الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحوث في تاريخ القرآن- السيد مير محمدي زرندي

بحوث في تاريخ القرآن

السيد مير محمدي زرندي


[ 1 ]

بحوث في تاريخ القرآن وعلومه آية الله السيد أبو الفضل مير محمدي الزرندي مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

بحوث في تاريخ القرآن وعلومه تأليف: سماحة آية الله السيد أبو الفضل مير محمدي الزرندي الموضوع: علوم القرآن طبع ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي الطبعة: الاولى المحققة المطبوع: 500 نسخة التاريخ: جمادى الاولى 1420 ه‍ مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل على عبده القرآن وجعله للعالمين نذيرا، وداعيا الى الله وسراجا منيرا، والصلاة والسلام على من اصطفاه شاهدا ومنذرا وبشيرا، وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وبعد، فإن العالم الإسلامي اليوم يشهد تعطشا كبيرا من قبل أبنائه اتجاه كتابهم المقدس للتعرف على كنوز المعرفة المدخر فيه، واستلهام درر العلوم المطوية بين صفحاته. وقد ازداد هذا التعطش والشوق مع بزوغ الثورة الإسلامية المباركة بقيادة الإمام الخميني الكبير (قدس سره)، لأنهم وجدوا في القرآن مصدر عزهم الشامخ، ومنبع مجدهم التليد، ودستور حضارتهم الكبرى. ولذا نجد الأيدي والقلوب المؤمنة تندفع بشدة لتلقف كل ما يصدر حول الكتاب الإلهي من دراسات موضوعية، وتهتم بكل ما ينشر من بحوث ومقالات ذات الصلة بالكتاب العزيز. وقد كان لمؤسستنا الباع الكبير في هذا المجال، من طبع ونشر الكتب التي تعنى بشؤون القرآن الكريم، خدمة للعلم والدين القويم. ونخص بالذكر هذا الكتاب - الماثل بين يديك عزيزنا القارئ - الذي يتناول عددا من البحوث التي ترتبط بتاريخ القرآن وعلومه، وما امتاز بمنهجه المبتكر واسلوبه المبسط، للاستاذ الألمعي سماحة آية الله السيد أبو الفضل مير محمدي

[ 4 ]

الزرندي دامت توفيقاته، فتقبل الله جهوده وشكر مساعيه. ولا يخفى أن هذا الكتاب قد طبع مرات عديدة باللغة الفارسية، وهو الآن يدرس في بعض الجامعات الايرانية، وبعد ترجمته بالعربية طبعه فضيلة المؤلف في لبنان، وتمتاز هذه الطبعة بعناية خاصة من حيث التحقيق والتنقيح ومراعاة الامور الفنية لها. وفي الختام، إذ تقدم المؤسسة هذا الكتاب فإنها تدعو شباب هذه الامة الى الاهتمام بالينبوع الصافي " القرآن الكريم " والاستفادة من بصائره وهداياته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الذي أنزل كتابه المبين على نبيه الصادق الأمين، حيث جعله تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة للعالمين، وصلى الله على محمد وآله المنتجبين. وبعد، فإن من الملاحظ في عصرنا الحاضر أن الشباب المسلم والطبقة المثقفة على الأخص صاروا يهتمون أكثر من أي وقت مضى بالقرآن الكريم وتعاليمه، ويبدون رغبة أكيدة في الاطلاع على تفسيره ودراسة علومه. وهم بالرغم من حبهم للاطلاع والمعرفة يرغبون في الوقت نفسه - وبحكم كونهم يعيشون في عصر يتميز بالسرعة في كل شئ - أن يتم ذلك بالسرعة القصوى ومن أخصر طريق، لذلك نراهم يميلون للموضوعات القصيرة التي لا تكتفي بالعرض المجرد للمسائل والموضوعات، وإنما تتبع ذلك بالأدلة والبراهين اللازمة، ويرغبون عن الكتب المبسوطة والموضوعات المطولة. وقد دفع بي كل ذلك إلى التفكير في اختيار الموضوع الذي يتلاءم مع رغبات هؤلاء المتعطشين إلى علوم القرآن الكريم، فاستقر عزمي أخيرا على الكتابة في موضوعات ترتبط بتاريخ القرآن الكريم بعد أن رأيت ذلك يتناسب مع متطلبات الشباب الملتزم المتشوق إلى معرفة كل ما يرتبط بكتابه المقدس، معجزة النبي الخالدة. ولقد توخيت في كل ما كتبته الإيجاز والاختصار بعد أن بذلت جهدي في استقصاء الأدلة وتتبعها ومناقشتها ومحاكمتها على أساس من عدم التحيز

[ 6 ]

والتعصب، عساني أن أكون قد وفقت إلى الحقيقة واهتديت إلى الصواب، سائلا الله سبحانه أن يتقبل ذلك مني بأحسن قبوله، ويجعله ذخيرة لي في يوم المعاد * (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) * وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين. المؤلف 14 صفر المظفر 1400 ه‍

[ 7 ]

الوحي القرآني 1 - كيف نزل القرآن ؟ 2 - فواتح السور 3 - حديث نزول القرآن على سبعة أحرف 4 - كيف كان لقاء جبرئيل للنبي (صلى الله عليه وآله) ؟ 5 - هل نزل القرآن سورا كاملة ؟ 6 - متى تنتهي السورة وتبتدئ غيرها ؟

[ 9 ]

كيف نزل القرآن ؟ لقد قرر القرآن الكريم لتكليم الله عبده ثلاثة طرق (1): الأول: أن يكلمه الله وحيا، أي إلهاما وإلقاء في القلب. الثاني: أن يكلمه من وراء حجاب. الثالث: أن يكلمه بواسطة ملك، وذلك بأن يرسل رسولا فيوحي بإذنه. والذي نريد أن نبحث فيه هنا هو: كيفية نزول القرآن، وإيصاله إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وبأي من الطرق المتقدمة كان ذلك ؟ إن الوجوه والاحتمالات بملاحظة الطرق الثلاثة الآنفة الذكر كثيرة، لكن الذي نختاره هو أن جميع القرآن قد انزل على محمد (صلى الله عليه وآله) بواسطة رسول ألقاه إليه، وهو جبرئيل. وتدل على ذلك آيات، منها قوله تعالى: * (وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين) * (2). ومنها قوله تعالى: * (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين * ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) * (3).


(1) وهو قوله تعالى: * (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم) *. (الشورى: 51). (2) الشعراء: 192 - 194. (3) النحل: 102 و 103. (*)

[ 10 ]

ومنها قوله تعالى: * (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين) * (1). وقبل بيان ما نحن بصدده لا بأس بالإشارة إلى نقطتين: الروح الأمين ليس هو الله: الاولى: أن من الواضح أن المراد بالروح الأمين في الآيات الاول ليس هو الله عز وجل، وذلك بقرينة الآية الثانية التي تقول: " نزله روح القدس من ربك " حيث إنها تدل على أن روح القدس والروح الأمين هو الواسطة بين الرب وبين عبده الرسول (صلى الله عليه وآله) فلا يعقل أن يكون هو نفس الله عز وجل. روح القدس هو جبرئيل: الثانية: أن الروح الأمين أو روح القدس في الآيات الاول يراد به جبرئيل (عليه السلام) وذلك بقرينة الآية الأخيرة التي تقول: " قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك ". فإنها صريحة في أن منزل القرآن من الله تعالى على قلب محمد (صلى الله عليه وآله) هو جبرئيل، فلو كان المراد بالروح الأمين أو روح القدس غير جبرئيل لوقعت المنافاة بين الآيات. جبرئيل نزل بجميع القرآن: إذا تمهد هذا قلنا: إنه يظهر من هذه الآيات المذكورة أن جبرئيل قد نزل جميع القرآن على قلب محمد (صلى الله عليه وآله) لا بعضه، وذلك لأن الضمائر الواردة في قوله تعالى: " وإنه لتنزيل رب العالمين " و " نزل به الروح الأمين " و " نزله روح القدس " لا يرتاب أحد في ظهورها في القرآن الشريف الكائن بين الدفتين والكتاب الذي هو معجزة محمد (صلى الله عليه وآله) الخالدة.


(1) البقرة: 97. (*)

[ 11 ]

ومما يشهد ويؤيد هذا الظهور المشار إليه هو تلك الآيات الكثيرة التالية لقوله تعالى: " وإنه لتنزيل رب العالمين " وهذه الآيات هي: * (نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين * وإنه لفي زبر الأولين * أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل * ولو نزلناه على بعض الأعجمين * فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين * كذلك سلكناه في قلوب المجرمين * لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم... وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون) * (1). فإن من تأمل في هذه الآيات يقطع بأنها تتحدث عن القرآن كله وهو ما بين الدفتين، وأن الضمائر الموجودة فيها يراد بها الدلالة عليه كله لا على بعضه. الآيات الدالة على وساطة جبرئيل: ومن الآيات الدالة على ما نحن بصدده أيضا قوله تعالى: * (والصبح إذا تنفس * إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون) * (2). أي أن القرآن الذي يقرأه عليكم محمد (صلى الله عليه وآله) ليس هو من عند نفسه، وإنما هو قول رسول كريم، وهو جبرئيل، وقد تلقاه محمد منه. المراد بالرسول الكريم: ويدلنا على أن المراد بالرسول الكريم في الآية الشريفة هو جبرئيل ما عن علي بن إبراهيم بسند صحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث الإسراء بالنبي (صلى الله عليه وآله) وفيه:... فقلت لجبرئيل - وهو بالمكان الذي وصفه الله " مطاع ثم أمين " -: ألا تأمره أن يريني النار ؟ فقال له: يا مالك، أر محمدا النار، فكشف عنها غطاءها، وفتح بابا منها... إلى آخر الحديث (3).


(1) الشعراء: 193 - 212. (2) التكوير: 18 - 22. (3) راجع البرهان في تفسير القرآن: عند كلامه حول سورة التكوير. (*)

[ 12 ]

إذ يستفاد من هذا الحديث أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد قرر أن كلمة " مطاع ثم أمين " الواردة في هذه الآية إنما هي وصف من الله تعالى لجبرئيل (عليه السلام)، وقد تجلت أمانة جبرئيل (عليه السلام) في أنه كان هو المؤتمن على القرآن، وإيصاله إلى محمد (صلى الله عليه وآله)، كما وظهر أنه مطاع من حيث إنه أمر مالكا، فامتثل. ومما يؤيد ذلك أيضا ما ورد في أدعية زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) - على ما في الصحيفة السجادية - عند صلواته على كل ملك مقرب: وجبرئيل الأمين على وحيك المطاع في أهل سماواتك، المكين لديك المقرب عندك... الخ. كما أن الآيات الواردة في أول سورة النجم وهي قوله تعالى: * (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى...) * شاهد آخر على أن المراد بقوله تعالى: " ذي قوة عند ذي العرش مكين " هو جبرئيل (عليه السلام). قال في مجمع البيان - وهو يفسر آيات سورة النجم -: يعني جبرئيل القوي في نفسه وخلقته، عن ابن عباس والربيع وقتادة، وعن الكلبي أنه قال: ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود فرفعها إلى السماء ثم قلبها، ومن شدته صيحته لقوم ثمود حتى هلكوا. بل إن هذه الآيات - أعني آيات سورة النجم - ليس فقط تصلح دليلا على أن المراد بالرسول ذي القوة المكين هو جبرئيل، بل هي أيضا دليل آخر على ما نحن فيه، إذ أنها تدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) لا يتكلم بشئ - قرآنا كان أو غيره مما يرتبط برسالته - إلا ويكون ذلك الشئ وحيا، علمه إياه شديد القوى، الذي هو جبرئيل، وهذا هو نفس ما نحن بصدد إثباته. الأقوال: هذا، ويتضح بعد كل ما تقدم أن القرآن كله قد نزل على محمد (صلى الله عليه وآله) بواسطة جبرئيل (عليه السلام). ويبدو أن أهل السنة أيضا لا يمانعون في ذلك فقد رووا ذلك عن ابن عباس بأسانيد صرحوا بصحتها.

[ 13 ]

قال السيوطي في الإتقان: وعن الحاكم وابن أبي شيبة من طريق حسان بن حريث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: فصل القرآن من الذكر، فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبرئيل ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله). أسانيدها كلها صحيحة (1). توهم ودفع: وأخيرا، فلعلنا لا نرى مبررا لتوهم أن يكون ما قدمناه يخالف وينافي قوله تعالى: * (ونزلنا عليك الكتاب) * (2) ونحو ذلك من الآيات، التي نسب فيها التنزيل إلى الله لا إلى جبرئيل. وذلك لأن الفعل كما يصح إسناده إلى المباشر المختار كذلك يصح نسبته وإسناده إلى السبب، فالوجه في إسناد الفعل إلى الله تعالى هو أنه سبب، وإلى جبرئيل هو أنه المباشر المختار. وإلا فإن وساطة جبرئيل في الجملة مما لا ريب فيه، فإسناد تنزيل جميع القرآن إلى الله تعالى لا يصح على إطلاقه أيضا. ومن ذلك يعلم أن الوجه في نسبة تنزيل القرآن تارة إلى الله تعالى واخرى إلى جبرئيل (عليه السلام) هو ما ذكرنا. مناقشة: هذا، ولابد هنا من الإشارة إلى ما ربما يقال من أنه لم لا يلتزم بالتبعيض، بمعنى وساطة جبرئيل في بعض آيات القرآن لا في جميعها ؟ ولكن ذلك لا يمكن الالتزام به، حيث إنه لا دليل عليه ولا شاهد له، سوى ما يتوهم من الأخبار الدالة على أن نزول الوحي كان على نحوين:


(1) الإتقان للسيوطي: ج 1 ص 41. (2) النحل: 89. (*)

[ 14 ]

أحدهما: ما كان جبرئيل واسطة فيه بين النبي (صلى الله عليه وآله) وبين الله تعالى. والآخر: ما كان بلا واسطة شئ أصلا. فمن هذه الأخبار ما رواه في البحار عن المحاسن بسند صحيح عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أتاه الوحي من الله وبينهما جبرئيل يقول: هو ذا جبرئيل، وقال لي جبرئيل، وإذا أتاه الوحي وليس بينهما جبرئيل تصيبه تلك السبتة ويغشاه لثقل الوحي عليه من الله عز اسمه (1). ولكن هذا الحديث لا يكفي لإثبات ما يراد إثباته هنا، وذلك لأنه في صدد بيان أن الوحي كان على نحوين: أحدهما بواسطة جبرئيل، والآخر بدونه. وليس في صدد بيان أن الوحي القرآني من أي من هذين النحوين هو أو من كليهما، ولا دلالة له على شئ من ذلك. وحينئذ فيحتمل أن يكون الوحي القرآني مما توسط به جبرئيل. وأما ما لم يتوسط فيه جبرئيل فهو الوحي الذي جاءه (صلى الله عليه وآله) في الموضوعات أو في غير القرآن المجيد، مما يعبر عنه ب‍ " الأحاديث القدسية ". وهذا الاحتمال بعد أن عضده الدليل وأيدته الشواهد يكون هو المتعين، ويخرج عن كونه احتمالا إلى كونه من الامور المعتبرة والثابتة. ولابد لنا أخيرا من الإشارة إلى أنه قد روي في البحار بعد هذا الحديث مباشرة حديث آخر يرتبط فيما نحن فيه، وهو: عن العياشي عن عيسى بن عبد الله عن جده عن علي (عليه السلام) قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بآخره، فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة، نسخت ما قبلها، ولم ينسخها شئ، فلقد نزلت عليه وهو على بغلته الشهباء، وثقل عليها الوحي، حتى رأيت سرتها تكاد تمس الأرض، واغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى وضع يده على ذؤابة منبه بن وهب الجمحي، ثم رفع ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقرأ علينا سورة المائدة، فعمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعملنا.


(1) بحار الأنوار: ج 18 ص 271 الطبعة الجديدة. (*)

[ 15 ]

ورواه أيضا الأمين الطبرسي في تفسير سورة المائدة عن العياشي مع اختلاف يسير. ولكن هذا الحديث لا يدل بنفسه على أن جبرئيل ليس واسطة بين الله والنبي حين نزول سورة المائدة، إذ لعلها قد نزلت بواسطة جبرئيل أيضا. اللهم إلا أن نستظهر عدم وساطة جبرئيل فيها بمعونة غيرها من الروايات، كأن نستظهر ذلك من عروض ما يشبه الإغماء العارض للنبي (صلى الله عليه وآله) والثقل، حيث إن الأخبار التي سبق بعضها تدل على أن الوحي إذا نزل بواسطة جبرئيل لم يحصل له ثقل ولا ما يشبه الإغماء، وإذا كان بدونه تصيبه (صلى الله عليه وآله) تلك السبتة. هذا بالنسبة إلى الدلالة في هذه الرواية مع الإغماض عن امور اخرى يطول بذكرها المقام. وأما بالنسبة إلى سندها فليس من القوة بحيث يثبت هذا المطلب المخالف لظاهر آيات كثيرة تقدمت، فإن الرواة الذين هم بين العياشي وعيسى بن عبد الله لم يصرح بأسمائهم، حتى نعرف أنهم واجدون لشروط اعتبار أقوالهم أم لا، وهذا يكفي وحده وهنا في هذه الرواية، وإسقاطها عن درجة الاعتبار. وهكذا، فإن النتيجة تكون: أن جبرئيل كان واسطة في نزول تمام القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله).

[ 16 ]

فواتح السور قبل البدء بالبحث لابد من ذكر جدول يشتمل على السور المتضمنة للحروف المقطعة، ويذكر فيه أيضا موضوع المكي والمدني، والإشارة كذلك إلى هذه الحروف، وذكر أول الآيات النازلة بعد تلك الحروف، وسيتضح إن شاء الله تعالى ما سيشتمل عليه هذا الجدول من فوائد. فواتح السوراسم السورة المكي والمدني 1 - الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين البقرة مدنية 2 - الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق آل عمران مدنية 3 - المص * كتاب انزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه الأعراف مكية 4 - الر تلك آيات الكتاب الحكيم يونس مكية 5 - الر كتاب احكمت آياته هودمكية 6 - الر تلك آيات الكتاب المبين يوسف مكية 7 - المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق الرعدمدنية

[ 17 ]

8 - الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور إبراهيم مكية 9 - الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين الحجر مكية 10 - كهيعص * ذكر رحمة ربك عبده زكريا مريم مكية 11 - طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى طه مكية 12 - طسم * تلك آيات الكتاب المبين الشعراء مكية 13 - طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين النمل مكية 14 - طسم * تلك آيات الكتاب المبين القصص مكية 15 - الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون العنكبوت مكية 16 - الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون الروم مكية 17 - الم * تلك آيات الكتاب الحكيم لقمان مكية 18 - الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين السجدة مكية 19 - يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين يس مكية 20 - ص والقرآن ذى الذكر * بل الذين كفروا في عزة وشقاق ص مكية 21 - حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافرمكية 22 - حم * تنزيل من الرحمن الرحيم فصلت مكية 23 - حم * عسق * كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم الشورى مكية 24 - حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا الزخرف مكية 25 - حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة الدخان مكية 26 - حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم الجاثية مكية

[ 18 ]

27 - حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم الأحقاف مكية 28 - ق والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ق مكية 29 - ن والقلم وما يسطرون ن مكية فالمجموع 29 سورة فيها الحروف المقطعة. المقدمة: لاشك أن القرآن الكريم يحتوي على المتشابهات، وقد صرح القرآن الكريم بذلك، وبين بشكل صريح أيضا أنه لا يعلم أمر تأويل كل المتشابهات سوى الله تعالى والراسخين في العلم. والمسألة التي تثار هنا هي: ما المعنى المقصود من المتشابه ؟ وهذا هو موضع الاختلاف بين العلماء، وسنتناول ذلك في بحوثنا القادمة إن شاء الله تعالى. لقد قلنا آنفا إن المتشابهات - على خلاف المحكمات - ألفاظ إما لا تدل ظواهرها على مضامينها أصلا مثل فواتح السور، وعلى هذا الأساس لا تعد هذه الفواتح إلا رموزا بين الله سبحانه ونبيه، أما الآخرون فليس بمقدروهم الانتفاع منها. أو أن تكون لها دلالات معينة ولكنها ليست هي المقصودة من الآية كما في قوله تعالى * (الرحمن على العرش استوى) * (1)، فظاهر هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه جسم كباقي الأجسام استقر على عرش أو سرير، وهذا طبعا ليس المعنى المقصود من هذه الآية، أو أن تكون لها معان متعددة ولكن لا توجد ثمة قرينة تصرف الذهن إلى أحد هذه المعاني، كما هو الحال في الألفاظ المشتركة، ولقد ذكرنا ذلك من قبل بأنه تفسير للألفاظ المتشابهة، وهو محل تأييد روائي وعرفي ولغوي. وعلى أية حال يبرز تساؤل أورده البعض بصدد وجود المتشابه في القرآن الكريم مع أنه كتاب هداية وبيان، وقد أجبنا عليه سابقا.


(1) طه: 20. (*)

[ 19 ]

الروايات وفواتح السور يتبين لنا من آراء علمائنا رضوان الله تعالى عليهم المختلفة في تفسير معاني فواتح السور أن تلك الآراء غير صادرة عن الروايات المعتبرة بلا معارضة، بل إن الروايات تشير إلى دلالات متعددة تبعا لتباين ما تعرضه تلك الروايات. ولقد وجدنا تعددا لهذه الدلالات نذكر على سبيل المثال حديثا واحدا من كل مجموعة منتخبة. 1 - روى المحدث البحراني عن محمد بن قيس عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: جاء حي بن أخطب وأبو ياسر ابن أخطب ونفر من يهود نجران إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وسألوا: هل هناك وجود لكلمة (الم) في الآيات المنزلة عليك ؟ فأجابهم الرسول: بلى، ثم قالوا: وهل أن جبرئيل هو الذي أتاك بها من عند الله ؟ قال: بلى، حينئذ قالوا: ما من نبي عينت مدة ملكه إلا مدة ملكك وامتك، ثم التفت حي بن أخطب الى أصحابه وقال: الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون، ومجموعها بحساب الأبجد (71) عاما، ثم عقب بالقول: عجبا لرجل يأتي امة فيكون عمره ومدة ملكه (71) عاما ! (المراد بالعمر هنا هو عمر الامة وليس عمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)) ثم تساءل وهل هناك كلمة اخرى ؟ وقرأ عليه النبي (صلى الله عليه وآله) تلك الحروف وقال: لقد اشتبه عليكم الأمر واختلط (1). وقد نقل السيوطي في الدر المنثور هذا الحديث عن ابن إسحاق والبخاري وابن جرير بإسناد ضعيف عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب (2). 2 - ينقل الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن سفيان بن السعيد الثوري قوله للإمام الصادق (عليه السلام): يا بن رسول الله ما معنى قول الله عز وجل " الم " و " المص " و " الر " و " المر "... ؟ قال (عليه السلام): أما " الم " في أول البقرة فمعناه: أنا الله الملك، وأما " الم "


(1) تفسير البرهان: ج 2 أول سورة الأعراف. (2) الدر المنثور: ج 1 ص 23. (*)

[ 20 ]

في أول آل عمران فمعناه: أنا الله المجيد، و " المص " فمعناه: أنا الله المقتدر الصادق... الخ (1). 3 - ويروي الشيخ الصدوق أيضا عن محمد بن زياد ومحمد بن سيار عن الإمام العسكري (عليه السلام) عن قوله تعالى " الم * ذلك الكتاب ": أي يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك هو الحروف المقطعة التي منها " ألف، لام، ميم " وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فائتوا بمثله إن كنتم صادقين... الخ (2). 4 - وينقل أيضا عن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: " الم " هو حرف من حروف اسم الله الأعظم، المقطع في القرآن، الذي يؤلفه النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام، فإذا دعا به اجيب... الخ (3). وينقل السيوطي عن السدي الحديث الوارد إليه عن ابن عباس ومضمونه: " الم " هي اسم من أسماء الله العظمى (4). وجاء في الإتقان أيضا أن هذه الحروف هي حروف اسم الله الأعظم على ما قيل ولكن نجهل تركيبها. وعن ابن عطية نقل أيضا هذا المعنى. 5 - نقل السيوطي عن ابن عباس أن " الم " و " طسم " و " ص " هي أقسام أقسم بها الله تعالى، وهي أسماء من أسمائه تعالى (5). كانت تلك مجموعة أحاديث أوردنا فيها حديثا عن كل مجموعة، وعلى فرض أن تلك الأحاديث لم تكن تواجه إشكالا من حيث صحة السند فهي من جهة الدلالة لا يمكنها أن تتوالف، إذ لا يمكن الجمع بين الأحاديث التي تفسر هذه الحروف بأنها إشارة لأوصاف الله تعالى، وتفسرها في الوقت نفسه بأنها حروف أبجدية (بحساب الجمل) تشير إلى تاريخ الدين والامة الإسلامية وغير ذلك، أو ما قيل عنها من أنها أساس القرآن من حيث التركيب اللفظي. إذا لو كنتم في ريب منه فائتوا بمثله.


(1) معاني الأخبار: ص 22 الحديث 1. (2) المصدر السابق: ص 24 الحديث 4. (3) المصدر السابق: ص 23 الحديث 2. (4 و 5) الدر المنثور: ج 1 ص 22. (*)

[ 21 ]

آراء المفسرين: ذكر شيخ الطائفة الطوسي (رحمه الله) (1) أن العلماء اختلفوا في تفسيرهم لمعاني فواتح السور، وقد ذكروا أقوالا متعددة نجمل منها ما يلي: 1 - أنها أسماء للقرآن. 2 - أنها جئ بها في أوائل السور ليتحدد موضع بداية السورة وموضع انتهاء السورة السابقة. 3 - أنها جاءت لكي تسمى السورة بها، وقد استحسن الشيخ الطوسي هذا المعنى وقال بأنه أحسن الوجوه. 4 - أنها أقسام أقسم بها الله تعالى. 5 - أنها اسم الله الأعظم. 6 - أنها حروف مرموزة لبداية الكلمات التي يعلم المقصود منها نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) على نحو قول الشاعر: قلنا لها قفي فقالت ق، أي أننا قلنا للمرأة توقفي فقالت مجيبة " ق " أي وقفت. 7 - أنها حروف هجاء قد وضعت لأجل أن تتركب وتتشكل منها العبارات. 8 - أنها حروف ترمز إلى إشارات ومعان معينة. 9 - أنها حروف من حساب الجمل. 10 - أنها من أسرار القرآن، كما أن لكل كتاب سرا. أقوال اللغويين: أما آراء أهل اللغة حول معاني هذه الحروف حسب ما ذكرها الشيخ الطوسي فهي كما يلي: 1 - أنها حروف المعجم، وأننا بذكرنا لها يمكننا الاستغناء عن ذكر سائر


(1) تفسير التبيان: ج 1 ص 352 في أوائل تفسير سورة البقرة. (*)

[ 22 ]

الحروف الاخرى (1). 2 - أنها حروف جئ بها لأجل جلب انتباه المشركين باعتبارهم صمموا على عدم الإصغاء للقرآن، وما إن يسمعوا هذه الحروف العجيبة حتى لا يجدوا بدا من الإصغاء لها (2). 3 - أنها حروف قد شرع الله سبحانه مفتتحا كلامه بها، ويقول أبو مسلم: المراد بذلك أن هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته ولم تقدروا على الإتيان بمثله هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في كلامكم وخطابكم، فحيث لم تقدروا عليه فاعلموا أنه من فعل الله (3). وينقل السيوطي في كتاب الإتقان عن القاضي أبي بكر ابن العربي في كتاب " فوائد الرحلة " أن في تفسير معاني هذه الحروف قد وجدت أكثر من عشرين قولا، ومع ذلك فأنا لا أعرف أحدا يحكم عليها بعلم ولا يصل منها الى فهم (4). وتوجد أقوال اخرى للمتأخرين، وربما سنشير إليها في المستقبل إن شاء الله تعالى. اختيارنا في البحث: إذا لم يكن لدينا دلالات لتبيين القصد من هذه الحروف ولم يكن إجماع عليها لتعيين مفهومها وكذلك لم يدرك شيئا من هذه الحروف لا العرف ولا اللغة فيوجب ذلك القول بأن هذه الحروف من متشابهات القرآن المجيد التي لم يفهم أحد تأويلها سوى الله سبحانه والراسخين في العلم. وتوجد شواهد ومؤيدات لما قلناه: 1 - التعريف الذي عرفوا به المتشابه. 2 - ذكر الشيخ الطوسي (رحمه الله) في تفسيره " التبيان " أن هذه الحروف هي من


(1 - 3) تفسير التبيان: ج 1 ص 48 طبع النجف. (4) الإتقان: ج 2 ص 11. (*)

[ 23 ]

المتشابهات كما روي في الأخبار. وذكر الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان ذات القول وأضاف قائلا: روت العامة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. 3 - هذا، وأننا لم نجد أحدا أحاط بهذا البحث بالدليل القاطع والجازم (مع إيرادنا له) فمن رأى أو قال بأن ظاهر هذه الآيات المسبوقة بهذه الحروف نحو كلمة " تلك " الواردة في قوله تعالى * (الم * تلك آيات الكتاب الحكيم) * (1) أنها إشارة إلى " الم " ويعني أن الألف واللام والميم هي آيات إلهية وقد تشكلت منها آيات القرآن الكريم بعباراتها، فإن لم تؤمنوا بذلك فائتوا بمثله. أو الأحاديث التي استدلوا بها فهي من حيث سندها ضعيفة أو ما اعتمدوا عليه من بعض الروايات الاخرى من حيث الدلالة وثبتت أنها متعارضة، وفي هذه الحال لا يمكن التمسك بأحد طرفي التعارض، ولعل السر في قول القاضي أبي بكر ابن العربي بأنه لم يجد من استدل بدليل قاطع وحاسم على الموضوع هو هذا الأمر. كلام العلامة الطباطبائي وعدة من العلماء: قال العلامة الطباطبائي (رحمه الله): أما الأقوال العشرة الاخر فإنما هي تصويرات لا تتعدى حد الاحتمال ولا دليل يدل على شئ منها. ثم قال (رحمه الله) بعد ذلك: إن هذه الحروف رموز بين الله سبحانه وبين رسوله (صلى الله عليه وآله) خفية عنا لا سبيل لأفهامنا العادية إليها إلا بمقدار أن نستشعر أن بينها وبين المضامين المودعة في السور ارتباطا خاصا (2). ويقول السيوطي بهذا الصدد أيضا: إن هذه الحروف التي تفتتح بعض السور هي من جملة المتشابهات في القرآن، وقولنا فيها أنها من أسرار الله التي لا يمكن لسواه أن يأتي على تأويلها وكشف معالمها (3).


(1) لقمان: 1 و 2. (2) تفسير الميزان: ج 18 ص 8 و 9. (3) الإتقان: ج 2 ص 8. (*)

[ 24 ]

ويقول صبحي الصالح (وهو من العلماء المعاصرين): إن هذه الحروف تعد من المتشابهات. ويعقب بقوله: إن الورع لا يسمح أن يكون لنا رأي صريح بشأن هذه الحروف لأنها من متشابهات القرآن الكريم التي لا يعلمها إلا الله تعالى. ونقل أصحاب الأثر عن ابن مسعود والخلفاء الراشدين أن هذه الحروف هي من الأسرار التي اختص بعلمها الله تعالى وحده. الخرافات: وبخصوص هذا البحث شوهدت أيضا تأويلات وخرافات ابتدعها أصحاب الهوى وزج بها في خضم التأويل، ولم تحدهم في ذلك حدود توقفهم، بل إنهم ضربوا تخمينات وأحداس بمقتضى رغباتهم وميولهم وأهوائهم بشأن ذلك الأمر، بحيث إنهم آلموا مشاعر وأحاسيس كل مسلم، ونذكر من جملة هذه التأويلات ما يلي: 1 - ما نقل من قول الشيخ محي الدين ابن عربي في كتاب " الفتوحات المكية " بما مضمونه: إعلم أن بدايات هذه السورة مجهولة لغير أصحاب السور المعقولة الذين توصلوا إلى حقائقها، والله سبحانه افتتح تسعا وعشرين سورة بهذه الحروف. وكمال هذه الصورة تكمن في قوله تعالى * (والقمر قدرناه منازل) * حيث عدد المنازل هو 29 منزلا. إذا المهم هو القطب الذي هو قوام الفلك وعلته، وهذا القطب هو الحروف ا لثمانية الواردة في سورة آل عمران " الم، الله ". ولو لم تكن هذه لما تحققت ال‍ 28، وتكرار هذه (28 حرفا) يؤدي بالضرورة إلى تحقق تلك العبارات. إذ العدد (8) في هذه الحقيقة لا يمثل إلا جزء، حيث يقول النبي (صلى الله عليه وآله): الإيمان بضع وسبعون جزء، وهذه الحروف هي 78 حرفا، ولا يصل العبد إلى نيل كمال أسرار الإيمان حتى يعلم حقيقة هذه الحروف التي اشتملت عليها السورة (1). 2 - الكلام المنقول عن نصوح طاهر الفلسطيني يقول فيه: إن قيمة هذه


(1) مباحث في علوم القرآن: ص 238. (*)

[ 25 ]

الحروف هو ذلك المقدار الذي يحصل عندما تقع هذه الحروف في سورة ما فتبين عدد آيات تلك السورة. ثم يقول: ولقد كان هذا التطابق موجودا حتى في عهد عثمان عندما كانت حروف هذه الفواتح تحسب بحساب الجمل، فتحدد آيات السورة التي وقعت فيها (1). واستنادا إلى ذلك فإن سورة البقرة التي تفتتحها " الم " وهي بحساب حروف الجمل (71) عددا فتشتمل على (71) آية ! بينما الواقع يؤكد أن عدد آياتها (286) آية. وهكذا الحال في سورة آل عمران فهي تشتمل على (200) آية في حين أن الفرض يقتضي أن تشتمل على (71) آية لأن " الم " قد وقعت في أولها، وهكذا أيضا بالنسبة إلى سورة العنكبوت المشتملة على (69) آية في حين كان المفترض بناء على هذا القول أن تشتمل على (71) آية لأن " الم " وقعت في أولها، وهكذا في بقية السور الاخرى. 3 - ما نقل من قول المستشرق الألماني (نولد كه) بأن كل حرف من حروف هذه الكلمات ما هو إلا إشارة إلى أحد الصحابة، مثلا (س) إشارة إلى سعد بن أبي وقاص، و (م) إلى المغيرة، و (ن) إلى عثمان بن عفان، و (ه‍) إلى أبي هريرة، وهكذا. ولكن في النهاية تراجع هذا المستشرق عن قوله ذلك معربا عن خطئه. ولكن بعض المستشرقين من أمثال (بهل) و (هرشفليد) نادوا بكل حماس بهذا الرأي وحاولوا إحياءه من جديد (2). بيد أنه يبدو أن مثل هؤلاء الأشخاص قد تأولوا متشابهات القرآن دون الاستعانة بالراسخين في العلم، ومن الطبيعي أنهم سيسقطون في وادي الخرافات والهذيان. وكم أدت مثل هذه التأويلات إلى تخيل وجود التحريف في القرآن الكريم، واشتماله على الألغاز والأحاجي، أعاذنا الله من شرور أنفسنا.


(1) رسالة الإسلام: العدد الثاني السنة الحادية عشرة، دار التقريب - القاهرة. (2) مباحث في علوم القرآن: ص 242. (*)

[ 26 ]

الخلاصة: من كل ما سبق يتضح لنا وجود المتشابهات في القرآن الكريم، ولا يوجد هناك بحث يشتمل على الاتفاق والإجماع في توضيح تأويلاتها، بل إن موضوعها مورد خلاف عامة المسلمين وخاصتهم، سواء في الماضي أو في الحاضر، وأن الأخبار المروية والمتضمنة لمطالبها لا يمكن الاستناد إليها لعدم صلاحيتها، وأن التعريف اللغوي والعرفي للمتشابه يشتمل على هذه الحروف، ولكن بالنتيجة يتأكد أن هذه الحروف هي في حقيقتها من المتشابهات، وهذا ما يمكن القبول به.

[ 27 ]

حديث نزول القرآن على سبعة أحرف مع الحديث وأسانيده: إن حديث " نزول القرآن على سبعة أحرف " متواتر لدى بعض الفرق من المسلمين (1)، ولا يكاد يخلو منه أي من المجاميع الحديثية المعتبرة عندهم، ولذا فلم نجد أحدا منهم يحاول أن يستشكل في سند الحديث إن لم نجد من يصر على صحته وتواتره. قال السيوطي: ورد حديث " نزول القرآن على سبعة أحرف " من رواية جمع من الصحابة: ابي بن كعب، وأنس، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب - إلى أن قال: - هؤلاء أحد وعشرون صحابيا، وقد نص أبو عبيدة على تواتره (2). وقال الطبري: كانت الأخبار قد تظافرت عنه... ثم ذكر أحاديث كثيرة تصل إلى خمسين حديثا في ذلك (3). وعن الحافظ أبي يعلى في مسنده الكبير: إن عثمان قال يوما وهو على المنبر:


(1) هم إخواننا أهل السنة والجماعة. (2) الإتقان: ج 1 ص 46. (3) راجع مقدمة تفسير الطبري: ج 1 ص 19. (*)

[ 28 ]

اذكر الله رجلا سمع النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إن القرآن انزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف " لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " انزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف " فقال عثمان: وأنا أشهد معهم (1). نص الحديث كما ورد من طرق الفريقين: 1 - ما رواه البخاري قال: حدثنا سعيد بن عفير قال: حدثني الليث قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله أن ابن عباس حدثه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أقرأني جبرئيل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده حتى انتهي إلى سبعة أحرف (2). 2 - ما رواه البخاري أيضا عن سعيد بن عفير قال: حدثني الليث قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم (3) يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستعمت لروايته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكدت اساوره (4) في الصلاة فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه (5) فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ ؟ قال: أقرأنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلت: كذبت، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان لم تقرئنيها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كذلك انزلت، إن هذا القرآن


(1) مناهل العرفان: ج 1 ص 132. (2) صحيح البخاري: ج 6 ص 227. (3) هشام بن حكيم بن حزام الأسدي: له ولأبيه صحبة، وكان إسلامهما يوم الفتح، وكان لهشام فضل، ومات قبل أبيه، وليس له في البخاري رواية. (راجع فتح الباري: ج 9 ص 22). (4) أي آخذ برأسه. (5) أي جمعت عليه ثيابه عند نحره وصدره لئلا ينفلت مني. (*)

[ 29 ]

انزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه (1). 3 - ما رواه العلامة المجلسي (رحمه الله) عن حماد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الأحاديث تختلف عنكم، قال: فقال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى للإمام أن يفتي على سبعة وجوه، ثم قال: * (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) * (2). ما المراد من الأحرف ؟ إن معرفة المراد من الأحرف هو المهم هنا، ولقد طال الجدال حول ذلك، وتشعبت وكثرت الأقوال، حتى قيل: إنها ربما تبلغ أربعين قولا، كما في الإتقان. والمشهور منها هو ما لخصه شيخ الطائفة في مقدمة تفسيره التبيان حيث قال: واختلفوا (يعني أهل السنة) في تأويل الخبر، فاختار قوم أن معناه: على سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. وقال آخرون: نزل القرآن على سبعة أحرف، أي سبع لغات مختلفة، مما لا يغير حكما في تحليل وتحريم... وكانوا مخيرين في أول الإسلام في أن يقرأوا مما شاؤوا منها، ثم أجمعوا على حدها. وقال آخرون: نزل على سبعة لغات من اللغات الفصيحة، لأن القبائل بعضها أفصح من بعض. وهو الذي اختاره الطبري. وقال بعضهم: على سبعة أوجه من اللغات متفرقة في القرآن، لأنه لا يوجد حرف قرئ على سبعة أوجه. وقال بعضهم: وجه الاختلاف في القراءات سبعة، لأنه إما في إعراب الكلمة وبنائها مع تغاير المعنى أو اتحاده، وإما في الكلمة مع بقاء الصورة واختلاف المعنى، أو اختلاف الصورة واتحاد المعنى، أو تغايرهما معنى، فهذه خمس صور


(1) صحيح البخاري: ج 6 ص 227. (2) بحار الأنوار: ج 92 ص 83، والآية 39 من سورة ص. (*)

[ 30 ]

في منشأ الاختلاف. السادس: الاختلاف في التقديم والتأخير، نحو قوله * (وجاءت سكرة الموت بالحق) * (1) أو جاءت سكرة الحق بالموت. السابع: الاختلاف بالزيادة والنقصان. انتهى ما نقلناه من التبيان ملخصا. هذا، ولا يخفى أن منشأ اختلاف الصحابة الجامعين للقرآن - كعبد الله بن مسعود وابي بن كعب في بعض الآيات - هو أنهم قد استقر في نفوسهم أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وفسروا ذلك بسبع لغات مترادفة، فاختار منها كل حسب ميوله كما سيأتي البحث عنه إن شاء الله (2). وقد أخرج أحمد والطبراني من حديث أبي بكر عن ابن مسعود أن جبرئيل قال: يا محمد اقرأ القرآن على حرف، وقال ميكائيل: استزده، حتى بلغه سبعة أحرف. قال: كل شاف ما لم تخلطه آية عذاب برحمة، أو رحمة بعذاب. قال السيوطي: أسانيدها جياد (3). وعن ابي بن كعب أنه كان يقرأ * (كلما أضاء لهم مشوا فيه) * (4): " مروا فيه " و " سعوا فيه ". وعن ابن مسعود أنه كان يقرأ * (للذين آمنوا انظرونا) * (5): " امهلونا " و " أخرونا " (6). وعنه أنه قرأ " وتكون الجبال كالصوف المنفوش " بدل * (كالعهن المنفوش) * (7). وقرأ: " إني نذرت للرحمن صمتا " بدل * (صوما) * (8). وقرأ: " إن كانت إلا زقية واحدة " بدل * (صيحة واحدة) * (9). وعن الزمخشري: إنه فسر في قوله تعالى * (والسارق والسارقة فاقطعوا


(1) ق: 19. (2) في بحث " القراءات السبع " من هذا الكتاب. (3) الإتقان: ج 1 ص 48. (4) البقرة: 20. (5) الحديد: 13. (6) الإتقان: ج 1 ص 48. (7) القارعة: 5. (8) مريم: 26. (9) يس: 29 و 53. (*)

[ 31 ]

أيديهما) * (1) باليمينين، لأن ابن مسعود قرأ: " فاقطعوا أيمانهما ". وعن مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف، حتى رأيناه في قراءة ابن مسعود: " أو يكون لك بيت من ذهب " (2). وعن الأعمش قال: قرأ أنس هذه الآية: " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا "، فقال له بعض القوم: إنما هي * (وأقوم) * (3) فقال: أقوم وأصوب وأهيأ واحد (4). وبعد كل ذلك نعرف أن ابن مسعود والذين هم على رأيه يفسرون الحرف في رواية " نزل القرآن على سبعة أحرف " باللغة، أي نزل القرآن على سبع لغات. وبه قال الفيروز آبادي في القاموس وابن الأثير في نهايته، حيث جاء فيهما: وفي الحديث قال (صلى الله عليه وآله): نزل القرآن على سبعة أحرف، أراد (صلى الله عليه وآله) بالحرف اللغة، ثم قالا: وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، بل معناه: هذه اللغات السبع مفرقة في القرآن. وهذا كما ترى يدل على أن الأحرف السبعة كانت قد عبرت عصر عثمان مع أنهم يقولون: إن عثمان قد جمع الناس على قراءة واحدة. ويدل عليه: ما رواه البخاري من أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربايجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الامة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف فننسخها، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام


(1) المائدة: 38. (2) التمهيد في علوم القرآن: ج 1 ص 317 و 318. (3) المزمل: 6. (4) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان: ص 163. (*)

[ 32 ]

فنسخوها في المصاحف - إلى أن قال: - ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل افق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (1). قال العسقلاني في شرح هذا الحديث: وفي رواية عمارة بن خزية: أن حذيفة قدم من غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين أدرك الناس، قال: وما ذاك ؟ قال: غزوت فرج أرمينية فإذا أهل الشام يقرأون بقراءة ابي ابن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرأون بقراءة عبد الله ابن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام، فيكفر بعضهم بعضا (2). فيستفاد من هذا الحديث أن عثمان قد جمع المسلمين على قراءة واحدة، فقضى على الألفاظ المترادفة التي استحدثها ابن مسعود ومن قال بمقالته، ولم يبق منها شئ. ولعمري أن هذه النظرية - نظرية القراءة بالمعنى كما قيل - كانت أخطر نظرية في الحياة الإسلامية، لأنها أسلمت النص القرآني إلى هوى كل شخص يثبته على ما يهواه (3). وواضح أن تخيير الشخص أن يأتي من تلقاء نفسه بمرادفات لكلمات القرآن أو بما لا يخالفه يستلزم وقوع الريب في القرآن العزيز. وقد قال الله تعالى * (قل ما يكون لي أن ابدله من تلقاء نفسي إن اتبع إلا ما يوحى إلي) * (4). فعبد الله بن مسعود وابي بن كعب ونظراؤهما قد أخطأهم التوفيق في تفسير حديث " نزول القرآن على سبعة أحرف " ثم تجويزهم للمسلم تبديل كلمات الله بما يراد منها، أو بما لا يخالفها. فلابد من القول بأن معنى حديث " نزول القرآن على سبعة أحرف " ليس هو ما فهموه وذهبوا إليه، فما هو ذلك المعنى يا ترى ؟


(1) صحيح البخاري: ج 6 ص 226. (2) فتح الباري: ج 9 ص 14 و 15. (3) مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح: ص 107. (4) يونس: 15. (*)

[ 33 ]

أهل البيت (عليهم السلام) وهذا الحديث: ولا يوافق الأئمة المعصومون على هذا التفسير الشائع لسبعة أحرف، وقد سئل الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) عما يقوله الناس من أن القرآن نزل على سبعة أحرف فقال: كذبوا - إلى أن قال: - ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد (1). وروى ثقة الإسلام الكليني بسنده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة (2). ومن المعلوم أن الاختلاف المشار إليه في عصره (عليه السلام) هو الاختلاف في القراءات الموروثة عن ابن مسعود وأمثاله، فالإمام إذا يكذب هذا النحو من الاختلاف. قال الفقيه الهمداني - بعد نقله حديث التكذيب هذا -: ولعل المراد بتكذيبهم تكذيبهم بالنظر إلى ما أرادوه من هذا القول مما يوجب تعدد القرآن، وإلا فالظاهر كون هذه العبارة صادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، بل يدعي تواتره (3). ومن الواضح أنه إذا صدر عن العترة (عليهم السلام) قولا فالواجب على كل مسلم هو الأخذ بقولهم واتباعهم وطرح كل الأقوال التي تخالفهم، كيف وقد قرنهم الرسول (صلى الله عليه وآله) بكتاب الله المجيد، كما في الحديث المتواتر عنه: يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. قال العلامة السيد شرف الدين في المراجعات: والصحاح الحاكمة بوجوب التمسك بالثقلين متواترة، وطرقها عن بضع وعشرين صحابيا متضافرة، وقد صدع بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مواقف له شتى (4)، انتهى. وقد جمع الفاضل الوشنوي طرق الحديث في رسالة خاصة نشرتها دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة. إذا، فلابد من الرجوع إليهم والاعتماد عليهم في معرفة المراد من حديث


(1 و 2) الكافي: ج 2 ص 606 كتاب فضل القرآن. (3) مصباح الفقيه للهمداني: ص 274 كتاب الصلاة. (4) المراجعات: المراجعة 8 ص 19. (*)

[ 34 ]

سبعة أحرف، فنجد أمامنا مما نقل عنهم ما يلي: 1 - روى العلامة المجلسي بسنده عن حماد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الأحاديث تختلف عنكم، قال: فقال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه، ثم قال: * (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) * (1). قال الفيض الكاشاني (رحمه الله) في مقدمة تفسيره: إن هذا نص في البطون والتأويلات. 2 - ما رواه أيضا عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: تفسير القرآن على سبعة أحرف منه ما كان ومنه ما لم يكن بعد، ذلك تعرفه الأئمة (2). فالذي يستفاد من هذين الحديثين هو أن المراد من الأحرف السبعة هو الوجوه التي ترجع إلى معاني كلام الله وتأويلاته، وهذه المعاني سبعة إن كان المراد بالسبعة نفس معناها الأصلي، وإن كان المقصود بالسبعة هنا الكناية عن الكثرة في الآحاد - كما يكنى بكلمة سبعين عن الكثرة في العشرات - فيكون المراد هو أن القرآن نزل على حروف كثيرة آحادها. وربما يستشهد لهذا المعنى الثاني بما رواه في بحار الأنوار عن المعلى بن خنيس، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله، لكن لا تبلغه عقول الرجال (3). الفرق بين هذا التفسير وغيره: وتفسير الحرف بالوجه ربما نجده في كلام كثير من العلماء، فراجع الإتقان للسيوطي، ومناهل العرفان للزركشي، في هذا الباب، قال في هذا الأخير: القول التاسع - أي في معاني الأحرف - وهو أن المراد ب‍ " الأحرف السبعة " السبعة أوجه


(1) بحار الأنوار: ج 92 ص 83، والآية 39 من سورة ص. (2) المصدر السابق: ص 98. (3) المصدر السابق: ص 100. (*)

[ 35 ]

من الألفاظ المختلفة في كلمة واحدة ومعنى واحد... وهذا القول منسوب لجمهور أهل الفقه والحديث، منهم سفيان، وابن وهب، وابن جرير الطبري، والطحاوي (1). ولكن ثمة فرق بين تفسير هؤلاء وتفسير الأئمة (عليهم السلام)، فإن الأئمة قالوا بأن المراد هو سبعة أوجه من المعاني، وهؤلاء قالوا بسبعة أوجه للألفاظ المختلفة، وإن اتفقوا على تفسير الحرف بالوجه. ويؤيد هذا الذي ذهبنا إليه تبعا لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير الأحرف السبعة ما رواه ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره عن أنس بن عياض عن أبي حازم عن أبي سلمة قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " انزل القرآن على سبعة أحرف " فالمراء فيه كفر - ثلاث مرات - فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه. حيث إن المستفاد من هذا الحديث هو أن السبعة أحرف هي في المعاني لا في الألفاظ. فتلخص: أن القرآن انزل على سبعة وجوه من المعاني والتأويلات، لكن لا تبلغ العقول إلا الأقل منها، ولابد من الرجوع إلى الراسخين في العلم في الأكثر. والظاهر أنه مأخوذ من الحرف وهو الطرف والجانب، وكأن للألفاظ القرآنية جوانب وأطرافا، أي معاني كلها محتملة احتمالا قريبا، وهذا النحو من الاستعمال شائع في اللغة الفارسية، فيقولون: إن كلامه " دو پهلو است " أي أنه ذو معنيين محتملين احتمالا قريبا، يساوي أحدهما الآخر في الظهور. حكمة نزول القرآن على سبعة أحرف بالمعنى الذي قلناه: وأما وجه الحكمة في نزول القرآن كذلك فلعله هو الذي أشار إليه محمد عبده عند حديثه عن الحكمة في وجود المتشابه في القرآن حيث قال: إن وجود


(1) مناهل العرفان: ج 1 ص 167. (*)

[ 36 ]

المتشابه في القرآن كان حافزا للعقل المؤمن إلى النظر كي لا يضعف فيموت، فإن السهل الجلي جدا لا عمل للعقل فيه، والعقل أعز القوى الإنسانية التي يجب تربيتها (1). أو غير ذلك من وجوه الحكمة التي لا تبلغها العقول. وبعد كل هذا فلا يبقى مجال للإشكال بأنه إذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يريد السعة للامة فكيف منعها عثمان من ذلك وأمر بقراءة واحدة وأحرق كل ما عداها ؟ مع أن الامة كانت بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) بحاجة إلى التوسعة. ولا يبقى مجال أيضا للإشكال الآخر وهو: أن ما نسب إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) من أنه قال: " إن امتي لا تطيق ذلك إذا قرأوا بحرف واحد " لا يتلائم مع ما جرى بعد عثمان، حيث إن الامة قد أطاقت ذلك وكان لها ميسورا، وتلقته منه بالقبول. فإن هذين الإشكالين يردان على تفسيرات غير الأئمة لحديث نزول القرآن على سبعة أحرف، أما وقد عرفنا التفسير الحقيقي لهذه الكلمة عن أهل بيت العصمة فلا يبقى ثمة إشكال، والحمد لله المتعال.


(1) راجع مجلة الهادي: السنة الخامسة العدد 3 ص 33. (*)

[ 37 ]

كيف كان لقاء جبرئيل للنبي (صلى الله عليه وآله) ؟ 1 - كان يستأذن على النبي (صلى الله عليه وآله). 2 - كان يقعد بين يديه كما يقعد العبد. 3 - كان يأتي إليه في صورة الآدميين إلا مرتين. 4 - كان يأتي إليه على صورة دحية الكلبي. 5 - في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) مقام اسمه مقام جبرئيل (عليه السلام) يستحب الدعاء فيه. وقبل أن نتكلم حول هذه النقاط لابد من الإشارة إلى أن هذه امور توقيفية، فلابد من الرجوع فيها إلى الروايات الواردة في بيانها، فنقول: أدب جبرئيل: روى المحدث الحر العاملي بسند صحيح عن معاوية بن عمار أنه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ائت مقام جبرئيل (عليه السلام) - وهو تحت الميزاب، فإنه كان مقامه إذا استأذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) - فقل... الخ (1). وروى أيضا عن عمر بن يزيد قال: حاضت صاحبتي وأنا بالمدينة - إلى أن قال: - فذكرت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: مرها فلتغتسل، ولتأت مقام


(1) وسائل الشيعة: ج 10 ص 271 ب 8 من أبواب المزار. (*)

[ 38 ]

جبرئيل (عليه السلام)، فإن جبرئيل كان يجئ فيستأذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن كان على على حال لا ينبغي له أن يأذن له قام في مكانه حتى يخرج إليه، وإن أذن له دخل عليه... الخ (1). وفي البحار للمحقق المجلسي نقلا عن الشيخ الصدوق في عقائده قوله: اعتقادنا في نزول الوحي من عند الله عز وجل... فأما جبرئيل (عليه السلام) فإنه كان لا يدخل على النبي (صلى الله عليه وآله) حتى يستأذنه إكراما له، وكان يقعد بين يديه قعدة العبد (2). وقد أخذه من الروايات المصرحة بذلك، مثل ما رواه في علل الشرائع: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الله البرقي، قال: حدثني أبي عن جده أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان جبرئيل (عليه السلام) إذا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) قعد بين يديه قعدة العبد، وكان لا يدخل حتى يستأذنه (3). وفي البحار نقلا عن كمال الدين للشيخ الصدوق: سئل الصادق (عليه السلام) عن الغشية التي كانت تأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) أكانت تكون عند هبوط جبرئيل ؟ فقال: لا، إن جبرئيل إذا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) لم يدخل عليه حتى يستأذنه، فإذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد، وإنما ذلك عند مخاطبة الله عز وجل إياه بغير ترجمان وواسطة. حدثنا بذلك ابن إدريس عن أبيه عن جعفر بن محمد عن محمد بن الحسين بن زيد عن الحسين بن علوان عن عمر بن ثابت عن الصادق (عليه السلام) (4). وفي البحار أيضا نقلا عن أمالي الشيخ الطوسي: أنه روت جماعة عن أبي المفضل عن عدة (قد سماهم) عن ابن عباس قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغدو إليه علي (عليه السلام) في الغداة، وكان يحب أن لا يسبقه إليه أحد، فإذا النبي (صلى الله عليه وآله) في صحن الدار، وإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي، فقال: السلام عليك، كيف أصبح


(1) وسائل الشيعة: ج 9 ص 509 ب 93 من أبواب الطواف. (2) بحار الأنوار: ج 18 ص 248. (3) علل الشرائع: ص 7 الباب 7. (4) بحار الأنوار: ج 18 ص 260. (*)

[ 39 ]

رسول الله ؟ قال: بخير يا أخا رسول الله - إلى أن قال: - فأخذ رأس النبي (صلى الله عليه وآله) فوضعه في حجره (أي حجر علي) فانتبه النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ما هذه الهمهمة، فأخبره الحديث، فقال: لم يكن دحية، كان جبرئيل، سماك باسم سماك الله تعالى به... الخ (1). وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن جبرئيل كان يعظم النبي ويكرمه غاية الإكرام، حتى أنه ليضع رأسه في حجره لينام. الوحي على نوعين: هذا وقد نطقت الأخبار الكثيرة بأنه إذا كان الوحي للنبي (صلى الله عليه وآله) بواسطة جبرئيل فلا يثقل الوحي على النبي (صلى الله عليه وآله) ولا تصيبه السبتة. فقد روى الشيخ أبو جعفر البرقي في العلل من المحاسن عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أتاه الوحي من الله وبينهما جبرئيل يقول: هو ذا جبرئيل، وقال لي جبرئيل، وإذا أتاه الوحي وليس بينهما جبرئيل تصيبه تلك السبتة، ويغشاه منه ما يغشاه لثقل الوحي عليه من الله عز وجل (2). وعن الشيخ الصدوق في التوحيد بإسناده عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك، الغشية التي كانت تصيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه الوحي ؟ قال: فقال: ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذلك إذا تجلى الله له. قال: ثم قال: تلك النبوة يا زرارة، وأقبل يتخشع (3). وفي صحيح البخاري: حدثنا فروة حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل النبي (صلى الله عليه وآله): كيف يأتيك الوحي ؟ قال: كل ذلك يأتي، الملك أحيانا في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني، وقد وعيت ما قال، وهو أشده علي، ويتمثل لي الملك أحيانا رجلا، فيكلمني فأعي


(1) بحار الأنوار: ج 18 ص 267. (2) المحاسن: في قسم العلل ص 338. (3) التوحيد: ص 115 حديث 15. (*)

[ 40 ]

ما يقول (1). روى مثله مسلم والبيهقي، وفي الطبقات والبداية والنهاية قريب منه أيضا. وروى في الطبقات عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمه أنه بلغه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبرئيل فيلقيه علي كما يلقي الرجل على الرجل فذلك يتفلت مني، ويأتيني في شئ مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي، فذاك الذي لا يتفلت مني (2). ويستفاد من هذه الأحاديث أن الغشية إنما كانت تصيبه لو لم يكن جبرئيل بيينه وبين الله عز وجل، أما إذا كان جبرئيل فلا يصيبه شئ من ذلك، وهذه النقطة - وهي حصول السبتة والغشية له (صلى الله عليه وآله) لو لم يكن جبرئيل - لابد من بحثها وتمحيصها، ولسنا الآن في صدد ذلك، وإنما ذلك له محل آخر. فما روي في طبقات ابن سعد مطلقا من أنه (صلى الله عليه وآله) إذا اوحي إليه وقذ لذلك كهيئة السكران - ولا يخفى ما في هذا التعبير من الإساءة إلى قدس رسول الله (صلى الله عليه وآله) - أو فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض، ولا يتثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد - كما عن مسند أحمد - غير مقبول، ولابد من حمله على صورة ما لو لم يكن جبرئيل هو الواسطة بينه (صلى الله عليه وآله) وبين الله سبحانه. وما عن أبي عوانة في صحيحه بعد قوله (صلى الله عليه وآله) " وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ": وهو أهونه علي (3) يشهد ويدل على أن تكليم جبرئيل كان أهون الوحي وأسهله على النبي (صلى الله عليه وآله). لماذا السبتة ؟ ولعل حصول السبتة وعروض الغشية له (صلى الله عليه وآله) إذا كان الوحي بلا واسطة - إن


(1) صحيح البخاري: ج 4 ص 136. (2) الطبقات الكبرى: ج 1 ص 131 باب شدة نزول الوحي. (3) الإتقان: ج 1 ص 46. (*)

[ 41 ]

صحت - لعلها من جهة رؤيته (صلى الله عليه وآله) عظمة الله وجلاله، وقد قدمنا رواية الشيخ الصدوق عن أبي عبد الله (عليه السلام) والتي فيها أن تلك الغشية إنما هي إذا تجلى الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله)، أي ظهر أمره وجلاله وعظمته لا أنه ظهر بنفسه، فإن رؤيته محال على ما حقق في محله، وليس هذا إلا على حد قوله تعالى: * (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) * (1). أي تجلى بنوره، كما عن ابن عباس على ما في مجمع البيان. وقال في تفسير الجلالين: أي ظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر، كما في حديث صححه الحاكم. على أي صورة كان يأتي جبرئيل ؟ بقي الكلام في أنه هل كان جبرئيل يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) على صورته الأصلية أم أنه كان تارة يأتيه على صورة الآدمي واخرى على صورته الأصلية ؟ وأيضا إذا كان يأتيه على صورة الآدمي فهل كان يأتيه على هيئة شخص معين أم أنه أتاه على صور أشخاص متعددين ؟ وإذا فرضنا أنه كان يأتيه على هيئة رجل خاص فمن هو ذلك الرجل الذي كان يأتيه جبرئيل على هيئته ؟ فلابد لنا من الإشارة باختصار إلى حقيقة الأمر في هذه الناحية، فنقول: إن المستفاد من الروايات والأقوال أنه (عليه السلام) جاء على صورة دحية بن خليفة الكلبي، إلا مرتين جاء فيهما على صورته الأصلية، على ما في تفسير الصافي للفيض (رحمه الله) قال فيه: وروي: ما رآه - أي جبرئيل - أحد من الأنبياء في صورته غير محمد، مرة في السماء، ومرة في الأرض (2). وقد تعرض الشيخ الطبرسي في مجمع البيان لهما عند تعرضه لتفسير الآية المباركة: * (أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة اخرى) * (3). قال (رحمه الله): أي رأى


(1) الأعراف: 143. (2) في تفسير سورة النجم، عند تفسير قوله " فاستوى ". (3) النجم: 12 و 13. (*)

[ 42 ]

جبرئيل في صورته التي خلق عليها. وقال عند تفسيره * (علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى) * (1): أي جبرئيل على صورته التي خلق عليها - إلى أن قال: - قالوا (لعله يقصد الذين سبقوا في كلامه، وهم: ابن عباس والربيع وقتادة): إن جبرئيل كان يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) في صورة الآدميين، فسأله النبي (صلى الله عليه وآله) أن يريه نفسه (عليه السلام) على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء. وقال السيوطي عند تفسيره لهذه الآيات: وقد رآه النبي (صلى الله عليه وآله) على صورته التي خلق عليها، فرآه النبي (صلى الله عليه وآله) وكان بحراء، وقد سد الافق إلى المغرب، فخر مغشيا عليه، وكان قد سأله أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فواعده بحراء، فنزل جبرئيل على صورة الآدميين... الخ (2). وأما أنه على هيئة أي رجل كان يأتيه جبرئيل فإنني ما رأيت موردا يدل دلالة واضحة على أنه كان دائما ينزل على صورة شخص بعينه. إلا أنه قد ورد في الروايات والتواريخ ذكر موارد خاصة، نزل فيها جبرئيل على صورة دحية بن خليفة الكلبي. منها: ما سبق عن أمالي الشيخ عن ابن عباس قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغدو إليه علي في الغداة، وكان يحب أن لا يسبقه إليه أحد، فإذا النبي في صحن الدار، وإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي - إلى أن قال: - فانتبه النبي فقال: ما هذه الهمهمة، فأخبره الحديث، فقال: لم يكن دحية، كان جبرئيل... الخ (3). ومنها: ما في صحيح البخاري بسنده إلى أبي عثمان قال: انبئت أن جبرئيل (عليه السلام) أتى النبي (صلى الله عليه وآله) وعنده ام سلمة فجعل يتحدث، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لام سلمة: من هذا ؟ أو كما قال، قالت: هذا دحية، فلما قام قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) يخبر خبر جبرئيل... الخ (4).


(1) النجم: 5 و 6. (2) تفسير الجلالين: في تفسير سورة النجم. (3) بحار الأنوار: ج 18 ص 267. (4) صحيح البخاري: ج 6 ص 223، وقريب منه ما في ج 4 ص 250. (*)

[ 43 ]

ومنها: ما ورد في البحار في غزوة بني قريظة، وفيه: فخرج فاستقبله حارثة ابن نعمان، فقال له: ما الخبر يا حارثة ؟ فقال: بأبي وامي يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، هذا دحية الكلبي ينادي في الناس: ألا لا يصلين العصر أحد إلا في بني قريظة، فقال: ذاك جبرئيل... الخ (1). إلى آخر ما هنالك من القضايا المشابهة لما ذكرنا، وهي كما ترى لا تدل على أنه كان ينزل دائما على صورة دحية الكلبي، لكنه قد روي عن حذيفة بن اليمان حديث لا يبعد أن يستفاد منه العموم، وهو أنه قال: إن الناس كانوا يدخلون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل الحجاب إذا شاؤوا، فنهاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدخل أحد إليه وعنده دحية بن خليفة الكلبي (2). وعلى ما نقله في البحار في مورد آخر، قال حذيفة: وإني أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما في حاجة فرأيت شملة مرخاة على الباب، فرفعت الشملة فإذا أنا بدحية الكلبي، فغمضت عيني فرجعت، قال: فلقيت علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال لي: يا عبد الرحمن من أين أقبلت ؟ قلت: أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حاجة، فلما أتيت منزله رأيت شملة مرخاة على الباب، فرفعت الشملة فإذا أنا بدحية الكلبي فرجعت. قال: فقال لي علي (عليه السلام): ارجع يا حذيفة - إلى أن قال: - فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا علي من حجر من أخذت رأسي ؟ وغاب دحية، فقال: أظنه من حجر دحية الكلبي، قال: أجل، فأي شئ قلت ؟ وأي شئ قيل لك ؟ قال: قلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد علي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): طوبى لك يا علي، سلمت عليك الملائكة بإمرة المؤمنين (3). فالمستفاد منه أنه (صلى الله عليه وآله) قد منع الناس من الدخول عليه إذا كان دحية عنده،


(1) بحار الأنوار: ج 20 ص 233. (2) بحار الأنوار: ج 28 ص 90 نقلا عن إرشاد القلوب للديلمي. (3) بحار الأنوار: ج 37 ص 326 نقلا عن كشف اليقين للعلامة الحلي. (*)

[ 44 ]

من جهة أنه لعله جبرئيل، فلا يليق، ولا ينبغي الدخول عليه وهو عنده فإذا فرض أن جبرئيل كان يتمثل أيضا بصورة شخص غير دحية فلابد من النهي أيضا عن الدخول على النبي (صلى الله عليه وآله) إذا كان ذلك الشخص الذي يحتمل أنه جبرئيل عنده. وإذا أضفنا إلى ذلك كله ما ورد في ترجمة دحية فإنه يحصل لنا الاطمئنان بأنه كان دائما يأتي على صورة دحية إلا مرتين. قال في الإصابة: وكان (أي دحية) يضرب به المثل في حسن الصورة، وكان جبرئيل ينزل على صورته، جاء ذلك في حديث ام سلمة، ومن حديث عائشة، وعن الطبراني من حديث عفير بن معدان عن قتادة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: كان جبرئيل يأتيني على صورة دحية الكلبي (1). وفي الاستيعاب قال: وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشبه دحية الكلبي بجبرئيل (عليه السلام). ومثل ذلك جاء في الطبقات في عدة روايات، وفيه قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن ابن شهاب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أشبه من رأيت بجبرئيل دحية الكلبي (2). وفي الطبقات أيضا قال: أخبرنا عفان بن سلم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن إسحاق بن سويد عن يحيى بن يعمر عن ابن أبي عمير عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: كان جبرئيل يأتي النبي في صورة دحية الكلبي (3). وقال في قاموس الرجال: دحية بن خليفة الكلبي عده أبو عمر وغيره في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شهد احدا وما بعدها، وفي أخبار الفريقين: أن جبرئيل (عليه السلام) كان يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) في صورته، وذلك دليل ثقته (4).


(1) الإصابة: ج 1 ص 473. (2) الطبقات الكبرى: ج 4 ص 184. (3) الطبقات الكبرى: ج 4 ص 184. (4) قاموس الرجال: ج 4 ص 272 تحت رقم 2759. (*)

[ 45 ]

الجمع بين الأقوال: هذا، ويمكن الجمع بين هذه الأقوال وبين الأقوال الدالة على أن جبرئيل (عليه السلام) كان يأتي على صورة دحية كثيرا كما في البداية والنهاية، أو أنه كان يأتي على صورته أحيانا كما في اسد الغابة ورجال المامقاني، بأن يقال: إن جبرئيل (عليه السلام) كان إذا تمثل رجلا فإنه يتمثل بصورة دحية دائما، وهذا لا ينافي أن يكون هذا التمثل قليلا بالنسبة إلى الموارد التي لا يتمثل فيها على صورة الآدميين، وهي كثيرة: قال في المناقب: وسمعت مذاكرة أنه نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستين ألف مرة (1). وسواء كان ذلك مبالغة أو لم يكن فإن النتيجة تكون أنه إذا تمثل بصورة الآدمي تمثل بصورة دحية، وأن ذلك كان أحيانا. وأما مجيئه على غير صورة الآدمي وكونه على صورة الملك فقد كان أكثر، والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على عباده المصطفين.


