الفريابي من الوجه المذكور في قوله رخاء قال طيبة قوله حيث أصاب حيث شاء وصله الفريابي كذلك قوله فامنن أعطي بغير حساب بغير حرج وصله الفريابي من طريق مجاهد كذلك وقال أبو عبيدة في قوله بغير حساب أي بغير ثواب ولا جزاء أو بغير منة ولا قلة ثم أورد المصنف أربعة أحاديث أولها حديث أبي هريرة في تفلت العفريت على النبي صلى الله عليه وسلم قوله تفلت عليه بتشديد اللام أي تعرض لي فلته أي بغتة قوله البارحة أي الليلة الخالية الزائلة والبارح الزائل ويقال من بعد زوال إلى آخر النهار البارحة قوله فذكرت دعوة أخي سليمان أي قوله وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي وفي هذه إشارة إلى أنه تركه رعاية لسليمان عليه السلام ويحتمل أن تكون خصوصية سليمان استخدام الجن في جميع ما يريده لا في هذا القدر فقط واستدل الخطابي بهذا الحديث على أن أصحاب سليمان كانوا يرون بأشكالهم وهيئتهم حال تصرفهم قال وأما قوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم فالمراد الاكثر الاغلب من أحوال بني آدم وتعقب بأن نفى رؤية الانس للجن على هيئتم ليس بقاطع من الآية بل ظاهرها أنه ممكن فإن نفى رؤيتنا إياهم مقيد بحال رؤيتهم لنا ولا ينفي إمكان رؤيتنا لهم في غير تلك الحالة ويحتمل العموم وهذا الذي فهمه أكثر العلماء حتى قال الشافعي من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته واستدل بهذه الآية والله أعلم قوله عفريت متمرد من إنس أو جان مثل زبنية جماعته زبانية الزبانية في الاصل اسم أصحاب الشرطة مشتق من الزبن وهو الدفع وأطلق على

[ 330 ]

الملائكة ذلك لانهم يدفعون الكفار في النار وواحد الزبانية زبنية وقيل زبنى وقيل زابن وقيل زباني وقال قوم لا واحد له من لفظه وقيل واحدة زبنيت وزن عفريت ويقال عفرية لغة مستقلة ليست مأخوذة من عفريت ومراد المصنف بقوله مثل زبنية أي أنه قيل في عفريت عفرية وهي قراءة رويت في الشواذ عن أبي بكر الصديق وعن أبي رجاء العطاردي وأبي السمال بالمهملة واللام وقال ذو الرمة كأنه كوكب في أثر عفرية مصوب في ظلام الليل منتصب وقد تقدم كثير من بيان أحوال الجن في باب صفة إبليس وجنوده من بدء الخلق قال بن عبد البر الجن على مراتب فالاصل جني فإن خالط الانس قيل عامر ومن تعرض منهم للصبيان قيل أرواح ومن زاد في الخبث قيل شيطان فإن زاعلى ذلك قيل مارد فإن زاد على ذلك قيل عفريت وقال الراغب العفريت من الجن هو العارم الخبيث وإذا بولغ فيه قيل عفريت نفريت وقال بن قتيبة العفريت الموثق الخلق وأصله من العفر وهو التراب ورجل عفر بكسر أوله وثانيه وتثقيل ثالثه إذا بولغ فيه أيضا قوله حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن هو الحزامي وليس بالمخزومي واسم جد الحزامي عبد الله بن خالد بن حزام واسم جد المخزومي الحارث بن عبد الله قوله قال سليمان بن داود لاطوفن الليلة في رواية الحموي والمستملي لاطفين وهما لغتان طاف بالشئ وأطاف به إذا دار حوله وتكرر عليه وهو هنا كناية عن الجماع واللام جواب القسم وهو محذوف أي والله لاطوفن ويؤيده قوله في آخره لم يحنث لان الحنث لا يكون إلا عن قسم والقسم لا بد له من مقسم به قوله على سبعين امرأة كذا هنا من رواية مغيرة وفي رواية شعيب كما سيأتي في الايمان والنذور فقال تسعين وقد ذكر المصنف ذلك عقب هذا الحديث ورجح تسعين بتقديم المثناة على سبعين وذكر أن بن أبي الزناد رواه كذلك قلت وقد رواه سفيان بن عيينة عن أبي الزناد فقال سبعين وسيأتي في كفارة الايمان من طريقه ولكن رواه مسلم عن بن أبي عمر عن سفيان فقال سبعين بتقديم السين وكذا هو في مسند الحميدي عن سفيان وكذا أخرجه مسلم من رواية ورقاء عن أبي الزناد وأخرجه الاسماعيلي والنسائي وابن حبان من طريق هشام بن عروة عن أبي الزناد قال مائة امرأة وكذا قال طاوس عن أبي هريرة كما سيأتي في الايمان والنذور من رواية معمر وكذا قال أحمد عن عبد الرزاق من رواية هشام بن حجير عن طاوس تسعين وسيأتي في كفارة الايمان ورواه مسلم عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق فقال سبعين وسيأتي في التوحيد من رواية أيوب عن بن سيرين عن أبي هريرة كان لسليمان ستون امرأة ورواه أحمد وأبو عوانة من طريق هشام عن بن سيرين فقال مائة امرأة وكذا قال عمران بن خالد عن بن سيرين عند بن مردويه وتقدم في الجهاد من طريق جعفر بن ربيعة عن الاعرج فقال مائة امرأة أو تسع وتسعون على الشك فمحصل الروايات ستون وسبعون وتسعون وتسع وتسعون ومائة والجمع بينها أن الستين كن حرائر وما زاد عليهن كن سرارى أو بالعكس وأما السبعون فللمبالغة وأما التسعون والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين فمن قال تسعون ألغى الكسر ومن قال مائة جبره ومن ثم وقع التردد في رواية جعفر وأما قول بعض الشراح ليس في ذكر القليل نفى الكثير وهو من مفهوم العدد وليس بحجة عند الجمهور

[ 331 ]

فليس بكاف في هذا المقام وذلك أن مفهوم العدد معتبر عند كثيرين والله أعلم وقد حكى وهب بن منبفي المبتدأ أنه كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرية ونحوه مما أخرج الحاكم في المستدرك من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب قال بلغنا أنه كان لسليمان ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرية قوله تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله هذا قاله على سبيل التمني للخير وإنما جزم به لانه غلب عليه الرجاء لكونه قصد به الخير وأمر الآخرة لا لغرض الدنيا قال بعض السلف نبه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على آفة التمني والاعراض عن التفويض قال ولذلك نسي الاستثناء ليمضي فيه القدر قوله فقال له صاحبه إن شاء الله في رواية معمر عن طاوس الآتية فقال له الملك وفي رواية هشام بن حجير فقال له صاحبه قال سفيان يعني الملك وفي هذا إشعار بأن تفسير صاحبه بالملك ليس بمرفوع ولكن في مسند الحميدي عن سفيان فقال له صاحبه أو الملك بالشك ومثلها لمسلم وفي الجملة ففيه رد على من فسر صاحبه بأنه الذي عنده علم من الكتاب وهو آصف بالمد وكسر المهملة بعدها فاء بن برخيا بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر الراء وكسر المعجمة بعدها تحتانية وقال القرطبي في قوله فقال له صاحبه أو الملك إن كان صاحبه فيعني به وزيره من الانس والجن وإن كان الملك فهو الذي كان يأتيه بالوحي وقال وقد أبعد من قال المراد به خاطره وقال النووي قيل المراد بصاحبه الملك وهو الظاهر من لفظه وقيل القرين وقيل صاحب له آدمي قلت ليس بين قوله صاحبه والملك منافاة إلا أن لفظة صاحبه أعم فمن ثم نشأ لهم الاحتمال ولكن الشك لا يؤثر في الجزم فمن جزم بأنه الملك حجة على من لم يجزم قوله فلم يقل قال عياض بين في الطريق الاخرى بقوله فنسي قلت هي رواية بن عيينة عن شيخه وفي رواية معمر قال ونسي أن يقول إن شاء الله ومعنى قوله فلم يقل أي بلسانه لا أنه أبي أن يفوض إلى الله بل كان ذلك ثابتا في قلبه لكنه اكتفى بذلك أولا ونسي أن يجريه على لسانه لما قيل له لشئ عرض له قوله فطاف بهن في رواية بن عيينة فأطاف بهن وقد تقدم توجيهه قوله إلا واحدا ساقطا أحد شقيه في رواية شعيب فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل وفي رواية أيوب عن بن سيرين ولدت شق غلام وفي رواية هشام عنه نصف إنسان وهي رواية معمر حكى النقاش في تفسيره أن الشق المذكور هو الجسد الذي ألقي على كرسيه وقد تقدم قول غير واحد من المفسرين أن المراد بالجسد المذكور شيطان وهو المعتمد والنقاش صاحب مناكير قوله لو قالها لجاهدوا في سبيل الله في رواية شعيب لو قال إن شاء الله وزاد في آخره فرسانا أجمعون وفي روايبن سيرين لو استثنى لحملت كل امرأة منهن فولدت فارسا يقاتل في سبيل الله وفرواية طاوس لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته كذا عند المصنف من رواية هشام بن حجير وعند أحمد ومسلم مثله من رواية معمر وعند المصنف من طريق معمر وكان أرجى لحاجته وقوله دركا بفتحتين من الادراك وهو كقوله تعالى لا تخاف دركا أي لحاقا والمراد أنه كان يحصل له ما طلب ولا يلزم من إخباره صلى الله عليه وسلم بذلك في حق سليمان في هذه القصة أن يقع ذلك لكل من استثنى في أمنيته بفي الاستثناء رجو الوقوع وفي ترك الاستثناء خشية عدم الوقوع وبهذا يجاب عن قول موسى للخضر ستجدني إن شاء الله صابرا مع قول الخضر له آخرا ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا وفي الحديث فضل فعل الخير وتعاطي

[ 332 ]

أسبابه وأن كثيرا من المباح والملاذ يصير مستحبا بالنية والقصد وفيه استحباب الاستثناء لمن قال سأفعل كذا وأن اتباع المشيئة اليمين يرفع حكمها وهو متفق عليه بشرط الاتصال وسيأتي بيان ذلك في الايمان والنذور مع بسط فيه وقد استدل بهذا الحديث من قال الاستثناء إذا عقب اليمين ولو تخلل بينهما شئ يسير لا يضر فإن الحديث دل على أن سليمان لو قال إن شاء الله عقب قول الملك له قل إن شاء الله لافاد مع التخلل بين كلاميه بمقدار كلام الملك وأجاب القرطبي باحتمال أن يكون الملك قال ذلك في أثناء كلام سليمان وهو احتمال ممكن يسقط به الاستدلال المذكور وفيه أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ ولا يكفي فيه النية وهو اتفاق إلا ما حكى عن بعض المالكية وفيه ما خص به الانبياء من القوة على الجماع الدال ذلك على صحة البنية وقوة الفحولية وكمال الرجولية مع من هم فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم وقد وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أبلغ المعجزة لانه مع اشتغاله بعبادة ربه وعلومه ومعالجة الخلق كان متقللا من المآكل والمشارب المقتضية لضعف البدن على كثرة الجماع ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في ليلة بغسل واحد ومن إحدى عشرة امرأة وقد تقدم في كتاب الغسل ويقال إكل من كان أتقي لله فشهوته أشد لان الذي لا يتقي يتفرج بالنظر ونحوه وفيه جواز الاخبار عن الشئ ووقوعه في المستقبل بناء على غلبة الظن فإن سليمان عليه السلام جزم بما قال ولم يكن ذلك عن وحي وإلا لوقع كذا قيل وقال القرطبي لا يظن بسليمان عليه السلام أنه قطع بذلك على ربه إلا من جهل حال الانبياء وأدبهم مع الله تعالى وقال بن الجوزي فإن قيل من أين لسليمان أن يخلق من مائة هذا العدد في ليلة لا جائز أن يكون بوحي لانه ما وقع ولا جائز أن يكون الامر في ذلك إليه لان الارادة لله والجواب أنه من جنس التمني على الله والسؤال له أن يفعل والقسم عليه كقول أنس بن النضر والله لا يكسر سنها ويحتمل أن يكون لما أجاب الله دعوته أن يهب له ملكا لا ينبغي لاحد من بعده كان هذا عنده من جملة ذلك فجزم به وأقرب الاحتمالات ما ذكرته أولا وبالله التوفيق قلت ويحتمل أن يكون أوحى إليه بذلك مقيدا بشرط الاستثناء فنسي الاستثناء فلم يقع ذلك لفقدان الشرط ومن ثم ساغ له أولا أن يحلف وأبعد من استدل به على جواز الحلف على غلبة الظن وفيه جواز السهو على الانبياء وأن ذلك لا يقدح في علو منصبهم وفيه جواز الاخبار عن الشئ أنه سيقع ومستند المخبر الظن مع وجود القرينة القوية لذلك وفيه جواز إضمار المقسم به في اليمين لقوله لاطوفن مع قوله عليه السلام لم يحنث فدل على أن اسم الله فيه مقدر فإن قال أحد بجواز ذلك فالحديث حجة له بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد تقديره على لسان الشارع وإن وقع الاتفاق على عدم الجواز فيحتاج إلى تأويله كأن يقال لعل التلفظ باسم الله وقع في الاصل وإن لم يقع في الحكاية وذلك ليس بممتع فإن من قال والله لاطوفن يصدق أنه قال لاطوفن فإن اللافظ بالمركب لافظ بالمفرد وفيه حجة لمن قال لا يشترط التصريح بمقسم به معين فمن قال أحلف أو أشهد ونحو ذلك فهو يمين وهو قول الحنفية وقيده المالكية بالنية وقال بعض الشافعية ليست بيمين مطلقا وفيه جواز استعمال لو ولولا وسيأتي الكلام عليه في باب مفرد عقده له المصنف في أواخر الكتاب وفيه استعمال الكناية في اللفظ الذي يستقبح ذكره لقوله لاطوفن بدل قوله لاجامعن الحديث الثالث قوله حدثنا إبراهيم التيمي عن أبيه هو يزيد بن شريك

[ 333 ]

قوله أي مسجد وضع أول تقدم التنبيه عليه في أثناء قصة إبراهيم عليه السلام وقوله أدركتك الصلاة أي وقت الصلاة وفيه إشارة إلى المحافظ على الصلاة في أول وقتها ويتضمن ذلك الندب إلى معرفة الاوقات وفيه إشارة إلى أن المكان الافضل للعبادة إذا لم يحصل لا يترك المأمور به لفواته بل يفعل المأمور في المفضول لانه صلى الله عليه وسلم كأنه فهم عن أبي ذر من تخصيصه السؤال عن أول مسجد وضع أنه يريد تخصيص صلاته فيه فنبه على أن إيقاع الصلاة إذا حضرت لا يتوقف على المكان الافضل وفيه فضيلة الامة المحمدية لما ذكر أن الامم قبلهم كانوا لا يصلون الا في مكان مخصوص وقد تقدم التنبيه عليه في كتاب التيمم وفيه الزيادة على السؤال في الجواب لا سيما إذا كان للسائل في ذلك مزيد فائدة الحديث الرابع قوله في الاسناد عن عبد الرحمن هو الاعرج وهو كذلك في نسخة شعيب عن أبي الزناد عند الطبراني قوله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فجعل الفراش وهذه الدواب تقع في النار وقال كانت امرأتان معهما ابناهما هكذا أورده ومراده الحديث الثاني فإنه هو الذي يدخل في ترجمة سليمان وكأنه ذكر ما قبله وهو طرف من حديث طويل لكونه سمع نسخة شعيب عن أبي الزناد وهذا الحديث مقدم على الآخر وسمع الاسناد في السابق دون الذي يليه فاحتاج أن يذكر شيئا من لفظ الحديث الاول لاجل الاسناد وقد تقدم في الطهارة للمصنف مثل هذا الصنيع فذكر من هذه النسخة بعينها حديث لا يبولن أحدكم في الماء الدائم وذكر قبله طرفا من حديث نحن الآخرون السابقون ولما ذكر في الجمعة حديث نحن الآخرون السابقون لم يضم معه شيئا وذكر في الجهاد حديث من أطاعني فقد أطاع الله الحديث فقال قبله نحن الآخرون السابقون أيضا وذكر في الديات حديث لو طلع عليك رجل وقدم ذلك قبله أيضا لكنه أورد حديث المرأتين وفي الفرائض ولم يضم معه في أوله شيئا من الحديث الآخر وكذا في بقية هذه النسخة فلم يطرد للمصنف في ذلك عمل وكأنه حيث ضم إليه شيئا أراد الاحتياط وحيث لم يضم نبه على الجواز والله أعلم وأما مسلم فإنه في نسخة همام عن أبي هريرة ينبه على أنه لم يسمع الاسناد في كل حديث منها فإنه يسوق الاسناد إلى أبي هريرة ثم يقول فذكر أحاديث منها كذا وكذا وصنيعه في ذلك حسن جدا والله أعلم تنبيه لم أر الحديث الاول تاما في صحيح البخاري وقد أورده الحميدي في الجمع من طريق شعيب هذه وساق المتن بتمامه وقال إنه لفظ البخاري وأن مسلما أخرجه من رواية مغيرة وسفيان عن أبي الزناد به ومن طريق همام عن أبي هريرة وكذلك أطلق المزي أن البخاري أخرجه في أحاديث الانبياء فإن كان عني هذا الموضع فليس هو فيه بتمامه وإن كان عنى موضعا آخر فلم أره فيه ثم وجدته في باب الانتهاء عن المعاصي من كتاب الرقاق ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى قوله مثل أي في دعائي الناس إلى الاسلام المنقذ لهم من النار ومثل ما تزين لهم أنفسهم من التمادي على الباطل كمثل رجل الخ والمراد تمثيل الجملة بالجملة لا تمثيل فرد بفرد قوله استوقد أي أوقد وزيادة السين والتاء للاشارة إلى أنه عالج إيقادها وسعي في تحصيل آلاتها ووقع في حديث جابر عند مسلم مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا زاد أحمد ومسلم من رواية همام عن أبي هريرة فلما أضاءت ما حوله قوله فجعل الفراش بفتح الفاء والشين المعجمة معروف ويطلق الفراش أيضا على غوغاء الجراد الذي يكثر ويتراكم وقال في المحكم الفراش

[ 334 ]

دواب مثل البعوض واحدتها فراشه وقد شبة الله تعالى الناس في المحشر بالفراش المبثوث أي في الكثرة والانتشار والاسراع إلى الداعي قوله وهذه الدواب تقع في النار قلت منها البرغش والبعوض ووقع في حديث جابر فجعل الجنابذ والفراش والجنابذ جمع جنبذ وهو على القلب والمعروف الجنادب جمع جندب بفتح الدال وضمها والجيم مضمومة وقد تكسر وهو على خلقة الجرادة يصر في الليل صرا شديدا وقيل إن ذكر الجراد يسمى أيضا الجندب قوله تقع في النار كذا فيه وإنما هو في نسخة شعيب كما أخرجه أبو نعيم في المستخرج وهذه الدواب التي تقعن في النار تقعن فيها قال النووي مقصود الحديث أنه صلى الله عليه وسلم شبة المخالفين له بالفراش وتساقطهم في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا مع حرصهم على الوقوع في ذلك ومنعه إياهم والجامع بينهما اتباع الهوى وضعف التمييز وحرص كل من الطائفتين على هلاك نفسه وقال القاضي أبو بكر بن العربي هذا مثل كثير المعاني والمقصود أن الخلق لا يأتون ما يجرهم إلى النار على قصد الملكة وإنما يأتونه على قصد المنفعة واتباع الشهوة كما أن الفراش يقتحم النار لا ليهلك فيها بل لما يعجبه من الضياء وقد قيل إنها لا تبصر مجال وهو بعيد وإنما قيل إنها تكون في ظلمة فإذا رأت الضياء اعتقدت أنها كوة يظهر منها النور فتقصده لاجل ذلك فتحترق وهي لا تشعر وقيل إن ذلك لضعف بصرها فتظن أنها في بيت مظلم وأن السراج مثلا كوة فترمي بنفسها إليه وهي من شدة طيرانها تجاوزه فتقع في الظلمة فنرجع إلى أن تحترق وقيل إنها تتضرر بشدة النور فنقصد إطفاءه فلشدة جهلها تورط نفسها فيما لا قدر لها عليه ذكر مغلطاي أنه سمع بعض مشايخ الطب يقوله وقال الغزالي التمثيل وقع على صورة الاكباب على الشهوات من الانسان بإكباب الفراش على التهافت في النار ولكن جهل الآدمي أشد من جهل الفراش لانها باغترارها بظواهر الضوء إذا احترقت انتهى عذابها في الحال والآدمي يبقي في النار مدة طويلة أو أبدا والله المستعان قوله وقال كانت امرأتان ليس في سياق البخاري تصريح برفعه وهو مرفوع عنده عن أبي اليمان عن شعيب في أواخر كتاب الفرائض أورده هناك وكذا هو في نسخة شعيب عند الطبراني وغيره وفي رواية النسائي من طريق علي بن عياش عن شعيب حدثني أبو الزناد مما حدثه عبد الرحمن الاعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينما امرأتان قلت ولم أقف على اسم واحدة من هاتين المرأتين ولا على اسم واحد من ابنيهما في شئ من الطرق قوله فتحاكما في رواية الكشميهني فتحاكمنا وفي نسخة شعيب فاختصما قوله فقضى به للكبرى الخ قيل كان ذلك على سبيل الفتيا منهما لا الحكم ولذلك ساغ لسليمان أن ينقضه وتعقبه القرطبي بأن في لفظ الحديث أنه قضى بأنهما تحاكما وبأن فتيا النبي وحكمه سواء في وجوب تنفيذ ذلك وقال الداودي إنما كان منهما على سبيل المشاورة فوضح لداود صحة رأي سليمان فأمضاه قال بن الجوزي استويا عند داود في اليد فقدم الكبرى للسن وتعقبه القرطبي وحكى أنه قيل كان من شرع داود أن يحكم الكبرى قال وهو فاسد لان الكبر والصغر وصف طردي كالطول والقصر والسواد والبياض ولا أثر لشئ من ذلك في الترجيح قال وهذا مما يكاد يقطع بفساده قال والذي ينبغي أن يقال إن داود عليه السلام قضى به للكبري لسبب اقتضى به عنده ترجيح قولها إذ لا بينة لواحدة منهما وكونه لم يعين في الحديث

[ 335 ]

اختصارا لا يلزم منه عدم وقوعه فيحتمل أن يقال إن الولد الباقي كان في يد الكبرى وعجزة الاخرى عن إقامة البينة قال وهذا تأويل حسن جاء على القواعد الشرعية وليس في السياق ما يأباه ولا يمنعه فإن قيل فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه فالجواب أنه لم يعمد إلى نقض الحكم وإنما احتال بحيلة لطيفة أظهرت ما في نفس الامر وذلك أنها لما أخبرنا سليمان بالقصة فدعا بالسكين ليشقه بينهما ولم يعزم على ذلك في الباطن وإنما أراد استكشاف الامر فحصل مقصوده لذلك لجزع الصغرى الدال على عظيم الشفقة ولم يلتفت إلى إقرارها بقولها هو بن الكبرى لانه علم أنها آثرت حياته فظهر له من قرينة شفقة الصغرى وعدمها في الكبرى مع ما انضاف إلى ذلك من القرينة الدالة على صدقها ما هجم به على الحكم للصغرى ويحتمل أن يكون سليمان عليه السلام ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه أو تكون الكبرى في تلك الحالة اعترفت بالحق لما رأت من سليمان الجد والعزم في ذلك ونظير هذه القصة ما لو حكم حاكم على مدع منكر بيمين فلما مضى ليحلفه من استخرج من المنكر ما اقتضى إقراره بما أراد أن يحلف على جحده فإنه والحالة هذه يحكم عليه بإقراره سواء كان ذلك قبل اليمين أو بعدها ولا يكون ذلك من نقض الحكم الاول ولكن من باب تبدل الاحكام بتبدل الاسباب وقال بن الجوزي استنبط سليمان لما رأى الامر محتملا فأجاد وكلاهما حكم بالاجتهاد لانه لو كان داود حكم بالنص لما ساغ لسليمان أن يحكم بخلافة ودلت هذه القصة على أن الفطنه والفهم موهبة من الله لا يتعلق بكبر سولا صغره وفيه أن الحق في جهة واحدة وأن الانبياء يسوغ لهم الحكم بالاجتهاد وإن كان وجود النص ممكنا لديهم بالوحي لكن في ذلك زيادة في أجورهم ولعصمتهم من الخطأ في ذلك إذ لا يقرون لعصمتهم على الباطل وقال النووي إن سليمان فعل ذلك تحيلا على إظهار الحق فكان كما لو اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه وفيه استعمال الحيل في الاحكام لاستخراج الحقوق ولا يتأتى ذلك إلا بمزيد الفطنة وممارسة الاحوال قوله لا تفعل يرحمك الله وقع في رواية مسلم والاسماعيلي من طريق ورقاء عن أبي الزناد لا يرحمك الله قال القرطبي ينبغي على هذه الرواية أن يقف قليلا بعد لا حتى يتبين للسامع أن الذي بعده كلام مستأنف لانه إذا وصله بما بعده يتوهم السامع أندعا عليه وإنما هو دعاء له ويزول الابهام في مثل هذا بزيادة واو كأن يقول لا ويرحمك الله وفيه حجة لمن قال إن الام تستحلق والمشهور من مذهب مالك والشافعي أنه لا يصح وقد تعرض المصنف لذلك في أواخر كتاب الفرائض ويأتي البحث فيه هناك إن شاء الله تعالى قوله قال أبو هريرة يعني بالاسناد إليه وليس تعليقا وقد وقع كذلك في رواية الاسماعيلي من طريق ورقاء عن أبي الزناد والمدية مثلثة الميم قيل للسكين ذلك لانها تقطع مدى حياة الحيوان والسكين تذكر وتؤنث قيل لها ذلك لانها تسكن حركة الحيوان قوله باب قول الله تعالى ولقد آتينا لقمان الحكمة إلى قوله عظيم اختلف في لقمان فقيل كان حبشيا وقيل كان نوبيا واختلف هل كان نبيا قال السهيلي كان نوبيا من أهل أيلة واسم أبيه عنقا بن شيرون وقال غيره هو بن بأعور بن ناحر بن آزر فهو بن أخي إبراهيم وذكر وهب في المبتدأ أنه كان بن أخت أيوب وقيل بن خالته وروى الثوري في تفسيره عن أشعث عن عكرمة عن بن عباس قال كان لقمان عبدا حبشيا نجارا وفي مصنف بن أبي شيبة عن خالد بن ثابت الربعي أحد التابعين مثله وحكى أبو عبيد البكري في شرح الامالي أنه كان مولى لقوم من

[ 336 ]

الازد وروى الطبري من طريق يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب كان لقمان من سودان مصر ذومشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة وفي المستدرك بإسناد صحيح عن أنس قال كان لقمان عند داود وهو يسرد الدرع فجعل لقمان يتعجب ويريد أن يسأله عن فائدته فتمنعه حكمته أن يسأل وهذا صريح في أنه عاصر داود عليه السلام وقد ذكره بن الجوزي في التلقيح بعد إبراهيم قبل إسماعيل وإسحاق والصحيح أنه كان في زمن داود وقد أخرج الطبري وغيره عن مجاهد أنه كان قاضيا على بني إسرائيل زمن داود عليه السلام وقيل إنه عاش ألف سنة نقل عن بن إسحاق وهو غلط ممن قاله وكأنه اختلط عليه بلقمان بن عاد وقيل إنه كان يفتي قبل بعث داود وأغرب الواقدي فزعم أنه كان بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام وشبهته ما حكاه أبو عبيدة البكري أنه كان عبدا لبني الحسحاس بن الازد والاكثر أنه كان صالحا قال شعبة عن الحكم عن مجاهد كان صالحا ولم يكن نبيا وقيل كان نبيا أخرجه بن أبي حاتم وابن جرير من طريق إسرائيل عن جابر عن عكرمة قلت وجابر هو الجعفي ضعيف ويقال إن عكرمة تفرد بقوله كان نبيا وقيل كان لرجل من بني إسرائيل فأعتقه وأعطاه ما لا يتجر فيه وروى بن أبي حاتم من طريق سعيد بن بشير عن قتادة أن لقمان خير بين الحكمة والنبوة فاختار الحكمة فسئل عن ذلك فقال خفت أن أضعف عن حمل أعباء النبوة وفي سعيد بن بشير ضعف وقد روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى ولقد آتينا لقمان الحكمة قال التفقه في الدين ولم يكن نبيا وقد تقدم تفسير المراد بالحكمة في أوائل كتاب العلم في شرح حديث بن عباس اللهم علمه الحكمة وقيل كان خياطا وقينجارا وقوله وإذ قال لقمان لابنه قال السهيلي اسم ابنه باران بموحدة وراء مهملة وقيل فيه بالدال في أوله وقيل اسمه أنعم وقيل شكور وقيل بابلي قوله ولا تصعر الاعراض بالوجه وهو تفسير لقوله تعالى ولا تصعر خدك للناس وهو تفسير عكرمة أورده عنه الطبري وأورد من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله ولا تصعر خدك للناس لا تتكبر عليهم قال الطبري أصل الصعر يعني بالمهملتين داء يأخذ الابل في أعناقها حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها فيشبه به الرجل المتكبر المعرض عن الناس انتهى وقوله تصعر هي قراءة عاصم وابن كثير وأبي جعفر وقال أبو عبيدة في القراءات له حدثنا هشيم عن يونس عن الحسن أنه قرأها كذلك وقرأها الباقون تصاعر قال أبو عبيدة والاول أحب إلي لما في الثانية من المفاعلة والغالب أنه من اثنين وتكون الاولى أشمل في اجتناب ذلك وقال الطبري القراءتان مشهورتان ومعناهما صحيح والله أعلم ثم ذكر المصنف حديث بن مسعود في نزول قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وسيأتي شرحه في تفسير الانعام أورده من وجهين وإسحاق شيخه في الطريق الثانية هو بن راهويه وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج قوله باب واضرب لهم مثلا أصحاب القرية الآية فعززنا قال مجاهد شددنا وقال بن عباس طائركم مصائبكم أما قول مجاهد فوصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عنه بهذا وأما قول بن عباس فوصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه به والقرية المراد بها أنطاكية فيما ذكر بن إسحاق ووهب في المبتدأ ولعلها كانت مدينة بالقرب من هذه الموجودة لان الله أخبر أنه أهلك أهلها وليس لذلك أثر في هذه المدينة الموجودة الآن ولم يذكر المصنف في ذلك حديثا مرفوعا وقد روى الطبراني من حديث بن عباس

[ 337 ]