(1) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 44. (*)

[ 46 ]

هل نزل القرآن سورا كاملة أو آيات متفرقة ؟ إن القرآن الكريم لم ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله) دفعة واحدة، وإنما نزل تدريجا وفي أوقات مختلفة. قال تعالى: * (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) * (1) أي كذلك نزلناه متفرقا لنثبت به فؤادك ونقويه به بإنزال الآيات في الموارد المختلفة وكلما دعت الحاجة إلى ذلك، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) حين يرى أن الله سبحانه يؤيده بالآيات ويبطل ما تحمله أعداؤه من أجل إبطال أمره يتشجع ويصبح أكثر اندفاعا في تبليغ الدعوة. وقال تعالى: * (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) * (2). هذا وعد من الله سبحانه أن يأتيه بالحق على أكمل وجه وأتم صورة ليدحض به أباطيل اولئك كلما جاؤوا بكلام يعارض به كلام الله سبحانه، نظير قوله تعالى حكاية عنهم * (لولا انزل إليه ملك فيكون معه نذيرا * أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) * (3). والمراد بالأمثال هو أباطيلهم وأقوالهم التي جاؤوا بها.


(1) الفرقان: 32. (2) الفرقان: 33. (3) الفرقان: 7 - 9. (*)

[ 47 ]

ثم إن السور التي نزلت دفعة واحدة أو قيل بنزولها كذلك كثيرة ومتعددة فمنها: 1 - سورة المائدة: ويدل عليه ما رواه العياشي عن عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بآخره، وكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة فنسخت ما قبلها ولم ينسخها شئ. لقد نزلت عليه وهو على بغلة شهباء وثقل عليه الوحي حتى وقعت، وتدلى بطنها حتى رأيت سرتها تكاد تمس الأرض، واغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجمحي، ثم رفع ذلك عن رسول الله فقرأ علينا سورة المائدة فعمل رسول الله وعملنا (1). وبإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: نزلت المائدة كملا ونزل معها سبعون ألف ملك (2). ولكن السيوطي في الإتقان لم يعدها مما نزل جملة واحدة. 2 - سورة الأنعام: ويدل عليه عدة روايات منها: 1 - ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره قال: حدثني أبي عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: نزلت الأنعام جملة واحدة ويشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتكبير، فمن قرأها سبحوا له إلى يوم القيامة. 2 - ما رواه العياشي في تفسيره عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة وشيعها سبعون ألف ملك حين انزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعظموها وبجلوها... الخ.


(1) تفسير العياشي: في تفسير سورة المائدة. (2) تفسير مجمع البيان: في تفسير سورة المائدة. (*)

[ 48 ]

3 - ما عن الطبراني بطرق مختلفة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن مجاهد وعن عطاء أنها نزلت جملة واحدة (1). 4 - ما رواه الحاكم في المستدرك عن جابر قال: لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الافق (2). 5 - ما ذكره صاحب مجمع البيان عن ابي بن كعب وعكرمة وقتادة أنها كلها نزلت بمكة جملة واحدة ليلا. ولكن هناك أقوالا وروايات اخرى تدل على أنها لم تنزل جملة واحدة، بل نزلت آيات منها في المدينة واخرى في مكة. فإذا صحت هذه الأقوال والروايات فلابد من التأويل والقول بأن سورة الأنعام قد نزلت جملة واحدة ولكن بعض آياتها قد نزلت ثانية لما لهذه الآيات من الأهمية. 3 - سورة التوبة: ويدل عليه ما عن الثعلبي بإسناده عن عائشة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ما نزل علي القرآن إلا آية آية وحرفا حرفا خلا سورة البراءة وقل هو الله أحد، فإنهما نزلتا علي ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة كل يقول: يا محمد استوص بنسبة الله خيرا (3). غير أن السيوطي في الإتقان لم يعدهما مما نزل جملة واحدة، ويؤيده ما عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن فضل عن ابن أبي عمير عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزلت هذه الآية بعدما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة - إلى أن قال: - فلما نزلت الآيات من سورة البراءة... الخ (4).


(1) الإتقان: ج 1 ص 37 باب فيما نزل مفرقا. (2) المستدرك على الصحيحين للحاكم: ج 2 ص 315. (3) مجمع البيان: في تفسير سورة التوبة. (4) تفسير البرهان: في تفسير سورة التوبة. (*)

[ 49 ]

هذه الرواية خصوصا قوله (عليه السلام) " فلما نزلت الآيات من سورة البراءة " دالة على نزول هذه الآيات مجردة عن غيرها. ويؤيده أيضا بعض الأقوال الواردة في شأن نزول الآيات مثل ما روى السيوطي في أسباب النزول عن مسلم وابن حبان وأبي داود عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما ابالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام. وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذلك يوم الجمعة. ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله * (أجعلتم سقاية الحاج - إلى قوله: - لا يهدي القوم الظالمين) *. فظهر أن القول بعدم نزولها جملة لا يخلو عن رجحان لكثرة الآثار الدالة على نزول بعض الآيات مجردة عن غيرها (1). 4 - سورة المرسلات: وقد عدها في الإتقان مما نزل جمعا، ثم روى عن المستدرك عن ابن مسعود قال: كنا مع النبي (صلى الله عليه وآله) في غار فنزلت عليه " والمرسلات عرفا " فأخذتها من فيه وأن فاه رطب بها فلا أدري بأيها ختم * (فبأي حديث بعده يؤمنون) * أو * (إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) * (2). ولكن السيوطي قال في أسباب النزول: أخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: " وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون " قال: نزلت في ثقيف (3). وفي تفسير مجمع البيان عند تفسير الآية قال مقاتل: نزلت في ثقيف حين


(1) هامش تفسير الجلالين: ص 411 في تفسير سورة التوبة. (2) الإتقان: ج 1 ص 38. (3) هامش تفسير الجلالين: ص 779 في تفسير سورة المرسلات. (*)

[ 50 ]

أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالصلاة، فقالوا: لا ننحني، والرواية: لا نحني فإن ذلك سبة علينا. فقال (صلى الله عليه وآله): لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود. أقول: ولكن بعد أن تردد ابن مسعود في شأن هذه السورة ولم يعرف أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ختمها بقوله تعالى: " وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون " حتى تبقى منها الآيتان، أو بقوله: " فبأي حديث بعده يؤمنون " حتى تتم السورة، فإن هذه الرواية لا تثبت أنها نزلت كاملة، مضافا إلى ما نقل عن مقاتل أن قوله تعالى " وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون " نزل في ثقيف، وإلى ما قال الفاضل البحراني في البرهان عند تفسير السورة أنها مكية إلا الآية 48 فمدنية. 5 - سورة الصف: حيث عدها السيوطي في الإتقان مما نزل جمعا مستندا في ذلك إلى ما رواه الحاكم في المستدرك وغيره عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه، فأنزل الله سبحانه * (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم * يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) * حتى ختمها. قال عبد الله: فقرأها علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى ختمها (1). لكن الموجود في المستدرك عند تفسير الصف هكذا: عن عبد الله بن سلام - إلى أن قال: - فأرسل إلينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجمعنا، فجعل يؤمي بعضنا إلى بعض فقرأ علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) " سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم * يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون " إلى آخر السورة. وفي أسباب النزول للسيوطي: أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: * (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم) * قال المسلمون: لو علمنا ما هذه التجارة لأعطينا فيها الأموال


(1) الإتقان: ج 1 ص 13. (*)

[ 51 ]

والأهلين، فنزلت " تؤمنون بالله ورسوله ". وفي تفسير مجمع البيان نزل قوله " لم تقولون " في المنافقين، عن الحسن. أقول: إن الاعتبار يقتضي نزول السورة متفرقا لأن مضامينها مختلفة ولأن المفهوم منها أن بعض الآيات كانت كأنها مسبوقة بالسؤال كقوله تعالى " لم تقولون ما تفعلون " كما قيل. وروي عن مقاتل: قوم كانوا يقولون: إذا لقينا العدو لم ننفر ولم نرجع عنهم، ثم لم يفوا بما قالوا، وانفلتوا يوم احد حتى شج وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكسرت رباعيته (1). 6 - سورة الفاتحة: وقد عدها السيوطي مما نزل جمعا ثم قال: قال ابن حبيب واتبعه ابن النقيب: من القرآن ما نزل مشيعا وهو سورة الأنعام، شيعها سبعون ألف ملك، وفاتحة الكتاب نزلت ومعها ثمانون ألف ملك (2). لكننا لم نعثر على من صرح بنزول سورة الفاتحة جملة واحدة إلا ما ذكره السيوطي. ويؤيده أن الاعتبار يقتضي نزول السور القصار دفعة كاملة. 7 - سورة العاديات: لم يعدها السيوطي مما نزل جمعا ولكنه قال في أسباب النزول: أخرج البزار وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيلا ولبثت شهرا لا يأتيه منها خبر فنزلت " والعاديات ضبحا ". وروى علي بن إبراهيم في تفسيره عن الحسين بن علي بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله * (والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا) * قال: هذه السورة نزلت في أهل وادي اليابس... الخ.


(1) مجمع البيان: في تفسير سورة الصف. (2) الإتقان: ج 1 ص 37. (*)

[ 52 ]

وفي تفسير مجمع البيان عن مقاتل أن المنافقين قالوا: إن سرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) قتلوا جميعا فنزلت السورة. وقيل: نزلت السورة لما بعث النبي (صلى الله عليه وآله) عليا إلى ذات السلاسل. فظهر أن نزولها دفعة لا يخلو عن شواهد. 8 - سورة الضحى: عن ابن عباس: احتبس الوحي عنه (صلى الله عليه وآله) خمسة عشر يوما فقال المشركون: إن محمدا (صلى الله عليه وآله) قد ودعه ربه وقلاه، ولو كان أمره من الله تعالى لتتابع عليه فنزلت السورة (1). ونقل صاحب تفسير مجمع البيان أقوالا دالة على نزولها دفعة، ولكن السيوطي عدها مما نزل مفرقا. وقال: إن أول ما نزل منها إلى قوله " فترضى " كما في حديث الطبراني، وقال أيضا في أسباب النزول: أخرج الشيخان وغيرهما عن جندب قال: اشتكى النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يقم ليلة أو ليلتين فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله * (والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى) *. وروى الحاكم في المستدرك عن حماد بن زيد عن عطية بن السائب عن سعيد عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: سألت الله مسألة وددت أني لم أكن سألته، ذكرت رسل ربي فقلت: يا ربي سخرت لسليمان الريح وكلمت موسى فقال تعالى: ألم أجدك يتيما فآويتك، وضالا فهديتك، وعائلا فأغنيتك ؟ فقلت: نعم، فوددت أني لم أسأله (2). فظهر أنها مما اختلفوا في نزولها مفرقا أو جمعا. 9 - سورة الإخلاص: عدها في الإتقان مما نزل جميعا. وقال في مجمع البيان في تفسير سورة


(1) مجمع البيان: في تفسير سورة الضحى. (2) المستدرك على الصحيحين: في سورة الضحى. (*)

[ 53 ]

الإخلاص: قيل إن المشركين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): انسب لنا ربك، فنزلت السورة، عن ابي بن كعب وجابر. وقيل: أتى عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخو لبيد النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال عامر: إلى ما تدعونا يا محمد ؟ فقال: إلى الله، فقال: صفه لنا أمن ذهب هو أم من فضة، أم من حديد أم من خشب ؟ فنزلت السورة. وأرسل الله الصاعقة على أربد فأحرقته، وطعن عامر في خصره فمات، عن ابن عباس. وروى السيوطي في أسباب النزول عن الترمذي والحاكم وابن خزيمة من طريق أبي العالية عن ابي بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): انسب لنا ربك، فأنزل الله " قل هو الله أحد... الخ ". أقول: هذه أيضا مما لا خلاف في أنها نزلت جمعا ويشهد عليه مضمون السورة التي كلها أوصاف لله تعالى، مضافا إلى أن الاعتبار في السور القصيرة يقتضي نزولها دفعة كاملة كما لا يخفى. 10 - سورة الكافرون: لم يعدها السيوطي في الإتقان مما نزلت جمعا، ولكنه قال في أسباب النزول: أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن قريشا دعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، فقالوا: هذا لك يا محمد وتكف عن شتم آلهتنا ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة. قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي. فأنزل الله " قل يا أيها الكافرون " إلى آخر السورة وأنزل * (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون) * (1). 11 - سورة الكوثر: عدها في الإتقان مما نزل جمعا، وروى عن مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة فرفع رأسه متبسما، فقال: انزلت علي


(1) الزمر: 64. (*)

[ 54 ]

آنفا سورة فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم * إنا أعطيناك الكوثر " حتى ختمها... الحديث (1). وقال في أسباب النزول: أخرج ابن المنذر عن ابن جريح قال: بلغني أن إبراهيم ولد النبي (صلى الله عليه وآله) لما مات قالت قريش: أصبح محمد أبتر، فغاضه ذلك، فنزلت " إنا أعطيناك الكوثر " تعزية له. وفي تفسير علي بن إبراهيم: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسجد وفيه عمرو بن العاص والحكم بن أبي العاص، قال عمرو: يا أبا الأبتر، وكان الرجل في الجاهلية إذا لم يكن له ولد سمي أبتر. ثم قال عمرو: إني لأشنأ محمدا، أي أبغضه، فأنزل الله على رسوله (صلى الله عليه وآله) * (إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن شانئك - أي مبغضك عمرو بن العاص - هو الأبتر) * يعني لا دين له ولا نسب. فيظهر مما تقدم أن الكوثر نزلت دفعة. وما نقل في أسباب النزول عن البزار وعميرة بسند (قال: إنه صحيح) عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقالت له قريش: أنت سيدهم، ألا ترى هذا المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السقاية وأهل السدانة، فقال: أنتم خير منه، فنزلت " إن شانئك هو الأبتر " فلعل الآية في ضمن السورة فلا منافاة. 12 - سورة تبت: عدها في الإتقان مما نزل جمعا. وقال في أسباب النزول: أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم على الصفا فنادى: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني ؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل الله " تبت يدا أبي لهب... إلى آخرها ". ورواه صاحب مجمع الببيان في تفسيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، والذي يظهر أن سورة تبت نزلت جملة واحدة، إذ أني لم أر خلافا في ذلك.


(1) الإتقان: ج 1 ص 14. (*)

[ 55 ]

13 - سورة البينة: عدها السيوطي في الإتقان مما نزل جميعا. قال: أخرج أحمد عن أبي حية البدري قال: لما نزلت " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب... إلى آخرها " قال جبرئيل: يا رسول الله إن ربك يأمرك أن تقرئها ابيا (1). وإني لم أر فيها خلافا إلا ما رواه في تفسير البرهان عن الأعمش عن عطية عن الخدري. وقد روى الخطيب الخوارزمي عن جابر أنه لما نزلت هذه الآية * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك خير البرية) * قال النبي (صلى الله عليه وآله): علي خير البرية. وفي رواية جابر: كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أقبل علي قالوا: جاء خير البرية (2). ولكن من الممكن أن الآية نزلت في ضمن السورة الكاملة لا وحدها. حتى لا ينافي ما سبق، وأنها بجميع آياتها نزلت دفعة، فإذا لا خلاف بين الأقوال. 14 - سورة النصر: عدها في الإتقان مما نزل جمعا، وقال في أسباب النزول: أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري قال: لما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكة عام الفتح بعث خالد بن الوليد فقاتل بمن معه صفوف قريش بأسفل مكة حتى هزمهم الله، ثم أمر بالسلاح فرفع عنهم، فدخلوا في الدين فأنزل الله " إذا جاء نصر الله والفتح " حتى ختمها. وفي الدر المنثور أيضا روى كثيرا من الأحاديث الدالة على نزول السورة جملة. وفي تفسير علي بن إبراهيم: أنها نزلت بمنى في حجة الوداع " إذا جاء نصر الله والفتح " فلما نزلت قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نعيت إلي نفسي، فجاء إلى مسجد الخيف فجمع الناس... الخ.


(1) الإتقان: ج 1 ص 14. (2) مناقب الخوارزمي: ص 111. (*)

[ 56 ]

وفي تفسير البرهان عن الواحدي أنه روى عكرمة عن ابن عباس قال: لما أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غزوة خيبر وأنزل الله سورة الفتح قال: يا علي ويا فاطمة إذا جاء نصر الله والفتح... إلى آخر السورة. وفي تفسير مجمع البيان نقل عن مقاتل: لما نزلت هذه السورة قرأها على أصحابه ففرحوا واستبشروا وسمعها العباس فبكى... الخ. أقول: إن الاعتبار يشهد في أمثال هذه السورة القصيرة المرتبطة المضمون على أنها نزلت جملة. 15 - المعوذتان: عدهما في الإتقان مما نزلت جملة، بل السورتان نزلتا معا (1)، وقال في النوع الأول من الإتقان: المختار أنهما مدنيتان لأنهما نزلتا في قصة سحر لبيد بن الأعصم، كما أخرجه البيهقي في الدلائل. وروى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن بكر بن محمد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان سبب نزول المعوذتين أنه وعك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنزل جبرئيل بهاتين السورتين فعوذ بهما. وفي تفسير البرهان عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشتكى شكوة شديدة، ووجع وجعا شديدا، فأتى جبرئيل وميكائيل عند رجليه، فعوذه جبرئيل بقل أعوذ برب الفلق، وعوذه ميكائيل بقل أعوذ برب الناس. فالاعتبار أيضا يشهد على نزول السورتين دفعة واحدة، فإن مضمونهما وهو الاستعاذة واحد. ثم إن الاعتبار يشهد كذلك على نزول جميع السور القصيرة دفعة واحدة. وبهذا يتبين لنا الجواب على السؤال، والحمد لله أولا وآخرا.


(1) الإتقان: ج 1 ص 37. (*)

[ 57 ]

متى تنتهي السورة وتبتدئ غيرها ؟ بماذا كان أهل الجاهلية يصدرون كتبهم ؟ إننا قبل أن ندخل في الموضوع الأساس هنا تحسن الإشارة بإيجاز إلى موضوع آخر يرتبط به نحوا من الارتباط ويتصل به نوعا من الاتصال، وهذا الموضوع هو: أنه قد جاء في السيرة الحلبية عن الشعبي قال: كان أهل الجاهلية يكتبون " باسمك اللهم " فكتب (صلى الله عليه وآله) أول ما كتب باسمك اللهم، وتقدم أنه كتب ذلك في أربع كتب حتى نزلت " بسم الله مجراها ومرساها " فكتب باسم الله. ثم نزلت " ادعوا الله أو ادعوا الرحمن " فكتب بسم الله الرحمن. ثم نزلت: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " فكتبها (1). ونقل المحدث القمي عن كتاب " المقتصر في شرح المختصر " لابن فهد عن الصادق (عليه السلام) قال: لا تدع البسملة ولو كتبت شعرا. وكانوا قبل الإسلام يصدرون كتبهم ب‍ " باسمك اللهم " فلما نزل قوله تعالى " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " صدروا بها (2). هذا ما ذكروه.


(1) السيرة الحلبية: ج 3 ص 23. (2) راجع سفينة البحار: مادة " سما ". (*)

[ 58 ]

مناقشة ما قيل: ولكن هذا مما لا يمكن القبول به ولا المساعدة عليه، لأننا نقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يعرف " بسم الله الرحمن الرحيم " من أول أمره وبدء بعثته، لأنه حينما بعث وجاءه الوحي من ربه كان مصدرا ببسم الله الرحمن الرحيم، سواء قلنا إن أول ما نزل هو " إقرأ باسم ربك " أو هو سورة فاتحة الكتاب، أو غيرهما من السور التي قيل إنها أول ما نزل عليه (صلى الله عليه وآله) لأنها كلها مصدرة بالبسملة، كما يشهد له ما بأيدينا من المصاحف الشريفة التي لا شك في موافقتها لمصاحف الصحابة. خط البسملة والمصحف سواء: ويلاحظ أيضا أنهم قد كتبوا البسملة بنفس خط المصحف، وأدخلوها في ضمن الأجزاء ولم يميزوا بينها وبين سائر القرآن، وذلك يدل على أنها جزء من السورة كسائر أجزائها، إذ لو كانت خارجة عن السورة وليست جزء منها لمنعوا من كتابتها بخط المصحف، كما منعوا من كتابة ما ليس منه عن أن يكتب بنفس خطه، وذلك كأسماء السور والأعشار والأحزاب القرآنية ونحوها، حيث قد كتبت فوق الصفحات أو في الهوامش، متميزة عن غيرها من الأجزاء القرآنية. ويشهد لما ذكرناه من جزئية البسملة للسورة وليست للفصل أو التبرك أنهم لم يكتبوا البسملة بين البراءة والأنفال، ولو كانت للفصل أو للتبرك لكتبوها بينهما. الفاتحة نزلت بمكة: يضاف إلى ذلك أن الصلاة قد شرعت بمكة في أوائل أمره وبعثته، ولا شك أن الفاتحة جزء منها والبسملة في الفاتحة أيضا، الأمر الذي يدل على أنه (صلى الله عليه وآله) كان يعرف " بسم الله الرحمن الرحيم " من ذلك الحين، كما أنه يدل ضمنا على أن الفاتحة قد نزلت في مكة. قال بعض المحققين دام ظله: إن الصلاة شرعت في مكة، وهذا ضروري

[ 59 ]

لدى جميع المسلمين، ولم تعهد في الإسلام صلاة بغير فاتحة الكتاب، وهذا الحديث منقول عن طريق الإمامية وغيرهم (1). وقال الواحدي: ولا يسعنا القول بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام بمكة بضع عشرة سنة يصلي بلا فاتحة الكتاب، هذا مما لا تقبله العقول (2). معرفة الرسول (صلى الله عليه وآله) البسملة من أول البعثة: وبعد هذا، فإنه قد روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قوله: أول كل كتاب نزل من السماء بسم الله الرحمن الرحيم (3). انقضاء السورة بنزول البسملة: وعن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ما نزل كتاب من السماء إلا أوله بسم الله الرحمن الرحيم (4). وروى السيوطي عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: كان جبرئيل إذا جاءني بالوحي أول ما يلقي علي بسم الله الرحمن الرحيم (5). وعن الواحدي من وجه آخر أن ابن عمر قال: نزلت بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة (6). وبعد أن عرفنا أنه (صلى الله عليه وآله) كان يعرف البسملة من أول البعثة، وأن ما قيل من أنه لم يكن يعرفها حتى نزل قوله تعالى: " إنه من سليمان... الخ " غير صحيح، فلنعد إلى بحث الموضوع الأساس الذي نحن بصدده، وهو: متى يكون انتهاء السورة وابتداء غيرها ؟ فنقول: إن ذلك لما كان أمرا تعبديا فلابد من التطلع إلى الروايات، وما هو مفادها،


(1) البيان في تفسير القرآن: ص 293 طبع النجف. (2) أسباب النزول للواحدي: ص 11. (3 و 4) راجع وسائل الشيعة: ج 4 ص 746 و 747 ب 11 من أبواب القراءة ح 8 و 12. (5 و 6) الإتقان: ج 1 ص 79. (*)

[ 60 ]

وقد رأينا أن مفادها هو أنه إذا نزل جبرئيل وقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " عرف النبي (صلى الله عليه وآله) أنها سورة جديدة، وأن السورة السابقة قد انتهت. فعن أبي عبد الله (عليه السلام): ما أنزل الله من السماء كتابا إلا وفاتحته " بسم الله الرحمن الرحيم " وإنما كان يعرف انقضاء السورة بنزول " بسم الله الرحمن الرحيم " ابتداء للاخرى (1). وعن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا جاءه جبرئيل فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " علم أنها سورة (2). وعن ابن عباس أيضا قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) لا يعلم ختم السورة حتى تنزل " بسم الله الرحمن الرحيم " (3). وعن ابن عباس كذلك قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل " بسم الله الرحمن الرحيم "، فإذا نزلت " بسم الله الرحمن الرحيم " علموا أن السورة قد انقضت. قال الحاكم: هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين (4). وقال البيهقي: قال الشيخ (رحمه الله): فالنبي (صلى الله عليه وآله) قرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " عند افتتاح سورة، ولم يقرأها عند افتتاح آيات لم تكن أول سورة، وفي ذلك تأكيد لما روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأنها إنما كتبت في المصاحف حيث نزلت، والله أعلم (5). وأخيرا فإن المستفاد من هذه الروايات أن جعل السورة سورة ابتداء وانتهاء كان في عصر النبي الامي (صلى الله عليه وآله).


(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 19. (2) المستدرك على الصحيحين: ج 1 ص 23، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. (3) المستدرك على الصحيحين: ج 1 ص 23، أسباب النزول للواحدي: ص 9، السنن الكبرى للبيهقي: ج 2 ص 42، إلا أنه عبر بكلمة " فصل " بدل كلمة " ختم ". (4) السنن الكبرى: ج 2 ص 43، الإتقان: ج 1 ص 80، المستدرك على الصحيحين: ج 1 ص 231. (5) السنن الكبرى: ج 2 ص 43. (*)

[ 61 ]

لماذا اختلفوا في عدد سور القرآن ؟ وإذا كان التعيين في السورة مقدارا وعددا مرتبطا بوجود البسملة وعدمه فإن عدد سور القرآن حينئذ يكون 113 سورة، وذلك لأن البراءة (التوبة) على هذا لابد وأن تلحق بالأنفال، لعدم وجود البسملة في أول البراءة. إلا أن يقال: إن عدم وجود البسملة فيها ليس من جهة أن البراءة (التوبة) ليست سورة مستقلة بل كان لعدم المناسبة بين " بسم الله الرحمن الرحيم " وبين الآيات في أول البراءة. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: سألت علي بن أبي طالب (عليه السلام): لم لم تكتب في براءة " بسم الله الرحمن الرحيم " ؟ قال: لأنها أمان، وبراءة نزلت بالسيف (1). هذا، وربما ينعكس الأمر، فتقع البسملة بين جزئي سورة واحدة كما في الضحى وألم نشرح، وكذا الفيل والإيلاف (2) فإن المعروف أنهما سورة واحدة، ويشهد لاتحادهما هذا ارتباط مضمونيهما بعضه ببعض، وقد أشار العلامة بحر العلوم إلى ذلك في منظومته حيث قال: والضحى والانشراح واحدة * بالاتفاق والمعاني شاهدة كذلك الفيل مع الإيلاف * وفصل بسم الله لا ينافي وعلى هذا يكون عدد السور 112 سورة. ولكن من الواضح أن دعوى عدم منافاة الفصل بالبسملة إنما تصح لو كان الجمع وجعل السورة سورة ابتداء وانتهاء كما وكيفا من غير المعصوم. ويؤيده ما روي عن ابي بن كعب أنه لم يفصل بينهما في مصحفه بالبسملة. وأما إذا كان التسوير من النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه - كما هو المختار - فمشكل جدا، ولا محيص لنا عن القول بأنهما سورتان لوجود البسملة بينهما في المصاحف المعروفة بين المسلمين.


(1) الإتقان: ج 1 ص 67. (2) شرائع الإسلام للمحقق الحلي: كتاب الصلاة باب القراءة، الإتقان: ج 1 ص 67. (*)

[ 62 ]

وقد جزم في المدارك بتعددها، تمسكا بوجود البسملة بينهما في المصاحف (1). وعلى هذا فيكون عدد السور القرآنية 114 سورة، كما هو ظاهر، والحمد لله وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى.


(1) مدارك الأحكام: ج 3 ص 378. (*)

[ 63 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) والقرآن 1 - هل كان النبي (صلى الله عليه وآله) يعلم بالقرآن قبل نزوله ؟ 2 - النبي (صلى الله عليه وآله) لا ينسى ما يوحى إليه 3 - ألفاظ القرآن ونظمها من الله لا من النبي ولا من غيره 4 - تقسيم السور إلى آيات وترتيبها بأمر النبي (صلى الله عليه وآله)

[ 65 ]

هل كان النبي (صلى الله عليه وآله) يعلم بالقرآن قبل نزوله تدريجيا ؟ تقديم: إن البحث في أن النبي (صلى الله عليه وآله) هل كان يعرف القرآن قبل نزوله إليه في المواضع المختلفة أو لا ليس بحثا عقليا، بحيث إذا قيل إنه (صلى الله عليه وآله) كان لا يعرف استقبح العقل ذلك وأنكره، إذ لا ريب في أن علم النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان اكتسابيا منحه له الله عز وجل وعلمه إياه، قال تبارك وتعالى: * (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) * (1)، وقال عز من قائل: * (وقل رب زدني علما) * (2)، وقال سبحانه: * (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) *. وكذا الآيات الكثيرة الدالة على أن النبي قد تلقى علمه من الله جل وعلا، كقوله تعالى: * (ما أدراك ما سجين * كتاب مرقوم) * (3)، وقوله عز اسمه: * (وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم) * (4)، وقوله تعالى: * (وما أدراك ما العقبة * فك رقبة) * (5) وقوله جل شأنه: * (وما أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة) * (6) وغير ذلك.


(1) الشورى: 52. (2) طه: 114. (3) المطففين: 8 و 9. (4) المطففين: 19 و 20. (5) البلد: 12 و 13. (6) الهمزة: 5 و 6. (*)

[ 66 ]

فالبحث إذا ليس بحثا عقليا، وإنما هو بحث حديثي لابد فيه من الاستناد إلى دلالات الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة. بماذا استدل القائل بالعلم قبل الوحي ؟ نستطيع أن نبادر إلى القول بأن من الآيات التي استدل بها على علم النبي (صلى الله عليه وآله) بالقرآن قبل نزوله إليه تدريجا: 1 - قوله تعالى: * (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما) * (1). قال بعض أعاظم المعاصرين: السياق يشهد بأن في الكلام تعرضا لتلقي النبي (صلى الله عليه وآله) وحي القرآن، فضمير " وحيه " للقرآن. وقوله " ولا تعجل بالقرآن " نهي عن العجل بقراءته. ومعنى قوله: " من قبل أن يقضى إليك وحيه " من قبل أن يتم وحيه من ملك الوحي - إلى أن قال: - ويؤول المعنى إلى أنك تعجل بقراءته ما لم ينزل بعد لأن عندك علما به في الجملة، لكن لا تكتف به، واطلب من الله علما جديدا - إلى أن قال: - فلولا علم ما منه بالقرآن قبل ذلك لم يكن لعجله بقراءة ما لم ينزل منه بعد معنى (2). وجهان آخران في معنى الآية: هذا، ولكن ثمة احتمال آخر وقريب في معنى الآية، وهو أن يكون معنى قوله " ولا تعجل به " أي لا تستبطئ بالقرآن ولا تعجل في نزوله، وعليك أن تصبر حتى يصل إليك وحيه. يقال: عجل به أو الأمر: أي استبطأه، كما في كتب اللغة (3). وأما صاحب مجمع البيان فقد جعل هذا المعنى ثالث الوجوه، فقال: إن معناه


(1) طه: 114. (2) تفسير الميزان: ج 14 ص 214 و 215. (3) راجع أقرب الموارد مثلا. (*)

[ 67 ]

ولا تسأل إنزال القرآن قبل أن يأتيك وحيه، لأنه تعالى إنما ينزله حسب المصلحة ووقت الحاجة (1). أما الزمخشري فقد أورد احتمالا آخر في معنى الآية (2)، وجعله في مجمع البيان أول الوجوه في تفسير الآية، ونسبه إلى ابن عباس، وهو: أن المعنى لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبرئيل من إبلاغه، ولا تقرأ معه مخافة النسيان كقوله تعالى: * (ولا تحرك به لسانك لتعجل به) * (3) و * (سنقرئك فلا تنسى) * (4). وروى السيوطي عن ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه جبرئيل بالقرآن أتعب نفسه في حفظه حتى يشق على نفسه، فيخاف أن يصعد جبرئيل ولم يحفظه، فأنزل الله " ولا تعجل بالقرآن... " الآية (5). وهذا المعنى والذي قبله محتمل في معنى الآية جدا، فقول المستدل آنفا - بأن الرسول لو لم يعرف القرآن لا تكون للعجلة معنى - لعله سهو من قلمه الشريف، فإن النبي لو فرض أنه غير عارف بالقرآن لصح أن يقال: لا تعجل بإنزال القرآن ولا تستبطئه، بل تصبر حتى ينزله الله تعالى في الوقت المناسب. وكذا يصح أن يقال: لا تبادر إلى قراءة القرآن عند تلقيه من جبرئيل واسكت، حتى إذا فرغ منه فاقرأه. قال في مجمع البيان: قيل فكان النبي (صلى الله عليه وآله) من بعد هذا إذا نزل جبرئيل أطرق، فإذا ذهب قرأ (6). ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى في آية اخرى: * (لا تحرك به لسانك لتعجل به) * (7) فهذه الآية تفسر المراد من النهي عن العجلة بالقرآن، ويشهد لذلك قوله سبحانه في الآية التي بعدها * (إن علينا جمعه وقرآنه) * يعني يا أيها النبي، لا تعجل


(1) تفسير مجمع البيان: ج 1 ص 115. (2) الكشاف: في تفسير الآية المذكورة. (3) القيامة: 16. (4) الأعلى: 6. (5) أسباب النزول للسيوطي: الآية 114 من سورة طه. (6) تفسير مجمع البيان: في تفسير آية 18 من سورة القيامة. (7) القيامة: 16. (*)

[ 68 ]

بقراءة القرآن مخافة أن تنساه فنحن نجمعه، ونحن نكرر قراءته عليك حتى يستقر في صدرك فلا يفوت منه شئ. 2 - قوله تعالى: * (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) * (1). وقوله تعالى: * (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) * (2). ووجه الاستدلال: أن الآية الاولى تدل على نزول القرآن جملة واحدة، كما هو ظاهر في كلمة القرآن، وتدل الآية الثانية على تفريق القرآن في النزول ليقرأه النبي (صلى الله عليه وآله) على الناس على مكث. قال في مجمع البيان: معنى " فرقناه " فصلناه ونزلناه آية آية، وسورة سورة، ويدل عليه قوله " على مكث ". وعليه، فبين الآيتين - في الظاهر - تناف وتعارض، فلابد من رفع هذا التنافي بأن يقال بنزول القرآن جملة واحدة على النبي في شهر رمضان، ولكنه لم يكن مأمورا بقراءته وتلاوته على الناس. ثم بعد ذلك كان ينزل آية آية، وسورة سورة ليقرأه النبي (صلى الله عليه وآله) على الناس على مكث. كلام الصدوق: قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) في اعتقاداته: اعتقادنا في ذلك أن القرآن نزل في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثم نزل من البيت المعمور في مدة عشرين سنة. وأن الله عز وجل أعطى نبيه (صلى الله عليه وآله) العلم جملة، ثم قال له * (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما) * (3) وقال: * (لا تحرك به لسانك لتعجل به - إلى قوله: - بيانه) * (4) (5).


(1) البقرة: 185. (2) الإسراء: 106. (3) طه: 114. (4) القيامة: 16 - 19. (5) الاعتقادات في دين الإمامية للشيخ الصدوق: ص 58 الاعتقاد في نزول القرآن. (

[ 69 ]

توجيه المجلسي لكلام الصدوق: وقال العلامة المجلسي معلقا على كلام الصدوق هذا: إن الظاهر أن الصدوق (رحمه الله) أراد بذلك الجمع بين الآيات والروايات، ودفع ما يتوهم من التنافي بينها، لأنه دلت الآيات على نزول القرآن في ليلة القدر، والظاهر نزول جميعه فيها، ودلت الآثار والأخبار على نزول القرآن في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة، وورد في بعض الروايات أن القرآن نزل في أول ليلة من شهر رمضان، ودل بعضها على أن ابتداء نزوله في المبعث، فجمع بينهما بأن في ليلة القدر نزل القرآن جملة من اللوح إلى السماء الرابعة، لينزل من السماء الرابعة إلى الأرض بالتدريج، ونزل في أول ليلة من شهر رمضان جملة القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله) ليعلم هو، لا ليتلوه على الناس، ثم ابتداء نزوله آية آية وسورة سورة في المبعث أو غيره، ليتلوه على الناس، وهذا الجمع مؤيد بالأخبار (1). تعدد نزول القرآن: نعم، لقد وردت - كما قال في البحار - روايات كثيرة من طرق العامة والخاصة تدل على تعدد نزول القرآن، وأنه نزل إلى البيت المعمور أولا، ثم انزل من البيت المعمور تدريجا في خلال عشرين أو نيف وعشرين سنة، وسيأتي بعضها إن شاء الله تعالى. ولكنها - مع كثرتها واختلاف ألفاظها ودلالاتها - لا تدل على أن القرآن قد نزل جملة واحدة أولا على النبي ثم انزل عليه نجوما إلا رواية واحدة ضعيفة السند منقولة عن المفضل بن عمر، وستأتي قريبا إن شاء الله تعالى. ومن تلك الروايات الكثيرة المشار إليها ما رواه الكليني (رحمه الله) عن علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن القاسم عن محمد بن سليمان عن داود عن حفص


(1) بحار الأنوار: ج 18 ص 251. (*)

[ 70 ]

ابن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: * (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن) * وإنما انزل القرآن في عشرين سنة بين أوله وآخره ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثم نزل في طول عشرين سنة. ثم قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وانزلت التوارة لست مضين من شهر رمضان، وانزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وانزل الزبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان، وانزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان (1). وسند هذه الرواية، وإن اشتمل على محمد بن القاسم المعروف بكاسولا، وحديثه على ما نقل عن ابن الغضائري يعرف وينكر، إلا أنه قد نقل عنه أيضا أنه لا مانع من الاستشهاد بحديثه (2)، كما أن مضمون هذه الرواية مؤيد بأخبار اخر، تركناها خوفا من الإطالة. وروى مثله العياشي، إلا أنه قال: انزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان (3). وفي الدر المنثور: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: شهر رمضان والليلة المباركة وليلة القدر، فإن ليلة القدر هي الليلة المباركة، وهي في رمضان. نزل القرآن جملة واحدة من الذكر إلى البيت المعمور، وهو موقع النجوم في السماء الدنيا حيث وقع القرآن، ثم نزل على محمد (صلى الله عليه وآله) في الأمر والنهي، وفي الحروب رسلا رسلا (4). وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نزل القرآن جملة واحدة على جبرئيل في ليلة القدر، فكان لا ينزل منه إلا ما أمر به (5). وبعد كل ما قدمناه نقول: إننا لا نجد دليلا - لا من القرآن ولا من الآثار - يدل على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يعرف القرآن قبل نزوله منجما.


(1) الكافي: ج 2 ص 628 كتاب فضل القرآن. (2) الخلاصة للعلامة: ص 248. (3) تفسير العياشي: ج 1 ص 80. (4 و 5) الدر المنثور: ج 1 ص 189. (*)

[ 71 ]

وأما الجمع بين الآيتين السابقتين فلا ينحصر بالقول بمعرفته (صلى الله عليه وآله) به قبل نزوله منجما، بل يكفي فيه ما ورد في تلك الروايات الدالة على نزول القرآن دفعة إلى البيت المعمور مرة، واخرى على الرسول (صلى الله عليه وآله) منجما، فلا تنافي بعد بينهما أصلا. ما رواه المفضل بن عمر: نعم، قد روى المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) ما يدل على الجمع الأول. قال المفضل: يا مولاي، فهذا تنزيله الذي ذكره الله في كتابه، وكيف ظهر الوحي في ثلاث وعشرين سنة ؟ قال: نعم يا مفضل، أعطاه الله القرآن في شهر رمضان، وكان لا يبلغه إلا في وقت استحقاق الخطاب، ولا يؤديه إلا في وقت أمر ونهي، فهبط جبرئيل (عليه السلام) بالوحي فبلغ ما يؤمر به، وقوله " لا تحرك به لسانك لتعجل به " (1). وهذه الرواية قد ذكرها بتمامها في البحار، في باب ما يكون عند ظهوره (عليه السلام) قال: روي في بعض مؤلفات أصحابنا عن الحسين بن حمدان عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسني عن أبي شعيب (و) محمد بن نصير عن عمر ابن الفرات، عن محمد بن المفضل عن المفضل بن عمر قال: سألت سيدي الصادق... الخ (2). تضعيف سند الرواية: ولقد حقق المعلق في سند الرواية في الهامش فقال: " بل الظاهر الحق أن مفضل بن عمر الجعفي وجابر بن يزيد الجعفي ويونس بن ظبيان وأضرابهم ممن أخذوا عن الصادقين (عليهما السلام) كانوا صحيحي الاعتقاد، صالحي الرواية، صادقي اللهجة، متحرجين من الكذب وسائر الآثام، غير أنه قد كذب عليهم - إلى أن قال: -


(1) بحار الأنوار: ج 92 ص 38. (2) بحار الأنوار: ج 53 ص 1. (*)

[ 72 ]

فإذا لابد وأن نحقق عن حال من اسند عنه، فنرى في الحديث محمد بن نصير - وهو النميري الكذاب الغالي الخبيث، المدعي للنيابة، على ما في غيبة الشيخ ص 250 - يروي عن عمر بن الفرات الكاتب البغدادي الغالي ذي المناكير، عن محمد بن المفضل بن عمر، مهمل أو مجهول، ولكن الظاهر أن الكذب إنما جاء من قبل البغدادي الكاتب ذي المناكير، وهو الذي كتب وصنف هذا الحديث وسردها بطوله، أو الجاعل هو نفس النميري، فراجع (1). فتلخص أن لا شئ يدل على علم النبي (صلى الله عليه وآله) بالقرآن قبل نزوله عليه نجوما في المناسبات المختلفة، وأنه - من الممكن - إنما كان يعجل بالقرآن مخافة النسيان فنهاه الله عن العجلة حتى يتم الوحي على حسب بعض الأحاديث المتقدمة الدال على أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان لا يعرف القرآن، وكان بعد نزول هذا النهي إذا نزل جبرئيل أطرق، فإذا ذهب قرأ. بقي أن نشير هنا إلى أمر ورد في الروايات الآنفة الذكر وغيرها وهو: أن نزول القرآن في شهر رمضان بمعنى نزوله إلى السماء الدنيا في شهر رمضان هو أحد الأقوال في المسألة، وجعله في الإتقان هو الأصح والأشهر، ونقل عن ابن عباس عدة روايات بأسانيد مختلفة تصل إلى الثمانية تدل على هذا القول (2). وسبق أيضا من طريق الخاصة ما يدل عليه، وجعله في تفسير مجمع البيان أول الأقوال، ونسبه إلى ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة، وإلى المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3). أقوال اخر: وهنا أقوال اخر في ذلك منها: ما اختاره الزمخشري من أن معنى " انزل فيه القرآن " ابتدى فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر (4). واختاره أيضا في تفسير


(1) هامش بحار الأنوار: ج 53 ص 2. (2) الإتقان: ج 1 ص 41. (3) تفسير مجمع البيان: في تفسير آية 185 من سورة البقرة. (4) الكشاف: ج 1 ص 227. (*)

[ 73 ]

المنار ونفى الإشكال فيه، ثم قال: ورووا في حل الإشكال أن القرآن نزل في ليلة القدر من رمضان إلى سماء الدنيا - إلى أن قال: - قال الاستاذ الإمام: ولم يصح من هذه الأقوال والروايات شئ وإنما هي حواش أضافوها لتعظيم رمضان، ولا حاجة لنا بها (1). ولكن ما اختاره في المنار ونفي الإشكال عنه ليس هو المعنى الظاهر للآية، فضلا عن أن يكون هو الظاهر بلا ريب ولا إشكال فيه. مناقشة الأقوال: والظاهر المستفاد من الآية هو أن لفظ " القرآن " في قوله تعالى " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن " هو تمام القرآن، وهو الذي ينبغي أن يتصف فيما بعد بقوله: " هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان " لا البعض، فإن خمس آيات من أول سورة العلق على قول، أو كلها على القول بأنها أول سورة نزلت على النبي لا يصح أن يقال إنها هدى للناس وبينات، فإن الآيات الخمس أو السورة كلها معلومة المضمون والمدلول، ولا يناسبها ذينك الوصفين المتقدمين، مضافا إلى أن نزول القرآن بمعنى بعضه لا يختص برمضان، بل القرآن بهذا المعنى نزل في جميع شهور السنة، فلا يكون ثمة فضل لرمضان إلا من جهة الابتداء بالنزول فيه. ولو أننا سلمنا الكبرى وهي أن الابتداء بالنزول فضل فلا نسلم الصغرى وهي أن ابتداء النزول كان في رمضان، بل هو محل اختلاف، وفيه أقوال كثيرة: منها أن أوائل سورة العلق أول آيات نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله) وهو بغار حراء في يوم البعثة، وهو يوم سبعة وعشرين من رجب، كما هو الأصح. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى.


(1) تفسير المنار: في تفسير آية 185 من سورة البقرة. (*)

[ 74 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) لا ينسى ما يوحى إليه من القرآن إن عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) عن النسيان فيما يتعلق بالأحكام الشرعية وتبليغها - وعلى الأخص بالنسبة لما يوحى إليه من الآيات القرآنية - لهي من الامور البديهية التي يحكم بها العقل ويدل عليها النقل. مورد البحث: وقد اخترنا أن يكون محل بحثنا هنا هو الشق الثاني - أعني عصمته (صلى الله عليه وآله وسلم) عن نسيان ما يوحى إليه من الآيات القرآنية - وإن كنا قد نستطرد في البحث إلى جهات اخرى ترتبط بهذا الموضوع، من قريب أو من بعيد. الآيات الدالة على عصمته: ويدل على عصمته (صلى الله عليه وآله) عن نسيان ما يوحى إليه من القرآن عدة آيات، نذكر منها: 1 - قوله تعالى: * (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه) * (1).


(1) القيامة: 16 - 19. (*)

[ 75 ]

قال في مجمع البيان: خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال: " لا تحرك به لسانك لتعجل به ". قال ابن عباس: كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك لسانه، لحبه إياه وحرصه على أخذه وضبطه، مخافة أن ينساه، فنهاه الله عن ذلك، إلى أن قال: كلام البلخي وجوابه: وقال البلخي: الذي أختاره أنه لم يرد القرآن، وأنما أراد قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة، يدل على ذلك ما قبله وما بعده (1). ومن الواضح أن البلخي يشير إلى قوله تعالى قبلها: * (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر * بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره) * وإلى قوله تعالى بعدها * (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) *. ولكن هذه الآيات المتقدمة والمتأخرة عن الآيات التي نحن بصددها والتي يستشهد بها البلخي وإن كانت واردة لبيان الحقائق الاخروية ومقتضى السياق حينئذ أن يكون قوله تعالى: " لا تحرك به لسانك... الخ " ناظرا إلى الامور الاخروية أيضا إلا أن قوله تعالى: " إن علينا جمعه وقرآنه " وكذلك قوله تعالى: " ثم إن علينا بيانه " لا يساعد على أن يكون المراد أن لا يحرك به لسانه في الآخرة حسب ما ذكره البلخي، لأن الظاهر منها كون العجلة لغاية جمع المقروء كله حتى لا يذهب بعضه، فطمأنه الله بقوله: " إن علينا جمعه " لا عليك، فلا تعجل خوفا من الذهاب لا تناسب كتاب الأعمال الذي يريد العاجل المسئ ذهاب بعضه، وعليه فالظاهر أن هذه جملة معترضة لا تحتاج في تمام معناها إلى ما تقدم وما تأخر عنها. خلاصة القول: وخلاصة القول هنا: أن الآية دالة بظاهرها على منع النبي (صلى الله عليه وآله) من تحريك


(1) تفسير مجمع البيان: في تفسير الآيات 16 - 19 من سورة القيامة. (*)

[ 76 ]

لسانه بالقرآن، ومنعه عن القراءة حتى يتم جبرئيل (عليه السلام) قراءته، وبعد ذلك يقرأ النبي (صلى الله عليه وآله) امتثالا لقوله تعالى: " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ". وإذا ثبت ما نقل عن ابن عباس: فإن الآية تدل أيضا على أن النبي (صلى الله عليه وآله) لا ينسى القرآن حتى ولو صبر ولم يعجل، وإلا فلا معنى لنهيه حينئذ. ويؤيده قوله تعالى: " إن علينا جمعه " أي في صدرك، كما في مجمع البيان. وقال في الكشاف: ثم علل النهي عن العجلة بقوله: " إن علينا جمعه " في صدرك، وإثبات قراءته في لسانك - إلى أن قال: - فكن مقفيا له ولا تراسله، وطأمن نفسك، إنه لا يبقى غير محفوظ فنحن في ضمان تحفيظه... الخ. * * * 2 - قوله تعالى: * (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما) * (1). وجوه ثلاثة: قال القمي في تفسيره: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه القرآن بادر بقراءته قبل نزول تمام الآية والمعنى، فأنزل الله: " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه " أي: تفرغ من قراءته، انتهى. وقد روى في الدر المنثور هذا المعنى عن ابن أبي حاتم عن السدي، إلا أن فيه أنه (صلى الله عليه وآله) كان يفعل ذلك خوفا من النسيان (2). وهذا هو أحد الوجوه الثلاثة التي في مجمع البيان. والمعنى الثاني: ما قال (رحمه الله) فيه من أن معناه: ولا تقرأه لأصحابك، ولا تمله عليهم، حتى نبين لك معانيه، عن مجاهد وقتادة وعطية وأبي مسلم. والمعنى الثالث: ما قاله (رحمه الله) فيه (أي في المجمع) أيضا أن المعنى: ولا تسأل


(1) طه: 114. (2) الدر المنثور: ج 4 ص 309. (*)

[ 77 ]

إنزال القرآن قبل أن يأتيك وحيه، فإن الله تعالى إنما ينزل القرآن على وفق المصلحة واقتضاء الوجه. هذا، والظاهر بعد التدبر في الآية أنه يحتمل في قوله تعالى: " من قبل أن يقضى إليك وحيه " وجهان: الأول: أن يكون نهيا للنبي (صلى الله عليه وآله) عن التعجيل في قراءة القرآن قبل أن يوحى إليه، فكأنه (صلى الله عليه وآله) كان مطلعا على القرآن قبل أن يوحى إليه ثانيا، ولكنه قد منع عن الإظهار في هذه الآية. ويؤيد هذا الوجه الرواية الدالة على أن القرآن قد نزل على النبي (صلى الله عليه وآله) دفعة قبل أن ينزل عليه نجوما. لكن هذا الوجه لا يتلاءم ولا ينسجم مع التعبير بكلمة " يقضى " أي يوصل الواردة في الآية، لأنه في معنى قبل أن يتم لا قبل أن يأتي، كما هو مقتضى الوجه. الثاني: أن يكون نهيا للنبي (صلى الله عليه وآله) عن القراءة قبل كمال الوحي وتمامه، ويكون وزان هذه الآية وزان قوله تعالى: " لا تحرك به لسانك لتعجل به ". ويشهد لهذا الوجه أنه (صلى الله عليه وآله) لم يكن يعلم الكتاب، كما قال عز وجل: * (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) * (1) وإن كان يحتمل أن تكون هذه الآية لبيان حال النبي (صلى الله عليه وآله) قبل نزول الوحي عليه دفعة ونجوما. ويشهد لهذا الوجه أيضا التعبير في الآية بكلمة " يقضى " الدالة على أنه (صلى الله عليه وآله) كان يعجل بالقرآن قبل انقضائه أي قبل تمام الوحي. أقرب الوجوه: وهذا الوجه في الآية هو الأقرب للاعتبار بالنظر إلى سياق الآية، واعتضاد هذا السياق بالآية الاخرى المشار إليها آنفا، أعني قوله تعالى: " لا تحرك به لسانك... الخ ".


(1) الشورى: 52. (*)

[ 78 ]

وحينئذ، وحيث ثبت أنه (صلى الله عليه وآله) كان يعجل في قراءة القرآن قبل كمال الوحي وتمامه فلابد وأن يكون ذلك منه (صلى الله عليه وآله) لغرض مقتض لذلك التعجيل، وهو كما عن الدر المنثور خوف النسيان، فنهاه عز وجل عن التعجيل هذا، مما يعني تعهدا ضمنيا منه عز وجل بأنه لا ينساه، وإلا لم يكن معنى للنهي المذكور. * * * 3 - قوله تعالى: * (سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى * ونيسرك لليسرى * فذكر إن نفعت الذكرى) * (1). أظهر الآيات بحسب الدلالة: ودلالة هذه الآية على المطلوب أظهر من الآيات المتقدمة حيث إنه تعالى وعد نبيه (صلى الله عليه وآله) بالإقراء، الذي هو - على ما نص عليه أهل اللغة - أخذ القراءة على القارئ بالاستماع لتقويم الزلل، يقال: أقرأ الاستاذ، فقرأ التلميذ، لتثبيت القراءة في ذهن ذلك التلميذ، أو لتصحيح قراءته وتنقيتها من الأغلاط. فمحصل معنى الآية: نحن نجعلك قارئا، وإنك لا تنسى لأننا نثبت القراءة في ذهنك لتتمكن من قراءة القرآن كما انزل، من غير تبديل بزيادة أو نقيصة، أو تحريف بسبب النسيان. وعليه، فالإقراء المراد بالآية هو الإقراء لتثبيت الألفاظ في الذهن لا الإقراء لتصحيح الأغلاط، إذ لم يعهد من النبي (صلى الله عليه وآله) أنه يقرأ شيئا فيغلط فيه أو لا يحسن قراءته. لماذا التعليق على المشيئة ؟ وأما قوله تعالى: " إلا ما شاء الله " فهو كما قال العلامة الطباطبائي في تفسير


(1) الأعلى: 6 - 9. (*)

[ 79 ]

الميزان: ليس استثناء لإخراج بعض أفراد النسيان من عموم النفي، إذ لا معنى لاختصاص هذا الوصف - أعني نسيان أشياء وحفظ أشياء - بالنبي (صلى الله عليه وآله) بلحن الامتنان عليه به، مع كونه مشتركا بينه وبين غيره، إذ أن كل إنسان يحفظ شيئا وينسى أشياء، بل هو استثناء مفيد لبقاء القدرة الإلهية على إطلاقها، بمعنى أن له عز وجل أن يشاء إنساءك متى شاء، وإن كان لا يشاء ذلك فهو نظير قوله تعالى: * (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) * (1). وقوله تعالى: * (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا) * (2). إلى غير ذلك من الآيات التي يمكن الاستدلال بها للمقام، ونحسب أن فيما ذكرناه كفاية. إمكان الإسهاء من الله: هذا، وبعد أن عرفنا ما يقوله القرآن - وقوله الفصل وحكمه العدل - في هذه القضية وفي كل قضية فإن من الطبيعي أن نجد الإمامية متفقين تقريبا في هذه المسألة، حيث إن المعروف بينهم هو عصمة الأنبياء عن النسيان والخطأ، إلا ما نسب إلى الصدوق وشيخه ابن الوليد من تجويزهما الإسهاء من الله، لا السهو الذي يكون من الشيطان، ولعلهم - أي الأصحاب - قد استندوا في قولهم بعصمة الأنبياء عن الذنب والنسيان والخطأ... الخ إلى حكم العقل القاضي بوجوب عصمتهم عن كل رذيلة ونقيصة. قال المحقق الطوسي في تجريد الاعتقاد: ويجب في النبي العصمة، ليحصل الوثوق، فيحصل الغرض - إلى أن قال: - وكمال العقل، والذكاء، والفطنة، وقوة الرأي، وعدم السهو... الخ.


(1) هود: 108. (2) الإسراء: 86. (*)

[ 80 ]

وقال العلامة في شرحه لهذا الكلام: لا يصح عليه السهو، لئلا يسهو عن بعض ما امر بتبليغه (1). وواضح أن السهو معناه النسيان والذهول عن الأمر. كلام الصدوق وشيخه: ولا يخفى أن ما نسب إلى الصدوق من جواز السهو على النبي (صلى الله عليه وآله) إنما هو في الصلاة وغيرها من الأحكام المشتركة بينه (صلى الله عليه وآله) وبين سائر الناس. وأما ما كان مخصوصا به (صلى الله عليه وآله) كالتبليغ فقد صرح (رحمه الله) بعدم جواز وقوع السهو مطلقا، فقد قال في " الفقيه " في أحكام السهو: إن الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي (صلى الله عليه وآله) ويقولون: لو جاز أن يسهو (عليه السلام) في الصلاة جاز أن يسهو في التبليغ، لأن الصلاة عليه فريضة كما أن التبليغ عليه فريضة، وهذا لا يلزمنا، وذلك لأن جميع الأحوال المشتركة يقع على النبي (صلى الله عليه وآله) فيها ما يقع على غيره، وهو متعبد بالصلاة كغيره ممن ليس بنبي، وليس كل من سواه بنبي كهو، فالحالة التي اختص بها هي النبوة، والتبليغ من شرائطها، ولا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما يقع عليه في الصلاة... إلى آخر ما قال (2). وأما شيخه محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد بن الوليد - على ما نقله الصدوق أيضا في فقيهه باب أحكام السهو في الصلاة - فهو أيضا قد ذهب إلى ذلك حيث قال في الأخبار الدالة على سهوه (صلى الله عليه وآله): ولو جاز أن نرد الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن ترد جميع الأخبار... الخ (3). وعليه، فما قاله العلامة المجلسي (رحمه الله) من أن أصحابنا الإمامية أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم من الذنوب الصغيرة والكبيرة عمدا وخطأ ونسيانا قبل النبوة والإمامة وبعدهما، بل من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا


(1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 349 و 350. (2 و 3) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 359 آخر باب أحكام السهو في الصلاة. (*)

[ 81 ]

الله سبحانه، ولم يخالف فيه إلا الصدوق محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد قدس الله روحهما... الخ (1). تصحيح ما نسب إلى الصدوق: هذا القول - أعني نسبة المخالفة إلى الصدوق وشيخه - صحيح في غير التبليغ، كما اتضح من عبارة الصدوق المتقدمة، وأما في الذنوب الصغيرة والكبيرة وكذلك في نحو التبليغ فلم يخالف فيه أحد الأصحاب، بل كلهم قائلون، حتى الصدوق وشيخه بوجوب عصمة الأنبياء من الخطأ والنسيان، والحق معهم. ويدل عليه - مضافا إلى ما سبق من حكم العقل والآيات - قوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) * (2). حيث إن فيه إخبارا من الله تعالى بأن ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) ويقوله - والمتيقن منه هو الآيات القرآنية - ليس إلا وحيا يوحى، وعليه فلو احتمل أنه قد ينسى بعض الآية وقرأ المطلق من دون المقيد والعام من دون الخاص نسيانا وهكذا لا يكون ما نطق به وحيا، لأن ما اوحي إليه ليس هو هذا، وإنما هو شئ آخر. كما أن الحق معهم لا مع الصدوق بالنسبة إلى سهو النبي في غير التبليغ أيضا، وذلك لحكم العقل المتقدم ووجوب تنزه النبي (صلى الله عليه وآله) عن النقائص. إلى غير ذلك من الأدلة التي لسنا هنا في صدد بيانها وتتبعها. ومن الواضح أن الصدوق وشيخه إنما ذهبا إلى ما ذهبا إليه - حسب ما بيناه - لما رأوه من الأخبار الواردة في هذا الموضوع، وفاتهما أنها متروكة، لأنها إنما كانت - حسب ما أشار إليه الشهيد في الذكرى وغيره - لمتابعة ما كان مشهورا آنذاك، إذ أن سائر الفرق الإسلامية الاخرى كانت ولا تزال تقول بعدم عصمة الرسل في غير التبليغ.


(1) بحار الأنوار: ج 17 ص 108. (2) النجم: 3 و 4. (*)

[ 82 ]

ماذا قال أبو رية ؟ قال الشيخ محمود أبو رية: وما ذكره العلماء في ذلك - يعني في عدم كون أوامر الرسل في غير التبليغ مولوية - إنما هو لأن الرسل غير معصومين في غير التبليغ. قال السفاريني في شرح عقيدته: قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: وإنهم معصومون فيما يؤدونه عن الله تعالى، وليسوا بمعصومين في غير ذلك من الخطأ والنسيان والصغائر. وقال ابن عقيل في الإرشاد: إنهم (عليهم السلام) لم يعتصموا في الأفعال بل في نفس الأداء، ولا يجوز عليهم الكذب في الأقوال فيما يؤدونه عن الله تعالى. وهذا ينكره العلماء الشيعة، فإنهم أجمعوا على أن الأنبياء لا يخطأون، ولا يعتريهم السهو والنسيان، وهم مجمعون على أنهم معصومون في الكبر والصغر، حتى في امور الدنيا... إلى آخر ما قاله وما أتى به من الشواهد - بزعمه - لمدعاه (1). لماذا هذا البحث ؟ وعلى كل حال، فإن لهذا البحث مجالا آخر نأمل أن نوفق له في فرصة اخرى، ومحل بحثنا هنا نسيانه (صلى الله عليه وآله) ما يوحى إليه من الآيات القرآنية، دفعا لما يتوهم من تجويز نسيان النبي (صلى الله عليه وآله) بعض الآيات بل اتفاقه له، وقد ذكره بعض الحفظة (2) فتذكر، وقد عرفت القول الفصل فيه. والحمد لله وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى.


(1) راجع أضواء على السنة المحمدية: ص 42 الطبعة الثالثة. (2) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان: ص 135. (*)

[ 83 ]

ألفاظ القرآن ونظمها من الله تعالى لا من النبي ولا من غيره تقديم: لا إشكال ولا خلاف بين المسلمين في أن القرآن هو المعجزة الخالدة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولقد تحدى القرآن ولا يزال الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فاقرأ معنا: 1 - قوله تعالى: * (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) * (1). فعجز الإنس والجن في ذلك العصر - عصر الفصاحة والبلاغة - وفي كل عصر عن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا دليل على أن القرآن ليس من إنشاء بشر وإنما هو من خالق الكون والبشر. 2 - وقوله تعالى: * (أم يقولون افتراه قل فائتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما انزل بعلم الله) * (2). 3 - وقوله تعالى: * (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فائتوا بسورة من


(1) الإسراء: 88. (2) هود: 13 و 14. (*)

[ 84 ]

مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) * (1). فهو تعالى يقول لنبيه: قل لهم: إن كنتم تزعمون أن القرآن من إنشائي فائتوا أنتم بعشر سور بل بسورة من مثله، إذ لو كنت قادرا على الإتيان بالقرآن الذي هو قمة في الفصاحة والبلاغة وسائر المعارف وله هذا النظم الخاص فأنتم أولى بأن تأتوا بمثله لأنني منكم ونشأت بينكم اميا لم أدرس ولم أتعلم عند أحد، فعجزكم عن ذلك وأنتم فصحاء العرب لهو أقوى دليل على أنه من الله جل ذكره. وأما مسيلمة ومن هم على شاكلته فإنهم عندما حاولوا معارضة القرآن وأظهروا كلمات وجملا مسجعة افتضحوا وسخر الناس منهم للابتذال الظاهر المشاهد فيما أتوا به، ولرداءة نظمه وسخافة محتواه. وخلاصة القول: إن إعجاز القرآن من الامور التي لا يرقى إليها الشك، ولا يتطرق إليه الخلاف. محل البحث وعلاقته بالإعجاز: نعم، قد وقع الخلاف في أن الألفاظ القرآنية التي هي قوالب للمعاني وترتيب كلماته ونظمها على هذا النحو الخاص هل ذلك أيضا من الله كنفس المعاني القرآنية ؟ أم أن المعاني فقط من الله واللفظ وترتيبه للنبي (صلى الله عليه وآله) ؟ وهذا البحث لا يتفرع على القول بإعجاز القرآن اللفظي وعدمه، إذ لا مانع من أن تكون الألفاظ للنبي وتكون في نفس الوقت معجزة، على اعتبار أن الإعجاز لها كان بتأييد من الله لإثبات نبوته (صلى الله عليه وآله) كسائر المعجزات الاخرى التي ظهرت على يديه. وعليه، فما قاله البعض من أن الألفاظ إذا لم تكن من الله لم يكن القرآن معجزا (2) لا يستقيم كما أوضحنا.


(1) البقرة: 23. (2) قال الزرقاني: القول بأن اللفظ لجبرئيل أو للرسول مصادم لصريح الكتاب والسنة والإجماع. وعقيدتي أ نه مدسوس على المسلمين، وإلا فكيف يكون القرآن حينئذ معجزا = (*)

[ 85 ]

هل للقرآن معنى ولفظا وترتيبا منه تعالى ؟ الجواب: نعم، ويدل على ذلك طوائف من الآيات: (أ) الطائفة الاولى: الآيات التي دلت على أن القرآن منزل من الله، وهي كثيرة جدا نذكر منها: 1 - * (اوحي إلي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) * (1). 2 - * (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) * (2). 3 - * (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) * (3). 4 - * (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا) * (4). 5 - * (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث) * (5). فهذه الآيات تدل على ما ذكرنا، لأن المراد من القرآن هو هذا الذي بين أيدينا، وأنه هو الذي يقرأه النبي (صلى الله عليه وآله) على الناس، امتثالا لقوله تعالى: " لتقرأه على الناس " فالله تعالى عندما يقول: " نحن نزلنا القرآن " " وفرقناه "... الخ إنما يريد أن هذا القرآن الذي بين أيدي المسلمين بلفظه ومعناه منزل من عنده، لا أنه أنزل معانيه ثم جعل له النبي (صلى الله عليه وآله) أو جبرئيل لفظا، فإن هذا يكون مجازا لا يصار إليه إلا بقرينة، وهي مفقودة هنا. (ب) الطائفة الثانية: الآيات التي دلت على أن الكتاب من عند الله، وأن الله هو الذي أنزله على النبي (صلى الله عليه وآله)، وهي كثيرة تزيد على الأربعين آية، ونحن نذكر منها:


= واللفظ لمحمد أو لجبرئيل ؟ (مناهل العرفان: ج 1 ص 42 باب الذي نزل به جبرئيل). (1) الأنعام: 19. (2) طه: 2. (3) النمل: 6. (4) الإنسان: 23. (5) الإسراء: 106. (*)

[ 86 ]

1 - * (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم) * (1). 2 - * (أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم) * (2). 3 - * (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) * (3). 4 - * (آلر كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) * (4). 5 - * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة) * (5). فإنه لا إشكال ولا خلاف في أن المراد بالكتاب هو هذا الكتاب، وأنه هو الذي انزل على النبي (صلى الله عليه وآله) وفصل من لدن حكيم خبير. ومن الواضح: أن الكتاب يطلق على مجموع الألفاظ والمعاني، فإذا قال الله تعالى: إن هذا الكتاب من عندي فالظاهر منه أنه من عنده بلفظه ومعناه، إذ لا يقال للمعاني أنها كتاب وأن هذا الكتاب مني أو من عندي إلا بضرب من التجوز والتأويل، الذي لا مبرر له ولا قرينة عليه. (ج) الطائفة الثالثة: الآيات التي تدل على أن القرآن الكريم مجموع قبل أن يصل إلى الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهي أيضا كثيرة، نذكر منها: 1 - * (إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) * (6). 2 - * (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث) * (7). 3 - * (اقرأ باسم ربك الذي خلق) * (8). 4 - * (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به) * (9).


(1) البقرة: 89. (2) النساء: 113. (3) المائدة: 15. (4) هود: 1. (5) النحل: 89. (6) القيامة: 17 و 18. (7) الإسراء: 106. (8) العلق: 1. (9) يونس: 16. (*)

[ 87 ]

5 - * (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق) * (1). 6 - * (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق) * (2). فهذه الآيات ونظائرها تدل على أن القرآن هو مما يقرأ ويتلى. ففي المرتبة الاولى: كان القارئ له هو الله، ولو بواسطة رسول الوحي، وقد قال تعالى: " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " و " تلك آيات الله نتلوها عليك ". وفي الثانية: كانت القراءة من النبي (صلى الله عليه وآله) حسبما أمر به في قوله تعالى: " لتقرأه على الناس على مكث ". وفي الثالثة: يجب أو يستحب للمسلمين قاطبة أن يقرأوه حسب ما امروا به في قوله تعالى: * (فاقرأوا ما تيسر من القرآن) * (3). فظهر أن القرآن الكريم ليس من كلام جبرئيل ولا النبي، وإنما هو كلام الله عز اسمه، نزل على النبي ليقرأه على الناس. معنى القراءة والتلاوة: ثم إن معنى القراءة والتلاوة في تلك الآيات الكريمة بحسب المفهوم العرفي معلوم. وأما بحسب اللغة فهما على ما في بعض المعاجم هكذا: " قرأت القرآن: لفظت به، وفي معناه التلاوة " (4) وفي البعض الآخر قال: " القراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة تارة بالقراءة واخرى بالارتسام " (5). وحيث إن القراءة معناها لغة وعرفا التلفظ بالألفاظ فيكون المستفاد من هذه الآيات أنه ليس لجبرئيل والنبي إلا التلفظ. وبعبارة اخرى: يجوز لهما الإنشاد لا الإنشاء، فالألفاظ لله، وقراءتها وتلاوتها للنبي وجبرئيل (عليهما السلام).


(1) المائدة: 27. (2) آل عمران: 108. (3) المزمل: 20. (4) لسان العرب: مادة " قرأ وتلا ". (5) مفردات الراغب: مادة " قرأ وتلا ". (*)

[ 88 ]

هذا ما أردنا إيراده هنا من الآيات الشريفة المرتبطة بالمقام، ولعلها تكفي في إثبات المطلب، ويبقى أن نشير إلى الأخبار الدالة على ذلك فنقول: وأما الأخبار فمنها: 1 - ما عن العياشي عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن القرآن، فقال لي: لا خالق ولا مخلوق، لكنه كلام الخالق (1). فقد نص هذا الحديث على أن القرآن كلام الله، وحيث إن الكلام هو الألفاظ المنظومة الحاملة للمعاني فإن النتيجة تكون - حسب نص الحديث -: أن ألفاظ القرآن من الله. 2 - ما رواه في الإتقان عن الحاكم بسند صححه السيوطي، قال: فصل القرآن من الذكر، فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبرئيل ينزل به على النبي (صلى الله عليه وآله) (2). فهذه الرواية تقول: إن القرآن قد فصل من الذكر، وواضح أن المفصول لا يختلف عن المفصول منه لفظا ومعنى، ولا يقال للمعاني المجردة عن الألفاظ أنها فصلت من الشئ الفلاني إلا بضرب من المجاز الذي لا يصار إليه بلا جهة ولا قرينة. 3 - ما رواه البخاري عن مسروق عن عائشة عن فاطمة (عليها السلام): أسر إلي النبي (صلى الله عليه وآله) أن جبرئيل يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وأ نه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي (3). قال في مجمع البحرين في - مادة " عرض " -: عارضت الكتاب بالكتاب أي قابلته، وفي الخبر: إن جبرئيل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة، وأنه عارضه العام مرتين، أي كان يدارسه جميع ما نزل من القرآن، من المعارضة المقابلة، انتهى.


(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 6. (2) الإتقان: ج 1 ص 41. (3) صحيح البخاري: ج 6 ص 229 باب كان جبرئيل يعرض القرآن على النبي. (*)

[ 89 ]

فيستفاد منه: أن للقرآن قبل النزول وجود كتبي، قابله جبرئيل بما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله). 4 - ما رواه مسلم عن زهير بن حرب عن أبي سلمة، وفيه: أتيت خديجة فقلت: دثروني، فدثروني فصبوا علي ماء، فأنزل الله عز وجل: * (يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر) * (1). فهذا يدل على أن سورة المدثر قد نزلت بهذه الصورة الموجودة في القرآن، أي بلفظها ومعناها، فلاحظ. بعض المؤيدات: وبعد كل ما قدمناه فإن من المناسب ذكر جملة من المؤيدات في المقام، فنقول: 1 - ما ذكره بعض المحققين من أن كلام النبي الأكرم محفوظ، وخطبه موجودة ولها اسلوب خاص غير الاسلوب القرآني، فلو كان القرآن من إنشاء الرسول (صلى الله عليه وآله) لوجدنا في خطبه (صلى الله عليه وآله) ما يشبه القرآن اسلوبا، ولم يكن، ولم ينقل من أحد حتى المعاندين أن اسلوب ما صدر من النبي (صلى الله عليه وآله) من كلمات هو نفس اسلوب القرآن لتكون النتيجة أن القرآن من كلامه (صلى الله عليه وآله) لا منزلا من الله تعالى (2). 2 - ما ذكره البعض أيضا من أن كلمة " قل " قد تكررت أكثر من ثلاثمائة وثلاثين مرة في القرآن ليكون القارئ على ذكر من أن محمدا لا دخل له في الوحي، فلا يصوغه بلفظه ولا بكلامه، بل هو حاك لما يسمعه، لا معبر عن شئ (3). 3 - الآيات التي اطلق فيها لفظ " كتاب " على ما أنزلت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فإن إطلاق لفظ " كتاب " إنما يصح لو كان شيئا مكتوبا قبل النزول وقبل كتابة


(1) صحيح مسلم: ج 2 ص 207، والآيات 1 - 4 من سورة المدثر. (2) راجع البيان في تفسير القرآن: ص 28. (3) مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح: ص 30. (*)

[ 90 ]

النبي (صلى الله عليه وآله)، يشير إلى ذلك أيضا قوله تعالى: * (إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون) * (1) ولا يطلق على المعاني المجردة أنها كتاب. 4 - ما سنشير إليه من أن ترتيب الآيات لم يوكل إلى النبي، وإنما كان بتوقيف من جبرئيل له (صلى الله عليه وآله) عليها، فكان يعلمه عند نزول كل آية أين يجب أن توضع، عقيب آية كذا في سورة كذا، فإذا كان الله لا يرضى بترتيب أحد غيره فكيف يرضى أن يجعل ذلك الغير ألفاظ كتابه ؟ ! بماذا استدل للقول الآخر ؟ وبعد كل ما قدمناه يتضح القول الحق في المقام، وأنه من الامور الواضحة الجلية. والذي دعاني إلى هذا البحث - بالإضافة إلى أن البعض (2) ينقل القول المخالف الذي يفيد أن الألفاظ من النبي أو من جبرئيل، وهو قول في غاية الندرة، ولم يعتن به أحد - هو أن بعض الأساتذة المعروفين قد ذكر هذا الخلاف في درسه، واختار هذا القول النادر، وحاول أن يستدل عليه بما رآه مقنعا في نظره. وخلاصة دليله ودليل غيره ممن شذ وذهب إلى هذا القول هو قوله تعالى: * (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين) * (3)، وقوله تعالى * (وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين) * (4). زعم المستدل أن نزول القرآن على قلب النبي (صلى الله عليه وآله) معناه الإلقاء في القلب، وما يورد على القلب ويلقى فيه وينزل عليه لابد وأن يكون معنى من المعاني، فتكون النتيجة أن الذي انزل على قلب النبي هو معاني القرآن دون ألفاظه، ولكن:


(1) الواقعة: 77 و 78. (2) راجع الإتقان: ج 1 ص 45، ومناهل العرفان: ج 1 ص 42، وتاريخ القرآن (فارسي) للدكتور أحمد راميار: ص 43، ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان: ص 35. (3) البقرة: 97. (4) الشعراء: 192 - 194. (*)

[ 91 ]

أولا: أن هذا المستدل غفل عن أن الألفاظ أيضا يمكن أن تلقى في القلب. وإذا كان ذلك فما هو المبرر للقول بأن خصوص المعاني هي الملقاة ؟ ! ولم لا يكون القرآن بمعانيه وألفاظه قد نزل على قلب النبي (صلى الله عليه وآله) حسب ما دلت عليه تلك الآيات والروايات والمؤيدات التي قدمنا شطرا منها. وثانيا: أن إلقاء المعاني في قلبه (صلى الله عليه وآله) ينافي ما دلت عليه الآيات والروايات الكثيرة من قعود جبرئيل عند النبي وقراءته القرآن عليه وتلاوته له، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) بعد تمام الوحي كان يقرأ الآيات النازلة ويقول: هكذا قال جبرئيل. نعم، قد ورد أنه (صلى الله عليه وآله) قال في حجة الوداع: ألا إن الروح الأمين نفث في روعي: إنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب (1). ولعل المقصود هنا بالنفث الإلهام كما في بعض كتب اللغة، نفث في روعي كذا: أي الهمته (2). ولكن من الواضح أن ما عبر عنه في حجة الوداع بأنه القي في روعه أو ألهمه ليس قرآنا، وعليه فلا مانع من أن يكون القرآن يلقى إليه بلفظه ومعناه، وغيره لا يعتبر فيه ذلك. خلاصة وخاتمة: فقد ظهر من كل ما تقدم أن الألفاظ القرآنية وترتيبها كان من الله عز وجل، لا من النبي (صلى الله عليه وآله) ولا من جبرئيل، وهذا مما دلت عليه الآيات الكثيرة والروايات المعتبرة، وأنه ليس في خطب الرسول ما يشبه اسلوبه اسلوب القرآن، وأن قوله تعالى: " نزل به الروح الأمين * على قلبك " لا يدل على إلهام المعاني دون الألفاظ. والحمد لله أولا وآخرا، وصلاته وسلامه على نبيه وآله.


(1) وسائل الشيعة: ج 12 ص 27 ب 12 من أبواب مقدمات التجارة. (2) أقرب الموارد: مادة " نفث ". (*)

[ 92 ]

تقسيم السور إلى آيات وترتيبها بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) إن ما نريد البحث حوله هنا هو الامور التالية: 1 - في من قسم السور إلى آيات وجعلها آية آية ؟ وهو مع أنه لا ريب في كونه من الله لكن ربما يقع الاشتباه في ذلك وفي كل أمر ضروري. 2 - في من رتب الآيات على هذا النحو الذي لدينا الآن وجعل هذه تلو تلك ؟ 3 - في ترتيب السور، ومن الذي جعل هذه قبل وتلك بعد ؟ أما تقسيم القرآن إلى سور متعددة واعتبار هذه المجموعة سورة وتلك كذلك فقد سبق وأن بحثناه في بحث " متى تنتهي السورة وتبتدئ غيرها " وقلنا: إنه بنزول البسملة يعلم انتهاء سورة وابتداء غيرها. وأما حول: تقسيم السور إلى آيات: فلابد من ذكر مقدمة ترتبط بالمقام، فنقول: إنه لا إشكال في أن كلمة " آية " تطلق الآن ويراد بها هذه الآيات التي نعرفها في القرآن، وهي المقصودة في قولهم في أول كل سورة: هي كذا وكذا آية كقولهم مثلا: سورة البقرة مدنية وهي " 286 " آية. وكذا لا إشكال أيضا في أن الأئمة (عليهم السلام) قد استعملوا كلمة " آية " وأرادوا بها

[ 93 ]

هذا المعنى، وقد روي عنهم (عليهم السلام) الكثير من الروايات. فلاحظ: أبواب قراءة القرآن من كتاب الوسائل للحر العاملي (رحمه الله)، ونذكر كمثال على ذلك الرواية التالية: محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية (1). ولا يخفى أن المراد من قوله (عليه السلام) " خمسين آية " هو هذه الآيات الموجودة بين أيدينا الآن في المصاحف، على هذا النحو الخاص. وأما إطلاق الآية في زمان النبي وفي كلماته هو (صلى الله عليه وآله) فالظاهر أنها أيضا كذلك لا تختلف عما ورد في كلمات الأئمة (عليهم السلام) وعما نعرفه في عصرنا الحاضر. وإذا ثبت ذلك أمكن أن يقال: إن القرآن أيضا استعمل كلمة " آية " وأراد بها هذه القطعات الموجودة بين أيدينا ولها مبدأ ومنتهى، وذلك كما في قوله تعالى: * (كتاب احكمت آياته ثم فصلت) * (2) وقوله: * (منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات) * (3). ومما يشهد على أنه كانت الآية في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) تستعمل في نفس المعنى الذي نستعملها نحن فيه اليوم هو: 1 - عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين (4). 2 - عن يونس عمن رفعه قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): * (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) * قال: سورة الحمد، وهي سبع آيات، منها " بسم الله الرحمن الرحيم " (5).


(1) وسائل الشيعة: ج 4 ص 849 ب 15 من أبواب قراءة القرآن. (2) هود: 1. (3) آل عمران: 7. (4) بحار الأنوار: ج 92 ص 199 نقله عن معاني الأخبار، والآية 87 من سورة الحجر. (5) بحار الأنوار: ج 92 ص 235 نقله عن تفسير العياشي. (*)

[ 94 ]

3 - عن عمرو بن جميع رفعه إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قرأ أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها لم ير في نفسه وماله شيئا يكرهه، ولا يقربه الشيطان، ولا ينسى القرآن (1). ولا يخفى أن الظاهر من كلامه هو إرادته من كلمة " آية " نفس ما يراد منها في عصرنا الحاضر، وهي القطعة المخصوصة من الكلام، لها مبدأ ومقطع. إذا تمهد هذا قلنا في الإجابة عن الأسئلة الثلاثة: إن فيها ثلاثة بحوث: البحث الأول في تقسيم السور إلى آيات أعني تقسيم السور إلى آيات، وتقديرها في مقدار معين من الكلمات. إن الظاهر أن ذلك حصل من الله جل وعلا، فنزل آيات كتابه على هذا النحو الخاص الموجود على الرسول (صلى الله عليه وآله) بواسطة جبرئيل، وليس لغير الله أي حظ في ذلك، ويدل على ذلك امور: الأول: ما دل على أن القرآن معجز للخلق يدل على أن اسلوب القرآن - ومنه التجزئة إلى الآيات - معجز أيضا، فلا يمكن إيكاله إلى الناس، ليستقلوا به، وتلعب أيديهم فيه، مع ما هو من اختلافهم في الفهم والذوق. أضف إلى ذلك: أنه لو كان اذن لهم لحصل الاختلاف قطعا، ولو حصل الاختلاف لبان. ونحن لا نرى اختلافا بينهم - إلا ما شذ مما كان منشأه تلقي الآيات من النبي (صلى الله عليه وآله)، وسيأتي. وهذا الاتفاق والتسالم من الناس كافة يعتبر أقوى شاهد على أن التجزئة أمر توقيفي إلهي، يجب إطاعته على الناس. ولو كانت الآيات تتكون نتيجة اجتهاد


(1) المصدر السابق: ص 265 نقله عن ثواب الأعمال للصدوق. (*)

[ 95 ]

المجتهد لرأينا أن المجتهد الآخر الذي يرى نفسه أعلم وأفهم يعارض ذلك ويناقضه، ولا يتصور في حقه قبوله. فالرضا منهم جميعا دليل على أن ذلك حصل ممن تجب طاعته، وهو واضح. الثاني: ما ورد من الأحاديث المروية في كتب الإمامية وغيرهم، الدالة على أن الآيات بهذه الصورة كانت موجودة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وأنه كان يذكر الآيات ويعين مقدار الثواب لقارئها. منها: ما عن الشيخ الثقة ماجيلويه بسند ذكره عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قرأ أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها لم ير في نفسه وماله شيئا يكرهه... الخ (1). 2 - ما رواه الصدوق (رحمه الله) بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " بسم الله الرحمن الرحيم " آية من فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات، تمامها ببسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن الله عز وجل قال لي: يا محمد * (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) * (2) فأفرد الامتنان علي بفاتحة الكتاب وجعلها بإزاء القرآن العظيم... الخ (3). 3 - ما عن سعيد بن المعلى قال: كنت اصلي في المسجد فدعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) - إلى أن قال الراوي: - فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لاعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي اوتيته (4). 4 - ما رواه الصدوق (رحمه الله) من أنه قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): أخبرنا عن " بسم الله الرحمن الرحيم " هل من فاتحة الكتاب ؟ فقال: نعم، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقرأها


(1) بحار الأنوار: ج 92 ص 265 نقله عن ثواب الأعمال. (2) الحجر: 87. (3) بحار الأنوار: ج 92 ص 227 نقله عن أمالي الصدوق وعيون أخبار الرضا (عليه السلام). (4) صحيح البخاري: ج 6 ص 20. (*)

[ 96 ]

ويعدها آية منها، ويقول: فاتحة الكتاب هي السبع المثاني (1). فهذه الأخبار تدل على أن تجزئة سورة الحمد إلى آيات سبع كان من الله تعالى، حيث عبر عنها في كتابه المجيد بالسبع المثاني. وهذه الرواية والتي قبلها وإن كانت واردة في مورد خاص إلا أنها يمكن أن تجعل دليلا على الكل بالاستعانة بالقول بعدم الفصل. الثالث: إن عد جملة من كلام الله آية وعدم عد ما يشابهها آية دليل على أن ذلك أمر تعبدي لا اجتهادي، وإلا لاتحد المأخذ والاسلوب. وعن الزمخشري: إن الآيات علم توقيفي، لا مجال للقياس فيه، ولذلك عدوا " الم " آية حيث وقعت، و " المص "، ولم يعدوا " المر " و " الر "، وعدوا " حم " آية في سورة طه ويس، ولم يعدوا " طس " (2). ثم إن المصحف الأميري الذي تلقاه المسلمون بالقبول وعنه تطبع ملايين النسخ سنويا قد لوحظ فيه " طسم " و " الم " و " يس " و " حم " وحيث وقعت، و " عسق " و " طه " و " المص " و " كهيعص " آية. ولم يلاحظ فيه " طس " و " ص " و " ق " و " ن " و " الر " و " المر " آية. وهذا يكشف أيضا عن أن لجنة مراجعة المصاحف بمشيخة الأزهر قد لاحظت أن هذا أمر تعبدي، لا يجوز المساس به ولا التصرف فيه. الاختلاف في عدد آيات القرآن: وأما اختلافهم في عدد الآيات فهو كما في التبيان قليل جدا، حيث قال: وأما عدد آي القرآن فقد اتفق العادون على أنه ستة آلاف ومائتا آية وكسر، إلا أن هذا الكسر يختلف مبلغه باختلاف أعدادهم، ففي عدد المدني الأول: سبع عشرة، وبه قال نافع. وفي عدد المدني الأخير أربع عشرة، عند شيبة، وعشر عند أبي جعفر.


(1) بحار الأنوار: ج 92 ص 227 نقله عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام). (2) الإتقان: ج 1 ص 68. (*)

[ 97 ]

وفي عدد المكي: عشرون. وفي عدد الكوفي: ست وثلاثون، وهو مروي عن حمزة الزيات. وفي عدد البصري: خمس، وهو مروي عن عاصم الجحدري، وفي رواية عنه أربع، وبه قال أيوب بن المتوكل البصري، وفي رواية عن البصريين أنهم قالوا: تسع عشرة، وروي ذلك عن قتادة. وفي عدد الشامي ست وعشرون، وهو مروي عن يحيى بن الحارث الذماري (1). ولكن ربما نجد الاختلاف بشكل أوسع مما قاله في التبيان، فقد نقل عن ابن عباس قوله: جميع آي القرآن ستة آلاف آية وستمائة آية وستة عشر آية (2). وعن الداني: أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال: ومائتا آية وأربع آيات... الخ (3). وأما سبب اختلافهم فهو كما نقله السيوطي عن البعض: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف، فإذا علم محلها وصل للتمام، فيحسب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة (4). هذا كله بالنسبة إلى تجزئة السور إلى آيات الذي ثبت أنه من الله تعالى. البحث الثاني في ترتيب الآيات وهو أيضا توقيفي ومن الله عز وجل، وتدل عليه الوجوه التالية: الأول: ما استدللنا به في نظائر البحث من أن العقل والاعتبار لا يريان للاجتهاد في القرآن مجالا، الأمر الذي يؤثر في إعجازه الخالد، إذ لو جاز إعمال الرأي والقياس في ترتيب آياته لأمكن حدوث الخطأ أحيانا في الترتيب بحيث يقدم ما حقه التأخير وبالعكس، وهذا يوجب اختلالا في الاسلوب القرآني المعجز.


(1) نقله عنه الزرقاني في مناهل العرفان: ج 1 ص 336. (2 - 4) الإتقان: ج 1 ص 69. (*)

[ 98 ]

أضف إلى ذلك: أن ترتيب القرآن الموجود ليس له ملاك واحد، يكون أساسا مطردا في تقديم هذا وتأخير ذاك، وكمثال على ذلك تأمل في الآيتين من سورة الشمس * (والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها) * (1) فترى ذكر النهار فيها مقدما على ذكر الليل، بخلاف الآيتين في سورة الليل: * (والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى) * (2) فالليل فيها مقدم على النهار، الأمر الذي يقوي الظن بأن الترتيب لم يكن بالاجتهاد والاستحسان، وإلا لقدم أحدهما في جميع المواضع. الثاني: الأحاديث الدالة على أن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) قد ذكر بعض الآيات بأنها آخر أو أول سورة كذا، مما يكشف عن أن أول السورة وآخرها قد احدث في عصره (صلى الله عليه وآله). وكذا الحال في الروايات التي ورد فيها ذكر أسامي بعض السور، وهي كثيرة وتدل على أن السورة قد تكونت في عصره (صلى الله عليه وآله). ونذكر منها على سبيل المثال: 1 - ما تقدم عن الشيخ الثقة ماجيلويه عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قرأ أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث من آخرها لم ير في نفسه وماله شيئا يكرهه... الخ. 2 - ما عن البخاري في كتاب فضائل القرآن: من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة... الخ. قال العسقلاني: ومن حديث النعمان بن بشير رفعه: أن الله كتب كتابا أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة. وقال في آخره: " آمن الرسول... " وأصله عند الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (3). 3 - ما عن أنس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من قرأ آخر سورة الحشر ثم مات من يومه أو ليلته كفر عنه كل خطيئة عملها (4).


(1) الشمس: 3 و 4. (2) الليل: 1 و 2. (3) راجع فتح الباري: ج 9 ص 50 هامش وص 51 شرح. (4) بحار الأنوار: ج 92 ص 309 نقله عن الدر المنثور. (*)

[ 99 ]

4 - ما عن ثقة الإسلام الكليني بإسناده عن سعد الإسكاف قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اعطيت السور الطوال مكان التوراة، واعطيت المئين مكان الإنجيل، واعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل ثمان وستون سورة، وهو مهيمن على سائر الكتب (1). 5 - ما رواه العلامة المجلسي في فضائل سور القرآن وآياته، وهي روايات عديدة ذكر فيها أسماء سور على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)، الأمر الذي يدل على أنها قد الفت في عصره (صلى الله عليه وآله) على النحو الموجود، وحيث لا يسع المجال ذكر الروايات بنصوصها فنحن نكتفي بذكر أسماء السور التي ورد لها ذكر على لسانه (صلى الله عليه وآله) (2). وهي: حم الدخان، والحواميم، واقتربت الساعة، والحشر، والجمعة، والمسبحات (3)، والمنافقون، وتبارك، والبروج، والطارق، والأعلى، وجميع السور التي نزلت دفعة، فإن الترتيب موجود فيها، وقد أسلفنا الكلام عليها في مقال سبق (4). هذا، ولا يخفى أننا لا نريد أن نأتي بشاهد ودليل من الأخبار على وضع وترتيب كل آية آية، بل كل ما ذكرناه إنما هو على سبيل الموجبة الجزئية لتوجيه الأذهان إلى أن بعض السور كانت قد استكملت تكونها في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وحصل لها طبعا ترتيب في آياتها، حتى سورة البقرة، فإذا كانت سورة البقرة الطويلة قد رتبت وجعل وعين لها أول وآخر فكيف بغيرها ؟ الثالث: ما دل على أن وضع الآيات في أماكنها كان يحصل بأمره (صلى الله عليه وآله) وأنه كان يقول لكتابه: ضعوا هذه الآيات في مكان كذا وتلك في مكان كذا، ونذكر منها:


(1) الكافي: ج 2 ص 601 ح 10 كتاب فضل القرآن. (2) راجع بحار الأنوار: ج 92 ص 224 - 321. (3) المسبحات: على الظاهر هي السور التي أولها التسبيح، كالإسراء والحديد والحشر والجمعة والتغابن والأعلى. (4) راجع بحث " هل نزل القرآن سورا كاملة ؟ " من هذا الكتاب. (*)

[ 100 ]

1 - ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا: بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال ؟ فقال عثمان: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا. وكانت الأنفال من أوائل ما انزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يبين لنا أنها منها، فمن أحل ذلك قرنت بينهما... الخ (1). 2 - ما عن أحمد عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ شخص ببصره ثم صوبه، ثم قال: أتاني جبرئيل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: * (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى... الخ) * (2). الرابع: ما دل على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقرأ سورة كذا وكذا مما يدل على أن هذه السورة كانت موجودة في عصره (صلى الله عليه وآله). منها: ما رواه الفقيه الهمداني بسند قد وثقه عن عيسى بن عبد الله القمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي بالغداة بعم يتساءلون وهل آتاك حديث الغاشية ولا اقسم بيوم القيامة... الخ (3). ومنها: ما رواه السيوطي عن حذيفة: أنه (صلى الله عليه وآله) قرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء. وعن صحيح البخاري: أنه قرأ الأعراف (4). فهذه الروايات المذكورة وغيرها مما لم تذكر تدل في الجملة على أن السور كانت موجودة ولها أسماء، كما هي الآن.


(1) الإتقان: ج 1 ص 62. (2) الإتقان: ج 1 ص 62 وذكر أن سنده حسن، والآية 90 من سورة النحل. (3) مصباح الفقيه: كتاب الصلاة ص 307. (4) الإتقان: ج 1 ص 62. (*)

[ 101 ]

هذا كله بالإضافة إلى الإجماعات المنقولة على أن ترتيب الآيات توقيفي (1). البحث الثالث في ترتيب السور وفيه ثلاثة أقوال: الأول: أنها رتبت في عصر النبي (صلى الله عليه وآله). الثاني: أنها رتبت بالاجتهاد بعده. الثالث: أن كثيرا من السور قد علم ترتيبها في حياته كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فوض الأمر فيه إلى الامة كما نقل عن ابن عطية (2). والذي نختاره هو القول الأول، وقد نسبه في الإتقان إلى جماعة منهم: القاضي في أحد قوليه، وأبو بكر الأنباري، والكرماني في البرهان، والطيبي. وقال في الإتقان: قال الزركشي في البرهان: فالخلاف بين الفريقين لفظي، لأن القائل بالثاني (أي بالاجتهاد بعده (صلى الله عليه وآله)) يقول: إنه رمز إليهم ذلك. وأما دليلنا على ذلك هو ما أشرنا إليه غير مرة في نظائر المقام من أن العقل والاعتبار يدلان على أنه لا يجوز التسامح في أمر القرآن المعجز الخالد، حتى في ترتيب سوره، بأن يوكل الرسول (صلى الله عليه وآله) أمر ترتيبه إلى غيره من الصحابة، فيؤلفونه حسب أهوائهم واجتهاداتهم، وهل هذا إلا إلقاء للامة التي يختلف أفرادها اختلافا شديدا في الفهم والذوق إلى مزالق الخلاف والتشتت. وعن ابن الأنباري (3) أن اتساق السور كاتساق الآيات والحروف، كله من


(1) الإتقان: ج 1 ص 62 و 63، مناهل العرفان: ج 1 ص 339، مباحث في علوم القرآن لمناع القطان: ص 70. (2) الإتقان: ج 1 ص 65. (3) ابن الأنباري: لغوي نحوي علامة وقته في الأدب، وأكثر الناس حفظا لها، يحكى أنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها، توفي سنة 328 ه‍. (راجع الكنى والألقاب للمحدث القمي). (*)

[ 102 ]

النبي (صلى الله عليه وآله)، فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن. وتشهد لما ذكرناه عدة أحاديث ذكرها في الإتقان، وهي: 1 - ما عن ابن أشتة في كتاب المصاحف من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: قد سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة، وإنما انزلتا بالمدينة ؟ فقال: قدمتا وا لف القرآن على علم ممن ألفه به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه (1). 2 - ما رواه الحاكم عن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) نؤلف القرآن من الرقاع. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (2). فالمستفاد من هذا الحديث هو أن القرآن كان متفرقا في الرقاع، وأن زيدا ومن معه كانوا يجمعون القرآن في مصحف واحد، وهو عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وواضح أن التأليف يستلزم الترتيب، فإذا كان الترتيب عند الرسول (صلى الله عليه وآله) فالترتيب عنه أيضا وبأمره. ويدل على ذلك اتفاق الامة، وقبول الصحابة ومن بعدهم لهذا الترتيب الموجود، حتى فيما قبل عثمان، لأن عثمان لم يفعل في القرآن إلا أنه أمر بكتابته على قراءة واحدة، وحمل الناس عليها، ثم أحرق سائر المصاحف، أما الترتيب فإنما حصل بأمر النبي (صلى الله عليه وآله). مناقشتان وجوابهما: ثم إنه ربما يورد على ما قلناه سؤال وهو: أنه إذا كان الترتيب قد حصل بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) فلم اختلف الأصحاب في ترتيب مصاحفهم حتى أن ابي بن كعب وابن مسعود قد رتبا مصحفيهما على خلاف ترتيب المصحف الذي بأيدينا اليوم ؟


(1) الإتقان: ج 1 ص 65. (2) المستدرك على الصحيحين: ج 2 ص 611. (*)

[ 103 ]

وربما يورد سؤال آخر أيضا هنا وهو: ماذا نصنع بالرواية المتقدمة الدالة على أن عثمان هو الذي رتب سور المصحف ؟ والرواية هي: ما سبق عن أحمد في مسنده: من أن ابن عباس قال لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا (أي بسم الله الرحمن الرحيم) - إلى أن قال عثمان: - كانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يبين لنا أنها منها، فمن أحل ذلك قرنت بينهما... الخ (1). أما الجواب عن السؤال الأول: فبما قيل من أن اختلاف الجامعين في ترتيب سور القرآن لعله كان قبل وقوفهم على أنه أمر توقيفي، ولابد وأن يؤخذ من النبي (صلى الله عليه وآله)، وقبل أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بتأليف القرآن من الرقاع، فهم رتبوا ما سمعوه من النبي (صلى الله عليه وآله) لأنفسهم بحسب آرائهم، وأما بعد تأليف القرآن من الرقاع بأمر الرسول (صلى الله عليه وآله) ومعرفتهم بترتيبه له لجميع المسلمين على هذا النحو فالواجب عليهم متابعته في ذلك أيضا. وأما عن السؤال الثاني: فبما قيل أيضا من أن الحديث ضعيف، لأن في السند يزيد الفارسي الذي عده البخاري في الضعفاء، وعن الشيخ أحمد شاكر في تعليقه له على هذا الحديث أنه حديث لا أصل له (2). ويزيد الرواية ضعفا ما ورد عن أبي هلال حدثنا مالك بن دينار عن يزيد الفارسي كاتب عبيد الله بن زياد... فالرجل إذا لا يبالي أن يكون من أعوان حتى قتلة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام). هذا في سند الحديث، وأما في دلالته على ما نحن بصدده فهي أيضا محل


(1) الإتقان: ج 1 ص 62، مسند أحمد: ج 1 ص 57 مسند عثمان. (2) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان: ص 144. (*)

[ 104 ]

إشكال، حيث إنه خاص في ترتيب سورتي الأنفال وبراءة، فمن تم عنده سند الحديث فعليه أن يقول: إن ترتيب هاتين السورتين فقط قد حصل بيد عثمان، كما فعل السيوطي في الإتقان حيث قال: والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي، وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي، إلا براءة والأنفال (1). أما نحن فنقول: سند الحديث ضعيف، وعثمان لم يفعل شيئا في القرآن، سوى كتابته على قراءة واحدة، ولم يتصرف في ترتيبه، فيكون ترتيب جميع سور القرآن توقيفيا ومأخوذا من الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، كما أن ترتيب آياته أيضا كذلك، وكذلك تقسيم السورة إلى آيات ذات بداية ونهاية، فإن كل ذلك قد حدث في عصر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ولم تنله يد الرأي والاستحسان والاجتهاد، والحمد لله رب العالمين.


(1) الإتقان: ج 1 ص 65. (*)

[ 105 ]

القرآن: المصحف 1 - من هم كتاب الوحي ؟ 2 - من جمع القرآن ؟ 3 - الخط القرآني في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) 4 - مصاحف الصحابة 5 - إعجام القرآن ونقطه 6 - القراءات السبع

[ 107 ]

من هم كتاب الوحي ؟ إن الذين كانوا يعرفون القراءة في الصدر الأول من الإسلام كانوا قلة قليلة جدا، أما الذين كانوا يعرفون الكتابة فأقل من هذا القليل. وحيث كان تدوين القرآن وكتابة الوحي من الأهمية بمكان لحفظه من الضياع أو الاختلاف لم يكن مانع من الاستعانة بأي كان، ممن يعرف القراءة والكتابة. بعد التأكد من صحة ما يكتب وموافقته للوحي. هذا وقد اختلفت الآراء في الذين كانوا يكتبون الوحي للنبي (صلى الله عليه وآله) عدا وتشخيصا، حتى لقد عد بعضهم من لم يكتب الوحي في جملة من كتبه، وآخرون أهملوا من كتب الوحي وعدوا من لم يكتبه، إلا أن فئة ثالثة أهملت الخوض في التفاصيل واكتفت بعد من كتبوا للنبي (صلى الله عليه وآله) من دون تقييد بكونه كتب الوحي أو غيره. ولعل سر ذلك الاختلاف يعود إلى الخلط بين من كان يقوم بكتابة الوحي وبين من كان يكتب الرسائل والعهود ونحو ذلك، هذا إن لم نقل أن التعصبات المذهبية قد كان لها - إلى حد ما - أثرها في ذكر من ذكر وإهمال من اهمل. وبعد كل ما تقدم نقول: إن كتاب الرسول (صلى الله عليه وآله) سواء من كان يكتب الوحي فقط أو غيره فقط أو هما معا - كتابه (صلى الله عليه وآله) بهذا المعنى - كثيرون، ولعلهم كانوا على ما في السيرة الحلبية ستة وعشرين كاتبا، وعلى ما في محكي السيرة للعراقي اثنين وأربعين. قال في الاستيعاب في ترجمة ابي: وكان من المواظبين على كتابة الرسائل

[ 108 ]

عن النبي (صلى الله عليه وآله) عبد الله بن الأرقم الزهري. وكان الكاتب لعهوده (صلى الله عليه وآله) إذا عهد وصلحه إذا صالح علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). وممن كتب لرسول الله (صلى الله عليه وآله): أبو بكر الصديق - ذكر ذلك عمر بن شبة في كتاب الكتاب، وفيه زيادات على هؤلاء أيضا - وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص، وحنظلة الاسيدي، والعلاء ابن الحضرمي، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن ابي بن سلول، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وجهيم بن الصلت، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وشرحبيل بن حسنة. قال الواقدي: فلما كان عام الفتح وأسلم معاوية كتب أيضا، إنتهى ما في الاستيعاب. ويلاحظ على نص الاستيعاب أنه قد أطلق القول ولم يبين كتاب الوحي منهم من غيرهم إلا بالنسبة إلى ابي بن كعب وزيد بن ثابت، حيث قال في صدر كلامه: وكان ابي بن كعب ممن كتب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الوحي قبل زيد بن ثابت، ومعه أيضا. ونحوه في الإطلاق ما في اسد الغابة في ترجمة ابي، إلا أنه في ترجمة زيد بن ثابت قال: وكان زيد يكتب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الوحي وغيره. كما أن كلام اليعقوبي مطلق لم يبين فيه كتاب الوحي من غيره، قال: وكان كتابه الذين يكتبون الوحي والكتب والعهود: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعمرو بن العاص بن امية، ومعاوية بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، والمغيرة بن شعبة، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وحنظلة بن الربيع، وابي بن كعب، وجهيم بن الصلت، والحصين النميري (1). لكن في محكي " منبع الحياة " للسيد نعمة الله الجزائري قال: كانوا أربعة عشر رجلا من الصحابة على رأسهم أمير المؤمنين (عليه السلام). وكانوا في الأغلب لا يكتبون


(1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 69. (*)

[ 109 ]

إلا ما يتعلق بالأحكام وما يوحى إليه في المحافل والمجامع. وأما الذي كان يكتب ما ينزل في خلواته ومنازله فليس هو إلا أمير المؤمنين (عليه السلام)، لأنه كان يدور معه كيفما دار، فكان مصحفه أجمع من غيره من المصاحف. وكيف كان، فما ذكره الاستاد أبو عبد الله الزنجاني في كتابه " تاريخ القرآن " من أنه كان للنبي (صلى الله عليه وآله) كتاب يكتبون الوحي بالخط المقرر وهو النسخي وهم ثلاثة وأربعون أشهرهم الخلفاء الأربعة... الخ إما أنه سهو من قلمه أو أنه ظفر بما لم نظفر به مما يدل على أنهم جميعا كانوا يكتبون الوحي له (صلى الله عليه وآله). وعلى أي حال، فإن ما يهمني في هذا المجال هو ذكر من ثبت أنه كان كاتبا للوحي على حسب ما يساعد عليه الدليل، فأقول: إن من ثبت أنه كتب الوحي للرسول (صلى الله عليه وآله): 1 - علي بن أبي طالب (عليه السلام): وقد تقدم التصريح بذلك فيما نقلناه عن منبع الحياة. وقال ابن عبد ربه: فمن أهل هذه الصناعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وكان مع شرفه ونبله وقرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكتب الوحي... الخ (1). وروى العلامة المجلسي عن العباس بن معروف عن حماد بن عيسى عن ربعي بن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان جبرئيل يملي على النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يملي على علي... الخ (2). وقال ابن شهرآشوب في المناقب: كان علي (عليه السلام) يكتب أكثر الوحي ويكتب غير الوحي (3). وقال فيه أيضا: أفلا يكون [ علي (عليه السلام) ] أعلم الناس وكان مع النبي (صلى الله عليه وآله)


(1) العقد الفريد: ج 3 ص 5 فصل صناعة الكتاب. (2) بحار الأنوار: ج 18 ص 270 نقله عن بصائر الدرجات. (3) المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 162 في كتابه (صلى الله عليه وآله). (*)

[ 110 ]

في البيت والمسجد يكتب وحيه ومسائله ويسمع فتاواه ويسأله ؟ وروي أنه كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه الوحي ليلا لم يصبح حتى يخبر به عليا، وإذا نزل عليه الوحي نهارا لم يمس حتى يخبر به عليا (1). وقد أورد الطبرسي (رحمه الله) في كتاب الاحتجاج حديث احتجاج أمير المؤمنين علي (عليه السلام) على جماعة من المهاجرين والأنصار، حيث يقوله فيه: يا طلحة، إن كل آية أنزلها الله جل وعلا على محمد (صلى الله عليه وآله) عندي بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها الله على محمد (صلى الله عليه وآله) وكل حرام وحلال أو حد أو حكم أو شئ تحتاج إليه الامة إلى يوم القيامة مكتوب بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط يدي حتى أرش الخدش... الخ (2). ويمكن أن نعطف على ما تقدم مما يؤيده - وإن لم يكن صريحا في ذلك - ما في كتاب سليم بن قيس حيث يقول فيه: جلست إلى علي بالكوفة في المسجد والناس حوله، فقال: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن كتاب الله، فو الله ما نزلت آية من كتاب الله إلا وقد أقرأنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلمني تأويلها، فقال ابن الكواء: فما كان ينزل عليه وأنت غائب ؟ فقال: بلى، يحفظ علي ما غبت، فإذا قدمت عليه قال لي: يا علي، أنزل الله بعدك كذا وكذا فيقرأنيه، وتأويله كذا وكذا فيعلمنيه (3). وما ورد في مقدمة تفسير مرآة الأنوار عن أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي (عليه السلام): قيل: قال أمير المؤمنين: ما دخل رأسي نوم ولا غمض على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى علمت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما نزل به جبرئيل في ذلك اليوم من حلال أو حرام أو سنة أو أمر أو نهي وفيما نزل وفيمن تنزل. فخرجنا فلقينا المعتزلة، فذكرنا ذلك لهم فقالوا: إن هذا الأمر عظيم ! كيف يكون هذا وقد كان أحدهما يغيب عن صاحبه ؟ ! فرجعنا إلى زيد فأخبرناه بردهم علينا، فقال: كان يتحفظ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) عدد الأيام التي غاب بها، فإذا التقيا قال


(1) المناقب لابن شهرآشوب: ج 2 ص 25 في المسابقة بالعلم. (2) الاحتجاج: ج 1 ص 153. (3) كتاب سليم بن قيس: ص 171. (*)

[ 111 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي، نزل علي في يوم كذا وكذا وكذا وكذا، حتى يعدها إلى اليوم الذي وافى فيه، فأخبرناهم بذلك (1). ويلوح ذلك أيضا من كلام اليعقوبي المتقدم، حيث عده (عليه السلام) من جملة كتابه (صلى الله عليه وآله) الذين كانوا يكتبون الوحي والكتب والعهود. وما ورد في إعجاز القرآن للرافعي حيث قال: واتفقوا على أن من كتب القرآن وأكمله وكان قرآنه أصلا للقرآنات المتأخرة: علي بن أبي طالب، وابي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود (2). ومن هنا نعرف مدى قصور ما قاله بعض المؤلفين وأهل التراجم في الوفاء في بيان الحقيقة حيث ذكروا أن عليا (عليه السلام) كان يكتب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أحيانا كما في المجلد الثاني من الكامل لابن الأثير، أو كان يكتب عهوده إذا عهد وصلحه إذا صالح كما في الاستيعاب في ترجمة ابي، وكما في اسد الغابة أيضا، وكذلك إهمال بعض آخر له حيث لم يعدوه في جملة الكتاب له (صلى الله عليه وآله) أصلا كما ارتكبه في الإصابة مع أنه ذكر أن معاوية كان يكتب، وكما فعله الزركلي في أعيانه، وكذلك الحال في تذكرة الحفاظ. 2 - ابي بن كعب الأنصاري: قال العلامة السيد مهدي بحر العلوم في رجاله: ابي بن كعب أبو المنذر سيد القراء وكاتب الوحي، عقبي، بدري، فقيه، قار، أول من كتب للنبي (صلى الله عليه وآله) من الأنصار، وهو من فضلاء الصحابة ومن أعيانهم (3). وقال العلامة الحلي (رحمه الله) في الخلاصة: ابي بن كعب شهد العقبة من السبعين وكان يكتب الوحي، آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينه وبين سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل،


(1) مقدمة تفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار: ص 15 الفصل الخامس من المقدمة الاولى، والمطبوع قبل الجزء الأول من تفسير البرهان. (2) إعجاز القرآن للرافعي: ص 35. (3) الفوائد الرجالية: ج 1 ص 465. (*)

[ 112 ]

شهد بدرا أو العقبة الثانية وبايع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). وقال ابن شهرآشوب: كان ابي بن كعب وزيد بن ثابت يكتبان الوحي (2). وقد عده الرافعي في إعجاز القرآن - كما مر - من الذين كتبوا القرآن وأكملوه، وكان قرآنهم أصلا للقرآنات المتأخرة، لكن هذه العبارة كما ترى غير صريحة. وفي كتاب " الأعيان " للزركلي: أن ابيا كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود مطلعا على الكتب القديمة يكتب ويقرأ على قلة العارفين بالكتابة في عصره، ولما أسلم كان من كتاب الوحي. وعده القرطبي في الاستيعاب وكذا ابن الأثير الجزري في اسد الغابة من كتاب الوحي. والحلبي في السيرة قال: إنه كان في أغلب أحواله يكتب الوحي. وفي العقد الفريد قال ابن عبد ربه: إن غابا [ علي وعثمان ] كتب ابي بن كعب وزيد بن ثابت الوحي، فإن لم يشهده أحدهما كتب غيرهما (3). ويلوح ذلك أيضا من عبارة اليعقوبي المتقدمة في علي (عليه السلام) حيث ذكره مع من اتفق على أنهم كانوا يكتبون الوحي والكتب والعهود. أما ابن حجر في الإصابة وابن الأثير في الكامل فقد عداه من كتاب الرسول، من دون تصريح بأنه كتب الوحي أو لا. هذا وقد أورد الكليني في الكافي حديثا يكشف عن أنه كان ممدوحا عند الإمام وفيه: أنه - يعني أبو عبد الله (عليه السلام) - قال: إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال، فقال ربيعة: ضال ؟ فقال: نعم ضال. ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): أما نحن فنقرأ على قراءة ابي (4).


(1) الخلاصة (رجال العلامة): ص 22. (2) المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 162 في كتابه (صلى الله عليه وآله). (3) العقد الفريد: ج 3 ص 5. (4) الكافي: ج 2 ص 634 باب النوادر من كتاب فضل القرآن ح 27. (*)

[ 113 ]

3 - زيد بن ثابت: قد تقدم أن ابن شهرآشوب قال في المناقب بأنه كان مع ابي بن كعب يكتبان الوحي، ومع عبد الله بن أرقم يكتبان إلى الملوك. وتقدمت الإشارة إلى ذلك في كلام اليعقوبي، حيث عده في جملة من كتبوا الوحي والكتب والعهود وإن لم يكن صريحا في ذلك. وذكر الحلبي في السيرة بأن زيدا ومعاوية ملازمان للكتابة بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الوحي وغيره، لا عمل لهما غير ذلك (1). وقال ابن الأثير في اسد الغابة في ترجمة زيد: إنه كان يكتب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الوحي وغيره. وكانت ترد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتب بالسريانية، فأمر زيدا فتعلمها وكان عمره لما قدم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة إحدى عشرة سنة. وفي تذكرة الحفاظ في ترجمة زيد قال: إنه المقري الفرض كاتب وحي النبي (صلى الله عليه وآله) - إلى أن قال: - فقدم النبي (صلى الله عليه وآله) وزيد صبي ذكي نجيب، عمره إحدى عشرة سنة فأسلم، فأمره النبي (صلى الله عليه وآله) أن يتعلم خط اليهود فجود الكتابة، وكتب الوحي. كما أن الزركلي في أعيانه أيضا قد عده من كتاب الوحي. وفي قاموس الرجال في ترجمة زيد: عن الجزري كان - أي زيد - يكتب للنبي (صلى الله عليه وآله) الوحي وغيره - إلى أن قال: - وكان عثمانيا ولم يشهد مع علي (عليه السلام) شيئا من حروبه. وفي جامع الرواة رواية اخرى فيها ذم له، وهي: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الحكم حكمان حكم الله وحكم الجاهلية - إلى أن قال (عليه السلام): - وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية. 4 - عبد الله بن سعد بن أبي سرح: قال علي بن إبراهيم في قوله تعالى: * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا


(1) السيرة الحلبية: ج 3 ص 327. (*)

[ 114 ]

أو قال اوحي إلي ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) * (1): إنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان أخا عثمان من الرضاعة. حدثني أبي عن صفوان عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن عبد الله بن سعد ابن أبي سرح أخو عثمان بن عفان من الرضاعة قدم المدينة وأسلم، وكان له خط حسن، وكان إذا نزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعاه فكتب ما يمليه عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الوحي، وكان إذا قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) " سميع بصير " يكتب " سميع عليم " وإذا قال " والله بما تعملون خبير " يكتب " بصير ". ويفرق بين التاء والياء. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: هو واحد، فارتد كافرا ورجع إلى مكة، وقال لقريش: والله ما يدري محمد ما يقول، أنا أقول مثل ما يقول فلا ينكر علي ذلك، فأنا انزل مثل ما أنزل الله. فأنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله) في ذلك: * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا... الخ) *. فلما فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكة أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقتله، فجاء به عثمان قد أخذ بيده ورسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسجد فقال: يا رسول الله اعف عنه، فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله). ثم أعاد فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أعاد، فقال: هو لك، فلما مر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأصحابه: ألم أقل من رآه فليقتله ؟ فقال رجل: كانت عيني إليك يا رسول الله أن تشير إلي بقتله فأقتله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الأنبياء لا يقتلون بالإشارة، فكان من الطلقاء (2). ثم أورد الشيخ الصدوق حديثا - سيأتي قريبا - قال في ذيله: وإنما كان النبي (صلى الله عليه وآله) يقول له فيما يغيره " هو واحد هو واحد " لأنه لا ينكتب ما يريد عبد الله، إنما كان ينكتب ما كان يمليه (صلى الله عليه وآله) فقال: هو واحد غيرت أم لم تغير لم ينكتب ما تكتبه بل ينكتب ما امليه عن الوحي وجبرئيل (عليه السلام) يصلحه. وفي ذلك دلالة للنبي (صلى الله عليه وآله). ثم قال (رحمه الله): ووجه الحكمة في استكتاب النبي (صلى الله عليه وآله) الوحي ومعاوية وعبد الله ابن سعد وهما عدوان هو أن المشركين قالوا: إن محمدا يقول هذا القرآن من تلقاء


(1) الأنعام: 93. (2) تفسير القمي: ج 1 ص 210. (*)

[ 115 ]

نفسه، ويأتي في كل حادثة بآية - إلى أن قال: - فاستعان في كتب ما ينزل عليه في الحوادث الواقعة بعدوين له في دينه عدلين عند أعدائه، ليعلم الكفار والمشركون أن كلامه في ثاني الأمر كلامه في الأول غير مغير، ولا مزال عن جهته فيكون أبلغ للحجة عليهم، ولو استعان بوليين مثل سلمان وأبي ذر وأشباههما لكان الأمر عند أعدائه غير واقع هذا الموقع، وكان يتخيل فيه التواطؤ والتطابق، فهذا وجه الحكمة في استكتابهما (1). وقد عده الحلبي في السيرة من كتاب الوحي، وكذلك عده القرطبي في الاستيعاب من كتاب الوحي أيضا. وعبارة اليعقوبي فيها إشارة إلى ذلك أيضا حيث عده في جملة من كتبوا الوحي والكتب والعهود. 5 - معاوية بن أبي سفيان: أورد الصدوق حديثا عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) - ومعاوية يكتب بين يديه وأهوى بيده إلى خاصرته بالسيف -: من أدرك هذا يوما أميرا فليبقر خاصرته بالسيف. فرآه رجل ممن سمع ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما وهو يخطب بالشام على الناس، فاخترط سيفه ثم مشى إليه، فحال الناس بينه وبينه، فقالوا له: مالك ؟ قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من أدرك هذا يوما أميرا فليبقر خاصرته بالسيف. قال: فقالوا: أتدري من استعمله ؟ قال: لا. قالوا: أمير المؤمنين عمر. فقال الرجل: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين. وقال الصدوق: إن الناس يشبه عليهم أمر معاوية بأن يقولوا كان كاتب الوحي، وليس ذلك بموجب له فضيلة، وذلك أنه قرن في ذلك إلى عبد الله بن سعد ابن أبي سرح، فكانا يكتبان الوحي (2). وفي كلام اليعقوبي إشارة إلى ذلك حيث عده في جملة من كتبوا الوحي والكتب والعهود كما تقدم.


(1) معاني الأخبار: ص 347. (2) معاني الأخبار: ص 346. (*)

[ 116 ]

وقال الحلبي في السيرة: وقال بعضهم: كان معاوية وزيد بن ثابت ملازمين للكتابة بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الوحي وغيره، لا عمل لهما غير ذلك (1). وقد تقدم ذلك في ذكر زيد. لكنك إذا تدبرت فيما نقلناه وجدت أن ما عدا ما نقلناه عن الحلبي في السيرة لا يدل على أن معاوية كان يكتب الوحي، بل أقصى ما يدل عليه هو أنه كان يكتب للنبي (صلى الله عليه وآله). ولو صح لنا الاستناد إلى ما في السيرة بمفرده وقلنا إنه كان يكتب الوحي له (صلى الله عليه وآله) فمن الواضح أن كتابته لم تكن إلا لأيام قلائل حيث إنه قد أسلم قبل وفاته (صلى الله عليه وآله) بمدة يسيرة. وقد أنكر جماعة كتابته للوحي منهم العلامة الحلي (رحمه الله) حيث قال في كشف الحق: كان إسلام معاوية قبل موته (صلى الله عليه وآله) بخمسة أشهر. وطرح نفسه إلى العباس ليشفع له إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيعفي عنه، ثم شفع إليه أن يكون من جملة خمسة عشر ليكتب له الرسائل (2). وحول هذا الموضوع كتب الاستاذ العقاد في كتابه " معاوية بن أبي سفيان في الميزان " يقول فيه: وقد تعلم معاوية القراءة والكتابة والحساب. وتتفق الأخبار على كتابته للنبي (صلى الله عليه وآله) ولا تتفق على كتابته للوحي، ولا على حفظه لآيات من القرآن تلقاها من النبي، كما كان كتاب الوحي يتلقون الآيات لساعتها. والأرجح أنه لم يكن معروفا بحفظ شئ من كتابة الوحي في أيام جمع القرآن الكريم. ولو علم عثمان - وهو من ذوي قرابته - أن عنده مرجعا من المراجع يثوب إليه لرجع إليه كما رجع إلى غيره (3). ولا مجال لنا هنا لاستقصاء المنكرين لكتابة معاوية للوحي، وقد عرفت جميع ما تقدم - ما عدا ما نقلناه عن الحلبي في السيرة - إذ لا يدل على ذلك، حتى كلام الصدوق، فإن كلامه إنما هو على فرض صحة قول الناس لذلك، فإنه لا يوجب له شرفا ولا منزلة.


(1) السيرة الحلبية: ج 3 ص 327. (2) كشف الحق ونهج الصدق: ص 11. (3) معاوية بن أبي سفيان في الميزان: ص 164. (*)

[ 117 ]

6 - عثمان بن عفان: قال ابن عبد ربه في العقد الفريد: علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان كانا يكتبان الوحي (1). وقد عده كثير من المؤرخين من الكتاب من غير تصريح بأنه كتب الوحي، فراجع الإصابة والاستيعاب والسيرة الحلبية وتاريخ الطبري وغيرها. وفي عبارة اليعقوبي المتقدمة تصريح باسمه، لكنها لا دلالة فيها على أنه كان يكتب الوحي. وعلى أي حال، فلم ينص على كتابته للوحي سوى العقد الفريد، كما أن معاوية لم ينص على كتابته للوحي غير السيرة الحلبية، إلا أن الفرق أن أحدا لم يصرح بالنفي فيه كما هو الحال في معاوية. وعلى كل، فلا أظن أن ذلك يكفي في إثبات كتابته للوحي. وعليه، فالذين نطمئن بأنهم كانوا يكتبون الوحي هم الأربعة الأوائل: الإمام علي، ابي، زيد، عبد الله بن سعد، أما معاوية وعثمان - فضلا عن غيرهما - فحالهما في كتابة الوحي هي ما رأيت. وأخيرا، فلا شك أنه كان للنبي كتاب كثيرون، نقلت أسماء بعضهم عن الاستيعاب وتاريخ اليعقوبي وغيرهما. وحيث إنني لم أجد بعد تتبعي في الكتب التي ظفرت بها من صرح بأن منهم من كتب الوحي أو عمم كتابته بحيث تشمل الوحي وغيره فإنني لم أتعرض لذكرهم في بحثي هذا، حيث إنه مقصور - كما أشرت إلى ذلك فيما سبق - على ذكر كتاب الوحي له (صلى الله عليه وآله) لا مطلق كتابه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ومنه نستمد الحول والقوة وهو المستعان.


(1) العقد الفريد: ج 3 ص 5. (*)

[ 118 ]

من جمع القرآن ؟ قد اختلفوا في جمع القرآن: متى جمع ودون ؟ ومن الآمر بذلك ؟ وفيه أقوال: 1 - إن الجمع كان في عصر النبي (صلى الله عليه وآله). 2 - إنه جمع في عهد أبي بكر، بمعنى أنه جمع من الصحف المتفرقة، أو جمع من صدور الرجال بشهادة شهود. 3 - إنه جمع في عصر عمر بن الخطاب. 4 - إن ابتداء جمعه كان في عصر أبي بكر، وتمامه كان في عصر عمر. 5 - إنه جمع في عهد عثمان. والحق هو القول الأول، وقد ذهب إليه كثير من العلماء، منهم: المحقق الإمام الخوئي دام ظله، وبالغ في نفي غيره من الأقوال، واعتبرها مخالفة للكتاب والسنة والعقل (1). ومنهم: العلامة الرافعي، حيث قال: وللنبي (صلى الله عليه وآله) صحابة كانوا يكتبون القرآن إذا انزل، إما بأمره أو من عند أنفسهم تاما وناقصا. وأما الذين جمعوا القرآن بتمامه بالاتفاق فهم خمسة، ثم عدهم (2). ومنهم: مناع القطان، حيث قال: قد عرفنا أن القرآن كان مكتوبا من قبل في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسيب، فأمر أبو بكر


(1) راجع تفسير البيان: ص 162. (2) إعجاز القرآن: ص 36. (*)

[ 119 ]

بجمعه في مصحف واحد - إلى أن قال: - فكان أبو بكر أول من جمع القرآن بهذه الصفة في مصحف (1). فلاحظ تعبيره بأن أبا بكر أمر بجمعه في مصحف واحد، المشير إلى أنه كان في صحف موجودة متعددة، خلافا لمن قال: إن القرآن جمع من صدور الصحابة بشاهدين أو بشاهد واحد، إذا كان ذلك الواحد هو ذا الشهادتين. ومنهم الزرقاني الذي يرى أن الجمع ليس من محدثات الامور الخارجة ولا من البدع والإضافات الفاسقة، بل هو مستمد من القواعد التي وضعها الرسول بتشريع كتابة القرآن، واتخاذ كتاب الوحي، وجمع ما كتبوه عنده حتى مات (صلى الله عليه وآله). ثم قال: قال الإمام أبو عبد الله المحاسبي في كتاب " فهم السنن " ما نصه: كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه (صلى الله عليه وآله) كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب، فإنها أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيها القرآن منتشرا، فجمعها جامع وربطها بخيط، حتى لا يضيع منه شئ (2). هذا كلام عدة من المتأخرين الذاهبين إلى القول الأول. وأما المتقدمون فمنهم: السيد المرتضى علم الهدى (رحمه الله) على ما نقله عنه الشيخ الطبرسي حيث قال (رحمه الله): إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار مما توفرت الدواعي على نقله - إلى أن قال: - إن القرآن كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن. ثم استدل بأدلة منها أن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وابي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله) عدة ختمات، وهو يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير منشود ولا مبثوث (3).


(1) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان: ص 74. (2) مناهل العرفان: ج 1 ص 242. (3) تفسير مجمع البيان: ج 1 ص 15 الفن الخامس. (*)

[ 120 ]

ومنهم السيوطي، ومن نقل السيوطي عنهم، حيث قال: الإجماع والنصوص على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك. أما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان وأبو جعفر بن زبير في مناسباته وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه (صلى الله عليه وآله) وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين. ثم قال السيوطي: وأما النصوص فمنها حديث زيد السابق: كنا عند النبي (صلى الله عليه وآله) نؤلف القرآن من الرقاع (1). وهذا - كما ترى - يدل على أن جمع وترتيب الآيات في السور كان بأمر منه (صلى الله عليه وآله) كما عليه الإجماع، ويدل أيضا على جمع القرآن بأجمعه من الرقاع بيد زيد وشركائه في عصره (صلى الله عليه وآله). ونقل أيضا في الإتقان عن القاضي أبي بكر في الانتصار قوله: الذي نذهب إليه أن جمع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله هذا بين الدفتين. ثم قال: وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى ورتبه عليه رسوله من آي السور (2). ونقل أيضا عن البغوي في شرح السنة قوله: الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن يكونوا زادوا أو نقصوا (3)، إنتهى. هذا، ولا يسع المجال لتعداد كل من ذهب إلى هذا القول، فإنهم كثيرون. ما المقصود من الجمع في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ ثم إن هذا القول - وهو الأولى بالقبول - لا يستلزم أن يكون القرآن مجموعا في مصحف واحد، قد خيط بخيوط، ووضع له جلد، بل المهم فيه هو إثبات أنه جمع بأمره (صلى الله عليه وآله)، ولو في ضمن قراطيس متعددة كثيرة. وقد أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) إلى وصيه أن يجمعه في مصحف واحد حتى لا يضيع منه شئ، ويكون النسخة الاولى


(1) الإتقان: ج 1 ص 62. (2 و 3) المصدر السابق: ص 63. (*)

[ 121 ]

التي تنسخ عنها المصاحف كلها، ويثق الجميع به وبقرآنيته، بخلاف ما لو قلنا بعدم وجود مصحف عند النبي (صلى الله عليه وآله)، فإن معنى ذلك أن لا يكون لدى المسلمين ثمة قرآن مضبوط ومرتب. وإذا أخذنا بقول من يقول: إن القرآن جمع من صدور الرجال، جمعه زيد بن ثابت اعتمادا على شهادة شاهدين بأن ما عنده قرآن، وربما يكتفي بشهادة شخص واحد كذي الشهادتين - إذا أخذنا بهذا - فعلى القرآن السلام، إذ أن معنى ذلك: أن القرآن قد وصل إلينا اعتمادا على أخبار الآحاد، مع أن مما لا شك فيه لدى كل مسلم هو أن القرآن متواتر سندا، ومستند إلى النبي (صلى الله عليه وآله) استنادا قطعيا لا شك فيه. ولا ندري ما هو السر في أقوال كهذه، ولعلها ترجع إلى تعصب، وإن كان ذلك على حساب القرآن والعقيدة والدين، نسأل الله أن يهبنا وكل من يكتب عن القرآن خلوص النية والإخلاص في العمل والابتعاد عن مزالق التعصب، والله هو الموفق والمسدد. أدلة هذا القول: والدليل على أن الجمع للقرآن كان في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) على النحو الذي ذكرناه هو ما يلي: 1 - العقل والاعتبار العقلائي، فإنهما يدلان على أن القرآن قد جمع في عصره (صلى الله عليه وآله)، والقول بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أهمل القرآن ولم يجمعه حتى جاء زيد وجمعه من صدور الرجال بشاهدين أو بذي الشهادتين لا يصح، وهل يصح ذلك من رسول الله الذي بلغ من شدة اهتمامه بالقرآن وضبطه وحفظه أن ينهى عن العجلة به في قوله تعالى: * (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه) * (1) والذي يعلم أن قرآنه سيكون محورا للحضارة الإسلامية إلى يوم الدين ؟ ومعه كيف يمكن تصوره وهو يتركه موزعا في صدور متفرقة ؟ 2 - طوائف من الأخبار دلت على أن القرآن قد جمع في عصر النبي (صلى الله عليه وآله).


(1) القيامة: 16 و 17. (*)

[ 122 ]

الطائفة الاولى: أحاديث الثقلين المشهورة والمعروفة لدى جميع المسلمين، وفي هذه الأحاديث قد أطلق الكتاب على ما تركه النبي (صلى الله عليه وآله) في امته، عندما قال: إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي... الخ (1). والظاهر: أن الكتاب لا يطلق إلا على شئ مكتوب، ذي خصوصيات معينة، فلا يصدق على ما يحفظه الناس في صدورهم وما يقرأه النبي (صلى الله عليه وآله) لهم أنه كتاب بحيث يصح أن يقال: هذا كتاب تركه النبي (صلى الله عليه وآله) لامته، كما لا يقال لأشعار يحفظها الناس في صدورهم لشاعر معين: إن المحفوظ هو ديوان شعره، مع أنه لم يكتب منها شئ بل غاية ما يقال: إن هذه أشعار فلان، ولا يطلق عليها كلمة ديوان. وقال بعض المحققين: إن لفظ " الكتاب " لا يطلق حتى على مكتوبات متفرقة في اللخاف (2) والعسب (3) والأكتاف إلا على نحو المجاز والعناية، فإن لفظ " الكتاب " ظاهر فيما كان له وجود واحد (4). الطائفة الثانية: الأخبار الدالة على أن للنبي (صلى الله عليه وآله) كتاب يكتبون الوحي إذا نزل، بل كان هو (صلى الله عليه وآله) يرسل في طلبهم إذا نزل الوحي، ولم يكونوا حاضرين. وهي مشهورة ومعروفة، وقد بسطنا الكلام فيها في مقال سابق تحت عنوان " من هم كتاب الوحي ؟ " وذلك يدل على أنه (صلى الله عليه وآله) لم يهمل القرآن في حياته حتى يأتي زيد ويجمعه من صدور الرجال، وإنما اعتنى به (صلى الله عليه وآله) وكتبه كما هو المنتظر من قائد معصوم مثله.


(1) رواه الترمذي في سننه: ج 5 باب مناقب أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، وأحمد في مسنده: ج 3 ص 14 و 17 و 26 و 59، والحاكم في مستدركه: ج 3 ص 109 بعدة أسانيد، وقد صححها على شرط الشيخين. وذكره الذهبي في التلخيص ولم يتعقبه، والعلامة المجلسي في بحار الأنوار: ج 3 ص 106 باب فضائل أهل البيت (عليهم السلام) بأسانيد كثيرة. وقد جمع الفاضل الوشنوي طرق حديث الثقلين في رسالة خاصة، نشرتها دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة. (2) اللخاف - بالكسر -: حجارة بيض رقاق واحدها لخفة. (3) العسب: جمع عسيب جريدة من النخل يكشف خوصها. (4) تفسير البيان للإمام الخوئي: ص 271. (*)

[ 123 ]

الطائفة الثالثة: روايات تدل على أن القرآن كان يجمع في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) من الصحابة، وهي كثيرة: منها: ما رواه البخاري عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك (رضي الله عنه): من جمع القرآن على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: ابي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ونحن ورثناه (1). قال الشارح العسقلاني: قوله " أبو زيد ونحن ورثناه " القائل ذلك هو أنس، وقد تقدم في مناقب زيد بن ثابت. قال قتادة: قلت: ومن أبو زيد ؟ قال: أحد عمومتي (2). ومنها: ما أخرجه النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر قال: جمعت القرآن، فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: اقرأه في شهر (3). ومنها: ما رواه الحاكم عن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) نؤلف القرآن من الرقاع، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفيه الدليل الواضح على أن القرآن إنما جمع على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) (4). وثمة روايات اخرى تدل على أن القرآن قد جمع على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) تركنا ذكرها لئلا يطول المقام، فمن أرادها فليراجع الإتقان للسيوطي (5). وبعد كل ما تقدم فلا مجال للقول بأن زيدا قد جمع القرآن بعد النبي بشاهد أو بشاهدين من صدور الرجال، سيما مع وجود هذه الأخبار التي لا يسع من يقول بصحتها إلا الأخذ والالتزام بها بشكل كامل. وأما احتمال أن يكون المراد في هذه الروايات هو الجمع في الصدور (6) فهو خلاف الظاهر من هذه الأحاديث، سيما حديث زيد في قوله: كنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) نؤلف القرآن من الرقاع.