مرفوعا السبق ثلاثة يوشع إلى موسى وصاحب يس إلى عيسى وعلي إلى محمد صلى الله عليه وسلم وفي إسناده حسين بن حسين الاشقر وهو ضعيف فإن ثبت دل على أن القصة كانت في زمن عيسى أو بعده وصنيع المصنف يقتضي أنها قبل عيسى وروى بن إسحاق في المبتدأ عن أبي طوالة عن كعب الاحبار أن اسم صاحب يس حبيب النجار وروى الثوري في تفسيره عن عاصم عن أبي مجلز قال كان اسمه حبيببن بري وعن حبيب بن بشر عن عكرمة عن بن عباس هو حبيب النجار وعن السدي كان قصارا وقيل كان إسكافا قال بن إسحاق واسم الرسل الثلاثة صادق وصدوق وشلوم وقال بن جريج عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبئي بالجيم والموحدة والهمز بلا مد كان اسم الرسولين شمعون ويوحنا واسم الثالث بولص وعن قتادة كانوا رسلا من قبل المسيح والله أعلم قوله باب قول الله تعالى ذكر رحمة ربك عبدة زكريا إلى قوله لم نجعل له من قبل سميا في زكريا أربع لغات المد والقصر وحذف الالف مع تخفيف الياء وفيه تشديدها أيضا وحذفها وقال الجوهري لا يصرف مع المد والقصر قوله قال بن عباس مثلا وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى هل تعلم له سميا يقول هل تعلم له مثلا أو شبها ومن طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن بن عباس في قوله لم نجعل له من قبل سميا قال لم يسم يحيى قبله غيره وأخرجه الحاكم في المستدرك قوله يقال رضيا مرضيا حكاه الطبري قال مرضيا ترضاه أنت وعبادك قوله عتيا عصيا عتا يعتو كذا فيه بالصاد المهملة والصواب بالسين وروى الطبري بإسناد صحيح عن بن عباس قال ما أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عتيا أو عسيا وقال أبو عبيدة في قوله تعالى وقد بلغت من الكبر عتيا كل مبالغ من كبر أو كفر أو فساد فقد عتا يعتو عتيا قوله ثلاث ليال سويا ويقال صحيح هو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه بن أبي حاتم عنه قال في قوله ثلاث لياسويا وأنت صحيح فحبس لسانه فكان لا يستطيع أن يتكلم وهو يقرأ للتوراة ويسبح و لا يستطيع أن يكلم الناس أخرجه بن أبي حاتم من طريقه وأخرج من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال اعتقل لسانه من غير مرض قوله فأوحى فأشار هو قول محمد بن كعب ومجاهد وغير واحد أخرجه بن أبي حاتم عنهم قوله حفيا لطيفا هو قول بن عباس أخرجه بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه وقال أبو عبيدة في قوله إنه كان بي حفياأي محتفيا يقال تحفيت بفلان قوله عاقرا الذكر والانثى سواء قال أبو عبيدة العاقدة التي لا تلد والعاقر الذي لا يلد قال عامر بن الطفيل لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا جبانا فما عذري لدى كل محضر وقال أيضا لفظ الذكر فيه مثل لفظ الانثى قال الثعلبي ولد يحيى وعمر زكريا مائة وعشرون سنة وقيل تسعين وقيل اثنين وتسعين وقيل مائة إلا سنتين وقيل إلا سنة ثم أورد المصنف طرقا من حديث الاسراء من رواية أنس عن مالك بن صعصعة والغرض منه ذكر يحيى بن زكريا وقال فيه وفي عيسى بن مريم إنهما ابنا خالة وزكريا هو بن ادن ويقال بن شبوي ويقال بن بارخيا ويقال بن أبي بن بارخيا ومريم بنت عمران بن ناشي وهما من ذرية سليمان بن داود عليهما السلام واسم أم مريم حنة بمهملة ونون بنت فاقود واسم أختها والدة يحيى ايشاع قال بن إسحاق في

[ 338 ]

المبتدأ كانت حنا عند عمران وأختها عند زكريا وكانت حنة أمسك عنها الولد ثم حملت بمريم فمات عمران وهي حامل وروى بن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن القاسم سمعت مالك بن أنس يقول بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا كان حملهما جميعا فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك قال مالك أراه لفضل عيسى على يحيى وقال الثعلبي ولد يحيى قبل عيسى بستة أشهر واختلف في قوله وآتيناه الحكم صبيا فقيل نبئ وهو بن تسع سنين وقيل أقل من ذلك والمراد بالحكم الفهم في الدين قال بن إسحاق كان زكريا وابنه آخر من بعث من بني إسرائيل قبل عيسى وقال أيضا أراد بنو إسرائيل قتل زكريا ففر منهم فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها فالتأمت عليه فأخذ الشيطان يهدبه ثوبه فرأوها فوضعوا المنشار على الشجرة فنشروها حتى قطعوه من وسطه في جوفها وأما يحيى فقتل بسبب امرأة أراد ملكهم أن يتزوجها فقال له يحيى إنها لا تحل لك لكونها كانت بنت امرأته فتوصلت إلى الملك حتى قتل يحيى قال بن إسحاق كان ذلك قبل أن يرفع عيسى وروى أصل هذه القصة الحاكم في المستدرك من حديث عبد الله بن الزبير وروى أيضا من حديث بن عباس أن دم يحيى كان يفور حتى قتل عليه بختنصر من بني إسرائيل سبعين ألفا فسكن قوله باب قول الله تعالى واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا وقوله إذ قالت الملائكة يا مريم أن الله يبشرك بكلمة وقوله ان الله اصطفى آدم ونوحا هذه الترجمة معقودة لاخبار مريم عليها السلام وقد قدمت شيئا من شأنها في الباب الذي قبله ومريم بالسريانية الخادم وسميت به والدة عيسى فامتنع الصرف للتأنيث والعلمية ويقال إن مريم بلسان العرب من تكثمن زيارة الرجال من النساء كالزير وهو من يكثر زيارة النساء واستشهد من زعم هذبقول رؤبة قلت لزير لم تصله مريم حكاه أبو حبان في تفسير سورة البقرة وفيه نظر قوله قال بن عباس وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد صلى الله عليه وسلم يقولان أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهم المؤمنون وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه وحاصله أن المراد بالاصطفاء بعض آل عمران وأن كان اللفظ عاما فالمراد به الخصوص قوله ويقال آل يعقوب أهل يعقوب إذا صغروا آل ردوه إلى الاصل قالوا أهيل اختلف في آل فقيل أصله أهل فقلبت الهاء همزة بدليل ظهور ذلك في التصغير هو يرد الاشياء إلى أصلها وهذا قول سيبويه والجمهور وقيل أصله أول من آل يئول إذا رجع لان الانسان يرجع إلى أهله فتحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا وتصغيره على أويل قوله عن الزهري قال حدثني سعيد بن المسيب كذا قال أكثر أصحاب الزهري وقال السدي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أخرجه الطبري قوله ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد في رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة الماضية في باب صفة إبليس بيان المس المذكور لفظه كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب أي في المشيمة التي فيها الولد قال القرطبي هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط فحفظ الله مريم وابنها منه ببركة دعوة أمها حيث قالت إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى ووقع في رواية معمر عن الزهري عند مسلم إلا نخسه الشيطان بنون وخاء معجمة ثم مهملة قوله

[ 339 ]

فيستهل صارخا من مس الشيطان في رواية معمر المذكورة من نخسه الشيطان أي سبب صراخ الصبي أول ما يولد الالم من مس الشيطان إياه والاستهلال الصياح قوله غير مريم وابنها تقدم في باب إبليس بذكر عيسى خاصة فيحتمل أن يكون هذا بالنسبة إلى المس وذاك بالنسبة إلى الطعن في الجنب ويحتمل أن يكون ذاك قبل الاعلام بما زاد وفيه بعد لانه حديث واحد وقد رواه خلاس عن أبي هريرة بلفظ كل بني آدم قد طعن الشيطان فيه حين ولد غير عيسى وأمه جعل الله دون الطعنة حجابا فأصاب الحجاب ولم يصبها والذي يظهر أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر والزيادة من الحافظ مقبولة وأما قول بعضهم يحتمل أن يكون من العطف التفسيري والمقصود الابن كقولك أعجبني زيد وكرمه فهو تعسف شديد قوله ثم يقول أبو هريرة وإني أعيذها بك الخ فيه بيان لان في رواية أبي صالح عن أبي هريرة إدراجا أن تلاوة الآية موقوفة على أبي هريرة قوله باب وإذ قالت الملائكة يا مريم أن الله اصطفاك الآية إلى قوله أيهم يكفل مريم يقال يكفل يضم كفلها ضمها مخففة ليس من كفالة الديون وشبهها أشار بقوله مخففة إلى قراءة الجمهور وقرأها الكوفيون كفلها بالتشديد أي كفلها الله زكريا وفي قراءاتهم زكريا بالقصر إلا أن أبا بكر بن عياش قرأه بالمد فاحتاج إلى أن يقرأ زكريا بفتح الهمزة وقال أبو عبيدة في قولة تعالى وكفلها زكريا يقال كفلها بفتح الفاء وكسرها أي ضمها وفي قوله أيهم يكفل مريم أي يضم انتهى وكسر الفاء هو في قراءة بعض التابعين واستدل بقوله تعالى ان الله اصطفاك على أنها كانت نبيه وليس بصريح في ذلك وأيد بذكرها مع الانبياء في سورة مريم ولا يمنع وصفها بأنها صديقة فقد وصف يوسف بذلك وقد نقل عن الاشعري أن في النساء عدة نبيات وحصرهن بن حزم في ست حواء وسارة وهاجر وأم موسى وآسية ومريم وأسقط القرطبي سارة وهاجر ونقله في التمهيد عن أكثر الفقهاء وقال القرطبي الصحيح أنه مريم نبيه وقال عياض الجمهور على خلافه ونقل النووي في الاذكار أن الامام نقل الاجماع على أن مريم ليست نبيه وعن الحسن ليس في النساء نبيه ولا في الجن وقال السبكي الكبير لم يصح عندي في هذه المسألة شئ ونقله السهيلي في آخر الروض عن أكثر الفقهاء قوله حدثنا النضر هو بن شميو هشام هو بن عروة بن الزبير و عبد الله بن جعفر أي بن أبي طالب قال الدارقطني رواه أصحاب هشام بن عروة عنه هكذا وخالفهم بن جريج وابن إسحاق فروياه عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن جعفر زاد في الاسناد عبد الله بن الزبير والصواب اسقاطه والله أعلم قوله خير نسائها مريم أي نساء أهل الدنيا في زمانها وليس المراد أن مريم خير نسائها لانه يصير كقولهم زيد أفضل إخوانه وقد صرحوا بمنعه فهو كما لو قيل فلان أفضل الدنيا وقد رواه النسائي من حديث بن عباس بلفظ أفضل نساء أهل الجنة فعلى هذا فالمعنى خير نساء أهل الجنة مريم وفي رواية خير نساء العالمين وهو كقوله تعالى واصطفاك على نساء العالمين وظاهره أن مريم أفضل من جميع النساء وهذا لا يمتنع عند من يقول إنها نبيه وأما من قال ليست بنبية فيحمله على عالمي زمانها وبالاول جزم الزجاج وجماعة واختاره القرطبي ويحتمل أيضا أن يراه نساء بني إسرائيل أو نساء تلك الامة أو من فيه مضمرة والمعنى أنها من جملة النساء الفاضلات ويدفع ذلك حديث أبي موسى المتقدم بصيغة الحصر أنه لم يكمل من النساء غيرها وغير آسية قوله وخير نسائها خديجة أي نساء هذه الامة قال

[ 340 ]

القاضي أبو بكر بن العربي خديجة أفضل نساء الامة مطلقا لهذا الحديث وقد تقدم في آخر قصة موسى حديث أبي موسى في ذكر مريم وآسية وهو يقتضي فضلهما على غيرهما من النساء ودل هذا الحديث على أن مريم أفضل من آسية وأن خديجة أفضل نساء هذه الامة وكأنه لم يتعرض في الحديث الاول لنساء هذه الامة حيث قال ولم يكمل من النساء أي من نساء الامم الماضية إلا إن حملنا الكمال على النبوة فيكون على إطلاقه وعند النسائي بإسناد صحيح عن بن عباس أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية وعند الترمذي بإسناد صحيح عن أنس حسبك من نساء العالمين فذكرهن وللحاكم من حديث حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملك فبشره أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وسيأتي مزيد لذلك في ترجمة خديجة من مناقب الصحابة قوله باب قول الله تعالى إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وقع في رواية أبي ذر بزيادة واو في أول هذه الآية وهو غلط وإنما وقعت الواو في أول الآية التي قبلها وأما هذه فبغير واو قوله يبشرك ويبشرك واحد يعني بفتح أوله وسكون الموحدة وضم المعجمة وبضم أوله وفتح الموحدة وتشديد المعجمة والاولى وهي بالتخفيف قراءة يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي والبشير هو الذي يخبر المرء بما يسره من خير وقد يطلق في الشر مجازا قوله وجيها أي شريفا قال أبو عبيدة الوجيه الذي يشرف وتوجهه الملوك أي تشرفه وانتصب قوله وجيها على الحال قوله وقال إبراهيم المسيح الصديق وصله سفيان الثوري في تفسير رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عنه عن منصور عن إبراهيم هو النخعي قال المسيح الصديق قال الطبري مراد إبراهيم بذلك أن الله مسحه فطهره من الذنوب فهو فعيل بمعنى مفعول قلت وهذا بخلاف تسمية الدجال المسيح فإنه فعيل بمعنى فاعل يقال إنه سمي بذلك لكونه يمسح الارض وقيل سمي بذلك لانه ممسوح العين فهو بمعنى مفعول قيل في المسيح عيسى أيضا إنه مشتق من مسح الارض لانه لم يكن يستقر في مكان ويقال سمي بذلك لانه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ وقيل لانه مسح بدهن البركة مسحه زكريا وقيل يحيى وقيل لانه كان ممسوح الاخمصين وقيل لانه كان جميلا يقال مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا ومنه قولهم به مسحة من جمال وأغرب الداودي فقال لانه كان يلبس المسوح قوله وقال مجاهد الكهل الحليم وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله وكهلا ومن الصالحين قال الكهل الحليم انتهى وقد قال أبو جعفر النحاس إن هذا لا يعرف في اللغة وإنما الكهل عندهم من ناهز الاربعين أو قاربها وقيل من جاوز الثلاثين وقيل بن ثلاث وثلاثين انتهى والذي يظهر أن مجاهدا فسره بلازمه الغالب لان الكهل غالبا يكون فيه وقار وسكينة وقد اختلف أهل العربية في قوله وكهلا هل هو معطوف على قوله وجيها أو هو حال من الضمير في يكلم أي يكلمهم صغيرا وكهلا وعلى الاول يتجه تفسير مجاهد قوله الاكمه من يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل وقال غيره من يولد أعمى أما قول مجاهد فوصله الفريابي أيضا وهو قول شاذ تفرد به مجاهد والمعروف أن ذلك هو الاعشى وأما قول غيره قول الجمهور وبه جزم أبو عبيدة وأخرجه الطبري عن بن عباس وروى عبد بن حميد من طريق سعيد عن قتادة كنا نتحدث أن الاكمه الذي يولد وهو مضموم العين ومن طريق عكرمة الاكمه الاعمى وكذا رواه الطبري عن السدي وعن بن عباس أيضا وعن الحسن

[ 341 ]

ونحوهم قال الطبري الاشبه بتفسير الآية قول قتادة لان علاج مثل ذلك لا يدعيه أحد والآية سيقت لبيان معجزة عيسى عليه السلام فالاشبه أن يحمل المراد عليها ويكون أبلغ في إثبات المعجزة والله أعلم ثم ذكر المصنف حديثين أحدهما حديث أبي موسى الاشعري في فضل مريم وآسية وقد تقدم شرحه في آخر قصة موسى عليه السلام ثانيهما حديث أبي هريرة في فضل نساء قريش قوله وقال بن وهب الخ وصله مسلم عن حرملة عن بن وهب وكذلك أخرجه الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن حرملة وسيأتي للمصنف موصولا من وجه آخر عن بن وهب في النكاح قال القرطبي هذا تفضيل لنساء قريش على نساء العرب خاصة لانهم أصحاب الابل غالبا وسيأتي بقية شرحه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى قوله احناه أشفقه حتى يحنو ويحنى من الثلاثي وأحنى يحنى من الرباعي أشفق عليه وعطف والحانية التي تقوم بولدها بعد موت الاب قال وحنت المرأة على ولدها إذا لم تتزوج بعد موت الاب قال بن التين فإن تزوجت فليست بحانية قال الحسن في الحانية التي لها ولد ولا تتزوج وفي بعض الكتب أحنى بتشديد النون والتنوين حكاه بن التين وقال لعله مأخوذ من الحنان بفتح وتخفيف وهو الرحمة وحنت المرأة إلى ولدها وإلى زوجها سواء كان بصوت أم لا ومن الذي بالصوت حنين الجذع وأصله ترجيع صوت الناقة على أثر ولدها وكان القياس احناهن لكن جرى لسان العرب بالافراد وقوله ولم تركب مريم بعيرا قط إشارة إلى أن مريم لم تدخل في هذا التفضيل بل هو خاص بمن يركب الابل والفضل الوارد في خديجة وفاطمة وعائشة هو بالنسبة إلى جميع النساء إلى من قيل إنها نبيه فإن ثبت في حق امرأة أنها نبيه فهي خارجة بالشرع لان درجة النبوة لا شئ بعدها وأن لم يثبت فيحتاج من يخرجهن إلى دليل خاص لكل منهن فأشار أبو هريرة إلى أن مريم لم تدخل في هذا العموم لانه قيد أصل الفضل بمن يركب الابل ومريم لم تركب بعيرا قط وقد اعترض بعضهم فقال كأن أبا هريرة ظن أن البعير لا يكون إلا من الابل وليس كما ظن بل يطلق البعير على الحمار وقال بن خالويه لم نكن إخوة يوسف ركبانا إلى على أحمرة ولم يكن عندهم إبل وإنما كانت تحملهم في أسفارهم وغيرها الاحمرة وكذا قال مجاهد هنا البعير الحمار وهي لغة حكاها الكواشي واستدل بقوله اصطفاك على نساء العالمين على أنها كانت نبيه ويؤيد ذكرها في سورة مريم بمثل ما ذكر به الانبياء ولا يمنع وصفها بأنها صديقة فإن يوسف وصف بذلك مع كونه نبيا وقد نقل عن الاشعري أن في النساء نبيات وجزم بن حزم بست حواء وسارة وهاجر وأم موسى وآسية ومريم ولم يذكر القرطبي سارة ولا هاجر ونقله السهيلي في آخر الروض عن أكثر الفقهاء وقال القرطبي الصحيح أن مريم نبيه وقال عياض الجمهور على خلافه وذكر النووي في الاذكار عن إمام الحرمين أنه نقل الاجماع على أن مريم ليست نبيه ونسبه في شرح المهذب لجماعة وجاء عن الحسن البصري ليس في النساء نبيه ولا في الجن وقال السبكي اختلف في هذه المسألة ولم يصح عندي في ذلك شئ قوله يقول أبو هريرة على أثر ذلك ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط في رواية لاحمد وأبي يعلى وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مريم لم تركب بعيرا قط أراد أبو هريرة بذلك أن مريم لم تدخل في النساء المذكورات بالخيرية لانه قيدهن بركوب الابل ومريم لم تكن ممن يركب الابل وكأنه كان يرى أنها أفضل النساء مطلقا قوله تابعه بن أخي الزهري وإسحاق الكلبي عن الزهري أما متابعة بن أخي

[ 342 ]

الزهري وهو محمد بن عبد الله بن مسلم فوصلها أبو أحمد بن عدي في الكامل من طريق الدراوردي عنه وأما متابعة إسحاق الكلبي فوصلها الزهري في الزهريات عن يحيى بن صالح عنه قوله باب قوله تعالى يا أهل الكتاب لا نغلوا في دينكم إلى وكيلا قال عياض وقع في رواية الاصيلي قل يا أهل الكتاب ولغيره بحذف قل وهو الصواب قلت هذا هو الصواب في هذه الآية التي هي من سورة النساء لكن قد ثبت قل في الآية الاخرى في سورة المائدة قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق الآية ولكن مراد المصنف آية سورة النساء بدليل إيراده لتفسير بعض ما وقع فيها فالاعتراض متجه قوله قال أبو عبيد كلمته كن فكان هكذا في جميع الاصول والمراد به أبو عبيد القاسم بن سلام ووقع نظيره في كلام أبي عبيدة معمر بن المثنى وفي تفسير عبد الرزاق عن معمر عن قتادة مثله قوله وقال غيره وروح منه أحياه فجعله روحا هو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى وكلمته ألقاها إلى مريم قوله كن فكان وروح منه الله تبارك وتعالى أحياه فجعله روحا ولا تقولوا ثلاثة أي لا تقولوا هم ثلاثة قوله ولا تقولوا ثلاثة هو بقية الآية التي فسرها أبو عبيدة قوله عن الاوزاعي في رواية الاسماعيلي من طريق علي بن المديني عن الوليد حدثنا الاوزاعي قوله عن عبادة هو بن الصامت في رواية بن المديني المذكورة حدثني عبادة وفي رواية مسلم عن جنادة حدثنا عبادة بن الصامت قوله وأن عيسى عبد الله ورسوله زاد بن المديني في روايته وابن أمته قال القرطبي مقصود هذا الحديث التنبيه على ما وقع للنصارى من الضلال في عيسى وأمه ويستفاد منه ما يلقنه النصراني إذا أسلم قال النووي هذا حديث عظيم الموقع وهو من أجمع الاحاديث المشتملة على العقائد فإنه جمع فيه ما يخرج عنه جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم وقال غيره في ذكر عيسى تعريض بالنصارى وايذان بان إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض وكذا قوله عبدة وفي ذكر رسوله تعريض باليهود في انكارهم رسالته وقذفه بما هو منزه عنه وكذا أمه وفي قوله وابن أمته تشريف له وكذا تسميته بالروح ووصفه بأنه منه كقوله تعالى وسخر لكم ما في الارض جميعا منه فالمعنى أنه كائن منه كما أن معنى الآية الاخرى أنه سخر هذه الاشياء كائنة منه أي أنه مكون كل ذلك وموجده بقدرته وحكمته وقوله وكلمته إشارة إلى أنه حجة الله على عباده أبدعه من غير أب وأنطقه في غير أوانه وأحيى الموتى على يده وقيل سمي كلمة الله لانه أوجده بقوله كن فلما كان بكلامه سمي به كما يقال سيف الله وأسد الله وقيل لما قال في صغره أني عبد الله وأما تسميته بالروح فلما كان أقدره عليه من إحياء الموتى وقيل لكونه ذا روح وجد من غير جزء من ذي روح وقوله أدخله الله الجنة من أي أبواب الجنة شاء يقتضي دخوله الجنة وتخييره في الدخول من أبوابها وهو بخلاف ظاهر حديث أبي هريرة الماضي في بدء الخلق فإنه يقتضي أن لكل داخل الجنة بابا معينا بدخل منه قال ويجمع بينهما بأنه في الاصل مخير لكنه يرى أن الذي يختص به أفضل في حقه فيختاره فيدخله مختارا لا مجبورا ولا ممنوعا من الدخول من غيره قلت ويحتمل أن يكون فاعل شاء هو الله والمعنى أن الله يوفقه لعمل يدخله برحمة الله من الباب المعد لعامل ذلك العمل قوله قال الوليد هو بن مسلم وهو موصول بالاسناد المذكور وقد أخرجه مسلم عن داود بن رشيد عن الوليد بن مسلم عن بن جابر وحده به ولم يذكر الاوزاعي وأخرجه من وجه آخر عن الاوزاعي قوله عن جنادة وزاد

[ 343 ]

أي عن جنادة عن عبادة بالحديث المذكور وزاد في آخره وكذا أخرجه مسلم بالزيادة ولفظه أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء وقد تقدمت الاشارة إليه في صفة الجنة من بدء الخلق وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بدخول جميع الموحدين الجنة في كتاب الايمان بما أغنى عن اعادته ومعنى قوله على ما كان من العمل أي من صلاح أو فساد لكن أهل التوحيد لا بد لهم من دخول الجنة ويحتمل أن يكون معنى قوله على ما كان من العمل أي يدخل أهل الجنة الجنة على حسب أعمال كل منهم في الدرجات تنبيه وقع في رواية الاوزاعي وحده فقال في آخره أدخله الله الجنة على ما كان عليه من العمل بدل قوله في رواية بن جابر من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء وبينه مسلم في روايته وأخرج مسلم من هذا الحديث قطعة من طريق الصنابحي عن عبادة من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله حرم الله عليه النار وهو يؤيد ما سيأتي ذكره في الرقاق في شرح حديث أبي ذر أن بعض الرواة يختصر الحديث وأن المتعين على من يتكلم على الاحاديث أن يجمع طرقها ثم يجمع ألفاظ المتون إذا صحت الطرق ويشرحها على أنه حديث واحد فإن الحديث أولى ما فسر بالحديث قال البيضاوي في قوله على ما كان عليه من العمل دليل على المعتزلة من وجهين دعواهم أن العاصي يخلد في النار وأن من لم يتب يجب دخوله في النار لان قوله على ما كان من العمل حال من قوله أدخله الله الجنة والعمل حينئذ غير حاصل ولا يتصور ذلك في حق من مات قبل التوبة إلا إذا أدخل الجنة قبل العقوبة وأما ما ثبت من لازم أحاديث الشفاعة أن بعض العصاة يعذب ثم يخرج فيخص به هذا العموم وإلا فالجميع تحت الرجاء كما أنهم تحت الخوف وهذا معنى قول أهل السنة إنهم في خطر المشيئة قوله باب قول الله تعالى واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها هذا الباب معقود لاخبار عيسى عليه السلام والابواب التي قبله لاخبار أمه مريم وقد روى الطبري من طريق السدي قال أصاب مريم حيض فخرجت من المسجد فأقامت شرقي المحراب قوله فنبذناه ألقيناه وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى فنبذناه قال ألقيناه وقال أبو عبيدة في قوله إذ انتبذت أي اعتزلت وتنحت قوله اعتزلت شرقيا مما يلي الشرق قال أبو عبيدة في قوله مكانا شرقيا مما يلي الشرق وهو عند العرب خير من الغربي الذي يلي الغرب قوله فأجاءها أفعلت من جئت ويقال ألجأها اضطرها قال أبو عبيدة في قوله فأجاءها المخاض مجازه أفعلها من جاءت وأجاءها غيرها إليه يعني فهو من مزيد جاء قال زهير وجاء وسار متعمدا إليكم أجاءته المخافة والرجاء والمعنى ألجأته وقال الزمخشري إن أجاء منقول من جاء إلا أن استعماله تغير بعد النقل إلى معنى الالجاء قوله تساقط تسقط هو قول أبي عبيدة وضبط تسقط بضم أوله من الرباعي والفاعل النخلة عند من قرأها بالمثناة أو الجذع عند من قرأها بالتحتانية قوله قصيا قاصيا هو تفسير مجاهد أخرجه الطبري عنه وقال أبو عبيدة في قوله مكانا قصيا أي بعيدا قوله فريا عظيما هو تفسير مجاهد وصله الطبري من طريق بن أبي نجيح عنه ومن طريق سعيد عن قتادة كذلك قال أبو عبيدة في قوله لقد جئت شيئا فريا أي عجبا فائقا قوله قال بن عباس نسيا لم أكن شيئا وصله بن جرير من طريق بن جريج أخبرني عطاء عن بن عباس في قوله يا ليتني مت قبل هذا

[ 344 ]

وكنت نسيا منسيا أي لم أخلق ولم أكن شيئا قوله وقال غيره النسي الحقير هو قول السدي وقيل هو ما سقط في منازل المرتحلين من رذالة أمتعتهم وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة قال في قوله وكنت نسيا أي شيئا لا يذكر قوله وقال أبو وائل علمت مريم أن التقي ذو نهية حين قالت إن كنت تقيا وصله عبد بن حميد من طريق عاصم قال قرأ أبو وائل اني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال لقد علمت مريم أن التقي ذو نهية وقوله نهية بضم النون وسكون الهاء أي ذو عقل وانتهاء عن فعل القبيح وأغرب من قال إنه اسم رجل يقال له تقي كان مشهورا بالفساد فاستعاذت منه قوله وقال وكيع عن إسرائيل الخ ذكر خلف في الاطراف أن البخاري وصله عن يحيى عن وكيع وأن ذلك وقع في التفسير ولم نقف عليه في شئ من النسخ فلعله في رواية حماد بن شاكر عن البخاري قوله سريانهر صغير بالسريانية كذا ذكره موقوفا من حديث البراء معلقا وأورده الحاكم في المستدرك وابن أبي حاتم من طريق الثوري والطبري من طريق شعبة كلاهما عن أبي إسحاق مثله وأخرجه بن مردويه من طريق آدم عن إسرائيل به لكن لم يقل بالسريانية وإنما قال البراء السري الجدول وهو النهر الصغير وقد ذكر أبو عبيدة أن السري النهر الصغير بالعربية أيضا وأنشد للبيد بن ربيعة فرمى بها عرض السري فغادرا مسجورة متجاوز أقلامها والعرض بالضم الناحية وروى الطبري من طريق حصين عن عمرو بن ميمون قال السري الجدول ومن طريق الحسن البصري قال السري هو عيسى وهذا شاذ وقد روى بن مردويه في تفسيره من حديث بن عمر مرفوعا السري في هذه الآية نهر أخرجه الله لمريم لتشرب منه ثم ذكر المصنف في الباب عشرة أحاديث أولها حديث أبي هريرة في قصة جريج الراهب وغيره والغرض منه ذكر الذين تكلموا في المهد وأورده في ترجمة عيسى لانه وأولهم رضي الله تعالى عنه 3 قوله لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة قال القرطبي في هذا الحصر نظر إلا أنه يحمل على أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم الزيادة على ذلك وفيه بعد ويحتمل أن يكون كلام الثلاثة المذكورين مقيدا بالمهد وكلام غيرهم من الاطفال بغير مهد لكنه يعكر عليه أن في رواية بن قتيبة أن الصبي الذي طرحته أمه في الاخدود كان بن سبعة أشهر وصرح بالمهد في حديث أبي هريرة وفيه تعقب على النووي في قوله أن صاحب الاخدود لم يكن في المهد والسبب في قوله هذا ما وقع في حديث بن عباس عند أحمد والبزار وابن حبان والحاكم لم يتكلم في المهد إلا أربعة فلم يذكر الثالث الذي هنا وذكر شاهد يوسف والصبي الرضيع الذي قال لامه وهي ماشطة بنت فرعون لما أراد فرعون إلقاء أمه في النار اصبري يا أمة فأنا على الحق وأخرج الحاكم نحوه من حديث أبي هريرة فيجتمع من هذا خمسة ووقع ذكر شاهد يوسف أيضا في حديث عمران بن حصين لكنه موقوف وروى بن أبي شيبة من مرسل هلال بن يساف مثل حديث بن عباس إلا أنه لم يذكر بن الماشطة وفي صحيح مسلم من حديث صهيب في قصة أصحاب الاخدود أن امرأة جئ بها لتلقى في النار أو لتكفر ومعها صبي يرضع فتقاعست فقال لها يا أمه اصبري فإنك على الحق وزعم الضحاك في تفسيره أن يحيى تكلم في المهد أخرجه الثعلبي فإن ثبت صاروا سبعة وذكر البغوي في تفسيره أن إبراهيم الخليل تكلم في المهد وفي سير الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم أوائل ما ولد وقد تكلم في زمن النبي صلى الله