(1) صحيح البخاري: ج 6 ص 230. وذكره أيضا في باب مناقب زيد بن ثابت في كتاب المناقب. (2) فتح الباري في شرح صحيح البخاري: ج 9 ص 49. (3) تفسير البيان: ص 145. (4) المستدرك على الصحيحين: ج 2 ص 611. (5) الإتقان: ج 1 ص 62 و 63. (6) فتح الباري: ج 7 ص 96. (*)

[ 124 ]

وأما ما يعارض ما ذكرناه: وإذا ثبت أن القرآن قد جمع في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) بدليل العقل والاعتبار والأحاديث المعتبرة الصحيحة فلابد وأن ننظر إلى ما يظهر منه المنافاة لما ذكرناه، ونوفق بينه وبين ما ذكرناه ولو بأن نحمله على معان غريبة ولكن لا تنافي حكم العقل والاعتبار والروايات على النحو الذي قدمناه، فنقول: إن ما يظهر منه المنافاة لما قلناه هو: 1 - الأحاديث الدالة على أن زيدا جمع القرآن في عصر أبي بكر. 2 - ما دل على أن الجمع وقع في عهد عمر. 3 - ما دل على أن الجمع وقع في عهد عثمان. 4 - ما دل على أن عليا (عليه السلام) جمع القرآن بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) مباشرة. ففي كتاب سليم بن قيس عن سلمان (رضي الله عنه): أن عليا (عليه السلام) بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) لزم بيته وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج من بيته حتى جمعه، وكان في الصحف والشظاظ (1) والأسيار (2) والرقاع - إلى أن قال: - فجمعه في ثوب واحد وختمه (3). ونحن لا نجد في ما ذكر ما يصلح دليلا على خلاف ما قدمناه. أما بالنسبة لما ورد من أن الجمع كان في زمن أبي بكر فالظاهر أن مقصودهم هو أن أبا بكر قد أمر زيدا أن يستنسخ مصحفا له من تلك الصحف المكتوبة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) والمجموعة في مكان واحد، وقد أشار إلى هذا أبو شامة حيث قال في المقام: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) لا من مجرد الحفظ (4). هذا كله، مضافا إلى أن روايات الجمع في زمن أبي بكر متعارضة فيما بينها،


(1) الشظاظ: خشبة عقفاء تدخل في عروتي الجواليق. (2) الأسيار: جمع السير وهو القدة المستطيلة من الجلد. (3) كتاب سليم بن قيس: ص 65. (4) نقله عنه السيوطي في الإتقان: ج 1 ص 60. (*)

[ 125 ]

فمثلا نجد البخاري تارة يروي أن عمر أتى أبا بكر وقال له: إني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقال له أبو بكر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله) - إلى أن قال: - قال أبو بكر لزيد: إنك رجل شاب لا نتهمك... قال زيد: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال (1). وتارة يروي عن أنس ما ينافي ذلك، يقول أنس: مات النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ونحن ورثناه (2). وعليه، فكيف يمكن الجمع بين هاتين الروايتين هنا ؟ إلا إذا قلنا: إن كلمة " صدور الرجال " في الرواية الاولى زيادة من الرواة، فحينئذ لا يبقى تناقض بين الروايات، ويصح حينئذ ما ذكره أبو شامة آنفا. سؤال وجوابه: وإذا قبلنا أن أبا بكر إنما نقل مصحفه عما كان قد كتب وجمع بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) فإننا نبقى أمام سؤال: هل أن زيدا ومعاونيه قد نقلوا مصحفهم من الأوراق التي كانت جمعت في بيت النبي - كما يراه الحارث المحاسبي في كتاب " فهم السنن " حيث قال: إنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيها القرآن فجمعها جامع (3) - ؟ أم أن زيدا كتب المصحف لأبي بكر من الأوراق التي كانت في أيدي الصحابة الجامعين حيث إنهم كانوا يعطون للنبي نسخة مما نسخوه وكتبوه - كما نص عليه البعض (4) - والظاهر أنهم كانوا يحتفظون لأنفسهم أيضا بنسخة مماثلة، فنسخة أبي بكر كتبت مما في أيديهم ؟ وأما ما كان في بيت النبي (صلى الله عليه وآله) فأخذه علي (عليه السلام) بأمر الرسول حيث قال


(1 و 2) صحيح البخاري: ج 6 ص 98 و 102. (3) نقله عنه السيوطي في الإتقان: ج 1 ص 60. (4) راجع تاريخ القرآن للدكتور راميار: ص 71 (فارسي). (*)

[ 126 ]

له (صلى الله عليه وآله): يا علي هذا كتاب الله خذه إليك، فجمعه علي (عليه السلام) في ثوب ومضى إلى منزله، فلما قبض النبي (صلى الله عليه وآله) جلس علي فألفه كما أنزل الله، وكان به عالما (1). نحن أمام هذين الاحتمالين، ولا يسعنا التوسع في البحث عن المتعين منهما في هذه العجالة، ولكننا نشير إلى أن مما يؤيد هذا الاحتمال الأخير هو ما ورد من أن طلحة قال: ما أراك يا أبا الحسن أجبتني عما سألتك عنه من القرآن، ألا تظهره للناس ؟ قال: يا طلحة عمدا كففت عن جوابك فأخبرني عما كتب عمر وعثمان أقرآن كله أم فيه ما ليس بقرآن ؟ قال طلحة: بل قرآن كله، قال: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودختلم الجنة... الخ (2). الافتراءات المغرضة: وأذكر هنا بالمناسبة أن البعض ينسب إلى الإمامية أنهم يشكون في نسبة هذا القرآن إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وكل من شك في النسبة إليه فهو كافر، فالإمامية كفار (3). وهذا افتراء لا يحتاج إلى تكذيب، إذ يكفي إلقاء نظرة قصيرة على عقائد الإمامية وكلماتهم الناطقة بأن هذا القرآن هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل لقد ذكر الإمام الخوئي في كتابه البيان: إن القول بأن زيدا وأعوانه هم الذين جمعوا القرآن يستلزم عدم تواتر القرآن، وحيث إن القرآن الذي بين أيدينا لا ريب في تواتره عن النبي (صلى الله عليه وآله) تواترا قطعيا، فيكون القول بأن زيدا هو جامع القرآن باطلا من أساسه، وبذلك يثبت أنه إنما جمع في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) لا بعد عصره. الجمع في زمان عمر: وأما القول بأن عمر أول من جمع القرآن في المصحف (4) فهو أضعف ناصرا


(1) التمهيد في علوم القرآن: ج 1 ص 291 نقله عن ابن شهرآشوب. (2) كتاب سليم بن قيس: ص 100. (3) مجلة الدعوة السعودية: رقم 612. (4) منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد: ج 2 ص 45. (*)

[ 127 ]

وأوهن حجة بعد كل الذي قدمناه. وربما يكون المقصود منه هو الإشارة إلى التسبيب لا المباشرة، بمعنى أن عمر قد طلب من أبي بكر وأصر عليه بأن يجمع القرآن، فقبل أبو بكر ما أشار به عمر، وأقدم على ذلك بأن استنسخ قرآنا مما كان الصحابة يحتفظون به. الجمع في زمان عثمان: وأما القول بأن الجمع كان في زمان عثمان فالذي حصل في زمان عثمان هو جمع الناس على قراءة واحدة، لا الجمع في المصحف. فعن ابن أبي داود عن سويد بن غفلة قال: قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، قال: ما تقولون في هذه القراءة ؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، قلنا: فما ترى ؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت (1). ويؤيد ذلك ما عن الحارث المحاسبي، قال: المشهور عن الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار بينه وبين من شهد من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات (2). جمع علي للقرآن: وأما جمع علي (عليه السلام) للقرآن فالمقصود: أنه كتبه عما كان عند النبي (صلى الله عليه وآله)، وأضاف إليه التنزيل والتأويل، كما في الرواية، أي أنه أضاف إليه كل ما نزل من الله حول القرآن، وإن لم يكن منه. والتأويل: معناه أنه أضاف إليه كل ما يرجع إليه الكلام، فإنه أعرف به من الكل، كما عن الكلبي، قال: لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) الإتقان: ج 1 ص 61. (2) نقله عنه السيوطي في الإتقان: ج 1 ص 61. (*)

[ 128 ]

قعد علي بن أبي طالب في بيته فجمعه على ترتيب نزوله، ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير (1). وعن محمد بن سيرين: ولو أصيب ذلك الكتاب لكان فيه العلم (2). وخلاصة القول: إنه لا منافاة بين القول في أن القرآن جمع في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وبين القول بأنه جمع بيد باب علمه مع التفسير والتأويل وغيرهما من خصائص القرآن ودقائقه بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله). النتيجة والختام: إن وجه الجمع بين الأخبار هو: أن القرآن الذي بين أيدينا قد جمع في عصر النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنهم كانوا يؤلفون القرآن بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) من الرقاع، وكانت المصاحف تكتب عن ذلك المصحف الذي جمع في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) لا من صدور الصحابة بشاهدين أو شاهد واحد إذا كان ذا الشهادتين (3). ولعل مصحف النبي (صلى الله عليه وآله) كان مع علي حينئذ يكتب عنه مضيفا التفسير والتأويل فلم يتمكن منه أبو بكر. هذه هي الصورة التي يمكن استخلاصها من كل تلك الروايات المتقدمة، ويدل عليها الاعتبار والعقل والأخبار. وأما تنظيم الآيات والسور وترتيبها على هذا النحو المعروف في القرآن اليوم فلا يبعد أنه أيضا من رسول الله (صلى الله عليه وآله). والوجه الذي ذكروه لعدم إقدام النبي (صلى الله عليه وآله) على ترتيب السور والآيات لا يقنع، ولهذا موضع آخر نأمل أن نوفق لبحثه في مجال آخر إن شاء الله تعالى.


(1) التمهيد في علوم القرآن: ج 1 ص 290 نقله عن التسهيل لعلوم التنزيل. (2) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 185. (3) وهو خزيمة بن ثابت. قال في جامع الرواة: قال الفضل بن شاذان: إنه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). وفي مجمع البحرين: إنه من كبار الصحابة. وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: يا خزيمة شهادتك شهادة رجلين. (*)

[ 129 ]

الخط القرآني في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) والبحث يقع في عدة نقاط: الامية في عهد النبي (صلى الله عليه وآله): لقد نزل القرآن في بلد كان أهله يجهلون الكتابة، إلا أقل القليل منهم، الذين كانوا يعرفونها بشكل متوسط ومحدود، من دون إجادة وإحكام، كما تدل عليه النصوص التاريخية الكثيرة. يقول بعض المؤرخين: كان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة، ولا إلى التوسط، لمكان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع، وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسم المصحف، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير مستحكمة في الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها (1). ويقول آخر: ليس في آثار العرب بالحجاز ما يدل على أنهم كانوا يعرفون الكتاب إلا قبيل الإسلام، مع أنهم كانوا محاطين شمالا وجنوبا بامم من العرب


(1) مقدمة ابن خلدون: ص 419 الفصل الثلاثون. (*)

[ 130 ]

خلفوا نقوشا كتابية كثيرة، وأشهر تلك الامم حمير في اليمن كتبوا بالحرف المسند، والأنباط في الشمال كتبوا بالحرف النبطي (1). وثالث يقول: الخط عند العرب كان مجهولا إلى قبيل ظهور الإسلام بنحو قرن لأن أحوالهم الاجتماعية وما كانوا عليه فيه من دوام الحروب والغارات صرفهم عن ذلك. ونعني بهؤلاء العرب عرب الحجاز الذين ظهر فيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2). ومما يدل على جهل العرب بالكتابة قول الله تعالى * (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) * (3). وهذا هو الظاهر من إطلاقات القرآن، وأنه لم يكن فرق بين العرب وفارس وغيرهم من هذه الجهة بل كان امراء إيران ممنوعين دينا من الكتابة والقراءة، فمعنى الامي من ليس له كتاب ديني، وقد ورد في التوراة ما يرادف هذا المعنى بصورة الاميين، ولا يبعد أن يكون هذا جريا على مصطلح اليهود الذين سكنوا جزيرة العرب. حيث إن الظاهر من الامي - كما نص عليه أهل اللغة - من لا يعرف القراءة ولا الكتابة، أو الكتابة فقط على قول بعضهم. ففي مجمع البحرين: الامي في كلام العرب هو الذي لا كتاب له من مشركي العرب. قيل هو نسبة إلى الام، لأن الكتابة مكتسبة، فهو على ما ولدته امه من الجهل بالكتابة. وقيل: هو نسبة إلى امة العرب، لأن أكثرهم اميون، والكتابة فيهم عزيزة أو عديمة، فهم على أصل ولادة امهم. وعلى هذا، فتكون كلمة " امي " مأخوذة من الامة، بمعنى الجماعة. وفي أقرب الموارد: الامي: من لا يعرف الكتابة ولا القراءة، نسبة إلى الام، لأن الكتابة مكتسبة، فهو على ما ولدته امه من الجهل بالكتابة.


(1) تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان: ج 1 ص 18. (2) دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي: ج 3 مادة " خطط ". (3) الجمعة: 2. (*)

[ 131 ]

والظاهر أن العرب في هذه الأيام يستعملون كلمة " امي " ويريدون بها الجاهل بالقراءة والكتابة معا، على ما نقله لي بعضهم. عدد الكتاب في مكة والمدينة: وأما عدد هذا القليل من الذين كانوا يكتبون فيذكر البلاذري بسنده عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم العدوي أنه كان سبعة عشر رجلا، قال: دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب، فذكرهم (1). وأما في المدينة (يثرب) فعددهم كان على قول أبي عبد الله الزنجاني بضعة عشر رجلا يعرفون الكتاب، ثم عددهم (2). ولكن قد زاد عددهم بعد ذلك بشكل ملحوظ، ولعل ذلك يرجع إلى حث النبي (صلى الله عليه وآله) إياهم باستمرار على تعلم الخط كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وسبق أن ذكرنا في بحث " من هم كتاب الوحي ؟ " نقلا عن السيرة الحلبية: أن عدد كتاب الرسول - سواء من كان يكتب الوحي أو غيره أو هما معا - كان ستة وعشرين كاتبا، وعن محكي سيرة العراقي: اثنين وأربعين، وعن الاستاذ أبي عبد الله الزنجاني: أنهم كانوا ثلاثة وأربعين، ولكن كتاب الوحي منهم كانوا ستة فقط. النبي الامي (صلى الله عليه وآله): هذا، ولا إشكال في أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكتب في مدة عمره الشريف، بل كان له كتاب يكفونه المؤونة باستمرار. نعم، قد نقل بعض المحدثين أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد كتب في صلح الحديبية مع سهيل بن عمرو جملة " بن عبد الله "، بعد أن محا كلمة " رسول الله ". ولكن هذا النقل


(1) فتوح البلدان للبلاذري: ص 580 القسم الثالث. (2) تاريخ القرآن: ص 5. (*)

[ 132 ]

معارض بغيره مما يدل على أنه (صلى الله عليه وآله) لم يكن يعرف الكتابة، بل أمر عليا أن يكتب، وأن يأخذ يده ويضعها على المورد الذي يريد محوه. قال المفيد (رحمه الله): إن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر عليا أن يكتب عقد الصلح بخطه، فقال: اكتب يا علي: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: هذا الكتاب بيننا وبينك يا محمد، فافتحه بما نعرفه، واكتب: باسمك اللهم. فقال النبي لأمير المؤمنين (عليه السلام): امح ما كتبت، واكتب: باسمك اللهم. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لولا طاعتك يا رسول الله، لما محوت " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم محاها، وكتب: باسمك اللهم، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو أجبتك في الكتاب الذي بيننا إلى هذا لأقررت لك بالنبوة... امح هذا - إلى أن قال: - فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): امحها يا علي، فقال: يا رسول الله، إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة، قال له: فضع يدي عليها، فمحاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده... ثم تمم أمير المؤمنين (عليه السلام) الكتاب (1). وظاهر هذا النقل أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن يعرف القراءة فضلا عن الكتابة. ولعل مما يدل على ذلك في الجملة أيضا قوله تعالى * (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) * (2) أي لو كنت تقرأ وتكتب كتابا لقالوا إنما جمعه من كتب الأولين وليس وحيا من الله عز وجل وشكوا في نبوتك. أما إذا كنت لا تقدر على القراءة والكتابة وأنت تعيش فيما بينهم وبمرأى منهم ومسمع وهم مطلعون على اميتك فلا مجال لهم للارتياب والشك في الكتاب الذي تأتيهم به من عند الله عز وجل. ولكان لابد لهم من تصديقك والقبول منك. ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى أن المتيقن من مدلول الآية هو أنه (صلى الله عليه وآله) في بدء أمره لابد وأن لا يعرف القراءة ولا الكتابة مخافة الريب والشك. وأما بعد ثبوت نبوته والتصديق به فلا تدل الآية على وجوب كونه اميا.


(1) الإرشاد: في غزوة الحديبية. (2) العنكبوت: 48. (*)

[ 133 ]

ولعل ما عن الشريف المرتضى علم الهدى (قدس سره) من أن الآية تدل على أن النبي لم يكن يحسن الكتابة قبل النبوة، وأما بعدها فالذي نعتقده أنه يجوز عليه أن يكون عالما بها وبالقراءة، ويجوز كونه غير عالم بهما، من دون قطع بأحد الأمرين (1) صحيح ولا بأس به. دعوة الإسلام إلى محو الامية: ثم إنه لا يخفى أن الإسلام حينما ظهر في الجزيرة العربية لم يدخر وسعا ولم يأل جهدا في الحث على تعلم الكتابة، ويكفي أن نذكر أن الله تعالى يقول في كتابه المجيد: * (ن والقلم) * أي ما يكتب به * (وما يسطرون) * أي ما يكتبونه. فقد أقسم سبحانه بالقلم، فيا للقلم من العزة والعظمة والمجد، حين يقسم الله ويمجده، حيث إنه أحد لساني الإنسان. وقال تعالى: * (اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم) * لتبقى العلوم، ولتنتقل إلى الأجيال التالية، لتستفيد منها باستمرار وكفى القلم شرفا وعظمة أن الله تعالى ذكر بعد نعمة الخلق نعمة القلم مباشرة. وأما الرسول فيكفي أن نذكر موقفه في غزوة بدر، والذي يكشف عما كان للكتابة لديه من أهمية بالغة، فقد روي عن جابر عن عامر، قال: أسر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر سبعين أسيرا، وكان يفادي بهم على قدر أموالهم، وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلمهم، فإذا حذقوا فهو فداؤه (2). وهكذا، فقد جعل (صلى الله عليه وآله) الكتابة فداء للأسارى وعدلا للحرية، وهذا إعلام صريح منه (صلى الله عليه وآله) بعظمة القلم وشرف الكتابة. وقد نقل أنه (صلى الله عليه وآله) قال للشفاء بنت عبد الله العدوية - من رهط عمر بن


(1) تفسير مجمع البيان: في تفسير الآية. (2) الطبقات الكبرى: ج 2 ص 14. (*)

[ 134 ]

الخطاب -: ألا تعلمين حفصة رقنة النملة كما علمتها الكتابة ؟ وكانت الشفاء كاتبة في الجاهلية (1). ونقل عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال في كلماته القصار: قيدو العلم بالكتابة (2) وذلك من أجل أن يبقى العلم بواسطة بقاء الكتابة، فهو ضمنا أمر بتعلم الكتابة أيضا، ليمكن تقييد العلم بها. ونقل عن أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) أيضا أنه إذا وضعت الموازين فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء (3). الخطوط المعروفة في عصره (صلى الله عليه وآله): وأما عن الخطوط التي كانت معروفة في عصر الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) فنقول: إن من المعروف أن لأهل اليمن خطا يسميه أهل الأخبار بالقلم المسند أو الحميري، وهو قديم جدا. قال الدكتور راميار: وجدت في اليمن كتابات سبائية، وقد ارسل بعضها إلى اوروبا سنة 1810 م، وهي ترجع إلى عصر المعينين، أقدم الامم العربية، وعاصمتهم " معين " (4). وقال ابن خلدون: كان لحمير كتابة تسمى المسند، حروفها منفصلة، ومنهم تعلمت مصر الكتابة العربية (5). وقال الدكتور جواد علي: ويظهر من عثور الباحثين على كتابات بالمسند أن قلم المسند كان هو القلم العربي الأصيل والأول عند العرب، وقد كتب به كل أهل جزيرة العرب، غير أن التبشير بالنصرانية الذي دخل جزيرة العرب وانتشر في


(1) فتوح البلدان: ص 580 القسم الثاني. (2) مروج الذهب: موجز كلمات للرسول، مستدرك الحاكم: ج 1 ص 104 و 105 و 106، كنز العمال: ج 5 ص 227، مسند أحمد: ج 2 ص 249 وج 3 ص 285، كشف الظنون: ج 1 ص 28. (3) سفينة البحار: مادة " علم ". (4) تاريخ القرآن للدكتور راميار: ص 114 (فارسي). (5) مقدمة ابن خلدون: ص 418 الفصل الثلاثون. (*)

[ 135 ]

مختلف الأماكن أدخل معه القلم الأرمي المتأخر، قلم الكنائس الشرقية، ولما كان هذا القلم أسهل في الكتابة من المسند وجد له أشياعا وأتباعا (1). وأيضا، فإن من المعروف أن للأنباط الساكنين في شمال الحجاز قلما يسمى بالقلم النبطي، وهو قديم أيضا. قال الدكتور جواد علي: إن العرب صاروا يكتبون في الميلاد بقلم آخر أسهل وألين في الكتابة من القلم المسند، أخذوه من القلم النبطي المتأخر، وذلك قبيل الإسلام... لاختلاط العرب الشماليين ببني إرم واحتكاكهم بهم... فبان هذا الأثر في الكتابات القليلة التي وصلت إلينا مدونة بنبطية متأثرة بالعربية (2). وقال جرجي زيدان: إن الأنباط في الشمال كتبوا بالحرف النبطي، وآثارهم باقية إلى الآن في ضواحي حوران والبلقاء (3). وقال أبو عبد الله الزنجاني: وعلى رأي الافرنج الخط العربي قسمان أحدهما: كوفي، وهو مأخوذ من نوع من السرياني يقال: اسطر نجيلي. و: نسخي، وهو مأخوذ من النبطي. ثم قال في هامش الكتاب: إن مملكة الأنباط امتدت من دمشق الشام إلى وادي القرى قرب المدينة شمالا، وجنوبا من بادية الشام إلى خليج السويس شرقا وغربا، فشملت شمال غرب جزيرة العرب وجزيرة سينا (4). ثم إن هذين الخطين - النبطي والمسند - ظلا معروفين عند العرب وشايعين إلى ظهور الإسلام، إلا أن النبطي كان مستعملا في المراسلات والمكاتبات التجارية. والمسند كان مستعملا في الكتب، خصوصا الكتب المقدسة. الخط القرآني في عصر الرسول: بعد أن عرفنا شيوع الخطين معا - المسند المتبدل بالكوفي، والنبطي المتبدل بالنسخ - جاء السؤال: بأيهما دون وكتب القرآن الكريم في عصر الرسول ؟


(1 و 2) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: ج 8 ص 153. (3) تاريخ التمدن الإسلامي: ص 58. (4) تاريخ القرآن للزنجاني: ص 2. (*)

[ 136 ]

والذي يستفاد من الكتب التاريخية هو أن القرآن قد كتب أولا بالنسخ المتولد من النبطي، ثم بالكوفي المتولد من المسند، وكان يسمى بالحميري، إلى أن ظهر ابن مقلة في أوائل القرن الرابع، وجعل الخط النسخي على قاعدة جميلة حتى يصلح لكتابة المصاحف. وكتبت المصاحف بعدئذ بالخط النسخي الجميل بعد أن كانت تكتب بالكوفي نحو قرنين من الزمن، ويشهد لما قلناه: 1 - ما قاله في المفصل: ولا يستبعد أخذ أهل مكة خطهم المدور المسمى بالنسخ من حوران، أو من (البتراء) و (العلا)، فبين مكة والمكانين المذكورين اللذين سكن بهما النبط اتصال وثيق - إلى أن قال: - فالخط المدور هو قلم النبط المتأخر، وقلم كتبة العراق أيضا وهو والد القلم (النسخ) (1). وقال أيضا: وأما جمهرة المستشرقين المعاصرين الذين عنوا بدراسة تطور الخطوط السامية ومنشأ الخطوط العربية فقد رأوا أن الخط العربي الذي دون به القرآن اخذ من الخط النبطي المتأخر (2). 2 - ما عن الجاحظ من أنه: لا يخرج الخط من الجزم والمسند - إلى أن قال: - المسند خط العربية الجنوبية، والجزم خط أهل مكة والمدينة وعرب العراق وغيرهم من العرب الشماليين (3). أضف إلى ذلك ما ذكره في المفصل من أن العرب تسمي الكتاب العربي - أي خطنا - الجزم (4). وما قاله أيضا من أنه لما جاء الإسلام وكتب كتبة الوحي بقلم أهل مكة لنزول الوحي بينهم صار قلم مكة هو القلم الرسمي للمسلمين، وحكم على المسند بالموت عندئذ (5). وعلى هذا فتنتج المقدمات الثلاث الآنفة الذكر - وهي: أن الجزم خط أهل مكة، وأنه هو خطنا اليوم، أي النسخ، وأن كتبة الوحي قد كتبوه بقلم أهل مكة -: أن


(1 و 2) المفصل: ج 8 ص 172 و 174. (3) المفصل: ج 8 ص 156. (4) المفصل: ج 8 ص 154. (5) المفصل: ج 8 ص 153. (*)

[ 137 ]

القرآن قد دون في عصر الرسول بخط النسخ. 3 - ما قاله أبو عبد الله الزنجاني في تاريخ القرآن بعد بحثه في تاريخ الخط العربي أنه كان للنبي (صلى الله عليه وآله) كتاب يكتبون الوحي بالخط المقرر، وهو النسخ. فالخطوط القرآنية في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) كانت خطوطا نبطية، أي نسخية، غاية الأمر أنها كانت غير مستحكمة في الإجادة والإتقان. ولله در ابن مقلة الذي حسنها وهذبها، حتى صارت المصاحف تكتب بعده بالخط النسخي الجميل، والحمد لله رب العالمين.

[ 138 ]

مصاحف الصحابة تقديم: إن كتابة العلوم - أيا كانت - أمر يستحسنه العقل ويقتضيه الطبع، وذلك لما فيه من الحفاظ على العلوم وصونها من الضياع. وإذا كان الأمر كذلك فإننا نعرف أنه إذا ورد حديث دال على خلاف ذلك (1) أو ثبت أنه (صلى الله عليه وآله) قد نهى بعض الصحابة عن الكتابة والتدوين فلابد وأن يحمل على بعض الوجوه التي لا تنافي الحسن العقلي والطبعي المشار إليه. ولأجل ذلك نجد النووي يقول: وفيه (أي في الذي هو بصدد شرحه) جواز كتابة الحديث وغيره من العلوم الشرعية، لقول أنس لابنه: اكتبه. بل هي مستحبة. وجاء في الحديث النهي عن كتب الحديث، وجاء الإذن فيه. فقيل: كان النهي لمن خيف اتكاله على الكتاب وتفريطه في الحفظ مع تمكنه منه. والإذن لمن لا يتمكن من الحفظ. وقيل: كان النهي أولا لما خيف اختلاطه بالقرآن، والإذن بعده لما أمن من ذلك. وكان بين السلف من الصحابة والتابعين خلاف في جواز كتابة الحديث، ثم أجمعت الامة على جوازها واستحبابها، والله أعلم (2).


(1) كما عن صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. (مناهل العرفان: ج 1 ص 285). (2) صحيح مسلم (شرح النووي): ج 1 ص 244. (*)

[ 139 ]

وقد سبق في بحث " الخط القرآني " أن الإسلام يحث الناس على تعلم الكتابة، وأن القرآن قد مجد القلم وعظمه، حتى لقد أقسم الله تعالى به، حيث يقول: * (ن والقلم) *. كما أنه قد أورد نعمة القلم بعد نعمة الخلق في مقام آخر، فقال: * (اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم) * بعد قوله تعالى * (اقرأ باسم ربك الذي خلق) *. وأما الرسول (صلى الله عليه وآله) فيكفي ما ورد عنه من أنه في غزوة بدر قد جعل تعليم الكتابة فداء للأسرى، فقد روي عن جابر عن عامر أنه قال: أسر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر سبعين أسيرا، وكان يفادي بهم على قدر أموالهم. وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلمهم، فإذا حذقوا فهو فداؤه (1). هذا بالإضافة إلى ما ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): القلب يتكل على الكتابة (2). وبعد ذلك كله يمكن القول بأن من كان من صحابة النبي (صلى الله عليه وآله) يعرف الكتابة فإنه كان يكتب طبعا ما يسمعه من كتاب الله تعالى، بمقدار ما كانت له به الوسائل والأدوات الكتابية المتوفرة له في ذلك العصر. وقد نقل أنهم كانوا يكتبون على الرقاع والأحجار وعظام الأكتاف وغير ذلك مما هو قابل لأن يكتب عليه. محل البحث: ثم البحث هنا ناظر إلى المصاحف التي كتبها الصحابة ونسبت إليهم وسميت بأسمائهم، في العصر الذي كانت فيه المصاحف مختلفة، وهي كتبت قبل عصر عثمان، وذلك كمصحف ابي بن كعب مثلا. وأما المصاحف التي كتبت في عصر عثمان وبعده فحيث إنها متوافقة من دون


(1) الطبقات الكبرى: ج 2 ص 14. وراجع بحث " الخط القرآني في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) " من هذا الكتاب. (2) الوافي: ج 1 باب فضل الكتابة. (*)

[ 140 ]

أي فرق بينها فليست موردا لبحثنا هنا. وكذلك فإن البحث ليس ناظرا إلى المصحف الذي كتبه كتاب الوحي للنبي (صلى الله عليه وآله) وجعله تحت فراشه وأوصى لعلي (عليه السلام) أن يجمعه، فجمعه علي (عليه السلام) في ثوب واحد وختمه، كما سيأتي. وبعد أن عرفنا محل البحث هنا فإننا نقول: إنه كان لعدد من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) مصاحف جمعوها لأنفسهم ليقرأوا فيها، فمنها: مصحف علي بن أبي طالب (عليه السلام): ويدل عليه ما ورد في كتاب سليم بن قيس عن سلمان: أن عليا (عليه السلام) بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) لزم بيته، وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج من بيته حتى جمعه، وكان في الصحف والشظاظ والأسيار والرقاع - إلى أن قال: - فجمعه في ثوب واحد وختمه (1). وعن ابن شهرآشوب: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي، هذا كتاب الله خذه إليك. فجمعه علي (عليه السلام) في ثوب ومضى إلى منزله، فلما قبض النبي (صلى الله عليه وآله) جلس علي فألفه كما أنزل الله، وكان به عالما (2). وعن الكلبي قال: لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قعد علي بن أبي طالب في بيته، فجمعه على ترتيب نزوله، ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كثير (3). وعن الاحتجاج: أن عليا (عليه السلام) قال: يا طلحة، إن كل آية أنزلها الله جل وعلا على محمد (صلى الله عليه وآله) عندي بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط يدي... الخ (4). وعن محمد بن سيرين قال: ولو اصيب ذلك الكتاب لكان فيه العلم (5).


(1) كتاب سليم بن قيس: ص 65. (2) التمهيد في علوم القرآن: ج 1 ص 291 نقله عن مناقب ابن شهرآشوب. (3) نفس المصدر: ص 290 نقله عن التسهيل لعلوم التنزيل. (4) الاحتجاج للطبرسي: ج 1 ص 153. (5) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 185. (*)

[ 141 ]

ويقول ابن النديم: وقد رأيت عند أبي يعلى حمزة الحسيني مصحفا بخط علي يتوارثه بنو حسن (1). فظهر مما ذكرناه: أنه كان لعلي مصحف، أخذه من بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، وأضاف إليه التنزيل والتأويل (2). وقد ورثه عنه الأئمة (عليهم السلام) إمام بعد إمام حتى انتهى إلى الأخير منهم، كما ورد في الحديث المروي في الاحتجاج من أن طلحة سأل عليا بعض المسائل، ومن جملتها قوله له: أخبرني عما في يدك من القرآن وتأويله وعلم الحلال والحرام، إلى من تدفعه ومن صاحبه بعدك ؟ قال (عليه السلام): إن الذي أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أدفعه إليه وصيي وأولى الناس من بعدي بالناس ابني الحسن، ثم يدفعه ابني الحسن إلى ابني الحسين، ثم يصير واحدا بعد واحد من ولد الحسين، حتى يرد آخرهم حوضه (3). ملاحظة: الظاهر أن المصحف الذي نسب إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (4) هو نفس ذلك المصحف الذي ورثه عن آبائه عن علي (عليهم السلام)، فلا يعد مصحفه (عليه السلام) مصحفا آخر في قبال مصحف أبيه علي (عليه السلام). مصحف فاطمة (عليها السلام): وقد ذكر في بعض التواريخ أن لفاطمة (عليها السلام) مصحفا كانت تستأنس به (5). ولكن قد وردت أخبار تدل على أنه لم يكن قرآنا، بل هو كتاب فيه علم ما يكون بعدها في ذريتها، وهذه الأخبار موجودة في الكافي، ونذكر منها على سبيل المثال الرواية التالية: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن


(1) الفهرست: ص 48. (2) التنزيل هو الوحي الذي نزله الله وليس من القرآن، ولعله في تفسير القرآن. والتأويل: ما يؤول إليه الأمر وعاقبته مما يفسر به القرآن أيضا. (3) الاحتجاج للطبرسي: ج 1 ص 155. (4) راجع تاريخ القرآن للزنجاني: ص 85. (5) تاريخ القرآن للدكتور راميار: ص 175 (فارسي). (*)

[ 142 ]

أبي عبيدة قال: سأل أبا عبد الله بعض أصحابنا... وفيه قال (أي بعض الأصحاب): فمصحف فاطمة ؟ قال: فسكت طويلا ثم قال: إنكم لتبحثون عما تريدون وعما لا تريدون، إن فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوما وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل (عليه السلام) يأتيها، فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي (عليه السلام) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة (1). هذا، ولا يمكننا مع ذلك إنكار وجود مصحف قرآني لفاطمة (عليها السلام)، لأن النفي أيضا يحتاج إلى الدليل. ولعله كان لها مصحف تقرأ فيه. لا أنها كانت تقرأ عن ظهر قلبها، فإن القراءة في المصحف والنظر فيه أفضل من القراءة عن ظهر قلب، كما في الروايات (2). مصحف الخلفاء الثلاثة وحفصة: إن المشهور المعروف هو: أن أبا بكر قد أمر زيد بن ثابت الصحابي بأن يجمع مصحفا ويكتبه حتى لا يضيع كتاب الله الكريم، ففعل زيد، وجمع القرآن من الصحف والعسب واللخاف التي كتبت على عهد النبي (صلى الله عليه وآله). وكان المصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند حفصة بنت عمر، إلى أن طلبه منها عثمان، فأبت أن تعطيه إياه، فعاهدها ليردنه إليها، فبعثت به إليه، فأمر عثمان بنسخه في المصاحف، فنسخ، ثم رده إلى حفصة، وقد ذكرنا ذلك في بحث " من جمع القرآن ؟ " فليراجع، وليراجع أيضا كتاب " البيان " للإمام السيد الخوئي (رحمه الله)، باب صيانة القرآن عن التحريف، وقد أورد أحاديث الباب عن الصحاح وكنز العمال بشكل واف. والنتيجة هي: أن مصحف الخلفاء الثلاثة وحفصة كان واحدا، انتقل من واحد لواحد منهم، فلما ماتت حفصة ارسل إلى عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمه،


(1) الكافي: ج 1 ص 241 ح 5. (2) راجع الكافي: ج 2 ص 614 باب قراءة القرآن في المصحف ح 5. (*)

[ 143 ]

فأعطاهم إياها، فغسلت غسلا (1)، أو أخذها مروان بن الحكم وأحرقها، كما حكي عن بعض (2). ولكن في مصنف عبد الرزاق: أن حفصة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) دفعت مصحفا إلى مولى لها يكتبه وقالت: إذا بلغت هذه الآية: * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) * (3) فآذني، فلما بلغها جاءها فكتبت بيدها: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " (4). وهذه الزيادة ليست قرآنية كما هو ظاهر من الرواية نفسها. والرواية تدل على أنها كان لها مصحف مختص بها، ولكن لا يعلم أنها كتبته قبل عصر عثمان، فلعلها كتبته بعده، وكلامنا إنما هو في المصاحف التي كتبت قبل ذلك. مصحف عبد الله بن مسعود: قال ابن النديم: قال الفضل بن شاذان: وجدت في مصحف عبد الله بن مسعود تأليف سور القرآن على هذا الترتيب - ثم ذكره إلى أن قال الفضل: - قال محمد بن إسحاق: رأيت عدة مصاحف، ذكر نساخها أنها مصحف ابن مسعود (5). وذكر ابن أشتة في كتابه " المصاحف " بعد ذكره لسند الرواية: تأليف مصحف عبد الله بن مسعود: الطوال: البقرة والنساء... إلى آخر ما ذكره من الترتيب (6). وقال ابن أبي داود: عندما جاء رسول الخليفة إلى الكوفة لأخذ المصاحف قام ابن مسعود خطيبا قائلا: أيها الناس، إني غال مصحفي، ومن استطاع أن يغل مصحفا فليغلل، فإنه من غل يأت يوم القيامة بما غل، ونعم الغل المصحف (7). وقال ابن الأثير: إن أهل الكوفة قبلوا مصحف عثمان، إلا أن بعضهم - وهو


(1) إعجاز القرآن للرافعي: ص 39. (2) مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح: ص 83 نقله عن كتاب المصاحف للسجستاني ص 24. (3) البقرة: 238. (4) المصنف لعبد الرزاق: ج 1 ص 578. (5) الفهرست: ص 45. (6) نقله عنه السيوطي في الإتقان: ج 1 ص 66. (7) المصاحف للسجستاني: ص 15. (*)

[ 144 ]

كثير - أمسكوا مصحف ابن مسعود، فيقرأون بقراءته (1). وفي رواية سليم بن قيس: أن طلحة قال لعلي (عليه السلام): ما يمنعك يرحمك الله أن تخرج ما ألفت للناس، وقد شهدت عثمان حين أخذ ما ألف عمر، فجمع له الكتاب، وحمل الناس على قراءة واحدة، وفرق مصحف ابي بن كعب وابن مسعود وأحرقهما بالنار، فما هذا الحديث ؟ ! (2). هذه هي الشواهد التي تدل على أنه كان لابن مسعود مصحف خاص به. وأما ما دل على أن له قراءة خاصة به فلا يدل على كونه ذا مصحف، لاحتمال أن يكون حافظا للقرآن، فكان إذا قرأه عن ظهر قلب قرأه على طريقة مخصوصة به غير مشهورة، ولذلك يلاحظ أن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال، فقال ربيعة (3): ضال ؟ فقال: نعم ضال (4). وقد نقل عن ابن مسعود جواز تبديل الكلمة القرآنية بغيرها مما كان مرادفا لها. وكان يقرأ قوله تعالى * (للذين آمنوا انظرونا) * (5) أمهلونا أو أخرونا. ونقل عنه أيضا أنه أقرأ رجلا * (إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم) * (6) فقال الرجل: طعام اليتيم، فردها عليه فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر ؟ قال: نعم، قال: فافعل (7). ونقل عنه أيضا أنه كان لا يكتب فاتحة الكتاب في المصحف، وقال: لو كتبتها لكتبتها في أول كل شئ (8). وكان يحك المعوذتين من المصحف، ويقول: لا تخلطوا القرآن بما ليس منه،


(1) الكامل في التاريخ: ص 112. (2) كتاب سليم بن قيس: ص 99. (3) هو ربيعة الرأي، وكان فقيه أهل المدينة في عصره. (4) الكافي: ج 2 ص 634 باب النوادر من كتاب فضل القرآن ح 27. (5) الحديد: 13. (6) الدخان: 43 و 44. (7) نقله عنه السيوطي في الإتقان: ج 1 ص 48. (8) نقله عنه السيوطي في الدر المنثور: ج 1 سورة الفاتحة. (*)

[ 145 ]

إنهما ليستا من كتاب الله، إنما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) أن يتعوذ بهما. وعن البزار: لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة (1). وأخيرا، فإن رأينا في ابن مسعود هو رأي الرازي، من أن اللازم هو إحسان الظن به، وأن نقول: إنه رجع عن هذه المذاهب (2). ولرد كلامه مقام آخر. مصحف ابي بن كعب: قال ابن النديم: قال الفضل بن شاذان: أخبرنا الثقة من أصحابنا، قال: كان تأليف السور في قراءة ابي بن كعب بالبصرة في قرية يقال لها: قرية الأنصار على رأس فرسخين، عند محمد بن عبد الملك الأنصاري، أخرج إلينا مصحفا، وقال: هو مصحف ابي، رويناه عن آبائنا... الخ (3). وعن ابن أشتة في كتاب " المصاحف ": أنبأنا محمد بن يعقوب، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو جعفر الكوفي، قال: هذا تأليف مصحف ابي... ثم ذكر كيفية تأليفه (4). وعن ابن سيرين، قال: كتب ابي بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب والمعوذتين، واللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد، وتركهن ابن مسعود، وكتب عثمان منهن فاتحة الكتاب والمعوذتين (5). وقال الطبرسي: روي أن ابيا لم يفصل في مصحفه بين سورتي الفيل والإيلاف (6). هذا، ولكن لا يخفى أن ما روي عن أنس بن مالك - بأن من جمع القرآن على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) أربعة كلهم من الأنصار: ابي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن


(1) نفس المصدر: ج 6 سورة الفلق، عن أحمد والبزار والطبراني وابن مسعود. (2) التفسير الكبير: ج 1 ص 213. (3) الفهرست: ص 46. (4) نقله عنه السيوطي في الإتقان: ج 1 ص 66. (5) نفس المصدر: ص 67. (6) تفسير مجمع البيان: ج 10 في تفسير سورة الإيلاف. (*)

[ 146 ]

ثابت، وأبو ثابت (1) - لا يدل على وجود مصحف لابي، ويحتمل أن يكون المراد من الجمع هو الجمع في الصدور - كما شرحه في فتح الباري -. ويؤيده التعبير في بعض النسخ " إن من أخذ القرآن ". ومن المعلوم أن الأخذ ليس ظاهرا في الكتابة، إن لم نقل إنه ظاهر في الحفظ في الصدور. كما أن قول الصادق (عليه السلام) " أما نحن فنقرأ على قراءة ابي " (2) لا يدل على وجود مصحف لابي لعين ما أشرنا إليه آنفا. ثم إنه لابد من الإشارة إلى أن ابيا كان - كعبد الله بن مسعود - يجوز تبديل الكلمات القرآنية بمرادفاتها، وذلك مثل قوله في الآية * (كلما أضاء لهم مشوا فيه) * (3) يجوز تبديله ب‍ " سعوا فيه " أو " مروا فيه ". وأضاف كلمة " حم " في أول سورة الزمر، ولم يكتب في مصحفه البسملة بين سورتي الفيل والإيلاف (4). وأضاف أيضا في مصحفه دعاءي القنوت زاعما أنهما من القرآن، وقد سميتا بسورتي الحفد والخلع، لورود هاتين الكلمتين فيهما، ونص السورتين على ما حكاه السيوطي عن عبيد بن عمير: بسم الله الرحمن الرحيم: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي وإليك نسجد ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى نقمتك، إن عذابك بالكافرين ملحق (5). وكيف كان، فإن كل ما خالف المصحف المتداول بين المسلمين الموجود الآن مردود على قائله، ولا مجال للاعتناء ولا للاعتداد به، ولهذا البحث مجال آخر.


(1) صحيح البخاري: ج 6 ص 103. (2) الكافي: ج 2 ص 634 باب النوادر من كتاب فضل القرآن ح 27. (3) البقرة: 20. (4) تفسير مجمع البيان: ج 10 في تفسير سورة الإيلاف. (5) الإتقان: ج 1 ص 67. (*)

[ 147 ]

مصحف عبد الله بن عباس: أورده السجستاني في مصاحف الصحابة، ولكنه استدل عليه، أي استدل عليه بقراءاته المتميزة عن غيرها. وهذا - كما تقدم - لو ثبت فإنه لا يدل على وجود مصحف له، لأنه من المحتمل أنه كان إذا قرأ عن ظهر قلبه قرأ على خلاف المشهور والمعروف. نعم، قد حكى عن محمد بن عمر الرازي في كتاب الأربعين أن ابن عباس رئيس المفسرين كان تلميذ علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأثرنا نقل ترتيب مصحفه كما ذكره الشهرستاني، وهو سند أمين (1). مصحف عائشة: ذكره السجستاني، وذكر غيره، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق عن هشام بن عروة قال: قرأت في مصحف عائشة: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (وصلاة العصر) وقوموا لله قانتين " (2). مصحف ام سلمة: ذكره السجستاني أيضا، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق عن عبد الله بن رافع أنه قال: أمرتني ام سلمة أن أكتب لها مصحفا، وقالت: إذا بلغت: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " فأخبرني. فأخبرتها فقالت: اكتب: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (وصلاة العصر) وقوموا لله قانتين " (3). والزيادة المذكورة كما أشرنا إليه فيما سبق ليست قرآنية كما هو ظاهر.


(1) تاريخ القرآن لأبي عبد الله الزنجاني: ص 54. (2) المصنف لعبد الرزاق الصنعاني: ج 1 ص 578. (3) المصنف لعبد الرزاق: ج 1 ص 579. (*)

[ 148 ]

ذكر المصاحف الاخر: ثم إنه قد ذكر السجستاني مصاحف اخرى للصحابة، وهي: مصحف عبد الله بن الزبير ومصحف عبد الله بن عمر، ولكنه لم يأت بدليل يدل على ما ذكر، وما ذكره لا يكفي، فالإضراب عنهما أولى. أضف إلى ذلك: أن توحيد المصاحف في زمان عثمان ومتابعة الصحابة في ذلك لا يبقي لهذا البحث فائدة، لأنه في زمان عثمان اتلفت سائر المصاحف بالإحراق أو بالغسل، وعليه فلا فائدة في البحث عن شئ لا وجود له. توحيد المصاحف وقصة حذيفة وعثمان: ثم إنه بعد أن طال الزمان بعد الرسول وشاع بين الناس جواز تبديل الكلمات القرآنية بمرادفاتها - تبعا لابي وابن مسعود وأمثالهما كما سبق - كثر الخلاف والجدل في ذلك حتى كفر الناس بعضهم بعضا. وقد نقل عن أبي قلابة أنه قال: لما كانت خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، حتى كفر بعضهم بعضا، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: أنتم عندي تختلفون، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافا (1). ومضى الزمان حتى جاء حذيفة (2) وطلب من عثمان أن يدرك الامة، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. وتفصيل ذلك: قال البخاري: حدثنا موسى، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم


(1) مناهل العرفان: ج 1 ص 249 عن السجستاني في المصاحف. (2) حذيفة بن اليمان العبسي رحمه الله تعالى، عداده في الأنصار، أحد الأركان من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام). (جامع الرواة للأردبيلي). (*)

[ 149 ]

في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الامة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام، فنسخوها في المصاحف - إلى أن قال: - ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل افق بمصحف مما نسخوه، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق... الخ (1). وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: وفي رواية عمارة بن غزية: أن حذيفة قدم من غزوة، فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك الناس، قال: وما ذلك ؟ قال: غزوت فرج أرمينية، فإذا أهل الشام يقرأون بقراءة ابي بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرأون بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام، فيكفر بعضهم بعضا (2). تلقي عمل عثمان بالقبول والرضا: ولقد تلقى الصحابة عمل عثمان هذا بالقبول والرضا، ولم يسمع عن أحد أنه لامه أو انتقده عليه إلا ابن مسعود. فقد قال اليعقوبي: كان عبد الله بن مسعود بالكوفة فامتنع أن يدفع مصحفه إلى عبد الله بن عامر، وكتب إليه عثمان أن أشخصه إنه لم يكن هذا الدين خبالا وهذه الامة فسادا. فدخل المسجد وعثمان يخطب، فقال عثمان: إنه قد قدمت عليكم دابة سوء. فكلمه ابن مسعود بكلام غليظ، فأمر به عثمان، فجر برجله حتى كسر له ضلعان، فتكلمت عائشة وقالت قولا كثيرا (3). وقيل: إنه أيضا رجع إلى رأي عثمان، ولا خلاف (4).


(1) صحيح البخاري: ج 6 ص 226. (2) فتح الباري: ج 9 ص 14 و 15. (3) تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 158. (4) مباحث في علوم القرآن: هامش ص 82. (*)

[ 150 ]

نعم، ربما ينتقد عثمان على أمره بإحراق بقية المصاحف، حتى سمي بمحرق المصاحف، والبحث في جواز إحراق المصاحف في بعض الصور أو حرمته مجال آخر. وعن ابن أبي داود بسند (يراه صحيحا) عن سويد بن غفلة قال: قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملا منا، قال: ما تقولون في هذه القراءة ؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا. قلنا: فما ترى ؟: قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت (1). وأضاف ابن الأثير هنا أنه قال: فلو وليت منه ما ولى عثمان سلكت سبيله (2). وفي رواية سليم بن قيس: أن طلحة سأل عليا (عليه السلام) عن امور، منها قوله لعلي (عليه السلام): وما يمنعك يرحمك الله أن تخرج ما ألفت للناس، وقد شهدت عثمان حين أخذ ما ألف عمر، فجمع له الكتاب، وحمل الناس على قراءة واحدة، ومزق مصحف ابي بن كعب وابن مسعود، وأحرقهما بالنار، فما هذا ؟ - إلى أن قال طلحة: - ما أراك يا أبا الحسن أجبتني عما سألتك عنه من القرآن، ألا تظهره للناس ؟ قال: يا طلحة عمدا كففت عن جوابك. قال: فأخبرني عما كتب عمر وعثمان، أقرآن كله ؟ أم فيه ما ليس بقرآن ؟ قال طلحة: بل قرآن كله، قال: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنة، فإن فيه حجتنا، وبيان حقنا، وفرض طاعتنا (3). فيبدو من الحديث أن ما فعله عثمان بالقرآن لم يضر بكرامته، بل هو قرآن كله، من أخذ به نجا من النار. ويؤيد ذلك: أن عليا (عليه السلام) حينما تصدى للخلافة وصار قادرا على رفع ما يضر بالقرآن وبالإسلام - لو كان - نراه لم يقدم على التصرف فيما فعله عثمان، من اتخاذه قرآنا واحدا يسمى إماما، ثم إلزامه الناس


(1) الإتقان: ج 1 ص 61. (2) الكامل في التاريخ: ج 3 ص 112. (3) كتاب سليم بن قيس: ص 100. (*)

[ 151 ]

باتباعه وإتلاف غيره من المصاحف. فلو كان ذلك مضرا لحاول علي (عليه السلام) رفع هذا الضرر والعودة إلى السيرة الاولى. إرسال المصاحف إلى الآفاق: ثم إنه لما كتبت المصاحف أمر عثمان بإرسالها إلى الآفاق، إلا واحدا منها أبقاه عنده، ويسمى " إماما ". قال اليعقوبي: وبعث بها إلى الأمصار، وبعث بمصحف إلى الكوفة، وبمصحف إلى البصرة، ومصحف إلى المدينة، ومصحف إلى مكة، ومصحف إلى مصر، ومصحف إلى الشام، ومصحف إلى البحرين، ومصحف إلى اليمن، ومصحف إلى الجزيرة، وأمر الناس أن يقرأوا على نسخة واحدة (1). وقال السيوطي: اختلف في عدد المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق، والمشهور أنها خمسة. وأخرج ابن أبي داود من طريق حمزة الزيات قال: أرسل عثمان أربعة مصاحف، وقال: سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: كتب سبعة مصاحف، فأرسل إلى مكة، وإلى الشام، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدا (2). وقال الرافعي: كانت المصاحف سبعة في قول مشهور - إلى أن قال: - ثم أمر بما عدا ذلك من صحيفة أو مصحف أن يحرق. ولم يجعل في عزيمته تلك رخصة سائغة لأحد. وكان جمع عثمان في سنة 25 للهجرة (3). وكيف كان، فإن عصر عثمان كان عصر توحيد المصاحف، وكان الصحابة يؤيدون ذلك ويشجعونه، حتى حسمت مادة الخلاف، ولم يترق الأمر إلى الحد الذي ترقى إليه الخلاف في قدم القرآن وحدوثه، حيث كفرت كل من الطائفتين الطائفة الاخرى، وتسبب ذلك في سفك الدماء، وكثيرا من المحن والإحن.


(1) تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 158. (2) الإتقان: ج 1 ص 62. (3) إعجاز القرآن: ص 39. (*)

[ 152 ]

مصحف علي (عليه السلام) لم يحرق: ثم إنه لا يخفى أن عثمان وإن أمر بإحراق المصاحف إلا أن مصحف علي (عليه السلام) لم يحرق لأن عليا (عليه السلام) - كما في رواياتنا - قد دفعه إلى ابنه الحسن (عليه السلام)، وهو دفعه إلى أخيه الحسين (عليه السلام)، ثم صار من واحد لواحد من ولد الحسين، حتى وصل إلى الإمام المهدي المنتظر والتاسع من ولد الحسين (عليهم السلام)، وهو الذي يخرج المصحف الذي كتبه جده علي (عليه السلام) (1). ويؤيد ذلك ما ورد عن ابن سيرين - القريب العهد من عصر الجمع والإحراق - أنه قال: تطلبت ذلك الكتاب، وكتبت فيه إلى المدينة، فلم أقدر عليه (2). فابن سيرين إذا يحتمل وجود مصحف علي (عليه السلام) بالمدينة، وإلا لما تطلبه ولما أرسل فيه إلى المدينة. ويؤيد ذلك أيضا ما سبق عن ابن النديم أنه قال: وقد رأيت عند أبي يعلى حمزة الحسيني مصحفا بخط علي يتوارثه بنو حسن (3). الخلاصة: فتلخص مما سبق: أنه كان لبعض الصحابة مصاحف يقرأون فيها، وهم: 1 - علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كان له مصحف ألفه، وأضاف إليه التأويل والتنزيل، ولم يحرق في عصر عثمان، وورثه الأئمة من أبنائه الطاهرين، حتى انتهى إلى الإمام القائم من آل محمد (عليهم السلام)، وهو يخرجه إلى الناس. 2 - ابن مسعود، له مصحف على ترتيب المصحف الحاضر تقريبا، لأنه قدم السور الطوال ثم التي تليها في ذلك، ولم يعط مصحفه لعثمان، إلى أن رجع إلى


(1) راجع كتاب سليم بن قيس: ص 101. (2) التمهيد في علوم القرآن: ج 1 ص 289، وراجع الإتقان: ج 1 ص 57، والاستيعاب بهامش الإصابة: ج 2 ص 253، والطبقات الكبرى: ج 2 ص 101. (3) الفهرست: ص 48. (*)

[ 153 ]

عثمان على قول. وكان يبدل الآيات القرآنية بمرادفاتها، وكان يحك المعوذتين من مصحفه، ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله، كما أنه كان لا يكتب فاتحة الكتاب في مصحفه. 3 - ابي بن كعب، له مصحف على ترتيب المصحف الحاضر تقريبا، وكان أيضا يبدل الألفاظ القرآنية بمرادفاتها. وأعطى مصحفه لعثمان فأحرقه. وكان يكتب في مصحفه دعاءي القنوت. ويرى أنهما من القرآن. ولم يفصل في مصحفه بين سورتي الإيلاف والفيل بالبسملة. 4 - عبد الله بن عباس، له مصحف. وقد نقل الشهرستاني ترتيبه في مقدمة تفسيره. ثم هناك مصحف ام سلمة ومصحف عائشة حسب ما تقدم. وتلخص أيضا: أن توحيد المصاحف أوجب حسم مادة الخلاف، وحفظ القرآن، وصار للعالم الإسلامي قرآن واحد، تطبع منه ملايين النسخ من دون أدنى تفاوت فيها.

[ 154 ]

إعجام القرآن ونقطه اختلافات القراءات: إن منشأ اختلاف القراء في قراءة الكتاب الكريم هو: 1 - توهمهم جواز القراءة على سبعة أحرف، فمنهم من اختار القراءة على هذا الحرف، ومنهم من اختار ذاك، فحدث الاختلاف بسبب ذلك - وهو نظير الاختلاف الواقع بين من جمعوا القرآن على عهد النبي (صلى الله عليه وآله). فيقال مثلا: إن قراءة ابن مسعود تخالف النص المشهور في كثير من الآيات، وذلك لأنه كان يبدل كثيرا من الكلمات بمرادفاتها، وكان ذلك غالبا لغرض الإيضاح والإفهام (1). فعن ابن قتيبة أن ابن مسعود كان يقرأ: " وتكون الجبال كالصوف المنفوش " بدل " كالعهن المنفوش ". وعلل ذلك بأن العهن هو الصوف، وهذا أوضح وآنس للأفهام (2). 2 - إن المصحف العثماني كان عاريا من الإعراب والنقط، ولذا كان ذلك منشأ للكثير من الالتباس والخطأ، سيما لدى الناس الذين لم يدركوا النبي (صلى الله عليه وآله) أو أدركوه لكنهم كانوا من غير العرب أو من العرب البعيدين عن العربية، أما العربي الأصيل المدرك لزمان النبي (صلى الله عليه وآله) الحاضر في مجلسه السامع منه فلا يحتمل في حقه الاشتباه والخطأ إلا فيما شذ.


(1 و 2) التمهيد في علوم القرآن: ج 1 ص 316 و 317. (*)

[ 155 ]

ولنا أن نقيس هؤلاء على أنفسنا في قراءتنا للجملات المعلومة لنا، مثل جملة " صبحكم الله بالخير " فإننا نقرأها صحيحة ولو لم تكن منقطة. وعدا عن أن هذا الاختلاف الناشئ عن عدم النقط والشكل لم يكن في صالح المسلمين، فإنه أيضا قد يؤدي إلى التغيير في المعاني واشتباه المراد في كلامه تعالى. وكمثال على ذلك نذكر أنه لو نظر شخص - لا معرفة له - في قوله تعالى * (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) * (1) وهي بلا إعجام ولا إعراب لاحتمل في كلمة " بشرا " احتمالات كثيرة، بعضها له معنى، وبعضها لا معنى له، ولو أسقط منها ما لا معنى له لبقي له أيضا العديد منها تستلزم الأقوال الكثيرة المختلفة. فمنها: أن يقرأها " نشرا " بضم النون والشين معا. ومنها: أن يقرأها " نشرا " بضم النون وسكون الشين. ومنها: أن يقرأها " نشرا " بفتح النون وسكون الشين. ومنها: أن يقرأها " بشرا " بضم الباء وسكون الشين كما في قراءة عاصم على ما قيل، وهو المطابق لضبط القرآن. فلعل قسما كبيرا من الاختلافات بين القراء السبعة كان مرده إلى هذا، أي كان كثيرا ما يحصل من ترجيح كل منهم أحد الوجوه واعتماده عليه. وهذا الاختلاف هو ما تكفل أبو الأسود (2) وتلميذاه (3) برفعه والقضاء عليه، كما تكفل عثمان برفع الاختلاف الناشئ عن تجويز قراءة القرآن على سبعة أحرف، فنعم ما فعلوه.


(1) الأعراف: 57. (2) أبو الأسود: اسمه: ظالم بن ظالم، أو الظالم بن عمرو، هو أحد الفضلاء الفصحاء من الطبقة الاولى من شعراء الإسلام وشيعة أمير المؤمنين علي (عليه السلام). قال ابن خلكان: وكان نازلا في بني قشير بالبصرة، فكانوا يرجمونه بالليل لمحبته لعلي (عليه السلام). وتوفي (رحمه الله) سنة 69 ه‍. (راجع الكنى والألقاب للمحدث القمي). (3) وهما: يحيى بن يعمر العدواني، ونصر بن عاصم الليثي. (*)

[ 156 ]

سبب إقدام عثمان على ذلك: وقد ذكر في كتب الحديث والتاريخ السبب الذي أقدم عليه عثمان وأبو الأسود على النحو التالي: روى البخاري عن أنس بن مالك: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربايجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الامة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف - إلى أن قال: - ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل افق بمصحف مما نسخوه، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (1). ولم ينتقد المسلمون عثمان فيما فعل، وتلقوه بالقبول، لأنهم رأوه صلاحا للامة، وفيه حسم لمادة الفساد، وما يوجب تفريق المسلمين. ويذكر بعض المحققين دام ظله: أن عثمان جمع المسلمين على قراءة واحدة، وهي القراءة التي كانت متعارفة بين المسلمين، والتي تلقوها بالتواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2).


(1) صحيح البخاري: ج 6 ص 226. قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: إن عثمان أمر أهل الشام وأهل العراق أن يجتمعوا على ذلك. وكان أمير أهل الشام على ذلك العسكر حبيب بن مسلمة الفهري، وكان حذيفة من جملة من غزا معهم، وكان هو على أهل المدائن، وهي في جملة أعمال أهل العراق... الخ. ثم قال: وفي رواية عمارة بن غزية: أن حذيفة قدم من غزوة، فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك الناس، قال: وما ذاك ؟ قال: غزوت فرج أرمينية، فإذا أهل الشام يقرأون بقراءة ابي بن كعب، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرأون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام، فيكفر بعضهم بعضا. (فتح الباري: ج 9 ص 14 و 15). (2) تفسير البيان للإمام الخوئي: ص 171. (*)

[ 157 ]

اختلاف جديد: ولكن المصاحف التي كتبت عن المصحف الواحد المسمى بالمصحف العثماني لما كانت خالية من الإعراب والنقط والشكل مع التباس بعض الكلمات ببعض حسب الرسوم الخطية التي كانت شائعة آنذاك ككلمة " ملك " و " مالك " فقد ظهرت اختلافات جديدة في القراءة بين المسلمين، كانت أشد وأضر من السابق، وهو الاختلاف الذي تبلور في القراء السبعة أو الأزيد، حيث قد اشتهر عنهم أن كل واحد منهم كان يخطئ الآخر ولا يجوز الرجوع إليه (1). هذا بالإضافة إلى ما في بعض القراءات من الفساد كما سنرى. أبو الأسود في مواجهة الموقف: وكان سبب الإقدام على إعراب القرآن وتنقيطه هو - على ما هو المشهور - أن أبا الأسود الدؤلي سمع قارئا يقرأ قوله تعالى * (إن الله برئ من المشركين ورسوله) * (2) ويجر اللام في رسوله، فصار معناه أمرا شنيعا، فأفزع أبا الأسود وأخافه، فقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، فجد جده إلى أن يجعل علامات هادية إلى الصواب، حتى لا يتكرر ما رآه وسمعه. وقبل أن ندخل في تفصيل هذا الأمر لا بأس بالإشارة إلى المراد من قولنا: " إعجام الكتاب ونقطه أو شكله " فنقول: معنى النقط والإعجام: جاء في كتب اللغة (3): أعجم الكتاب، خلاف أعربه. أعجم الكتاب: نقطه، ضد، والهمزة للسلب، أي إزالة عجمته وإبهامه بوضع النقط والحركات. نقط الحرف نقطا: أعجمه وجعل له نقطا.


(1) راجع مصباح الفقيه للفقيه الهمداني: ص 274 كتاب الصلاة باب القراءة. (2) التوبة: 3. (3) مثل " أقرب الموارد " وغيره. (*)

[ 158 ]

شكل الكتاب: قيده بعلامات الإعراب. فالمستفاد مما ذكرنا أن الإعجام وهو سلب الإبهام أعم من أن يكون بالإعراب، أو بنقط الحروف المتشابهة كالباء والتاء، لإزالة اللبس بينها. ويستفاد أيضا أن النقط خاص بإزالة الإبهام بواسطة النقطة في الحروف المتشابهة، أما الشكل فهو خاص بعلامات الإعراب كالضمة واختيها، وفي التواريخ شواهد على ما ذكرنا. أول من نقط المصحف: وقد اختلف في أول من نقط المصحف وشكله، فالمشهور على أنه أبو الأسود الدؤلي، نص على ذلك جملة من المؤرخين والمؤلفين في التراجم، وكشاهد على ذلك نذكر ما يلي: 1 - قال ابن النديم: وقد اختلف الناس في السبب الذي دعا أبا الأسود إلى ما رسمه من النحو، فقال أبو عبيدة: أخذ النحو عن علي بن أبي طالب أبو الأسود، وكان لا يخرج شيئا أخذه عن علي كرم الله وجهه إلى أحد، حتى بعث إليه زياد أن اعمل شيئا يكون للناس إماما، ويعرف به كتاب الله، فاستعفاه من ذلك، حتى سمع أبو الأسود قارئا يقرأ * (إن الله برئ من المشركين ورسوله) * بالكسر. فقال: ما ظننت أن أمر الناس آل إلى هذا، فرجع إلى زياد، فقال: أفعل ما أمر به الأمير، فليبغني كاتبا لقنا يفعل ما أقول، فأتى بكاتب من عبد القيس فلم يرضه، فأتى بآخر، فقال أبو العباس المبرد: أحسبه منهم، فقال أبو الأسود: إذا رأيتني فتحت فمي بالحرف فانقط فوقه على أعلاه، وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف، فهذا نقط أبي الأسود (1). وذكر المرزباني وجها آخر أيضا وهو: أن أبا الأسود مر بكلاء البصرة وإذا قارئ يقرأ * (إن الله برئ من المشركين ورسوله) *، وفي آخرين، حتى سمع رجلا


(1) الفهرست لابن النديم: ص 66 في أخبار النحويين وأسماء كتبهم. (*)

[ 159 ]

قال: سقطت عصاتي. فقال: لا يحل لي بعد هذا أن أترك الناس، فجاء إلى زياد... الخ كما في الفهرست (1). 2 - وقال السيوطي: اختلف في نقط المصحف وشكله، ويقال: أول من فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مروان، وقيل الحسن البصري ويحيى بن يعمر، وقيل: نصر بن عاصم، وأول من وضع الهمزة والتشديد والروم والإشمام الخليل (2). 3 - وقال أبو هلال العسكري: أبو الأسود أول من نقط المصحف (3). 4 - أما الدكتور جواد علي فيقول: أغلب روايات أهل الأخبار أن الخط العربي الأول لم يكن مشكلا، وأن الشكل إنما وجد في الإسلام، وكان موجده أبو الأسود الدؤلي، فاستعمل النقط بدل الحركات، ثم أبدل الخليل بن أحمد الفراهيدي النقط برموز اخرى (4). 5 - وقال الحموي: والأكثر على أنه (أي أبو الأسود) أول من وضع العربية ونقط المصحف (5). 6 - ومثله ما في الإصابة في ترجمة أبي الأسود (حرف الظاء قسم / 1) عن المبرد قال: أول من وضع العربية ونقط المصاحف أبو الأسود، وقد سئل أبو الأسود عمن نهج له الطريق فقال: تلقيته عن علي بن أبي طالب. إلى غير ذلك مما هو مذكور في تراجمه في ثنايا العديد من الكتب، فمن أراد المزيد فليراجعها. إذا، فشكل القرآن وإعرابه بواسطة النقط كان من وضع العالم الجليل أبي الأسود الدؤلي عليه الرحمة.


(1) نور القبس المختصر من المقتبس: ص 4. (2) الإتقان: ج 2 ص 171. (3) الأوائل: ج 1 ص 130. (4) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: ج 8 ص 190. (5) نقله عنه العلامة التستري في قاموس الرجال: ج 5 ص 583. (*)

[ 160 ]

وأما نقط الكتاب: بمعنى إزالة اللبس الحاصل بين الحروف المتشابهة بواسطة النقط، فهذا مما وضعه تلميذ أبي الأسود: يحيى بن يعمر (1) أو تلميذه الآخر: نصر بن عاصم (2)، ويدل على ذلك: 1 - ما ذكره الدكتور جواد علي، حيث قال: الذي عليه الجمهور أن الإعجام كان من عمل نصر بن عاصم، فلما كثر الخطأ في قراءة القرآن - بسبب عدم تمييزهم بين الحروف المتشابهة، وتفشي وباء الجهل بعدم التمييز في القراءة بين المتشاكلة - فزع الحجاج إلى كتابه وسألهم أن يضعوا لهذه الأحرف المتشابهة علامات تميزها بعضها من بعض، فيقال: إن نصر بن عاصم قام بذلك، فوضع النقط أفردا وأزواجا. ثم قال: إن نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر كانا ممن أخذ العلم عن أبي الأسود الدؤلي. نقطا الإعجام بنفس المداد الذي كان يكتب به الكلام، حتى لا يختلط بنقط استاذهما أبي الأسود (3). والمعروف أن أبا الأسود كان ينقط القرآن بلون غير لون الخط كما قال جرجي زيدان. وأضاف: وقد شاهدنا في دار الكتب المصرية مصحفا كوفيا منقطا على هذه الكيفية، وجدوه في جامع عمرو، بجوار القاهرة، وهو من أقدم مصاحف العالم، ومكتوب على رقوق كبير بمداد أسود، وفيه نقط حمراء اللون، فالنقطة فوق


(1) يحيى بن يعمر العدواني البصري، أحد قراء البصرة، كان عالما بالقرآن الكريم والنحو ولغات العرب. قال ابن خلكان: إنه كان من الشيعة الاول، القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم. وكذا قال الحموي في بلدانه، توفي سنة 129 ه‍. (راجع الكنى والألقاب وقاموس الرجال). (2) نصر بن عاصم الليثي، هو أحد قراء البصرة، أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، ويحيى بن يعمر، وأخذ عنه أبو عمرو بن العلاء، توفي سنة 89 ه‍. (مباحث في علوم القرآن، نقلا عن بغية الوعاة). (3) المفصل في تاريخ العرب: ج 8 ص 187. (*)

[ 161 ]

الحرف فتحة، وتحته كسرة، وبين يدي الحرف ضمة، كما وضعه أبو الأسود (1). وكذا قال الزرقاني الذي ذكر أن الحجاج أمر رجلين جليلين يعالجان هذا المشكل، هما: نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني. 2 - ما عن ابن خلكان قال: كان لابن سيرين مصحف منقوط نقطه يحيى بن يعمر (2). 3 - ما ذكره البعض حيث قال - بعد نقله قصة الحجاج ونصر -: فالظاهر أن النقط المذكورة هي من قبيل الإعجام لتمييز الحروف المتشابهة، ولكن نصرا لم ينقط إلا بضعة حروف مما يكثر (3). 4 - حكى أبو أحمد العسكري: أن الناس غبروا يقرأون بمصحف عثمان نيفا وأربعين سنة إلى أيام عبد الملك بن مروان، ثم كثر التصحيف وانتشر بالعراق، ففزع الحجاج بن يوسف إلى كتابه، وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المتشابهة... الخ (4). إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي لا مجال لتتبعها. وتكون النتيجة: أن نقط القرآن بمعنى إزالة الالتباس بين الحروف المتشابهة كان بلون المداد الذي كان يكتب به الكلام، وأن ذلك - كما يقول الزرقاني - كان من هذين الشخصين الجليلين، اللذين نجحا في هذه المحاولة وأعجما المصحف الشريف لأول مرة، ونقطا جميع الحروف المتشابهة والتزما أن لا تزيد النقط في أي حرف على ثلاث. ما فعله الخليل بن أحمد: وأما تبديل النقط الإعرابي بعلامات اخرى - وهي الفتحة والضمة والكسرة -


(1) تاريخ التمدن الإسلامي: ج 3 ص 61. (2) وفيات الأعيان: ج 6 ص 175. (3) تاريخ التمدن الإسلامي: ج 3 ص 62. (4) وفيات الأعيان: ج 2 ص 32 في ترجمة الحجاج، نقلا عن العسكري في كتاب التصحيف. (*)

[ 162 ]

فهو من الخليل بن أحمد الفراهيدي (1)، ويشهد لما ذكرناه: 1 - ما في المفصل من أن الخليل بن أحمد أبدل النقط برموز اخرى، هي الفتحة والكسرة والضمة. وصرح في موضع آخر بأن الشكل الحاضر من وضع الخليل (2). 2 - ما في الإتقان، حيث قال السيوطي: كان الشكل في المصدر الأول نقطا فالفتحة على أول الحرف، والضمة على آخره، والكسرة تحت أوله، وعليه مشى الداني، والذي اشتهر الآن: الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف، وهو الذي أخرجه الخليل، وهو أكثر وأوضح، وعليه العمل. وقال في موضع آخر: أول من وضع الهمزة والتشديد والروم والإشمام الخليل (3). 3 - ما ذكره الدكتور راميار من أن العلامات الإعرابية - الفتحة والكسرة والضمة - من آثار الخليل (4). وكان ما فعله الخليل هو المرحلة الثالثة في تحسين الخط، وتيسير قراءته، وإبعاد احتمالات الالتباس فيه، حيث وضع الحركات الثلاث والهمزة والتشديد وغير ذلك، مما أسهم في تيسير قراءة رسم القرآن الكريم، جزاه الله عن كتاب الله كل خير ورحمة. وبعد ذلك أتت المرحلة الرابعة من التحسين والتيسير، إذ بطول الزمان وتزايد رغبة المسلمين في قراءة القرآن وتحسينه وتيسيره وضعوا علامات للجزم ولألف الوصل ولغيرها. ثم جاء الخطاطون المهرة، فأضافوا لرسم القرآن رونقا وجمالا.


(1) الخليل بن أحمد، أفضل الناس في الأدب، وقوله حجة فيه، وهو مخترع علم العروض وفضله أشهر من أن يذكر، وكان إمامي المذهب. (راجع الخلاصة للعلامة الحلي (رحمه الله)). (2) المفصل في تاريخ العرب: ج 8 ص 190. (3) الإتقان: ج 2 ص 171. (4) تاريخ القرآن (فارسي): ص 154 في إعجام الكتاب ونقطه، نقلا عن كتاب: النقط لأبي عمرو الداني: ص 133. (*)

[ 163 ]

ومن هؤلاء خالد بن أبي الهياج (1)، المشهور بجمال الخط. وقد كنا أشرنا في بعض مقالاتنا إلى أن المصاحف كانت تكتب بالخط الكوفي نحو قرنين من الزمن. وأن ابن مقلة - المتوفى سنة 328 ه‍ الذي يضرب بحسن خطه المثل - كتب القرآن بالخط النسخي الجميل، وزينه بالنقط والإعراب وسائر الرموز المعروفة في الخط القرآني. واستمر الحال على ذلك إلى أن يسر الله المطابع التي أدت دورا هاما في تسهيل الخط والقراءة مع سائر الرموز المطلوبة والإشارات المرغوبة، والحمد لله، وله الشكر والمنة.


(1) وهو صاحب أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، والمتوفى حدود سنة 100 ه‍. ويقال: إن سعدا - مولى الوليد وحاجبه - اختاره لكتابة المصاحف والشعر والأخبار للوليد بن عبد الملك. فكان هو الذي خط قبله المسجد النبوي بالمدينة بالذهب من سورة الشمس إلى آخر القرآن. (راجع تاريخ اليعقوبي: ج 3 ص 30 و 36). (*)

[ 164 ]

القراءات السبع تواترها، وجواز القراءة والاستدلال بها بداية: إن من الامور الواضحة أن اللازم هو أن يقرأ القرآن الكريم على نفس النهج والاسلوب والطريقة التي كان النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه وأهل بيته يقرأونه بها. وقد تلقى أصحابه هذه الطريقة منه (صلى الله عليه وآله) شفاها وسماعا - لا كتابة - إذ أن ما كتب آنئذ لم يكن له نقط ولا حركات إعرابية. والذي كان يقرأه النبي (صلى الله عليه وآله) وتلقاه عنه أصحابه هو القرآن الذي هو اسم للألفاظ القرآنية بموادها وصورها، فلا يقال لبعض كلماته الفاقدة للصورة أو للمادة أنها قرآن. نعم، لا يدخل في مسمى القرآن وتحت عنوانه بعض الحالات القرآنية كالسكون والوصل ونظيرهما، إذ يصدق القرآن على ما كان فاقدا لمثل هذه الحالات، وهذا لا ينافي وجوب مراعاتها في الصلاة، وفيما كان في قراءته ثواب من السور القرآنية على ما ثبت في محله، حيث قد ثبت ثمة أن المعتبر في ذلك هو القراءة الصحيحة شرعا وعرفا. إذا فلابد من تشخيص المواد القرآنية وصورها التي كانت على عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) وتلقاها الصحابة والتابعون منه ليقرأ بهما. وفي هذا المجال يقع البحث في الامور الثلاثة التالية:

[ 165 ]

أولا: تواتر القراءات، سبعة كانت أو أكثر. ثانيا: جواز القراءة بها، وإن لم يثبت تواترها. ثالثا: جواز الاستدلال بها على الأحكام. وفيما يلي شرح موجز عن كل واحد من هذه الامور: (أولا) تواتر القراءات: لا يخفى أن بعض العلماء قد ادعى تواتر القراءات السبع - أعني قراءات: ابن عامر الدمشقي، وابن كثير المكي، وعاصم الكوفي، وأبو عمرو ابن العلاء البصري، وحمزة الكوفي، ونافع المدني، والكسائي الكوفي - وبعضهم ادعى تواتر ثلاث اخر مع هذه السبع، وهي قراءة خلف ويعقوب ويزيد بن القعقاع. فممن ادعى ذلك: 1 - العلامة الحلي (قدس سره) حيث قال: يجوز أن يقرأ بأي قراءة شاء من السبع، لتواترها أجمع (1). 2 - الشهيد الأول (الشيخ محمد بن مكي العاملي أعلى الله مقامه) حيث قال: يجوز القراءة بالمتواتر، ولا يجوز بالشواذ، ومنع بعض الأصحاب من قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف وهي كمال العشر، والأصح جوازها، لثبوت تواترها كثبوت قراءة القراء السبعة (2). 3 - الحاجبي والعضدي في المنهاج، استنادا إلى أنه لو لم تكن السبع متواترة للزم أن لا تكون بعض القراءات متواترة، كمالك وملك، ونحوهما. وهو باطل. ثم ذكرا أوجه الملازمة المذكورة (3).


(1) منتهى المطلب: ص 274 كتاب الصلاة باب القراءة. (2) ذكرى الشيعة: كتاب الصلاة الواجب الرابع. (3) إيضاح الفرائد للتنكابني: ج 1 ص 193. (*)

[ 166 ]

4 - المشهور عند علماء أهل السنة، على ما نسب إليهم (1). قال أبو شامة (2) في مرشده: قد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة، أي فرد فرد ما روي عن هؤلاء الأئمة السبعة. قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب، ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق (3). 5 - أحمد بن محمد الشهير بالبناء، حيث إنه - بعد أن نقل عن بعض: أن القراءات العشر متواترة ومعلومة من الدين بالضرورة، وأنها منزلة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) - قال: والحاصل: أن السبع متواترة اتفاقا، وكذا الثلاث على الأصح، وهو الذي تلقيناه من عامة شيوخنا (4). هذا، ولكننا نجد في المقابل أن كثيرا من العلماء قد صرحوا بعدم تواتر القراءات، ونذكر منهم: 1 - أبو شامة، قال في كتابه المرشد الوجيز: لا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمة السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة، وأنها كذلك انزلت - إلى أن قال: - والقراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ (5). 2 - ابن الجزري، قال: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة - إلى أن قال: - ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة اطلق عليها ضعيفة أو شاذة


(1) تفسير البيان للإمام الخوئي: ص 92 نقلا عن البعض. (2) أبو شامة: هو شهاب الدين الشافعي المقري النحوي، ولد بدمشق سنة 596 ه‍. وأتقن الفقه، ودرس وأفتى، وبرع في العربية، وصنف شرحا للشاطبية، توفي بدمشق سنة 665 ه‍. (راجع الكنى والألقاب للمحدث القمي (رحمه الله)). (3) نقله عنه ابن الجزري في النشر في القراءات العشر: ج 1 ص 13. (4) إتحاف فضلاء البشر: ص 4. (5) نقله عنه ابن الجزري في النشر في القراءات العشر: ج 1 ص 9. (*)

[ 167 ]

أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أو عمن هو أكبر منهم. هذا هو المحقق من السلف والخلف، صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (1). 3 - الرافعي، وقد قال: وقراءات هؤلاء السبعة هي المتفق عليها إجماعا، ولكل منهم سند في روايته وطريق الرواية عنه، وكل ذلك محفوظ ثبت في كتب هذا العلم (2). ويستفاد من قوله: " هي المتفق عليها إجماعا " هو أن القراءات حجة بالإجماع، لا أنها قراءات النبي (صلى الله عليه وآله) معلومة بالتواتر، ويشهد لهذا قوله فيما بعد " والسبب في الاقتصار على السبعة هو أنهم مشهورون بالثقة والأمانة وطول العمر ". وواضح أن القراءات لو كانت متواترة لما عبر بهذه التعبيرات. ومن الإمامية نذكر: 4 - الشهيد الثاني (زين الدين بن علي الجبعي العاملي (رحمه الله)) حيث قال في شرح الألفية: واعلم أنه ليس المراد أن كل ما ورد من هذه القراءات متواتر، بل المراد انحصار المتواتر الآن فيما نقل من هذه القراءات، فإن بعض ما نقل من السبعة شاذ، فضلا عن غيرهم، كما حققه جماعة من أهل هذا الشأن (3). 5 - السيد الجزائري (رحمه الله)، فإنه بعد أن قال بعدم التواتر قال: نعم، اتفق التواتر في الطبقات اللاحقة (4). 6 - الميرزا القمي (رحمه الله) قال: إن كان المراد من تواتر القراءات تواترها عن النبي (صلى الله عليه وآله) فيشكل على ما ذكرنا في القانون السابق، وإن كان المراد تواترها عن الأئمة - بمعنى تجويزهم قراءتها والعمل على مقتضاها - فهذا هو الذي يمكن أن يدعى معلوميته من الشارع، لأمرهم بقراءة القرآن كما يقرأ الناس (5). 7 - الشيخ الأنصاري في الفرائد، والشيخ الخراساني في كفاية الاصول،


(1) النشر في القراءات العشر: ج 1 ص 9. (2) إعجاز القرآن: ص 51. (3 و 4) نقله عنهما الآشتياني في بحر الفوائد في شرح الفرائد: ص 94. (5) القوانين: ج 1 ص 390. (*)

[ 168 ]

والشيخ الحائري اليزدي في كتاب الصلاة، والإمام الخوئي في تفسير البيان، وغيرهم ممن قارب هذا العصر، ممن يقول بعدم تواتر القراءات، مع القول بجواز القراءة بكل من القراءات السبع. تلك هي الأقوال في تواتر القراءات وعدمها، وهي توضح أنه لا إجماع على تواتر القراءات ولا على عدمه، ومن هنا فلا مضايقة في أن يختار الباحث أيا من القولين، إذا قام لديه الدليل على ضرورة أو رجحان الالتزام به، ولا يكون بذلك مخالفا للإجماع، ولا لما هو معلوم بالضرورة. اختلاف القراءات على نحوين: أحدهما: الاختلاف في المواد، الناشئ عن الفهم الخاطئ لحديث " نزل القرآن على سبعة أحرف " حيث فهم منه عبد الله بن مسعود وغيره من القراء جواز قراءة القرآن على سبعة أنحاء، بمعنى أنه يجوز تبديل الألفاظ القرآنية بمرادفاتها، وقد نقل عن ابن مسعود أنه بدل قوله تعالى: * (كالعهن المنفوش) * بقوله " كالصوف المنفوش " وبدل ابي بن كعب قوله تعالى: * (كلما أضاء لهم مشوا فيه) * بقوله " مروا فيه " أو " سعوا فيه ". وقرأ أنس: * (هي أشد وطأ وأقوم قيلا) *: " وأصوب قيلا " معللا ذلك بأن أصوب وأقوم وأهيأ بمعنى واحد. وبعد أن اشتد هذا التبديل وبلغ حدا أفزع حذيفة فقدم على عثمان، وقال له: أدرك هذه الامة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، وفي رواية: أن عثمان قال له: وما ذلك ؟ قال حذيفة: إن أهل العراق يقرأون بقراءة ابن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضا. وقد قدمنا في مقال سابق أن معنى حديث " نزل القرآن على سبعة أحرف " ليس هو على ما فهمه ابن مسعود، بل المراد هو وجود المعاني فراجع (1).


(1) راجع موضوع " حديث نزول القرآن على سبعة أحرف " من هذا الكتاب. (*)

[ 169 ]

وكيف كان، فقد أمر عثمان عدة من الصحابة بكتابة مصحف مطابق للمصحف الذي كتب في عصر أبي بكر، عن ذلك الذي كتب في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وجمع الناس على قراءة واحدة مطابقة للألفاظ الواردة فيه وقضى على الألفاظ المترادفة ولم يبق منها شيئا. ثانيهما: الاختلاف في صور الألفاظ القرآنية، والظاهر أن منشأ هذا هو خلو المصاحف عن النقط والشكل، حيث إن الكلمات الخالية عن ذلك يختلف الناس في قراءتها بحسب أذواقهم وأفهامهم. وقد بدأ هذا الاختلاف بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) وصحابته الذين سمعوا القرآن منه فكانوا يقرأونه حسب سماعهم، والقرآن في عهدهم مسموع لا مكتوب. وأما البعيدون عن مركز الدعوة وعن النبي (صلى الله عليه وآله) وصحابته فلابد وأن يعتمدوا على القرآن المكتوب لا المسموع، والمكتوب كان فاقدا للنقط والإعراب مما يوجب اختلافهم في كيفية قراءته، ثم يزيد الاختلاف بازدياد القراء باستمرار. وكمثال على ذلك نشير إلى الاختلاف الواقع في قوله تعالى * (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) * (1). ففي قوله " أأنذرتهم " قرأ عاصم وحمزة والكسائي بهمزتين، وقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو بالمد وتليين الهمزة الثانية، وقرأ ابن عامر بألف بين همزتين، نقل هذه القراءات الثلاث الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان. وقرأ ابن محيض بهمزة واحدة على لفظ الخبر، وهمزة الاستفهام مرادة. وقرأ الأكثرون على لفظ الاستفهام، إلا أن أكثر العرب لا يحقق الهمزتين، لأن الهمزة تخرج بكلفة، فالنطق بها يشبه التهوع. ومنهم من يحقق الاولى ويجعل الثانية بين بين، أي بين الهمزة والألف. ومنهم من يجعل الثانية ألفا صحيحا، كما فعل ذلك في آدم. ومنهم من يحقق الهمزتين ويفصل بينهما بألف. ومن العرب من يبدل الاولى


(1) البقرة: 6. (*)

[ 170 ]

هاء ويحقق الثانية. هذا ما ذكره بعض وقال أيضا: أما " عليهم " ففيه عشر لغات، وكلها قد قرئ به (1). ويشهد لما قلنا - من أن المصاحف التي كتبت في زمن عثمان كانت خالية من النقط والإعراب وأن ذلك كان منشأ اختلاف في القراءة - ما ذكره ابن الجزري، حيث قال في ضمن كلام له: إن المصاحف كتبت في خلافة عثمان من المصحف الذي كان عند حفصة، فوجه بمصحف إلى البصرة ومصحف إلى الكوفة ومصحف إلى الشام، وترك مصحفا بالمدينة، وأمسك لنفسه مصحفا الذي يقال له الإمام، ووجه بمصحف إلى مكة وبمصحف إلى اليمن وبمصحف إلى البحرين - إلى أن قال: - وجردت المصاحف جميعا من النقط والشكل، ليحتملها ما صح نقله وثبت تلاوته عن النبي (صلى الله عليه وآله)، إذ كان الاعتماد على الحفظ لا مجرد الخط (2). ثم قال ما حاصله: ثم إن القراء كثروا، وكثر بينهم الاختلاف، وكاد الباطل يلتبس بالحق، فقام جهابذة علماء الامة، فبالغوا في الاجتهاد، وبينوا الحق المراد، وميزوه باصول أصلوها، ونعول كما عولوا عليها، فنقول: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة، سواء كانت عن الأئمة السبعة أو العشرة أم عن غيرهم. ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة اطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أو عمن هو أكبر منهم (3). ويستفاد من كلامه أنه لا يقول بتواتر القراءات كما سبق، وإلا لما صح منه تأسيس أصل للصحة وعدمها. ويبدو أن هذا هو الحق، وذلك لامور: أولا: ما ذكره أصحاب التراجم من أنه ليس لمشايخ القراءات أسانيد كثيرة جامعة لشروط التواتر، الذي معناه امتناع اجتماع الرواة على الكذب عادة. هذا، ولو سلمنا التواتر فإنما هو عن المشايخ السبعة فقط كما عن الزركشي


(1) إملاء ما من به الرحمن لأبي البقاء العكبري: ص 14. (2 و 3) النشر في القراءات العشر: ج 1 ص 7 و 9. (*)

[ 171 ]

في البرهان الذي قال: إن القراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل: بل هي مشهورة، والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة، أما تواترها عن النبي (صلى الله عليه وآله) ففيه نظر (1). ثانيا: ما قيل من أننا ولو سلمنا التواتر في الطبقات السابقة واللاحقة بهم لكن التواتر منقطع بهؤلاء المشايخ أنفسهم، لأنهم تفردوا برواية قراءاتهم لتلامذتهم. ثالثا: أن طعن بعض العلماء على بعض القراء السبعة يكشف عن عدم التواتر، إذ لا يجوز الطعن في المتواتر. فقد نقل عن أحمد إمام الحنابلة أنه يكره أن يصلي خلف من يصلي بقراءة حمزة. وعن ابن مهدي أنه قال: لو كان لي سلطان على من يقرأ قراءة حمزة لأوجعت ظهره وبطنه (2). رابعا: أن المراد من " نزول القرآن على سبعة أحرف " الوارد في الحديث ليس هو القراءات السبع، حتى تكون متواترة لتواتر حديث سبعة أحرف، بمعنى أن الدال على القراءات متواتر فتكون القراءات نفسها ثابتة لثبوت ما يدل عليها. إذ من الواضح، أنه لا تلازم بينهما، إذ يمكن أن يكون الحديث متواترا والقراءات نفسها غير متواترة. هذا عدا عن أن المقصود به هو وجوه المعاني لا القراءات حسب ما أوضحناه. وعن أبي شامة وابن عمار ومكي: أن من ظن أن القراءات السبع هي المذكورة في حديث " نزل القرآن على سبعة أحرف " فقد غلط غلطا عظيما، أو كان من الجهل، أو خلاف الإجماع (3). وخلاصة القول: إن تواتر القراءات سبع كانت أو أكثر لم يثبت، ولا إجماع عليه لا عند الإمامية ولا عند غيرهم، فللباحث إذا أن يطلب دليلا على جواز القراءة بالقراءات كلا أو بعضا نفيا أو إثباتا، من دون أن يخاف من إجماع الامة على التواتر.


(1) نقله عنه السيوطي في الإتقان: ج 1 ص 82. (2) تفسير البيان: ص 137. (3) نقله عنهم السيوطي في الإتقان: ج 1 ص 82. (*)

[ 172 ]

(ثانيا) جواز القراءة بالقراءات: وأما عن جواز القراءة بهذه القراءات ولو لم تكن متواترة فقد اتفق العلماء على جواز ذلك في الجملة، ولكنهم اختلفوا في شروط الجواز، وإليك بعض أقوالهم في ذلك، فمن الإمامية: 1 - قال الشيخ الطبرسي (رحمه الله): إن الظاهر من مذهب الإمامية أنهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء بينهم من القراءات، إلا أنهم اختاروا القراءة بما جاز بين القراء، وكرهوا تجريد قراءة مفردة (1). 2 - وقال العلامة الحلي (قدس سره): يجوز أن يقرأ بأي قراءة شاء من السبع، لتواترها أجمع، ولا يجوز أن يقرأ بالشاذ، وأحب القرآن إلي ما قرأه عاصم، من طريق أبي بكر بن عياش، وقراءة أبي عمرو ابن أبي العلاء (2). 3 - وقال الشهيد الأول الشيخ محمد بن مكي (رحمه الله): يجوز القراءة بالمتواتر، ولا يجوز بالشواذ، ومنع بعض الأصحاب من قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف. وهي كمال العشر، والأصح جوازها، لثبوت تواترها، كثبوت قراءة القراء السبعة (3). 4 - ما عن حاشية المدارك للبهبهاني (رحمه الله): إن المراد بالمتواتر ما تواتر صحة قراءته في زمان الأئمة، بحيث يظهر أنهم كانوا يرضون به، ويصححون ويجوزون ارتكابه في الصلاة (4). 5 - ما قاله بعض من قارب هذا العصر، كقول السيد محمد كاظم الطباطبائي (رحمه الله) في العروة الوثقى: الأحوط القراءة بإحدى القراءات السبع، وإن كان الأقوى عدم وجوبها، بل يكفي القراءة على النهج العربي. وقال الإمام الخوئي دام ظله في تعليقته على الكتاب: فيه منع ظاهر، فإن


(1) تفسير مجمع البيان: ج 1 ص 12 الفن الثاني. (2) منتهى المطلب: ص 274 كتاب الصلاة باب القراءة. (3) ذكرى الشيعة: كتاب الصلاة الواجب الرابع. (4) نقله عنه صاحب جواهر الكلام: باب القراءة. (*)

[ 173 ]

الواجب إنما هو قراءة القرآن بخصوصه لا ما تصدق عليه القراءة العربية الصحيحة. نعم، الظاهر جواز الاكتفاء بكل قراءة متعارفة عند الناس، ولو كانت من غير السبع. وقال الإمام الخميني دام ظله في تعليقته على العروة: الأولى الأحوط قراءة الحمد والتوحيد على النحو المعروف بين عامة الناس والمكتوب في المصحف. هذا من أقوال بعض الإمامية. وأما عن غيرهم فنذكر: 1 - ابن الجزري، وقد سبق قوله بأن لصحة القراءات ضابطة مركبة من أركان ثلاثة، فراجع (1). 2 - وقال ابن قدامة: ويقرأ بما في مصحف عثمان، ونقل عن أحمد أنه كان يختار قراءة نافع من طريق إسماعيل بن جعفر. قال: فإن لم يكن فقراءة عاصم من طريق أبي بكر بن عياش. وأثنى على قراءة أبي عمرو ابن العلاء، ولم يكره قراءة أحد من العشرة إلا قراءة حمزة والكسائي، لما فيهما من الكسر والإدغام والتكلف وزيادة المد (2). 3 - ما عن سيبويه من أنه أنكر قراءة أبي عمرو في إسكان كلمة " بارئكم " و " يأمركم " (3). 4 - ما عن بعض وقد بالغ في الإشادة بالقراءات السبع قائلا: من زعم أن القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كفر (4). 5 - ما عن بعض أيضا من المبالغة في توهين القراءات السبع، والغض من شأنها، فيزعم أنه لا فرق بينها وبين سائر القراءات، ويحكم بأن الجميع روايات آحاد. ويستدل على ذلك بأن القول بتواترها أمر منكر (5).


(1) ص 166 من هذا الكتاب. (2) المغني في الفقه: ج 1 ص 534، وقال شارحه: قال أبو بكر بن عياش: قراءة حمزة بدعة. (3) راجع كتاب سيبويه: ج 2 ص 308. (4) القائل هو القاضي أبو سعيد فرج بن لب الأندلسي، راجع مناهل العرفان: ج 1 ص 428. (5) راجع نفس المصدر: ص 429. (*)

[ 174 ]

والذي يقتضيه النظر هنا - كما قيل - هو أن القرآن اسم للكلام الخاص الشخصي غير القابل للتعدد والاختلاف. ويؤيده ما في أخبارنا من أن القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة (1). وأيضا فإن الأمر بقراءة القرآن إنما هو أمر بحكاية ألفاظه بقدر الإمكان، لا القراءة على النهج العربي كيف كان. وحيث لم يثبت تواتر القراءات فلابد وأن ينظر في أسانيد تلك الأخبار التي هي آحاد غير متواترة، فأي قراءة نقلت بسند جامع لشروط الحجية اخذ بها، وإلا فلابد من الاحتياط بتكرار القراءات في صلاة واحدة أو في صلوات. هذا مع قطع النظر عن الإجماع المنقول من الإمامية ومن غيرهم، نقلا متواترا على أن كل واحدة من القراءات السبع تكفي في القراءة وتجزي. ويؤيده بل يدل عليه ما في أخبارنا من الأمر بقراءة القرآن، لدرك فيوضاته وتحصيل الثواب الجزيل عليه، وهي كثيرة جدا، وقد عقد الشيخ الحر العاملي رضوان الله عليه في كتابه " وسائل الشيعة " ما يقرب من خمسين بابا (2)، وهي دالة على جواز القراءات الشائعة في عصر الأئمة (عليهم السلام)، لأن كل شيعي إذا سمع من إمامه الحث على قراءة القرآن وأراد أن يمتثل ذلك فإنه يقرأ بما كان متداولا في بلده وشائعا عنده. ويؤيده أيضا ما في أخبار كثيرة دالة على أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يأمرون شيعتهم بقراءة ما يقرأه الناس وينهونهم عن القراءة بغيره، وهي ذات تعبيرات مختلفة، ففي بعضها: " اقرأوا كما علمتم " (3) وفي آخر: " اقرأوا كما تعلمتم " (4) وفي ثالث - حينما ذكر الراوي أنه يسمع حروفا من القرآن ليست على ما يقرأ الناس، قال له الإمام (عليه السلام) -: " اقرأ كما يقرأ الناس " (5).


(1) الكافي: ج 2 ص 630 باب النوادر من كتاب فضل القرآن ح 12. (2) راجع وسائل الشيعة: ج 4 ص 821 - 895 من كتاب الصلاة. (3 - 5) وسائل الشيعة: ج 4 ص 821 ب 74 من أبواب القراءة ح 3 و 2 و 1. (*)

[ 175 ]

أي القراءات أرجح ؟ هذا بالنسبة إلى أصل جواز القراءة بالقراءات، وأما أيها أرجح فلا يبعد أن يقال: إن الراجح من بين القراءات هو القراءة بما في القرآن الكريم الذي بين أيدينا، فإن المعروف هو موافقته لقراءة عاصم، الذي أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي. وروى عن حفص الأسدي أنه قال: قال لي عاصم: ما كان من القراءة التي أقرأتك بها فهي القراءة التي قرأت بها على أبي عبد الرحمن السلمي عن علي (عليه السلام) (1). وقال ابن الجزري: كان عاصم الإمام الذي انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السلمي، جلس موضعه، ورحل الناس إليه للقراءة، وكان قد جمع بين الفصاحة والإتقان، والتحرير والتجويد، وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن. قال أبو بكر بن عياش: لا احصي ما سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: ما رأيت أحدا أقرأ للقرآن من عاصم. وقال عبيدالله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن عاصم فقال: رجل صالح ثقة خير (2). وقد سبق قول العلامة: أحب القرآن إلي ما قرأه عاصم من طريق أبي بكر بن عياش، وقراءة أبي عمرو ابن العلاء (3). (ثالثا) جواز الاستدلال بكل واحد من القراءات: وأما الأمر الثالث والأخير فهو جواز الاستدلال بكل واحد من القراءات، ولا يخفى أن جواز القراءة بالقراءات المختلفة لا يستلزم جواز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية، لأن ما يدل على جواز القراءة بالقراءات كلا أو بعضا إنما


(1) تفسير البيان: ص 95. (2) النشر في القراءات العشر: ج 1 ص 155. (3) منتهى المطلب: ص 274 كتاب الصلاة باب القراءة. (*)

[ 176 ]

يدل على جواز القراءة بها فقط، وأما الاستدلال بمضمونها ومدلولها فهو أمر آخر، يحتاج إلى دليل آخر. فإذا كانت القراءات متفقة على صيغة واحدة ومضمون واحد فلا إشكال، وإذا اختلفت القراءات واستلزم اختلافها الاختلاف في الحكم فلابد من التماس دليل يدل على جواز الاستدلال بها عليه، ومع عدمه يرجع إلى الاصول. ومثال ذلك قوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (1) بتشديد الطاء تارة، وتخفيفها اخرى، فعلى قراءة التخفيف يكون المراد: حتى حصول النقاء، فيجوز قربهن حين النقاء ولو قبل الاغتسال. وعلى قراءة التشديد: لا تحصل الطهارة إلا بالاغتسال، فلا يجوز قربهن إلا بعده، ولا يجوز بمجرد النقاء. ولم أر من استدل بجواز القراءة على جواز الحكم، بل ديدن الفقهاء على الاستدلال على جواز الحكم بأدلة اخرى غير أدلة جواز القراءة، مما يكشف عن أنهم يرون أن جواز القراءة لا يستلزم جواز الاستدلال بها على الحكم، ولهذا البحث مجال آخر، فليطلب من مظانه في الكتب الفقهية، والحمد لله رب العالمين.


(1) البقرة: 222. (*)

[ 177 ]

بحوث قرآنية مهمة 1 - إعجاز القرآن 2 - الناسخ والمنسوخ في القرآن 3 - المحكم والمتشابه في القرآن 4 - قرآنية ما بين الدفتين وحجيته 5 - المكي والمدني من القرآن كلمة ختامية

[ 179 ]

إعجاز القرآن بداية: من البديهي أن الرسول المبعوث من قبل الله تعالى لابد له في دعوته من أجل قبول الناس لها من آية خارقة للعادة لتكون حجة على رسالته. وهذا الأمر ليس قابلا للاستثناء منه، بل هو صادق على كل رسول، حتى من كان منهم معروفا بالصدق والأمانة قبل بعثته، كنبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله). والحاجة إلى الآية إنما هي لدفع احتمال الكذب عن دعواه للرسالة حينئذ ولو لم يعرف عنه الكذب قبل ذلك، لأن الرسولية منصب شريف ورئاسة عظيمة، ربما يطمع فيها من كان معروفا بالصدق والأمانة، ويخرجه ذلك عن الصراط المستقيم، فيجازف ويدعي، وليكن بعد ذلك ما يكون. وهذا هو السر في انحصار طريق معرفة صدق دعواه بظهور المعجز على يده، كما يظهر من أقوال المحققين، كقولهم: وطريق معرفة صدقه ظهور المعجز على يده (1). وقولهم: طريق التصديق بالنبوة والإيمان بها ينحصر بالمعجز الذي يقيمه النبي شاهدا لدعواه (2).


(1) تجريد الاعتقاد للشيخ نصير الدين الطوسي: بحث النبوة. (2) تفسير البيان: ص 28. (*)

[ 180 ]

أدلة انحصار الطريق بالمعجزة: ويشهد لصحة ما قلناه عدد من الآيات القرآنية، نذكر منها: 1 - قوله تعالى: * (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته) * (1). فالمستفاد منها هو أن لكل رسول ونبي آية قد أحكمها الله تعالى، بحيث إذا حاول الشيطان أن يشكك قولهم ويوسوس لهم بحيث يكون ذلك مانعا من تحقيق امنية النبي فإن النبي بواسطة تلك الآية ينسخ وسوسة الشيطان ويفشل سعيه. وحيث إن كل نبي كان يتمنى نجاح دعوته وظهور رسالته فمن الطبيعي أن يكون لكل نبي آية محكمة تمنع من محاولات الشيطان تلك. 2 - قوله تعالى: * (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما ارسل الأولون) * (2). وهذه الآية تدل على أن الرسل الأولين كانوا أصحاب آيات دالة على صدقهم في دعواهم. وإلا فلا يصح قولهم " كما ارسل الأولون ". 3 - عدة آيات دالة على أن كثيرا من الرسل كان لهم آيات تدل على صدقهم، كقوله تعالى * (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) * (3). وقوله تعالى: * (ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله) * الآية (4). وقوله تعالى: * (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية) * (5). وقوله تعالى: * (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر) * (6).


(1) الحج: 52. (2) الأنيباء: 5. (3) الإسراء: 101. (4) آل عمران: 49. (5) الأعراف: 73. (6) سبأ: 12. (*)

[ 181 ]

وقوله تعالى: * (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات) * (1). وقوله تبارك وتعالى: * (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) * (2). وغير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى قد أعطى المعجزة للأنبياء، ولم يكتف بكونهم عدولا صادقين، ولا اكتفى بإخبارات النبي السابق عن ظهور نبي في اللاحق، وذكره لعلامات تنطبق على شخص ما، وذلك لأنه حتى لو وصلت هذه الإخبارات والعلامات للامم اللاحقة على نحو التواتر إلا أنها لا تكون حجة على من لا يتدين بدين أصلا، ولا يعتقد بنبوة ذلك النبي، ولذا فلا يكون قوله حجة عليه. المراد من الآيات والبينات: الآية في اللغة هي العلامة الظاهرة. والبينة هي الدلالة الواضحة (3). ويراد من هاتين الكلمتين في القرآن الكريم ما كان معجزا وخارقا للعادة، وقد اعطي للرسول ليثبت به رسالته. وأما البراهين التي هي لإثبات امور اخرى غير الرسالة - كالامور العقائدية والأحكام الشرعية - فيعبر عنها ب‍ " الحجة ". وقد جاء في قصة احتجاج إبراهيم ببزوغ الشمس ثم افولها، وبزوغ القمر ثم افوله وقوله * (لا احب الآفلين) * (4) ثم قوله * (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) * الآية (5) ثم عقب ذلك بقوله تعالى * (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) * (6). ويؤيد أن المراد بالآيات في القرآن هو ما يستدل به على الرسالة هو جواب


(1) إبراهيم: 9. (2) الأنبياء: 69. (3) المفردات للراغب الإصفهاني: ص 33 و 68. (4) الأنعام: 76. (5) الأنعام: 79. (6) الأنعام: 83. (*)

[ 182 ]

قومهم لهم بقولهم * (إن أنتم إلا بشر مثلنا) * (1) الدال على أن الهدف هو إثبات الرسالة للرسل. فينكر قومهم عليهم ذلك بحجة أنه لو كانوا رسلا لله لما كانوا بشرا. تنوع المعجزة: ويمكننا أن نعتبر أن المعجزة ترجع إلى نوعين: الأول: ما كان من نوع امور كانت شائعة في عصر ظهور ذلك النبي، مما كان الناس قد برعوا فيه، واعتبروا أنهم قد وصلوا فيه إلى الغاية القصوى. الثاني: ما يكون تابعا للأديان في مدى صلاحيتها للبقاء في الأعصار، فإذا كان الدين خاصا بعصر كانت معجزته خاصة بذلك العصر لا تتعداه، وإذا كان مستمرا وخالدا كانت معجزته مستمرة وخالدة أيضا معه. فأما بالنسبة للنوع الأول فإننا نلاحظ أن ما كان شائعا في عصر موسى هو السحر، إذا فالحكمة تقتضي أن تكون المعجزة في ذلك العصر من النوع الذي ينسجم مع السحر، فكانت عصا موسى - التي ألقاها فصارت ثعبانا يلقف ما يأفكون - من الحبال والعصي التي يخيل أنها تسعى، ثم رجعت العصا إلى حالتها الاولى دون أن يبقى لتلك الحبال والعصي أثر. فعرفوا أن هذا أمر خارق للعادة، وخارج عن قدرة البشر، ولذا فقد سارع السحرة المهرة إلى الإيمان بنبوة موسى، دون أن يلتفتوا إلى تهديدات فرعون لهم. وقد حكى الله ذلك في كتابه الكريم بقوله: * (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون) * (2) * (والقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين) * (3). وهكذا الحال في عصر عيسى، الذي مهر الناس فيه في علم الطب، ويقولون: إن فلسطين وسوريا كانتا مستعمرتين لليونان، وفيهما نزلاء كثيرون، وكان للطب


(1) إبراهيم: 10. (2) الأعراف: 117. (3) الأعراف: 120 و 121. (*)

[ 183 ]

فيهما رواج باهر (1). ويقول بعض العلماء: إن في الفصلين الثالث عشر والرابع عشر من التوراة الرائجة اليوم تفصيلات مطولة في كيفية تطهير القروح والبرص والقوباء (2). إذا، فقد اقتضت الحكمة أن تكون معجزة عيسى من هذا القبيل، مثل شفاء الأبرص والأعمى والأكمه وغير ذلك. وفي رواية عن أبي الحسن الهادي (عليه السلام): إن الله بعث عيسى في وقت قد ظهرت فيه الزمانات، واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم (3). وهكذا أيضا تكون الحال بالنسبة لنبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن عصره كان متميزا بالأدب والبلاغة والفصاحة، وبرع الناس في ذلك، وأقاموا المواسم، وعقدوا الندوات والمحافل للمفاخرة بالرقي فيه (4). ويقول البعض: إنه كان يقدر المرء على ما يحسنه، وبلغ من تقديرهم للشعر أن عمدوا لسبع قصائد من خيرة الشعر القديم، وكتبوها بماء الذهب في القباطي، وعلقت على الكعبة، فكان يقال: هذه مذهبة فلان (5). وفي تتمة الرواية المتقدمة عن أبي الحسن الهادي (عليه السلام): إن الله بعث محمدا في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال: والشعر - فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم. ومن هنا نرى أن معجزة نبي الإسلام اختصت بتفردها وتميزها في هذا المضمار، فكان القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة بالبيان والبلاغة، وهو حجة دامغة على كل من برع ومهر في هذا الأمر، وبشهادة هؤلاء يصير حجة على


(1) تفسير البيان للإمام الخوئي: ص 25. (2) راجع مقدمة آلاء الرحمن للبلاغي: ص 4. والقوباء: داء في الجسد يتقشر منه الجلد، جمعه: قوب. (3) الوافي للفيض الكاشاني: ج 1 ص 33. (4) راجع مقدمة آلاء الرحمن: ص 5. (5) تفسير البيان: ص 25 عن العمدة لابن رشيق. (*)

[ 184 ]

غيرهم، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. وأما بالنسبة إلى النوع الثاني فيختلف المعجز أيضا فيه باختلاف الأديان، فما كان لدين موقت كان المعجز فيه موقتا، وما كان لدين خالد كان المعجز فيه خالدا، وذلك هو السر في كون المعجز لموسى (عليه السلام) أمرا مشاهدا يختص بالمشاهدين وبمن يعيش في ذلك العصر أو بعده بقليل، بحيث يتسنى له أن يطلع على خبر تلك المعجزة عن طريق التواتر القطعي. وذلك هو السر أيضا في كون معجزة نبي الإسلام أمرا عقليا يبقى ببقاء الدنيا لأنها لدين خالد باق كذلك. وبهذا احتج بعض المحققين على بعض أفراد اليهود حيث قال له: إن كانت شريعة موسى عامة لجميع البشر فحيث لم تكن معجزاته (عليه السلام) مشاهدة فلابد من الأخبار المتواترة الدالة عليها، وهي مفقودة، لأن عدد المخبرين في كل جيل لم يبلغ عددا يمنع العقل من تواطئهم على الكذب، فحينئذ إذا لزم على الناس تصديقكم بما تخبرون به فلم لا يجب على الناس تصديق المخبرين الآخرين في نقلهم عن أنبيائهم ؟ ولم لا تصدقون الأنبياء الآخرين ؟ ! وأجاب: إن معاجز موسى ثابتة عند كل من اليهود والنصارى والمسلمين، وأما معاجز غيره فلم يعترف بها الجميع فنحتاج إلى الإثبات. فقال له: إن معجزات موسى لم تثبت عند المسلمين ولا عند النصارى إلا بإخبار نبيهم بذلك لا بالتواتر، فإذا لزم تصديق المخبر الذي يدعي النبوة لزم الإيمان به. وأما القرآن الكريم الذي كان آية لنبوة رسول الإسلام كان إعجازه باقيا في كل زمان، فصار حجة لجميع الناس في كل عصر (1). الإعجاز لغة واصطلاحا: لقد جاء في اللغة عدة معان لكلمة " المعجز " مثل: الفوت، يقال: أعجزه


(1) تفسير البيان: ص 29. (*)

[ 185 ]

الشئ، أي فاته. وإحداث العجز، يقال: أعجز فلان فلانا، أي صيره عاجزا. ووجدان العجز، يقال: أعجز فلان فلانا، أي وجده عاجزا (1). وأما في الاصطلاح فقد عرف بتعاريف مختلفة باختلاف قيودها، قال في تجريد الاعتقاد: المعجزة ثبوت ما ليس معتادا، ونفي ما هو معتاد، مع خرق العادة ومطابقة الدعوى (2). وقال في البيان: هو أن يأتي المدعي لمنصب من المناصب الإلهية بما يخرق النواميس الطبيعية، ويعجز عنه غيره شاهدا على صدق دعواه (3). وقال السيوطي: المعجزة أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة (4). وقال العلامة الطباطبائي: هو الأمر الخارق للعادة، الدال على تصرف ما وراء الطبيعة في عالم الطبيعة ونشأة المادة، لا بمعنى الأمر المبطل لضرورة العقل (5). ولا يبعد أن تكون جميع هذه التعاريف ناظرة إلى أمر واحد، وإن قصر بعضها عن بيانه، وهو أن المعجز أمر خارق للعادة لا لحكم العقل، فلا يمكن الجمع بين النقيضين حتى بالإعجاز، ويمكن جعل الشجرة تثمر حالا، لأن تحقق الأثمار عادة يتوقف على شروط لا تتحقق عادة إلا بعد مضي زمان، ولكن ربما تحصل هذه الشروط فورا بالإعجاز، وهذا هو معنى خرق العادة. ويشترط في المعجز أيضا مطابقته للدعوى، فما روي عن مسيلمة من أنه تفل في بئر ليكثر ماؤها فذهب ماؤها أجمع ليس بمعجز. ويشترط أيضا أن لا يكون هناك من يعارض مدعي النبوة فيما يتحدى به، بحيث يستطيع غيره أن يأتي بمثل ما أتى به، إذ لا يكون حينئذ ما أتى به ذلك النبي معجزا، وقد تقدم ما يشير إلى ذلك.


(1) أقرب الموارد: مادة " عجز ". (2) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 196. (3) تفسير البيان: ص 20. (4) الإتقان: ج 2 ص 116. (5) الميزان في تفسير القرآن: ج 1 ص 73. (*)

[ 186 ]

إعجاز القرآن: لا ريب في أن القرآن معجز خارق للعادة، غير مقدور للبشر الإتيان بمثله، ولا حتى الإتيان بمثل سورة من سوره، ولم يختلف في هذا أحد من المسلمين وإن اختلفوا في وجه إعجازه. وأما غير المسلمين - ممن كان ينكر إعجاز القرآن - فلربما يكون قد استدل على ذلك بامور سخيفة توجب فضح المستدل بها، كما حكاه القرآن الكريم عنهم بقوله: * (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) * (1). فجهل هؤلاء قد دفعهم إلى دعوى سخيفة، وهي أن هذا القرآن العربي - الذي بلغ الغاية في فصاحته وبلاغته - تعلمه النبي (صلى الله عليه وآله) من أعجمي لا يحسن العربية. وكذلك، فإن ما يدعيه بعض المستشرقين من أن القرآن من صنع محمد - حتى أن أحد من يعدونه من أصحاب الآراء الحرة ومن طلاب الحقيقة إذ لا يأخذ إلا بما تؤدي إليه دراسته وبحوثه في الشريعة الإسلامية، وهو جرونيبادم مؤلف كتاب " حضارة الإسلام " - نص على أن القرآن لم يوح إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بأكمله، بل كان يوحى إليه رؤى قصيرة ووصايا وأمثال وقصص ذات مغزى أو أحاديث في اصول العقيدة (2). وإنه لعجيب حقا أن من له معرفة وتعمق في الآداب العربية وله ذوق سليم وإنصاف نجده يقول: إن هذا القرآن هو من صنع نبي امي، معروف بأنه لم يدرس عند أحد، وهو يتحدى الناس كلهم أن يأتوا بمثله، بل بعشر سور، بل بسورة من مثله، ثم يعجزون على مدى التاريخ، وهم أبرع الناس وأعرفهم بهذا الأمر. مع أن هذا المستشرق لم ينقل عن أحد أنه أتى بسورة من مثله، فهل يكون قوله هذا " إن القرآن من صنع محمد " إلا تجاهل لهذه الحقيقة أو عدم توجه منه


(1) النحل: 103. (2) نقله عنه عبد الكريم الخطيب في كتاب " النبي محمد ": ص 286. (*)

[ 187 ]

إليها ؟ ! وقد قال تعالى وكلامه الصدق * (بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) * (1). وينقل البعض أن بعضا آخر من هؤلاء المستشرقين في هذه العصور المتأخرة قد أعلنوا - بعد دراستهم للقرآن ولنبي القرآن - أن محمدا كان سليم الفطرة كامل العقل - إلى أن قال: - وبهذا كله وبما ثبت من سيرته ويقينه بعد النبوة جزموا بأنه كان صادقا فيما ادعاه، ومن أنبائه بأنه رسول الله - إلى أن قال: - ولقد وصل الأمر ببعض هؤلاء الباحثين الأجانب أن أعلن هذه الحقيقة: لو وجدت نسخة من القرآن ملقاة في فلاة ولم يخبرنا أحد عن اسمها ومصدرها لعلمنا بمجرد دراستها أنها كلام الله، ولا يمكن أن تكون كلام سواه (2). أدلة إعجاز القرآن: ومما يدل على إعجاز القرآن هو هذا التحدي القاطع لكل العرب ولغيرهم بأن يأتوا بمثله، قال تعالى: 1 - * (أم يقولون افتراه قل فائتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) * (3). 2 - * (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فائتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) * (4). 3 - * (أم يقولون افتراه قل فائتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) * (5). فمع أنهم فصحاء وبلغاء وخطباء، ومع هذا التحدي المطلق من دون تحديد وقت وزمان ولا اشتراط أن يكونوا ضمن عدد خاص، ومع تكرار هذا التحدي


(1) العنكبوت: 49. (2) مناهل العرفان: ج 2 ص 332. (3) هود: 13. (4) البقرة: 23. (5) يونس: 38. (*)

[ 188 ]

مرة بعد اخرى، ومع أنهم كانوا في منتهى الحرص على إطفاء نوره وإخفاء أمره على ما شهد به التاريخ، مع كل ذلك نرى أنهم لم يأتوا بسورة من مثله. فلو أنهم كانوا يقدرون على معارضته لما أحجموا عنها، فإنها ولا شك كانت أهون عليهم من إعلان الحرب التي قتل فيها ساداتهم وأبناؤهم. فهذا أدل دليل على عجزهم عن معارضته، ولا نعني بالمعجزة إلا هذا، وهو يدل على أن هذا القرآن من الله سبحانه. قال تعالى * (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) * (1). إذا، فالذي كان يمنعهم من الإقرار بنبوته (صلى الله عليه وآله) وبأحقية ما جاء به ليس إلا الهوى والحمية، وليس هو الجهل والحيرة. وقد أشار الجاحظ إلى ذلك حيث قال: بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب، ونصبوا له... الخ (2). قال الله تعالى * (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) * (3). وقال سبحانه * (إنه كان لآياتنا عنيدا) * (4). معارضات القرآن: قد نسب إلى البعض محاولته التصدي لمعارضته القرآن الكريم بعبارات ينبغي نقلها ليطلع عليها القارئ الكريم ويحكم هو بنفسه، وقد أنهى الرافعي عدد


(1) يونس: 37. (2) نقله عنه السيوطي في الإتقان: ج 2 ص 117. (3) النمل: 14. (4) المدثر: 16. (*)

[ 189 ]

هؤلاء إلى تسعة أشخاص على ما في كتابه " إعجاز القرآن " ونحن نذكر ثلاثة من هؤلاء على سبيل المثال: 1 - مسيلمة الكذاب، الذي تنبأ باليمامة في بني حنيفة على عهد رسول الله، وزعم أن له قرآنا ينزل عليه، ومن قرآنه هذا قوله - حين قال له عمرو بن العاص: أعرض علي ما تقول -: يا ضفدع نقي فإنك نعم ما تنقين، لا واردا تنفرين، ولا ماء تكدرين، يا وبر يا وبر، يدان وصدر، سائرك حفر نفر. قال الخطابي: إنه كلام خال من كل فائدة، لا لفظه صحيح، ولا معناه مستقيم، ولا فيه شئ من البلاغة، وإنما تكلم هذا الكلام الغث لأجل ما فيه من السجع (1). وقال مسيلمة - حول حيوان بري في مقابل كلامه السابق حول حيوان بحري -: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له مشفر طويل، وذنب أثيل، وما ذلك من خلق ربنا بقليل (2). وقد أحسن الخطابي في نقد هذا الكلام بقوله: يا فائل الرأي، افتتحت قولك به " الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل " فهولت وروعت، وصعدت وصوبت، ثم أخلفت ما وعدت، وعلى ذكر الذنب والمشقر اقتصرت، ولو كنت تعرف شيئا من قوانين الكلام وأوضاع المنطق ورسومه لم تحرف القول عن جهته، ولم تضعه في غير موضعه، أما علمت يا عاجز أن مثل هذه الفاتحة إنما تجعل مقدمة لأمر عظيم الشأن، فائت الوصف، متناهي الغاية في معناه، كقوله تعالى * (الحاقة * ما الحاقة * وما أدراك ما الحاقة) * و * (القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة) * فذكر يوم القيامة، وأتبعها من ذكر أوصافها، وعظيم أهوالها ما لاق بالمقدمة ؟ (3). هذا بالإضافة إلى أن هذا النسق من الكلام اسلوبه مقتبس من القرآن الكريم ومعلوم أن اقتباس الاسلوب وتبديل كلمة باخرى ليس مما يعارض به الأصل، لأن للمعارضة شروطا، منها: أن يأتي كل من الطرفين بأمر جديد محدث، يساوي


(1) بيان إعجاز القرآن للخطابي: ص 55. (2) بيان إعجاز القرآن: ص 55. (3) المصدر السابق: ص 66. (*)

[ 190 ]

به الآخر، أو يزيد عليه، لا تقليد أحدهما الآخر، والإتيان بمثل ما أتى به مع تغيير في الألفاظ. ومنها: أن يأتي أحدهما بأمر يكون فيه أدنى المشابهة للأصل، كأن يكون كلاهما في مدح شئ أو ذمه، وهكذا، وذلك مثل ما حكي عن امرئ القيس وعلقمة بن عبدة، اللذين تباريا في وصف الفرس، فقال امرؤ القيس: فللزجر الهوب وللساق درة * وللسوط منه وقع أهوج منعب (1) وقال علقمة: فعفى على آثارهن بحاصب * وغيبة شؤبوب من السد ملهب فأدركهن ثانيا من عناه * يمر كمر الرائح المتحلب وكانا قد حكما بينهما زوجة امرئ القيس، فقالت لزوجها: علقمة أشعر منك. فقال: وكيف ذلك ؟ قالت: لأنه وصف الفرس بأنه أدرك الطريدة من غير أن يجهده أو يكده، وأنت مريت فرسك بالزجر وشدة التحريك والضرب (2). ونحن نستبعد أن يكون مسيلمة قال تلك العبارات الواهية التي تشبه الهذيان، سيما وأن راوي حديث " يا ضفدع " هو سعيد بن نشيط، وهو مجهول لا يعرف على ما قيل (3). مضافا إلى أن بعض العلماء قال: إنه قد وجدت في كتب السير والتاريخ كلمات اخرى غير ما عارض القرآن، كلها موجزة غاية الإيجاز، مع قوة وفصاحة... الاولى: قوله لسجاح التميمية [ امرأة مسيلمة ] حين اجتمعت به: هل لك أن أتزوجك فآكل بقومي وقومك العرب ؟... الخ (4). 2 - أبو الطيب المتنبي، وقد ادعى النبوة في أول أمره، وكان ذلك في بادية


(1) البيت في ديوانه هكذا: فللساق الهوب وللسوط درة * وللزجر منه وقع أهوج منعب (2) بيان إعجاز القرآن: ص 59. (3) قال الذهبي في ميزان الاعتدال: سعيد بن نشيط لا يعرف مجهول. (4) رسالة الإسلام: السنة 11 ص 325. (*)

[ 191 ]

السماوة، وقيل: إنه تلا على أهل البوادي كلاما زعم أنه قرآن انزل عليه. وعن علي بن حامد أنه قال: نسخت واحدة منها (أي من تلك السور) وبقي في حفظي قوله: والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي أخطار، امض على سنتك، واقف أثر من قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه، وضل عن سبيله (1). ولقد ادعى أمرا عظيما حين قال: إن الله قامع بك... الخ من دون استثناء منهم، وذلك ما لم يحصل لمحمد (صلى الله عليه وآله)، وقد قال الله تعالى * (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) * (2). هذا، بالإضافة إلى أن الفلك ليس دوارا، بل هو مدار فضائي تدور فيه النجوم. وعن ابن خالويه النحوي أنه قال يوما في مجلس سيف الدولة: لولا أن الآخر جاهل لما رضي أن يدعى بالمتنبي، لأن متنبي معناه كاذب، ومن رضي أنه يدعى بالكذب فهو جاهل (3). كان هذا هو بعض معارضات القدماء للقرآن، وأما من المتأخرين فقد نقل عن: 3 - أحد المسيحيين - وهو مؤلف رسالة " حسن الإيجاز " حيث ذكر أنه عارض سورة الحمد بقوله: الحمد للرحمن، رب الأكوان، الملك الديان، لك العبادة، وبك المستعان، إهدنا صراط الإيمان. وتخيل أن هذه العبارة وافية بجميع ما تضمنته سورة الحمد، مع أخصريتها. ولقد وقع هذا المتوهم بما وقع فيه مسيلمة من تقليد اسلوب القرآن الكريم، وتبديل لفظ بلفظ آخر، وقد سبق أن هذا ليس من المعارضة في شئ. وأورد عليه بعض المحققين بامور، منها: أنه بدل قوله تعالى " الحمد لله " بقوله " الحمد للرحمن "، وغفل أن ما يقتضيه الحمد هو المعنى الجامع لجميع صفات الكمال، المفهوم من كلمة " الله ". وأما كلمة الرحمن فلا تناسب الحمد كما تناسبه


(1) إعجاز القرآن للرافعي: ص 184. (2) الذاريات: 55. (3) المنتظم لابن الجوزي: ج 7 ص 26. (*)

[ 192 ]

كلمة " الله "، وحذف أيضا من الحمد " الرحيم " والآيتين الأخيرتين، وتخيل أنه قد أتى بالأخصر، مع أن الحذف المفوت لبعض المعاني ليس تلخيصا، بل تفويت (1). وجه إعجاز القرآن: وبعد أن كان كل مسلم يجزم بإعجاز القرآن فإن معرفة وجه إعجازه تكون هي امنيته الفضلى، وقد اختلف في وجه إعجازه، وأنه هل هو فصاحة القرآن وبلاغته ؟ أو هو حسن اسلوبه ؟ أو هما مع غيرهما مما تضمنه القرآن من الأحكام والأخلاق والسياسات والإخبارات الغيبية، وتحققها على وفق ما أخبر به، إلى غير ذلك مما ذكره المحققون من وجوه الإعجاز فيه ؟ أو من جهة صرف الله الناس ومنعه إياهم عن الإتيان بمثل القرآن مع قدرتهم عليه، بحيث يكون الإعجاز في منعهم لا في نفس السور والآيات القرآنية كما ادعى البعض ؟ ولقد أجاد بعض الأساتذة هنا حيث قال: تكلم العلماء كثيرا عن إعجاز القرآن وأطالوا الكلام، وربما خيل إلى واحد منهم أنه قد أدرك ما أراد، ولكن هيهات، أنى يكون له ذلك، والمفروض أن القرآن إن أعجز العقول والقرائح فبالأولى أن يعجز الألسن - إلى أن قال: - أجل، إن العالم يفهم المعنى الذي يتبادر إلى ذهنه من لفظ القرآن وظاهره، ويستحيل عليه أن يحيط علما بجميع معانيه وأسراره. وعلى هذا، فإذا تحدث العالم عن أسرار القرآن فإنما يتحدث عن إعجاز ما فهمه هو من لفظ القرآن وظاهره، لا عن إعجاز القرآن كما هو في واقعه (2). ومن المحققين من اكتفى بنقل وجوه الإعجاز من دون أن يختار أحدها، فقال: إعجاز القرآن قيل: لفصاحته، وقيل: لاسلوبه وفصاحته، وقيل: للصرفة، والكل محتمل (3).


(1) تفسير البيان: ص 70. (2) فلسفة التوحيد والولاية للعلامة الشيخ محمد جواد مغنية: ص 113. (3) راجع تجريد الاعتقاد للشيخ نصير الدين الطوسي (رحمه الله). (*)

[ 193 ]

وقال القوشجي: اتفق الجمهور على أن إعجاز القرآن لكونه الطبقة العليا من الفصاحة والدرجة القصوى من البلاغة، والمراد بالفصاحة في عبارة المتن ما هو أعم منها ومن البلاغة، وإطلاقها على هذا المعنى شائع. وقال بعض المعتزلة: إعجازه لاسلوبه الغريب ونظمه العجيب، المخالف لما عليه كلام العرب في الخطب والرسائل والأشعار. وقال القاضي الباقلاني وإمام الحرمين: إن وجه الإعجاز هو اجتماع الفصاحة مع الاسلوب. - إلى أن قال: - وذهب النظام وكثير من المعتزلة والمرتضى إلى إعجازه بالصرفة، وهي أن الله تعالى صرف همم المتحدين عن معارضته، مع قدرتهم عليها (1). والذي يبدو لنا هو أن احتمال الصرفة منفي، لأنه لا يناسب ظواهر الآيات القرآنية الدالة على أن عجزهم عن الإتيان بمثل القرآن إنما لخصوصيته في القرآن نفسه، من الفصاحة والاسلوب وغيرهما من الامتيازات القرآنية، وهي: 1 - قوله تعالى * (قل أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) * (2). فيستفاد من هذه الآية - التي وقعت جوابا لقولهم * (لولا انزل عليه آيات من ربه) * - أن القرآن هو تلك الآية التي يطلبونها، وأنه كاف في ذلك، ولا سيما ملاحظة تعبيره تعالى بأن الكتاب يكفيهم، وإذا فالكتاب بنفسه هو الآية، وليست الآية هي منعهم عن معارضته والإتيان بمثله، كما هو مقتضى القول بالصرفة. 2 - قوله تعالى * (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين) * (3) ونظيره قوله تعالى * (فقال إن هذا إلا سحر يؤثر) * (4). والمستفاد من هذه الآية أنهم تعجبوا من حسن نظم القرآن واسلوبه، فقالوا: هو سحر، أو أساطير الأولين، فلو كان عدم تمكنهم من معارضته هو منعه تعالى لهم عن ذلك لكان المناسب أن يقولوا: إننا نتمكن من مجارات الآيات القرآنية،


(1) شرح تجريد الاعتقاد للقوشجي: ص 468. (2) العنكبوت: 51. (3) النحل: 24. (4) المدثر: 24. (*)

[ 194 ]

لكننا مسحورون أو ممنوعون عن ذلك، لا أن يقولوا: إنه سحر، أو أساطير الأولين، حيث إن معنى هذا هو أنهم قبلوا أنهم لا يقدرون على الإتيان بمثله، لأنه أساطير الأولين أو سحر. 3 - قوله تعالى * (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما انزل بعلم الله) * (1). فهذه الآية تدل على أنه إذا كان الكلام القرآني خارجا عن قدرتهم فيكون إذا منزلا من قبل الله القادر، لا أنهم إذا منعوا عن الإتيان بمثله كشف ذلك المنع عن كونه من الله تعالى، ككشف العصا عن كون موسى (عليه السلام) نبيا. فتلخص: أن ظواهر الآيات تؤيد قول من يقول: إن إعجاز القرآن ليس من جهة الصرفة والمنع. وثمة وجوه اخرى ذكروها لإبطال القول بالصرفة، لم نذكرها اكتفاء بما ذكرناه من دلالة الآيات القرآنية نفسها على خلافها، فمن أراد الاطلاع على سائر الردود فليراجع مظان وجودها. هذا كله بالإضافة إلى ضعف نفس ما استدلوا به على القول بالصرفة فإنهم قد استدلوا بوجهين: الأول أن فصحاء العرب كانوا يعرفون المفردات القرآنية، وكانوا أيضا قادرين على صياغة بعض الجمل التركيبية القرآنية، مثل: الحمد لله رب العالمين، وهذا معناه أنهم يقدرون على الإتيان بمثل السورة أيضا. واجيب عنه بأن حكم الجملة والسورة قد يخالف حكم الأجزاء. الثاني: أن الصحابة كانوا عند جمع القرآن يتوقفون في إثبات بعض السور والآيات إلى أن يشهد الثقات على أنها من القرآن، وقد بقي ابن مسعود مترددا في الفاتحة والمعوذتين. واجيب عنه بما تقدم منا من أن الجمع للقرآن إنما كان في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) (2) مضافا إلى أن الإعجاز ليس مما يظهر لكل أحد.


(1) هود: 14. (2) راجع بحث " من جمع القرآن ؟ " في هذا الكتاب. (*)

[ 195 ]

المختار في وجه الإعجاز: وأما ما نختاره في وجه إعجاز القرآن فهو يتلخص في أن التحدي لابد وأن يكون في أمر موجود في جميع السور القرآنية، حتى السورة القصيرة منه. إذا فالقول بأن التحدي بالإتيان بمثله ناظر إلى الإخبارات الغيبية التي في القرآن، أو حكاية قصص الماضين، أو إشاراته إلى مكارم الأخلاق، ونهيه عن رذائلها، أو غير ذلك مما ذكروه، مما لا يتأتى في كل سورة سورة منه، ولا نجد ما يعجزون عنه مما هو مشترك بين جيمع سور القرآن حتى القصار منها سوى جهة الفصاحة والبلاغة وحسن الاسلوب، وهذا ما أعجزهم حتى عن الإتيان بسورة من مثله. وذلك لا ينافي القول بأن القرآن الكريم كان معجزا لهم من نواح اخرى أيضا، مثل إخباراته عن جملة من الحوادث المهمة، والسير العجيبة التي وقعت من حين خلق الله آدم إلى حين مبعثه (صلى الله عليه وآله)، مع أنه امي لا يكتب ولا يقرأ، وكل الناس كانوا يعرفون أنه (صلى الله عليه وآله) لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين، أو مثل إخباراته الغيبية التي تحققت على وفق ما أخبر به، مما لا يمكن أن يقدر عليه البشر. ولكن هذان الموردان ونظائرهما من موارد الإعجاز لا يعم مختلف سور القرآن، إذ ليس في كل سورة إخبارات غيبيه ولا قصص عن الماضين أو غير ذلك مما تقدم. وما اخترناه في وجه إعجاز القرآن هو الظاهر من قوله تعالى * (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * (1). فإن من تدبر القرآن يجد أنه لا اختلاف في آياته ولا تفاوت في سوره، بل كل ما فيه في أحسن نظم وتأليف، متضمن لأصح المعاني بأفصح الألفاظ، من غير فرق في ذلك بين ما نزل في توحيد الذات وبين ما نزل في توحيد الصفات، وكذا لا فرق بين ما أرشد به الناس إلى محاسن الصفات وبين ما هداهم به إلى مساوئها، ولا فرق أيضا بين ما يبين الحلال والحرام وبين ما يحكي به القصص والأحوال.


(1) النساء: 82. (*)

[ 196 ]

وهذا بذاته يكشف عن أن هذا القرآن هو من عند الله تبارك وتعالى. وإدراك ذلك لا يتوقف على النبوغ في علوم المعاني والبيان والمحسنات البديعية، بل هو في القرآن بحد أنه ربما يعرفه ويكتشف حسنه حتى من لم يكن من أهل تلك العلوم ولا من النوابغ فيها. نعم، لو أراد شخص الاطلاع على محاسن القرآن تفصيلا فعليه أن يطالع ما الف من الكتب حول إعجاز القرآن، ويتأمل ويتدبر، مثل دلائل الإعجاز للشيخ عبد القاهر الجرجاني، الذي قال في مدخل كتابه ما حاصله: إن من أراد الاطلاع على ما في القرآن من عظيم المزية وباهر الفضل وعجيب الوصف فينبغي له أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه (1). ولا يخفى أن هذا التناسق العجيب في الاسلوب وهذا الإعجاز في فصاحته وبلاغته مختص بالقرآن الكريم، حيث لا تفاوت بين أوله وآخره، ولا بين آياته وكلماته، وهذا بخلاف ما صدر من البشر، من الخطب والمدائح والأهاجي. فلربما يوجد الاختلاف حتى في الخطب أو الأشعار، بل وحتى القصيدة الواحدة والخطبة الواحدة للشاعر والخطيب الواحد. وكذا الاختلاف بين المدح والهجاء، وبين ما يقوله في وصف الخمر وبين ما قاله في وصف الرياض، فإن القدرة البشرية محدودة، قد لا تصل إلى الكل في مستوى واحد وعلى نسق واحد. خلاصة البحث: فتحصل مما ذكرناه: أن النبي يحتاج في صدق دعواه إلى المعجز، وأن أهم معجزات نبينا (صلى الله عليه وآله) هو القرآن الكريم، وأنما يتحدى به الناس هو الإتيان بسورة واحدة تشبه سوره في الفصاحة والبلاغة والاسلوب. وهذا لا ينافي أن يكون القرآن معجزا من نواح اخرى. وأن من يتدبر القرآن يعرف أنه من الله تعالى ولو لم يكن له مهارة في الآداب والعلوم العربية المبينة لوجوه الفصاحة والبلاغة. والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين.


(1) مقدمة دلائل الإعجاز: ص 6. (*)

[ 197 ]

الناسخ والمنسوخ في القرآن النسخ في اللغة: النسخ لغة يأتي بمعنى الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، والشيب الشباب، أي أزاله. أو بمعنى النقل، يقال: نسخت الكتاب، أي نقلته، كما في بعض المعاجم (1). وهل هو مشترك بين المعنيين ؟ وحقيقة فيهما ؟ أو حقيقة في أحدهما ومجاز في الآخر ؟ أقوال، والبحث فيه موكول إلى اللغة، ولا يهمنا المعنى اللغوي هنا كثيرا. النسخ في الاصطلاح الشرعي: وأما اصطلاحا فقد اختلفت كلمات العلماء فيه: فقال شيخ الطائفة: إن استعمال هذه اللفظة في الشريعة على خلاف موضوع اللغة، وإن كان بينهما تشبيها. ووجه التشبيه أن النص إذا دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتا بمنزلة المزيل لذلك الحكم


(1) راجع أقرب الموارد ومجمع البحرين. (*)

[ 198 ]

لأنه لولاه لكان ثابتا (1). ولعله يريد من قوله " على خلاف موضوع اللغة " هو أن النسخ في الحقيقة دفع لا رفع، فالنسخ حينئذ ليس مزيلا حقيقة إلا باعتبار ما قاله من التشبيه. وعن الفخر الرازي: أن الناسخ هو اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأول. وعن الغزالي: هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه (2). وقد اورد على الرازي والغزالي بأن ذلك حد للناسخ لا للنسخ. واجيب بأن النسخ كما يطلق على الرفع كذلك يطلق على ما يدل عليه. وكيف كان، فلا خفاء فيما أرادوه من النسخ، وإن كانت ألفاظهم قاصرة في بيان حده، وهو: رفع الحكم الثابت على وجه لولاه لكان ثابتا. وإذا جاء الناسخ رفعه من حينه، وهذا بخلاف التخصيص، فإنه يخرج الخاص من تحت العام من حين صدور العام. نعم، قد نقل عن بعض الأصحاب إطلاق النسخ على التخصيص أيضا، وسيأتي إن شاء الله تعالى. إمكان النسخ: ثم إن أقوى دليل على إمكان النسخ بالمعنى المذكور هو وقوعه شرعا، وفي القرآن آيات ناسخة لأحكام ثابتة بآيات اخرى، وآيات اخرى قد ادعي أيضا النسخ فيها، سوف يأتي الحديث عنها بالتفصيل عن قريب إن شاء الله. ولكن بعض فرق اليهود قد ادعت استحالة النسخ استنادا إلى أنه يستلزم أن يكون الشئ الواحد حسنا وقبيحا في آن واحد، لأن ثبوت حكم إنما يكون عن مصلحة فيه، فإذا نسخ فإنما ينسخ لمفسدة فيه، فاجتمع فيه الصلاح والفساد في آن واحد.


(1) عدة الاصول: ج 2 ص 25. (2) الفصول في الاصول: ص 232. (*)

[ 199 ]

واجيب عنه بأن الحسن والقبح في الأشياء ليسا ذاتيين دائما، بل ربما كانا بالوجوه والاعتبارات، فيكون الشئ الواحد ذا صلاح في زمان وقبيحا وذا فساد في آخر، وذلك مثل شرب الأدوية وأكل الأغذية الذي قد يكون فيه مصلحة في زمان ومفسدة في آخر، وموارد النسخ من هذا القبيل. واستدل المحيلون للنسخ أيضا بأن إزالة الحكم الثابت يستلزم البداء الناشئ عن الجهل، كما يشاهد في العباد الذين ربما يرون في بعض الأشياء مصلحة فيأمرون به، ثم يرون أنهم اشتبهوا وأنه كان فيه مفسدة فينهون وينسخون. وأما الباري تعالى فلا يتصور فيه البداء لأنه بكل شئ عليم. واجيب بأن النسخ إذا كان من الله فليس رفعا بل دفع، وليس بداء بل إبداء منه تعالى، بأنه قد انقضى أمد حكم كان يظهره الله على حد الدوام لمصلحة يراها جل جلاله. هذا بالإضافة إلى وقوع النسخ في العهدين، حسب ما جاء في بعض الكتب العلمية (1). أقسام النسخ ومحل البحث منها: هذا وقد ذكروا للنسخ أقساما ثلاثة، فإنه: 1 - تارة يقع على التلاوة للآيات. 2 - واخرى عليها وعلى الحكم الذي دلت عليه. 3 - وثالثة يقع على الحكم فقط، وهذا هو المهم في بحثنا هنا. فلنذكر الآيات التي ادعي نسخها، ونذكر ما قيل أو ما ينبغي أن يقال فيها. وقبل ذلك لا بأس بالإشارة إلى أمر مهم، وهو أن الاستثناء أو التخصيص أو الغاية إذا حصلت فليست نسخا، ولعل الأمر قد اشتبه على من أكثر في موارد النسخ، حيث ذكر موارد لا تدخل تحت النسخ، أو لعله جرى في ذلك على


(1) راجع القوانين للميرزا القمي: ج 2 باب النسخ، وتفسير البيان للإمام الخوئي: باب النسخ. (*)

[ 200 ]

اصطلاح خاص عنده غير مشهور عندنا. ولذا فنحن سوف لا نتعرض لتلك الموارد، بل نكتفي بالتحقيق في الموارد العشرين التي ذكرها في الإتقان على أنها من موارد النسخ، وتمييز ما يدخل في النسخ منها من غيره، وقد نظمها السيوطي في أبيات له مراعيا في ذلك ترتيب السور القرآنية، وهي: وقد أكثر الناس في المنسوخ من عدد * وأدخلوا فيه آيا ليس تنحصر وهاك تحرير آي لا مزيد لها * عشرين حررها الحذاق والكبر آي التوجه حيث المرء كان وأن * يوصي لأهليه عند الموت محتضر وحرمة الأكل بعد النوم مع رفث * وفدية لمطيق الصوم مشتهر وحق تقواه فيما صح من أثر * وفي الحرام قتال للالى كفروا والاعتداد بحول مع وصيتها * وأن يدان حديث النفس والفكر والحلف والحبس للزاني وترك اولي * كفر وإشهادهم والصبر والنفر ومنع عقد لزان أو لزانية * وما على المصطفى في العقد محتظر ودفع مهر لمن جاءت وآية نجواه * كذاك قيام الليل مستطر وزيد آية الاستئذان من ملكت * وآية القسمة الفضلى لمن حضروا (1) ولتفصيل الكلام في هذه الموارد وإحقاق الحق فيها نفيا أو إثباتا نقول: آية التوجه: 1 - قوله تعالى * (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم) * (2). قال السيوطي في الإتقان: إنها - على رأي ابن عباس - منسوخة بقوله تعالى * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * (3).