[ 345 ]

عليه وسلم مبارك اليمامة وقصته في دلائل النبوة للبيهقي من حديث معرض بالضاد المعجمة والله أعلم على أنه اختلف في شاهد يوسف فقيل كان صغيرا وهذا أخرجه بن أبي حاتم عن بن عباس وسنده ضعيف وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وأخرج عن بن عباس أيضا ومجاهد أنه كان ذا لحية وعن قتادة والحسن أيضا كان حكيما من أهلها قوله وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج يجيمين مصغر وقد روى حديثه عن أبي هريرة محمد بن سيرين كما هنا وتقدم في المظالم من طريقه بهذا الاسناد والاعرج كما تقدم في أواخر الصلاة وأبو رافع وهو عند مسلم وأحمد وأبو سلمة وهو عند أحمد ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي هريرة وعمران بن حصين وسأذكر ما في رواية كل منهم من الفائدة وأول حديث أبي سلمة كان رجل في بني إسرائيل تاجرا وكان ينقص مرة ويزيد أخرى فقال ما في هذه التجارة خير لالتمسن تجارة هي خير من هذه فبنى صومعة وترهب فيها وكان يقال له جريج فذكر الحديث ودل ذلك على أنه كان بعد عيسى بن مريم وأنه كان من أتباعه لانهم الذين ابتدعوا الترهب وحبس النفس في الصوامع والصومعة بفتح المهملة وسكون الواو هي البناء المرتفع المحدد أعلاه ووزنها فوعلة من صمعت إذا دققت لانها دقيقة الرأس قوله جاءته أمه في رواية الكشميهني فجاءته أمه وفي رواية أبي رافع كان جريج يتعبد في صومعته فأتته أمه ولم أقف في شئ من الطرق على اسمها وفي حديث عمران بن حصين وكانت أمه تأتيه فتناديه فيشرف عليها فيكلمها فأتته يوما وهو في صلاته وفي رواية أبي رافع عند أحمد فأتته أمه ذات يوم فنادته قالت أي جريج أشرف علي أكلمك أنا أمك قوله فدعته فقال أجيبها أو أصلي زاد المصنف في المظالم بالاسناد الذي ذكره هنا فأبى أن يجيبها ومعنى قوله أمي وصلاتي أي اجتمع علي إجابة أمي وإتمام صلاتي فوفقني لافضلهما وفي رواية أبي رافع فصادفته يصلي فوضعت يدها على حاجبها فقالت يا جريج فقال يا رب أمي وصلاتي فاختار صلاته فرجعت ثم أتته فصادفته يصلي فقالت يا جريج أنا أمك فكلمني فقال مثله فذكره وفي حديث عمران بن حصين أنها جاءته ثلاث مرات تناديه في كل مرة ثلاث مرات وفي رواية الاعرج عند الاسماعيلي فقال أمي وصلاتي لرب أوثر صلاتي على أمي ذكره ثلاثا وكل ذلك محمول على أنه قاله في نفسه لا أنه نطق به ويحتمل أن يكون نطق به على ظاهره لان الكلام كان مباحا عندهم وكذلك كان في صدر الاسلام وقد قدمت في أواخر الصلاة ذكر حديث يزيد بن حوشب عن أبيه رفعه لو كان جريج عالما لعلم أن إجابة أمه أولى من صلاته قوله فقالت اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات وفي رواية الاعرج حتى بنظر في وجوه المياميس ومثله في رواية أبي سلمة وفي رواية أبي رافع حتى تريه المومسة بالافراد وفي حديث عمران بن حصين فغضبت فقالت اللهم لا يموتن جريج حتى ينظر في وجوه المومسات والمومسات جمع مومسة بضم الميم وسكون الواو وكسر الميم بعدها مهملة وهي الزانية وتجمع على مواميس بالواو وجمع في الطريق المذكورة بالتحتانية وأنكره بن الخشاب أيضا ووجهه غيره كما تقدم في أواخر الصلاة وجوز صاحب المطالع فيه الهمزة بدل الياء بل أثبتها رواية ووقع في رواية الاعرج فقالت أبيت أن تطلع إلي وجهك لا أماتك الله حتى تنظر في وجهك زواني المدينة قوله فتعرضت له امرأة فكلمته فأبى فأتت راعيا فأمكنته من نفسها وفي رواية وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عند أحمد فذكر بنو إسرائيل عبادة جريج فقالت بغى منهم

[ 346 ]

إن شئتم لافتنته قالوا قد شئنا فأتته فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأمكنت نفسها من راع كان يؤوي غنمه إلى أصل صومعة جريج ولم أقف على اسم هذه المرأة لكن في حديث عمران بن حصين أنها كانت بنت ملك القرية وفي رواية الاعرج وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم ونحوه في رواية أبي رافع عند أحمد وفي رواية أبي سلمة وكان عند صومعته راعي ضأن وراعية معزى ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنها خرجت من دار أبيها بغير علم أهلها متنكرة وكانت تعمل الفساد إلى أن ادعت أنها تستطيع أن تفتن جريحا فاحتالت بأن خرجت في صورة راعية ليمكنها أن تأوي إلى ظل صومعته لتتوصل بذلك إلى فتنته قوله فولدت غلاما فيه حذف تقديره فحملت حتى انقضت أيامها فولدت وكذا قوله فقالت من جريج فيه حذف تقديره فسئلت ممن هذا فقالت من جريج وفي رواية أبي رافع التصريح بذلك ولفظه فقيل لها ممن هذا فقالت هو من صاحب الدير وزاد في رواية أحمد فأخذت وكان من زنى منهم قتل فقيل لها ممن هذا قالت هو من صاحب الصومعة زاد الاعرج نزل إلى من صومعته وفي رواية الاعرج فقيل لها من صاحبك قالت جريج الراهب نزل إلي فأصابني زاد أبو سلمة في روايته فذهبوا إلى الملك فأخبروه قال أدركوه فأتوني به قوله فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وفي رواية أبي رافع فأقبلوا بفئوسهم ومساحيهم إلى الدير فنادوه فلم يكلمهم فأقبلوا يهدمون ديره وفي حديث عمران فما شعر حتى سمع بالفئوس في أصل صومعته فجعل يسألهم ويلكم مالكم فلم يجيبوه فلما رأى ذلك أخذ الحبل فتدلى قوله وسبوه زاد أحمد عن وهب بن جرير وضربوه فقال ما شأنكم قالوا انك زنيت بهذه وفي رواية أبي رافع عنده فقالوا أي جريج انزل فأبى يقبل على صلاته فأخذوا في هدم صومعته فلما رأى ذلك نزل فجعلوا في عنقه وعنقها حبلا وجعلوا يطوفون بهما في الناس وفي رواية أبي سلمة فقال له الملك ويحك يا جريج كنا نراك خير الناس فأحبلت هذه اذهبوا به فاصلبوه وفي حديث عمران فجعلوا يضربونه ويقولون مراء تخادع الناس بعملك وفي رواية الاعرج فلما مروا به نحو بيت الزواني خرجن ينظرن فتبسم فقالوا لم يضحك حتى مر بالزواني قوله فتوضأ وصلى وفي رواية وهب بن جرير فقام وصلى ودعا وفي حديث عمران قال فتولوا عني فتولوا عنه فصلى ركعتين قوله ثم أتى الغلام فقال من أبوك يا غلام فقال الراعي زاد في رواية وهب بن جرير فطعنه بإصبعه فقال بالله يا غلام من أبوك فقال أنا بن الراعي وفي مرسل الحسن عند بن المبارك في البر والصلة أنه سألهم أن ينظروه فأنظروه فرأى في المنام من أمره أن يطعن في بطن المرأة فيقول أيتها السخلة من أبوك ففعل فقال راعي الغنم وفي رواية أبي رافع ثم مسح رأس الصبي فقال من أبوك قال راعي الضأن وفي روايته عند أحمد فوضع أصبعه على بطنها وفي رواية أبي سلمة فأتى بالمرأة والصبي وفمه في ثديها فقال له جريج يا غلام من أبوك فنزع الغلام فاه من الثدي وقال أبي راعي الضأن وفي رواية الاعرج فلما أدخل على ملكهم قال جريج أين الصبي الذي ولدته فأتى به فقال من أبوك قال فلان سمي أباه قلت ولم أقف على اسم الراعي ويقال إن اسمه صهيب وأما الابن فتقدم في أواخر الصلاة بلفظ فقال يا أبا بوس وتقدم شرحه أواخر الصلاة وأنه ليس اسمه كما زعم الداودي وإنما المراد به الصغير وفي حديث عمران ثم انتهى إلى شجرة فأخذ منها غصنا ثم أتى الغلام وهو في مهده فضربه بذلك الغصن فقال من أبوك ووقع في التنبيه لابي الليث السمرقندي

[ 347 ]

بغير إسناد أنه قال للمرأة أين أصبتك قالت تحت شجرة فأتى تلك الشجرة فقال يا شجرة أسألك بالذي خلقك من زنى بهذه المرأة فقال كل غصن منها راعي الغنم ويجمع بين هذا الاختلاف بوقوع جميع ما ذكر بأنه مسح رأس الصبي ووضع إصبعه على بطن أمه وطعنه بإصبعه وضربه بطرف العصا التي كانت معه وأبعد من جمع بينها بتعدد القصة وأنه استنطقه وهو في بطنها مرة قبل أن تلد ثم استنطقه بعد أن ولد زاد في رواية وهب بن جرير فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه وزاد الاعرج في روايته فأبرأ الله جريجا وأعظم الناس أمر جريج وفي رواية أبي سلمة فسبح الناس وعجبوا قوله قالوا نبني صومعتك من ذهب قال لا إلا من طين وفي رواية وهب بن جرير ابنوها من طين كما كانت وفي رواية أبي رافع فقالوا نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة قال لا ولكن أعيدوه كما كان ففعلوا وفي نقل أبي الليث فقال له الملك نبنيها من ذهب قال لا قال من فضة قال لا إلا من طين زاد في رواية أبي سلمة فردوها فرجع في صومعته فقالوا له بالله مم ضحكت فقال ما ضحكت إلا من دعوة دعتها على أمي وفي الحديث إيثار إجابة الام على صلاة التطوع لان الاستمرار فيها نافلة وإجابة الام وبرها واجب قال النووي وغيره إنما دعت عليه فاجيبت لانه كان يمكنه أن يخفف ويجيبها لكن لعله خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته والعود إلى الدنيا وتعلقاتها كذا قال النووي وفيه نظر لما تقدم من أنها كانت تأتيه فيكلمها والظاهر أنها كانت تشتاق إليه فتزوره وتقتنع برؤيته وتكليمه وكأنه إنما لم يخفف ثم يجيبها لانه خشي أن ينقطع خشوعه وقد تقدم في أواخر الصلاة من حديث يزيد بن حوشب عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو كان جريج فقيها لعلم أن إجابة أمه أولى من عبادة ربه أخرجه الحسن بن سفيان وهذا إذا حمل على إطلاقه استفيد منه جواز قطع الصلاة مطلقا لاجابة نداء الام نفلا كانت أو فرضا وهو وجه في مذهب الشافعي حكاه الروياني وقال النووي تبعا لغيره هذا محمول على أنه كان مباحا في شرعهم وفيه نظر قدمته في أواخر الصلاة والاصح عند الشافعية أن الصلاة إن كانت نفلا وعلم تأذى الوالد بالترك وجبت الاجابة وإلا فلا وإن كانت فرضا وضاق الوقت لم تجب الاجابة وإن لم يضق وجب عند إمام الحرمين وخالفه غيره لانها تلزم بالشروع وعند المالكية أن إجابة الوالد في النافلة أفضل من التمادي فيها وحكى القاضي أبو الوليد أن ذلك يختص بالام دون الاب وعند بن أبي شيبة من مرسل محمد بن المنكدر ما يشهد له وقال به مكحول وقيل إنه لم يقل به من السلف غيره وفي الحديث أيضا عظم بر الوالدين وإجابة دعائهما ولو كان الولد معذورا لم يختلف الحال في ذلك بحسب المقاصد وفيه الرفق بالتابع إذا جرى منه ما يقتضي التأديب لان أم جريج مع غضبها منه لم تدع عليه إلا بما دعت به خاصة ولولا طلبها الرفق به لدعت عليه بوقوع الفاحشة أو الفتل وفيه أن صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن وفيه قوة يقين جريج المذكور وصحة رجائه لانه استنطق المولود مع كون العادة أنه لا ينطق ولولا صحة رجائه بنطقه ما استنطقه وفيه أن الامرين إذا تعارضا بدئ بأهمهما وأن الله يجعل لاوليائه عند ابتلائهم مخارج وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعض الاوقات تهذيبا وزيادة لهم في الثواب وفيه اثبات كرامات الاولياء ووقوع الكرامة لهم باختيارهم وطلبهم وقال بن بطال يحتمل أن يكون جريج كان نبيا فتكون معجزة كذا قال وهذا الاحتمال لا يتأتى في حق المرأة التي كلمها ولدها المرضع كما في بقية الحديث وفيه

[ 348 ]

جواز الاخذ بالاشد في العبادة لمن علم من نفسه قوة على ذلك واستدل به بعضهم على أن بني إسرائيل كان من شرعهم أن المرأة تصدق فيما تدعيه على الرجال من الوطئ ويلحق به الولد وأنه لا ينفعه جحد ذلك إلا بحجة تدفع قولها وفيه أن مرتكب الفاحشة لا تبقى له حرمة وأن المفزع في الامور المهمة إلى الله يكون بالتوجه إليه في الصلاة واستدل بعض المالكية بقول جريج من أبوك يا غلام بأن مزنى بامرأة فولدت بنتا لا يحل له التزوج بتلك البنت خلافا للشافعية ولان الماجشون من المالكية ووجه الدلالة أن جريجا نسب بن الزنا للزاني وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق المولود بشهادته له بذلك وقوله أبي فلان الراعي فكانت تلك النسبة صحيحة فيلزم أن يجري بينهما أحكام الابوة والبنوة خرج التوارث والولاء بدليل فبقي ما عدا ذلك على حكمة وفيه أن الوضوء لا يختص بهذه الامة خلافا لمن زعم ذلك وإنما الذي يختص بها الغرة والتحجيل في الآخرة وقد تقدم في قصة إبراهيم أيضا مثل ذلك في خبر سارة مع الجبار والله أعلم قوله وكانت امرأة بالرفع ولم أقف على اسمها ولا على اسم ابنها ولا على اسم أحد ممن ذكر في القصة المذكورة قوله إذ مر بها راكب وفي رواية خلاس عن أبي هريرة عند أحمد فارس متكبر قوله ذو شارة بالشين المعجمة أي صاحب حسن وقيل صاحب هيئة ومنظر وملبس حسن يتعجب منه ويشار إليه وفي رواية خلاس ذو شارة حسنة قوله قال أبو هريرة كأني أنظر هو موصول بالاسناد المذكور وفيه المبالغة في إيضاح الخبر بتمثيله بالفعل قوله ثم مر بضم الميم على البناء للمجهول قوله بأمة زاد أحمد عن وهب بن جرير تضرب وفي رواية الاعرج عن أبي هريرة الآتية في ذكر بني إسرائيل تجرر ويلعب بها وهي بجيم مفتوحة بعدها راء ثقيلة ثم راء أخرى قوله فقالت له ذلك أي سألت الام ابنها عن سبب كلامه قوله قال الراكب جبار في رواية أحمد فقال يا أمتاه أما الراكب ذو الشارة فجبار من الجبابرة وفي رواية الاعرج فإنه كافر قوله يقولون سرقت زنيت بكسر المثناة فيهما على المخاطبة وبسكونها على الخبر قوله ولم تفعل في رواية أحمد يقولون سرقت ولم تسرق زنيت ولم تزن وهي تقول حسبي الله وفي رواية الاعرج يقولون لها تزني وتقول حسبي الله ويقولون لها تسرق وتقول حسبي الله ووقع في رواية خلاس المذكورة أنها كانت حبشية أو زنجية وأنها ماتت فجروها حتى ألقوها وهذا معنى قوله في رواية الاعرج تجرر وفي الحديث أن نفوس أهل الدنيا تقف مع الخيال الظاهر فتخاف سوء الحال بخلاف أهل التحقيق فوقوفهم مع الحقيقة الباطنة فلا يبالون بذلك مع حسن السريرة كما قال تعالى حكاية عن أصحاب قارون حيث خرج عليهم يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير وفيه أن البشر طبعوا على إيثار الاولاد على الانفس بالخير لطلب المرأة الخير لابنها ودفع الشر عنه ولم تذكر نفسها الحديث الثاني حديث أبي هريرة في ذكر موسى وعيسى وقد تقدم في قصة موسى من هذا الوجه لكن زاد هنا إسنادا آخر فقال حدثنا محمود وهو بن غيلان عن عبد الرزاق وساقه على لفظه وكان ساقه هناك على لفظ هشام بن يوسف وقوله في هذه الرواية فإذا رجل حسبته قال مضطر ب القائل حسبته هو عبد الرزاق والمضطرب الطويل غير الشديد وقيل الخفيف اللحم وتقدم في رواية هشام بلفظ ضرب وفسر بالنحيف ولا منافاة بينهما وقال بن التين هذا الوصف مغاير لقوله بعد هذا أنه جسيم يعني في الرواية

[ 349 ]

التي بعد هذه وقال والذي وقع نعته بأنه جسيم إنما هو الدجال وقال عياض رواية من قال ضرب أصح من رواية من قال مضطرب لما فيها من الشك قال وقد وقع في الرواية الاخرى جسيم وهو ضد الضرب الا أن يراد بالجسيم الزيادة في الطول وقال التيمي لعل بعض لفظ هذا الحديث دخل في بعض لان الجسيم إنما ورد في صفة الدجال لا في صفة موسى انتهى والذي يتعين المصير إليه ما جوزه عياض أن المراد بالجسيم في صفة موسى الزيادة في الطول ويؤيده قوله في الرواية التي بعد هذه كأنه من رجال الزط وهم طوال غير غلاظ ووقع في حديث الاسراء وهو في بدء الخلق رأيت موسى جعدا طوالا واستنكره الداودي فقال لا أراه محفوظا لان الطويل لا يوصف بالجعد وتعقب بأنهما لا يتنافيان وقال النووي الجعودة في صفة موسى جعودة الجسم وهو اكتنازه واجتماعه لا جعودة الشعر لانه جاء أنه كان رجل الشعر قوله في صفة عيسى ربعة هو بفتح الراء وسكون الموحدة ويجوز فتحها وهو المربوع والمراد أنه ليس بطويل جدا ولا قصير جدا بل وسط وقوله من ديماس هو بكسر المهملة وسكون التحتانية وآخره مهملة قوله يعني الحمام هو تفسير عبد الرزاق ولم يقع ذلك في رواية هشام والديماس في اللغة السرب ويطلق أيضا على الكن والحمام من جملة الكن والمراد من ذلك وصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه حتى كأنه كان في موضع كن فخرج منه وهو عرقان وسيأتي في رواية بن عمر بعد هذا ينطف رأسه ماء وهو محتمل لان يراد الحقيقة وأنه عرق حتى قطر الماء من رأسه ويحتمل أن يكون كناية عن مزيد نضارة وجهه ويؤيده أن في رواية عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة عند أحمد وأبي داود يقطر رأسه ماء وأن لم يصبه بلل قوله وأتيت بإناءين يأتي الكلام عليه في الكلام على الاسراء في السيرة النبوية إن شاء الله تعالى الحديث الثالث قوله أخبرنا عثمان بن المغيرة هو الثقفي مولاهم الكوفي ويقال له عثمان بن أبي زرعة وهو ثقة من صغار التابعين وليس له في البخاري غير هذا الحديث الواحد قوله عن بن عمر كذا وقع في جميع الروايات التي وقعت لنا من نسخ البخاري وقد تعقبه أبو ذر في روايته فقال كذا وقع في جميع الروايات المسموعة عن الفربري مجاهد عن بن عمر قال ولا أدري أهكذا حدث به البخاري أو غلط فيه الفربري لاني رأيته في جميع الطرق عن محمد بكثير وغيره عن مجاهد عن بن عباس ثم ساقه بإسناده إلى حنبل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن كثير وقال فيه بن عباس قال وكذا رواه عثمان بن سعيد الدارمي عن محمد بن كثير قال وتابعه نصر بن أبي أحمد الزبيري عن إسرائيل وكذا رواه يحيى بن زكريا به ابي زائدة عن إسرائيل انتهى وأخرجه أبو نعيم في المستخرج عن الطبراني عن أحمد بن مسلم الخزاعي عن محمد بن كثير وقال رواه البخاري عن محمد بن كثير فقال مجاهد عن بن عمر ثم ساقه من طريق نصر بن علي عن أبي أحمد الزبيري عن إسرائيل فقال بن عباس انتهى وأخرجه بن منده في كتاب الايمان من طريق محمد بن أيوب بن الضريس وموسى بن سعيد الدنداني كلاهما عن محمد بن كثير فقال فيه بن عباس ثم قال قال البخاري عن محمد بن كثير عن بن عمر والصواب عن بن عباس وقال أبو مسعود في الاطراف إنما رواه الناس عن محمد بن كثير فقال مجاهد عن بن عباس ووقع في البخاري في سائر النسخ مجاهد عن بن عمر وهو غلط قال وقد رواه أصحاب إسرائيل منهم يحيى بن أبي زائدة وإسحاق بن منصور والنضر بن شميل وآدم بن أبي إياس وغيرهم عن إسرائيل فقالوا بن

[ 350 ]

عباس قال وكذلك رواه بن عون عن مجاهد عن بن عباس انتهى ورواية بن عون تقدمت في ترجمة إبراهيم عليه السلام ولكن لا ذكر لعيسى عليه السلام فيها وأخرجها مسلم عن شيخ البخاري فيها وليس فيها لعيسى ذكر إنما فيها ذكر إبراهيم وموسى حسب وقال محمد بن إسماعيل التيمي ويقع في خاطري أن الوهم فيه من غير البخاري فإن الاسماعيلي أخرجه من طريق نصر بن علي عن أبي أحمد وقال فيه عن بن عباس ولم ينبه على أن البخاري قال فيه عن بن عمر فلو كان وقع له كذلك لنبه عليه كعادته والذي يرجح أن الحديث لابن عباس لا لابن عمر ما سيأتي من إنكار بن عمر على من قال أن عيسى أحمر وحلفه على ذلك وفي رواية مجاهد هذه فأما عيسى فأحمر جعد فهذا يؤيد أن الحديث لمجاهد عن بن عباس لا عن بن عمر والله أعلم قوله سبط بفتح المهملة وكسر الموحدة أي ليس بجعد وهذا نعت لشعر رأسه قوله كأنه مرجال الزط بضم الزاي وتشديد المهملة جنس من السودان وقيل هم نوع من الهنود وهم طوال الاجسام مع نحافة فيها وقد زعم بن التين أن قوله في صفة موسى جسيم مخالف لقوله في الرواية الاخرى في ترجمته ضرب من الرجال أي خفيف اللحم قال فلعل راوي الحديث دخل له بعض لفظه في بعض لان الجسيم ورد في صفة الدجال وأجيب بأنه لامانع أن يكون مع كونه خفيف اللحم جسيما بالنسبة لطوله فلو كان غير طويل لاجتمع لحمه وكان جسيما الحديث الرابع حديث بن عمر في ذكر عيسى والدجال أورده من طريق نافع عنه من وجهين موصولة ومعلقة ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قوله حدثنا موسى هو بن عقبة قوله بين ظهراني بفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء بلفظ التثنية أي جالسا في وسط الناس والمراد أنه جلس بينهم مستظهرا لا مستخفيا وزيدت فيه الالف والنون تأكيدا أو معناه أن ظهرا منه قدامة وظهرا خلفه وكأنهم حفوا به من جانبيه فهذا أصله ثم كثر حتى استعمل في الاقامة بين قوم مطلقا ولهذا زعم بعضهم أن لفظة ظهراني في هذا الموضع زائدة قوله إلا أن المسيح الدجال أعور العين اليمني كأنه عينه عنبة طافية أي بارزة وهو من طفا الشئ يطفا بغير همزإذا علا على غيره وشبهها بالعنبة التي تقع في العنقود بارزة عن نظائرها وسيأتي بسط ذلك في كتاب الفتن قوله وأراني بفتح الهمزة ذكر بلفظ المضارع مبالغة في استحضار صورة الحال قوله آدم بالمد أي أسمر قوله كأحسن ما يرى في رواية مالك عن نافع الآتية في كتاب اللباس كأحسن ما أنت راء قوله تضرب لمته بكسر اللام أي شعر رأسه ويقال له إذا جاوز شحمة الاذنين وألم بالمنكبين لمة وإذا جاوزت المنكبين فهي جمة وإذا قصرت عنهما فهي وفرة قوله رجل الشعر بكسر الجيم أي قد سرحه ودهنه وفي رواية مالك له لمة قد رجلها فهي تقطر ماء وقد تقدم أنه يحتمل أن يريد أنها تقطر من الماء الذي سرحها به أو أن المراد الاستنارة وكنى بذلك عن مزيد النظافة والنضارة ووقع في رواية سالم الآتية في نعت عيسى أنه آدم سبط الشعر وفي الحديث الذي قبله في نعت عيسى أنه جعد والجعد ضد السبط فيمكن أن يجمع بينهما بأنه سبط الشعر ووصفه لجعودة في جسمه لا شعره والمراد بذلك اجتماعه واكتنازه وهذا الاختلاف نظير الاختلاف في كونه آدم أو أحمر والاحمر عند العرب الشديد البياض مع الحمرة والآدم الاسمر ويمكن الجمع بين الوصفين بأنه أحمر لونه بسبب كالتعب وهو في الاصل أسمر وقد وافق أبو هريرة على أن عيسى أحمر فظهر أن بن عمر أنكر شيئا حفظه غيره وأما قول الداودي أن رواية من قال آدم

[ 351 ]

أثبت فلا أدري من أين وقع له ذلك مع اتفاق أبي هريرة وابن عباس على مخالفة بن عمر وقد وقع في رواية عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة في نعت عيسى إنه مربوع إلى الحمرة والبياض والله أعلم قوله واضعا يده على منكبي رجلين لم أقف على اسمهما وفي رواية مالك متكئا على عواتق رجلين والعواتق جمع عاتق وهو ما بين المنكب والعنق قوله قططا بفتح القاف والمهملة بعدها مثلها هذا هو المشهور وقد تكسر الطاء الاولى والمراد به شدة جعودة الشعر ويطلق في وصف الرجل ويراد به الذم يقال جعد اليدين وجعد الاصابع أي بخيل ويطلق على القصير أيضا وأما إذا أطلق في الشعر فيحتمل الذم والمدح قوله كأشبه من رأيت بابن قطن بفتح القاف والمهملة يأتي في الطريق التي تلي هذه قوله تابعه عبيد الله يعني بن عمر العمري عن نافع أي عن بن عمر وروايته وصلها أحمد ومسلم من طريق أبي أسامة ومحمد بن بشر جميعا عن عبد الله بن عمر في ذكر المسيح الدجال فقط إلى قوله عنبة طافية ولم يذكر ما بعده وهذا يشعر بأنه يطلق المتابعة ويريد أصل الحديث لا جميع ما اشتمل عليه قوله حدثنا أحمد بن محمد المكي هو الازرقي واسم جده الوليد بن عقبة ووهم من قال أنه القواس واسم جد القواس عون قوله عن سالم هو بن عبد الله بن عمر قوله لا والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعيسى أحمر اللام في قوله لعيسى بمعنى عن وهي كقوله تعالى وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وقد تقدم بيان الجمع بين ما أنكره بن عمر وأثبته غيره وفيه جواز اليمين على غلبة الظن لابن عمر ظن أن الوصف اشتبه على الراوي وأن الموصوف بكونه أحمر إنما هو الدجال لا عيسى وقرب ذلك أن كلا منهما يقال له المسيح وهي صفة مدح لعيسى وصفة ذم للدجال كما تقدم وكأن بن عمر قد سمع سماعا جزما في وصف عيسى أنه آدم فساغ له الحلف على ذلك لما غلب على ظنه أن من وصفه بأنه أحمر واهم بينا أنا نائم أطوف بالكعبة هذا يدل على أن رؤيته للانبياء في هذه المرة غير المرة التي تقدمت في حديث أبي هريرة فإن تلك كانت ليلة الاسراء وإن كان قد قيل في الاسراء إن جميعه منام لكن الصحيح أنه كان في اليقظة وقيل كان مرتين أو مرارا كما سيأتي في مكانه ومثله ما أخرجه أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه ليلة أسري بي وضعت قدمي حيث يضع الانبياء أقدامهم من بيت المقدس فعرض على عيسى بن مريم الحديث قال عياض رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم للانبياء على ما ذكر في هذه الاحاديث إن كان مناما فلا إشكال فيه وإن كان في اليقظة ففيه إشكال وقد تقدم في الحج ويأتي في اللباس من رواية بن عون عن مجاهد عن بن عباس في حديث الباب من الزيادة وأما موسى فرجل آدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخلبة كأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي وهذا مما يزيد الاشكال وقد قيل عن ذلك أجوبة أحدها أن الانبياء أفضل من الشهداء والشهداء أحياء عند ربهم فكذلك الانبياء فلا يبعد أن يصلوا ويحجوا ويتقربوا إلى الله بما استطاعوا ما دامت الدنيا وهي دار تكليف باقية ثانيها أنه صلى الله عليه وسلم أرى حالهم التي كانوا في حياتهم عليها فمثلوا له كيف كانوا وكيف كان حجهم وتلبيتهم ولهذا قال أيضا في رواية أبي العالية عن بن عباس عند مسلم كأني أنظر إلى موسى وكأني أنظر إلى يونس وثالثها أن يكون أخبر عما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم من أمرهم وما كان منهم فلهذا أدخل حرف التشبيه في الرواية وحيث أطلقها فهي محمولة على ذلك والله أعلم

[ 352 ]