(1) الإتقان: ج 2 ص 23. (2) البقرة: 115. (3) البقرة: 144. (*)

[ 201 ]

وعن تفسير النعماني (1) - الذي نقله المجلسي (2) ولخصه السيد علم الهدى في رسالة المحكم والمتشابه - عن علي (عليه السلام) أنه كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أول مبعثه يصلي إلى بيت المقدس جميع أيام بقائه بمكة، وبعد هجرته إلى المدينة بأشهر عيرته اليهود وقالوا: أنت تابع لقبلتنا، فأحزن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك منهم، فأنزل الله عليه - وهو يقلب وجهه في السماء وينتظر الأمر - * (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) * الآية (3). وقال الزرقاني: إنه لا تعارض بين الآيتين حتى تكون إحداهما نسخا، فإن معنى قوله تعالى " ولله المشرق والمغرب... الخ " أن الآفاق كلها لله، وليس الله في مكان خاص منها، وليس له جهة معينة فيها، وإذا فله أن يأمر عباده باستقبال ما يشاء من الجهات في الصلاة، وله أن يحولهم من جهة إلى جهة (4). وقريب منه ما في تفسير بعض الأعاظم، بل كلامه أتى من كلام الزرقاني، حيث قال في تفسير قوله تعالى * (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب) * الآية (5): أما اعتراضهم فهو أن التحول عن قبلة شرعها الله سبحانه للماضين من أنبيائه إلى بيت ما كان به شئ من هذا الشرف الذاتي ما وجهه ؟ فإن كان بأمر من الله فإن الله هو الذي جعل بيت المقدس قبلة، فكيف ينقض حكمه وينسخ ما شرعه ؟ واليهود ما كانت تعتقد النسخ. وإن كان بغير أمر الله ففيه الانحراف عن مستقيم الصراط، والخروج من الهداية إلى الضلال، وهو تعالى وإن لم يذكر في كلامه هذا الاعتراض إلا أن ما أجاب به يلوح ذلك.


(1) قال الشيخ النوري في خاتمة المستدرك ص 365: إن التفسير للشيخ الجليل الأقدم أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني الكاتب - إلى أن قال: - إن الكتاب في غاية الاعتبار، وصاحبه شيخ أصحابنا الأبرار. (2) بحار الأنوار: ج 93 ص 1. (3) البقرة: 144. (4) مناهل العرفان: ج 2 ص 152. (5) البقرة: 142. (*)

[ 202 ]

وأما الجواب فهو: أن جعل بيت من البيوت كالكعبة أو بناء من الأبنية أو الأجسام كبيت المقدس أو الحجر الواقع فيه قبلة ليس لاقتضاء ذاتي منه، يستحيل التعدي عنه، أو عدم إجابة اقتضائه، حتى يكون بيت المقدس في كونه قبلة لا يتغير حكمه ولا يجوز إلغاؤه، بل جميع الأجسام والأبنية وجميع الجهات التي يمكن أن يتوجه إليها الإنسان في أنها لا تقتضي حكما ولا تستوجب تشريعا على السواء، وكلها لله يحكم فيها ما يشاء وكيف يشاء (1). وعليه، فيمكن القول: إن قوله تعالى " ولله المشرق والمغرب " ليس فيه إنشاء حكم مستحب أو واجب، بل أراد الله تعالى أن يدفع إشكالا أوردوه على تحويل القبلة، فهو يريد أن يقول: إن جميع الأرض شرقها وغربها عنده تعالى سيان، وله أن يأمر الناس أولا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم يأمرهم بالتوجه إلى الكعبة، فلا إشكال. ولكن يبقى في المقام سؤال هو: أنه كيف إذا يصح تمسك الأئمة (عليهم السلام) بقوله تعالى " أينما تولوا فثم وجه الله " على جواز الصلاة إلى غير القبلة، وذلك كما في الرواية المروية عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل يقرأ السجدة وهو على ظهر دابته، قال: يسجد حيث توجهت، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يصلي على ناقته النافلة وهو مستقبل المدينة، يقول " فأينما تولوا فثم وجه الله " (2). فهذا الحديث يدل بظاهره على أن الآية في مقام إنشاء الحكم، حيث استدل بها الإمام، فكيف يصح ما تقدم من أنها ليست في مقام إنشاء الحكم ؟ واجيب بأنه لا تنافي بين ما قلناه وبين استدلال الإمام (عليه السلام) بالآية على جواز السجدة حيث توجهت، فإن ذكره (عليه السلام) للآية لعله لدفع توهم المستشكل، أي ليفهم أن جميع الجهات هي لله لا للاستدلال بها على الحكم الشرعي. إن الصلاة إذا كانت على الناقة إلى غير القبلة كانت صحيحة، لأن النافلة يشترط فيها فقط


(1) تفسير الميزان: ج 1 ص 318. (2) تفسير البرهان للسيد البحراني: في تفسير آية 115 من سورة البقرة. (*)

[ 203 ]

التوجه لله، والجهات كلها لله، بخلاف الفريضة فإنها يجب فيها التوجه إلى الكعبة بإجماع المسلمين، بل يستفاد وجوب ذلك من قوله تعالى: " وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره " فإن وجوب استقبال الكعبة في الصلاة لا يتصور إلا إذا كانت الصلاة واجبة. هذا بالإضافة إلى ما ورد عن الأئمة (عليهم السلام) من اختصاص قوله تعالى " وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره " بالفريضة، وذلك مثل ما روي بسند صحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا استقبلت القبلة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، فإن الله عز وجل قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) في الفريضة " فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره "... الحديث (1). وهكذا، فإن النتيجة تكون: أنه ليس بين الآيات تناف لتكون إحداهما ناسخة للاخرى. آية الوصية: 2 - قوله تعالى * (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين) * (2). قال في الإتقان: الآية منسوخة، قيل بآية المواريث، وقيل بحديث: ألا لا وصية لوارث، وقيل بالإجماع (3). ولم يعدها في تفسير النعماني من الآيات التي نقلها عن علي أنها من المنسوخات مما يدل على أنها ليست منها. وقال كمال الدين عبد الرحمن العتائقي: قالوا: نسخت الوصية للوالدين بآية المواريث، وهي * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) * (4) - إلى أن


(1) تفسير البرهان: في تفسير آية 144 من سورة البقرة. (2) البقرة: 180. (3) الإتقان: ج 2 ص 22. (4) النساء: 11. (*)

[ 204 ]

قال: - وفي هذا نظر، لأن هذه الآية لا تنافي ذلك. ويؤيد ذلك ما روي عن الضحاك، فإنه قال: من لم يوص لقرابته فقد ختم عمله بمعصية. وقال الحسن وقتادة وطاووس والعلاء بن يزيد ومسلم بن يسار: هي محكمة غير منسوخة (1). وقال الإمام الخوئي: والحق أن الآية محكمة غير منسوخة. وقال بعض الأعاظم بعد ذكر الآية: لسان الآية لسان الوجوب، فإن الكتابة تستعمل في القرآن في مورد القطع واللزوم، ويؤيده ما في آخر الآية من قوله " حقا " فإن الحق أيضا كالكتابة يقتضي معنى اللزوم، لكن تقييد الحق بقوله " على المتقين " مما يوهن الدلالة على الوجوب والعزيمة، فإن الأنسب بالوجوب أن يقال: حقا على المؤمنين. وكيف كان، فقد قيل: إن الآية منسوخة بآية الإرث، ولو كان كذلك فالمنسوخ هو الفرض دون الندب وأصل المحبوبية (2). والذي يستفاد من كلامه - ولو كان كذلك - أن النسخ غير ثابت عنده، مضافا كما أنه قد استفاد من تقييد الحق بكونه " على المتقين " أن نظر الآية إلى الاستحباب، وهو كذلك أيضا، فإن الاستحباب باق ولم ينسخ جزما. ثم إن المستفاد من الفقهاء الإمامية رضوان الله عليهم هو أن الوصية للوالدين والأقربين نافذة من دون نقل إشكال من أحدهم على هذا أو نقل قول من أحد بنسخ الآية الدالة على ذلك. قال المحقق الحلي: تصح الوصية للأجنبي والوارث. وقال الشيخ محمد حسن في شرحه: بلا خلاف بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه (3). وأما غير الإمامية فيقول ابن رشد: إنهم اتفقوا على أن الوصية لا تجوز لوارث لقوله (صلى الله عليه وآله): لا وصية لوارث - إلى أن قال: - وأجمعوا كما قلنا إنها لا تجوز لوارث


(1) الناسخ والمنسوخ للعتائقي الحلي من علماء المائة الثامنة: ص 30. (2) تفسير الميزان: ج 1 ص 439. (3) جواهر الكلام: ص 675 كتاب الوصية الطبع القديم. (*)

[ 205 ]

إذا لم تجزها الورثة (1). وكلامهم كما تراه ناظر إلى الوارث لا الأقربين مطلقا، بل هو يختص بالوارث إذا لم تجز الورثة ذلك. وكيف كان، فإننا لا نرى وجها لنسخ آية الوصية للوالدين والأقربين، بعد ثبوت حكمها وتأييده بالروايات المروية عن الأئمة (عليهم السلام) بالأسانيد المعتبرة، ونذكر منها ما رواه الحر العاملي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الوصية للوارث، فقال: تجوز. قال: ثم تلا هذه الآية * (إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين) * (2). نعم، قد ذكرنا قبل قليل أن أهل السنة قد ذكروا حديثا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا وصية لوارث، فمن ثبت هذا عنده وكان ممن يرى نسخ القرآن بالسنة فلابد وأن يقول بالنسخ بالنسبة للوارث فقط، لا مطلق الأقربين. آية الصيام: 3 - قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) * (3). قال في الإتقان نقلا عن ابن عربي: إنه منسوخ بقوله تعالى * (احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن) * (4). والقول بالنسخ هنا مبني على أن التشبيه في قوله " كما كتب " تشبيه في جميع الجهات في أصل الصوم، وفي عدده، وفي كل مكان شرطا لصوم " الذين من


(1) بداية المجتهد لابن رشد: ج 2 ص 328. (2) وسائل الشيعة: ج 13 ص 374 ب 15 من أبواب أحكام الوصايا ح 2، والآية 180 من سورة البقرة. (3) البقرة: 183. (4) البقرة: 187. (*)

[ 206 ]

قبلنا "، والمعروف أنه كان من جملة شروط صحة صيامهم الإمساك عن الرفث في الليل، فنسخ بقوله " احل لكم... الخ ". وأما إذا قلنا: إن التشبيه إنما هو في أصل الوجوب لا في جهات اخرى وفاقا لبعض العلماء (1) فلا تعارض بين الآيتين ولا نسخ في البين. نعم، تكون الآية الثانية ناسخة للحكم الثابت بالسنة. ففي تفسير النعماني عن علي (عليه السلام): إن الله تعالى لما فرض الصيام فرض أن لا ينكح الرجل أهله في شهر رمضان على معنى صوم بني إسرائيل في التوراة، فكان ذلك محرما على هذه الامة. وكان الرجل إذا نام في أول الليل قبل أن يفطر قد حرم عليه الأكل بعد النوم، أفطر أو لم يفطر، وكان رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعرف بمطعم بن جبير شيخا، فكان الوقت الذي حفر فيه الخندق حفر في جملة من المسلمين، وكان ذلك في شهر رمضان، فلما فرغ من الحفر وراح إلى أهله صلى المغرب، وأبطأت عليه زوجته بالطعام فغلب عليه النوم، فلما أحضرت الطعام أنبهته، فقال لها: استعمليها أنت، فإني قد نمت وحرم علي، وطوى ليلته وأصبح صائما، فغدا إلى الخندق فجعل يحفر مع الناس، فغشي عليه، فسأله رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن حاله فأخبره، وكان من المسلمين شبان ينكحون نساءهم بالليل سرا لقلة صبرهم، فسئل النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك فانزل عليه: " احل لكم ليلة الصيام الرفث - إلى قوله تعالى: - وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل " فنسخت الآية ما تقدمها. والمراد من قوله (عليه السلام) " نسخت الآية ما تقدمها " أنها نسخت ما ثبت من الحكمين، وهما حرمة الرفث في الليل، وحرمة أكل الطعام والشراب إذا نام قبل أن يفطر، كما هو ظاهر قوله (عليه السلام) " لما فرض الصيام فرض أن لا ينكح الرجل أهله في شهر رمضان بالليل والنهار ". فالآية نسخت الحكمين اللذين ثبتا بالسنة، لا أ نها نسخت ما يستفاد من قوله تعالى " كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين


(1) كالإمام الخوئي في تفسير البيان: ص 206، والزرقاني في مناهل العرفان: ج 2 ص 155. (*)

[ 207 ]

من قبلكم " لأنها تدل على وجوب أصل الصوم على هذه كالتي قبلها، وهو ثابت لم ينسخ. وأما الحكمان المتقدمان فهما مستفادان من الأخبار كالرواية المتقدمة، وكالذي ذكره الجصاص حول الآية، حيث قال: إنه كان من حين يصلي العتمة يحرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى القابلة، رواه عطية عن ابن عباس. وعن معاذ: أنه كان يحرم ذلك عليهم بعد النوم، وكذلك ابن أبي ليلى عن أصحاب محمد، قالوا: ثم إن رجلا من الأنصار لم يأكل ولم يشرب حتى نام، فأصبح صائما، وأجهده الصوم - إلى أن قال: - ونسخ به تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم. آية كفارة الصوم: 4 - قوله تعالى * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له) * (1). قال في الإتقان: قيل: إنها منسوخة بقوله * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (2). وقيل: محكمة. وقال العتائقي: هذه الآية نصفها منسوخ ونصفها محكم، وكان الرجل إذا شاء صام، وإذا شاء أفطر وأطعم مسكينا، ثم قال تعالى " فمن تطوع خيرا " فأطعم مسيكنا " فهو خير له "، فنسخ بقوله " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " تقديره: فمن شهد منكم الشهر حيا حاضرا صحيحا عاقلا بالغا فليصمه. وقال الطبرسي في تفسيره مجمع البيان: خير الله المطيقين الصوم من الناس كلهم بين أن يصوموا ولا يكفروا وبين أن يفطروا ويكفروا عن كل يوم بإطعام مسكين، لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم، ثم نسخ بقوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه ". ويقول البعض: إنه روي عن أبي سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت الآية " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " كان من شاء منا صام، ومن شاء أن


(1) البقرة: 184. (2) البقرة: 185. (*)

[ 208 ]

يفتدي فعل، حتى نسختها الآية بعدها (1). ثم لا يخفى أن النسخ مبني على أن يكون المراد من قوله تعالى " يطيقونه " هو يسعونه ويقوون عليه، كما في مجمع البيان، حيث قال: يقال: طاق الشئ يطوقه، وأطاق إطاقة إذا قوي عليه. وكذا قال غيره (2). وأما إذا كان المراد منه ما قاله بعض المحققين (3) من أن معنى " يطيقون الصوم " أن الصوم على قدر طاقتهم، بأن يكونوا قادرين عليه لكن مع الشدة والحرج، فلا نسخ، لبقاء الحكم بالتخيير على من كان الصوم عليه حرجيا كالشيخ والشيخة، فيجوز لهم: إما الفدية، وإما الصوم، لكن الصوم خير لهم. " وأن تصوموا خير لكم ". ثم نقل عن تفسير المنار نقلا عن شيخه: أنه لا تقول العرب أطاق الشئ إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف بحيث يتحمل به مشقة شديدة. وفي تفسير الجلالين مثل لقوله تعالى " يطيقونه " بالشيخ والمريض لكنه قدر كلمة " لا ". وكيف كان، فإن التأمل في الآيتين يعطي أن المراد من قوله تعالى " وعلى الذين... الخ " غير ما يراد من قوله تعالى قبلها " كتب عليكم الصيام - إلى قوله: - فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام اخر ". والحقيقة أن المستفاد هاهنا أحكام ثلاثة: وجوب أصل الصوم، وخروج المسافر والمريض عن العموم، ووجوب القضاء عليهما في أيام اخر. وهذا الأخير هو حكم الذين يكون الصوم عليهم حرجيا، وكان على قدر طاقتهم لا دونها. والذي يسهل الأمر هو ورود أخبار كثيرة دالة على أن المراد من هؤلاء الشيخ الكبير وذو العطاش، وذلك مثل ما رواه السيد البحراني في تفسيره البرهان، بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " قال (عليه السلام): الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش.


(1) مناهل العرفان: ج 2 ص 155. (2) راجع أقرب الموارد: مادة " طوق ". (3) هو الإمام الخوئي في تفسير البيان: ص 208. (*)

[ 209 ]

ومثل ما روي عن علي (عليه السلام): أنه تأول قوله تعالى " وعلى الذين يطيقونه " على الشيخ الكبير (1). وما روي عن ابن عباس أنه قال: إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على الولد (2). والحاصل: أن المراد من قوله تعالى " وعلى الذين يطيقونه " من كان في الصوم عليه حرج ومشقة، كما تدل عليه الأحاديث الكثيرة، إما بإفادة اللفظ له وضعا، أو بتقدير كلمة " لا " في الجملة. وعلى التقديرين فالمراد منه هو الشيخ والشيخة وأمثالهما ممن يكون في الصوم عليه حرج ومشقة. وهذا الحكم قد بقي في الشريعة، ولم ينسخ كما يظهر لمن راجع الكتب الفقهية. المورد الخامس: قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) * (3). قال في الإتقان: قيل: إنه منسوخ بقوله تعالى * (فاتقوا الله ما استطعتم) * الآية (4). وقال العتائقي في جملة ما قال: فقالوا: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ما حق تقاته ؟ فقال: أن يطاع ولا يعصى وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. قالوا: ومن يطيق ذلك ؟ (و) نسخها قوله تعالى " فاتقوا الله ما استطعتم " (5). وعدها في تفسير النعماني مما رواه عن علي (عليه السلام) من المنسوخات. ونجد في قبال هؤلاء من يقول بعدم النسخ، كالشيخ الزرقاني، حيث قال في مناهل العرفان ما حاصله: إنها غير منسوخة، فإن معنى تقوى الله حق تقاته هو الإتيان بما يستطيعه المكلفون، دون ما خرج عن استطاعتهم، وعلى هذا


(1) أحكام القرآن للجصاص: ج 1 ص 221. (2) تفسير الجلالين: في تفسير الآية. (3) آل عمران: 102. (4) التغابن: 16. (5) راجع الناسخ والمنسوخ للعتائقي الحلي. (*)

[ 210 ]

فلا تعارض بين الآيتين، بل تكون إحداهما مفسرة للاخرى، فلا نسخ. ولكن الذي يبدو لنا هو أن المستفاد من قوله " حق تقاته " أمر أعظم وأشد مما يستفاد من قوله تعالى " ما استطعتم "، وكأن الآية الاولى تدل على أنه يجب تحصيل ما أراده الله تعالى وأحبه، وترك ما نهى عنه وأبغضه بأي وجه أمكن وبأي طريق، فلابد من أن يتحرز المكلف من النسيان والغفلة، ولو بالاحتياطات الشاقة التي تمنع ذلك، ومعلوم أن هذا أمر صعب جدا. وأما الآية " ما استطعتم " فهي تخفف ذلك، وتقول: إننا الآن نطلب منكم قدر وسعكم، أي بمقدار الوسع العرفي لا العقلي، فحينئذ يكون بين الآيتين تعارض، فلابد من القول بالنسخ. وهذا المعنى هو الذي يظهر من كل مورد وقع فيه نظير هذا التعبير، كقوله تعالى * (ما قدروا الله حق قدره) * (1)، وقوله سبحانه * (فما رعوها حق رعايتها) * (2). وكقول الإمام (عليه السلام) لمعاوية بن وهب: يا معاوية، ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في ملك الله ويأكل نعمته ثم لا يعرف الله حق معرفته (3). ومن المعلوم أن معاوية بن وهب - مع جلالته وعظم شأنه - لم يكن يفقد المعرفة المتعارفة بالله عز وجل، وإنما استحق العتاب منه (عليه السلام) بسبب عدم وصوله إلى حق المعرفة التي ترتفع عن مستوى المعرفة المتعارفة. إذا، فيستفاد من كلمة " حق تقاته " درجة من التقوى تزيد على الدرجة التي تستفاد من قوله " ما استطعتم ". فتكون هذه ناسخة لتلك. هذا بالإضافة إلى أنه قد روي عدد من الروايات الدالة على النسخ في هذه الآية عن أئمة الهدى (عليهم السلام)، ونحن نذكر على سبيل المثال:


(1) الزمر: 67. (2) الحديد: 27. (3) سفينة البحار: مادة " عرف ". وفيها: أن معاوية بن وهب سأل الإمام (عليه السلام) وقال: ما تقول: يابن رسول الله في الخبر الذي روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى ربه على أي صورة يراه - إلى أن قال: - فتبسم (عليه السلام) فقال: ما أقبح بالرجل... الخ، ثم قال: إن محمدا لم ير الرب تبارك وتعالى بمشاهدة العيان. (*)

[ 211 ]

1 - ما رواه السيد هاشم البحراني بسند صحيح عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل " اتقوا الله حق تقاته " قال: يطاع ولا يعصى، ويذكر ولا ينسى، ويشكر ولا يكفر (1). 2 - ما رواه أيضا في حديث آخر أنه (عليه السلام) قال: " اتقوا الله " منسوخة، قلت: وما نسخها ؟ قال: قول الله " اتقوا الله ما استطعتم ". إلى غير ذلك من الروايات الدالة على النسخ عن أهل البيت (عليهم السلام). 3 - وفي تفسير الجلالين قال في بيان الآية: بأن يطاع ولا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر ولا ينسى، فقالوا: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله): ومن يقوى على هذا ؟ فنسخ بقوله تعالى " فاتقوا الله ما استطعتم ". المورد السادس: قوله تعالى: * (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به) * (2). قال في الإتقان: إنها منسوخة بقوله تعالى * (وقاتلوا المشركين كافة) * (3). وقال العتائقي: إنها منسوخة بقوله * (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) * (4). وعبر الزرقاني في المناهل عن ذلك بلفظ " قيل ". ونجد في قبال هؤلاء من يقول بعدم النسخ فيها، وأنها من المحكمات، ولم يعدها النعماني من المنسوخ المنقول عن علي. وعدم النسخ محكي عن عطاء (5)، وبه قال الزرقاني في المناهل، والإمام الخوئي في تفسير البيان. وقال الطبرسي بعد نقله النسخ عن قتادة وغيره: إن تحريم القتال في أشهر الحرم وعند المسجد الحرام باق عندنا على التحريم فيمن يرى لهذه الأشهر حرمة،


(1) تفسير البرهان: ج 1 ص 304. (2) البقرة: 217. (3) التوبة: 36. (4) التوبة: 5 (5) مناهل العرفان: ج 2 ص 156. (*)

[ 212 ]

ولا يبتدئون فيها القتال، وكذلك في الحرم. وإنما أباح الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) قتال أهل مكة عام الفتح، فقال (صلى الله عليه وآله): إن الله أحلها لي في هذه الساعة، ولم يحلها لأحد من بعدي إلى يوم القيامة (1). ثم إن التأمل في هذه الآية يعطي أنها محكمة غير منسوخة، فإنها قررت تحريم القتال في الشهر الحرام، حين ورد فيها قوله تعالى " قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله " ولكن لو كان القتال جزاء لما هو أعظم وأشد منه لم يكن فيه بأس. ويستفاد من الآية أنها وقعت عن سؤال حول قضية حدثت آنذاك، ولعلها هي ما في تفسير البرهان في بيان هذه الآية: عن علي بن إبراهيم: أنه كان سبب نزولها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما هاجر إلى المدينة بعث السرايا إلى الطرقات التي تدخل مكة، يتعرض بعير قريش، حتى بعث عبد الله بن جحش في نفر من الصحابة إلى النخلة - إلى أن قال: - وقد نزلت العير وفيهم عمرو بن عبد الله الحضرمي، وكان حليفا لعتبة بن ربيعة، فقال ابن الحضرمي: هؤلاء قوم عباد ليس علينا منهم بأس، فلما اطمأنوا ووضعوا السلاح حمل عليهم عبد الله بن جحش فقتل ابن الحضرمي وقتل أصحابه، وأخذوا العير بما فيها وساقوها إلى المدينة. فكان ذلك أول يوم من رجب من أشهر الحرم، فعزلوا العير وما كان عليها، ولم ينالوا منها شيئا. فكتبت قريش إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنك استحللت الشهر الحرام، وسفكت فيه الدم، وأخذت المال. وكثر القول في هذا، وجاء أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالوا: يا رسول الله، أيحل القتل في الشهر الحرام ؟ فأنزل الله " يسألونك عن الشهر الحرام " الآية. فتحصل: أن القتال الذي وقع في الشهر الحرام بإذن النبي (صلى الله عليه وآله) لا يدل على نسخ حرمة القتال فيه، لأنه إنما كان جزاء لما هو أعظم وأشد. هذا بالإضافة إلى أن صدر الآية - وهو قوله: " قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به... الخ " - يأبى عن النسخ، إذ كيف ينسخ أمر كبير فيه صد وكفر ؟ !


(1) تفسير مجمع البيان: ج 1 ص 312. (*)

[ 213 ]

وكيف يصح تجويز أمر كهذا ؟ ! إلا أن يكون عقابا لهم على ذنب أعظم وأشد، وهذا الذنب قد اشير إليه في ذيل الآية، حيث قال * (وإخراج أهله منه أكبر عند الله) * الآية. وأما قوله تعالى " فقاتلوا المشركين كافة " فهو وإن كان له عموم زماني بمقتضى إطلاقه فيشمل الشهر الحرام بالإطلاق إلا أن النهي الصريح عن القتال فيه يقيد هذا العموم، ويكون وجوب قتال المشركين مختصا بغير الأشهر الحرم. ويؤيد ذلك الإجماع المنقول عن الطبرسي على أن التحريم باق إلى الآن، وقد سبق. وقال العلامة الحلي: كان الغرض في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) الجهاد في زمان ومكان دون آخر، أما الزمان فإنه كان جائزا في جميع السنة، إلا في الأشهر الحرم - وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم - لقوله تعالى " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ". - إلى أن قال: - إذا عرفت هذا فإن أصحابنا قالوا: إن تحريم القتال في أشهر الحرم باق إلى الآن لم ينسخ في حق من يرى لأشهر الحرم حرمة، وأما من لا يرى لها حرمة فإنه يجوز قتاله فيها. وذهب جماعة من الجمهور إلى أنهما منسوختان بقوله " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (1). ثم إن القول بنسخ تحريم القتال - كما حكيناه عن العتائقي ونسب إلى النحاس - غريب وعجيب، ولعله كان غفلة وسهوا منهم، فإن قوله تعالى " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " قد علق الحكم فيه على قوله " فإذا انسلخ الأشهر الحرم " فكيف يكون ناسخا ؟ ! المورد السابع: قوله تعالى * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم) * (2).


(1) منتهى المطلب: ج 2 ص 898 كتاب الجهاد. (2) البقرة: 240. (*)

[ 214 ]

ذكر في الإتقان: أنها منسوخة بآيتين ف‍ " متاعا إلى الحول " منسوخ بآية * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) * (1). والوصية منسوخة بقوله * (ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم) * (2). وفي تفسير النعماني عن علي (عليه السلام): أن العدة كانت في الجاهلية على المرأة سنة كاملة، وكانت إذا مات الرجل ألقت المرأة خلف ظهرها شيئا، بعرة أو ما يجري مجراها، وقالت: البعل أهون إلي من هذه، ولا أكتحل ولا أتمشط ولا أطيب ولا أتزوج سنة، فأنزل الله تعالى في الإسلام: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج " فلما قوي الإسلام أنزل الله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم... الخ ". وممن قال بالنسخ هنا العتائقي قال: وليس في كتاب الله آية تقدم ناسخها على منسوخها في النظم إلا هذه الآية. وكذا الشيخ الطبرسي في مجمع البيان، وقال: اتفق العلماء على أن هذه الآية منسوخة. وقال الزرقاني في مناهل العرفان: والحق هو القول بالنسخ، وعليه جمهور العلماء. ثم قال: إن البعض يقول: إن الآية محكمة، ولا منافاة بينها وبين الثانية، لأن الاولى خاصة فيما إذا كان هناك وصية للزوجة بذلك ولم تخرج ولم تتزوج، أما الثانية ففي بيان العدة والمدة التي يجب عليها أن تمكثها، وهما مقامان مختلفان. والذي يبدو لنا هو أن ما يظهر من الآيتين موافق لما نقله الزرقاني عن بعض، من أنهما تتضمنان لحكمين مختلفين، الأول: بيان وظيفة الأزواج بالنسبة لزوجاتهم بأن يوصوا لهن. والثاني: بيان وظيفة الزوجات أنفسهن بالنسبة إلى


(1) البقرة: 234. (2) النساء: 12. (*)

[ 215 ]

العدة، وأ نه يجب عليهن التربص أربعة أشهر وعشرا، ولا تنافي بين هذين الحكمين، فلا وجه للنسخ. ولكننا مع ذلك نجد أن الطبرسي قد نقل اتفاق العلماء على أن آية الوصية منسوخة بآية التربص، والزرقاني نقل اتفاق جمهور العلماء على ذلك. ونجد أيضا عدة روايات تدل على وقوع النسخ في الآيتين، ونحن نذكر على سبيل المثال: 1 - ما تقدم عن تفسير النعماني عن علي (عليه السلام). 2 - ما رواه السيد هاشم البحراني عن العياشي عن معاوية بن عمار قال: سألته عن قول الله " والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول " قال: منسوخة، نسختها آية " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " ونسختها آية الميراث. 3 - عن أبي بصير قال: سألته عن قول الله " والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج " قال: هي منسوخة، قلت: وكيف كانت ؟ قال: كان الرجل إذا مات انفق على امرأته من صلب المال حولا، ثم اخرجت بلا ميراث. ثم نسختها آية الربع والثمن، فالمرأة ينفق عليها من نصيبها (1). إذا، فالنسخ ثابت بالإجماع والأخبار، ولعل ثبوته ووضوحه هو الموجب لعدم ذكر الإمام الخوئي لهذه الآية في جملة المنسوخات، وذلك لأنه قال في أول البحث: نحن نذكر الآيات التي كان في معرفة وقوع النسخ فيه وعدم وقوعه غموض في الجملة. وكيف كان، فإن النسخ ثابت، ولم يخالف فيه أحد ظاهرا إلا الشافعي على ما في تفسير الجلالين، وقال السيوطي فيه: السكنى ثابتة عند الشافعي ولم تنسخ.


(1) تفسير البرهان: ج 1 ص 232. (*)

[ 216 ]

المورد الثامن: قوله تعالى * (إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) * (1). قال في الإتقان: إنها منسوخة بقوله بعده * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (2). وقال العتائقي: فشق نزولها " إن تبدوا... الآية " عليهم، ثم نسخ ذلك بقوله: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها "، والمنسوخ قوله: " أو تخفوه ". ولكن لم يعد تفسير النعماني هذه الآية من المنسوخات فيما نقله عن علي، وكذلك فإن الإمام الخوئي لم يتعرض لها، وكأنه لا يراها من الآيات المنسوخة. وقال في مناهل العرفان: والذي يظهر لنا أن الآية الثانية مخصصة للاولى، وليست ناسخة، فكان مضمونها: أن الله تعالى كلف عباده بما يستطيعون مما أبدوا في أنفسهم أو أخفوا، لا تزال هذه الإفادة باقية، وهذا لا يعارض الآية الثانية، حتى يكون ثمة نسخ. وفي مجمع البيان للطبرسي قال: قال قوم: إن هذه الآية منسوخة بقوله: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " ورووا في ذلك خبرا ضعيفا، وهذا لا يصح، لأن تكليف ما ليس في الوسع غير جائز، فكيف ينسخ ؟ وإنما المراد بالآية ما يتناوله الأمر والنهي من الاعتقادات والإرادات. وغير ذلك مما هو مستور عنا - إلى أن قال: - فعلى هذا يجوز أن تكون الآية الثانية مبينة للاولى، وإزالة توهم من صرف ذلك إلى غير وجهه، وظن أن ما يخطر بالبال أن تتحدث به النفس مما لا يتعلق بالتكليف فإن الله يؤاخذ به، والأمر بخلاف ذلك. ولكن الظاهر لنا من الآية الشريفة هو أن معناها: أن ما في أنفسنا من السوء سواء ابدي أو اخفي مما يحاسب الله به فله تعالى أن يغفر لمن يشاء فضلا ويعذب من يشاء عدلا. ويؤيد هذا المعنى ما ورد في الأخبار الكثيرة من المؤاخذة على النية، وهي كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال:


(1) البقرة: 284. (2) البقرة: 286. (*)

[ 217 ]

1 - ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نية المؤمن خير من عمله، ونية الكافر شر من عمله (1). والحديث دال على أن الكافر يؤخذ بنيته أشد مما يؤخذ بعمله. 2 - ما رواه أيضا عن أبي هاشم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا... الخ (2). ورواه مثله البرقي في المحاسن والصدوق في العلل. وفي قبال هذه الأخبار أخبار دالة على العفو عن النية مطلقا أو عن النية إذا كانت من المؤمن فقط، فمن ذلك: 1 - ما رواه الحر العاملي عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى جعل لآدم في ذريته: أن من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة وعملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه، ومن هم بها وعملها كتبت عليه سيئة (3). 2 - ما رواه أيضا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المؤمن ليهم بالحسنة ولا يعمل بها فتكتب له حسنة، وإن هو عملها كتبت له عشر حسنات، وإن المؤمن ليهم بالسيئة أن يعملها فلا يعملها فلا تكتب عليه (4). فالأخبار متعارضة كما ترى، فلابد من الجمع بينها، وقد تعرض علماء الاصول في مبحث التجري إلى طرق الجمع بينها، فراجع. ولكن لا تفوتنا هنا الإشارة إلى شئ وهو: أن المرتكز في أذهان المسلمين جميعا - حتى صغارهم ونسائهم - هو أن النية لا يؤاخذ أحد بها، وهو يؤيد القول بالعفو. وتكون النتيجة بعد كل ذلك هي: أنه ليس المراد من قوله " أو تخفوه " ما يعرض للأنفس من الخواطر القهرية الخارجة عن الاختيار والوسع، حتى ينسخ


(1 و 2) الكافي: ج 2 ص 84 باب النية ح 2 و 5. (3 و 4) وسائل الشيعة: ج 1 ص 36 ب 6 من أبواب مقدمات العبادات ح 6 و 7. (*)

[ 218 ]

بقوله " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " (1) بل المراد منه هي النية التي هي مقدورة واختيارية، وهي معفو عنها من المؤمن. المورد التاسع: قوله تعالى * (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدا) * (2). قال في الإتقان: قيل: إنها منسوخة، وقيل: لا، ولكن تهاون الناس في العمل بها. وقال العتائقي: نسخها * (واولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) * (3). وقال الزرقاني كذلك، ثم قال: وقيل: إنها غير منسوخة، لأنها تدل على توريث مولى الموالاة، وتوريثهم باق، غير أن رتبتهم في الإرث بعد رتبة ذوي الأرحام، وبذلك يقول فقهاء العراق (4). والذي يمكننا القول به هنا هو أن قوله تعالى " والذين عقدت أيمانكم " كغيره من الآيات القرآنية يدل إجمالا على وجوب إيتاء النصيب لمن كان بينه وبين الميت عقد يمين، ولكن ما هو هذا النصيب ؟ وضمن أي شروط ؟ الجواب: غير معلوم. فلو قلنا: إن الآية تفيد وجوب إيتاء النصيب لمن كان له ولاية بعقد اليمين الثابتة في الشريعة بنحو من الأنحاء الثلاثة لكانت الآية محكمة غير منسوخة. والأنحاء الثلاثة لعقد اليمين هي إجمالا مع بيان الدليل: 1 - الموالاة بالعتق. 2 - ولاء ضمان الجريرة. 3 - الولاء بالنبوة والإمامة. وتفصيل ذلك هو: أما الولاء بالعتق - بمعنى أن من أعتق عبدا فله ولاؤه الموجب لإرثه، إذا


(1) البقرة: 286. (2) النساء: 33. (3) الأنفال: 75. (4) مناهل العرفان: ج 3 ص 159. (*)

[ 219 ]

لم يكن له وارث من أرحامه - فهذا ثابت في الإسلام، وقد نقل الإجماع عليه (1). وتدل عليه أخبار كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال: 1 - ما رواه الفيض الكاشاني عن عيص بن القاسم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قالت عائشة لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أهل بريرة اشترطوا ولاءها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الولاء لمن أعتق (2). والحديث مذكور في كتب السنة والشيعة على حد سواء، قال ابن رشد بعد قوله " الولاء لمن أعتق ": لما ثبت من قوله (صلى الله عليه وآله) في حديث بريرة: الولاء لمن أعتق (3). 2 - ما رواه الفيض أيضا عن الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) في امرأة أعتقت رجلا، لمن ولاؤه ؟ ولمن ميراثه ؟ قال: للذي أعتقه، إلا أن يكون له وارث غيرها (4). وللمسألة فروع كثيرة مذكورة في كتب الفقه، فمن أراد التوسعة فليراجع. وأما ولاء ضمان الجريرة فقد قال الشيخ صاحب الجواهر: إنه لا خلاف نصا وفتوى في مشروعيته بالإجماع بقسميه على أن من توالى وركن إلى أحد يرضاه فاتخذه وليا يعقله ويضمن حدثه ويكون ولاؤه له صح ذلك، ويثبت به الميراث، بل كان الميراث في الجاهلية وصدر الإسلام بذلك (5). وتدل عليه أخبار كثيرة: منها: ما رواه الفيض الكاشاني عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في العبد يعتق مملوكا مما كان اكتسب سوى الفريضة التي فرضها عليه مولاه، لمن يكون ولاء العتق ؟ قال: يذهب فيوالي من أحب، فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه وورثه، قلت له: أليس قد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الولاء لمن أعتق ؟ قال: هذا سائبة،


(1) جواهر الكلام: كتاب الإرث باب ميراث المعتق. (2) الوافي: كتاب المواريث باب 155. (3) بداية المجتهد: ج 2 ص 355. (4) الوافي: كتاب المواريث باب 155. (5) جواهر الكلام: كتاب الإرث باب ميراث ضامن الجريرة. (*)

[ 220 ]

لا يكون ولاؤه لعبد مثله، قلت: فإن ضمن العبد الذي أعتقه جريرته وحدثه أيلزمه ذلك ويكون مولاه ويرثه ؟ قال: لا يجوز ذلك، ولا يرث عبد حرا. ثم قال في بيان الوافي: العقل الدية، والسائبة: العبد الذي يعتق على أن لا ولاء له (1). ويستفاد من الحديث أن هذا المعتق لو كان حرا لكان وارثا، ولكن الرق هو المانع من إرثه هنا، وفي غيره من موارد الإرث. ومنها: ما رواه أيضا عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: من تولى رجلا ورضي بذلك فجريرته عليه وميراثه له (2). فتحصل لدينا: أن عقد ضمان الجريرة يستلزم الإرث مع فقد الوارث النسبي والمعتق، والمسألة محررة في الفقه، فراجع. وأما الإرث بولاء النبوة والإمامة فقد نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: أنا وارث من لا وارث له (3). وقال في جواهر الكلام: وإذا عدم الضامن كان ميراثا للإمام، نصا وإجماعا بقسميه (4). وتدل عليه أخبار كثيرة، نذكر منها: 1 - ما رواه الفيض الكاشاني عن عمار بن أبي الأحوص عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: ما كان ولاؤه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن ولاءه للإمام وجنايته على الإمام وميراثه له (5). 2 - ما رواه أيضا عن العقرقوفي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن المملوك يعتق سائبة ؟ قال: يتولى من شاء، وعلى من يتولى جريرته وله ميراثه، قلنا له: فإن سكت حتى يموت ولم يتوال ؟ قال: يجعل ماله في بيت مال المسلمين (6).


(1) الوافي: كتاب المواريث باب 155. (2) الوافي: كتاب المواريث باب 155. (3) كنز العمال: ج 2 ص 462 عن أحمد وأبي داود وابن ماجة. (4) جواهر الكلام: كتاب الإرث باب ميراث الإمام. (5 و 6) الوافي: كتاب المواريث باب 155. (*)

[ 221 ]

ويستفاد من الحديث: أن مال من لا وارث له يجعل في بيت مال المسلمين، فيحمل على الحديث السابق الذي يقول إن المال للنبي (صلى الله عليه وآله) أو للإمام بعده، ولكن لا على أنه ملك شخصي له يتصرف فيه كما يريد، بل على أنه له بما هو نبي وبما أنه إمام، فهو في الحقيقة من شؤون المنصب، ومن أجله فلابد وأن يجعل في بيت مال المسلمين، ليصرفه النبي أو الإمام في صلاح الإسلام والمسلمين. فالتوريث بعقد الإيمان في الإسلام - كما هو الظاهر - يكون بأحد الأنحاء الثلاثة المتقدمة. فإذا كان المراد بقوله " والذين عقدت أيمانكم " هو هؤلاء الموالي الثلاثة، فالآية تكون محكمة غير منسوخة، وإذا كان المراد من الآية معان اخرى فلابد من طرحها حتى نتأمل فيها لنحكم فيها بالنسخ أو بالإحكام. المورد العاشر: قوله تعالى * (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) * (1). قال في الإتقان: إنها منسوخة بآية النور * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (2). وقال العتائقي - بعد ذكر الآية: - قال (عليه السلام): " لهن سبيل الثيب بالثيب الرجم، والبكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام " فالآية منسوخة بالسنة. وقال السيد عبد الله شبر في تفسيره - بعد ذكره للآية -: كان ذلك عقوبتهن في أول الإسلام، فنسخ بالحد. وكذا قال الشيخ الطبرسي في تفسير مجمع البيان. وفي تفسير النعماني عن علي (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالرأفة والرحمة، فكان من رأفته ورحمته أنه لم ينقل قومه في أول نبوته عن عاداتهم، حتى استحكم الإسلام في قلوبهم، وحلت الشريعة في صدورهم، فكان


(1) النساء: 15. (2) النور: 2. (*)

[ 222 ]

من شريعتهم في الجاهلية أن المرأة إذا زنت حبست في بيت، واقيم بأودها حتى يأتيها الموت. وإذا زنى الرجل نفوه عن مجالسهم وشتموه وآذوه وعيروه، ولم يكونوا يعرفون غير هذا. قال الله تعالى في أول الإسلام * (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا * واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما) * (1). فلما كثر المسلمون وقوي الإسلام واستوحشوا الامور الجاهلية أنزل الله " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " إلى آخر الآية، فنسخت هذه الآية آية الحبس والأذى (2). وقال الجصاص - بعد ذكر الآية -: لم يختلف السلف في أن ذلك كان حد الزانية في الإسلام، وأنه منسوخ (3). وقال الزرقاني - بعد أن ذكر أن الآية منسوخة بآية النور -: وذلك بالنسبة إلى البكر رجلا كان أو امرأة، أما الثيب من الجنسين فقد نسخ الحكم الأول بالنسبة إليهما، وابدل بالرجم الذي دلت عليه تلك الآية المنسوخة التلاوة، وهي " الشيخ والشيخة فارجموهما البتة ". وقد دلت عليه السنة أيضا (4). ونجد في قبال هؤلاء من قال بأن الآية غير منسوخة، إما لأن الحكم وهو الحبس لم يكن مؤبدا بل كان مغيى بغاية، وفقدان الحكم لحصول الغاية ليس نسخا، كما لو قيل: أحبس فلانا إلى الظهر، فجاء الظهر (5). وإما لعدم التنافي بين الآيتين، فإن الحكم الأول وهو الحبس شرع للتحفظ عن الوقوع في الفاحشة مرة اخرى، والحكم الثاني وهو الحد شرع للتأديب على الجريمة الاولى وصونا لباقي النساء عن ارتكاب مثلها، فلا تنافي بين الحكمين،


(1) النساء: 15 و 16. (2) بحار الأنوار: ج 93 ص 6 نقلا عن تفسير النعماني. (3) أحكام القرآن للجصاص: ج 3 ص 41. (4) مناهل العرفان: ج 2 ص 160. (5) راجع مجمع البيان: في تفسير الآية نقلا عن بعض. (*)

[ 223 ]

لينسخ الأول بالثاني. نعم، إذا ماتت المرأة بالرجم أو الجلد ارتفع وجوب الإمساك في البيت لحصول غايته، وفيما سوى ذلك فالحكم باق ما لم يجعل الله لها سبيلا (1). والذي يبدو لنا من ظاهر الآية هو أن المراد من قوله تعالى " الفاحشة " بحسب ما هو ظاهر لفظها - بقطع النظر عن الأخبار الواردة في تفسيرها - أنها ما تزايد قبحه وتفاحش، كما نص عليه في بعض المعاجم (2)، وهذا أمر عام يشمل كل ما تمارسه النساء الفواسق من منكرات، مثل المساحقة والزنا. فالآية مع عمومها وشمولها للمساحقة غير منسوخة بما دل على حد الزنا المخصوص به. نعم، يحتمل النسخ في حد الزنا فقط، لو قلنا بأن الحبس كان في بدء الإسلام حدا، ثم نسخ بالجلد. هذا لو نظرنا إلى الآية مع قطع النظر عن الروايات الواردة فيها. وأما إذا توجهنا إلى الروايات المفسرة للآية - ولا محيص لنا عن الأخذ بها - فإننا نرى أن تلك الروايات قد فسرت الفاحشة بالزنا، واعتبرت الإمساك أنه الحد، ونذكر على سبيل المثال: 1 - ما رواه السيد هاشم البحراني بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: كل سورة النور نزلت بعد سورة النساء، وتصديق ذلك: أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة النساء " واللاتي يأتين الفاحشة... الخ " أما السبيل فقد ذكره تعالى في قوله " سورة أنزلناها " الآية (3). 2 - ما رواه العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله " واللاتي يأتين الفاحشة... الخ " قال: هذه منسوخة. قال: قلت: كيف كانت ؟ قال (عليه السلام): كانت المرأة إذا فجرت فقام عليها أربعة شهود ادخلت بيتا، ولم تحدث ولم تكلم ولم تجالس، واوتيت فيه بطعامها وشرابها حتى تموت، قلت: فقوله: " أو يجعل الله لهن سبيلا " ؟ قال: جعل السبيل الجلد والرجم والإمساك في البيوت (4).


(1) تفسير البيان للإمام الخوئي: ص 215. (2) راجع أقرب الموارد ومجمع البحرين مادة " فحش ". (3) تفسير البرهان: ج 1 ص 352. (4) تفسير العياشي: ج 1 ص 227. (*)

[ 224 ]

3 - ما رواه أيضا عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم - إلى: - سبيلا " قال: منسوخة، والسبيل هو الحدود (1). 4 - ما رواه السيوطي عن مسلم: أنه لما بين الحد قال (صلى الله عليه وآله): خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا (2). 5 - وعن ابن عباس قال: السبيل الذي جعله لهن: الجلد والرجم (3). وكذا قال ابن رشد، ونسبه إلى الحديث الوارد. وبعد هذا، فلا مجال للتشكيك فيما يراد من " الفاحشة "، إذ قد ثبت أن المراد بها هو الزنا، وكان الحد عليه في بدء الإسلام هو الحبس في البيوت، ضمن شروط معينة، مثل عدم التكلم معها ولا مجالستها، ثم نسخ الحكم بالجلد والرجم، وكان ذلك سبيلا لهن. ولا ينبغي الإيراد على ذلك بأنه كيف يكون الرجم سبيلا لهن ؟ وأنه إذا كان ذلك سبيلا لهن فماذا يكون السبيل عليهن ؟ إذ قد رأينا أن الروايات قد فسرت السبيل بما ذكرنا من الجلد والرجم، ووقع التعبير به في كلمات العلماء. مع أن الرجم ا لمؤدي إلى قتل الزاني والزانية ربما يكون أسهل على غالب الناس من الحبس المؤبد، دون أن يتكلم معها أو يجالسها أحد، وكذا هو أسهل من نفي الزاني من مجالسهم وشتمه وتعييره. المورد الحادي عشر: قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم) * (4). قال في الإتقان: " أو آخران من غيركم " منسوخ بقوله * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * (5).


(1) تفسير العياشي: ج 1 ص 227. (2) تفسير الجلالين: في تفسير الآية. (3) أحكام القرآن للجصاص: ج 3 ص 41. (4) المائدة: 106. (5) الطلاق: 2. (*)

[ 225 ]

وقال الزرقاني - بعد ذكر الآية -: إنها منسوخة بقوله " وأشهدوا ذوي عدل منكم " ثم قال: وقيل: إنه لا نسخ (1). وعن زيد بن أسلم ومالك والشافعي وأبي حنيفة: أنها منسوخة، وأنه لا يجوز شهادة كافر بحال (2). ونجد في قبال هؤلاء من يقول بعدم النسخ، وأن الحكم الذي تضمنته الآية مستمر إلى الآن، لكنهم خصوه بالسفر، وبما إذا لم يكن مسلم يوصى إليه، وهو مذهب الإمامية بأجمعهم، كما وأن السيد شبر قال في قوله تعالى " من غيركم ": من أهل الذمة، ولا تسمع شهادتهم إلا في هذه القضية. وقال الإمام الخوئي في كتابه " البيان ": إن الآية محكمة، وذهب إليه الشيعة الإمامية، وإليه ذهب جمع من الصحابة. وفي تفسير النعماني لم يعد هذه الآية من المنسوخات المنقولة عن علي. والذي يظهر لنا أن الآية حيث وقعت في سورة المائدة - وهي آخر سورة نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله) - فإنها وكذلك سائر آيات سورة المائدة لم تتعرض للنسخ بما ورد في غيرها من السور، ويدل على ذلك ما رواه العياشي: 1 - عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: نزلت المائدة قبل أن يقبض النبي (صلى الله عليه وآله) بشهرين أو ثلاثة (3). 2 - وعن عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام)، قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بآخره، فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة، فنسخت ما قبلها، ولم ينسخها شئ (4). وروى أبو بكر الجصاص عن ضمرة بن جندب وعطية بن قيس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المائدة من آخر القرآن نزولا، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها (5).


(1) مناهل العرفان: ج 2 ص 161. (2) تفسير البيان: ص 240. (3 و 4) تفسير العياشي: ج 1 أول سورة المائدة. (5) أحكام القرآن للجصاص: ج 4 ص 161. (*)

[ 226 ]

وعن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: في المائدة ثماني عشرة فريضة، وليس فيها منسوخ (1). هذا بالإضافة إلى ما ورد في أخبار الفريقين في تفسير الآية الكاشف عن بقاء الحكم واستمراره وإن كانت هذه الأخبار مختلفة المضمون، ففي بعضها: قال (عليه السلام): قوله " أو آخران من غيركم " هما كافران. وفي بعضها الآخر: هما من أهل الكتاب. وفي بعض ثالث: فإن لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب (2). وغير ذلك من القيود الواردة في كتب التفسير، ونحن نذكر بعضها شرحا للقصة التي كانت سببا لنزول الآية على ما قالوا. روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن رجاله رفعه قال: خرج تميم الداري وابن بيدي وابن أبي مارية في سفر، وكان تميم الداري مسلما، وابن بيدي وابن أبي مارية نصرانيين، وكان مع تميم الداري خرج له فيه متاع وآنية منقوشة بالذهب وقلادة أخرجها إلى بعض أسواق العرب للبيع، فاعتل تميم الداري علة شديدة، فلما حضره الموت دفع ما كان معه إلى ابن بيدي وابن أبي مارية، وأمرهما أن يوصلاه إلى ورثته، فقدما المدينة، وقد أخذا من المتاع الآنية والقلادة، وأوصلا سائر ذلك إلى ورثته، فافتقد القوم الآنية والقلادة، فقال أهل تميم لهما: هل مرض صاحبنا مرضا طويلا أنفق فيه نفقة كثيرة ؟ فقالا: لا، ما مرض إلا أياما قلائل، قالوا: فهل سرق منه شئ في سفره ؟ قالا: لا، قالوا: فهل اتجر تجارة خسر فيها ؟ قالا: لا، قالوا: فقد افتقدنا أفضل شئ، كان معه آنية منقوشة بالذهب مكللة بالجواهر وقلادة، فقالا: ما دفع إلينا فقد أديناه إليكم، فقدموهما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأوجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) اليمين، فحلفا، فخلى عنهما. ثم ظهرت تلك الآنية والقلادة عليهما، فجاء أولياء تميم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) أحكام القرآن للجصاص: ج 4 ص 161. (2) راجع تفسير العياشي: ج 1 ص 376 ح 217 - 220. (*)

[ 227 ]

فقالوا: يا رسول الله، قد ظهر على ابن بيدي وابن أبي مارية ما ادعيناه عليهما، فانتظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الله عز وجل الحكم في ذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " الآية. فأطلق الله عز وجل شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط إذا كان في سفر، ولم يجد المسلمين (1). وروى علي بن إبراهيم بسند صحيح عن يحيى بن محمد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: فإن عثر على أنهما شهدا بالباطل فليس له أن ينقض شهادتهما حتى يجئ بشاهدين، فيقومان مقام الشاهدين الأولين... الحديث (2). ثم إن قبول شهادة الكافر في الوصية مما لا خلاف فيه في الجملة. فقد قال المحقق الحلي: تقبل شهادة الذمي خاصة في الوصية، إذا لم يوجد من عدول المسلمين من يشهد بها، ولا يشترط كون الموصي في غربة، وبالاشتراط رواية مطرحة. وقال شارح المختصر النافع: إن أصل الحكم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع (3). ثم لا يخفى أن الآية الشريفة تدل بإطلاقها على قبول شهادة الكافر بجميع أصنافه في الوصية. فمن خص الحكم بشهادة الذمي إذا كان مرضيا في دينه فإنما استند إلى الروايات الواردة في تفسير الآيات، المقيدة بما ذكر، وهذا من موارد تقييد الكتاب بالسنة. وكذا من قال بقبول شهادة الذمي مطلقا ولو لم يكن في الغربة فإنما استند إلى عموم العلة الواردة في الأخبار. قال في الرياض في وجه عدم اشتراط الغربة:


(1) الكافي: ج 6 ص 5 باب الإشهاد على الوصية ح 7. والظاهر أن القصة لابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص وكان مسلما ومات في الطريق وقد أوصى، وأما تميما فكان نصرانيا وأسلم سنة تسع من الهجرة وتوفي سنة أربعين. (كما في تفسير مجمع البيان وكنز العرفان للفاضل السيوري). (2) تفسير البرهان للبحراني: في تفسير الآية. (3) راجع رياض المسائل في شرح المختصر النافع: شرائط الشهود. (*)

[ 228 ]

إنه لاحتمال ورود الحصر والشرط مورد الغالب فلا عبرة بمفهومها مع إطلاق كثير من النصوص (1). بل العموم يستفاد من التعليل الوارد في بعض الروايات، وهو قوله (عليه السلام): " لا يصلح ذهاب حق أحد " والحكم يتبع العلة في التعميم والتخصيص، كما هو محرر في محله. وأما أهل السنة فقد اختلفوا، فعن أبي حنيفة: أنه يجوز ذلك على الشروط التي ذكرها الله. وعن مالك والشافعي: أنه لا يجوز ذلك، ورأوا أن الآية منسوخة. والنتيجة بعد كل ما قدمناه هي: أن القول بالنسخ لا يساعد عليه الدليل، وما دل على اعتبار الإسلام في الشهادة عام يخصص بما ورد في حجية قول الكافر في مورد خاص، لا أنه ينسخ به. المورد الثاني عشر: قوله تعالى * (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون) * (2). قال في الإتقان: إنها منسوخة بالآية بعدها * (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) * (3). وقال في تفسير الجلالين - في تفسير الآية الاولى -: ثم نسخ لما كثروا بقوله " الآن... الخ ". وقال العتائقي - بعد ذكر الآية -: نسخ ذلك بقوله " الآن... الخ ". وقال الزرقاني: إنها منسوخة بقوله سبحانه " الآن... الخ ". ووجه النسخ:


(1) رياض المسائل: شرائط الشهود. (2) الأنفال: 65. (3) الأنفال: 66. (*)

[ 229 ]

أن الآية الاولى أفادت وجوب ثبات الواحد للعشرة، وأن الثانية أفادت وجوب ثبات الواحد للاثنين، وهما حكمان متعارضان، فتكون الثانية ناسخة للاولى. وفي تفسير النعماني عن علي (عليه السلام): إن الله تعالى فرض القتال على الامة، فجعل على الرجل الواحد أن يقاتل عشرة من المشركين، فقال: " إن يكن منكم... الخ "، ثم نسخها سبحانه فقال: " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن... " الآية، فنسخ بهذه الآية ما قبلها، فصار من فرض المؤمنين في الحرب، إذا كانت عدة المشركين أكثر من رجلين لرجل لم يكن فارا من الزحف. وقال الطبرسي في تفسير مجمع البيان في معنى الآية: والمعتبر في الناسخ والمنسوخ بالنزول دون التلاوة. وقال الحسن: إن التغليظ على أهل بدر، ثم جاءت الرخصة. ونجد في قبال هؤلاء من يقول بعدم النسخ، وقد حكاه الزرقاني بقوله: لا تعارض بين الآيتين ولا نسخ، لأن الثانية لم ترفع الحكم الأول، بل هي مخففة على معنى أن المجاهد إن قدر على قتال العشرة فله الخيار رخصة من الله له بعد أن اغتر المسلمون، وقد كان واجبا تعيينيا. وقال الإمام الخوئي: والحق أنه لا نسخ في حكم الآية. وقال في وجهه ما حاصله: إن النسخ يتوقف على إثبات الفصل بين الآيتين نزولا، وإثبات أن الآية الثانية نزلت بعد مجئ زمان العمل بالاولى، ولا يستطيع القائل بالنسخ إثبات ذلك، هذا بالإضافة إلى أن سياق الآيتين أصدق شاهد على أنهما نزلتا مرة واحدة. ونتيجة ذلك: أن حكم مقاتلة العشرين للمائتين استحبابي، ومن الممتنع أن يقال: إن الضعف طرأ على المؤمنين بعد قوتهم، فإنه خلاف الواقع، فإن المسلمين صاروا أقوياء يوما فيوما (1). كانت تلك بعض الكلمات حول الآية. والذي يظهر لنا هو أن الآية منسوخة بقوله تعالى " الآن... " الآية. وبيان ذلك: أن المستفاد من الآية هو أنه يجب على


(1) تفسير البيان: ص 249. (*)

[ 230 ]

النبي تحريض المؤمنين على القتال، وترغيبهم في الجهاد، بذكر الثواب عليه، وذكر ما وعدهم الله من الظفر، وغير ذلك مما يشجع المؤمن على الجهاد. كما ويستفاد منها أنه يجب على المؤمنين قتال الكفار إذا كان عددهم عشر عدد الكفار، وأن عليهم أن يثبتوا في الحرب ولا يفروا، ثم خفف الله تعالى عليهم، فأوجب عليهم القتال إذا كان عدد الكفار ضعف عدد المؤمنين، فلو زاد الكفار على ذلك لم يجب على المؤمنين المقاومة ويجوز الفرار. ثم إن قوله تعالى " إن يكن منكم... الخ " خبر معناه الأمر بمقاومة الواحد للعشرة، ووعدهم بالغلبة إن صبروا، ثم خفف عنهم فأمرهم بمقاومة الواحد للاثنين. ومما يدل على إرادة الأمر من الجملة الخبرية قوله تعالى: " الآن خفف الله عنكم " فإن التخفيف لا يكون إلا بعد التكليف. وبعد هذا، فإذا كان التكليف الثاني يغاير الأول ويباينه باعتبار أن الأول أشد من الثاني وأصعب منه فلابد من القول بالنسخ. ويؤيد هذا عدد من الأحاديث، منها: ما تقدم في تفسير النعماني عن علي (عليه السلام). ومنها: ما عن شيخ الطائفة في التهذيب فقد روى بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان يقول: من فر من الرجلين في القتال من الزحف فقد فر، ومن فر من ثلاثة في القتال من الزحف فلم يفر (1). ومنها: ما روي في الدر المنثور بطرق عديدة عن ابن عباس وغيره مما يقرب من المعنى المذكور. وأما الإشكال على النسخ بأن الضعف لا يمكن أن يحدث في المسلمين بعدما كانوا أقوياء بل كانت قوتهم تزداد يوما فيوما فقد اجيب عنه بأن المراد من الضعف ليس ضعف العدة والعدة، بل المراد ضعف البصيرة واليقين، الذي يحدث حين يكثر المسلمون، ويختلط فيهم من هو أضعف يقينا وبصيرة.


(1) التهذيب: ج 6 ص 174 باب النوادر من كتاب الجهاد ح 20. (*)

[ 231 ]

وقال بعض المفسرين هنا - ولنعم ما قال -: وقد أثبتت التجربة القطعية أن المجتمعات المؤتلفة لغرض هام كلما قلت أفرادها وقويت رقباؤها ومزاحموها وأحاطت بها المحن والفتن كانت أكثر نشاطا للعمل وأحد في الأثر. وكلما كثرت أفرادها وقلت مزاحماتها والموانع الحائلة بينها وبين مقاصدها ومطالبها كانت أكثر خمودا وأقل تيقظا وأسفه حلما (1). وعلى هذا، فنحن نقول: إن الآية ناسخة للاولى، وإنها نزلت بعدها وإن كانت حسب الترتيب القرآني متصلة بالاولى، والناسخ يشترط أن يكون متأخرا في الزمان لا في ترتيب الكتاب. بقي شئ تحسن الإشارة إليه في المقام وهو: أن هذه النسبة - أي نسبة الواحد إلى اثنين - إنما تكون مؤثرة فيما لو كانت في ضمن الكثرة والفئة، كما يشعر به قوله تعالى " إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ". وعلى هذا، فلو انفرد اثنان من الكفار بواحد من المسلمين من دون وجود فئة وكثرة فيمكن القول بعدم وجوب الجهاد والثبات على الواحد، كما عن الشيخ في المبسوط والخلاف، والعلامة في القواعد (2). المورد الثالث عشر: قوله تعالى * (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) * (3). قال في الإتقان: إنها منسوخة بآيات العذر، وهي قوله * (ليس على الأعمى حرج) * (4)، وقوله * (ليس على الضعفاء) * الآيتين (5)، وقوله تعالى * (وما كان


(1) تفسير الميزان: ج 9 ص 124. (2) راجع جواهر الكلام: كتاب الجهاد باب عدم جواز الفرار. (3) التوبة: 41. (4) النور: 61، الفتح: 17. (5) التوبة: 91 و 92. (*)

[ 232 ]

المؤمنون لينفروا كافة) * (1). وقال العتائقي: نسخ ذلك بقوله * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) * الآية، وبقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) * (2). وقال الشيخ الزرقاني: إنها نسخت بآيات العذر. وعن ابن عباس والحسن وعكرمة أنها منسوخة بقوله تعالى: " وما كان المؤمنون " (3). ونجد في قبال هؤلاء من قال بعدم النسخ. ومنهم الإمام الخوئي، حيث قال في جملة كلام له: إن قوله تعالى: * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) * بنفسه دليل على عدم النسخ، فإنه دل على أن النفر لم يكن واجبا على جميع المسلمين من بداية الأمر فكيف يكون ناسخا للآية المذكورة ؟ وفي تفسير النعماني لم يعد هذه الآية في جملة ما نقله عن علي من الآيات المنسوخة. والذي يظهر لنا هو: لا بآيات العذر، ولا بآية النفر كافة، ولا بآية الحذر. أما أنها غير منسوخة بآيات العذر فلأن قوله تعالى * (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) * وإن كان ينافي إطلاق قوله تعالى " انفروا " لكن هذه المنافاة لا توجب المعارضة والمباينة ليكون اللاحق ناسخا للسابق، بل الذي تعارف العمل به عند كل أحد هو حمل المطلق على المقيد، والقول بأن موضوع المطلق ليس هو كل إنسان، بل موضوعه كل إنسان غير مريض وغير أعرج وغير أعمى. ولا يخفى أن تخصيص العام وتقييد المطلق أمر شائع ومعروف، حتى قيل: ما من عام إلا وقد خص، وهذا بخلاف النسخ الذي هو نادر جدا في الشريعة، فلا يصار إليه إلا بعد عدم وجود غيره من وجوه الجمع، من التخصيص والتقييد.


(1) التوبة: 122. (2) النساء: 71. (3) تفسير البيان: ص 250. (*)

[ 233 ]

وأما أنها غير منسوخة بقوله تعالى * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) * بعدم تسليم العموم في قوله " انفروا " ولم نقل إنه خاص بمن أمر فاثاقل، كما في قوله تعالى: * (ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم) * (1) - لو سلمنا هذا - فإننا نقول: إنه إذا تعارض العام وهو جميع المسلمين، والخاص وهو بعضهم، فطريق الجمع بينهما هو أن يحمل العام على الخاص، لشيوع التخصيص، خصوصا من المقننين الذين يصدرون عادة أحكاما عامة أو مطلقة أولا، ثم يخصصونها أو يقيدونها. هذا بالإضافة إلى ما سبق من بعض المحققين من أن ظاهر قوله تعالى " وما كان المؤمنون... الخ " هو أن النفر لم يكن واجبا على جميع المسلمين من بداية الأمر. هذا كله على فرض التسليم بأن المراد بالنفر هو الخروج إلى الجهاد، وأما إذا كان المراد منه النفر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وتشرفهم بلقائه (صلى الله عليه وآله) ليستفيدوا ويتفقهوا منه (صلى الله عليه وآله) فلا يكون للآية صلة بالجهاد، وتخرج عن موضوع البحث في النسخ. ولعل ظهور الآية يعطي ذلك، لأن كلمة " فلو لا " التحضيضية لنفر طائفة منهم ظاهر في أنه يجب على هذه الطائفة منهم الخروج، ثم عين غاية خروجهم هذا بقوله " ليتفقهوا " ومن المعلوم أن النفر للتفقه لا يكون إلا إلى النبي لا إلى الجهاد، وتدل على هذا المعنى - الذي نرى أنه هو ظاهر الآية - أخبار كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال: 1 - ما رواه الشيخ الكليني بسند صحيح عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إذا حدث على الإمام حدث كيف يصنع الناس ؟ قال: أين قول الله عز وجل * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * (2) قال: هم في عذر ما داموا في الطلب، وهؤلاء


(1) التوبة: 38. (2) التوبة: 122. (*)

[ 234 ]

الذين ينتظرونهم في عذر حتى يرجع إليهم أصحابهم (1). 2 - ما رواه السيد هاشم البحراني عن عبد المؤمن الأنصاري قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن قوما رووا: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: اختلاف امتي رحمة، فقال: صدقوا، فقلت: إن كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب، قال: ليس حيث تذهب وذهبوا، إنما أراد قول الله تعالى " فلولا نفر من كل فرقة... الخ "، فأمرهم الله أن ينفروا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويختلفوا إليه، فيتعلموا ثم يرجعوا إلى قومهم فيعلموهم، إنما أراد اختلافهم من البلدان لا اختلاف في الدين، إنما الدين واحد (2). والنتيجة هي: أنه إذا كان المراد بالنفر النفر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) - كما عن الجبائي وأبي عاصم - فلا تنسخ بها آيات الجهاد، وتكون الآية محكمة غير منسوخة. المورد الرابع عشر: قوله تعالى * (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) * (3). قال في الإتقان: قوله تعالى " الزاني لا ينكح إلا زانية... الخ " منسوخ بقوله * (وأنكحوا الأيامى منكم) * (4). وقال العتائقي: إن الآية نسخت بقوله * (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) *. ثم قال: وفيه نظر. وقال الزرقاني: إنها منسوخة بقوله " وأنكحوا... الخ " لأن الآية خبر بمعنى النهي (5). ونقل الجصاص عن سعيد بن المسيب أنها منسوخة بالآية بعدها، وكان يقال: هي من أيامى المسلمين (6).