وقد جمع البيهقي كتابا لطيفا في حياة الانبياء في قبورهم أورد فيه حديث أنس الانبياء أحياء في قبورهم يصلون أخرجه من طريق يحيى بن أبي كثير وهو من رجال الصحيح عن المستلم بن سعيد وقد وثقه أحمد وابن حبان عن الحجاج الاسود وهو بن أبي زياد البصري وقد وثقه أحمد وابن معين عن ثابت عنه وأخرجه أيضا أبو يعلى في مسنده من هذا الوجه وأخرجه البزار لكن وقع عنده عن حجاج الصواف وهو وهم والصواب الحجاج الاسود كما وقع التصريح به في رواية البيهقي وصححه البيهقي وأخرجه أيضا من طريق الحسن بن قتيبة عن المستلم وكذلك أخرجه البزار وابن عدي والحسن بن قتيبة ضعيف وأخرجه البيهقي أيضا من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أحد فقهاء الكوفة عن ثابت بلفظ آخر قال أن الانبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور ومحمد سئ الحفظ وذكر الغزالي ثم الرافعي حديثا مرفوعا أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث ولا أصلي له إلا أن أخذ من رواية بن أبي ليلى هذه وليس الاخذ بجيد لان رواية بن أبي ليلى قابلة للتأويل قال البيهقي أن صح فالمراد أنهم لا يتركون يصلون إلا هذا المقدار ثم يكونون مصلين بين يدي الله قال البيهقي وشاهد الحديث الاول ما ثبت في صحيح مسلم من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رفعه مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الاحمر وهو قائم يصلي في قبره وأخرجه أيضا من وجه آخر عن أنس فإن قيل هذا خاص بموسى قلنا قد وجدنا له شاهدا من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضا من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي الحديث وفيه وقد رأيتني في جماعة من الانبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه وفيه وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم فحانت الصلاة فأممتهم قال البيهقي وفي حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه لقيهم ببيت المقدس فحضرت الصلاة فأمهم نبينا صلى الله عليه وسلم ثم اجتمعوا في بيت المقدس وفي حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة في قصة الاسراء أنه لقيهم بالسماوات وطرق ذلك صحيحة فيحمل على أنه رأى موسى قائما يصلي في قبره ثم عرج به هو ومن ذكر من الانبياء إلى السماوات فلقيهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم اجتمعوا في بيت المقدس فحضرت الصلاة فأمهم نبينا صلى الله عليه وسلم قال وصلاتهم في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة لا يرده العقل وقد ثبت به النقل فدل ذلك على حياتهم قلت وإذا ثبت أنهم أحياء من حيث النقل فإنه يقويه من حيث النظر كون الشهداء أحياء بنص القرآن والانبياء أفضل من الشهداء ومن شواهد الحديث ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رفعه وقال فيه وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم سنده صحيح وأخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب بسند جيد بلفظ من صلى على عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا بلغته وعند أبي داود والنسائي وصححه بن خزيمة وغيره عن أوس بن أوس رفعه في فضل يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت قال أن الله حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء ومما يشكل على ما تقدم ما أخرجه أبو داود من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ورواته ثقات ووجه الاشكال فيه أن ظاهره أن عود الروح إلى الجسد يقتضي انفصالها عنه وهو الموت

[ 353 ]

وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة أحدها أن المراد بقوله رد الله علي روحي أن رد روحه كانت سابقة عقب دفنه لا أنها تعاد ثم تنزع ثم تعاد الثاني سلمنا لكن ليس هو نزع موت بل لا مشقة فيه الثالث أن المراد بالروح الملك الموكل بذلك الرابع المراد بالروح النطق فتجوز فيه من جهة خطابنا بما نفهمه الخامس أنه يستغرق في أمور الملا الاعلى فإذا سلم عليه رجع إليه فهمه ليجيب من سلم عليه وقد استشكل ذلك من جهة أخر وهو أنه يستلزم استغراق الزمن كله في ذلك لاتصال الصلاة والسلام عليه في أقطار الارض ممن لا يحصي كثرة وأجيب بأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة والله أعلم قوله سبط الشعر تقدم ما فيه قوله يهادي أي يمشي متمايلا بينهما قوله ينطف بكسر الطاء المهملة أي يقطر ومنه النطفة كذا قال الداودي وقال غيره النطفة الماء الصافي وقوله أو يهراق وهو شك من الراوي قوله أعور عينه اليمنى كذا هو بالاضافة وعينه بالجر للاكثر وهو من إضافة الموصوف إلى صفته وهو جائز عند الكوفيين وتقديره عند البصريين عين صفحة وجهه اليمني ورواه الاصيلي عينه بالرفع كأنه وقف على وصفه إنه أعور وابتدأ الخبر عن صفة عينه فقال عينه كأنها كذا وأبرز الضمير وفيه نظر لانه بصير كأنه قال عينه كأن عينه ويحتمل أن يكون رفع على البدل من الضمير في أعور الراجع على الموصوف وهو بدل بعض من كل وقال السهيلي لا يجوز أن يرتفع بالصفة كما ترفع الصفة المشبهة باسم الفاعل لان أعور لا يكون نعتا إلا لمذكر ويجوز أن تكون عينه مرتفعة بالابتداء وما بعدها الخبر وقوله كأن عنبة طافية بالنصب على اسم كأن والخبر مقدر محذوف تقديره كأن في وجهه وشاهده قول الشاعر أن محلا وأن مرتحلا أي أن لنا محلا وأن لنا مرتحلا قوله كأن عنبة طافية كذا للكشمهيني ولغيره كأن عينه عنبة طافية وقد تقدم ضبطه قبل قوله وأقرب الناس به شبها بن قطن قال الزهري أي بالاسناد المذكور رجل أي بن قطن من خزاعة هلك في الجاهلية قلت اسمه عبد العزى بن قطن بن عمرو بن جندب بن سعيد بن عائد بن مالك بن المصطلق وأمه هالة بنت خويلد أفاده الدمياطي قال وقال ذلك أيضا عن أكثم بن أبي الجون وأنه قال يا رسول الله هل يضرني شبهة قال لا أنت مسلم وهو كافر حكاه عن بن سعد والمعروف في الذي شبة به صلى الله عليه وسلم أكثم بن عمرو بن لحي جد خزاعة لا الدجال كذلك أخرجه أحمد وغيره وفيه دلالة على أن قوله صلى الله عليه وسلم أن الدجال لا يدخل المدينة ولا مكة أي في زمن خروجه ولم يرد بذلك نفي دخوله في الزمن الماضي والله أعلم الحديث الخامس حديث أبي هريرة في ذكر عيسى بن مريم أورده من ثلاثة طرق طريقين موصولين وطريقة معلقة قوله أنا أولى الناس بابن مريم في رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة أي أخص الناس به وأقربهم إليه لانه بشر بأنه يأتي من بعده قال الكرماني التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله تعالى ان أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهذا النبي أن الحديث وارد في كونه صلى الله عليه وسلم متبوعا والآية واردة في كونه تابعا كذا قال ومساق الحديث كمساق الآية فلا دليل على هذه التفرقة والحق أنه لا منافاة ليحتاج إلى الجمع فكما أنه أولى الناس بإبراهيم كذلك هو أولى الناس بعيسى ذاك من جهة قوة الافتداء به وهذا من جهة قوة قرب العهد به قوله والانبياء أولاد علات في

[ 354 ]

رواية عبد الرحمن المذكورة والانبياء إخوة لعلات والعلات بفتح المهملة الضرائر وأصله أن من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى كأنه عل منها والعلل الشرب بعد الشرب وأولاد العلات الاخوة من الاب وأمهاتهم شتى وقد بينه في رواية عبد الرحمن فقال وأمهاتهم شتى ودينهم واحد وهو من باب التفسير كقوله تعالى ان الانسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وأن اختلفت فروع الشرائع وقيل المراد أن أزمنتهم مختلفة قوله ليس بيني وبينه نبي هذا أورده كالشاهد لقوله إنه أقرب الناس إليه ووقع في رواية عبد الرحمن بن آدم وأنا أولى الناس بعيسى لانه لم يكن بيني وبينه نبي واستدل به على أنه لم يبعث بعد عيسى أحد إلا نبينا صلى الله عليه وسلم وفيه نظر لانه ورد أن الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية المذكورة قصتهم في سورة يس كانوا من أتباع عيسى وأن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين وكانا بعد عيسى والجواب أن هذا الحديث يضعف ما ورد من ذلك فإنه صحيح بلا تردد وفي غيره مقال أو المراد أنه لم يبعث بعد عيسى نبي بشريعة مستقلة وإنما بعث بعده من بعث بتقرير شريعة عيسى وقصة خالد بن سنان أخرجها الحاكم في المستدرك من حديث بن عباس ولها طرق جمعتها في ترجمته في كتابي في الصحابة الحديث السادس حديث أبي هريرة رأى عيسى رجلا يسرق الحديث أورده من طريقين موصولة ومعلقة قوله وقال إبراهيم بن طهمان الخ وصله النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري عن أبيه عن إبراهيم وأحمد من شيوخ البخاري قوله كلا والذي لا إله إلا الله في رواية الكشميهني إلا هو وفي رواية بن طهمان عند النسائي فقال لا والذي لا إله إلا هو قوله وكذبت عيني بالتشديد على التثنية ولبعضهم بالافراد وفي رواية المستملى كذبت بالتخفيف وفتح الموحدة وعيني بالافراد في محل رفع ووقع في رواية مسلم وكذبت نفسي وفي رواية بن طهمان وكذبت بصري قال بن التين قال عيسى ذلك على المبالغة في تصديق الحالف وأما قوله وكذبت عيني فلم يرد حقيقة التكذيب وإنما أراد كذبت عيني في غير هذا قاله بن الجوزي وفيه بعد وقيل إنه أراد بالتصديق والتكذيب ظاهر الحكم لا باطن الامر وإلا فالمشاهدة أعلى اليقين فكيف يكذب عينه ويصدق قول المدعي ويحتمل أن يكون رآه مد يده إلى الشئ فظن أنه تناوله فلما حلف له رجع عن ظنه وقال القرطبي ظاهر قول عيسى للرجل سرقت أنه خبر جازم عما فعل الرجل من السرقة لكونه رآه أخذ ما لا من حرز في خفية وقول الرجل كلا نفي لذلك ثم أكده باليمين وقول عيسى آمنت بالله وكذبت عيني أي صدقت من حلف بالله وكذبت ما ظهر لي من كون الاخذ المذكور سرقة فإنه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ماله فيه حق أو ما أذن له صاحبه في أخذه أو أخذه ليقلبه وينظر فيه ولم يقصد الغصب والاستيلاء قال ويحتمل أن يكون عيسى كان غير جازم بذلك وإنما أراد استفهامه بقوله سرقت وتكون أداة الاستفهام محذوفة وهو سائغ كثير انتهى واحتمال الاستفهام بعيد مع جزمه صلى الله عليه وسلم بأن عيسى رأى رجلا يسرق واحتمال كونه يحل له الاخذ بعيد أيضا بهذا الجزم بعينه والاول مأخوذ من كلام القاضي عياض وقد تعقبه بن القيم في كتابه اغاثة اللهفان فقال هذا تأويل متكلف والحق أن الله كان في قلبه أجل من أن يحلف به أحد كذبا فدار الامر بين تهمة الحالف وتهمة بصره فرد التهمة إلى بصره كما ظن آدم صدق إبليس لما حلف

[ 355 ]

له أنه له ناصح قلت وليس بدون تأويل القاضي في التكلف والتشبيه غير مطابق والله أعلم واستدل به على درء الحد بالشبهة وعلى منع القضاء بالعلم والراجح عند المالكية والحنابلة منعه مطلقا وعند الشافعية جوازه إلا في الحدود وهذه الصورة من ذلك وسيأتي بسطه في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى الحديث السابع حديث بن عباس عن عمر هو من رواية الصحابي عن الصحابي قوله لا تطروني بضم أوله والاطراء المدح بالباطل تقول أطريت فلانا مدحته فأفرطت في مدحه قوله كما أطرت النصارى بن مريم أي في دعواهم فيه الالهية وغير ذلك وهذا الحديث طرف من حديث السقيفة وقد ساقه المصنف مطولا في كتاب المحاربين وذكر منه قطعا متفرقة فيما مضى ويأتي التنبيه عليها في مكانها الحديث الثامن قوله أخبرنا عبد الله هو بن المبارك قوله إن رجلا من أهل خراسان قال للشعبي فقال الشعبي حذف السؤال وقد بينه في رواية حبان بن موسى عن بن المبارك فقال أن رجلا من أهل خراسان قال للشعبي إنا نقول عندنا إن الرجل إذا أعتق أم ولده ثم تزوجها فهو كالراكب بدنته فقال الشعبي فذكره أخرجه الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان عنه قوله إذا أدب الرجل أمته يأتي الكلام عليه في النكاح قوله وإذا آمن الرجل بعيسى ثم آمن بي فله أجران تقدم مباحث ذلك في كتاب العلم مستوفاة وفيه إشارة إلى أنه لم يكن بين عيسى وبين نبينا صلى الله عليه وسلم نبي وقد تقدم البحث في ذلك قوله والعبد إذا اتقى ربه الخ تقدمت الاشارة إليه في كتاب العتق الحديث التاسع حديث بن عباس إنكم محشورون إلى الله حفاة الحديث وسيأتي البحث فيه في أواخر القاق والغرض منه ذكر عيسى بن مريم في قوله وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم قوله قال الفربري ذكر عن أبي عبد الله هو البخاري عن قبيصة هو بن عقبة أحد شيوخ البخاري أي إنه حمل قوله من أصحابي أي باعتبار ما كان قبل الردة لا أنهم ماتوا على ذلك ولا شك أن من ارتد سلب اسم الصحبة لانها نسبة شريفة اسلامية فلا يستحقها من ارتد بعد أن اتصف بها وقد أخرج الاسماعيلي الحديث المذكور عن إبراهيم بن موسى عن إسحاق من قبيصة عن سفيان الثوري به قوله نزول عيسى بن مريم يعني في أواخر الزمان كذا لابي ذر بغير باب وأثبته غيره وذكر فيه المصنف حديثين عن أبي هريرة أحدهما حديث والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم بن مريم الحديث قوله حدثنا إسحاق هو بن إبراهيم المعروف بابن راهويه وإنما جزمت بذلك مع تجويز أبي علي الجياني أن يكون هو أو إسحاق بن منصور لتعبيره بقوله أخبرنا يعقوب بن إبراهيم لان هذه العبارة يعتمدها إسحاق بن راهويه كما عرف بالاستقراء من عادته أنه لا يقول الا أخبرنا ولا يقول حدثنا وقد أخرج أبو نعيم في المستخرج هذا الحديث من

[ 356 ]

مسند إسحاق بن راهويه وقال أخرجه البخاري عن إسحاق قوله أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قوله والذي نفسي بيده فيه الحلف في الخبر مبالغة في تأكيده قوله ليوشكن بكسر المعجمة أي ليقربن أي لا بد من ذلك سريعا قوله أن ينزل فيكم أي في هذه الامة فإنه خطاب لبعض الامة ممن لا يدرك نزوله قوله حكما أي حاكما والمعنى أنه ينزل حاكما بهذه الشريعة فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ بل يكون عيسى حاكما من حكام هذه الامة وفي رواية الليث عن بن شهاب عند مسلم حكما مقسطا وله من طريق بن عيينة عن بن شهاب إماما مقسطا والمقسط العادل بخلاف القاسط فهو الجائر ولاحمد من وجه آخر عن أبي هريرة أقرءوه من رسول الله السلام وعند أحمد من حديث عائشة ويمكث عيسى في الارض أربعين سنة وللطبراني من حديث عبد الله بن مغفل ينزل عيسى بن مريم مصدقا بمحمد على ملته قوله فيكسر الصليب ويقتل الخنزير أي يبطل دين النصرانية بأن يكسر الصليب حقيقة ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه ويستفاد منه تحريم اقتناء الخنزير وتحريم أكله وأنه نجس لان الشئ المنتفع به لا يشرع إتلافه وقد تقدم ذكر شئ من ذلك في أواخر البيوع ووقع للطبراني في الاوسط من طريق أبي صالح عن أبي هريرة فيكسر الصليب ويقتل الخنزير والقرد زاد فيه القرد وإسناده لا بأس به وعلى هذا فلا يصح الاستدلال به على نجاسة عين الخنزير لان القرد ليس بنجس العين اتفاقا ويستفاد منه أيضا تغيير المنكرات وكسر آلة الباطل ووقع في رواية عطاء بن ميناء عن أبي هريرة عند مسلم ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد قوله ويضع الحرب في رواية الكشميهني الجزية والمعنى أن الدين يصير واحدا فلا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدي الجزية وقيل معناه أن المال يكثر حتى لا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له فتترك الجزية استغناء عنها وقال عياض يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية تقريرها على الكفار من غير محاباة ويكون كثرة المال بسبب ذلك وتعقبه النووي وقال الصواب أن عيسى لا يقبل إلا الاسلام قلت ويؤيده أن عند أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة وتكون الدعوى واحدة قال النووي ومعنى وضع عيسى الجزية مع أنها مشروعة في هذه الشريعة أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى لما دل عليه هذا الخبر وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية بل نبينا صلى الله عليه وسلم هو المبين للنسخ بقوله هذا قال بن بطال وإنما قبلناها قبل نزول عيسى للحاجة إلى المال بخلاف زمن عيسى فإنه لا يحتاج فيه إلى المال فإن المال في زمنه يكثر حتى لا يقبله أحد ويحتمل أن يقال إن مشروعية قبولها من اليهود والنصارى لما في أيديهم من شبهة الكتاب وتعلقهم بشرع قديم بزعمهم فإذا نزل عيسى عليه السلام زالت الشبهة بحصول معاينته فيصيرون كعبدة الاوثان في انقطاع حجتهم وانكشاف أمرهم فناسب أن يعاملوا معاملتهم في عدم قبول الجزية منهم هكذا ذكره بعض مشايخنا احتمالا والله أعلم قوله ويفيض المال بفتح أوله وكسر الفاء وبالضاد المعجمة أي يكثر وفي رواية عطاء بن ميناء المذكورة وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد وسبب كثرته نزول البركات وتوالي الخيرات بسبب العدل وعدم الظلم وحينئذ تخرج الارض كنوزها وتقل الرغبات في اقتناء المال لعلمهم بقرب الساعة قوله حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها أي أنهم حينئذ لا يتقربون إلى الله

[ 357 ]

إلا بالعبادة لا بالتصدق بالمال وقيل معناه أن الناس يرغبون عن الدنيا حتى تكون السجدة الواحدة أحب إليهم من الدنيا وما فيها وقد روى بن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري بهذا الاسناد في هذا الحديث حتى تكون السجدة واحدة لله رب العالمين قوله ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم وأن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته الآية هو موصول بالاسناد المذكور قال بن الجوزي إنما تلا أبو هريرة هذه الآية للاشارة إلى مناسبتها لقوله حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها فإنه يشير بذلك إلى صلاح الناس وشدة إيمانهم واقبالهم على الخير فهم لذلك يؤثرون الركعة الواحدة على جميع الدنيا والسجدة تطلق ويراد بها الركعة قال القرطبي معنى الحديث أن الصلاة حينئذ تكون أفضل من الصدقة لكثرة المال إذ ذاك وعدم الانتفاع به حتى لا يقبله أحد وقوله في الآية وان بمعنى ما أي لا يبقى أحد من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا نزل عيسى الا آمن به وهذا مصير من أبي هريرة إلى أن الضمير في قوله الا ليؤمنن به وكذلك في قوله قبل موته يعود على عيسى أي إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى وبهذا جزم بن عباس فيما رواه بن جرير من طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح ومن طريق أبي رجاء عن الحسن قال قبل موت عيسى والله إنه الآن لحي ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون ونقله عن أكثر أهل العلم ورجحه بن جرير وغيره ونقل أهل التفسير في ذلك أقوالا أخر وأن الضمير في قوله به يعود لله أو لمحمد وفي موته يعود على الكتابي على القولين وقيل على عيسى وروى بن جرير من طريق عكرمة عن بن عباس لا يموت يهودي ولا نصراني حتى يؤمن بعيسى فقال له عكرمة أرأيت أن خر من بيت أو احترق أو أكله السبع قال لا يموت حتى يحرك شفتيه بالايمان بعيسى وفي إسناده خصيف وفيه ضعف ورجح جماعة هذا المذهب بقراءة أبي بن كعب الا ليؤمنن به قبل موته أي أهل الكتاب قال النووي معنى الآية على هذا ليس من أهل الكتاب أحد يحضره الموت إلا آمن عند المعاينة قبل خروج روحه بعيسى وأنه عبد الله وابن أمته ولكن لا ينفعه هذا الايمان في تلك الحالة كما قال تعالى وليست التوبة الذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن قال وهذا المذهب أظهر لان الاول يخص الكتابي الذي يدرك نزول عيسى وظاهر القرآن عمومه في كل كتابي في زمن نزول عيسى وقبله قال العلماء الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الانبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه فبين الله تعالى كذبهم وأنه الذي يقتلهم أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الارض إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها وقيل إنه دعا الله لما رأى صفة محمد وأمته أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان مجددا لامر الاسلام فيوافق خروج الدجال فيقتله والاول أوجه وروى مسلم من حديث بن عمر في مدة إقامة عيسى بالارض بعد نزوله أنها سبع سنين وروى نعيم بن حماد في كتاب الفتن من حديث بن عباس أن عيسى إذ ذاك يتزوج في الارض ويقيم بها تسع عشرة سنة وبإسناد فيه مبهم عن أبي هريرة يقيم بها أربعين سنة وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح من طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة مثله مرفوعا وفي هذا الحديث ينزل عيسى عليه ثوبان ممصران فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الاسلام ويهلك الله في زمانه الملل كلها الا الاسلام وتقع الآمنة في الارض حتى ترتع الاسود مع الابل

[ 358 ]

وتلعب الصبيان بالحيات وقال في آخره ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون وروى أحمد ومسلم من طريق حنظلة بن علي الاسلمي عن أبي هريرة ليهلن بن مريم بفج الروحاء بالحج والعمرة الحديث وفي رواية لاحمد من هذا الوجه ينزل عيسى فيقتل الخنزير ويمحي الصليب وتجمع له الصلاة ويعطي المال حتى لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما وتلا أبو هريرة وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به الآية قال حنظلة قال أبو هريرة يؤمن به قبل موت عيسى وقد اختلف في موت عيسى عليه السلام قبل رفعه والاصل فيه قوله تعالى أني متوفيك ورافعك فقيل على ظاهره وعلى هذا فإذا نزل إلى الارض ومضت المدة المقدرة له يموت ثانيا وقيل معنى قوله متوفيك من الارض فعلى هذا لا يمو ت الا في آخر الزمان واختلف في عمره حين رفع فقيل بن ثلاث وثلاثين وقيل مائة وعشرية الحديث العاشر قوله عن نافع مولى أبي قتادة الانصاري هو أبو محمد بن عياش الافرع قال بن حبان هو مولى امرأة من غفار وقيل له مولى أبي قتادة لملازمته له قلت وليس له عن أبي هريرة في الصحيح سوى هذا الحديث الواحد قوله كيف أنتم إذا نزل بن مريم فيكم وإمامكم منكم سقط قوله فيكم من رواية أبي ذر قوله تابعه عقيل والاوزاعي يعني تابعا يونس عن بن شهاب في هذا الحديث فأما متابعة عقيل فوصلها بن منده في كتاب الايمان من طريق الليث عنه ولفظه مثل سياق أبي ذر سواء وأما متابعة الاوزاعي فوصلها بن منده أيضا وابن حبان والبيهقي في البعث وابن الاعرابي في معجمه من طريق عنه ولفطه مثل رواية يونس وقد أخرجه مسلم من طريق بن أبي ذئب عن بن شهاب بلفظ وأمكم منكم قال الوليد بن مسلم فقلت لابن أبي ذئب إن الاوزاعي حدثنا عن الزهري فقال وإمامكم منكم قال بن أبي ذئب أتدري ما أمكم منكم قلت تخبرني قال فأمكم بكتاب ربكم وأخرجه مسلم من رواية بن أخي الزهري عن عم بلفظ كيف بكم إذا نزل فيكم بن مريم فأمكم وعند أحمد من حديث جابر في قصة الدجال ونزول عيسى وإذا هم بعيسى فيقال تقدم يا روح الله فيقول ليتقدم إمامكم فليصل بكم ولابن ماجة في حديث أبي أمامة الطويل في الدجال قال وكلهم أي المسلمون ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح قد تقدم ليصلي بهم إذ نزل عيسى فرجع الامام ينكص ليتقدم عيسى فيقف عيسى بين كتفيه ثم يقول تقدم فإنها لك أقيمت وقال أبو الحسن الخسعي الابدي في مناقب الشافعي تواترت الاخبار بأن المهدي من هذه الامة وأن عيسى يصلي خلفه ذكر ذلك ردا للحديث الذي أخرجه بن ماجة عن أنس وفيه ولا مهدي إلا عبسي وقال أبو ذر الهروي حدثنا الجوزقي عن بعض المتقدمين قال معنى قوله وإمامكم منكم يعني أنه يحكم بالقرآن لا بالانجيل وقال بن التين معنى قوله وإمامكم منكم أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم وهذا والذي قبله لا يبين كون عيسى إذا نزل يكون إماما أو مأموما وعلى تقدير أن يكون عيسى إماما فمعناه أنه يصير معكم بالجماعة من هذه الامة قال الطيبي المعنى يؤمكم عيسى حال كونه في دينكم ويعكر عليه قوله في حديث آخر عند مسلم فيقال له صل لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الامة وقال بن الجوزي لو تقدم عيسى إماما لوقع في النفس إشكال ولقيل أتراه تقدم نائبا أو مبتدئا شرعا فصلى مأموما لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجه قوله لا نبي بعدي وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه الامة مع

[ 359 ]

كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة دلالة للصحيح من الاقوال أن الارض لا تخلو عن قائم لله بحجة والله أعلم قوله باب ما ذكر عن بني إسرائيل أي ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وإسرائيل لقب يعقوب أي من الاعاجيب التي كانت فزمانهم ذكر فيه أربعة وثلاثين حديثا الحديث الاول وهو يشتمل على ثلاثة أحاديث وقوله حدثنا موسى بن إسماعيل هذا هو الصواب ولبعضهم حدثنا مسدد بدل موسى وليس بصواب لان رواية مسدد ستأتي في آخر هذا الباب موصولة ورواية موسى معلقة من أجل كلمة اختلفا فيها على أبي عوانة وكلام أبي علي الغساني يوهم أن ذلك وقع هنا وليس كذلك وقوله حدثنا عبد الملك هو بن عمير قوله قال عقبة بن عمرو هو أبو مسعود الانصاري المعروف بالبدري قوله أن مع الدجال إذا خرج ماء الحديث يأتي الكلام عليه مستوفي في كتاب الفتن والغرض منه هنا إيراد ما يليه وهو قصة الرجل الذي كان يبايع الناس وقصة الرجل الذي أوصى بنيه أن يحرقوه فأما قصة الذي كان يبايع الناس فقد أوردها أيضا في أواخر هذا الباب من حديث أبي هريرة وتقدم الكلام عليه في أثناء كتاب البيوع وقوله في هذه الرواية كنت أبايع الناس في الدنيا وأجازيهم أي أقاضيهم والمجازاة المقاضاة أي آخذ منهم وأعطي ووقع في رواية الاسماعيلي وأجازفهم بالجيم والزاي والفاء وفي أخرى بالمهملة والراء وكلاهما تصحيف لا يظهر والله أعلم وأما قصة الذي أوصى بنيه أن يحرقوه فسيأتي الكلام عليها في أواخر هذا الباب حيث أورده المصنف مفردا إن شاء الله تعالى قوله فامتحشت بضم المثناة وكسر المهملة بعدها معجمة أي احترقت ولبعضهم بوزن احترقت وهو أشبه وقوله ثم انظروا يوما راحا أي شديد الريح قوله في آخره قال عقبة بن عمرو وأنا سمعته يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذاك وكان نباشا ظاهره أن الذي سمعع ابو مسعود هو الحديث الاخير فقط لكن تبين من رواية شعبة عن عبد الملك بن عمير أنه سمع الجميع فإنه أورد في الفتن قصة الذي كان يبايع الناس من حديث حذيفة وقال في آخره قال أبو مسعود وأنا سمعنه وكذلك قال في حديث الذي أوصى بنيه كما سيأتي في أواخر هذا الباب وقوله وكان نباشا ظاهره أنه من زيادة أبي مسعود في الحديث لكن أورده بن حبان من طريق ربعي عن حذيفة قال توفي رجل كان نباشا فقال لولده أحرقوني فدل على أن قوله وكان نباشا من رواية حذيفة وأبي مسعود معا ووقع في رواية للطبراني بلفظ بينما حذيفة وأبو مسعود جالسين فقال أحدهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن رجلا من بني إسرائيل كان ينبش القبور فذكره وعرف منها وجه دخوله في هذا الباب الحديث الثاني قوله لما نزل بضم أوله وفي نسخة عند أبي ذر بفتحتين برسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الموت أو ملك الموت ونقل النووي أنه في مسلم للاكثر بالضم وفي رواية بزيادة مثناة

[ 360 ]

يعني المنية أورده مختصرا وقد تقدم بأتم من هذا في الصلاة ويأتي شرحه في أواخر المغازي إن شاء الله تعالى والغرض منه ذم اليهود والنصارى في اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد و عبد الله الذي في الاسناد هو بن المبارك الحديث الثالث قوله عن فرات الفزاز بقاف وزايين معجمتين وهو فرات بضم الفاء وتخفيف الراء آخره مثناة بن عبد الرحمن وأبو حازم هو سلمان الاشجعي قوله تسوسهم الانبياء أي أنهم كانوا إذا ظهر فيهم فساد بعث الله لهم نبيا يقيم لهم أمرهم ويزيل ما غيروا من أحكام التوراة وفيه إشارة إلى أنه لا بد للرعية من قائم بأمورها يحملها على الطريق الحسنة وينصف المظلوم من الظالم قوله وإنه لا نبي بعدي أي فيفعل ما كان أولئك يفعلون قوله وسيكون خلفاء أي بعدي وقوله فيكثرون بالمثلثة وحكى عياض أن منهم من ضبطه بالموحدة وهو تصحيف ووجه بأن المراد إكبار قبيح فعلهم قوله فوا فعل أمر بالوفاء والمعنى أنه إذا بويع الخليفة بعد خليفة فبيعة الاول صحيحة يجب الوفاء بها وبيعة الثاني باطلة قال النووي سواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الاول أم سواء كانوا في بلد واحد أو أكثر سواء كانوا في بلد الامام المنفصل أم لا هذا هو الصواب الذي عليه الجمهور وقيل تكون لمن عقدت له في بلد الامام دون غيره وقيل يقرع بينهما قال وهما قولان فاسدان وقال القرطبي في هذا الحديث حكم بيعة الاول وأنه يجب الوفاء بها وسكت عن بيعة الثاني وقد نص عليه في حديث عرفجة في صحيح مسلم حيث قال فاضربوا عنق الآخر قوله أعطوهم حقهم أي أطيعوهم وعاشروهم بالسمع والطاعة فإن الله يحاسبهم على ما يفعلونه بكم وستأتي تتمة القول في ذلك في أوائل كتاب الفتن قوله فإن الله سائلهم عما استرعاهم هو كحديث بن عمر المتقدم كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وسيأتي شرحه في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى وفي الحديث تقديم أمر الدين على أمر الدنيا لانه صلى الله عليه وسلم أمر بتوفية حق السلطان لما فيه من إعلاء كلمة الدين وكف الفتنة والشر وتأخير أمر المطالبة بحقه لا يسقطه وقد وعده الله أنه يخلصه ويوفيه إياه ولو في الدار الآخرة الحديث الرابع حديث أبي سعيد قوله لتتبعن بضم العين وتشديد النون سنن بفتح المهملة أي طريق من قبلكم أي الذين قبلكم قوله جحر بضم الجيم وسكون المهملة ضب بفتح المعجمة وتشديد الموحدة دويبة معروفة يقال خصت بالذكر لان الضب يقال له قاضي البهائم والذي يظهر أن التخصيص إنما وقع لجحر الضب لشدة ضيقه ورداءته ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم وأتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الردئ لتبعوهم قوله قال النبي صلى الله عليه وسلم فمن هو استفهام انكاري أي ليس المراد غيرهم وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في كتاب الاعتصام الحديث الخامس حديث أنس ذكروا النار والناقوس الحديث أورده مختصرا وقد مضى شرحه تاما في كتاب الصلاة الحديث السادس حديث عائشة كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصرته وتقول أن اليهود تفعله في رواية أبي نعيم من طريق أحمد بن الفرات عن محمد بن يوسف شيخ البخاري فيه بلفظ إنها كرهت الاختصار في الصلاة وقالت إنما يفعل ذلك اليهود ووقع عند الاسماعيلي من طريق يزيد بن هارون عن سفيان وهو الثوري بهذا الاسناد يعني وضع اليد على الخاصرة في الصلاة وقد تقدم البحث في هذه المسألة في أواخر الصلاة في الكلام على حديث أبي هريرة نهى عن الخصر في الصلاة قوله

[ 361 ]

تابعه شعبة عن الاعمش وصله بن أبي شيبة من طريقه الحديث السابع حديث بن عمر مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا الحديث تقدم شرحه مستوفى في كتاب الصلاة الحديث الثامن حديث عمر قاتل الله فلانا أورده مختصرا وقد تقدم تاما في كتاب البيوع في أواخره مع شرحه قوله تابعه جابر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني في تحريم شحوم الميتة دون القصة فأما حديث جابر فوصله المصنف في أواخر البيوع وفيه غير ذلك وتقدم شرحه هناك وأما حديث أبي هريرة فوصله المصنف في أواخر البيوع أيضا من طريق سعيد بن المسيب عنه الحديث التاسع قوله عن أبي كبشة السلولي تقدم ذكره في كتاب الهبة في حديث آخر وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين قوله بلغوا عني ولو آية قال المعافى النهرواني في كتاب الجليس له الآية في اللغة تطلق على ثلاثة معان العلامة الفاصلة والاعجوبة الحاصلة والبلية النازلة فمن الاول قوله تعالى آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ومن الثاني إن في ذلك لآية ومن الثالث جعل الامير فلانا اليوم آية ويجمع بين هذه المعاني الثلاثة أنه قيل لها آية لدلالتها وفصلها وإبانتها وقال في الحديث ولو آية أي واحدة ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما وقع له من الآي ولو قل ليتصل بذلك نقل جميع ما جاء به صلى الله عليه وسلم اه كلامه قوله وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم لانه كان تقدم منه صلى الله عليه وسلم الزجر عن الاخذ عنهم والنظر في كتبهم ثم حصل التوسع في ذلك وكأن النهي وقع قبل استقرار الاحكام الاسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة ثم لما زال المحذور وقع الاذن في ذلك لما في سماع الاخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار وقيل معنى قوله لا حرج لا تضيق صدوركم بما تسمعونه عنهم من الاعاجيب فإن ذلك وقع لهم كثيرا وقيل لا حرج في أن لا تحدثوا عنهم لان قوله أولا حدثوا صيغة أمر تقتضي الوجوب فأشار إلى عدم الوجوب وأن الامر فيه للاباحة بقوله ولا حرج أي في ترك التحديث عنهم وقيل المراد رفع الحرج عن حاكي ذلك لما في أخبارهم من الالفاظ الشنيعة نحو قولهم اذهب أنت وربك فقاتلا وقولهم اجعل لنا إلها وقيل المراد ببني إسرائيل أولاد إسرائيل نفسه وهم أولاد يعقوب والمراد حدثوا عنهم بقصتهم مع أخيهم يوسف وهذا أبعد الاوجه وقال مالك المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن أما ما علم كذبه فلا وقيل المعنى حدثوا عنهم بمثل ما ورد في القرآن والحديث الصحيح وقيل المراد جواز التحدث عنهم بأي صورة وقعت من انقطاع أو بلاغ لتعذر الاتصال في التحدث عنهم بخلاف الاحكام الاسلامية فإن الاصل في التحدث بها الاتصال ولا يتعذر ذلك لقرب العهد وقال الشافعي من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجيز التحدث بالكذب فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم وهو نظير قوله إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ولم يرد الاذن ولا المنع من التحدث بمن يقطع بصدقه قوله ومن كذب علي متعمدا تقدم شرحه

[ 362 ]

مستوفى في كتاب العلم وذكرت عدد من رواه وصفة مخارجه بما يغني عن الاعادة وقد اتفق العلماء على تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه من الكبائر حتى بالغ الشيخ أبو محمد الجويني فحكم بكفر من وقع منه ذلك وكلام القاضي أبي بكر العربي يميل إليه وجهل من قال من الكرامية وبعض المتزهدة إن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم يجوز فيما يتعلق بتقوية أمر الدين وطريقة أهل السنة والترغيب والترهيب واعتلوا بأن الوعيد ورد في حق من كذب عليه لا في الكذب له وهو اعتلال باطل لان المراد بالوعيد من نقل عنه الكذب سواء كان له أو عليه والدين بحمد الله كامل غير محتاج إلى تقويته بالكذب الحديث العاشر قوله ان اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم يقتضي مشروعية الصبغ والمراد به صبغ شيب الليحة والرأس ولا يعارضه ما ورد من النهي عن إزالة الشيب لان الصبغ لا يقتضي الازالة ثم إن المأذون فيه مقيد بغير السواد لما أخرجه مسلم من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال غيروه وجنبوه السواد ولابي داود وصححه بن حبان من حديث بن عباس مرفوعا يكون قوم في آخر الزمان يخضبون كحواصل الحمام لا يجدون ريح الجنة وإسناده قوي إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه وعلى تقدير ترجيح وقفه فمثله لا يقال بالرأي فحكمه الرفع ولهذا أختار النووي أن الصبغ بالسواد يكره كراهية تحريم وعن الحليمي أن الكراهة خاصة بالرجال دون النساء فيجوز ذلك للمرأة لاجل زوجها وقال مالك الحناء والكتم واسع والصبغ بغير السواد أحب إلي ويستثني من ذلك المجاهد اتفاقا وليس المراد بالصبغ في هذا الحديث صبغ الثياب ولا خضب اليدين والرجلين بالحناء مثلا لان اليهود والنصار لا يتركون ذلك وقد صرح الشافعية بتحريم لبس الثياب المزعفرة للرجل وبتحريم خضب الرجال أيديهم وأرجلهم إلا للتداوي وسيأتي بسط القول في ذلك في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى الحديث الحادي عشر قوله حدثنا محمد هو بن معمر نسبه بن السكن عن الفربري وقيل هو الذهلي قوله حدثنا حجاج هو بن منهال وجرير هو بن حازم والحسن هو البصري قوله في هذا المسجد هو مسجد البصرة قوله وما نسينا منذ حدثنا أشار بذلك إلي تحققه لما حدث به وقرب عهده به واستمرار ذكره له قوله وما تخشي أن يكون جندب كذب فيه إشارة إلى أن الصحابة عدول وأن الكذب مأمون من قبلهم ولا سيما على النبي صلى الله عليه وسلم قوله كان فيمن كان قبلكم رجل لم أقف على اسمه قوله به جرح بضم الجيم وسكون الراء بعدها مهملة وتقدم في الجنائز بلفظ به جراح وهو بكسر الجيم وذكره بعضهم بضم المعجمة وآخره جيم وهو تصحيف ووقع في رواية مسلم أن رجلا خرجت به قرحة وهي بفتح القاف وسكون الراء حبة تخرج في البدن وكأنه كان به جرح ثم صار قرحة قوله فجزع أي فلم يصبر على ألم تلك القرحة قوله فأخذ سكينا فحز بها يده السكين تذكر وتؤنث وقوله حز بالحاء المهملة والزاي هو القطع بغير إبانة ووقع في رواية مسلم فلما آذته انتزع سهما من كنانته فنكأها وهو بالنون والهمز أي نخس موضع الجرح ويمكن الجمع بأن يكون فجر الجرح بذبابة السهم فلم ينفعه فحز موضعه بالسكين ودلت رواية البخاري على أن الجرح كان في يده قوله فما رقأ الدم بالقاف والهمز أي لم ينقطع قوله قال الله عزوجل بادرني عبدي بنفسه هو كناية عن استعجال المذكور الموت وسيأتي البحث فيه وقوله حرمت عليه الجنة جار مجرى التعليل

[ 363 ]

للعقوبة لانه لما استعجل الموت بتعاطي سببه من أنفاذ مقاتله فجعل له فيه اختيارا عصى الله به فناسب أن يعاقبه ودل ذلك على أنه حزها لارادة الموت لا لقصد المداواة التي يغلب على الظن الانتفاع بها وقد استشكل قوله بادرني بنفسه وقوله حرمت عليه الجنة لان الاول يقتضي أن يكون من قتل فقد مات قبل أجله لما يوهمه سياق الحديث من أنه لو لم يقتل نفسه كان قد تأخر عن ذلك الوقت وعاش لكنه بادر فتقدم والثاني يقتضي تخليد الموحد في النار والجواب عن الاول أن المبادرة من حيث التسبب في ذلك والقصد له والاختيار وأطلق عليه المبادرة لوجود صورتها وإنما استحق المعاقبة لان الله لم يطلعه على انقضاء أجله فاختار هو قتل نفسه فاستحق المعاقبة لعصيانه وقال القاضي أبو بكر قضاء الله مطلق ومقيد بصفة فالمطلق يمضي على الوجه بلا صارف والمقيد على الوجهين مثاله أن يقدر لواحد أن يعيش عشرين سنة إن قتل نفسه وثلاثين سنة إن لم يقتل وهذا بالنسبة إلى ما يعلم به المخلوق كملك الموت مثلا وأما بالنسبة إلى علم الله فإنه لا يقع إلا ما علمه ونظير ذلك الواجب المخير فالواقع منه معلوم عند الله والعبد مخير في أي الخصال يفعل والجواب عن الثاني من أوجه أحدها أنه كان استحل ذلك الفعل فصارا كافرا ثانيها كان كافرا في الاصل وعوقب بهذه المعصية زيادة على كفره ثالثها أن المراد أن الجنة حرمت عليه في وقت ما كالوقت الذي يدخل فيه السابقون أو الوقت الذي يعذب فيه الموحدون في النار ثم يخرجون رابعها أن المراد جنة معينة كالفردوس مثلا خامسها أن ذلك ورد في سبيل التغليظ والتخويف وظاهره غير مراد سادسها أن التقدير حرمت عليه الجنة أن شئت استمرار ذلك سابعها قال النووي يحتمل أن يكون ذلك شرع من مضيى أن أصحاب الكبائر يكفرون بفعلها وفي الحديث تحريم قتل النفس سواء كانت نفس القاتل أم غيره وقتل الغير يؤخذ تحريمه من هذا الحديث بطريق الاولى وفيه الوقوف عند حقوق الله ورحمته بخلقه حيث حرم عليهم قتل نفوسهم وأن الانفس ملك الله وفيه التحديث عن الامم الماضية وفضيلة الصبر على البلاء وترك التضجر من الآلام لئلا يفضي إلى أشد منها وفيه تحريم تعاطي الاسباب المفضية إلى قتل النفس وفيه التنبيه على أن حكم السراية على ما يترتب عليه ابتداء القتل وفيه الاحتياط في التحديث وكيفية الضبط له والتحفظ فيه بذكر المكان والاشارة إلى ضبط المحدث وتوثيقه لمن حدثه ليركن السامع لذلك والله أعلم قوله حديث أبرص وأقرع وأعمى هكذا ترجم لهذا الحديث في أثناء ذكر بني إسرائيل وهو الحديث الثاني عشر قوله حدثنا أحمد بن إسحاق هو السرماري بفتح المهملة يجوز كسرها وبعدها راء ساكنة نسبة إلى سرمارة من قرى بخاري الزاهد المجاهد وهو من أقران البخاري مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين قوله في السند الثاني وحدثني محمد حدثنا عبد الله بن رجاء يقال إن محمدا هذا هو الذهلي ويقال إنه المصنف نفسه كما قيل في الحديث الذي قبله ويؤيد ذلك أنه روى عن عبد الله بن رجاء في اللقطة وعدة مواضع بغير واسطة لكن جزم أبو ذر بأنه عند المصنف عن محمد غير منسوب عن عبد الله بن رجاء وجوز أنه الذهلي وساقه عن الجوزقي عن مكي بن عبدان عن الذهلي بطوله وكذلك جزم أبو نعيم وساقه من طريق موسى بن العباس عن محمد بن يحيى وسيأتي في التوحيد حديث آخر أخرجه البخاري بهذين السندين سواء إلى أبي هريرة وليس في البخاري لاسحاق بن أبي طلحة عن عبد الرحمن

[ 364 ]

بن أبي عمرة سوى هذين الحديثين قوله عن إسحاق بن عبد الله هو بن أبي طلحة صرح به شيبان في روايته عن همام عند مسلم والاسماعيلي قوله بدا الله بتخفيف الدال المهملة بغير همز أي سبق في علم الله فأراد إظهاره وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خافيا لان ذلك محال في حق الله تعالى وقد أخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ عن همام بهذا الاسناد بلفظ أراد الله أن يبتليهم فلعل التغيير فيه من الرواة مع أن في الرواية أيضا نظرا لانه لم يزل مريدا والمعنى أظهر الله ذلك فيهم وقيل معنى أراد قضى وقال صاحب المطالع ضبطناه على متقني شيوخنا بالهمز أي ابتدأ الله أن يبتليهم قال ورواه كثير من الشيوخ بغير همز وهو خطأ انتهى وسبق إلى التخطئة أيضا الخطابي وليس كما قال لانه موجه كما ترى وأولى ما يحمل عليه أن المراد قضى الله أن يبتليهم وأما البدء الذي يراد به تغير الامر عما كان عليه فلا قوله قذرني الناس بفتح القاف والذال المعجمة المكسورة أي اشمأزوا من رؤيتي وفي رواية حكاها الكرماني قذروني الناس وهي على لغة أكلوني البراغيث قوله فمسحه أي مسح على جسمه قوله فقال وأي المال في رواية الكشميهني بحذف الواو قوله الابل أو قال البقر هو شك في ذلك أن الابرص والاقرع قال أحدهما الابل وقال آخر البقر وقع عند مسلم عن شيبان بن فروخ عن همام التصريح بأن الذي شك في ذلك هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة راوي الحديث قوله فأعطى ناقة عشرا أي الذي تمنى الابل والعشراء بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة مع المدهى الحامل التي أتى عليها في حملها عشرة أشهر من يوم طرقها الفحل وقيل يقال لها ذلك إلى أن تلد وبعد ما تضع وهي من أنفس المال قوله يبارك لك فيها كذا وقع يبارك بضم أوله وفي رواية شيبان بارك الله بلفظ الفعل الماضي وابراز الفاعل قوله فمسحه أي مسح على عينيه قوله شاة والدا أي ذات ولد ويقال حامل قوله فأنتج هذان أي صاحب الابل والبقر وولد هذا أي صاحب الشاة وهو بتشديد اللام وأنتج في مثل هذا شاذ والمشهور في اللغة نتجت الناقة بضم النون ونتج الرجل الناقة أي حمل عليها الفحل وقد سمع أنتجت الفرس إذا ولدت فهي نتوج قوله ثم إنه أتى الابرص في صورته أي في الصورة التي كان عليها لما اجتمع به وهو أبرص ليكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة عليه قوله رجل مسكين زاد شيبان وابن سبيل تقطعت به الحبال في سفره في رواية الكشميهني بي الحبال في سفري والحبال بكسر المهملة بعدها موحدة خفيفة جمع حبل أي الاسباب التي يقطعها في طلب الرزق وقيل العقبات وقيل الحبل هو المستطيل من الرمل ولبعض رواة مسلم الحيال بالمهملة والتحتانية جمع حيلة أي لم يبق لي حيلة ولبعض رواة البخاري الجبال وبالجيم والموحدة وهو تصحيف قال بن التين قول الملك له رجل مسكين الخ أراد أنك كنت هكذا وهو من المعاريض والمراد به ضرب المثل ليتيقظ المخاطب قوله أتبلغ عليه في رواية الكشميهني أتبلغ به وأتبلغ بالغين المعجمة من البلغة وهي الكفاية والمعنى أتوصل به إلى مرادي قوله لقد ورثت لكابر عن كابر في رواية الكشميهني كابرا عن كابر وفي رواية شيبان إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر أي كبير عن كبير في العز

[ 365 ]

والشرف قوله فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله أورده بلفظ الفعل الماضي لانه أراد المبالغة في الدعاء قوله فخذ ما شئت زاد شيبان ودع ما شئت قوله لا أجهدك اليوم بشئ أخذته لله كذا في البخاري بالمهملة والميم كذا قال عياض أن رواة البخاري لم تختلف في ذلك وليس كما قال والمعنى لا أحمدك على ترك شئ تحتاج إليه من مالي كما قال الشاعر وليس على طول الحياة تندم أي فوت طول الحياة وفي رواية كريمة وأكثر روايات مسلم لا أجهدك بالجيم والهاء أي لا أشق عليك في رد شئ تطلبه مني أو تأخذه قال عياض لم يتضح هذا المعنى لبعض الناس فقال لعله لا أحدك بمهملة وتشديد الدال بغير ميم أي لا أمنعك قال وهذا تكلف انتهى ويحتمل أن يكون قوله أحمدك بتشديد الميم أي لا أطلب منك الحمد من قولهم فلان يتحمد على فلان أي يمتن عليه أي لا أمتن عليك قوله فإنما ابتليتم أي امتحنتم قوله فقد رضي عنك بضم أوله على البناء للمجهول في رضي وسخط قال الكرماني ما محصله كان مزاج الاعمى أصح من مزاج رفيقيه لان البرص مرض يحصل من فساد المزاج وخلل الطبيعة وكذلك القرع بخلاف العمي فإنه لا يستلزم ذلك بل قد يكون من أمر خارج فلهذا حسنت طباع الاعمى وساءت طباع الآخرين وفي الحديث جواز ذكر ما اتفق لمن مضى ليتعظ به من سمعه ولا يكون ذلك غيبة فيهم ولعل هذا هو السر في ترك تسميتهم ولم يفصح بما اتفق لهم بعد ذلك والذي يظهر أن الامر فيهم وقع كما قال الملك وفيه التحذير من كفران النعم والترغيب في شكرها والاعتراف بها وحمد الله عليها وفيه فضل الصدقة والحث على الرفق بالضعفاء وإكرامهم وتبليغهم مأربهم وفيه الزجر عن البخل لانه حمل صاحبه على الكذب وعلى جحد نعمة الله تعالى قوله أم حسبت أن أصحاب الكهف كذا لابي ذر عن المستملي والكشميهني وحدهما إلى آخر الترجمة ولغيره في أوله باب ولم يورد في ذلك إلا تفاسير مما وقع في قصة أصحاب الكهف وسقط كله من رواية النسفي قوله الكهف الفتح في الجبل هو قول الضحاك أخرجه عنه بن أبي حاتم واختلف في مكان الكهف فالذي تضافرت به الاخبار أنه في بلاد الروم وروى الطبري بإسناد ضعيف عن بن عباس أنه بالقرب من أيلة وقيل بالقرب من طرسوس وقيل بين أيلة وفلسطين وقيل بقرب زيزاء وقيل بغرناطة من الاندلس وفي تفسير بن مردويه عن بن عباس أصحاب الكهف أعوان المهدي وسنده ضعيف فإن ثبت حمل على أنهم لم يموتوا بل هم في المنام إلى أن يبعثوا لاعانة المهدي وقد ورد في حديث آخر بسند واه أنهم يحجون مع عيسى بن مريم قوله والرقيم الكتاب مرقوم مكتوب من الرقم روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال الرقيم الكتاب وقوله مرقوم مكتوب هو قول أبي عبيدة قاله في تفسير قوله وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ووراء ذلك أقوال أخرى فأخرج الطبري من طريق سعيد عن قتادة ومن طريق عطية العوفي وكذا قال أبو عبيدة الرقيم الوادي الذي فيه الكهف وأخرج الطبري أيضا من طريق بن عباس عن كعب الاحبار قال هو اسم القرية وروى بن أبي حاتم من طريق أنس بن مالك ومن طريق سعيد بن جبير أن الرقيم اسم الكلب وقيل الرقيم هو الغار كما سأبينه في حديث الغار وقيل الرقيم الصخرة التي أطبقت على الوادي وسيأتي في تفسير سورة الكهف قول بن عباس إن الرقيم لوح من رصاص كتبت فيه أسماء أصحاب الكهف لما توجهوا عن قومهم ولم يدروا أين توجهوا

[ 366 ]

وسأشير إليه هنا مختصرا قيل إن الذي كان مكتوبا في الرقيم شرعهم الذي كانوا عليه وقيل الرقيم الدواة وقال قوم أخبر الله عن قصة أصحاب الكهف ولم يخبر عن قصة أصحاب الرقيم قلت وليس كذلك بل السياق يقتضي أن أصحاب الكهف هم أصحاب الرقيم والله أعلم قوله ربطنا على قلوبهم ألهمناهم صبرا هو قول أبي عبيدة قوله شططا إفراطا قال أبو عبيدة في قوله لقد قلنا إذا شططا أي جورا وغلوا قال الشاعر ألا يا لقومي قد أشطت عواذلي ويزعمن أن أودي بحقي باطلي وروى الطبري عن سعيد عن قتادة في قوله شططا قال كذبا قوله الوصيد الفناء هو بكسر الفاء والمد وهو قول بن عباس أخرجه بن أبي حاتم وابن جريج عن سعيد بن جبير قوله وجمعه وصائد ووصد ويقال الوصيد الباب مؤصدة مطبقة آصد الباب وأوصد قال أبو عبيدة في قوله وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد أي على الباب وبفناء الباب لان الباب يؤصد أي يغلق والجمع وصائد ووصد وقالوا الوصيد عتبة الباب أيضا تقول أوصد بابك وآصده وذكر الطبري عن أبي عمرو بن العلاء أن أهل اليمن وتهامة يقولون الوصيد وأهل نجد يقولون الاصيد قوله مؤصدة مطبقة قال أبو عبيدة في قوله نار مؤصدة أي مطبقة تقول أوصدت وآصدت أي أطبقت وهذا ذكره المؤلف استطرادا قوله بعثناهم أحييناهم هو قول أبي عبيدة أيضا قوله أزكى أكثر ريعا قال أبو عبيدة في قوله أيها أزكى طعاما أي أكثر قال الشاعر قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب وروى عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة في قوله أزكى طعاما قال خير طعاما وروى الطبري عن سعيد بن جبير أحل ورجحه الطبري قوله فضرب الله على آذانهم فناموا هو قول بن عباس كما سأذكره من طريقه وقيل معنى فضربنا على آذانهم أسددنا عن نفوذ الاصوات إليها قوله رجما بالغيب لم يستبن قال عبد الرزاق فتفسيره عن معمر عن قتادة في قوله رجما بالغيب قال قذفا بالظن وقال أبو عبيدة في قوله رجما بالغيب قال الرجم ما لم يستيقنه من الظن قال الشاعر وما الحرب إلا من علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم قوله وقال مجاهد تقرضهم تتركهم يأتي الكلام عليه في التفسير تنبيه لم يذكر المصنف في هذه الترجمة حديثا مسندا وقد روى عبد بن حميد بإسناد صحيح عن بن عباس قصة أصحاب الكهف مطولة غير مرفوعة وملخص ما ذكر أن بن عباس غزا مع معاوية الصائفة فمروا بالكهف الذي ذكر الله في القرآن فقال معاوية أريد أن أكشف عنهم فمنعه بن عباس فصمم وبعث ناسا فبعث الله ريحا فأخرجتهم قال فبلغ بن عباس فقال إنهم كانوا في مملكة جبار يعبد الاوثان فلما رأوا ذلك خرجوا منها فجمعهم الله على غير ميعاد فأخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق فجاء أهاليهم يطلبونهم ففقدوهم فأخبروا الملك فأمر بكتابة أسمائهم في لوح من رصاص وجعله في خزانته فدخل الفتية الكهف فضرب الله على آذانهم فناموا فأرسل الله من يقلبهم وحول الشمس عنهم فلو طلعت عليهم لاحرقتهم ولولا أنهم يقلبون لاكلتهم الارض ثم ذهب ذلك الملك وجاء آخر فكسر الاوثان و عبد الله وعدل فبعث الله أصحاب الكهف فأرسلوا واحد منهم

[ 367 ]

يأتيهم بما يأكلون فدخل المدينة مستخفيا فرأى هيئة وناسا أنكرهم لطول المدة فدفع درهما إلخباز فاستنكر ضربه وهم بأن يرفعه إلى الملك فقال أتخوفني بالملك وأبي دهقانة فقال من أبوك قال فلان فلم يعرفه فاجتمع الناس فرفعوه إلى الملك فسأله فقال علي باللوح وكان قد سمع به فسمى أصحابه فعرفهم من اللوح فكبر الناس وانطلقوا إلى الكهف وسبق الفتى لئلا يخافوا من الجيش فلما دخل عليهم عمي الله على الملك ومن معه المكان فلم يدر أين يذهب الفتى فاتفق رأيهم على أن يبنوا عليهم مسجدا فجعلوا يستغفرون لهم ويدعون لهم وذكر بن أبي حاتم في تفسيره عن شهر بن حوشب قال كان لي صاحب قوي النفس فمر بالكهف فأراد أن يدخله فنهي فأبى فأشرف عليهم فابيضت عيناه وتغير شعره وعن عكرمة أن السبب فيما جرى لهم أنهم تذكروا هل يبعث الله الروج والجسد أو الروح فقط فألقى الله عليهم النوم فناموا المدة المذكورة ثم بعثهم فعرفوا أن الجسد يبعث كما تبعث الروح وعن بن عباس أن اسم الملك الاول دقيانوس واسم الفتية مكسلمينا ومخشليشا وتمليخا ومرطونس وكنشطونس وبيرونس ودنيموس وفي النطق بها اختلاف كثير ولا يقع الوثوق من ضبطها بشئ وأخرج أيضا عن مجاهد أن اسم كلبهم قطميروا وعن الحسن قطمير وقيل غير ذلك وأما لونفقال مجاهد كان أصفر وقيل غير ذلك وعن مجاهد أن دراهمهم كان كخفاف الابل وأن تمليخا هو الذي كان رسولهم لشراء الطعام وقد ساق بن إسحاق قصتهم في المبتدأ مطولة وأفاد أن اسم الملك الصالح الذي عاشوا في زمنه بتدرسيس وروى الطبري من طريق عبد الله بن عبيد بن عمير أن الكلب الذي كان معهم كان كلب صيد وعن وهب بن منيه أنه كان كلب حرث وعن مقاتل كان الكلب لكبيرهم وكان كلب غنم وقيل كان إنسانا طباخا تبعهم وليس بكلب حقيقة والاول المعتمد الحديث الثالث عشر قوله حديث الغار عقب المصنف قصة أصحاب الكهف بحديث الغار إشارة إلى ما ورد أنه قد قيل إن الرقيم المذكور في قوله تعالى أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم هو الغار الذي أصاب فيه الثلاثة ما أصابهم وذلك فيما أخرجه البزار والطبراني بإسناد حسن عن النعمان بن بشير أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الرقيم قال انطلق ثلاثة فكانوا في كهف فوقع الجبل على باب الكهف فأوصد عليهم فذكر الحديث قوله بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم لم أقف على اسم واحد منهم وفي حديث عقبة بن عامر عند الطبراني في الدعاء أن ثلاثة نفر من بني إسرائيل قوله يمشون في حديث عقبة وكذا في حديث أبي هريرة عند بن حبان والبزار أنهم خرجوا يرتادون لاهليهم قوله فأووا إلى غار يجوز قصر ألف أووا ومدها وفي حديث أنس عند أحمد وأبي يعلى والبزار والطبراني فدخلوا غارا فسقط عليهم حجر متجاف حتى ما يرون منه خصاصه وفي رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه حتى أووا المبيت إلى غار كذا للمصنف ولمسلم من هذا الوجه حتى أواهم المبيت وهو أشهر في الاستعمال والمبيت في هذه الرواية منصوب على المفعولية وتوجيهه أن دخول الغار من فعلهم فحسن أن ينسب الايواء إليهم قوله فانطبق عليهم أي باب الغار وفي رواية موسى بن عقبة عن نافع في المزارعة فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم ويأتي في الادب بلفظ فانطبقت عليهم وفيه حذف المفعول والتقدير نفسها أو المنفذ ويؤيده أن في رواية سالم فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار زاد الطبراني في

[ 368 ]

حديث النعمان بن بشير من وجه آخر إذ وقع شجر من الجبل مما يهبط من خشية الله حتى سد فم الغار قوله فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه في رواية موسى بن عقبة المذكورة انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله ومثله لمسلم وفي رواية الكشميهني خالصة ادعوا الله بها ومن طريقه في البيوع ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه وفي رواية سالم إنه لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم وفي حديث أبي هريرة وأنسن جميعا فقال بعضهم لبعض عفا الاثر ووقع الحجر ولا يعلم بمكانكم إلا الله ادعوا الله بأوثق أعمالكم وفي حديث علي عند البزار تفكروا في أحسن أعمالكم فادعوا الله بها لعل الله يفرج عنكم وفي حديث النعمان بن بشير إنكم لن تجدوا شيئا خيرا من أن يدعو كل امرئ منكم بخير عمل عمله قط قوله فقال اللهم إن كنت تعلم كذا لابي ذر والنسفي وأبي الوقت لم يذكر القائل وللباقين فقال واحد منهم قوله اللهم أن كنت تعلم فيه إشكال لان المؤمن يعلم قطعا أن الله يعلم ذلك وأجيب بأنه تردد في عمله ذلك هل له اعتبار عند الله أم لا وكأنه قال أن كان عملي ذلك مقبولا فأجب دعائي وبهذا التقرير يظهر أن قوله اللهم على بابها في النداء وقد ترد بمعنى تحقق الجواب كمن يسأل آخر عن شئ كأن يقول رأيت زيدا فيقول اللهم نعم وقد ترد أيضا لندرة المستثنى كأن يقول شيئا ثم يستثني منه فيقول اللهم إلا إن كان كذا قوله على فرق بفتح الفاء والراء بعدها قاف وقد تسكن الراء وهو مكيال يسع ثلاثة آصع لقوله من ارز فيه ست لغات فتح الالف وضمها مع ضم الراء وبضم الالف مع سكون الراء وتشديد الزاي وتخفيفها وقد تقدم في المزارعة أنه فرق ذرة وتقدم هناك بيان الجمع بين الروايتين ويحتمل أنه استأجر أكثر من واحد وكان بعضهم بفرق ذرة وبعضهم بفرق أرز ويؤيد ذلك أنه وقع في رواية سالم استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب وفي حديث النعمان بن بشير نحوه كما سأذكره ووقع في حديث عبد الله بن أبي أوفي عند الطبراني في الدعاء استأجرت قوما كل واحد منهم بنصف درهم فلما فرغوا أعطيتهم أجورهم فقال أحدهم والله لقد عملت عمل اثنين والله لا آخذ إلا درهما فذهب وتركه فبذرت من ذلك النصف درهم الخ ويجمع بينهما بأن الفرق المذكور كانت قيمته نصف درهم إذ ذاك قوله فذهب وتركه في رواية موسى بن عقبة فأعطيته فأبى ذاك أن يأخذ وفي روايته في المزارعة فلما قضى عمله قال أعطني حقي فعرضت عليه حقه فرغب عنه وفي حديث أبي هريرة فعمل لي نصف النهار فأعطيته أجرا فسخطه ولم يأخذه ووقع في حديث النعمان بن بشير بيان السبب في ترك الرجل أجرته ولفظه كان لي أجراء يعملون فجاءني عمال فاستأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم فجاء رجل ذات يوم نصف النهار فاستأجرته بشرط أصحابه فعمل في نصف نهاره كما عمل رجل منهم في نهاره كله فرأيت علي في الذمام أن لا أنقصه مما استأجرت به أصحابه لما جهد في عمله فقال رجل منهم تعطي هذا مثل ما أعطيتني فقلت يا عبد الله لم أبخسك شيئا من شرطك وإنما هو مال أحكم فيه بما شئت قال فغضب وذهب وترك أجره وأما ما وقع في حديث أنس فأتاني يطلب أجره وأنا غضبان فزبرته فانطلق وترك أجره فلا ينافي ذلك وطريق الجمع أن الاجير لما حسد الذي عمل نصف النهار وعاتب المستأجر غضب منه وقال له لم أبخسك شيئا الخ وزبره فغضب الاجير وذهب ووقع في حديث علي وترك واحد منهم أجره وزعم أن أجره أكثر من أجور أصحابه قوله واني عمدت إلى ذلك الفرق

[ 369 ]

فزرعته فصار من أمره أني اشتريت وفي رواية الكشميهني أن اشتريت منه بقرا وأنه أتاني يطلب أجره فقلت له أعمد إلى تلك البقر فسقها وفي رواية موسى بن عقبة فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها وفيه فقال أنستهزئ بي فقلت لا وفي رواية أبي ضمرة فأخذها وفي رواية سالم فثمرت أجره حتى كثرت منه الاموال وفيه فقلت لا وفي رواية أبي ضمرة فأخذها وفي رواية سالم فثمرت أجره حتى كثرت منه الاموال وفيه فقلت له كل ما ترى من الابل والبقر والغنم والرقيق من أجرك وفي رواية الكشميهني من أجلك وفيه فاستاقه فلم يترك منه شيئا ودلت هذه الرواية على أن قوله في رواية نافع اشتريت بقرا أنه لم يرد أنه لم يشتر غيرها وإنما كان الاكثر الاغلب البقر فلذلك اقتصر عليها وفي حديث أنس وأبي هريرة جميعا فجمعته وثمرته حتى كان منه كل المال وقال في فأعطيته ذلك كله ولو شئت لم أعطه إلا الاجر الاول ووقع في حديث عبد الله بن أبي أوفى أنه دفع إليه عشرة آلاف درهم وهو محمول على أنها كانت قيمة الاشياء المذكورة وفي حديث النعمان بن بشير فبذرته على حدة فأضعف ثم بذرته فأضعف حتى كثر الطعام وفيه فقال أتظلمني وتسخر بي وفي رواية له ثم مرت بي بقر فاشتريت منها فصيلة فبلغت ما شاء الله والجمع بينهما ممكن بأن يكون زرع أولا ثم اشترى من بعضه بقرة ثم نتجت قوله فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك وفي رواية موسى بن عقبة ابتغاء وجهك وكذا في رواية سالم والجمع بينهما ممكن وقد وقع في حديث على عند الطبراني من مخافتك وابتغاء مرضاتك وفي حديث النعمان رجاء رحمتك ومخافة عذابك قوله ففرج عنا في رواية موسى بن عقبة فافرج يوصل وضم الراء من الثلاثي وضبطه بعضهم بهمزة وكسر الراء من الرباعي وزاد في روايته فافرج عنفرجة نرى منها السماء وفيه تقييد لاطلاق قوله في رواية سالم ففرج عنا ما نحن فيه وقوله قال ففرج عنهم وفي رواية أبي ضمرة ففرج الله فراو السماء ولمسلم من هذا الوجه ففرج الله منها فرجة فرأوا منها السماء قوله فانساخت عنهم الصخرة أي انشقت وأنكره الخطابي لان معنى انساخ بالمعجمة غاب في الارض ويقال انصاخ بالصاد المهملة بدل السين أي انشق من قبل نفسه قال والصواب انساحت بالحاء المهملة أي اتسعت ومنه ساحة الدار قال وانصاح بالصاد المهملة بدل السين أي تصدع يقال ذلك للبرق قلت الرواية بالخاء المعجمة صحيحة وهي بمعنى انشقت وإن كان أصله بالصاد فالصاد قد تقلب سينا ولا سيما مع الخاء المعجمة كالصخر والسخر ووقع في حديث سالم فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج وفي حديث النعمان بن بشير فانصدع الجبل حتى رأوا الضوء وفي حديث على فانصدع الجبل حتى طمعوا في الخروج ولم يستطيعوا وفي حديث أبي هريرة وأنس فزال ثلث الحجر قوله فقال الآخر اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي كذا للاكثر ولابي ذر محذف أنه قوله أبوان هو من التغليب والمراد الاب والام وصرح بذلك في حديث بن أبي أوفى قوله شيخان كبيران زاد في رواية أبي ضمرة عن موسى ولي صبية صغار فكنت أرعى عليهم وفي حديث على أبوان ضعيفان فقيران ليس لهما خادم ولا راع ولا ولي غيري فكنت أرعى لهما بالنهار وآوى إليهما بالليل قوله فأبطأت عنهما ليلة وفي رواية سالم قنأى بي طلب شئ يوما فلم أرح عليهما حتى ناما وقد تقدم شرح قوله نأي والشي لم يفسر ما هو في هذه الرواية وقد بين في رواية مسلم من طريق أبي ضمرة ولفظه وإني نأي بي ذات يوم الشجر والمراد أنه استطرد مع غنمه في الرعي إلى أن بعد عن مكانه زيادة على العادة فلذلك أبطأوا في حديث علي فإن الكلا تناءى على أي تباعد

[ 370 ]

والكلا المرعى قوله وأهلي وعيالي قال الداودي يريد بذلك الزوجة والاولاد والرقيق والدواب وتعقبه بن التين بأن الدواب لا معنى لها هنا قلت إنما قال الداودي ذلك في رواية سالم وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا ما لا وهو متجه فإنه إذا كان لا يقدم عليهما أولاده فكذلك لا يقدم عليهما دوابه من باب الاولى قوله يتضاغون بالمعجمتين والضغاء بالمد الصياح ببكاء وقوله من الجوع أي بسبب الجوع وفيه رد على من قال لعل الصياح كان بسبب غير الجوع وفي رواية موسى بن عقبة والصبية يتضاغون قوله وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما أما كراهته لايقاظهما فظاهر لان الانسان يكره أن يوقظ من نومه ووقع في حديث علي ثم جلست عند رؤوسهما بإنائي كراهية أؤرقهما أو أوذيهما وفي حديث أنس كراهية أن أردوسنهما وفي حديث بن أبي أوفى وكرهت أن أوقظهما من نومهما فيشق ذلك عليهما وأما كراهته أن يدعهما فقد فسره بقوله فيستكنا لشربتهما أي يضعفا لانه عشاؤهما وترك العشاء يهرم وقوله يستكنا من الاستكانة وقوله لشربتهما أي لعدم شربتهما فيصيران ضعيفين مسكينين والمسكين الذي لا شئ له قوله من أحب الناس إلى هو مقيد لاطلاق رواية سالم حيث قال فيها كانت أحب الناس إلى وفي رواية موسى بن عقبة كأشد ما يحب الرجل النساء والكاف زائدة أو أراد تشبيه محبته بأشد المحبات قوله راودتها عن نفسها أي بسبب نفسها أو من جهة نفسها وفي رواية سالم فأردتها على نفسها أي ليستعلى عليها قوله فأبت في رواية موسى بن عقبة فقالت لا ينال ذلك منها حتى قوله إلا أن آتيها بمائة دينار وفي رواية سالم فأعطيتها عشرين ومائة دينار ويحمل على أنها طلبت منه المائة فزادها هو من قبل نفسه عشرين أو ألغى غير سالم الكسر ووقع في حديث النعمان وعقبة بن عامر مائة دينار وأبهم ذلك في حديث علي وأنس وأبي هريرة وقال في حديث بن أبي أوفى ما لا ضخما قوله فلما قعدت بين رجليها في رواية سالم حتى إذا قدرت عليها زاد في حديث بن أبي أوفى وجلست منها مجلس الرجل من المرأة وفي حديث النعمان بن بشير فلما كشفتها وبين في رواية سالم سبب اجابتها بعد امتناعها فقال فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة أي سنة قحط فجاءتني فأعطيتها ويجمع بينه وبين رواية نافع بأن امتنعت أولا عفة ودافعت بطلب المال فلما احتاجت أجابت قوله ولا تفض بالفاء والمعجمة أي لا تكسر والخاتم كناية عن عذرتها وكأنها كانت بكرا وكنت عن الافضاء بالكسر وعن الفرج بالخاتم لان في حديث النعمان ما يدل على أنها لم تكن بكرا ووقع في رواية أبي ضمرة ولا تفتح الخاتم والالف واللام بدل من الضمير أي خاتمي ووقع كذلك في حديث أبي العالية عن أبي هريرة عند الطبراني في الدعاء بلفظ إنه لا يحل لك أن تفض خاتمي إلا بحقه وقولها بحقه أرادت به الحلال أي لا أحل لك أن تقربني إلا بتزويج صحيح ووقع في حديث علي فقالت أذكرك الله أن تركب مني ما حرم الله عليك قال فقلت أنا أحق أن أخاف ربي وفي حديث النعمان بن بشير فلما أمكنتني من نفسها بكت فقلت ما يبكيك قالت فعلت هذا من الحاجة فقالت انطلقي وفي رواية أخرى عن النعمان أنها ترددت إليه ثلاث مرات تطلب منه شيئا من معروفة ويأبى عليها إلا أن تمكنه من نفسها فأجابت في الثالثة بعد أن استأذنت زوجها فأذن لها وقال لها أغنى عيالك قال فرجعت فناشدتني بالله فأبيت عليها فأسلمت إلى نفسها فلما كشفتها ارتعدت من تحتي

[ 371 ]

فقلت مالك قالت آخاف الله رب العالمين فقلت خفتيه في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وفي حديث بن أبي أوفى فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة أذكرت النار فقمت عنها والجمع بين هذه الروايات ممكن والحديث يفسر بعضه بعضا وفي هذا الحديث استحباب الدعاء في الكرب والتقرب إلى الله تعالى بذكر صالح لعمل واستنجاز وعده بسؤاله واستنبط منه بعض الفقهاء استحباب ذكر ذلك في الاستسقاء واستشكله المحب الطبري لما فيه من رؤية العمل والاحتقار عند السؤال في الاستسقاء أولى لانه مقام التضرع وأجاب عن قصة أصحاب الغار بأنهم لم يستشفعوا بأعمالهم وإنما سألوا الله إن كانت أعمالهم خالصة وقبلت أن يجعل جزاءها الفرج عنهم فتضمن جوابه تسليم السؤال لكن بهذا القيد وهو حسن وقد تعرض النووي لهذا فقال في كتاب الاذكار باب دعاء الانسان وتوسله بصالح عمله إلى الله وذكر هذا الحديث ونقل عن القاضي حسين وغيره استحباب ذلك في الاستسقاء ثم قال وقد يقال إن فيه نوعا من ترك الافتقار المطلق ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى عليهم بفعلهم فدل على تصويب فعلهم وقال السبكي الكبير ظهر لي أن الضرورة قد تلجئ إلى تعجيل جزاء بعض الاعمال في الدنيا وأن هذا منه ثم ظهر لي أنه ليس في الحديث رؤية عمل بالكلية لقول كل منهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فلم يعتقد أحد منهم في عمله الاخلاص بل أحال أمره إلى الله فإذا لم يجزموا بالاخلاص فيه مع كونه أحسن أعمالهم فغيره أولى فيستفاد منه أن الذي يصلح في مثل هذا أن يعتقد الشخص تقصيره في نفسه ويسئ الظن بها ويبحث على كل واحد من عمله يظن أنه أخلص فيه فيفوض أمره إلى الله ويعلق الدعاء على علم الله به فحينئذ يكون إذا دعا راجيا للاجابة خائفا من الرد فإن لم يغلب على ظنه إخلاصه ولو في عمل واحد فليقف عند حده ويستحي أن يسأل بعمل ليس بخالص قال وإنما قالوا ادعوا الله بصالح أعمالكم في أول الامر ثم عند الدعاء لم يطلقوا ذلك ولا قال واحد منهم أدعوك بعملي وإنما قال إن كنت تعلم ثم ذكر عمله انتهى ملخصا وكأنه لم يقف على كلام المحب الطبري الذي ذكرته فهو السابق إلى التنبيه على ما ذكر والله أعلم وفيه فضل الاخلاص في العلم وفضل بر الوالدين وخدمتهما وايثارهما على الولد والاهل وتحمل المشقة لاجلهما وقد استشكل تركه أولاده الصغار يبكون من الجوع طول ليلتهما مع قدرته على تسكين جوعهم فقيل كان في شرعهم تقديم نفقة الاصل على غيرهم وقيل يحتمل أن بكاءهم ليس عن الجوع وقد تقدم ما يرده وقيل لعلهم كانوا يطلبون زيادة على سد الرمق وهذا أولى وفيه فضل العفة والانكفاف عن الحرام مع القدرة وأن ترك المعصية يمحو مقدمات طلبها وأن التوبة تجب ما قبلها وفيه جواز الاجارة بالطعام المعلوم بين المتاجرين وفضل أداء الامانة وإثبات الكرامة للصالحين واستدل به على جواز بيع الفضولي وقد تقدم البحث فيه في البيوع وفيه أن المستودع إذا اتجر في مال الوديعة كان الربح لصاحب الوديعة قاله أحمد وقال الخطابي خالفه الاكثر فقالوا إذا ترتب المال في ذمة الوديع وكذا المضارب كأن تصرف فيه بغير ما أذن له فيلزم ذمته آنه إن اتجر فيه كان الربح له وعن أبي حنيفة الغرامة عليه وأما الربح فهو له لكن يتصدق به وفصل الشافعي فقال أن اشترى في ذمته ثم نفذ الثمن من مال الغير فالعقد له والربح له وأن اشترى بالعين فالربح للمالك وقد تقدم نقل الخلاف فيه في البيوع أيضا وفيه الاخبار عما جرى للامم الماضية ليعتبر

[ 372 ]

السامعون بأعمالهم فيعمل بحسنها ويترك قبيحها والله أعلم تنبيه لم يخرج الشيخان هذا الحديث إلا من رواية بن عمر وجاء بإسناد صحيح عن أنس أخرجه الطبراني في الدعاء من وجه آخر حسن وبإسناد حسن عن أبي هريرة وهو في صحيح بن حبان وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن أبي هريرة وعن النعمان بن بشير من ثلاثة أوجه حسان أحدها عند أحمد والبزار وكلها عند الطبراني وعن علي وعقبة بن عامر و عبد الله بن عمرو بن العاص وابن أبي أوفى بأسانيد ضعيفة وقد استوعب طرقه أبو عوانة في صحيحه والطبراني في الدعاء واتفقت الروايات كلها على أن القصص الثلاثة في الاجير والمرأة والابوين إلا حديث عقبة بن عامر ففيه بدل الاجير أن الثالث قال كنت في غنم أرعاها فحضر ت الصلاة فقمت أصلي فجاء الذئب فدخل الغنم فكرهت أن أقطع صلاتي فصبرت حتى فرغت فلو كان إسناده قويا لحمل على تعدد القصة ووقع في رواية الباب من طريق عبيد الله العمري عن نافع تقديم الاجير ثم الابوين ثم المرأة وخالفه موسى بن عقبة من الوجهين فقدم الابوين ثم المرأة ثم الاجير ووافقته رواية سالم وفي حديث أبي هريرة المرأة ثم الابوين ثم الاجير وفي حديث أنس الابوين ثم الاجير ثم المرأة وفي حديث النعمان الاجير ثم المرأة ثم الابوين وفي حديث علي وابن أبي أوفى معا المرأة ثم الاجير ثم الابوين وفي اختلافهم دلالة على أن الرواية بالمعنى عندهم سائغة شائعة وأن لا أثر للتقديم والتأخير في مثل ذلك وأرجحها في نظري رواية موسى بن عقبة لموافقة سالم لها فهي أصح طرق هذا الحديث وهذا من حيث الاسناد وأما من حيث المعنى فينظر أي الثلاثة كان أنفع لاصحابه والذي يظهر أنه الثالث لانه هو الذي أمكنهم أن يخرجوا بدعائه وإلا فالاول أفاد إخراجهم من الظلمة والثاني أفاد الزيادة في ذلك وامكان التوسل إلى الخروج بأن يمر مثلا هناك من يعالج لهم والثالث هو الذي تهيأ لهم الخروج بسببه فهو أنفعهم لهم فينبغي أن يكون عمل الثالث أكثر فضلا من عمل الاخيرين ويظهر ذلك من الاعمال الثلاثة فصاحب الابوين فضيلته مقصورة على نفسه لانه أفاد أنه كان بارا بأبويه وصاحب الاجير نفعه متعد وأفاد بأنه كان عظيم الامانة وصاحب المرأة أفضلهم لانه أفاد أنه كان في قلبه خشية ربه وقد شهد الله لمن كان كذلك بأن له الجنة حيث قال وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وقد أضاف هذا الرجل إلى ذلك ترك الذهب الذي أعطاه للمرأة فأضاف إلى النفع القاصر النفع المتعدي ولا سيما وقد قال إنها كانت بنت عمه فتكون فيه صلة رحم أيضا وقد تقدم أن ذلك كان في سنة قحط فتكون الحاجة إلى ذلك أحرى فيترجح على هذا رواية عبيد الله عن نافع وقد جاءت قصة المرأة أيضا أخيرة في حديث أنس والله أعلم الحديث الرابع عشر حديث أبي هريرة في قصة المرأة التي كانت ترضع ولدها فتكلم وقد تقدم شرحه في قصة عيسى بن مريم و عبد الرحمن المذكور في الاسناد هو الاعرج الحديث الخامس عشر حديثه في قصة المراة التي سقت الكلب قوله يطيف بضم أوله من أطاف يقال أطفت بالشئ إذا أدمت المرور حوله قوله بركية بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتانية البئر مطوية أو غير مطوية وغير المطوية يقال لها جب وقليب ولا يقال لها بئر حتى تطوى وقيل الركي البئر قبل أن تطوى فإذا طويت فهي الطوي قوله بغي بفتح الموحدة وكسر المعجمة هي الزانية وتطلق على الامة مطلقا قوله موقها بضم الميم وسكون الواو بعدها قاف هو الخف

[ 373 ]

وقيل ما يلبس فوق الخف قوله فغفر لها زاد الكشميهني به وقد تقدم الكلام على هذا الحديث مشروحا في كتاب الشرب لكن وقع هناك وفي الطهارة أني الذي سقى الكلب رجل وأنه سقاه في خفه ويحتمل تعدد القصة وقدمت بقية الكلام في كتاب الشرب والله أعلم الحديث السادس عشر حديث معاوية قوله عام حج في رواية سعيد بن المسيب الآتية آخر الباب آخر قدمة قدمها قلت وكان ذلك في سنة إحدى وخمسين وهي آخر حجة حجها في خلافته قوله فتناول قصة بضم القاف وتشديد المهملة هي شعر الناصية والحرسي منسوب إلى الحرس وهو واحد الحراس قوله أين علماؤكم فيه إشارة إلى أن العلماء إذ ذاك فيهم كانوا قد قلوا وهو كذلك لان غالب الصحابة كانوا يومئذ قد ماتوا وكأنه رأى جهال عوامهم صنعوا ذلك فأراد أن يذكر علماءهم وينبئهم بما تركوه من إنكار ذلك ويحتمل أن يكون ترك من بقي من الصحابة ومن أكابر التابعين إذ ذاك الانكار إما لاعتقاد عدم التحريم ممن بلغه الخبر فحمله على كراهة التنزيه أو كان يخشى من سطوة الامراء في ذلك الزمان على من يستبد بالانكار لئلا ينسب إلى الاعتراض على أولي الامر أو كانوا ممن لم يبلغهم الخبر أصلا أو بلغ بعضهم لكن لم يتذكروه حتى ذكرهم به معاوية فكل هذه أعذار ممكنة لمن كان موجودا إذ ذاك من العلماء وأما من حضر خطبة معاوية وخاطبهم بقوله أين علماؤكم فلعل ذلك كان في خطبة غير الجمعة ولم يتفق أن يحضره إلا من ليس من أهل العلم فقال أين علماؤكم لان الخطاب بالانكار لا يتوجه الا على من علم الحكم وأقره قوله ويقول هو معطوف على ينهى وفاعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قوله انما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم فيه إشعار بأن ذلك كان حراما عليهم فلما فعلوه كان سببا لهلاكهم مع ما انضم إلى ذلك من ارتكابهم ما ارتكبوه من المناهي وسيأتي شرح ذلك مبسوطا في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى الحديث السابع عشر حديث أبي هريرة قوله عن أبيه هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قوله عن أبي هريرة هذا هو المشهور عن إبراهيم بن سعد وقيل عنه عن أبيه عن أبي سلمة عن عائشة كما سيأتي قوله انه قد كان فيما مضى قبلكم من الامم محدثون بفتح الدال المهملة وسيأتي شرحه مستوفي في مناقب عمر فإن فيه أنهم كانوا من بني إسرائيل قوله وأنه أن كان في أمتي هذه منهم في رواية أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد وأنه أن كان في أمتي أحد منهم قوله فإنه عمر بن الخطاب كذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التوقع وكأنه لم يكن اطلع على أن ذلك كائن وقد وقع بحمد الله ما توقعه النبي صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه ووقع من ذلك لغيره ما لا يحصى ذكره الحديث الثامن عشر حديث أبي سعيد قوله عن أبي الصديق الناجي في رواية مسلم من طريق معاذ عن شعبة عن قتادة أنه سمع أبا الصديق الناجي واسم أبي الصديق وهو بكسر الصاد المهملة وتشديد الدال المكسورة بكر واسم أبيه عمرو وقيل قيس وليس له في البخاري سوى هذا الحديث قوله كان في بني إسرائيل رجل لم أقف على اسمه ولا على اسم أحد من الرجال ممن ذكر في القصة زاد مسلم من طريق هشام عن قتادة عند مسلم فسأل عن أعلم أهل الارض فدل على راهب قوله فأتى راهبا فيه إشعار بأن ذلك كان بعد رفع عيسى عليه السلام لان الرهبانية إنما ابتدعها أتباعه كما نص عليه في القرآن قوله فقال له توبة بحدف أداة الاستفهام وفيه تجريد أو التفات لان حق السياق أن

[ 374 ]

يقول لي توبة ووقع في رواية هشام فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة وزاد ثم سأل عن أعلم أهل الارض فدل على رجل عالم وقال فيه ومن يحول بينه وبين التوبة قوله فقال له رجل ائت قرية كذا وكذا زاد في رواية هشام فإن بها أناسا يعبدون الله فا عبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا كان نصف الطريق أتاه ملك الموت ووقعت لي تسمية القريتين المذكورتين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا في المعجم الكبير للطبراني قال فيه إن اسم الصالحة نصرة واسم القرية الاخرى كفرة قوله فناء بنون ومد أي بعد أو المعنى مال أو نهض مع تثاقل فعلى هذا فالمعنى فمال إلى الارض التي طلبها هذا هو المعروف في هذا الحديث وحكى بعضهم فيه فنأى بغير مد قبل الهمز وباشباعها بوزن سعى تقول نأى ينأى نأيا أي بعد وعلى هذا فالمعنى فبعد على الارض التي خرج منها ووقع في رواية هشام عن قتادة ما يشعر بأن قوله فناء بصدره إدراج فإنه قال في آخر الحديث قال قتادة قال الحسن ذكر لنا أنه لما أتاه الموت ناء بصدره قوله فاختصمت فيه في رواية هشام من الزيادة فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاه ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الارضين فإلى أيهما كان أدنى فهو لها قوله فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي أي إلى القرية التي خرج منها والى هذه أن تقربي أي القرية التي قصدها وفي رواية هشام فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الارض التي أراد قوله أقرب بشبر فغفر له في رواية معاذ عن شعبة فجعل من أهلها وفي رواية هشام فقبضته ملائكة الرحمة وفي الحديث مشروعية التوية من جميع الكبائر حتى من قتل الانفس ويحمل على أن الله تعالى إذا قبل توبة القاتل تكفل برضا خصمه وفيه أن المفتي قد يجيب بالخطأ وغفل من زعم أنه إنما قتل الاخير على سبيل التأول لكونه أفتاه بغير علم لان السياق يقتضي أنه كان غير عالم بالحكم حتى استمر يستفتي وأن الذي أفتاه استبعد أن تصح توبته بعد قتللمن ذكر أنه قتله بغير حق وأنه إنما قتله بناء على العمل بفتواه لان ذلك اقتضى عنده أن لا نجاة له فيئس من الرحمة ثم تداركه الله فندم على ما صنع فرجع يسأوفيه إشارة إلى قلة فطنة الراهب لانه كان من حقه التحرز ممن اجترأ على القتل حتى صار له عادة بأن لا يواجهه بخلاف مراده وأن يستعمل معه المعاريض مداراة عن نفسه هذا لو كان الحكم عنده صريحا في عدم قبول توبة القاتل فضلا عن أن الحكم لم يكن عنده إلا مظنونا وفيه أن الملائكة الموكلين ببني آدم يختلف اجتهادهم في حقهم بالنسبة إلى من يكتبونه مطيعا أو عاصيا وأنهم يختصمون في ذلك حتى يقضي الله بينهم وفيه فضل التحول من الارض التي يصيب الانسان فيها المعصية لما يغلب بحكم العادة على مثل ذلك إما لتذكره لافعاله الصادرة قبل ذلك والفتنة بها وإما لوجود من كان يعينه على ذلك ويحضه عليه ولهذا قال له الاخير ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ففيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الاحوال التي اعتادها في زمن المعصية والتحول منها كلها والاشتغال بغيرها وفيه فضل العالم على العابد لان الذي أفتاه أولا بان لا توبة له غلبت عليه العبادة فاستعظم وقوع ما وقع من ذلك القاتل من استجرائه على قتل هذا العدد الكثير وأما الثاني فغلب عليه العلم فأفتاه بالصواب ودله على طريق النجاة قال عياض وفيه أن التوبة تنفع من القتل كما تنفع من سائر الذنوب وهو وإن كان شرعا لمن قبلنا وفي

[ 375 ]

الاحتجاج به خلاف لكن ليس هذ من موضع الخلاف لان موضع الخلاف إذا لم يرد في شرعنا تقريره وموافقته أما إذا ورد فهو شرع لنا بلا خلاف ومن الوارد في ذلك قوله تعالى ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وحديث عبادة بن الصامت ففيه بعد قوله ولا تقتلوا النفس وغير ذلك من المنهيات فمن أصاب من ذلك شيئا فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأن شاء عذبه متفق عليه قلت ويؤخذ ذلك أيضا من جهة تخفيف الآصار عن هذه الامة بالنسبة إلى من قبلهم من الامم فإذا شرع لهم قبول توبة القاتل فمشروعيتها لنا بطريق الاولى وسيأتي البحث في قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم الآية في التفسير إن شاء الله تعالى واستدل به على أن في بني آدم من يصلح للحكم بين الملائكة إذا تنازعوا وفيه حجة لمن أجاز التحكيم وأن من رضي الفريقان بتحكيمه فحكمه جائز عليهم وسيأتي نقل الخلاف في ذلك في الحديث الذي يلي ما بعده وفيه أن للحاكم إذا تعارضت عنده الاحوال وتعددت البينات أن يستدل بالقرائن على الترجيح الحديث التاسع عشر حديث أبي هريرة في قصة البقرة التي تكلمت قوله عن الاعرج عن أبي سلمة هو من رواية الاقران وقد رواه الزهري أيضا عن أبي سلمة وسيأتي مع شرحه مستوفي في المناقب قوله بينا رجل يسوق بقرة لم أقف على اسمه قوله إذ ركبها فضربها فقالت إنا لم نخلق لهذا استدل به على أن الدواب لا تستعمل إلا فيما جرت العادة باستعمالها فيه ويحتمل أن يكون قولها إنما خلقنا للحرث للاشارة إلى معظم ما خلقت له ولم ترد الحصر في ذلك لانه غير مراد اتفاقا لان من أجل ما خلقت له أنها تذبح وتؤكل بالاتفاق وقد تقدم قول بن بطال في ذلك في كتاب المزارعة قوله فاني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر هو محمول على أنه كان أخبرهما بذلك فصدقاه أو أطلق ذلك لما اطلع عليه من أنهما يصدقان بذلك إذا سمعاه ولا يترددان فيه قوله وما هما ثم بفتح المثلثة أي ليسا حاضرين وهو من كلام الراوي ولم يقع ذلك في رواية الزهري قوله وبينا رجل هو معطوف على الخبر الذي قبله بالاسناد المذكور قوله إذا عدا الذئب بالعين المهملة من العدوان قوله هذا استنفذتها مني في رواية الكشميهني استنقذها بإبهام الفاعل قوله حدثنا علي حدثنا سفيان عن مسعر هذا يدل على أنه سمعه من شيخه مفرقا والحاصل أن لسفيان فيه إسنادين أحدهما أبو الزناد عن الاعرج والآخر مسعر عن سعد بن إبراهيم كلاهما عن أبي سلمة وفي كل من الاسنادين رواية القرين عن قرينه لان الاعرج قرين أبي سلمة كما تقدم لانه شاركه في أكثر شيوخه ولا سيما أبو هريرة وأن كان أبو سلمة أكبر سنا من الاعرج وسفيان بن عيينة قرين مسعر لانه شاركه في أكثر شيوخه لا سيما سعد بن إبراهيم وإن كان مسعر أكبر سنا من سفيان الحديث العشرون حديث أبي هريرة أيضا اشترى رجل من رجل عقارا لم أقف على اسمهما ولا على اسم أحد ممن ذكر في هذه القصة لكن في المبتدأ لوهب بن منبه أن الذي تحاكما إليه هو داود النبي عليه السلام وفي المبتدأ لاسحاق بن بشر أن ذلك وقع في زمن ذي القرنين من بعض قضاته فالله أعلم وصنيع البخاري يقتضي ترجيح ما وقع عند وهب لكونه أورده في ذكر بني إسرائيل قوله عقارا العقار في اللغة المنزل والضيعة وخصه بعضهم بالنخل ويقال المتاع النفيس الذي للمنزل عقار أيضا وأما عياض فقال العقار الاصل من المال وقيل المنزل والضيعة وقيل متاع البيت فجعله خلافا والمعروف في اللغة أنه مقول بالاشتراك على الجميع والمراد به هنا