(1) الكافي: ج 1 ص 378 باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام ح 1. (2) تفسير البرهان: ج 2 ص 172. (3) النور: 3. (4) النور: 32. (5) مناهل العرفان: ج 2 ص 162. (6) أحكام القرآن للجصاص: ج 5 ص 107. (*)

[ 235 ]

وفي قبال هؤلاء من يقول بعدم النسخ، فمنهم: 1 - الإمام الخوئي، حيث قال في جملة كلام له: إن الآية غير منسوخة، فإن النسخ فيها يتوقف على أن يكون المراد من لفظ النكاح هو التزويج، ولا دليل يثبت ذلك. على أن ذلك يستلزم القول بإباحة نكاح المسلم الزاني المشركة، وبإباحة نكاح المشركة المسلمة الزانية، وهذا مناف لظاهر الكتاب العزيز، ولما ثبت من سيرة المسلمين. والظاهر أن المراد من النكاح الوطي... الخ (1). 2 - ما عن الضحاك وابن زيد وسعيد بن جبير وإحدى الروايتين عن ابن عباس، فيكون نظير قوله " الخبيثات للخبيثين " في أنه خرج مخرج الأغلب الأعم (2). وكيف كان، فإن البحث يقع في أمرين: الأول: في حرمة زواج الزاني من المؤمنات، وحرمة زواج الزانيات من المؤمنين. وإنما يتزوج الزاني الزانية وبالعكس. الثاني: في جواز زواج المسلم من المشركة، والمسلمة من المشرك. أما الأول فقد يقال: إن الآية قد نسخت بقوله تعالى * (وأنكحوا الأيامى منكم) * لعموم الأيامى للزاني والزانية، فيجوز إنكاحهما، لدخولهم في موضوع الأمر. واجيب بأن آية إنكاح الأيامى تعم الزناة وغيرهم، وتلك الآية خاصة بالزناة، والخاص لا ينسخ بالعام، بل يخصص العام به، كما هو مقرر في علم الاصول من تقدم التخصيص على النسخ، لكثرة التخصيص وقلة النسخ. هذا بالإضافة إلى أن الأخبار قد دلت على بقاء الحكم وعدم النسخ، وأنه لا يجوز تزوج المرأة المعلنة بالزنا، وكذا الرجل المعلن به إلا أن تعرف توبتهما. غاية الأمر: أن الحكم قد قيد بما إذا كان الزاني والزانية معلنين، وبما إذا اقيم عليهما الحد، وهذا من تقييد الآية بالسنة، ولا مانع منه، ونذكر من تلك الأخبار على سبيل المثال:


(1) تفسير البيان: ص 255. (2) تفسير مجمع البيان: في تفسير الآية. (*)

[ 236 ]

1 - ما رواه الشيخ الحر العاملي (رحمه الله) بسنده عن الحلبي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تتزوج المرأة المعلنة بالزنا، ولا يتزوج الرجل المعلن بالزنا، إلا بعد أن تعرف منهما التوبة (1). 2 - وما رواه أيضا عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل " الزاني لا ينكح إلا زانية... الخ " قال: هن نساء مشهورات بالزنا، ورجال مشهورون بالزنا، قد شهروا بالزنا، وعرفوا به، والناس اليوم بذلك المنزل، فمن اقيم عليه حد الزنا أو شهر بالزنا (منهم) لم ينبغ لأحد أن يناكحه حتى يعرف منه توبة (2). هذا، ولكننا نجد مع ذلك أن بعض أصحابنا قد أفتى بجواز نكاح الزاني لغير الزانية، وبالعكس، ولكنه مكروه، ولعل حملهم الآية على الكراهة من أجل تلك النصوص الواردة الدالة على جواز نكاح الزانية. قال المحقق الحلي: من زنى بامرأة لم يحرم عليه نكاحها، وكذا لو كانت مشهورة بالزنا (3). وقال الشارح: والمعروف من مذهب الأصحاب جواز مناكحة الزاني على كراهة، فإنهم حكموا بكراهة تزويج الفاسق مطلقا، من غير فرق بين الزاني وغيره (4). وأما أهل السنة فجمهورهم يقول بجواز نكاح الزانية، ولكنه مذموم. قال ابن رشد: واختلفوا في زواج الزانية، فأجاز هذا الجمهور، ومنعها قوم - إلى أن قال: - وإنما صار الجمهور على ذلك لحمل الآية على الذم لا على التحريم، لما جاء في الحديث: أن رجلا قال للنبي (صلى الله عليه وآله) في زوجته: أنها لا ترد يد لامس، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): طلقها، فقال: إني احبها. فقال له: فأمسكها (5). وأما الثاني - وهو جواز نكاح المسلم المشركة والمسلمة المشرك - فإن قبلنا دلالة الآية عليه فإننا نقول: إن الناسخ تارة يكون هو قوله تعالى * (يا أيها الذين


(1 و 2) وسائل الشيعة: ج 14 ص 335 ب 13 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 و 2. (3) شرائع الإسلام: المقصد الثاني في مسائل في تحريم العين من كتاب النكاح. (4) جواهر الكلام: ص 98 الطبع القديم. (5) بداية المجتهد: ج 2 ص 39. (*)

[ 237 ]

آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) * (1). وتارة يكون ناسخها هو قوله تعالى * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم) * (2). وعلى كلا التقديرين يكون النسخ على خلاف ما قرروه من تقديم التخصيص على النسخ، لأن نسبة الآيتين إلى الآية الاولى - التي في سورة النور - هي العموم والخصوص مطلقا، فلابد في الجمع بينهما من القول بالتخصيص الذي هو شائع، لا بالنسخ الذي هو نادر. اللهم إلا أن يكون ثمة قرينة تمنع من التخصيص وتحتم النسخ، كما لو كان العام مما يأبى عن التخصيص، فقوله تعالى " ولا تنكحوا المشركات " وإن كان عاما يشمل الزاني وغيره، والآية الاولى خاصة بالزاني، إلا أن ذلك العام شديد الظهور والنصوصية بحيث يأبى عن التخصيص، فلابد من القول بالنسخ (3). والذي يسهل الأمر هو إجماع المسلمين على أنه لا يجوز زواج المسلم الزاني للمشركة، وكذا زواج المسلمة الزانية للمشرك. قال الشيخ الطبرسي بعد ذكر قوله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات ": هي عامة عندنا في تحريم مناكحة جميع الكفار. وقال المحقق الحلي: لا يجوز للمسلم نكاح غير الكتابية إجماعا (4). وعلق الشارح على قوله " إجماعا " بقوله: من المسلمين كلهم كتابا وسنة (5). وقال ابن رشد: واتفقوا على أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح الوثنية (6). وبعد هذه الجولة فإن النتيجة تكون هي: أن دلالة الآية على جواز نكاح


(1) الممتحنة: 10. (2) البقرة: 221. (3) راجع تفسير الميزان: ج 15 ص 80. (4) شرائع الإسلام: المقصد الثاني السبب السادس الكفر. (5) جواهر الكلام: ص 107 الطبع القديم. (6) بداية المجتهد: ج 2 ص 43. (*)

[ 238 ]

المشرك للمسلمة الزانية والمشركة للمسلم الزاني - لو سلمت - فهي منسوخة إما بالآيتين السابقتين، أو بالسنة النبوية التي يكشف عنها إجماع المسلمين. المورد الخامس عشر: قوله تعالى * (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك) * (1). قال في الإتقان: إنها منسوخة بقوله تعالى * (إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت اجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) * (2). وقال العتائقي: إن قوله " لا يحل... الخ " نسخ بقوله تعالى " إنا أحللنا... الخ ". وهي من أعجب المنسوخ، لأنها بعد الناسخة. وقال الزرقاني: إنها منسوخة بقوله تعالى " إنا أحللنا... الخ ". ثم قال: واعلم أن هذا النسخ لا يستقيم إلا على أن هذه الآية متأخرة في النزول عن الآية الاولى، وهي كذلك على ترتيب النزول، وإن كانت في المصحف متقدمة عن الاولى. وقال الشيخ المقداد السيوري: إنها منسوخة بقوله تعالى " إنا أحللنا... الخ " وهو فتوى أصحابنا (3). وفي قبال هؤلاء من قال بعدم النسخ، فإنهم إما صرحوا بعدم النسخ، أو فسروا الآية من دون إشارة إلى أنها منسوخة، أو أنهم نسبوا النسخ إلى " القيل " مما يدل على أنهم هم لا يقولون به، ونذكر من هؤلاء: 1 - الشيخ الطبرسي، الذي قال في مجمع البيان، في تفسير آية: " لا يحل لك النساء من بعد " أي من بعد النساء اللواتي أحللناهن لك في قوله " إنا أحللنا


(1) الأحزاب: 52. (2) الأحزاب: 50. (3) كنز العرفان: ج 2 ص 244. (*)

[ 239 ]

لك... الخ " وهي ستة أجناس - إلى أن قال: - وله أن يجمع ما شاء من العدد، ولا يحل له غيرهن من النساء. عن ابي بن كعب وعكرمة والضحاك. ويلاحظ أنه (رحمه الله) قد رفع التنافي بين الآيتين بذلك حين فسر كلمة " من بعد " بأن المراد من بعد النساء اللواتي ذكرن قبل، وعلى هذا فلا يكون ثمة تناف بين الآيتين لتنسخ إحداهما الاخرى. 2 - العلامة الطباطبائي، الذي قال: قوله " لا يحل لك النساء... الخ " ظاهرها لو فرضت مستقلة في نفسها غير متصلة بما قبلها - إلى أن قال: - لكن لو فرضت متصلة بما قبلها وهو قوله " إنا أحللنا لك... الخ " كان مدلولها تحريم ما عدا المعدودات، وهي الأصناف الستة التي تقدمت (1). والذي يبدو لنا هو أن الآية غير منسوخة، وأن قوله تعالى: " إنا أحللنا لك... الخ " كما أنها متقدمة في المصحف كتابة كذلك هي متقدمة نزولا، إذ من البعيد جدا تقديم ما تأخر نزوله على آية تقدم نزولها في سورة واحدة، خصوصا إذا كان الآمر بوضع الآيات في مكانها هو النبي (صلى الله عليه وآله). ولبيان ذلك نقول: إن الله تبارك وتعالى قد أحل لنبيه أصنافا ستة من النساء ذكرها في آية: " إنا أحللنا... الخ " بالإضافة إلى ما ملكته يمينه. ثم قال سبحانه " ولا يحل لك النساء من بعد " أي بعد المذكورات، فما حرمه على رسوله هو زواج غير ما ذكر في الآية المشتملة على الأصناف الستة، وأما منهن فلا دليل يدل على انحصار الزواج منهن في عدد خاص، فيجوز له التزوج منهن أي عدد شاء، ولو كان فوق التسع. نعم، لو قيل: إن معنى قوله تعالى " من بعد " أي من بعد أزواجك اللواتي عندك في زمان نزول الآية، وهن تسع نساء - كما هو معروف - للزم القول بعدم جواز ما زاد على التسع، وكانت التسع في حقه (صلى الله عليه وآله) كالأربع في حقنا، ولكن هذا القيل مخالف لظاهر الآية، كما لا يخفى على من تأمل فيها.


(1) تفسير الميزان: ج 16 ص 336. (*)

[ 240 ]

فمعنى الآيتين - والله أعلم -: أنه يجوز لك الزواج من النساء المذكورات في آية " إنا أحللنا لك... الخ " أي عدد شئت. وأما من غيرهن فلا يجوز لك ذلك حتى ولو كان استبدالا بأن يستبدل بعض الستة المذكورات في الآية بغيرهن من أصناف اخرى. ويدل على ما ذكرنا بعض الروايات أيضا، ونذكر على سبيل المثال: ما رواه الشيخ الكليني بسند صحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل * (يا أيها النبي إنا أحللنا أزواجك) * قلت: كم أحل الله له من النساء ؟ قال: ما شاء من شئ، قلت: * (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج... الخ) * ؟ - إلى أن قال: - ولو كان الأمر كما يقولون، قد أحل لكم ما لم يحل له، إن أحدكم يستبدل كما أراد... الحديث (1). وثمة أخبار اخرى تفيد هذا المعنى لا مجال لذكرها، وقد صرح الإمام في بعضها بأن المراد من النساء الممنوعة على النبي (صلى الله عليه وآله) هي المحرمات المعدودة في سورة النساء، من الام والبنت وغيرهما من المحارم. لكن هذا كما ترى يصادم ظهور الآية لو كان المراد من هذه الأخبار ظاهرها. ولعلنا لم نستطع نحن إدراك ما يرومون (عليهم السلام) إليه، قال الفيض الكاشاني: إن هذه الأخبار كما ترى، رزقنا الله فهمها (2). وعن عائشة قالت: لم يمت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم (3). المورد السادس عشر: قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل


(1) الكافي: ج 5 ص 387 باب ما أحل للنبي (صلى الله عليه وآله) من النساء ح 1. (2) تفسير الصافي: في تفسير الآية. (3) مناهل العرفان: ج 2 ص 163. (*)

[ 241 ]

لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا) * (1). وقوله تعالى * (وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) * (2). قال العتائقي: إن الآيتين منسوختان بقوله تعالى * (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) * (3). وقال في الإتقان: إن قوله تعالى " وإن فاتكم شئ " قيل: إنه نسخ بآية السيف، وقيل بآية الغنيمة وقيل: محكم. وكذا نقله الزرقاني في مناهله عن بعض، لكنه هو قد اختار الإحكام، لإمكان الجمع بينهما، بأن يدفع من الغنائم مثل مهور هذه الزوجات المرتدات اللاحقات بدار الحرب - يدفع إلى الكفار - ثم تخمس الغنائم أخماسا، وتصرف في مصارفها الشرعية. وقال الجصاص في أحكام القرآن: إن هذه الأحكام في رد المهر، وأخذه من الكفار، منسوخ عند جماعة من أهل العلم، غير ثابت الحكم شيئا. والذي يبدو لنا هو أن آيات سورة الممتحنة مشتملة على أحكام تعبدية إسلامية، لا ربط لها بالاتفاق الذي كان في صلح الحديبية بين النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل مكة، كما قيل من أنه إن لحق بالمسلمين رجل من أهل مكة ردوه إليهم، وإن لحق بأهل مكة رجل من المسلمين لم يردوه إلى المسلمين. وهذه الأحكام التعبدية التي تدل عليها الآيتان هي: 1 - إذا هاجر إليكم نساء مؤمنات فامتحنوهن بإحلافهن على أنهن لم يخرجن إلا للإسلام، لا بغضا بزوج، ولا حبا بأحد، وحينئذ فلا يجوز ردهن إلى الكفار لقوله تعالى " لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ". 2 - يجب على المسلمين أن يؤتوا الكفار ما أنفقوا عليهن من المهور.


(1) الممتحنة: 10. (2) الممتحنة: 11. (3) التوبة: 1. (*)

[ 242 ]

3 - يجوز تزوج المسلمين بهن وإن كان لهن أزواج في بلاد الكفر، لأن الإسلام أوجب بينونتهن من أزواجهن، بشرط إعطائهن مهورا جديدة وعدم الاكتفاء بما أعطى أزواجهن الكفار. 4 - إذا كان للمسلمين زوجات باقيات على الكفر فلا يقيمون على إنكاحهن، لأن الإسلام أبانهن منهم. 5 - يجوز للمسلمين أن يطلبوا من الكفار مهور نسائهم اللواتي يلحقن بالكفار. 6 - ما ذكره الله تعالى بقوله " وإن فاتكم شئ " أي فاتتكم الزوجات أو فاتكم المهر بسببهن " من أزواجكم " المهاجرات " إلى الكفار فعاقبتم " أي أصبتم عقبى، يعني غنيمة " فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا " من المهر. فهذه أحكام ستة ثبتت بهاتين الآيتين إلى أن يثبت النسخ، وما يتوهم كونه ناسخا هو: الأول: قوله تعالى * (أن الله برئ من المشركين ورسوله) * (1) بأن يقال: إذا كان الله بريئا من المشركين فلا يناسب ذلك وجوب إيتاء المهر للمشركين المحاربين، فيما إذا انحازت نساؤهم المؤمنات إلى المسلمين، فالحكم لابد وأن يكون مختصا بوقت الهدنة. ويرد عليه: أنه إذا كان إيتاؤهم المهر لا يناسب الكفر وزمان الحرب معهم فالحكم بالإيتاء ليس ثابتا في عصر الحرب حتى ينسخ، وإذا كان يناسب ولا ينافي فهذا الحكم ثابت حتى يثبت الناسخ. هذا بالإضافة إلى أننا نجد في الشريعة موارد ظاهرة في أن الكفر لا ينافي احترام أموالهم، وذلك كودائعهم التي عند المسلمين، حيث قد أفتى الأصحاب بوجوب ردها إليهم.


(1) التوبة: 3. (*)

[ 243 ]

قال المحقق الحلي: يجب إعادة الوديعة على المودع مع المطالبة ولو كان كافرا (1). وقال شارح الشرائع مستدلا لذلك: لإطلاق الأدلة، وخصوص خبر الصيقل، وغيره من النصوص المستفيضة المتواترة، المأمور فيها برد الأمانة على صاحبها ولو كان قاتل علي أو الحسنين أو أولاد الأنبياء أو مجوسيا أو حروريا (2). الثاني: قوله تعالى * (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) * وقد عاهد المشركون المسلمين، ثم نكثوا فلا عهد لهم عند الله وعند رسوله، وقد أمر الله تعالى المسلمين بقتالهم بقوله * (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم... الخ) * (3) فإنهم * (إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) * (4). ويرد عليه: إن قتال ناكثي العهد لا يرتبط ولا يتنافى مع ثبوت الأحكام الستة المتقدمة. الثالث: قوله تعالى * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى... الخ) * (5). فهذه الآية تفيد أن خمس الغنيمة لله وللرسول ولمن ذكر في الآية، وأربعة أخماسها الباقية للغانمين، كما هو مقرر في الشرع. فما يدل على أن بعض الغنيمة يجب أن يصرف في إيتاء المهر - كما في الآية المتقدمة - يعارض هذه الآية، فلابد وأن يقال: إن هذه الآية ناسخة لآية إيتاء المهر. ويرد عليه: أن نسبة إحدى الآيتين إلى الاخرى هي نسبة العام إلى الخاص. ومن المقرر أن العام لا ينسخ الخاص بل يخصص به، وفيما نحن فيه نجد أن آية الغنيمة تدل على أن الغنيمة تصرف فيما قررت له، وإطلاقها يقتضي أن ذلك شامل لجميع الغنائم، ولكن آية إيتاء المهر خاصة بموردها، ودالة على لزوم إعطاء المهر


(1) شرائع الإسلام: كتاب الوديعة. (2) جواهر الكلام: ص 506 كتاب الوديعة الطبع القديم. (3) التوبة: 5. (4) التوبة: 9. (5) الأنفال: 41. (*)

[ 244 ]

من الغنيمة، فيجمع بينهما بأن يعطى المهر أولا، ثم يقسم ما بقي منها أخماسا. ويدل على ذلك ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام)، ونذكر على سبيل المثال: ما رواه الشيخ الطوسي بسند صحيح عن ابن اذينة وابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل لحقت امرأته بالكفار - إلى أن قال (عليه السلام) في جملة ما قال: - على الإمام أن يعطيه مهرها مهر امرأته الذاهبة... لأن على الإمام أن يجيز جماعة من تحت يده، وإن حضرت القسمة فله أن يسد كل نائبة تنوبه قبل القسمة، وإن بقي بعد ذلك شئ يقسمه بينهم، وإن لم يبق شئ لهم فلا شئ عليه (1). وإذا تأملت بهذا الحديث وغيره مما ذكر في محله (2) فإنك سوف تحكم ببقاء ذلك الحكم، وبوجوب إجرائه على الإمام، كما أن عليه أن يسد كل نائبة تنوبه قبل القسمة. المورد السابع عشر: قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) * (3). قال في الإتقان: الآية منسوخة بالآية بعدها * (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون) * (4). وقال العتائقي: إن المجادلة مدنية، فيها من المنسوخ آية " يا أيها الذين آمنوا... الخ " بقوله " أأشفقتم أن تقدموا... الخ ". كذا قال ابن شهرآشوب (5).


(1) التهذيب: ج 6 ص 313 باب 92 من أبواب كتاب المزار ح 72. (2) راجع تفسير البرهان: ج 4 ص 325 في تفسير الآية. (3) المجادلة: 11. (4) المجادلة: 12. (5) متشابهات القرآن: ج 2 ص 228. (*)

[ 245 ]

وقال الطبرسي في مجمع البيان في تفسير الآية: قوله " ذلك خير لكم وأطهر " تتطهرون بذلك لمناجاته (صلى الله عليه وآله)، كما تقدم الطهارة على الصلاة - إلى أن قال: - وقوله " أأشفقتم... الخ " قال سبحانه ناسخا للحكم الأول، وأنكم أهل الميسرة أخفتم الفاقة وبخلتم بالصدقة، فتاب على تقصيركم، وأمركم عوض الصدقة، وهو واجب مالي بشئ آخر، وهو إما واجب بدني، أو واجب مالي غير متكرر كالزكاة. وقال الزرقاني: إن الآية منسوخة بقوله تعالى عقب تلك الآية " أأشفقتم... الخ ". ثم نقل قول من قال بعدم النسخ، مستدلا بأن الآية الثانية بيان للصدقة المأمور بها في الآية الاولى، وأنه يصح أن تكون صدقة غير مالية كإقامة الصلاة ونحو ذلك. ثم أورد عليه بقوله: إن هذا ضرب من التكلف في التأويل، يأباه ما هو المعروف من معنى الصدقة، حتى أصبح لفظها حقيقة عرفية في البذل المالي وحده. هذا بعض ما قيل في المقام حول نسخ هذه الآية وعدمه. والذي يبدو لنا هو أن الآية الثانية إذا نظرنا إليها باستقلالها - مع قطع النظر عن الأخبار الواردة في تفسيرها - فإننا سوف نقتنع بأنها ناسخة للآية الاولى، وفيها توبيخ للصحابة أولا، ثم ترخيصهم بالمناجاة له (صلى الله عليه وآله) من دون تقديم صدقة، لكن مع إقام الصلاة وغير ذلك مما ذكرته الآية الشريفة، هذا بالنسبة لمن يقدر على الصدقة، وأما من لا يجد فإن الله غفور رحيم. ويبقى أن نشير هنا إلى أن ترك الصدقة قبيح، ويستفاد قبحه من التوبيخ والعتاب الوارد في الآية " أأشفقتم... الخ " إذ لا توبيخ إلا على القبيح. والسر في قبحه هو: أن من يزور النبي (صلى الله عليه وآله) ويناجيه إذا امر بالتصدق قبل النجوى فترك ذلك ضنا بالمال وحرم نفسه من التشرف بزيارة النبي من أجل ذلك يكون بلا ريب قد فعل أمرا قبيحا، لأنه يكشف عن عدم اعتنائه بما فاته من فوائد وبركات يستفيدها من الحضور بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) من أجل مقدار من المال وحبا بالدنيا الذي هو رأس كل خطيئة.

[ 246 ]

وهنا يرد سؤال وهو: لماذا ترك أهل اليسار والمال من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) التصدق بين يدي نجواهم ؟ ولم يعمل بهذا الحكم إلا الفقير مالا - علي بن أبي طالب - كما نصت عليه الروايات الواردة من طرق الشيعة وغير الشيعة على حد سواء، ونحن نذكر على سبيل المثال: 1 - ما رواه علي بن إبراهيم عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله عز وجل: * (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) * قال: قدم علي بن أبي طالب بين يدي نجواه صدقة، ثم نسخها قوله * (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقة) * (1). 2 - ما رواه أيضا عن مجاهد قال: قال علي (عليه السلام): إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، وهي آية النجوى، كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم، فجعلت اقدم بين يدي كل نجوى اناجيها النبي (صلى الله عليه وآله) درهما. قال: فنسخها قوله: " أأشفقتم... الخ " (2). 3 - ما عن الدر المنثور أخرج سعيد بن منصور وابن راهويه وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن علي قال: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها بعدي، آية النجوى... الحديث (3). 4 - ما رواه الطبري عن مجاهد قال: قال علي (رضي الله عنه): آية من كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي... الحديث (4). نعم، لماذا لم يعمل الصحابة ذوو المال واليسار بهذه الآية وعمل بها فقط علي (عليه السلام) ؟ مع قبح ذلك منهم، وعدم وجود مانع لهم من ذلك سوى ضنهم بالمال، وإيثارهم له على زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) والاستفادة منه. ومن العجيب هنا ما نقل عن الفخر الرازي فإنه قال في دفع هذا الإشكال عن


(1 و 2) تفسير القمي: ج 2 ص 337. (3) تفسير الدر المنثور: في تفسير الآية. (4) تفسير الطبري: في تفسير الآية. (*)

[ 247 ]

الصحابة ما نصه: وذلك (لأن) الإقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير، فإنه لا يقدر على مثله، فيضيق قلبه. ويوحش قلب الغني، فإنه لما لم يفعل الغني ذلك وفعله غيره صار ذلك الفعل سببا للوحشة (1). فإنه بالتأمل في كلمات الرازي لابد وأن يرد الإشكال على الله، الذي شرع حكما هذا حاله وهذا مآله عند الصحابة الذين يتعصب لهم الرازي ويجره هذا التعصب إلى مزالق خطرة كما جرى له هنا. وأيضا كلامه هذا يقتضي عدم وجوب الزكاة والخمس وغير ذلك من الحقوق المالية التي لا تفترق عن هذا المقام في شئ. هذا بالإضافة إلى أن قوله " إن الفقير لا يقدر على مثله، فيضيق قلبه " يدل على أن الرازي قد غفل تماما عن قوله تعالى في آخر الآية " فإن لمن تجدوا فإن الله غفور رحيم " الصريح في أن الأمر بالصدقة مخصوص بالمتمكن، وأما الفقير فله أن يزور النبي (صلى الله عليه وآله) ويناجيه من دون تقديم شئ. وأما قوله " يوحش قلب الغني إذا لم يفعل ذلك وفعله غيره " فهو أيضا غريب، إذ أنه لا يوجب جواز الترك، وإلا لجاز على الأوامر كلها، لأن تركها مع فعل الغير لها يوجب الوحشة أيضا، فهل يلتزم أحد بذلك ؟ ! أعاذنا الله عن الزلل في القول والعمل. المورد الثامن عشر: قوله تعالى * (يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه) * (2). قال في الإتقان (3): إنها منسوخة بآخر السورة * (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن


(1) التفسير الكبير: في تفسير الآية. (2) المزمل: 1 - 4. (3) الإتقان: ج 2 ص 23. (*)

[ 248 ]

لن تحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر من القرآن) * (1). وكذا قاله الزرقاني في المناهل، ثم قال بعد بيان له: ولا ريب أن هذا الحكم الثاني رافع للحكم الأول، فتعين النسخ (2). ومثله قال العتائقي. وفي قبال هؤلاء من قال بعدم النسخ، منهم: 1 - العلامة الطباطبائي، قال - بعد ذكر قوله تعالى " فاقرأوا ما تيسر من القرآن ": المراد به التخفيف في قيام الليل من حيث المقدار لعامة المكلفين تفريعا على علمه تعالى أنهم لن يحصوه. ولازم ذلك التوسعة في التكليف دون النسخ، بمعنى كون قيام الثلث أو النصف أو الأدنى من الثلثين لمن استطاع ذلك بدعة محرمة (3). 2 - السيد شبر في تفسيره عبر عن تعويض الحكم بالتخفيف لا النسخ. والذي يبدو لنا في معنى الآية هنا هو أنه يجب على النبي (صلى الله عليه وآله) القيام في الليل، وتجب عليه أيضا صلاة الوتر. أما وجوب القيام في الليل فقد دلت عليه هذه الآيات، وقوله تعالى * (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) * (4). ثم إنه (صلى الله عليه وآله) كان إذا قام في الليل ليصلي أو ليقرأ القرآن أو ليستغفر تأسى به بعض أصحابه، وقاموا لذلك من دون أن يكونوا مأمورين بذلك. وأما وجوب الوتر عليه (صلى الله عليه وآله) فهو مما دلت عليه الروايات كقوله (صلى الله عليه وآله): ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم: السواك، والوتر، والاضحية (5). وفي نبوي آخر: كتب علي الوتر ولم يكتب عليكم، وكتب علي السواك ولم يكتب عليكم، وكتبت علي الاضيحة ولم تكتب عليكم (6). وهذا، يتضح منه عدم صحة ما ذهب إليه بعض العامة من عدم وجوب الثلاثة عليه، فإن هذه الروايات تدفع قوله هذا وترده.


(1) المزمل: 20. (2) مناهل العرفان: ج 2 ص 165. (3) تفسير الميزان: ج 20 ص 75. (4) الإسراء: 79. (5 و 6) بحار الأنوار: ج 16 ص 382. (*)

[ 249 ]

ثم لا يخفى أن قيام الليل ربما يحصل بصلاة الوتر فيتداخلان وتكون صلاة الوتر هذه امتثالا لكلا الحكمين، وربما يحصل قيام الليل بقراءة القرآن المجيد فيسقط به وجوب القيام ويبقى وجوب الوتر على حاله. فإذا تبين أنه يجب على النبي (صلى الله عليه وآله) في الليل أمران فإن هذا الوجوب يبقى إلى أن يثبت الناسخ كما في غيرها من الأحكام، وقد تقدم عن قريب بعض الأقوال في ذلك. ونضيف هنا ما ذكره الشيخ محمد حسن في جواهر الكلام حيث قال: وعن بعض الشافعية أن ذلك (يعني وجوب القيام) قد نسخ، وعن آخرين: أن ذلك كان واجبا عليه وعلى الامة ثم نسخ. ثم قال: ولم يثبت شئ من ذلك عندنا. وحيث إن بحثنا هذا خاص في الآيات القرآنية المنسوخة فلسوف نقتصر على الحديث عن نسخ وجوب قيام الليل الثابت بالقرآن، ونترك الحديث عن نسخ وجوب صلاة الوتر لأنها إنما ثبتت بالقرآن - إلا على قول من قال: إن قيام الليل كناية عن الصلاة فيه، ومن ذلك صلاة الوتر - فنقول: الذي يظهر لنا هو أن الآية التي في أول السورة منسوخة بالآية التي في ذيل السورة " إن ربك يعلم... الخ ". حيث إنها تفيد أن وجوب القيام الثابت في حق النبي - وكان بعض الصحابة يقومون معه (صلى الله عليه وآله) تأسيا واتباعا - كان صعبا جدا على أكثر الناس، الذين لا يتيسر لهم عادة إحصاء نصف الليل أو ثلثه أو ثلثيه، كما قال تعالى * (علم أن لن تحصوه... الخ) * فجاء الترخيص لهم بترك القيام في الليل، واستعيض عنه بقراءة القرآن. ومن المعلوم أن هذا نسخ لما كان واجبا، ولما كان بعض الصحابة يفعله تأسيا واتباعا فما ذكره بعض المحققين من أن هذا تخفيف لا نسخ - كما تقدم - لا يصح، لأن ما كان واجبا تعيينا إذا زال حكمه كان ذلك نسخا، سواء بقي بعد ذلك على الاستحباب إذا دل دليل على ذلك من إطلاق أو عموم لأدلة العمومات أم لا. هذا، ولا تفوتنا أخيرا الإشارة إلى أن المراد من قوله تعالى " ما تيسر " هو ما يسهل على الناس، وهم منه في يسر وراحة، وهو يختلف باختلاف الناس قوة

[ 250 ]

وضعفا، وبحسب اعتيادهم وعدمه. ومع ذلك فنجد أن البعض قد حاول تقدير ذلك وتحديده: فعن سعيد بن جبير: أن ما تيسر خمسون آية. وعن ابن عباس: مائة آية. وعن الحسن: أن من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن. وعن كعب: من قرأ مائة آية في ليلة كتب من القانتين. وعن السدي: مائتا آية. وعن جويبر: ثلث القرآن (1). المورد التاسع عشر: قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم) * (2). قال في الإتقان: قيل: إنها منسوخة، وقيل: لا، ولكن تهاون الناس في العمل بها. ثم قال في آخر كلامه: والأصح فيها الإحكام. وقال العتائقي: نسخها بقوله تعالى * (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) * (3). وقال الشيخ المقداد السيوري: ظن قوم أن الآية منسوخة، وليست كذلك. ثم قال: وقال ابن جبير: يقولون: هي منسوخة، لا والله ما هي منسوخة. لكن الناس تهاونوا بها، وقيل للشعبي: إن الناس لا يعملون بها، فقال: الله المستعان (4). وقال الزرقاني: قيل: إنها منسوخة، لكن لا دليل على نسخها، فالحق أنها


(1) راجع تفسير مجمع البيان: ج 5 ص 382. (2) النور: 58. (3) النور: 59. (4) كنز العرفان: ج 2 ص 226 في الآية الرابعة من النوع الرابع. (*)

[ 251 ]

محكمة، وهي أدب عظيم يلزم الخدم والصغار البعد عن مواطن كشف العورات (1). والذي يظهر لنا هو أن الآية باقية لم تنسخ، ويساعد على ذلك الاعتبار والعرف، لأن حماية الأعراض وحفظ الأنظار عما لا يليق رؤيته أمر غير قابل للنسخ. هذا بالإضافة إلى فقدان الدليل على النسخ، ولتوضيح ذلك نرشد إلى التأمل في الآيات التالية: 1 - * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون * فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم) * (2). والذي يستفاد من هاتين الآيتين هو الأهمية التي أعطاها الله لهذا الأمر، حيث أوجب تعالى فيهما على من دخل بيت غيره أن يستأذن أهل ذلك البيت ويسلم عليهم. ثم الخيار بعد هذا الأدب لصاحب البيت فيأذن له بالدخول إن لم يكن لديه مانع فيدخل، وإلا فإن رأى أن دخوله ليس فيه صلاحا أو كان لديه مانع من ذلك فسكت أو رده بقوله: ارجع فليرجع. وهذا يوجب - كما قيل - استحكام الاخوة والالفة والتعاون العام على إظهار الجميل وستر القبيح، ويبعد عن التطلع إلى عورات الناس. ومما يؤكد على مدى أهمية الموضوع لدى الشارع ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله لسمرة بن جندب: ما أراك يا سمرة إلا مضارا في قصة مشهورة، رويت بطرق عديدة، وهي على حسب رواية الحر العاملي عن الفقيه عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): كان لسمرة بن جندب نخلة في حائط بني فلان، فكان إذا جاء إلى نخلته ينظر إلى شئ من أهل الرجل يكرهه، قال: فذهب الرجل


(1) مناهل العرفان: ج 2 ص 163. (2) النور: 27 و 28. (*)

[ 252 ]

إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشكاه فقال: يا رسول الله، إن سمرة يدخل علي بغير إذني، فلو أرسلت إليه فأمرته أن يستأذن حتى تأخذ أهلي حذرها منه، فأرسل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعاه: فقال: يا سمرة، ما شأن فلان يشكوك ويقول: يدخل بغير إذني، فترى من أهله ما يكره ذلك ؟ يا سمرة، استأذن إذا أنت دخلت. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يسرك أن يكون لك عذق في الجنة بنخلتك ؟ قال: لا، قال: لك ثلاثة، قال: لا، قال: ما أراك يا سمرة إلا مضارا، اذهب يا فلان فاقطعها (فاقلعها) واضرب بها وجهه (1). وفي رواية اخرى: فلما أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله، فأبى أن يبيع، فقال (صلى الله عليه وآله): لك بها عذق يمد لك في الجنة... الحديث (2). فمحافظة النبي (صلى الله عليه وآله) على الأعراض مما لا يشوبه شك أو ترديد، وهو واضح من الحديث المذكور، حتى أنه (صلى الله عليه وآله) غضب على سمرة فقال له بعد قلع النخلة: انطلق، فاغرسها حيث شئت (3). 2 - قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) * (4). فهذه الآية تدل على وجوب الاستئذان على من ملكت الأيمان، وعلى الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، في ثلاث ساعات، عبر عنها الله بأنها " ثلاث عورات " لا ينبغي التطلع فيها، لأن الإنسان يكون عادة في هذه الأوقات مبتذلا في ملابسه، أو على حال لا يحب أن يراه أحد، فلابد من الاستئذان في هذه


(1 و 2) وسائل الشيعة: ج 17 ص 340 و 341 ب 12 من أبواب إحياء الموات ح 1 و 3. (3) ونقل في شرح النهج لابن أبي الحديد: ج 4 ص 73 عن شيخه أبي جعفر: أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي: أن هذه الآيات نزلت في علي بن أبي طالب * (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى... الخ) * [ البقرة: 204 و 205 ] وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى * (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) * [ البقرة: 207 ] فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل. (4) النور: 58. (*)

[ 253 ]

الأوقات حتى من المماليك والأطفال غير البالغين، وإن جاز لهم في غيرها الورود بلا إذن مسبق، لأن مهنتهم وهي الخدمة يصعب معها الاستئذان لكل ورود ودخول. كما قال الله تعالى في ذيل الآية * (ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض) * فكأن الآية كالاستئذان من الآية السابقة التي توجب الاستئذان على كل أحد. ويصير معنى الآيتين بعد ضم إحداهما إلى الاخرى - والله أعلم -: أنه يجب على المؤمنين الاستئذان للدخول إلا المماليك وغير البالغين من الصبيان الأحرار، فإنه يجب عليهم الاستئذان في مواقيت خاصة. 3 - قوله تعالى * (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) * (1). فهذه الآية تفيد أن الأطفال إذا بلغوا الحلم كانوا كغيرهم من الأحرار البالغين الذين دلت الآية السابقة " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا... الخ " على وجوب الاستئذان عليهم في كل الساعات إذا أراد الدخول إلى غير بيوتهم ولو كانوا من المحارم بالنسبة إلى أهل ذلك البيت. وتكون النتيجة هي: أنه قد ظهر من بيان معاني الآيات إجمالا أنه لا مقتضي للنسخ، ولا تنافي بين الآيات حتى نضطر إلى النسخ، لأن الواجب على الأطفال هو الاستئذان في ثلاث ساعات فقط، أما إذا بلغوا فهم كغيرهم من الأحرار حيث يجب عليهم الاستئذان في جميع الأوقات. هذا بالإضافة إلى وجود أخبار تدل على بقاء الحكم وعدم نسخه، ونذكر على سبيل المثال: 1 - ما رواه الشيخ الكليني بسنده إلى جراح المدائني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليستأذن الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات كما


(1) النور: 59. (*)

[ 254 ]

أمركم الله، ومن بلغ الحلم فلا يلج على امه ولا على اخته ولا على خالته ولا على سوى ذلك إلا بإذن، فلا تأذنوا حتى يسلم، والسلام طاعة لله عز وجل. قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام): ليستأذن عليك خادمك إذا بلغ الحلم في ثلاث عورات، إذا دخل في شئ منهن ولو كان بيته في بيتك. قال: وليستأذن عليك بعد العشاء التي تسمى العتمة، وحين تصبح، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، وإنما أمر الله عز وجل بذلك للخلوة، فإنها ساعة غرة (1) وخلوة (2). 2 - ما رواه أبو بكر الجصاص عن عطاء بن يسار: أن رجلا سأل النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أستأذن على امي ؟ قال: نعم، أتحب أن تراها عريانة (3). وهكذا يتضح أنه لا دليل على النسخ، بل الدليل على عدمه، مضافا إلى أن بقاء الحكم أمر يساعده الاعتبار والتحفظ على الأعراض. المورد العشرون: قوله تعالى * (وإذا حضر القسمة اولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا) * (4). قال في الإتقان: قيل: إنها منسوخة، وقيل: لا، ولكن تهاون الناس في العمل بها، ثم قال في ذيل البحث: والأصح فيها الإحكام. وقال العتائقي: نسخت بآية المواريث " يوصيكم الله... الخ ". وفي تفسير النعماني عن علي (عليه السلام): أنها نسخت بقوله تعالى * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك... الخ) * (5). وعن سعيد بن المسيب وأبي مالك والضحاك أنها منسوخة بآية المواريث (6).


(1) الغرة: الغفلة. (2) الكافي: ج 5 ص 529 ح 1. (3) أحكام القرآن للجصاص: ج 5 ص 170. (4) النساء: 8. (5) النساء: 11. (6) راجع تفسير مجمع البيان: ج 2 ص 11، وأحكام القرآن للجصاص: ج 2 ص 68. (*)

[ 255 ]

وفي مقابل هؤلاء من قال بعدم النسخ، فمنهم: ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وإبراهيم، ومجاهد، والشعبي، والزهري، والسدي. واختاره البلخي والجبائي والزجاج وأكثر المفسرين والفقهاء (1). وقال الزرقاني: والظاهر أنها محكمة، لأنها تأمر بإعطاء اولي القربى واليتامى والمساكين الحاضرين لقسمة التركة شيئا، وهذا محكم باق على وجه الندب مادام المذكورون غير وارثين، ولا تعارض ولا نسخ. ثم قال في ذيل البحث: وعن ابن عباس أن الآية محكمة غير أن الناس تهاونوا بالعمل بها (2). وقال العلامة الطباطبائي - بعد قوله: إن الرزق في الآية هل هو على نحو الوجوب أو الندب، وهو بحث فقهي خارج عن وضع الكتاب ما معناه -: إن النسبة بين الآيتين ليست نسبة التناقض... ولا موجب للنسخ، خاصة فيما إذا قلنا بأن الرزق مندوب، كما أن الآية لا تخلو من ظهور فيه (3). وكيف كان، فالذي يظهر لنا هو أن الآيتين ليستا متعارضتين حتى نحتاج في رفع ذلك إلى القول بأن إحداهما نسخت الاخرى، لأن آية الرزق توجب على الورثة إعطاء شئ لهم من التركة واجبا على الورثة، والأولياء فيما لو كانوا صغارا، وآية المواريث تجعل التركة للوارث كل على حسب نصيبه منها. فلا تنافي بين كون التركة للوارث وبين أن يجب عليه أو يستحب له إعطاء شئ منها لاولي القربى، كما هو شأن كل واجب مالي، أي أن الملاك بما هم ملاك يجب عليهم إعطاء مقدار من مالهم للفقراء، غاية الأمر أن الرزق في الآية غير مقدر، وأوكل تقديره إلى الورثة أنفسهم حسب ما يشاؤون. هذا كله إذا كنا نحن والآية فقط، أما إذا كان ثمة دليل خارجي على ثبوت النسخ فهو المتبع، وما يمكن أن يكون دليلا على ذلك هو:


(1) راجع تفسير مجمع البيان: ج 2 ص 11، وأحكام القرآن للجصاص: ج 2 ص 68. (2) مناهل العرفان: ج 2 ص 159. (3) تفسير الميزان: ج 4 ص 200. (*)

[ 256 ]

1 - ما روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير من أن الناس قد تهاونوا بهذا الحكم، وقد تقدم. فهذا يكشف أن الحكم الوجوبي قد نسخ، إذ من المعلوم أن الناس لا يتهاونون بأمر واجب عليهم متعلق بالتركة بحيث يمتنعون عن أداء الحق مع وجود الحكام والولاة، الذين لا يسكتون على مثل هذا. 2 - ما سبق في تفسير النعماني عن علي (عليه السلام): أن الآية نسخت بآية المواريث. 3 - ما رواه العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن قول الله * (وإذا حضر القسمة اولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) * قال: نسختها آية الفرائض (1). وفي خبر آخر عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله (2). 4 - أن الرزق لو كان واجبا لشاع وجوبه، لأنه أمر مالي يبتلى به كل وارث، فكيف خفي حكمه علينا ؟ واختلف فيه المفسرون بأنه هل هو منسوخ أو باق على الإحكام ؟ وهكذا، وبعد ملاحظة هذه الامور يحصل للباحث الاطمئنان بعدم وجوب الرزق. وأما الاستحباب فالأمر فيه سهل، فلو لم تدل الآية عليه لدلت عليه عمومات استحباب الإنفاق والإطعام، كقوله تعالى * (ما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين) * (3) وغيرها من الآيات والأخبار الدالة على رجحان الإنفاق في كل حال، فراجع. ونكتفي بهذا المقدر من البحث حول الناسخ والمنسوخ في القرآن، وقد اتبعنا في بحثنا كما ترى ترتيب الأشعار التي نظمها السيوطي في المقام، كما أننا اقتصرنا على خصوص الموارد العشرين التي تعرض لها السيوطي، ونأمل أن نوفق في فرصة اخرى للبحث عن الموارد الباقية إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيد المرسلين محمد وآله المنتجبين.


(1 و 2) تفسير العياشي: ج 1 ص 248 ح 34 و 36. (3) سبأ: 39. (*)

[ 257 ]

المحكم والمتشابه في القرآن بداية: لا ريب في اشتمال القرآن الكريم على المحكم والمتشابه، ولا مانع من ذلك بعد أن صرح القرآن نفسه بوجود هذين القسمين فيه، حيث قال تعالى * (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا اولو الألباب) * (1). وهذه الآية الصريحة في وجود كلا القسمين في القرآن تصير قرينة على المراد في آيات اخرى، يظهر منها أن القرآن كله محكم، وآيات يظهر منها أنه كله متشابه، كقوله تعالى * (الر كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) * (2). وقوله * (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني... الخ) * (3). وذلك بأن يقال: إن المراد من قوله تعالى " احكمت آياته " هو أن آيات


(1) آل عمران: 7. (2) هود: 1. (3) الزمر: 23. (*)

[ 258 ]

القرآن كلها متقنة، لا خلل فيها، لا لفظا ولا معنى. فيكون المراد بالإحكام هو الإتقان، كما يقال: أحكم الأمر، أي أتقنه (1). والمراد من قوله تعالى " كتابا متشابها " هو أن الآيات القرآنية كلها يشبه بعضها بعضا في الإحكام وحسن النظم، ففي كتب اللغة: أن التشابه مأخوذ من الشبه، أي المثل، يقال: تشابه الرجلان واشتبها، أي أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا (2). وهكذا يتضح أن المراد من الآية الاولى غير المراد من الآيتين الأخيرتين. الأقوال في معنى المتشابه والمحكم: وقد اختلف في معنى المتشابه على أقوال كثيرة، نقلها الباحثون في كتبهم: 1 - قال الشيخ الطبرسي: وفيه أقوال على ما قيل: أحدها: أن المحكم ما علم المراد بظاهره من غير قرينة تقترن به، والمتشابه ما لا يعلم المراد بظاهره حتى يقترن به ما يدل على المراد منه. ثانيها: أن المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، عن ابن عباس. ثالثها: أن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما يحتمل وجهين فصاعدا. عن محمد بن جعفر بن الزبير وأبي علي الجبائي. رابعها: أن المحكم ما لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه ما تكرر ألفاظه، كقصة موسى وغير ذلك، عن ابن زيد. خامسها: أن المحكم ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه ما لا يعلم تعيين تأويله، كقيام الساعة، عن جابر بن عبد الله (3). 2 - ونقل السيوطي أقوالا اخر، مضافا إلى ما ذكره الشيخ الطبرسي، فقال:


(1) راجع النهاية لابن الأثير وأقرب الموارد: مادة " حكم ". (2) راجع أقرب الموارد ومجمع البحرين: مادة " شبه ". (3) تفسير مجمع البيان: ج 1 في تفسير الآية. (*)

[ 259 ]

وقيل: إن المحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه، كأعداد الصلاة، واختصاص الصيام برمضان دون شعبان، قاله الماوردي. وقيل: المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال. وعن مقاتل بن حيان قال: المتشابهات فيما بلغنا: الم، والمص، والمر، والر. وعن عكرمة وقتادة: أن المحكم الذي يعمل به، والمتشابه الذي يؤمن به ولا يعمل به (1). 3 - وأضاف الشيخ الزرقاني إلى هذه الأقوال في جملة ما أضاف، قولا نسبه إلى الرازي، واختاره هو، إذ قال: إن رأي الرازي أهداها (أي الآراء) سبيلا، وأوضحها بيانا. وخلاصة هذا الرأي هو: أن المحكم ما كانت دلالته راجحة وهو النص والظاهر، أما المتشابه فما كانت دلالته غير راجحة وهو المجمل والمؤول والمشكل، ويعزى هذا الرأي إلى الإمام الرازي، واختاره كثير من المحققين (2). 4 - أما العلامة الطباطبائي فقد أنهى الأقوال إلى ستة عشر قولا ثم حقق فيها، وأورد عليها ما رآه من الإشكال، إلى أن قال: هذا هو المعروف من أقوالهم في معنى المحكم والمتشابه، وتمييز مواردها، وقد عرفت ما فيها، وعرفت أن الذي يظهر من الآية - على ظهورها وسطوع نورها - خلاف ذلك كله، وأن الذي تعطيه الآية في معنى المتشابه أن تكون الآية - مع حفظ كونها آية - دالة على معنى مريب، لا من جهة اللفظ، بحيث تعالجه الطرق المألوفة عند أهل اللسان، كإرجاع العام والمطلق إلى المخصص والمقيد، ونحو ذلك، بل من جهة يكون معناها غير ملائم لمعنى آية اخرى محكمة لا ريب فيها، تبين حال المتشابه (3).


(1) الإتقان: ج 2 ص 2 و 3. (2) مناهل العرفان: ج 2 ص 170. (3) تفسير الميزان: ج 3 ص 41. (*)

[ 260 ]

تحديد موضوع البحث: وكيف كان، فالذي ينبغي أن يبحث عنه هنا هو النقاط التالية: 1 - تحديد المراد من المحكمات والمتشابهات في قوله تعالى * (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات... الخ) *. 2 - الجواب على سؤال: هل العلم بتأويل المتشابهات مخصوص بالله تعالى شأنه أم لا ؟ وهل العلماء الذين سماهم الله تعالى في كتابه ب‍ " الراسخين في العلم " يعلمون المتشابه أم لا ؟ 3 - في سبب إيراد المتشابهات في القرآن الكريم وحكمة ذلك. فأقول: أما الكلام في النقطة الاولى فنوجزه على النحو التالي: معنى المحكم والمتشابه: بعد أن عرفنا أن المراد من المحكم والمتشابه في آية آل عمران غير المراد منهما في غيرها نقول: الذي يبدو لنا هو أن المراد بالمحكمات الآيات التي تدل على معانيها على وجه واحد، بلا مانع يمنع من إرادة مثل المعاني، من دون فرق بين النص وغيره مما كانت دلالته راجحة. ويعبر عن هذا المعنى بالظهور، الذي يجب العمل على طبقه، ويؤاخذ العبد على تركه في عرف الناس وسيرتهم، ولا فرق فيه أيضا بين الإنشاء والإحكام، وبين القصص والأخبار. والمراد بالمتشابهات الآيات التي على خلاف المحكمات، وهي إما لا تدل على معنى ظاهر أصلا كفواتح السور - على القول بأنها لا تدل على شئ ظاهر بل هي رموز بين الله وبين نبيه (صلى الله عليه وآله) -، وإما تدل على معنى لكنه غير مراد قطعا - بحكم العقل مثلا - كقوله تعالى: * (الرحمن على العرش استوى) * (1) الدال على


(1) طه: 5. (*)

[ 261 ]

كونه تعالى جسما، تعالى الله عما يصفون، والعقل السليم يأباه ويراه محالا. أو مثل قوله تعالى * (إذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة) * (1) الدال بظاهره على معنى غير مراد شرعا، لأن إبراهيم جد نبينا (صلى الله عليه وآله) وقد صح عند أصحابنا أن جميع آباء النبي (صلى الله عليه وآله) إلى آدم (عليه السلام) كانوا موحدين، وعلى ذلك إجماع الطائفة (2)، فلا يصح أن يكون آزر أبا لإبراهيم بالمعنى المعروف للأب، بل لابد من أن يقال: إنه جد إبراهيم لامه أو عمه، كما ذكره السيوطي وغيره من أهل السنة (3). أو تدل على معان متعددة، من دون مرجح لأحدها، ولا قرينة معينة لأي منها، وهذا النوع لا يعمل به إلا من كان في قلبه زيغ ابتغاء الفتنة، أعاذنا الله تعالى من ذلك. أدلة هذا التفسير ومؤيداته: ومما يدل على هذا التفسير أو يؤيده امور: الأول: ما في تفسير النعماني عن علي - حينما سألته شيعته عن التشابه - قال (عليه السلام): وأما المتشابه من القرآن فهو الذي انحرف منه، متفق اللفظ مختلف المعنى، مثل قوله عز وجل * (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) * (4) فنسب الضلالة إلى نفسه في هذا الموضع، وهذا ضلالهم عن طريق الجنة بفعلهم، ونسبه إلى الكفار في موضع آخر، ونسبه إلى الأصنام في آية اخرى. فمعنى الضلالة على وجوه، فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، ومنه ما ليس بمحمود ولا مذموم، ومنه ضلال النسيان، فالضلال المحمود هو المنسوب إلى الله تعالى، وقد بيناه. والمذموم هو قوله تعالى * (وأضلهم السامري) * (5)... الحديث (6).


(1) الأنعام: 74. (2) راجع تفسير مجمع البيان: ج 2 ص 322. (3) المدارج المنيفة في الآباء الشريفة للسيوطي: ص 11. (4) النحل: 93، فاطر: 8. (5) طه: 85. (6) بحار الأنوار: ج 93 ص 12 عن تفسير النعماني. قال الشيخ النوري في خاتمة المستدرك = (*)

[ 262 ]

فترى أنه (عليه السلام) قد عد الألفاظ التي لها معان متعددة من المتشابهات. الثاني: ما في تفسير العياشي: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المحكم والمتشابه فقال: المحكم ما يعمل به، والمتشابه ما اشتبه على جاهله (1). فأطلق الإمام عنوان المتشابه على كل ما اشتبه على جاهله، من أي طريق حصل التشابه. الثالث: شهادة أهل اللغة بأن المتشابه هو ما التبس أمره (2). هذا بالإضافة إلى أن ما ذكرناه في تفسير المحكم والمتشابه هو المتبادر إلى الفهم العرفي، فإنهم يرون أن المتشابه هو ما كان معناه مشكوكا والمراد منه ملتبسا. الراسخون في العلم يعلمون بالتأويل: والذي ينبغي أن يقال هنا هو: أن الراسخين في العلم يعلمون بالتأويل، لكن لا لأن آية آل عمران تدل على ذلك بنفسها، بل لدلالة الروايات والأخبار على أن الرسول (صلى الله عليه وآله) وأوصياءه (عليهم السلام) كانوا يعلمون بالتأويل، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الراسخين - كما في الحديث - وستأتي هذه الروايات عن قريب إن شاء الله تعالى. وأما وجه عدم دلالة الآية على ذلك فلأ نه كما يحتمل عطف قوله تعالى فيها " والراسخون في العلم " على لفظ الجلالة لتدل على أن الراسخين في العلم أيضا يعلمون بالتأويل كذلك يحتمل أن تكون الواو استئنافية، وتصير جملة " والراسخون " مع قوله " يقولون... " جملة مستأنفة لا ربط لها بما قبلها. وتكون النتيجة أن العلم بالتأويل ينحصر بالله تعالى.


= ص 365: إن التفسير للشيخ الجليل الأقدم أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني الكاتب - إلى أن قال: - إن الكتاب في غاية الاعتبار، وصاحبه شيخ أصحابنا الأبرار. (1) تفسير العياشي: ج 1 ص 11 ح 1 و 7. (2) راجع أقرب الموارد ونهاية ابن الأثير ومجمع البحرين ولغة مجمع البيان: مادة " شبه ". (*)

[ 263 ]

قال في الإتقان: اختلف هل المتشابه مما يمكن الاطلاع على علمه أو لا يعلمه إلا الله ؟ على قولين، منشأهما الاختلاف في قوله " والراسخون في العلم " هل هو معطوف و " يقولون " حال، أو مبتدأ خبره " يقولون " والواو للاستئناف ؟ (1). وقال الشيخ الطبرسي: واختلف في نظمه وحكمه على قولين، أحدهما: أن " الراسخون " معطوف على " الله " بالواو، على معنى: أن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله، وإلا الراسخون في العلم، فإنهم يعلمونه، و " يقولون " على هذا في موضع النصب على الحال، وتقديره: " قائلين آمنا بالله كل من عند ربنا " كقول ابن المفرغ الحميري: الريح تبكي شجوه * والبرق يلمع في غمامه أي والبرق يبكي أيضا لامعا في غمامه (2). فالآية إذا لا تدل على علم الراسخين في العلم بالتأويل بل الدال على ذلك هو الروايات الآتية. التأويل هو التفسير: ثم لا يخفى أن المراد من التأويل في الآية الشريفة هو بيان المراد الجدي من الآيات المتشابهة، وحيث إن ألفاظها لا تدل بظاهرها عليه سمي ما اريد منها تأويلا، لأنه من الأول، أي الرجوع، وكان ذلك المعنى هو ما رجع إليه بعد مقدمات، وأن المتشابه هو يؤول إليه بعد خفائه، وبعد كونه مجهولا، كما في بعض المعاجم (3). أدلة الطرفين على ما يذهبان إليه: واستدل على أن العلم بالتأويل يختص بالله تعالى دون غيره بأدلة كثيرة


(1) الإتقان: ج 2 ص 3. (2) تفسير مجمع البيان: ج 1 ص 410. (3) راجع تفسير مجمع البيان: ج 1 ص 408، وأقرب الموارد والنهاية لابن الأثير ومجمع البحرين: مادة " آل ". (*)

[ 264 ]

ذكرها في الإتقان، وكان أحسنها بنظر السيوطي هو: ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره والحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنه كان يقرأ: " وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به ". ثم قال السيوطي: فهذا يدل على أن الواو للاستئناف، لأن هذه الرواية إن لم تثبت بها القراءة فأقل درجتها أن تكون جبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن، فيقدم كلامه في ذلك على من دونه (1). وفيه (أولا) أنه معارض بما رواه مجاهد عن ابن عباس في قوله: " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " قال: إنا ممن يعلمون تأويله (2). فيستفاد من هذا أنه لا يقف عند قوله " إلا الله " بل هو يعطف قوله " والراسخون في العلم " عليه، حتى يفيد أن الراسخين في العلم عالمون بالتأويل أيضا، ليصح قوله: إنا ممن يعلمون تأويله. (وثانيا) إننا لو سلمنا جواز قراءة القرآن بالقراءات المختلفة لكننا لا نسلم جواز الاستدلال بها، واعتبارها كلها من القرآن، بل القرآن واحد نزل من واحد، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة، كما في الحديث (3)، وقد قدمنا البحث عن هذا في مقال سابق (4). وأيد ذلك أيضا بأن الآية إنما دلت على ذم متبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة، وعلى مدح الذين فوضوا علم ذلك إلى الله وسلموا إليه. ويرد هذا التأييد بأن الذم في الآية إنما يوجه إلى من اتبع المتشابهات قبل أن يعرف منها شيئا، وأما إذا عرفها وأرجعها إلى المحكمات أو فسرها بما يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة بعده (عليهم السلام) ثم عمل بها فالآية لا تذمه ولا تتعرض له بشئ أصلا.


(1 و 2) الإتقان: ج 2 ص 3. (3) الكافي: ج 2 ص 630 باب النوادر من كتاب فضل القرآن ح 12. (4) راجع ص 174 و 175 من هذا الكتاب. (*)

[ 265 ]

وأما ما استدل به أو يمكن الاستدلال به على أن الراسخين في العلم أيضا يعلمون بالتأويل - عدا عما روي عن ابن عباس، وعدا عن دلالة الآية نفسها لمعارضة الرواية والمناقشة في دلالة الآية بما تقدم - هو الأحاديث الكثيرة، نذكر على سبيل المثال: 1 - ما في تفسير النعماني عن علي (عليه السلام): وكانت الشيعة إذا فرغوا من أعمالهم سألوه عن كل قسم فيخبرهم، فكان من ذلك سؤالهم عن المحكم والمتشابه، فأجابهم (عليه السلام) فقال - في جملة ما قال -: لما أردت قتل الخوارج بعد أن أرسلت إليهم ابن عباس لإقامة الحجة عليهم قلت: يا معشر الخوارج، انشدكم الله، ألستم تعلمون أن في القرآن ناسخا ومنسوخا، ومحكما ومتشابها، وخاصا وعاما ؟ قالوا: اللهم نعم، فقلت: اللهم اشهد عليهم، ثم قلت: انشدكم الله، هل تعلمون ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه ؟ قالوا: اللهم لا، قلت: انشدكم الله، هل تعلمون أني أعلم ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وعامه وخاصه ؟ قالوا: اللهم نعم... الحديث (1). وقد كان ذلك منه (عليه السلام) بعد أن مثل لهم للمتشابه بقوله " وذلك مثل قوله عزوجل * (يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) * (2) فنسب الضلالة إلى نفسه في هذا الموضع، وهذا ضلالهم عن طريق الجنة بفعلهم، ونسبه إلى الكفار في موضع آخر، ونسبه إلى الأصنام في آية اخرى. فمعنى الضلالة على وجوه، فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، ومنه ما ليس بمحمود ولا مذموم، ومنه ضلال النسيان " ثم بين (عليه السلام) مواردها تفصيلا. فيفهم من هذا الحديث أنه (عليه السلام) كان يعرف تأويل المتشابهات ومعانيها، وقد فسر لأصحابه أحد أفراد المتشابه وهو " الضلال " في القرآن. 2 - ما رواه الشيخ الكليني بسند صحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) بحار الأنوار: ج 93 ص 15. (2) إبراهيم: 4، المدثر: 31. (*)

[ 266 ]

قال: نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله (1). 3 - ما رواه أيضا عن بريد بن معاوية عن أحدهما (الباقر أو الصادق (عليهما السلام)) في قول الله عز وجل * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (2) فرسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الراسخين في العلم، قد علمه الله عز وجل جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلم تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله، والذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم، فأجابهم الله بقوله * (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) * (3) والقرآن خاص وعام، ومحكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، فالراسخون في العلم يعلمونه (4). ولكننا نجد في قبال هذه الأخبار أخبارا اخرى تعارضها، وتدل على أن الراسخين في العلم لا يعلمون بالتأويل، مما يعين أن الواو في قوله تعالى: " والراسخون في العلم " للاستئناف، ومن تلك الأخبار: 1 - ما قاله علي أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته المعروفة ب‍ " خطبة الأشباح " على ما قيل: واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم الله عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا... الخ (5). وواضح أن كلامه (عليه السلام) ناظر إلى قوله تعالى " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم... الخ "، وأن الراسخين لا يعلمون التأويل، ويعترفون بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما. ولكن لما كان في مقابل ذلك أخبار كثيرة تدل على علمهم بذلك فلابد من تأويله، أو حمله على غير ذلك مما لا ينافي هذه الأخبار الكثيرة،


(1) الكافي: ج 1 ص 214 باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة (عليهم السلام) ح 1. (2 و 3) آل عمران: 7. (4) الكافي: ج 1 ص 214 الباب السابق ح 2. (5) نهج البلاغة (شرح الشيخ محمد عبده): خطبة 89 ج 1 ص 161. (*)

[ 267 ]

كما عن الشيخ المجلسي (1). وتكون النتيجة هي: أنه لا إجماع بين المسلمين على معرفة الراسخين في العلم بالتأويل ولا على عدمه، كما عن الشيخ محمد عبده، إذ قال بعد نقل أن الواو للاستئناف: هذا رأي كثير من الصحابة رضي الله عنهم كابي بن كعب وعائشة، وذهب ابن عباس وجمهور من الصحابة إلى القول الثاني (2). وحينئذ، فيحتاج تعيين أحد القولين إلى دليل تعبدي آخر، غير نفس الآية، وقد ذكرنا أن الأخبار القوية المتعددة دالة على أن الراسخين يعلمون بالتأويل، فالعمل بها متعين. الحكمة في وجود المتشابه في القرآن: وأما عن حكمة أو حكم وجود المتشابه في القرآن فما قيل أو ينبغي القول به امور نتعرف عليها في ضمن بيان الأغراض الباعثة إلى إجمال الكلمات وتشابهها في الكتب والمصنفات مطلقا، حتى بالنسبة إلى تأليف الإنسان. ونجمل الكلام فيها على النحو التالي: الأول: أن المصنف ربما يحاول إيراد بعض المجملات والمتشابهات في كلامه لأنه يعرف أن بعض الناس يعرفون ما يرمي إليه منها، إما لقوة فهمهم وذكائهم، وإما لتعليم المؤلف نفسه لهم، وإخبارهم بمراداته من مجملات ومتشابهات كتابه. وبعض آخر يجهل ما يرمي إليه، فيضطرون إلى السؤال ممن يعرف، ومن الاختلاف إليه والتعامل معه، فيكتسبون بسبب ذلك مكارم الأخلاق والفضائل والمعارف، بحيث لا يحصل لهم شئ من ذلك لو لم يختلفوا إليهم بالإضافة إلى استيضاحهم عن معارف ذلك الكتاب، سيما إذا كان ذلك الكتاب هو كتاب الله، واولئك العارفون هم النبي والأئمة الأوصياء (عليهم السلام).


(1) راجع هامش تفسير العياشي: عند تفسير الآية المذكورة. (2) راجع تفسير المنار: ج 3 ص 166. (*)

[ 268 ]

ويدل على ذلك ما روي عن علي والأئمة من ولده (عليهم السلام) في هذا الشأن، وذلك مثل: 1 - ما قاله الإمام علي (عليه السلام) في خطبة له: ألا إن مثل آل محمد كمثل نجوم السماء، إذا خوى نجم طلع نجم، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون (1). فلابد للناس إذا من أن يستضيئوا بنورهم ويهتدوا بهديهم، وقد أكد ذلك (عليه السلام) في خطبة له، فقال: بنا اهتديتم في الظلماء، وتسنمتم ذروة العلياء (2). 2 - ما رواه الشيخ الكليني بسند صحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله (3). فيجب على كل من جهل التأويل أن يرجع إلى العالم به. الثاني: أن المصنفين ربما يوردون في كتبهم كلاما مجملا ومطالب متشابهة، ليقف القارئ عندها ويتأمل في معناها وما اريد منها، ويجتهد في كشف مستورها، بحيث يكون رأيا لنفسه منها، ويبتعد عن التقليد الأعمى للآخرين. ونجد أن كثيرا من الكتب التي تطبع في هذه الأيام يثور حولها الجدل والنقاش، ويضطر كثيرون إلى البحث والتدقيق، والذي يؤدي إلى ظهور الحق وانكشاف الصواب. فمن الممكن أن يكون من جملة الأهداف من إيراد المتشابه في القرآن هو حض الناس على البحث والتدقيق والتفكر والتأمل الذي يؤدي إلى ظهور الحق، والأخذ به عن حجة ودليل، لا عن تقليد أعمى واتباع ساذج. ولعل ما عن السيد محمد باقر الحكيم من أن نوعا من المتشابه وهو الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم إنما ورد في القرآن الكريم بهذا الاسلوب كبعض المسائل الكونية وغيرها، لينطلق في تدبر حقيقتها واكتشاف


(1) نهج البلاغة (شرح الشيخ محمد عبده): خطبة 98. (2) نهج البلاغة (ضبط صبحي الصالح): أول الخطبة الرابعة. (3) الكافي: ج 1 ص 213 باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة (عليهم السلام) ح 1. (*)

[ 269 ]

ظلماتها المجهولة (1) ناظر إلى ما قلناه. الثالث: أن بعض المصنفين ربما يهدف من إيراد المجمل والمتشابه في كتابه إلى امتحان الآخرين، ليعرف آراءهم واتجاهاتهم بالنسبة إليه أو بالنسبة إلى كتابه. فمن يرى أن المصنف حكيم لا يأتي بما هو لغو يتوقف في الحكم ويوكل علم المجمل والمتشابه إلى ذلك المصنف، وإذا كان في قلبه مرض وزيغ فيعمل بما تشابه منه من أجل الوصول إلى بعض أغراضه الفاسدة. ولعل بعض المتشابهات القرآنية من هذا القبيل أيضا، ويؤيد ذلك قوله تعالى * (وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) *. وإلى ما ذكرناه يشير كلام الشيخ محمد عبده من أن الله أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به، فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولا واضحا لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء والبلداء لما كان في الإيمان شئ من معنى الخضوع لأمر الله والتسليم لرسله (2). وبهذا أيضا قال آخرون (3). الرابع: أنه ربما يكون بعض الكلام مفهوما للمخاطبين به في الصدر الأول حين تأليف الكتاب، من دون حاجة إلى قرائن لفظية لبيان المراد، بل يكفي نفس اللفظ في بيانها، ولكنه إذا طال الزمن ونسيت القرائن فلربما يصير مجهولا لا يفهم منه مطالعه شيئا، إلا من كان له اطلاع على الظروف والأحوال التي كانت تحيط به حين صدوره. ويمكن أن تكون بعض المتشابهات القرآنية من هذا القبيل، وكمثال على ذلك نذكر أن قوله تعالى * (إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله) * (4).


(1) علوم القرآن: ص 152 و 153 في آخر بحث المحكم والمتشابه. (2) راجع تفسير المنار: ج 3 ص 170. (3) راجع متشابهات القرآن لابن شهرآشوب: ص 3، والإتقان: ج 2 ص 12، ومناهل العرفان: ج 2 ص 178. (4) التوبة: 37. (*)

[ 270 ]

فإن من لم يطلع على سبب نزول الآية وعلى ما كان مرسوما في الجاهلية من إحلال بعض الأشهر الحرم لم يفهم من الآية شيئا، ويراها من المتشابهات. الخامس: أن من يصنف كتابا يحتوي على علوم كثيرة ومع ذلك يكون سهل التناول سهل الحفظ تسهل المحافظة عليه فلابد له من توخي الاختصار فيه، بأن لا يذكر إلا ما كان أصلا جامعا من دون تعرض للقرائن حالية كانت أو زمانية أو غيرها، فيكون كتابه جامعا لاصول المطالب، وإن لم يمكن فهم جزئياتها من ألفاظه، إذ لو أراد أن يذكر فيه كل ما له مدخلية في توضيح الجزئيات لكان الكتاب من الضخامة بحيث يتعذر حفظه والمحافظة عليه. فلعل بعض المتشابهات القرآنية قد روعي فيها هذه الناحية، وذلك مثل قوله تعالى * (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) * (1) فإن هذه الآية بظاهرها من المتشابه، ولها ظاهر غير مراد، ولكن إذا علم سبب نزولها تصير محكمة واضحة الدلالة، من دون أي إجمال أو تشابه فيها. وذلك لأن سبب نزول هذه الآية هو - على ما قيل - أن المسلمين كانوا يعتقدون أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة سوف يعرضهم للإشكالات الكثيرة من اليهود والنصارى، ويجعلهم في موقف حرج، فنزلت الآية لتدل على أ نه: ليس البر أن تولوا وجوهكم (بصلاتكم) قبل المشرق (أيها النصارى) والمغرب (أيها اليهود). أي أنها تريد أن تقول لهم: إن التوجه إلى المشرق والمغرب في الصلاة ليس بنفسه برا " ولكن البر من آمن بالله " (2). فلو اريد إحكام الآية فلابد من زيادة تلك الكلمات في الآية، وتصير بذلك ضعف ما هي عليه الآن.