[ 376 ]

الدار وصرح بذلك في حديث وهب بن منبه قوله فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له خذ ذهبك فإنما اشتريت منك الارض ولم أبتع الذهب وهذا صريح في أن العقد إنما وقع بينهما على الارض خاصة فاعتقد البائع دخول ما فيها ضمنا واعتقد المشتري أنه لا يدخل وأما صورة الدعوى بينهما فوقعت على هذه الصورة وأنهما لم يختلفا في صورة العقد التي وقعت والحكم في شرعنا على هذا في مثل ذلك أن القول قول المشتري وأن الذهب باق على ملك البائع ويحتمل أنهما اختلفا في صورة العقد بأن يقول المشتري لم يقع تصريح ببيع الارض وما فيها بل ببيع الارض خاصة والبائع يقول وقع التصريح بذلك والحكم في هذه الصورة أن يتحالفا ويستردا المبيع وهذا كله بناء على ظاهر اللفظ أنه وجد فيه جرة من ذهب لكن في رواية إسحاق بن بشر أن المشتري قال إنه اشترى دارا فعمرها فوجد فيها كنزا وأن البائع قال له لما دعاه إلى أخذه ما دفنت ولا علمت وأنهما قالا للقاضي ابعث من يقبضه وتضعه حيث رأيت فامتنع وعلى هذا فحكم هذا المال حكم الركاز في هذه الشريعة إن عرف أنه من دفين الجاهلية وإلا فإن عرف أنه من دفين المسلمين فهو لقطة وأن جهل فحكمه حكم المال الضائع يوضع في بيت المال ولعلهم لم يكن في شرعهم هذا التفصيل فلهذا حكم القاضي بما حكم به قوله وقال الذي له الارض أي الذي كانت له ووقع في رواية أحمد عن عبد الرزاق بيان المراد من ذلك ولفظه فقال الذي باع الارض إنما بعتك الارض ووقع في نسخ مسلم اختلاف فالاكثر رووه بلفظ فقال الذي شرى الارض والمراد باع الارض كما قال أحمد ولبعضهم فقال الذي اشترى الارض ووهمها القرطبي قال إلا إن ثبت أن لفظ اشترى من الاضداد كشرى فلا وهم وقوله فتحا كما ظاهره أنهما حكماه في ذلك لكن في حديث اسحاق بن بشر التصريح بأنه كان حاكما منصوبا للناس فإن ثبت ذلك فلا حجة فيه لمن جوز للمتداعيين أن يحكما بينهما رجلا وينفذ حكمة وهي مسألة مختلف فيها فأجاز ذلك مالك والشافعي بشرط أن يكون فيه أهلية الحكم وأن يحكم بينهما بالحق سواء وافق ذلك رأي قاضي البلد أم لا واستثنى الشافعي الحدود وشرط أبو حنيفة أن لا يخالف ذلك رأى قاضي البلد وجزم القرطبي بأنه لم يصدر منه حكم على أحد منهما وإنما أصلح بينهما لما ظهر له أن حكم المال المذكور حكم المال الضائع فرأى أنهما أحق بذلك من غيرهما لما ظهر له من ورعهما وحسن حالهما وارتجى من طيب نسلهما وصلاح ذريتهما ويرده ما جزم به الغزالي في نصحية الملوك أنهما تحاكما إلى كسرى فإن ثبت هذا ارتفعت المباحث الماضية المتعلقة بالتحكيم لان الكافر لا حجة فيما يحكم به ووقع في روايته عن أبي هريرة لقد رأيتنا يكثر تمارينا ومنازعتنا عند النبي صلى الله عليه وسلم أيهما أكثر أمانة قوله ألكما ولد بفتح الواو واللام والمراد الجنس لانه يستحيل أن يكون المرجلين جميعا ولد واحد والمعنى الكل منكما ولد ويجوز أن يكون قوله ألكما ولد بضم الواو وسكون اللام وهي صيغة جمع أي أولاد ويجوز كسر الواو أيضا في ذلك قوله فقال أحدهما لي غلام بين في رواية إسحاق بن بشر أن الذي قال لي غلام هو الذي اشترى العقار قوله أنكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا هكذا وقع بصيغة الجمع الانكاح والانفاق وبصيغة التثنية في النفسين وفي التصدق وكأن السر في ذلك أن الزوجين كانا محجوزين وإنكاحهما لا بد فيه مع ولييهما من غيرهما كالشاهدين وكذلك الانفاق قد يحتاج

[ 377 ]

فيه إلى المعين كالوكيل وأما تثنية النفسين فللاشارة إلى اختصاص الزوجين بذلك وقد وقع في رواية إسحاق بن بشر ما يشعر بذلك ولفظه اذهبا فزوج ابنتك من بن هذا وجهزوهما من هذا المال وادفعا إليهما ما بقي يعيشان به وأما تثنية التصدق فللاشارة إلى أن يباشرها بغير واسطة لما في ذلك من الفضل وأيضا فهي تبرع لا يصدر من غير الرشيد ولا سيما ممن ليس له فيها ملك ووقع في رواية مسلم وأنفقا على أنفسكما والاول أوجه والله أعلم الحديث الحاديث والعشروم حديث أسامة بن زيد في الطاعون وسيأتي شرحه مستوفى في الطب والغرض منه هنا قوله في الحديث الطاعون رجز أرسل على بني إسرائيل ووقع هنا رجس بالسين المهملة بدل الزاي والمحفوظ بالزاي ووجهه القاضي بأن الرجس يقع على العقوبة أيضا وقد قال الفارابي والجوهري الرجس العذاب قوله في آخر الحديث فلا تخرجوا فرارا منه قال أبو النضر لا يخرجك الا فرارا منه يريد أن الاولى رواية محمد بن المنكدر والثانية رواية أبي النضر فأما رواية بن المنكدر في إشكال فيها وأما رواية أبي النضر فروايتها بالنصب كالذي هنا مشكلة ورواها جماعة بالرفع ولا إشكال فيها قال عياض في الشرح وقع لاكثر رواة الموطأ بالرفع وهو بين أن السبب الذي يخرجكم الفرار ومجرد قصده لا غير ذلك لان الخروج إلى الاسفار والحوائج مباح ويطابق الرواية الاخرى فلا تخرجوا فرار منه قال ورواه بعضهم إلا فرارا منه قال وقال بن عبد البر جاء بالوجهين ولعل ذلك كان من مالك وأهل العربية يقولون دخول إلا هنا بعد النفي لايجاب بعض ما نفى قبل من الخروج فكأنه نهى عن الخروج إلا للفرار خاصة وهو ضد المقصود فإن المنهي عنه إنما هو الخروج للفرار خاصة لا لغيره قال وجوز ذلك بعضهم وجعل قوله الا حالا من الاستثناء أي لا تخرجوا إذا لم يكن خروجكم الا للفرار قال عياض ووقع لبعض رواة الموطأ لا يخرجكم الافرار بأداة التعريف وبعدها إفرار بكسر الهمزة وهو وهم ولحن وقال في المشارق ما حاصله يجوز أن تكون الهمزة للتعدية يقال أفره كذا من كذا ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم أن كان لا يفرك من هذا إلا ما ترى فيكون المعنى لا يخرجكم إقراره إياكم وقال القرطبي في المفهم هذه الرواية غلط لانه لا يقال أفر إنما يقال فرر قال وقال جماعة من العلماء إدخال إلا فيه غلط وقال بعضهم هي زائدة وتجوز زيادته كما تزاد لا وخرجه بعضهم بأنها للايجاب فذكر نحو ما مضى قال والاقرب أن تكون زائدة وقال الكرماني الجمع بين قول بن المنكدر لا تخرجوا فرارا منه وبين قول أبي النضر لا يخرجكم إلا فرارا منه مشكل فإن ظاهره التناقض ثم أجاب بأجوبة أحدها أن غرض الراوي أن أبا النضر فسر لا تخرجوا بأن المراد منه الحصر يعني الخروج المنهي هو الذي يكون لمجرد الفرار لا لغرض آخر فهو تفسير للمعلل المنهي عنه لا للنهي قلت وهو بعيد لانه يقتضي أن هذا اللفظ من كلام أبي النضر زاده بعد الخبر وأنه موافق لابن المنكدر على اللفظ الاول رواية والمتبادر خلاف ذلك والجواب الثاني كالاول والزيادة مرفوعة أيضا فيكون روى اللفظين ويكون التفسير مرفوعا أيضا الثالث إلا زائدة بشرط أن تثبت زيادتها في كلام العرب الحديث الثاني والعشرون حديث عائشة في ذلك وسيأتي شرحه في الطب أيضا الحديث الثالث والعشرون حديث عائشة في قصة المخزومية

[ 378 ]

التي سرقت وسيأتي شرحه في كتاب الحدود وأورده هنا بلفظ إنما أهلك الذين من قبلكم وفي بعض طرقه أن بني إسرائيل كانوا وهو المطابق للترجمة وسيأتي بسط ذلك إن شاء الله تعالى الحديث الرابع والعشرون وحديث بن مسعود في النهي عن الاختلاف في القراءة وسيأتي شرحه في فضائل القرآن الحديث الخامس والعشرون حديث عبد الله وهو بن مسعود وشقيق هو أبو وائل قوله كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الانبياء ضربه قومه فأدموه لم أقف على اسم هذا النبي صريحا ويحتمل أن يكون هو نوح عليه السلام فقد ذكر بن إسحاق في المبتدأ وأخرجه بن أبي حاتم في تفسير الشعراء من طريق بن إسحاق قال حدثني من لا أتهم عن عبيد بن عمير الليثي أنه بلغه أن قوم نوح كانوا يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون قلت وأن صح ذلك فكأن ذلك كان في ابتداء الامر ثم لما يئس منهم قال رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا وقد ذكر مسلم بعد تخريج هذا الحديث حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال في قصة أحد كيف يفلح قوم دموا وجه نبيهم فأنزل الله ليس لك من الامر شئ ومن ثم قال القرطبي أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الحاكي والمحكي كما سيأتي وأما النووي فقال هذا النبي الذي جرى له ما حكاه النبي صلى الله عليه وسلم من المتقدمين وقد جرى لنبينا نحو ذلك يوم أحد قوله وهو يمسح الدم عن وجهه يحتمل أن ذلك لما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم ذكر لاصحابه أنه وقع لنبي آخر قبله وذلك فيما وقع له يوم أحد لما شج وجهه وجرى الدم منه فاستحضر في تلك الحالة قصة ذلك النبي الذي كان قبله فذكر قصته لاصحابه تطبيبا لقلوبهم وأغرب القرطبي فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الحاكي وهو المحكي عنه قال وكأنه أوحى إليه بذلك قبل وقوع القصة ولم يسم ذلك النبي فلما وقع له ذلك تعين إنه هو المعنى بذلك قلت ويعكر عليه أن الترجمة لبني إسرائيل فيتعين الحمل على بعض أنبيائهم وفي صحيح بن حبان من حديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون قال بن حبان معنى هذا الدعاء الذي قال يوم أحد لما شج وجهه أي اغفر لهم ذنبهم في شج وجهي لا أنه أراد الدعاء لهم بالمغفرة مطلقا إذ لو كان كذلك لاجيب ولو أجيب لاسلموا كلهم كذا قال وكأنه بناه على أنه لا يجوز أن يتخلف بعض دعائه على بعض أو عن بعض وفيه نظر لثبوت أعطاني اثنتين ومنعني واحدة وسيأتي في تفسير سورة الانعام ثم وجدت في مسند أحمد من طريق عاصم عن أبي وائل ما يمنع تأويل القرطبي ويعين الغزوة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ولفظه قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين بالجعرانة قال فازدحموا عليه فقال أن عبدا من عباد الله بعثه الله إلى قومه فكذبوه وشجوه فجعل يمسح الدم عن جبينه ويقول رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون قال عبد الله فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح جبهته يحكي الرجل قلت ولا يلزم من هذا الذي قاله عبد الله أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مسح أيضا بل الظاهر أنه حكى صفة مسح جبهته خاصة كما مسحها ذلك النبي وظهر بذلك فساد ما زعمه القرطبي الحديث السادس والعشرون والسابع والعشرون والثامن والعشرون أحاديث أبي سعيد وحذيفة وأبي هريرة في قصة الذي أوصى بأن يحرق إذا مات أورده من طرق وتقدم في هذه الترجمة من وجه آخر وسأذكر جميع فوائده هنا إن شاء الله تعالى قوله عن عقبة بن عبد الغافر بين في

[ 379 ]

الرواية المعلقة تلو هذه سماع قتادة من عقبة وعقبة المذكور أزدى بصري وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر تقدم في الوكالة وطريق معاذ هذه وصلها مسلم عن عبيد الله بن معاذ العنبري عن أبيه به قوله رغسه الله بفتح الراء والغين المعجمة بعدها سين مهملة أي كثر مالك وقيل رغس كل شئ أصله فكأنه قال جعل له أصلا من مال ووقع في مسلم رأسه الله بهمز بدل الغين المعجمة قال بن التين وهو غلط فإن صح أي من جهة الرواية فكأنه كان فيه راشه يعني بألف ساكنة بغير همز وبشين معجمة والريش والرياش المال انتهى ويحتمل في توجيه رواية مسلم أن يقال معنى رأسه جعله رأسا ويكون بتشديد الهمزة وقوله ما لا أي بسبب المال قوله قال عقبة لحذيفة هو عقبة بن عمرو أبو مسعود الانصاري البدري قوله حدثنا موسى هو بن إسماعيل التبوذكي وفي رواية الكشميهيني حدثنا مسدد وصوب أبو ذر رواية الاكثر وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج أنه عن موسى وموسى ومسدد جميعا قد سمعا من أبي عوانة لكن الصواب هنا موسى لان المصنف ساق الحديث عن مسدد ثم بين أن موسى خالفه في لفظه منه وهي قوله في يوم راح فإن في رواية مسدد يوم حار وقد تقدم سياق موسى في أول باب ذكر بني إسرائيل وقال فيه انظروا يوما راحا وقوله راحا أي كثير الريح ويقال ذلك للموضع الذي تخترقه الرياح قال الجوهري يوم راح أي شديد الريح وإذا كان طيب الريح يقال الريح بتشديد الياء وقال الخطابي يوم راح أي ذو ريح كما يقال رجل مال أي ذو مال وأما رواية الباب فقوله في يوم حار فهو بتخفيف الراء قال بن فارس الحور ريح تحن كحنين الابل وقد نبه أبو علي الجياني على ما وقع من ذلك وظن بعض المتأخرين أنه عني بذلك ما وقع في أول ذكر بني إسرائيل فاعترض عليه بأنه ليس هناك إلا روايته عن موسى بن إسماعيل في جميع الطرق وهو صحيح لكن مراد الجياني ما وقع هنا وهو بين لمن تأمل ذلك قوله حدثنا عبد الملك هو بن عمير المذكور في الاسناد الذي قبله فمراده أن عبد الملك رواه بالاسناد المذكور مثل الرواية التي قبله إلا في هذه اللفظة وهذا يقتضي خطأ من أورده في الرواية الاولى بلفظ راح وهي رواية السرخسي وقد رواه أبو الوليد عن أبي عوانة فقال فيه في ريح عاصف أخرجه المصنف في الرقاق قوله حدثنا هشام هو بن يوسف قوله كان رجل يسرف على نفسه تقدم في حديث حذيفة أنه كان نباشا وفي الرواية التي في الرقاق أنه كان يسئ الظن بعمله وفيه أنه لم يبتئر خيرا وسيأتي نقل الخلاف في تحريرها هناك إن شاء الله تعالى وفي حديث أبي سعيد أن رجلا كان قبلكم قوله أوروا بفتح الهمزة وسكون الواو وضم الراء أي اقدحوا وأشعلوا قوله إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني بضم المعجمة وتشديد الراء في حديث أبي سعيد فقال لبنيه لما حضر بضم المهملة وكسر المعجمة أي حضره الموت أي أبي كنت لكم قالوا خير أبي قال فإني لم أعمل خيرا قطفإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني بفتح أوله والتخفيف وفي رواية الكشميهني ثم اذرني بزيادة همزة مفتوحة في أوله فالاول بمعنى دعوني أي اتركوني والثاني من قوله اذرت الريح الشئ إذا فرقته بهبوبها وهو موافق لرواية أبي هريرة قوله في الريح تقدم ما في رواية حذيفة من الخلاف في هذه اللفظة وفي حديث أبي سعيد في يوم عاصف

[ 380 ]

أي عاصف ريحه وفي حديث معاذ عن شعبة عند مسلم في ريح عاصف ووقع في حديث موسى بن إسماعيل في أول الباب حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي وامتحشت وهو بضم المثناة وكسر المهملة بعدها شين معجمة أي وصل الحرق العظام والمحش إحراق النار الجلد قوله فوالله لان قدر الله على في رواية الكشميهني لان قدر علي ربي قال الخطابي قد يستشكل هذا فيقال كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى والجواب أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب وقد ظهر إيمانه بإعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله قال بن قتيبة قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك ورده بن الجوزي وقال جحده صفة القدرة كفر اتفاقا وإنما قيل إن معنى قوله لان قدر الله على أي ضيق وهي كقوله ومن قدر عليه رزقه أي ضيق وأما قوله لعلي أضل الله فمعناه لعلي أفوته يقال ضل الشئ إذا فات وذهب وهو كقوله لا يضل ربي لا ينسى ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلظ ذلك الآخر فقال أنت عبدوأنا ربك أو يكون قوله لان قدر علي بتشديد الدال أي قدر على أن يعذبني ليعذبني أو على أنه كان مثبتا للصانع وكان في زمن الفترة فلم تبلغه شرائط الايمان وأظهر الاقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول ولم يقله قاصدا لحقيقة معناه بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه وأبعد الاقوال قوله من قال إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر قوله فأمر الله الارض فقال اجمعي ما فيك منه ففعلت وفي حديث سلمان الفارسي عن أبي عوانة في صحيحه فقال الله له كن فكان كأسرع من طرفة العين وهذا جميعه كما قال بن عقيل أخبار عما سيقع له يوم القيامة وليس كما قال بعضهم إنه خاطب روحه فإن ذلك لا يناسب قوله فجمعه الله لان التحريق والتفريق إنما وقع على الجسد وهو الذي يجمع ويعاد عند البعث قوله وقال غيره خشيتك الغير المذكور هو عبد الرزاق كذا رواه عن معمر بلفظ خشيتك بدل مخافتك وأخرجه أحمد عن عبد الرزاق بهذا وقد وقع في حديث أبي سعد مخافتك وفي حديث حذيفة خشيتك قوله في آخر حديث أبي سعيد فتلقاه رحمته في رواية الكشميهني فتلافاه قال بن التين أما تلقاه بالقاف فواضح لكن المشهور تعديته بالباء وقد جاء هنا بغير تعدية وعلى هذا فالرحمة منصوبة على المفعولين ويحتمل أن يكون ذكر الرحمة وهي على هذا بالرفع قال وأما تلافاه بالفاء فلا أعرف له وجها إلا أن يكون أصله فتلففه أي غشاه فلما اجتم الثلاث فلت أبدلت الاخيرة ألفا مثل دساها كذا قال ولا يخفى تكلفه والذي يظهر أنه من الثلاثي والقول فيه كالقول في التلقي وقد وقع في حديث سلمان مما تلافاه عندهما ان غفر له الحديث التاسع والعشرون حديث أبي هريرة في الذي كان يداين الناس قد تقدم في البيوع الحديث الثلاثون حديث عبد الله وهو بن عمرو في التي ربطت الهرة ولم أقف على اسمها لكن تقدم أنها سوداء وأنها حميرية وأنها من بني إسرائيل وإنه لا تنافي بين ذلك ويقدم شرحه في أواخر بدء الخلق الحديث الحادي والثلاثون قوله عن أبي مسعود هذا هو المحفوظ ورواه إبراهيم بن سعد عن منصور عن عبد الملك فقال عن ربعي بن حراش عن حذيفة حكاه الدارقطني في العلل قال ورواه أبو مالك الاشجعي أيضا عن ربعي عن حذيفة قلت روايته عند أحمد وليس ببعيد أن يكون ربعي سمعه من أبي مسعود ومن حذيفة جميعا قوله إن

[ 381 ]

مما أدرك الناس من كلام النبوة الناس بالرفع في جميع الطرق ويجوز النصب أي مما بلغ الناس وقوله من كلام النبوة أي مما اتفق عليه الانبياء أي إنه مما ندب إليه الانبياء ولم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم لانه أمر أطبقت عليه العقول وزاد أبو داود وأحمد وغيرهما النبوة الاولى أي التي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم قوله فاصنع ما شئت هو أمر بمعنى الخبر أو هو للتهديد أي اصنع ما شئت فإن الله يجزيك أو معناه انظر إلى ما تريد أن تفعله فإن كان مما لا يستحي منه فافعله وأن كان مما يستحي منه فدعه أو المعنى إنك إذا لم تستح من الله من شئ يجب أن لا تستحي منه من أمر الدين فافعله ولا تبال بالخلق أو المراد الحث على الحياء والتنويه بفضله أي لما لم يجر صنع جميع ما شئت لم يجز ترك الاستحياء الحديث الثاني والثلاثون حديث بن عمر بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به سيأتي شرحه مستوفى في كتاب اللباس و عبد الله هو بن المبارك وقد رواه عن يونس أيضا عبد الله بن وهب أخرجه النسائي وأبو عوانة في صحيحه قوله تابعه عبد الرحمن بن خالد أي بن مسافر عن الزهري أي بهذا الاسناد وطريق عبد الرحمن هذه وصلها المؤلف في كتاب اللباس الحديث الثالث والثلاثون حديث أبي هريرة في فضل يوم الجمعة تقدم شرحه مستوفي في كتاب الجمعة الحديث الرابع والثلاثون حديث معاوية في النهي عن الوصل في الشعر وقد تقدم في هذا الباب من وجه آخر وتقدمت الاشارة إلى مكان شرحه قوله تابعه غندر عن شعبة وصله مسلم والنسائي من طريقه وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة عن غندر وهو محمد بن جعفر به خاتمة اشتمل كتاب أحاديث الانبياء وما بعده من ذكر بني إسرائيل من الاحاديث المرفوعة على مائتي حديث وتسعة أحاديث المكرر منها في وفي ما مضى مائة وسبعة وعشرون حديثا والخالص اثنان وثمانون حديثا المعلق منها ثلاثون طريقا وسائرها موصول وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عائشة الارواح جنود وحديث قال رجل رأيت السد وهذان معلقان وحديث أبي هريرة يلقي إبراهيم أباه وحديث بن عباس في قصة زمزم وبناء البيت بطوله وحديثه في تعويذ الحسن والحسين وحديث سبرة بن معبد وحديث أبي الشموس وحديث أبي ذر وهذه الثلاثة معلقات وحديث أم رومان في قصة الافك وحديث أبي هريرة إنما سمي الخضر وحديث بن مسعود في يونس عليه السلام وحديث أبي هريرة خفف على داود القرآن وحديث عمر لا تطروني وحديث عائشة في كراهية الاتكاء على الخاصرة وحديث عبد الله بن عمرو بلغوا عني وحديث أبي هريرة إن اليهود لا يصبغون وحديث عائشة في الطاعون وحديث أبي مسعود في الحياة وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ستة وثمانون أثرا والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم قوله بسم الله الرحمن الرحيم باب المناقب كذا في الاصول التي وقفت عليها من كتاب البخاري وذكر صاحب الاطراف وكذا في بعض الشروح أنه قال كتاب المناقب فعلى الاول هو من جملة كتا ب أحاديث الانبياء وعلى الثاني هو كتاب مستقل والاول أولى فإنه يظهر من تصرفه أنه قصد به سياق الترجمة النبوية بأن يجمع فيه أمور النبي صلى الله عليه وسلم من المبدأ إلى المنتهى فبدأ بمقدمتها من ذكر ما يتعلق بالنسب الشريف فذكر أشياء تتعلق بالانساب ومن ثم ذكر أمورا تتعلق بالقبائل ثم النهي عن دعوى الجاهلية لان معظم فخرهم كان بالانساب ثم ذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله ومعجزاته واستطرد منها لفضائل أصحابه ثم

[ 382 ]

أتبعها بأحواله قبل الهجرة وما جرى له بمكة فذكر المبعث ثم إسلام الصحابة وهجرة الحبشة والمعراج ووفود الانصار والهجرة إلى المدينة ثم ساق المغازي على ترتيبها عنده ثم الوفاة فهذا أخر هذا الباب وهو من جملة تراجم الانبياء وختمها بخاتم الانبياء صلى الله عليه وسلم قوله وقول الله عزوجل يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى الآية يشير إلى ما تضمنته هذه الآية من أن المناقب عند الله إنما هي بالتقوى بأن يعمل بطاعته ويكف عن معصيته وقد ورد في الحديث ما يوضح ذلك ففي صحيحي بن خزيمة وابن حبان وتفسير بن مردويه من رواية عبد الله بن دينار عن بن عمر قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فقال أما بعد يا أيها الناس فإن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرهم يا أيها الناس الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم تلا يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ورجاله ثقات إلا أن بن مردويه ذكر أن محمد بن المقري راوية عن عبد الله بن رجاء عن موسى بن عقبة وهم في قوله موسى بن عقبة وإنما هو موسى بن عبيدة وابن عقبة ثقة وابن عبيدة ضعيف وهو معروف برواية موسى بن عبيدة كذلك أخرجه بن أبي حاتم وغيره وروى أحمد والحارث وابن أبي حاتم من طريق أبي نضرة حدثني من شهد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وهو على بعير يقول يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لاسود على أحمر إلا بالتقوى خيركم عند الله أتقاكم قوله لتعارفوا أي ليعرف بعضكم بعضا بالنسب يقول فلان بن فلان وفلان بن فلان أخرجه الطبري عن مجاهد قوله وقوله تعالى واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام قال بن عباس أي اتقوا الارحام وصلوها أخرجه بن أبي حاتم عنه والارحام جمع رحم وذووا الرحم الاقارب يطلق على كل من يجمع بينه وبين الآخر نسب والقراءة المشهورة والارحام نصبا وعليها جاء التفسير وقرأ حمزة والارحام بالجر واختلف في توجيهه فقبل معطوف على الضمير المجرور في به من غير إعادة الجار وهو جائز عند جمع ومنعه البصريون وقرأها بن مسعود فيما قيل بالرفع فإن ثبت فهو مبتدأ والخبر محذوف تقديره مما يتقي أو مما يسأل به والمراد بذكر هذه الآية الاشارة إلى الاحتياج إلى معرفة النسب أيضا لانه يعرف به ذوو الارحام المأمور بصلتهم وذكر بن حزم في مقدمة كتاب النسب له فصلا في الرد على من زعم أن علم النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر بأن في علم النسب ما هو فرض على كل أحد وما هو فرض على الكفاية وما هو مستحب قال فمن ذلك أن يعلم ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بن عبد الله الهاشمي فمن زعم أنه لم يكن هاشميا فهو كافر وأن يعلم أن الخليفة من قريش وأن يعرف من يلقاه بنسب في رحم محرمة ليجتنب تزويج ما يحرم عليه متهم وأن يعرف من يتصل به ممن يرثه أو يجب عليه بره من صلة أو نفقة أو معاونة وأن يعرف أمهات المؤمنين وأن نكاحهن حرام على المؤمنين وأن يعرف الصحابة وأن حبهم مطلوب وأن يعرف الانصار ليحسن إليهم لثبوت الوصية بذلك ولان حبهم إيمان وبغضهم نفاق قال ومن الفقهاء من يفرق في الجزية وفي الاسترقاق بين العرب والعجم فحاجته إلى علم النسب آكد وكذا من يفرق بين نصارى بني تغلب وغيرهم في الجزية وتضعيف الصدقة قال وما فرض عمر رضي الله عنه الديوان إلا على القبائل ولولا علم النسب ما تخلص له ذلك وقد تبعه على ذلك عثمان وعلي وغيرهما وقال بن عبد البر في أول كتابه النسب ولعمري لم ينصف من زعم أن علم النسب علم

[ 383 ]

لا ينفع وجهل لا يضر انتهى وهذا الكلام قد روى مرفوعا ولا يثبت وروى عن عمر أيضا ولا يثبت بل ورد في المرفوع حديث تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وله طرق أقواها ما أخرجه الطبراني من حديث العلاء بن خارجة وجاء هذا أيضا عن عمر ساقه بن حزم بإسناد رجاله موثوقون إلا أن فيه انقطاعا والذي يظهر حمل ما ورد من ذمة على التعمق فيه حتى يشتغل عما هو أهم منه وحمل ما ورد في استحسانه على ما تقدم من الوجوه التي أوردها بن حزم ولا يخفى أن بعض ذلك لا يختص بعلم النسب والله المستعان قوله وما ينهى عن دعوى الجاهلية سيأتي الكلام عليه بعد أبواب قلائل قوله الشعوب النسب البعيد والقبائل دون ذلك هو قول مجاهد أخرجه الطبري عنه وذكر أبو عبيدة مثال الشعب مضر وربيعة ومثال القبيلة من دون ذلك وأنشد لعمرو بن أحمر من شعب همدان أو سعد العشيرة أو خولان أو مذحج هاجوا له طربا قوله حدثنا أبو بكر هو بن عياش الكوفي وكذا سائر الاسناد وأبو حصين بفتح أوله هو عثمان بن عاصم قوله الشعوب القبائل العظام والقبائل البطون أي أن المراد بلفظ القبائل في القرآن ما هو في اصطلاح أهل النسب البطون وقد روى الطبري هذا الحديث عن خلاد بن أسلم وأبي كريب كلاهما عن أبي بكر بن عياش بهذا الاسناد لكن قال في المتن الشعوب الجماع أي الذي يجمع متفرقات البطون قال خلاد قال أبو بكر القبائل مثل بني تميم ودونها الافخاذ انتهى وقد قسمها الزبير بن بكار في كتاب النسب إلى شعب ثم قبيلة ثم عمارة بكسر العين ثم بطن ثم فخذ فصيلة وزاد غيره قبل الشعب الجذم وبعد الفصيلة العشيرة ومنهم من زاد بعد العشيرة الاسرة ثم العترة فمثال الجذم عدنان ومثال الشعب مضر ومثال القبيلة كنانة وقتال العمارة قريش وأمثلة ما دون ذلك لا تخفي ويقع في عباراتهم أشياء مرادفة لما تقدم كقولهم حي وبيت وعقيلة وأرومة وجرثومة ورهط وغير ذلك ورتبها محمد بن أسعد النسابة المعروف بالحراني جميعها واردفها فقال جذم ثم جمهور ثم شعب ثم قبيلة ثم عمارة ثم بطن ثم فخذ ثم عشيرة ثم فصيلة ثم رهط ثم أسرة ثم عترة ثم ذرية وزاد غيره في أثنائها ثلاثة وهي بيت وحي وجماعة فزادت على ما ذكر الزبير عشرة وقال أبو إسحاق الزجاج القبائل للعرب كالاسباط لبني إسرائيل ومعنى القبيلة الجماعة ويقال لكل ما جمع على شئ واحد قبيلة أخذا من قبائل الشجرة وهو غصونها أو من قبائل الرأس وهو أعضاؤها سميت بذلك لاجتماعها ويقال المراد بالشعوب في الآية بطون العجم وبالقبائل بطون العرب ثم ذكر المصنف في الباب سبعة أحاديث الاول حديث أبي هريرة قيل يا رسول الله من أكرم الناس قال أتقاهم الحديث أورده مختصرا وقد مضى في قصة يوسف والغرض منه واضح وإنما أطلق على يوسف أكرم الناس لكونه رابع نبي في نسق ولم يقع ذلك لغيره فإنه اجتمع له الشرف في نسبه من وجهين الحديث الثاني قوله حدثنا عبد الواحد هو بن زياد قوله حدثنا كليب بن وائل هذا هو المحفوظ ورواه عفان عن عبد الواحد فقال عن عاصم بن كليب أخرجه الاسماعيلي وهو خطأ من عفان وكليب بن وائل تابعي وسط كوفي أصله من المدينة وهو ثقة عند الجميع إلا أن أبا زرعة ضعفه بغير قادح وليس له في البخاري سوى هذا الحديث قوله حدثتني ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم هي بنت أم سلمة زوج النبي صلى الله

[ 384 ]

عليه وسلم قوله قالت ممن كان إلا من مضر في رواية الكشميهني فمن كان بزيادة فاء في الجواب وهو استفهام إنكار أي لم يكن إلا من مضر قوله مضر هو بن نزار بن معد بن عدنان والنسب ما بين عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم مختلف فيه كما سيأتي وأما من النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدنان فمتفق عليه وقال بن سعد في الطبقات حدثنا هشام بن الكلبي قال علمني أبي وأنا غلام نسب النبي صلى الله عليه وسلم فقال محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وهو شيبة الحمد بن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف واسمه المغيرة بن قصي واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر وإليه جماع قريش وما كان فوق فهر فليس بقرشي بل هو كناني بن مالك بن النضر واسمه قيس بن كنانة بن خزيمة بن مدركة واسمه عمرو بن إلياس بن مضر وروى الطبراني بإسناد جيد عن عائشة قالت استقام نسب الناس إلى معد بن عدنان ومضر بضم الميم وفتح المعجمة يقال سمي بذلك لانه كان مولعا بشرب اللبن الماضر وهو الحامض وفيه نظر لانه يستدعي أنه كان له اسم غيره قبل أن يتصف بهذه الصفة نعم يمكن أن يكون هذا اشتقاقه ولا يلزم أن يكون متصفا به حالة التسمية وهو أول من حدا الابل وروى بن حبيب في تاريخه عن بن عباس قال مات عدنان وأبوه وابنه معد وربيعة ومضر وقيس وتميم وأسد وضبة على الاسلام على ملة إبراهيم وروى الزبير بن بكار من وجه آخر عن بن عباس لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولابن سعد من مرسل عبد الله بن خالد رفعه لا تسبوا مضر فإنه كان قد أسلم قوله من بني النضر بن كنانة أي المذكور وروى أحمد وابن سعد من حديث الاشعث بن قيس الكندي قال قلت يا رسول الله إنا نزعم أنكم منا يعني من اليمن فقال نحن بنو النضر بن كنانة وروى بن سعد من حديث عمرو بن العاص بإسناد فيه ضعف مرفوعا أنا محمد بن عبد الله وانتسب حتى بلغ النضر بن كنانة قال فمن قال غير ذلك فقد كذب انتهى وإلى النصر تنتهي أنساب قريش وسيأتي بيان ذلك في الباب الذي يليه وإلى كنانة تنتهي أنساب أهل الحجاز وقد روى مسلم من حديث واثلة مرفوعا أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ولابن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر ثم اختار بني هاشم من قريش ثم أختار بني عبد المطلب من بني هاشم قوله حدثنا موسى هو بن إسماعيل التبوذكي قوله وأظنها زينب كأن قائله موسى لان قيس بن حفص في الرواية التي قبلها قد جزم بأنها زينب وشيخهما واحد لكن أخرجه الاسماعيلي من رواية حبان بن هلال عن عبد الواحد وقال لا أعلمها إلا زينب فكأن الشك فيه من شيخهم عبد الواحد كان يجزم بها نارة ويشك فيها أخرى قوله نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدباء بضم المهملة وتشديد الموحدة سيأتي شرحه في كتاب الاشربة وأورده هنا لكونه سمع الحديث على هذه الصورة وهذا هو المرفوع منه فلم يرحذفه من السياق على أنه لم يطرد له في ذلك عمل فإنه تارة يأتي بالحديث على وجهه كما صنع هنا وتارة يقتصر على موضع حاجته منه كما تقدم في عدة مواطن قوله والمقير والمزفت كذا وقع هنا بالميم والقاف المفتوحة قال أبو ذر هو خطأ والصواب النقير يعني بالنون وكسر القاف وهو واضح لئلا يلزم منه التكرار إذا ذكر المزفت الحديث الثالث يشتمل على ثلاثة أحاديث أولها قوله حدثني إسحاق بن إبراهيم هو بن راهويه قوله تجدون الناس معادن أي أصولا مختلفة والمعادن

[ 385 ]

جمع معدن وهو الشئ المستقر في الارض فتارة يكون نفيسا وتارة يكون خسيسا وكذلك الناس قوله خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام وجه التشبيه أن المعدن لما كان إذا استخرج ظهر ما اختفى منه ولا تتغير صفته فكذلك صفة الشرف لا تتغير في ذاتها بل من كان شريفا في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس فإن أسلم استمر شرفه وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية وأما قوله إذا فقهوا ففيه إشارة إلى أن الشرف الاسلامي لا يتم إلا بالتفقه في الدين وعلى هذا فتنقسم الناس أربعة أقسام مع ما يقابلها الاول شريف في الجاهلية أسلم وتفقه ويقابله مشروف في الجاهلية لم يسلم ولم يتفقه الثاني شريف في الجاهلية أسلم ولم يتفقه ويقابله مشروف في الجاهلية لم يسلم وتفقه الثالث شريف في الجاهلية لم يسلم ولم يتفقه ويقابله مشروف في الجاهلية أسلم ثم تفقه الرابع شريف في الجاهلية لم يسلم وتفقه ويقابله مشروف في الجاهلية أسلم ولم يتفقه فأرفع الاقسام من شرف في الجاهلية ثم أسلم وتفقه ويليه من كان مشروفا ثم أسلم وتفقه ويليه من كان شريفا في الجاهلية ثم أسلم ولم يتفقه ويليه من كان مشروفا ثم أسلم ولم يتفقه وأما من لم يسلم فلا اعتبار به سواء كان شريفا أو مشروفا سواء تفقه أو لم يتفقه والله أعلم والمراد بالخيار والشرف وغير ذلك من كان متصفا بمحاسن الاخلاق كالكرم والعفة والحلم وغيرها متوقيا لمساويها كالبخل والفجور والظلم وغيرها قوله إذا فقهوا بضم القاف ويجوز كسرها ثانيها قوله ويجدون خير الناس في هذا الشأن أي الولاية والامرة وقوله أشدهم له كراهية أي أن الدخول في عهدة الامرة مكروه من جهة تحمل المشقة فيه وإنما تشتد الكراهة له ممن يتصف بالعقل والدين لما فيه من صعوبة العمل بالعدل وحمل الناس على رفع الظلم ولما يترتب عليه من مطالبة الله تعالى للقائم به من حقوقه وحقوق عباده ولا يخفى خيرية من خاف مقام ربه وأما قوله في الطريق التي بعد هذه وتجدون من خير الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه فإنه قيد الاطلاق في الرواية الاولى وعرف أن من فيه مراده وأن من اتصف بذلك لا يكون خير الناس على الاطلاق وأما قوله حتى يقع فيه فاختلف في مفهومه فقيل معناه أن من لم يكن حريصا على الامرة غير راغب فيها إذا حصلت له بغير سؤال تزول عنه الكراهة فيها لما يرى من إعانة الله له عليها فيأمن على دينه ممن كان يخاف عليه منها قبل أن يقع فيها ومن ثم أحب من أحب استمرار الولاية من السلف الصالح حتى قاتل عليها وصرح بعض من عزل منهم بأنه لم تسره الولاية بل ساءه العزوقيل المراد بقوله حتى يقع فيه أي فإذا وقع فيه لا يجوز له أن يكرهه وقيل معنا أن العادة جرت بذلك وأن من حرص على الشئ ورغب في طلبه قل أن يحصل له ومن أعرض عن الشئ وقلت رغبته فيه يحصل له غالبا والله أعلم ثالثها قوله وتجدون شر الناس ذا الوجهين سيأتي شرحه في كتاب الادب فقد أورده من وجه آخر مستقلا الحديث الرابع يشتمل على ثلاثة أحاديث اثنين في الذي قبله وثالثها قوله الناس تبع لقريش قيل هو خبر بمعنى الامر ويدل عليه قوله في رواية أخرى قدموا قريشا ولا تقدموها أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح لكنه مرسل وله شواهد وقيل هو خبر على ظاهره والمراد بالناس بعض الناس وهم سائر العرب من غير قريش وقد جمعت في ذلك تأليفا سميته لذة العيش بطرق الائمة من قريش وسأذكر مقاصده في كتاب الاحكام مع إيضاح هذه المسألة قال عياض استدل الشافعية

[ 386 ]

بهذا الحديث على إمامة الشافعي وتقديمه على غيره ولا حجة فيه تدن المراد به هنا الحلفاء وقال القرطبي صحبت المستدل بهذا غفلة مقارنة لصميم التقليد وتعقب بأن مراد المستدل أن القرشية من أسباب الفضل والتقدم كما أن من أسباب التقدم الورع مثلا فالمستويان في خصال الفضل إذا تميز أحدهما بالورع مثلا كان مقدما على رفيقه فكذلك القرشية فثبت الاستدلال بها على تقدم الشافعي ومزيته على من ساواه في العلم والدين لمشاركته له في الصفتين وتميزه عليه بالقرشية وهذا واضح ولعل الغفلة والعصبية صحبت القرطبي فلله الامر وقوله كافرهم تبع لكافرهم وقع مصداق ذلك لان العرب كانت تعظم قريشا في الجاهلية بسكناها الحرم فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ودعا إلى الله توقف غالب العرب عن أتباعه وقالوا ننظر ما يصنع قومه فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة وأسلمت قريش تبعتهم العرب ودخلوا في دين الله أفواجا واستمرت خلافة النبوة في قريش فصدق أن كافرهم كان تبعا لكافرهم وصار مسلمهم تبعا لمسلمهم الحديث الخامس قوله حدثني عبد الملك هو بن ميسرة وقع منسوبا في تفسير حم عسق ويأتي شرحه مستوفي هناك ودخوله في هذه الترجمة واضح من جهة تفسير المودة المطلوبة في الآية بصلة الرحم التي بينه وبين قريش وهم الذين خوطبوا بذلك وذلك يستدعي معرفة النسب التي تحقق بها صلة الرحم قال عكرمة كانت قريش تصل الارحام في الجاهلية فلما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله خالفوه وقاطعوه فأمرهم بصلة الرحم التي بينه وبينهم وسيأتي بيان الاختلاف في المراد بقوله المودة في القربى في التفسير وقوله هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش الا وله فيه قرابة فنزلت فيه إلا أن تصلوا قرابة بيني وبينكم كذا وقع هنا من رواية يحيى وهو القطان عن شعبة ووقع في التفسير من رواية محمد بن جعفر وهو غندر عن شعبة بلفظ الا كان له فيهم قرابة فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة وهذه الرواية واضحة والاولى مشكلة لانها توهم أن المذكور بعد قوله فنزلت من القرآن وليس كذلك وقد مشى بعض الشراح على ظاهره فقال كان هذا قرآنا فنسخ وقال غيره يحتمل أن هذا الكلام معنى الآية فنسب إلى النزول مجازا وهو كقول حسان في قصيدته المشهورة وقال الله قد أرسلت عبدا يقول الحق ليس به خفاء يريد أنه من قول الله بالمعنى قلت والذي يظهر لي أن الضمير في قوله فنزلت للآية المسئول عنها وهي قوله قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى وقوله إلا أن تصلوا كلام بن عباس تفسير لقوله تعالى الا المودة في والقربى وقد أوضحت ذلك رواية الاسماعيلي من طريق معاذ بن معاذ عن شعبة فقال في روايته فقال بن عباس إنه لم يكن بطن من بطون قريش الا للنبي صلى الله عليه وسلم فيه قرابة فنزلت قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تصلوا قرابتي منكم وله من طريق يزيد بن زريع عن شعبة مثله لكن قال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة فعرف بهذا أن المراد ذكر بعض الآية بالمعنى على جهة التفسير وسبب ذلك خفاء معناها على سعيد بن جبير وسيأتي ذكر ما يتعلق بذلك في التفسير إن شاء الله تعالى الحديث السادس قوله عن إسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم قوله يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم هذا صريح في رفعه وليس صريحا في أن الصحابي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قوله من ههنا أي المشرق قوله جاءت الفتن ذكره بلفظ الماضي مبالغة وفي تحقق وقوعه وإن كان المراد أن ذلك سيجئ قوله نحو المشرق أي وأشار إلى

[ 387 ]

جهة المشرق وقد تقدم في بدء الخلق من وجه آخر عن إسماعيل حدثني قيس عن عقبة بن عمرو أبي مسعود قال إشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وقوله والجفاء وغلظ القلوب قال القرطبي هما شيئان لمسمى واحد كقوله انما أشكو بثي وحزني إلى الله والبث هو الحزن ويحتمل أن يقال المراد بالجفاء أن القلب لا يلين بالموعظة ولا يخشع لتذكره والمراد بالغلظ أنها لا تفهم المراد ولا تعقل المعنى وقد مضى في الرواية التي في بدء الخلق بلفظ القسوة بدل الجفاء قوله في الفدادين تقدم شرحه في بدء الخلق قال الكرماني مناسبة هذا الحديث والذي بعده للترجمة من ضرورة أن الناس باعتبار الصفات كالقبائل وكون الاتقى منهم هو الاكرم انتهى ولقد أبعد النجعة والذي يظهر أنها من جهة ذكر ربيعة ومضر لان معظم العرب يرجع نسبه إلى هذين الاصلين وهم كانوا أجل أهل المشرق وقريش الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم أحد فروع مضر فأما أهل اليمن فتعرض لهم في الحديث الذي بعده وسيأتي لهم ترجمة من نسب العرب كلهم إلى إسماعيل الحديث السابع قوله في حديث أبي هريرة والايمان يمان والحكمة يمانية ظاهره نسبة الايمان إلى اليمن لان أصل يمان يمني فحذفت ياء النسب وعوض بالالف بدلها وقوله يمانية هو بالتخفيف وحكى بن السيد في الاقتضاب أن التشديد لغة وحكى الجوهري وغيره أيضا عن سيبويه جواز التشديد في يماني وأنشد يمانيا يظل يشد كيرا وينفخ دائما لهب الشواظ واختلف في المراد به فقيل معناه نسبة الايما إلى مكة لان مبدأه منها ومكة يمانية بالنسبة إلى المدينة وقيل المراد نسبة الايمان إلى مكة والمدينة وهما يمانيتان بالنسبة للشام بناء على أن هذه المقالة صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم وهو حينئذ بتبوك ويؤيده قوله في حديث جابر عند مسلم والايمان في أهل الحجاز وقيل المراد بذلك الانصار لان أصلهم من اليمن ونسب الايمان إليهم لانهم كانوا الاصل في نصر الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حكى جميع ذلك أبو عبيدة في غريب الحديث له وتعقبه بن الصلاح بأنه لا مانع من إجراء الكلام على ظاهره وأن المراد تفضيل أهل اليمن على غيرهم من أهل المشرق والسبب في ذلك إذعانهم إلى الايمان من غير كبير مشقة على المسلمين بخلاف أهل المشرق وغيرهم ومن اتصف بشئ وقوى قيامه به نسب إليه إشعارا بكمال حاله فيه ولا يلزم من ذلك نفى الايمان عن غيرهم وفي ألفاظه أيضا ما يقتضي أنه أراد به أقواما بأعيانهم فأشار إلى من جاء منهم لا إلى بلد معين لقوله في بعض طرقه في الصحيح أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا وأرق أفئدة الايمان يمان والحكمة يمانية ورأس الكفر قبل المشرق ولامانع من إجراء الكلام على ظاهره وحمل أهل اليمن على حقيقته ثم المراد بذلك الموجود منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان فإن اللفظ لا يقتضيه قال والمراد بالفقه الفهم في الدين والمراد بالحكمة العلم المشتمل على المعرفة بالله أنتهي وقد أبعد الحكيم الترمذي حيث زعم أن المراد بذلك شخص خاص وهو أويس القرني وسيأتي في باب ذكر قحطان زيادة في هذا والله أعلم قوله قال أبو عبد الله هو المصنف قوله سميت اليمن لانها عن يمين الكعبة هو قول أبي عبيدة قاله في تفسير الواقعة وروى عن قطرب قال إنما سمي اليمن يمنا ليمنه والشام شأما لشؤمه وقال الهمداني في الانساب لما ظعنت العرب العاربة أقبل بنو قطن بن عامر فتيامنوا فقالت العرب تيامنت بنو قطن فسموا اليمن

[ 388 ]

وتشاءم الآخرون فسموا شاما وقيل إن الناس لما تفرقت ألسنتهم حين تبلبلت ببابل أخذ بعضهم عن يمين الكعبة فسموا يمنا وأخذ بعضهم عن شمالها فسموا شأما وقيل إنما سميت اليمن بيمن بن قحطان وسميت الشام بسام بن نوح وأصله شام بالمعجمة ثم عرب المهملة قوله والمشأمة الميسرة الخ يريد أنهما بمعنى قال أبو عبيدة في تفسير قوله تعالى وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة أي أصحاب الميسرة ويقال لليد اليسرى الشؤمي قال ويقال للجانب الايسر الاشأم انتهى ويقال المراد بأصحاب المشأمة أصحاب النار لانهم يمر بهم إليها وهي على ناحية الشمال ويقال لهم ذلك لانهم يتناولون كتبهم بالشمال والله تعالى أعلم قوله باب مناقب قريش هم ولد النضر بن كنانة وبذلك جزم أبو عبيدة أخرجه بن سعد عن أبي بكر بن الجهم وروى عن هشام بن الكلبي عن أبيه كان سكان مكة يزعمون أنهم قريش دون سائر بني النضر حتى رحلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه من قريش قال ومن ولد النضر بن كنانة وقيل إن قريشا هم ولد فهر بن مالك بن النضر وهذا قول الاكثر وبه جزم مصعب قال ومن لم يلده فهر فليس قرشيا وقد قدمت مثله عن بن الكلبي وقيل أول من نسب إلى قريش قصي بن كلاب فروى بن سعد أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير متى سميت قريش قريشا قال حين اجتمعت إلى الحرم بعد تفرقها فقال ما سمعت بهذا ولكن سمعت أن قصيا كان يقال له القرشي ولم يسم أحد قريشا قبله وروى بن سعد من طريق المقداد لما فرغ قصي من نفى خزاعة من الحرم تجمعت إليه قريش فسميت يومئذ قريشا لحال تجمعها والتقرش التجمع وقيل لتلبسهم بالتجارة وقيل لان الجد الاعلى جاء في ثوب واحد متجمعا فيه فسمى قريشا وقيل من التقرش وهو أخذ الشئ أولا فأولا وقد أكثر بن دحية من نقل الخلاف في سبب تسمية قريش قريشا ومن أول من تسمى به وحكى الزبير بن بكار عن عمه مصعب أن أول من تسمى قريشا قريش بن بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة وكان دليل بني كمنانة في حروبهم فكان يقال قدمت عير قريش فسميت قريش به قريشا وأبوه صاحب بدر الموضع المعروف وقال المطرزي سميت قريش بدابة في البحث هي سيدة الدواب البحرية وكذلك قريش سادة الناس قال الشاعر وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تترك فيه لذي جناحيه ريشا هكذا في البلاد حي قريش يأكلون البلاد أكلا كميشا ولهم آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا وقال صاحب المحكم قريش دابة في البحر لا تدع دابة في البحر إلا أكلتها فجميع الدواب تخافها وأنشد البيت الاول قلت والذي سمعته من أفواأهل البحر القرش بكسر القاف وسكون الراء لكن البيت المذكور شاهد صحيح فلعلمن تغيير العامة فإن البيت الاخير من الابيات المذكورة يدل على أنه من شعر الجاهلية ثم ظهر لي أنه مصغر القرش الذي بكسر القاف وقد أخرج البيهقي من طريق بن عباس قال قريش تصغير قرش وهي دابة في البحر لا تمر بشئ من غث ولا سمين إلا أكلته وقيل سمي قريشا لانه كان بقرش عن خلة الناس وحاجتهم ويسدها والتقريش هو التفتيش وقيل سموا بذلك لمعرفتهم بالطعان والتقريش وقع الاسنة وقيل التقرش التنزه عن رذائل الامور وقيل هو من أقرشت الشجة إذا صدعت العظم ولم تهشمه وقيل أقرش بكذا إذا سعى فيه فوقع له وقيل

[ 389 ]

غير ذلك ثم ذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث الاول عزوجل قوله كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث سيأتي في الاحكام الرد على من زعم أن الزهري لم يسمعه من المذكور وأذكر إن شاء الله شرح هذه المسألة هناك قوله من قحطان هو جماع اليمن وفي إنكار معاوية ذلك نظر لان الحديث الذي استدل به مقيد بإقامة الدين فيحتمل أن يكون خروج القحطاني إذا لم تقم قريش أمر الدين وقد وجد ذلك فإن الخلافة لم تزل في قريش والناس في طاعتهم إلى أن استخفوا بأمر الدين فضعف أمرهم وتلاشى إلى أن لم يبق لهم من الخلافة سوى اسمها المجرد في بعض الاقطار دون أكثرها وسيأتي مصداق قول عبد الله بن عمرو بعد قليل من حديث أبي هريرة وقول عبد الله بن عمرو يكون ملك من قحطان بين نعيم بن حماد في كتاب الفتن من وجه قوي عن عمرو بن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو أنه ذكر الخلفاء ثم قال ورجل من قحطان وأخرجه بإسناد جيد عن عمرو بن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو أنه ذكر الخلفاء ثم قال ورجل من قحطان وأخرجه بإسناد جيد أيضا من حديث بن عباس قال فيه ورجل من قحطان كلهم صالح وروى أحمد والطبراني من حديث ذي مخمر الحبشي مرفوعا كان الملك قبل قريش في حمير وسيعود إليهم وقال بن التين إنكار معاوية على عبد الله بن عمر لانه حمله على ظاهره وقد يخرج القحطاني في ناحية لا أن حكمه يشمل الاقطار وهذا الذي قاله بعيد من ظاهر الخبر الحديث الثاني قوله إنما بنوا هاشم وبنوا المطلب شئ واحد هي رواية الاكثر ووقع للحموى سى واحد بكسر المهملة وتشديد التحتانية وحكى بن التين أن أكثر الروايات بالمعجمة وأن فيها أحد بدل واحد واستشكله بأن لفظ أحد إنما يستعمل في النفي تقول ما جاءني أحد وأما في الاثبات فتقول جاءني واحد الحديث الخامس قوله وقال الليث حدثني أبو الأسود محمد أي بن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير قال ذهب عبد الله بن الزبير مع أناس من بني زهرة إلى عائشة وكانت أرق شئ عليهم لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا طرف من الحديث الذي أورده موصولا بعده عن عبد الله بن يوسف عن الليث وفيه بيان السبب في ذلك ولم أره في جميع النسخ إلا هكذا معلقا وقرابة بني زهرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهين أحدهما أنهم أقارب أمه لانها آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة والثاني أنهم إخوة قصي بن كلاب بن مرة وهو جد والدجد النبي صلى الله عليه وسلم والمشهور عند جميع أهل النسب أن زهرة اسم الرجل وشذ بن قتيبة فزعم أنه اسم امرأته وأن ولدها غلب عليهم النسب إليها وهو مردود بقول إمام أهل النسب هشام بن الكلبي أن اسم زهرة المغيرة فإن ثبت قول بن قتيبة فالمغيرة اسم الاب وزهرة اسم امرأته فنسب أولادهما إلى أمهم ثم غلب ذلك حتى ظن أن زهرة اسم الاب فقيل زهرة بن كلاب وزهرة بضم الزاي بلا خلاف قوله حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان هو الثوري عن سعد بن إبراهيم أي بن عبد الرحمن بن عوف ح قال يعقوب بن إبراهيم أي بن سعد بن إبراهيم حدثنا أبي عن أبيه أما طريق أبي نعيم فسيأتي بهذا المتن بعد ثلاثة أبواب مع شرح الحديث وأما طريق يعقوب بن إبراهيم فقال أبو مسعود حمل البخاري متن حديث يعقوب على متن حديث الثوري ويعقوب إنما قال عن أبيه عن صالح بن كيسان عن الاعرج كما أخرجه

[ 390 ]

مسلم ولفظه غفار وأسلم ومزينة ومن كان من جهينة خير عند الله من أسد وغطفان وطئ انتهى فحاصله أن رواية يعقوب مخالفة لرواية الثوري في المتن والاسناد لان الثوري يرويه عن سعد بن إبراهيم عن الاعرج ويعقوب يرويه عن أبيه عن صالح عن الاعرج قلت ولم يصب أبو مسعود فيما جزم به فإنهما حديثان متغايران متنا وإسنادا روى كلا منهما إبراهيم بن سعد أحدهما الذي أخرجه مسلم وهو عنده عن صالح عن الاعرج والآخر الذي علقه البخاري وهو عنده عن أبيه عن الاعرج ولو كان كما قال أبو مسعود لاقتضى أن البخاري أخطأ في قوله حدثنا أبي عن أبيه حدثني الاعرج وكان الصواب أن يقول حدثنا أبي عن صالح عن الاعرج ونسبه البخاري إلى الوهم في ذلك لا تقبل إلا ببيان واضح قاطع ومن أين يوجد وقد ضاق مخرجه على الاسماعيلي فأخرجه من طريق البخاري نفسه معلقا ولم يتعقبه ولا يلزم من عدم وجود هذا المتن بهذا الاسناد بعد التتبع عدمه في نفس الامر والله أعلم الحديث الثالث حديث بن عمر لا يزال هذا الامر في قريش ما بقي منهم اثنان قال الكرماني ليست الحكومة في زمننا لقريش فكيف يطابق الحديث وأجاب عن ذلك بأن في بلاد الغرب خليفة من قريش وكذا في مصر وتعقب بأن الذي في الغرب هو الحفصي صاحب تونس وغيرها وهو منسوب إلى أبي حفص رقيق عبد المؤمن صاحب بن تومرت الذي كان على رأس المائة السادسة ادعى أنه المهدي ثم غلب أتباعه على معظم الغرب وسموا بالخلافة وهم عبد المؤمن وذريته ثم انتقل ذلك إلى ذرية أبي حفص ولم يكن عبد المؤمن من قريش وقد تسمى بالخلافة هو وأهل بيته وأما أبو حفص فلم يكن يدعي أنه من قريش في زمانه وإنما ادعاه بعض ولده لما غلبوا على الامر فزعموا أنهم من ذرية أبي حفص عمر بن الخطاب وليس بيدهم الآن إلا المغرب الادنى وأما الاقصى فمع بني الاحمر وهم منسوبون إلى الانصار وأما الاوسط فمع بني مرين وهم من البربر وأما قوله فخليفة من مصر فصحيح ولكنه لا حل بيده ولا ربط وإنما له من الخلافة الاسم فقط وحينئذ هو خبر بمعنى الامر وإلا فقد خرج هذا الامر عن قريش في أكثر البلاد ويحتمل حمله على ظاهره وإن المتغلبين على النظر في أمر الرعية في معظم الاقطار وإن كانوا من غير قريش لكنهم معترفون أن الخلافة في قريش ويكون المراد بالامر مجرد التسمية بالخلافة لا الاستقلال بالحكم والاول أظهر والله أعلم الحديث الرابع حديث جبير بن مطعم في السؤال عن بني نوفل وعبد شمس تقدم شرحه في كتاب الخمس قوله كان عبد الله بن الزبير أحب البشر إلى عائشة هو بن أختها أسماء بنت أبي بكر وكانت قد تولت تربيته حتى كانت تكنى به قوله وكانت لا تمسك شيئا أي لا تدخر شيئا مما يأتيها من المال ينبغي كأن يؤخذ على يديها أي يحجر عليها وصرح بذلك في حديث المسور بن مخرمة كما سيأتي بأوضح من هذا السياق لهذه القصة في كتاب الادب وسأذكر شرحه هناك إن شاء الله تعالى قوله وقالت وددت أني جعلت حين حلفت عملا أعمله فأفرغ منه استدل به على انعقاد المنذر المجهول وهو قول المالكية لكنهم يجعلون فيه كفارة يمين وظاهر قول عائشة وصنيعها أن ذلك لا يكفي وأنه يحمل على أكثر ما يمكن أن ينذر ويحتمل أن تكون فعلت ذلك تورعا لتيقن براءة الذمة وأبعد من قال تمنت أن يدوم لها العمل الذي عملته للكفارة أي تصير تعتق دائما وكذا من قال تمنت أنها بادرت إلى الكفارة حين حلفت ولم تكن هجرت عبد الله بن الزبير تلك المدة ووجه بعد الاول أنه لم يكن في السياق ما يقتضى منعها من العتق

[ 391 ]

فكيف تتمنى ما لا مانع لها من إيقاعه ثم إنيقيد باقتدارها عليه لا إلزامها به مع عدم الاقتدار وأما بعد الثاني فلقوها في بعض طرق الحديث كما سيأتي أنها كانت تذكر نذرها فتبكي ح