(1) البقرة: 177. (2) راجع تفسير مجمع البيان: ج 1 ص 262، وأسباب النزول للسيوطي (هامش تفسير الجلالين): ص 62. (*)

[ 271 ]

النتيجة: ونستنتج مما سبق أن الإشكال على قوله تعالى: " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات واخر متشابهات " بأن التشابه مخل بالغرض من القرآن، حيث يفترض فيه أنه الكتاب الهادي والخالد. هذا الإشكال لا يصح، لأن تلك الوجوه الخمسة المتقدمة لذكر المتشابه إذا كانت ممكنة عقلا فهي ليس فقط تثبت أن التشابه ليس مخلا بالغرض، وإنما تزيد على ذلك بأن يصير وجود المتشابه لازما وواجبا، وعدمه هو المخل بالغرض. هذا ما سنح لنا بيانه في هذه الفرصة، ونأمل أن نوفق لبحث مواضيع قرآنية اخرى، والله الموفق. والحمد لله رب العالمين، والصلاة على خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين.

[ 272 ]

قرآنية ما بين الدفتين وحجيته لا اختلاف في هذا القرآن: لا يشك أحد في أن هذا القرآن الذي بين أيدي المسلمين على اختلاف طوائفهم وفي كل صقع ومكان لا يختلف ولا يتفاوت في أي كلمة منه، بل في أي حرف. وهذه هي ملايين النسخ من القرآن الكريم التي تطبع في بلاد أهل السنة مثلا يتداولها المسلمون الشيعة في بلادهم، نظرا لجودة طبعها وحسن إخراجها وخلوها من الأغلاط. ونرى أن الحاج الشيعي يرى أن خير هدية مباركة يهديها إلى أحب أصدقائه هو القرآن الكريم، ويقبله هذا منه حامدا شاكرا دون أن يشكل عليه بأنه مطبوع في غير بلاد الشيعة، ولا يخطر في باله وجود أي تفاوت بينه وبين غيره من المصاحف الشريفة. بل نرى أن ما يطبع في بلاد الشيعة - كإيران - قد قوبل أولا مع النسخ المصرية ويكتب في أوله: إنه قوبل مع القرآن السلطاني [ أي الذي كتب في عصر السلطان سليم العثماني، بعد فتحه مصر بإشراف لجنة التحقيق المصرية ]. ولم نجد أحدا يشك أو يقول بأن مصحف السني غير مصحف الشيعي مثلا - استنادا إلى قول بعض القدماء ممن انقرض عصرهم ومرت عليهم القرون - لم نجد من يقول ذلك، حتى من اولئك الذين يقدسون كل قديم، حتى ولو كذبه الواقع الملموس.

[ 273 ]

قرآنية ما بين الدفتين: ولا إشكال أيضا في أن ما بين الدفتين قرآن يجب العمل به، ولم أجد أحدا من علماء الإسلام يعترض على ذلك أو يرتاب فيه، في مختلف الأعصار والأمصار، حتى اولئك الذين ادعوا أو نسب إليهم القول بأن هذا القرآن ليس هو كل ما انزل على النبي (صلى الله عليه وآله) فإنهم يصرحون بأن هذا الموجود يجب العمل والاعتماد عليه، ولا تجوز مخالفته بحال من الأحوال. وإليك بعض كلمات هؤلاء على الخصوص على سبيل المثال، والدالة على أنهم يقولون بحجية هذا القرآن الموجود بأنه كتاب الله المنزل على النبي (صلى الله عليه وآله): 1 - قال الشيخ المفيد في المسائل السروية: إن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام الله وتنزيله - إلى أن قال: - قد صح عن أئمتنا (عليهم السلام) أنهم قد أمروا بقراءة ما بين الدفتين، وأن لا يتعداه إلى زيادة فيه ولا نقصان منه (1). 2 - وقال الفيض الكاشاني - بعد نقله لأخبار التحريف -: فالأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها، لأنه يمكن تأويلها، ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو الموجود بين الدفتين، فإن ذلك معلوم صحته، لا يعترضه أحد من الامة ولا يدفعه (2). 3 - وقال أبو الحسن الشريف جد صاحب الجواهر - بعد كلامه حول التحريف -: إن صحة أخبار التغيير والنقص لا يستلزم الطعن على ما في هذه المصاحف، بمعنى عدم منافاة بين وقوع هذا النوع من التغيير وبين التكليف بالتمسك بهذا المغير، والعمل على ما فيه (3). 4 - وقال الشيخ الميرزا حسين النوري في أواخر فصل الخطاب - في الجواب على الدليل السادس القائل: إنه لو سقط منه شئ لم تبق ثقة في الرجوع إليه،


(1) المسائل السروية للشيخ المفيد: ص 78 و 81. (2) تفسير الصافي: ج 1 المقدمة السادسة. (3) تفسير مرآة الأنوار: ص 50 المطبوع قبل الجزء الأول من تفسير البرهان. (*)

[ 274 ]

قال في الجواب عن جملة ما قال -: هذا مضافا إلى إرشاد الأئمة إلى التمسك بها، وتقريرهم الأصحاب عليه، وتمسكهم بها في غير واحد من الموارد كاشف عن عدم سقوط ما يوجب الإجمال في الموجود في آيات الأحكام، وغير مناف للسقوط في غيرها، وفيها بما لا يضرها. هذا بالإضافة إلى ما نقله الشيخ آقا بزرك الطهراني (رحمه الله) (مؤلف الذريعة) عنه، مما سمعه من لسانه في أواخر أيامه، حيث قال عن كتابه فصل الخطاب: إني أثبت فيه أن كتاب الإسلام الموجود بين الدفتين المنتشر في أقطار العالم وحي إلهي بجميع سوره وآياته لم يطرأ عليه تغيير أو تبديل، ولا زيادة ولا نقصان، وقد وصل إلينا بالتواتر القطعي، ولا شك لأحد من الإمامية فيه، فبعد ذا أمن الإنصاف أن يقاس الموصوف بهذه الصفات بالعهدين أو الأناجيل المعلومة أحوالها ؟ ! (1) 5 - وقال الآخند ملا محمد كاظم الخراساني: ودعوى العلم الإجمالي بوقوع التحريف فيه بنحو، إما بإسقاط أو بتصحيف وإن كانت غير بعيدة كما يشهد به بعض الأخبار ويساعده الاعتبار، إلا أنه لا يمنع عن حجية ظواهره... الخ (2). هذه كلمات من قال أو نسب إليه القول بالتحريف أو النقيصة، وهي صريحة في أنهم قائلون بحجية هذا الموجود بلا ريب، وبأنه وحي إلهي يجب اتباعه، من دون حدوث خلل فيه، أو في ظاهر آياته. ما يقوله الأخباريون: وأما ما نسب إلى الأخباريين من المناقشة في حجية ظواهر الكتاب التي لم يرد فيها تفسير عن أهل البيت (عليهم السلام) فهو لجهات اخرى - غير جهة التحريف - مثل استنادهم إلى الأخبار المانعة عن التفسير بالرأي، المروية عن النبي والأئمة (عليهم السلام) حيث اعتبروها شاملة للعمل بظاهر القرآن، والقول بأنه مراد لله تعالى، واجيبوا


(1) مستدرك الوسائل: المقدمة في ترجمة المؤلف النوري. (2) كفاية الاصول: ص 284 طبع مؤسسة آل البيت (عليهم السلام). (*)

[ 275 ]

عن ذلك في محله: (أولا) بأن حمل الظاهر على ظاهره ليس تفسيرا بالرأي، لأن التفسير هو كشف القناع، ولا قناع للظاهر. (وثانيا) لو سلم فهو ليس من التفسير بالرأي. وكيف كان، فكلامهم ناظر إلى أمر آخر لا يرتبط بالتحريف أصلا. وإذا كان لم يوجد ولا يوجد إن شاء الله تعالى من يشك في القرآن الموجود ولا في حجيته أصلا حتى من القائلين أو المنسوب إليهم القول بالتحريف أو بالنقيصة، بل الكل قائلون بحجية هذا القرآن وقرآنيته وأنه كلام الله - فلا يبقى للبحث عن التحريف قيمة أصلا، بل يكون بحثا علميا صرفا لا يهم أحدا ولا يستفيد منه أحد، سواء في طرف الإثبات أو في طرف النفي على حد سواء. إذا فلا أهمية لذكر أدلة التحريف أو أدلة عدمه، ولا لإطالة الكلام فيها، ولا لمعرفة من يقول بالتحريف أو يقول بعدمه. ومع ذلك، فنحن نذكر أدلة كل من الطرفين، ونلاحظ مقدار دلالتها على مطلوبهم. أدلة التحريف ومناقشتها: 1 - الأحاديث الكثيرة الدالة على أن ما وقع في بني إسرائيل يقع في هذه الامة حذو القذة بالقذة، ومطابق النعل بالنعل، وحيث إن بني إسرائيل قد حرفوا كتابهم - على ما يصرح به القرآن الكريم والروايات المأثورة - فلابد إذا من أن يقع ذلك في هذه الامة، فيحرفوا كتابهم. فمنها: ما في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا حجر ضب لسلكتموه... الخ (1).


(1) صحيح البخاري: ج 3 ص 1274 ح 3269 من كتاب أحاديث الأنبياء. (*)

[ 276 ]

والرواية على ما قاله العلامة الطباطبائي مستفيضة مروية في جوامع الحديث عن عدة من الصحابة... ومستفيضة أيضا من طرق الشيعة عن عدة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله)، كما في تفسير القمي عن النبي (صلى الله عليه وآله): لتركبن سنة من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، ولا تخطئون طريقتهم شبر بشبر وذراع بذراع وباع بباع، حتى أن لو كان من قبلكم دخل حجر ضب لدخلتموه (1). واجيب عن هذا بأن ما يقع في هذه الامة لا يلزم أن يكون مماثلا في جميع الجهات لما وقع في بني إسرائيل، بل يكفي المماثلة له في الجملة. ويؤيد ذلك ما رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى: إجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم (2). فإن من المعلوم أن سؤال المسلمين نبيهم لا يتفق مع سؤال بني إسرائيل نبيهم في جميع الجهات، بل هو شبيه له في الجملة، وهذا شاهد واضح على أنه يكفي في المماثلة اتحاد القضيتين في الجملة. فلعل المراد - كما قيل - أن هذه الامة تشبه بني إسرائيل في الكتاب من جهة أنها سوف تفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كل فرقة تحتج لما تذهب إليه بالكتاب الكريم، وهو ليس إلا من جهة تحريفهم الكلم عن مواضعه، أي تفسيره بتفسيرات بعيدة عن مضمونه المقصود. 2 - إن كيفية جمع القرآن وتأليفه تستلزم عادة وقوع التغيير والنقص فيه، حيث إن أبا بكر قد أمر زيد بن ثابت بجمعه من الألواح وصدور الرجال، وأن لا يكتب آية فيه إلا بشهادة شاهدين على أنها من القرآن، ومن المعلوم أن زيدا وغيره لم يكونوا معصومين، ويحتمل أن لا يقف على جميع القرآن، لاحتمال بقاء بعض الآيات عند بعضهم.


(1) تفسير الميزان: ج 12 ص 110 نقلا عن تفسير القمي: في أول تفسير سورة الانشقاق. (2) سنن الترمذي (الجامع الصحيح): ج 4 ص 475. (*)

[ 277 ]

واجيب بأن القرآن الذي بين أيدينا قد جمع في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وفي حياته، وكانت المصاحف تكتب من ذلك الذي جمع في زمانه (صلى الله عليه وآله)، لا من صدور الصحابة بشهادة شاهدين، أو شاهد واحد إذا كان ذا الشهادتين. وكان للنبي (صلى الله عليه وآله) كتاب يكتبون الوحي القرآني، ويؤلفون القرآن من الرقاع بين يديه. وأما أبو بكر فإنما أمر زيدا بجمع الأوراق المتفرقة في الرقاع في مصحف واحد. قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) لا من مجرد الحفظ (1). وقد قدمنا القول في بحث " من جمع القرآن ؟ " فراجع. 3 - إنه قد ذكر أكثر أهل السنة وجماعة من الشيعة أن النسخ على ثلاثة أقسام: أحدها نسخ التلاوة، ورووا أخبارا كثيرة دالة على وجود آيات قرآنية ليس في هذا القرآن الموجود منها عين ولا أثر، ويقولون: إنها مما نسخت تلاوته. ونذكر منها آية واحدة على سبيل المثال: فقد روى مسلم بسنده عن عائشة أنها قالت: كان فيما انزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهن فيما يقرأ من القرآن (2). قال في هامش صحيح مسلم: العبارة قاصرة عما أراده، فإن مراده أن عشر رضعات نسخن بخمس رضعات تلاوة وحكما، ثم نسخ هذا الناسخ وبقي حكمه، كآية الرجم. قال المستدل: هذه الرواية ونظائرها تدل على سقوط آيات من القرآن، وحيث إنا لا نقول بنسخ التلاوة تعين القول بسقوطها منه عمدا، أو عن غير عمد. والجواب: أنه إذا ثبت نسخ التلاوة عن النبي (صلى الله عليه وآله) فنحن نقبله، وإن لم يثبت فاللازم هو حمل هذه الروايات على أن المراد هو أن هذه الكلمات مثل قوله


(1) نقله عنه السيوطي في الإتقان: ج 1 ص 60. (2) صحيح مسلم: ج 4 ص 167. (*)

[ 278 ]

" عشر رضعات " أو " خمس رضعات " هي من كلام النبي (صلى الله عليه وآله) لا من القرآن، وقد اتفق مثل ذلك لبعض الصحابة كما قيل، فقد نسب إلى ابي بن كعب أنه كتب الدعاء وهو " اللهم إنا نستعينك ونشهد... الخ " في مصحفه، وسماه سورة الخلع والحفد، لورود مادة هاتين الكلمتين فيه. وفي قبال هذا ما يذكرونه عن عبد الله بن مسعود من أنه قال: إن المعوذتين ليستا من القرآن، لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يعوذ بهما الحسن والحسين، فظن أنهما دعاء وليستا من القرآن. وخلاصة القول: إن من الممكن أن يشتبه على البعض بعض كلام النبي (صلى الله عليه وآله) بالقرآن أو بالعكس، كما حصل في الأعصار السابقة لبعضهم، وقد حكي عن ابن عباس أنه كان يشك في بعض كلمات النبي (صلى الله عليه وآله) أنها من القرآن، وأنه قال مرة بعد نقله لحديث عنه (صلى الله عليه وآله): فلا أدري أمن القرآن هو أم لا ؟ (1). 4 - إنه قد ورد أنه كان لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) قرآن مخصوص، جمعه بنفسه بعد وفاته (صلى الله عليه وآله)، وعرضه على القوم، فأعرضوا عنه، فحجبه عنهم، والمعروف أنه كان مشتملا على أبعاض ليست موجودة في هذا القرآن الذي بين أيدينا. واجيب بأن زيادة قرآنه (عليه السلام) على ما في هذا القرآن الموجود وإن كانت متيقنة لكن من الذي قال: إن هذه الزيادة كانت في القرآن نفسه، فلعلها كانت تفسيرا بعنوان التأويل، أي ما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله تعالى شرحا لمراده، كما في الأحاديث القدسية، لا بعنوان القرآن المعجز. 5 - إن عثمان بن عفان لما استولى على أمر الامة جمع المصاحف المتفرقة، واستخرج منها نسخة سماها ب‍ " الإمام "، وأحرق ومزق سائر المصاحف، ولم يفعل ذلك إلا لإعدام ما تبقى فيها. واجيب بأن عثمان إنما جمع الناس على قراءة واحدة. وعن الحارث المحاسبي: أن المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان وليس كذلك، إنما حمل


(1) صحيح مسلم: ج 3 ص 100. (*)

[ 279 ]

عثمان الناس على القراءة بوجه واحد، على اختيار بينه وبين من شهد من المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات (1). فعثمان على هذا لم ينقص من القرآن شيئا، بل حمل الناس على قراءة واحدة، والظاهر أنها هي القراءة الموجودة في عصرنا. 6 - وقد استدل على وجود النقيصة في القرآن الكريم بأخبار دالة على أن ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله) أكثر من هذا القرآن الموجود. منها: ما رواه الشيخ الكليني بسند معتبر عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن القرآن الذي جاء به جبرئيل (عليه السلام) إلى محمد (صلى الله عليه وآله) سبعة عشر ألف آية (2). وحيث إن الآيات القرآنية لا تزيد على ستة آلاف آية إلا بقليل فإن النتيجة تكون أن القرآن قد نقص قريب من ثلثيه. ومنها: ما رواه السيوطي عن الطبراني بسند موثق عن عمر بن الخطاب مرفوعا: القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه محتسبا كان له بكل حرف زوجة من الحور العين. قال السيوطي: رجاله ثقات إلا شيخ الطبراني، وتكلم فيه الذهبي (3). مع أن حروف القرآن الموجود لا تبلغ ثلث هذا العدد، مما يعني أنه قد سقط من القرآن أكثر من ثلثيه. ومنها: ما عن ابن بابويه بسنده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يا ابن سنان، إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب، وكانت أطول من سورة البقرة، ولكن نقصوها وحرفوها (4).


(1) الإتقان: ج 1 ص 61. (2) الكافي: ج 2 ص 633 باب النوادر من كتاب فضل القرآن ح 28. (3) الإتقان: ج 1 ص 72. (4) ثواب الأعمال للشيخ الصدوق: ص 137 في ثواب من قرأ سورة الأحزاب. (*)

[ 280 ]

ومنها: ما عن حذيفة قال: قال لي عمر بن الخطاب: كم تعدون سورة الأحزاب ؟ قلت: ثنتين أو ثلاثا وسبعين. قال: إن كانت لتقارب سورة البقرة، وإن كان فيها لآية الرجم (1). إلى غير ذلك من الروايات الدالة على أن الموجود ليس هو كامل ما انزل على النبي (صلى الله عليه وآله). واجيب عن هذه الروايات: تارة بما عليه أهل السنة من نسخ تلاوة بعض الآيات. فلو فرض صحة هذه الروايات يقال: إنها ناظرة إلى موارد نسخت تلاوتها. واخرى بما قاله بعض المحققين من حملها على ما تقدم في معنى الزيادة في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإلا فلابد من طرحها، لمخالفتها للكتاب والسنة. 7 - الأخبار التي تصرح بوقوع التحريف في القرآن، وهي عديدة: فمنها: ما رواه الشيخ الصدوق عن جابر قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يجئ يوم القيامة ثلاثة يشكون: المصحف، والمسجد، والعترة. يقول المصحف: يا رب حرفوني ومزقوني، ويقول المسجد: يا رب عطلوني وضيعوني، وتقول العترة: يا رب قتلونا وطردونا (2). ومنها: ما عن عبد الأعلى قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أصحاب العربية يحرفون كلام الله عز وجل عن مواضعه (3). وثمة روايات اخر بهذا المضمون. واجيب: أما عن رواية عبد الأعلى فبأنها ظاهرة في اختلاف القراءات، وأما عن غيرها فبأن المراد من التحريف لعله حمل الآيات على غير معانيها، ويؤيده ما عن الإمام الباقر (عليه السلام) في رواية يقول فيها: وكان من نبذهم الكتاب أنهم أقاموا


(1) منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد): ج 2 ص 1. (2) الخصال للشيخ الصدوق: باب الثلاثة ح 232. (3) مستدرك الوسائل: ج 4 ص 280 ح 4701 نقلا عن التنزيل والتحريف. (*)

[ 281 ]

حروفه وحرفوا حدوده (1). هذه خلاصة أدلة القائلين بالتحريف والجواب عنها. أدلة القائلين بعدم التحريف: وقد بقي أن نجمل أدلة القائلين بعدم التحريف وعدم النقص، ونذكر أنها غير تامة أيضا. فلابد من التطلع إلى أدلة قاطعة اخرى على ذلك، لا يتطرق إليها الاحتمال ولا تتعرض للمناقشة. وأدلة هؤلاء وما يرد عليها نجملها على النحو التالي: 1 - استدلوا بقوله تعالى * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * (2) إذ المراد من الذكر هو القرآن، والمراد من حفظه إبقاءه على ما كان عليه وكما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله). فلو فرض إسقاط آية منه فلا يكون حينئذ محفوظا من قبل الله، ولم يف الله بما وعد (والعياذ بالله). واجيب بأنه من الممكن أن يحفظ الله كتابه عند إمام - كعلي (عليه السلام) - حتى لا يضيع، والإمام (عليه السلام) وهو رئيس الإسلام ينتفع به ويعلم الناس ما استفاده منه، ثم يرثه إمام آخر، وهكذا إلى آخر الأئمة ينتفعون به ويعلمون الناس ما يستنبطونه منه، ويكون الكتاب حينئذ محفوظا، ويستفيد الناس منه بشكل طبيعي. وهذا الوجه وإن لم يكن قطعيا لكنه احتمال وارد، والاحتمال يضر بالاستدلال. ثم عقب المستدل كلامه هنا بآية اخرى، وهي قوله تعالى * (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) * (3). ولا شك أن التحريف باطل، فلا سبيل لتطرقه إلى القرآن الكريم.


(1) الكافي: ج 8 ص 53 في رسالة الإمام الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير. (2) الحجر: 9. (3) فصلت: 41 و 42. (*)

[ 282 ]

واجيب أيضا بأن معنى " لا يأتيه الباطل " لا يعرض لهذا القرآن الباطل لا قبل وجوده في الزمان السابق عليه ولا بعد وجوده فيما يستقبل من الزمان. لأن القائل بإسقاط آيات من القرآن لا يقول ببطلان ما بقي بين الدفتين بسبب السقوط منه، بل هو يعتبره قرآنا ونورا يجب العمل به، ولا فرق بينه وبين ذلك الكامل في أي أثر أو كرامة واحترام، كما تقدم. 2 - هناك طوائف من الأحاديث الكثيرة الدالة على أن ما بين الدفتين تمام ما انزل، من دون نقيصة أو تحريف، وهي: الطائفة الاولى: الأخبار الواردة في بيان الثواب لسور القرآن الكاشفة عن عدم تحريف السور لأنه لا معنى للثواب على قراءة السور المحرفة. الثانية: الأخبار الدالة على لزوم عرض الأخبار مطلقا، أو عند تعارضها على كتاب الله، حيث إنه لا معنى لعرض الأخبار على القرآن المحرف، مما يكشف عن صحته وعدم وقوع التحريف فيه. الثالثة: الأخبار الدالة على وجوب التمسك بالقرآن، كقوله (صلى الله عليه وآله): إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي (1). وأسانيدها لا تقبل المناقشة عند أحد من المسلمين. فلو كان الكتاب محرفا لما كان للتمسك به معنى. ولكن من الواضح أن هذه الأخبار جميعها على اختلاف طوائفها إنما صدرت لإعطاء الحجية للكتاب الموجود بين الدفتين، ولكنها لا تدل على أنه تمام ما انزل من دون وقوع نقص فيه، إذ لا منافاة بين النقص والحجية. والقائلون بالتحريف والنقص يقولون بحجية وقرآنية ما بين الدفتين كما تقدم، وستأتي بعض الأخبار الدالة على حجيته. 3 - إنه لو سقط من القرآن لم تبق ثقة في الرجوع إليه.


(1) سنن الترمذي: ج 5 ص 662 ح 2786 و 2788، صحيح مسلم: ج 4 ص 1874 ح 36 و 37، ينابيع المودة: ج 1 ص 95 ح 126، الكافي: ج 2 ص 415 باب أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أو كافرا أو ضالا من كتاب الإيمان والكفر ح 1، وغيرها من مصادر الفريقين. (*)

[ 283 ]

واجيب بأن الأدلة الآتية لإثبات حجية الكتاب الموجود دالة على حجيته والوثوق به، وهو أعم من بقاء القرآن حسب ما انزل من دون وقوع نقيصة فيه، إذ من الممكن أن يكون الساقط غير مخل سقوطه في ظهور الباقي فيما يراد منه. 4 - إن شدة الاهتمام والضبط في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وبعده في حفظ الكتاب أخرج سقوط شئ منه عن مجرى العادة. واجيب بأن ذلك ينتقض في كثير من الأحكام التي كانت دواعي حفظها وضبطها أوفر وأكثر لعامة المسلمين من حفظ كل آية آية من القرآن. وذلك مثل الأذان الذي يسمعه الرجال والنساء والصبيان أكثر من مرة يوميا، ومع ذلك فقد اتفقت كلمة الإمامية على أن من أجزائه وأجزاء الإقامة " حي على خير العمل ". وأجمع أهل السنة بعد شيوع التعليم فيهم على خلاف ذلك. وكالوضوء، فإنه شرع من يوم شرعت الصلاة في أول البعثة، كما وأنه يستحب لغايات كثيرة اخرى، وكان الصحابة يشاهدون وضوءه (صلى الله عليه وآله) في غالب الأوقات، ومع ذلك فقد وقع فيه الكلام والخلاف بين المسلمين، وعلى هذه فقس ما سواها. تلك كانت عمدة أدلة القائلين بالتحريف والجواب عنها، وأدلة القائلين بعدمه والمناقشات فيها. ولكن لما كان هذا البحث علميا صرفا لا تترتب عليه أية نتيجة عملية لأن الكل مجمعون على حجية هذا القرآن وقرآنيته فلا نرى في بسط الكلام في هذا الموضوع مزيد فائدة، فالأولى صرف عنان الكلام إلى إثبات قرآنية هذا القرآن الموجود بالبراهين والأدلة القاطعة، فنقول: أدلة حجية هذا القرآن وقرآنيته: إن عمدة الأدلة في المقام هي: السيرة العملية القطعية من عصر جمع القرآن إلى زماننا هذا من المسلمين بأجمعهم، من دون شك أو تردد من أحد على الإطلاق. وكان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يستدلون باستمرار بهذا القرآن على ما يريدون ويرشدون إلى طريق الاستفادة منه، فقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام)

[ 284 ]

أنه قال لزرارة حينما سأله زرارة: من أين علمت أن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين ؟ قال: لمكان الباء (1). وكذا المسلمون ما زالوا يقرأون هذا القرآن، بما فيه من السور والآيات، تقربا إلى بارئهم وامتثالا لقول النبي (صلى الله عليه وآله): من قرأ سورة كذا اعطي من الحسنات كذا وكذا. وكذلك ما زالوا يجدون في هذا القرآن الموجود ما وصفه الله تعالى به من الإعجاز في أحكامه وعدم الاختلاف في آياته، وأنه في أعلى درجات الفصاحة والبلاغة التي تعجز عنها العقول البشرية. وكذلك هم يحترمونه ويكرمونه، فلا يلمسونه إلا على الطهارة، حتى تلك الآيات التي ادعي نسخ حكمها. إلى غير ذلك من الآثار والأحكام القرآنية التي يرتبونها عليه، وهذا مما يدركه كل مسلم منصف سليم الدين والفطرة. هذا هو مجمل القول في هذا الدليل، وتفصيل ذلك بمقدار ما يسمح به المجال. وأن مما يدل على ذلك روايات كثيرة في موضوعات مختلفة، متفرقة في الكتب الحديثية ونخص بالذكر منها أبواب قراءة القرآن، التي عقدها الحر العاملي في وسائله، وهذا موجز عن بعضها: 1 - باب وجوب تعلم القرآن. وفيه: قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): يا سعد، تعلموا القرآن، فإن القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق. 2 - باب وجوب إكرام القرآن. وفيه: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): إذا جمع الله عز وجل الأولين والآخرين إذا هم بشخص قد أقبل، لم ير قط أحسن صورة منه، فإذا نظر إليه المؤمنون - وهو القرآن - قالوا: هذا منا. 3 - باب استحباب التفكر في معاني القرآن. وفيه: قال الصادق (عليه السلام): إن هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى.


(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 291 ب 23 من أبواب الوضوء ح 1. (*)

[ 285 ]

4 - باب استحباب حفظ القرآن. وفيه: قال أبو عبد الله (عليه السلام): الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة. 5 - باب استحباب تعلم القرآن في الشباب. وفيه: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه. 6 - باب أنه لا يجوز ترك القرآن تركا يؤدي إلى النسيان. وفيه: إن يعقوب الأحمر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك، إني كنت قرأت القرآن ففلت مني، فادع الله عز وجل أن يعلمنيه، قال: فكأنه فزع لذلك، ثم قال: علمك الله هو وإيانا جميعا. 7 - باب استحباب الطهارة لقراءة القرآن. وفيه: عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته: أقرأ القرآن ثم يأخذني البول، فأقوم وأبول واستنجي وأغسل يدي وأعود إلى المصحف، فاقرأ فيه ؟ قال: لا، حتى تتوضأ للصلاة. 8 - باب استحباب الاستعاذة عند التلاوة. وفيه: عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن التعوذ من الشيطان عند كل سورة يفتتحها ؟ قال: نعم، فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وكأنه (عليه السلام) أشار بقوله: " فتعوذ... الخ " إلى قوله تعالى * (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) * (1). وفي الحديث: من تأدب بأدب الله (الاستعاذة عند قراءة القرآن) أداه إلى الفلاح الدائم. 9 - استحباب ختم القرآن بمكة. وفيه: عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من ختم القرآن بمكة من جمعة إلى جمعة، أو أقل من ذلك أو أكثر وختمه في يوم الجمعة كتب الله له من الأجر كذا وكذا. 10 - باب استحباب القراءة في المصحف. وفيه: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من قرأ القرآن في المصحف متع ببصره، وخفف على والديه وإن كانا كافرين.


(1) النحل: 98. (*)

[ 286 ]

11 - ثم هناك بقية الأبواب المختلفة، التي تبلغ إلى 51 بابا، الكاشفة على سبيل القطع عن أن الموجود بين الدفتين وما كان بأيدي صحابة الأئمة قرآن وحجة يجب العمل به واحترامه والاستضاءة بنوره. يضاف إلى ذلك كله ما ورد في كتب غير الإمامية كالذي في الصحاح الستة وغيرها عندهم مما أخرجوه في فضائل القرآن، والحث على تعلم وقراءة هذا الموجود، وتكريمه وتعظيمه. مثل ما رواه البخاري عن عثمان بن عفان عن النبي (صلى الله عليه وآله): إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه (1). وواضح أن عثمان كان يهدف من نقله هذا الحديث عن النبي إلى حث الناس على تعلم وتعليم هذا القرآن المجموع الذي كتبه أبو بكر من الصحف التي جمعت في عصر النبي (صلى الله عليه وآله). ثم هناك الروايات الكثيرة الدالة على أن الحديث يوافق كتاب الله يؤخذ ويعمل به، والذي يخالفه يطرح ويضرب به عرض الجدار، وقد عقد لها الفيض الكاشاني في كتابه " الوافي " بابا جمع فيه أحاديث كثيرة: منها: ما عن الكافي بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال: إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه. ومنها: ما عن الكافي أيضا بسنده عن ابن أبي يعفور أنه قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به. ومنهم من لا نثق به، قال: إذا ورد عليكم حديث. فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلا فالذي جاء به أولى به (أي ردوه إليه). ومنها: من عن الكافي. عن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كل شئ مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله تعالى فهو زخرف (2).


(1) صحيح البخاري: ج 4 ص 1919 ح 4740. (2) الوافي: ج 1 ص 67 باب العقل والعلم. وراجع الكافي: ج 1 ص 69 باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب من كتب فضل العلم ح 1 و 2 و 3. (*)

[ 287 ]

إلى غير ذلك مما يدل على وجوب عرض الأحاديث على كتاب الله تعالى، مما يكشف عن أن هذا القرآن الموجود في عصر الصادق (عليه السلام) هو كتاب الله المنزل على رسوله (صلى الله عليه وآله)، وهو عليه مدار تعيين الصادق من الكاذب من الأحاديث. يضاف إلى ذلك كله ما ورد من أوامر صدرت منهم يوجبون فيها على بعض الرواة: أن يقرأ كما يقرأ الناس، ولها تعبيرات مختلفة، ففي بعضها: اقرأوا كما علمتم. وفي بعضها: اقرأوا كما تعلمتم. وفي ثالثة: حينما قال له الراوي: أنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرأ الناس، قال (عليه السلام): اقرأ كما يقرأ الناس (1). فهي تأمر بقراءة هذا القرآن الشائع والمعروف بين الناس، وترك ما سمعه الراوي مما ليس معروفا. وهكذا يتضح بعد هذه الجولة أن هذا القرآن حجة دامغة، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الميزان بين الحق والباطل والصحيح من الحديث والموضوع، بلا شبهة في ذلك ولا ريب. والحمد لله وصلاته على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين.


(1) وسائل الشيعة: ج 4 ص 821 ب 74 من أبواب القراءة ح 3 و 2 و 1. (*)

[ 288 ]

المكي والمدني في القرآن البحث يقع في النقاط التالية: 1 - فائدة هذا البحث. 2 - المراد من المكي والمدني. 3 - الضوابط في تعيين المكي والمدني. 4 - هل هناك آيات مدنية في سور مكية أو بالعكس ؟ 5 - المأثور في تمييز المكي والمدني. 6 - نظرة في المصاحف المطبوعة اليوم. فائدة هذا البحث: ويمكن تلخيصها بالنقاط التالية: الاولى: المعروف بين المسلمين هو أن في كتاب الله ناسخا ومنسوخا، ولقد قال بعض المحققين دام ظله: إن نسخ الحكم دون التلاوة هو المشهور بين العلماء والمفسرين (1). ويشهد لهذا قوله تعالى * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * (2).


(1) تفسير البيان: ص 196. (2) البقرة: 106. (*)

[ 289 ]

وما رواه سليم بن قيس عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): إن أمر النبي مثل القرآن، منه ناسخ ومنسوخ وخاص وعام (1). وحيث إنه لابد من تأخر الناسخ عن المنسوخ فإن ذلك يتوقف إلى حد بعيد على بحثنا هذا، ومعرفة أن أي الآيتين مكية متقدمة والاخرى مدنية متأخرة لتكون هذه ناسخة لتلك، فيما لو لم يمكن الجمع بينهما. الثانية: قد يحتاج ظهور الكلام - أي كلام - وضعا أو عرفا إلى معرفة القرائن المفهمة، كالعلم بمكان الصدور وزمانه، ومعرفة المخاطب - بالفتح - بهذا الكلام، والجو الذي ورد فيه. فإذا عرف كل ذلك ينعقد للكلام ظهور في المعنى المقصود منه. ولعل القرآن الكريم لا يشذ عن هذه الضابطة، فكثيرا ما يكون العلم بكون الآية مكية أو مدنية، وبأنها نزلت قبل الهجرة أو بعدها، قرينة مبينة للمعنى المقصود، ويكون ذلك معينا للمفسر على فهم المراد من كلام الله تعالى. ولعل ما قاله النيسابوري في كتابه " التنبيه على فضل علوم القرآن " ناظر إلى ما قلناه، قال (رحمه الله): أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل بمكة والمدينة - إلى أن قال: - فهذه خمسة وعشرون وجها من لم يعرفها ولم يميز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله (2). الثالثة: معرفة تواريخ الوقائع والأحكام على وجه الإجمال، مما يفيد في معرفة صحة وفساد بعض المنقولات غير المسؤولة من بعض المؤرخين المأجورين أو المغفلين أو المتعصبين. فمعرفة المكي والمدني تدل على أن ما ذكر في المكي كان قد وقع قبل الهجرة، وما في المدني وقع بعدها. الرابعة: قال الزرقاني: ومن فوائده أيضا الثقة بهذا القرآن وبوصوله إلينا سالما من التغيير والتحريف، ويدل على ذلك اهتمام المسلمين به كل هذا الاهتمام،


(1) كتاب سليم بن قيس: ص 85 طبع النجف. (2) نقله عنه السيوطي في الإتقان: ج 1 ص 8. (*)

[ 290 ]

حتى ليعرفون ويتناقلون ما نزل منه قبل الهجرة وما نزل بعدها، وما نزل بالحضر وما نزل بالسفر - إلى أن قال: - فلا يعقل بعد هذا أن يسكتوا ويتركوا أحدا يمسه ويعبث به (1). المراد من المكي والمدني: قال في الإتقان: اعلم أن للناس في المكي والمدني اصطلاحات ثلاثة، أشهرها: أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أو نزل بالمدينة - إلى أن قال: - الثاني: أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة - إلى أن قال: - الثالث: أن المكي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة (2). وأما نحن فنختار الاصطلاح الأول ونسير في بحثنا على وفقه، لأنه مضافا إلى شهرته هو تعريف جامع، لا يشذ عنه أي من الموارد، وذلك لأن التقسيم على هذا الاصطلاح يكون من قبيل الحصر العقلي الدائر بين النفي والإثبات دون أن يكون هناك واسطة، بخلاف التعريفين الثاني والثالث، فإنهما غير شاملين لبعض السور. فسورة الفتح مثلا، فإنها بتمامها أو بعضها نزلت بين مكة والمدينة عند رجوع النبي (صلى الله عليه وآله) من الحديبية، فالاصطلاح الثاني إذا لا يشملها، لأنها لم تنزل في مكة ولا في المدينة. وأما على الاصطلاح الثالث فلأنها غير مصدرة ب‍ " يا أيها الناس " لتكون مكية ولا ب‍ " يا أيها الذين آمنوا " لتكون مدنية، وأما على المختار فهي مدنية لنزولها بعد الهجرة.


(1) مناهل العرفان: ج 1 ص 188. (2) الإتقان: ج 1 ص 9. (*)

[ 291 ]

ضوابط تعيين المكي والمدني: ووجهات النظر في ذلك متعددة، نذكر منها: الاولى: قال القاضي أبو بكر في الانتصار: إنما يرجع في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين، ولم يرد عن النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك قول، لأنه لم يؤمر، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الامة (1). ولقد أحسن الزرقاني في المقام حيث قال: لم يرد عن النبي (صلى الله عليه وآله) بيان المكي والمدني، وذلك لأن المسلمين في زمانه لم يكونوا في حاجة إلى هذا البيان، كيف وهم يشاهدون الوحي والتنزيل، ويشهدون مكانه وزمانه، وأسباب نزوله عيانا، وليس بعد العيان بيان (2). ثم إنه ربما نجد في كتب الإمامية بعض الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) - وإن كانت قليلة وربما ضعيفة سندا - يستفاد منها أو نص فيها على أن هذه السورة أو الآية مكية أو مدنية، مثل: 1 - ما رواه العياشي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): نزلت سورة المائدة قبل أن يقبض النبي (صلى الله عليه وآله) بشهرين أو ثلاثة (3). 2 - وما رواه في الكافي عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه السلام) وفيه:... ثم بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) وهو بمكة عشر سنين، فلم يمت في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا (صلى الله عليه وآله) رسول الله إلا أدخله الله الجنة بإقراره، وهو إيمان التصديق - إلى أن قال (عليه السلام): - وتصديق ذلك: أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكة * (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه - إلى قوله تعالى: - خبيرا بصيرا) * (4). ثم بعد أن عدد (عليه السلام) بعض ما أنزله الله في مكة قال: فلما أذن الله


(1) نقله عنه السيوطي في الإتقان: ج 1 ص 9. (2) مناهل العرفان: ج 1 ص 189. (3) تفسير العياشي: أول تفسير سورة المائدة ح 1. (4) الإسراء: 23 - 30. (*)

[ 292 ]

لمحمد (صلى الله عليه وآله) في الخروج من مكة إلى المدينة بني الإسلام على خمس - إلى أن قال: - وأنزل في بيان القاتل... وعدد بعض ما أنزل في المدينة، ثم قال: وأنزل بالمدينة * (الزاني لا ينكح إلا زانية...) * (1) - إلى أن قال: - ونزل بالمدينة * (والذين يرمون المحصنات - إلى قوله تعالى: - فإن الله غفور رحيم) * (2) - إلى أن قال (عليه السلام): - وسورة النور انزلت بعد سورة النساء... الحديث (3). 3 - ما رواه الأمين الطبرسي عن علي بن إبراهيم أن أباه حدثه عن علي بن ميمون عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان عند فاطمة شعير، فجعلوه عصيدة، فلما أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين، فقال المسكين: رحمكم الله، فقام علي (عليه السلام) فأعطاه ثلثها... (4). وفي هذا دلالة على أن السورة مدنية، كما نقل عن ابن عباس. الثانية: ما رواه السيوطي عن الحاكم في مستدركه، والبيهقي في الدلائل، والبزاز في مسنده من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله (والظاهر أنه ابن مسعود) قال: ماكان " يا أيها الذين آمنوا " انزل بالمدينة. وما كان " يا أيها الناس " فبمكة. وروي ذلك عن علقمة مرسلا أيضا. وأخرج عن ميمون بن مهران قال: ما كان في القرآن " يا أيها الناس، يا بني آدم " فإنه مكي، وما كان " يا أيها الذين آمنوا " فإنه مدني (5). ولكن هذا الكلام لا يصح على إطلاقه لامور: (أولا) لقد راجعت المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (6) فرأيت أن كل


(1) النور: 2. (2) النور: 4 - 5. (3) الكافي: ج 2 ص 28 ح 1. (4) تفسير مجمع البيان: سورة الإنسان. (5) الإتقان: ج 1 ص 17. (6) مؤ لف هذا الكتاب هو الاستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وهو كتاب جيد في بابه، وقد سهل الأمر علي، حيث كتب في قبال كل آية أنها مكية أو مدنية. ولكنه جرى في تعيينه المكي = (*)

[ 293 ]

ما كان فيه " يا أيها الناس " قد كتب في قباله أنه مكي، وكل ما كان فيه " يا أيها الذين آمنوا " قد كتب في قباله أنه مدني، إلا في موارد وهي الآيات التالية: 1 - * (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) * (1). 2 - * (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم) * (2). 3 - * (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول) * (3). 4 - * (يا أيها الناس قد جاءكم برهان) * (4). 5 - * (يا أيها الناس اتقوا ربكم) * (5). فإن هذه الآيات جميعا قد كتب في قبالها أنها مدنية، ووقعت في السور المدنية، ولكنهم لم يستثنوها في المصحف الأميري. ولكن ما كان فيه " يا بني آدم " قد كتب في المعجم المفهرس أنه مكي. (وثانيا) أن هذه الضابطة على فرض صحتها غير مطردة في جميع القرآن، فهي أخص من المدعى، فإنها لا تبين لنا حال الآيات - وهي كثيرة - التي ليس فيها " يا أيها الناس " ولا " يا بني آدم " ولا " يا أيها الذين آمنوا " فنحتاج في تمييزها إلى ضوابط وعلامات اخرى. (وثالثا) أن كل تلك العلامات المذكورة إنما جعلت علامة بعد أن فهمنا المكي والمدني من الآثار المنقولة عن الأصحاب كابن عباس وغيره، وبعبارة اخرى: بعد أن ميزنا المكي عن المدني من السور ولاحظناها فوجدنا المكي منها يشتمل على " يا أيها الناس، ويا بني آدم " وليس فيه " يا أيها الذين آمنوا " والمدني بالعكس. وعليه فمعرفة أن المكي فيه هذه الجملة دون تلك والمدني بعكسه متوقف


= والمدني على وفق المصحف الأميري، الذي تولت الحكومة المصرية طبعه سنة 1342. وقال صبحي الصالح في كتابه علوم القرآن: ص 100: إن العالم الإسلامي قد تلقى هذه الطبعة (أي الأميرية) بالقبول، وطبعت ملايين النسخ منه سنويا. (1) البقرة: 21. (2) النساء: 1. (3) النساء: 170. (4) النساء: 174. (5) الحج: 1. (*)

[ 294 ]

على النقل والآثار، لا أننا إذا رأينا كلمة " يا بني آدم " مثلا عرفنا أن السورة مكية مباشرة. ولعل هذا القائل تخيل أن قلة المسلمين في مكة لا تناسب توجيه الخطاب إليهم، بل المناسب الخطاب للأكثر. ولكن كثرتهم في المدينة أوجبت صحة توجيه الخطاب إليهم ب‍ " يا أيها الذين آمنوا ". ولكن هذا مجرد تخيل وحدس لا يوجب الاطمئنان، بل الاطمئنان حاصل بخلافه، وذلك لأن خطابات القرآن ليس على نحو القضية الخارجية، وإنما هي على نحو القضية الحقيقية التي لا يفرق فيها بين كثرة الموجودين وقلتهم، بل كل من دخل تحت عنوان الخطاب، ولو بعد سنين يكون مشمولا له. نعم، ربما يقال: إن الخطاب المشتمل على بعض الأحكام - كالجهاد ونحوه - مما يحتاج إلى القدرة والتمكن المفقود عند مسلمي مكة لا يكون توجيهه إليهم مناسبا. الثالثة: ما قيل من أن فيه أحكاما فرعية فهو مدني. وهذه العلامة وإن كانت صادقة بنحو جزئي إلا أنها أيضا لا يمكن الاعتماد عليها لأنها أخص من المدعى، إذ أن ثبوت أن هذه الآية مدنية لا يلزمه ثبوت كون تلك مدنية. هذا بالإضافة إلى أننا نجد في السور المكية أحكاما فرعية كالسور المدنية وإن كانت بالنسبة إليها قليلة. ففي قوله تعالى * (وأن أقيموا الصلاة واتقوه) * (1). وقوله سبحانه * (لا تقتلوا أولادكم من إملاق) * (2). وقوله عز من قائل * (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) * (3). وقوله عز وجل * (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) * (4).


(1) الأنعام: 72. (2 - 4) الأنعام: 151. (*)

[ 295 ]

وقوله عز وجل * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) * (1). وقوله * (وأوفوا الكيل والميزان) * (2). نجد أن كل هذه الآيات المتضمنة لأحكام فرعية قد وردت في سورة الأنعام وهي مكية. كما أن قوله تعالى * (من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) * (3) وقوله * (قل إنما حرم ربي الفواحش) * (4) قد ورد في سورة الأعراف وهي مكية. وأيضا فإن قوله سبحانه * (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم) * (5) قد ورد في سورة إبراهيم وهي مكية. وورد في سورة الإسراء المكية قوله عز وجل * (ولا تقربوا الزنا) * (6). وفي سورة المؤمنون المكية قوله * (الذين هم في صلاتهم خاشعون) * (7). وأمر الناس بالسجود في سورة النجم (8) وهي مكية. وأما سوى ذلك من السور المكية فلم أجد فيه ما يدل على أحكام فرعية في هذه العجالة. الرابعة: ما قيل من أن ما فيه كلمة " كلا " فهو مكي. وهذا حق، كما يظهر لمن لاحظ المعجم المفهرس، فإنه قد كتب أمام كل الآيات المتضمنة لكلمة " كلا " أنها مكية. ولكن قد ذكرنا أن ذلك لم يعلم إلا بعد تمييز المكي عن المدني بالنقل عن ابن عباس وغيره، ولولا ذلك لم يستطع أحد أن يفهم، ولا جاز له أن يميز بين المكي والمدني بوجود " كلا " وعدم وجودها. هذا عدا عن أن ذلك لو صح كونه مميزا فإنما يقتضي تعين بعض الآيات، ويبقى الباقي بحاجة إلى مميز آخر.


(1 و 2) الأنعام: 152. (3) الأعراف: 32. (4) الأعراف: 33. (5) إبراهيم: 31. (6) الإسراء: 32. (7) المؤمنون: 2. (8) في آخر آية منها. (*)

[ 296 ]

وعليه، فنستنتج من كل ما تقدم إلى أن القول الحق هو أن تمييز المكي عن المدني يحتاج إلى الأثر والنقل، وأن ما سواه مما ذكر لا يصلح أن يكون ضابطا ومميزا لذلك. هل هناك آيات مدنية في سورة مكية أو بالعكس ؟ بقي أن نشير هنا إلى أن من البعيد جدا وجود آيات مكية في سورة مدنية، وكذلك العكس، بناء على الاصطلاح المشهور في المكي والمدني. ولست أدري لماذا إذا نزلت آية في مكة لسبب اقتضى نزولها ؟ ! لماذا لا تجعل هذه الآية جزء لسورة مكية نزلت في ظروف مشابهة ؟ ! ولماذا ينتظر الشهور والأعوام حتى يسافر النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة ثم تجعل حينئذ جزء لسورة مدنية ؟ ولماذا يصرف النظر عن الجمع بين ما نزل في عصر واحد ومحيط واحد ومكان واحد إلى الخلط والتشريك بين آيات نزلت في ظروف وأجواء مختلفة ؟ ! هذا بالإضافة إلى أن القائل بذلك - أي بوجود آيات مدنية في سور مكية وبالعكس - لم يتمسك لإثبات وجهة نظره بشئ مأثور، ولا وصل إليه دليل لا من الرسول (صلى الله عليه وآله) ولا من الأئمة (عليهم السلام)، بل إنما استند إلى مجرد اجتهادات ظنية مما يشجعنا على القول بأنه لا دليل على هذا الاستثناء ولا حجة عليه. ومن الموارد التي قيل فيها بوجود آيات مدنية في سورة مكية سورة الرعد، فإنها على ما نقله مجاهد عن ابن عباس مكية كلها، ولكن استثنى الكلبي ومقاتل الآية الأخيرة منها، وهي قوله تعالى * (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) * (1) حيث إنهم يقولون إن هذه الآية قد نزلت في عبد الله بن سلام. وهو إنما أسلم بعد الهجرة فلا يمكن أن تكون هذه - الآية المقصود بها عبد الله بن سلام - مكية.


(1) الرعد: 43. (*)

[ 297 ]

ولكن الحقيقة أن هذا توهم محض، فإنه من الممكن جدا أن يكون المقصود بالآية غير عبد الله بن سلام، ممن أسلم في مكة المكرمة وتكون السورة كلها مكية. قال الشيخ عبد المتعال الصعيدي: هذا وأمثاله مما يتخذ منه أعداء الإسلام مطعنا في القرآن، ويقولون: إن السورة مكية، ولا يمكن أن يراد من قوله " من عنده علم الكتاب " عبد الله بن سلام، فإذا قلنا هذه الآية مدنية لم يكن كافيا لإقناعهم - ثم قال: - ولعل المراد منه ورقة بن نوفل من أهل مكة، أو غيره، فتكون السورة كلها مكية (1). وفي الدر المنثور عن سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس أن سعيد بن جبير أنكر نزول هذه الآية في ابن سلام. وقال الشعبي: ما نزل في ابن سلام شئ من القرآن، وثمة روايات اخرى أخرجها في الدر المنثور تبعد نزول هذه الآية في عبد الله بن سلام المذكور (2). المأثور في تمييز المكي والمدني: قد تقدم بعض ما نقل عن أئمتنا في بيان بعض الموارد، وننقل هنا ما نقل عن بعض الأصحاب، فنقول: روى السيوطي في الإتقان عن فضائل القرآن لابن الضريس بسند ذكره عن ابن عباس قال: كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة، ثم يزيد الله فيها ما يشاء، وكان أول ما انزل من القرآن " اقرأ باسم ربك " ثم " ن " ثم " يا أيها المزمل " ثم " يا أيها المدثر " ثم " تبت يدا أبي لهب " ثم " إذا الشمس كورت " ثم " سبح اسم ربك الأعلى " ثم " والليل إذا يغشى " ثم " والفجر " ثم " والضحى " ثم " ألم نشرح " ثم " والعصر " ثم " والعاديات " ثم " إنا أعطيناك " ثم " ألهاكم التكاثر " ثم " أرأيت الذي يكذب " ثم " قل يا أيها الكافرون " ثم " ألم تر كيف فعل ربك " ثم " قل أعوذ


(1) رسالة الإسلام الصادرة عن دار التقريب في القاهرة: السنة الثانية عشرة ص 361. (2) راجع الدر المنثور: ج 4 ص 69. (*)

[ 298 ]

برب الفلق " ثم " قل أعوذ برب الناس " ثم " قل هو الله أحد " ثم " والنجم " ثم " عبس " ثم " إنا أنزلناه في ليلة القدر " ثم " والشمس وضحاها " ثم " والسماء ذات البروج " ثم " والتين " ثم " لإيلاف قريش " ثم " القارعة " ثم " لا اقسم بيوم القيامة " ثم " ويل لكل همزة " ثم " والمرسلات " ثم " ق " ثم " لا اقسم بهذا البلد " ثم " والسماء والطارق " ثم " اقتربت الساعة " ثم " ص " ثم " الأعراف " ثم " قل اوحي " ثم " يس " ثم " الفرقان " ثم " الملائكة " ثم " كهيعص " ثم " طه " ثم " الواقعة " ثم " طسم الشعراء " ثم " طس " ثم " القصص " ثم " بني إسرائيل " ثم " يونس " ثم " هود " ثم " يوسف " ثم " الحجر " ثم " الأنعام " ثم " الصافات " ثم " لقمان " ثم " سبأ " ثم " الزمر " ثم " حم " ثم " المؤمن " ثم " حم السجدة " ثم " حم عسق " ثم " حم الزخرف " ثم " الدخان " ثم " الجاثية " ثم " الأحقاف " ثم " الذاريات " ثم " الغاشية " ثم " الكهف " ثم " النحل " ثم " إنا أرسلنا نوحا " ثم " سورة إبراهيم " ثم " الأنبياء " ثم " المؤمنون " ثم " تنزيل السجدة " ثم " الطور " ثم " تبارك الملك " ثم " الحاقة " ثم " سأل " ثم " عم يتساءلون " ثم " النازعات " ثم " إذا السماء انفطرت " ثم " إذا السماء انشقت " ثم " الروم " ثم " العنكبوت " ثم " ويل للمطففين ". فهذا ما أنزل الله بمكة. ثم أنزل بالمدينة " سورة البقرة " ثم " الأنفال " ثم " آل عمران " ثم " الأحزاب " ثم " الممتحنة " ثم " النساء " ثم " إذا زلزلت " ثم " الحديد " ثم " القتال " ثم " الرعد " ثم " الرحمن " ثم " الإنسان " ثم " الطلاق " ثم " لم يكن " ثم " الحشر " ثم " إذا جاء نصر الله " ثم " النور " ثم " الحج " ثم " المنافقون " ثم " المجادلة " ثم " الحجرات " ثم " التحريم " ثم " الجمعة " ثم " التغابن " ثم " الصف " ثم " الفتح " ثم " المائدة " ثم " براءة " (1). وهذا الحديث كما تراه قد سقطت منه سورة الفاتحة مع أنها أول سورة نزلت بمكة على ما نقل في الإتقان عن الكشاف عن أكثر المفسرين. ونقل أيضا عن


(1) الإتقان: ج 1 ص 11. (*)

[ 299 ]

جابر بن زيد أن أول ما نزل بمكة اقرأ باسم ربك - إلى أن قال: - ثم يا أيها المدثر، ثم الفاتحة... الخ (1). ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى أن الأمين الطبرسي قد روى حديث ابن عباس الآنف في مجمع البيان (2)، لكنه (رحمه الله) قد اشتبه وعد سورة القمر وسورة اقتربت سورتين، مع أنهما واحدة. ويمكن ذلك الاشتباه من الناسخ، ويؤيده قوله فيما بعد: وهي خمس وثمانون سورة، فإنه لو فرض تعدد السورة عنده بتعدد الاسمين لصار عدد السور عنده ستا وثمانين سورة، كما أن ابن النديم قد أورد رواية ابن عباس المذكورة في فهرسته، فلتراجع (3). نظرة في المصاحف المطبوعة اليوم: ثم لا يخفى أن المصاحف المطبوعة متفاوتة بالنسبة إلى ما روي عن ابن عباس، فنلاحظ: 1 - أن القرآن الذي أعده عبد الودود يوسف وطبع بموافقة دار الإفتاء ووزارة الإعلام السورية بتاريخ 10 / 8 / 1975 قد وافق رواية ابن عباس الآنفة، حتى في عدم استثناء بعض الآيات، فعنون السورة كلها بمكية أو مدنية من دون أن يستثني شيئا. 2 - أن المصحف المطبوع في إيران بخط طاهر خوشنويس وقوبل مع القرآن السلطاني (4) قد وافق رواية ابن عباس، إلا في موارد هي:


(1) الإتقان: ج 1 ص 24 و 25. (2) ج 10 ص 405. (3) الفهرست لابن النديم: ص 45. (4) كتب القرآن السلطاني في عصر السلطان سليم بعد فتحه مصر، وكان قد استقدم جميع الخطاطين والفنانين والرسامين إلى عاصمته فكتبوه. (راجع التمهيد في علوم القرآن: ج 1 ص 404). (*)

[ 300 ]

أ - سورة الحمد: فإنها لم ترد في الرواية، ولكن جاء في المصحف السلطاني أنها مكية. ب - سورة الرحمن: مدنية في الرواية، مكية في السلطاني. ج - سورة التحريم: مدنية في الرواية، مكية في السلطاني. د - سورة الناس: مكية في الرواية، مدنية في السلطاني. 3 - أن المصحف الذي طبع في القاهرة بخط قدرغه لي وقوبل بالمصحف الأميري والذي أقرته اللجنة المعينة من قبل فؤاد الأول ملك مصر في وقته تحت إشراف مشيخة الأزهر قد وافق رواية ابن عباس، إلا أنه قد استثنى فيه بعض الآيات، مثلا كتبوا في المصحف: سورة البقرة مدنية، إلا آية 281 فمكية، لكنا قلنا: إن هذا الاستثناء لا دليل عليه، إلا رواية عن ابن عباس تقول إنها نزلت بمنى قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) بواحد وثمانين يوما، ولكنها معارضة بما يدل على خلاف ذلك (1). ولو سلم فقد قلنا: إن المقياس المشهور والمنصور هو تسمية ما نزل قبل الهجرة مكيا، وما نزل بعدها مدنيا، لا ما نزل في مكة والمدينة، كما تقدم، فهي مدنية على هذا القول الأصح. 4 - وثمة مصحف مطبوع في تركيا لسنة 1342 ه‍ بإشراف لجنة وهو أيضا لم تستنثن فيه آيات أصلا. وهذا لعله هو طريقة أكثر المصاحف المطبوعة كما يظهر لمن لاحظها. فتحصل: أن 86 سورة معها الفاتحة كلها مكية، و 28 سورة كلها مدنية من دون استثناء. وأن المراد بالمكي ما أنزله الله قبل الهجرة، وبالمدني ما أنزله الله بعدها، وهو الاصطلاح المعروف والمشهور. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله المنتجبين.


(1) راجع الدر المنثور: ج 1 ص 370. (*)

[ 301 ]

كلمة ختامية وفي الختام فإنني أحمد الله وأشكره على أن وفقني لهذه البحوث التي تتناول عددا من البحوث التي ترتبط بتاريخ القرآن وعلومه. ويعلم الله أنني لم آل جهدا ولم أدخر وسعا في تحقيق الحق في تلكم الموضوعات، بعيدا عن أي تعصب وتحيز لفريق دون آخر، بل عملت بمقتضى الآية الكريمة: * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * فبحثت عن الحق، وأخذت به، أيا كان، وأينما كان. وبعد كل ذلك، فإن رجائي الأكيد من القراء الكرام هو أن يطالعوا هذا الكتاب بدقة، وأن يتحفوني بآرائهم وملاحظاتهم واعتراضاتهم - إن كانت - ويكتبوا بها إلي على العنوان التالي: (إيران - قم المقدسة - دفتر جامعة المدرسين) وأكون لهم من الشاكرين. فإذا ما اقتضى الأمر فإنني سوف أتلافى ذلك في الطبعات اللاحقة للكتاب إن شاء الله تعالى. والله هو الموفق والمسدد، وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين. 14 / 2 / 1400 ه‍. ق. أبو الفضل مير محمدي الزرندي الموافق 13 / دى / 1358 ه‍. ش.

[ 303 ]

الفهارس 1 - فهرس مصادر التحقيق 2 - فهرس إجمالي للكتاب 3 - فهرس محتويات الكتاب

[ 305 ]

فهرس مصادر التحقيق 1 - القرآن الكريم - أ - 2 - إتحاف فضلاء البشر لأحمد محمد البناء 3 - الإتقان في علوم القرآن لعبد الرحمن السيوطي 4 - الاحتجاج لأحمد بن علي الطبرسي 5 - أحكام القرآن لأحمد الجصاص 6 - الإرشاد للشيخ المفيد 7 - أسباب النزول للسيوطي 8 - أسباب نزول القرآن لعلي بن أحمد الواحدي 9 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب ليوسف بن عبد الله القرطبي 10 - الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني 11 - أضواء على السنة المحمدية لمحمود أبو رية 12 - الاعتقادات في دين الإمامية للشيخ الصدوق 13 - إعجاز القرآن لمصطفى صادق الرافعي 14 - أقرب الموارد لسعيد الخوري

[ 306 ]

15 - إملاء ما من به الرحمن لأبي البقاء العكبري 16 - الأوائل لأبي هلال العسكري 17 - إيضاح الفرائد للسيد محمد التنكابني - ب - 18 - بحار الأنوار للشيخ محمد باقر المجلسي 19 - بحر الفوائد لمحمد حسن الاشتياني 20 - بداية المجتهد لابن رشد القرطبي 21 - بيان إعجازالقرآن لمحمد بن محمد الخطابي - ت - 22 - تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان 23 - تاريخ الخلفاء لعبد الرحمن السيوطي 24 - تاريخ القرآن (فارسي) للدكتور محمد راميار 25 - تاريخ القرآن لأبي عبد الله الزنجاني 26 - تاريخ اليعقوبي لأحمد اليعقوبي 27 - تجريد الاعتقاد لنصير الدين الطوسي 28 - تفسير آلاء الرحمن لمحمد جواد البلاغي 29 - تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني 30 - تفسير البيان للإمام الخوئي 31 - تفسير التبيان للشيخ الطوسي 32 - تفسير الجلالين لمحمد بن أحمد وعبد الرحمن السيوطي 33 - تفسر الدر المنثور لعبد الرحمن السيوطي 34 - تفسير الصافي للفيض الكاشاني

[ 307 ]

35 - تفسير الطبري لمحمد بن جرير الطبري 36 - تفسير العياشي لمحمد بن مسعود العياشي 37 - تفسير القمي لعلي بن إبراهيم القمي 38 - التفسير الكبير للفخر الرازي 39 - تفسير الكشاف لمحمود الزمخشري 40 - تفسير مجمع البيان للفضل بن الحسن الطبرسي 41 - تفسير مرآة الأنوار للفتوني النباطي 42 - تفسير المنار لمحمد رشيد رضا 43 - تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي 44 - تفسير النعماني لمحمد بن إبراهيم النعماني 45 - التلخيص لمحمد بن أحمد الذهبي 46 - التمهيد في علوم القرآن للشيخ محمد هادي معرفة 47 - التهذيب للشيخ الطوسي 48 - التوحيد للشيخ الصدوق - ث - 49 - ثواب الأعمال للشيخ الصدوق - ج - 50 - جامع الرواة لمحمد بن علي الأردبيلي 51 - جواهر الكلام للشيخ محمد حسن النجفي - خ - 52 - الخصال للشيخ الصدوق 53 - الخلاصة (خلاصة الأقوال) للعلامة الحلي

[ 308 ]

- د - 54 - دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي 55 - دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني - ذ - 56 - ذكرى الشيعة للشهيد الأول - ر - 57 - رسالة الإسلام لدار التقريب بمصر 58 - رسالة في حديث الثقلين للوشندي القمي 59 - رياض المسائل للسيد علي الطباطبائي - س - 60 - سفينة البحار للشيخ عباس القمي 61 - سنن الترمذي (الجامع الصحيح) لمحمد بن عيسى الترمذي 62 - السنن الكبرى لأحمد بن الحسين البيهقي 63 - السيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي - ش - 64 - شرائع الإسلام للمحقق الحلي 65 - شرح تجريد الاعتقاد لعلي بن محمد القوشجي 66 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 67 - شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده - ص - 68 - صحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل البخاري

[ 309 ]

69 - صحيح مسلم لمسلم بن الحجاج القشيري - ط - 70 - الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد الواقدي - ع - 71 - عدة الاصول للشيخ الطوسي 72 - العقد الفريد لأحمد بن محمد بن عبد ربه 73 - علل الشرائع للشيخ الصدوق 74 - علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم - ف - 75 - فتح الباري لابن حجر العسقلاني 76 - فتوح البلدان لأبي الحسن البلاذري 77 - فصل الخطاب للمحدث النوري 78 - الفصول في الاصول للشيخ محمد حسن الإصفهاني 79 - فلسفة التوحيد والولاية للشيخ محمد جواد مغنية 80 - الفهرست لابن النديم 81 - الفوائد الرجالية للسيد مهدي بحر العلوم - ق - 82 - قاموس الرجال للشيخ محمد تقي التستري 83 - القوانين للميرزا القمي - ك - 84 - الكافي للشيخ الكليني

[ 310 ]

85 - الكامل في التاريخ لعلي بن محمد الشيباني (ابن الأثير) 86 - كتاب سليم بن قيس لسليم بن قيس الهلالي 87 - كتاب سيبويه لعمرو بن عثمان (سيبويه) 88 - كشف الحق ونهج الصدق للعلامة الحلي 89 - كشف الظنون لمصطفى بن عبد الله (الحاج خليفة) 90 - كشف المراد للعلامة الحلي 91 - كفاية الاصول للشيخ محمد كاظم الخراساني 92 - كنز العرفان في فقه القرآن للفاضل المقداد السيوري 93 - كنز العمال لعلي المتقي الهندي 94 - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي - ل - 95 - لسان العرب لمحمد بن مكرم بن منظور - م - 96 - مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح 97 - مباحث في علوم القرآن لمناع القطان 98 - متشابهات القرآن لمحمد بن علي بن شهرآشوب 99 - مجلة الدعوة السعودية 100 - مجلة الهادي 101 - مجمع البحرين لفخر الدين الطريحي 102 - المحاسن لأحمد بن محمد بن خالد البرقي 103 - المدارج المنيفة للسيوطي 104 - مدارك الأحكام للسيد السند محمد بن علي العاملي

[ 311 ]

105 - المراجعات للسيد شرف الدين 106 - المرشد الوجيز لأبي شامة 107 - مروج الذهب لعلي بن الحسين المسعودي 108 - المسائل السروية للشيخ المفيد 109 - المستدرك على الصحيحين لمحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري 110 - مستدرك الوسائل للمحدث النوري 111 - مسند أحمد لأحمد بن محمد بن حنبل الشيباني 112 - المصاحف لابن أبي داود السجستاني 113 - مصباح الفقيه للشيخ رضا الهمداني 114 - المصنف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني 115 - معاني الأخبار للشيخ الصدوق 116 - معاوية بن أبي سفيان في الميزان لعباس محمود العقاد 117 - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن لمحمد فؤاد عبد الباقي 118 - المغني في الفقه لابن قدامة 119 - المفردات في غريب القرآن للراغب الإصفهاني 120 - المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي 121 - مقدمة ابن خلدون لابن خلدون 122 - مناقب آل أبي طالب لمحمد بن علي بن شهرآشوب 123 - مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد بن عبد العظيم الزرقاني 124 - من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق 125 - منتخب كنز العمال لعلي المتقي الهندي 126 - المنتظم لابن الجوزي 127 - المنتهى للعلامة الحلي 128 - ميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي

[ 312 ]

- ن - 129 - الناسخ والمنسوخ لعبد الرحمن العتائقي الحلي 130 - النبي محمد لعبد الكريم الخطيب 131 - النشر في القراءات العشرلابن الجزري 132 - النقط لأبي عمرو الداني 133 - النهاية لمبارك بن محمد الجزري (ابن الأثير) 134 - نور القبس للمرزباني اليغموري 135 - نهج البلاغة جمع السيد الرضي 136 - نهج البلاغة ضبط صبحي الصالح - و - 137 - الوافي للفيض الكاشاني 138 - وسائل الشيعة للحر العاملي 139 - وفيات الأعيان لأحمد بن محمد البرمكي (ابن خلكان) - ي - 140 - ينابيع المودة لسليمان بن إبراهيم القندوزي

[ 313 ]

فهرس إجمالي للكتاب الوحي القرآني 1 - كيف نزل القرآن ؟ 9 2 - فواتح السور 16 3 - حديث نزول القرآن على سبعة أحرف 27 4 - كيف كان لقاء جبرئيل للنبي (صلى الله عليه وآله) ؟ 37 5 - هل نزل القرآن سورا كاملة أو آيات متفرقة ؟ 46 6 - متى تنتهي السورة وتبتدئ غيرها ؟ 57 النبي (صلى الله عليه وآله) والقرآن 1 - هل كان النبي (صلى الله عليه وآله) يعلم بالقرآن قبل نزوله ؟ 65 2 - النبي (صلى الله عليه وآله) لا ينسى ما يوحى إليه من القرآن 74 3 - ألفاظ القرآن ونظمها من الله لا من النبي ولا من غيره 83 4 - تقسيم السور إلى آيات وترتيبها بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) 92 القرآن: المصحف 1 - من هم كتاب الوحي ؟ 107

[ 314 ]

2 - من جمع القرآن ؟ 118 3 - الخط القرآني في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) 129 4 - مصاحف الصحابة 138 5 - إعجام القرآن ونقطه 154 6 - القراءات السبع 164 بحوث قرآنية مهمة 1 - إعجاز القرآن 179 2 - الناسخ والمنسوخ في القرآن 197 3 - المحكم والمتشابه في القرآن 257 4 - قرآنية ما بين الدفتين وحجيته 272 5 - المكي والمدني من القرآن 288 كلمة ختامية 301

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية